إسفار الفصيح
- عَلَم: الهروي، أبو سهل
- الكتاب: إسفار الفصيح
- المؤلف: محمد بن علي بن محمد، أبو سهل الهروي (المتوفى: 433هـ)
- المحقق: أحمد بن سعيد بن محمد قشاش
- الناشر: عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية
- الطبعة: الأولى، 1420هـ
- عدد الأجزاء: 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الجزء الأول
القسم الأول
الفصل الأول: دراسة حياة أبي سهل الهروي
المبحث الأول: عصره
...
المبحث الأول: عصره.
الإنسان ابن بيئته يؤثر فيها ويتأثر بها، ولا يمكن دراسة شخصية عالم من العلماء بمعزل عن بيئته وعصره، لما لأحداث العصر من صلة قوية في تكوين شخصية العالم، وبناء ثقافته وتحديد اتجاهه العلمي، فلذلك كان علينا قبل الدخول في تفاصيل حياة أبي سهل الهروي تقديم لمحة سريعة عن الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية في عصره.
أولا: الحياة السياسية.
في أواخر القرن الرابع، والثلث الأول من القرن الخامس الهجري عاش أبو سهل الهروي (372-433هـ) . وفي العصر أخذت خلافة بني العباس تضعف وتتقهقر في مجالات شتى سياسية وإدارية واقتصادية، فمن الناحية السياسية اتسم هذا العصر بكثرة الفتن والحروب، وانقسمت الخلافة إلى ممالك ودويلات كثيرة متنافسة متناحرة، وتتمتع في الوقت نفسه بالسيطرة والنفوذ والاستقلال الفعلي عن الخلافة العباسية، عدا بعض مظاهر الولاء الشكلي كالدعاء للخليفة على المنابر1.
ففي شرق الخلافة الإسلامية وبلاد فارس وما وراء النهر، كانت هذه الجهات تخضع لسيطرة الفرس السامانيين، والأتراك الغزنويين، ونشأ بين هذين العنصرين نزاع مرير وحروب مستمرة أدت في النهاية إلى القضاء
على دويلة بني سامان سنة 387هـ1.
ثم أعقب هذا الصراع صراع آخر بين الغزنويين أنفسهم والسلاجقة انتهى بانتصار السلاجقة على العزنويين انتصارا حاسما عند موضع يقال له "دندانقان"2 سنة 431هـ، انحسر بعدها المد الغزنوي إلى عزنة، وبعض الأقاليم الهندية، وفي الوقت نفسه امتد النفوذ السلجوقي في بلاد ما وراء النهر، وخراسان، وطبرستان، وجرجان، وأخذ يتقدم نحو الغرب باتجاه بغداد3.
وفي العراق وما جاورها من بلاد فارس ظهر البويهيون سنة 321هـ وهم من أصل فارسي يرتفع نسبهم فيه إلى ملوك الفرس القدماء4.
وفي سنة 334هـ دخلوا بغداد، فاستبدوا واستولوا على الخلافة، وعزلوا الخلفاء وولوهم5، وأحيوا المذهب الشيعي وأقاموا شعائره وأخصها المناحة في يوم عاشوراء، والاحتفال بيوم الغدير6، وظل زمام الخلافة
ومقاليهم بأيديهم إلى سنة 448هـ، وهي السنة التي دخل فيها السلاجقة بغداد بقيادة السلطان السلجوقي طغرلبك بن ميكائيل بن سلجوق، فكتب له الخليفة العباسي عهدا بولاية البلاد العباسية، ولقبه بـ"شاهنشاه"ملك الشرق والغرب1.
ولما دخل السلاجقة بغداد عملوا من فورهم على إحياء المذهب السني، ومقارعة المذهب الشيعي، وحرصوا في كل مناسبة على تأكيد عدة أمور منها إسلامهم، وتمسكهم بمذهب أهل السنة والجماعة، ومنها حرصهم على جهاد الكفار، وأهل المذاهب والملل المنحرفة، والولاء المطلق للخلافة العباسية2.
واستطاعوا أن يوحدوا ما تناثر من أشلاء الخلافة العباسية، ويلموا شعثها بعد تفرق، وخطب لهم وللخلفاء العباسيين من حدود الصين شرقا، إلى أقاصي بلاد الإسلام في الشمال، إلى آخر بلاد اليمن في الجنوب3.
وفي غرب الخلافة الإسلامية كانت دول بني حمدان تسيطر على معظم بلاد الشام، وهي دولة عربية، يرجع أصلها إلى حمدان بن حمدون من قبيلة تغلب4، وكان من أبرز حكامها مؤسسها الفعلي سيف الدولة
الحمداني، ممدوح أبي الطيب المتنبي الذي لازمه سنين طويلة يسجل ويصور ملاحمه الحربية ضد الروم البيزنطيين1.
وظلت هذه الدولة تخوض حروبا مستمرة ومضنية ضد هؤلاء البيزنطيين، ثم الفاطميين إلى أن استسلمت لهؤلاء الآخرين سنة 406هـ2.
وظل الحكم في مصر وشمال أفريقيا وأجزاء من بلاد الشام بيد الدولة الفاطمية، الدولة الشيعية الباطنية التي ناصبت الدولة العباسية العداء مذهبيا وعسكريا3.
وكان ظهور هذه الدولة في سجلماسة ببلاد المغرب على يد أبي عبد الله الشيعي عبيد الله المهدي سنة 296هـ4، ووسعت من نفوذها فاستولت على مصر سنة 358هـ بقيادة جوهر الصقلي5، وبلغت ذروة مجدها وقوتها على يد العزيز بالله (365- 386هـ) والحاكم بأمر الله (386- 411هـ) 6. واستمر نفوذ هذه الدولة بين مد وجزر حتى انتهت على يد صلاح الدين الأيوبي - رحمه الله – سنة 567هـ7.
ولم يكن هذا التمزق وذلك الصراع من سمات هذا العصر وحسب، بل شهد فتنا أخرى، تمثلت في ظهور كثير من بدع الملاحدة والزنادقة وطوائف الفرق الكلامية، وأدت إلى انقسام المسلمين وتفرقهم شيعا وأحزابا يناهض بعضهم بعضا، بل يحاول كل من استطاع القضاء على خصمه الآخر1.
ثانيا: الحياة الاجتماعية.
كان المجتمع في هذا العصر يتكون من أجناس متعددة متباينة في طبائعها وأخلاقها ودينها، من العرب والترك والفرس والأكراد والأرمن والبربر وغيرهم2، وفيهم السني والشيعي، وقليل منهم من أهل الذمة3.
ولم يكن كل هؤلاء في طبقة اجتماعية واحدة بل كانت تنازعهم ثلاث طبقات، عليا ووسطى ودنيا.
فالطبقة العليا: هي طبقة الحكام والأمراء وأصحاب المناصب العليا، وقواد الجند، ومعهم الأشراف من البيت العباسي، والعلوي، وكبار التجار، وهؤلاء عدد قليل بالنسبة لسائر أفراد الأمة.
والطبقة الوسطى: وتشمل العلماء والشعراء والجند وأوساط المزارعين
أصحاب الملكيات الصغيرة والقائمين على الصناعات.
والطبقة الدنيا: وهي طبقة العامة من الشعب، وتشكل غالبية المجتمع، ومعظم أفرادها من الفلاحين والعمال والصناع وصغار التجار، وكان يتبع هذه الطبقة الرقيق الذي يؤسر في الحروب أو يبيعه النخاسون، وكان أخلاطا من البيزنطيين والأوربيين والإفريقيين1.
وكانت هذه الطبقة معرضة لأنواع من الظلم والقهر والاستبداد من قبل بعض الحكام والأمراء والإقطاعيين بما يفرضونه عليها من ضرائب وإتاوات باهضة بلا شفقة ولا رحمة لجمع الأموال الطائلة وتبديدها في مسارب اللهو والترف2.
ولم يقف ما ناله العامة عند هذا الحد، بل كانوا عرضة أيضا للكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات وانقطاع الأمطار، وانتشار الأوبئة والطواعين، فخلفت مجاعات في كثير من البلاد، أكل الناس فيها الميتة من الكلاب والمواشي وبني آدم3.
كما كان يقع على كاهل هذه الطبقة عبء الخلافات الدينية والمذهبية
وما كانت تجره من صراعات وفتن يقتل فيها خلق كثير1.
هذا كله أدى إلى ظهور فئتين من الناس متناقضتين:
فئة سلكت طريق اللهو والعبث والمجون وتمثل ذلك في شيوع البغاء، وشرب الخمر، وكثرة اللصوص، وقطاع الطريق2.
ولم تكن هذه الفئة أيضا بمنأى عن كثير من العادات السيئة والأخلاق الذميمة التي ظهرت في المجتمع، كالملق والرياء والرشوة والسعاية3، وهي عادات غريبة عن الإسلام وتقاليد العرب، ولكنها ظهرت في مجتمع كان – كما ذكرنا – خليطا من عناصر وجنسيات عديدة.
والفئة الأخرى سلكت طريق الزهد والقناعة والعفاف متسلحة بالإيمان الصادق، صابرة محتسبة، راغبة فيما هو خير وأبقى، ولا ترى شعاع أمل في الحياة إلا من خلال التعبد والتقرب إلى الله.
ومن هذه الفئة من أمعن في الزهد وبالغ فيه، فانقطع عن الدنيا، واعتزل في المساجد والزوايا ورباطات الصوفية، ولعل هذا التصرف كان ردة فعل قوية للمتناقضات التي كانت تحكم هذا العصر، والتي تتمثل – كما أسلفنا- في الغنى الفاحش عند الخاصة والفقر المدقع عند العامة.
وانتهى الغلو بهذه الفئة إلى اعتناق أفكار ومبادئ مخالفة لعقيدة المسلمين، وأغرى كثيرا من الناس بالاستكانة والخضوع والقعود عن الجهاد أو الدفاع عن الإسلام، فظهر الضعف والوهن والتمزق في الأمة، وتسلط عليها الأعداء1.
3- الحياة العلمية.
يعد العصر الذي عاش فيه أبو سهل الهروي من الناحية العلمية من أخصب العصور الإسلامية وأزهاها، إذ امتاز بازدهار الحركة العلمية ازدهارا واسعا، وقد أسهم في ذلك الازدهار عدة أمور، منها:
1- تشجيع الخلفاء والأمراء، والوزراء، وحكام الدويلات المنقسمة للعلماء والمبالغة في إكرامهم، فإن كان انقسام الدولة العباسية إلى دويلات قد أضعفها سياسيا، فإن ذلك قد أدى إلى ازدهار الحياة العلمية في ظل التنافس بين حكام هذه الدويلات، وظهور مراكز ثقافية أخرى تنافس بغداد في تجميل موطنها بالعلماء والأدباء وتتفاخر بهم وتغدق عليهم الأموال.
فإلى جانب بغداد أصبحت الري وأصبهان، وبخارى، وسمرقند، وهمذان، ونيسابور، وجرجان، وهراة، وقرطبة، وحلب، والقاهرة2.
ونسب إلى هذه الحواضر، وغيرها علماء كثيرون، مفسرون، ومحدثون، وفقهاء، ولغويون، ونحاة، وأدباء، وغيرهم.
وقد كثر ارتحال العلماء والدباء وتنقلهم في هذه الحواضر، وكان السفر في طلب العلم مفخرة والقعود عنه معرة. وهذا أبو علي الفارسي (ت- 377 هـ) يرحل إلى بلاد كثيرة: شيراز، والبصرة، وبغداد، وحلب، وعسكر مكرم، وهيث، فكان من أثر ذلك مسائله: الشيرازيات: والبصريات، والبغداديات، والحلبيات، والهيثيات1.
1- التنافس الشديد بين الفرق الدينية والمذهبية، ساعد على إشعال جدوة الحركة العلمية، لما يستدعيه ذلك التنافس من الاستعانة بأنواع من العلوم كاللغة والنحو والمنطق والفلسفة وغير ذلك2.
انتشار دور العلم والتعليم من مساجد ومدارس ومكتبات على مثال بيت الحكمة الذي أنشأه الخليفة المأمون في العصر العباسي الأول، وكان يشتمل على مكتبة ومجمع علمي، ومكتب ترجمة.
وفي سنة 383هـ أسس أبو نصر سابور بن أردشير وزير بني بويه دارا للعلم في الكرخ غربي بغداد وأوقفها على الفقهاء، وجعل فيها أكثر من
عشرة آلاف مجلد معظمها بخطوط مؤلفيها. وذكر ابن كثير أن هذه أول مدرسة توقف على الفقهاء1.
وكذلك تخذ الشريف الرضي (ت 406هـ) نقيب العلويين والشاعر المشهور، دار ببغداد سماها دار العلم، وفتحها لطلبة العلم، وعين لهم جميع ما يحتاجون إليه2.
على أن أشهر دار للعلم بنيت في بغداد بل في حواضر العالم الإسلامي في ذلك العصر، هي المدرسة النظامية التي بناها نظام الملك الطوسي (ت 486هـ) وزير ملك شاه السلطان السلجوقي، وتولى بناءها سعيد الصوفي سنة 457هـ على شاطئ دجلة، وكتب عليها اسم نظام الملك، وألحق بها مكتبة، وبنى حولها أسواقا تكون محبسة عليها، وابتاع ضياعا وخانات وحمامات وأوقفها عليها3.
وفي نيسابور أكبر مراكز العلم في خراسان، أنشأ القاضي ابن خلكان (ت354هـ) ،وأبو إسحاق الإسفراييني (ت 418هـ) ، وابن فورك (ت 406هـ) ، وأبو بكر البستي (ت 429هـ) مدارس ألحقوا بها خزائن للكتب، وأجروا عليها أوقافا كثيرة4 وليس هذا بدعا
فأول من حفظ عنه أنه بنى مدرسة في الإسلام أهل نيسابور1.
وأنشأ أبو علي بن سوار الكاتب (ت 372هـ) أحد رجال حاشية عضد الدولة دار كتب في مدينة "رام هرمز"على شاطئ بحر فارس، وأخرى بالبصرة، وجعل فيهما إجراء على من قصدهما، ولزم القراءة والنسخ فيهما2.
أما ما وراء النهر، فقد أنشأ نوح بن منصور (ت 387هـ) - ملك خراسان وغزنة، وآخر ملوك الدولة السامانية3 – مكتبة كبيرة كانت كما يقول ابن خلكان -: "عديمة المثل، فيها من كل فن من الكتب المشهورة بأيدي الناس، وغيرها مما لا يوجد في سواها، ولا سمع باسمه فضلا عن معرفته"4.
وفي الأندلس كان الحكم المستنصر بن الناصر (ت 366هـ) محبا للعلوم مكرما لأهلها، مولعا بجميع الكتب على اختلاف أنواعها بما لم يجمعه أحد من الملوك قبله، فأنشأ في قرطبة مكتبة جمع إليها الكتب من أنحاء العالم، وكان يبعث رجاله إلى المشرق ليشتروا الكتب عند أول ظهورها قبل أن تقع في أيدي بني العباس.
وقد بلغ مجموع ما حوته هذه
المكتبة أربعمائة ألف مجلد1.
واقتدى بالحكم رجال دولته، ووجهاء مملكته، فأنشأوا المكتبات في سائر بلاد الأندلس، حتى إن غرناطة وحدها كان فيها سبعون مكتبة من المكتبات العامة2.
أما مصر فقد اقتدى الفاطميون بخلفاء بني العباس في بغداد، وبني أمية في الأندلس، فمنذ استقر سلطانهم في مصر عملوا على نشر الثقافة العلمية والأدبية فضلا عن الثقافة المذهبية التي تتصل بدعوتهم الإسماعيلية في العقيدة والفقه والتفسير، فاهتموا بإنشاء المكتبات ودور العلم "حتى يتسنى لدعاتهم أن ينهجوا منهجا علميا في نشر المذهب الإسماعيلي وتفنيذ أقوال خصومهم والرد عليها، بأدلة علمية"3 وأول ما أنشأوا الجامع الأزهر سنة 361هـ، وجعلوا منه مدرسة منظمة، وعينوا به جماعة من العلماء للإقراء والتدريس، وخصصوا لهم مرتبات وأرزاقا، وأنشأوا لهم دارا للسكنى بجوار الأزهر4.
ثم أنشأ العزيز الفاطمي (ت 386هـ) بالقصر الشرقي الكبير مكتبة ضخمة زودها بأكثر من مليون كتاب في مختلف العلوم والفنون،
وتميزت عن غيرها من مكتبات العالم الإسلامي بما تحويه من كتب نادرة1.
وأنشأ الحاكم بأمر الله في سنة 395هـ دار الحكمة، وألحق بها مكتبة عرفت باسم دار العلم، وكانت دار الحكمة تضم عدة حلقات دينية وعلمية وأدبية، وعين فيها أعلام الأساتذة في كل علم وفن، وجمع لها من خزائن القصر مجموعات عظيمة في مختلف العلوم والفنون، ورصد للإنفاق عليها وعلى أساتذتها وموظفيها أموال طائلة، وهرع إليها الطلاب من كل صوب، واجتذبت بشهرتها مشاهير العلماء من شرق العالم الإسلامي وغربه، من مثل أبي أسامة جنادة بن محمد الهروي، ومحمد بن الحسين بن عمير اليمني2، وهما من أشهر مشايخ أبي سهل الهروي، وسيأتي توضيح ذلك في ترجمة شيوخه3.
هذا عن المكتبات العامة، أما المكتبات الخاصة فهي كثيرة جدا، ومنها ما لا يقل عن المكتبات الكبرى. وقد حكي عن الصاحب بن عباد (ت 385هـ) أنه جمع من الكتب ما يحمل على أربعمائة جمل أو أكثر، وكان فهرس كتبه يقع في عشرة مجلدات4.
وكان يعنى بطلب
النسخ الصحيحة إلى خزانة كتبه عناية عظيمة، حتى أنه أوفد إلى بغداد من يصحح له كتاب التذكرة على أبي علي نفسه1.
ولم تقتصر همة السلاطين والوزراء على تشجيع العلم والعلماء وبناء والمدارس وإنشاء المكتبات، بل كان بعضهم عالما بنفسه، فمن سلاطين ابن بويه اشتهر منهم غير واحد بالعلم والأدب، وأشهرهم في ذلك عضد الدولة البويهي (ت 372هـ) فقد كان شغوفا بالعلم، محبا للعلماء، مشاركا في عدة فنون من الأدب، وكان يحث العلماء على الاشتغال بالعلم وتأليف الكتب، وصنف له أبو علي الفارسي كتاب الإيضاح والتكملة، وقصده فحول الشعراء كالمتنبي والسلامي وغيرهما2.
وكان الصاحب بن عباد المتقدم ذكره وزيرا لمؤيد الدولة البويهي، وكان شاعرا عالما كاتبا، وكان يجتمع عنده من العلماء والشعراء ما لم يجتمع عند أحد غيره3.
وفي هذا العصر نشطت الدراسات ذات الصلة بالعقيدة وأصول الدين، والدراسات التي تدور حول القرآن الكريم، والحديث الشريف وما يتصل بهما من علوم، والفقه وأصوله.
أما الدراسات اللغوية والأدبية والنحوية فقد نشطت في هذا العصر نشاطا واسعا، ولا سيما الدراسات اللغوية، إذ كثر العلماء الذين تصدوا للمباحث اللغوية، وكان أكبر ما نهضوا به في هذا العصر وضع المعاجم اللغوية، حتى يمكن القول إنه العصر الذهبي لمعاجم اللغة.
وأشهر المعاجم التي ظهرت في هذا العصر: ديوان الأدب لإسحاق بن إبراهيم الفارابي (ت - 350 هـ) ، والبارع لأبي علي إسماعيل بن القاسم القالي (ت- 356 هـ) وتهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري (ت- 370 هـ) والمحيط في اللغة للصاحب بن عباد (ت- 385هـ) ، وتاج اللغة وصحاح العربية (الصحاح) لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري (ت- 393 هـ) ، والمجمل ومقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس (ت- 395 هـ) ، والجامع في اللغة لأبي عبد الله محمد بن جعفر التميمي القيرواني، المعروف بالقزاز (ت- 402 هـ) ، والمحكم والمخصص لأبي الحسن علي بن إسماعيل المرسي، المعروف بابن سيده (ت- 458 هـ) 1.
إلا أن شهرة الصحاح للجوهري فاقت شهرة هذه المعاجم جميعا، والسبب في ذلك – كما يقول الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار – أنه "كان آية في فن التأليف المعجمي، سبق غيره في هذا السبيل بابتكاره منهجا جديدا لم يسبق إليه، منهجا قرب اللغة إلى الباحثين، ومهد الطريق
للشداة ". وهذا المنهج الذي سلكه في تأليف الصحاح هو ترتيبه "على حروف المعجم، واعتبار آخر حرف في الكلمة بدلا من الأول، وجعله الباب للحرف الأخير، والفصل للأول "1. وذلك بعد تجريد الكلمة من الزوائد.
ويذكر آدم متز أن كل المعاجم التي عملت بعد الجوهري هي أشبه بتوسيع وشرح لمعجمه، وبهذا المعجم ينتهي عهد قديم، ويبدأ عهد جديد بقي أثره قرونا متطاولة2.
وخلال هذا العصر ظهرت "دراسة جدية للاشتقاق اللغوي، وبقيت عصرا طويلا، وكان أستاذ هذه الدراسة ابن جني الموصلي (ت- 392 هـ) ... وهو الذي ينسب إليه ابتداع مبحث جديد في علم اللغة، وهو المسمى بالاشتقاق الأكبر ... ولم يكن لعلماء اللغة من العرب إنتاج أعظم من هذا "على حد تعبير آدم متز أيضا3.
ومن الأعلام الذين ظهروا في هذا العصر أيضا فأثروا العربية بآثارهم اللغوية والأدبية: أبو سعيد السيرافي أشهر شراح كتاب سيبويه (ت- 368 هـ) ، وابن خالويه (ت- 370 هـ) صاحب كتاب ليس في كلام العرب، والحجة في القراءات السبع، والحسن بن بشر الآمدي
(ت- 371 هـ) صاحب كتاب الموازنة بين أبي تمام والبحتري، وأبو الحسن الرماني (ت- 384 هـ) صاحب كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، وأبو هلال العسكري (ت- 395 هـ) صاحب كتاب الفروق اللغوية، والصناعتين، وجمهرة الأمثال، وشرح الفصيح، وأبو منصور الثعالبي (ت- 429) صاحب كتاب يتيمة الدهر.
وغير هؤلاء كثير.
وصفوة القول أن الحياة العلمية بلغت في عصر أبي سهل الهروي درجة كبيرة من الرقي والازدهار، ولم تترك جانبا من جوانب المعرفة إلا وطرقته، وظهر فيه شخصيات علمية بارزة أسهمت بنصيب وافر في إثراء الثقافة العربية والإسلامية.
المبحث الثاني: اسمه ونسبه وكنيته
1.
هو أسهل محمد بن علي بن محمد الهروي النحوي.
هكذا أورد المؤلف اسمه ونسبه وكنيته بخطه على الورقة الأولى من كتاب "إسفار الفصيح"، ثم أعاده بالصيغة نفسها في مقدمة الكتاب أيضا، كما ورد بهذه الصيغة في مصادر ترجمته بلا خلاف سوى أن بعضها لقبه باللغوي بدل النحوي، وبعضها جمع بين اللقبين.
والهروي: نسبة إلى "هراة"مدينة عظيمة من أمهات مدن خراسان، كثيرة البساتين والمياه والخيرات، افتتحها الأحنف بن قيس صلحا في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ينسب إليها علماء كثيرون برعوا في علوم وفنون مختلفة، كانت على عهد أبي سهل تحت سيطرة الدولة السامانية ثم الغزنوية، وهي الآن إحدى مدن شمال غرب أفغانستان2.
المبحث الثالث: مولده ونشأته ووفاته
.
ولد في اليوم السابع من شهر رمضان سنة 372هـ، ولم تذكر لنا مصادر ترجمته البلد الذي ولد فيه، أو تتعرض لنشأته من مولده حتى رحيله إلى مصر، أو تحفظ لنا شيئا يذكر عن حياته الخاصة.
ولكن يمكن القول – اعتمادا على بعض القرائن العامة التي توحي بها تعض مصادر ترجمته – إنه ولد في "هراة"إليها نسب، ونشأ في بيت علم وأدب، إذ كان أبوه من العلماء البارزين، فتلقى على يديه تعليمه المبكر، وبعد بلوغه سن الطلب أخذ يختلف إلى حلقات العلماء، وخاصة علماء اللغة، فأخذ عن أبي عبيد الهروي، وأبي أسامة الهروي، وكلاهما من موطنه هراة، ومن تلاميذ أبي منصور الأزهري أشهر علماء هراة1.
وذكر القفطي أن أباه من أهل هراة، وأنه قدم مصر واستوطنها2، وذكر المقريزي والسيوطي في ترجمة أبي سهل أنه نزيل مصر3.
ولا توجد أسباب مذكورة توضح سبب رحيلهما إلى مصر، ويظهر أن الحال السياسية في هراة وبلاد خراسان ما كانت تغري العلماء – آنذاك – بالبقاء فيها، فهذا أبو أسامة جنادة بن محمد الهروي شيخ أبي سهل يغادر أيضا هراة إلى مصر في وقت قريب من مغادرة أبي سهل إليها.
وربما كان من أسباب تلك الرحلة اتجاه الحكام الفاطميين إلى تشجيع الحركة الثقافية في مصر باستقطاب العلماء وإكرامهم، وإنشاء دور العلم والمكتبات لأغراض سياسية ومذهبية أومأ إلينا في حديثنا عن عصره1.
ويمكن أن نقدر تاريخ رحيله من هراة بإحدى السنوات الواقعة بين عامي (392-399هـ) وذلك إذا علمنا أن شيخه بمصر أبا أسامة الهروي قتل سنة 399هـ وكان عمر أبي سهل – حينئذ – سبعة وعشرين عاما، وقد أخذ بهراة قبل رحيله عنها عن أبي عبيد الهروي المتوفى سنة 401هـ، والسن التي تسمح للتلميذ بالأخذ عن العلماء تكون – عادة – بعد الخامسة عشرة، فإذا افترضنا – على ضوء ذلك – أنه ظل مقيما بهراة إلى أن ناهز عمره عشرين سنة، فإن ما ذكرناه يكون أقرب إلى الصواب.
ولعله في أثناء قدومه إلى مصر عرج على نيسابور، أو شيراز، أو بغداد، أو حلب، وهي من حواضر العلم المزدهرة في عصره، لكن ليس لدينا ما يثبت ذلك، والثابت لدينا أنه سمع الحديث ببيت المقدس، كما ذكر ذلك أبو سهل عن نفسه فيما رواه عنه الحافظ السلفي في معجم السفر2، ولكن لم تذكر لنا المصادر متى كانت رحلته إلى بيت المقدس، هل كانت في أثناء قدومه من هراة إلى مصر، أم بعد أن نزل مصر واستوطنها؟
وقد تمكن بعد وصوله إلى مصر من الالتقاء بعلمائها والأخذ عنهم،
ومنهم من كانت له شهرة ذائعة في رواية علوم اللغة وآدابها، ثم تصدر للتدريس والتأليف، فكان له تلامذة يقرأون عليه ويروون عنه1.
ثم انتهت إليه رياسة المؤذنين بجامع عمرو بن العاص2، ولعله كان يكسب قوته من هذه الوظيفة، ومن بيع الكتب التي ينسخها، وكان العلماء يتنافسون في اقتنائها لتميز خطه بالحسن وجودة الضبط3.
وبعد هذه الحياة الحافلة انتقل إلى رحمة ربه، وودع هذه الدنيا في يوم الأحد الثالث عشر من المحرم4 سنة 433هـ5 عن إحدى وستين سنة، ولم تشر المصادر إلى موضع دفنه، عفا الله عنه ورحمه وأحسن مثواه.
المبحث الرابع: شيوخه
.
التقى أبو سهل بعدد العلماء في موطنه "هراة"مسقط رأسه، ثم في مصر البلد الذي حط به عصا الرحيل. ولكن كتب التراجم لم تذكر من الشيوخ الذين أخذ عنهم إلا القليل مع كثرة العلماء المشاهير في عصره.
وقد نص أبو سهل على بعض شيوخه في كتابه إسفار الفصيح، وأجمل ذكرهم في مواضع أخرى كقوله: "هكذا في نسختي التي قرأتها ورويتها عن شيوخي رحمة الله عليهم ورضوانه"1.
وشيخ أبي سهل الذين أمكن معرفتهم استنادا إلى ما ذكره هو، أو ذكرته كتب التراجم، أو إلى ما ورد في بعض الأسانيد راويا عن أحدهم، هم كما يلي:
1- والده أبو الحسن علي بن محمد الهروي2.
ولد في هراة، ولم تذكر مصادر ترجمته سنة ولادته، وحددها
محقق كتاب الأزهية1 عبد المعين الملوحي بسنة 370هـ، وهذا التاريخ خطأ لأمرين:
1- إجماع كتب التراجم على أن أبا الحسن الهروي كان من أبرز تلامذة أبي منصور الأزهري المتوفى سنة 370هـ2، وقد ذكر المحقق نفسه أنه كان أيضا من تلاميذه3.
2- إجماع مصادر ترجمة أبي سهل على أنه ولد سنة 372هـ.
ولم تذكر المصادر له ابنا غير أبي سهل، ولكنها تكنيه بأبي الحسن، فقد يكون له بهذا الاسم، وقد لا تعني هذه الكنية شيئا، لأن "شيوع أبي الحسن كنية لمن اسمه علي تكاد تطرد وتستمر"4، كما كان "من غير الغالب تكنية من اسمه الحسن أو الحسين بغير أبي علي"5.
قال ياقوت: "كان أبو الحسن هذا عالما بالنحو، إماما في الأدب، جيد القياس، صحيح القريحة، حسن العناية بالآداب، وكان مقيما بالديار المصرية"6.
وفي إنباه الرواة: كان "من أهل هراة، قدم مصر واستوطنها، روى
عن الأزهري. وهو أول من أدخل نسخة من كتاب الصحاح للجوهري مصر – فيما قيل – ووجد خللا ونقصا فهذبه وأصلحه"1.
من مصنفاته: كتاب الأزهية في علم الحروف2، امتلك القفطي منه نسخة بخط ولده أبي سهل، وكتاب اللامات3، وكتاب الذخائر في النحو، رآه ياقوت في مصر بخطه، والمرشد في النحو، وكتاب في الأمر، وكتاب في المذكر والمؤنث، وكتاب في الوقف.
ونقل عنه أبو سهل في إسفار الفصيح في غير موضع، من ذلك قوله: "وقال لي أبي – رحمه الله – أما ويها فهي إغراء، تقول: ويها إذا حثثته على الشيء وأغريته به، وأنشدني للأعشى....."4.
وتوفي – رحمه الله – في حدود سنة 415هـ.
2- أبو أسامة جنادة بن محمد بن الحسين الأزدي الهروي5.
قال عنه ابن خلكان: "كان مكثرا من حفظ اللغة ونقلها، عارفا بوحشيها ومستعملها، لم يكن في زمنه مثله في فنه"1.
أخذ عن أبي منصور الأزهري، وروى عنه كتبه، وروى عنه كتبه، وروى عن أبي أحمد العسكري.
وحضر مجلس الصاحب بن عباد (ت 385هـ) بشيراز، فلما نظر إليه الصاحب احتقره لرثاثة ملابسه، وهم بطرده، فلما رأى غزارة علمه أجله وأجلسه إلى جانبه.
وقدم أبو أسامة مصر مع من قدم من علماء "هراة"والتقى الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري، وأبي الحسن علي بن سليمان المقرئ، فكان بينه وبينهم أنس وألفة، وكانوا يجتمعون في دار العلم بالقاهرة، وتجرى بينهم مذاكرات ومناظرات علمية، ولم يزل ذلك دأبهم حتى قتل الحاكم الفاطمي أبا سلمة أبا الحسن المقرئ في يوم واحد في الثالث عشر من ذي الحجة2 سنة 399هـ.
وهو أشهر شيوخ أبي سهل3، أخذ عنه علوم اللغة، وأكثر الرواية عنه، وورد في بعض كتب اللغة روايات لأبي سهل عنه، جاء في بعضها
أنه قرأ عليه الغريب المصنف والجمهرة1، وكان واسطته إلى كبار العلماء، أمثال أبي منصور الأزهري، وأبي بكر الإيادي، وشمر بن حمدويه، وأبي أحمد العسكري2، وغيرهم.
وصرح أبو سهل في غير موضع من إسفار الفصيح بأخذه عنه، وأنه قرأ عليه فصيح ثعلب وغيره من كتب اللغة3.
3- أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن إسماعيل النجيرمي4.
قال عنه الذهبي: "لغوي مصر ... من أهل بيت علم وعربية، وكان علامة متقنا، راوية لكتب الآداب، بصيرا بمعانيها"5.
وقال القفطي: "وبنو خرازاذ النجيرميون ناقلة عن البصرة إلى مصر، وارتزاقهم بمصر من التجارة في الخشب، وما فيهم إلا لغوي فاضل كامل، ويوسف أمثلهم.... وللمصريين تنافس في خطه إذا وقع ... وأكثر ما تروى الكتب القديمة في اللغة والأشعار العربية المعروفة وأيام العرب في مصر عن
طريقه"1.
أخذ عنه بمصر أبو سهل الهروي2، وطاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي، وعبد العزيز بن أحمد بن مغلس3.
وتوفي – رحمه الله – سنة 423هـ.
4- أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي4.
أشهر تلاميذ أبي منصور الأزهري، وأكثرهم مصاحبة له، أخذ عنه علم اللغة، وأخذ عن أبي سليمان الخطابي، وأحمد بن محمد بن يونس البزاز الحافظ وغيرهما.
اشتهر بكتابه "الغريبين"، وهو تفسير غريب القرآن الكريم والحديث الشريف، وله كتاب آخر في ولاة هراة.
وتوفي – رحمه الله – في رجب سنة 401هـ.
تتلمذ عليه أبو سهل الهروي، وروى عنه كتاب "الغريبين"5.
وجاء في إحدى نسخ الكتاب الخطية المحفوظة في المكتبة الظاهرية1 قراءات عدة ينتهي علو الإسناد فيها إلى أبي سهل الهروي عن مصنفه، فمنها ما جاء على الورقة الأولى، وهذا نصها: "قرأ علي هذا الجزء وما قبله الشيخ الفقيه أبو علي حسن بن رملي، وهو روايتي عن الشيخ أبي القاسم علي بن جعفر بن علي السعدي سماعا، وإجازة عن أبي البر2 عن أبي سهل محمد بن علي الهروي اللغوي عن أبي عبيد أحمد بن محمد الهروي مؤلفه".
وجاء على الورقة الأولى أيضا: أخبرنا بهذا الكتاب سيدنا ... أبو البركات عبد القوي ... قال: أخبرنا ... ناصر بن الحسين بن إسماعيل الحسني الزيدي، قال: أخبرنا الشيخان أبو عبد الله محمد بن معروف النحوي اللغوي، وأبو القاسم علي بن جعفر المعروف بابن القطاع اللغوي السعدي، فأما أبو عبد الله بن بركات فأخبر به عن أبي سهل محمد بن علي الهروي عن مصنفه أبي عبيد".
وقراءة أخرى هذا نصها: "قرأت هذا الجزء من الغريبين من أوله إلى آخره على الشيخ الفقيه أبي محمد بن عبد الله بن الحسن بن عطاف، وهو ينظر في أصله الذي كتبه بخطه.
قال: أخبرنا به الشيخ أبو الحسن علي بن
عبد الجبار بن سلامة الهذلي قراءة عليه، قال: وهو روايتي عن الشيخ أبي القاسم علي بن جعفر بن علي السعدي سماعا منه وإجازة، قال: أخبرنا به ابن أبي البر عن أبي سهل محمد بن علي الهروي اللغوي عن أبي عبيد أحمد بن محمد الهروي مؤلفه".
5- أبو عبد الله محمد بن الحسين بن عمير اليمني1.
رحل إلى الشام، ثم نزل مصر واستوطنها، ورتب له وظيفة في دار العلم بالقاهرة.
أخذ عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن علي النحوي، وأحمد بن سلامة الطحاوي، وأبي جعفر النحاس وغيرهم، وتتلمذ عليه بمصر أبو سهل الهروي2، وأبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي، وأبو ذر عبد بن أحمد الهروي، وأبو عبد الله القضاعي.
من مصنفاته: كتاب مضاهاة أمثال كليلة ودمنة بما أشبهها من أشعار العرب3، وأخبار النحاة وطبقاتهم، وكتاب في الأمثال على أفعل سماه "الغايات"، وله شعر.
توفي – رحمه الله – في يوم الجمعة التاسع عشر من شهر ربيع الآخر سنة 400هـ.
6-أبو محمد إسماعيل بن محمد بن عبدوس الدهان النيسابوري1.
قال عنه الثعالبي: "أنفق ماله على الأدب، فتقدم فيه، وبرع في علم اللغة والنحو والعروض، وأخذ عن الجوهري.... واستكثر منه، وحصل كتابه "كتاب الصحاح"في اللغة بخطه، واختص بالأمير أبي الفضل الميكالي، ومدحه وأباه بشعر كثير، ثم آثر الزهد والإعراض عن أعراض الدنيا"2.
تتلمذ عليه أبو سهل، وروى عنه كتاب الصحاح3، وذكر الحاج خليفة4 عن ابن الحنائي5 من خطه قال: "شاهدت نسخة من صحاح الجوهري بخط ياقوت الموصلي6 كاتب نسخ الصحاح ... وذكر في آخرها ما هذه صورته: يقول ياقوت: نقلت هذا الكتاب من خط الشيخ أبي سهل محمد بن علي الهروي النحوي رحمه الله تعالى، وذكر أنه نقله من خط المصنف، وشاهدت خط ابن عبدوس على النسخة التي نقلت منها
ما هذا حكايته:
قرأ علي الشيخ أبو سهل محمد بن علي بن محمد الهروي أكثر هذا الكتاب وسمع ما فيه من لفظي بقراءتي عليه، فصح له سماع جميعه مني، وروايته عني، وذلك في شهور سنة 421هـ إحدى وعشرين وأربعمائة.
وكتب إسماعيل بن محمد بن عبدوس الدهان النيسابوري".
وهذا النص بتمامه في البلغة في أصول اللغة1.
وفي المكتبة الظاهرية بدمشق نسخة من الصحاح بها حاشية في آخر الورقة الأخيرة، تفيد أن نسخة الأصل عرضها محمد بن علي الهروي من أولها إلى آخرها مع الشيخ أبي محمد إسماعيل بن محمد الدهان النيسابوري، وهو رواية عن مؤلفه أبي نصر الجوهري، وكان الفراغ من المعارضة في ذي القعدة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة2.
7- أبو العباس أحمد بن خلف بن محمد السبحي3.
من علماء الحديث في بيت المقدس، روى عن أبيه خلف بن محمد، وزكريا بن يحيى المقدسي، وأبي بكر محمد بن عقيل بن محمد المقدسي، وأبي سعد سعيد بن أحمد الأصبهاني، وأبي سعيد الفضل بن مهاجر المقدسي وغيرهم، وأخذ عنه عبد الغني الأزدي وغيره.
ولم تذكر المصادر التي ترجمت له تاريخا لوفاته.
حدث عنه أبو سهل الهروي، وسمع منه الحديث ببيت المقدس، ذكر ذلك أبو سهل نفسه، ونقله عنه أبو طاهر السلفي في معجم السفر فقال: "ناولني ياسين بن عبد العزيز بن ياسين النابلسي المقرئ كتاب أبي سهل محمد بن علي بن محمد الهروي النحوي فقرأت فيه: أنا أبو العباس أحمد بن خلف بن محمد بن معاذ بن إبراهيم السبحي ببيت المقدس، ثنا أبو عمرو أحمد بن علي بن الحسن البصري إملاء، ثنا أبو بكر القاسم بن زاهر بن حرب بن أخي ابن أبي أيوب، ثني هاني، ثني عمرو بن حريث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما خففت عن خادمك من عملك كان لك أجرا في ميزانك"1.
8-أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري1.
أصله من فاراب من بلاد الترك شرقي نهر سيحون2، وهو من أئمة اللغة والأدب والنحو، وخطه يضرب به المثل في الجودة، رحل إلى جزيرة العرب وشافه الأعراب من ربيعة ومضر، وزار العراق فأخذ عن شيخي العربية أبي علي الفارسي وأبي سعيد السيرافي وغيرهما.
وصنف كتابا في القوافي، وآخر في العروض سماه عروض الورقة، والصحاح في اللغة، وهو أشهر مصنفاته، وقد تقدمت الإشارة إلى منهج الكتاب ومزاياه3.
توفي رحمه الله سنة 393هـ، وقيل سنة 396هـ، وقيل في حدود سنة 400هـ. وقالوا في سبب وفاته إنه اعتراه وسواس فصعد سطح الجامع القديم بنيسابور أو سطح منزله، وضم إلى جنبيه مصراعي باب وشدهما بحبل فاندفع في الهواء يزعم أنه يطير، فوقع فمات.
من تلاميذه إسماعيل بن محمد بن عبدوس المذكور آنفا، وأبو إسحاق إبراهيم بن صالح الوراق.
وجاء في دائرة المعارف الإسلامية في مقال عن الجوهري أن أبا سهل تتلمذ أيضا عليه، وذيل
كاتب المقال مقاله بعدد من المصادر العربية واللاتينية، فرجعت إلى ما أمكنني الرجوع إليه من هذه المصادر، وبحثت فيها بحثا شافيا فلم أجد ما يشير إلى تتلمذ أبي سهل على الجوهري، ولعل ذلك مذكور في واحد من مصادره اللاتينية التي لم أستطع الوصول إليها.
والشيء الذي تأكد لنا هو تتلمذ الهروي على ابن عبدوس تلميذ الجوهري كما تقدم، ولكن لا نستبعد – في الواقع – أن يأخذ أبو سهل عن الجوهري، إذ أن عمره زمن وفاة الجوهري كان في حدود العشرين إلى الثلاثة والعشرين عاما، وهذا العمر – بلا شك – يسمح له بالأخذ عن العلماء والرواية عنهم.
المبحث الخامس: تلاميذه
كان جديرا بأبي سهل الهروي، وهو ممن توجه إلى تحصيل العلم، وانقطع على طلبه على مشاهير علماء عصر الازدهار الثقافي والعلمي للأمة، كان جديرا به أن يكون له تلاميذ إليه يرحلون، وعنه يتلقون، وعليه يتأدبون، وبه يتخرجون، وكل يأخذ حظه سماعا وتلقينا ومدارسة على اختلاف مستوياتهم وأعمارهم.
وقد ذكر أبو سهل نفسه في مقدمة كتابه "التلويح "1 أنه ألف كتاب تهذيب الفصيح لبعض أولاد الكتاب في عصره، ثم ألف له أيضا "إسفار الفصيح "ثم اختصره وعلل سبب ذلك بقوله: "ثم إني رأيت جماعة من المبتدئين تضعف قواهم عن الإحاطة بما أودعته فيه من التفسير والشواهد من القرآن والشعر، ويستطيلون حفظه، فاختصرت لهم منه أشياء تكفيهم معرفتها، وتنشطهم في حفظها نزارتها، وأثبتها في هذا الكتاب، وسميته كتاب التلويح في شرح الفصيح ".
ومن هذا النص ندرك أن أبا سهل – رحمه الله – كان معنيا بخدمة طلاب العلم على اختلاف سني أعمارهم، فنراه يهذب لهم الكتب، ويؤلف المطولات، ويختصر المطول بأسلوب سهل، واضح العبارة، مشرق الدلالة، ليتسنى للمبتدئين إدراك فوائدها على غير مؤونة ولا كد ذهن.
وبرغم هذه الجهود التي بدلها في التدريس والتأليف فإن كتب التراجم لم تذكر من تلامذته سوى تلميذين إثنين هما:
1- أبو بكر محمد بن علي بن حسن بن البر اللغوي الصقلي التميمي1.
ولد في صقلية، وارتحل إلى المشرق في طلب العلم، وأخذ عن أبي سهل الهروي2، وروى عنه كتاب الصحاح للجوهري، والغريبين لأبي العبيد3، وأخذ أيضا عن يوسف النجيرمي، وأبي القاسم بن يوسف وغيرهم.
كان التميمي هذا متبحرا في علوم اللغة والنحو والأدب، جيد الضبط، حسن الخط.
وكان ممن أخذ عنه وأكثر تلميذه علي بن جعفر بن علي السعدي، المعروف بابن القطاع الصقلي، وروى عنه كتاب الصحاح، والغريبين.
وتوفي – رحمه الله – سنة 459 هـ.
2-أبو عبد الله محمد بن بركات بن هلال بن عبد الواحد بن عبد الله السعيدي1.
قال عنه الذهبي: "الشيخ العلامة، البارع المعمر، شيخ العربية واللغة"2.
وأجمعت مصادر ترجمته على أن مولده كان في سنة 420 هـ، فإن صح هذا التاريخ3، فهو يعني أنه تتلمذ مبكرا على أبي سهل المتوفي سنة 433 هـ، أي تتلمذ عليه، وهو صبي في الثالثة عشرة من عمره فما دون.
وعلى أي حال فقد ذكر المقريزي4 أنه أخذ عن أبي سهل الهروي، والقاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي، وأبي الحسن طاهر بن بابشاذ النحوي، وسمع صحيح البخاري بمكة على كريمة بنت أحمد المروزية.
وأورد له القفطي في إنباه الرواة5 روايتين عن أبي سهل، وجاء على
نسخة من كتاب "الغريبين "محفوظة في الخزانة الظاهرية قراءة ينتهي فيها علو السند إليه عن أبي سهل عن أبي عبيد مصنف الكتاب1.
وأخذ عنه عدد غفير من طلاب العلم كالحافظ أبي طاهر السلفي، وأبي القاسم البوصيري، والشريف الخطيب بن الحسن الرندي.
وله من المصنفات كتاب الناسخ والمنسوخ، وخطط مصر، وتصانيف أخرى في النحو.
توفي – رحمه الله – في شهر ربيع الآخر سنة 520 هـ، وله من العمر مائة سنة.
وأمكن معرفة ثلاثة من تلامذة أبي سهل من السماع المدون على الورقة الأولى من إسفار الفصيح بخط أبي سهل نفسه، وعلى الورقة الأخيرة بخط أحد تلامذته، وهؤلاء هم:
3- شهاب بن علي بن أبي الرجال الشيباني.
4- أبو القاسم مكي بن خلف البصري.
5- علي بن خلف اللواتي2.
ولم أعثر – مع طول بحث تنقيب – لهذين الأخيرين على ترجمة
في المظان من كتب التاريخ والتراجم، أما شهاب فلم أعثر له أيضا على ترجمة مستقلة، ولكنه رجل نسيب، يؤول إلى بيت شرف وكرم، فأبوه علي – ويكنى أبا الحسن – من أعيان عصره وأعلامهم، تولى رياسة ديوان الإنشاء في الدولة الصنهاجية، ثم وزر لهم، فكان له تأثير على سير قضايا الأمور، واستطاع أن يقنع المعز بن باديس الصنهاجي بمقارعة المذهب الإسماعيلي الباطني في بلاد المغرب، وقطع الصلات بالدولة الفاطمية في مصر.
وكان من ذوي الميل إلى العلوم الرياضية والفلكية، وله كتاب البارع في التنجيم، طبع وترجم إلى عدة لغات، وكان أيضا أديبا ناثرا وشاعرا مفلقا، مصيرا للآداب، يغمر الشعراء والكتاب بإحسانه وعطاياه، وكان من أسرة ذات ثراء وشرف، حتى قال ابن الأبار في ترجمة ابنه محمود بن أبي الرجال: "كان هو وأبوه وأهل بيته برامكة أفريقية "1.
وقد ألف باسمه ابن رشيق مؤلفات أدبية نفيسة، من أهمها كتاب العمدة، كما قدم له ابن شرف رسائل الانتقاد.
وتوفي سنة 426 هـ2.
وورث عنه ابنه شهاب الوجاهة والسيادة والكرم، والرغبة في العلم والأدب.
فقد ذكر أبو سهل في مقدمة التلويح3 وإسفار الفصيح4 أنه
هذب فصيح ثعلب من أجله، ثم سأله تفسير ألفاظه فألف له إسفار الفصيح.
وفي السماع الذي دونه على الورقة الأولى من إسفار الفصيح خلع عليه من الألقاب ما يبين عن مكانته وشرفه، وأنه من ذوي الحسب والجاه والرياسة، فقال: "سمع مني هذا الكتاب من أوله إلى آخره بقراءتي عليه السيد الرئيس أبو الأزهر شهاب بن علي بن أبي الرجال الشيباني أيده الله، وهذا الأصل في يده يعارضني به وقت القراءة ... ".
وفي الورقة الأخيرة كتب السماع بخط مغاير لخط أبي السهل، ويظهر أنه خط شهاب هذا، لأنه نص أنه صاحب الكتاب ومالكه، فقال: "بلغ السماع لصاحبه شهاب بن علي ابن أبي الرجال بقراءة مؤلفه الشيخ أبي سهل محمد بن علي الهروي عليه كله في داره بمصر، لاثنتي عشرة خلون من ذي الحجة سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وسمع جميع ذلك أبو القاسم مكي بن خلف البصري، وعلي بن خلف اللواتي.
وصلى الله على نبيه محمد وسلم".