إسفار الفصيحصفحات 245-284

الفصل الثاني: دراسة كتاب إسفار الفصيح

صفحات 245-284

وقال زهير: فقال شياه راتعات بقفرة ... بمستأسد القريان حُوٍّ مسائله1 5- الاستشهاد على مسائل نحوية، كقوله: "وأما من قال: شتان ما هما، وشتان ما زيد وعمرو، فإنه رفع زيدا وعمرا بشتان أيضا، وجعل ما زائدة للتوكيد، ويحتج بقول الأعشى: شتان ما يومي على كورها ويوم حيان أخي جابر وأما من قال: شتان ما بينهما، وشتان ما بين زيد وعمرو، فإنه جعل ما هاهنا بمعنى الذي وجعلها في رفع بشتان، وبين من صلتها، والمعنى: شتان الذي بينهما، أي افترق الذي بينهما، ويحتج بقول أبي الأسود الدؤلي: لشتان ما بيني وبينك إنني ... على كل حال أستقيم وتظلع2 6- الاستشهاد على بعض المسائل العروضية، والاستعمالات المجازية، وقد سبقت أمثلة لذلك في منهجه3.

المبحث السادس: الموازنة بين شرح أبي سهل لكتاب الفصيح وبعض شروحه الأخرى

. أشرت في تمهيد هذه الدراسة إلى أهمية كتاب الفصيح، وانعكاس هذه الأهمية على جهود العلماء الذي تناولوه بالشرح والتهذيب والنقد والاستدرك والتذييل.
وأحصيت من شروحه (48) شرحا ما بين مطبوع ومخطوط ومفقود.
وقد تفاوتت هذه الشروح فيما بينها من حيث الأهمية والمنهج، وسأكتفي في هذا المبحث بالموازنة بين أربعة من شروح الفصيح تمثل على وجه التقريب مناهج وبيئات وأزمنة مختلفة، وهي شرح أبي سهل هذا، وتصحيح الفصيح لابن درستويه، وشرح ابن هشام اللخمي، وموطئة الفصيح لابن الطيب، أو شرح نظم الفصيح.
أولا: تصحيح الفصيح.
مؤلف هذا الشرح أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه، من علماء اللغة والنحو والأدب، أخذ عن ابن قتيبة والمبرد وثعلب وغيرهم، وكان شديد الانتصار للمذهب البصري، له مصنفات كثيرة في فنون مختلفة من أهمها كتابه هذا موضوع الموازنة، توفي - رحمه الله - في بغداد سنة 347هـ1.

منهجه في تصحيح الفصيح: استهل ابن درستويه شرحه بمقدمة أشار فيها إلى أن سبب تأليف الكتاب، وهو تصحيح ما في الفصيح من أوهام، وإكمال ما فيه من نقص مع شرح ألفاظه وتفسيرها، وذلك لإقبال الناس عليه وحاجة كتاب الدواوين إليه. ثم أبان فيها عن منهجه الذي سلكه في تأليفه، فقال: "فشرحنا لمن عني بحفظه معاني أبنيته وتصريف أمثلته ومقاييس نظائره، وتفسير ما يجب تفسيره من غريبه، واختلاف اللغات منه، دون ما لا يتعلق به، وبينا الصواب والخطأ منه، ونبهنا منه على مواضع السهو والإغفال من مؤلفه، لتتم فائدة قارئه، وتكثر المنفعة له فيه، ويعرف كثير من علل النحو، وضروبا من أبنية وتصاريف صحيح اللغة معتلها ووجوها من المجازات والحقائق والتشبيهات والاستعارات المؤدية إلى علم كثير من كتاب الله عز وجل، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسائر مخاطبات بلغاء العرب وشعرائها"1.
وقد التزم بهذا المنهج في الكتاب كله تقريبا، ويمكن توضيح طريقته في ذلك بما يلي: ابتدأ بشرح الباب الأول مضيفا إلى عنوان الباب كلمة "تصحيح"وهكذا في سائر الأبواب، لينبئ منذ البدء أنه معني بتصحيح

ما في تلك الأبواب من أخطاء، وذلك كقوله: "تصحيح الباب الأول، وهو باب فعلت بفتح العين "، وقوله في الباب الأخير: "تصحيح الباب الثاني والثلاثين، وهو المترجم باب الفرق".
2- قسم باب المصادر على ثلاثة أبواب، فبلغت أبواب كتابه، اثنين وثلاثين بابا، وهي في الفصيح ثلاثون بابا فقط.
3- يبدأ في شرح الباب بعرض بعض مسائل العربية ذات العلاقة بالألفاظ الواردة في الباب، وينبه في أثناء ذلك إلى أخطاء ثعلب وأوهامه، كإدراج بعض الألفاظ في غير أبوابها، أو التنبيه على أن بعض الأبواب مما بمكن الاستغناء عنه بباب سابق أو لاحق، أو بتفريق ألفاظه على سائر أبواب الكتاب.
وقد يناقش في أثناء ذلك بعض أقوال العلماء فيقبل ما يراه صوابا ويرد ما يراه خاطئا.
فإذا انتهى من ذلك عمد إلى تفسير الغريب من ألفاظ الباب، فيبسط معنى اللفظ، ويذكر اشتقاقه وتصريفه.
وكان يبدأ التفسير في الغالب بعبارة "فأما تفسير غريب هذا الباب"أو نحو ذلك.
4- يستشهد على ما يقول بالقرآن الكريم والحديث الشريف، وكلام العرب شعرا ونثرا، وتوزعت شواهده الشعرية عصور مختلفة، فاستشهد بشعر الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين، كما استشهد بشعر بعض المولدين.

5- يعد الكتاب من الشروح المطولة التي تنزع إلى التوسع في شرح ألفاظ الفصيح، واستقصاء القول في المسائل والتعليل لها، ولكن ابن درستويه قد يخالف هذا المنهج فيوجز في شرح بعض الألفاظ إيجازا شديدا، بل قد يدع بعضها من غير شرح. 6- يعنى عناية فائقة بلحن العامة، فلا يكاد يدع لفظا ذكره ثعلب إلا نبه على مقابله العامي، مصدرا ذلك بعبارة: "وإنما ذكره، لأن العامة تقول ... "، ثم يحكم على قولها بالخطأ، أو يصوبه حملا على لغة من لغات العرب، أو على قول أحد العلماء1.
7- ينتصر للمذهب البصري، بل يتعصب له أحيانا فيحمل كلام ثعلب على الخطأ "في أمور هي في الحقيقة من مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين"2.
8- اعتمد القياس في أكثر ردوده على ثعلب، وعبر عن موقفه من القياس بمثل قوله: "....إنما المصدر الصحيح في الأم على الفعولة منها: الأموهة، لأن الكلام لا ضرورة فيه، ولأن القياس أولى من الشذوذ.
وكان يجب عليه إذا حكى المسموع الشاذ أن يعين المقيس ولا يختار إلا الأجود"3.

ثانيا- شرح ابن هشام اللخمي.
مؤلفه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن هشام اللخمي الأندلسي السبتي، أخذ عن أبي بكر بن العربي، وأبي طاهر السلفي، وغيرهما.
له مصنفات عدة منها: شرح مقصورة ابن دريد، والمدخل إلى تقويم اللسان، وشرح الفصيح موضوع الموازنة.
توفي – رحمه الله – بإشبيلية سنة 577 هـ1. منهجه في شرح الفصيح: افتتح ابن هشام شرحه بمقدمة ذكر فيها سبب تأليف هذا الكتاب ووضح منهجه فيهن فقال: "سألتني – وفقني الله وإياك لمنهجه القويم وصراطه المستقيم – أن أشرح لك ما وقع في كتاب الفصيح من الألفاظ المشكلة والمعاني المقفلة، وأنبهك على ما فيه من الهفوات والسقطات على ما اتصل بي في أصح الروايات، وذكرت أن أكثر ما تقدم إلى شرحه لم يشفوا عليلا، ولا بردوا غليلا، ولا استوفوا غرضا، ولا ميزوا من جوهره عرضا، وإنما فسروا من كل بعضا، وذكروا من فيض غيضا، وتركوا ما كان إيضاحه واجبا عليهم وفرضا، ولا سيما للمبتدئ الذي يخبط في الجهالة خبط عشواء، وتنبهم عليه أكثر الأشياء، وليس عنده من الأداة إلا القلم والدواة، فأجبتك إلى ذلك، رجاء ثواب الله وغفرانه، وابتغاء فضله وريحانه ولم أترك فيه حرفا إلا شرحته، ولا معنى مستغلقا إلا أبنته

وأوضحته ... وها أنا أبدأ بشرح أبوابه، وذكر المهم من معانيه وإعرابه، على طريق الإيجاز والاختصار، ومجانبة الإكثار"1 ثم شرع مباشرة بعد هذه الخطبة في شرح ألفاظ الباب الأول من كتاب الفصيح، ثم ألفاظ الباب الثاني.... وهكذا إلى الباب الأخير.
ويمكن توضيح المنهج الذي سار عليه في هذا الشرح بما يلي: 1- يذكر عبارة الفصيح كاملة مسبوقة بعبارة: "وقوله"أو "وقول أبي العباس"ويعني بالتعبيرين أبا العباس ثعلب مؤلف الفصيح، ثم يعقب ذلك وقوله: "قال الفسر"أو "قال الشارح".
وقد يبدأ في شرح عبارة الفصيح دون إشارة.
2- يوضح معاني الألفاظ، ويذكر صيغها ومشتقاتها، بأسلوب أدبي واضح بين بعيد عن الغموض والإكثار والتكرار.
3- يشير إلى الألفاظ التي تلحن فيها العامة، ويوضح سبب الخطأ، ويذكر صوابه، وقد يحمل بعض ما تقوله العامة على لغة من لغات العرب، وإن كانت رديئة أو أقل فصاحة2.
4- عرض لعدد من المسائل اللغوية والصرفية والنحوية3، وقد يشير في أثناء ذلك إلى بعض مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين4.

5- يستشهد على كثير مما يقول بالقرآن الكريم وبعض قراءاته، وبالحديث الشريف، وبكلام العرب شعرا ونثرا. وكانت شواهده الشعرية موزعة على شعراء جاهليين، ومخضرمين وإسلاميين، ومحدثين. 6- يورد أقوال العلماء كالخليل، والأصمعي، وأبي زيد، ويونس، وسيبويه، والكسائي، والفراء، وابن السكيت، وأبي عبيد، وابن قتيبة، وغيرهم، وكان يصرح بأسمائهم في الغالب، وقد يشير إلى كتبهم. 7- اطلع على بعض ما كتب حول الفصيح من شروح واستدراكات ومآخذ، فنقل عن شرح الفصيح لابن درستويه، وشرح ابن خالويه، وشرح أبي عمر الزاهد، وشرح ابن جني، كما نقل بعض مآخذ الزجاج على ثعلب في المحاورة التي جرت بينهما، ومآخذ علي ابن حمزة أيضا على ثعلب في التنبيه على ما في الفصيح من الغلط1.
وقد تباين موقفه من مآخذ العلماء على ثعلب فأحيانا يوافقهم، وأحيانا يرد عليهم، وأحيانا يورد أقوالهم دون أن يبدئ في ذلك رأيا2.
8- نبه على بعض أوهام ثعلب كما شرط على نفسه في المقدمة، ولكن من غير تحامل أو تعسف في إصدار الأحكام3.

9- السمة الغالبة على شرحه الإيجاز والاختصار، ولكنه قد ينزع إلى الاستطراد فيشرح بعض الألفاظ العارضة، ويفسر بعض الشواهد الشعرية، وينسبها إلى رواياتها وأقوال العلماء فيها، وقد يورد بعض القطوعات الشعرية، ويجري بعض الموازنات النقدية1.
10- ترجم لبعض الأعلام2، وعرف ببعض الأماكن والبلدان3، وشرح قصص بعض الأمثال، فعرف بقائليها، والمناسبات التي قيلت فيها4.
ثالثا: موطئة الفصيح لموطأة الفصيح (أو شرح نظم الفصيح) . مؤلف هذا الشرح أبو عبد الله شمس الدين محمد بن الطيب بن محمد الفاسي، المغربي، المدني، ولد في مدينة فاس سنة 1110هـ، وبها نشأ وتلقى تحصيله العلمي، ثم ارتحل إلى أرض الحجاز، واستوطن المدينة ومنها أخذ يتنقل ويرتحل ويعود إلى أن توفي بها سنة 1173هـ. أخذ عنه عدد كبير من طلاب العلم، من أشهرهم السيد محمد مرتضى الحسيني الزبيدي المتوفى سنة 1205هـ، صاحب تاج العروس، وترك عددا من الآثار في فنون مختلفة، من أهمها: إضاءة الراموس،

وهو حاشية على القاموس المحيط، وتحرير الرواية في تقرير الكفاية، وهو شرح كفاية المتحفط لابن الإجدابي، وموطئة الفصيح لموطأة الفصيح، وهو شرح نظم الفصيح لمالك بن المرحل المتوفى سنة 699هـ، وهو موضوع الموازنة في هذا المبحث1.
واخترت هذا الكتاب للموازنة، لأنه يمثل منهجا مختلفا من شروح الفصيح، وهو كونه شرحا غير مباشر للفصيح من خلال شرح إحدى منظوماته، فضلا عن تأخر زمن مؤلفه واختلاف بيئته.
منهجه في الكتاب: استهل ابن الطيب شرحه بمقدمة ضافية وضح فيها تفاصيل المنهج الذي سلكه في تأليف هذا الشرح، فقال: "فهذه تحريرات..... حليت بها جيد نظم الفصيح، وأودعتها كل لفظ وائق ومعنى فصيح، وأوضحت فيها مشكلات حارت فيها العقول، وفتحت مقفلات ترددت فيها النقول، ولم أكن ممن ديدنه التقليد لأحد من البشر....ولكن أدور مع الحق حيثما دار، وأتصف بالإنصاف – بتوفيق الله تعالى – لأنه منار الفهم الذي عليه المدار ... وقد حققت القول في كل مسألة من المسائل.... ووشحت عطفه بوشاح الإعراب، فاستغنت ألفاظه عن الإيضاح والإعراب، ولم أدع تركيبا إلا أوضحت معناه، وبينت مبناه، ولم أخله من النصوص

والشواهد وربما قلدته من جواهر الآداب أسنى القلائد، لأنه قد يشير لحكم أدبية، ويستدعي أمثالا عربية، فنلم ببعض ما قيل في ذلك، ونقتصد في سلوك تلك المسالك، وإذا أنشدنا شاهدا بينا غريبه، وأوضحنا بعيده وقريبه، وإذا ألم بأحد عينا كنيته واسمه، وبينا في التعريف به حالته ولقبه ووسمه، وأوردنا ماله من الأخبار العجيبة، وقصدنا من مستحسنها بديعه وعجيبه، إحماضا لسائمة العقول والأبصار، وتنشيطا لها بالانتقال من مضمار إلى مضمار، وإذا أعاد لفظا عدنا لتفسيره، ولم نكتف بما مر من تقريره"1.
وبعد هذه المقدمة أخذ في شرح ألفاظ البسملة في نحو ست صفحات، ثم شرع بعد ذلك "في شرح أبيات الموطأة بيتا بيتا، وكلمة كلمة، ويفسر ألفاظ كل بيت على حدة، وأحيانا شطر بيت أو أقل، ويعلق عليه بما يوضح معناه العام، وينصب اهتمامه على اللفظ الفصيح الذي أورده ثعلب، ونظمه ابن المرحل، فيبين اللغات فيه، وينبه على أفصحيتها أو رداءتها، ويورد أقوال العلماء المؤيدة لأحدهما، وإن كان ثمة خلاف يوضحه، ويناقشه ثم يرد عليه أحيانا مدعوما بالدليل السماعي أو القياسي، وإن كانت اللغة عامية أو خاطئة أشار إلى ذلك.... ثم يختم ذلك بإعراب بيت الموطأة المشروح ... مع إشارة سريعة إلى ما فيه من نكات بلاغية وعروضية.
بعد ذلك ينتقل إلى البيت أو الشطر الذي يليه، فيفعل فيه كما فعل

بسابقه، وهكذا....حتى ينتهي من أبيات الباب الأول، ثم الباب الثاني، فالثالث فالرابع ... وهكذا. مع ملاحظة ما يقوم به من شرح لترجمة كل باب ذكره ثعلب قبل البدء في الكلام عليه"1.
وسأذكر فيما يلي نموذجا من شرح أبي سهل الهروي، وما يقابله من الشروح الثلاثة على الترتيب، ثم أوازن بين هذه الشروح في طريقة تناول المادة اللغوية، مبينا أوجه الاتفاق والافتراق فيما بينها.
1- قال أبو سهل: "وأجن الماء يأجن ويأجن أجنا وأجونا، فهو آجن: إذا تغير لونه وريحه وطعمه، لتقادم عهده في الموضع الذي يكون فيه، إلا أنه يمكن شربه.
ومنه قول الراجز: منهل الغراب فيه ميت ... كأنه من الأجون زيت سقيت منه القوم واستقيت شبه لون الماء لتغيره بلون الزيت.
وقال علقمة بن عبدة: إذا وردت ماء كأن جمامه من الأجن حناء معا وصبيب

جمام الماء: معظمه وكثرته. فشبهه في صفرته بالحناء، وهو معروف، وبالصبيب، وهو شجر يكون بالحجاز يختضب به مثل الحناء، يصفر ويصبغ به، وتخضب أيضا به الرؤوس. وفيه أقوال أخر غير هذا، تركت ذكرها هنا خوف الإطالة، وقد ذكرتها في الكتاب "المنمق"وبالله التوفيق"1.
2- وقال ابن درستويه: "وأما قوله: أجن الماء يأجن، فمعناه: تغير لونه وطعمه لطول وكوده وتقادم عهده.
ولذلك قال الشاعر: ومنهل فيه الغراب ميت ... كأنه من الأجون زيت سقيت منه القوم واستقيت والأجون مصدره، واسم فاعله آجن، على بناء الفاعل، وإنما ذكره لأن العامة تقول فيه: أجن بكسر الجيم من الماضي، وهو خطأ، إلا بالفتح، فأما مستقبله فيكسر ويضم على قياس الباب"2.
3- وقال ابن هشام اللخمي: "أجن الماء: تغير لونه وطعمه لتقادم عهده، وقالوا: أجن وأسن

كذلك، والأجنة في الماء أقل في الفساد من الأسنة، وقالوا: أسن".
4- وقال ابن الطيب الفاسي: "قوله1: وأجن الماء وماء آجن ... وأسن الماء وماء آسن معناهما تغير في الطعم ... واللون والريح فقل بعلم وقل من الفعلين في استقبال ... يفعل أو يفعل لا تبالي يقال: أجن الماء يأجن بالضم، كينصر، ويأجن بالكسر، كيضرب، أجنا بالفتح، وأجونا بالضم، فهو آجن على فاعل، وفيه لغة: أجن بالكسر، يأجن بالفتح، كيفرح، أجنا بالتحريك فهو أجن ككتف، وهذه مقابلة الفصيح، والله أعلم: إذا تغير طعمه ولونه وريحه. وأسن كأجن في لغاته وتصريفه ومعناه وفصيحه ومقابله، كما قال في القاموس والصحاح وغيرها. وفرق بينهما في المعنى صاحب المصباح، فقال: أجن: تغير إلا أنه يشرب، وأسن تغير فلم يشرب، وذكر هذه التفرقة ابن القطاع أيضا"2.
وعند الموازنة بين هذه النصوص تتضح لنا أوجه الاتفاق والافتراق

التالية: 1- اتفق الجميع على بيان المدلول اللغوي لمادة "أجن"إلا أن أبا سهل كان أكثر توضيحا لها من الباقين.
2- اتفق الجميع على ذكر تصاريف المادة عدا ابن هشام.
3- اتفق الجميع على ذكر اللغة الأخرى في الفعل المضارع عدا ابن هشام أيضا.
4- استشهد أبو سهل وابن درستويه لتوضيح شرحهما بشاهد من الرجز، ولم ينسباهن وزاد عليه أبو سهل شاهدا آخر من الشعر ونسبه لقائله، أما ابن هشام وابن الطيب فلم يستشهدا على شرح هذه المادة.
5- انفرد أبو سهل بذكر بعض الظواهر البلاغية، كما استطرد في شرح وتوضيح بعض ألفاظ الشاهد الشعري، ولكن بإيجاز، معللا ذلك بخشية الإطالة، مع الإحالة على أحد كتبه لاستيفاء القول فيما أوجز، وكأنه أدرك أن من مقومات المنهج العلمي السليم ألا يستطرد أو يتوسع في شرح ألفاظ خارجة عن مادة كتاب الفصيح.
6- عد ابن درستويه "أجن"بكسر الجيم في الماضي من خطأ العامة، وعدها ابن هشام وابن الطيب لغة أخرى تقابل الفصيح، ولم يرد شيء من ذلك عند أبي سهل.

7- م يذكر أبوسهل وابن درستويه مادة "أسن"، وقد ذكرت في الفصيح والتلويح تالية لمادة "أجن"وفسرتا بمعنى واحد، وكذلك ذكهما معا ابن هشام وابن الطيب، لكنهما اختلفا في تفسيرهما، ففرق بينهما الأول، وفسرهما الثاني بمعنى واحد، ثم أشار إلى تفريق بعض العلماء بينهما.
8- صرح ابن الطيب ببعض المصادر التي اعتمد عليها، ولم يرد شيء من ذلك عند الباقين.
وبعد فهذه النصوص المذكورة لا تمثل مناهج الشراح الأربعة بكامل تفاصيلها، ففي شروحهم أمثلة أخرى كثيرة تتفق وتفترق، وغاية الأمر مما ذكرناه التمثيل لا الحصر.

المبحث السابع: تقويم الكتاب

. أولا: أهمية الكتاب: سبق أن قلت: إن هذا الكتاب من أشهر مؤلفات أبي سهل، وإنه من آخر مصنفاته التي تمثل قمة إنتاجه وغزارة علمه.
وقد تفاوتت شروح كتاب الفصيح فيما بينها من حيث الأهمية والصحة والاستشهاد، فكان شرح أبي سهل من أهم تلك الشروح وأصوبها، ولعل ذلك يعود إلى غزارة مادته العلمية، وطرافة أسلوبه، وحسن سبكه، إلى جانب كونه شرحا وافيا ليس فيه الإيجاز المخل، ولا الإطناب الممل.
ولذلك كان هذا الكتاب موضع اهتمام كثير من العلماء، ومصدرا مهما من مصادرهم، وذا أثر لا ينكر في الدراسات اللغوية والنحوية، كما سيتضح ذلك في حديثنا عن أثره.
وقد اكتسب هذه القيمة أو الأهمية من أمور متعددة، أذكر منها: 1- كونه من شروح الفصيح، ذلك الكتاب الذي ذاع صيته بين الناس، ورزق شهرة وأهمية لم ينلها كثير من كتب العربية على كثرتها وتنوع موضوعاتها.
2- للكتاب قيمة مستمدة من مؤلفه، فأبو سهل كان من أئمة علماء

اللغة، ورواتها.
3- للكتاب قيمة أثرية أو تاريخية بالغة، فقد انتهى أبو سهل من تأليفه في نحو سنة 427هـ، أي قبل كثير من النكبات التي قضت على معظم تراث الأمة الفكري، ومعلوم أن نهر دجلة غدا في واحدة من هذه النكبات جسرا من الكتب تعبر عليه الهمجية المغولية، وشاءت قدرة الله تعالى أن ينجو من هذه النكبات، ويصل إلينا سليما بخط مؤلفه.
4- احتوى الكتاب على قدر كبير من مفردات اللغة وشروحها، فقارئه يجد فيه شرحا وتوضيحا لأكثر ألفاظ الفصيح، وتحليلا مفصلا لأصولها واشتقاقها وتطورها واستعمالاتها، مع عرض كثير من المسائل اللغوية والنحوية والصرفية ذات العلاقة بالمفردات المشروحة، كل ذلك بأسلوب واضح مشرق.
هذه الظاهرة تكاد تكون أهم ميزة لكتابه، حيث يمكن أن يعد من أمهات كتب اللغة التي حفظت لنا الثروة اللغوية.
5- حرص مؤلفه على ضبط أكثر ألفاظه ضبط عبارة حتى لا يتسرب إليه الخطأ أو التصحيف والتحريف، فيمكن أن يعد مصدرا مهما لضبط كثير من الألفاظ التي لم تنص على ضبطها كتب اللغة.
6- يضم عددا كبيرا من الشواهد القرآنية، والأحاديث النبوية، وفصيح كلام العرب شعرا ونثرا.
7- ذكر مؤلفه كثيرا من أقوال العامة، فوافق ثعلبا في تخطئة بعض أقوالها، وأطلعنا في الوقت نفسه على كثير من الألفاظ اللغوية الصحيحة

التي عدها ثعلب من لحن العامة نتيجة تشدده، أو ترجيحه لغة على غيرها من اللغات، كما تفرد بذكر بعض ما تلحن فيه العامة مما لم تذكره الكتب المخصصة لذلك1.
8- ذكر مؤلفه عددا من الكلمات المعربة أو الدخيلة، وأشار إلى أصول بعض تلك الكلمات في لغاتها الأصلية2.
9- نقل مؤلفه عن بعض الكتب المفقودة، مثل كتاب النخلة لابن خالويه3 الذي كنا نجهله تماما من قبل، كما نقل عن كتب نشرت ناقصة، مثل نقله عن الجزء المفقود من كتاب النبات لأبي حنيفة4، وعن تصحيح الفصيح لابن درستويه5، ونقل عن كتب لا تزال مخطوطة، كالغريب المصنف لأبي عبيد6، كما نقل نصوصا عن كتب مطبوعة ليست فيها تلك النصوص، كنقله عن كتاب العين للخليل بن أحمد7.
تفرد مؤلفه بنقل أقوال لأبي زيد الأنصاري8، والفراء9،

والنضل بن شميل1، وأبي حاتم السجستاني2، وأبي علي الآمدي3، والتميمي النحوي4، لم أجدها في كتاب غيره، كما تفرد بأقوال نقلها بالتلقي عن أبيه علي بن محمد الهروي، وشيخه جنادة بن محمد الهروي5.
11- ذكر مؤلفه عددا من مؤلفاته الأخرى، منها ما لم يعرفه أحد من قبل. 12- سجل لنا بعض مظاهر اختلاف اللهجات أو اللغات في عصره6.
13- اعتمد مؤلفه على نسخ عالية السند من كتاب الفصيح، وأشار إلى عدد من رواياته المختلفة، وحكم على بعضها بالصحة، أو الضعف، أوالخطأ7.
14- استشهد مؤلفه بعدد من الشواهد الشعرية لشعراء أخلت بها

دواوينهم المطبوعة، كالأعشى1 وابن مقبل2، والكميت3،ورؤبة4، وعمر بن أبي ربيعة5، وغيرهم. وأتم شاهدا شعريا لم يرد في المصادر إلا عجزه6.
واستشهد أيضا بعدد من الشواهد الشعرية النادرة لم أقف عليها في مصدره سواه مع شدة البحث والتنقيب عنها7.
كما نبه على كثير من الروايات النادرة في شواهده الشعرية8، أو أنشدها بروايات مخالفة لما في المصادر، وقد أشرت إلى ذلك في حواشي التحقيق.
ثانيا: أثره في اللاحقين: لاشك أن الأثر الذي يخلفه العالم فيمن يأتي بعده يمثل ركنا أساسيا في إظهار قيمة كتابه، وتقدير مدى أصالته، واستقلال شخصية مؤلفه، ونفاذ إشعاعه العلمي في مؤلفات وأفكار اللاحقين به.
وقد كنت أشرت في حديثي عن مؤلفات أبي سهل إلى طائفة من العلماء الذين

نقلوا من مؤلفاته كلها تقريبا وأرجأت الحديث عن أثر إسفار الفصيح إلى هذا البحث.
وقد أفاد عدد من العلماء من كتاب إسفار الفصيح، فنقلوا عنه في آثارهم اللغوية والنحوية، منهم من صرح باسم الكتاب أو اسم مؤلفه، ومنهم من لم يصرح، وفيما يلي بيان بأسماء أولئك العلماء مرتبين بحسب وفياتهم: 1- أبو محمد عبد الله بن بري المصري (ت 582هـ) . نقل عنه في التنبيه والإيضاح في رواية شاهد شعري1، وقد انفرد أبو سهل ببعض الشواهد الشعرية فنقلها عنه ابن بري في هذا الكتاب- كما ثبت لدي بالتحقيق والمقابلة – دون أن يعزو ذلك إليه، وقد أنشدها ابن منظور عن ابن بري في شرح المواد التالية: (صيص) 7/52، (صرع) 8/198، (زبرق) 10/139، (بلل) 11/67، (حرى) 14/173، (شفى) 14/2438. كما نقل عنه أيضا في حاشيته على درة الغواص، وذلك في موضع واحد بعد إنشاد قول الكميت: تلقى الندى ومخلدا حليفين1 (سود) 1/29، وعنه في اللسان 10/37، والتاج 6/308 (حيق) . وينظر: إسفار الفصيح 618.

كانا معا في مهده رضيعين ... تنازعا فيه لبان الثديين قال: "وقال أبو سهل الهروي: لبان هنا جمع لبن"1.
2- ابن منظور محمد بن مكرم الأنصاري (ت 711هـ) . نقل عنه في "لسان العرب"في موضعين صرح في أحدهما باسم أبي سهل واسم كتابه، فقال: "وأنشد أبو سهل في إسفار الفصيح في باب المشدد بيتا آخر، جاء به شاهدا على الضح، وهو: أبيض أبرزه للضح راقبه ... مقلد قضب الريحان مفعوم2 واكتفى في الموضع الآخر بذكر اسم أبي سهل فقال: "وقال ثعلب: أفصح الأعجمي، قال أبو سهل: أي تكلم بالعربية بعد أن كان أعجميا"3.
وأميل إلى درجة اليقين إلى أن هذين النصين نقلهما ابن منظور من التنبيه والإيضاح لابن بري، وإن لم يذكره صراحة، لكونه المظنة الأكيدة لهذين النصين من بين مصادره الخمسة، وذلك بعد أن تأكدت من عدم وجودهما في المحكم والنهاية، وأسقطت التهذيب والصحاح من الاعتبار لتقدمهما.

3- أبو حيان محمد بن يوسف بن علي الغرناطي الأندلسي (ت 745هـ) . نقل عنه في "ارتشاف الضرب"في ثلاثة مواضع، صرح في أحدها باسم الكتاب ومؤلفه فقال: "وزاد ابن مالك حرى، ويحتاج ذلك إلى استثبات، وذكره أبو سهل الهروي في كتاب إسفار الفصيح منونا اسما، وقال: ولا يثنى ولا يجمع"1.
ونقل عنه في الموضع الثاني نصا طويلا، ولم ينسب لأبي سهل إلا جزءا يسيرا فقال: "واختلف في قول العرب: أسود سالخ، إذا ثني وجمع الموصوف، فقال أبو حاتم: يقال أساود سلخ وسوالخ وسالخات، وقال ابن حبان2: الجميع سالخات، وأنكر التميمي النحوي ذلك، وقال: يقال في الا ثنين أسودان سالخان، وسود سالخ، ولا يقال: سالخان، ولا يجمع في الجمع. وقال أبو سهل الهروي: خصوا أسود للذكر من الحيات، فجمعه أساود، واستغنوا عن جمع صفته فقالوا: أساود سالخ، ومن جمع وصفه أجرى الصفة مجرى الموصوف في إفراده وجمعه، ولا توصف أسودة بسالخة، واستغنوا بتخصيصها بهذه التسمية عن وصفها بسالخة. انتهى"3.
فمن أول هذا النص إلى قوله: "وقال أبو سهل "نقل أيضا عن أبي

سهل بتصرف لا يكاد يذكر، وأوهم بأنه من كلامه. ونقل في الموضع الأخير نصا ورد فيه أقوال للجبان، وابن درستويه، وأبي المصنف علي بن محمد الهروي في معنى اسم الفعل "ويها"، وهو منقول عن أبي سهل من إسفار الفصيح، ولكنه لم يصرح بذلك1.
ونقل عنه نصا واحدا في كتاب "التذييل والتكميل"2، وهو النص الثاني في ارتشاف الضرب، وقد نقلته آنفا.
4- ابن الحنبلي محمد بن إبراهيم بن يوسف الحلبي (ت 971هـ) . نقل عنه في "عقد الخلاص في نقد علام الخواص"في موضع واحد3، وهو النص السابق الذي ورد في حاشية بن بري على درة الغواص.
5- شهاب الدين أحمد بن محمد عمر الخفاجي (ت 1069هـ) . نقل عنه في "شرح درة الغواص"في موضع واحد4، وهو النص السابق أيضا في حاشية ابن بري على درة الغواص.

6- عبد القادر بن عمر البغدادي (ت 1093هـ) . نقل عنه في ثلاثة كتب، سبق أن بينت تأثره فيها بكتاب التلويح أيضا، وهي: 1- خزانة الأدب، وقد عده من موارده في المقدمة، ونقل عنه في سبعة مواضع1، ومن جملة ذلك قوله: "أرم: أوردها ثعلب في الفصيح، قال شراحه: بفتح الهمزة وكسر الراء. وأما الإرم بكسر الهمزة وفتح الراء، فهو العلم، وهو حجارة يجعل بعضها على بعض في المفازة والطريق يهتدى بها. كذا قال شارحه الهروي"2.
2- حاشيته على شرح بانت سعاد، نقل عنه في موضع واحد3، وهو النص السابق في حاشية ابن بري على درة الغواص.
والجدير بالذكر هنا أن البغدادي نقل في هذا الكتاب والذي قبله نصا في شرح إحدى عبارات الفصيح، وعزاه إلى أبي سهل، فقال في الخزانة: "قال ثعلب في فصيحه: وقررت به عينا أقر بكسر العين في الماضي وفتحها في المستقبل..... قال شارحه أبو سهل الهروي: قولهم: أقر الله عينك، معناه: لا أبكاك الله فتسخن بالدمع عينك، فكأنه قال: سرك، ويجوز أن يكون صادفت ما يرضيك لتقر عينك من النظر إلى غيره.
وأما قول بعضهم: معناه: برد الله دمعتها، لأن دمعة السرور باردة،

ودمعة الحزن حارة فإنه خطأ، لأن الدمع كله حار1.
وهذا النص ليس في إسفار الفصيح ولا التلويح، فكيف عزاه البغدادي إلى أبي سهل؟ يمكن تفسير ذلك بواحد من ثلاثة أمور:

  • أن يكون نقله من الشرح الكبير الذي ألفه أبو سهل على الفصيح، وأحال عليه مرارا في إسفار الفصيح، وقد بينت فيما سبق أن أبا سهل عمل في هذا الشرح إلى المنتصف تقريبا ولم يتمه على الأرجح.
  • أن يكون أبو سهل قاله في تهذيب الفصيح وهو أحد كتبه المفقودة، فنقل منه البغدادي، وسماه شرحا تجوزا، على اعتبار أن كتب التهذيب قديما كانت أقرب إلى الشروح منها إلى المختصرات.
  • أن يكون عزاه إلى أبي سهل من باب السهو، وإن كان هذا الأمر في الغالب مستبعد عن البغدادي الذي عرف بالتحقيق والتدقيق في نقل النصوص وتوثيقها2، ولكنني وجدت هذا النص بخلاف لفظي يسير في الزاهر لابن الأنباري3، وشرح القصائد السبع له4.
    فالاحتمال – إن لم يكن كذلك – أن يكون نقله من مصدر آخر عزاه إلى أبي سهل سهوا.

3- شرح أبيات مغني اللبيب، نقل عنه في موضع واحد1.
7- محمد بن الطيب الفاسي (ت 1173هـ) . نقل عنه في شرح القاموس المحيط، المسمى "إضاءة الراموس"واستطعت أن أقف على موضع واحد مما نقل عنه، في شرح مادة (شتت) 2. 8- السيد محمد مرتضى الزبيدي (ت 1205هـ) . نقل عنه في "تاج العروس"3 بواسطة اللسان وإضاءة الراموس في المواضع السابقة المشار إليها في هذين الكتابين. وبعد ... فهذه أهم الكتب التي تأثرت بإسفار الفصيح، أما التلويح فقد تأثر به أيضا عدد من العلماء فنقلوا عنه في مؤلفاتهم وتحقيقاتهم، وقد وضحت ذلك في مبحث سابق4.
ولما كان التلويح مختصرا من إسفار الفصيح، فإنه يمكننا أن نعد التأثر به – إن جاز لنا ذلك – تأثرا أيضا بإسفار الفصيح، فهو الأصل، والتلويح فرعه وامتداد له.

ثالثا: المآخذ على الكتاب: لا يخلو أي كتاب – حاشا كتاب الله – من أوهام أو أخطاء، وقد وقفت في أثناء عملي في تحقيق هذا الكتاب على بعض المأخذ المنهجية والعلمية، منها المكرر، ومنها ما وقع مرة واحدة، ويمكن حمله على السهو وسبق القلم، فمن تلك المآخذ: 1- الخطأ في نقل الآيات القرآنية الكريمة، وقد نبهت على ذلك في حواشي التحقيق1.
2- نقل نصوصا من إصلاح المنطق، والجمهرة، والتهذيب، والصحاح، وتصحيح الفصيح لابن درستويه، وشرح الفصيح للجبان، ولم يشر إلى ذلك.
3- نسب بعض أقوال ابن درستويه إلى غيره2.
4- استشهد بعدد من القراءات القرآنية، ولم يذكر من قرأ بها3.
5- تطرق إلى ذكر عدد من لغات العرب، ولم يعين القبائل التي تكلمت بها4.

6- يذكر بعض أقوال العلماء غفلا من غير ذكر أصحابها، ويصدرها بنحو قوله: "وقيل"1، "وقال بعضهم"2، "وقال غيره"3، "وقال بعض النحويين"4، "قال قوم من أهل اللغة والنحو"5، "قال أهل اللغة والمفسرون"6، "وروي لنا في الحديث"7.
7- النقل عن العلماء دون ذكر كتبهم التي نقل منها، ومن العلماء من عرف بمؤلفات كثيرة، لذلك فإن ذكره العالم من غير ذكر كتابه الذي نقل منه، يوقع الباحث في حيرة ولبس، وقد يطيل عليه زمن البحث عندما يرغب في توثيق النص المنقول، فنجده مثلا ينقل عن أبي عبيد8، فلا ندري أهو أبو عبيد القاسم بن سلام، أم هو أبو عبيد الرحمن بن محمد الهروي، وإذا قصد أبا عبيد القاسم بن سلام، فهل قصد كتابه الغريب المصنف، أو غريب القرآن، أو غريب الحديث، أو الأمثال، أو الأجناس....الخ؟!.

واكتفى في نقله عن بعض العلماء بذكر نسبته ولقبه العلمي، كنقله عن التميمي النحوي1 الذي لم يصرح باسمه ولم يذكر كتابه الذي نقل منه، فلم يدر من هو على وجه التحديد، لأن نسبته ولقبه يشترك فيهما عدد من العلماء. 8- يؤخذ عليه في شواهده الشعرية أنه أغفل نسبة عدد كبير منها، مع شهرة بعضها وشهرة قائلها في كتب التراث2.
كما يؤخذ عليه خطؤه في نسبة بعض هذه الشواهد، فقد نسب بيتا لابن هرمة، وهو لعبيد الله بن قيس الرقيات3، ونسب بيتا لكثير عزة، وهو لمجنون ليلى4، ونسب بيتا للمتلمس، وهو للنمر بن تولب5.
ويؤخذ عليه أيضا خطؤه في رواية بعض هذه الشواهد، وذلك عندما أنشد للأعشى ملفقا من بيتين6.
9 – نسب أحد النصوص المنقولة من العين إلى الليث بن المظفر7، مع أن باقي النصوص التي نقلها منه إلى الخليل بن أحمد8، ومعلوم

أن كتاب العين مختلف في نسبته بين الرجلين، فكان ينبغي عليه أن ينسب جميع نقوله من العين إما إلى الخليل، وإما إلى الليث، وذلك بحسب الخلاف المذكور.
10- يطلق أحكاما تخالف ما في الأصول اللغوية، كقوله بأن "الصعود والهبوط" لم يسمع لهما بجمع، وقد سمع1، وقوله بأن العامة لا تفتح الضاد من "الضلع" وقد حكت كتب اللحن عنها ذلك2.
11- وقع في خطأ صرفي حين قال: "وتقول: غرت على أهلي أغار غيرة، فأنا أغائر، والأهل مغار عليهم"3.
والقاعدة الصرفية هنا توجب أن يقول: والأهل مغير عليهم، لأن الفعل من ذوات الياء، وليس رباعيا، كما قالوا في اسم المفعول من سار وباع: مسير ومبيع.
12- عدم مراعاة الترتيب في شرح بعض عبارات الفصيح، فكان يشرح اللفظ الواحد منها وينتهي منه، ويبدأ في شرح لفظ آخر، ثم ما يلبث أن يعود إلى اللفظ الأول، كأنه تذكر شيئا يخص ذلك اللفظ، ومثل ذلك ما ذكره في شرح قول ثعلب: "ولاذقت غماضا" انتهى من شرحه، وانتقل إلى شرح قوله: "وما جعلت في عيني حثاثا"، ثم عاد إلى شرح لفظ الذوق في العبارة الأولى مرة أخرى4.

ومن مظاهر عدم الترتيب عنده التقديم والتأخير، حيث نجده يقدم شرح عبارة مؤخره أو العكس، فعند قول ثعلب: "ورجل آدر مثل آدم، وهي القاقوزة والقازوزة، ولا تقل: قاقزة.
وتقول: نظر إلي بمؤخر عينه، وبينهما بون بعيد".
فقد بدأ في شرح هذا النص بقول ثعلب في الفقرة الأخيرة: "وتقول نظر إلي بمؤخر عينه...."1. 13- يطنب في شرح بعض الألفاظ حتى يكاد يأتي على كل ما قيل فيها2، في حين تراه يوجز إيجازا قد يصل إلى درجة الإخلال في شرح ألفاظ أخرى، فيفسرها بكلمة أو كلمتين، وكانت تحتاج منه إلى مزيد توضيح وبيان، كقوله: "وزبده يزبده بالكسر زبدا بفتح الزاي: إذا أعطاه"3.
وقوله: "وهو حب المحلب بفتح الميم واللام: وهو شجر، وحبه من الأفاويه"4.
وفسر بعض الألفاظ بعبارة: "وهو معروف"أو نحوها، كقوله: "وهو الرصاص: معروف"5، وقوله: "وهي القلنسوة: وهي معروفة"6.
وكان ينبغي له أن يوضح معناهما، لأنه لا يلزم من معرفته لهما أن

يعرفهما غيره.
وأسقط بعض ألفاظ الفصيح من الشرح، وكان عليه ألا يسقط شيئا، ومن ذلك لفظا "الكؤود، والوجور"1 وقد ذكرهما في التلويح2 وفسر الأول بقوله: "الكؤود: عقبة صعبة المرتقى"وفسر الآخر بقوله: "الوجور: الدواء، تقول: وجرت الصبي الدواء وأوجرته، واسمه الوجور".
وبعد ... فهذه المآخذ لا تقلل من قيمة الكتاب، وذلك لقلتها إذا ما قيست بمحاسنه، والحسنات يذهبن السيئات.
والخطأ من صفات الإنسان مهما علت مكانته وكثر علمه، والعمل البشري لا يخلو من النقص، لأن الكمال لله وحده ولكتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

المبحث الثامن: وصف مخطوطات الكتاب، ومنهج التحقيق

. أولا: وصف مخطوطات الكتاب: عثرت لهذا الكتاب على ثلاث نسخ، الأولى بخط المؤلف وقد اعتمدتها أصلا في تحقيقه، وقابلت الثانية بنسخة المؤلف وأثبت في الحواشي الفروق المهمة بينهما، وأهملت الثالثة لأسباب سيرد ذكرها.
وإليك تفصيل ذلك: 1- نسخة المؤلف (الأصل) : شاء الله عز وجل أن يكشف العلامة الهندي عبد العزيز الميمني الراجكوتي سر هذه النسخة حينما أذاع أمرها لأول مرة في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق1، فقال: "وفي حجتي سنة 1376هـ رأيت في 28/يونيه سنة 1957 عند الأستاذ عبد القدوس الأنصاري2 صاحب مجلة النهل بجدة نسخة الإسفار هذا بخط مؤلفه

الهروي نفسه".
وقد تفضل علي الأستاذ نبيه بن عبد القدوس الأنصاري بمنحي مصورة عن هذه النسخة النفيسة بعد إن بقيت زمنا طويلا في منأى عن أيدي الباحثين.
وثبت لدي بما لا يدع مجالا للشك أن هذه النسخة هي بخط مؤلفها أبي سهل الهروي، كما ذكر العلامة عبد العزيز الميمني، وخير الدين الزركلي أيضا في الأعلام1، وذلك بالأدلة التالية: 1- جاء على صفحة العنوان عبارتان كتبهما بعض العلماء بخطين مختلفين صورتهما: "بخط مصنفه الهروي رحمه الله"، "خط مصنفه الهروي ... تجاوز الله عنه ... سنة ثمانين وخمسمائة".
2- السماع المدون على صفحة العنوان والتاريخ الذي تضمنه يدلان كذلك على أن النسخة بخط المؤلف، حيث كتب يقوا: "سمع مني هذا الكتاب من أوله إلى آخره بقراءتي عليه السيد الرئيس أبو الأزهر شهاب بن علي أبي الرجال الشيباني أيده الله، وهذا الأصل في يده يعارضني به وقت القراءة، وسمع معه من سمع له في آخره.
وكتب محمد أبو سهل بن علي بن محمد الهروي النحوي في ذي الحجة سنة سبع وعشرين وأربعمائة، والحمد لله كثيرا وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليما".

3- ما جاء في الورقة الأخيرة بخط شهاب بن أبي الرجال تلميذ أبي سهل حيث يقول: "بلغ السماع لصاحبه شهاب بن علي بن أبي الرجال بقراءة مؤلفه الشيخ أبي سهل محمد بن علي الهروي عليه كله في داره في مصر، لاثنتي عشرة خلون من ذي الحجة سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وسمع جميع ذلك أبو القاسم مكي بن خلف البصري، وعلى بن خلف اللواتي.
وصلى الله على نبيه محمد وسلم".
وكان هذا التلميذ ينص في بعض حواشي الكتاب على الموضع الذي بلغ إليه من سماع المؤلف، كقوله في الورقة الرابعة والخمسين: "بلغ سماعي من أوله إلى هنا بقراءة الشيخ أبي سهل مؤلفه".
4- تبدأ النسخة بالبسملة، ثم حمد الله والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم قول الشارح: "قال أبو سهل محمد بن علي بن محمد الهروي النحوي: أما بعد ... "فليس في هذه المقدمة ما نجده في النسخ الأخرى من عبارات الترحم والتبجيل التي تكون – عادة – من كلام النساخ.
5- النسخة مكتوبة بخط حسن متقن، وتخلو من الأخطاء التي يقع فيها النساخ عادة، كالتصحيف والتحريف، والخطأ في ضبط الكلمات، فهذا يدل على أن كاتبها حسن الخط وعالم مدقق بصير بما يكتب، وكل هذه الأوصاف تنطبق على أبي سهل الهروي رحمه الله.

وصف النسخة: تقع هذه النسخة في (165) ورقة، وفي الترقيم الذي دون على أوراق النسخة (166) ورقة، وهو خطأ سببه أن كاتب هذه الأرقام عندما وصل إلى ترقيم الورقة الحادية عشرة كتب عليها رقم: (12) بدلا من رقم: (11) ، فأدى ذلك إلى زيادة رقم في عدد أوراق النسخة.
ولم يتيسر لي الإطلاع على المخطوطة نفسها لأصف ورقها وقياسه بالعناية، ولكن النسخة بشكل عام سليمة من العيوب، وخطها نسخي جميل جدا، وعلى درجة عالية من الضبط والإتقان كما أسلفت، وتتراوح أسطرها ما بين (16-17) سطرا في كل الصفحة، وفي كل سطر نحو (11) كلمة.
وكتبت عناوين الأبواب في وسط الصفحات بخط واضح مميز، كما وضع في نهاية كل فقرة دائرة في وسطها نقطة (.) ، وبعدها بياض قليل، ليدل ذلك على انتهاء الفقرة وبداية فقرة أخرى جديدة، وميز الشعر عن بقية الكلام بكتابته في سطر مستقل، ويوجد على حواشي النسخة نحو تسعة إلحاقات لا يزيد أطولها عن سطرين، وكان المؤلف يضع في المكان الذي يريد إضافتها إليه علامة (×) أو خط مائل إلى اليسار أو اليمين باتجاه الحاشية هكذا (أو) ، ثم يكتب ما يريد إضافته متجها إلى الأعلى، وقد أضفت ذلك إلى الأصل، وميزته بين معكوفين.
وتبين لي أن أكثر هذه الإلحاقات قد سقط من المؤلف في أثناء تبيض النسخة، بسبب انتقال النظر، ويظهر أن المؤلف لم يتنبه لها إلا بعد فراغه

من النسخة في أثناء مراجعته لها أو عندما قرئت عليه، يدل على ذلك أن القلم الذي كتبت به مختلف في حجمه ومداده.
واحتوت الورقة الأولى على عنوان الكتاب، واسم المؤلف، وصورتهما: "كتاب إسفار الفصيح.
صنعة أبي سهل محمد بن علي بن محمد الهروي النحوي"، وترك فراغا بمقدار ثلاثة أسطر، ثم كتب السماع الذي سبق نقله قبل قليل.
وجاء في الورقة الأخيرة: "تم كتاب إسفار الفصيح، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطيبين الطاهرين وسلم تسليما"وتحت هذه العبارة كتب تلميذه شهاب بن أبي الرجال السماع الذي نقلته أيضا قبل قليل.
وجاء على صفحة العنوان عدد من التمليكات والقراءات أنقلها كما هي وأضع نقاطا مقابل الكلمات التي لم أستطع قراءتها: "هذا مما أنعم به الرب الجليل على العبد الذليل صالح بن محمد العلاني العمري".
"من كتب عثمان الحجار ومعشوقاته".
كتاب محمد بن أبي الفرج الكتاني (أو الكتابي) ". "وفي ملك محمد تاج الدين عبد المحسن.... لطف الله به 1134".

"لعبد الله بن أحمد بن أحمد نفعه الله بالعلم".
"صاحبه ومالكه قاسم بن محمد".
"قرأ علي هذا الكتاب الشيخ الجليل الفقيه أبو السعادات أحمد بن الحسين نفعنا الله بالعلم قراءة عالم به يستعين (أو يستفسر) لمشكله، وقرأته على الشيخ العالم أبي الربيع سليمان بن أحمد الأندلسي.... في شهر رمضان من سنة خمس وسبعين وأربعمائة.
وكتب عمر بن عبد الرحمن بن عبد الواحد الشيباني في جمادى الأولى سنة خمسمائة لهجرة النبي ص. حامدا الله و ... ". وقبل أن أختم حديثي عن وصف هذه النسخ أنبه على طريقة أبي سهل في رسم بعض الكلمات التي تخالف طريقة الرسم المألوفة لدينا اليوم، ومن ذلك: 1- رسم الهمزة على نبرة تحتها نقطتان هكذا: مرجئة، روئة، رئاب، برئت".
2- تخفيف الهمزة ورسمها ياء نحو: شيت، قايل، وزاير، وصايم".
3- رسم الهمزة المفتوحة التي بعدها ألف مد هكذا: "أامنا، أايات، القرأان، أالهة، أاخر".
زيادة ألف بعد الواو الأصلية في الفعل المضارع نحو:

جارٍ التحميل