إسفار الفصيحباب الفرق

... باب من الفرق (تقول: هي الشفة من الإنسان، ومن ذوات الخف المشفر، ومن ذوات الحافر الجحفلة، ومن ذوات الظلف المقمة والمرمة، ومن الخنزير الفنطيسة، ومن السباع الخطم والخرطوم، ومن ذي1 الالجناح غير الصائد المنقار، ومن الصائد المنسر) 2يعني بكسر الميم وفتح السين.
فهذا آخر ما ذكره ثعلب – رحمه الله – وفي بعضه اضطراب، وأنا أبين لك ذلك لتقف عليه إن شاء الله.
فأما الشفة للإنسان: فمعروفة، وهي غطاء أسنانه3، وهما شفتان، وجمعها شفاه، وقد تقال4 أيضا لغير الإنسان على طريق الاستعارة والتشبيه، فتقال5 للصنم، والصورة في الثوب والحائط، ولحرف الكوز والجرة والقدح والزق وغير ذلك، وهي جانب أعلاه، الموضع6 الذي يجعل منه الشيء فيه.
وأما المشفر: فمكسور الميم، مفتوح الفاء [160/ب] لا غير،

يكون للجمل بمنزلة الشفة للإنسان1، وجمعه مشافر.
فهذا هو الصحيح الأكثر في2 كلام العرب أن يخصوا كل نوع من الحيوان في تسمية أعضائه باسم لا يشركه3 غيره للفرق بيها، وإن اختلفت هيئاتها في الرخاوة والصلابة واللين والرقة والصغر والعظم وغير ذلك، ومن الأعضاء ما أشركت4 العرب في التسمية بها بين بعض أنواع الحيوان وغيره وبين بعضها، ومنها استعارت بعضها لبعض على طريق التشبيه أو المدح، وأو الذم والعيب، فمن ذلك أنهم قالوا للإنسان مشفر أيضا، وذلك إما على طريق الضخم والغلظ، أو على طريق العيب والذم5، كما قال الفرزدق6:

فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي ... ولكن زنجي غليظ1 المشافر فجعل للإنسان مشفرا لأجل غلظ شفته، وإنما قال: غليظ المشافر بلفظ الجمع، وإنما للإنسان شفتان، فلأن التثنية أول الجمع، لأنها جمع شيء إلى شيء2، فجمع لهذا المعنى، ويجوز أن يكون جمعهما للمبالغة أو جمعهم بما حواليهم مما اتصل بهما3.
وأما ذوات الخف: [161/أ] فإنها الإبل.
والخف من البعير: هو الجلدة الغليظة التي في باطن فرسنه، وهي التي تلي الأرض.
والفرسن من البعير بمنزلة القدم للإنسان.
وأما ذوات الحافر: فهي الخيل والبغال والحمير الأهلية والوحشية.
وأما ذوات الظلف: فهي البقر الأهلية والوحشية، والشاء والظباء، وكل ما كان حافره مشقوقا.
وأما المقمة والمرمة: فالميم مكسورة من أولهما، كالمشفر، ولأنها كالآلات التي تستعمل وتنقل، وجمعها مقام ومرام، وكأنها سميت

مقمة ومرمة، لأنها تقتم بها وترتم1، أي تجمع وتكنس2 بها ما تأكل، وقد قيل فيهما أيضا: مقمة ومرمة بفتح أولهما3، وهي لغة فكأنهما جعلا موضعا للقم والرم، ولم يجعلا بمنزلة الآلتين.
وأما قوله: "ومن الخنزير الفنطيسة، ومن السباع الخطم والخرطوم"، فإن ذكره هذا مع الشفة غلط، لأن أهل اللغة ذكروا عن العرب أن الفنطيسة مكسورة الفاء أنف الخنزير4، ولم يذكر أحد منهم أنها شفته5، وهي فنعليلة من الفطس6، وهو قصر الأنف وانخفاض قصبته، وجمعها فناطيس. وكذلك أيضا قالوا: إن الخطم من كل دابة مقدم [161/ب] أنفه وفمه7.
وقال بعضهم: الخطم ما وقع

عليه الخطام فوق أنف البعير، وكثر حتى قيل: خطم السبع وخطم الفرس1.
والخطام للبعير حبل يجعل على أنفه يقاد به، كما أن الرسن لغيره من الدواب هو حبل يجعل منها على مرسنها، وهو مقدم أنفها.
وجمع الخطم خطوم وخطام، وجمع الخطام – بمعنى الحبل – خطم، مثل كتاب وكتب، وجمع الرسن أرسان.
والخرطوم بضم الخاء: اسم للأنف وما والاه2، وجمعه خراطيم. وقال ابن درستويه: ويقال لأول كل شيء: خرطوم، حتى الخمر أول ما ينزل منها خرطوم، وكل متقدم في كل شيء خرطوم، ومنه قيل للسادات: الخراطيم3.
وقال الجبان: خرطوم كل شيء: أوله، فقيل: ذلك للشفة وما جرى مجراها لتقدم ذلك في الوجه4.
وأما السباع من الدواب: فإنها التي يكون غذواؤها اللحم، وهي تصطاد وتفترس حيوانا آخر يخالفها5 في النوعية وتأكل لحمه، كالأسد والذئب والضبع6 وأشباهها، وكذلك السباع من الطيور، هي التي

تصطاد أيضا، ولا تأكل شيئا سوى اللحم، كالبازي والصقر والنسر وأشباهها.
وأما [162/أ] ذو الجناح: فهو كل طائر، فمنها ما هو صائد، ولا يكون غذاؤه إلا اللحم كالبازي وأشباهه، ومنها ما ليس بصائد، ولا يكون غذاؤه اللحم، كالحمام، والدجاج وغيره.
وجمع المنقار مناقير، وهو مأخوذ من النقر، وهو النقد والحفر1، وجمع المنسر مناسر، وهو مأخوذ من النسر، وهو نتف اللحم وقلعه2.
(وهو الظفر من الإنسان، ومن ذي الخف المنسم، ومن ذي الحافر الحافر، ومن ذي الظلف الظلف، ومن السباع والصائد من الطير المخلب، ومن الطير غير الصائد والكلاب ونحوها البرثن، ويجوز البرثن في السباع كلها) 3. قال أبو سهل: وهذا أيضا موضع فيه اضطراب، وأنا أبينه بتوفيق الله4.
فأما الظفر: فمضموم الظاء والفاء، وتسكين الفاء لغة فيه، ويقال له

أيضا: أظفور1 بضم الألف، وجمع الظفر أظفار، وجمع الأظفار أظافير، وجمع الأظفور أظافير أيضا. وأما المنسم: فهو بفتح الميم وكسر السين، وجمعه مناسم، وفيه لغة أخرى: منسم بكسر الميم وفتح السين2.
وجمع الحافر: حوافر. وجمع الظلف: أظلاف3.
وأما المخلب: [162/ب] فهو بكسر الميم وفتح اللام، وجمعه

مخالب. والبرثن: بضم الباء والثاء، وجمعه براثن. فهذه الفصول كلها صحيحة إلا البرثن فإنه من السباع بمنزلة الإصبع من يد الإنسان، والمخلب يكون في البرثن بمنزلة الظفر من الإصبع. قال هذا أبو زيد الأنصاري وجماعة من أهل اللغة1.
ويؤيد هذا ما قاله أبو زبيد الطائي في وصفه الأسد بحضرة عثمان بن عفان – رضي الله عنه –: "وكف شثنة البراثن إلى مخالب كالمحاجن"2 فأراد غلظ أصابعه، وقوله: "إلى مخالب" أراد مع مخالب، وهي أظافير الأسد، وشبهها – لانعطافها – بالمحاجن، وهي جمع محجن، وهو عصا معوجة الطرف، وهي الصولجان3.
وقد بينت هذا بيانا شافيا في "كتاب الأسد" وبالله التوفيق.

(وهو الثدي من الإنسان، ومن ذوات الخف الأخلاف، والواحد خلف، ومن ذوات الحافر والسباع الأطباء، والواحد طبي، ومن ذوات الظلف الضرع) 1. قال أبو سهل: وهذا موضع فيه تخليط أيضا، وذلك أن الثدي لا يقال إلا للمرأة فقط، ويقال له من الرجل: [163/أ] ثندؤة، وقد تقدم ذكر هذا في الكتاب2.
ويقال له من ذوات الخف والظلف جميعا: الضرع3، وربم قيل لذوات الحافر ضرع أيضا. وأما الخلف بكسر الخاء وسكون اللام: فهو رأس ضرع الناقة، وهو الذي يقبض عليه الحالب عند الحلب، ويلتقمه الفصيل عن الرضاع، وهو بمنزلة الحلمة من رأس الثدي، وجمعه أخلاف. وقد بين هذا أبو عبيد القاسم بن سلام فقال: والخلف: حلمة ضرع الناقة4.
قال أبو سهل: وللناقة أربعة أخلاف، فاثنان منها يسميان القادمين، وهما

المتقدمان اللذان يليان السرة، واثنان يسميان الآخرين، وهما المتأخران اللذان يليان فخذيها وذنبها1.
وأما الأطباء: فهي من ذوات الحافر والسباع والخنزيرة، والواحد طبي بضم الطاء وسكون الباء، وطبي أيضا بكسر الطاء2، وهي الهنية الشاخصة من أجوافها، وهي بمنزلة الحلمة من ثدي المرأة أيضا، وجمعه أطباء، ولذوات الحافر منها طبيان لا غير. وللبقرة أربعة أطباء، وللكلبة ثمانية3.
والضرع جمعه القليل أضرع، والكثير الضروع.
(وإذا أرادت الناقة الفحل قيل: قد [163/ب] ضبعت) 4 بكسر الباء، (ضبعة شديدة) بفتحها، (وهي ضبعة) 5 بكسرها.
(ويقال لذوات الحافر: استودقت) 6 تستودق استيداقا، وهي

مستودقة، (وأودقت) أيضا تودق إيداقا، (وأتان وديق وودوق، وبها وداق) 1 بكسر الواو على فعال، وهو اسم لا مصدر2.
(وقد استحرمت الماعزة، وهي ماعزة حرمى) مفتوحة الحاء مقصورة، وجمعها حرامى وحرام أيضا كعطاش، (وبها حرام) 3 بالكسر أيضا، وهو اسم لا مصدر.
(وقد حنت النعجة) بتخفيف النون، تحنو حناء بكسر الحاء والمد، (وهي حان) 4 بغير هاء، لأنها ليست جارية على فعلها5، وكذلك جميع ما تقدم من أسماء الفاعلات في هذا الباب مما ليس فيه هاء،

فليس هو جاريا على فعله1، ولو أجري على فعله2 لثبتت فيه الهاء3.
(وبها حناء) بالكسر والمد أيضا، اتفق الاسم والمصدر بلفظ واحد.
(وصرفت الكلبة) تصرف صرافا4، (وبها صراف) أيضا، (وهي صارف، وأجعلت أيضا) تجعل إجعالا، (فهي مجعل، وذئبة مجعل، وكذلك السباع كلها) 5. (ويقال للبقرة من الوحش كما يقال للضائنة، والظبية عند العرب ماعزة، والبقرة) [164/أ] الوحشية (عندهم نعجة6، ويقال للظبية إذا أرادت الفحل كما يقال للماعزة) 7. (ويقال: مات الإنسان) 8 يموت موتا، فهو ميت وميت

قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ 1، وقال: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً﴾ 2. (ونفقت الدابة) – وأكثر ما يقال ذلك لذي الحافر3 – ينفق نفوقا، فهو نافق. (وتنبل البعير) ينتبل تنبلا، فهو متنبل: (إذا مات، والنبيلة: الجيفة4.
وقال ابن الأعرابي: وتنبل الإنسان أيضا وغيره: إذا مات5، ومات يصلح في ذلك كله) . وقال الشاعر6: فقلت له يا باجعادة إن تمت ... تمت سيئ الأعمال لا يتقبل وقلت له إن تلفظ النفس كارها ... أدعك ولا أدفنك حين تنبل

(ويقال لجلد بيضة الإنسان: الصفن) 1 بفتح الصاد والفاء2، والجمع أصفان.
وفي رواية مبرمان عن ثعلب - رحمه الله -: (ويقال لوعاء قضيب الإنسان: الصفن) 3. (ووعاء قضيب البعير: الثيل) 4 بكسر الثاء وسكون الياء، وجمعه أثيال، على مثال ميل وأميال.
(ووعاء قضيب الفرس وغيره من ذوات [164/ب] الحافر: القنب) 5 بضم القاف وسكون النون، وجمعه أقناب.

(ويقال لما يخرج من بطن المولود من الناس قبل أن يأكل: العقي) 1 بكسر العين وسكون القاف، والجمع أعقاء.
(ويقال له من ذوات الحافر: الردج) 2 بفتح الراء والدال، وجمعه أرداج.
وكانت نساء الأعراب يخلطن فيه صمغا وغيره، ثم يتطررن به3، ويزين به وجوههن وشعورهن، ولذلك قال الشاعر – ووصف امرأة قد استعدته4 -: لها ردج في بيتها تستعده ... إذا جاءها يوما من الناس خاطب

(ويقال له من ذوات الخف: السخت) 1 بالتاء، (و) بعضهم يقول: (السخد) 2 بالدال، وهما على مثال برد وقفل، والجمع أسخات وأسخاد. تم كتاب إسفار الفصيح3.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي، وآله الطيبين الطاهرين، وسلم تسليما4.
بلغ السماع لصاحبه شهاب بن علي بن أبي الرجال، بقراءة مؤلفه الشيخ أبي سهل محمد بن علي الهروي عليه كله في داره بمصر لاثنتي عشرة خلون من ذي الحجة سنة سبع وعشرين وأربعمائة.
وسمع ذلك أبو القاسم مكي بن خلف البصري، وعلي ابن خلف اللواتي، وصلى الله على نبيه محمد وسلم.

جارٍ التحميل