حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالكصفحات 723-763
أهل الأثرالأرشيف العلمي

لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اثْنَا عَشَرَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَأْنِيثِهِمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَمَانِيَةٌ وَلِلْعَاصِبِ ثَمَانِيَةٌ، وَعَلَى تَذْكِيرِ وَاحِدٍ فَقَطْ يَكُونُ لِلذَّكَرِ سِتَّةَ عَشَرَ وَلِلْأُنْثَى ثَمَانِيَةٌ وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ، فَتَجْمَعُ مَا بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ، وَتُعْطِيهِ رُبْعَهُ؛ لِأَنَّ نِسْبَةَ وَاحِدٍ هَوَائِيٌّ إلَى الْأَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: رُبْعٌ، وَبِيَدِ كُلِّ خُنْثَى أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ، وَبِيَدِ الْعَاصِبِ ثَمَانِيَةٌ، فَيُعْطَى (لِكُلٍّ) مِنْ الْخَنَاثَى (أَحَدَ عَشَرَ، وَلِلْعَاصِبِ اثْنَانِ، وَكَثَلَاثَةِ خَنَاثَى فَثَمَانِيَةُ أَحْوَالٍ) : لِأَنَّهُمْ إمَّا ذُكُورٌ فَقَطْ أَوْ إنَاثٌ فَقَطْ أَوْ زَيْدٌ مِنْهُمْ ذَكَرٌ وَالْآخَرَانِ أُنْثَيَانِ أَوْ عَكْسُهُ، أَوْ يُقَدَّرُ عَمْرٌو مِنْهُمْ ذَكَرًا وَالْآخَرَانِ أُنْثَيَيْنِ أَوْ

[حاشية الصاوي]

خَمْسَةٌ بِخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ سُبْعًا تُقْسَمُ عَلَى السَّبْعَةِ فَلِلذَّكَرِ عِشْرُونَ سُبْعًا بِاثْنَيْنِ وَسِتَّةِ أَسْبَاعٍ، وَلِلْخُنْثَى خَمْسَةَ عَشَرَ سُبْعًا بِاثْنَيْنِ وَسُبْعٌ يُكْمِلُ لِلذَّكَرِ سِتَّةً وَسِتَّةَ أَسْبَاعٍ، وَلِلْخُنْثَى خَمْسَةٌ وَسُبْعٌ (اهـ) وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ خَرُوفٍ مِنْ اعْتِرَاضِهِ عَلَى الْقُدَمَاءِ بِأَنَّ الْخُنْثَى قَدْ غُبِنَ بِرُبْعِ سَهْمٍ عَلَى مُقْتَضَى عَمَلِهِمْ، وَبِسُبْعٍ بِالنَّظَرِ لِلْقِيَاسِ، وَقَطْعُ النَّظَرِ عَنْ عَمَلِهِمْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ نِصْفُ نَصِيبَيْ ذَكَرٍ مُحَقَّقٍ غَيْرُهُ، وَأُنْثَى مُحَقَّقَةٍ غَيْرُهُ وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا مَرَّ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُرَادٍ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ نِصْفُ نَصِيبِ نَفْسِهِ حَالَ فَرْضِهِ ذَكَرًا وَحَالَ فَرْضِهِ أُنْثَى، وَحِينَئِذٍ فَلَا غَبْنَ عَلَى الْخُنْثَى أَصْلًا لَا بِرُبْعٍ وَلَا بِسُبْعٍ أَفَادَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [لِكُلٍّ مِنْ الْخَنَاثَى] : الْأَوْضَحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخُنْثَيَيْنِ.
قَوْلُهُ: [أَحَدَ عَشَرَ] : اعْتَرَضَ هَذَا الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَلْتَئِمُ مَعَ قَوْلِهِ: وَلِلْخُنْثَى نِصْفُ نَصِيبَيْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى؛ لِأَنَّك إذَا ضَمَمْت مَا نَابَهُ فِي الذُّكُورَةِ عَلَى تَقْدِيرِ ذُكُورَتِهِمَا وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ لِمَا نَابَهُ فِي الْأُنُوثَةِ عَلَى تَقْدِيرِ أُنُوثَتِهِمَا وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ كَانَ مَجْمُوعُهُمَا عِشْرِينَ فَنِصْفُهَا عَشْرَةٌ، وَإِذَا ضَمَمْت مَا نَابَهُ فِي الذُّكُورَةِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ ذَكَرًا وَالْآخَرُ خُنْثَى وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ إلَى أُنُوثَتِهِ وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ، كَانَ مَجْمُوعُهُمَا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ نِصْفُهَا اثْنَا عَشَرَ، وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ قَوْلَهُ سَابِقًا نِصْفُ نَصِيبَيْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى خَاصٌّ بِمَا إذَا كَانَ الْخُنْثَى وَاحِدًا.
وَأَمَّا إذَا كَانَ اثْنَيْنِ فَلَهُ رُبْعُ أَرْبَعَةِ أَنْصِبَاءِ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ وَهَكَذَا، وَقَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيُّ: بَلْ قَوْلُهُ وَلِلْخُنْثَى نِصْفُ نَصِيبَيْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ الصَّادِقُ بِالْوَاحِدِ وَالْمُتَعَدِّدِ، أَمَّا أَخْذُ الْوَاحِدِ نِصْفَ نَصِيبَيْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا أَخْذُ الْمُتَعَدِّدِ

عَكْسُهُ، أَوْ خَالِدٌ ذَكَرًا وَالْبَاقِي أُنْثَيَيْنِ أَوْ عَكْسُهُ (فَتَذْكِيرُهُمْ) جَمِيعًا (مِنْ ثَلَاثَةٍ كَتَأْنِيثِهِمْ) : فَإِنَّهُ مِنْ ثَلَاثَةٍ (وَتَذْكِيرُ أَحَدِهِمْ مِنْ أَرْبَعَةٍ) لِكَوْنِ الذَّكَرِ بِرَأْسَيْنِ وَمَعَهُ أُنْثَيَانِ (وَتَذْكِيرُ اثْنَيْنِ) مِنْ ثَلَاثَةٍ يَكُونُ (مِنْ خَمْسَةٍ) ذَكَرَانِ بِأَرْبَعَةٍ وَالْأُنْثَى بِوَاحِدٍ (فَتَضْرِبُ الثَّلَاثَةَ فِي الْأَرْبَعَةِ) يَحْصُلُ اثْنَيْ عَشَرَ (ثُمَّ) تَضْرِبُ الِاثْنَيْ عَشَرَ (فِي الْخَمْسَةِ بِسِتِّينَ ثُمَّ) تَضْرِبُ فِي ثَمَانِيَةِ الْأَحْوَالِ فَمَا حَصَلَ فَ (لِكُلٍّ ثُمُنُ مَا بِيَدِهِ: تِسْعَةَ عَشَرَ وَسُدُسٌ،

[حاشية الصاوي]

لِمَا ذُكِرَ فَ لِأَنَّهُ إذَا تَعَدَّدَ تَضَاعَفَتْ أَحْوَالُهُ وَبِتَضْعِيفِهَا يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ نَصِيبَيْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى.
بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ لَمَّا تَضَاعَفَتْ الْأَحْوَالُ الْأَرْبَعَةُ ذُكُورَتَيْنِ أَوْ أُنُوثَتَيْنِ كَانَ مَجْمُوعُ مَا حَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخُنْثَيَيْنِ أَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ نِصْفُهَا اثْنَانِ وَعِشْرُونَ نَصِيبُ ذُكُورَةٍ وَأُنُوثَةٍ، وَنِصْفُهَا أَحَدَ عَشَرَ نِصْفِ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، أَوْ يُقَالُ إنَّهُ لَمَّا تَضَاعَفَتْ الْأَحْوَالُ الْأَرْبَعَةُ ذُكُورَتَيْنِ وَأُنُوثَتَيْنِ اجْتَمَعَ لَهُ مِنْ الذُّكُورَتَيْنِ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ، فَنِصْفُهَا وَهُوَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَنَصِيبُ ذُكُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَاجْتَمَعَ لَهُ مِنْ الْأُنُوثَتَيْنِ سِتَّةَ عَشَرَ فَنِصْفُهَا وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ نَصِيبُ أُنُوثَةٍ وَاحِدَةٍ، وَنِصْفُ النَّصِيبَيْنِ أَحَدَ عَشَرَ أَفَادَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ ثَلَاثَةٍ] : أَيْ عَدَدِ رُءُوسِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: [كَتَأْنِيثِهِمْ] : أَيْ لِأَنَّ فَرْضَهُنَّ الثُّلُثَانِ.
قَوْلُهُ: [فَتَضْرِبُ الثَّلَاثَةَ] : أَيْ وَهِيَ إحْدَى حَالَتَيْ تَذْكِيرِ الْجَمِيعِ أَوْ تَأْنِيثِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: [فِي الْأَرْبَعَةِ] : أَيْ وَهِيَ إحْدَى الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ تَذْكِيرُ زَيْدٍ فَقَطْ، أَوْ عَمْرٍو فَقَطْ، أَوْ خَالِدٍ فَقَطْ.
وَقَوْلُهُ: [ثُمَّ فِي الْخَمْسَةِ] : أَيْ وَهِيَ إحْدَى الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تَأْنِيثُ أَحَدِهِمْ لَا بِعَيْنِهِ.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ تَضْرِبُ فِي ثَمَانِيَةِ الْأَحْوَالِ] : أَيْ فَيَحْصُلُ أَرْبَعُمِائَةٍ وَثَمَانُونَ.
قَوْلُهُ: [فَمَا حَصَلَ فَلِكُلِّ ثُمُنٍ مَا بِيَدِهِ] : أَيْ مِنْ الْخَنَاثَى فَتَجْمَعُ الْحَاصِلَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ وَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ ثُمُنَ مَا حَصَلَ بِيَدِهِ عَلَى التَّقَادِيرِ الثَّمَانِيَةِ.
قَوْلُهُ: [تِسْعَةَ عَشَرَ وَسُدُسٌ] إلَخْ: إيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ السِّتِّينَ الْمَذْكُورَةَ تُقْسَمُ عَلَى الْأَحْوَالِ الثَّمَانِيَةِ: الْأَوَّلُ مِنْهَا إذَا فُرِضَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَخَالِدٌ الْخَنَاثَى إنَاثًا

وَلِلْعَاصِبِ اثْنَانِ وَنِصْفٌ) .

(وَلَوْ قَامَتْ بِهِ عَلَامَةُ الْإِنَاث) : كَبَوْلِهِ مِنْ فَرْجِهِ دُونَ ذَكَرِهِ أَوْ كَانَ بَوْلُهُ مِنْ الْفَرْجِ أَكْثَرَ خُرُوجًا مِنْ الذَّكَرِ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَكْثَرَ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا، فَإِذَا بَالَ مَرَّتَيْنِ مِنْ الْفَرْجِ وَمَرَّةً مِنْ الذَّكَرِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أُنْثَى، وَلَوْ كَانَ الَّذِي نَزَلَ مِنْ الذَّكَرِ أَكْثَرَ كَيْلًا

[حاشية الصاوي]

كَانَ لِلْعَاصِبِ مِنْ السِّتِّينَ عِشْرُونَ وَلِكُلٍّ مِنْ الْخَنَاثَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَثُلُثٌ.
الثَّانِي إذَا فُرِضُوا ذُكُورًا كَانَ لِكُلٍّ عِشْرُونَ.
الثَّالِثُ إذَا فُرِضَ زَيْدٌ ذَكَرًا وَعَمْرٌو وَخَالِدٌ أُنْثَيَيْنِ كَانَ لِزَيْدٍ ثَلَاثُونَ وَلِكُلٍّ مِنْ عَمْرٍو وَخَالِدٍ خَمْسَةَ عَشَرَ.
الرَّابِعُ إذَا فُرِضَ زَيْدٌ ذَكَرًا وَخَالِدٌ ذَكَرًا وَعَمْرٌو أُنْثَى كَانَ لِزَيْدٍ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَلِخَالِدٍ مِثْلُهَا وَلِعَمْرٍو اثْنَا عَشَرَ.
الْخَامِسُ إذَا فُرِضَ زَيْدٌ ذَكَرًا وَعَمْرٌو ذَكَرًا وَخَالِدٌ أُنْثَى كَانَ لِزَيْدٍ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ وَلِعَمْرٍو مِثْلُهَا وَلِخَالِدٍ اثْنَا عَشَرَ.
السَّادِسُ إذَا فُرِضَ زَيْدٌ أُنْثَى وَعَمْرٌو وَخَالِدٌ ذَكَرَيْنِ كَانَ لِزَيْدٍ اثْنَا عَشَرَ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ.
السَّابِعُ إذَا فُرِضَ زَيْدٌ أُنْثَى وَعَمْرٌو أُنْثَى وَخَالِدٌ ذَكَرًا لِكُلٍّ مِنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو خَمْسَةَ عَشَرَ وَلِخَالِدٍ ثَلَاثُونَ.
الثَّامِنُ إذَا فُرِضَ زَيْدٌ أُنْثَى وَخَالِدٌ أُنْثَى وَعَمْرٌو ذَكَرًا كَانَ لِكُلٍّ مِنْ زَيْدٍ وَخَالِدٍ خَمْسَةَ عَشَرَ وَلِعَمْرٍو ثَلَاثُونَ، فَإِذَا جَمَعْت تِلْكَ الْأَعْدَادَ تَجِدُهَا أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ بِيَدِ الْعَاصِبِ عِشْرُونَ وَبِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَنَاثَى مِائَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَخَمْسُونَ وَثُلُثٌ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ثُمُنَ الْعِشْرِينَ اثْنَانِ وَنِصْفٌ وَثُمُنَ الْمِائَةِ وَالثَّلَاثَةِ وَالْخَمْسِينَ وَثُلُثٍ تِسْعَةَ عَشَرَ سُدُسٌ وَإِذَا جَمَعْت الْأَثْمَانَ الْمَذْكُورَةَ تَجِدُهَا سِتِّينَ فَتَأَمَّلْ.
وَقَوْلُهُ: [وَلِلْعَاصِبِ اثْنَانِ وَنِصْفٌ] : أَيْ لِأَنَّهُمَا ثُمُنُ الْعِشْرِينَ الَّتِي خَصَّتْهُ عَلَى فَرْضِ كَوْنِ الْخَنَاثَى إنَاثًا خُلَّصًا وَالْفَرْضُ أَنَّ كُلَّ وَارِثٍ يَأْخُذُ ثُمُنَ مَا بِيَدِهِ.
تَنْبِيهٌ لَا يُتَصَوَّرُ شَرْعًا فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ أَنْ يَكُونَ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوْ جَدًّا أَوْ زَوْجًا أَوْ زَوْجَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُ مَا دَامَ مُشْكِلًا وَهُوَ مُنْحَصِرٌ فِي سَبْعَةِ أَصْنَافٍ: الْأَوْلَادُ وَأَوْلَادُهُمْ، وَالْإِخْوَةُ وَأَوْلَادُهُمْ، وَالْأَعْمَامُ وَأَوْلَادُهُمْ، وَالْمَوَالِي.

[عَلَامَاتُ الْأُنُوثَة وَالرُّجُولَة فِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ]

قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَكْثَرَ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا] : أَيْ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ الْكَثْرَةِ بِهِمَا كَمَا قَالَ الشَّعْبِيُّ هَكَذَا قَالَ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلْخَرَشِيِّ وَالْأَصْلِ.
قَالَ شَيْخُنَا الْأَمِيرُ فِي الْخَاتِمَةِ: وَهُوَ لَا يُوَافِقُ الْمَذْهَبَ فَيُعْتَبَرُ عِنْدَنَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْعَدَوِيُّ لِلْكَثْرَةِ مُطْلَقًا وَمِثْلُهُ فِي (ح) عَنْ اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ (اهـ) .

أَوْ وَزْنًا أَوْ كَانَ بَوْلُهُ مِنْ الْفَرْجِ أَسْبَقَ حَيْثُ كَانَ يَبُولُ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أُنْثَى، فَإِنْ انْدَفَعَ مِنْهُمَا مَعًا اُعْتُبِرَ الْأَكْثَرُ، أَوْ نَبَتَ لَهُ ثَدْيٌ كَثَدْيِ النِّسَاءِ لَا كَثَدْيِ رَجُلٍ بَدِينٍ، فَإِنْ نَبَتَا مَعًا أَوْ لَمْ يَنْبُتَا فَبَاقٍ عَلَى إشْكَالِهِ أَوْ حَصَلَ حَيْضٌ، وَلَوْ مَرَّةً أَوْ مَنِيٌّ مِنْ الْفَرْجِ.
(أَوْ) قَامَتْ بِهِ عَلَامَةُ (الرِّجَالِ) كَبَوْلِهِ مِنْ ذَكَرِهِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ بِالْعَكْسِ أَوْ نَبَتَ لَهُ لِحْيَةٌ دُونَ ثَدْيٍ، وَإِنْ تَعَارَضَ سَبْقٌ، وَكَثْرَةٌ: فَقَوْلَانِ.
وَالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ مَنِيِّ الرَّجُلِ عَلَى الثَّدْيِ وَإِلْغَاءُ مُتَعَارِضَيْنِ غَيْرَ ذَلِكَ وَنَبَاتُ اللِّحْيَةِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِالثَّدْيِ وَعَكْسُهُ لَغْوٌ قَالَهُ شَيْخُنَا الْأَمِيرُ فِي الْمَجْمُوعِ (اتَّضَحَ الْحَالُ وَزَالَ الْإِشْكَالُ)

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ كَانَ بَوْلُهُ مِنْ الْفَرْجِ أَسْبَقَ] : أَيْ وَحَصَلَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْمَبْدَأِ حُكِمَ لِلْمُتَأَخِّرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ.
قَالَ فِي الْخَاتِمَةِ وَالظَّاهِرُ جَرْيُهُ عَلَى قَوَاعِدِنَا.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ انْدَفَعَ مِنْهُمَا مَعًا اُعْتُبِرَ الْأَكْثَرُ] : أَيْ الْأَكْثَرُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا، وَهَذَا مُنَاقِضٌ لِمَا قَدَّمَهُ وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ فِي الْخَاتِمَةِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ نَبَتَا مَعًا] : أَيْ اللِّحْيَةُ وَالثَّدْيُ وَالْمُنَاسِبُ تَأْخِيرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ حَتَّى يَذْكُرَ اللِّحْيَةَ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى مَذْكُورٍ.
قَوْلُهُ: [إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ بِالْعَكْسِ] : أَيْ كَأَنْ كَانَ بَوْلُهُ مِنْ الذَّكَرِ أَكْثَرَ أَوْ أَسْبَقَ.
قَوْلُهُ: [فَقَوْلَانِ] : قَالَ فِي الْخَاتِمَةِ وَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ عَلَى إشْكَالِهِ.
قَوْلُهُ: [وَإِلْغَاءُ مُتَعَارِضِينَ غَيْرَ ذَلِكَ] : أَيْ كَالْكَثْرَةِ وَالسَّبْقِ وَاللِّحْيَةِ وَالثَّدْيِ، ثُمَّ إنَّ الِاخْتِبَارَ ظَاهِرٌ حَالَ صِغَرِهِ حَيْثُ لَا يَشْتَهِي، أَمَّا الْكَبِيرُ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ أَنْ يَبُولَ إلَى حَائِطٍ وَيُنْظَرُ لِمَحَلِّ الْبَوْلِ، فَإِنْ ضَرَبَ فِي الْحَائِطِ أَوْ بَعُدَ عَنْهَا فَذَكَرٌ، وَإِنْ مَال بَيْنَ فَخِذَيْهِ فَأُنْثَى، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالْمِرْآةِ فَفِيهِ أَنَّ صُورَةَ الْعَوْرَةِ الذِّهْنِيَّةِ وَالتَّفَكُّرَ فِيهَا فَضْلًا عَنْ الْمِثَالِ الْخَارِجِيِّ بِمَنْزِلَتِهَا أَفَادَهُ فِي الْخَاتِمَةِ.
قَوْلُهُ: [اتَّضَحَ الْحَالُ وَزَالَ الْإِشْكَالُ] : جَوَابُ لَوْ فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ قَامَتْ بِهِ عَلَامَةُ الْإِنَاثِ إلَخْ.
وَمَعْنَى اتِّضَاحِ الْحَالِ: زَوَالُ اللَّبْسِ وَحُكِمَ لَهُ إمَّا بِالذُّكُورَةِ الْمُحَقَّقَةِ أَوْ الْأُنُوثَةِ الْمُحَقَّقَةِ، فَلَا يُنَافِي وُجُودَ الْآلَتَيْنِ وَأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ خُنْثَى لَكِنْ لَا يُقَالُ لَهُ مُشْكِلٌ.

فِيهِ حُسْنُ اخْتِتَامٍ فَيُحْمَدُ الْمُنْعِمُ بِذَلِكَ فَلِذَا قَالَ: (وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ) وَمَنْ أَرَادَ غَايَةَ التَّحْقِيقِ وَالتَّحْرِيرِ فَعَلَيْهِ بِالْخَاتِمَةِ الْحُسْنَى لِشَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ النِّحْرِيرِ سَيِّدِي الشَّيْخِ مُحَمَّدٌ الْأَمِيرُ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فِيهِ حُسْنُ اخْتِتَامٍ] : أَيْ وَيُسَمَّى بَرَاعَةُ مَقْطَعٍ وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ عَلَيْهَا فِي آخِرِ كَلَامِهِ بِمَا يُؤْذِنُ بِانْتِهَائِهِ وَلَوْ بِوَجْهٍ دَقِيقٍ كَقَوْلِ أَبِي الْعَلَاءِ الْمَعَرِّيِّ: بَقِيت بَقَاءَ الدَّهْرِ يَا كَهْفَ أَهْلِهِ ... وَهَذَا دُعَاءٌ لِلْبَرِيَّةِ شَامِلُ خَاتِمَةٌ نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَهَا.
أَوَّلُ مَنْ حَكَمَ فِي الْخُنْثَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ بِفَتْحِ الظَّاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَكَانَتْ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا تَقَعُ لَهُمْ مُعْضِلَةٌ إلَّا اخْتَصَمُوا إلَيْهِ وَرَضُوا بِحُكْمِهِ فَسَأَلُوهُ عَنْ خُنْثَى أَتَجْعَلُهُ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى؟ فَقَالَ أَمْهِلُونِي فَبَاتَ لَيْلَتَهُ سَاهِرًا وَفِي رِوَايَةٍ فَأَقَامُوا عِنْدَهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَهُوَ يَذْبَحُ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ، وَكَانَتْ لَهُ أَمَةٌ يُقَالُ لَهَا سَخِيلَةُ فَقَالَتْ لَهُ: إنَّ مَقَامَ هَؤُلَاءِ عِنْدَك قَدْ أَسْرَعَ فِي غَنَمِك، وَكَانَتْ تَرْعَى لَهُ غَنَمًا، وَكَانَتْ تُؤَخِّرُ السَّرَاحَ وَالرَّوَاحَ، وَكَانَ يُعَاتِبُهَا فِي ذَلِكَ فَيَقُولُ لَهَا: أَصْبَحْت يَا سَخِيلَةُ أَمْسَيْت، فَلَمَّا رَأَتْ سَهَرَهُ وَقَلَقَهُ قَالَتْ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ لَهَا وَيْلَكِ دَعِي أَمْرًا لَيْسَ مِنْ شَأْنِك، فَأَعَادَتْ عَلَيْهِ السُّؤَالَ فَذَكَرَ لَهَا مَا بَدَا لَهُ فَقَالَتْ لَهُ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَتْبِعْ الْقَضَاءَ الْمُبَالَ، فَقَالَ لَهَا: فَرَّجْتِيهَا وَاَللَّهِ يَا سَخِيلَةُ أَمْسَيْت بَعْدَهَا أَمْ أَصْبَحْت، فَخَرَجَ حِينَ أَصْبَحَ فَقَضَى بِذَلِكَ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَلَا يُنَافِي مَا وَرَدَ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ مَوْلُودٍ لَهُ قُبُلٌ وَذَكَرٌ مِنْ أَيْنَ يُوَرَّثُ؟ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ حَيْثُ يَبُولُ»

بَابٌ فِي جُمَلٍ مِنْ مَسَائِلَ شَتَّى، وَخَاتِمَةٍ حَسَنَة

ٍ (شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبٌ شَرْعًا) .

(وَهُوَ) : أَيْ الشُّكْرُ فِي عُرْفِ الصُّوفِيَّةِ، وَقِيلَ عُرْفُ أَهْلِ الشَّرْعِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ وَاجِبٌ شَرْعًا فَيَشْهَدُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ عُرْفُ الشَّرْعِ: (صَرْفُ الْمُكَلَّفِ كُلَّ نِعْمَةٍ لِمَا خُلِقَتْ لَهُ) اللَّامُ فِي " لَهُ " لِلثَّمَرَةِ الْغَيْرِ الْبَاعِثَةِ

[حاشية الصاوي]

[بَابٌ فِي جُمَلٍ مِنْ مَسَائِلَ شَتَّى وَخَاتِمَةٍ حَسَنَةٍ]

[شُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى] بَابٌ هَذَا الْبَابُ مِمَّا زَادَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى خَلِيلٍ سَلَكَ بِهِ مَسْلَكَ صَاحِبِ الرِّسَالَةِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُؤَلِّفِينَ فِي الْمَذْهَبِ.
وَقَوْلُهُ: [مِنْ مَسَائِلَ شَتَّى] : أَيْ مُتَفَرِّقَةٍ لَا تُضْبَطُ فِي بَابٍ بِعَيْنِهِ مِنْ الْأَبْوَابِ مَعَ أَنَّهَا مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ.
قَوْلُهُ: [وَخَاتِمَةٍ حَسَنَةٍ] : أَيْ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى تَوْحِيدٍ وَتَصَوُّفٍ فَحَسُنَتْ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَاجِبٌ شَرْعًا] : أَيْ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي إيجَابٍ وَلَا غَيْرِهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ عُرْفُ أَهْلِ الشَّرْعِ] : إنْ قُلْت الصُّوفِيَّةُ أَهْلُ شَرْعٍ وَزِيَادَةٍ، فَمَا مَعْنَى الْمُقَابَلَةِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الصُّوفِيَّةَ بَحْثُهُمْ عَلَى الْعَمَلِ الْبَاطِنِ وَحُسْنِ السَّرِيرَةِ وَخَلَاصِ النِّيَّةِ مِنْ رُؤْيَةِ الْغَيْرِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَأَعْمَالُهُ عِنْدَهُمْ كَالْهَبَاءِ لَا يُثْبِتُونَهَا، وَأَهْلُ الشَّرْعِ يُعَوِّلُونَ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ الْأَعْمَالِ الْمُوَافِقَةِ لِلشَّرْعِ فَمَا أَنْكَرَهُ الشَّرْعُ ظَاهِرًا أَنْكَرُوهُ وَمَا مَدَحَهُ مَدَحُوهُ وَيَكِلُونَ السَّرَائِرَ لِلَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: [لِلثَّمَرَةِ الْغَيْرِ الْبَاعِثَةِ] : أَيْ لِلْعِلَّةِ الْغَائِيَّةِ الْغَيْرِ الْحَامِلَةِ الْفَاعِلَ عَلَى فِعْلِهِ كَانْتِفَاعِ النَّاسِ بِظِلِّ الْأَشْجَارِ بَعْدَ تَمَامِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْحَامِلُ لِلْغَارِسِ إلَّا الثَّمَرُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ الْمُسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ الْغَرَضُ الْبَاعِثُ الَّذِي يَتَكَمَّلُ بِهِ وَإِلَّا فَأَفْعَالُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا بُدَّ لَهَا مِنْ حِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ سَبَقَ عِلْمُهُ بِهَا أَزَلًا لَكِنَّ تِلْكَ الْمَصَالِحَ

كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] وَهَذَا تَعْرِيفٌ لِلشُّكْرِ التَّامِّ، وَأَصْلُ الشُّكْرِ: صَرْفُ شَيْءٍ مَا.
وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13] مَعْنًى، وَقَدْ يُقَالُ الْمُبَالَغَةُ بِحَسْبِ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ مُتَعَذِّرٌ لَا قَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَتَعَذَّرُ إلَّا بِحَسْبِ عُقُولِ الْقَاصِرِينَ الْمُقَصِّرِينَ.
ثُمَّ هَذَا شُكْرُ عَامَّةِ أَهْلِ اللَّهِ، وَيَقْرَبُ مِنْهُ قَوْلُ الْجُنَيْدِ لَمَّا سَأَلَهُ شَيْخُهُ السَّرِيُّ السَّقَطِيُّ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ: يَا غُلَامُ مَا الشُّكْرُ؟ فَقَالَ: أَنْ لَا يُعْصَى اللَّهُ بِنِعَمِهِ.
فَقَالَ: يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ حَظُّك مِنْ اللَّهِ لِسَانَك،، قَالَ الْجُنَيْدُ؛ فَلَا أَزَالُ أَبْكِي عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ، قَالَهُ شَيْخُنَا الْأَمِيرُ.
(وَلَوْ) كَانَ مَا خُلِقْت لَهُ (مُبَاحًا ضَرُورِيًّا - كَالْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ - فَلَيْسَ فَاعِلُ الْمُبَاحِ كَافِرًا لِلنِّعْمَةِ) لِأَنَّهُ صَرْفٌ فِيمَا خُلِقَ لَهُ (فَإِنْ نَوَى خَيْرًا) - كَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَالتَّقْوَى عَلَى الطَّاعَةِ وَكَفِّ الشَّهْوَةِ عَمَّا لَا يُرْضِي اللَّهَ (فَطَاعَةٌ) : أَيْ فَصَارَ الْمُبَاحُ طَاعَةً يُثَابُ عَلَيْهِ (بِ) سَبَبِ (النِّيَّةِ) الْحَسَنَةِ.
(وَحَمْدُهُ تَعَالَى) فِي عُرْفِ النَّاسِ الْعَامِّ، إذْ بِتَعْرِيفِهِ الْآتِي لَيْسَ خَاصًّا بِالشَّرْعِ

[حاشية الصاوي]

لِخَلْقِهِ لَا لَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] : أَيْ إلَّا لِيَئُولَ أَمْرُهُمْ لِعِبَادَتِي كَمَا سَبَقَتْ بِهِ حِكْمَتِي فَتَعُودُ مَصَالِحُ عِبَادَتِهِمْ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا تَعْرِيفٌ لِلشُّكْرِ التَّامِّ] : أَيْ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ إلَى مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَ مَا خُلِقَتْ لَهُ] : الْمُنَاسِبُ وَلَوْ كَانَ الصَّرْفُ فِيمَا خُلِقَتْ لَهُ.
قَوْلُهُ: [كَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ] إلَخْ: كُلٌّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَالتَّقْوَى عَلَى الطَّاعَةِ وَكَفِّ الشَّهْوَةِ يَصْلُحُ فِي الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ فَصَارَ الْمُبَاحُ طَاعَةً] : أَيْ وَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ لَا تُفَارِقُ الْمَعْصُومِينَ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ: [لَيْسَ خَاصًّا بِالشَّرْعِ] : أَيْ لِأَنَّ الْحَمْدَ الشَّرْعِيَّ هُوَ ذِكْرُ اللَّهِ بِالْكَمَالَاتِ.

وَلَا بِالصُّوفِيَّةِ وَلَا بِأَهْلِ الْكَلَامِ وَإِنْ قِيلَ بِكُلٍّ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: الْحَمْدُ الْمَطْلُوبُ الِابْتِدَاءُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ هُوَ اللُّغَوِيُّ لِأَنَّ الْعُرْفَ أَمْرٌ طَارِئٌ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ وَعَظَّمَ عَدَدَ مَا فِي عِلْمِ اللَّهِ - إذْ حَيْثُ كَانَ الْمُرَادُ الْعُرْفَ الْعَامَّ فَمِنْ أَيْنَ طُرُوُّهُ؟ نَعَمْ قَدْ وَرَدَ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ» بِالرَّفْعِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ اللِّسَانِيَّ مِنْ قَبِيلِ: وَخَيْرُ مَا فَسَّرْتُهُ بِالْوَارِدِ قَالَهُ أُسْتَاذُنَا الْأَمِيرُ.
(فِعْلٌ) الْمُرَادُ الْفِعْلُ اللُّغَوِيُّ لِيَشْمَلَ مَا قَالَهُ مِنْ الِاعْتِقَادِ وَلَوْ عَلَى أَنَّهُ كَيْفٌ

[حاشية الصاوي]

وَقَوْلُهُ: [وَلَا بِالصُّوفِيَّةِ] : أَيْ لِأَنَّ الْحَمْدَ عِنْدَهُمْ هُوَ شُهُودُ كَمَالَاتِ اللَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَا بِأَهْلِ الْكَلَامِ] : أَيْ لِأَنَّ الْحَمْدَ عِنْدَهُمْ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ مُسْتَحِقٌّ لِلثَّنَاءِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ قِيلَ بِكُلٍّ] : أَيْ قَوْلًا مَقْبُولًا وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا لِلْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْعُرْفَ] إلَخْ: تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ مِنْ كَلَامِ بَعْضِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: [إذْ حَيْثُ كَانَ] إلَخْ: عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ سَقَطَ مِنْ قَلَمِ الشَّارِحِ تَقْدِيرُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ إذْ حَيْثُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: [فَمِنْ أَيْنَ طُرُوُّهُ] : أَيْ بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ قَرْنٍ.
قَوْلُهُ: [بِالرَّفْعِ] : أَيْ فَيُرَادُ بِهِ هَذَا اللَّفْظُ.
قَوْلُهُ: [فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ اللِّسَانِيَّ] : أَيْ وَهُوَ اللُّغَوِيُّ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ عَلَى أَنَّهُ كَيْفٌ] : مَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ هَذَا إذَا مَرَرْنَا عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ بَلْ وَلَوْ مَرَرْنَا عَلَى أَنَّهُ كَيْفٌ أَوْ انْفِعَالٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالِانْفِعَالِ وَالْكَيْفِ أَنَّ الْفِعْلَ الْإِيجَادُ، وَالِانْفِعَالَ التَّأَثُّرُ، وَالْكَيْفَ الْأَثَرُ النَّاشِئُ عَنْهُمَا، وَمَثَّلُوا الثَّلَاثَة بِوَضْعِ الْخَاتَمِ مُلَوَّثًا بِالْحِبْرِ فِي الْكَاغِدِ فَالْوَضْعُ فِعْلٌ، وَانْطِبَاعُ الْكَاغِدِ بِالْوَضْعِ انْفِعَالٌ، وَالْأَثَرُ الَّذِي يَظْهَرُ وَيُقْرَأُ كَيْفٌ فِعْلِيٌّ.
كَلَامُ الشَّارِحِ يُقَالُ لِلْكُلِّ فِعْلٌ لُغَوِيٌّ.

أَوْ انْفِعَالٌ (يُنْبِئُ عَنْ كَوْنِهِ الْمُنْعِمَ) عَلَى الْحَامِدِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ (اعْتِقَادًا أَوْ إقْرَارًا بِاللِّسَانِ أَوْ عَمَلًا بِالْجَوَارِحِ) . (فَالْحَامِدُ أَعَمُّ) مِنْ الشَّاكِرِ وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيرِ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ فِيمَا حَقَّقَهُ عَلَى مُقَدِّمَةِ الْفَاضِلِ الصَّبَّانِ فَعَلَيْك بِهَا.
(فَأَهْلُ الشُّكْرِ صَفْوَةُ اللَّهِ تَعَالَى) اصْطَفَاهُمْ وَخَلَّصَهُمْ مِنْ كَدَرِ الْقَلْبِ وَيُقَالُ لَهُمْ: صُوفِيَّةٌ: مِنْ صَفَا يَصْفُو إذَا خَلَصَ، أَوْ مِنْ صُوفِيَ إذَا صَافَاهُ غَيْرُهُ، أَوْ نِسْبَةً لِلُبْسِ الصُّوفِ؛ لِأَنَّهُ شَأْنُهُمْ تَبَاعُدًا عَنْ التَّرَفُّهِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُرْسِيُّ:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [عَلَى الْمَشْهُورِ] : رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ النِّعْمَةِ الَّتِي وَقَعَ الْحَمْدُ فِي مُقَابَلَتِهَا وَاصِلَةً لِخُصُوصِ، الْحَامِدِ، وَإِنَّمَا الْمَدَارُ عَلَى كَوْنِهِ مُنْبِئًا بِكَوْنِهِ مُنْعِمًا عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ، وَمُقَابِلُهُ يَخُصُّهَا بِالْحَامِدِ فَيَكُونُ عَلَى مُقَابِلِهِ مُرَادِفًا لِلشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ.
قَوْلُهُ: [اعْتِقَادًا] : أَعْرَبَهُ الشَّارِحُ خَبَرًا لِكَانَ الْمَحْذُوفَةِ.
قَوْلُهُ: [فَالْحَامِدُ] : أَيْ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ.
وَقَوْلُهُ: [أَعَمُّ مِنْ الشَّاكِرِ] : أَيْ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ أَيْضًا.
وَأَمَّا النِّسْبَةُ بَيْنَ الْحَمْدِ الِاصْطِلَاحِيِّ وَالشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ فَإِمَّا التَّرَادُفُ أَوْ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ.
قَوْلُهُ: [عَلَى مُقَدِّمَةِ الْفَاضِلِ الصَّبَّانِ] : أَيْ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ.
قَوْلُهُ: [صَفْوَةُ اللَّهِ] : هُوَ مَصْدَرٌ لِصَفَا فَهُوَ عَلَى حَدِّ مَا قِيلَ فِي زَيْدٍ عَدْلٌ.
قَوْلُهُ: [مِنْ صَفَا يَصْفُو إذَا خَلَصَ] : وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ مِنْ صُوفِيَ إذَا صَافَاهُ غَيْرُهُ] : أَيْ وَقَدْ أَفَادَ هَذَا الْمَعْنَى بَعْضُ الْعَارِفِينَ بِقَوْلِهِ: صَافَى فَصُوفِيَ لِهَذَا سُمِّيَ الصُّوفِيُّ قَوْلُهُ: [تَبَاعُدًا عَنْ التَّرَفُّهِ] : عِلَّةٌ لِكَوْنِهِ شَأْنَهُمْ فَهُوَ عِلَّةُ لِلْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ: [قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ] هَكَذَا كُنْيَتُهُ وَاسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الْأَنْصَارِيُّ وَالْمُرْسِي نِسْبَةٌ لِمُرْسِيَةَ قَرْيَةٍ بِالْأَنْدَلُسِ وُلِدَ بِهَا وَتُوُفِّيَ بِثَغْرِ إسْكَنْدَرِيَّةَ عَامَ سِتِّمِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَثَمَانِينَ، وَهُوَ خَلِيفَةُ الْقُطْبِ الْكَبِيرِ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ وَوَارِثُ حَالِهِ وَسَلَكَ

الصُّوفِيُّ مُرَكَّبٌ مِنْ حُرُوفٍ أَرْبَعَةٍ فَالصَّادُ صَبْرُهُ وَصِدْقُهُ وَصَفَاؤُهُ وَالْوَاوُ وَجْدُهُ وَوُدُّهُ وَوَفَاؤُهُ وَالْفَاءُ فَقْدُهُ وَفَقْرُهُ وَفَنَاؤُهُ وَالْيَاءُ لِلنِّسْبَةِ إذَا تَكَمَّلَ نُسِبَ إلَى حَضْرَةِ مَوْلَاهُ، وَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَيْسَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا يَكُونُ الصُّوفِيُّ صُوفِيًّا حَتَّى لَا يَكْتُبَ عَلَيْهِ كَاتِبُ الشِّمَالِ شَيْئًا عِشْرِينَ سَنَةً أَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْهُ ذَنْبٌ، بَلْ كُلَّمَا أَذْنَبَ تَابَ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِمْهَالِ: أَيْ أَنَّهُ لَا قَرَارَ لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (مِنْ عِبَادِهِ وَهُمْ

[حاشية الصاوي]

بِصُحْبَتِهِ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ: التَّاجُ السَّكَنْدَرِيُّ، وَسَيِّدِي يَاقُوتُ الْعَرْشِيُّ، وَابْنُ النَّحَّاسِ النَّحْوِيُّ، وَالْبُوصَيْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
قَوْلُهُ: [فَالصَّادُ صَبْرُهُ] إلَخْ: هَذِهِ الْمَعَانِي إشَارِيَّةٌ وَالصَّبْرُ عِنْدَهُمْ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ رُؤْيَةِ الْغَيْرِ.
وَقَوْلُهُ: [وَصِدْقُهُ] : هُوَ التَّبَرِّي مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ.
وَقَوْلُهُ: [وَصَفَاؤُهُ] : أَيْ خُلُوصُ سَرِيرَتِهِ مِنْ الْكَدَرَاتِ الْبَشَرِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَجْدُهُ] : الْوَجْدُ هُوَ تَلَهُّبُ الْقَلْبِ لِلِقَاءِ الْمَحْبُوبِ.
قَوْلُهُ: [وَوُدُّهُ] : أَيْ وَهُوَ الْحُبُّ وَعَلَامَتُهُ بَذْلُ النَّفْسِ فِيمَا يُرْضِي مَحْبُوبَهُ وَكَثْرَةُ لَهَجِهِ بِذِكْرِهِ.
قَوْلُهُ: [وَوَفَاؤُهُ] : أَيْ بِالْعَهْدِ الْمَأْخُوذِ يَوْمَ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 172] بِقِيَامِهِ بِوَظَائِفِ الْعُبُودِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [فَقْدُهُ] : الْفَقْدُ حَالَةٌ تَعْرِضُ لِلْعَبْدِ عِنْدَ غَلَبَةِ التَّوْحِيدِ عَلَى قَلْبِهِ فَيَفْنَى عَنْ رُؤْيَةِ الْأَحْوَالِ.
وَقَوْلُهُ: [وَفَقْرُهُ] : أَيْ خُلُوُّ قَلْبِهِ مِنْ رُؤْيَةِ الْكَوْنَيْنِ وَهُوَ الْوَصْفُ الذَّاتِيُّ لِلْعَبْدِ.
وَقَوْلُهُ: [وَفَنَاؤُهُ] : وَهُوَ عَدَمُ شُعُورِهِ بِشَيْءٍ سِوَى مَوْلَاهُ، وَأَقْسَامُهُ ثَلَاثَةٌ فَنَاءٌ فِي شُهُودِ الْأَفْعَالِ فَلَا يَرَى فِعْلًا إلَّا لِلَّهِ، وَفَنَاءٌ فِي شُهُودِ الصِّفَاتِ فَلَا يَرَى إلَّا صِفَاتِ اللَّهِ، وَفَنَاءٌ فِي شُهُودِ الذَّاتِ فَلَا يَرَى إلَّا ذَاتَ اللَّهِ، وَهَذَا الْأَخِيرُ يَكُونُ لِلْأَنْبِيَاءِ وَلِكِبَارِ الْأَوْلِيَاءِ.
قَوْلُهُ: [قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْإِمْهَالِ] : أَيْ وَهِيَ سِتُّ سَاعَاتٍ يَقُولُ فِيهَا كَاتِبُ الْيَمِينِ لِكَاتِبِ الشِّمَالِ أَمْهِلْهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ.
قَوْلُهُ: [مِنْ عِبَادِهِ] : مُتَعَلِّقٌ بِصَفْوَةٍ أَيْ اصْطَفَاهُمْ وَخَلَّصَهُمْ اللَّهُ دُونَ سَائِرِ

الْمُقَرَّبُونَ) قُرْبًا مَعْنَوِيًّا.

(وَيَجِبُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ) قَوْلًا وَفِعْلًا ثُمَّ إنْ كَانَ بِالْقَلْبِ فَفَرْضُ عَيْنٍ، وَأَمَّا بِالْيَدِ أَوْ اللِّسَانِ عَلَى مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ وَإِنْ تَعَدَّدَ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ.
وَالْمَعْرُوفُ: مَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ وَلَوْ لُزُومًا، لِيَشْمَلَ الْقِيَاسَ لَكِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ غَيْرُ الْوَاجِبِ كَالْمَنْدُوبِ مَنْدُوبٌ عَلَى الرَّاجِحِ.
(وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ) : أَيْ يَجِبُ كِفَايَةً أَوْ عَيْنًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَمَنْ

[حاشية الصاوي]

عِبَادِهِ وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42] وَيُقَالُ لَهُمْ عِبَادُ الْعُبُودِيَّةِ.

[الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ]

قَوْلُهُ: [ثُمَّ إنْ كَانَ بِالْقَلْبِ فَفَرْضُ عَيْنٍ] : أَيْ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ؛ لِأَنَّ بُغْضَ الْمُخَالَفَاتِ وَحُبَّ الطَّاعَاتِ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 7] الْآيَةَ وَصِفَةُ تَغْيِيرِ الْقَلْبِ إذَا رَأَى مُنْكَرًا أَنْ يَقُولَ لَوْ كُنْت أَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِهِ لَغَيَّرْته، وَإِذَا رَأَى مَعْرُوفًا ضَاعَ.
يَقُولُ فِي نَفْسِهِ لَوْ كُنْت أَقْدِرُ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ لَأَمَرْت بِهِ، وَقَدَّمَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدَّمَهُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 110] وَأَيْضًا أَمَرَ إبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ أَوَّلًا وَنَهَى آدَم بَعْدَهُ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ.
قَوْلُهُ: [فَفَرْضُ كِفَايَةٍ] : أَيْ فَمَتَى قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ.
قَوْلُهُ: [لِيَشْمَلَ الْقِيَاسَ] : أَيْ هَذَا إذَا كَانَ الْأَمْرُ صَرِيحًا بَلْ وَلَوْ كَانَ الْقِيَاسُ عَلَى الْأَمْرِ الصَّرِيحِ، فَالْأَمْرُ الصَّرِيحُ كَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَقِيسُ كَبِرِّ الْأَشْيَاخِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: [مَنْدُوبٌ عَلَى الرَّاجِحِ] : قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي كَوْنِهِ فِي الْمَنْدُوبَاتِ مَنْدُوبًا أَوْ وَاجِبًا قَوْلَانِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُمَا أَرْجَحِيَّةُ النَّدْبِ كَنَدْبِ النَّهْيِ فِي الْمَكْرُوهِ أَفَادَهُ فِي حَاشِيَةِ الرِّسَالَةِ.
قَوْلُهُ: [وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ] إلَخْ: سُمِّيَ بِذَلِكَ إمَّا؛ لِأَنَّهُ مُحْدَثٌ لَمْ تَعْرِفْهُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ لِأَنَّ الْقُلُوبَ تُنْكِرُهُ.
قَوْلُهُ: [عَلَى مَا تَقَدَّمَ] : أَيْ فَفِي الْقَلْبِ عَيْنٌ وَفِي الْيَدِ أَوْ اللِّسَانِ كِفَايَةٌ إنْ تَعَدَّدَ.

لَهُ يَدٌ يَأْمُرُ وَيَنْهَى فَإِنْ امْتَثَلَ وَإِلَّا هُدِّدَ بِالضَّرْبِ وَإِلَّا ضُرِبَ بِالْفِعْلِ، وَمَعْنَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ بِالْقَلْبِ: مَحَبَّتُهُ وَمَحَبَّةُ فَاعِلِهِ، وَمَعْنَى النَّهْيِ بِالْقَلْبِ: كَرَاهَةُ الْمُنْكَرِ وَكَرَاهَةُ فَاعِلِهِ (إنْ أَفَادَ) هَذَا شُرِطَ فِي الْوُجُوبِ بِأَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ الْإِفَادَةُ، وَإِلَّا سَقَطَ الْوُجُوبُ وَبَقِيَ الْجَوَازُ أَوْ النَّدْبُ.
وَشَرْطُ جَوَازِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ: أَنْ يَعْلَمَ الْآمِرُ وَالنَّاهِي بِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ أَوْ مُنْكَرٌ، مَخَافَةَ أَنْ يَنْعَكِسَ الْأَمْرُ فَيَأْمُرَ بِمُنْكَرٍ وَيَنْهَى عَنْ مَعْرُوفٍ وَفِي الْمُنْكَرِ أَنْ لَا يَخَافَ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى مُنْكَرٍ أَعْظَمَ مِنْهُ.

(وَ) يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ (كَفُّ الْجَوَارِحِ) : عَنْ الْحَرَامِ وَاحْتَرَزْنَا عَنْ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخَاطَبُ بِالْوَاجِبِ، نَعَمْ يُسْتَحَبُّ لِوَلِيِّهِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَإِلَّا ضُرِبَ بِالْفِعْلِ] : أَيْ فَإِنْ لَمْ يَمْتَثِلْ أُشْهِرَ لَهُ السِّلَاحُ إنْ وَجَبَ قَتْلُهُ كَمَا أَفَادَهُ فِي حَاشِيَةِ الرِّسَالَةِ.
قَوْلُهُ: [مَحَبَّتُهُ وَمَحَبَّةُ فَاعِلِهِ] : أَيْ وَذَلِكَ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَلَسْت مِنْهُمْ ... لَعَلِّي أَنْ أَنَالَ بِهِمْ شَفَاعَهْ وَأَكْرَهُ مَنْ تِجَارَتُهُ الْمَعَاصِي ... وَإِنْ كُنَّا سَوَاءً فِي الْبِضَاعَهْ قَالَ لَهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ حَنْبَلٍ: تُحِبُّ الصَّالِحِينَ وَأَنْتَ مِنْهُمْ ... لَعَلَّهُمْ يَنَالُوا بِك الشَّفَاعَهْ وَتَكْرَهُ مَنْ تِجَارَتُهُ الْمَعَاصِي ... حَمَاك اللَّهُ مِنْ تِلْكَ الْبِضَاعَهْ قَوْلُهُ: [وَبَقِيَ الْجَوَازُ أَوْ النَّدْبُ] : لَعَلَّ أَوْ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ لِلشَّكِّ فِي تَعْيِينِ الْحُكْمِ وَالظَّاهِرُ النَّدْبُ وَلَا سِيَّمَا الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ الْإِفَادَةَ.
قَوْلُهُ: [أَنْ يَعْلَمَ الْآمِرُ وَالنَّاهِي بِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ] : أَيْ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْمَذَاهِبِ أَوْ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَالْفَاعِلُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَاهُ مَعْرُوفًا فِي الْمَعْرُوفِ أَوْ مُنْكَرًا فِي الْمُنْكَرِ.
قَوْلُهُ: [أَنْ لَا يَخَافَ أَنْ يُؤَدِّيَ] إلَخْ: أَيْ كَنَهْيِهِ عَنْ أَخْذِ مَالِ شَخْصٍ فَيُؤَدِّي لِقَتْلِهِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ شَرْطٌ فِي الْأَمْرِ أَيْضًا.

[كَفُّ الْجَوَارِحِ عَنْ الْحَرَامِ]

قَوْلُهُ: [كَفُّ الْجَوَارِحِ عَنْ الْحَرَامِ] : أَيْ مَنْعُ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرِيَّةِ عَنْ مُبَاشَرَتِهِ كَالْبَاطِنِيَّةِ الَّتِي أَفَادَهَا بِقَوْلِهِ وَالْقَلْبُ عَنْ الْفَوَاحِشِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: 120] الْآيَةَ.

أَنْ يُجَنِّبَهُ مُخَالَطَةَ مَا لَا يَحِلُّ لِلْمُكَلَّفِ مُخَالَطَتُهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ لِإِصْلَاحِ حَالِهِ.
وَالْجَوَارِحُ - وَيُقَالُ لَهَا الْكَوَاسِبُ - سَبْعَةٌ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَقِيَهَا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ السَّبْعَةَ، وَهِيَ: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَاللِّسَانُ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالْبَطْنُ وَالْفَرْجُ.
وَسَيُذْكَرُ بَعْضُهَا فِي قَوْلِهِ وَالتَّلَذُّذُ بِسَمَاعٍ إلَخْ

(وَيَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ) عَمَّنْ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ (إلَّا لِضَرُورَةٍ) فَلَا يَحْرُمُ بَلْ قَدْ يَجِبُ، وَإِذَا كُشِفَ لِلضَّرُورَةِ (فَبِقَدْرِهَا) : كَالطَّبِيبِ يُبْقَرُ لَهُ الثَّوْبُ عَلَى قَدْرِ مَوْضِعِ الْعِلَّةِ فِي نَحْوِ الْفَرْجِ إنْ تَعَيَّنَ النَّظَرُ وَإِلَّا فَيَكْتَفِي بِوَصْفِ النِّسَاءِ إذْ نَظَرُهُمْ لِلْفَرْجِ أَخَفُّ مِنْ الرَّجُلِ

(وَ) يَجِبُ كَفُّ (الْقَلْبِ عَنْ الْفَوَاحِشِ) جَمْعُ فَاحِشَةٍ: كُلُّ مُسْتَقْبَحٍ عَظُمَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَيَحْرُمُ الْعَزْمُ عَلَى قَبِيحٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ بَيَّنَ بَعْضَ الْقَبِيحِ الَّذِي يَجِبُ كَفُّ الْقَلْبِ عَنْهُ اعْتِنَاءً بِهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الْكَثِيرَةِ دُنْيَا وَأُخْرَى بِقَوْلِهِ: (كَالْحِقْدِ) التَّصْمِيمُ عَلَى الْبَغْضَاءِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَنْ يُجَنِّبَهُ مُخَالَطَةَ مَا لَا يَحِلُّ لِلْمُكَلَّفِ مُخَالَطَتُهُ] : أَيْ وَمِنْ ذَلِكَ التَّفْرِقَةُ فِي الْمَضَاجِعِ وَزَجْرُهُ عَنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يَجِبُ لِإِصْلَاحِ حَالِهِ] : أَيْ وَيَظْهَرُ الْوُجُوبُ فِي مِثْلِ إبْعَادِهِ عَنْ نَحْوِ اللِّوَاطِ.
قَوْلُهُ: [وَالْجَوَارِحُ] : مُبْتَدَأٌ وَسَبْعَةٌ خَبَرُهُ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ.
قَوْلُهُ: [أَنْ يَقِيَهَا أَبْوَابَ جَهَنَّمِ] : أَيْ طَبَقَاتِهَا.

قَوْلُهُ: [عَمَّنْ يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهَا] إلَخْ: عِبَارَةٌ رَكِيكَةٌ وَالْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ وَيَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنْ كُلِّ مَنْ يُمَيِّزُ الْعَوْرَةَ غَيْرَ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا.
قَوْلُهُ: [إلَخْ تَفْصِيلُهَا] أَيْ الْعَوْرَةُ وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَيُكْتَفَى بِوَصْفِ النِّسَاءِ] : أَيْ فِي مِثْلِ عُيُوبِ الْفَرْجِ.
قَوْلُهُ: [إذْ نَظَرُهُمْ] : الْمُنَاسِبُ نَظَرُهُنَّ.

قَوْلُهُ: [مِنْهُمَا] : أَيْ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَإِنَّمَا حَرُمَ الْعَزْمُ؛ لِأَنَّهُ يُكْتَبُ عَلَى الْعَبْدِ خَيْرًا أَوْ شَرًّا.

(وَالْحَسَدِ) تَمَنِّي زَوَالِ نِعْمَةِ الْمَحْسُودِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ وَالْعُشْبَ» . (وَالْكِبْرِ) : رَدُّ الْحَقِّ عَلَى قَائِلِهِ وَاحْتِقَارُ النَّاسِ، وَالتَّكَبُّرُ: إظْهَارُ الْعَظَمَةِ وَرُؤْيَةُ الْغَيْرِ حَقِيرًا بِالنِّسْبَةِ لَهُ فَيَصِيرُ صِفَتُهُ الْعُجْبَ قَالَ الشَّعْرَانِيُّ: إنَّ إبْلِيسَ إذَا ظَفِرَ مِنْ ابْنِ آدَمَ بِإِحْدَى أَرْبَعٍ قَالَ لَا أَطْلُبُ مِنْهُ غَيْرَهَا: إعْجَابُهُ بِنَفْسِهِ، وَاسْتِكْثَارُ عَمَلِهِ، وَنِسْيَانُهُ ذُنُوبَهُ، وَزِيَادَةُ الشِّبَعِ وَهُوَ أَعْظَمُهَا، لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ تَنْشَأُ عَنْهُ.
(وَظَنِّ السُّوءِ) : فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ بَابُ تَمَكُّنِ الشَّيْطَانِ مِنْ الْقَلْبِ حَتَّى يُفْسِدَهُ وَيُتْعِبَ صَاحِبَهُ وَيَنْشَأَ عَنْهُ بُغْضُ الْمَظْنُونِ بِهِ سُوءٌ، وَيَحْصُلُ بَيْنَهُمَا خَلَلٌ كَثِيرٌ، وَرُبَّمَا كَانَ بَرِيئًا فَيَزْدَادُ إثْمُ الظَّانِّ وَخُصُوصًا فِي مِثْلِ أَهْلِهِ وَلَيْسَ شَيْءٌ أَحْسَنَ مِنْ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَزَقَنَا اتِّبَاعَهُ بِجَاهِهِ عِنْدَ رَبِّهِ.
(وَ) تَجِبُ (التَّوْبَةُ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ، وَالتَّوْبَةُ هِيَ لُغَةً: مُطْلَقُ الرُّجُوعِ، وَشَرْعًا مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَيَصِيرُ صِفَتُهُ الْعُجْبَ] : أَيْ فَبَيْنَ الْعُجْبِ وَالْكِبَرِ تَلَازُمٌ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ] : قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: 12] الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: [خُصُوصًا فِي مِثْلِ أَهْلِهِ] : أَيْ أَهْلِ الظَّانِّ كَالزَّوْجَةِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ اتِّبَاعِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ] : بِأَنْ يَزِنَ صَاحِبَهُ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ.
قَوْلُهُ: [مِنْ ذَلِكَ الْمَذْكُورِ] : أَيْ الَّذِي هُوَ الْفَوَاحِشُ الظَّاهِرَةُ وَالْبَاطِنَةُ.

(وَهِيَ النَّدَمُ وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ) النَّدَمُ رُكْنٌ مِنْهَا كَمَا قَالَ، وَشَرْطُهُ: أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ، لَا لِكَوْنِ الْمَعْصِيَةِ فِيهَا ضَرَرٌ لِبَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ.
وَالنَّدَمُ يَسْتَلْزِمُ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ: مِنْ الْإِقْلَاعِ عَنْ الذَّنْبِ حَالَ التَّوْبَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ.
وَأَمَّا رَدُّ الْمَظَالِمِ لِأَهْلِهَا فَوَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّوْبَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ مَعَ تَلَبُّسِهِ بِغَيْرِ مَا تَابَ مِنْهُ.
وَإِذَا عَزَمَ أَنْ لَا يَعُودَ، ثُمَّ قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَادَ أَوْ ارْتَكَبَ غَيْرَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ وَلَوْ كَثُرَ مِنْهُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ: (وَ) يَجِبُ (تَجْدِيدُهَا لِكُلِّ مَا اقْتَرَفَ) فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا فَنَدِمَ عَلَيْهِ غُفِرَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ» .

(وَ) يَجِبُ (الْخَوْفُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) الْخَوْفُ: تَأَلُّمُ الْقَلْبِ بِسَبَبِ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَيَجِبُ التَّأَلُّمُ لِئَلَّا يَقَعَ عِقَابٌ فِي الْآخِرَةِ أَوْ الدُّنْيَا

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [رُكْنٌ مِنْهَا] : أَيْ لِأَنَّهُ دَاخِلُ الْمَاهِيَّةِ خِلَافًا لِمَنْ عَدَّهُ مِنْ الشُّرُوطِ فَإِنَّهُ مُعْتَرَضٌ بِأَنَّ الشَّرْطَ مَا كَانَ خَارِجَ الْمَاهِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ] : أَيْ أَنْ يَكُونَ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا رَدُّ الْمَظَالِمِ لِأَهْلِهَا] : أَيْ بِالْفِعْلِ وَأَمَّا مَنْ عَدَّهُ مِنْ الشُّرُوطِ فَهُوَ نَاظِرٌ لِلْعَزْمِ عَلَى الرَّدِّ لَا لِلرَّدِّ بِالْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: [مَعَ تَلَبُّسِهِ بِغَيْرِ مَا تَابَ مِنْهُ] : أَيْ وَقَوْلُهُمْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِقْلَاعِ فِي الْحَالِ بِاعْتِبَارِ الذَّنْبِ الَّذِي تَابَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: [فَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ] : أَيْ تَوْبَةً لِلذَّنْبِ الْجَدِيدِ، وَأَمَّا الذَّنْبُ الْأَوَّلُ فَقَدْ مُحِيَ وَلَا يَعُودُ بِالرُّجُوعِ قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَلَا انْتِقَاضَ إنْ يَعُدْ فِي الْحَالِ لَكِنْ يُجَدِّدُ تَوْبَةً لِمَا اقْتَرَفَ قَوْلُهُ: [فَنَدِمَ عَلَيْهِ] : أَيْ لِأَنَّ النَّدَمَ الصَّحِيحَ تَوْبَةٌ كَمَا وَرَدَ فَيَحْصُلُ بِهِ غُفْرَانُ الذُّنُوبِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ.

[بَعْض الْوَاجِبَات الشَّرْعِيَّة]

قَوْلُهُ: [بِسَبَبِ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ] : أَيْ وَأَمَّا تَأَلُّمُ الْقَلْبِ مِمَّا حَصَلَ فَيُقَالُ لَهُ حُزْنٌ وَيُرَادِفُ الْخَوْفَ بِهَذَا الْمَعْنَى الْهَمُّ.

وَأَعْظَمُهُ لِجَلَالِ اللَّهِ.
(وَ) يَجِبُ (الرَّجَاءُ) بِالْمَدِّ وَضَمِيرُ (فِيهِ) يَعُودُ لِلَّهِ: أَيْ الطَّمَعُ فِي رَحْمَتِهِ مَعَ حُسْنِ الطَّاعَةِ، إذْ لَا يَصِحُّ مَعَ تَرْكِ الْأَخْذِ فِي أَسْبَابِ الطَّاعَةِ.

(وَ) يَجِبُ (صِلَةُ الرَّحِمِ) وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهَا وَمَا يُعَيِّنُ عَلَيْهَا وَيُحَذِّرُ مِنْ تَرْكِهَا، كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ ذَنْبٌ بَعْدَ الشِّرْكِ أَعْظَمَ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ حَتَّى إنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ يَكُونُونَ فَجَرَةً لَكِنْ يَتَوَاصَلُونَ فَيُبَارَكُ لَهُمْ فَتَزِيدُ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ» .

(وَ) يَجِبُ (بِرُّ الْوَالِدَيْنِ)

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَأَعْظَمُهُ لِجَلَالِ اللَّهِ] : أَيْ وَهُوَ خَوْفُ الْأَنْبِيَاءِ وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى قِدَمِهِمْ.
قَوْلُهُ: [لَا يَصِحُّ مَعَ تَرْكِ الْأَخْذِ فِي أَسْبَابِ الطَّاعَةِ] : أَيْ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُسَمَّى رَجَاءً بَلْ طَمَعٌ مَذْمُومٌ وَذَلِكَ كَطَمَعِ إبْلِيسَ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ: [وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهَا] : أَعْظَمُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: 21] الْآيَةَ، وَأَعْظَمُ مَا وَرَدَ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ تَرْكِهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: 25] الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: [وَيَجِبُ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ] : أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23] إلَخْ مَا ذُكِرَ فِي تِلْكَ السُّورَةِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، حِينَ سُئِلَ عَنْ «أَيِّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا، قِيلَ ثُمَّ أَيِّ قَالَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى بِرِّهِمَا وَحَرَّمَتْ عُقُوقَهُمَا لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا.
قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: إنَّ «مَنْ فَاتَهُ بِرُّ وَالِدَيْهِ فِي حَيَاتِهِمَا يُصَلِّي لَيْلَةَ الْخَمِيسِ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ بَعْدَهَا آيَةُ الْكُرْسِيِّ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَإِذَا سَلَّمَ مِنْهُمَا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ خَمْسَ عَشَرَةَ مَرَّةً ثُمَّ وَهَبَ ذَلِكَ لِأَبَوَيْهِ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ بِرَّهُمَا بِذَلِكَ» أَفَادَهُ النَّفْرَاوِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ.

وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ تَفْضُلُ عَلَى الْأَبِ فِي الْبِرِّ وَلَوْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ بِالْجَوَارِحِ أَوْ بِسَبَبِ الِاعْتِقَادِ.
وَيَكُونُ الْبِرُّ بِالْقَوْلِ اللَّيِّنِ الدَّالِّ عَلَى مَحَبَّتِهِمَا بِأَنْ يَقُولَ لَهُمَا مَا يَنْفَعُهُمَا فِي أَمْرِ دِينِهِمَا وَدُنْيَاهُمَا بِدُونِ رَفْعِ صَوْتٍ عَلَيْهِمَا وَيَقُودُ الْأَعْمَى مِنْهُمَا - وَلَوْ كَافِرًا - لِلْكَنِيسَةِ وَيَحْمِلُهُمَا لَهَا، وَيُعْطِيهِمَا مَا يُنْفِقَانِهِ فِي أَعْيَادِهِمَا لَا مَا يُنْفِقَانِهِ فِي الْكَنِيسَةِ أَوْ لِلْقِسِّيسِ، وَيُطِيعُ الْوَالِدَيْنِ فِي الْمُبَاحِ وَالْمَكْرُوهِ.
نَعَمْ قَالُوا: لَا يُطِيعُ فِي تَرْكِ سُنَّةٍ أَوْ رَغِيبَةٍ عَلَى الدَّوَامِ كَالْوِتْرِ وَالْفَجْرِ وَلَا فِي تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مَعْصِيَةٍ.
وَمِنْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ: أَنْ لَا يُحَاذِيَهُمَا فِي الْمَشْيِ وَلَا يَجْلِسَ إلَّا بِإِذْنِهِمَا.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ تَفْضُلُ عَلَى الْأَبِ فِي الْبِرِّ] : لِأَنَّ نِسْبَةَ الْوَلَدِ لِلْأُمِّ مُحَقَّقَةٌ وَلِلْأَبِ ظَنِّيَّةٌ وَلِتَأَلُّمِهَا فِي حَمْلِهِ وَفِصَالِهِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ] : أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15] الْآيَةَ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُمَا مُشْرِكَانِ غَيْرُ حَرْبِيَّيْنِ وَإِلَّا فَيَجِبُ اجْتِنَابُهُمَا وَلَهُ قَتْلُهُمَا حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ: [بِالْجَوَارِحِ] : أَيْ الظَّاهِرَةِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ بِسَبَبِ الِاعْتِقَادِ] : أَيْ بِأَنْ كَانَ فِسْقُهُمَا مُتَعَلِّقًا بِالْعَقَائِدِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَافِرًا لِلْكَنِيسَةِ] : مُرْتَبِطٌ بِمَا بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ كَأَنَّهُ قَالَ يَقُودُ الْأَعْمَى لِمَصَالِحِهِ، هَذَا إذَا كَانَ مُسْلِمًا بَلْ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَيَقُودُهُ لِمَطْلُوبِهِ وَإِنْ كَانَ لِلْكَنِيسَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا فِي تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مَعْصِيَةٍ] : أَيْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» . قَوْلُهُ: [أَنْ لَا يُحَاذِيَهُمَا فِي الْمَشْيِ] : أَيْ فَضْلًا عَلَى التَّقَدُّمِ عَلَيْهِمَا إلَّا لِضَرُورَةٍ نَحْوِ ظَلَامٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَجْلِسُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا] : أَيْ وَلَا يَقُومُ إلَّا كَذَلِكَ وَلَا يَسْتَقْبِحُ مِنْهُمَا نَحْوَ الْبَوْلِ عِنْدَ كِبَرِهِمَا أَوْ مَرَضِهِمَا وَبِالْجُمْلَةِ فَيَجِبُ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بِالْقَوْلِ وَالْجَسَدِ بِالْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ.

وَفِي الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ خِلَافٌ الظَّاهِرُ " لَا " (وَ) يَجِبُ (الدُّعَاءُ لَهُمَا) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا﴾ [الإسراء: 24] الْآيَةَ أَيْ أَنْعِمْ عَلَيْهِمَا.
وَمِنْ جُمْلَتِهِ غَفْرُ الذَّنْبِ، وَيُسْتَحَبُّ التَّصَدُّقُ عَنْ الْوَالِدَيْنِ وَيَنْتَفِعَانِ بِهَا كَالدُّعَاءِ وَالْقِرَاءَةِ كَانَتْ عَلَى الْقَبْرِ أَوْ لَا وَتَلْزَمُ الْإِجَارَةُ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَيُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ قَبْرِهِمَا كُلَّ جُمُعَةٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ زَارَ قَبْرَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا كُلَّ جُمُعَةٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَكُتِبَ بَارًّا»

(وَ) تَجِبُ (مُوَالَاةُ الْمُسْلِمِينَ) بِالْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ فَيُحِبُّهُمْ وَيَسْعَى لَهُمْ فِي نَحْوِ الْوَلِيمَةِ وَالتَّعْزِيَةِ.
(وَ) تَجِبُ (النَّصِيحَةُ لَهُمْ) : أَيْ لِلْمُسْلِمِينَ فَرْضُ عَيْنٍ؛ بِأَنْ يُرْشِدَهُمْ إلَى مَصَالِحِهِمْ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ بِرِفْقٍ وَهِيَ وَاجِبَةٌ طَلَبُوا ذَلِكَ أَمْ لَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [الظَّاهِرُ لَا] : قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ الَّذِي عِنْدِي أَنَّهُمْ لَا يَبْلُغُونَ مَبْلَغَ الْآبَاءِ.
قَوْلُهُ: [وَيُسْتَحَبُّ التَّصَدُّقُ] إلَخْ: مَحَلُّ اسْتِحْبَابِ مَا ذُكِرَ إنْ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: [وَيَنْتَفِعَانِ بِهَا] : وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ، وَعَدَّ مِنْهَا دُعَاءَ الْوَلَدِ الصَّالِحِ» ، وَمَحَلُّ طَلَبِ الدُّعَاءِ لَهُمَا إنْ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ لَا إنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَيَحْرُمُ لِآيَةِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: 113] الْآيَةَ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي اسْتِغْفَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَاسْتِغْفَارِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لِأَبَوَيْهِ الْمُشْرِكَيْنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوُجُوبَ يَحْصُلُ وَلَوْ بِمَرَّةٍ فِي عُمْرِهِ مَعَ قَصْدِهِ أَدَاءَ الْوَاجِبِ كَمَا تَكْفِي الْمَرَّةُ فِي وُجُوبِ الِاسْتِغْفَارِ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ كَمَا قَالَهُ النَّفْرَاوِيُّ اسْتِظْهَارًا.

قَوْلُهُ: [طَلَبُوا ذَلِكَ أَمْ لَا] : لَكِنَّ مَحَلَّ الْوُجُوبِ إنْ ظَنَّ الْإِفَادَةَ لِأَنَّهُ مِنْ

وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (وَحَرُمَ أَذَاهُمْ) أَيْ الْمُسْلِمِينَ.
(وَكَذَا أَهْلُ الذِّمَّةِ) وَالْمُعَاهَدُونَ يَحْرُمُ أَذَاهُمْ (فِي نَفْسٍ) بِجُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ فَأَوْلَى بِقَتْلٍ (أَوْ مَالٍ) : كُلُّ مَا يُمْلَكُ شَرْعًا وَلَوْ قَلَّ (أَوْ عِرْضٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَوْضِعُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِنْ الْإِنْسَانِ كَالْحَسَبِ وَالنَّسَبِ وَظَاهِرُهُ يَعُمُّ عِرْضَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْمُعَاهَدِينَ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83] وَقِيلَ: لَا شَيْءَ فِي عِرْضِ الْكَافِرِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ.
وَقَالَ بِالْأَوَّلِ: ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ: وَالنَّفْسُ أَمْيَلُ إلَيْهِ.

[حاشية الصاوي]

بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ.
قَوْلُهُ: [قَالَ لِلَّهِ] إلَخْ: النَّصِيحَةُ لِلَّهِ هِيَ تَوْحِيدُهُ وَالْإِخْلَاصُ لَهُ.
وَقَوْلُهُ: [وَلِكِتَابِهِ] : وَهُوَ الْعَمَلُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: [وَلِرَسُولِهِ] : أَيْ وَهُوَ حُبُّهُ وَاتِّبَاعُهُ.
وَقَوْلُهُ: [وَلِلْأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ] : أَيْ وَهُوَ امْتِثَالُ أَمْرِهِمْ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ.
وَقَوْلُهُ: [وَعَامَّتِهِمْ] : أَيْ وَهُوَ إرْشَادُهُمْ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [وَالْمُعَاهِدُ] : أَيْ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ أَهْلُ الذِّمَّةِ فَالتَّصْرِيحُ بِهِ زِيَادَةٌ فِي الْإِيضَاحِ.
قَوْلُهُ: [كَالْحَسَبِ] : أَيْ وَهُوَ مَا يُعَدُّ مِنْ مَفَاخِرِ الْآبَاءِ.
قَوْلُهُ: [وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا] : أَيْ وَلَفْظُ النَّاسِ عَامٌّ يَشْمَلُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ لَا شَيْءَ فِي عِرْضِ الْكَافِرِ] : أَيْ لَا إثْمَ.
قَوْلُهُ: [وَقَالَ بِالْأَوَّلِ ابْنُ وَهْبٍ] : أَيْ بِأَنَّ الْإِثْمَ فِي عِرْضِ الْكَافِرِ لَكِنْ لَا يَبْلُغُ بِهِ كَالْإِثْمِ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ قَذْفَ الْمُسْلِمِ الْعَفِيفِ فِيهِ الْحَدُّ بِخِلَافِ الْكَافِرِ.

(أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ) كَأَذِيَّةِ زَوْجَةٍ أَوْ وَلَدٍ بِالنَّظَرِ لِلزَّوْجِ وَالْوَالِدِ وَأَمَّا بِالنَّظَرِ لَهُمَا فَدَاخِلَانِ فِي النَّفْسِ إلَخْ تَأَمَّلْ.
(إلَّا) إذَا كَانَ الْإِيذَاءُ فِي النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ أَوْ الْعِرْضِ مِنْ (مَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ مِنْ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ) فَفِيهِ أَذِيَّةُ النَّفْسِ وَلَا يَحْرُمُ أَوْ اسْتِهْلَاكُ مَالٍ فَيَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ أَوْ يَكُونُ مُبْتَدِعًا أَوْ فَاسِقًا فَيَتَكَلَّمُ فِيهِ، وَلَا يَحْرُمُ إنْ تَجَاهَرَ (لِمُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ) : بِقَتْلٍ أَوْ زِنًا أَوْ فِسْقٍ.

(وَ) حَرُمَ التَّلَذُّذُ بِ (سَمَاعِ صَوْتِ أَجْنَبِيَّةٍ) : لَيْسَتْ زَوْجَةً وَلَا أَمَةً وَمِنْهُمَا جَائِزٌ - وَلَوْ كَانَ شَأْنُهُ لَا يَصْدُرُ إلَّا مِنْ نَحْوِ الْغَوَازِي - إذْ جِمَاعُهُمَا الْأَعْظَمُ جَائِزٌ.
وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ سَمَاعَ الْأَجْنَبِيَّةِ وَلَوْ شَابَّةً جَمِيلَةً بِدُونِ قَصْدِ لَذَّةٍ يَجُوزُ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
(أَوْ أَمْرَدَ) : فَيَحْرُمُ التَّلَذُّذُ وَقَصْدُهُ بِسَمَاعِ صَوْتِهِ وَإِلَّا فَيَجُوزُ.
(أَوْ بِالنَّظَرِ إلَيْهِمَا) أَيْ وَيَحْرُمُ التَّلَذُّذُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِمَا فِي غَيْرِ الْعَوْرَةِ إذْ فِيهَا يَحْرُمُ وَلَوْ بِدُونِ قَصْدِ لَذَّةٍ.
وَالْعَوْرَةُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مَعْلُومَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِهَا.
(أَوْ سَمَاعِ الْمَلَاهِي - إلَّا مَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ - أَوْ بِالْغِنَاءِ) : أَيْ يَحْرُمُ سَمَاعُ الْغِنَاءِ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَعَ الْمَدِّ وَهُوَ الصَّوْتُ الَّذِي يُطْرِبُ السَّامِعَ.
وَأَمَّا بِالْمَدِّ مَعَ الْفَتْحِ: فَهُوَ النَّفْعُ، وَبِالْكَسْرِ مَعَ الْقَصْرِ الْيَسَارُ: مُقَابِلُ الْفَقْرِ وَأَمَّا

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِالنَّظَرِ لِلزَّوْجِ وَالْوَالِدِ] : مَعْنَاهُ لَا يُؤْذِي الرَّجُلَ فِي زَوْجَتِهِ بِأَنْ يَخُونَهُ فِيهَا وَلَوْ بِرِضَاهَا وَلَا الْوَالِدَ فِي وَلَدِهِ بِأَنْ يَخُونَهُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [فَفِيهِ أَذِيَّةُ النَّفْسِ] إلَخْ: لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ مَعَ ثِقَلٍ فِي التَّرْكِيبِ لَا يَخْفَى.
قَوْلُهُ: [فَيَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ] : أَيْ مِنْ مَالِ ذَلِكَ الظَّالِمِ مِثْلَ مَا اسْتَهْلَكَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ جَهِلَ قَدْرَهُ.
وَقَوْلُهُ: [أَوْ قِيمَتَهُ] : أَيْ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا عُلِمَ قَدْرُهُ.

[بَعْض الْمُحْرِمَات الشَّرْعِيَّة]

قَوْلُهُ: [بِسَمَاعِ صَوْتٍ] : مُتَعَلِّقٌ بِيَحْرُمُ تَنَازَعَهُ كُلٌّ مِنْ التَّلَذُّذِ وَقَصْدِهِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا مَا تَقَدَّمَ فِي النِّكَاحِ] : أَيْ وَمِنْ ذَلِكَ الْغِرْبَالُ وَهُوَ الدُّفُّ الْمَعْرُوفُ بِالطَّارِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهُ وَسَمَاعُهُ فِي النِّكَاحِ، وَأَمَّا الْكَبَرُ وَهُوَ الطَّبْلُ الْكَبِيرُ وَالْمِزْهَرُ فَفِيهِمَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَتَقَدَّمَ بَسْطُ الْكَلَامِ فِي الْوَلِيمَةِ.
قَوْلُهُ: [فَهُوَ النَّفْعُ] : قَالَ صَاحِبُ الْهَمْزَةِ:

بِضَمِّ الْغَيْنِ فَلَحْنٌ لَيْسَ لَهُ مَعْنَى (الْمُشْتَمِلِ عَلَى مُحَرَّمٍ) : فَإِنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مُحَرَّمٍ فَمَكْرُوهٌ مَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَدْحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ فَيُنْدَبُ.
(وَاللَّهْوُ) كَاللَّعِبِ بِالنَّرْدِ الْمُسَمَّى فِي مِصْرَ بِالطَّاوِلَةِ فَيَحْرُمُ كَانَ بِعِوَضٍ أَوْ بِدُونِهِ، لِأَنَّهُ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ وَيَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ، وَكَالشِّطْرَنْجِ وَالسِّيجَةِ وَالطَّابِ وَالْمَنْقَلَةِ وَاسْتَظْهَرَ بَعْضٌ كَرَاهَةَ الْمَنْقَلَةِ وَالطَّابِ.
وَمَحَلُّهُ بِدُونِ عِوَضٍ وَاشْتِمَالٍ عَلَى مُحَرَّمٍ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ اتِّفَاقًا.
(وَاللَّعِبُ إلَّا مَا مَرَّ فِي الْمُسَابَقَةِ) مِنْ جَوَازِهَا بِالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالسَّهْمِ بِجُعْلٍ كَبِغَيْرِ الثَّلَاثَةِ بِغَيْرِ جُعْلٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.

(وَ) يَحْرُمُ (قَوْلُ الزُّورِ) يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ شَهَادَةُ الزُّورِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (وَالْبَاطِلُ) أَعَمُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَتَكُونُ شَهَادَةُ الزُّورِ دَاخِلَةً فِيهِ وَهِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ، أَنْ يَشْهَدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ وَلَوْ وَافَقَ الْوَاقِعَ.

(وَ) يَحْرُمُ (الْكَذِبُ) : اعْلَمْ أَنَّهُ تَعْتَرِيهِ الْأَحْكَامُ:

[حاشية الصاوي]

قُلْنَ مَا لِلْيَتِيمِ عَنَّا غَنَاءٌ قَوْلُهُ: [فَيُنْدَبُ] : مِثْلُهُ الْقَصَائِدُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْعِشْقِ فِي الْحَضْرَةِ الْعَلِيَّةِ فَإِنَّهَا مَحْمَلُ حَدِيثِ: «إنَّ مِنْ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً» . قَوْلُهُ: [وَاللَّهْوُ حَرَامٌ كَاللَّعِبِ] : أَيْ وَهُوَ مَعْنَى الْمَيْسِرِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
قَوْلُهُ: [وَكَالشِّطْرَنْجِ] إلَخْ: آلَاتٌ لِلَّهْوِ مَشْهُورَةٌ يُسْأَلُ عَنْهَا أَرْبَابُهَا.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَيَحْرُمُ اتِّفَاقًا] : أَيْ بِأَنْ كَانَ بِجُعْلٍ أَوْ اشْتَمَلَ عَلَى مُحَرَّمٍ.
قَوْلُهُ: [إلَّا مَا مَرَّ فِي الْمُسَابَقَةِ] : أَيْ لِخَبَرِ: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ الْمُؤْمِنُ بَاطِلٌ إلَّا مُلَاعَبَةَ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَرَمْيَهُ عَنْ قَوْسِهِ» .

قَوْلُهُ: [وَهِيَ مِنْ الْكَبَائِرِ] إلَخْ: أَيْ لِمَا صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ثَلَاثًا؟ قُلْنَا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ؛ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ثُمَّ قَالَ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ» . قَوْلُهُ: [أَنْ يَشْهَدَ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ] : أَيْ وَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَشْهَدَ بِمَا يَعْلَمُ خِلَافَهُ.

فَيَكُونُ وَاجِبًا لِإِنْقَاذِ نَفْسٍ مَعْصُومَةٍ أَوْ مَالٍ مَعْصُومٍ مِنْ ظَالِمٍ، حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّتَّائِيِّ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ النَّاصِرِ.
وَقِسْمٌ حَرَامٌ تُكَفِّرُهُ التَّوْبَةُ: كَالْإِخْبَارِ عَنْ شَيْءٍ بِغَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ.
وَمِنْ الْكَذِبِ الْحَرَامِ: الثَّنَاءُ عَلَى الْغَيْرِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ، وَالْعُزُومَةُ عَلَى الْغَيْرِ بِاللِّسَانِ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَعْزِمْ بِقَلْبِهِ، بَلْ قَالَ فَانْزِلْ عِنْدَنَا حَيَاءً لَعَلَّهُ يَمْتَنِعُ.
أَوْ يَقْتَطِعُ بِهِ حَقَّ امْرِئٍ غَيْرَ حَرْبِيٍّ، فَتَجِبُ مِنْهُ التَّوْبَةُ وَرَدُّهُ أَوْ الْمُسَامَحَةُ.
وَيَكُونُ مَنْدُوبًا: كَإِخْبَارِ الْكُفَّارِ بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ فِيهِمْ قُوَّةٌ.
وَيَكُونُ مَكْرُوهًا: كَالْكَذِبِ لِلزَّوْجَةِ.
وَقِيلَ: مُبَاحٌ، كَالْكَذِبِ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ مُتَشَاحِنِينَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إلَّا لِضَرُورَةٍ) .

(وَ) يَحْرُمُ (هِجْرَانُ) الشَّخْصِ (الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) بِأَيَّامِهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» فَمَنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَهُوَ جُرْحَةٌ فِي شَهَادَتِهِ.
وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ هِجْرَانَ الثَّلَاثِ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، بَلْ مَكْرُوهٌ وَلَمَّا كَانَ طَبْعُ الْإِنْسَانِ الْغَضَبَ وَسَّعَ لَهُ الشَّارِعُ فِي الثَّلَاثِ دُونَ الزَّائِدِ.
(إلَّا لِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ) فَلَا يَحْرُمُ وَلَيْسَ جُرْحَةً: كَهَجْرِ الشَّيْخِ وَالْوَالِدِ وَالزَّوْجِ عِنْدَ ارْتِكَابِ مَا لَا يَنْبَغِي.
وَأَمَّا هَجْرُ ذِي بِدْعَةٍ مُحَرَّمَةٍ فَوَاجِبٌ، كَأَهْلِ الِاعْتِزَالِ وَالْمَكْسِ وَالظُّلْمَةِ إلَّا لِخَوْفِ ضَرَرٍ، وَأَمَّا صَاحِبُ بِدْعَةٍ مَكْرُوهَةٍ، كَتَطْوِيلِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَيَحْرُمُ هِجْرَانُ الشَّخْصِ الْمُسْلِمِ] : أَيْ لَا الْكَافِرِ فَلَا يَحْرُمُ هَجْرُهُ بَلْ هُوَ الْوَاجِبُ لِحُرْمَةِ مُوَالَاتِهِ.
قَوْلُهُ: [بَلْ مَكْرُوهٌ] : وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الرِّسَالَةِ بَلْ هُوَ جَائِزٌ.
قَوْلُهُ: [إلَّا لِخَوْفِ ضَرَرٍ] : أَيْ فَيُدَارِيهِمْ بِظَاهِرِهِ مَعَ هَجْرِهِمْ بِبَاطِنِهِ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا صَاحِبُ بِدْعَةٍ مَكْرُوهَةٍ] : أَيْ فَالْبِدْعَةُ تَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ: الْوُجُوبُ كَتَدْوِينِ الْكُتُبِ، وَالنَّدْبُ كَإِحْدَاثِ الْمَدَارِسِ، وَالْكَرَاهَةُ كَتَطْوِيلِ الثِّيَابِ، وَالْإِبَاحَةُ كَاِتِّخَاذِ الْمَنَاخِلِ وَالتَّوَسُّعِ فِي الْمَأْكَلِ، وَالْحُرْمَةُ كَالْمُكُوسِ.

الثِّيَابِ، فَقِيلَ: هَجْرُهُ مَنْدُوبٌ، وَقِيلَ: مُبَاحٌ.
(وَالسَّلَامُ يُخْرِجُ مِنْهُ) : أَيْ مِنْ الْهِجْرَانِ إنْ نَوَى بِهِ الْخُرُوجَ وَإِلَّا كَانَ نِفَاقًا، (وَلَا يَنْبَغِي تَرْكُ كَلَامِهِ بَعْدَ ذَلِكَ) : أَيْ بَعْدَ السَّلَامِ الْمَنْوِيِّ بِهِ الْخُرُوجُ؛ لِأَنَّ فِي التَّرْكِ ظَنَّ سُوءٍ بِهِ مِنْ بَقَائِهِ عَلَى الْهِجْرَانِ، فَإِنْ تَرَكَ كَلَامَهُ بَعْدَ السَّلَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَهَجْرٌ جَدِيدٌ لَا يَحْرُمُ إلَّا إنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَإِنْ سَلَّمَ نَاوِيًا الْخُرُوجَ خَرَجَ وَهَكَذَا تَأَمَّلْ.

(وَ) يَحْرُمُ عَلَى الرَّاجِحِ وَقِيلَ يُكْرَهُ (أَكْلُ كَثُومٍ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَبِالْفَاءِ كَمَا فِي الْقُرْآنِ.
أَدْخَلَتْ الْكَافُ كُلَّ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ كَبَصَلٍ نَيْءٍ غَيْرِ مَطْبُوخٍ أَوْ لَمْ تَذْهَبْ رَائِحَتُهُ بِخَلٍّ وَإِلَّا فَلَا يُمْنَعُ (فِي مَسْجِدٍ) كَانَ مَسْجِدَ خُطْبَةٍ أَمْ لَا (أَوْ دُخُولِهِ، لِأَكْلِهِ) فَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ أَكَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَحَدٌ (وَ) يَحْرُمُ (حُضُورُهُ) : أَيْ آكِلِ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ الْفُجْلُ حَيْثُ كَانَ يَتَجَشَّأُ مِنْهُ (مَجَامِعَ الْمُسْلِمِينَ) : كَمُصَلَّى عِيدٍ، وَحِلَقِ ذِكْرٍ وَعِلْمٍ وَوَلِيمَةٍ وَمِثْلُ أَكْلِ ذَلِكَ مَنْ بِهِ جُرْحٌ لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ أَوْ فِيهِ صُنَانٌ اُحْتُرِزَ بِالْمَسْجِدِ عَنْ السُّوقِ فَلَا يَحْرُمُ بَلْ يُكْرَهُ (وَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ) أَيْ يُسْتَحَبُّ لِمَا يَأْتِي أَنَّهُ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ (أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ) الْمُؤْمِنِ (مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) مِنْ الطَّاعَةِ وَالْأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ كَالْمَلَابِسِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَإِنْ سَلَّمَ نَاوِيًا الْخُرُوجَ خَرَجَ] : مَحَلُّ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَزِيدُ مَوَدَّةٍ وَاجْتِمَاعٍ عَلَى خَيْرٍ وَإِلَّا فَلَا يَكْفِي فِي الْخُرُوجِ السَّلَامُ وَحْدَهُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْعَوْدَةِ لِلْحَالَةِ الْأُولَى.

قَوْلُهُ: [وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّاجِحِ] : أَيْ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا لِيُؤْذِيَنَا بِرِيحِ الثُّومِ» . قَوْلُهُ: [فَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ أَكَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ] : أَيْ مَا دَامَتْ الرَّائِحَةُ بَاقِيَةً، فَإِنْ أَزَالَهَا بِشَيْءٍ أَوْ زَالَتْ مِنْ نَفْسِهَا فَلَا مَنْعَ.
قَوْلُهُ: [أَنْ يُحِبَّ لِأَخِيهِ] : اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَنَفْسِهِ أَفَادَهُ التَّتَّائِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ.
قَوْلُهُ: [الْمُؤْمِنِ] : اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْكَافِرِ فَلَا يُحِبُّ لَهُ شَيْئًا مَا دَامَ كَافِرًا وَإِلَّا فَمِنْ الْإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لَهُ الْإِسْلَامَ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَا يَتَمَنَّاهُ لِنَفْسِهِ.

الْحَسَنَةِ (وَهُوَ عَلَامَةُ كَمَالِ الْإِيمَانِ) لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» أَيْ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ إذْ أَصْلُ الْإِيمَانِ حَاصِلٌ بِتَصْدِيقِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

(وَ) يَنْبَغِي أَيْ يُسْتَحَبُّ لِلْعَبْدِ (أَنْ يَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ) : أَيْ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَنْ يُسَامِحَ مَنْ تَعَدَّى عَلَيْهِ بِشَتْمٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ.
(وَ) يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ (يَصِلَ مَنْ قَطَعَهُ) : أَيْ يَصِلَ مَوَدَّةَ مَنْ قَطَعَ مَوَدَّتَهُ عَنْهُ وَظَاهِرُهُ الْعُمُومُ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَصْرِهِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ.
(وَ) يُنْدَبُ لِلْعَبْدِ أَنْ (يُعْطِيَ مَنْ حَرَمَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي وَأُعْطِيَ مَنْ حَرَمَنِي وَأَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي» . وَرُوِيَ: «يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ أُجُورُهُمْ عَلَى اللَّهِ؟ فَلَا يَقُومُ إلَّا مَنْ عَفَا» وَرُوِيَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إنْفَاذِهِ مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا» وَقَدْ يَعْرِضُ الْوُجُوبُ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِخَوْفِ مَفْسَدَةٍ.
(وَ) يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ (أَنْ يُكْرِمَ جَارَهُ) : اعْلَمْ أَنَّ الْجَارَ إلَى أَرْبَعِينَ دَارًا،

[حاشية الصاوي]

[بَعْض الْمَنْدُوبَات الشَّرْعِيَّة]

قَوْلُهُ: [أَنْ يَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ] إلَخْ: قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40] وَقَالَ أَيْضًا: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: 43] . قَوْلُهُ: [أَمَرَنِي رَبِّي] إلَخْ: أَيْ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 134] الْآيَةَ الْأَصْلُ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ إلَّا لِدَلِيلٍ وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى خُصُوصِيَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَقَدْ يَعْرِضُ الْوُجُوبُ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ] : أَيْ الَّتِي هِيَ الْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَوَصْلُ مَنْ قَطَعَهُ وَإِعْطَاءُ مَنْ حَرَمَهُ.
قَوْلُهُ: [إلَى أَرْبَعِينَ دَارًا] : أَيْ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ.

وَالْكَرَامَةُ تَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ أَوْ مَنْدُوبًا كَكَفِّ الْأَذَى وَدَفْعِ ضَرَرٍ لِقَادِرٍ وَالْبُشْرَى فِي وَجْهِهِ وَالْإِهْدَاءِ لَهُ.
(وَ) أَنْ يُكْرِمَ (ضَيْفَهُ) مِنْ مَالَ إلَيْك نَازِلًا بِك وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ، وَسَوَاءٌ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَلَهُ الْإِكْرَامُ بِكِفَايَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ فَرْشٍ وَمَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ وَتَجْهِيزِ مَاءٍ لِيَغْتَسِلَ بِهِ حِينَ نُزُولِهِ وَجُلُوسِ رَبِّ الدَّارِ دُونَ مَكَانِ الضَّيْفِ وَأَنْ يُلْقِمَهُ بِيَدِهِ فَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ مَعَ الضَّيْفِ فَلَقَمَهُ بِيَدِهِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كُتِبَ لَهُ بِهِ عَمَلُ سَنَةٍ صِيَامُ نَهَارِهَا وَقِيَامُ لَيْلِهَا» . (وَلْيُحْسِنْ) الْعَبْدُ وُجُوبًا (إلَى نَفْسِهِ بِمَا يَقِيهَا مُوبِقَاتِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا) : كَلَامٌ جَامِعٌ وَاضِحٌ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ؛ وَيَطْلُبُ مِنْ الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ (مُتَجَافِيًا) مُتَبَاعِدًا مُتَغَافِلًا (عَنْ عُيُوبِ غَيْرِهِ) : فَلَا يَظُنُّ بِغَيْرِهِ إلَّا خَيْرًا.
(نَاظِرًا لِعُيُوبِ نَفْسِهِ، مُحَاسِبًا لَهَا) لِلنَّفْسِ (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الذُّنُوبِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [كَكَفِّ الْأَذَى] إلَخْ: لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ.
قَوْلُهُ: [وَدَفْعِ ضَرَرٍ لِقَادِرٍ] : أَيْ بِالْيَدِ أَوْ اللِّسَانِ.
قَوْلُهُ: [وَالْبُشْرَى فِي وَجْهِهِ] : أَيْ الْبِشْرُ وَطَلَاقَةُ الْوَجْهِ.
قَوْلُهُ: [وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا] إلَخْ: أَيْ لِكَوْنِهِ فِي تَرْكِ الْإِكْرَامِ مَفْسَدَةٌ أَوْ لِكَوْنِ الضَّيْفِ مُضْطَرًّا وَلَمْ يَجِدْ سِوَى مَنْ نَزَلَ بِهِ.
قَوْلُهُ: [إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ] : أَيْ فِي الْجَارِ.
قَوْلُهُ: [بِكِفَايَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ] : أَيْ عَلَى حَسْبِ طَاقَةِ الْمَنْزُولِ عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: [وَأَنْ يُلْقِمَهُ بِيَدِهِ] : أَيْ إنْ لَمْ تَكُنْ نَفْسُ الضَّيْفِ تَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَلْيُحْسِنْ الْعَبْدُ وُجُوبًا إلَى نَفْسِهِ] : أَيْ؛ لِأَنَّ حَقَّ نَفْسِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ الْحُقُوقِ بَلْ سَائِرُ الْمَحَاسِنِ الْمَأْمُورِ بِهَا تَعُودُ عَلَى نَفْسِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: 7] . قَوْلُهُ: [نَاظِرًا لِعُيُوبِ نَفْسِهِ] : أَيْ فَفِي الْحَدِيثِ: «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا بَصَّرَهُ عُيُوبَهُ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ:

(رَاجِيًا) مِنْ اللَّهِ الْكَرِيمِ (غُفْرَانَهَا) فَإِنَّهَا وَإِنْ عَظُمَتْ وَكَثُرَتْ فَعَفْوُ اللَّهِ أَعْظَمُ وَفِي الْحَدِيثِ: «أَذَنْبُك أَعْظَمُ أَمْ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ؟ فَقَالَ: ذَنْبِي، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَذَنْبُك أَعْظَمُ أَمْ عَفْوُ اللَّهِ؟ فَقَالَ عَفْوُ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْ: اللَّهُمَّ مَغْفِرَتُك أَوْسَعُ مِنْ ذُنُوبِي وَرَحْمَتُك أَرْجَى لِي مِنْ عَمَلِي» . (خَائِفًا مِنْ سَطْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى) : فَإِنَّهُ وَإِنْ أَمْهَلَ الْمُذْنِبَ رُبَّمَا أَخَذَهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ.
نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ.

[حاشية الصاوي]

مَعِيبٌ عَلَى الْإِنْسَانِ يَنْسَى عُيُوبَهُ ... وَيَذْكُرُ عَيْبًا فِي أَخِيهِ قَدْ اخْتَفَى فَلَوْ كَانَ ذَا عَقْلٍ لَمَا عَابَ غَيْرَهُ ... وَفِيهِ عُيُوبٌ لَوْ رَآهَا بِهَا اكْتَفَى قَوْلُهُ: [وَرَحْمَتُك أَرْجَى لِي مِنْ عَمَلِي] : هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْعَارِفِينَ: الِاعْتِمَادُ عَلَى الْعَمَلِ نَقْصٌ فِي الْإِيمَانِ وَفِي هَذَا الْمَعْنَى قَالَ بَعْضُهُمْ: ذُنُوبِي وَإِنْ فَكَّرْت فِيهَا كَثِيرَةٌ ... وَرَحْمَةُ رَبِّي مِنْ ذُنُوبِي أَوْسَعُ وَمَا طَمَعِي فِي صَالِحٍ قَدْ عَمِلْته ... وَلَكِنَّنِي فِي رَحْمَةِ اللَّهِ أَطْمَعُ قَوْلُهُ: [خَائِفًا مِنْ سَطْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى] : قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: 99] فَتَحَصَّلَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ جَمْعًا بَيْنَ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53] فَيَكُونُ الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ مِنْهُ كَجَنَاحَيْ الطَّائِرِ لَكِنْ فِي حَالِ الصِّحَّةِ يَغْلِبُ الْخَوْفُ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْخَرِيدَةِ: وَغَلِّبْ الْخَوْفَ عَلَى الرَّجَاءِ ... وَسِرْ لِمَوْلَاك بِلَا تَنَائِي

فَصْلُ بَعْضِ السُّنَنِ (سُنَّ) : عَيْنًا (لِآكِلٍ وَشَارِبٍ) وَلَوْ صَبِيًّا.
(تَسْمِيَةٌ) وَيُنْدَبُ الْجَهْرُ بِهَا لِيُنَبِّهَ الْغَافِلَ وَيَتَعَلَّمَ الْجَاهِلُ وَإِنْ نَسِيَهَا فِي أَوَّلِهِ أَتَى بِهَا حَيْثُ ذَكَرَهَا فَيَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ وَوَسَطِهِ وَآخِرِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَتَقَايَأُ مَا أَكَلَهُ خَارِجَ الْإِنَاءِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى بِسْمِ اللَّهِ أَحَدُ رَاجِحَيْنِ (وَنُدِبَ) لِآكِلٍ وَشَارِبٍ (تَنَاوُلٌ بِالْيَمِينِ) وَسَيُنَصُّ عَلَى كَرَاهَةِ ضِدِّهِ (كَحَمْدٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ) تَشْبِيهٌ فِي النَّدْبِ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ سِرًّا خَوْفًا مِنْ حُصُولِ الْخَجَلِ لِلْغَيْرِ قَبْلَ

[حاشية الصاوي]

[فَصْلُ بَعْضِ السُّنَنِ فِي الْأَكْل وَغَيْره]

فَصْلٌ: شُرُوعٌ مِنْهُ فِي آدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْآدَابُ الْمَذْكُورَةُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ سَوَابِقُ وَمُقَارَنَةٌ وَلَوَاحِقُ، فَمِنْ السَّوَابِقِ قَوْلُهُ سُنَّ لِآكِلٍ وَشَارِبٍ تَسْمِيَةٌ إلَخْ وَقَوْلُهُ عَيْنًا أَيْ خِلَافًا لِلسَّادَةِ الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا إنَّهَا سُنَّةُ كِفَايَةٍ إذَا قَامَ بِهَا الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ.
قَوْلُهُ: [أَحَدُ رَاجِحَيْنِ] : أَيْ وَالْآخَرُ يُكَمِّلُهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ فِي التَّكْمِيلِ تَذْكَارَ نِعْمَةِ الْمُنْعِمِ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ عَلَى التَّسْمِيَةِ: «وَبَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقْتنَا» وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ لَبَنًا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ " وَزِدْنَا مِنْهُ ". قَوْلُهُ: [تَنَاوُلٌ بِالْيَمِينِ] : أَيْ لِخَبَرِ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» . وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي أَكْلِهِ فَقِيلَ حَقِيقَةً وَقِيلَ مَجَازًا عَنْ الشَّمِّ، وَفِيهِ شَيْءٌ مَعَ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ: «إنَّهُ يَتَقَايَأُ مَا أَكَلَهُ» . قَوْلُهُ: [كَحَمْدٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ] : أَيْ وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ عِنْدَ فَرَاغِهِ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ» . قَوْلُهُ: [خَوْفًا مِنْ حُصُولِ الْخَجَلِ لِلْغَيْرِ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ وَإِسْرَارِ الْحَمْدِ

الشِّبَعِ، وَيُنْدَبُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْوَاسِطَةِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَقَوْلُهُمْ يُكْرَهُ فِي الْأَكْلِ أَيْ فِي أَثْنَائِهِ وَابْتِدَائِهِ (وَ) يُنْدَبُ (لَعْقُ الْأَصَابِعِ) وَلَا تَحْدِيدَ فِيمَا يُبْتَدَأُ بِلَعْقِهِ وَسَيُذْكَرُ أَنَّهُ يُتَنَاوَلُ بِغَيْرِ الْخِنْصَرِ (مِمَّا تَعَلَّقَ بِهَا) مِنْ الطَّعَامِ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ كَانَ يَلْعَقُ أَصَابِعَهُ قَبْلَ الْغَسْلِ وَفِيهِ مُرَاعَاةُ النِّعْمَةِ وَهَضْمُ النَّفْسِ ثُمَّ بَعْدَ لَعْقِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الطَّعَامِ دَسَمٌ فَلَا يُطَالَبُ بِغَسْلِهَا بَلْ يَمْسَحُهَا بَعْضَهَا بِبَعْضٍ أَوْ فِي مِنْدِيلٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ غَمْرٌ فَيُنْدَبُ غَسْلُهَا كَمَا قَالَ (غَسْلُهَا بِكَأُشْنَانٍ) لِأَنَّ بَقَاءَ الْغَمْرِ يُورِثُ الْجُنُونَ أَوْ الْبَرَصَ أَوْ أَذِيَّةَ الْهَوَامِّ لَهُ وَسَيُذْكَرُ مَا يُكْرَهُ غَسْلُ الْيَدِ بِهِ وَأَمَّا غَسْلُهُمَا قَبْلَ الطَّعَامِ لَهُ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَنَا الْكَرَاهَةُ قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْغَسْلُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَنْفِي الْفَقْرَ وَبَعْدَهُ يَنْفِي اللَّمَمَ» أَيْ لَيْسَ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ وَمَذْهَبُهُ تَقْدِيمُ الْعَمَلِ عَلَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِعِلْمِهِمْ بِحَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَا خَالَفُوا الْحَدِيثَ إلَّا لِكَوْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ خِلَافَهُ وَقَدْ غَسَلَ إمَامُنَا مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَنَا بِهِ قَبْلَ الطَّعَامِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِالْيَدِ شَيْءٌ وَعَلَيْهِ يُقَدِّمُ رَبُّ الطَّعَامِ.
وَأَمَّا بَعْدَ الْأَكْلِ فَيُقَدِّمُ الضَّيْفَ، كَمَا وَقَعَ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ مَعَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ حِينَ نَزَلَ عِنْدَهُ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَيْ فِي أَثْنَائِهِ وَابْتِدَائِهِ] : أَيْ إنْ قَصَدَ التَّسَنُّنَ.
قَوْلُهُ: [اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] : أَيْ قَوْلًا وَفِعْلًا فَفِي الْحَدِيثِ: «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامَهُ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا أَوْ يُلْعِقَهَا» ، زَادَ التِّرْمِذِيُّ: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي الْبَرَكَةَ فِي أَوَّلِ طَعَامِهِ أَوْ آخِرِهِ» وَوَرَدَ أَيْضًا: «أَنَّ مَنْ لَعِقَ الْأَصَابِعَ مِنْ الطَّعَامِ وَشَرِبَ غُسَالَتَهَا عُوفِيَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ هُوَ وَوَلَدُهُ» وَوَرَدَ أَيْضًا: «مَنْ الْتَقَطَ فُتَاتًا مِنْ الْأَرْضِ وَأَكَلَهَا كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً» وَوَرَدَ: «إنَّهُ مَهْرُ الْحَوَرِ الْعِينِ وَأَنَّ مَنْ دَاوَمَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَزَلْ فِي سَعَةٍ» . قَوْلُهُ: [فَيُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِالْيَدِ شَيْءٌ] : مِثْلُهُ مَا إذَا كَانَتْ نُفُوسُ الْحَاضِرِينَ تَأْنَفُ مِنْ تَرْكِ الْغَسْلِ، أَوْ يَكُونُ مَنْ فِي الْمَجْلِسِ يَدُهُ تَحْتَاجُ لِلْغَسْلِ وَيَقْتَدِي بِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ غَسْلُ الْيَدِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُنَّةً عِنْدَنَا فَهُوَ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ.
قَوْلُهُ: [حِينَ نَزَلَ عِنْدَهُ بِالْمَدِينَةِ] : أَيْ كَانَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ضَيْفًا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ.

(وَ) يُنْدَبُ (تَخْلِيلُ مَا بِالْأَسْنَانِ مِمَّا تَعَلَّقَ بِهَا) مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نَقُّوا أَفْوَاهَكُمْ بِالْخِلَالِ فَإِنَّهَا مَجَالِسُ الْمَلَائِكَةِ وَلَيْسَ أَضَرُّ عَلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ بَقَايَا مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ» . وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجُوزُ بَلْعُ مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ إلَّا لِخَلْطِهِ بِدَمٍ فَلَيْسَ مُجَرَّدُ التَّغَيُّرِ يُصَيِّرُهُ نَجِسًا خِلَافًا لِمَا قِيلَ.
(وَ) يُنْدَبُ (تَنْظِيفُ الْفَمِ) بِالْمَضْمَضَةِ وَالسِّوَاكِ وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ.
(وَ) يُطْلَبُ (تَخْفِيفُ الْمَعِدَةِ) بِتَقْلِيلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [خِلَافًا لِمَا قِيلَ] : أَيْ فَإِنَّهُ قَوْلٌ حَكَاهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ بِقَوْلِهِ وَتَغَيَّرَ عَنْ حَالَةِ الطَّعَامِ لَا يَجُوزُ بَلْعُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ نَجِسًا وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي نَجَاسَتِهِ فَادَّعَى أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَدْخَلِ: نَجَاسَةُ مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ تَغَيُّرِهِ بَلْ لِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ مُخَالَطَتِهِ لِشَيْءٍ مِنْ دَمِ اللِّثَاتِ.
قَوْلُهُ: [وَيُنْدَبُ تَنْظِيفُ الْفَمِ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الطَّعَامِ دَسَمٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ «لَيْسَ أَضَرُّ عَلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ بَقَايَا مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ» وَقَوْلُهُ وَيُطْلَبُ تَخْفِيفُ الْمَعِدَةِ إلَخْ قَالَ فِي الرِّسَالَةُ: وَمِنْ آدَابِ الْأَكْلِ أَنْ تَجْعَلَ بَطْنَك ثُلُثًا لِلطَّعَامِ وَثُلُثًا لِلشَّرَابِ وَثُلُثًا لِلنَّفَسِ، قَالَ شَارِحُهَا لِاعْتِدَالِ الْجَسَدِ وَخِفَّتِهِ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى الشِّبَعِ ثِقَلُ الْبَدَنِ وَهُوَ يُورِثُ الْكَسَلَ عَنْ الْعِبَادَةِ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَكْثَرَ مِنْ الْأَكْلِ لَمَا بَقِيَ لِلنَّفَسِ مَوْضِعٌ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يُضَرُّ بِهِ وَلَمَا وَرَدَ: «الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ وَالْحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ أَيْ: وَأَصْلُ كُلِّ دَاءٍ الْبَرَدَةُ» وَالْحِمْيَةُ خُلُوُّ الْبَطْنِ مِنْ الطَّعَامِ، وَالْبَرَدَةُ إدْخَالُ الطَّعَامِ عَلَى الطَّعَامِ.
قَالَ سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: الْخَسِيرُ كُلُّهُ فِي خِصَالٍ أَرْبَعٍ بِهَا صَارَتْ الْأَبْدَالُ أَبْدَالًا: إخْمَاصُ الْبُطُونِ، وَالْعُزْلَةُ عَنْ الْخَلْقِ، وَالصَّمْتُ، وَسَهَرُ اللَّيْلِ.
وَقَالَ الْعَارِفُونَ أَيْضًا: الشِّبَعُ مِنْ الْحَلَالِ يُقْسِي الْقَلْبَ وَيُقِلُّ الْحِفْظَ وَيُفْسِدُ الْعَقْلَ

عَلَى قَدْرٍ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ وَلَا كَسَلٌ عَنْ عِبَادَةٍ، فَقَدْ يَكُونُ الشِّبَعُ سَبَبًا فِي عِبَادَةٍ وَاجِبَةٍ فَيَجِبُ، وَقَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَرْكُ وَاجِبٍ فَيَحْرُمُ، أَوْ تَرْكُ مُسْتَحَبٍّ فَيُكْرَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَيُبَاحُ.
(وَ) يُنْدَبُ لَك (الْأَكْلُ مِمَّا يَلِيك) إنْ أَكَلْت مَعَ غَيْرِك مِنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَزَوْجَةٍ وَرَقِيقٍ إذْ لَا يُطْلَبُ بِالْأَدَبِ مَعَهُمْ وَهُمْ يُطْلَبُونَ.
وَقَدْ «أَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُمَرَ ابْنُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَكَلَ مَعَهُ مِنْ نَوَاحِي الصَّحْفَةِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ: كُلْ مِمَّا يَلِيك» فَيُكْرَهُ الْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ مَا يَلِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُنْسَبُ لِلشَّرَهِ.
«وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعِكْرَاشٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ أَكَلَ مَعَهُ ثَرِيدًا: كُلْ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ.
ثُمَّ أُتِيَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانٌ مِنْ الرُّطَبِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْت فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ» . فَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَإِلَّا فِي نَحْوِ فَاكِهَةٍ) : أَيْ مِمَّا هُوَ أَنْوَاعٌ كَمَا فِي الْحَدِيثِ وَنَحْوِهَا كَالْأَطْعِمَةِ الْمُخْتَلِفَةِ.
(وَ) يُنْدَبُ (أَنْ لَا يَأْخُذَ لُقْمَةً إلَّا بَعْدَ بَلْعِ مَا فِي فِيهِ) فَأَخْذُهَا قَبْلَ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ يُنْسَبُ لِلشَّرَهِ.
(وَ) يُنْدَبُ أَنْ يَأْخُذَهَا (بِمَا عَدَا الْخِنْصَرِ) إنْ لَمْ يَحْتَجْ لِلْخِنْصَرِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ الْأَكْلُ بِالْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى لِمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْأَكْلُ بِأُصْبُعٍ أَكْلُ الشَّيْطَانِ وَبِأُصْبُعَيْنِ أَكْلُ الْجَبَابِرَةِ وَبِالثَّلَاثِ أَكْلُ الْأَنْبِيَاءِ» فَلَا يَزِيدُ إنْ لَمْ يَحْتَجْ لِغَيْرِهَا.
وَقَدْ أَكَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالثَّلَاثَةِ وَبِالْأَرْبَعَةِ

[حاشية الصاوي]

وَيُكْثِرُ الشَّهَوَاتِ وَيُقَوِّي جُنُودَ الشَّيْطَانِ وَيُفْسِدُ الْجَسَدَ فَمَا بَالُك بِالْحَرَامِ.
قَوْلُهُ: [عَلَى قَدْرٍ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ] : أَيْ لِأَنَّ الْمَخْمَصَةَ قَدْ تَكُونُ شَرًّا مِنْ الشِّبَعِ قَالَ صَاحِبُ الْبُرْدَةِ: وَاخْشَ الدَّسَائِسَ مِنْ جُوعٍ وَمِنْ شِبَعٍ ... فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ شَرٌّ مِنْ التَّخَمِ قَوْلُهُ: [مِنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَزَوْجَةٍ وَرَقِيقٍ] : أَيْ وَالْجَمِيعُ لَك.

وَبِالْخَمْسَةِ عَلَى حَسْبِ الطَّعَامِ.
(وَ) يُنْدَبُ (نِيَّةٌ) بِالْأَكْلِ (حَسَنَةٌ) لِحُسْنِ مُتَعَلِّقِهَا: (كَإِقَامَةِ الْبِنْيَةِ) وَالتَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ وَشُكْرِ الْمُنْعِمِ.
(وَ) يُنْدَبُ (تَنْعِيمُ الْمَضْغِ) : أَيْ الْمَمْضُوغُ أَوْ يُرَادُ بِتَنْعِيمِهِ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ حَتَّى يَصِيرَ الْمَمْضُوغُ نَاعِمًا يُلْتَذُّ بِهِ وَيَسْهُلُ بَلْعُهُ وَيَخِفُّ عَلَى الْمَعِدَةِ.
(وَ) يُنْدَبُ (مَصُّهُ الْمَاءَ) وَسَيُذْكَرُ مُحْتَرَزُهُ وَهُوَ أَنَّ الْعَبَّ مَكْرُوهٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمُصَّ مَصًّا وَلَا يَعُبُّ عَبًّا، فَإِنَّ الْكُبَادَ مِنْ الْعَبِّ» وَالْكُبَادُ بِوَزْنِ غُرَابٍ: وَجَعُ الْكَبِدِ.
وَمِثْلُ الْمَاءِ كُلُّ مَائِعٍ كَلَبَنٍ (وَ) يُنْدَبُ (إبَانَةُ) : إبْعَادِ (الْقَدَحِ) حِينَ التَّنَفُّسِ حَالَةَ الشُّرْبِ (ثُمَّ عَوْدِهِ) : أَيْ الْقَدَحُ لِفِيهِ (مُسَمِّيًا) عِنْدَ وَضْعِهِ عَلَى فِيهِ (حَامِدًا) عِنْدَ إبَانَتِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ (ثَلَاثًا) : وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَقِيلَ: يَجُوزُ الشُّرْبُ فِي مَرَّةٍ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأُولَى أَوْ مَكْرُوهٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَفَّسْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ» بِالْهَمْزَةِ فِيهِمَا وَأَخْطَأَ مَنْ قَرَأَهُمَا بِالْأَلِفِ.
(وَ) يُنْدَبُ (مُنَاوَلَةٌ مِنْ عَلَى الْيَمِينِ) وَإِنْ تَعَدَّدَ (إنْ كَانَ) عَلَى يَمِينِهِ أَحَدٌ قَبْلَ مُنَاوَلَةِ مَنْ عَلَى يَسَارِهِ، وَلَوْ كَانَ مَفْضُولًا، «فَقَدْ نَاوَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَعْرَابِيَّ الَّذِي كَانَ عَلَى يَمِينِهِ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي كَانَ جَالِسًا عَلَى يَسَارِهِ» . وَلَيْسَ لِمَنْ عَلَى الْيَمِينِ أَنْ يُؤْثِرَ غَيْرَهُ بَلْ إنْ لَمْ يَشْرَبْ سَقَطَ حَقُّهُ فَإِنْ كَانُوا جَالِسَيْنِ أَمَامَ الشَّارِبِ فَيَبْدَأُ بِأَكَابِرِهِمْ.
(وَكُرِهَ عَبُّهُ) : يُقَالُ عَبَّ الْحَمَامُ الْمَاءَ شَرِبَ مِنْ غَيْرِ مَصٍّ وَتَقَدَّمَ دَلِيلُهُ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَقَدْ نَاوَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَعْرَابِيَّ] إلَخْ: أَيْ وَوَرَدَ أَيْضًا: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْغُلَامِ أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ لَا وَاَللَّهِ

(وَ) يُكْرَهُ (النَّفْخُ فِي الطَّعَامِ) لِمَا فِيهِ مِنْ إهَانَةِ الطَّعَامِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الرِّيقِ وَعَلَيْهِ يُكْرَهُ وَلَوْ أَكَلَ وَحْدَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ فِي الْإِنَاءِ وَخَصَّهُ بَعْضٌ بِالثَّانِي.
وَقِيلَ: الْعِلَّةُ أَذِيَّةُ الْآكِلِ مَعَهُ وَعَلَيْهِ فَلَا يُكْرَهُ لِمَنْ كَانَ وَحْدَهُ.
(وَالشَّرَابِ) : لِمَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فِيهِمَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (كَالْكِتَابِ) يُكْرَهُ النَّفْخُ فِيهِ لِشَرَفِهِ كَانَ فِقْهًا أَوْ حَدِيثًا أَوْ قُرْآنًا وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُتَرِّبُ الْكِتَابَ.
وَلَكِنْ اعْتَرَضَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ أَبِي زَيْدٍ: بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ حَدِيثٌ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ النَّفْخِ فِي الْكِتَابِ (اهـ) وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ مُطَّلِعٌ وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ.
(وَ) يُكْرَهُ (التَّنَفُّسُ فِي الْإِنَاءِ) : حَالَ الشُّرْبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُنْدَبُ التَّنَفُّسُ خَارِجَ الْإِنَاءِ وَرُبَّمَا كَانَ نَفَسُهُ كَرِيهًا فَيُغَيِّرُ الْإِنَاءَ حَتَّى يَصِيرَ ذَا رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ يَعْرِفُهَا حَتَّى النِّسَاءُ وَيَتَكَلَّمُونَ بِقُبْحٍ فِي الشَّارِبِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْأَمِيرُ.
(وَ) يُكْرَهُ (التَّنَاوُلُ) لِلْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ (بِ) الْيَدِ (الْيُسْرَى) حَيْثُ أَمْكَنَ بِالْيُمْنَى.
(وَ) يُكْرَهُ (الِاتِّكَاءُ) حَالَ الْأَكْلِ عَلَى جَنْبِهِ (وَالِافْتِرَاشُ) التَّرَبُّعُ بَلْ

[حاشية الصاوي]

يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْك أَحَدًا قَالَ فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَدِهِ» يَعْنِي أَعْطَاهُ.
قَوْلُهُ: [وَخَصَّهُ بَعْضٌ بِالثَّانِي] : أَيْ الطَّعَامَ الَّذِي فِي الْإِنَاءِ.
قَوْلُهُ: [يُتَرِّبُ الْكِتَابَ] : أَيْ وَقَدْ شَاعَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ: مَا خَابَ كِتَابٌ تُرِّبَ.
قَوْلُهُ: [وَمَنْ حَفِظَ] إلَخْ: مَنْ اسْمٌ مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ وَحَفِظَ صِلَتُهُ وَحُجَّةٌ خَبَرُهُ وَعَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفِ صِفَةٍ لِحُجَّةٍ.
قَوْلُهُ: [بِقُبْحٍ فِي الشَّارِبِ] : أَيْ فَمُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ فَمَه أَبْخَرُ.
قَوْلُهُ: [وَيُكْرَهُ الِاتِّكَاءُ] إلَخْ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَأْكُلُ وَهُوَ وَاضِعٌ يَدَهُ عَلَى الْأَرْضِ؟ فَقَالَ إنِّي لَا أَبْتَغِيهِ وَأَكْرَهُهُ وَمَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا، وَالسُّنَّةُ الْأَكْلُ جَالِسًا عَلَى الْأَرْضِ عَلَى هَيْئَةِ مُطْمَئِنٍّ عَلَيْهَا وَلَا يَأْكُلُ مُضْطَجِعًا عَلَى بَطْنِهِ وَلَا مُتَّكِئًا عَلَى ظَهْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْبُعْدِ عَنْ التَّوَاضُعِ وَوَقْتُ الْأَكْلِ وَقْتُ تَوَاضُعٍ

الْمَطْلُوبُ جُلُوسٌ كَجُلُوسِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُقِيمَ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى أَوْ مَعَ الْيُسْرَى أَوْ يَجْلِسَ كَالصَّلَاةِ وَجَثَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً عَلَى رُكْبَتَيْهِ حِينَ أُهْدِيَتْ لَهُ شَاةٌ فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذِهِ الْجِلْسَةُ؟ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا» وَقَالَ: «إنَّمَا أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ» لِأَنَّ السِّيَادَةَ وَالْعَظَمَةَ إنَّمَا تَكُونُ لِلَّهِ تَعَالَى.
(وَ) يُكْرَهُ الْأَكْلُ (مِنْ رَأْسِ الثَّرِيدِ) لِأَنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ عَلَى وَسَطِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ «إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ» وَهَذِهِ تَشْمَلُ غَيْرَ الثَّرِيدِ، وَالثَّرِيدُ: مَا يُفَتُّ مِنْ الْخُبْزِ ثُمَّ يُبَلُّ بِالْمَرَقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَحْمٌ، وَلَا يَنْبَغِي قَسْمُ الرَّغِيفِ بِالْخَنْجَرِ بَلْ بِالْيَدِ وَلَا يُقْسَمُ مِنْ وَسَطِهِ بَلْ مِنْ حَوَاشِيهِ وَالسُّنَّةُ فِي اللَّحْمِ أَنْ يُؤْكَلَ بَعْدَ الطَّعَامِ وَأَنْ يُنْهَشَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُ إدَامِكُمْ اللَّحْمُ» وَقَالَ

[حاشية الصاوي]

وَشُكْرٍ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ (اهـ) . قَوْلُهُ: [أَنْ يُقِيمَ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى] إلَخْ: أَشَارَ الشَّارِحُ لِثَلَاثِ هَيْئَاتٍ لِجُلُوسِ الْآكِلِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَحْمٌ] : أَيْ زَائِدٌ فَوْقَ الْمَرَقِ وَإِلَّا فَالْمَرَقُ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْمَاءِ الَّذِي طُبِخَ فِيهِ اللَّحْمُ كَمَا أَنَّ الثَّرِيدَ اسْمٌ لِلْمَفْتُوتِ فِيهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: إذَا مَا الْخُبْزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْمٍ ... فَذَا وَأَمَانَةُ اللَّهِ الثَّرِيدُ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ فِي الْآدَابِ كُلُّ فَتٍّ فِي طَعَامٍ لِأَنَّهُ يُسَمَّى ثَرِيدًا عُرْفًا وَإِنْ كَانَ لَا يُسَمَّى ثَرِيدًا شَرْعًا.
قَوْلُهُ: [أَنْ يُؤْكَلَ بَعْدَ الطَّعَامِ] : أَيْ وَحِينَئِذٍ فَمَا شَاعَ مِنْ قَوْلِهِمْ: ابْدَءُوا بِسَيِّدِ الطَّعَامِ فَعَلَى فَرْضِ صِحَّتِهِ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ مَالِكٌ.
قَوْلُهُ: [خَيْرُ إدَامِكُمْ اللَّحْمُ] : لَيْسَ فِيهِ وَلَا فِيمَا بَعْدَهُ دَلِيلٌ عَلَى النَّهْشِ

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَيِّدُ إدَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ» . (وَ) يُكْرَهُ (غَسْلُ الْيَدِ بِالطَّعَامِ) : كَدَقِيقِ الْحِنْطَةِ، وَكَذَا مَسْحُ الْيَدِ بِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقِيلَ يَجُوزُ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَمْسَحُونَ أَيْدِيَهُمْ مِنْ الطَّعَامِ فِي أَقْدَامِهِمْ وَهِيَ أَدْنَى مِنْ الْيَدِ وَيَشْمَلُ الطَّعَامُ دَقِيقَ التُّرْمُسِ وَالْحُلْبَةِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالتَّدَلُّكِ بِهِ فِي الْحَمَّامِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسَ بِطَعَامٍ قَبْلَ أَنْ يَحْلُوَ بِالْمَاءِ (كَالنُّخَالَةِ) : أَيْ نُخَالَةُ الْقَمْحِ لِمَا فِيهَا مِنْ الطَّعَامِ بِخِلَافِ نُخَالَةِ الشَّعِيرِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْغَسْلِ بِهَا وَمَثَّلَ بِالنُّخَالَةِ؛ لِأَنَّهَا يُتَوَهَّمُ فِيهَا عَدَمُ الْكَرَاهَةِ وَلَا فَرْقَ فِي الْكَرَاهَةِ بَيْنَ زَمَنِ الْمَسْغَبَةِ وَغَيْرِهَا.
    (وَ) يُكْرَهُ (الْقِرَانُ فِي كَتَمْرٍ) : أَيْ أَخْذُ اثْنَيْنِ فِي مَرَّةٍ وَلَوْ كَانَ مِلْكَهُ حَيْثُ أَكَلَ مَعَ غَيْرِهِ لِئَلَّا يُنْسَبَ لِلشَّرَهِ، فَإِنْ كَانَ الْغَيْرُ شَرِيكًا بِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَحْرُمُ لِلِاسْتِبْدَادِ بِزَائِدٍ إنْ اسْتَوَوْا فِي الشَّرِكَةِ أَمَّا وَحْدَهُ أَوْ مَعَ عِيَالِهِ فَلَا يُكْرَهُ.
    (وَالشَّرَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ) مَكْرُوهٌ (وَقَدْ يَحْرُمُ) كَمَا قُلْنَا فِي الشَّرِكَةِ.

[حاشية الصاوي]

وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَدْنِ الْعَظْمَ مِنْ فِيك فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ» . قَوْلُهُ: [وَهِيَ أَدْنَى مِنْ الْيَدِ] : أَيْ فَإِنْ كَانَتْ الْكَرَاهَةُ مِنْ أَجْلِ التَّهَاوُنِ فَفِي الْمَسْحِ بِالرِّجْلِ أَعْظَمُ تَهَاوُنًا وَحِينَئِذٍ فَلَا كَرَاهَةَ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ.
قَوْلُهُ: [قَبْلَ أَنْ يَحْلُوَ بِالْمَاءِ] : عَائِدٌ عَلَى دَقِيقِ التُّرْمُسِ وَالْحُلْبَةِ.
قَوْلُهُ: [فَيَحْرُمُ لِلِاسْتِبْدَادِ بِزَائِدٍ] : قَالَ النَّفْرَاوِيُّ اُخْتُلِفَ هَلْ النَّهْيُ لِلْأَدَبِ أَوْ لِئَلَّا يَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ نَهْيَ كَرَاهَةٍ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ لِلْحُرْمَةِ.
قَالَ الْأَقْفَهْسِيُّ: مَسْأَلَةُ هَلْ الطَّعَامُ الْمُقَدَّمُ لِلضُّيُوفِ يَمْلِكُونَهُ بِمُجَرَّدِ التَّقْدِيمِ أَوْ لَا يَمْلِكُونَهُ إلَّا بِالْأَكْلِ؟ وَعَلَى كُلٍّ لَا يَجُوزُ لِلْوَاحِدِ مِنْ الضُّيُوفِ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدًا مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا بِالْأَكْلِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنْ بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ بِنَاءً عَلَى مِلْكِهِمْ لَهُ بِالتَّقْدِيمِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ الْعِبْرَةُ بِإِذْنِ بَعْضِهِمْ، وَعَلَى الثَّانِي الْعِبْرَةُ بِإِذْنِ صَاحِبِ الطَّعَامِ.

فَصْلٌ فِي بَعْضِ السُّنَنِ سَيُذْكَرُ أَنَّهَا كِفَايَةٌ (لِدَاخِلٍ أَوْ مَارٍّ عَلَى غَيْرِهِ) أَوْ رَاكِبٍ عَلَى مَاشٍ أَوْ رَاكِبِ فَرَسٍ عَلَى رَاكِبِ بَغْلٍ أَوْ جَمَلٍ أَوْ حِمَارٍ وَرَاكِبِ الْبَغْلِ عَلَى رَاكِبِ الْحِمَارِ، لَكِنْ يَخْرُجُ الْكَافِرُ مِنْ عُمُومِ الْغَيْرِ، إذْ يُكْرَهُ بَدْؤُهُمْ بِالسَّلَامِ فَإِنْ سَلَّمُوا عَلَيْنَا بِصِيغَتِنَا رَدَدْنَا عَلَيْهِمْ (السَّلَامُ عَلَيْهِ) عَلَى الْغَيْرِ.
وَقَدْ وَرَدَ: «مَنْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، فَإِذَا قَالَ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ كُتِبَ لَهُ عِشْرُونَ حَسَنَةً، وَإِذَا قَالَ: وَبَرَكَاتُهُ، كُتِبَ لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً» . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: 61] . ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ السَّلَامِ الَّذِي تَتَوَقَّفُ السُّنَّةُ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (بِأَنْ يَقُولَ) الرَّجُلُ أَوْ غَيْرُهُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَوْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) : أَيْ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ فَلَا بُدَّ مِنْ مِيمِ الْجَمْعِ وَلَوْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ أُنْثَى وَاحِدَةً، وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ

[حاشية الصاوي]

[فَصْلٌ فِي بَعْضِ السُّنَنِ]

فَصْلٌ: قَوْلُهُ: [سَيُذْكَرُ أَنَّهَا كِفَايَةٌ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ.
قَوْلُهُ: [لَكِنْ يَخْرُجُ الْكَافِرُ مِنْ عُمُومِ الْغَيْرِ] : مِثْلُهُ شَابَّةٌ لَيْسَتْ مَحْرَمًا وَقَاضِي حَاجَةٍ وَسَكْرَانُ وَمَجْنُونٌ وَمَنْ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَلَامًا.
قَوْلُهُ: [سَلِّمُوا عَلَيْنَا بِصِيغَتِنَا رَدَدْنَا عَلَيْهِمْ] : قَالَ النَّفْرَاوِيُّ وَيَبْقَى النَّظَرُ لَوْ سَلَّمَ وَاحِدٌ مِمَّنْ لَا يُسَنُّ السَّلَامُ عَلَيْهِ هَلْ يَجِبُ رَدُّ السَّلَامِ أَوَّلًا؟ وَيَظْهَرُ عَدَمُ وُجُوبِ رَدِّ سَلَامِهِ فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُ الشَّارِحِ رَدَدْنَا عَلَيْهِمْ أَيْ لَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا يُنْدَبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83] . قَوْلُهُ: [كُتِبَ لَهُ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً] : أَيْ فَالْأَفْضَلُ الْجَمْعُ.
قَوْلُهُ: [فَلَا بُدَّ مِنْ مِيمِ الْجَمْعِ] : أَيْ لِأَنَّ مَعَ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ الْحَفَظَةُ وَهُمْ

آتِيًا بِالسُّنَّةِ وَأَمَّا تَعْرِيفُ سَلَامِ الِابْتِدَاءِ فَفِيهِ خِلَافٌ جَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: السَّلَامُ فِي الِابْتِدَاءِ لَا يَكُونُ إلَّا مُعَرَّفًا قَالَ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ عَلَيْهِ سَحَائِبُ الرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ: لِأَنَّهُ الْوَارِدُ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ.
(وَوَجَبَ) عَلَى الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ (الرَّدُّ) عَلَى الْمُسَلِّمِ (بِمِثْلِ مَا قَالَ) فَعَلَى هَذَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى عَلَيْكُمْ السَّلَامُ مَعَ كَوْنِ الْمُسَلِّمِ زَادَ لَا يَجُوزُ وَلَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا الَّذِي يُفِيدُهُ التَّلْقِينُ الْجَوَازُ، حَيْثُ قَالَ إنْ زَادَ لَفْظُ الرَّدِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَوْ نَقَصَ جَازَ وَنَحْوُهُ فِي الْمَعُونَةِ (كِفَايَةٌ فِيهِمَا) : أَيْ فِي الِابْتِدَاءِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقِيلَ: الِابْتِدَاءُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالرَّدُّ فَرْضُ عَيْنٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِسْمَاعِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ نَعَمْ إنْ كَانَ الْمُسَلِّمُ أَصَمَّ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ مَا لَمْ يَفْهَمْ مِنْ اللَّفْظِ وَإِلَّا فَيَكُونُ لَهُ اللَّفْظُ وَالْإِتْيَانُ بِالْوَاوِ فِي الرَّدِّ أَفْضَلُ عَلَى الرَّاجِحِ وَيَكْفِي الرَّدُّ إنْ حَذَفَ مِيمَ الْجَمْعِ كَمَا يَكْفِي لَوْ نَطَقَ فِيهِ بِصِيغَةِ الِابْتِدَاءِ.
(وَنُدِبَ لِلرَّادِّ الزِّيَادَةُ لِلْبَرَكَةِ) حَيْثُ اقْتَصَرَ الْمُسَلِّمُ عَلَى أَقَلَّ مِنْهَا عَلَى مَا قَالَهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ وُجُوبِ الرَّدِّ مِثْلُ الِابْتِدَاءِ، وَأَمَّا عَلَى كَلَامِ التَّلْقِينِ فَالنَّدْبُ وَلَوْ أَتَمَّ الْمُسَلِّمُ بِالْبَرَكَةِ تَأَمَّلْ.

[حاشية الصاوي]

كَجَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي آدَمَ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ الْوَارِدُ] : أَيْ وَحِينَئِذٍ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِ سَلَامِ الِابْتِدَاءِ وَالْإِتْيَانِ بِمِيمِ الْجَمْعِ بِخِلَافِ رَدِّ السَّلَامِ.
قَوْلُهُ: [الرَّدُّ عَلَى الْمُسَلِّمِ] إلَخْ: إنَّمَا وَجَبَ الرَّدُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86] . قَوْلُهُ: [نَعَمْ إنْ كَانَ الْمُسَلِّمُ أَصَمَّ] : مِثْلُهُ الْبَعِيدُ.
قَوْلُهُ: [يَرُدُّ عَلَيْهِ بِالْإِشَارَةِ] : الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ أَيْ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِاللَّفْظِ مُصَاحِبًا لِلْإِشَارَةِ لَا أَنَّهُ يَرُدُّ بِالْإِشَارَةِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا عَلَى كَلَامِ التَّلْقِينِ] : أَيْ مِنْ جَوَازِ النَّقْصِ فِي الرَّدِّ وَتَقَدَّمَ عَنْ الشَّيْخِ الْعَدَوِيِّ مَا يُفِيدُ اعْتِمَادَهُ.

(وَالْمُصَافَحَةُ) مَنْدُوبَةٌ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقِيلَ: مَكْرُوهَةٌ، وَهُوَ وَضْعُ أَحَدِ الْمُلَاقَيْنَ بَطْنَ كَفِّهِ عَلَى بَطْنِ كَفِّ الْآخَرِ إلَى آخِرِ السَّلَامِ أَوْ الْكَلَامِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ عَنْكُمْ، وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبْ الشَّحْنَاءُ» قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يَذْهَبْ " مَجْذُومٌ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ حُرِّكَ بِالْكَسْرِ تَخَلُّصًا " وَالْغِلُّ " بِكَسْرِ الْغَيْنِ: الْحِقْدُ، فَاعِلُ " يَذْهَبْ " وَ " تَهَادَوْا " بِفَتْحِ الدَّالِ وَ " الشَّحْنَاءُ " بِالْمَدِّ.
وَيُكْرَهُ خَطْفُ الْيَدِ بِسُرْعَةٍ كَمَا يُكْرَهُ تَقْبِيلُ يَدِ نَفْسِهِ بَعْدَ الْمُصَافَحَةِ وَتَقْبِيلُ يَدِ صَاحِبِهِ حِينَهَا عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْمُصَنِّفِ

وَلَا تَجُوزُ مُصَافَحَةُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ وَلَوْ مُتَجَالَّةً؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ الرُّؤْيَةُ فَقَطْ، وَلَا الْمُسْلِمِ الْكَافِرَ إلَّا لِضَرُورَةٍ.

(لَا) تُنْدَبُ (الْمُعَانَقَةُ) بَلْ تُكْرَهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ وَرَدَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَانَقَ سَيِّدَنَا جَعْفَرًا حِينَ قَدِمَ مِنْ السَّفَرِ» - فَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ

[حاشية الصاوي]

[الْمُصَافَحَةُ]

قَوْلُهُ: [وَالْمُصَافَحَةُ] : مَعْطُوفٌ عَلَى الزِّيَادَةِ وَجَعَلَهُ الشَّارِحُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِي الْكَلَامِ.
قَوْلُهُ: [لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَصَافَحُوا] إلَخْ: أَيْ وَلِخَبَرِ: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا» . قَوْلُهُ: [وَالشَّحْنَاءُ بِالْمَدِّ] : أَيْ وَهِيَ الْبَغْضَاءُ.

قَوْلُهُ: [وَلَا تَجُوزُ مُصَافَحَةُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ] : أَيْ الْأَجْنَبِيَّةَ وَإِنَّمَا الْمُسْتَحْسَنُ الْمُصَافَحَةُ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ لَا بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى حُسْنِ الْمُصَافَحَةِ مَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ قَالَ لَهُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ قَالَ: لَا.
قَالَ: أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: أَفَيَأْخُذُهُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ» قَالَ النَّفْرَاوِيُّ وَأَفْتَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِ الِانْحِنَاءِ إذَا لَمْ يَصِلْ لِحَدِّ الرُّكُوعِ الشَّرْعِيِّ.

قَوْلُهُ: [جَعْفَرًا] : أَيْ ابْنَ عَمِّهِ أَخَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ.

مِنْ كَوْنِ النُّفُوسِ تَنْفِرُ مِنْهَا - مَنْفِيَّةٌ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الْمُجْتَهِدِينَ بِجَوَازِهَا وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ: " كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا الْتَقَوْا تَصَافَحُوا فَإِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ تَعَانَقُوا " وَهَذَا يَرِدُ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ حُجَّةٌ لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا تَقَدَّمَ.

(وَ) لَا يُنْدَبُ (تَقْبِيلُ الْيَدِ) بَلْ يُكْرَهُ.
وَالْمُرَادُ: يَدُ الْغَيْرِ، وَأَمَّا يَدُ نَفْسِهِ فَلَيْسَ الشَّأْنُ فِعْلَ ذَلِكَ، وَإِنْ وَقَعَ فَيُكْرَهُ.
وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ تَقْبِيلِ الْيَدِ إنْ كَانَ الْمُقَبِّلُ مُسْلِمًا فَلَوْ قَبَّلَ يَدَك كَافِرٌ فَلَا كَرَاهَةَ.
(إلَّا لِمَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ) وَعَلَيْهِ مَحْمَلُ مَا صَحَّ «أَنَّ وَفْدَ عَبْد الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْتَدَرُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ» وَرُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ قَبَّلَ يَدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مِنْ وَالِدٍ وَشَيْخٍ وَصَالِحٍ) فَلَا يُكْرَهُ بَلْ يُطْلَبُ وَحُكْمُ غَيْرِ الْيَدِ مِنْ الْأَعْضَاءِ كَالرَّأْسِ وَالْكَتِفِ وَالْقَدَمِ كَالْيَدِ نَهْيًا وَطَلَبًا وَقَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ: وَعَمَلُ النَّاسِ عَلَى الْجَوَازِ لِمَنْ يُتَوَاضَعُ لَهُ وَيُطْلَبُ إبْرَارُهُ.

(وَالِاسْتِئْذَانُ وَاجِبٌ) بِالْإِجْمَاعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْعَمَلَ حُجَّةٌ] : قَدْ يُقَالُ إنَّ مَالِكًا رَأَى أَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى عَدَمِ فِعْلِهَا.

قَوْلُهُ: [وَرُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ قَبَّلَ يَدَهُ] : أَيْ وَرُوِيَ أَيْضًا: «أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: أَرِنِي آيَةً.
فَقَالَ: اذْهَبْ إلَى تِلْكَ الشَّجَرَةِ وَقُلْ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُوك فَتَحَرَّكَتْ يَمِينًا وَشِمَالًا وَأَقْبَلَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ تَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهَا ارْجِعِي.
فَقَالَ لَهَا ارْجِعِي فَرَجَعَتْ كَمَا كَانَتْ فَقَبَّلَ الْأَعْرَابِيُّ يَدَهُ وَرِجْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . قَوْلُهُ: [لِمَنْ يَتَوَاضَعُ لَهُ وَيَطْلُبُ إبْرَارَهُ] : أَيْ لِأَنَّ فِي تَرْكِ ذَلِكَ مُقَاطَعَةً وَشَحْنَاءَ خُصُوصًا فِي زَمَانِنَا هَذَا.

[الِاسْتِئْذَانُ]

قَوْلُهُ: [وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ] : أَيْ عَلَى مُرِيدِ الدُّخُولِ وَوُجُوبُ الْفَرَائِضِ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ.

﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: 59] «وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَجُلٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نَعَمْ قَالَ: إنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ.
فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اسْتَأْذِنْهَا قَالَ: إنِّي خَادِمُهَا.
فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟» فَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهُ يَكْفُرُ لِوُرُودِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَعُلِمَ ضَرُورَةً.
(إذَا أَرَادَ دُخُولَ بَيْتٍ) مَفْتُوحًا أَوْ مَغْلُوقًا حَيْثُ كَانَ، لَا يَدْخُلُ إلَّا بِإِذْنٍ، لَا نَحْوَ حَمَّامٍ وَفُنْدُقٍ وَبَيْتِ قَاضٍ وَطَبِيبٍ وَعَالِمٍ حَيْثُ لَا حَرَجَ فِي الدُّخُولِ بِلَا إذْنٍ وَإِلَّا فَكَغَيْرِهَا فَ (يَقُولُ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) عَلِمْت حُكْمَ السَّلَامِ وَقَدْ جَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الِاسْتِئْذَانِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يُسَلِّمُ بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ (أَأَدْخُلُ؟) يَقُولُ (ثَلَاثًا) وَلَا يَزِيدُ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ السَّمَاعُ وَيَقُولُ مَقَامَ " أَأَدْخُلُ " نَقْرُ الْبَابِ ثَلَاثًا وَلَوْ مَفْتُوحًا وَالتَّنَحْنُحُ، وَيُكْرَهُ الِاسْتِئْذَانُ بِالذِّكْرِ.
(فَإِنْ أُذِنَ لَهُ) فَلْيَدْخُلْ وَلَوْ جَاءَ الْإِذْنُ مَعَ صَبِيٍّ أَوْ عَبْدٍ حَيْثُ وَثِقَ بِخَبَرِهِمَا لِقَرِينَةٍ وَإِنْ قِيلَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: فُلَانٌ بِاسْمِهِ لَا بِنَحْوِ أَنَا فَإِنَّهُ أَنْكَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ قَالَهَا.
وَمَحَلُّ وُجُوبِ الِاسْتِئْذَانِ إنْ كَانَ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ لَا يَحِلُّ النَّظَرُ لِعَوْرَتِهِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ لَيْسَ مَعَهُمَا غَيْرٌ فَيُنْدَبُ وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْأَعْمَى قَوْلَانِ.
(وَإِلَّا) يُؤْذَنُ لَهُ بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ ثَلَاثًا مَعَ ظَنِّ السَّمَاعِ أَوْ قِيلَ لَهُ ارْجِعْ (رَجَعَ) وُجُوبًا وَلَا يُلِحُّ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِقَبِيحٍ وَلَا يَدْخُلُ إلَّا بَعْدَ الْإِذْنِ لَا بِمُجَرَّدِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَيُكْرَهُ الِاسْتِئْذَانُ بِالذِّكْرِ] : أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ جَعْلِ اسْمِ اللَّهِ آلَةً.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ أَنْكَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ قَالَهَا] : أَيْ حَيْثُ خَرَجَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقُولُ أَنَا أَنَا وَإِنَّمَا كَرِهَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تُعَيِّنُ الْمَقْصُودَ، وَلِأَنَّهَا هَلَكَ بِهَا مَنْ هَلَكَ كَفِرْعَوْنَ وَإِبْلِيسَ.
قَوْلُهُ: [قَوْلَانِ] : الظَّاهِرُ مِنْهُمَا الْوُجُوبُ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: 27] . قَوْلُهُ: [رَجَعَ وُجُوبًا] : أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

الِاسْتِئْذَانِ كَمَا يَقَعُ مِنْ الْعَوَامّ وَأَمْثَالِهِمْ.

(وَنُدِبَ عِيَادَةُ الْمَرْضَى) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَعُودُ مَرِيضًا إلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يَصِحَّ» وَمَحَلُّ النَّدْبِ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يَقُومُ بِهِ لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ حَيْثُ تَعَدَّدَ مَنْ يَقُومُ بِهِ وَإِلَّا تَعَيَّنَتْ.
وَيُطَالَبُ بِهَا ابْتِدَاءً الْقَرِيبُ فَالصَّاحِبُ فَأَهْلُ مَوْضِعِهِ، فَإِنْ تَرَكَ الْجَمِيعُ عَصَوْا وَالْعَائِدُ يَكُونُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَإِنْ أَجْنَبِيَّةً بِدُونِ خَلْوَةٍ.
(وَمِنْهُ) : أَيْ مِنْ أَفْرَادِ الْمَرِيضِ الَّذِي يُعَادُ (الْأَرْمَدُ) وَصَاحِبُ ضِرْسٍ وَدُمَّلٍ عَلَى الرَّاجِحِ.
(وَ) يُنْدَبُ (الدُّعَاءُ لَهُ) : أَيْ لِلْمَرِيضِ وَإِنْ كَانَ لَا يَكْرَهُ الْمَرِيضُ وَضْعَ الْيَدِ عَلَيْهِ نُدِبَ وَضْعُهَا وَمِنْ أَحْسَنِ الدُّعَاءِ: «أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَك وَيُعَافِيَك، سَبْعًا» لِلْوَارِدِ بِذَلِكَ.
(وَ) يُنْدَبُ لِلْعَائِدِ (طَلَبُ الدُّعَاءِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَرِيضِ وَتَرْكُ الْمَنْدُوبِ خِلَافُ الْأَوْلَى.
(وَ) يُنْدَبُ (قِصَرُ الْجُلُوسِ عِنْدَهُ) مَا لَمْ يَطْلُبْهُ وَكَثْرَةُ الْجُلُوسِ بِدُونِ طَلَبٍ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ.
(وَ) يُنْدَبُ أَنْ (لَا يَتَطَلَّعَ لِمَا فِي الْبَيْتِ) مِنْ الْأَمْتِعَةِ وَقَدْ يَجِبُ وَرُبَّمَا يَشْعُرُ بِهِ الْمُصَنِّفُ.

[حاشية الصاوي]

﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [النور: 28] .

[عِيَادَةُ الْمَرْضَى]

قَوْلُهُ: «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا مِنْ رَجُلٍ» إلَخْ: أَيْ وَلِقَوْلِهِ أَيْضًا: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا خَاضَ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ فَإِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ اسْتَقَرَّ فِيهَا، وَمَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ عَادَ مَرِيضًا أَبْعَدَهُ اللَّهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» . قَوْلُهُ: [الْأَرْمَدُ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَا يُعَادُ فَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ.
قَوْلُهُ: [وَرُبَّمَا يَشْعُرُ بِهِ الْمُصَنِّفُ] : أَيْ حَيْثُ أَتَى بِلَا الَّتِي تَكُونُ لِلنَّهْيِ

فصول الكتاب · 3 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك · 813 صفحة
المقدمة
بَابُ فِي الشُّفْعَةِ وَأَحْكَامِهَا
بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ
جارٍ التحميل