باب ما يقال للأنثى بغير هاء
(تقول: امرأة طالق وحائض وطاهر وطامث، بغير هاء) 1 فيها، وإنما أسقطوها منها، لأنها نعوت تخص المؤنث، ولا حظ للمذكر فيها، فلم يحتاجوا إلى الهاء، لأن الهاء إنما تدخل فيما يشترك فيه المذكر والمؤنث، مثل قائم وقائمة، ليفرق بينهما بها، فلما لم يكن في هذه النعوت للمذكر حظ لم يحتاجوا إلى الفرق.
وهذا هو قول النحويين الكوفيين2، قالوا: ومن شاء أدخل الهاء فيها، لأنه تأنيث صحيح3.
وقال البصريون: إنما أسقطوا الهاء من هذه النعوت، وجاءوا بها على لفظ المذكر، لأنهم أجروها مجرى النسب، كأنهم قالوا: امرأة [119/ب] ذات طلاق، وذات حيض، وذات طهر، وذات طمث، ولم يجعلوها جارية على الفعل بمعنى طلقت فهي طالقة، وحاضت فهي حائضة، وطهرت فهي طاهرة، وطمثت فهي طامثة4، فإن جعلوها جارية على أفعالها أثبتوا فيها الهاء علامة للتأنيث، فقالوا: طلقت فهي طالقة، وحاضت فهي حائضة، وطهرت فهي طاهرة، وطمثت فهي طامثة5، فأثبتوا الهاء في هذه النعوت علامة للتأنيث، كما أنثوا أفعالها
للفرق بين النسب وبين ما جرى على فعله.
وهذا هو مذهب الخليل1، وأما سيبويه فإن مذهبه في هذه النعوت التي أسقطت منها علامة التأنيث وجعلت بلفظ المذكر، أنها جاءت أوصافا لمذكر، وأن المراد بها شيء طالق، وشيء حائض، وطاهر، وطامث، وكذلك أشباهها2.
وأما معنى قولهم: امرأة طالق: فإنها المخلاة من عقد نكاح الزوج.
وأما حائض وطامث: فهما بمعنى واحد3، للتي اجتمع دمها، ثم جعل يخرج منه شيء بعد شيء.
وأما امرأة طاهر: فهي التي انقطع عنها ذلك الدم.
(وكذلك امرأة قتيل) 1 بغير هاء أيضا: بمعنى مقتولة، لأنك ذكرت امرأة قبل هذا النعت [120/أ] فاستغنيت بذكرها عن إتيان الهاء في نعتها، وكذلك جميع ما يأتي من النعوت، فإنها تجري في حذف الهاء هذا المجرى، نحو: (كف خضيب، وعين كحيل، ولحية دهين) 2، وإنما لم يثبتوا الهاء في هذا، لأنه معدول عن جهته، لأنهم عدلوا من مفعول إلى فعيل، لأن المعنى فيها: كف مخضوبة بالحناء، وعين مكحولة بالكحل، ولحية مدهونة بالدهن3، فلما عدلوا عن مفعول إلى فعيل حذفوا منه الهاء ليفرقوا بينه وبين ما لم يكن بمعنى مفعول، كقولهم: امرأة كريمة وجميلة وصغيرة وكبيرة وظريفة وأشباهها، فلا يجوز في مثل هذا مفعولة، لا يقال: مكروهة ولا مجمولة.
وإذا4 أفردت النعت من النعوت جئت بالهاء فقلت: (رأيت قتيلة، ولم تذكر امرأة، وأدخلت فيه الهاء) لتفرق بها بينها وبين المذكر، وكذلك إذا أضفت، فتقول: قتيلة بني فلان.
(وكذلك امرأة صبور وشكور ونحو ذلك) 1 بغير هاء، لأنه عدل عن فاعل إلى فعول، فعدل عن صابر إلى صبور، وعن شاكر إلى شكور، وأرادوا بذلك كثرة الفعل والمبالغة فيه2، لأن معنى امرأة صبور [120/ب] : كثيرة الصبر معتادة له، ومعنى امرأة شكور: كثيرة الشكر.
والصبور: هي المحتملة للمكروه من غير جزع منه.
والشكور: هي التي تثني على الإحسان وتكافئ عليه.
(وكذلك امرأة معطار ومذكار ومئناث) 3 بغير هاء فيها، ومفعال من أبنية المبالغة وكثرة الفعل أيضا4.
فمعنى امرأة معطار: كثيرة استعمال العطر، وهو الطيب.
ومذكار: من عادتها أن تلد الذكور كثيرا.
ومئناث: من عادتها أن تلد الإناث كثيرا.
وإنما حذفوا الهاء من مفعال، لأنه انعدل من1 الصفات انعدالا أشد من انعدال صبور وشكور عن جهته، وأيضا لأنه مبني على غير فعل2، كما أ، صبورا وشكورا مبنيان على غير فعل، فإن قلت: فإن فعلهما صبر وشكر، قيل لك: إنما ذاك للصابر والشاكر، وليسا لصبور ولا شكور3.
(وكذلك) امرأة (مرضع ومطفل ونحو ذلك) 4 بغير هاء أيضا، والقول فيه كالقول في امرأة طالق وحائض5.
فمعنى امرأة مرضع: أي أنها ذات لبن يرتضع.
وجمعها: مراضع.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ 1. قيل: معنى امرأة مرضع: أي أنها [121/أ] أرضعت ولدها، أي سقته لبنها.
قال امرؤ القيس2:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع
فألهيتها عن ذي تمائم محول
فإن أردت أنها ترضعه في المستقبل، قيل: مرضعة غدا بالهاء.
ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ [تَرَوْنَهَا] تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ 3 وجمعها مرضعات.
وامرأة مطفل: إذا كانت ذات طفل، وهي التي معها طفل4، وهو ولدها أول ما تضعه، وجمعها مطافل.
وقال امرؤ القيس5:
تصد وتبدي عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل
(وامرأة حامل: إذا أردت حبلى) 1، وجمعها حوامل، أي هي ذات حمل، وحملها هو الولد الذي في بطنها.
(فإن أردت أنها تحمل شيئا ظاهرا، قلت: حاملة) 2 بالهاء، والقول هاهنا كالقول في طالق وحائض في قول الكوفيين والبصريين3
(وكذلك امرأة خود وضناك، وناقة سرح، ونحو ذلك) 4 بغير هاء، والقول فيها كالقول في طالق وحائض في قول الكوفيين والبصريين5.
والخود: المرأة الشابة الناعمة البدن6.
وجمعها خود بضم الخاء7، مثل فرس ورد بفتح الواو، وجمعه ورد بضمها [121/ب] .
وامرأة ضناك بكسر الضاد8: أي مكتنزة اللحم.
وقيل: هي
الضخمة1.
وجمعها ضنك بضم الضاد والنون، مثل كتاب وكتب.
وناقة سرح بضم السين والراء: أي سريعة في سيرها، ولم يسمع لها بجمع، وقياسه أسراح، مثل عنق أعناق وطنب وأطناب.
(وتقول: ملحفة جديد وخلق، وعجوز، وأتان، وثلاث آتن) بالمد، على أفعل، والكثيرة أتن، على فعل بضم الألف والتاء.
وأما الملحفة: فقد تقدم تفسيرها في باب المكسور أوله2.
وأما قوله: (جديد وخلق) فإن الجديد ضد الخلق، والخلق: البالية التي قد لانت وأملست من طول ما مر عليها من الزمان.
والجديد: هي التي فرغ النساج من نسجها، وقطعها من عن المنوال، وهي فعيل في تأويل مفعولة بمعنى مجدودة، وهي المقطوعة.
وهذا قول الكوفيين3، وقال البصريون4: إنما حذفوا الهاء من ملحفة جديد وخلق على غير
القياس، وليس جديد من المعدول عن مفعول، لأنه لا يجوز فيهما مفعول، وكان القياس أن تثبت فيهما الهاء1، كما تثبت في صغيرة وكبيرة ومريضة، ولكنهما جاءا شاذين، ولا يقال في شيء من الأشياء: جديدة [122/أ] ولا خلقة، وإنما هو جديد وخلق بغير هاء، للمؤنث والمذكر2.
ومنه قول الشاعر3:
كفى حزنا إني تطاللت كي أرى ... ذرى قلتي دمخ فما تريان
كأنهما والآل يجري عليهما ... من البعد عينا برقع خلقان
فقال خلقان، ولم يقل خلقتان، والعينان أنثيان4.
وجمع الجديد جدد بضم الجيم والدال، مثل سرير وسرر، وجمع الخلق أخلاق.
والعجوز: معروفة المعنى، وهي أنثى الشيخ من غير لفظه،
والعجوز: المرأة الكبيرة السن. وقيل: تسمى عجوزا إذا زادت على الأربعين سنة1.
وجاءت بغير هاء لاختصاص الاسم بالمؤنث2.
ومنه قول الراجز3:
تنح للعجوز عن طريقها ... دعها فما النحوي من صديقها
وجمعها عجائز وعجز4 بضم العين والجيم.
والأتان: أنثى العير، وهو الحمار، وحذفت الهاء من الأتان لاختصاص هذا الاسم بالتأنيث أيضا5.
وثلاث آتن على وزن أفعل،
لأنه جمع قليل، والكثيرة الأتن1 بضم الهمزة والتاء.
(وتقول: هي رخل) 2 بفتح الراء وكس الخاء: (للأنثى من أولاد الضأن) ، والذكر حمل، وجمعها رخال [122/ب] ورخال3 بكسر الراء وضمها وحذفت الهاء، من رخل لاختصاصها بالتأنيث أيضا، استغناء4 عنها.
(وهذه فرس) 5 للأنثى من الخيل، فإذا صغرتها قلت: فريسة بالهاء، وتقول للمذكر: هذا فرس6، فإذا صغرته قلت: فريس بغير هاء، والجمع منهما أفراس، ولا يقال: فرسان7، إنما الفرسان جمع
فارس، كراكب وركبان.
(فهكذا1 جميع ما كان للإناث خاصة، فلا تدخلن فيه الهاء، وهو كثير فقس عليه إن شاء الله) . وهذا قول الكوفيين، وقد تقدم ذكره في صدر هذا الباب2.