إسفار الفصيحصفحات 125-164

الفصل الثاني: دراسة كتاب إسفار الفصيح

صفحات 125-164

المبحث الأول: تحقيق عنوان الكتاب وتوثيق نسبته إلى مؤلفه

... المبحث الأول: تحقيق عنوان الكتاب، وتوثيق نسبته إلى مؤلفه.
أجمع أرباب التحقيق1 على أن الكتاب المنسوخ بخط مؤلفه، يعد أوثق دليل على صحة عنوان الكتاب ونسبته إلى مؤلفه.
وقد وصل إلينا – بحمد الله – كتاب "إسفار الفصيح" بخط مؤلفه2 أبي سهل الهروي، متجاوزا بذلك نحو ألف سنة من رحلة التاريخ، لم يصب خلالها بأي أذى يذكر، فكان في حرز من رعاية الله وصونه وحفظه، بالرغم مما حل بالأمة من كوارث من كوارث ونكبات ضاع بسببها كثير من تراثها الفكري، وهي نعمة من الله بها على هذا الكتاب وعلى مؤلفه قل أن يظفر بها كتاب ألف في العصور المتأخرة فضلا عن العصور الغابرة.
والعنوان الذي أثبته أبو سهل على الورقة الأولى هو: "كتاب إسفار3 الفصيح".

ثم أعاد ذكر العنوان بمخالفة لفظية يسيرة في مقدمة الكتاب فقال: ".... فعملت لك هذا الكتاب ووسمته بإسفار الفصيح". ثم ذكره في نهاية الكتاب بالصيغة التي ذكرها على الورقة الأولى قائلا: "تم كتاب إسفار الفصيح، والحمد لله رب العالمين....". وقد ذكره بالصيغة الواردة في المقدمة في مقدمة "التلويح في شرح الفصيح" حيث قال: "ثم سألني أيضا أن أفسر له الفصول التي أهمل تفسيرها، وأن أزيد في بيان ما فسره منها، فعملت له ذلك في كتاب آخر ووسمته بإسفار الفصيح"1.
وورد العنوان بهذه الصيغة أيضا على الورقة الأولى من نسخة مكتبة شهيد علي، أما نسخة دار الكتب المصرية فكتب العنوان على صدرها بخط حديث: "شرح فصيح ثعلب في اللغة للهروي"2.
وقد ورد الكتاب مذكورا في كتب التراجم، والكتب التي نقلت عنه تحت عنوانين مختلفين هما: 1- إسفار الفصيح (أو إسفار كتاب الفصيح) . ذكر بهذا العنوان في: الوافي بالوفيات3، وارتشاف الضرب4،

واللسان1، والتاج2، والأعلام1، وتاريخ التراث العربي2.
2-شرح الفصيح (أو شرح فصيح ثعلب) . وذكر بهذا العنوان في معجم الأدباء3، وتلخيص ابن مكتوم4، وبغية الوعاة5، وخزانة الأدب للبغدادي6، وشرح أبيات مغني اللبيب له7، وحاشيته على شرح بانت سعاد8.
وفي الكتب الثلاثة الأولى ذكر أن له "شرح الفصيح ومختصره"، ويعنون ب"مختصره" التلويح في شرح الفصيح، وقد سبق الحديث عنه9.
ومن بين هذه العناوين اخترت العنوان الذي ارتضاه المؤلف، وأثبته بخطه على الورقة الأولى والأخيرة من الكتاب، وهو "كتاب إسفار الفصيح".
(فعم) 12/455. (فعم) 9/13/ وفي هذين الأخيرين "إشعار الفصيح" بالشين المعجمة والعين، ولا شك أنه تصحيف.

وفي هذا الذي أوردناه دليل كاف على توثيق نسبة الكتاب إلى أبي سهل، ولاسيما أن الكتاب وصل إلينا منسوبا بخطه.
وهناك أدلة أخرى تقطع أيضا بنسبة الكتاب إلى أبي سهل أسوق لك بعضها، تأكيدا لما سبق منها: 1- إمساكه عن التفصيل في كثير من المسائل العلمية، وإحالته على كتبه الأخرى، وقد ذكر منها: كتاب الكنى والمبنى، والكتاب المثلث، والمنمق، وكتاب الأسد، وكتاب السيف.
وهذه الكتب ثابتة النسبة إليه، لم يشك فيها أحد، وقد ذكرت أمثلة من إحالاته عليها في الحديث عن مؤلفاته.
2- وجود نصوص كثيرة نقلت من هذا الكتاب، وهي موجودة فيه وسيأتي توضيح ذلك في مبحث تقويم الكتاب.
3- روى في هذا الكتاب عن أبي أسامة جنادة بن محمد الهروي (ت399هـ) ونص على أنه من شيوخه، وقد نص أكثر مترجميه على ذلك أيضا.

المبحث الثاني: سبب تأليف الكتاب وزمن تأليفه

. بين أبو سهل – رحمه الله – السبب الذي حمله على تأليف هذا الكتاب بقوله في مقدمته: "فإني لما هذبت لك كتاب الفصيح المنسوب إلى أبي العباس أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني، المعروف بثعلب – رحمه الله – لما أنكرت عليه إثباته فصولا عدة في غير أبوابها المترجمة بها، ثم استكثرت أيضا ما أهمله من تفسير فصوله، سألتني أن أبينها لك وأوضحها، وأن أزيد أيضا في إبانة ما فسره منها، وأورد مصادر الأفعال التي أهمل ذكرها، لإشكالها واختلافها، وأسماء الفاعلين والمفعولين، لأنه قد ذكر بعضها، فعملت لك هذا الكتاب ووسمته بإسفار كتاب الفصيح"1.
ثم أعاد ذكر هذا السبب في مقدمة التلويح، فقال: "فإنه لما كان جمهور الناس الذين يؤدبون أولادهم، ومن يعنون بأمرهم يحفظونهم كتاب الفصيح المنسوب إلى أبي العباس أحمد بن يحيى الشيباني، المعروف بثعلب – رحمه الله تعالى – قبل غيره ممن كتب اللغة، لما فيه من الألفاظ السهلة المستعملة، ولأن العامة تخطئ في كثير منها، وكان قد عرى أكثر فصوله من التفسير، وأثبت منها أيضا فصولا عدة في أبواب تخالف ترجمها.
وكنت قد هذبته لبعض أولاد الكتاب، وميزت فصوله، ورتبت

أوائلها في أكثر الأبواب على حروف المعجم، في كتاب مفرد معرى من التفسير أيضا، نحو ما في الأصل، ووسمته بتهذيب كتاب الفصيح. ثم سألني أيضا أن أفسر له الفصول التي أهمل تفسيرها، وأن أزيد أيضا في إبانة ما فسره منها، فعملت له ذلك في كتاب آخر، ووسمته بإسفار الفصيح"1.
فالسبب الرئيس الذي حمله على تأليف هذا الكتاب إذا هو الاستجابة لطلب ذلك السائل الذي صرح باسمه في السماع المدون على الورقة الأولى من إسفار الفصيح، وهو شهاب بن علي بن أبي الرجال الشيباني، ابن وزير الدولة الصنهاجية بالمغرب، وقد سبق الحديث عنه2.
ومن الأسباب التي حملته أيضا على تأليف هذا الكتاب إدراكه – رحمه الله – أهمية كتاب الفصيح الذي كان من أفضل وأيسر الكتب التي ألفت في حقل التصحيح واللغوي، فضلا عن شهرته وتداوله بين الناس الذين يعنون بتربية أولادهم وتأديبهم، كما قال في مقدمة التلويح3.
ثم رأى أن الفصيح بصورته التي تركها عليه ثعلب بحاجة إلى تفسير وتوضيح، إذ أهمل تفسير أكثر ألفاظه، وأوجز في تفسير بعضها إلى درجة

خطأ

سواها، عدا كتاب "الفرق بين الضاد والظاء" الذي انفرد بذكره ابن مالك في "وفاق المفهوم" أو من نقل عنه، كما سبق توضيح ذلك في مبحث آثاره.
وإذا علمنا مع كل ما تقدم أن وفاة أبي سهل كانت في سنة 433هـ جاز لنا أن نقول ونحن على يقين: إن إسفار الفصيح كان من تصانيفه الأخيرة، وليس بعده إلا "التلويح في شرح الفصيح" الذي جعله مختصرا لكتابه هذا.

المبحث الثالث: منهج المؤلف في كتابه

... المبحث الثالث: منهج المؤلف في الكتاب.
أشار أبو سهل في مقدمة كتابه إلى المنهج الذي سلكه في تأليفه فقال: "فإني لما هذبت لك كتاب "الفصيح" المنسوب إلى أبي العباس أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني، المعروف بثعلب – رحمه الله – لما أنكرت عليه إثباته فصولا عدة في غير أبوابها المترجمة بها، ثم استكثرت أيضا ما أهمله من تفسير فصوله، سألتني أن أبينها لك وأوضحها، وأن أزيد أيضا في إبانة ما فسره منها، وأورد مصادر الأفعال التي أهمل ذكرها، لإشكالها واختلافها، وأسماء الفاعلين والمفعولين، لأنه قد ذكر بعضها، فعملت لك هذا الكتاب ووسمته بـ"إسفار الفصيح"، وقد كنت قبل ذلك ابتدأت بشرح الأصل ثم لما سألتني تفسيره واستعجلتني فيه، عملت لك هذا وقصدت فيه الإيجاز والاقتصار في التفسير، ليقرب عليك حفظه، وإن امتدت بي الحياة تممت – إن شاء الله – شرحه لك، ولنظرائك المتأدبين ... "1 ثم أعاد وصف منهجه في هذا الكتاب بأوسع مما ذكر هنا في مقدمة كتاب "التلويح في شرح الفصيح"، حيث يقول: "ثم سألني أيضا أن أفسر له الفصول التي أهمل تفسيرها، وأن أزيد في بيان ما فسره منها، فعملت له ذلك في كتاب آخر، ووسمته بإسفار كتاب الفصيح.

ثم إني رأيت جماعة من المبتدئين تضعف قواهم عن الإحاطة بما أودعته فيه من التفسير، والشواهد من القرآن والشعر، ويستطيلون حفظه، فاختصرت لهم منه أشياء تكفيهم معرفتها، وتنشطهم في حفظها نزارتها، وأثبتها في هذا الكتاب، ووسمته بكتاب "التوليح في شرح الفصيح"، لأنني لوحت بشرح فصوله كلها فقط، ولم أذكر ِشاهدا على شيء منها، ولا جمعا لاسم، ولا تصريفا لفعل، ولا مصدرا له، ولا اسم فاعل، ولا مفعول ... ولم أذكر فيه أيضا شرح الرسالة، والأبيات التي استشهد بها، ولم أنبه على شيء من الفصول التي أثبتها في غير أبوابها، وأحالها عن جهة صوابها طلبا للتحفيف والإيجاز، فإذا حفظوا هذا الكتاب وأتقنوه، وآثروا زيادة في التفسير على ما فيه نظروا في ذلك الكتاب – إن شاء الله تعالى – "1. ويقصد "بالكتاب" كتاب إسفار الفصيح، وهذا يعني أن ما أهمله في التلويح ذكره في الإسفار.
وإذا ما عدنا إلى كتاب إسفار الفصيح فإننا نجد المؤلف قد التزم بهذا المنهج الذي رسمه لنفسه في المقدمتين، وسار عليه في الكتاب كله تقريبا.
ويمكن توضيح منهجه علاوة على ما ذكر بما يلي: استهل المؤلف كتابه بشرح خطبة الفصيح، وانتهى بشرح باب الفرق، والتزم في أثناء ذلك بترتيب ثعلب لأبواب فصيحه، والعناوين

التي وسم بها تلك الأبواب. 2- طريقته في الشرح أن يمزج كلامه بكلام ثعلب، أو يذكر عبارة الفصيح مسبوقة بإحدى العبارات التالية: "وأما قوله، وقوله، وقول ثعلب، قال أبو العباس، وقال أبو العباس ثعلب"1.
أو يقدم قطعة من الفصيح قد تطول وقد تقصر، ثم يتبعها بالشرح2.
3- يشرح ألفاظ الفصيح، فيتناول المعنى اللغوي الدلالي للألفاظ، ويذكر صيغ الأفعال ويوجه تصاريفها، فيذكر غالبا اسم الفاعل والمفعول والمصدر وبعض المشتقات الأخرى، ويذكر جموع الأسماء.
4- يستشهد على ما يشرح بالقرآن الكريم وبعض قراءاته، أو بالحديث الشريف، أو ببليغ كلام العرب شعرا ونثرا.
5- يورد أقوال العلماء في بعض الألفاظ أو المسائل المشروحة، وقد نقل عن الأئمة الثقات، أمثال الخليل، ويونس، وأبي زيد، وسيبويه، والفراء، والأصمعي، وأبي حاتم، والمبرد، وابن الأعرابي، وغيرهم.
6- اعتنى بالمسموع من كلام العرب، وقدمه على القياس عند التعارض.
بذل عناية كبيرة في ضبط الألفاظ، ويمكن حصر أساليب

عنده في الأنواع التالية: أ - الضبط بالنص على الحركة، وهذا أشهر أنواع الضبط عنده، ويكاد يشمل جميع الألفاظ المشروحة، ومن أمثلة هذا النوع قوله: "وتقول: حلمت في النوم أحلم، بفتح اللام في الماضي وضمها في المستقبل، حلما وحلما بسكون اللام وضمها، والحاء منهما مضمومة"1.
وقوله: "أرعني سمعك، بفتح الألف وسكون الراء، وكسر العين"2.
وقوله: "والبرثن: بضم الباء والثاء وجمعه براثن"3.
ب - الضبط ببيان نوع الحرف، كقوله: "وبسق النخل بالسين: أي طال"4.
وقوله: "الجمع جيابيج بياء معجمة بتقطتين من تحت"5.
ج- الضبط بالتتنظير ببناء مشهور، نحو: وهي الغسلة.... وجمعها غسل، مثل قربة وقرب"6.
أو ببناء مماثل في التصريف نحو: "وقد قرص اللبن يقرص قروصا، فهو قارص، على مثال رجع يرجع رجوعا، فهو راجع"7.

د- وقد يلجأ إلى أكثر من طريقة في الضبط، فيضبط بالحركات والحروف والميزان الصرفي، أو بالوزن والمعنى، كقوله: " وأنا أس على فعل، وآس أيضا بالبد على فاعل، وأسوان وأسيان بالواو والياء، على وزن سكران، أي حزين "1. وقوله:" وهي الطنفسة بكسر الطاء وفتحها على وزن فعللة وفعللة "2، وقوله: " وتقول: فلان يتندى على أصحابه، كقولك يتسخى في الوزن والمعنى" 3. 8- بذل عناية فائقة في توثيق وتحقيق متن كتاب الفصيح، فرجع إلى نسخ كثيرة للكتاب، وأشار إلى مابينها من فروق واختلاف في الروايات، مبين الصواب من الخطأ في بعض هذه الروايات، وقد يشير في أثناء ذلك إلى بغض النسخ التي سمعها وقرأها على شيوخه، والتي لم يسمعها، ومن أمثلة ذلك قوله:".... وكذا رأيتها في نسخ كثيرة من الكتاب مشكولة بعلامة الفتح ... وفي رواية مبرمان عن ثعلب – رحمه الله -: والقرب: الليلة التي ترد في يومها الماء.
هكذا رأيته رأيته في أصل أبي سعيد السيرافي الذي رواه عن مبرمان، ورأيت أيضا في نسخة مروية عن ابن خالويه: والقرب: الليلة التي ترد الإبل في صبيحتها الماء.
قال أبو سهل: والصحيح أن القرب بفتح القاف والراء: هو سير الليل خاصة، ولا يكون نهارا"4.

وقوله: " وأما قوله: "ويها" فإنني رأيت تفسيره مختلفا في نسخ الكتاب فرأيت في بعضها: "ويها": إذا زجرته عن الشيء وأغريته".
ورأيت في نسخة أخرى: "ويها" إذا زجرته عن الشيء وأغريته به..... قال أبو سهل: وفي نسختي التي بخط أبي – رضي الله عنه – وقرأتها على شيخنا أبي أسامة الغوي – رحمه الله –: "وويها: إذا حثثته على الشيء، وأغريته به" وهذا هو الصواب...."1. وقوله: ".....وهي بقلة الحمقاء، هكذا في نسخ عدة بإضافة بقلة إلى الحمقاء، وليس هو جيدا، ورأيت في نسخ أخر "وهي البقلة الحمقاء بالألف واللام والرفع على الصفة، وهذا هو الصواب"2.
وقوله: "وهي الأنملة بفتح الهمزة وضم الميم: ولواحدة الأنامل، هكذا في نسختي التي قرأتها ورويتها عن شيوخي – رحمة الله عليهم ورضوانه – وهكذا رأيته أيضا مشكولا في نسخ عدة، ورأيت في نسخ أخر لم أسمعها: "وهي الأنملة، وقد تجوز بالضم" أعني بفتح الهمزة وضم الميم.
ورأيت في نسخ أخر لم أسمعها أيضا: "وهي الأنملة، وقد تجوز بالضم" أعني بفتح الهمزة والميم جميعا، وأكثر أهل اللغة على فتح الهمزة وضم الميم"3.

وقوله: "ورأيت في نسخ منها نسخة أبي سعيد السيرافي "عود أسر مشكولة السين بعلامة الضمة، وهو غلط، والصواب تسكينها"1.
وقوله: "والعرض: الوادي.... ورأيت في نسخ عدة "العرض: ناحية الوادي" والصواب أنه اسم للوادي، لا لناحيته، لأن ناحية الشيء يقال لها: العرض بضم العين وسكون الراء"2.
9- لك المؤلف منهجا واحدا في شرح الألفاظ، فقد تباينت طريقته في ذلك تبعا لطبيعة اللفظ المشروح، فنجده أحيانا يتوسع في شرح بعض الألفاظ حتى يكاد يأتي على كل ما قيل فيها، وأحيانا يوجز فيكتفي بتفسير اللفظ بمرادفه، أو بضد معناه، أو بعبارة: "وهو معروف"، أو يغفل تفسيره.
وسأذكر بعض الأمثلة في مبحث تقويم الكتاب – إن شاء الله- 3. 10- يسوق شرحه أحيانا على شكل حوار، كقوله: " ... فإن قلت: فإن فعلهما صبر وشكر، قيل لك: إنما قيل ذاك للصابر والشاكر، وليس لصبور وشكور"4.
لم يشر إلى نطق العامة في جميع ألفاظ الفصيح، وإن أشار إلى قولها، فإما أن يوافق ثعلبا في تخطئة ما تقول، أو ينتصر لها، فيذكر

أن نطقها موافق للغة من لغات العرب فصيحة أو أقل فصاحة.
وهذا ما سأعرض له في مبحث قادم1 – إن شاء الله -.12- لم يقف عند حدود الشرح المجرد لألفاظ الفصيح، بل كانت له شخصية متميزة ظهرت من خلال مواقفه الكثيرة من ثعلب منتقدا ومدافعا، فضلا عن مواقفه الأخرى من أقوال وروايات بعض العلماء، فكان يناقش ما يحتاج منها إلى مناقشة، ويرجح ما يراه راجحا، ويرد ما يراه خاطئا.
فأما ثعلب فقد استدرك عليه في نحو خمسة وأربعين موضعا نبه في أكثرها على الألفاظ التي وضعها في غير أبوابها مما لا تغلط فيه العامة، وطريقته في ذلك غالبا – أن يشير في بداية الباب إلى مجمل الألفاظ الخارجة عن ترجمته (عنوانه-، ثم ينبه ثانيا على كل لفظ خارج عن ترجمته في موضعه من الشرح.
ومن أمثلة ذلك قوله في أول "باب المفتوح أوله من الأسماء": " قال أبو سهل: ذكر أبو العباس ثعلب – رحمه الله – في هذا الباب أربعة وعشرين فصلا2 خارجة عن ترجمته.
وقد ميزتها في "تهذيب الكتاب وجعلت كل فصل منها في الموضع الذي هو أحق به من هذا الباب.
لكني ذكرتها في هذا الكتاب على ما هي مثبتة في الأصل"3.

ثم نبه على الألفاظ التي أجمل الإشارة إليها في صدر الباب عند ورودها في مواضعها من الشرح، ومن ذلك قوله: "وليس الظبي والجرو من هذا الباب، ولا تغلط فيهما العامة، وإنما ذكرهما ثعلب – رحمه الله – لأن جمعهما في القلة والكثرة كجمع الجدي"1.
وقوله أيضا عند شرح قول ثعلب: "وهو أبين من فلق الصبح، وفرق الصبح" قال: "وليس هذان الفصلان مما تغلط العامة في أولهما"2.
وقال في أول "باب المضموم أوله": "قال أبو سهل: ذكر أبو العباس ثعلب – رحمه الله – في هذا الباب أحد عشر فصلا خارجة عن ترجمته، والعامة لا تغلط في الحرف الأول منها، لأنها تضم أوائلها كلها، كما تتكلم بها العرب، وإنما تغلط في الحرف الثاني منها ... "3. ثم والى التنبيه في ثنايا شرح هذا الباب على الألفاظ الخارجة عن ترجمته، كقوله في "رجل لعنة، وضحكة، وهزأة، وسخرة، وخدعة" قال: "والعامة لا تخالف العرب في أوائل هذه الفصول، فليس لإثباتها في هذا الباب معنى"4.
وقد ينبه على بعض الألفاظ الواردة في غير أبوابها عرضا في أثناء الشرح دون أن يجمل الإشارة إليها – على خلاف عادته – في صدر

الباب، ومن ذلك قوله في "باب ما جاء وصفا من المصادر": ".... فهذه الفصول ليست من هذا الباب، لأنها ليست بمصادر وصف بها، وإنما هي أسماء"1.
وقوله أيضا: "وذكر ثعلب – رحمه الله – في هذا الباب فصولا أخر، وليست منه أيضا، لأنها ليست بمصادر وصف بها، وإنما هي أفعال محضة.... فمنها قوله: ويقال دلع فلان لسانه ... "2. كما نبه على بعض أخطاء ثعلب الصرفية واللغوية، ومن ذلك قوله في باب "فعِلت وفعَلت – باختلاف المعنى " قال: "ذكر أبي العباس – رحمه الله – عمت بكسر العين في هذا الباب غلط، لأن وزنه على الأصل قبل النقل فعلت بفتح الفاء والعين، وكان أصله عيمت، على مثال ضربت ... وقد خلط في مستقبله بقوله: أعيم وأعام أيضا.... وذكر أبي العباس – رحمه الله – عجت بكسر العين، في هذا الباب غلط أيضا، والقول فيه كالقول في عمت بكسر العين، الذي ذكرته آنفا"3.
وقال في "باب المخفف": "قول ثعلب – رحمه الله -: "وهو السماني

لهذا الطائر" هو كلام صحيح دل به على طائر واحد، لقوله: "لهذا الطائر" ثم خلط بقوله: "والواحدة سماناه" وقد كان يجب أن يقول: وهي السمانى لهذه الطير، والواحدة سماناة، أو يقول: وهو السمانى لهذه الطير، فيأتي بـ"هو" ليدل به على الجنس"1.
وقال في "باب الفرق": "وأما قوله: "ومن الخنزير الفنطيسة، ومن السباع الخطم والخرطوم" فإن ذكره هذا مع الشفة غلط، لأن أهل اللغة ذكروا عن العرب أن الفنطيسة مكسورة الفاء أنف الخنزيز، ولم يذكر أحد منهم أنها شفته"2.
وفسر ثعلب الأكلة بالغداء والعشاء، ولم يرتض أبو سهل هذا التفسير فقال: "الأكلة هي المرة الواحدة من الأكل حتى يشبع في أي وقت كان من النهار والليل"3.
وبالرغم من نقده هذا، فقد انتصر له في غير موضع من الشرح معللا ومحكما المسموع من كلام العرب، فمن ذلك قوله في الرد على ابن درستويه والجبان اللذين أنكرا على ثعلب أن يكون "أعداء وعدى" بمعنى واحد جمعا لعدو، قال: "والذي ذكره جلة أهل اللغة لقول ثعلب – رحمه الله -، وإن كان بعض الجموع قد خرجت عن القياس، لكن الذي ورد به السماع ما قالوه ... "4. وقوله: "وروى الرواة كلهم عن ثعلب – رحمه الله – الحرف الأول "ما بها أرم" بفتح الهمزة وكسر الراء، على فعل، مثل حذر، إلا ابن

درستويه، فإنه رواه "ما يهم آرم" على فاعل، وقال: هو الذي ينصب الإرم، وهو العلم ... قال أبو سهل: وهذا الذي قاله ابن درستويه وإن كان قياسا صحيحا فإن المسموع من العرب خلافه، لأن أهل اللغة رووا عنهم: "ما بها أرم، على وزن فعل، كما رواه أصحاب ثعلب – رحمه الله – عنه، ومنه قول الشاعر: دار لأسماء بالغمرين مائة كالوحي ليس بها من أهلها أرم1.
ومن مظاهر شخصيته المتميزة تجويز بعض ما منعه العلماء، ومن ذلك قوله: "قال قوم من أهل اللغة والنحو: تلك وتيلك اسمان يشار بهما إلى ما بعد من المؤنث.
وقال الجبان: التاء من تلك اسم البعيدة المشار إليها.... وذيك المرأة خطأ، والذال لا مدخل لها في المشار إليها إذا بعدت.
قال أبو سهل: والذي عندي أن تلك باللام، وتيك بالياء، وذيك بالذال والياء، كلها بمعنى واحد، وهي لغات للعرب، وليس ذيك بالذال خطأ، كما زعم ثعلب والجبان وغيرهما، بل هي لغة صحيحة جارية على قياس كلام العرب ... والدليل على أن ذيك بالذال، لغة صحيحة وليست بخطأ أنهم إذا حذفوا كاف الخطاب من آخرها بقيت ذي بذال مكسورة، وبعدها ياء، فتكون إشارة إلى مؤنث ... وأما قول من قال:

إن تلك وتيك اسمان للبعيدة المشار إليها، فليس قولهم شيئا يصح، لأن الله تعالى قد قال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ فأشار إلى العصا، وخاطب موسى عليه السلام، ولا يكون شيء أقرب مما هو في اليد، وهذا بين واضح"1.
وكان يناقش أقوال العلماء ويوجهها، ويختار ما يراه صوابا منها، كقوله: "والعامة تقول: "رأس العين، فتزيد فيه الألف واللام، وأنكر أهل العلم بالنحو واللغة ذلك، وقالوا: لا يجوز ذلك، لأنه ههنا اسم علم معرفة لموضع بعينه، فلا بجوز تعريفه بالألف واللام ... قال أبو سهل: والذي أراه أن رأس العين اسمان جعلا اسما واحدا، فلا يدخلون في الثاني منهما الألف واللام، كما لم يدخلوهما في بعل بك، وقالي قلا، ورام هرمز، وأشباهها"2.
وقوله: "وأما وجه قول الفراء في كسر النون فكأنه أراد تثنية شت، وهو المتفرق، ويجوز أن يكون كسرها على أصل التقاء الساكنين"3.
وقوله: "وقال الجبان: شطب السيف وشطبه: طرائقه.
قال: وقيل: فرنده، وقيل: حده الذي يضرب به.... قال أبو سهل: والصحيح من هذه الوجوه أنها الطرائق لا غير"4.

كما كان كثير التتبع لنسخ الفصيح، فأشار إلى روايتها المختلفة وحكم على بعض هذه الروايات بالصواب أو الخطأ، وقد سبقت أمثلة لذلك1.
وكان له أيضا موقف متميز من آراء المدرستين البصرية والكوفية، وتمثل هذا الموقف في ثلاث صور: 1- التحرر من العصبية المذهبية أو الحياد.
2- الموافقة.
3- المخالفة. وهذا ما سأوضحه في مبحث قادم – إن شاء الله -2. 13- حرص على ربط كتابه بعضه ببعض، ليجنبه التكرار ما أمكن، وذلك بالإحالة على ما تقدم شرحه، إذا تكرر نظيره، نحو قوله: "وهو أب لك وأخ لك ... وقد تقدم ذكرهما في باب المصادر"3. وقوله: "وأما الملحفة: فقد تقدم تفسيرها في باب المكسور أوله"4.
وقوله: "والقرط ما يجعل في أسفل أذن الجارية والغلام ... ويقال لما يجعل في أعلاها شنف ... وقد تقدم ذكره في باب المفتوح أوله"5.

وأحيانا تكون إحالته على ما تقدم شرحه حالة كطلقة، أي من غير تعيين الباب الذي ورد فيه اللفظ المشروح كقوله: " ... وقد تقدم هذا فيما مضى من الكتاب"1.
قد يعرض عن شرح بعض الألفاظ أو المسائل أو لا يستوفي القول فيها استنادا إلى تفصيل له أوفى وأشمل في غير كتابه هذا، كقوله: "وقد بينت اللغات في هذا وهذه في حال الإفراد والتثنية والجمع للمذكر والمؤنث في شرح الكتاب"2، وقوله: "وفيه أربع لغات أذكرها لك – إن شاء الله – في شرح الكتاب"3.
وقوله: "وقد ميزت هذه الفصول التي أوردها محالفة لتراجم الأبواب التي فيها، وفصلتها في الكتاب الذي عملته لك قبل هذا، المترجم لـ"كتاب تهذيب الفصيح"4.
وقوله: "وقد استقصيت هذا الفصل في كتاب المكنى والمبنى"5.
وقوله: "وقد استقصيت ذكر الخال في الكتاب المثلث"6.
وقوله: "وهو مأخوذ من الملحة، وهي البياض، فيها اختلاف، وقد ذكرته في الكتاب المنمق"7.
وقوله: ".... وقد بينت هذا بيانا شافيا في

كتاب الأسد"1.
15- يستطرد أحيانا في تفسير وتوضيح بعض الألفاظ التي يذكرها في الشرح، أو بعض ما يعرض له من شواهد قرآنية، أو أبيات شعرية. فمن استطراده في تفسير الألفاظ قوله: "والفلاة: المفازة وجمعها فلا مقصور، وفلوات، والمفازة: واحدة المفاوز، وسميت بذلك على طريق التفاؤل لها بالسلامة والفوز، من فاز يفوز فوزا، إذا نجا، لأنها مهلكة، كما قالوا للديغ: سليم. وقال ابن الأعرابي: سميت مفازة، لأنها مهلكة، من فوََز، إذا هلك"2.
فاستطرد في تفسير المفازة، وهي كلمة عارضة أتى بها لتفسير الفلاة. ومن استطراده في تفسير الآيات، قوله: " ... ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَت﴾ معناه قوله أعلم – تسلو عن ولدها، وتتركه، وتشغل عنه"3.
وقوله: " ... وقال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي أمنتم لزوال الخوف"4.
أما الشواهد الشعرية، فقد عرض لنوعين منها: نوع ورد أصل

الفصيح، وقد اهتم أبو سهل بهذا النوع اهتماما بالغا، فكان ينسب الشاهد – في الغالب – إلى قائله، ويشرح معظم ألفاظه، وقد يذكر معه بيتا قبله أو بعده، أو يشير إلى ما فيه من روايات1.
ونوع آخر استشهد به أبو سهل نفسه، فكان يستطرد في شرح بعض هذه الشواهد، أو ذكر ما فيها من روايات. فمن استطراده في شرح الشواهد قوله في بيت ابن مقبل: قربوس السرج من حاركه ... بتليل كالهجين المحتزم قال: "الحارك من الفرس: أعلى كتفيه ومغرز عنقه، والتليل: العنق. والهجين من الناس: الذي أبوه عربي وأمه أمة. فشبه انتصاب القربوس على حاركه بعبد محتزم، وهو الذي قد احتزم بثوبه، وانتصب متهيئا لأمره"2.
وقوله في بيت سنان بن أبي حارثة المري: وقد يسرت إذا ما الشول روحها ... برد العشي بشفان وصراد قال: "يسرت: أي دخلت مع الأيسار في الجزور، إذا ضربوا

عليها بالسهام.
والشفان: الريح الباردة.
والصراد: غيم وقيق لا ماء فيه"1.
ومن استطراده في إيراد روايات الأبيات، وهو كثيرا ما يفعل ذلك، قوله في بيت حاتم الطائي: إيها فدى لكم أمي وما ولدت ... حاموا على مجدكم واكفوا من اتكلا قال: "ويروى: مهلا فدى لكم"2.
وقوله في بيت أحد الشعراء (قيل: هو جهينة الخمار) : تسائل عن خصيل كل ركب ... وعند جهينة الخبر اليقين قال: ويروى: تسائل عن أخيها كل ركب ... وعند جهينة.. بالهاء"3.
وقوله في بيت أنشده أبو زيد لأحد الشعراء ولم ينسبه: ترى الناس أشباها إذا نزلوا معا ... وفي الناس زيف مثل زيف الدرهم قال: "وروى غيره: ترى القوم أسواء إذا نزلوا معا4

16- بالرغم من نزوعه إلى الاستطراد كما ذكرت ومثلت، إلا أنه كان – مع ذلك – حريصا على الإيجاز والاختصار ما أمكن، لأن الإطالة – كما يعلل – تخرج بالكتاب عن منهجه الذي رسمه لنفسه في المقدمة، وهو "الإيجاز الاقتصار في التفسير". وقد التزم بهذا المنهج وظل يؤكد عليه مرارا في ثنايا الشرح، فمن ذلك قوله: ".... وفيه أقوال أخر غير هذا، تركت ذكرها هنا خوف الإطالة، وقد ذكرتها في الكتاب المنمق"1.
وقوله: " ... وفي هذه الأشياء اختلاف بين أهل اللغة تركت ذكرها خوف الإطالة"2.
وقوله: " ... والقصد في هذا الكتاب الإيجاز والاقتصار، لكني نبهتك هاهنا على موضع السهو لتعلمه، وقد بينت ذلك في "الشرح"، وأنت تراه فيه – إن شاء الله - "3. وقوله: ".... وقد استقصيت ذكر هذه الفصول وأبنت اشتقاقها وأصلها في "شرح الكتاب" ولا يحسن ذكرها هاهنا لما شرطته من اقتصار التفسير في هذا الكتاب"4.
17- عرض من خلال هذا الشرح لعدد من المسائل اللغوية والصرفية والنحوية، سأتحدث - بالتفصيل – عن طريقته في عرضها

ومناقشتها في مبحث قادم – إن شاء الله-. وعرض أيضا لبعض المسائل البلاغية، كالحقيقة والمجاز والتشبيه والاستعارة والكناية، ولم يجاوز في عرضه لها حدود الإشارات العابرة غير المفصلة، وذلك نحو قوله: "وابن بين البنوة: وهو الذي تلده، ومعناه: أنه صحيح الولادة ظاهرها، على الحقيقة، لا على التشبيه والمجاز"1.
وقوله: "وكذلك وعد الرجل وبرق بغير ألف أيضا: إذا أوعد وتهدد، وهما مستعاران من رعد السحاب وبرقه، لأنهما مخوفان، وقد يقال في هذا: أرعد الرجل وأبرق، على أفعل. ومنه قول الكميت: أرعد وأبرق يا يزيـ فما وعيدك لي بضائر2.
وقوله: "ومسست الشيء أمسه.... إذا لمسته بيدك. ويكنى به عن الجماع"3.
وكذلك عرض لبعض السائل العروضية، كالإكفاء والإقواء والروي، وعرض لها في موضع واحد فقط، ولكنه فصل في ذلك، فعرف الإكفاء والإقواء، وأشار إلى الخلاف فيهما، ومثل لهما، فقال: "وأكفأت في الشعر بالألف، أكفئ إكفاء، وهو مثل الإقواء.... وذلك إذا خالفت حرف

الروي بالرفع والخفض في قوافي الشعر، كقول الحارث بن حلزة: فملكنا بذلك الناس حتى ... ملك المنذر بن ماء السماء وهو الرب والشهيد على يو ... م الحيارين والبلاء بلاء فأقوى في البيت الأول فخفضه، والقصيدة مرفوعة.
والروي: هو الحرف الذي تبنى عليه القصيدة.
وقال قوم: الإكفاء في الشعر: هو أن يخالف بين قوافيه بالحروف، فيجعل حرف مكان حرف، وذلك أن تجعل قافية طاء والأخرى ميما، وما أشبه هذا من الحروف التي تشبه بعضها بعضا، وذلك نحو قول الراجز: إذا نزلت فاجعلاني وسطا إني شيخ لا أطيق العندا ... وقال آخر: يا ريها اليوم على مبين على مبين جرد القصيم1 ولم يدخل الكتاب من إشارات تتصل بخلق الإنسان2،

وعلم الكتابة1 والفقه2، والعقيدة3.
وتعرض لشيء مما يتصل بعلوم العرب معارفها ومعتقداتها4، وشرح عددا من الأمثال5، وعرف بطائفة من الأعلام، والفرق، والجماعات، والبلدان6.

المبحث الرابع: عرض مسائل العربية في الكتاب

. عرض أبو سهل من خلال هذا الشرح لعدد من المسائل اللغوية والصرفية والنحوية، وسأذكر في هذا المبحث أبرز هذه المسائل لتوضيح طريقته في عرضها ومناقشتها، وذلك على سبيل التمثيل لا الحصر، وسأفرد لهذه المسائل فهرسا خاصا شاملا في نهاية الكتاب – إن شاء الله-.
أولا: المسائل اللغوية: أشرت فيما سبق إلى عناية الشارح واهتمامه بشرح المفردات اللغوية في كتاب الفصيح، وبينت في ذلك، وأشير هنا إلى بعض المسائل التي عرض لها في أثناء شرح تلك المفردات، ومنها ما لاقى نصيبا وافرا من اهتمامه فنص عليه وناقشه، ومنها ما ورد عرضا، وتكرر وروده فأشرت إليه.
1- لحن العامة: من أهم ما عرض له الشارح في مواضع متفرقة من كتابه قضية لحن العامة، وهو أمر اقتضته طبيعة الكتاب المشروح الذي ألف أصلا لعلاج لحن العامة وقد عرف العامة بأنهم "أهل الحضر والأمصار ممن يتكلم بالعربية دون غيرهم من الأعاجم"1.

وعرف الكلام الفصيح بقوله: "وفصيح الكلام: هو البين منه، مع صحة وسلامة من الخطأ"1.
ثم عرف اللحن بالخطأ في العربية، وذلك يفهم من قوله: "وفصح اللحان ... إذا زال فساد كلامه وتنقى من اللحن، وصحت ألفاظه، مع سرعة النطق، بها. واللحان: هو الذي يتكلم بالعربية فيخطئ فيها"2.
فمقياس الفصاحة عنده سلامة اللسان من الخطأ، ونقاوته من اللحن، مع سهولة جريان العربية على لسان المتكلم بها. وتعريفه اللحان تعريف للحن يمفهومه الاصطلاحي الواسع، وهو الخطأ في العربية الفصحى، ويشمل ذلك الخطأ "في الأصوات، أو في الصيغ أو في تركيب الجملة وحركات الإعراب، أو في دلالة الألفاظ"3.
وقد خص علماء العربية اللحن المتعلق بحركات الإعراب بمصنفاتهم النحوية، أما اللحن المتعلق ببنية الكلمة وصياغتها ودلالتها فقد عالجوه في مصنفاتهم اللغوية والصرفية، ومنهم من أفرد له كتبا خاصة عرفت باسم كتب التصحيح اللغوي، أو كتب لحن العامة، من أهمها: كتاب لحن العامة للكسائي، وإصلاح المنطق لابن السكيت، وأدب الكاتب لابن قتيبة، وفصيح ثعلب وما ألف حوله من شروح.

وقد ورد اللحن في فصيح ثعلب "على المعنى الاصطلاحي الذي أطلقه العلماء على لحن العامة، يقصدون اللحن الدلالي، واللحن الاشتقاقي والصرفي"1 وأشرت في حديث سابق2 إلى منهجه في ذلك، وهو إيراد الفصيح كما نطق به العرب الفصحاء، من غير أن يوضح كيفية نطق العامة إلا فيما ندر.
وجاء أبو سهل فأودع شرحه إشارات كثيرة توضح كيفية نطق العامة لكثير من ألفاظ الفصيح، وطريقته في ذلك أن يذكر اللفظ كما نطق به العامة، ثم يحكم عليه، بالصواب أو بالخطأ، ومقياس الصواب والخطأ عنده موافقه ذلك المنطوق للغة العرب أو مخالفته لها.
ومن أمثلة ذلك حديثه العام عن خطأ العامة في بناء "فعل وأفعل" حيث يقول: "والعامة لا تفرق بينهما، فتحذف الألف من بعض ما جاء على أفعل، وتزيدها على فعل، فتقوله على أفعل، وهي مخطئة في ذلك لمخالفتها العرب فيما تتكلم به"3 ومن ذلك أيضا إشارته إلى خطأ العامة في بناء "فُعَلَة" و"فُعْلة" بفتح العين وتسكينها، حيث تخالف العرب ولا تفرق بينهما4.
فهو يرى أن خطأ العامة في هذه الأبنية سببه مخالفة العرب فيما

تتكلم به.
ولذلك نراه يحكم على بعض كلام العامة بالصواب بل بالجودة أحيانا إذا وافق لغة من لغات العرب كقوله: "وهو الجبن: للذي يؤكل بضم الباء.
وكذلك من الجبان أيضا، والعامة تسكن الباء منهما، وليس ذلك بخطأ، وهما لغتان جيدتان...."1. وقوله: "والعامة تقول: خواتيم بزيادة الياء، فتجعلها جمع خاتام، وهي لغة للعرب فصيحة"2.
ورد على بعض العلماء تخطئتهم بعض اللغات الموافقة أصلا صحيحا جاريا على قياس كلام العرب، كقوله: "وليس ذيك بالذال خطأ، كما زعم ثعلب والجبان وغيرهما، بل هي لغة صحيحة جارية على قياس كلام العرب". كما أنكر على ثعلب أيضا ألفاظا كثيرة لا تغلط فيها العامة حسب ترجمة الباب المذكورة فيه3.
وقد يذكر من لحن العامة ما يوافق بعض لغات العرب، لكنه يختار الأفصح، كقوله: "وهي العنق بضم النون، وبعض العامة يسكنها، وبعضهم يفتحها، وهما عند العرب لغتان أيضا، إلا أن الأفصح ضم

النون"1.
وقد يحمل شيئا من لحن العامة على بعض لغات العرب، ولكنه يضعفه أو لا يستحسنه لعلة يذكرها، كقوله: "وثياب جدد بضم الدال: وهو جمع جديد، كسرير وسرر.... والعامة تفتح الدال، فتقول: جدد، وقد تكلم بهذه اللغة بعض العرب، فقالوا: جدد وسرر بفتح الدال والراء، استثقالا للضمة، وليس هذا بالجيد، لاشتباهه بغيره وإلباسه به، لأن الجدد بفتح الدال جمع جُدََة، وهي الطريقة التي تخالف لون معظم الشيء...."2. وقد يكون للحن العامة مسوغ من الاشتقاق أو القياس، ولكنه يرفضه لكونه مخالفا لما ورد به السماع عن العرب، أو لأن الكلام به يوقع في إلباس، فمن الأول قوله: "وعُودُ أُسْرٍ ... والعامة تقول: عود يسر بالياء، وإن كان له وجه من الاشتقاق، فهو مخالف لما ورد به السمع عن العرب"3.
ومن الثاني قوله: "ونظرت يَمْنَة وشأمة ... ولا تقل: شملة، وإن كان القياس يوجب أن يقال ذلك، فتكون فَعْلَة من الشمال، لكنها لو

قيلت لألبست بالشملة التي في كساء يشتمل به، أي يتغطى به، فعدلوا عن الكلام بذلك لأجل الإلباس"1.
ورد لحن العامة في بعض الكلمات المعربة إلى محافظتها على نطق الكلمة كما هي في أصلها الأعجمي، كقوله: "وهو التوت بالتاء معجمة بنقطتين وهو فارسي معرب أيضا، والعامة تقوله بالثاء معجمة بثلاث نقط، والعجم تقوله بالذال المعجمة، وبعضهم يقوله بالثاء معجما بثلاث نقط، كما تقوله العامة"2.
وإذا حكم على لحن العامة بالخطأ فهو بين أمرين، إما أن يطلق الحكم دون أن يعلق عليه أو يبين الخطأ، كقوله: "والعامة تكسر الشين من الشتوة، وهو خطأ"3.
أو كقوله: "والعامة تقول: من رجله، بإضافة رجل، وهو خطأ"4.
وكذلك قوله: "وتقول منه: دنا يدنو دنوا بالواو.... والعامة تقول في مستقبله: يدني بالياء، وهو غلط"5.
وإما أن يحكم على اللحن بالخطأ، ثم يستطرد إلى بيان وجه الخطأ أو سببه، كقوله: "وتقول هي الكُرَةُ..... والعامة تزيد في أولها ألفا وتسكن الكاف، فتقول: "أُكْرَة"، وهو خطأ، لأن الكرة الحفرة في

الأرض"1.
وقوله: "ورجل عزب ... ورجال عزبون وأعزاب، وقول العامة: عزاب خطأ، لأن عزابا يكون جمع عازب كعابد وعباد"2.
وأحيانا ينص ثعلب نفسه على خطأ العامة، فيوضح الشارح سبب ذلك الخطأ، ويبين وجهه، فعند قول ثعلب: "ولقيته لقية.. ولقاءة ... ولا تقل لقاة، فإنه خطأ". قال: "ووجه خطئه أن المرة الواحدة تكون على فعلة بسكون العين، ولقاة وزنها فعلة بفتح العين، لأن أصلها لقية، فقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصار لقاة"3.
وعندما خطأ ثعلب العامة لتشديدها الميم من "آمين" قال: "لأنه يخرج من معنى الدعاء، ويصير بمعنى قاصدين، كما قال تعالى: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ 4. وليس كل ما ذكره من خطأ العامة أو كلامها مما أشار ثعلب إلى مقابله الفصيح، بل ذكر كثيرا من كلام العامة ولحنها على سبيل الاستطراد أو المناسبة ترد عرضا في أثناء الشرح، كقوله: "ولا يقال عيََان"5.
وقوله: "والجمع أفراس، ولا يقال: فرسان، إنما الفرسان، جمع فارس كراكب وركبان"6.
وقوله: "ولا يقال: مفروح بغير به، ولا يقال

أيضا: به مفروح بتقديم به"1.
وقوله: "وهي الرحى ... وجمعها أرحاء، ولا يقال: أرحية"2.
وقوله: "والمني بتشديد الياء، على وزن فعيل، ولا يجوز تخفيفها"3.
وقوله: "وأما القطنة.... وهي ذات الأطباق، يتراكب بعضها على بعض، والعامة تسميها الرمانة، وتسميها أيضا لقاطة الحصى"4.
وقوله: "والجد: الحظ ... وهو الذي تسميه العامة البخت"5.
وهكذا فقد نال لحن العامة قدر كبيرا من عناية الشارح واهتمامه، فتنوعت طرائقه في معالجته ومناقشته والحكم عليه، وكان من أهم القضايا اللغوية البارزة في هذا الشرح. 2- اللغات: اللغة في مفهوم الشارح تعني الكلام قال: "تقول هذا الحرف بلغة بني فلان، أي بكلامهم ومنطقهم"6.
ثم ذكر أصل اشتقاقها فقال: "وهي مشتقة من اللغو أو اللغى مقصور، وهما الكلام والصوت، يقال: لغا الرجل يلغو لغوا، ولغي أيضا بالكسر، على مثال رضي، فهو يلغى

لغى، إذا تكلم وصوت"1.
وبين أن المراد باللغات هو ما "تنطق به العرب على وجهين، وثلاثة أوجه، أو أكثر من ذلك، مختلفة في اللفظ متفقة في المعنى نحو اختلافهم في الحركات والسكون في حرف أو حرفين من كلمة واحدة.... ونحو اختلافهم في زيادة حرف أو أكثر في كلمة واحدة، ونقصان ذلك منها أو اختلاف حركة منها أيضا، والمعنى في ذلك كله واحد ... ونحو ما جاء عنهم ... في تغيير الحروف وإبدال بعضها من بعض، والمعنى في جميع ذلك واحد"2.
وكان له عناية بذكر اللغات المختلفة في الكلمة الواحدة، وطرائقه في ذلك مختلفة، فهو إما أن يذكر الكلمة ويتبعها بلغة أخرى، دون أن ينص على أنها لغة، كقوله: "ونحت العود وغيره ينحته بالكسر والفتح"3 وقوله: "وهو صفو الشيء بفتح الصاد والتذكير ... وصفوته بكسر الصاد والتأنيث"4.
وقوله: "وهو الصيدناني والصيدلاني بالنون واللام"5.
وإما أن ينص على أنها لغة، ولكن دون تحديد القبيلة التي تنتمي إليها، كقوله: "والشأم بتسكين الهمزة.
على وزن شعم ... وفيها لغة

أخرى، يقال: شآم بفتح الهمزة، على وزن فَعال"1.
وقوله: "فأما الظفر: فمضموم الظاء والفاء، وتسكين الفاء لغة فيه، ويقال له أيضا أظفور بضم الألف"2.
وقد ينسبها لعامة العرب، كقوله: "وهي الطس ... والطست بالتاء لغة للعرب أيضا"3 أو لبعضهم كقوله: "وبعض العرب يقول: هذه طائرة حسنة. فيزيد الهاء في المؤنث"4.
وأحيانا يذكر لغتين معا فينسب إحداهما، ولا ينسب الأخرى، كقوله: "هديت القوم الطريق بغير ألف.... وهذه لغة أهل الحجاز.
ومنه قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ، وغيرهم يقول: هديتهم إلى الطريق، فيعديه بحرف الجر.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ 5. وأشار إلى الخلاف الدلالي لبعض اللغات المنطوقة غالبا في عصره، فذكر أن أهل مصر والشام يسمون الباقلى الفول6.
وأن أهل الشام أيضا يسمون الحب الخابية، وأهل مصر يسمونه الزير7.

جارٍ التحميل