وقوله: "والجد في النسب ... والجمع أجداد وجدود"1.
وقد يكون للكلمة جمعان فأكثر في القلة أو الكثرة فيذكر ذلك، نحو قوله: "وهو الأنف.... وجمعه في القليل آنف وآناف، وفي الكثير أنوف"2.
وقوله: "ومنه الحوار بالضم: وهو ولد الناقة.... وجمعه في العدد القليل أحورة، وفي الكثير حوران وحيران"3.
وقوله: "والطائر: واحد ... وجمعه طير، كراكب وركب، وأطيار وطيور وطوائر"4.
وقوله: "وهي الحلقة من الناس، ومن الحديد..... وجمعها حلق ... وحلق..... وحلقات بفتحها في أدنى العدد"5.
وقد تتعدد الجموع بحسب تعدد لغات الكلمة، فيذكر ذلك أيضا، نحو قوله: "وتقول في جمع المفتوح الثاني من هذه: أشماع وأشعار وأنهار.
وفي جمع المسكن: شموع وشعور ونهر بضم النون والهاء.
وقياس الساكن في جمع القلة أشمع وأشعر وأنهر"6.
وقوله: "وهي القلنسوة.... والقلنسية ... وتقول في جمعها في اللغتين جميعا- إن حذفت الواو -: القلانس، وإن حذفت النون: القلاسي، وإن حذفت الهاء: القلنسي"1.
وقوله: "ودرهم زائف وزيف.... وجمع زائف زائفات وزوائف وزيف.... وجمع زيف زيوف"2.
وقد يشير عند شرح الألفاظ المجموعة إلى أفرادها، نحم قوله: "والعجم ... والواحدة عجمة"3.
وقوله: "وواحدة الشطب المضمومة الطاء شطيبة، على مثال طريقة وطرق"4.
وقوله: "والرقاق.... والواحدة منه رقاقة"5.
وأشار إلى جمع الجمع، ونص على هذه التسمية في قوله: "رهن جمع رهان، مثل فراش وفرش، فيكون جمع جمع"6.
وقد يشير إليه من غير تسمية كقوله: "وهو السوار: للذي في
اليد ... وجمعه القليل أسورة، وجمع أسورة أساور وأساورة"1.
وقوله: "وجمع الظفر أظفار، وجمع الأظفار أظافير"2.
وتحدث عن اسم الجمع، وهو ما ليس له واحد من لفظه، من غير أن ينص على هذا التسمية، فقال: "وتقولك امرؤ بضم الراء، وامرآن وقوم، وامرأة وامرأتان ونسوة، فجاء لفظ الجمع للمذكر والمؤنث من غير لفظ موحدهما، ولا يقولون في الجمع: امرؤون ولا امرآت"3.
ووافق ثعلبا على جعل "عدى" جمعا لعدو، وهو عند أكثر علماء اللغة والنحو اسم جمع، وضع موضع الجمع4.
وذكر قاعدة صرفية هامة، وهي أن المصادر وأسماء الأجناس لا تثنى ولا تجمع، إلا إذا اختلفت أنواعها، وذلك في وقوله: "المصدر لا يثني، ولا يجمع، ولا يؤنث لأنه يدل بلفظه على القليل والكثير، كأسماء الأجناس، كالماء والزيت والعسل.... لأن كل لفظ من ذلك يقع على الجنس بأسره قليله وكثيره، فاستغني عن تثنيته وجمعه، فإن اختلفت أنواعها جاز تثنيتها وجمعها، كقولك: شربت ماءين، تريد: ماء حلوا، وماء ملحا.... وكذلك المصدر نحو قولك: ضربت زيدا ضربين، أي
نوعين من الضرب شديدا وهينا. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ أراد ظنونا مختلفة"1.
كما ذكر أن المصدر متى كثر استعماله ثني وجمع أيضا، حيث يقول: "ورجل ضيف، وامرأة ضيف، وقوم ضيف كذلك، لا يثنى ولا يجمع، لأنه مصدر وضع موضع ضائف ... وإن شئت ثنيت وجمعت، فقد قالوا: أضياف وضيوف وضيفان ... وإنما ثني هذا وجمع لما كثر استعماله، لأنهم أجروه مجرى الأسماء والصفات، ولا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث من هذا الباب إلا ما كثر استعماله، فأما ما يقل استعماله فالأصل فيه أن يترك في التثنية والجمع والتأنيث بلفظ واحد، لأنها مجراة مجرى المصادر"2.
وأشار إلى قاعدة جمع ما جاء على وزن "فعلة" من الأسماء والصفات، كما سبق في حديثنا عن الميزان الصرفي3.
ونبه على بعض الجموع التي جاءت على غير القياس من غير أن يعلل ذلك، وقد يذكر القياس، كقوله: "وهو الدخان ... وجمعه دواخن على غير القياس، كما قالوا: عثان وعواثن"4.
وقوله: "وفوهة النهر: مخرج مائه.
والجمع أفواه على
غير قياس وقياسه فوايه"1.
وتحدث عن بعض الألفاظ التي لم يسمع لها بجمع، وغالبا ما يذكر قياسه، نحو قوله: "وهو صداق المرأة: لمهرها، ولم يسمع له جمع، وقياسه في القليل أصدقة، وفي الكثير صدق"2.
وقوله: "وناقة سرح ... أي سريعة في سيرها، ولم يسمع لها بجمع وقياسه أسراح مثل عنق وأعناق، وطنب وأطناب"3.
وقوله: "وأما الحدور بفتح الحاء: فهو مثل الهبوط ... ولم يسمع له بجمع أيضا"4.
وأشار إلى بعض الجموع التي تتكلم بها العامة، فقال: "وهي الرحى.... وجمعها أرحاء، ولا يقال: أرحية"5 ولم يعلل سبب المنع.
وقال: "وهذه فرس: للأنثى من الخيل..... وتقول للمذكر: هذا فرس.... والجمع منهما أفراس، ولا يقال: فرسان، إنما الفرسان جمع فارس، كراكب وركبان"6.
وقال: "وأما الدانِق والدانَق: فهما بمعنى واحد ... وجمعها دوانق، والعامة تقول: دوانيق فيكون جمع داناق، وهي لغة للعرب"1.
وأشار إلى بعض الجموع التي طرأ عليها شيء من العلل الصرفية، من ذلك قوله – غير ما تقدم الحديث عنه2 -: "أوقية، وجمعها أواقي..... وقد قالوا أيضا: أواق بالتخفيف، على حذف الياء التي هي لام الفعل"3.
وأشار إلى دور الجمع في رد الكلمات إلى أصولها، فقال: "وجمع العضة: عضاه بإظهار الهاء في الجمع أيضا، لأن أصل عضة "عضهة" بهاءين وفتح الضاد، فحذفوا الهاء الأصلية وبقوا الزائدة، فإذا صغروا أو جمعوا ردوا الهاء المحذوفة"4.
6 – النسب"
أشار أبو سهل إلى أربعة أنوع من الألفاظ المنسوبة:
منسوب إلى مفرد على القياس، وذكر الاسم المنصوب إليه، فقال: "ورمح خطي ورماح خطية بتشديد الطاء والياء: وهو منسوب إلى الخط، وهي إحدى مدينتي البحرين، يقال لإحداهما: الخط،
والأخرى هجر"1.
2- منسوب إل لفظ محذوف اللام، وذكر أن هذه اللام ترد عند النسب، فقال: "وأصل لغة: لغوة، مثل عروة، ولذلك قالوا في النسب إليها لغوي"2.
3- منسوب إلى لفظ جاء على صورة الجمع، وجازت النسبة إليه، لأنه صار اسما للواحد، فقال: "وثوب معافري بتشديد الياء: وهو منسوب إلى معافر، وهو موضع.
وقيل: قبيلة من اليمن.
وقال الجبان: هو اسم رجل سمي بلفظ الجمع"3.
منسوب على غير القياس، وذكر من ذلك ثلاثة ألفاظ، وهي يمان، وشأم، وتهام، وذكر في سبب شذوذها وجهين هما الحذف والتعويض في يمان وشآم، والحذف وتغيير الحركة في تهام، فقال: "وتقول: رجل يمان: من أهل اليمن، وشآم بوزن شعام: من أهل الشام ... وتهام بفتح التاء: من أهل تهامة، وكان القياس فيمن نسب إلى اليمن والشام أن يقال: يمني وشأمي بتسكين الهمزة، بوزن شعمي، وبياء مشددة في آخره للنسب، لكن لما كثر استعمالهما في الكلام وجب تخفيفهما فحذفوا إحدى ياءي النسب من آخرهما وعوضوا منها ألفا قبل النون والميم، فصار يماني وشآمي بفتح الهمزة وياء خفيفة، ثم لما أدخلوا
التنوين حذفوها لئلا يجتمع ساكنان، فقيل: يمان وشآم..... وتهامة مكسورة التاء، والأصل في النسب إليها تهامي بكسر التاء وتشديد الياء، فلما أرادوا تخفيفه أيضا حذفوا إحدى ياءي النسب منه، وأرداوا أن يعوضوا منها ألفا كما عملوا بيمان وشآم، فلم يمكنهم ذلك لكون الألف قبل الميم، فلو زادوا ألف التعويض لاجمتع ألفان ساكنان، فكان يجب أن يحذفوا أحدهما، فعدلوا عن هذا إلى فتح الميم، ونابت هذه الفتحة عن ألف التعويض، فصار تهامي بياء خفيفة، ثم لما أدخلوا التنوين حذفوا الياء لالتقاء الساكنين، فصار تهام، على لفظ يمان وشآم"1.
ثالثا: المسائل النحوية:
عرض أبو سهل لبعض المسائل النحوية، وكان عرضه لها في الغالب موجزا، أي من غير تفصيل واستيعاب لجميع جوانب المسألة، حيث كان يقتصر في إشارته النحوية على ما تمس الحاجة إليه، أو تقتضيه المناسبة في ضوء شرحه اللغوي للألفاظ.
ومن المسائل التي عرض لها ظاهرة الإعراب، حيث أعرب ووجه بعض الأساليب والألفاظ الواردة في الفصيح، فعند قول ثعلب: "ومنه ما فيه لغتان كثرتا، واستعملتا، فلم تكن إحداهما أكثر من الأخرى، فأخبرنا بهما" قال: "تكن ... يطلب في هذا الموضع اسما وخبرا، فاسمه مرفوع وخبره منصوب، لما كان هو الاسم في المعنى، واسمه
وقوله: "إحدى" إلا أنها لا يتبين فيها وفع، لأنها مقصورة، وهي مضافة إلى هما، وهو ضمير عن اللغتين، و"أكثر" منصوب، لأنه خبر تكن"1.
وأشار إلى بعض الأسماء الممنوعة من الصرف، وذكر منها نوعين:
1- نوع منع من الصرف لعلة واحدة، وذكر من ذلك جموعا جاءت على وزن أفاعيل، مثل: أضاحي، وأماني، وأواقي2.
2- ونوع منع ممن الصرف لوجود علتين معا، وذكر من ذلك الممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، أو العلمية والعجمة، مثل: محوة، وعرفة، وبغداد3 والممنوع من الصرف اللوصفية ووزن الفعل مثل: أبرص، وأول4.
كما تعرض لبعض الأحكام المتصلة ببعض بالحروف والأدوات النحوية مثل: إلى، والباء، وعلى، وفي واللام، ومن، ومذ ومنذ، ولن، ولم، ولعل، وليت، وما5.
ولعل من أهم المسائل النحوية التي عرض لها بعض مسائل الخلاف بين البرصريين والكوفيين.
ومما عرض له خلافهم في تأصيل اسم الإشارة
"ذا" من غير تحيز ظاهر لأحد الفريقين، حيث يقول: "هذا اسم مبهم يشار به اللمخاطب إلى كل مذكر موجود بحضرته غير بعيد عنه.
وأصله عند البصريين ذان وأصل ذا ذيا، وقال الكوفيون: أصل هذا الذال وحدها، والألف عماد وتكثير، لأن الاسم لا ينفصل على حرف واحد. وقالوا جميعا: إن العرب زادت ها قبل ذا للتنبيه"1.
ولكنه أخذ برأي البصريين في هذه المسألة في موضع آخر حيث قال: "وذلك: اسم مبهم وهو نقيض هذا في الإشارة..... والاسم منه ذا، واللام زائدة للتكثير"2.
وقوله: "اسم مبهم" موافقة كذلك لرأي البرصريين، لأنهم يسمون أسماء الإشارة أيضا "الأسماء المبهمة"، أما الكوفيون فيسمونها "حروف المثل"3.
وكذلك نقل عن بعض علماء اللغة والنحو تأصيل "تلك وتيك" في الإشارة إلى رأي المؤنثة البعيدة، ورد على من زعم أن "ذيك" بالذال والياء خطأ، فقال: "والذي عندي أن تلك باللام، وتيك بالياء، وذيك بالذال والياء كلها بمعنى واحد، وهي لغات للعرب، وليس ذيك بالذال خطأ، كما زعم ثعلب والجبان وغيرهما، بل هي لغة صحيحة جارية على قياس كلام العرب.... والكاف في آخر تلك وتيك زائدة للخطاب، ولا موضع لها من الإعراب، لأنها حرف وليست باسم، والدليل على أن ذيك
بالذال، لغة صحيحة وليست بخطأ أنهم إذا حذفوا كاف الخطاب من آخرها بقيت ذي بذال مكسورة، وبعدها ياء، فتكون إشارة إلى مؤنث فإذا أشاروا إلى مذكر قالوا: ذا عبد الله بذال مفتوحة، بعدها ألف، ثم إنهم يزيدون قبل ذا وذي ها للتنبيه، فيقولون: هذا عبد الله، وهذي أمة الله، قرأ بعض القراء: ﴿إِنَّ هَذِي أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ، ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِي الشَّجَرَة﴾ بالياء فيهما ... "1.
والبصريون يمنعون إضافة الشيء إلى نفسه أو صفته، والكوفيون يجيزون ذلك، لأن العرب تضيف الشيء إلى نفسه أو صفته إذا اختلفت ألفاظه ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الآخِرَة﴾ 2، وقوله أيضا: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ 3.
وقد أشار أبو سهل عند قول ثعلب: "وهو عرق النسا" بإضافة عرق إلى النسا، إلى إجازة الكوفيين هذا الاستعمال، ومنع البصريون له، لأن النسا اسم العرق بعينه. واكتفى هنا بعرض الرأيين دون تأييد لأحدهما4.
أما عند قول ثعلب: "وتقول: كان ذاك ... عام الأول" فقد قدر الإضافة بقوله: "كان ذاك عام الحديث الأول، وعام الزمان
الأول"1، فأخذ بالمذهب البصري في منع إضافة الشيء إلى وصفه، وحمل الإضافة على تقدير مضاف إليه محذوف حلت صفته محله.
ومما يؤكد ميل أبي سهل إلى مذهب البصريين في هذه المسألة قوله:" وهي بقلة الحمقاء، هكذا رأيته في نسخ عدة بإضافة بقلة إلى الحمقاء، وليس هو جيدا، ورأيت في نسخ أخر: وهي البقلة بالألف واللام والرفع على الصفة، وهذا هو الصواب"2.
فصوب الرواية الأخيرة، ولم يستحسن الأولى، لأنها وردت بإضافة الموصوف إلى صفته.
وأرى أن إضافة الشيء إلى صفته استعمال لغوي سليم، وليس هناك ما يدعو إلى تكلف التأويل والتقدير، وما لا يحتاج إلى تأويل أولى وأجدر بالقبول مما يحتاج إلى تأويل.
وأخذ بالمذهب البصري أيضا في إعراب الاسم الواقع بعد "مذ"، حيث يقول: "وتقول: ما رأيته مذ أول من أمس برفع "أول"، هكذا هو في نسخ عدة، وفي نسخ أخر "مذ أول" بالنصب، والأجود بالرفع، لأن مذ بغير نون ترفع ما مضى من الزمان على تقدير الابتداء والخبر، وتقديره: مبدأ انقطاع رؤيتي له أول من أمس، وأول ذلك أول من أمس"3.
فهذا هو مذهب البصريين في تقدير الرفع، أما الكوفيون فيذهبون إلى أن "مذ ومنذ" إذا ارتفع الاسم بعدهما ارتفع بتقدير فعل محذوف. وذهب أبو زكريا الفراء إلى أنه يرتفع بتقدير مبتدأ محذوف1.
ولا يعني أخذه برأي البصريين في هذه المسائل أنه بصري المذهب أو ممن يتعصب له، فقد خالف رأي البصريين في غير مسألة من مسائل النحو واللغة رجح فيها رأي الكوفيين، فمن ذلك رده على ابن درستويه والجبان – وهما ممن يتعصب للمذهب البصري – إنكارهما على ثعلب قوله في تأنيث الأسود: "والأنثى أسودة" فقال: "أنكر ابن درستويه أسودة، وكذلك أنكره الجبان أيضا، وقال: هذا شيء من قبل الكوفيين، لأن أسود إن كان وصفا فتأنيثه سوداء، وإن كان اسما غير وصف فلا لفظ منه لمؤنثه مختص. وهذا الذي أنكراه على ثعلب – رحمه الله – لا يقدح فيما رواه عن علماء الكوفيين، ولو لم يصح له سماع ذلك منهم لما أثبته في كتابه، وإذا ورد الشيء المسموع عن من يوثق به تقبل ذلك وإن كان خارجا عن القياس، ومع هذا فإن غيره من أهل اللغة أيضا قد حكى: رأيت أسودات كثيرة، أي حيات، فجمع أسودة على أسودات"2.
وقال ثعلب: "وهو الوقود، والطهور، والوضوء، تعني الاسم، والمصدر بالضم" فوافق أبو سهل ثعلبا على هذا التفريق، وهو مذهب كوفي، أما البصريون فقالوا: الفتح والضم في هذه الألفاظ للأسم
والمصدر جميعا1.
ومنع الأصمعي قولهم: "شتان ما بينهما" وأجازه الفراء وثعلب، ولم يخالفهما أبو سهل، بل أنشد قول أبي الأسود الدؤلي حجة لذلك القول:
لشتان ما بيني وبينك إنني ... على كل حال أستقيم وتضلع2
وأجاز الفراء أيضا كسر نون شتان، وهو خطأ محض عند البصريين، أما أبو سهل فلم يخطئه بل وجهه بقوله: "وأما وجه قول الفراء في كسر النون، فكأنه أراد تثنية شت، وهو المتفرق، ويجوز أن يكون كسرها على أصل التقاء الساكنين"3.
وبالرغم من اعتماده على القياس في بعض المسائل4، فإنه كان يميل إلى الأخذ بمنهج الكوفيين في تقديم السماع على القياس إذا ما تعارضا5، يوضح ذلك قوله السابق: "وإذا ورد الشيء المسموع عن من يوثق به تقبل ذلك، وإن كان خارجا عن القياس".
وقوله: " ... وكان القياس الدخل بسكون الخاء ... لكن السماع أولى
من القياس"1.
وقوله: "وهذا الذي قاله ابن درستويه وإن كان قياسا صحيحا، فإن المسموع من العرب خلافه ... "2.
وقوله: " ... وإن كان بعض الجموع قد خرجت عن القياس، لكن الذي ورد به السماع ما قالوه "3.
وقوله: " والعامة تقول: عود يسر بالياء، وإن كان له وجه من الاشتقاق، فهو مخالف لما وردبه السمع عن العرب"4.
واستخدم إلى جانب مصطلحات النحو البصرية كثيرا من المصطلحات الكوفية، فعبر عن الفعل المضارع بالمستقبل5، وعن النفي بالجحد6، وعن المبني للمجهول بما لم يسم فاعله7، وعن تاء التأنيث بالهاء8.
وعن الجر بالخفض9، وعن بناء الأمر بالجزم10، وعن الفتح
والضم بالنصب والرفع، والخلط بين ألقاب البناء والإعراب شائع عند الكوفيين.
والذي نخرج به مما سبق أن أبا سهل – رحمه الله – لم يكن متعصبا لأحد الفريقين، بل كان يأخذ من آرائهما ما يراه جديرا بالإتباع، وما يحقق غرضه في خدمة المادة العلمية لكتابه في استقلالية وتجرد يحكمها العقل ولا تؤثر فيهما العاطفة.
المبحث الخامس: مصادر الكتاب وشواهده
.
أولا- مصادره:
نقل أبو سهل في هذا الكتاب عن علماء بصريين وكوفيين وغيرهم.
وقد تفاوت نقله عن هذه المصادر، فهناك مصادر نقل عنها عشرات المرات، وأخرى لم ينقل عنها إلا مرة واحدة.
واختلفت طريقته في النقل عن هذه المصادر، فتارة يذكر اسم الكتاب واسم مؤلفه، وتارة يكتفي بذكر اسم المؤلف من غير ذكر كتابه، وهذه الطريقة هي الغالبة عليه في ذكر مصادره، وتارة لا يذكر اسم المصدر ولا اسم مؤلفه، وإنما يكتفي بعبارات تفيد نقله عن مصدر ما، كقوله: "وقيل، وقال بعض أهل اللغة، وقال بعض أهل النحو، وقال بعض النحويين"ونحو ذلك.
وقد بلغت مصادره التي صرح بالنقل عنها تسعة وعشرين مصدرا، ولا أدعي أن جميع مصادره التي صرح بها قد وقف عليها بنفسه ونقل عنها مباشرة، بل منها ما نقل عنه بواسطة مصادر أخرى.
وفيما يلي عرض لمصادره مرتبة بحسب تاريخ الوفاة:
1- أبو عمرو زبان بن العلاء البصري (ت- 154 هـ) نقل عنه في موضع واحد.
2- الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت- 170 هـ) نقل عنه في تسعة مواضع من كتابه "العين"، ولم يصرح به، وعزا أحد هذه النقول إلى تلميذه الليث بن المظفر.
3- سيبويه عمرو بن عثمان بن قنبر (ت- 180 هـ) ، نقل عنه في موضعين.
4- خلف بن حيان بن محرز الأحمر (ت- 180 هـ) ، نقل عنه في موضع واحد.
5- أبو عبد الرحمن يونس بن حبيب البصري (ت- 182 هـ) ، نقل عنه في موضع واحد.
6- النضر بن شميل بن خرشة المازني (ت- 204 هـ) ، نقل عنه في سبعة مواضع.
7- أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني (ت- 206 هـ) ، نقل عنه في موضع واحد.
8- أبو زكريا يحي بن زياد الفراء (ت- 207 هـ) ، نقل عنه في ثمانية مواضع، رجع في أحدها إلى كتابه "معاني القرآن"، ولم يصرح به.
9- أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت- 210 هـ) ، نقل عنه في خمسة مواضع، رجع في بعضها إلى كتابه "مجاز القرآن"، ولم يصرح به.
9- أبو سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي الباهلي (ت- 213 هـ) ، نقل عنه في سبعة مواضع، رجع في بعضها إلى كتابيه "الإبل، وفعل وأفعل"، ولم يصرح بهما.
10- أبو زيد سعيد بن أوس بن ثابت الأنصاري (ت- 215 هـ) ، نقل عنه في ثمانية مواضع، رجع في بعضها إلى كتابيه "الهمز والنوادر"ولم يصرح بهما.
11- أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي (ت- 224 هـ) ، نقل عنه في أربعة مواضع من كتابه "الغريب المصنف"، ولم يصرح به.
12- أبو عبد الله محمد بن زياد الأعرابي (ت- 231 هـ) ، نقل عنه في سبعة مواضع.
13- ابن السكيت يعقوب بن إسحاق، أبو يوسف (ت- 244 هـ) ، نقل عنه في ستة مواضع من كتابه "إصلاح المنطق"، ولم يصرح به.
14- أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني (ت- 255 هـ) ، نقل عنه في ثلاثة مواضع، رجع في أحدهما إلى كتابه "خلق الإنسان"، ولم يصرح به.
15- شمر بن حمدويه الهروي (ت- 255 هـ) ، نقل عنه في موضع واحد.
16- أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي البصري (ت- 257 هـ) ،
نقل عنه في موضع واحد.
17- أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري (ت- 282 هـ) ، نقل عنه في موضع واحد من كتابه "النبات".
18- أبو العباس محمد بن يزيد المبرد (ت- 285 هـ) ، نقل عنه في موضع واحد.
19- ثعلب أحمد بن يحيى بن زياد بن سيار الشيباني (ت- 291 هـ) ، صرح باسمه في ثلاثة وأربعين موضعا.
20- أبو إسحاق إبراهيم بن سري الزجاج (ت- 311 هـ) ، نقل عنه في موضعين، أحدهما من المناقشة التي دارت بينه وبين ثعلب حول أوهام الفصيح، والآخر من كتابه "خلق الإنسان "، ولم يصرح بهما.
21- مبرمان محمد بن علي النحوي (ت- 326 هـ) ، نقل عنه في ثمانية مواضع.
22- الحسين بن إبراهيم الآمدي (كان حيا سنة 346 هـ) ، نقل عنه في موضع واحد.
23- أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي (ت- 347 هـ) ، نقل عنه في اثنين وثلاثين موضعا من كتابه "تصحيح الفصيح"ولم يصرح به، وهو يحتل المرتبة الأولى في قائمة مصادره.
24- أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه (ت 370هـ) .
نقل عنه في ثلاثة مواضع، صرح في أحدها بكتابه ط النخلة"، ولم يذكر هذا المصدر أحد غير أبي سهل فيما أعلم.
25- أبو أسامة جنادة بن محمد بن الحسين الأزدي (ت 399هـ) . نقل عنه مباشرة بالتلقي في موضعين.
26- أبو عبد الله محمد بن جعفر بن أحمد التميمي، المعروف بالقزاز (ت 412هـ) . نقل عنه في موضع واحد.
27- والد المصنف علي بن محمد الهروي (ت 415هـ) . نقل عنه مباشرة بالتلقي في أربعة مواضع.
28- أبو منصور محمد بن علي الجبان (كان حيا سنة 416) . نقل عنه في أربعة وعشرين موضعا من كتابه "شرح الفصيح".
وهذا المصدر يحتل المرتبة الثانية في قائمة مصادره بعد التصحيح الفصيح لابن درستويه.
وقبل أن أختم حديثي عن مصادره أنبه على الأمور التالية:
1- أن نقوله عن هذه المصادر هي مما يتصل بمسائل اللغة والنحو والتصريف، وروايات الفصيح.
2- أن نقوله عن هذه المصادر لا تزيد في الغالب عن سطر أو سطرين ونادرا ما تجاوز ثلاثة أسطر.
3- يتصرف فيما ينقله – في الغالب – بالحذف أو الزيادة أو الصياغة.
ثانيا: شواهده:
اعتنى أبو سهل – رحمه الله – بالشواهد لتوضيح مادة كتابه وتوثيقها، وقد تعددت الشواهد في كتابه لتشمل الاستشهاد بالقرآن الكريم وقراءاته، وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وما أثر عن العرب من أمثال وأقوال وأشعار، وفيما يلي تفصيل ذلك:
أ- الاستشهاد بالقرآن الكريم:
لما كان القرآن الكريم هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد أجمع علماء العربية على أنه يمثل أعلى درجات الفصاحة، وأن نصوصه أوثق الشواهد التي يرجعون إليها، لأنه منزه عن اللحن والخطأ.
وقد اهتم أبو سهل بالشواهد القرآنية، فبلغ عدد المواضع التي استشهد فيها بالقرآن الكريم (153) موضعا، توزعت على الأغراض التالية:
1- الاستشهاد على معاني الألفاظ المشروحة وتوثيقها، وهذا هو
الغالب على شواهده القرآنية، وطرقه في ذلك متنوعة، فتارة يشرح اللفظ ثم يستدل عليه بما ورد في القرآن الكريم، كقوله: "وأنشر الله الموتى ينشرهم إنشارا: إذا أحياهم بعد موتهم.
ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ .
وتارة يأتي بآية ثم يفسر معنى اللفظ العائد إلى المادة المشروحة، كقوله: "ولا تقل: يتصدق، لأن المتصدق المعطي.
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ أي المعطين.
وقد سبقت الإشارة إلى مثل هذا في منهجه.
1- الاستشهاد على التطور الدلالي للألفاظ، كقوله: "وألحمتك عرض فلان.... أي أمكنتك من شتمه، كأنك جعلت نفسه لك كاللحم الذي تأكله، أي أقدرتك على تناول عرضه، وأبحته اغتيابه وعيبه، كما تبيحه أكل اللحم، وهذا على الاستعارة والتشبيه، لأن عرضه بمنزلة لحمه.
ومنه وقوله تعالى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ أراد الغيبة وذكر العرض بالقبيح".
وقوله: والذوق: أصله تطعم الشيء باللسان، ليعرف الحلو من غيره.
وقد يكون بغير اللسان.
ومنه قوله تعالى: {وَذُوقُوا عَذَابَ
الْحَرِيقِ} ، وقال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ 1.
3- الاستشهاد على اللغات، وذلك كقوله: "وهديت القوم الطريق.... أي عرفتهم إياه ودللتهم عليه، وهذه لغة أهل الحجاز، ومنه قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ، وغيرهم يقول: هديتهم إلى الطريق فيعديه بحرف الجر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ 2. وقوله أيضا: "وأمليت الكتاب أمليه إملاء بالمد، وأمللت أمل إملالا لغتان جيدتان جاء بهما القرآن وهما بمعنى واحد.... وقال الله تعالى: ﴿اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ فهذا من أمليت، وقال عز وجل: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْل﴾ فهذا من أمللت"3.
4- الاستشهاد على مسائل نحوية وصرفية ولغوية، كقوله: "وثلاث: وهو لعدد مؤنث: فلأجل ذلك حذف منه الهاء، وعدد المؤنث تحذف منه الهاء، من ثلاث إلى عشر، وعدد المذكر تثبت فيه للفرق بينهما، كقوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوما﴾ 4.
وقوله: "فمن حرف من حروف الجر، وهو هاهنا لبيان الجنس....
وهذا مثل قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ ، لأن الجنس أعم من الأوثان، لأنه يكون وثنا وغير وثن، فبين بمن الرجس المراد الذي هو الوثن"1.
وقوله: "وأما من شدد الطاء فإنه يجعل وزنه متفعلة، وكان الأصل متطوعة، فأدغمت التاء في الطاء لتقارب مخرجيهما فصار مطوعة بتشديد الطاء والواو. ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ وأصله المتطوعين"2.
وقوله: "وتقول: هو خصم، وهي خصم، وهم خصم، وهن خصم، للواحد والاثنين والجمع والمؤنث، وعلى حال واحدة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ فجاء بالخصم، وهو على لفظ الواحد، ومعناه الجمع"3.
ولم يقصر شواهده القرآنية على قراءة حفص، بل استشهد ببعض القراءات السبعية وغير السبعية والشاذة، وبلغ عدد المواضع التي استشهد فيها بالقراءات تسعة مواضع4، ولكنه لم يشر إلى من قرأ بها.
وأهم الأغراض التي استشهد عليها بالقراءات:
الاستشهاد على المعنى، كقوله: "وقرئ قوله تعالى: {وَمَا
هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} الضاد، على معنى بخيل، ومن قرأ ﴿بِظَنِين﴾ بالظاء، فمعناه: بمتهم"1.
2- الاستشهاد على مسائل صرفية أو نحوية، كقوله: "والمصدر يكون بمعنى المفعول، كقولهم: درهم ضرب، وماء سكب، أي مضروب ومسكوب، والكتاب هو الكتوب. ومنه وقوله تعالى: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ﴾ " 2.
واستشهد على جواز إدخال لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء الخطاب بقراءة شاذة وذلك في قوله: "وأما إذا أمرت المخاطب فإن الأكثر أن يكون بغير لام، كقولك: قم يا زيد ... ويجوز أن تأتي باللام في المخاطبة على الأصل، فتقول: لتقم يا زيد. وقرئ قوله تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا﴾ بالتاء معجمة بنقطتين من فوقها، على أمر المخاطب"3.
وقد يستشهد بأكثر من آية أو قراءة لتأكيد المادة المشروحة، كقوله: "ولا يقال: وذرته ولا ودعته، ولكن تركته، ولا واذر ولا وادع، ولكن تارك، استغنوا عن الماضي واسم الفاعل من هذا بترك وتارك.
وقال الله تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ ، وقال: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ
وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً} " 1.
وقوله: "وقرأ بعض القراء: ﴿إِنَّ هَذِي أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَة﴾ ، ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِي الشَّجَرَةَ﴾ بالياء فيهما"2.
وقد يضيف إلى ذلك شاهدا شعريا مبالغة في التأكيد، كقوله: "وخطف الشيء يخطفه.... إذا اختلسه وأسرع أخذه. ومنه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ ، وقال عز وجل: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ ، ثم قال عدي بن زيد:
خطفته منية فتردى ... ولقد كان يأمل التعميرا
أي أخذته بسرعة"3.
ب- الاستشهاد بالأحاديث والآثار:
أجمع علماء العربية على أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفصح العرب قاطبة، وأن كلامه يأتي بعد كلام الله تعالى فصاحة وبلاغة وبيانا4.
ولكنهم اختلفوا في الاستشهاد بالأحاديث المروية عنه في الدراسات النحوية واللغوية، ويمكن تقسيمهم على ثلاث فئات:
1- فئة أجازت الاستشهاد بالحديث النبوي مطلقا، ومن هذه الفئة ابن مالك، وابن هشام النحوي، والجوهري، والحريري، وابن سيده، وابن فارس، وابن خروف، وابن جني، وابن بري، والسهيلي وغيرهم1.
2- فئة رفضت الاستشهاد بالحديث الشريف في الدراسات اللغوية والنحوية، ومن هذه الفئة ابن الضائع، وأبو حيان، وحجتهما في ذلك أن الرواة أجازوا رواية الحديث بالمعنى، وأنه وقع اللحن كثيرا فيما روي من الحديث، لأن كثيرا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع، وأن أئمة النحو المتقدمين لم يحتجوا بشيء منه كأبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر، والخليل وسيبويه من أئمة البصريين، والكسائي والفراء وعلي بن المبارك الأحمر وهشام الضرير من الكوفيين2.
3- فئة توسطت بين الفئتين، وهذه الفئة أجازت الاستشهاد بالحديث بشرط أن يكون موافقا للفظ المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الفئة السيوطي3.
والشاطبي الذي عبر عن موقفه من ذلك بقوله: "وأما الحديث على قسمين:
قسم يعتني ناقله بمعناه دون لفظه، فهذا لم يقع به استشهاد أهل اللسان.
وقسم عرف اعتناء ناقله بلفظه لمقصود خاص، كالأحاديث التي قصد بها بيان فصاحته صلى الله عليه وسلم، ككتابه ولهمدان، وكتابه لوائل بن حجر، والأمثال النبوية، فهذا يصح الاستشهاد به في العربية"1.
أما أبو سهل فقد استشهد بنحو خمسة عشر حديثا وأثرا، وهي نسبة قليلة إذا ما قيست بشواهده القرآنية والشعرية، ولكنها تدل – مع قلتها – على أن أبا سهل كان يعد حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وآثار صحابته مصدرا من مصادر الاحتجاج في اللغة.
وكانت طريقته في إيراد الحديث تتسم بالنص على كون الكلام حديثا بنحو قوله: "وفي الحديث ... "، "وجاء في الحديث ... "، "وروي لنا في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم...."، ".... ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ... "2. وقد يذكر ألفاظ الحديث دون أن ينص على أنه حديث3، أو يشير إلى الحديث دون أن يذكر ألفاظه4.
وأهم الأغراض التي استشهد عليها بالأحاديث والآثار هي ما يلي:
1- الاستشهاد على توضيح المعنى وتوكيده، كقوله: "يقال: لغا الرجل يلغو لغوا.... إذا تكلم وصوت.
وجاء في الحديث: "من قال في يوم الجمعة والإمام يخطب: صه، فقد لغا"، أي تكلم"5.
وقوله: "وتقول: ومالأت القوم أمالئهم ممالاة وملاء.... أي عاونتهم ... وفي الحديث عن علي – رضوان الله عليه – أنه قال لما اتهم بقتل عثمان – رضي الله عنه -: "والله ما قتلت عثمان، ولا مالأت في قتله"أي ما عاونت"1.
2- الاستشهاد على اللغات، كقوله: "وهو البطيخ والطبيخ بكسر أولهما وتشديد ثانيهما: وهما بمعنى واحد، وهما فاكهة معروفة.
وروي لنا في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان يأكل الطبيخ بالرطب"2.
3- الاستشهاد على تعميم الدلالة، كقوله: "والجند: هم الأنصار والأعوان.
وقيل: هم جمع معد للحرب.... وقيل: كل صنف من الخلق جند.
وفي الحديث: "الأرواح جنود مجندة" 3.
4- الاستشهاد على بعض ألفاظ المذكر والمؤنث، كقوله: "والإصبع مؤنثه، ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم حفر الخندق: "هل أنت إلا إصبع دميت" 4.
وقوله: "وتقول: امرأة بكر.... ورجل بكر أيضا..... وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" 5.
وقوله: "قالوا: رجل ربعة وامرأة ربعة ... وجاء في صفة النبي "أنه كان فوق الربعة"1.
5- الاستشهاد على الألفاظ المترادفة، كقوله: "وأعْسَرُ يَسَرٌ.... وهو الذي يعمل بيديه جميعا، يعمل بيده اليسرى، كما يعمل باليمنى، ويقال له أيضا إذا كان كذلك: أضبط، وروي أن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -: "كان أعْسَرَ يَسَرَا"وفي رواية أخرى: "كان أضبَطَ"2.
ج- الاستشهاد بالأمثال والأقوال:
أمثال العرب وأقوالهم من مصادر الاستشهاد عند أبي سهل، وقد بلغ مجموع شواهده منها نحو (77) شاهدا ما بين قول ومثل، وتحتل بهذا المجموع المرتبة الثالثة بعد شواهده الشعرية والقرآنية.
ويمكن تقسيم ما أورده أبو سهل من هذه الشواهد على قسمين:
قسم منها ورد في أصل الفصيح، فشرح ألفاظها، وبين دلالاتها، وقد يشير في أثناء ذلك إلى بعض الأوجه الإعرابية المتصلة برواياتها، أو يسترسل في ذكر قصة المثل، أو ذكر مناسبته إن وجدت، مع الإشارة إلى الظروف أو الأحوال التي تستدعي ضرب ما هو بصدد شرحه منها، وقد يذكر أحيانا قائل المثل، أو يشير إلى الخلاف في روايته3.
وقسم آخر استشهد به أبو سهل نفسه على شروحه لألفاظ الفصيح، إما لتوثيقها أو لتوضيح معانيها ودلالاتها، أو استطرادالمناسبة في الشرح تستدعي إيرادها.
ومن أمثلة هذا التقسيم قوله: "وعقدت الحبل أعقده بالكسر عقدا: أي شددته وأوثقته، فأنا عاقد، وهو معقود. ومن أمثالهم: "يا عاقد اذكر حلا"1.
وقوله: "وأما الخنق: فهو مصدر خنقه يخنقه، على مثال ضربه يضربه، إذا عصر حلقه، ومن أمثالهم: "الخنق يخرج الورق"أي إذا خنق الإنسان افتدى بماله"2.
وقوله: "والثُّوَباء: انفتاح الفم عند النعاس والكسل، وهي شبيه بالتمطي الذي يلحق البدن، والعرب تضرب بها المثل في العدوى، فتقول: أعدى من الثُّوَباء"3.
وقد يستطرد في ذكر المثل، ويشير إلى أن له قصة ولكن لا يشرحها، فمن ذلك قوله: "والسموأل مهموز: اسم رجل، وهو ابن حيا بن عادياء الغساني.... وكان من أوفى أهل زمانه حتى ضربت به العرب المثل في الوفاء، فقالت: "هو أوفى من المسوأل"، وله حديث"4.
أو يشير إلى المثل دون أن يذكر ألفاظه، كقوله: "فالجورب: معروف، لما يعمل من قطن أو صوف بالإبرة ... والعرب تضرب به المثل في النتن"1.
ونص المثل هو: "أنتن من ريح الجورب".
وألحقت المأثور من فصيح الأقوال بشواهده من الأمثال، لأن منها ما اشتهر فأصبح لشهرته بمنزلة الأمثال. ومن أمثلة ما استشهد به منها لتوضيح بعض المعاني أو تأكيدها، قوله: "يقال: رقأ الدم يرقأ رقأ ... ورقوءا ... إذا انقطع ولم يسل ... ويقال: "لا تسبوا الإبل، فإن فيها رقوء الدم"بفتح الراء على فعول، أي تعطى في الديات، فتحقن بها الدماء من القود، فلا تهراق بعد أخذهم إياها في الديات"2.
وقوله: "والخلة ... ما كان حلوا من المرعى، وهي ضد الحمض، والحمض من ذلك ما كانت فيه ملوحة، والعرب تقول: الخلة خبز الإبل والحمض فاكهتها"3.
وجعل ثعلب البرثن من السباع بمنزلة الظفر من الإنسان، فغلطه أبو سهل وذكر أن البرثن"من السباع بمنزلة الإصبع من يد الإنسان، والمخلب يكون في البرثن بمنزلة الظفر من الإصبع"وأكد كلامه هذا بقول أبي زبيد الطائي في وصف الأسد: "وكف شثنة البراثن إلى مخالب كالمحاجن"قال: "فأراد غلظ أصابعه، وقوله: "إلى
مخالب"أراد مع مخالب، وهي أضافير الأسد، وشبهها – لانعطافها – بالمحاجن، وهي جمع محجن، وهي عصا معوجة الطرف"1.
وقد يرد القول عنده عرضا، أي في أثناء كلام لا علاقة له به، وذلك كقوله: "والثفال بالفتح: البعير البطيء ... وأنشد الفراء حجة على قول من قال: "كلا جاريتيك قامت":
كلا عقبيه قد تشعث رأسها ... من الضرب في جنبي ثفال مباشر2
د- الاستشهاد بالشعر:
لا شك أن الشعر من أهم مصادر الاستشهاد عند العلماء، ولم يكن الاستشهاد بالشعر هم علماء العربية وحدهم، بل شاركهم في الاهتمام به الفقهاء والأصوليون والمحدثون والمفسرون1، وكان ابن العباس يقول: "إذا أشكل عليكم الشيء من القرآن فارجعوا فيه إلى الشعر فإنه ديوان العرب"2.
وقد عني علماء العربية بالشعر إلى جانب عنايتهم بالقرآن الكريم، فاعتمدوا عليه في بناء الكثير من القواعد وإصدار العديد من الأحكام، ولجأوا إليه في شرح غوامض اللغة وتوضيح معانيها، وإحكام أصولها3.
وقد اختلف موقف علماء العربية من الشعراء الذين يحتج بشعرهم، فقسموهم على أربع طبقات، ذكرها البغدادي في الخزانة4:
الأولى: الشعراء الجاهليون، وهم قبل الإسلام، كامرئ القيس، والأعشى.
الثانية: المخضرمون، وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، كلبيد وحسان رضي الله عنهما.
الثالثة: المتقمون، يقال لهم: الإسلاميون، وهم الذين كانوا في صدر الإسلام، كجرير والفرزدق.
الرابعة: المولدون، ويقال لهم المحدثون، وهم من بعدهم إلى زماننا، كبشار بن برد وأبي نواس.
وأجمع علماء العربية على صحة الاستشهاد بشعر الطبقة الأولى والثانية1، ولا يضير ذلك طعن بعض اللغويين المتشددين بطائفة من شعراء هاتين الطبقتين، كعدي بن زيد، وأبي دؤاد الإيادي2.
واختلفوا في الثالثة، فذكر البغدادي "أن الصحيح صحة الاستشهاد بكلامها"3، على الرغم مما أخذه بعض العلماء على بعض شعراء هذه الطبقة، فقد "كان أبو عمرو بن العلاء، وعبد الله بن أبي إسحاق، والحسن البصري يلحنون الفرزدق والكميت وذا الرمة ... وكانوا يعدونهم ممن المولدين"4.
وكان الأصمعي – كذلك – لا يحتج بشعر الكميت والطرماح، ويعدهما مولدين ليسا بحجة5.
أما الطبقة الرابعة فقد أجمع أكثر علماء العربية على منع الاستشهاد
بكلامها1، وذكر البغدادي أن ذلك هو الصحيح2.
ولكن فريقا من العلماء يرى صحة الاستشهاد بشعر من يوثق به من شعراء هذه الطبقة، وممن يرى ذلك الواحدي (ت 468هـ) ، والبطليوسي (ت 521هـ) ، والزمخشري (ت 538هـ) ، وابن الشجري (ت 542هـ) ، وابن الخشاب (ت 567هـ) ، وابن يعيش (ت 643هـ) ، وابن مالك (ت 672هـ) ، وابن هشام (ت 761هـ) .
واستشهد هؤلاء بأبيات من شعر أبي تمام والبحتري، والمتنبي، وأبي نواس، وبشار، وأبي فراس، وغيرهم3.
أما أبو سهل فكانت شواهده لشعراء جاهليين، ومنهم تسعة من شعراء المعلقات، وهم امرؤ القيس، وزهير، وطرفة، والنابغة الذبياني، والأعشى، ولبيد، والحارث بن حلزة، وعمرو بن كلثوم، وعنترة، ويأتي الأعشى في مقدمتهم جميعا، إذ استشهد بشعره في تسعة عشر موضعا.
كما استشهد بشعر جاهليين آخرين كعدي بن زيد، والأفوه الأودي، وأبو دؤاد الإيادي، والأسود بن يعفر، وحاتم الطائي، وعلقمة الفحل وغيرهم.
واستشهد أيضا بشعر المخضرمين كلبيد وحسان، والنابغة الجعدي رضي الله عنهم، والحطيئة والعجاج، والإسلاميين كجرير والفرزدق،
والكميت، وذي الرمة، وعمر بن أبي ربيعة، وجميل، وكثير، ورؤبة، وعبيد الله بن قيس الرقيات وغيرهم.
أما المولدون أو المحدثون فلم يستشهد بشيء من شعرهم إلا في موضعين، استشهد في أحدهما ببيت واحد من الرجز لبشار بن برد ولم ينسبه1، وأنشد في الوضع الآخر بيتين لخلف الأحمر في هجاء أبي عبيدة، ولم ينشدهما للتدليل على صحة المادة اللغوية كبيت بشار، بل استطرادا في شرح المثل "إنه لألج من الخنفساء"2.
وبالجملة فقد كثرت شواهد أبي سهل الشعرية حتى فاقت شواهده من القرآن والحديث والأمثال والأقوال مجتمعة، وبلغ مجموعها من غير المكرر (344) بيتا.
وقد نسب أبو سهل من ذلك العدد (161) بيتا، وترك الباقي عائرا من غير نسبة، واستطعت أن أنسب وأصحح نسبة (106) أبيات، وبقي (77) بيتا لم أهتد إلى نسبتها إلى شاعر بعينه، وكني خرجتها جميعا من المصادر التي ذكرتها من غير نسبة، عدا بيتين لم أهتد إليهما، مع طول بحث وتنقيب3.
وأتممت الأبيات التي أنشد أحد شطريها فقط، وبلغ مجموع ما
أنشده من ذلك سبعة أشطار، اثنان منها صدور، وخمسة أعجاز.
وقد تعددت الأغراض التي استشهد عليها أبو سهل بالشعر، وأهمها:
1- الاستشهاد على معاني الألفاظ وتوثيقها، نحو قوله: "ونطح الكبش وغيره ينطح ... إذا صدم شيئا وضربه بقرنه أو برأسه، فهو ناطح، والمفعول منطوح، قال الأعشى:
كناطح صخرة يوما ليفلقها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل1
وقوله: "وشحب لونه يشحب ... إذا تغير من مرض أو غم أو سفر أو سوء حال أو شمس.
ومنه قول لبيد:
رأتني قد شحبت وسل جسمي ... طلاب النازحات من الهموم
2- الاستشهاد على اللغات، كقوله: "ووعزت إليك في الأمر.... وأوعزت أيضا، على أفعلت أوعز إيعازا لغتان بمعنى واحد: أي تقدمت إليك فيه، وأمرتك بفعله، وأنشد الخليل في التشديد:
قد كنت وعزت إلى علاء2
وقوله: "وهي الطس بغير هاء.....والطست بالتاء لغة للعرب أيضا.... وقال الراجز على هذه اللغة:
لما رأت شيب قذالي عيسا ... وهامة كالطست علطميسا
وقال رؤبة – في اللغة الأخرى-:
حتى رأتني هامتي كالطس ... توقدها الشمس ائتلاق الترس1
3- الاستشهاد على مسائل لغوية، كقوله في الفرق بين الظل والفيء: "والظل للشجرة وغيرها بالغداة.
والفيء بالعشي، لأنه ظل يفيء من جانب إلى جانب، كما قال الشاعر:
فلا الظل من برد الضحى نستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي نذوق2
4- الاستشهاد على مسائل صرفية، كقوله: "وجمع شاة، وهي الواحدة من الغنم شياه بإظهار الهاء في الجمع أيضا، لأن أصل الشاة "شوهة"بفتح الشين والواو على "فعلة"، فحذفت منها الهاء الأصيلة، وقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت شاة، فإذا صغروها أو جمعوها عادت الهاء فقيل: شويهة وشياه.
ومنه قول المنخل اليشكري:
وإذا صحوت فإنني ... رب الشويهة والبعير