حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالكصفحات 318-358
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[أَخَذَ الْعَشْر مِنْ الذِّمِّيِّينَ وَالْحَرْبِيِّينَ]

(وَأُخِذَ مِنْ تُجَّارِهِمْ) أَيْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، (وَلَوْ) كَانُوا (أَرِقَّاءَ أَوْ صِبْيَةً عُشْرُ

[حاشية الصاوي]

لَا يُمْكِنُ الْخَلَاصُ بِدُونِهِ؟ وَهُوَ الْوَجِيهُ - خِلَافٌ.
وَمَحَلُّ رُجُوعِ الْفَادِي عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُفْدَى مَحْرَمًا أَوْ زَوْجًا إنْ عَرَفَهُ أَوْ كَانَ الْمَحْرَمُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ مَا لَمْ يَأْمُرْ الْمَحْرَمُ أَوْ الزَّوْجُ الْفَادِيَ بِالْفِدَاءِ أَوْ يَلْتَزِمُهُ، وَإِلَّا فَيُرْجَعُ بِهِ عَلَيْهِ.
وَيُفَضُّ الْفِدَاءُ عَلَى عَدَدِ الْمُفْدَيْنَ إنْ جَهِلَ الْكُفَّارُ قَدْرَ الْأُسَارَى مِنْ غِنًى وَفَقْرٍ وَشَرَفٍ وَوَضَاعَةٍ، فَإِنْ عَلِمُوا قَدْرَهُمْ فُضَّ عَلَى قَدْرِ مَا يُفْدَى بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ عَادَتِهِمْ، وَلَوْ تَنَازَعَ الْأَسِيرُ وَالْفَادِي، فَالْقَوْلُ لِلْأَسِيرِ فِي إنْكَارِ الْفِدَاءِ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ قَدْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الْأَسِيرُ بِيَدِ الْفَادِي.
وَيَجُوزُ فِدَاءُ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ بِأُسَارَى الْكُفَّارِ الَّذِينَ عِنْدَنَا وَلَوْ كَانُوا شُجْعَانًا إذَا لَمْ يَرْضَوْا إلَّا بِذَلِكَ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ لَنَا مُتَرَقَّبٌ، وَخَلَاصُ الْأُسَارَى مُحَقَّقٌ، وَقَيَّدَهُ اللَّخْمِيُّ بِمَا إذَا لَمْ يُخْشَ مِنْهُمْ وَإِلَّا حَرُمَ.
وَيَجُوزُ أَيْضًا بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى الْأَحْسَنِ، وَصِفَةُ مَا يُفْعَلُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِدَفْعِ ذَلِكَ لِلْعَدُوِّ وَيُحَاسِبَهُمْ بِقِيمَةِ ذَلِكَ مِمَّا عَلَيْهِمْ مِنْ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ جَازَ شِرَاؤُهُ لِلضَّرُورَةِ.
وَلَوْ فَدَى مُسْلِمٌ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِهِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ اشْتَرَاهُ.
وَفِي جَوَازِ فِدَاءِ الْأَسِيرِ الْمُسْلِمِ بِالْخَيْلِ وَآلَةِ الْحَرْبِ قَوْلَانِ: إذَا لَمْ يُخْشَ مِنْ الْفِدَاءِ بِهِمَا الظَّفَرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا مُنِعَ اتِّفَاقًا.

قَوْلُهُ: [وَأُخِذَ مِنْ تُجَّارِهِمْ] إلَخْ: سَبَبُ ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ: وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا عَلَى الْمَجُوسِ فِي نَخِيلِهِمْ وَلَا كُرُومِهِمْ وَلَا زَرْعِهِمْ وَلَا عَلَى مَوَاشِيهِمْ صَدَقَةٌ، لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا وُضِعَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَطْهِيرًا لَهُمْ وَرَدًّا عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَوُضِعَتْ الْجِزْيَةُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ صَغَارًا لَهُمْ فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا بِبَلَدِهِمْ الَّذِي صَالَحُوا عَلَيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ سِوَى الْجِزْيَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، إلَّا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَيَخْتَلِفُوا فِيهَا.
فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْعُشْرُ فِيمَا يُدِيرُونَ مِنْ التِّجَارَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إنَّمَا وُضِعَتْ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ وَصَالَحُوا عَلَيْهَا عَلَى أَنْ يُقَرُّوا بِبِلَادِهِمْ، وَيُقَاتَلَ عَنْهُمْ عَدُوُّهُمْ.
فَمَنْ خَرَجَ مِنْ بِلَادِهِ مِنْهُمْ إلَى غَيْرِهَا يَتَّجِرُ فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ مَنْ تَجَرَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ إلَى الشَّامِ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ إلَى الْعِرَاقِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إلَى الْمَدِينَةِ، أَوْ إلَى الْيَمَنِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْبِلَاد فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ وَلَا صَدَقَةَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمَجُوسِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَوَاشِيهِمْ وَلَا ثِمَارِهِمْ وَلَا زُرُوعِهِمْ مَضَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ، وَيُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ وَيَكُونُونَ

ثَمَنِ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ (مَا بَاعُوهُ) مِنْ الْعُرُوضِ وَالْأَطْعِمَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَإِذَا لَمْ يَبِيعُوا شَيْئًا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ شَيْءٌ، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ مَا جَلَبُوهُ كَالْحَرْبِيِّينَ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَلَوْ لَمْ يَبِيعُوهُ (مِمَّا) أَيْ مِنْ عَرَضٍ أَوْ طَعَامٍ (قَدِمُوا بِهِ مِنْ أُفُقٍ) أَيْ قُطْرٍ وَإِقْلِيمٍ (إلَى) أُفُقٍ (آخَرَ) كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالرُّومِ وَالْمَغْرِبِ، فَإِذَا قَدِمَ مِنْ إقْلِيمٍ إلَى إقْلِيمٍ آخَرَ أُخِذَ مِنْهُ مَا ذُكِرَ، وَمَا دَامَ فِي إقْلِيمِهِ كَالْمِصْرِيِّ يَنْتَقِلُ بِتِجَارَتِهِ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة إلَى الْقَاهِرَةِ مَثَلًا، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ كَمَا سَيُنَصُّ عَلَيْهِ.
(وَ) أُخِذَ مِنْهُمْ (عُشْرُ عَرَضٍ) أَوْ حَيَوَانٍ (اشْتَرَوْهُ) فِي غَيْرِ إقْلِيمِهِمْ

[حاشية الصاوي]

عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مِرَارًا إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِمْ كُلَّمَا اخْتَلَفُوا الْعُشْرُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا صَالَحُوا عَلَيْهِ، وَلَا مِمَّا شُرِطَ لَهُمْ وَهَذَا الَّذِي أَدْرَكْت عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا.
قَوْلُهُ: [عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] : أَيْ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
قَوْلُهُ: [فَإِذَا لَمْ يَبِيعُوا شَيْئًا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ شَيْءٌ] : أَيْ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ لِأَنَّ الْأَخْذَ فِي نَظِيرِ النَّفْعِ لَا فِي دُخُولِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُمْ مُكِّنُوا مِنْهَا بِالْجِزْيَةِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ إقْلِيمٍ إلَى إقْلِيمٍ آخَرَ] : مُرَادُهُ بِالْإِقْلِيمِ الْقُطْرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَيَانُهَا بِدَلِيلِ الْأَخْذِ مِمَّنْ أَخَذَ سِلَعًا مِنْ الشَّامِ، وَبَاعَهَا بِمِصْرَ أَوْ عَكْسُهُ، فَالْعِبْرَةُ بِهَا لَا بِالسَّلَاطِينِ إذْ لَا يَجُوزُ تَعَدُّدُ السُّلْطَانِ كَمَا قَالَهُ التَّتَّائِيُّ، وَقِيلَ يَجُوزُ عِنْدَ تَبَاعُدِ الْأَقْطَارِ.
قَوْلُهُ: [وَأُخِذَ مِنْهُمْ عُشْرُ عَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ] إلَخْ: اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِ الْعَلَّامَةِ الْعَدَوِيِّ فِي حَاشِيَةِ أَبِي الْحَسَنِ.
الْحَاصِلُ أَنَّهُمْ إنْ قَدِمُوا مِنْ أُفُقٍ إلَى أُفُقٍ آخَرَ بِعَرْضٍ وَبَاعُوهُ بِعَيْنٍ أُخِذَ مِنْهُمْ عُشْرُ الثَّمَنِ، وَإِنْ قَدِمُوا بِعَيْنٍ وَاشْتَرَوْا بِهِ عَرْضًا أُخِذَ مِنْهُمْ عُشْرُ الْعَرْضِ عَلَى الْمَشْهُورِ، لَا عُشْرُ قِيمَتِهِ.
وَإِنْ قَدِمُوا بِعَرْضٍ وَاشْتَرَوْا بِهِ عَرْضًا آخَرَ فَعَلَيْهِمْ عُشْرُ قِيمَةِ مَا اشْتَرَوْا لَا عُشْرُ عَيْنِ مَا قَدِمُوا بِهِ.
وَلَا يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِمْ الْأَخْذُ بِتَكَرُّرِ بَيْعِهِمْ وَشِرَائِهِمْ مَا دَامُوا بِأُفُقٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ بَاعُوا بِأُفُقٍ كَالشَّامِ أَوْ الْعِرَاقِ، وَاشْتَرَوْا بِآخَرَ كَمِصْرِ أُخِذَ مِنْهُمْ عُشْرٌ فِي الْأَوَّلِ وَعُشْرٌ فِي الثَّانِي.
كَمَا أَنَّهُ يَتَكَرَّرُ الْأَخْذُ مِنْهُمْ إنْ قَدِمُوا بَعْدَ ذَهَابِهِمْ لِبَلَدِهِمْ، وَلَوْ مِرَارًا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ (اهـ) فَإِنَّ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ مُخَالَفَةً لَا تَخْفَى.

(بِعَيْنٍ أَوْ عُرُوضٍ قَدِمُوا بِهَا) مِنْ بِلَادِهِمْ لَا بِثَمَنِ مَا بَاعُوهُ، لِأَنَّهُ قَدْ أُخِذَ مِنْهُمْ عُشْرُهُ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مِمَّا اشْتَرَوْهُ بِالْبَاقِي شَيْءٌ.
وَبَالَغَ عَلَى أَخْذِ عُشْرِ الثَّمَنِ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ اخْتَلَفُوا) أَيْ تَرَدَّدُوا إلَى غَيْرِ إقْلِيمِهِمْ (فِي السَّنَةِ مِرَارًا) لِفِعْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ الِانْتِفَاعُ، وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي الْحَوْلِ إلَّا مَرَّةً كَالزَّكَاةِ، وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ: لَا يُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّ شَيْءٌ كَالْمُسْلِمِ.
وَفَرَّعَ عَلَى مَا قَدَّمَهُ قَوْلَهُ: (فَلَوْ اشْتَرَوْا) سِلَعًا (بِإِقْلِيمٍ) غَيْرِ إقْلِيمِهِمْ (وَبَاعُوا) مَا اشْتَرَوْهُ (بِآخَرَ) أَيْ بِإِقْلِيمٍ آخَرَ كَأَنْ يَشْتَرِيَ مِصْرِيٌّ سِلَعًا فِي الشَّامِ وَيَبِيعَهَا بِالرُّومِ (أُخِذَ مِنْهُمْ) الْعُشْرُ (عِنْدَ كُلٍّ) مِنْ الْإِقْلِيمَيْنِ فَأَكْثَرَ.
لَكِنَّ الَّذِي اشْتَرَوْا فِيهِ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِيهِ عُشْرُ السِّلَعِ الْمُشْتَرَاةِ، وَاَلَّذِي بَاعُوا فِيهِ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِيهِ عُشْرُ ثَمَنِ مَا بَاعُوهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(إلَّا) إذَا بَاعُوا أَوْ اشْتَرَوْا (بِإِقْلِيمِهِمْ) وَلَوْ بِانْتِقَالِهِمْ مِنْ بَلَدٍ لِآخَرَ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ شَيْءٌ وَلَوْ تَبَاعَدَ مَا بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ.
ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: " أُخِذَ عُشْرُ ثَمَنِ " إلَخْ قَوْلَهُ (إلَّا) إذَا جَلَبُوا (الطَّعَامَ بِالْحَرَمَيْنِ فَقَطْ) ، أَيْ إلَيْهِمَا وَالْمُرَادُ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَمَا أُلْحِقَ بِهِمَا مِنْ الْبِلَادِ، وَمُرَادُهُ بِالطَّعَامِ كُلُّ مَا يُقْتَاتُ بِهِ أَوْ يَجْرِي مَجْرَاهُ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الْحُبُوبِ وَالزُّيُوتِ وَالْأَدْهَانِ وَمَا أُلْحِقَ بِذَلِكَ كَمِلْحٍ وَبَصَلٍ وَتَابِلٍ، (فَنِصْفُ عُشْرِ ثَمَنِهِ) أَيْ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ.
وَإِنَّمَا خُفِّفَ عَنْهُمْ فِي الطَّعَامِ فِي الْبَلَدَيْنِ لِشِدَّةِ حَاجَةِ أَهْلِهِمَا لَهُ فَيَكْثُرُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ] إلَخْ: إنَّمَا اسْتَثْنَى ذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ: " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ الْقِبْطِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ نِصْفَ الْعُشْرِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَكْثُرَ الْحَمْلُ إلَى الْمَدِينَةِ ". قَوْلُهُ: [لِشِدَّةِ حَاجَةِ أَهْلِهِمَا] : وَقِيلَ لِفَضْلِهِمَا، وَفِي ابْنِ نَاجِي ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ يَعْنِي صَاحِبَ الرِّسَالَةِ أَنَّ قُرَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لَيْسَتْ كَهُمَا وَأَلْحَقَهَا ابْنُ الْجَلَّابِ بِهِمَا (اهـ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: [تَجْرِي فِي الْحَرْبِيِّينَ] : قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَهَلْ الْحَرْبِيُّونَ مِثْلُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَإِنْ نَظَرْنَا إلَى الْعِلَّةِ فَالْعِلَّةُ جَارِيَةٌ فِي الْجَمِيعِ، قَالَ الشَّيْخُ الْعَدَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ أَبِي الْحَسَنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ مِثْلُهُمْ.

جَلْبُهُ إلَيْهِمَا.
وَهَذِهِ الْعِلَّةُ كَمَا تَجْرِي فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ تَجْرِي فِي الْحَرْبِيِّينَ إذَا دَخَلُوهُمَا بِأَمَانٍ.

(وَأُخِذَ مِنْ تُجَّارِ الْحَرْبِيِّينَ النَّازِلِينَ) عِنْدَنَا (بِأَمَانٍ عُشْرُ مَا قَدِمُوا بِهِ) لِلتِّجَارَةِ مِنْ عُرُوضٍ وَطَعَامٍ بَاعُوا أَوْ لَمْ يَبِيعُوا.
وَاَلَّذِي لَهُ الْأَخْذُ مِنْهُمْ عَامِلُ أَوَّلِ قُطْرٍ دَخَلُوهُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ إذَا انْتَقَلُوا لِآخَرَ مَا دَامُوا فِي بِلَادِنَا حَتَّى يَذْهَبُوا لِبِلَادِهِمْ وَيَنْقَلِبُوا إلَيْنَا مَرَّةً أُخْرَى، لِأَنَّ جَمِيعَ بِلَادِ الْإِسْلَامِ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ.
وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ فَعِلَّةُ الْأَخْذِ مِنْهُمْ الِانْتِفَاعُ وَهُمْ غَيْرُ مَمْنُوعِينَ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَكُلَّمَا تَكَرَّرَ نَفْعُهُمْ تَكَرَّرَ الْأَخْذُ مِنْهُمْ، (إلَّا لِشَرْطٍ) فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا وَقَعَ الِاشْتِرَاطُ عَلَيْهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَلَوْ قَدِمُوا بِعَيْنٍ لِلتِّجَارَةِ أُخِذَ عُشْرُ قِيمَةِ مَا اشْتَرَوْهُ بِهَا، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ بَيْعِ خَمْرٍ إلَّا إذَا حَمَلُوهُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فَيُمَكَّنُونَ مِنْ بَيْعِهِ لَهُمْ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ ثَمَنِ مَا بَاعُوهُ مِنْهُ.
(وَلَا يُعَادُ) الْأَخْذُ مِنْهُمْ (إنْ رَحَلُوا) مِنْ أُفُقٍ (لِأُفُقٍ آخَرَ) لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ جَمِيعَ بِلَادِ الْإِسْلَامِ كَالْبَلَدِ الْوَاحِدِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، فَمَا دَامُوا فِيهَا لَمْ يَتَكَرَّرْ الْأَخْذُ مِنْهُمْ حَتَّى يَذْهَبُوا لِبِلَادِهِمْ، ثُمَّ يَرْجِعُوا بِأَمَانٍ آخَرَ وَلَوْ تَكَرَّرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَرَّةً فَقَطْ فِي الْعَامِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ] : أَيْ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْحَرْبِيِّينَ.
قَوْلُهُ: [قَلَّ أَوْ كَثُرَ] : حَاصِلُهُ أَنَّهُ قَبْلَ نُزُولِهِمْ يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَ مَعَهُمْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ الْعُشْرِ وَإِنْ بِأَضْعَافٍ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ النُّزُولِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ إلَّا الْعُشْرُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ الْعَدَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ أَبِي الْحَسَنِ.
قَوْلُهُ: [فَيُمَكَّنُونَ مِنْ بَيْعِهِ لَهُمْ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَمُقَابِلُهُ لَا يُمَكَّنُونَ وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَكْلِيفِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ أَوْ لَا ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
قَوْلُهُ: [وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ] إلَخْ: هَذَا فِي الْحَرْبِيِّينَ.
وَمِثْلُهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَهُمْ كَالْمُسْلِمِينَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَالْإِجْمَاعُ عَلَى حُرْمَةِ الْأَخْذِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَ) عَلَى (كُفْرِ مُسْتَحِلِّهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَلَا يَرُدُّنَا عَلَيْنَا أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ جَوَّزُوا لِلْعَشَّارِ أَخْذَ رُبْعِ الْعُشْرِ كُلَّ عَامٍ مِنْ تُجَّارِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّا نَقُولُ: كَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عِنْدَهُمْ عَلَى الزَّكَاةِ، وَلِذَلِكَ قَالُوا: يَجُوزُ رُبْعُ الْعُشْرِ لَا أَكْثَرُ فِي كُلِّ حَوْلٍ مَا لَمْ يَدَّعِ التَّاجِرُ أَنَّهُ دَفَعَهُ لِفَقِيرٍ أَوْ مِسْكِينٍ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ وَأَخَذَهُ الْعَشَّارُ حَسِبَهُ رَبُّ الْمَالِ مِنْ الزَّكَاةِ.
وَقَوْلُنَا: " وَالْإِجْمَاعُ " إلَخْ ظَاهِرٌ فِي أَخْذِ الْعُشْرِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ظُلْمًا كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ الْآنَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[حاشية الصاوي]

[أَخَذَ الْعَشْر مِنْ الْمُسْلِمِينَ]

قَوْلُهُ: [وَعَلَى كُفْرِ مُسْتَحِلِّهِ] : أَيْ وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ جُمْلَةُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْمَكَّاسِ.
مِنْهَا: «إذَا رَأَيْتُمْ مَكَّاسًا فَاقْتُلُوهُ» وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.
قَوْلُهُ: [حَسِبَهُ رَبُّ الْمَالِ إلَخْ] : أَيْ عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِهِمْ.

بَابُ الْمُسَابَقَةِ (الْمُسَابَقَةُ) : مُفَاعَلَةٌ: مِنْ السَّبْقِ بِسُكُونِ الْبَاءِ مَصْدَرُ سَبَقَ إذَا تَقَدَّمَ، وَبِفَتْحِهَا: الْجُعْلُ الَّذِي يُجْعَلُ بَيْنَ أَهْلِ السِّبَاقِ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا الْمَنْعُ لِمَا فِيهَا مِنْ اللَّعِبِ وَالْقِمَارِ - بِكَسْرِ الْقَافِ وَهِيَ الْمُغَالَبَةُ وَالتَّحَيُّلُ عَلَى أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَلِحُصُولِ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ لِشَخْصٍ لِأَنَّ السَّابِقَ هُوَ الَّذِي قَدْ يَأْخُذُ الْجُعْلَ.
وَلَكِنْ أَجَازَهَا الشَّارِعُ لِلتَّدْرِيبِ عَلَى الْجِهَادِ وَمَنْعِ الصَّائِلِ، فَلَوْ كَانَتْ لِمُجَرَّدِ اللَّهْوِ لَمْ تَجُزْ.
(جَائِزَةٌ بِجُعْلٍ) فِي أَرْبَعَةِ أُمُورٍ: (فِي الْخَيْلِ) مِنْ الْجَانِبَيْنِ.
(وَ) فِي (الْإِبِلِ) كَذَلِكَ.
(وَبَيْنَهُمَا) خَيْلٌ مِنْ جَانِبٍ وَإِبِلٌ مِنْ جَانِبٍ.
(وَفِي السَّهْمِ) لِإِصَابَةِ الْغَرَضِ أَوْ بُعْدُ الرَّمْيَةِ وَبَيَّنَ شُرُوطَ جَوَازِهَا بِالْجُعْلِ بِقَوْلِهِ: (إنْ صَحَّ بَيْعُهُ) : أَيْ بَيْعُ الْجُعْلِ

[حاشية الصاوي]

[بَابُ الْمُسَابَقَةِ]

[تَعْرِيف الْمُسَابَقَةِ]

بَابٌ: لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى أَحْكَامِ الْجِهَادِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا يَتَقَوَّى بِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُسَابَقَةُ.
قَوْلُهُ: [مِنْ السَّبْقِ] : أَيْ فَهِيَ لُغَةً مُشْتَقَّةٌ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَبِفَتْحِهَا الْجُعْلُ] : أَيْ الْمَالُ الَّذِي يُوضَعُ وَيُهَيَّأُ لِلسَّابِقِ لِيَأْخُذَهُ.
قَوْلُهُ: [وَالْأَصْلُ فِيهَا الْمَنْعُ] : وَلِذَلِكَ قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَالْمُسَابَقَةُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ ثَلَاثِ قَوَاعِدَ: الْقِمَارُ بِكَسْرِ الْقَافِ، وَتَعْذِيبُ الْحَيَوَانِ بِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ، وَحُصُولُ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ (اهـ) . قَوْلُهُ: [جَائِزَةٌ بِجُعْلٍ] : أَيْ وَمِنْ بَابٍ أَوْلَى بِغَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ.
قَوْلُهُ: [فِي الْخَيْلِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا غَيْرُ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ كَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ

بِأَنْ كَانَ طَاهِرًا مَعْلُومًا مُنْتَفَعًا بِهِ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ لَا بِنَجِسٍ وَلَا بِمَجْهُولٍ، وَلَا خَمْرٍ وَلَا خِنْزِيرٍ وَلَا بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ كَجِلْدِ أُضْحِيَّةٍ.
(وَ) إنْ (عُيِّنَ الْمَبْدَأُ) فِي الْمُسَابَقَةِ بِالْحَيَوَانِ أَوْ بِالسَّهْمِ.
(وَالْغَايَةُ) الَّتِي يُنْتَهَى إلَيْهَا.
(وَالْمَرْكَبُ) أَيْ مَا يُرْكَبُ مِنْ خَيْلٍ أَوْ إبِلٍ كَهَذَا الْفَرَسِ وَهَذَا الْبَعِيرِ.
(وَ) عُيِّنَ (الرَّامِي) فِي الرَّمْيِ كَزَيْدٍ أَوْ هَذَا الرَّجُلِ.
(وَ) عُيِّنَ (عَدَدُ الْإِصَابَةِ) بِمَرَّةٍ أَوْ مَرَّتَيْنِ.
(وَ) عُيِّنَ (نَوْعُهَا) أَيْ الْإِصَابَةِ مِنْ خَزْقٍ بِخَاءٍ وَزَايٍ مُعْجَمَتَيْنِ: وَهُوَ ثَقْبُ الْغَرَضِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ السَّهْمُ فِيهِ، وَخَسْقٍ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَقَافٍ: وَهُوَ ثَقْبُهُ وَسُكُونُ السَّهْمِ فِيهِ، وَخَرْمٍ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ وَسُكُونِ الرَّاءِ: وَهُوَ إصَابَةُ طَرَفِ الْغَرَضِ فَيَخْدِشُهُ.

[حاشية الصاوي]

تَجُوزُ بِالْجُعْلِ، وَأَمَّا بِغَيْرِهِ فَتَجُوزُ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَلَا بِمَجْهُولٍ] : أَيْ كَاَلَّذِي فِي الْجَيْبِ أَوْ الصُّنْدُوقِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ أَوْ جِنْسُهُ، فَلَوْ وَقَعَتْ الْمُسَابَقَةُ بِمَمْنُوعٍ مِمَّا ذُكِرَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهَا، لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ الْجَاعِلُ بِشَيْءٍ حَتَّى يُقَالَ عَلَيْهِ جَعْلُ الْمِثْلِ خِلَافًا لِلْبَدْرِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ عُيِّنَ الْمَبْدَأُ] : قَدَّرَ الشَّارِحُ إنْ لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلَى صَحَّ وَهُوَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ لِيَشْمَلَ مَا إذَا كَانَ التَّعْيِينُ مِنْهُمَا بِتَصْرِيحٍ أَوْ بِعَادَةٍ، وَالْمُرَادُ بِالْمَبْدَأِ الْمَحَلُّ الَّذِي يُبْدَأُ مِنْهُ مِنْ رِمَاحَةٍ أَوْ رَمْيٍ بِالسَّهْمِ وَالْمُرَادُ بِالْغَايَةِ الْمَحَلُّ الَّذِي يُنْتَهَى إلَيْهِ، وَلَا تُشْتَرَطُ الْمُسَاوَاةُ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: [كَهَذَا الْفَرَسِ] : أَيْ لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ بِالْإِشَارَةِ الْحِسِّيَّةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، بِأَنْ يَقُولَ: أُسَابِقُك عَلَى فَرَسِي هَذِهِ أَوْ بَعِيرِي هَذَا، وَأَنْتَ عَلَى فَرَسِك هَذِهِ أَوْ بَعِيرِك هَذَا، أَوْ فَرَسِك وَفَرَسِي وَكَانَا مَعْهُودَيْنِ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَكْتَفِي بِالتَّعْيِينِ بِالْوَصْفِ كَأُسَابِقُك عَلَى فَرَسٍ أَوْ بَعِيرٍ صِفَتُهُ كَذَا، وَهَذَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ: مِنْ شُرُوطِ السَّبْقِ مَعْرِفَةُ أَعْيَانِ السِّبَاقِ (اهـ) . وَلَا بُدَّ أَنْ لَا يُقْطَعَ بِسَبْقِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، فَيُشْتَرَطُ جَهْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَسَابِقَيْنِ سَبْقَ فَرَسِهِ.
قَوْلُهُ: [وَعُيِّنَ الرَّامِي] : أَيْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ شَخْصِهِ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو،

(وَلَزِمَتْ) الْمُسَابَقَةُ (بِالْعَقْدِ) كَالْإِجَارَةِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا حَلُّهَا إلَّا بِرِضَاهُمَا مَعًا.
(وَأَخْرَجَهُ) عَطْفٌ عَلَى صَحَّ: أَيْ إنْ صَحَّ بَيْعُهُ وَإِنْ أَخْرَجَهُ أَيْ الْجُعْلَ (مُتَبَرِّعٌ) بِهِ غَيْرُ الْمُتَسَابِقَيْنِ، (لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ أَوْ أَخْرَجَهُ أَحَدُهُمَا) : أَيْ الْمُتَسَابِقَيْنِ (فَإِنْ سَبَقَهُ) أَيْ عَلَى أَنَّهُ إنْ سَبَقَهُ (غَيْرُهُ أَخَذَهُ) ذَلِكَ الْغَيْرُ (وَإِلَّا) يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ، (فَلِمَنْ حَضَرَ) وَلَا يَرْجِعُ لِرَبِّهِ وَلَا يُشْتَرَطُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْعَقْدِ، بَلْ إنْ سَكَتَا صَحَّ الْعَقْدُ وَحُمِلَ عَلَى مَا ذُكِرَ، بِخِلَافِ لَوْ اشْتَرَطَ مَخْرَجَهُ أَنَّهُ إنْ سَبَقَ عَادَ إلَيْهِ فَفَاسِدٌ.

(لَا) تَصِحُّ (إنْ أَخْرَجَا) أَيْ أَخْرَجَ كُلٌّ مِنْهُمَا جُعْلًا (لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ) مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ مِنْ الْقِمَارِ الْمَحْضِ، وَهُوَ لِرَبِّهِ سَبَقَ أَوْ لَمْ يَسْبِقْ.
وَبَالَغَ عَلَى الْمَنْعِ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ) وَقَعَ ذَلِكَ (بِمُحَلِّلٍ) : أَيْ مَعَ ثَالِثٍ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا إنْ (أَمْكَنَ سَبْقُهُ) لِقُوَّةِ فَرَسِهِ عَلَى أَنَّهُ إنْ سَبَقَ أَخَذَ الْجُعْلَيْنِ مَعًا، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا أَخَذَهُمَا مَعًا.
وَعِلَّةُ الْمَنْعِ جَوَازُ رُجُوعِ الْجُعْلِ لِمُخْرِجِهِ.
وَأَوْلَى فِي الْمَنْعِ إنْ قَطَعَ بِعَدَمِ سَبْقِ الْمُحَلِّلِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْعَدَمِ.
وَسُمِّيَ مُحَلِّلًا مَعَ

[حاشية الصاوي]

فَلَوْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى مُسَابَقَةِ شَخْصَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لَمْ يَجُزْ.

[الْمُسَابَقَةِ بالجعل]

قَوْلُهُ: [كَالْإِجَارَةِ] : أَيْ فِي غَيْرِ الْمُتَسَابِقَيْنِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنْ فِيهِ تَشْبِيهَ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، لِأَنَّ عَقْدَ الْمُسَابَقَةِ مِنْ الْإِجَارَةِ أَوْ أَنَّهُ مِنْ تَشْبِيهِ الْجُزْئِيِّ بِالْكُلِّيِّ.
قَوْلُهُ: [غَيْرُ الْمُتَسَابِقَيْنِ] : هَذِهِ جَائِزَةٌ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ وَهِيَ إخْرَاجُ أَحَدِ الْمُتَسَابِقَيْنِ فَعَلَى الْمَشْهُورِ.

قَوْلُهُ: [لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ مِنْهُمَا] : أَيْ لِيَأْخُذَ السَّابِقُ الْجُعْلَ الَّذِي أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ مَعَ بَقَاءِ جُعْلِهِ لَهُ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ مِنْ الْقِمَارِ الْمَحْضِ] : أَيْ الْخَالِصِ الَّذِي لَا رُخْصَةَ فِيهِ لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ الرُّخْصَةِ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ لِرَبِّهِ] : أَيْ وَجُعْلُ كُلٍّ لِرَبِّهِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ بِمُحَلِّلٍ] : رَدَّ بِلَوْ عَلَى مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ مَعَ الْمُحَلِّلِ وَهُوَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَقَالَ بِهِ مَالِكٌ مَرَّةً.
وَوَجْهُهُ: أَنَّهُمَا مَعَ الْمُحَلِّلِ صَارَا كَاثْنَيْنِ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ.

أَنَّهُ لَا تَحْلِيلَ بِهِ نَظَرًا لِمَنْ يَرَى الْجَوَازَ بِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ مُحَلِّلٌ حَقِيقَةً.

(وَإِنْ عَرَضَ لِلسَّهْمِ عَارِضٌ) فِي ذَهَابِهِ عَطَّلَ سَيْرَهُ، (أَوْ انْكَسَرَ) السَّهْمُ، (أَوْ) عَرَضَ (لِلْفَرَسِ ضَرْبٌ بِوَجْهٍ) مَثَلًا (فَعَاقَهُ، أَوْ) عَرَضَ لِصَاحِبِهِ (نَزْعُ سَوْطِهِ) مِنْ يَدِهِ فَقَلَّ جَرْيُ الْفَرَسِ أَوْ الْبَعِيرِ (لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا) لِعُذْرِهِ بِمَا ذُكِرَ.
(بِخِلَافِ ضَيَاعِهِ) أَيْ السَّوْطِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِسَبَبِهِ مَسْبُوقًا لِتَفْرِيطِهِ، (أَوْ قَطْعِ لِجَامٍ أَوْ حَرْنِ الْفَرَسِ) فَإِنَّهُ يُعَدُّ مَسْبُوقًا.

(وَجَازَتْ) الْمُسَابَقَةُ (بِغَيْرِهِ) أَيْ بِغَيْرِ الْجُعْلِ، بِأَنْ تَكُونَ مَجَّانًا (مُطْلَقًا) فِي الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَغَيْرِهَا كَالْجَرْيِ عَلَى الْأَقْدَامِ وَبِالسُّفُنِ وَالْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ، وَالرَّمْيِ بِالْأَحْجَارِ وَالْجَرِيدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَدَرَّبُ بِهِ عَلَى قِتَالِ الْعَدُوِّ (إنْ صَحَّ الْقَصْدُ) بِأَنْ وَافَقَ الشَّرْعَ.
فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ بِأَنْ كَانَ لِمُجَرَّدِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْفُسُوقِ لَمْ تَجُزْ، وَلَا سِيَّمَا إنْ حَصَلَ بِلَعِبِهِمْ الْإِيذَاءُ بِضَرْبٍ وَغَيْرِهِ.

[مَا يَجُوز فِي المسابقة]

(وَ) جَازَ (عِنْدَ الرَّمْيِ افْتِخَارٌ) : أَيْ ذِكْرُ الْمَفَاخِرِ بِالِانْتِسَابِ إلَى أَبٍ أَوْ قَبِيلَةٍ.
(وَ) جَازَ (رَجَزٌ) أَيْ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ الشِّعْرِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الِافْتِخَارِ (وَتَسْمِيَةُ نَفْسِهِ) كَأَنَا فُلَانٌ أَوْ أَبُو فُلَانٍ، (وَصِيَاحٌ) بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [نَظَرًا لِمَنْ يَرَى الْجَوَازَ بِهِ] : أَيْ وَهُوَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٌ كَمَا تَقَدَّمَ.

[إذَا عَرَضَ لِلسَّهْمِ أَوْ الفارس عارض فِي ذَهَابه]

قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ ضَيَاعِهِ] : أَيْ كَمَا لَوْ نَسِيَهُ قَبْلَ رُكُوبِهِ أَوْ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ وَهُوَ رَاكِبٌ قَوْلُهُ: [لَمْ يَجُزْ] : أَيْ يَحْرُمُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَقَدْ حَكَى الزَّنَاتِيُّ قَوْلَيْنِ بِالْكَرَاهَةِ وَالْحُرْمَةِ فِيمَنْ تَطَوَّعَ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ لِلْمُتَصَارِعَيْنِ أَوْ الْمُتَسَابِقَيْنِ عَلَى أَرْجُلِهِمَا أَوْ عَلَى حِمَارَيْهِمَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصُّ السُّنَّةِ.

[المسابقة بِغَيْرِ الجعل]

قَوْلُهُ: [وَجَازَ عِنْدَ الرَّمْيِ افْتِخَارٌ] : أَيْ بِالْقَوْلِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ أَوْ بِالْفِعْلِ كَمَا وَرَدَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَخْتَالُ فِي مَشَيْته بَيْنَ الصُّفُوفِ، فَقَالَ إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَكَانِ» ، أَوْ مَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ.

(كَالْحَرْبِ) أَيْ كَمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي حَالِ الْحَرْبِ بِالْأَوْلَى لِأَنَّهُ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ (وَالْأَحَبُّ) مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ (ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى) مِنْ تَسْبِيحٍ وَتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ، وَنَحْوُ يَا دَائِمُ يَا وَاحِدُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10] .

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَسَائِلِ الْجِهَادِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النِّكَاحِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فَقَالَ:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ] : أَيْ لِوُرُودِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَحَيْثُ قَالَ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» .

[بَابٌ فِي النِّكَاحِ وَذِكْرُ مُهِمَّاتِ مَسَائِلِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]

[حُكْم النِّكَاحُ وَتَعْرِيفه وَأَرْكَانُهُ]

قَوْلُهُ: [انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى النِّكَاحِ] : أَيْ لِأَنَّ النِّكَاحَ مِنْ لَوَازِمِهِ الْجَهْدُ وَالْمَشَقَّةُ الَّتِي هِيَ مَعْنَى الْجِهَادِ لُغَةً، لِخَبَرِ: «إنَّ مِنْ الذُّنُوبِ ذُنُوبًا لَا يُكَفِّرُهَا صَلَاةٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا جِهَادٌ إلَّا السَّعْيُ عَلَى الْعِيَالِ» ، أَوْ كَمَا قَالَ، وَقَدْ أَسْقَطَ الْمُصَنِّفُ هُنَا فَصْلَ الْخَصَائِصِ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَحْكَامِهَا قَدْ انْقَضَى بِوَفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

بَابٌ فِي النِّكَاحِ وَذِكْرُ مُهِمَّاتِ مَسَائِلِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ طَلَاقٍ وَظِهَارٍ وَلِعَانٍ وَنَفَقَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ بَابٌ مُهِمٌّ يَنْبَغِي زِيَادَةُ الِاعْتِنَاءِ بِهِ.

[حاشية الصاوي]

بَابٌ: قَوْلُهُ: [وَغَيْرِ ذَلِكَ] : أَيْ كَالرَّجْعَةِ وَالْإِيلَاءِ وَالْعِدَّةِ وَالرَّضَاعِ وَالْحَضَانَةِ.

وَالْأَصْلُ فِيهِ النَّدْبُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَالْأَصْلُ فِيهِ النَّدْبُ] : أَيْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ

لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنَاسُلِ وَبَقَاءِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ، وَكَفِّ النَّفْسِ عَنْ الزِّنَا الَّذِي هُوَ مِنْ الْمُوبِقَاتِ وَلِذَا قَالَ: (نُدِبَ النِّكَاحُ) وَقَدْ يَجِبُ إنْ خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الزِّنَا، وَقَدْ يَحْرُمُ إنْ لَمْ يَخْشَ الزِّنَا وَأَدَّى إلَى حَرَامٍ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ إضْرَارٍ أَوْ إلَى تَرْكِ وَاجِبٍ.

[حاشية الصاوي]

فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَالْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنَاسُلِ] إلَخْ: بَيَانٌ لِحِكْمَتِهِ.
قَوْلُهُ: [وَقَدْ يَجِبُ إنْ خَشِيَ] إلَخْ: أَيْ وَإِنْ أَدَّى إلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا مِنْ حَرَامٍ أَوْ أَذًى إلَى عَدَمِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا.
وَالظَّاهِرُ - كَمَا قَالَهُ الْخَرَشِيُّ - وُجُوبُ إعْلَامِهَا بِذَلِكَ، وَلَكِنْ اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْخَائِفَ مِنْ الزِّنَا مُكَلَّفٌ بِتَرْكِ الزِّنَا، لِأَنَّهُ فِي طَوْقِهِ كَمَا أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِتَرْكِ التَّزَوُّجِ الْحَرَامِ، فَلَا يَفْعَلُ مُحَرَّمًا لِدَفْعِ مُحَرَّمٍ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إذَا خَافَ الزِّنَا وَجَبَ النِّكَاحُ، وَلَوْ أَدَّى الْإِنْفَاقَ مِنْ حَرَامٍ، وَقَدْ يُقَالُ إذَا اسْتَحْكَمَ الْأَمْرُ فَالْقَاعِدَةُ ارْتِكَابُ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ تَجِدْ مَا يَسُدُّ رَمَقَهَا إلَّا بِالزِّنَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهَا كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [أَوْ إلَى تَرْكِ وَاجِبٍ] : أَيْ كَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ أَوْقَاتِهَا لِاشْتِغَالِهِ بِتَحْصِيلِ نَفَقَتِهَا.
وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَقَامِ أَنَّ الشَّخْصَ إمَّا رَاغِبٌ فِي النِّكَاحِ أَوْ لَا، وَالرَّاغِبُ إمَّا أَنْ يَخْشَى الْعَنَتَ أَوْ لَا، فَالرَّاغِبُ إنْ خَشِيَ الْعَنَتَ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَوْ مَعَ إنْفَاقٍ عَلَيْهَا مِنْ حَرَامٍ، أَوْ مَعَ وُجُودِ مُقْتَضَى التَّحْرِيمِ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَخْشَ نُدِبَ لَهُ رَجَا النَّسْلَ أَمْ لَا، وَلَوْ قَطَعَهُ عَنْ عِبَادَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ.
وَغَيْرُ الرَّاغِبِ إنْ خَافَ بِهِ قَطْعَهُ عَنْ عِبَادَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ كُرِهَ، رَجَا النَّسْلَ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَخْشَ وَرَجَا النَّسْلَ نُدِبَ، فَإِنْ لَمْ يَرْجُ أُبِيحَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كُلًّا مِنْ قِسْمِ الْمَنْدُوبِ وَالْجَائِزِ وَالْمَكْرُوهِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُوجِبَ التَّحْرِيمِ، وَالْمَرْأَةُ مُسَاوِيَةٌ لِلرَّجُلِ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ إلَّا فِي التَّسَرِّي.

(وَهُوَ) : أَيْ النِّكَاحُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ: (عَقْدٌ لِحِلِّ تَمَتُّعٍ) : أَيْ اسْتِمْتَاعٍ وَانْتِفَاعٍ وَتَلَذُّذٍ (بِأُنْثَى) وَطْئًا وَمُبَاشَرَةً وَتَقْبِيلًا وَضَمًّا وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: " لِحِلِّ " إلَخْ: عِلَّةٌ بَاعِثَةٌ عَلَى الْعَقْدِ، وَخَرَجَ بِهِ سَائِرُ الْعُقُودِ مَا عَدَا الْمَحْدُودَ وَالشِّرَاءَ لِلْأَمَةِ وَإِنْ لِمُسْتَوْلِدِهَا؛ إذْ لَيْسَ الْأَصْلُ فِيهِ حِلُّ التَّمَتُّعِ بَلْ الِانْتِفَاعُ الْعَامُّ وَمِلْكُ الذَّاتِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْحُدُودِ.
وَوَصَفَ الْأُنْثَى بِقَوْلِهِ: (غَيْرِ مَحْرَمٍ) بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ فَلَا يَصِحُّ عَلَى مَحْرَمٍ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فِي عُرْفِ الشَّرْعِ عَقْدٌ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ مِنْ قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حَيْثُ قَالَ: اُخْتُلِفَ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ أَوْ فِي إحْدَاهُمَا وَمَا هُوَ مَحَلُّ الْحَقِيقَةِ؟ قَالَ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ لُغَةً فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ، وَفِي الشَّرْعِ عَلَى الْعَكْسِ إلَخْ.
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ إنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ هَلْ تَحْرُمُ عَلَى ابْنِهِ وَأَبِيهِ عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ أَمْ لَا تَحْرُمُ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ.
إنْ قُلْت مُقْتَضَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْعَقْدِ حِلُّ الْمَبْتُوتَةِ بِمُجَرَّدِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْآيَةَ خُصِّصَتْ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» إلَخْ وَالْإِجْمَاعُ مُوَافِقٌ لِلْحَدِيثِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [إذْ لَيْسَ الْأَصْلُ فِيهِ حِلَّ التَّمَتُّعِ] : أَيْ بِخُصُوصِهِ بَلْ الْأَصْلُ فِيهِ مِلْكُ الذَّاتِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَالتَّمَتُّعُ مِنْ تَوَابِعِ مِلْكِ الذَّاتِ، بِخِلَافِ عَقْدِ النِّكَاحِ فَلَا يَمْلِكُ مِنْ الْمَرْأَةِ إلَّا الِانْتِفَاعَ لَا الذَّاتَ وَلَا الْمَنْفَعَةَ، فَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ مِنْهَا الِانْتِفَاعُ بِنَفْسِهِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [بِنَسَبٍ] إلَخْ: مُحَرَّمُ النَّسَبِ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى:

(وَ) غَيْرِ (مَجُوسِيَّةٍ) إذْ لَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى مَجُوسِيَّةٍ وَلَوْ حُرَّةً.
(وَ) غَيْرِ (أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ) مَمْلُوكَةٍ لَهُمْ أَمْ لَا، إذْ لَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى الْأَمَةِ الْمَذْكُورَةِ، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ الْكِتَابِيَّةِ، وَالْحَدُّ شَامِلٌ لَهَا.
فَإِنْ قِيلَ: كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: بِأُنْثَى خَالِيَةٍ مِنْ مَانِعٍ شَرْعِيٍّ فَتَخْرُجُ الْمَحْرَمُ وَالْمَجُوسِيَّةُ وَالْأَمَةُ الْكِتَابِيَّةُ، وَيَخْرُجُ أَيْضًا الْمُلَاعَنَةُ وَالْمَبْتُوتَةُ وَالْمُعْتَدَّةُ مِنْ غَيْرِهِ وَالْمُحْرِمَةُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ قَصَدَ بِمَا ذَكَرَهُ إخْرَاجَ مَنْ قَامَ بِهَا مَانِعٌ أَصْلِيٌّ، وَأَمَّا الْمُلَاعَنَةُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا فَمَانِعُهُنَّ عَرَضِيٌّ طَارِئٌ بَعْدَ الْحِلِّ، بِخِلَافِ " الْمَحْرَمِ " وَمَا بَعْدَهَا.
وَسَيُذْكَرُ الْعَرَضِيُّ فِي الشُّرُوطِ.

[حاشية الصاوي]

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] الْآيَةَ وَمُحَرَّمُ الرَّضَاعِ مِثْلُهُ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» ، وَمَحْرَمُ الصِّهْرِ أُمَّهَاتُ الزَّوْجَةِ وَبَنَاتُهَا وَزَوْجَاتُ الْأُصُولِ، وَزَوْجَاتُ الْفُرُوعِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: [إذْ لَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى مَجُوسِيَّةٍ] إلَخْ: وَلِذَلِكَ لَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ مَجُوسِيَّةٌ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ نِكَاحُهَا، وَلَا يُقَرُّ عَلَيْهَا بِحَالٍ مَا دَامَتْ مَجُوسِيَّةً كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [إذْ لَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى الْأَمَةِ الْمَذْكُورَةِ] : أَيْ وَلَوْ خَشِيَ الْعَنَتَ وَلَمْ يَجِدْ لِلْحَرَائِرِ طَوْلًا وَلَا يُقَرُّ عَلَيْهَا إنْ أَسْلَمَ، وَهِيَ تَحْتَهُ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ فَلَهُ نِكَاحُهَا بِالشَّرْطَيْنِ وَيُقَرُّ عَلَيْهَا إنْ أَسْلَمَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطَانِ.
قَوْلُهُ: [فَتَخْرُجُ الْمَحْرَمُ وَالْمَجُوسِيَّةُ] إلَخْ: أَيْ وَيَكُونُ الْحَدُّ جَامِعًا مَانِعًا.
قَوْلُهُ: [فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَصَدَ بِمَا ذَكَرَهُ] إلَخْ: مُحَصَّلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْحَدَّ مَا كَانَ بِالذَّاتِيَّاتِ لَا بِالْعَرَضِيَّاتِ، إذْ لَا يُلْتَفَتُ لَهَا فِي الْحُدُودِ فَلِذَلِكَ اُلْتُفِتَ لِلْمَانِعِ الْأَصْلِيِّ

(بِصِيغَةٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِعَقْدٍ فَهُوَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا.
(لِقَادِرٍ) عَلَى مَا يَتَحَصَّلُ بِهِ النِّكَاحُ مِنْ صَدَاقٍ وَنَفَقَةٍ (مُحْتَاجٍ) لَهُ إمَّا لِكَسْرِ شَهْوَتِهِ أَوْ لِإِصْلَاحِ مَنْزِلِهِ وَإِنْ لَمْ يَرْجُ نَسْلًا (أَوْ رَاجٍ نَسْلًا) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا.
وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " نُدِبَ النِّكَاحُ " وَلَيْسَ مِنْ الْحَدِّ، وَإِنَّمَا اعْتَرَضَ بِذِكْرِ الْحَدِّ بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ.
ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى ذِكْرِ التَّعْرِيفِ قَوْلَهُ: (فَرُكْنُهُ) مُفْرَدٌ مُضَافٌ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَرْكَانِ: أَيْ إذَا عَلِمْت أَنَّهُ عَقْدٌ إلَخْ فَتَكُونُ أَرْكَانُهُ ثَلَاثَةً؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَحْصُلُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ عَلَى حِلِّ شَيْءٍ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ:

[حاشية الصاوي]

فَقَطْ، لِأَنَّ الْحُدُودَ لِبَيَانِ الْحَقَائِقِ صَحِيحَةٌ أَوْ فَاسِدَةٌ لِعَارِضٍ، فَلِذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا إخْرَاجُ الْعَرَضِيَّاتِ فَحَيْثُ كَانَ التَّعْرِيفُ جَامِعًا مَانِعًا مِنْ حَيْثُ الذَّاتِيَّاتِ كَفَى، وَلَا يُلْتَفَتُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَانِعٍ مِنْ حَيْثُ الْعَرَضِيَّاتِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.
قَوْلُهُ: [فَهُوَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ] : أَيْ لِأَنَّهَا أَحَدُ الْأَرْكَانِ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ ذَاتِيَّاتِ الْمَاهِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا] : أَيْ فِي قَوْلِهِ وَالصِّيغَةُ هِيَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ كَأَنْكَحْتُ وَزَوَّجْت إلَخْ.
قَوْلُهُ: [لِقَادِرٍ] : أَيْ وَأَمَّا غَيْرُ الْقَادِرِ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ بَلْ هُوَ حَرَامٌ إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [مُحْتَاجٍ] إلَخْ: تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي الْحَاصِلِ.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى ذِكْرِ التَّعْرِيفِ] : إنَّمَا فَرَّعَ الْأَرْكَانَ عَلَى التَّعْرِيفِ لِتَضَمُّنِهِ لَهَا فَهُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الشَّيْءِ مُجْمَلًا ثُمَّ مُفَصَّلًا فَيَكُونُ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ.
قَوْلُهُ: [مُفْرَدٌ مُضَافٌ] إلَخْ: جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَارِدٍ وَهُوَ أَنَّ الرُّكْنَ مُبْتَدَأٌ وَهُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَأَخْبَرَ عَنْهُ بِمُتَعَدِّدٍ فَأَجَابَ بِمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَحْصُلُ] إلَخْ: بَيَانٌ لِحَصْرِ الْأَرْكَانِ فِي الثَّلَاثَةِ.
وَلِمَاهِيَّةِ الْعَقْدِ مِنْ حَيْثُ هِيَ سَوَاءٌ كَانَ عَقْدَ نِكَاحٍ أَوْ بَيْعٍ مَثَلًا، فَالِاثْنَانِ فِي النِّكَاحِ الزَّوْجُ وَوَلِيُّ الزَّوْجَةِ، وَفِي الْبَيْعِ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، وَقَوْلُهُ عَلَى حِلِّ شَيْءٍ كِنَايَةٌ عَنْ

الْأَوَّلُ: (وَلِيٌّ) يَحْصُلُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ كَزَوْجٍ أَوْ وَكِيلِهِ الْعَقْدُ.
(وَ) الثَّانِي: (مَحَلٌّ) زَوْجٌ وَزَوْجَةٌ.
(وَ) الثَّالِثُ: (صِيغَةٌ) بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ.

وَأَمَّا الصَّدَاقُ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ بِدَلِيلِ صِحَّةِ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْهُ فَيَكُونُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ وَكَذَا الشُّهُودُ، فَلِذَا جَعَلَهُمَا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ فَقَالَ: (وَصِحَّتُهُ) : أَيْ وَشُرُوطُ صِحَّةِ النِّكَاحِ: أَنْ يَكُونَ (بِصَدَاقٍ) وَلَوْ لَمْ يُذْكَرْ حَالَ الْعَقْدِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ عِنْدَ الدُّخُولِ، أَوْ تَقَرَّرَ صَدَاقُ الْمِثْلِ بِالدُّخُولِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
(وَ) صِحَّتُهُ أَيْضًا: (بِشَهَادَةِ) رَجُلَيْنِ (عَدْلَيْنِ غَيْرِ الْوَلِيِّ) فَلَا يَصِحُّ بِلَا شَهَادَةٍ، أَوْ شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَا بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ، وَلَا بِعَدْلَيْنِ أَحَدُهُمَا

[حاشية الصاوي]

الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ زَوْجَةً أَمْ غَيْرَهَا.
وَقَوْلُهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كِنَايَةٌ عَنْ الصِّيغَةِ الَّتِي بِهَا الْعَقْدُ وَهِيَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ.
قَوْلُهُ: [يَحْصُلُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ] : أَيْ فَالْعَقْدُ لَا يَتَحَصَّلُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا فِي النِّكَاحِ وَلِيُّ الزَّوْجَةِ وَالْآخَرُ الزَّوْجُ أَوْ وَكِيلُهُ.
قَوْلُهُ: [وَالثَّانِي] : أَيْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ.
فَالزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ، فَكَمَا أَنَّهُ لَا يُحَالُ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ وَالْمُثَمَّنُ لِلْمُشْتَرِي إلَّا بِالْعَقْدِ لَا يَحِلُّ الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةُ لِلرَّجُلِ إلَّا بِهِ.
قَوْلُهُ: [بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ] : الْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ أَيْ مُصَوَّرَةٌ بِإِيجَابٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَقَبُولٍ مِنْ الْآخَرِ عَلَى الْوَجْهِ الْآتِي.

[شُرُوطُ صِحَّةِ النِّكَاحِ]

قَوْلُهُ: [فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ] : أَيْ فَهُوَ مِنْ الْعَرَضِيَّاتِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمْ يُذْكَرْ حَالَ الْعَقْدِ] إلَخْ: أَيْ فَالْمُضْمَرُ اشْتِرَاطُ عَدَمِهِ.
قَوْلُهُ: [غَيْرُ الْوَلِيِّ] إلَخْ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْوَلِيِّ مَنْ يُبَاشِرُ الْعَقْدَ، بَلْ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ النِّكَاحِ وَلَوْ تَوَلَّى الْعَقْدَ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ، وَلَا تَصِحُّ شَهَادَةُ الْمُتَوَلِّي أَيْضًا لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ النَّفْسِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ] : وَمِثْلُهُمَا مَسْتُورَا الْحَالِ فَإِنْ عُدِمَ الْعُدُولُ

الْوَلِيُّ، (وَإِنْ) حَصَلَتْ الشَّهَادَةُ بِهِمَا (بَعْدَ الْعَقْدِ) وَقَبْلَ الدُّخُولِ.
وَبَعْضُهُمْ عَدَّهُمَا مِنْ الْأَرْكَانِ نَظَرًا إلَى التَّوَقُّفِ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ صَحَّ الْعَقْدُ فِي نَفْسِهِ بِدُونِ ذِكْرِ صَدَاقٍ وَإِحْضَارِ شَاهِدَيْنِ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ الرِّسَالَةِ: وَلَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَالشَّيْخُ - عَمَّتْ بَرَكَاتُهُ - جَعَلَ الصَّدَاقَ رُكْنًا نَظَرًا إلَى أَنَّهُ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالثَّمَنِ، وَلَمْ يَجْعَلْ الشَّهَادَةَ مِنْ الْأَرْكَانِ أَيْ بَلْ هِيَ شَرْطٌ لِقَوْلِهِ: " وَفُسِخَ إنْ دَخَلَا بِلَاهُ "، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ إذْ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ وَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى.
وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الْوَطْءِ مَجَازٌ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَقِيلَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَإِذَا كَانَ الْإِشْهَادُ شَرْطَ صِحَّةٍ (فَيُفْسَخُ) النِّكَاحُ: أَيْ يَتَعَيَّنُ فَسْخُهُ بِطَلْقَةٍ - لِصِحَّتِهِ - بَائِنَةٌ.

[حاشية الصاوي]

فَيَكْفِي مَسْتُورَا الْحَالِ، وَقِيلَ يَسْتَكْثِرُ مِنْ الشُّهُودِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ.
قَوْلُهُ: [نَظَرًا إلَى أَنَّهُ مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ] إلَخْ: الْمُنَاسِبُ نَظَرًا لِتَوَقُّفِ الصِّحَّةِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْمَحَلُّ لَا غَيْرَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّعْرِيفِ، وَلَوْ كَانَ الصَّدَاقُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَمَّا وُجِدَ الْعَقْدُ بِدُونِهِ، وَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِهِ الْآتِي الصَّدَاقُ كَالثَّمَنِ، لِأَنَّ ذَاكَ مِنْ جِهَةِ شُرُوطِهِ.
قَوْلُهُ: [إذْ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ] : أَيْ فَمَنْ نَظَرَ إلَى الْحَقِيقَةِ جَعَلَ الْأَرْكَانَ ثَلَاثَةً كَمَا عَلِمْت، وَمَنْ نَظَرَ إلَى تَوَقُّفِ الصِّحَّةِ عَلَى الشَّيْءِ عَدَّ الصَّدَاقَ رُكْنًا وَنَاقَشُوهُ بِأَنَّ مُقْتَضَى هَذَا النَّظَرِ عَدُّ الشُّهُودِ أَيْضًا وَالْفَرْقُ تَحَكُّمٌ.
قَوْلُهُ: [وَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى] : أَيْ بَلْ فِي الِاصْطِلَاحِ وَالْعِبَارَةِ وَالْفِقْهِ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: [وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ النِّكَاحَ] : أَيْ مِنْ تَصْدِيرِهِ فِي التَّعْرِيفِ بِقَوْلِهِ عَقْدٌ إلَخْ.
قَوْلُهُ: [وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ] : أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ثَمَرَةِ الْخِلَافِ.
قَوْلُهُ: [لِصِحَّتِهِ] : أَيْ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ لِأَنَّ الْإِشْهَادَ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عِنْدَنَا، بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ حَالَةَ الْعَقْدِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [بَائِنَةٌ] : بِالرَّفْعِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَهِيَ بَائِنَةٌ لَا بِالْجَرِّ صِفَةٌ

لِأَنَّهُ جَبْرِيٌّ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ (إنْ دَخَلَا) أَيْ الزَّوْجَانِ (بِلَاهُ) : أَيْ بِلَا إشْهَادٍ.
(وَحُدَّا) مَعًا حَدَّ الزِّنَا جَلْدًا أَوْ رَجْمًا (إنْ وَطِئَ) وَأَقَرَّا بِهِ أَوْ ثَبَتَ بِأَرْبَعَةٍ كَالزِّنَا، وَلَا يُعْذَرَانِ بِجَهْلٍ.
(لَا إنْ فَشَا) النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا فَلَا يُحَدَّانِ لِلشُّبْهَةِ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» ، وَفَشْوُهُ: أَيْ ظُهُورُهُ يَكُونُ (بِكَدُفٍّ) : أَيْ بِضَرْبِ الدُّفِّ أَيْ الطَّارِّ الَّذِي يَكُونُ فِي الْأَعْرَاسِ، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ: الْوَلِيمَةَ وَالشَّاهِدَيْنِ الْفَاسِقَيْنِ فَلَا حَدَّ (وَلَوْ عَلِمَا) أَنَّ الْإِشْهَادَ وَاجِبٌ قَبْلَ الدُّخُولِ وَحُرْمَةُ الدُّخُولِ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ.
وَمِثْلُ الْفَشْوِ: الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ غَيْرُ الْوَلِيِّ فَلَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فَشْوٌ.

[حاشية الصاوي]

لِطَلْقَةٍ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَقُولُ طَلَّقْتهَا عَلَيْك وَلَا يَقُولُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى إذَا قَالَ الْحَاكِمُ طَلَّقْتهَا عَلَيْك تَصِيرُ تِلْكَ الطَّلْقَةُ بَائِنَةً.
وَإِنَّمَا كَانَ بِطَلَاقٍ لِأَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ جَبْرِيٌّ] : أَيْ وَلِذَلِكَ كَانَ كُلُّ طَلَاقٍ أَوْقَعَهُ الْحَاكِمُ يَكُونُ بَائِنًا إلَّا الْمُولِي وَالْمُعْسِرُ بِالنَّفَقَةِ.
وَأَيْضًا لَا يَتَأَتَّى هُنَا أَنْ يَكُونَ رَجْعِيًّا لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الرَّجْعِيِّ تَقَدُّمُ وَطْءٍ صَحِيحٍ وَلَمْ يَحْصُلْ، وَلِذَلِكَ كَانَ الطَّلَاقُ هُنَا بَائِنًا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ أَمْ لَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ.
فَالْأَوْلَى لِشَارِحِنَا أَنْ يُعَلَّلَ بِمَا ذُكِرَ فَتَدَبَّرْ.
قَوْلُهُ: [وَحُدَّا مَعًا] إلَخْ: أَيْ وَلَا يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ لِأَنَّهُ مَحْضٌ لِانْعِدَامِ شَرْطِ الصِّحَّةِ، فَالْمَعْدُومُ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا.
قَوْلُهُ: [إلَّا إنْ فَشَا] : جَعَلَ الشَّارِحُ فَاعِلَ الْفَشْوِ النِّكَاحَ وَهُوَ مَا لِابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ.
وَجَعَلَ عب الدُّخُولَ وَالْكُلُّ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: [وَالشَّاهِدَيْنِ الْفَاسِقَيْنِ] : وَمِنْ بَابٍ أَوْلَى مَسْتُورَا الْحَالِ.
قَوْلُهُ: [مِثْلُ الْفَشْوِ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ] : أَيْ كَمَا نَقَلَهُ (ح) وَاعْتَمَدَهُ الْأُجْهُورِيُّ.

وَرَدَّ بِ " لَوْ " قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ: الْفَشْوُ مَعَ الْعِلْمِ لَا يُسْقِطُ الْحَدَّ.

(وَنُدِبَ خُطْبَةٌ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ كَلَامٌ مُسَجَّعٌ مَبْدُوءٌ بِالْحَمْدِ وَالشَّهَادَتَيْنِ مُشْتَمِلٌ عَلَى آيَةٍ فِيهَا أَمْرُ التَّقْوَى وَعَلَى ذِكْرِ الْمَقْصُودِ (بِخِطْبَةٍ) بِكَسْرِهَا: الْتِمَاسُ النِّكَاحِ؛ أَيْ عِنْدَ الْتِمَاسِ النِّكَاحِ.
(وَ) خُطْبَةٌ عِنْدَ (عَقْدٍ) لَكِنْ الْبَادِيَ عِنْدَ الْخِطْبَةِ هُوَ الزَّوْجُ.
وَيَقُولُ بَعْدَ الثَّنَاءِ وَالشَّهَادَتَيْنِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا قَدْ قَصَدْنَا الِانْضِمَامَ إلَيْكُمْ وَمُصَاهَرَتَكُمْ وَالدُّخُولَ فِي حَوْمَتِكُمْ، وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ.
فَيَقُولُ الْوَلِيُّ بَعْدَ الثَّنَاءِ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ قَبِلْنَاك وَرَضِينَا أَنْ تَكُونَ مِنَّا وَفِينَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ، وَالْبَادِي عِنْدَ الْعَقْدِ الْوَلِيُّ بِأَنْ يَقُولَ بَعْدَ مَا ذُكِرَ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَنْكَحْتُك بِنْتِي أَوْ مُجْبَرَتِي فُلَانَةَ أَوْ مُوَكِّلَتِي فُلَانَةَ عَلَى صَدَاقٍ قَدْرُهُ كَذَا، فَيَقُولُ الزَّوْجُ بَعْدَ الْخُطْبَةِ: قَدْ قَبِلْت نِكَاحَهَا لِنَفْسِي، وَيَقُولُ وَكِيلُهُ قَدْ قَبِلْت نِكَاحَهَا لِمُوَكِّلِي وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ.
(وَ) نُدِبَ (تَقْلِيلُهَا) : أَيْ الْخُطْبَةِ فِي الْحَالَتَيْنِ إذْ الْكَثْرَةُ تُوجِبُ السَّآمَةَ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَرَدَّ بِلَوْ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ] : أَيْ فَهُوَ ضَعِيفٌ لِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ الَّتِي تَدْرَأُ الْحَدَّ قَوْلُهُ: [بَعْدَ الثَّنَاءِ وَالشَّهَادَتَيْنِ] : أَيْ وَبَعْدَ آيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] . ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70] . الْآيَةَ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الْبَسْمَلَةِ عَلَى الْجَمِيعِ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ.

[الْخُطْبَة عِنْد الْعَقْد وَمَنْدُوبَات النِّكَاح]

قَوْلُهُ: [وَالْبَادِي عِنْدَ الْعَقْدِ الْوَلِيُّ] : أَيْ وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَلَوْ بَدَأَ الزَّوْجُ لَكَفَى، وَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِالْخُطْبَةِ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا بِالسُّكُوتِ قَدْرُهَا كَذَلِكَ فَجُمْلَةُ الْخُطَبِ أَرْبَعٌ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَقْلِيلُهَا] : قَالَ الْأُجْهُورِيُّ ذَكَرَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ أَنَّ أَقَلَّهَا أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ زَوَّجْتُك بِنْتِي

(وَ) نُدِبَ (إعْلَانُهُ) أَيْ النِّكَاحِ أَيْ إظْهَارُهُ بَيْنَ النَّاسِ لِبُعْدِ تُهْمَةِ الزِّنَا.

(وَ) نُدِبَ (تَفْوِيضُ الْوَلِيِّ الْعَقْدَ لِفَاضِلٍ) رَجَاءَ بَرَكَتِهِ، وَيَقُولُ أَنْكَحْتُك فُلَانَةَ بِنْتَ مُوَكِّلِي مَثَلًا.

(وَ) نُدِبَ (تَهْنِئَةٌ) لِلزَّوْجَيْنِ، نَحْوُ: مُبَارَكَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَيَوْمٌ مُبَارَكٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
(وَ) نُدِبَ (دُعَاءٌ لَهُمَا) بِالْبَرَكَةِ وَالسَّعَةِ وَحُسْنِ الْعِشْرَةِ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ.

(وَ) نُدِبَ (الْإِشْهَادُ عِنْدَ الْعَقْدِ) لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ؛ إذْ كَثِيرٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ لَا يَرَى صِحَّتَهُ إلَّا بِالشَّهَادَةِ حَالَ الْعَقْدِ.
وَنَحْنُ نَرَى وُقُوعَهُ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ الشَّهَادَةُ حَالَ الْعَقْدِ كَالْبَيْعِ، وَلَكِنْ لَا تَتَقَرَّرُ صِحَّتُهُ وَلَا تَتَرَتَّبُ ثَمَرَتُهُ مِنْ حِلِّ التَّمَتُّعِ إلَّا بِحُصُولِهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ، فَجَازَ أَنْ يُعْقَدَ فِيمَا بَيْنَهُمَا سِرًّا ثُمَّ يُخْبِرَا بِهِ عَدْلَيْنِ كَأَنْ يَقُولَا لَهُمَا: قَدْ حَصَلَ مِنَّا الْعَقْدُ فُلَانٌ عَلَى فُلَانَةَ أَوْ أَنَّ الْوَلِيَّ يُخْبِرُ عَدْلَيْنِ

[حاشية الصاوي]

مَثَلًا بِكَذَا، وَيَقُولُ الزَّوْجُ أَوْ وَكِيلُهُ بَعْدَمَا مَرَّ مِنْ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ قَبِلْت نِكَاحَهَا لِنَفْسِي أَوْ لِمُوَكِّلِي بِالصَّدَاقِ الْمَذْكُورِ.

قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ إعْلَانُهُ] : أَيْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَفْشُوا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ» ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْخِطْبَةِ فَيَنْبَغِي إخْفَاؤُهَا.

قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَفْوِيضُ الْوَلِيِّ الْعَقْدَ لِفَاضِلٍ] : أَيْ فَيُنْدَبُ لِوَلِيِّ الْمَرْأَةِ وَمِثْلُهُ الزَّوْجُ تَفْوِيضُ الْعَقْدِ لِمَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ، وَأَمَّا تَفْوِيضُ الْعَقْدِ لِغَيْرِ فَاضِلٍ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى.

قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَهْنِئَةٌ] : بِالْهَمْزِ أَيْ لِلْعَرُوسِ الشَّامِلِ لِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ أَيْ إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْعَقْدِ وَعِنْدَ الْبِنَاءِ.

قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ الْإِشْهَادُ عِنْدَ الْعَقْدِ] : حَاصِلُهُ أَنَّ أَصْلَ الْإِشْهَادِ عَلَى النِّكَاحِ وَاجِبٌ، وَإِحْضَارُهُمَا عِنْدَ الْعَقْدِ مَنْدُوبٌ.
فَإِنْ حَصَلَ عِنْدَ الْعَقْدِ فَقَدْ وُجِدَ الْأَمْرَانِ الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ.
وَإِنْ فُقِدَ وَقْتَ الْعَقْدِ وَوُجِدَ عِنْدَ الدُّخُولِ فَقَدْ حَصَلَ الْوَاجِبُ وَفَاتَ الْمَنْدُوبُ.
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إشْهَادٌ عِنْدَ الدُّخُولِ وَالْعَقْدِ وَلَكِنْ وُجِدَتْ الشُّهُودُ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَالصِّحَّةُ قَطْعًا.
وَيَأْثَمُ أَوْلِيَاءُ النِّكَاحِ لِعَدَمِ طَلَبِ الشُّهُودِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ شُهُودٌ أَصْلًا فَالْفَسَادُ قَطْعًا كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ بِتَصَرُّفٍ.

وَالزَّوْجُ يُخْبِرُ عَدْلَيْنِ غَيْرَهُمَا، وَلَا يَكْفِي أَنْ يُخْبِرَ أَحَدُهُمَا عَدْلًا وَالثَّانِي يُخْبِرُ عَدْلًا غَيْرَهُ لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ الْوَاحِدِ.

(وَ) نُدِبَ (ذِكْرُ الصَّدَاقِ) : أَيْ تَسْمِيَتُهُ عِنْدَ الْعَقْدِ لِمَا فِيهِ مِنْ اطْمِئْنَانِ النَّفْسِ، وَدَفْعِ تَوَهُّمِ الِاخْتِلَافِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
(وَ) نُدِبَ (حُلُولُهُ) كُلُّهُ بِلَا تَأْجِيلٍ لِبَعْضِهِ.

(وَ) نُدِبَ (نَظَرُ وَجْهِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (وَكَفَّيْهَا) خَاصَّةً (قَبْلَهُ) : أَيْ قَبْلَ الْعَقْدِ لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ حَقِيقَةَ أَمْرِهَا (بِعِلْمٍ) مِنْهَا أَوْ مِنْ وَلِيِّهَا، وَيُكْرَهُ اسْتِغْفَالُهَا.
وَالنَّظَرُ يَكُونُ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ التَّلَذُّذِ بِهَا، وَإِلَّا مُنِعَ.
كَمَا يُمْنَعُ مَا زَادَ عَلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَكَّلَ امْرَأَةً فَيَجُوزُ لَهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا امْرَأَةٌ.
ثُمَّ جَعَلَ النَّظَرَ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ الْقَطَّانِ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ لَا مَنْدُوبٌ، فَالْأَحَقُّ ذِكْرُهُ فِي الْجَائِزَاتِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ ذِكْرُ الصَّدَاقِ] : أَيْ وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ وَمَحَلُّ نَدْبِهِ إنْ كَانَتْ الصِّيغَةُ أَنْكَحْت وَزَوَّجْت لَا وَهَبْت، فَيَجِبُ ذِكْرُهُ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ حُلُولُهُ كُلُّهُ] : أَيْ وَإِنْ لَمْ يُقْبَضْ كُلُّهُ وَتَأْجِيلُهُ كُلًّا أَوْ بَعْضًا خِلَافُ الْأَوْلَى حَيْثُ أُجِّلَ بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ كَمَا يَأْتِي.

قَوْلُهُ: [قَبْلَهُ] : أَيْ حِينَ الْخُطْبَةِ.
قَوْلُهُ: [وَيُكْرَهُ اسْتِغْفَالُهَا] : أَيْ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ أَهْلُ الْفَسَادِ لِلنَّظَرِ لِلنِّسَاءِ.
وَيَقُولُونَ نَحْنُ خُطَّابٌ وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ الِاسْتِغْفَالِ إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ سَأَلَهَا فِي النَّظَرِ تُجِيبُهُ إنْ كَانَتْ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ، أَوْ إذَا سَأَلَ وَلِيَّهَا يُجِيبُهُ إنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً، أَوْ جَهِلَ الْحَالَ، وَأَمَّا إنْ عَلِمَ عَدَمَ الْإِجَابَةِ حَرُمَ النَّظَرُ إنْ خَشِيَ الْفِتْنَةَ وَإِلَّا كُرِهَ، وَإِنْ كَانَ نَظَرُ وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا جَائِزًا لِأَنَّ نَظَرَهُمَا فِي مَعْرِضِ النِّكَاحِ مَظِنَّةُ قَصْدِ اللَّذَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَعَامَّةُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ] : قَالَ بَعْضُهُمْ وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْجَوَازِ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى الْإِذْنِ الصَّادِقِ بِالْمَنْدُوبِ.
تَنْبِيهٌ: مِثْلُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةُ يُنْدَبُ لَهَا نَظَرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنْ الزَّوْجِ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لِلْخَاطِبِ فِي نَظَرِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لِأَنَّ الْوَجْهَ يَدُلُّ عَلَى الْجَمَالِ وَعَدَمِهِ، وَالْيَدَيْنِ تَدُلَّانِ عَلَى صَلَابَةِ الْبَدَنِ وَطَرَاوَتِهِ.

(وَ) نُدِبَ (نِكَاحُ بِكْرٍ) لِأَنَّهَا أَقْرَبُ لِحُسْنِ الْعِشْرَةِ.

(وَحَلَّ لَهُمَا) : أَيْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ النَّظَرُ لِسَائِرِ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ (حَتَّى نَظَرَ الْفَرْجِ) مِنْ صَاحِبِهِ وَحَدِيثُ: «إذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ زَوْجَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ فَلَا يَنْظُرْ إلَى فَرْجِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْعَمَى» ، حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَصَرَّحَ بِوَضْعِهِ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، لَكِنْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا يَنْبَغِي النَّظَرُ إلَى الْفَرْجِ لِأَنَّهُ يُورِثُ ضَعْفَ الْبَصَرِ طِبًّا وَيُورِثُ قِلَّةَ الْحَيَاءِ فِي الْوَلَدِ.
(كَالْمِلْكِ) لِلْأُنْثَى يَحِلُّ بِهِ حَتَّى نَظَرُ الْفَرْجِ مِنْ كُلٍّ.

(وَ) حَلَّ بِالنِّكَاحِ وَالْمِلْكِ لِلْأُنْثَى (تَمَتُّعٌ بِغَيْرِ) وَطْءِ (دُبُرٍ) ، وَأَمَّا الْإِيلَاجُ فِيهِ فَمَمْنُوعٌ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ نِكَاحُ بِكْرٍ] : أَيْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا وَأَسْخَنُ أَقْبَالًا وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ مِنْ الْعَمَلِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَعْذَبُ أَفْوَاهًا.
وَأَقَلُّ خِبًّا وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ» ، وَخِبًّا بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وَبَاءٍ مُشَدَّدَةٍ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ: أَيْ خِدَاعًا.

[مَا يَحِلّ بعقد النِّكَاح]

قَوْلُهُ: [لَكِنْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ] : هُوَ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ.
قَوْلُهُ: [كَالْمِلْكِ] : أَيْ التَّامُّ الْمُسْتَقِلُّ بِهِ دُونَ مَانِعٍ، بِخِلَافِ الْمُعْتَقَةِ لِأَجَلٍ وَالْمُبَعَّضَةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ وَالْمَحْرَمِ.
وَالذَّكَرُ الْمَمْلُوكُ وَالْخُنْثَى وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْمُتَزَوِّجَةُ بِالْغَيْرِ.

[مَا يَحِلّ بالنكاح]

قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الْإِيلَاجُ فِيهِ] : أَيْ وَأَمَّا التَّمَتُّعُ بِظَاهِرِهِ وَلَوْ بِوَضْعِ الذَّكَرِ عَلَيْهِ فَجَائِزٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ قَائِلًا: وَوَجْهُهُ عِنْدِي أَنَّهُ كَسَائِرِ جَسَدِ الْمَرْأَةِ، وَجَمِيعُهُ مُبَاحٌ مَا عَدَا الْإِيلَاجَ فِي بَاطِنِهِ، وَاعْتَمَدَهُ ح وَاللَّقَانِيُّ خِلَافًا لِلتَّتَّائِيِّ وَالْبِسَاطِيِّ وَالْأَقْفَهْسِيِّ، حَيْثُ قَالُوا: لَا يَجُوزُ التَّمَتُّعُ بِالدُّبُرِ لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا.

(وَحَرُمَ) (خِطْبَةُ) بِكَسْرِ الْخَاءِ: أَيْ الْتِمَاسُ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ (الرَّاكِنَةِ) هِيَ - إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا - رَشِيدَةً، أَوْ وَلِيَّهَا إنْ كَانَتْ بِخِلَافِهَا (لِغَيْرِ فَاسِقٍ) وَهُوَ الصَّالِحُ أَوْ الْمَسْتُورُ الْحَالِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَاطِبُ الثَّانِي صَالِحًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ مَسْتُورًا.
فَإِنْ رَكَنَتْ لِفَاسِقٍ لَمْ يَحْرُمْ إنْ كَانَ الثَّانِي صَالِحًا أَوْ مَجْهُولًا، إذْ لَا حُرْمَةَ لِلْفَاسِقِ، بَلْ فِي نِكَاحِهَا تَخْلِيصٌ لَهَا مِنْ فِسْقِهِ، وَظَاهِرُهُ: سَوَاءٌ كَانَ فَاسِقًا بِجَارِحَةٍ أَوْ عَقِيدَةٍ، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَاسِقًا مِثْلَهُ حَرُمَ أَيْضًا، وَظَاهِرُهُ قَدَّرَ صَدَاقًا أَمْ لَا،

[حاشية الصاوي]

[خِطْبَة الرَّاكِنَة وَالْمُعْتَدَّة وَالْمَوْطُوءَة]

قَوْلُهُ: [وَحَرُمَ خِطْبَةُ] إلَخْ: حَاصِلُ هَذَا الْمَبْحَثِ أَنَّ صُوَرَهُ تِسْعٌ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي مِثْلِهَا يَحْرُمُ مِنْهَا سَبْعٌ وَيَجُوزُ اثْنَانِ، هَذَا مَا أَفَادَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَلَك أَنْ تَجْعَلَهَا سِتَّةَ عَشَرَ بِزِيَادَةِ الذِّمِّيِّ حَيْثُ كَانَتْ الْمَخْطُوبَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيَصِيرُ الْمَضْرُوبُ أَرْبَعَةً فِي مِثْلِهَا مَتَى كَانَ الْخَاطِبُ الْأَوَّلُ صَالِحًا أَوْ مَجْهُولَ حَالٍ، أَوْ ذِمِّيًّا يَحْرُمُ مُطْلَقًا كَانَ الثَّانِي صَالِحًا أَوْ مَجْهُولَ حَالٍ أَوْ فَاسِقًا أَوْ ذِمِّيًّا، وَكَذَا إنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَاسِقًا وَالثَّانِي فَاسِقًا فَالْحُرْمَةُ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَالْجَوَازُ فِي ثَلَاثَةٍ.
إنْ قُلْت إنَّ الذِّمِّيَّ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْفَاسِقِ، فَكَانَ مُقْتَضَاهُ لَا تَحْرُمُ الْخِطْبَةُ عَلَيْهِ كَالْفَاسِقِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الذِّمِّيَّ لَهُ دِينٌ يُقَرُّ عَلَيْهِ، وَالْفَاسِقُ لَا يُقَرُّ عَلَى فِسْقِهِ فَكَانَ بِهَذَا الْمَعْنَى أَسْوَأَ حَالًا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: [إنْ كَانَتْ بِخِلَافِهَا] : أَيْ بِأَنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً أَوْ سَفِيهَةً، فَإِذَا رَدَّتْ الْمُجْبَرَةُ وَمَنْ فِي حُكْمِهَا الْخَاطِبَ لَمْ تَحْرُمْ خِطْبَتُهَا لِغَيْرِهِ، وَكَذَا إذَا رَدَّتْ غَيْرُ الْمُجْبَرَةِ خِطْبَةَ الْأَوَّلِ لَمْ تَحْرُمْ خِطْبَةُ غَيْرِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رُكُونُ الْمُجْبَرَةِ مَعَ رَدِّ مُجْبِرِهَا وَلَا رَدُّهَا مَعَ رُكُونِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ رُكُونُ أُمِّهَا أَوْ وَلِيِّهَا غَيْرِ الْمُجْبِرِ مَعَ رَدِّهَا.
وَلَا رَدُّ أُمِّهَا أَوْ وَلِيِّهَا غَيْرِ الْمُجْبِرِ مَعَ رِضَاهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ رَدَّ الْمَرْأَةِ أَوْ وَلِيِّهَا بَعْدَ الرُّكُونِ لِلْخَاطِبِ لَا يَحْرُمُ مَا لَمْ يَكُنْ الرَّدُّ لِأَجْلِ خِطْبَةِ الثَّانِي، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ الْخَاطِبَ الثَّانِيَ وَادَّعَتْ هِيَ أَوْ مُجْبِرُهَا أَنَّهَا كَانَتْ رَجَعَتْ عَنْ الرُّكُونِ لِلْأَوَّلِ قَبْلَ خِطْبَةِ الثَّانِي وَادَّعَى الْأَوَّلُ أَنَّ الرُّجُوعَ بِسَبَبِ خِطْبَةِ الثَّانِي وَلَا قَرِينَةَ لِأَحَدِهِمَا، فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِقَوْلِهَا أَوْ بِقَوْلِ مُجْبِرِهَا، لِأَنَّ هَذَا لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِمَا، وَلِأَنَّ دَعْوَاهُ تُوجِبُ الْفَسَادَ وَدَعْوَاهُمَا تُوجِبُ الصِّحَّةَ وَالْأَصْلُ فِي الْعُقُودِ الصِّحَّةُ.

وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ إذْ الْعِبْرَةُ بِالرُّكُونِ وَالرِّضَا بِالْخَاطِبِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بُدَّ فِي اعْتِبَارِ الرُّكُونِ مِنْ تَقْدِيرِ الصَّدَاقِ (كَالسَّوْمِ بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ الرُّكُونِ لِمُشْتَرٍ أَوَّلٍ يَحْرُمُ أَيْضًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِهِ» . (وَفَسْخُ) عَقْدِ الثَّانِي (قَبْلَ الدُّخُولِ) بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ، قِيلَ وُجُوبًا؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا رُفِعَتْ الْحَادِثَةُ لِحَاكِمٍ وَثَبَتَ عِنْدَهُ الْعَقْدُ بَعْدَ الرُّكُونِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ وَجَبَ عَلَيْهِ فَسْخُهُ، وَقِيلَ: اسْتِحْبَابًا وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ.
فَإِنْ بَنَى بِهَا لَمْ يُفْسَخْ وَلَوْ لَمْ يَطَأْ.

(وَ) حَرُمَ (صَرِيحُ خِطْبَةِ) امْرَأَةٍ (مُعْتَدَّةٍ) عِدَّةَ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ مِنْ غَيْرِهِ لَا مِنْ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ] : أَيْ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُوَطَّإِ.
قَوْلُهُ: [وَقَالَ بَعْضُهُمْ] إلَخْ: أَيْ وَهُوَ ابْنُ نَافِعٍ، وَفِي الْمَوَّاقِ مُقْتَضَى نَقْلِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْقَوْلَيْنِ مَشْهُورٌ.
قَوْلُهُ: [وَفُسِخَ عَقْدُ الثَّانِي] إلَخْ: هَذَا أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ وَحَاصِلُهَا الْفَسْخُ مُطْلَقًا بَنَى أَوْ لَا وَعَدَمُهُ مُطْلَقًا وَالْفَسْخُ إنْ لَمْ يَبْنِ لَا إنْ بَنَى، وَشَهَرَ أَبُو عِمْرَانَ الْفَسْخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَكِنْ قَيَّدَهُ بِالِاسْتِحْبَابِ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ اسْتِحْبَابًا] إلَخْ: فَعَلَيْهِ إنَّمَا يَكُونُ الْفَسْخُ عِنْدَ عَدَمِ مُسَامَحَةِ الْأَوَّلِ لَهُ؛ فَإِنْ سَامَحَهُ فَلَا فَسْخَ، وَمَحَلُّ الْفَسْخِ الْمَذْكُورِ مَا لَمْ يَحْكُمْ حَاكِمٌ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ الثَّانِي، وَإِلَّا لَمْ يُفْسَخْ، كَالْحَنَفِيِّ؛ فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ لِلْكَرَاهَةِ.

قَوْلُهُ: [وَحَرُمَ صَرِيحُ خِطْبَةِ] إلَخْ: أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً.
قَوْلُهُ: [أَوْ طَلَاقٍ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ رَجْعِيًّا.

عِدَّتِهَا مِنْهُ، فَيَجُوزُ إذْ لَمْ يَكُنْ بَتًّا.

(وَ) حَرُمَ (مُوَاعَدَتُهَا) أَيْ الْمُعْتَدَّةِ أَيْ الْمُوَاعَدَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِأَنْ يَعِدَهَا بِالتَّزْوِيجِ بَعْدَ الْعِدَّةِ وَهِيَ تَعِدُهُ.
وَأَمَّا الْعِدَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَمَكْرُوهٌ كَمَا يَأْتِي.
(كَوَلِيِّهَا) أَيْ يَحْرُمُ صَرِيحُ الْخِطْبَةِ لَهُ وَمُوَاعَدَتُهُ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ؛ أَيْ بِأَنْ كَانَ مُجْبَرًا، وَيُكْرَهُ مُوَاعَدَةُ غَيْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(كَمُسْتَبْرَأَةٍ) مِنْ وَطْءِ مَالِكِهَا أَوْ مِنْ غَلَطٍ بِشُبْهَةِ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ أَوْ مِنْ غَصْبٍ، بَلْ (وَإِنْ مِنْ زِنًا) وَلَوْ مِنْهُ لِأَنَّ مَاءَ الزَّانِي فَاسِدٌ، وَلِذَا لَا يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ، أَيْ يَحْرُمُ صَرِيحُ خِطْبَتِهَا وَمُوَاعَدَتُهَا كَوَلِيِّهَا.
ثُمَّ إنْ عَقَدَ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ أَوْ الْمُسْتَبْرَأَةِ وَوَطِئَهَا أَوْ تَلَذَّذَ بِهَا تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ؛ كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَتَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا) : أَيْ الْمُعْتَدَّةِ بِنَوْعَيْهَا

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ] : أَيْ التَّصْرِيحُ لَهَا بِالْخِطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ بَلْ لَهُ تَزْوِيجُهَا قَوْلُهُ: [وَهِيَ تَعِدُهُ] : أَيْ إنْ كَانَتْ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِوَعْدِ وَلِيِّهَا كَمَا يَأْتِي.

[تأبد تَحْرِيم الْمُعْتَدَّةِ]

. قَوْلُهُ: [لِأَنَّ مَاءَ الزَّانِي فَاسِدٌ وَلِذَا لَا يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ] إلَخْ: هَذَا التَّعْلِيلُ يَشْمَلُ الْغَصْبَ أَيْضًا وَلَا يَشْمَلُ الْمُسْتَبْرَأَةَ مِنْ شُبْهَةِ النِّكَاحِ أَوْ الْمِلْكِ، أَوْ شُبْهَتِهِ، فَيَقْتَضِي جَوَازَ الْخِطْبَةِ لِصَاحِبِ الْمَاءِ زَمَنَ الِاسْتِبْرَاءِ، لِأَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ فَاسِدٍ لِلُحُوقِ الْمَوْلُودِ بِهِ وَانْظُرْ فِي ذَلِكَ.
قَوْلَهُ: [أَيْ الْمُعْتَدَّةِ بِنَوْعَيْهَا] : أَيْ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ، وَلَا يَتَأَبَّدُ فِي الطَّلَاقِ إلَّا إنْ كَانَ بَائِنًا، وَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَلَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ لِمُطَلِّقِهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، فَكَأَنَّ الْعَاقِدَ إذَا وَطِئَ زَنَى بِزَوْجَةِ الْغَيْرِ وَلَا يَحْرُمُ بِالزِّنَى حَلَالٌ، وَهَلْ يُحَدُّ الْوَاطِئُ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ زَانٍ أَوْ لَا؟ وَكَلَامُهُمْ فِي بَابِ الْحَدِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُحَدُّ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الرَّجُلِ يُفْسِدُ الْمَرْأَةَ عَلَى زَوْجِهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا مِنْهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجَ بِهَا بَعْدَ وَفَاءِ عِدَّتِهَا مِنْهُ، فَقِيلَ يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا، وَقِيلَ لَا يَتَأَبَّدُ، وَإِنَّمَا يُفْسَخُ نِكَاحُهُ، فَإِذَا عَادَتْ لِزَوْجِهَا وَطَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا جَازَ لِذَلِكَ الْمُفْسِدِ نِكَاحُهَا، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ كَذَا فِي (بْن) .

أَوْ الْمُسْتَبْرَأَةِ بِأَنْوَاعِهَا عَلَيْهِ (بِوَطْءِ نِكَاحٍ) : أَيْ بِسَبَبِ وَطْءٍ مُسْتَنِدٍ لِعَقْدٍ لَا بِمُجَرَّدِ أَحَدِهِمَا، (وَلَوْ) وَقَعَ الْوَطْءُ الْمُسْتَنِدُ لِنِكَاحٍ (بَعْدَهُمَا) : أَيْ بَعْدَ فَرَاغِ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ (أَوْ مُقَدِّمَتُهُ) : أَيْ الْوَطْءِ؛ مِنْ قُبْلَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ حَيْثُ اسْتَنَدَتْ لِعَقْدٍ إنْ وَقَعَتْ مِنْهُ فِي الْعِدَّةِ أَوْ الِاسْتِبْرَاءِ لَا بَعْدَهُمَا.
(أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ) : أَيْ وَتَأَبَّدَ تَحْرِيمُ الْمُعْتَدَّةِ أَوْ الْمُسْتَبْرَأَةِ بِوَطْءٍ حَصَلَ غَلَطًا بِشُبْهَةِ النِّكَاحِ، بِأَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ.
(فِيهِمَا) : أَيْ إنْ حَصَلَ كُلٌّ مِنْ مُقَدِّمَتِهِ أَوْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ فِي زَمَنِ الْعِدَّةِ أَوْ الِاسْتِبْرَاءِ، فَقَوْلُهُ " فِيهِمَا " رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ، وَضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ يَعُودُ عَلَى الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ الْمُسْتَبْرَأَةُ بِأَنْوَاعِهَا] : أَيْ الْخَمْسَةِ وَهِيَ شُبْهَةُ النِّكَاحِ وَالْمِلْكِ وَشُبْهَتِهِ وَالزِّنَا وَالْغَصْبِ.
قَوْلُهُ: [بِوَطْءِ نِكَاحٍ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الصُّوَرَ هُنَا سِتٌّ وَثَلَاثُونَ صُورَةً مِنْ ضَرْبِ سِتَّةٍ فِي مِثْلِهَا، لِأَنَّ الْمَحْبُوسَةَ إمَّا فِي عِدَّةٍ فِي نِكَاحٍ أَوْ اسْتِبْرَاءٍ مِنْ شُبْهَةٍ أَوْ مِنْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ، أَوْ مِنْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ، وَالطَّارِئُ وَاحِدٌ مِنْ تِلْكَ السِّتَّةِ يَتَأَبَّدُ التَّحْرِيمُ.
فِي سِتَّةَ عَشْرَ صُورَةً: وَهِيَ مَا إذَا طَرَأَ نِكَاحٌ أَوْ شُبْهَتُهُ عَلَى السِّتَّةِ فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً، أَوْ طَرَأَ مِلْكٌ أَوْ شُبْهَتُهُ عَلَى نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ فَهَذِهِ أَرْبَعٌ تُضَمُّ لَهَا، أَفَادَهَا كُلَّهَا بِقَوْلِهِ: وَتَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا بِوَطْءٍ إلَى قَوْلِهِ: " إنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ أَوْ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ غَيْرِهِ "، وَأَمَّا طُرُوُّ زِنًا أَوْ غَصْبٍ عَلَى السِّتَّةِ أَوْ طُرُوُّ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ عَلَى مَالِكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ فَهَذِهِ عِشْرُونَ، لَا يَتَأَبَّدُ بِهَا التَّحْرِيمُ، وَهَذِهِ قَدْ أَفَادَهَا بِقَوْلِهِ أَوْ الزِّنَا أَوْ وَطْءٍ، مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ فِي اسْتِبْرَاءٍ.
قَوْلُهُ: [لَا بِمُجَرَّدِ أَحَدِهِمَا] : أَيْ الَّذِي هُوَ الْعَقْدُ فَقَطْ أَوْ الْوَطْءُ فَقَطْ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْوَطْءُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، أَمَّا إذَا كَانَ وَطْءَ زِنًا أَوْ غَصْبٍ فَلَا يَضُرُّ طُرُّوهُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْمِلْكِ أَوْ شُبْهَتِهِ إنْ طَرَأَ عَلَى مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَوْ زِنًا، أَوْ غَصْبٍ وَأَمَّا وَطْءُ شُبْهَةِ النِّكَاحِ فَيَضُرُّ فِي الْجَمِيعِ وَمِثْلُهُ وَطْءُ الْمِلْكِ وَشُبْهَتِهِ إنْ طَرَأَ عَلَى النِّكَاحِ وَشُبْهَتِهِ فَقَدْ عَلِمْت الْإِجْمَالَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلَهُ: [يَعُودُ عَلَى الْعِدَّةِ] : أَيْ بِنَوْعَيْهَا وَقَوْلُهُ: وَالِاسْتِبْرَاءِ أَيْ بِأَنْوَاعِهِ.

(أَوْ بِوَطْءِ مِلْكٍ) بِأَنْ وَطِئَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ وَفَاةٍ أَوْ طَلَاقٍ (أَوْ شُبْهَتِهِ) أَيْ شُبْهَةِ الْمِلْكِ، بِأَنْ وَطِئَهَا أَجْنَبِيٌّ غَلَطًا يَظُنُّهَا أَمَتَهُ (فِيهَا) : أَيْ فِي عِدَّتِهَا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ، بِخِلَافِ وَطْءِ مَالِكِهَا أَوْ غَيْرِهِ يَظُنُّهَا أَمَتَهُ وَهِيَ مُسْتَبْرَأَةٌ، فَلَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي.
فَتَحَصَّلَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ عَلَى مُعْتَدَّةٍ أَوْ مُسْتَبْرَأَةٍ وَوَطِئَهَا وَإِنْ بَعْدَهُمَا تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا.
وَأَمَّا مُقَدِّمَاتُ الْوَطْءِ فَقَطْ فَتُؤَبِّدُ التَّحْرِيمَ إنْ وَقَعَتْ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ، لَا بَعْدَهُمَا، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَحْصُلْ عَقْدٌ فَلَا أَثَرَ لِمُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ مُطْلَقًا بِشُبْهَةٍ أَوْ لَا.
وَأَمَّا الْوَطْءُ فَيُؤَبِّدُ إنْ كَانَ بِشُبْهَةِ نِكَاحٍ فِي الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ أَوْ الْمِلْكِ، أَوْ شُبْهَتِهِ فِي الْعِدَّةِ فَقَطْ دُونَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَهَذَا: (إنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ أَوْ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ مِنْهُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَيْ فِي عِدَّتِهَا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ] : تَسْمِيَةُ الْمَحْبُوسَةِ مِنْ شُبْهَةِ النِّكَاحِ مُعْتَدَّةٌ فِيهِ تَجَوُّزٌ.
قَوْلُهُ: [أَنَّ مَنْ عَقَدَ عَلَى مُعْتَدَّةٍ] : أَيْ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ وَفَاةٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ مُسْتَبْرَأَةٌ صَادِقٌ بِأَنْوَاعِ الِاسْتِبْرَاءِ الْخَمْسَةِ، فَهَذِهِ سِتُّ صُوَرٍ أَخْبَرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: " تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا "، فَهَذِهِ مَسَائِلُ طُرُوُّ النِّكَاحِ عَلَى السِّتَّةِ، وَإِنْ نَظَرْت لِقَوْلِهِ: " وَإِنْ بَعْدَهُمَا " كَانَتْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا مُقَدِّمَاتُ الْوَطْءِ] إلَخْ: أَيْ فَيَكُونُ تَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ فِي سِتِّ صُوَرٍ فَقَطْ، بِخِلَافِ الْوَطْءِ فَفِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، فَصُوَرُ الْمُقَدِّمَاتِ وَالسِّتِّ الَّتِي زَادَتْ بِالتَّعْمِيمِ خَارِجَةٌ عَنْ أَصْلِ السِّتِّ وَالثَّلَاثِينَ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الْوَطْءُ فَيُؤَبَّدُ] إلَخْ: تَحْتَهُ سِتٌّ، وَقَوْلُهُ أَوْ بِمِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ أَيْ طُرُوُّ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ عَلَى نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ تَأَبَّدَ فِيهَا التَّحْرِيمُ تُضَمُّ لِمَا قَبْلَهَا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ فِي الْعِدَّةِ فَقَطْ أَيْ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ، وَلَوْ حَذَفَ قَوْلَهُ فَقَطْ وَصَرَّحَ بِهِمَا مَا ضَرَّ، فَصَارَتْ صُوَرُ التَّأْبِيدِ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [دُونَ الِاسْتِبْرَاءِ] : أَيْ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةِ النِّكَاحِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ شُبْهَةَ النِّكَاحِ مُلْحَقَةٌ بِالْعِدَّةِ.

وَلَوْ مِنْ طَلَاقِ ثَلَاثٍ - أَوْ كَانَ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْهُ بِسَبَبِ زِنًا أَوْ غَصْبٍ أَوْ غَلَطٍ (فَلَا) يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ وَطِئَهَا مُسْتَنِدًا لِعَقْدٍ أَوْ شُبْهَةٍ.
(كَالْعَقْدِ) مُجَرَّدًا عَنْ وَطْءٍ: لَا يُؤَبَّدُ تَحْرِيمُهَا.
(أَوْ الزِّنَا) الْمَحْضِ وَهُوَ مَا لَمْ يَسْتَنِدْ لِعَقْدٍ وَلَا شُبْهَةٍ: لَا يُؤَبَّدُ.
(أَوْ وَطْءٍ بِمِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ فِي اسْتِبْرَاءٍ) : بِأَنْ وَطِئَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ الْمُسْتَبْرَأَةَ مِنْ زِنًا أَوْ مِنْ بَائِعِهَا لَهُ أَوْ مِنْ غَصْبٍ أَوْ شُبْهَةِ مِلْكٍ أَوْ وَطِئَهَا أَجْنَبِيٌّ يَظُنُّهَا أَمَتَهُ: لَمْ يَتَأَبَّدْ التَّحْرِيمُ، بِخِلَافِ وَطْءِ مَالِكِهَا أَوْ غَيْرِهِ يَظُنُّهَا أَمَتَهُ وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ فَيَتَأَبَّدُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ تَأَبُّدَ التَّحْرِيمِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَمْ يَقُلْ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَلَا الشَّافِعِيَّةُ، لِأَنَّهُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَلَوْ مِنْ طَلَاقِ ثَلَاثٍ] : أَيْ فَلَا يُؤَبَّدُ التَّحْرِيمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ حَرَامًا، وَيُحَدُّ إنْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، وَلَا يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ إنْ كَانَ ثَابِتًا بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ كَمَا إذَا اسْتَنَدَ لِقَوْلِ مُفْتٍ يَعْتَقِدُ صِدْقَهُ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ، وَإِنْ كَانَ يَجِبُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا مَتَى اطَّلَعَ عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا لَوْ أَقَرَّ بَعْدَ النِّكَاحِ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَهُ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِإِقْرَارِهِ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ لِعَدَمِ ثُبُوتِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ إحْدَى الْمَسَائِلِ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا الْحَدُّ مَعَ لُحُوقِ الْوَلَدِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ الزِّنَا الْمَحْضِ] : مُرَادُهُ مَا يَشْمَلُ الْغَصْبَ فَيَدْخُلُ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً، وَهُوَ طُرُوُّ زِنًا أَوْ غَصْبٍ عَلَى نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَتِهِ، أَوْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ، أَوْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ.
قَوْلُهُ: [أَوْ وَطْءٍ بِمِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ] : تَحْتَهُ ثَمَانٍ وَهِيَ: أَنْ يُقَالَ طَرَأَ مِلْكٌ أَوْ شُبْهَتُهُ عَلَى اسْتِبْرَاءٍ مِنْ مِلْكٍ أَوْ شُبْهَتِهِ، أَوْ زِنًا أَوْ غَصْبٍ، فَإِنَّ قَوْلَهُ فِي اسْتِبْرَاءٍ بَيَانٌ لِلْمَطْرُوِّ عَلَيْهِ، وَمُرَادُهُ الِاسْتِبْرَاءُ مِنْ خُصُوصِ الْمِلْكِ أَوْ شُبْهَتِهِ، أَوْ الزِّنَا أَوْ الْغَصْبِ لَا مِنْ شُبْهَةِ النِّكَاحِ، فَإِنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ عِدَّةِ النِّكَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَهَذِهِ هِيَ الْعِشْرُونَ الَّتِي لَا تَأْبِيدَ، وَيُزَادُ عَلَيْهَا الْعَقْدُ الْمُجَرَّدُ وَتَحْتَهُ سِتُّ صُوَرٍ فَجُمْلَةُ الصُّوَرِ أَرْبَعٌ وَخَمْسُونَ تُؤْخَذُ مِنْ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ] : وَمِثْلُهُ شُبْهَتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [لَمْ يَقُلْ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَلَا الشَّافِعِيَّةُ] : أَيْ فَلَوْ رُفِعَتْ الْمَسْأَلَةُ لِشَافِعِيٍّ أَوْ حَنَفِيٍّ،

خِلَافُ الْأَصْلِ، وَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عِنْدَهُمْ.

(وَجَازَ التَّعْرِيضُ) لِلْمُعْتَدَّةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [البقرة: 235] كَأَنْ يَقُولَ لَهَا: إنِّي الْيَوْمَ فِيك رَاغِبٌ أَوْ مُحِبٌّ أَوْ مُعْجَبٌ.
أَوْ إنْ شَاءَ اللَّهُ يَكُونُ خَيْرًا.
وَهُوَ ضِدُّ التَّصْرِيحِ، وَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ فِي كَلَامِهِ مَا يَصْلُحُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَقْصُودِهِ، وَيُسَمَّى تَلْوِيحًا لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْكَلَامَ فِي مَعْنَاهُ وَلَوَّحَ بِهِ إلَى إرَادَةٍ لَازِمَةٍ.

(وَ) جَازَ (الْإِهْدَاءُ فِيهَا) : أَيْ فِي الْعِدَّةِ كَالْخُضَرِ وَالْفَوَاكِهِ وَغَيْرِهِمَا، لَا النَّفَقَةُ.
فَلَوْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ.
وَكَذَا لَوْ أَهْدَى أَوْ أَنْفَقَ لِمَخْطُوبَةٍ غَيْرِ مُعْتَدَّةٍ، ثُمَّ رَجَعَتْ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ الرُّجُوعُ مِنْ جِهَتِهَا إلَّا لِعُرْفٍ أَوْ شَرْطٍ.
وَقِيلَ: إنْ كَانَ الرُّجُوعُ مِنْ جِهَتِهَا فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ فِي نَظِيرِ شَيْءٍ لَمْ يَتِمَّ، وَاسْتُظْهِرَ.

(وَ) جَازَ (ذِكْرُ الْمَسَاوِئِ) : أَيْ الْعُيُوبِ فِي أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِيَحْذَرَ عَمَّنْ هِيَ فِيهِ.

[حاشية الصاوي]

وَحَكَمَ بِعَدَمِ تَأْبِيدِ التَّحْرِيمِ لَرُفِعَ الْخِلَافُ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.

[مَا يَجُوز فِي الْخُطْبَة]

قَوْلُهُ: [وَجَازَ التَّعْرِيضُ] : هُوَ لَفْظٌ اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ لِيُلَوِّحَ بِهِ لِغَيْرِهِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ أَبَدًا وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهَا التَّعْبِيرُ عَنْ الْمَلْزُومِ بِاسْمِ اللَّازِمِ كَقَوْلِنَا فِي وَصْفِ شَخْصٍ بِالْكَرَمِ إنَّهُ كَثِيرُ الرَّمَادِ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ ضِدُّ التَّصْرِيحِ] : جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ التَّعْرِيضِ وَتَفْسِيرِهِ.

قَوْلُهُ: [لَا النَّفَقَةُ] : أَيْ فَلَا يَجُوزُ إجْرَاءُ النَّفَقَةِ عَلَيْهَا فِي الْعِدَّةِ بَلْ يَحْرُمُ.
قَوْلُهُ: [وَاسْتُظْهِرَ] : أَيْ اسْتَظْهَرَ هَذَا التَّفْصِيلَ الشَّمْسُ اللَّقَانِيُّ.

قَوْلُهُ: [وَجَازَ ذِكْرُ الْمَسَاوِئِ] : أَيْ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ اسْتَشَارَهُ الزَّوْجُ فِي التَّزَوُّجِ بِفُلَانَةَ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ مَا يَعْلَمُهُ فِيهَا مِنْ الْعُيُوبِ لِيُحَذِّرَهُ مِنْهَا، وَيَجُوزُ لِمَنْ اسْتَشَارَتْهُ الْمَرْأَةُ فِي التَّزَوُّجِ بِفُلَانٍ أَنْ يَذْكُرَ لَهَا مَا يَعْلَمُهُ فِيهِ مِنْ الْعُيُوبِ لِتَتَحَذَّرَ مِنْهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ جَوَازِ ذِكْرِ الْمَسَاوِئِ لِلْمُسْتَشَارِ إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَعْرِفُ حَالَ

(وَكُرِهَ عِدَةٌ مِنْ أَحَدِهِمَا) : أَيْ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي الْعِدَّةِ كَأَنْ يَقُولَ لَهَا: أَتَزَوَّجُك بَعْدَ الْعِدَّةِ أَوْ عَكْسُهُ، فَيَسْكُتُ الْمُخَاطَبُ مِنْهُمَا، وَأَمَّا الْمُوَاعَدَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَحَرَامٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ الْكَرَاهَةُ إذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُخَاطَبَ لَا يُجِيبُهُ بِشَيْءٍ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لَهَا.

(وَ) كُرِهَ (تَزَوُّجُ) امْرَأَةٍ (زَانِيَةٍ) : أَيْ مَشْهُورَةٍ بِذَلِكَ وَلَوْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ.
وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهَا بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ.
(وَ) كُرِهَ تَزَوُّجُ امْرَأَةٍ (مُصَرَّحٍ لَهَا بِالْخِطْبَةِ فِيهَا) : أَيْ فِي الْعِدَّةِ، أَيْ يُكْرَهُ لَهُ تَزَوُّجُهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ إنْ صَرَّحَ لَهَا بِالْخِطْبَةِ فِيهَا.
(وَنُدِبَ فِرَاقُهَا) أَيْ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الزَّانِيَةِ وَالْمُصَرَّحِ لَهَا بِالْخِطْبَةِ إنْ وَقَعَ التَّزَوُّجُ بِهَا.

ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْأَرْكَانِ وَشُرُوطِهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، وَبَدَأَ بِالْكَلَامِ عَلَى الصِّيغَةِ لِقِلَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا فَيَتَفَرَّغُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا فَقَالَ: (وَالصِّيغَةُ) الَّتِي هِيَ أَحَدُ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ أَوْ الْخَمْسَةِ هِيَ (اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى النِّكَاحِ، أَيْ عَلَى حُصُولِهِ وَتَحَقُّقِهِ إيجَابًا وَقَبُولًا.
وَمَثَّلَ لِلْإِيجَابِ الصَّرِيحِ بِقَوْلِهِ:

[حاشية الصاوي]

الْمَسْئُولِ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ الْمُسْتَشَارُ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْبَيَانُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّصِيحَةِ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْجُزُولِيِّ، وَهُنَاكَ طَرِيقَةٌ أُخْرَى تُوجِبُ عَلَيْهِ ذِكْرَ الْمَسَاوِئِ مُطْلَقًا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَعْرِفُ تِلْكَ الْمَسَاوِئَ غَيْرُهُ أَمْ لَا.

قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهَا] : أَيْ هَذَا إذَا ثَبَتَ عَلَيْهَا بِالْبَيِّنَةِ، بَلْ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ، وَأَمَّا مَنْ يَتَكَلَّمُ فِيهَا وَلَيْسَتْ مَشْهُورَةً بِذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ فِي زَوَاجِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ تَزَوُّجِ الْمَرْأَةِ الَّتِي اُشْتُهِرَتْ بِالزِّنَا إذَا لَمْ تُحَدَّ، أَمَّا إذَا حُدَّتْ فَلَا كَرَاهَةَ فِي زَوَاجِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ جَوَابِرُ، هَكَذَا قِيلَ وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرٌ وَلَا يُقَالُ إنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: 3] يُفِيدُ حُرْمَةَ نِكَاحِهَا لِأَنَّهُ يُقَالُ الْمُرَادُ لَا يَنْكِحُهَا فِي حَالِ زِنَاهَا، أَوْ أَنَّهُ بَيَانٌ لِلَّائِقِ بِهَا أَوْ أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ.
قَوْلُهُ: [أَيْ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الزَّانِيَةِ] إلَخْ: أَيْ وَإِذْ فَارَقَ الزَّانِيَةَ الْمُبِيحَةَ فَرْجَهَا

(كَ: أَنْكَحْت وَزَوَّجْت) أَيْ كَقَوْلِ الْوَلِيِّ: أَنْكَحْتُكَ بِنْتِي فُلَانَةَ، أَوْ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي أَوْ مُوَكِّلَتِي فُلَانَةَ، وَلَوْ لَمْ يُسَمِّ صَدَاقًا كَمَا يَأْتِي فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ: وَهَبْتُكَ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ صَدَاقٍ وَإِلَّا لَمْ يَنْعَقِدْ النِّكَاحُ.
وَالْمُضَارِعُ نَحْوُ: أُزَوِّجُكَ، إنْ قَامَتْ الْقَرِينَةُ عَلَى الْإِنْشَاءِ لَا الْوَعْدِ كَالْمَاضِي.
وَمَثَّلَ لِلْقَبُولِ بِقَوْلِهِ: (وَكَ: - قَبِلْتُ) وَرَضِيتُ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ وَكِيلِهِ، وَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ.
وَصَحَّ تَقْدِيمُ الْقَبُولِ مِنْ الزَّوْجِ كَأَنْ يَقُولَ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ، فَيَقُولُ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ إيَّاهَا فَيَنْعَقِدُ.
وَلَا تَكْفِي الْإِشَارَةُ وَلَا الْكِتَابَةُ إلَّا لِضَرُورَةِ خَرَسٍ.
(وَلَزِمَ) النِّكَاحُ بِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ لِأَنَّهُ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ بِلَا خِيَارٍ (وَلَوْ بِالْهَزْلِ) : ضِدُّ الْجِدِّ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالرَّجْعَةِ.

[حاشية الصاوي]

لِلْغَيْرِ فَلَا صَدَاقَ لَهَا حَيْثُ تَزَوَّجَ بِهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِذَلِكَ.

[أَرْكَان النِّكَاح وَشُرُوطِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]

[الرُّكْن الْأَوَّل الصِّيغَة]

قَوْلُهُ: [فَلَا بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ صَدَاقٍ] : أَيْ حَقِيقَةً بِأَنْ يَقُولَ: وَهَبْتهَا لَك بِصَدَاقٍ قَدْرُهُ كَذَا، أَوْ حُكْمًا كَأَنْ يَقُولَ: وَهَبْتهَا لَك تَفْوِيضًا.
قَوْلُهُ: [وَالْمُضَارِعُ] إلَخْ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَمُضَارِعُهُمَا كَمَاضِيهِمَا وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ اللَّقَانِيُّ قَائِلًا فِيهِ نَظَرٌ، إذْ الْعُقُودُ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَاضِي دُونَ الْمُضَارِعِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْوَعْدُ وَفِي الْمَاضِي اللُّزُومُ (اهـ) فَمِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْمُنَاقَشَةِ فِي كَلَامِ التَّوْضِيحِ قَيَّدَ شَارِحُنَا الْمُضَارِعَ بِقَوْلِهِ: " إنْ قَامَتْ الْقَرِينَةُ " إلَخْ.
قَوْلُهُ: [كَالْمَاضِي] : وَمِنْ بَابٍ أَوْلَى صِيغَةُ الْأَمْرِ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْإِنْشَاءِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ] : تَقَدَّمَ أَنَّهُ الْخُطْبَةُ أَوْ قَدْرُهَا.
قَوْلُهُ: [كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ] إلَخْ: أَيْ فَقَدْ وَرَدَ: «ثَلَاثَةٌ هَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ» ، وَفِي رِوَايَةٍ: " وَالرَّجْعَةُ " بَدَلُ الْعِتْقِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الرُّكْنِ الثَّانِي: وَهُوَ الْوَلِيُّ، مُقَسِّمًا لَهُ إلَى مُجْبِرٍ وَغَيْرِهِ فَقَالَ: (وَالْوَلِيُّ) قِسْمَانِ: (مُجْبِرٌ وَغَيْرُهُ) . (فَالْمُجْبِرُ) أَحَدُ ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ: (الْمَالِكُ) لِأَمَةٍ أَوْ عَبْدٍ لَهُ جَبْرُهُ عَلَى النِّكَاحِ (وَلَوْ) كَانَ الْمَالِكُ (أُنْثَى) ؛ فَلَهَا جَبْرُ أَمَتِهَا أَوْ عَبْدِهَا عَلَى النِّكَاحِ، وَلَكِنْ تُوَكِّلُ فِي الْعَقْدِ

[حاشية الصاوي]

تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: اُخْتُلِفَ فِي كُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي الْبَقَاءَ مُدَّةَ الْحَيَاةِ، كَبِعْتُ أَوْ مَلَّكْت أَوْ أَحْلَلْت أَوْ أَعْطَيْت أَوْ مَنَحْت، وَهَلْ هِيَ كَوَهَبْتُ يَنْعَقِدُ بِهَا النِّكَاحُ إنْ سَمَّى صَدَاقًا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا؟ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَصَّارِ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ وَالْبَاجِيِّ وَابْنِ الْعَرَبِيِّ، أَوْ لَا يَنْعَقِدُ بِهَا وَلَوْ سَمَّى صَدَاقًا؟ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ كَكُلِّ لَفْظٍ لَا يَقْتَضِي الْبَقَاءَ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ اتِّفَاقًا كَالْحَبْسِ وَالْوَقْفِ وَالْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْعُمْرَى، فَتَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْأَقْسَامَ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ سَمَّى صَدَاقًا أَمْ لَا، وَهُوَ أَنْكَحْت وَزَوَّجْت.
وَالثَّانِي: يَنْعَقِدُ إنْ سَمَّى صَدَاقًا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَهُوَ وَهَبْت فَقَطْ.
وَالثَّالِثُ: مَا فِيهِ الْخِلَافُ وَهُوَ كُلُّ لَفْظٍ يَقْتَضِي الْبَقَاءَ مُدَّةَ الْحَيَاةِ.
وَالرَّابِعُ: مَا لَا يَنْعَقِدُ بِهِ مُطْلَقًا اتِّفَاقًا وَهُوَ كُلُّ لَفْظٍ لَا يَقْتَضِي الْبَقَاءَ مُدَّةَ الْحَيَاةِ.
الثَّانِي: يَلْزَمُ النِّكَاحُ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْآخَرُ، وَلَوْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى قَصْدِ الْهَزْلِ، لِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ لَازِمٌ لَا يَجُوزُ فِيهِ الْخِيَارُ إلَّا خِيَارُ الْمَجْلِسِ، فَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَنَا فِي خُصُوصِ النِّكَاحِ إذَا اُشْتُرِطَ.

[الرُّكْن الثَّانِي مِنْ أَرْكَان النِّكَاح الْوَلِيّ]

[الْأَوَّل مِنْ الْوَلِيّ المجبر الْمَالِك لِأَمَةٍ أَوْ عَبْد]

قَوْلُهُ: [الْأَوَّلُ الْمَالِكُ] : قَدَّمَهُ لِقُوَّةِ تَصَرُّفِهِ لِأَنَّهُ يُزَوِّجُ الْأَمَةَ مَعَ وُجُودِ أَبِيهَا وَلَهُ جَبْرُ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ وَالْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، لِأَنَّهُمَا مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِ وَلَهُ أَنْ يُصْلِحَ مَالَهُ بِأَيِّ وَجْهٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَكِنْ تُوَكِّلُ فِي الْعَقْدِ] : أَيْ عَلَى الْأَمَةِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَلَهَا الْعَقْدُ بِنَفْسِهَا، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَالِكِ الْمُجْبِرِ الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالرُّشْدُ، فَإِنَّ الْكَافِرَ لَا نَتَعَرَّضُ لَهُ فِي مَمْلُوكِهِ الْكَافِرِ، فَإِنْ كَانَ مَمْلُوكُهُ مُسْلِمًا فَلَا يُقَرُّ تَحْتَ يَدِهِ، بَلْ يُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ يَدِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْمَالِكُ عَبْدًا فَالْجَبْرُ لِمَالِكِهِ مَا لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ الْمَالِكُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَوْ مُكَاتَبًا فَإِنَّهُ يُجْبِرُ رَقِيقَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَكِنْ لَا يَتَوَلَّى الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ

وُجُوبًا (إلَّا لِضَرَرٍ) يَلْحَقُ الْمَمْلُوكَ فِي النِّكَاحِ، كَالتَّزْوِيجِ مِنْ ذِي عَاهَةٍ فَلَا جَبْرَ لِلْمَالِكِ وَيُفْسَخُ وَلَوْ طَالَ.
وَلِلْمَالِكِ الْجَبْرُ (وَلَوْ) كَانَ الْمَمْلُوكُ عَبْدًا (مُدَبَّرًا أَوْ مُعْتَقًا لِأَجَلٍ، مَا لَمْ يَمْرَضْ السَّيِّدُ) فِي الْمُدَبَّرِ (أَوْ يَقْرُبْ الْأَجَلُ) فِي الْمُعْتَقِ لِأَجَلٍ.
وَأَمَّا الْأُنْثَى الْمُدَبَّرَةُ أَوْ الْمَعْتُوقَةُ لِأَجَلٍ فَالْأَصَحُّ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِ عَدَمُ الْجَبْرِ مُطْلَقًا، (وَإِلَّا) - بِأَنْ مَرِضَ سَيِّدُ الْمُدَبَّرِ أَوْ قَرُبَ أَجَلُ الْعِتْقِ كَالثَّلَاثَةِ الْأَشْهُرِ فَدُونَ - (فَلَا) جَبْرَ لِمَالِكِهِ.
(كَمُكَاتَبٍ وَمُبَعَّضٍ) لَا جَبْرَ لِسَيِّدِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَالْبَعْضُ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْحُرِّيَّةُ.

(وَكُرِهَ) لِسَيِّدٍ (جَبْرُ أُمِّ وَلَدِهِ) بَعْدَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا عَلَى النِّكَاحِ، فَإِنْ جَبَرَهَا صَحَّ (عَلَى الْأَصَحِّ) وَقِيلَ: لَا جَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا، فَإِنْ جَبَرَهَا لَمْ يَمْضِ.
فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْأُنْثَى بِشَائِبَةٍ لَا تُجْبَرُ - عَلَى الْأَصَحِّ - إلَّا أُمُّ الْوَلَدِ فَتُجْبَرُ عَلَى الْأَصَحِّ بِكُرْهٍ، وَأَنَّ الذَّكَرَ بِشَائِبَةٍ لَا يُجْبَرُ، إلَّا الْمُدَبَّرُ وَالْمُعْتَقُ لِأَجَلٍ إذَا لَمْ يَمْرَضْ السَّيِّدُ وَلَمْ يَقْرُبْ الْأَجَلُ.

(وَجَبْرُ الشُّرَكَاءِ) مَمْلُوكَهُمْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (إنْ اتَّفَقُوا) عَلَى تَزْوِيجِهِ، لَا إنْ خَالَفَ بَعْضُهُمْ، فَلَيْسَ لِلْآخَرِ جَبْرٌ.

[حاشية الصاوي]

فِي تَزْوِيجِ الْأَمَةِ فَهُوَ كَالْمَرْأَةِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ سَفِيهًا فَالْجَبْرُ لِوَلِيِّهِ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ جَبْرُ سَيِّدِهِمَا عَلَى التَّزْوِيجِ لَهُمَا، وَلَوْ حَصَلَ لَهُمَا الضَّرَرُ بِعَدَمِهِ، بَلْ وَلَوْ قَصَدَ إضْرَارَهُمَا بِعَدَمِهِ، وَلَا يُؤْمَرُ بِبَيْعٍ وَلَا تَزْوِيجٍ، لِأَنَّ الضَّرَرَ إنَّمَا يَجِبُ رَفْعُهُ إذَا كَانَ فِيهِ مِثْلُ حَقٍّ وَاجِبٍ، وَلَا حَقَّ لَهُمَا فِي النِّكَاحِ، وَمَا فِي التَّوْضِيحِ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَصَدَ بِمَنْعِهِمَا الضَّرَرَ أُمِرَ بِالْبَيْعِ أَوْ التَّزْوِيجِ ضَعِيفٌ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ح.

قَوْلُهُ: [فَإِنْ جَبَرَهَا لَمْ يَمْضِ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى مَنْعِ الْجَبْرِ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ، وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ وَهُوَ رِوَايَةُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.

قَوْلُهُ: [فَلَيْسَ لِلْآخَرِ جَبْرٌ] : أَيْ بَلْ إنَّ عَقْدَ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ بِغَيْرِ إذْنِ الْآخَرِ كَانَ لِلْآخَرِ الْإِجَازَةُ، وَالرَّدُّ إنْ كَانَ فِيهَا بَعْضُ حُرِّيَّةٍ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَبْعِيضٌ تَحَتَّمَ الرَّدُّ كَذَا فِي (ر) وَاَلَّذِي فِي (ح) أَنَّهُ يَتَحَتَّمُ الرَّدُّ مُطْلَقًا لَوْ فِيهَا بَعْضُ

الثَّانِي مِنْ الْوَلِيِّ الْمُجْبِرِ: الْأَبُ.
وَرُتْبَتُهُ بَعْدَ رُتْبَةِ السَّيِّدِ فَلَا كَلَامَ لِأَبٍ مَعَ وُجُودِ سَيِّدِ ابْنَتِهِ، وَلِذَا أَتَى بِالْفَاءِ الْمُشْعِرَةِ بِتَأَخُّرِ رُتْبَتِهِ فَقَالَ: (فَأَبٌ) : لَهُ الْجَبْرُ وَلَوْ بِدُونِ صَدَاقِ الْمِثْلِ وَلَوْ لِأَقَلِّ حَالٍ مِنْهَا أَوْ لِقَبِيحِ مَنْظَرٍ لِثَلَاثَةٍ مِنْ بَنَاتِهِ.
أَشَارَ لِلْأُولَى بِقَوْلِهِ: (لِبِكْرٍ) مَا دَامَتْ بِكْرًا (وَلَوْ عَانِسًا) بَلَغَتْ مِنْ الْعُمْرِ سِتِّينَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ.
(إلَّا إذَا رَشَّدَهَا) الْأَبُ: أَيْ جَعَلَهَا رَشِيدَةً أَوْ أَطْلَقَ الْحَجْرَ عَنْهَا لِمَا قَامَ

[حاشية الصاوي]

حُرِّيَّتِهِ وَاخْتَارَهُ بْن

[الثَّانِي مِنْ الْوَلِيّ المجبر الْأَب]

قَوْلُهُ: [فَأَبٌ] : أَيْ رَشِيدٌ وَإِلَّا فَالْكَلَامُ لِوَلِيِّهِ هَكَذَا فِي الْأَصْلِ تَبَعًا لِ (عب) وَالْخَرَشِيِّ، وَلَكِنْ قَالَ بْن فِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ السَّفِيهَ ذَا الرَّأْيِ أَيْ الْعَقْلِ وَالدِّينِ لَهُ جَبْرُ بِنْتِهِ وَإِنْ كَانَ نَاقِصَ التَّمْيِيزِ، خُصَّ وَلِيُّهُ بِالنَّظَرِ فِي تَعْيِينِ الزَّوْجِ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَلِي الْعَقْدَ هَلْ الْوَلِيُّ.
أَوْ الْأَبُ، فَلِذَلِكَ أَطْلَقَ شَارِحُنَا وَلَمْ يُقَيِّدْ بِالرُّشْدِ اتِّكَالًا عَلَى مَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: [بَلَغَتْ مِنْ الْعُمْرِ سِتِّينَ سَنَةً] : الْمُرَادُ أَنَّهَا طَالَتْ إقَامَتُهَا عِنْدَ أَبِيهَا وَعَرَفَتْ مَصَالِحَ نَفْسِهَا قَبْلَ الزَّوَاجِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ جَبْرِ الْبِكْرِ وَلَوْ عَانِسًا هُوَ الْمَشْهُورُ، خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ حَيْثُ قَالَ لِلْأَبِ جَبْرُ الْبِكْرِ مَا لَمْ تَكُنْ عَانِسًا، لِأَنَّهَا لَمَّا عَنَسَتْ صَارَتْ كَالثَّيِّبِ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ الْعِلَّةُ فِي الْجَبْرِ الْبَكَارَةُ أَوْ الْجَهْلُ بِمَصَالِحِ النِّسَاءِ، فَالْمَشْهُورُ نَاظِرٌ لِلْأَوَّلِ وَابْنُ وَهْبٍ نَاظِرٌ لِلثَّانِيَّ.
قَوْلُهُ: [إلَّا إذَا رَشَّدَهَا الْأَبُ] : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهَا بَالِغَةٌ إذْ الصَّغِيرَةُ لَا تُرَشَّدُ، ثُمَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ جَبْرِ الْمُرَشَّدَةِ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَهُ جَبْرُهَا، وَكَمَا لَا يَجْبُرُهَا الْأَبُ عَلَى الْمَشْهُورِ لَا حَجْرَ لَهُ عَلَيْهَا فِي الْمُعَامَلَةِ، وَمَا فِي الْخَرَشِيِّ وَ (عب) مِنْ بَقَاءِ الْحَجْرِ عَلَيْهَا فِي الْمُعَامَلَةِ غَيْرُ صَوَابٍ، إذْ التَّرْشِيدُ لَا يَتَبَعَّضُ فَلَا يَكُونُ فِي أَمْرٍ دُونَ آخَرَ كَذَا فِي بْن.
وَمِثْلُ الْبِكْرِ الَّتِي رَشَّدَهَا الْأَبُ الْبِكْرُ الَّتِي رَشَّدَهَا الْوَصِيُّ، وَفِي بَقَاءِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهَا قَوْلَانِ الرَّاجِحُ بَقَاؤُهَا كَمَا هُوَ، نَقَلَ الْمُتَيْطِيُّ عَنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَكِنْ لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا بِرِضَاهَا، وَأَمَّا لَوْ رَشَّدَ الْوَصِيُّ الثَّيِّبَ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَالْوِلَايَةُ لِأَقَارِبِهَا.

بِهَا مِنْ حُسْنِ التَّصَرُّفِ فَلَا جَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ.
وَلَا بُدَّ أَنْ تَأْذَنَ بِالْقَوْلِ كَمَا يَأْتِي: (أَوْ أَقَامَتْ) بَعْدَ أَنْ دَخَلَ بِهَا زَوْجٌ (سَنَةً) فَأَكْثَرَ (بِبَيْتِ زَوْجِهَا) ، ثُمَّ تَأَيَّمَتْ وَهِيَ بِكْرٌ فَلَا جَبْرَ لَهُ عَلَيْهَا تَنْزِيلًا لِإِقَامَتِهَا بِبَيْتِ الزَّوْجِ سَنَةً مَنْزِلَةَ الثُّيُوبَةِ.
وَأَشَارَ لِلثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: (وَثَيِّبٍ) عَطْفٌ عَلَى بِكْرٍ، (صَغُرَتْ) بِأَنْ لَمْ تَبْلُغْ فَتَأَيَّمَتْ بَعْدَ أَنْ أَزَالَ الزَّوْجُ بَكَارَتَهَا؛ فَلَهُ جَبْرُهَا لِصِغَرِهَا إذْ لَا عِبْرَةَ بِثُيُوبَتِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
(أَوْ) كَبِرَتْ بِأَنْ بَلَغَتْ وَزَالَتْ بَكَارَتُهَا (بِزِنًا وَلَوْ تَكَرَّرَ) مِنْهَا الزِّنَا حَتَّى زَالَ جِلْبَابُ الْحَيَاءِ عَنْ وَجْهِهَا، (أَوْ وَلَدَتْ) مِنْهُ فَلَهُ جَبْرُهَا وَلَا حَقَّ لِوِلَادَتِهَا مِنْ الزِّنَا مَعَهُ.
(أَوْ) زَالَتْ بَكَارَتُهَا (بِعَارِضٍ) كَوَثْبَةٍ أَوْ ضَرْبَةٍ أَوْ بِعُودٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَهُ جَبْرُهَا وَلَوْ عَانِسًا (لَا) إنْ زَالَتْ (بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ) وَلَوْ مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ فَلَيْسَ لَهُ جَبْرُهَا (إنْ دَرَأَ) أَيْ مَنَعَ (الْحَدَّ) لِشُبْهَةٍ، وَإِلَّا فَلَهُ جَبْرُهَا.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَهِيَ بِكْرٌ] : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهَا تَدَّعِي الْبَكَارَةَ وَأَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَمَسَّهَا مَعَ ثُبُوتِ الْخَلْوَةِ بَيْنَهُمَا، وَسَوَاءٌ كَذَّبَهَا الزَّوْجُ أَوْ وَافَقَهَا، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى إذَا جُهِلَتْ الْخَلْوَةُ، وَأَمَّا لَوْ عُلِمَ عَدَمُ الْخَلْوَةِ بَيْنَهُمَا وَعَدَمُ الْوُصُولِ إلَيْهَا فَإِجْبَارُ الْأَبِ بَاقٍ، وَلَوْ أَقَامَتْ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ.
قَوْلُهُ: [فَلَهُ جَبْرُهَا لِصِغَرِهَا] : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَجْبُرُهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ، فَإِنْ ثُيِّبَتْ وَتَأَيَّمَتْ قَبْلَ الْبُلُوغِ ثُمَّ بَلَغَتْ قَبْلَ النِّكَاحِ فَلَا تُجْبَرُ، وَهُوَ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَمُقَابِلُهُ مَا لِسَحْنُونٍ مِنْ الْجَبْرِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: [أَوْ بِزِنًا] : أَوْ حَرْفُ عَطْفٍ وَالْمَعْطُوفُ مَحْذُوفٌ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ كَبِرَتْ، وَبِزِنًا مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَزَالَتْ بَكَارَتُهَا، وَالْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى جُمْلَةِ صَغُرَتْ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ تَكَرَّرَ مِنْهَا الزِّنَا] : أَيْ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ إنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ مِنْهَا الزِّنَا وَإِلَّا فَلَا يَجْبُرُهَا.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَلَهُ جَبْرُهَا] : أَيْ لِأَنَّهُ زِنًا.

وَأَشَارَ لِلثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ: (وَ) لِأَبٍ جَبْرُ (مَجْنُونَةٍ) بَالِغًا ثَيِّبًا لِعَدَمِ تَمْيِيزِهَا.
وَلَا كَلَامَ لِوَلَدِهَا مَعَهُ إنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ رَشِيدٌ، (إلَّا مَنْ تُفِيقُ) مِنْ جُنُونِهَا أَحْيَانًا (فَتُنْتَظَرُ) إفَاقَتُهَا لِتُسْتَأْذَنَ وَلَا تُجْبَرَ.
وَمَحَلُّ جَبْرِ الْأَبِ فِي الثَّلَاثَةِ إذْ لَمْ يَلْزَمْ عَلَى تَزْوِيجِهَا ضَرَرٌ عَادَةً، كَتَزْوِيجِهَا مِنْ خَصِيٍّ أَوْ ذِي عَاهَةٍ؛ كَجُنُونٍ وَبَرَصٍ وَجُذَامٍ مِمَّا يُرَدُّ الزَّوْجُ بِهِ شَرْعًا وَإِلَّا فَلَا جَبْرَ لَهُ.

الثَّالِثُ مِنْ الْوَلِيِّ الْمُجْبِرِ: وَصِيُّ الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (فَوَصِيُّهُ) : أَيْ الْأَبِ، لَهُ الْجَبْرُ فِيمَا لِلْأَبِ فِيهِ جَبْرٌ.
وَمَحَلُّهُ (إنْ عَيَّنَ لَهُ) الْأَبُ (الزَّوْجَ) بِأَنْ قَالَ لَهُ: زَوِّجْهَا مِنْ فُلَانٍ، فَلَهُ جَبْرُهَا عَلَيْهِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِ إنْ بَذَلَ مَهْرَ الْمِثْلِ، بِخِلَافِ الْأَبِ لَهُ جَبْرُهَا مُطْلَقًا.
(أَوْ أَمَرَهُ) الْأَبُ (بِهِ) : أَيْ بِالْجَبْرِ بِأَنْ قَالَ: اُجْبُرْهَا، وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَلَوْ ضِمْنًا، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: زَوِّجْهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ وَبَعْدَهُ أَوْ عَلَى أَيِّ حَالَةٍ شِئْت.
(أَوْ) أَمَرَهُ (بِالنِّكَاحِ) وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الزَّوْجَ وَلَا الْإِجْبَارَ بِأَنْ قَالَ لَهُ: زَوِّجْهَا أَوْ أَنْكِحْهَا أَوْ زَوِّجْهَا مِمَّنْ أَحْبَبْت أَوْ لِمَنْ تَرْضَاهُ؛ فَلَهُ الْجَبْرُ، وَمُقَابِلُهُ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ شَبَّهَ فِي الْجَبْرِ قَوْلَهُ: (كَأَنْتَ وَصِيِّي عَلَيْهَا) : أَيْ عَلَى بِنْتِي أَوْ بَنَاتِي

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بَالِغًا ثَيِّبًا] : أَيْ وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ أَوْ الْبِكْرُ فَلَهُ جَبْرُهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ مَجْنُونَةً أَوْ عَاقِلَةً.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَلَا جَبْرَ لَهُ] : أَيْ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ» قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْأَبِ لَهُ جَبْرُهَا مُطْلَقًا] : أَيْ وَلَوْ عَلَى دُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَا عَاهَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يُزَوِّجُ إلَّا بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَأَكْثَرَ، لَا يُعَارِضُهُ مَا يَأْتِي فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ الرِّضَا بِدُونِهِ لِلْوَصِيِّ، قِيلَ لِأَنَّ مَا هُنَا قَبْلَ الْعَقْدِ وَمَا يَأْتِي بَعْدَهُ لِمَصْلَحَةِ عَدَمِ الْفِرَاقِ.

[الثَّالِث مِنْ الْوَلِيّ المجبر وَصِيّ الْأَب]

قَوْلُهُ: [كَأَنْتَ وَصِيِّي عَلَيْهَا] : حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْأَبَ إذَا قَالَ لِلْوَصِيِّ: أَنْتَ وَصِيِّي عَلَى بُضْعِ بَنَاتِي، أَوْ عَلَى نِكَاحِ بَنَاتِي أَوْ عَلَى تَزْوِيجِهِنَّ، أَوْ وَصِيِّي عَلَى بِنْتِي تُزَوِّجُهَا مِمَّنْ أَحْبَبْت، لَهُ الْجَبْرُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ النِّكَاحِ أَوْ

أَوْ عَلَى بَعْضِهَا أَوْ بَعْضِهِنَّ فَلَهُ الْجَبْرُ (عَلَى الْأَرْجَحِ) عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: النَّقْلُ يُفِيدُ أَرْجَحِيَّةَ عَدَمِ الْجَبْرِ لِقَوْلِ أَبِي الْحَسَنِ: بِخِلَافِ وَصِيِّي فَقَطْ أَوْ وَصِيِّي عَلَى بُضْعِ بَنَاتِي أَوْ عَلَى تَزْوِيجِهِنَّ فَلَا جَبْرَ.
وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهَا إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَهُ الْجَبْرُ.

(وَهُوَ) : أَيْ الْوَصِيُّ (فِي الثَّيِّبِ) الْبَالِغَةِ - إذَا أَمَرَهُ الْأَبُ بِتَزْوِيجِهَا، أَوْ قَالَ لَهُ: أَنْتَ وَصِيِّي عَلَى إنْكَاحِهَا - (كَأَبٍ) مَرْتَبَتُهُ بَعْدَ الِابْنِ.
وَلَا جَبْرَ؛ فَإِنْ زَوَّجَهَا مَعَ وُجُودِ الِابْنِ جَازَ عَلَى الِابْنِ، وَإِنْ زَوَّجَهَا الْأَخُ بِرِضَاهَا جَازَ عَلَى الْوَصِيِّ لِصِحَّةِ عَقْدِ الْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ السَّيِّدِ وَالْأَبِ وَوَصِيِّهِ فِي الْبِكْرِ وَالصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ (لَا جَبْرَ) لِأَحَدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى أُنْثَى صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ جَبْرٌ (فَإِنَّمَا تُزَوَّجُ بَالِغٌ) لَا صَغِيرَةٌ (بِإِذْنِهَا)

[حاشية الصاوي]

التَّزْوِيجِ أَوْ الْبُضْعِ فَالرَّاجِحُ عَدَمُ الْجَبْرِ، كَمَا إذَا قَالَ: أَنْتَ وَصِيِّي عَلَى بَنَاتِي أَوْ عَلَى بَعْضِ بَنَاتِي أَوْ عَلَى بِنْتِي فُلَانَةَ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ: أَنْتَ وَصِيِّي فَقَطْ أَوْ عَلَى مَالِي أَوْ بَيْعِ تَرِكَتِي أَوْ قَبْضِ دَيْنِي، فَلَا جَبْرَ اتِّفَاقًا، فَلَوْ زَوَّجَ جَبْرًا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَاسْتَظْهَرَ الْأُجْهُورِيُّ الْإِمْضَاءَ وَتَوَقَّفَ فِيهِ النَّفْرَاوِيُّ، وَأَمَّا إنْ زَوَّجَ بِلَا جَبْرٍ صَحَّ بِلَا خِلَافٍ، هَذَا هُوَ تَحْرِيرُ الْمَسْأَلَةِ فَلْيُحْفَظْ، وَكَلَامُ الشَّارِحِ فِي هَذَا الْمَقَامِ غَيْرُ وَاضِحٍ.

وَقَوْلُهُ: [جَازَ عَلَى الِابْنِ] : أَيْ مَضَى بَعْدَ الْوُقُوعِ وَإِلَّا فَالِابْنُ مُقَدَّمٌ كَمَا أَنَّ الْوَصِيَّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَخِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
تَنْبِيهٌ: اسْتَثْنَى الْعُلَمَاءُ مِنْ وُجُوبِ الْفَوْرِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مَسْأَلَةً نَصَّ عَلَيْهَا أَصْبَغُ، وَهِيَ: أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ فِي مَرَضِهِ إنْ مِتّ فَقَدْ زَوَّجْت ابْنَتِي فُلَانَةَ مِنْ فُلَانٍ، فَهَذَا يَصِحُّ طَالَ الْأَمْرُ أَوْ لَا، قَبِلَ الزَّوْجُ النِّكَاحَ بِقُرْبِ الْمَوْتِ أَوْ بَعْدَ الطُّولِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَيَّدَ سَحْنُونَ الصِّحَّةَ بِمَا إذَا قَبِلَ الزَّوْجُ النِّكَاحَ بِقُرْبِ مَوْتِ الْأَبِ، لِأَنَّ الْعُقُودَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ بِقُرْبِهَا وَلَا سِيَّمَا عَقْدُ النِّكَاحِ، فَإِنَّ الْفُرُوجَ يُحْتَاطُ فِيهَا، وَإِنَّمَا اُسْتُثْنِيَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِأَنَّهَا مِنْ وَصَايَا الْمُسْلِمِينَ، فَيَجِبُ إنْفَاذُهَا حَيْثُ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ فِي الْمَرَضِ كَانَ الْمَرَضُ مَخُوفًا أَمْ لَا فَتَدَبَّرْ.

وَرِضَاهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ الْبَالِغُ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا.
وَسَيَأْتِي أَنَّ إذْنَ الْبِكْرِ صُمَاتُهَا، وَأَنَّ الثَّيِّبَ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا.
وَمَصَبُّ الْحَصْرِ كِلَا الْأَمْرَيْنِ: أَيْ لَا تُزَوَّجُ إلَّا بَالِغٌ، وَلَا تُزَوَّجُ إلَّا بِإِذْنِهَا؛ فَمَتَى فُقِدَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فَسَدَ النِّكَاحُ وَفَسَدَ أَبَدًا عَلَى مَا شَهَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ فِي الصَّغِيرَةِ، وَشَهَرَ الْمُتَيْطِيُّ فِيهَا أَنَّهُ يُفْسَخُ مَا لَمْ يَطُلْ.
ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ مَفْهُومِ: " بَالِغٌ " قَوْلَهُ: (إلَّا) صَغِيرَةً (يَتِيمَةً) وَالتَّصْرِيحُ بِ " يَتِيمَةٍ " مِنْ التَّصْرِيحِ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُجْبَرَةِ مَتَى كَانَتْ صَغِيرَةً كَانَتْ يَتِيمَةً إذْ لَوْ كَانَ لَهَا أَبٌ لَكَانَ مُجْبِرًا لَهَا.
فَمَحَطُّ الِاسْتِثْنَاءِ قَوْلُهُ: (خِيفَ عَلَيْهَا) إمَّا لِفَسَادِهَا فِي الدِّينِ بِأَنْ يَتَرَدَّدَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْفُسُوقِ، أَوْ تَتَرَدَّدُ هِيَ عَلَيْهِمْ، أَوْ تَكُونَ بِجِوَارِهِمْ حَتَّى تَتَطَبَّعَ بِطِبَاعِهِمْ وَتَمِيلَ إلَى الْهَوَى، وَإِمَّا لِضَيَاعِهَا فِي الدُّنْيَا لِفَقْرِهَا وَقِلَّةِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا أَوْ لِخَوْفِ ضَيَاعِ مَالِهَا.
فَقَوْلُنَا " خِيفَ عَلَيْهَا " ظَاهِرٌ فِي شُمُولِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ " خِيفَ فَسَادُهَا ". (وَبَلَغَتْ عَشْرًا) مِنْ السِّنِينَ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي سِنِّ مَنْ تُوطَأُ.
(وَشُووِرَ الْقَاضِي) بِسُكُونِ الْوَاوِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ: مِنْ الْمُشَاوَرَةِ لِيَثْبُتَ عِنْدَهُ مَا ذُكِرَ، وَأَنَّهَا خَلِيَّةٌ مِنْ زَوْجٍ وَعِدَّةٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ، وَرِضَاهَا بِالزَّوْجِ وَأَنَّهُ كُفْؤُهَا فِي الدِّينِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْحَالِ وَأَنَّ الْمَهْرَ مَهْرُ مِثْلِهَا، (فَيَأْذَنُ لِوَلِيِّهَا) فِي الْعَقْدِ، وَلَا يَتَوَلَّى الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ.
وَظَاهِرُهُ: أَنَّ مُشَاوَرَةَ الْقَاضِي شَرْطُ صِحَّةٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَثْبَتَهُ فِي مُخْتَصَرِهِ وَتَبِعْنَاهُ فِيهِ، وَالْحَقُّ خِلَافُهُ إذْ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَسَيَأْتِي أَنَّ إذْنَ الْبِكْرِ صُمَاتُهَا] : أَيْ إلَّا مَا اسْتَثْنَى مِنْ الْأَبْكَارِ السِّتَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِهِنَّ بِالْقَوْلِ.
قَوْلُهُ: [كَانَتْ يَتِيمَةً] : أَيْ وَلَا سَيِّدَ لَهَا وَلَا وَصِيَّ.
قَوْلُهُ: [إذْ لَوْ كَانَ لَهَا أَبٌ] أَيْ أَوْ سَيِّدٌ أَوْ وَصِيٌّ.
قَوْلُهُ: [وَالْحَقُّ خِلَافُهُ] أَيْ كَمَا قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ الْمُعْتَمَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ

غَيْرُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ الْأَئِمَّةِ.
وَعَلَيْهِ فَإِذَا زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ غَيْرِ مُشَاوَرَةٍ كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا قَطْعًا، نَعَمْ تُسْتَحْسَنُ الْمُشَاوَرَةُ لِثُبُوتِ الْوَاجِبَاتِ وَرَفْعِ الْمُنَازَعَاتِ.
وَالْحَقُّ أَنَّ إذْنَهَا صَمْتُهَا كَغَيْرِهَا، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا بُدَّ أَنْ تَأْذَنَ بِالْقَوْلِ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا فَسَادًا وَلَا ضَيْعَةً أَوْ لَمْ تَبْلُغْ عَشْرًا وَزُوِّجَتْ (فُسِخَ) نِكَاحُهَا.
(إلَّا إذَا دَخَلَ) الزَّوْجُ بِهَا (وَطَالَ) الزَّمَنُ بَعْدَ الدُّخُولِ وَالْبُلُوغِ فَلَا يُفْسَخُ.
وَفَسَّرَ الطُّولَ (بِالسِّنِينَ) كَالثَّلَاثَةِ بَعْدَ دُخُولِهَا وَبُلُوغِهَا، (أَوْ) وِلَادَةِ (الْأَوْلَادِ) كَاثْنَيْنِ فِي بَطْنَيْنِ، وَشَهَرَ هَذَا الْمُتَيْطِيُّ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْمَشْهُورُ الْفَسْخُ أَبَدًا فَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ فِي التَّشْهِيرِ كَمَا أَشَرْنَا لِذَلِكَ فِي صَدْرِ الْعِبَارَةِ.

[حاشية الصاوي]

مَا ارْتَضَاهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى خِيفَةِ الْفَسَادِ مَتَى خِيفَ عَلَيْهَا الْفَسَادُ فِي مَآلِهَا، أَوْ فِي حَالِهَا زُوِّجَتْ بَلَغَتْ عَشْرًا أَوْ لَا، رَضِيَتْ بِالنِّكَاحِ أَمْ لَا، فَيُجْبِرُهَا وَلِيُّهَا عَلَى التَّزْوِيجِ، وَوَجَبَ مُشَاوَرَةُ الْقَاضِي فِي تَزْوِيجِهَا، فَإِنْ زُوِّجَتْ مِنْ غَيْرِ مُشَاوَرَتِهِ صَحَّ النِّكَاحُ إنْ دَخَلَ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا الْفَسَادَ وَزُوِّجَتْ صَحَّ إنْ دَخَلَ وَطَالَ (اهـ) . فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمَدَارُ عَلَى خُلُوِّهَا مِنْ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ، أَمَّا رِضَاهُمَا بِالزَّوْجِ وَأَنَّهُ كُفْؤُهَا فِي الدِّينِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْحَالِ، وَأَنَّ الْمَهْرَ مَهْرُ مِثْلِهَا، وَأَنَّ الْجِهَازَ الَّذِي جُهِّزَتْ بِهِ مُنَاسِبٌ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ عَلَى التَّحْقِيقِ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَاضٍ يُشَاوَرُ لِعَدَمِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ ظَالِمًا كَفَى جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: [بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ] : قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى خِلَافِ الْفَسَادِ وَالْخُلُوِّ مِنْ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [أَوْ لَمْ تَبْلُغْ عَشْرًا] : ظَاهِرُهُ أَنَّهَا إذَا لَمْ تَبْلُغْ عَشْرًا وَزُوِّجَتْ مَعَ خَوْفِ الْفَسَادِ يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالطُّولِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ صَحِيحٌ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا تَقَدَّمَ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، وَلَا يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالطُّولِ إلَّا إذَا زُوِّجَتْ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ فَسَادٍ.
قَوْلُهُ: [فَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ فِي التَّشْهِيرِ] : وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلٌ ثَالِثٌ بَعْدَ

فصول الكتاب · 3 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك · 813 صفحة
المقدمة
بَابُ فِي الشُّفْعَةِ وَأَحْكَامِهَا
بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ
جارٍ التحميل