إسفار الفصيحصفحات 97-121

المبحث السادس: منزلته العلمية

. سبق القول في حديثنا عن عصر أبي سهل إنه كان – من الناحية العلمية – من أزهى عصور الحضارة الإسلامية تقدما وازدهارا في العلوم كلها، ولا سيما علوم اللغة العربية.
ثم كان من توفيق الله لأبي سهل أنه ولد ونشأ في بيت علم، إذ كان أبوه أحد الراسخين في علوم اللغة العربية، وممن أوتي بسطة في تحصيلها، فحمل الإبن عنه علما كثيرا، ونهل من شرعته أدبا وفيرا.
ثم أخذ عن مشاهير علماء عصره وقرأ عليهم أصول كتب اللغة كالغريب المصنف، والجمهرة، والتهذيب، والصحاح، والغريبين وغيرها.
ثم تلى مرحلة التعلم مرحلة أخرى من حياته، وهي مرحلة العطاء بعد أن تم نضجه العلمي، وأصبح كثير الحفظ واسع الرواية، كثير الإطلاع، فالتف حوله طلاب العلم يقرأون عليه، ويروون عنه، ويلتمسون منه وضع المصنفات، وكان بعضهم ممن رحل إليه من أقاصي البلاد، وأصبحوا فيما بعد من العلماء المشاهير، كما سبق في ترجمة تلاميذه.
وقد هيأت له هذه المنزلة العلمية الرفيعة أن يرأس المؤذنين بجامع عمرو بن العاص الذي كان منارة علم وإشعاع، وإليه يفد الطلاب من

كل مكان، وفي رحابه تعقد حلقات العلم، وتجرى المناظرات والمحاورات بين جهابذة العلماء1.
وقد حظي من العلماء بالذكر العطر والثناء الحسن، فقال عنه القفطي: "له خط صحيح يتنافس فيه أهل العلم، كتب الكثير من كتب اللغة والنحو، وكان مفيدا وحدث "2. وقال أيضا: "وهو أحد الأدباء هو وأبوه "3. ووصفه المقريزي بالشيخ الجليل، وقرنه في ذلك الوصف بواحد من أكابر العلماء فقال في ترجمة ابن بركات السعيدي: ط ولقي المشايخ الأجلاء كالقاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي، وأبي سهل الهروي"4.
وقال في ترجمة أبي عبد الله اليمني: "روى عنه أبو سهل الهروي المؤذن، وهو أحد الأدباء "5. ونعته ابن عبدوس وياقوت الموصلي بالشيخ6، وعده الصفدي والزبيدي من أئمة العلماء7، وأثنى التادلي على سماحة خلقه مع العلماء، وتورعة عن تغليطهم، ومحاولة إيجاد الأعذار لهم8.

وهو عند العلماء ثقة ثبت فيما يقوله أو يكتبه أو يرويه، لذلك كانت روايته للصحاح ونسخه التي كان يكتبها بنفسه من أصح وأوثق الطرق التي سلكها الصحاح إلى الناس1.
قال ابن منظور: "ورأيت في حاشية نسخة من الصحاح موثوق بها ما صورته: قال أبو سهل: هكذا وجدته بخط الجوهري الثعبة بتسكين العين. قال: والذي قرأته على شخي في الجمهرة بفتح العين"2.
وقال البغدادي في حاشيته على شرح بانت سعاد لابن هشام: قال الجوهري: قال الفراء: هو الصرى، والصرى للماء يطول استنقاعه.... وقد ضبط الأول بالكسر والثاني بالفتح في نسخة صحيحة مقابلة بنسخة أبي سهل الهروي المصححة بخط الجوهري"3.
واعتمد الصغاني في تأليف العباب على نسخة من الجمهرة لابن دريد بخط أبي سهل الهروي4.
ونشر عبد الله يوسف الغنيم كتاب النبات للأصمعي معتمدا على ثلاث نسخ للكتاب أعلاها وأوثقها نسخة منقولة من نسخة بخط أبي سهل الهروي ومقابلة بها5.
وقد ترك أبو سهل آثارا لغوية تشهد بفضله، وغزارة علمه، وسعة حفظه، وتبحره في علوم اللغة، وعلو مقامه فيها، وقدرته الفائقة على

الإحاطة والاستقصاء وجمع الأوابد والشوارد من محيط اللغة الواسع، وقد أقر له الصفدي بهذا الفضل، فقال في ترجمته: "وله شرح فصيح ثعلب سماه "الإسفار"استوفي فيه واستقصى، ثم اختصره وسماه "التلويح في شرح الفصيح"، وكتاب "الأسد"مجلد ضخم نحو ثلاثين كراسة، وذكر فيه ستمائة اسم، وكتاب "السيف"ذكر فيه نحو ثمانمائة اسم"1.
وكان لآثاره – رحمه الله – أثر جلي فيمن جاء بعده، فقد نقل العلماء أقواله، واعتمدوا على تحقيقاته، ونقلوا ردوده على كثير من العلماء، كالأصمعي والمهلبي وأبي سعيد السكري، وثعلب الفارابي (صاحب ديوان الأدب) والجوهري، وغيرهم2.
وفي مبحث آثاره سنرى عددا من المصادر اللغوية التي استفادت منه ونقلت من كل مصنفاته تقريبا. وشرح في إسفار الفصيح بعض الألفاظ الفارسية، وردها إلى أصولها3.
وهذا يدل على اطلاعه ودرايته باللغة بالفارسية، ولا غرو في ذلك، فموطنه الأصلي ومسقط رأسه "هراة"، واللغة الفارسية منتشرة هناك.

ومما تقدم نعلم أن أبا سهل حاز درجة رفيعة من الثقافة، وارتقى منزلة علمية سامية في عصره، وفيما بعد عصره إلى يومنا هذا.

المبحث السابع: آثاره

. ترك أبو سهل عددا من المصنفات الجليلة، ذكر طائفة منها في كتابه "إسفار الفصيح"، وطائفة ذكرتها كتب التراجم، أو من نقل عنه من العلماء.
ولكن جلّ هذه المصنفات سقط- مع الأسف- من يد الزمن، وعفت عليه عواصف المحن والنكبات التي مر بها العالم الإسلامي، فأودت بكثير من تراثه الفكري.
ولا يبعد- وهذا ما نرجوه إن شاء الله – أن يكون هناك طائفة من مصنفاته مغيبة عنّا في خزائن المكتبات العالمية، لم يبلغنا علمها بعد، أو لم تفهرس محتوياتها وتنشر على الباحثين.
ولا شك أن عددا من مصنفاته بقي متداولا في أيدي الناس قرونا طويلة، يشهد بذلك النصوص المنقولة عنه في تصانيف الاحقين.
والملاحظ على مصنفاته التي نمى إلينا علمها أنها تدور جميعا في فلك اللغة مع أن القريزيّ1 والسيوطي2ذكر أن له تآليف في النحو،

لكنهما لم يذكرا اسم شيء منها.
كما أن الحبال1 وياقوت2 والقفطي3 ذكروا في سلسلة نسبة أنه "النحوي ". ونص القفطي4 والمقريزي5 والسيوطي6 في أثناء ترجمته أنه "من الحياة ". ولا نذهب بعيدا فأبو سهل – قبل هؤلاء –لقب نفسه بالنحوي، وورد ذلك بخطه على الورقة الأولى من كتابه إسفار الفصيح، وفي مقدمة الكتاب أيضا.
فهل نستدل بذلك على أن أبا سهل كان قد حذق علم النحو واستوعب أصوله وأحاط بفروعه، فكان له مصنفات فيه، كما ذكر السيوطي والمقريزي، أو كما يدل عله انتسابه الصريح إلى علم النحو؟ لا أقطع بذلك، لأن أحدا ممن ترجم له لم يذكر أسماء هذه المصنفات، ولو أن له مصنفات في هذا الفن لأحال عليها كعادته في الإحالة على أكثر مصنفاته في كتابه إسفار الفصيح، كما أن المصادر التي جاءت بعده لم تنقل عنه شيئا من هذه المصنفات بخلاف مصنفاته اللغوية التي نقلت عنها كثيرا، كما سيتضح لنا عرضها.
وهذا والده أبو الحسن الهروي كان من علماء النحو، وله مصنفات مذكورة معروفة،

فلذلك كثرت عنه النقول في بطون الكتب النحوية1.
إذا فما تفسير تلقيبه بالنحوي؟ الإجابة على ذلك تحتمل واحدا من أربعة أمور: 1- أن يكون انتقل إليه اللقب عن طريق والده الذي كان يلقب بالنحوي أيضا2.
2- أو لعله شارك في تدريس النحو فلقب بذلك.
3- أو بسبب إشتغاله بنسخ الكثير من كتب النحو3.
أو لعل ذلك من باب التوسع في مدلول هذا اللقب، حيث لم تكن تعني كلمة نحوي قديما ما نعنيه اليوم من تخصيص وحصر لهذا المصطلح، ولم يكن أكثر القدماء يفرقون بين النحوي واللغوي والأديب، وكانت هذه المصطلحات تتداخل في وصف معظم علماء اللغة، لأن الواحد منهم كان – في الغالب – ملما بعلوم العربية كلها، فالقفطي – مثلا – قال عن أبي سهل إنه "كان نحويا "4، ثم ذكر في مكان آخر

من كتابه إنباه الرواة أنه "أحد الأدباء هو وأبوه "1. وكذلك فعل المقريزي في المقفى2، عندما قال في ترجمته أنه نحوي، ثم نعته في مكان آخر من الكتاب بالأديب، وهذا لا يعني بالضرورة أنه كان من الأدباء كما نفهمه نحن اليوم.
وقد سلك أبو سهل في تصانيفه طرقا مختلفة، فكان منها الكتب المختلفة، ومنها الشروح والمختصرات والتعليقات والحواشي.
وقد حاولت في هذا المبحث إحصاء آثاره، والتعريف بمحتويات بعضها، وتتبع ما نقل عنها في مصنفات اللاحقين، وهذا بيانها مرتبة وفق حروف الهجاء: 1- إسفار الفصيح: أشهر مؤلفات أبي سهل، وهو موضوع هذه الدراسة، وسيأتي الحديث عنه مفصلا.
2- التلويح في شرح الفصيح: اختصره من إسفار الفصيح، وذكر في مقدمته الباعث على ذلك الاختصار، والمنهج الذي سلكه فيه فقال: "ثم إني رأيت جماعة من

المبتدئين تضعف قواهم عن الإحاطة بما أودعته فيه1 من التفسير والشواهد من القرآن والشعر، ويستطيلون حفظه، فاختصرت لهم منه أشياء تكفيهم معرفتها، وتنشطهم في حفظها نزارتها، وأثبتها في هذا الكتاب، ووسمته بكتاب "التلويح في شرح الفصيح"، لأنني لوحت بشرح فصوله كلها فقط، ولم أذكر شاهدا على شيء منها، ولا جمعا لاسم، ولا تصريفا لفعل، ولا مصدرا له، ولا اسم فاعل ولا مفعول، إلا ما أثبته أبو العباس رحمه الله تعالى في الأصل، ولم أذكر فيه أيضا شرح الرسالة، ولا الأبيات التي استشهد بها، ولم أنبه على شيء من الفصول التي أثبتها في غير أبوابها، وأحالها عن جهة صوابها، طلبا للتخفيف والإيجار، فإذا حفظوا هذا الكتاب وأتقنوه، وآثروا زيادة في التفسير والبيان على ما فيه، نظره في ذلك الكتاب2، إن شاء الله تعالى "3. وقد التزم بمنهجه هذا إلى حد كبير، فجاء الكتاب متسما بالإيجاز والاختصار، ليكون سهل المأخذ على الناشئة المتأدبين، لذلك نراه يكتفي في أكثر الكتاب بتفسير اللفظ بمرادفه، أو بجملة قصيرة غاية في الإيجاز، واكتفى بإيراد أشياء مختصرة تكفي معرفتها للناشئة المتأدبين، وتنشطهم في حفظها نزارتها كما قال.
ومع ذلك فقد وجدته يورد أشياء كثيرة زائدة عما في الأسفار أو

مخالفة له، وقد نبهت عليها أو نقلتها في مواضعها من حواشي التحقيق.
وذكر هذا الكتاب عند أكثر مترجميه باسم "التلويح في شرح الفصيح "1 وذكره آخرون باسم "مختصر شرح الفصيح "2. ووهم عمر رضا كحالة فجعل التلويح هو الأصل المختصر منه، فقال: "من تصانيفه ... شرح الفصيح لثعلب، وسماه التلويح في شرح الفصيح ثم اختصره "3. وممن تأثر بهذا الكتاب ونقل عنه البغدادي في الخزانة4، وفي حاشيته على بانت سعاد5، وسماه "شرح الفصيح "وفي شرح أبيات مغني اللبيب5، وسماه "التلويح في شرح الفصيح ". ومنه نصوص مقارنة بنصوص مناظرة للغويين آخرين، في نصوص في فقه اللغة العربية6، ونصوص لتوضيح طريقته ومنهجه في لحن

العامة والتطور اللغوي1، ومعجم المعاجم2، ومقدمة الفصيح1، وتصحيح الفصيح2.
وطرز كثير من محققي كتب التصحيح اللغوي وغيرها حواشي هذه الكتب بنقول كثيرة منه3.
وكما حظي التلويح قديما بشهرة كبيرة، فكان من أكثر الشروح تداولا في أيدي الناس بدليل انتشار نسخه الخطية في مكتبات شتى من أقطار العالم، حظي بهذه الشهرة أيضا حديثا، فكان من أوائل كتب التراث التي عرفت الطباعة الحديثة، وكان أول شرح للفصيح تنشره المطبعة العربية، بل نشر قبل الفصيح نفسه، وظهر في طبعات عديدة هي: 1- طبعة القاهرة سنة 1285 هـ. 2- طبعة وادي النيل سنة1289 هـ. 3- طبعة ليبسيك سنة 1876 م. طبعة مطبعة السعادة سنة 1325 هـ ضمن مجموعة (كتاب الطرف 1 173 - 174 2 ص 81، 82، 83.

الأدبية لطلاب العلوم العربية) بإشراف محمد أمين الخانجي، ومحمد بدر الدين النعساني. 5- طبعة المطبعة النموذجية سنة 1368 هـ، ضمن مجموع يضم ذيل الفصيح لعبد اللطيف البغدادي، وقطعة من أول كتاب الاشتقاق لابن دريد، وكتاب "فعلت وأفعلت"للزجاج، بـ "تحقيق ودراسة"الدكتور: محمد عبد المنعم خفاجي1.
وهذه الطبعة هي الشائعة والمتداولة اليوم في أيدي الناس، ولي علبها بعض الملحوظات أذكر منها: 1-وضع المحقق مقدمة للكتاب في عشر صفحات تحدث فيها عن الفصيح، وأشار إلى بعض شروحه، وذكر منها التلويح، ولم يذكر شيئا غير هذا عن التلويح، كما لم يعرف بمصنفه أبي سهل الهروي، ولم يوضح منهجه في التحقيق، ولم يذكر النسخ التي اعتمد عليها في نشر الكتاب.
2- لم يخرج ما ورد في الكتاب من آيات وأحاديث وأشعار وأقوال وأمثال، ولم يعن بضبط النص.
3- تكاد حواشي الكتاب تخلو من الهوامش والتعليقات عدا بعض الشروح اللغوية اليسيرة، والتعريف بعدد قليل من الشعراء والبلدان.

4-وقع بالمطبعة كثير من التصحيف والتحريف والخلط، فمن ذلك ما جاء في ص 31 من باب المصادر حين قال: "وغار الماء يغور غورا: إذا نضب، أي وذهب نزل في الأرض وذهب. وغارت عينه غؤرا إذا دخلت نضب، أي نزل في الأرض وذهب في رأسه"! والصواب كما في المخطوطة: "وغار الماء يغور غورا: إذا نضب، أي نزل في الأرض وذهب. وغارت عينه غؤرا: إذا دخلت في رأسه"1.
5- في صلب الشرح نصوص غريبة عن الكتاب، وهي حواشي مقحمة يبدأ بعضها بحرب (ط) ، وواحدة منها تبدأ بحرف (ٍس) ولم ينبه عليها المحقق، معتقدا أنها من صلب الكتاب، وقد علق عند أول الزيادة التي تبدأ بحرف (س) قائلا: إنها "إشارة إلى أبي سهل لقب الشارح"2! وقد وجدت هذه الزيادات بنصها في النسخة الخطية التي بين يدي، وهي مصورة عن أصل محفوظ في المكتبة المركزية بجامعة الملك سعود بالرياض.
ويظهر أنها والنسخة التي اعتمد عليها المحقق في إخراج الكتاب منقولتان عن أصل واحد أقحمت فيه تلك الزيادات.
وقد تبين لي بعد تفحص هذه الزيادات أنها منقولة بالنص أو بتصرف

يسير في اللفظ من كتاب الاقتضاب لابن السيد البطليوسي1، وكتاب تهذيب إصلاح المنطق، لأبي زكريا التبريزي2.
وأخبرني الدكتور رمضان عبد التواب أن باحثة تدعى أمل عبد الكريم تعمل على تحقيق كتاب التلويح ودراسته في جامعة عين شمس بالقاهرة تحت إشرافه3.
3- تهذيب كتاب الفصيح: أول كتب أبي سهل التي ألفها على الفصيح، ذكره في مقدمة إسفار الفصيح4، وذكره أيضا في مقدمة التلويح فقال: "وكنت قد هذبته5 لبعض أولاد الكتاب، وميزت فصوله، ورتبت أوائلها في أكثر الأبواب على حروف المعجم، في كتاب مفرد معرى من التفسير أيضا، نحوما في الأصل، ووسمته بتهذيب كتاب الفصيح"6.

4-حاشية على صحاح الجوهري: ما إن ظهر معجم الصحاح إلى الوجود حتى طارت شهرته في الآفاق، ورزق من الحظوة والذيوع والقبول عند الناس بما لم يحظ به معجم غيره.
ولم يكد يظهر على أقلام الرواة حتى شغل به العلماء قراءة ومدارسة وتحقيقا ونقدا واختصارا وزيادة وتذييلا.
وكان أبو سهل ممن اهتم بكتاب الصحاح، فنسخه من خط الجوهري، وقرأ هذه النسخة على تلميذه ابن عبدوس، وقيد في حواشيها كثيرا من النقد والشروح والاستدراكات، فكان بصنيعه هذا أول وأقدم من تصدى لنقد الصحاح والاستدراك عليه، بخلاف ما ذهب إليه بعض الباحثين المعاصرين1 من أن ابن بري هو أول من فعل ذلك.
وانتهت نسخة أبي سهل هذه إلى ياقوت الموصلي، فاتخذها أصلا لنسخ كتاب الصحاح وروايته، وأشار إلى مآخذ أبي سهل واستدراكاته على الجوهري فقال: "نقلت هذا الكتاب من خط الشيخ أبي سهل محمد بن علي الهروي النحوي رحمه الله تعالى، وذكر أنه نقله من خط المصنف ... وقد استدرك أبو سهل وبين بعض ما صحفه المصنف ... وقد أثبت ذلك في موضعه، ولي أيضا مواضع قد نبهت عليها من سهو المصنف، ومن سهو وقع في خط أبي سهل، على أن الكتب الكبار لا تخلو من ذلك "2.

واشتهرت حواشي أبي سهل على الصحاح، فكانت استدراكاته وردوده وشروحه عليه زادا لكثير من العلماء الذين ألفوا حول الصحاح، أو نقلوا عنه.
فممن تأثر بها أبو محمد عبد الله بن بري بن عبد الجبار (ت – 582 هـ) 1، ومحمود ابن أحمد بن محمود الزنجاني (ت – 656 هـ) 2، وابن منظور محمد بن مكرم بن علي الأنصاري (ت – 711 هـ) 3، وصلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي (ت – 764) 4، وجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت- 911 هـ) 5، ومحمد بن مصطفى الداودي المعروف بداود زاده (ت – 1017 هـ) 6، وعبد القادر بن عمر البغدادي (ت – 1093 هـ) 7، وأبو عبد الله محمد بن الطيب الفاسي (ت - 1170 هـ) 8، وأبو زيد عبد الرحمن بن عبد العزيز

المغربي التادلي (ت – 1200 هـ) 1، والسيد المرتضى محمد بن محمد بن عبد الرزاق الزبيدي (ت – 1205 هـ) 2، وأحمد فارس بن يوسف الشدياق (ت -1304 هـ) 3. 5- شرح الفصيح: ذكره أبو سهل في مقدمة إسفار الفصيح، وأشار إلى أنه يعمل في تأليفه فقال: "وقد كنت قبل ذلك ابتدأت بشرح الأصل، ثم لما سألتني تفسيره واستعجلتني فيه عملت لك هذا4، وقصدت الإيجاز والاقتصار في التفسير، ليقرب عليك حفظه. وإن امتدت بي الحياة تممت – إن شاء الله – شرحه لك. ولنظرائك المتأدبين"5.
وأحال عليه في مواضع كثيرة من إسفار الفصيح، لكن طريقته في الإحالة اختلفت في النصف الثاني من الكتاب – تقريبا – عن أوله، فعبارات الإحالة في النصف الأول توحي بأنه قد فرغ تماما من شرح المواضع التي أحال عليها، فمن ذلك قوله: " ... وقد بينت هذا في

شرح الكتاب بيانا شافيا، وأنت تراه فيه – إن شاء الله –"1.
وقوله: " ... وقد استقصيت ذكر هذه الفصول وأبنت اشتقاقها وأصلها في شرح الكتاب، ولا يحسن ذكرها هاهنا لما شرطته من اقتصار التفسير في هذا الكتاب"2.
أما في النصف الثاني من شرحه للكتاب فكانت عباراته في الإحالة توحي بأنه لم يفرغ بعد من شرح ما أحال عليه، ومن ذلك قوله: " ... وفيه أربع لغات، أذكرها لك – إن شاء الله – في شرح الكتاب"3.
وقوله: " ... وذكر أشياء أخر تركت ذكرها هاهنا خوف الإطالة، وأنا أذكرها – إن شاء الله – في شرح الكتاب، وبالله التوفيق"4.
فالظاهر من هذا أنه فرغ من شرح نصف الكتاب تقريبا قبل أن ينصرف عنه إلى تأليف إسفار الفصيح، وكان في نيته أن يتم شرح الباقي بعد الانتهاء من تأليف الإسفار.
ويلاحظ على أبي سهل أنه لم يشر إلى هذا الشرح في مقدمة التلويح عندما عدد أعماله على فصيح ثعلب5، وإذا كان التلويح هو آخر مصنفاته فيما نعلم6، فإن هذا قد يدل على أن أبا سهل عدل عن إتمام هذا الشرح نهائيا، أو لعله ظل يعمل في تأليفه حتى وافاه الأجل قبل أن

يتمه، لأننا نعلم أن البعد الزمني بين تأليف الإسفار ووفاته ليس طويلا، ولعل الجزء الذي أنجزه بقي مسودة لم تصل إليه أيدي النساخ حتى أخذته يد الضياع، ولذلك لم نجد لهذا الشرح ذكرا أو أثرا فيمن جاء بعده من العلماء. 6 – الفرق بين الضاد والظاء: هذا الكتاب لم يذكره أحد ممن ترجم لأبي سهل قديما وحديثا، وقد ذكره ابن مالك في "وفاق المفهوم"ونقل عنه في مواضع متفرقة من الكتاب، منها قوله: "وظأب الرجل وظأنه: سلفه. ذكره أبو سهل محمد بن علي بن محمد الهروي في كتاب الفرق بين الضاد والظاء"1.
كما نقل عنه في كتاب (الاعتضاد في الفرق بين الظاء والضاد) في خمسة مواضع2، وكتاب (تحفة الإحظاء في الفرق بين الضاد والظاء) في خمسة عشر موضعا3.
كما نقل عنه أبو حيان بواسطة ابن مالك في كتابه (الارتضاء في الفرق بين الضاد والظاء) في خمسة مواضع أيضا4.

7 – كتاب الأسد: ذكره أبو سهل في إسفار الفصيح، وأحال عليه بقوله: " ... وقد بينت هذا بيانا شافيا في كتاب الأسد"1.
وذكر في معجم الأدباء2، والوافي3، وبغية الوعاة4 وكشف الظنون5، والبلغة في أصول اللغة6.
وقال عنه الصفدي: "وكتاب الأسد مجلد ضخم نحو ثلاثين كراسة، وذكر فيه ستمائة اسم"7.
وهو من مصادر السيوطي في كتابه "نظام اللسد في أسماء الأسد"، وذكره في المقدمة8.
وفي العباب للصغاني ثلاثة نصوص منقولة عن أبي سهل كلها في صفة الأسد، من هذه النصوص قوله: الجلنبط – مثال جحنفل -: الأسد، وقال أبو سهل الهروي: ذكره ابن خالويه وقطرب في ذكر أسماء الأسد وصفاته، ولم يذكرا تفسيره، قال: ولا أعلم أنا أيضا تفسيره"9 وقوله: "والخشاف – بالفتح، والتشديد – والخاشف والمخشف: من صفات الأسد.
قال أبو سهل الهروي: أما الخشاف فهو

الأسد الذي يقشر كل شيء يجده، وهو فعال من الخشف، وهو القشر ... "1وقوله: "قال أبو سهل الهروي: وأما الأغضف فهو الأسد المتثني الأذن، وهو أخبث له ... "2 والنص الأول والأخير عن أبي سهل أيضا في التاج3.
ولا يبعد أن تكون هذه النصوص منقولة عن أبي سهل من كتابه هذا. 1- كتاب السيف: ذكره أبو سهل في إسفار الفصيح، وأحال عليه بقوله: " ... وقد استقصيت ذكر هذا في كتاب السيف، فتنظره هناك إن شاء الله"4.
وذكر في معجم الأدباء5، والوافي6، وبغية الوعاة7، وكشف الظنون8، والبلغة في أصول اللغة9.

وقال عنه الصفدي: "وكتاب السيف، ذكر فيه نحو ثمانمائة اسم1.
9- كتاب في الحديث: ذكره أبو طاهر في معجم السفر2، ونقل منه حديثا بسنده، ولم يذكر هذا الكتاب أحد ممن ترجم لأبي سهل، إلا أن الحبال والقفطي والبغدادي ذكروا جميعا في ترجمته أنه حدث3 لكنهم لم يذكروا له كتابا في الحديث. 10- الكتاب المثلث: ذكره أبو سهل في إسفار الفصيح، بقوله: " ... وقد استقيصيت ذكر الحال في الكتاب المثلث"4.
وهو من مصادر الصغاني في التكملة5، والعباب6، وذكر أنه في أربعة مجلدات.
11- المكنى والمبنى: ذكره أبو سهل في إسفار الفصيح، وأحال عليه في موضعين قال في أحدهما: ".... وقد استقيصيت هذا الفصل في كتاب المكنى والمبنى"7.

ويظهر أنه كان أساس كتاب "المرصع"للمبارك بن الأثير الجزري (ت 606هـ) إذ ذكر في مقدمة الكتاب أنه سلك في تأليفه طريقا سهلا، فرتب الكلمات فيه على أوائل الحروف، فإذا ما أراد الإنسان كلمة ظفر بها سريعا من غير تعب، ثم عقب بقوله: "على أني لم أر في هذا الفن كتابا مؤلفا على الحروف، إلا ما جمعه أبو سهل محمد بن علي بن محمد الهوري، فإنه جمع كتابا كبيرا في هذا الفن، وقفاه عل أواخر الأسماء، ولم يلتزم فيه ترتيب الكلمات في مواضعها على التقديم والتأخير، ثم عاد ونقض هذا الالتزام فحصل في طلب الكلمة منه تعب ومشقة"1.
وصرح بالنقل عنه في خمسة مواضع، قال في أحدها: ".... وكل من كان من بني ذهل يقال له: أبو عمرو، ويقال للصقر أيضا: أبو عمرو، حكى ذلك أبو سهل"2.
وعده الصغاني من مصادره في التكملة3 والعباب4.
ونقل عنه ياقوت في معجم البلدان5، والمحبي في ما يعول عليه6.

12- المنمق: ذكره أبو سهل في إسفار الفصيح، وأحال عليه في ثلاثة مواضع، قال في أحدها: "وعنب ملاحي بضم الميم وتخفيف اللام وتشديد الياء: وهو عنب أبيض في حبه طول، وهو مأخوذ من الملحة، هي البياض، وفيها اختلاف، وقد ذكرته في الكتاب المنمق"1.
وقال في موضع آخر في أثناء حديثه عن الألوان: "وقد عملت في هذا المعنى كتابا، وسميته المنمق، استقصيت فيه هذه الألوان الخمسة وتوابعها وما تفرع منها، وبالله التوفيق"2.
فالظاهر من هذين النصين أن الكتاب مؤلف في رصد الألوان الخمسة (الأسود، والأبيض، والأصفر، والأحمر، والأخضر) وما يتولد عنها من ألوان مختلفة بالمزج أو الاختلاط، أو ما أشبه ذلك.
وتأليف كتاب يختص بالألوان ويتحث فيها، يظهر لنا اهتمام أبي سهل وعنايته بالألوان في مرحلة زمنية مبكرة من تاريخنا، ولم يسبقه أحد – فيما أعلم – إلى وضع مصنف خاص بالألوان إلا أبا عبد الله الحسين بن علي النمري، المتوفى سنة 385هـ الذي ألف كتابا في ألفاظ الألوان، وسماه "الملمع"3.

جارٍ التحميل