حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالكصفحات 82-121
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَزَالَ طَعْمُهَا، بِخِلَافِ لَوْنٍ وَرِيحٍ عَسُرَا كَمَصْبُوغٍ بِهَا، وَلَا يَلْزَمُ عَصْرُهُ) ؛ يَعْنِي أَنَّ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِهِ يَطْهُرُ إنْ انْفَصَلَ الْمَاءُ عَنْهُ طَاهِرًا وَلَوْ لَمْ يَنْفَصِلْ طَهُورًا خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِهِ.
بَلْ الْمَدَارُ عَلَى زَوَالِ طَعْمِ النَّجَاسَةِ وَلَوْنِهَا وَرِيحِهَا فَمَتَى بَقِيَ فِي الْمَاءِ الْمُنْفَصِلِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَالْمَحَلُّ لَمْ يَطْهُرْ وَالْغُسَالَةُ نَجِسَةٌ، لَكِنَّ الطَّعْمَ لَا بُدَّ فِي طَهَارَةِ الْمَحَلِّ مِنْ زَوَالِهِ، وَلَوْ تَعَسَّرَ.
وَأَمَّا اللَّوْنُ وَالرِّيحُ فَإِنْ تَيَسَّرَ زَوَالُهُمَا فَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِهِمَا وَإِنْ تَعَسَّرَ، كَثَوْبٍ مَصْبُوغٍ بِزَعْفَرَانٍ مُتَنَجِّسٍ أَوْ نِيلَةٍ كَذَلِكَ، كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي الدَّنِّ فَأْرٌ فَمَاتَ فِيهِ - كَمَا يَتَّفِقُ كَثِيرًا - أَوْ أَصَابَ الثَّوْبَ مَنِيٌّ انْطَبَعَ فِيهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَا يُشْتَرَطُ زَوَالُهُمَا لِعُسْرِهِ عَادَةً، إذْ لَا يَرْجِعُ عَادَةً لِحَالَتِهِ الْأُولَى.
وَلَا يُقَالُ الرِّيحُ يَسْهُلُ زَوَالُهُ، لِأَنَّا نَقُولُ بَعْضُ الرَّوَائِحِ كَالْمِسْكِ وَالزَّبَادِ الْمُتَنَجِّسَيْنِ لَا يَسْهُلُ زَوَالُ رِيحِهِمَا.
فَقَوْلُهُ: (كَمَصْبُوغٍ بِهَا) أَيْ بِالنَّجَاسَةِ مِثَالٌ لِلْمُتَعَسِّرِ، فَإِذَا طَهُرَ بِانْفِصَالِ الْمَاءِ طَاهِرًا لَمْ يَلْزَمْهُ عَصْرُهُ.

(وَتَطْهُرُ الْأَرْضُ بِكَثْرَةِ إفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَيْهَا) : الْأَرْضُ الْمُتَنَجِّسَةُ إذَا انْصَبَّ الْمَاءُ

[حاشية الصاوي]

وَاللَّحَّامِ إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ.
فَلَا يُشْتَرَطُ فِي تَطْهِيرِهِ إزَالَةُ مَا فِيهِ مِنْ الْأَوْسَاخِ، بَلْ مَتَى انْفَصَلَ الْمَاءُ خَالِيًا عَنْ أَعْرَاضِ النَّجَاسَةِ كَفَى، كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [وَزَالَ طَعْمُهَا] : وَيُتَصَوَّرُ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَوْقِ النَّجَاسَةِ - وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ ذَوْقُهَا - بِأَنْ تَكُونَ فِي الْفَمِ، أَوْ تَحَقَّقَ أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ زَوَالُهَا، فَجَازَ لَهُ ذَوْقُ الْمَحَلِّ، اخْتِبَارًا أَوْ ارْتَكَبَ النَّهْيَ وَذَاقَهَا.
وَحُرْمَةُ ذَوَاقِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّلَطُّخَ بِهَا حَرَامٌ وَالْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ كَمَا تَقَدَّمَ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ لَوْنٍ وَرِيحٍ] إلَخْ: أَيْ وَلَا يَجِبُ أُشْنَانٌ وَنَحْوُهُ لِإِزَالَتِهِمَا، بِخِلَافِ الطَّعْمِ فَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
قَوْلُهُ: [شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ] : أَيْ مِنْ أَعْرَاضِ النَّجَاسَةِ لَوْنًا أَوْ طَعْمًا أَوْ رِيحًا.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا اللَّوْنُ وَالرِّيحُ] إلَخْ: إنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّوْنِ وَالرِّيحِ وَبَيْنَ الطَّعْمِ؟ قُلْت: الْفَرْقُ أَنَّ طَعْمَ جُرْمِ النَّجَاسَةِ بَاقٍ مَعَهُ بِخِلَافِ اللَّوْنِ وَالرِّيحِ فَهُمَا مِنْ الْأَعْرَاضِ.
قَوْلُهُ: [لَمْ يَلْزَمْهُ عَصْرُهُ] : أَيْ حَيْثُ زَالَ الطَّعْمُ وَكَذَا لَا يَلْزَمُهُ تَثْلِيثُ الْغَسْلِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَلَا تَسْبِيعُهُ خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ (انْتَهَى شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ) .

عَلَيْهَا مِنْ مَطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى زَالَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَأَعْرَاضُهَا طَهُرَتْ؛ «كَمَا وَقَعَ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَاحَ بِهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَرْكِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَصُبُّوا عَلَيْهَا ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» . وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

(وَإِنْ شُكَّ فِي إصَابَتِهَا لِبَدَنٍ غُسِلَ، وَلِثَوْبٍ أَوْ حَصِيرٍ وَجَبَ نَضْحُهُ بِلَا نِيَّةٍ كَالْغَسْلِ: وَهُوَ رَشٌّ بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنْ تَرَكَ أَعَادَ الصَّلَاةَ كَالْغَسْلِ، لَا إنْ شَكَّ فِي

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: (ذَنُوبًا) : بِفَتْحِ الذَّالِ: الدَّلْوُ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَأْمُرُ بِالتَّثْلِيثِ أَوْ التَّسْبِيعِ.

[تَنْبِيه وُجُوب الْغُسْل عِنْد الشَّكّ فِي إصَابَة النَّجَاسَة للبدن]

قَوْلُهُ: [وَإِنْ شَكَّ فِي إصَابَتِهَا] : أَيْ مَعَ تَحَقُّقِ النَّجَاسَةِ أَوْ ظَنِّهَا بِدَلِيلِ آخِرِ الْعِبَارَةِ قَوْلُهُ: [وَلِثَوْبٍ أَوْ حَصِيرٍ] : وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَدَنِ وَغَيْرِهِ، أَنَّ الْبَدَنَ لَا يَفْسُدُ بِالْغَسْلِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَقَدْ يَفْسُدُ بِالْغَسْلِ، فَخُفِّفَ فِيهِ عِنْدَ الشَّكِّ فِي الْإِصَابَةِ.
وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِلْأَرْضِ الَّتِي شُكَّ فِي إصَابَتِهَا، هَلْ تُغْسَلُ أَوْ تُنْضَحُ؟ وَلَكِنْ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ: أَنَّهَا تُغْسَلُ اتِّفَاقًا وَقِيلَ: تُنْضَحُ كَمَا فِي الْحَطَّابِ وَغَيْرِهِ (اهـ مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . وَلَكِنْ لَا وَجْهَ لِنَضْحِهَا بِدَلِيلِ الْفَرْقِ الْمُتَقَدِّمِ بَيْنَ الْبَدَنِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: [بِلَا نِيَّةٍ] : قَيْدٌ فِي النَّضْحِ لِأَنَّهُ الْمُتَوَهَّمُ لِكَوْنِهِ تَعَبُّدِيًّا.
وَأَمَّا تَوَهُّمُ كَوْنِ الْغَسْلِ بِنِيَّةٍ فَبَعِيدٌ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَرَكَ أَعَادَ الصَّلَاةَ] إلَخْ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ إعَادَةِ مَنْ تَرَكَ النَّضْحَ الصَّلَاةَ كَمَنْ تَرَكَ غَسْلَ النَّجَاسَةِ الْمُحَقَّقَةِ، قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ وَعِيسَى مِنْ أَنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ فَقَطْ لِخِفَّةِ أَمْرِ النَّضْحِ، وَيُمْكِنُ تَمْشِيَتُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِجَعْلِ التَّشْبِيهِ فِي مُطْلَقِ الْإِعَادَةِ لَيْسَ بِتَامٍّ.
بَلْ قَالَ الْقَرِينَانِ؛ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ أَصْلًا.
وَلِخِفَّةِ النَّضْحِ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِإِعَادَةِ النَّاسِي أَبَدًا كَمَا قِيلَ بِهِ فِي تَرْكِ غَسْلِ النَّجَاسَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ عِنْدَنَا قَوْلًا لِأَبِي الْفَرَجِ يَقُولُ بِوُجُوبِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ مُطْلَقًا وَلَوْ مَعَ النِّسْيَانِ كَمَا تَقَدَّمَ لَك أَوَّلَ

نَجَاسَةِ الْمُصِيبِ) : هَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ سَابِقًا وَإِنَّمَا يَجِبُ الْغَسْلُ إنْ ظَنَّ إصَابَتَهَا.
وَأَشَارَ إلَى أَنَّ فِي هَذَا الْمَفْهُومِ تَفْصِيلًا؛ حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ حَصَلَ شَكٌّ فِي إصَابَةِ النَّجَاسَةِ لِمَحَلٍّ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بَدَنًا أَوْ غَيْرَهُ.
فَإِنْ كَانَ بَدَنًا وَجَبَ غَسْلُهُ كَمُحَقَّقِ الْإِصَابَةِ.
وَإِنْ شَكَّ فِي إصَابَتِهَا لِثَوْبٍ أَوْ حَصِيرٍ وَجَبَ نَضْحُهُ لَا غَسْلُهُ، فَإِنْ غَسَلَهُ فَقَدْ فَعَلَ الْأَحْوَطَ.
وَالنَّضْحُ: رَشٌّ عَلَى الْمَحَلِّ الْمَشْكُوكِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا، كَفَمٍ أَوْ تَلَقِّي مَطَرٍ رَشَّةً وَاحِدَةً وَلَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ تَعْمِيمُهَا الْمَحَلَّ.
وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ كَمَا أَنَّ غَسْلَ النَّجَاسَةِ لَا يَفْتَقِرُ، لَهَا.
بِخِلَافِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ صُغْرَى أَوْ كُبْرَى فَإِنَّهَا تَفْتَقِرُ لَهَا كَمَا يَأْتِي وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: [أَوْ غَيْرِهَا] إلَى أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: " بِالْيَدِ ". وَأَمَّا لَوْ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا، ثُمَّ شَكَّ هَلْ مَا أَصَابَهُ نَجِسٌ أَوْ طَاهِرٌ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَضْحُهُ وَلَا غَسْلُهُ لِحَمْلِهِ عَلَى الطَّهَارَةِ، كَمَا عُلِمَ مِنْ السَّاقِطِ عَلَى مَارٍّ مِنْ أَمْكِنَةِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا مَرَّ.
وَأَوْلَى إنْ شَكَّ فِي الْإِصَابَةِ وَفِي نَجَاسَةِ الْمُصِيبِ.

[حاشية الصاوي]

الْفَصْلِ.
وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ النَّضْحِ مُطْلَقًا، بَلْ قِيلَ إنَّهُ وَاجِبٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ.
وَقِيلَ إنَّهُ سُنَّةٌ مُطْلَقًا وَقِيلَ بِاسْتِحْبَابِهِ وَصَرَّحَ بِهِ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمَعُونَةِ، وَاسْتَحْسَنَهُ.
قَوْلُهُ: [كَفَمٍ] : وَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ] : أَيْ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ بِالِافْتِقَارِ لِكَوْنِهِ تَعَبُّدِيًّا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ التَّعَبُّدِيِّ يَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ إنْ كَانَ فِي النَّفْسِ، وَأَمَّا فِي الْغَيْرِ كَالْحَصِيرِ وَالثَّوْبِ هُنَا وَكَغُسْلِ الْمَيِّتِ، فَلَا يَفْتَقِرُ لَهَا.
قَوْلُهُ: [كَمَا مَرَّ] : أَيْ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الطَّهَارَةِ عِنْدَ الشَّكِّ.
قَوْلُهُ: [وَأَوْلَى إنْ شَكَّ] : أَيْ فِي عَدَمِ لُزُومِ النَّضْحِ وَالْغَسْلِ لِضَعْفِ الشَّكِّ فَلِذَلِكَ تَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ.
تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ أَنَّهُ يَجِبُ الْغَسْلُ عَلَى الرَّاجِحِ لَا النَّضْحُ إذَا شَكَّ فِي بَقَاءِ النَّجَاسَةِ وَزَوَالِهَا، نَعَمْ مُلَاقِي مَا شَكَّ فِي بَقَائِهَا بِهِ قَبْلَ غَسْلِهِ يُنْضَحُ مِنْ الرُّطُوبَةِ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ الْحَطَّابُ (اهـ) . وَمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ تَحَقَّقَ نَجَاسَةَ الْمُصِيبِ

(وَلَوْ زَالَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ مُطْلَقٍ لَمْ يَنْجُسْ مُلَاقِي مَحَلِّهَا) : إذَا زَالَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ مَاءٍ مُطْلَقٍ بِأَنْ زَالَتْ بِمَاءٍ مُضَافٍ أَوْ مَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ، ثُمَّ لَاقَى مَحَلُّ النَّجَاسَةِ وَهُوَ مَبْلُولٌ مَحَلًّا طَاهِرًا مِنْ ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ جَفَّ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ وَلَاقَى مَحَلًّا مَبْلُولًا، لَمْ يَنْجُسْ مُلَاقِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا الْحُكْمُ وَالْحُكْمُ لَا يَنْتَقِلُ؛ وَلِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُضَافَ كَالْمُطْلَقِ لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا إذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا.

(وَنُدِبَ إرَاقَةُ مَاءٍ وَغَسْلُ إنَائِهِ سَبْعًا بِلَا نِيَّةٍ وَلَا تَتْرِيبٍ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهِ بِوُلُوغِ كَلْبٍ أَوْ أَكْثَرَ لَا طَعَامٍ وَحَوْضٍ) : إذَا وَلَغَ كَلْبٌ أَوْ أَكْثَرُ فِي إنَاءِ مَاءٍ مَرَّةً أَوْ أَكْثَرَ نُدِبَ إرَاقَةُ ذَلِكَ الْمَاءِ، وَنُدِبَ غَسْلُ الْإِنَاءِ سَبْعَ مَرَّاتٍ تَعَبُّدًا، إذْ الْكَلْبُ طَاهِرٌ

[حاشية الصاوي]

لِثَوْبٍ مَثَلًا وَشَكَّ هَلْ أَزَالَهَا أَمْ لَا، ثُمَّ لَاقَاهَا ثَوْبٌ آخَرُ وَهِيَ مُبْتَلَّةٌ، فَالثَّوْبُ الْأَوَّلُ الْمَشْكُوكُ فِي بَقَاءِ النَّجَاسَةِ بِهِ يَجِبُ غَسْلُهُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَأَمَّا الثَّانِي الْمَشْكُوكُ فِي إصَابَةِ النَّجَاسَةِ فَيَجِبُ نَضْحُهُ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ (ح) . وَاسْتَظْهَرَ (ب ن) أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الثَّوْبِ الثَّانِي لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي نَجَاسَةِ مَا أَصَابَهُ.

قَوْلُهُ: [لَمْ يَنْجُسْ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ كَانَا رَطْبَيْنِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا الْحُكْمُ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ، وَالْأُمُورُ الِاعْتِبَارِيَّةُ لَا وُجُودَ لَهَا.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا] : أَيْ فَهُوَ مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ، قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَلَيْسَ مِنْ الزَّوَالِ جَفَافُ الْبَوْلِ بِكَثَوْبٍ.
نَعَمْ لَا يَضُرُّ الطَّعَامُ الْيَابِسُ كَمَا فِي (عب) خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ (شب) وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا.

قَوْلُهُ: [إرَاقَةُ مَاءٍ] : أَيْ إذَا كَانَ يَسِيرًا.
قَوْلُهُ: [تَعَبُّدًا] : مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ فَهُوَ عِلَّةٌ لِنَدْبِ الْإِرَاقَةِ وَالْغَسْلِ، وَهُوَ مِنْ تَعْلِيلِ الْعَامِّ بِالْخَاصِّ، لِأَنَّ التَّعَبُّدَ طَلَبُ الشَّارِعِ أَمْرًا غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، وَالطَّلَبُ أَعَمُّ.
وَكَوْنُ الْغَسْلِ تَعَبُّدًا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَإِنَّمَا حُكِمَ بِكَوْنِهِ تَعَبُّدًا لِطَهَارَةِ الْكَلْبِ،

وَلُعَابُهُ طَاهِرٌ، وَلَا يَفْتَقِرُ غَسْلُهُ لِنِيَّةٍ لِأَنَّهُ تَعَبُّدٌ فِي الْغَيْرِ كَغُسْلِ الْمَيِّتِ.
وَلَا يُنْدَبُ التَّتْرِيبُ بِأَنْ يُجْعَلَ فِي أَوَّلَاهُنَّ أَوْ الْأَخِيرَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا تُرَابٌ، لِأَنَّ طُرُقَ التَّتْرِيبِ مُضْطَرِبَةٌ ضَعِيفَةٌ لَمْ يُعَوِّلْ عَلَيْهَا الْإِمَامُ مَعَ كَوْنِ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهِ.
وَمَحَلُّ نَدْبِ غَسْلِهِ سَبْعًا عِنْدَ إرَادَةِ اسْتِعْمَالِهِ لَا قَبْلَهَا وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: [بِوُلُوغِ] سَبَبِيَّةٌ، وَالْوُلُوغُ: إدْخَالُ لِسَانِهِ فِي الْمَاءِ وَتَحْرِيكُهُ أَيْ لَعْقُهُ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ إدْخَالِ لِسَانِهِ بِلَا حَرَكَةٍ أَوْ سُقُوطِ لُعَابِهِ أَوْ لَحْسِهِ الْإِنَاءَ فَارِغًا، فَلَا يُسَبَّعُ كَمَا لَوْ وَلَغَ فِي حَوْضٍ أَوْ طَعَامٍ وَلَوْ لَبَنًا فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا يُرَاقُ وَلَا يُغْسَلُ سَبْعًا، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: [كَلْبٌ أَوْ أَكْثَرُ] إلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ الْغَسْلُ سَبْعًا بِوُلُوغِ كَلْبٍ مَرَّاتٍ أَوْ كِلَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ.

[حاشية الصاوي]

وَلِذَلِكَ لَمْ يَطْلُبْ الْغَسْلَ فِي الْخِنْزِيرِ.
وَقِيلَ: إنَّ نَدْبَ الْغَسْلِ مُعَلَّلٌ بِقَذَارَةِ الْكَلْبِ، وَقِيلَ لِنَجَاسَتِهِ، إلَّا أَنَّ الْمَاءَ لَمَّا لَمْ يَتَغَيَّرْ قُلْنَا بِعَدَمِ وُجُوبِ الْغَسْلِ، وَلَوْ تَغَيَّرَ لَوَجَبَ.
وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يُلْحَقُ الْخِنْزِيرُ بِالْكَلْبِ فِي نَدْبِ غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ طُرُقَ التَّتْرِيبِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ التَّتْرِيبَ لَمْ يَثْبُتْ فِي كُلِّ الرِّوَايَاتِ وَإِنَّمَا ثَبَتَ فِي بَعْضِهَا وَذَلِكَ الْبَعْضُ وَقَعَ فِيهِ اضْطِرَابٌ.
قَوْلُهُ: [لَا قَبْلَهَا] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَعَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلْأَكْثَرِ وَلِرِوَايَةِ عَبْدِ الْحَقِّ وَقِيلَ يُؤْمَرُ بِفَوْرِ الْوُلُوغِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ] إلَخْ: خِلَافًا لِلسَّادَةِ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.

فَصْلٌ: فِي بَيَانِ آدَابِ قَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ، وَحُكْمِ الِاسْتِبْرَاءِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَالِاسْتِجْمَارِ وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ طَهَارَةِ الْخَبَثِ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهَا عَلَى طَهَارَةِ الْحَدَثِ.
وَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخَّرَهَا عَنْ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، نَظَرًا إلَى أَنَّهَا قَدْ تَطْرَأُ عَلَى الْإِنْسَانِ بَعْدَ الْوُضُوءِ.
(آدَابُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ: جُلُوسٌ بِطَاهِرٍ، وَسَتْرٌ لِقُرْبِهِ، وَاعْتِمَادٌ عَلَى رِجْلٍ يُسْرَى مَعَ رَفْعِ عَقِبِ الْيُمْنَى، وَتَفْرِيجُ فَخِذَيْهِ، وَتَغْطِيَةُ رَأْسِهِ، وَعَدَمُ الْتِفَاتِهِ) : الْمُرَادُ بِالْآدَابِ: الْأُمُورُ الْمَطْلُوبَةُ نَدْبًا لِمُرِيدِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ.

[حاشية الصاوي]

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ آدَابِ قَضَاءِ حَاجَة الْإِنْسَان]

فَصْلٌ: قَوْلُهُ: (آدَابٌ) : جَمْعُ أَدَبٍ وَهُوَ الْأَمْرُ الْمَطْلُوبُ شَرْعًا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الطَّلَبُ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَا يَأْتِي وَاجِبٌ.
قَوْلُهُ: [حَاجَةِ الْإِنْسَانِ] : الْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ الْمُكَلَّفُ وَلَوْ بِالْمَنْدُوبَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ، فَشَمِلَ الصَّبِيَّ وَالصَّبِيَّةَ الْمُمَيِّزَيْنِ.
قَوْلُهُ: [وَحُكْمِ الِاسْتِبْرَاءِ] : وَهُوَ وُجُوبُ اسْتِفْرَاغِ الْأَخْبَثَيْنِ.
قَوْلُهُ: [وَالِاسْتِنْجَاءِ] : مَعْطُوفٌ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ أَيْ وَحُكْمُ الِاسْتِنْجَاءِ وَهُوَ يَجْرِي عَلَى حُكْمِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ.
قَوْلُهُ: [وَالِاسْتِجْمَارِ] مَعْطُوفٌ أَيْضًا عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ وَحُكْمُهُ كَالِاسْتِنْجَاءِ.
قَوْلُهُ: [وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ] إلَخْ: جَوَابٌ عَلَى سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَارِدٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ تَقْدِيرُهُ: لِمَ لَمْ تُوَافِقْ أَصْلَك؟ فَأَجَابَ بِمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: [جُلُوسٌ] : هُوَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ خَبَرٌ عَنْ آدَابِ.
قَوْلُهُ: [نَدْبًا] : أَيْ بِحَسَبِ غَالِبِهَا.
فَلَا يُنَافِي أَنَّ بَعْضَهَا وَاجِبٌ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [لِمُرِيدِ] : إنَّمَا قَالَ الشَّارِحُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْآدَابَ لَا لِلْحَاجَةِ، فَإِنَّ مِنْهَا مَا يُفْعَلُ قَبْلَهَا وَمَعَهَا وَبَعْدَهَا.
قَوْلُهُ: [قَاضِي حَاجَتِهِ] إلَخْ: هَكَذَا نُسْخَةُ الْأَصْلِ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ.
وَلَوْ ذَكَرَهُ

فَيُنْدَبُ لَهُ الْجُلُوسُ وَيَتَأَكَّدُ فِي الْغَائِطِ.
وَأَنْ يَكُونَ بِمَحَلٍّ طَاهِرٍ إذَا كَانَ بِالْفَضَاءِ خَوْفًا مِنْ تَلَوُّثِ ثِيَابِهِ بِالنَّجَاسَةِ.
وَأَنْ يَكُونَ الْمَحَلُّ رَخْوًا كَالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ، لَا صُلْبًا كَالْحَجَرِ لِئَلَّا يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ.
وَأَنْ يُدِيمَ السَّتْرَ حَالَ انْحِطَاطِهِ لِلْجُلُوسِ لِقُرْبِ الْمَحَلِّ

[حاشية الصاوي]

بِالْمَصْدَرِ لَكَانَ أَوْلَى كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَتْنِ، وَقَدْ يُقَالُ أَطْلَقَ اسْمَ الْفَاعِلِ.
وَأَرَادَ الْمَصْدَرَ.
قَوْلُهُ: [فَيُنْدَبُ لَهُ الْجُلُوسُ] إلَخْ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَسَّمَ بَعْضُهُمْ مَوْضِعَ الْبَوْلِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ.
فَقَالَ: إنْ كَانَ طَاهِرًا رَخْوًا جَازَ فِيهِ الْقِيَامُ، وَالْجُلُوسُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَسْتَرُ.
وَإِنْ كَانَ رَخْوًا نَجِسًا: بَالَ قَائِمًا مَخَافَةَ أَنْ تَتَنَجَّسَ ثِيَابُهُ.
وَإِنْ كَانَ صُلْبًا نَجِسًا: تَنَحَّى عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَبُولُ فِيهِ قَائِمًا وَلَا جَالِسًا.
وَإِنْ كَانَ صُلْبًا طَاهِرًا: تَعَيَّنَ الْجُلُوسُ لِئَلَّا يَتَطَايَرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْبَوْلِ.
وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ الْوَانْشَرِيسِيُّ بِقَوْلِهِ: بِالطَّاهِرِ الصُّلْبِ اجْلِسْ ... وَقُمْ بِرَخْوٍ نَجِسِ وَالنَّجِسُ الصُّلْبُ اجْتَنِبْ ... وَاجْلِسْ وَقُمْ إنْ تَعْكِسْ وَقَوْلُ التَّوْضِيحِ: فِي الصُّلْبِ الطَّاهِرِ يَتَعَيَّنُ الْجُلُوسُ، ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ.
وَهُوَ ظَاهِرُ الْبَاجِيِّ وَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ عَرَفَةَ.
وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا: أَنَّ الْقِيَامَ مَكْرُوهٌ فَقَطْ.
وَلِذَلِكَ قَالَ الْأَصْلُ: وَمَعْنَى تَعَيَّنَ نُدِبَ نَدْبًا قَوِيًّا أَكِيدًا (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) ؛ فَفِي الْبَوْلِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ قَدْ عَلِمْتهَا.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ: [فَيُنْدَبُ لَهُ الْجُلُوسُ] : أَيْ فِي قِسْمَيْنِ مِنْهَا، وَهُمَا مَا إذَا كَانَ الْمَحَلُّ طَاهِرًا رَخْوًا أَوْ صُلْبًا.
وَعَلِمْت أَنَّ النَّجِسَ الصُّلْبَ يَجْتَنِبُهُ مُطْلَقًا لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ.
لَكِنَّهُ بَحَثَ فِيهِ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ بِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ إذَا جَلَسَ مَعَ أَنَّهُ يَابِسٌ (اهـ) . وَإِيضَاحُ بَحْثِهِ حَيْثُ قُلْتُمْ بِطَلَبِهِ بِالْجُلُوسِ فِي الصُّلْبِ الطَّاهِرِ، فَالصُّلْبُ النَّجِسُ مِثْلُهُ بِجَامِعِ الْيُبْسِ وَعَدَمِ تَلَوُّثِ الثِّيَابِ فِي كُلٍّ.
قَوْلُهُ: [وَيَتَأَكَّدُ فِي الْغَائِطِ] : قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَأَمَّا الْغَائِطُ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْقِيَامُ، أَيْ يُكْرَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً فِيمَا يَظْهَرُ.
وَمِثْلُهُ بَوْلُ الْمَرْأَةِ وَالْخَصِيِّ.
قَوْلُهُ: [إذَا كَانَ بِالْفَضَاءِ] : أَيْ وَأَمَّا الْأَمَاكِنُ الْمُعَدَّةُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْمُدُنِ مَثَلًا فَلَا يَتَأَتَّى فِيهَا اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ.
قَوْلُهُ: [لِئَلَّا يَتَطَايَرَ] إلَخْ: هَذَا التَّعْلِيلُ يُنْتِجُ اجْتِنَابَ الصُّلْبِ قِيَامًا وَجُلُوسًا طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا.

الَّذِي يَقْضِي بِهِ حَاجَتَهُ.
فَلَا يَرْفَعُ ثِيَابَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْأَكْنِفَةِ.
وَأَنْ يَعْتَمِدَ حَالَ جُلُوسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى لِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى خُرُوجِ الْخَارِجِ - وَلَوْ بَوْلًا - كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ.
وَأَنْ يَرْفَعَ عَقِبَ رِجْلِهِ الْيُمْنَى لِمَا ذُكِرَ.
وَأَنْ يُفَرِّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ لِذَلِكَ حَالَ جُلُوسِهِ.
وَأَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ بِرِدَاءٍ وَنَحْوِهِ، قَالُوا: وَيَكْفِي وَلَوْ بِطَاقِيَّةٍ، فَالْمُرَادُ أَنْ لَا يَكُونَ رَأْسُهُ مَكْشُوفًا حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ.
وَأَنْ لَا يَلْتَفِتَ حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ لِئَلَّا يَرَى مَا يَخَافُ أَذِيَّتَهُ فَيَقُومَ قَبْلَ تَمَامِ حَاجَتِهِ فَيَتَنَجَّسَ مَعَ عَدَمِ تَمَامِ فَرْضِهِ.
وَأَمَّا قَبْلَ جُلُوسِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَلْتَفِتَ حَتَّى يَبْعُدَ عَمَّا يَخَافُهُ وَيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ.

(وَتَسْمِيَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ بِزِيَادَةِ: " اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ "، وَقَوْلُهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي ") : أَيْ وَمِنْ الْآدَابِ التَّسْمِيَةُ قَبْلَ دُخُولِ الْخَلَاءِ أَوْ قَبْلَ مَحَلِّ الْجُلُوسِ فِي الْفَضَاءِ.
فَإِنْ نَسِيَ سَمَّى قَبْلَ كَشْفِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَهَذَا فِي غَيْرِ الْأَكْنِفَةِ] : أَيْ وَمَا فِيهَا فَيَرْفَعُ ثِيَابَهُ وَهُوَ قَائِمٌ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ قَوْلُهُ: [عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى] إلَخْ: قَالَ فِي الْمَدْخَلِ يَرْفَعُ: عَقِبَ رِجْلِهِ، أَيْ الْيُمْنَى عَلَى صَدْرِهَا وَيَتَوَكَّأُ عَلَى رُكْبَةِ يُسْرَاهُ أَعْوَنُ.
قَوْلُهُ: [وَأَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ] : قِيلَ: حَيَاءً مِنْ اللَّهِ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَحْفَظُ لِمَسَامِّ الشَّعْرِ مِنْ عُلُوقِ الرَّائِحَةِ بِهَا.
قَوْلُهُ: [قَالُوا وَيَكْفِي] إلَخْ: أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَالْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي عِلَّةِ نَدْبِ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، هَلْ هُوَ الْحَيَاءُ مِنْ اللَّهِ أَوْ خَوْفُ عُلُوقِ الرَّائِحَةِ بِمَسَامِّ الشَّعْرِ؟ قَالَ (بْن) : وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُوصُ.
(اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

[مَنْدُوبَات قَضَاء الْحَاجَة]

قَوْلُهُ: [فَإِنْ نَسِيَ سَمَّى] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقِيلَ لَا تَفُوتُ إلَّا بِخُرُوجِ الْخَارِجِ.
فَإِنْ قُلْت إذَا فَاتَهُ الذِّكْرُ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَتَحَصَّنُ؟ قُلْت: تَرْكُهُ الذِّكْرَ تَعْظِيمًا لِلَّهِ هُوَ التَّحَصُّنُ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمْ يَصِلْ الْمَحَلَّ] : وَمِثْلُ الْكَنِيفِ الْمَوَاضِعُ الْقَذِرَةُ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ يَقُولَ] إلَخْ: هَذِهِ رِوَايَةٌ مِنْ جُمْلَةِ رِوَايَاتٍ مَشْهُورَةٍ أَيُّهَا يَكْفِي.
وَحِكْمَتُهُ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «سَتْرُ مَا بَيْنِ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ» . وَخَصَّ هَذَا الْمَوْضِعَ بِالِاسْتِعَاذَةِ لِأَنَّ لَلشَّيْطَانَ

عَوْرَتِهِ فِي الْفَضَاءِ وَلَا يُسَمِّي بَعْدَ دُخُولِهِ الْكَنِيفَ، وَلَوْ لَمْ يَصِلْ الْمَحَلَّ بِأَنْ يَقُولَ: " بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ إلَخْ "، وَالْخُبُثُ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ؛ جَمْعُ خَبِيثٍ: ذَكَرُ الشَّيَاطِينِ.
وَقَدْ تُسَكَّنُ الْبَاءُ.
وَالْخَبَائِثُ؛ جَمْعُ خَبِيثَةٍ: أُنْثَى الشَّيَاطِينِ.

وَمِنْ الْآدَابِ الْمَنْدُوبَةِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْخَلَاءِ أَوْ بَعْدَ تَحَوُّلِهِ مِنْ مَكَانِهِ فِي الْفَضَاءِ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ إلَخْ ". وَلَيْسَ بَعْدَ الْخُرُوجِ تَسْمِيَةٌ كَمَا يُفِيدُهُ النَّقْلُ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.

(وَسُكُوتٌ إلَّا لِمُهِمٍّ) : أَيْ وَيُنْدَبُ لَهُ السُّكُوتُ مَا دَامَ فِي الْخَلَاءِ - وَلَوْ بَعْدَ

[حاشية الصاوي]

فِيهِ تَسَلُّطًا وَقُدْرَةً عَلَى ابْنِ آدَمَ لَمْ تَكُنْ فِي غَيْرِهِ بِسَبَبِ غَيْبَةِ الْحَفَظَةِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: [وَقَدْ تُسَكَّنُ الْبَاءُ] : وَقِيلَ بِالسُّكُونِ: الْكُفْرُ.

قَوْلُهُ: [الْحَمْدُ لِلَّهِ] إلَخْ: وَمِنْهُ أَيْضًا مَا وَرَدَ أَنَّهُ يَقُولُ: «غُفْرَانَك» . وَالْحِكْمَةُ فِي طَلَبِ الْغُفْرَانِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ خُرُوجُ الْأَخْبَثَيْنِ بِسَبَبِ خَطِيئَةِ آدَمَ وَمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ حَيْثُ جُعِلَ مُكْثُهُ فِي الْأَرْضِ، وَمَا تَنَالُ ذُرِّيَّتُهُ فِيهَا عِظَةٌ لِلْعِبَادِ وَتَذْكِرَةٌ لِمَا تَئُولُ إلَيْهِ الْمَعَاصِي، فَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ رِيحَ الْغَائِطِ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَا هَذَا؟ فَقَالَ تَعَالَى: هَذَا رِيحُ خَطِيئَتِك، فَكَانَ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْخَلَاءِ: غُفْرَانَك» ، الْتِفَاتًا إلَى هَذَا الْأَصْلِ تَذْكِيرًا لِأُمَّتِهِ بِهَذِهِ الْعِظَةِ (اهـ مِنْ الْحَاشِيَةِ) . وَفِي رِوَايَةٍ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَوَّغَنِيهِ طَيِّبًا وَأَخْرَجَهُ عَنِّي خَبِيثًا» ، وَفِي رِوَايَةٍ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي لَذَّتَهُ وَأَذْهَبَ عَنِّي مَشَقَّتَهُ وَأَبْقَى فِي جِسْمِي قُوَّتَهُ» .

قَوْلُهُ: [وَسُكُوتٌ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ الْكَلَامَ حِينَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ يُورِثُ الصَّمَمَ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُشَمِّتُ عَاطِسًا وَلَا يَحْمَدُ إنْ عَطَسَ، وَلَا يُجِيبُ مُؤَذِّنًا وَلَا يَرُدُّ عَلَى مُسْلِمٍ

خُرُوجِ الْأَذَى - إلَّا لِأَمْرٍ مُهِمٍّ يَقْتَضِي كَلَامَهُ؛ كَطَلَبِ مَا يُزِيلُ بِهِ الْأَذَى.
وَقَدْ يَجِبُ الْكَلَامُ كَإِنْقَاذِ أَعْمَى مِنْ سُقُوطٍ فِي حُفْرَةٍ أَوْ تَخْلِيصِ مَالٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

(وَبِالْفَضَاءِ: تَسَتُّرٌ، وَبُعْدٌ، وَاتِّقَاءُ جُحْرٍ، وَرِيحٍ، وَمَوْرِدٍ، وَطَرِيقٍ، وَظِلٍّ، وَمَجْلِسٍ، وَمَكَانٍ نَجِسٍ) : مِنْ الْآدَابِ الْمَنْدُوبَةِ إذَا أَرَادَ قَضَاءَ حَاجَتِهِ بِالْفَضَاءِ: أَنْ يَسْتَتِرَ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ بِشَجَرٍ أَوْ صَخْرَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يُرَى جِسْمُهُ.
وَأَمَّا سَتْرُ عَوْرَتِهِ عَنْهُمْ فَوَاجِبٌ.
وَأَنْ يَبْعُدَ عَنْهُمْ بِحَيْثُ لَا يُسْمَعُ لَهُ صَوْتُ رِيحٍ يَخْرُجُ مِنْهُ، وَأَنْ يَتَّقِيَ - أَيْ يَتَجَنَّبَ - قَضَاءَ حَاجَتِهِ فِي جُحْرٍ؛ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ ثُقْبٍ فِي الْأَرْضِ مُسْتَدِيرٍ أَوْ مُسْتَطِيلٍ، لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْهُ مَا يُؤْذِيهِ مِنْ الْهَوَامِّ، وَلِأَنَّهُ مَسْكَنُ الْجِنِّ، فَرُبَّمَا حَصَلَ مِنْهُمْ لَهُ أَذِيَّةٌ.
وَأَنْ يَتَّقِيَ مَهَبَّ الرِّيحِ لِئَلَّا يَعُودَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ فَيُنَجِّسَهُ وَأَنْ يَتَّقِيَ مَوْرِدَ النَّاسِ: أَيْ مَحَلَّ وُرُودِهِمْ لِلْمَاءِ، لِأَنَّهُ يُؤْذِي النَّاسَ فَيَلْعَنُونَهُ.
وَأَنْ يَتَّقِيَ الطُّرُقَ الَّتِي يَمُرُّ فِيهَا النَّاسُ، وَأَنْ يَتَّقِيَ الظِّلَّ: أَيْ الْمَحَلَّ الَّذِي

[حاشية الصاوي]

وَلَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ، كَالْمُجَامِعِ.
بِخِلَافِ الْمُلَبِّي وَالْمُؤَذِّنِ فَإِنَّهُمَا يَرُدَّانِ بَعْدَ الْفَرَاغِ، وَأَمَّا الْمُصَلِّي فَيَرُدُّ بِالْإِشَارَةِ.

قَوْلُهُ: [مِنْ الْآدَابِ الْمَنْدُوبَةِ] إلَخْ: جَعَلَ هَذِهِ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ، كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ فِي الْحِلِّ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا سَتْرُ عَوْرَتِهِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ وَاجِبٌ.
وَمَصَبُّ النَّدْبِ أَنْ يَبْعُدَ عَنْهُمْ بِحَيْثُ لَا يُرَى لَهُ جِسْمٌ وَلَا يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ وَلَا يُشَمُّ لَهُ رِيحٌ.
وَهَذَا بِالْفَضَاءِ كَمَا صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ، وَأَمَّا فِي الْكَنِيفِ فَلَا يَضُرُّ سَمَاعُ صَوْتِهِ وَلَا شَمُّ رِيحِهِ لِلْمَشَقَّةِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ مُسْتَطِيلٍ] : أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجُحْرِ خُصُوصَ الْمُسْتَدِيرِ بِالْجُحْرِ، بَلْ مَا يَشْمَلُ السَّرَبَ بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ وَهُوَ الْمُسْتَطِيلُ، وَلَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الْمُسْتَدِيرُ.
قَوْلُهُ [مَهَبَّ الرِّيحِ] : أَيْ جِهَةَ هُبُوبِهِ وَإِنْ كَانَ سَاكِنًا.
قَوْلُهُ: [الطُّرُقَ] : هُوَ أَعَمُّ مِمَّا قَبْلَهُ.
لِأَنَّ الطَّرِيقَ إمَّا مُوصِلَةٌ لِلْمَاءِ فَتَكُونُ مَوْرِدًا، وَإِمَّا غَيْرُ مُوصِلَةٍ لَهُ فَلَا تَكُونُ مَوْرِدًا.
وَقَدْ يُقَالُ الطَّرِيقُ عُرْفًا: مَا اُعْتِيدَ لِلسُّلُوكِ، وَالْمَوْرِدُ مَحَلُّ الْوُرُودِ فَهُوَ مُغَايِرٌ، وَلِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَدِيثِ.

الشَّأْنُ أَنْ يَسْتَظِلَّ فِيهِ النَّاسُ.
لَا مُطْلَقَ ظِلٍّ، وَمِثْلُهُ الشَّمْسُ أَيَّامَ الشِّتَاءِ، وَالْمَكَانُ الْمُقْمِرُ الَّذِي شَأْنُهُمْ الْجُلُوسُ فِيهِ.
وَالْمَوْرِدُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ هِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالْمَلَاعِنِ الثَّلَاثِ، وَعَطْفُ الْمَجْلِسِ عَلَيْهَا مِنْ عَطْفِ مَا هُوَ أَعَمُّ.
وَأَنْ يَتَّقِيَ الْأَمْكِنَةَ النَّجِسَةَ لِئَلَّا تُصِيبَهُ نَجَاسَتُهَا.

(وَتَنْحِيَةُ ذِكْرِ اللَّهِ لَفْظًا وَخَطًّا) : مِنْ الْآدَابِ الْأَكِيدَةِ أَنْ لَا يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْخَلَاءِ قَبْلَ خُرُوجِ الْأَذَى أَوْ حَالَ خُرُوجِهِ وَبَعْدَهُ مَا دَامَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ حَاجَتَهُ، سَوَاءٌ كَانَ كَنِيفًا أَوْ غَيْرَهُ.
وَأَنْ لَا يَدْخُلَ الْكَنِيفَ أَوْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ بِفَضَاءٍ وَمَعَهُ مَكْتُوبٌ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، أَوْ دِرْهَمٌ أَوْ خَاتَمٌ مَكْتُوبٌ فِيهِ ذَلِكَ، وَكَذَا اسْمُ نَبِيٍّ.
وَلِيُنَحِّهِ قَبْلَ دُخُولِهِ نَدْبًا أَكِيدًا.
إلَّا الْقُرْآنَ فَيَحْرُمُ قِرَاءَتُهُ وَالدُّخُولُ بِمُصْحَفٍ أَوْ بَعْضِهِ وَلَوْ آيَةً، مَا لَمْ يَكُنْ حِرْزًا مَسْتُورًا بِسَاتِرٍ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [الشَّأْنُ] إلَخْ: أَيْ كَمَقِيلٍ وَمَنَاخٍ، أَيْ مَحَلِّ قَيْلُولَةِ النَّاسِ أَوْ إنَاخَةِ الْإِبِلِ فِيهَا.
قَوْلُهُ: [هِيَ الْمُسَمَّاةُ بِالْمَلَاعِنِ] إلَخْ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَضَاءَ الْحَاجَةِ فِي الْمَوَارِدِ وَالطَّرِيقِ وَالظِّلِّ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ حَرَامٌ كَمَا يُفِيدُهُ عِيَاضٌ.
وَقَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَقَدْ تَبِعَ شَارِحُنَا خَلِيلًا.
وَلَكِنْ مُقْتَضَى تَسْمِيَتِهَا مَلَاعِنَ تَشْهَدُ لِلْحُرْمَةِ.
فَلِذَلِكَ قُلْنَا: جَعَلَهَا مَنْدُوبَاتٍ، بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: [الْأَمْكِنَةَ النَّجِسَةَ] إلَخْ: فَيَتَّقِي الصُّلْبَ مِنْهَا فِي الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ قِيَامًا وَجُلُوسًا، وَالرَّخْوَ مِنْهَا فِي الْغَائِطِ قِيَامًا وَجُلُوسًا وَفِي الْبَوْلِ جُلُوسًا.

قَوْلُهُ: [وَكَذَا اسْمُ نَبِيٍّ] : أَيْ مَقْرُونٌ بِمَا يُعَيِّنُهُ، كَعَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا مُجَرَّدُ الِاشْتِرَاكِ.
وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ لَا تَصِلُ لِلْخَاتَمِ.
وَإِلَّا مُنِعَ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ آيَةً] : مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ مَنْعِ دُخُولِ الْكَنِيفِ وَنَحْوِهِ بِمَا فِيهِ قُرْآنٌ وَلَوْ آيَةً تَبِعَ فِيهِ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحَ.
وَقَدْ رَدَّهُ (ح) وَالْأُجْهُورِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ.
وَاسْتَظْهَرَ الْأَوَّلُ كَرَاهَةَ الدُّخُولِ بِالْقُرْآنِ، وَأَطْلَقَ فِي الْكَرَاهَةِ فَظَاهِرُهُ كَانَ كَامِلًا أَوْ لَا.
وَاسْتَظْهَرَ الثَّانِي التَّحْرِيمَ فِي الْكَامِلِ وَمَا قَارَبَهُ وَالْكَرَاهَةَ فِي غَيْرِ ذِي الْبَالِ كَالْآيَاتِ.
وَاعْتَمَدَ هَذَا الْأَشْيَاخُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي المج (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ)

وَمِنْ السَّاتِرِ جَيْبُهُ فَوَضْعُهُ فِي جَيْبِهِ مَثَلًا يَمْنَعُ الْحُرْمَةَ فِي الْمُصْحَفِ.
وَالْكَرَاهَةَ فِي غَيْرِهِ.
وَهَذَا مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ الضَّيَاعَ، وَإِلَّا جَازَ الدُّخُولُ بِهِ لِلضَّرُورَةِ.

(وَتَقْدِيمُ يُسْرَاهُ دُخُولًا، وَيُمْنَاهُ خُرُوجًا؛ عَكْسُ الْمَسْجِدِ وَالْمَنْزِلِ؛ يُمْنَاهُ فِيهِمَا) : مِنْ الْآدَابِ أَنْ يُقَدِّمَ حَالَ دُخُولِهِ الْكَنِيفَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيُؤَخِّرَهَا حَالَ خُرُوجِهِ مِنْهُ؛ بِأَنْ يُقَدِّمَ فِي الْخُرُوجِ رِجْلَهُ الْيُمْنَى.
وَذَلِكَ عَكْسُ الْيُسْرَى فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى دُخُولًا وَتَقْدِيمُ الْيُسْرَى خُرُوجًا لِشَرَفِهِ، كَمَا يُنْدَبُ فِي تَنَعُّلِهِ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى وَفِي خَلْعِ النِّعَالِ تَقْدِيمُ الْيُسْرَى، وَأَمَّا الْمَنْزِلُ فَيُقَدِّمُ الْيُمْنَى دُخُولًا وَخُرُوجًا.

(وَمُنِعَ بِفَضَاءٍ اسْتِقْبَالُ قِبْلَةٍ وَاسْتِدْبَارُهَا بِلَا سَاتِرٍ، كَالْوَطْءِ، وَإِلَّا فَلَا) : يَحْرُمُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَمِنْ السَّاتِرِ جَيْبُهُ] : قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ (ح) : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَيْبَ لَا يَكْفِي لِأَنَّهُ ظَرْفٌ مُتَّسِعٌ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا جَازَ] إلَخْ: أَيْ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَاتِرٍ إنْ أَمْكَنَ.
قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ جَوَازُ الدُّخُولِ بِالْمُصْحَفِ مُقَيَّدٌ بِأَمْرَيْنِ: الْخَوْفُ وَالسَّاتِرُ (اهـ) . وَالْمُرَادُ بِالْخَوْفِ إمَّا عَلَى نَفْسِهِ - بِأَنْ جُعِلَ حِرْزًا - أَوْ الضَّيَاعُ.

قَوْلُهُ: [حَالَ دُخُولِهِ الْكَنِيفَ] : أَيْ وَكَذَا كُلُّ دَنِيءٍ: كَحَمَّامٍ وَفُنْدُقٍ وَبَيْتِ ظَالِمٍ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الْمَنْزِلُ] إلَخْ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ قَدَّمَ فِيهِ الْيُمْنَى وَعَكْسُهُ قَدَّمَ فِيهِ الْيُسْرَى، فَإِنْ حَصَلَتْ الْمُعَارَضَةُ بَيْنَ الْمَنْزِلِ وَالْمَسْجِدِ - كَمَا لَوْ كَانَ بَابُ بَيْتِهِ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ - كَانَ الْحُكْمُ لِلْمَسْجِدِ دُخُولًا وَخُرُوجًا.

قَوْلُهُ: [وَمُنِعَ بِفَضَا] إلَخْ: حَاصِلُ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَسَائِلَ سِتٌّ: الْأُولَى: قَضَاءُ الْحَاجَةِ، وَالْوَطْءُ فِي الْفَضَاءِ مُسْتَقْبِلًا وَمُسْتَدْبِرًا بِدُونِ سَاتِرٍ وَهَذِهِ حَرَامٌ قَطْعًا.
الثَّانِيَةُ: قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي بَيْتِ الْخَلَاءِ الَّذِي فِي الْمَنْزِلِ بِسَاتِرٍ، وَالْوَطْءُ فِي الْمَنْزِلِ بِسَاتِرٍ، وَهَذِهِ جَائِزَةٌ اتِّفَاقًا مُسْتَقْبِلًا وَمُسْتَدْبِرًا.
الثَّالِثَةُ: قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِيهِ، وَالْوَطْءُ فِيهِ بِدُونِ سَاتِرٍ، وَفِيهَا قَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ وَلَوْ كَانَ بَيْتُ الْخَلَاءِ أَوْ الْوَطْءُ.
بِالسَّطْحِ.
الرَّابِعَةُ: قَضَاءُ الْحَاجَةِ وَالْوَطْءُ فِي الْفَضَاءِ بِسَاتِرٍ مُسْتَقْبِلًا أَوْ مُسْتَدْبِرًا، وَفِيهَا قَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ، وَالْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ.
وَالْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ: قَضَاءُ الْحَاجَةِ وَالْوَطْءُ بِحَوْشِ الْمَنْزِلِ بِسَاتِرٍ وَبِدُونِهِ وَفِيهِمَا قَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ وَالْمُعْتَمَدُ الْجَوَازُ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَلَا] : أَيْ إمَّا اتِّفَاقًا أَوْ عَلَى الرَّاجِحِ كَمَا تَقَدَّمَ.

عَلَى الْمُكَلَّفِ إذَا قَضَى حَاجَتَهُ فِي الْفَضَاءِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ أَوْ يَسْتَدْبِرَهَا بِلَا سَاتِرٍ.
فَإِنْ اسْتَتَرَ بِحَائِطٍ أَوْ صَخْرَةٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا حُرْمَةَ، وَالْأَوْلَى التَّرْكُ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ.
وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْوَطْءُ لِحَلِيلَتِهِ فِي الْفَضَاءِ بِلَا سَاتِرٍ.
وَقَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ وَإِلَّا يَكُنْ فِي الْفَضَاءِ، بِأَنْ كَانَ فِي مَنْزِلِهِ وَلَوْ فِي سَاحَةِ الدَّارِ أَوْ رَحْبَتِهَا أَوْ سَطْحِهَا أَوْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ وَلَكِنْ بِسَاتِرٍ، فَلَا حُرْمَةَ.
وَالْمُرَادُ بِالْمَنْزِلِ: مَا عَدَا الْفَضَاءَ؛ فَيَشْمَلُ فَضَاءَ الْمُدُنِ فَلَا يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَلَا اسْتِدْبَارُهَا فِيهَا، وَالْكَلَامُ كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْأَكْنِفَةِ، وَأَمَّا هِيَ فَلَا حُرْمَةَ اتِّفَاقًا.
وَكَذَا لَا يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَا الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَلَوْ فِي الْفَضَاءِ بِلَا سَاتِرٍ.

(وَوَجَبَ اسْتِبْرَاءٌ بِسَلْتِ ذَكَرٍ وَنَتْرٍ خَفَّا) : يَجِبُ عَلَى مَنْ قَضَى حَاجَتَهُ أَنْ يَسْتَبْرِئَ: أَيْ يَسْتَخْلِصَ مَجْرَى الْبَوْلِ مِنْ ذَكَرِهِ بِسَلْتِهِ؛ بِأَنْ يَجْعَل أُصْبُعَهُ السَّبَّابَةَ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَإِنْ اسْتَتَرَ] إلَخْ: وَيَكْفِي أَنْ يَكُونَ طُولُهُ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ وَقُرْبُهُ مِنْهُ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ، وَعَرْضُهُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يُوَارِي عَوْرَتَهُ.
قَوْلُهُ: [مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ] : أَيْ وَهُوَ الَّذِي عَلِمْته مِنْ الْحَاصِلِ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا هِيَ فَلَا حُرْمَةَ اتِّفَاقًا] : أَيْ إنْ كَانَ بِسَاتِرٍ وَإِلَّا فَفِيهِمَا قَوْلَانِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَمَدُ الْجَوَازَ كَمَا عَلِمْت مِمَّا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا لَا يَحْرُمُ] إلَخْ: أَيْ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى الْإِنْقَاءُ.

[الِاسْتِبْرَاء وَالِاسْتِنْجَاء وَالِاسْتِجْمَار]

قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ اسْتِبْرَاءٌ] : يُحْتَمَلُ أَنَّ السِّينَ وَالتَّاءَ زَائِدَتَانِ وَأَنْ يَكُونَا لِلطَّلَبِ، فَعَلَى أَنَّهُمَا زَائِدَتَانِ تَكُونُ الْبَاءُ فِي [بِسَلْتِ] لِلتَّصْوِيرِ وَعَلَى أَنَّهُمَا لِلطَّلَبِ، تَكُونُ الْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ أَوْ السَّبِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ يَسْتَخْلِصُ] : يَجْرِي فِي السِّينِ وَالتَّاءِ مَعَ الْبَاءِ فِي قَوْلِهِ [بِسَلْتِ] مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَهُ] إلَخْ: تَصْوِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ وَلِذَا أَفْتَى النَّاصِرُ اللَّقَانِيِّ بِوُجُوبِ

مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى تَحْتَ ذَكَرِهِ مِنْ أَصْلِهِ وَالْإِبْهَامَ فَوْقَهُ ثُمَّ يَسْحَبَهُ بِرِفْقٍ حَتَّى يَخْرُجَ مَا فِيهِ مِنْ الْبَوْلِ.
وَالنَّتْرُ بِسُكُونِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ: جَذْبُهُ.
وَنُدِبَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِرِفْقٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (خَفَّا) بِفَتْحِ الْخَاءِ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ خُلُوصُ الْمَحَلِّ.
وَلَا يَتَتَبَّعُ الْأَوْهَامَ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْوَسْوَسَةَ وَهِيَ تَضُرُّ بِالدِّينِ.

[حاشية الصاوي]

الِاسْتِبْرَاءِ وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ، لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَصِحُّ مَعَ الْمُنَافِي.
لَكِنْ وَقَعَ فِي (عب) عَنْ اللَّخْمِيِّ مَا يُوهِمُ أَنَّ الْبَقَاءَ فِي الْقَصَبَةِ لَا يَضُرُّ، وَأَنَّ النَّقْضَ إذَا نَزَلَ بِالْفِعْلِ، وَمَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا، لَكِنْ إذَا بَقِيَ فِي الْقَصَبَةِ مَعَ الرَّشْحِ عَلَى رَأْسِ الذَّكَرِ فَيَضُرُّ قَطْعًا (اهـ بِالْمَعْنَى حَاشِيَةُ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى] إلَخْ: كَوْنُهُ مِنْ الْيَدِ الْيُسْرَى وَبِالْإِبْهَامِ وَالسَّبَّابَةِ أَفْضَلَ وَأَوْلَى.
وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْيُمْنَى أَوْ بِغَيْرِ السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ كَفَى وَخَالَفَ الْأَفْضَلَ.
وَهَذَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا تَضَعُ يَدَهَا عَلَى عَانَتِهَا وَيَقُومُ ذَلِكَ مَقَامَ السَّلْتِ وَالنَّتْرِ، وَأَمَّا الْخُنْثَى فَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ احْتِيَاطًا.
وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْغَائِطُ فَيَكْفِي فِي تَفْرِيغِ الْمَحَلِّ مِنْهُ الْإِحْسَاسُ بِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِمَّا هُوَ بِصَدَدِ الْخُرُوجِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا بَطَنَ مِنْ الْمَخْرَجِ، بَلْ يَحْرُمُ لِشَبَهِ ذَلِكَ بِاللِّوَاطِ.
فَلَوْ تَوَضَّأَ وَالْبَوْلُ فِي قَصَبَةِ الذَّكَرِ أَوْ الْغَائِطُ فِي دَاخِلِ فَمِ الدُّبُرِ كَانَ الْوُضُوءُ بَاطِلًا كَمَا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْوُضُوءِ عَدَمُ الْمُنَافِي، فَالِاسْتِبْرَاءُ مَطْلُوبٌ لِأَجْلِ إزَالَةِ الْحَدَثِ فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ.
وَفِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ السَّلْتُ وَالنَّتْرُ بِالْمُتَعَيَّنِ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى حُصُولِ الظَّنِّ بِانْقِطَاعِ الْمَادَّةِ بِسَلْتٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ مَكَثَ مُدَّةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ خُلُوُّ الْمَحَلِّ.
وَلَا يَضُرُّ بُلُولَةُ رَأْسِ الذَّكَرِ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [كُلٌّ مِنْهُمَا بِرِفْقٍ] : هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلنَّتْرِ وَصْفٌ كَاشِفٌ لِأَنَّهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ هُوَ التَّحْرِيكُ الْخَفِيفُ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَتَتَبَّعُ الْأَوْهَامَ] : أَيْ فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ انْقِطَاعُ الْمَادَّةِ مِنْ الذَّكَرِ تَرَكَ السَّلْتَ وَالنَّتْرَ، وَمَا شَكَّ فِي خُرُوجِهِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ كَنُقْطَةٍ فَمَعْفُوٌّ عَنْهَا، فَإِنْ تَحَقَّقَهَا فَحُكْمُ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ؛ أَيْ أَنَّهَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ إنْ لَمْ تُلَازِمْ نِصْفَ الزَّمَانِ فَأَكْثَرَ.
وَيَجِبُ غَسْلُهَا إنْ لَمْ تَأْتِهِ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ تَضُرُّ بِالدِّينِ] : وَلِذَلِكَ قَالَ الْعَارِفُونَ إنَّ الْوَسْوَاسَ سَبَبُهُ خَبَلٌ

(وَاسْتِنْجَاءٌ، وَنُدِبَ بِيَسَارِهِ وَبَلُّهَا قَبْلَ لُقِيِّ الْأَذَى، وَاسْتِرْخَاؤُهُ قَلِيلًا وَغَسْلُهَا بِكَتُرَابٍ بَعْدَهُ وَإِعْدَادُ الْمُزِيلِ، وَوِتْرُهُ وَتَقْدِيمُ قُبُلِهِ وَجَمْعُ مَاءٍ وَحَجَرٍ ثُمَّ مَاءٍ) يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ كَمَا يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ وَالْمُرَادُ بِهِ: إزَالَةُ النَّجَاسَةِ مِنْ مَحَلِّ الْبَوْلِ أَوْ الْغَائِطِ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْأَحْجَارِ.
وَنُدِبَ أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى وَيُكْرَهُ بِالْيُمْنَى إلَّا لِضَرُورَةٍ.
وَنُدِبَ بَلَلُ يَدِهِ الْيُسْرَى بِالْمَاءِ قَبْلَ لُقِيِّ الْأَذَى مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ لِئَلَّا يَقْوَى تَعَلُّقُ الرَّائِحَةِ بِهَا إذَا لَاقَى بِهَا الْأَذَى جَافَّةً.
وَيُنْدَبُ حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ أَنْ يَسْتَرْخِيَ قَلِيلًا لِأَنَّهُ أَمْكَنُ فِي التَّنْظِيفِ.

وَنُدِبَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ الَّتِي لَاقَى بِهَا الْأَذَى حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ بِتُرَابٍ وَنَحْوِهِ، كَأُشْنَانٍ وَغَاسُولٍ وَصَابُونٍ.

وَنُدِبَ لَهُ عِنْدَ إرَادَتِهِ قَضَاءَ الْحَاجَةِ أَنْ يُعِدَّ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ مِنْ مَاءٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَيُنْدَبُ لَهُ وَتْرُ الْمُزِيلِ إذَا كَانَ

[حاشية الصاوي]

فِي الْعَقْلِ أَوْ شَكٌّ فِي الدِّينِ.
قَوْلُهُ: [بِالْمَاءِ أَوْ بِالْأَحْجَارِ] : أَيْ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الِاسْتِجْمَارِ لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ لَا يَكُونُ بِالْمَاءِ.
قَوْلُهُ: [بِيَدِهِ الْيُسْرَى] : أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التَّشْرِيفِ.

قَوْلُهُ: [بِتُرَابٍ وَنَحْوِهِ] : مَحَلُّ طَلَبِ الْغَسْلِ بِالتُّرَابِ وَنَحْوِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ بَلَّهَا أَوَّلًا، وَإِلَّا فَلَا يَتَوَقَّفُ نَدْبُ الْغَسْلِ عَلَى التُّرَابِ وَنَحْوِهِ لِانْسِدَادِ الْمَسَامِّ بِالْغَسْلِ أَوَّلًا.
وَالْمُرَادُ بِالْيَدِ الَّتِي تَغْسِلُ الْخِنْصَر وَالْبِنْصِرُ وَالْوُسْطَى لِأَنَّهَا الَّتِي يُلَاقِي بِهَا النَّجَاسَةَ.

قَوْلُهُ: [أَنْ يُعِدَّ] : أَيْ فَيُنْدَبُ لِمُرِيدِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ إعْدَادُ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ مَعًا إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَالْمَاءُ فَقَطْ، وَإِلَّا فَالْأَحْجَارُ فَقَطْ، عَلَى حَسَبِ التَّرْتِيبِ فِي الْمَنْدُوبِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ أَنْقَى] إلَخْ: أَيْ إنْ أَنْقَى الشَّفْعُ يُوتِرُ بِثَالِثٍ، وَأَرْبَعٌ يُوتِرُ بِخَامِسٍ، وَسِتٌّ يُوتِرُ بِسَابِعٍ، وَبَعْدَ ذَلِكَ لَا إيتَارَ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى الْإِنْقَاءِ.
وَقَوْلُهُمْ الْوِتْرُ خَيْرٌ مِنْ الشَّفْعِ فِي غَيْرِ الْوَاحِدِ.
وَإِلَّا فَالِاثْنَانِ خَيْرٌ مِنْهُ وَيَكْفِي فِي الْوَتَرِيَّةِ حَجَرٌ وَاحِدٌ

جَامِدًا كَحَجَرٍ حَيْثُ انْتَقَى الْمَحَلُّ بِالشَّفْعِ وَإِلَّا فَالْإِنْقَاءُ مُتَعَيَّنٌ.
وَيَنْتَهِي نَدْبُ الْإِيتَارِ لِلسَّبْعِ، فَإِنْ أَنْقَى بِثَامِنٍ فَلَا يُطْلَبُ بِتَاسِعٍ.
وَنُدِبَ تَقْدِيمُ قُبُلِهِ عَلَى دُبُرِهِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَنُدِبَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحَجَرِ وَالْمَاءِ، فَيُقَدِّمَ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِالْحَجَرِ، ثُمَّ يَتْبَعَ الْمَحَلَّ بِالْمَاءِ.
فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَالْمَاءُ أَوْلَى مِنْ الْحَجَرِ وَنَحْوِهِ.

(وَتَعَيَّنَ فِي مَنِيٍّ وَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَبَوْلِ امْرَأَةٍ وَمُنْتَشِرٍ عَنْ مَخْرَجٍ كَثِيرًا) : الضَّمِيرُ فِي (تَعَيَّنَ) يَعُودُ عَلَى الْمَاءِ.
أَيْ أَنَّ الْمَاءَ يَتَعَيَّنُ - وَلَا يَكْفِي الْحَجَرُ وَنَحْوُهُ - فِي إزَالَةِ الْمَنِيِّ

[حاشية الصاوي]

لَهُ ثَلَاثُ جِهَاتٍ يَمْسَحُ الْمَحَلَّ بِكُلِّ جِهَةٍ.
قَوْلُهُ: [تَقْدِيمُ قُبُلِهِ] إلَخْ: أَيْ خَوْفًا مِنْ تَنَجُّسِ يَدِهِ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ لَوْ قَدَّمَ دُبُرَهُ، وَمَحَلُّ تَقْدِيمِ الْقُبُلِ إلَّا أَنْ يَقْطُرَ فَيُقَدِّمَ دُبُرَهُ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَقْدِيمِ الْقُبُلِ.
قَوْلُهُ: [أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحَجَرِ وَالْمَاءِ] : أَيْ لِأَنَّ اللَّهَ مَدَحَ أَهْلَ قُبَاءَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108] وَطَهَارَتُهُمْ هِيَ جَمْعُهُمْ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ فِي اسْتِنْجَائِهِمْ كَمَا وَرَدَ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [فَالْمَاءُ أَوْلَى] : أَيْ فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْحَجَرِ وَنَحْوِهِ كَفَى وَخَالَفَ الْأَوْلَى.
وَهَلْ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمَحَلُّ طَاهِرًا لِرَفْعِ الْعَيْنِ وَالْحُكْمِ عَنْهُ أَوْ نَجِسًا مَعْفُوًّا عَنْهُ؟ اُنْظُرْ (ح) (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَرَاتِبَ خَمْسٌ: مَاءٌ.
وَحَجَرٌ، مَاءٌ وَمَدَرٌ.
مَاءٌ فَقَطْ، حَجَرٌ فَقَطْ، مَدَرٌ فَقَطْ.
وَالْمُرَادُ بِالْمَدَرِ أَيُّ طَاهِرٌ مُنْقٍ مُسْتَوْفِي الشُّرُوطِ غَيْرُ حَجَرٍ.
فَهِيَ مَطْلُوبَةٌ نَدْبًا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فِي غَيْرِ مَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمَاءُ.

[مَتَى تَتَعَيَّن الطَّهَارَة بِالْمَاءِ]

[تَنْبِيه كَرَاهَة الِاسْتِنْجَاء مِنْ الرِّيح]

قَوْلُهُ: [وَتَعَيَّنَ] إلَخْ: شُرُوعٌ فِي مَسَائِلَ مُسْتَثْنَاةٍ مِنْ قَوْلِهِمْ: الْمَاءُ أَفْضَلُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ.
وَلَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ.
فَكَأَنَّهُ قَالَ: إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَيَتَعَيَّنُ فِيهَا الْمَاءُ، وَلَا يَكْفِي فِيهَا الْحَجَرُ وَنَحْوُهُ.
قَوْلُهُ: [لِمَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ] إلَخْ: جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَارِدٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ حَاصِلُهُ أَنَّ الْمَنِيَّ وَالْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ يَتَعَيَّنُ فِيهَا غَسْلُ جَمِيعِ الْجَسَدِ وَلَا يُتَوَهَّمُ فِيهَا كِفَايَةُ الِاسْتِجْمَارِ بِالْأَحْجَارِ؟ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِلنَّصِّ عَلَى تَعَيُّنِ الْمَاءِ فِيهَا وَعَدَمِ كِفَايَةِ الْأَحْجَارِ.

لِمَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ أَوْ الْوُضُوءُ، كَخُرُوجِهِ بِلَا لَذَّةٍ أَوْ لَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ.
وَفِي إزَالَةِ دَمِ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ، وَكَذَا فِي دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ إنْ لَمْ يُلَازِمْ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً، وَإِلَّا فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ كَسَلَسِ الْبَوْلِ الْمُلَازِمِ لِذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى فَلَا تَجِبُ إزَالَتُهُ.
وَيَتَعَيَّنُ الْمَاءُ أَيْضًا فِي إزَالَةِ بَوْلِ الْمَرْأَةِ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا لِتَعَدِّيهِ الْمَخْرَجَ إلَى جِهَةِ الْمَقْعَدَةِ عَادَةً.
وَيَتَعَيَّنُ أَيْضًا فِي حَدَثِ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ انْتَشَرَ عَنْ الْمَخْرَجِ انْتِشَارًا كَثِيرًا كَأَنْ يَصِلَ إلَى الْمَقْعَدَةِ أَوْ يَعُمَّ جُلَّ الْحَشَفَةِ.

[حاشية الصاوي]

وَحَاصِلُ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّارِحُ أَنَّ الْكَلَامَ مَفْرُوضٌ فِي حَقِّ مَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ لِكَمَرَضٍ أَوْ لِعَدَمِ مَا يَكْفِي غَسْلُهُ، وَمَعَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا يُزِيلُ بِهِ النَّجَاسَةَ، فَيُقَالُ لِمَنْ خَرَجَ مِنْهُ الْمَنِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ الذَّكَرِ أَوْ الْفَرْجِ بِالْمَاءِ، أَوْ لِمَنْ فَرْضُهُ الْوُضُوءُ لِخُرُوجِ مَنِيِّهِ بِلَا لَذَّةٍ أَوْ لَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، وَيُقَالُ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي انْقَطَعَ حَيْضُهَا أَوْ نِفَاسُهَا مِثْلُ مَا قِيلَ فِيمَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ.
قَوْلُهُ: [بَوْلِ الْمَرْأَةِ] : مِثْلُهَا بَوْلُ الْخَصِيِّ أَيْ مَقْطُوعِ الذَّكَرِ قُطِعَتْ أُنْثَيَاهُ أَمْ لَا.
وَمِثْلُهُ مَنِيُّ الرَّجُلِ إذَا خَرَجَ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ بَعْدَ غَسْلِهَا فَهُوَ كَبَوْلِهَا لَا يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ، وَمِثْلُهُ الْبَوْلُ الْخَارِجُ مِنْ الثُّقْبَةِ إذَا انْسَدَّ الْمَخْرَجَانِ عَلَى الظَّاهِرِ، لِأَنَّهُ مُنْتَشِرٌ فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمَاءُ، وَلَا يَكْفِي فِيهِ الْحَجَرُ.
وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ [بَوْلٍ] أَنَّهَا فِي الْغَائِطِ كَالرَّجُلِ.
وَتَغْسِلُ الْمَرْأَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ ثَيِّبًا أَوْ بِكْرًا كُلَّ مَا ظَهَرَ مِنْ فَرْجِهَا حَالَ جُلُوسِهَا، وَأَمَّا قَوْلُ (عب) : وَتَغْسِلُ الْمَرْأَةُ مَا ظَهَرَ مِنْ فَرْجِهَا وَالْبِكْرُ مَا دُونَ الْعَذِرَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَيْضِ خَاصَّةً كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الطِّرَازِ، وَاخْتَارَ فِي الْبَوْلِ تَسَاوِيهِمَا لِأَنَّ مَخْرَجَ الْبَوْلِ قَبْلَ الْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ، اُنْظُرْ (ح) ، وَلَا تُدْخِلُ الْمَرْأَةُ يَدَهَا بَيْنَ شَفْرَيْهَا كَفِعْلِ اللَّوَاتِي لَا دِينَ لَهُنَّ، وَكَذَا يَحْرُمُ إدْخَالُ أُصْبُعٍ بِدُبُرٍ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ لِزَوَالِ الْخَبَثِ كَمَا فِي الْمَجِّ، وَلَا يُقَالُ الْحُقْنَةُ مَكْرُوهَةٌ لِأَنَّنَا نَقُولُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ الْحُقْنَةَ شَأْنُهَا تُفْعَلُ لِلتَّدَاوِي.
(انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . [انْتَشَرَ عَنْ الْمَخْرَجِ] : أَيْ فَيَتَعَيَّنُ الْمَاءُ فِي هَذَا الْحَدَثِ كُلِّهِ لَا فِي الْمُنْتَشِرِ فَقَطْ، فَيَغْسِلُ الْكُلَّ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَا جَاوَزَ الْمُعْتَادَ، لِأَنَّهُمْ قَدْ يَغْتَفِرُونَ الشَّيْءَ مُنْفَرِدًا دُونَهُ مُجْتَمِعًا مَعَ غَيْرِهِ.
وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: يُغْسَلُ الْمُنْتَشِرُ الزَّائِدُ عَلَى مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَلْوِيثِهِ، وَيُعْفَى عَنْ الْمُعْتَادِ (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

(وَمَذْيٌ بِلَذَّةٍ مَعَ غَسْلِ كُلِّ ذَكَرِهِ بِنِيَّةٍ، وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا، وَفِي اقْتِصَارِهِ عَلَى الْبَعْضِ قَوْلَانِ، وَوَجَبَ غَسْلُهُ لِمَا يُسْتَقْبَلُ) : يَعْنِي وَيَتَعَيَّنُ الْمَاءُ أَيْضًا فِي مَذْيٍ خَرَجَ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ بِنَظَرٍ أَوْ مُلَاعَبَةٍ لِزَوْجَةٍ مَثَلًا أَوْ لِتَذَكُّرٍ، مَعَ وُجُوبِ غَسْلِ جَمِيعِ الذَّكَرِ بِنِيَّةِ طَهَارَتِهِ مِنْ الْحَدَثِ، أَوْ رَفْعِ حَدَثِهِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ بِخُرُوجِ الْمَذْيِ.
وَهَذِهِ النِّيَّةُ وَاجِبَةٌ غَيْرُ شَرْطٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
فَلِذَا لَوْ تَرَكَهَا وَغَسَلَ ذَكَرَهُ بِلَا نِيَّةٍ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى الرَّاجِحِ.
وَأَمَّا غَسْلُ جَمِيعِ الذَّكَرِ فَقِيلَ: وَاجِبٌ شَرْطًا؛ فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى غَسْلِ بَعْضِهِ - وَلَوْ مَعَ نِيَّةٍ - وَصَلَّى بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
وَقِيلَ: وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ.
فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِغَسْلِ الْبَعْضِ وَلَوْ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ فَقَطْ بِنِيَّةٍ أَوْ لَا.
وَلَمْ يُرَجِّحُوا وَاحِدًا مِنْ الْقَوْلَيْنِ، فَلِذَا قُلْنَا: (قَوْلَانِ) وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَيَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِهِ لِمَا يُسْتَقْبَلُ مِنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ وَاجِبٌ.
وَقَوْلُنَا: (بِلَذَّةٍ) قَيْدٌ زِدْنَاهُ عَلَى الْمُصَنِّفِ، إذْ لَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ بِلَا لَذَّةٍ لَكَفَى فِيهِ الْحَجَرُ مَا لَمْ يَكُنْ سَلَسًا يُلَازِمُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً، وَإِلَّا عُفِيَ عَنْهُ وَلَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ حَجَرٌ وَلَا غَيْرُهُ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [مَعَ غَسْلِ كُلِّ ذَكَرِهِ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ غَسْلَ الذَّكَرِ مِنْ الْمَذْيِ وَقَعَ فِيهِ خِلَافٌ.
قِيلَ: إنَّهُ مُعَلَّلٌ بِقَطْعِ الْمَادَّةِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَقِيلَ: إنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ.
وَالْمُعْتَمَدُ الثَّانِي، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يَتَفَرَّعُ خِلَافٌ: هَلْ الْوَاجِبُ غَسْلُ بَعْضِهِ أَوْ كُلِّهِ؟ وَالْمُعْتَمَدُ الثَّانِي.
وَيَتَفَرَّعُ أَيْضًا: هَلْ تَجِبُ النِّيَّةُ فِي غَسْلِهِ أَوْ لَا؟ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّعَبُّدِ، تَجِبُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مُعَلَّلٌ، لَا تَجِبُ.
وَالْمُعْتَمَدُ وُجُوبُهَا.
ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ النِّيَّةِ إذَا غَسَلَهُ كُلَّهُ بِلَا نِيَّةٍ وَصَلَّى، هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَهُوَ النِّيَّةُ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ.
وَالْمُعْتَمَدُ الصِّحَّةُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ.
لِأَنَّ النِّيَّةَ وَاجِبَةٌ غَيْرُ شَرْطٍ.
وَمُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا، وَأَنَّ الْغَسْلَ مُعَلَّلٌ وَعَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ غَسْلِهِ كُلِّهِ لَوْ غَسَلَ بَعْضَهُ بِنِيَّةٍ أَوْ بِدُونِهَا وَصَلَّى، هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ أَوْ لَا تَبْطُلُ؟ قَوْلَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ مُرَاعَاةً لِمَنْ قَالَ إنَّمَا يَجِبُ غَسْلُ بَعْضِهِ.
وَعَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فَهَلْ تُعَادُ فِي الْوَقْتِ أَوْ لَا يُطْلَبُ بِإِعَادَتِهَا؟ قَوْلَانِ.
هَذَا مُحَصَّلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [رَفْعِ حَدَثِهِ] : أَيْ الذَّكَرِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا عُفِيَ عَنْهُ] : أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَأَمَّا نَقْضُ الْوُضُوءِ

هَذَا هُوَ الْحَقُّ وَلَا تَغْتَرُّ بِمَا يُخَالِفُهُ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ.
وَعَبَّرَ بِ (مَعَ) إشَارَةً إلَى أَنَّ الْبَاءَ فِي قَوْلِ الشَّيْخِ: بِغَسْلٍ، بِمَعْنَى مَعَ.
وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ خُرُوجَ الْمَذْيِ مِنْ الرَّجُلِ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ يُوجِبُ غَسْلَ جَمِيعِ الذَّكَرِ بِنِيَّةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

(وَجَازَ الِاسْتِجْمَارُ بِيَابِسٍ طَاهِرٍ مُنْقٍ غَيْرِ مُؤْذٍ وَلَا مُحْتَرَمٍ لِطَعْمِهِ أَوْ شَرَفِهِ، أَوْ حَقِّ الْغَيْرِ.
وَإِلَّا فَلَا، وَأَجْزَأَ إنْ أَنْقَى كَالْيَدِ وَدُونَ الثَّلَاثِ) : يَجُوزُ الِاسْتِجْمَارُ: وَهُوَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ عَنْ أَحَدِ الْمَخْرَجَيْنِ بِكُلِّ يَابِسٍ مِنْ حَجَرٍ - وَهُوَ الْأَصْلُ - أَوْ غَيْرِهِ مِنْ خَشَبٍ أَوْ مَدَرٍ: وَهُوَ مَا حُرِقَ مِنْ الطِّينِ - أَوْ خِرَقٍ أَوْ قُطْنٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ نَحْوِ

[حاشية الصاوي]

فَيُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُلَازِمْ نِصْفَ الزَّمَانِ فَأَكْثَرَ.
قَوْلُهُ: [مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ] إلَخْ: أَرَادَ الْخَرَشِيُّ (وعب) فَإِنَّ الْخَرَشِيَّ قَالَ: ثُمَّ إنَّ كَلَامَ الْمُؤَلِّفِ فِي الْمَذْيِ الْخَارِجِ بِلَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ، أَمَّا مَا خَرَجَ بِغَيْرِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ عَلَى حُكْمِ الْمَنِيِّ الْخَارِجِ بِلَا لَذَّةٍ مُعْتَادَةٍ، فَإِنْ لَمْ يُوجِبْ الْوُضُوءَ كَفَى فِيهِ الْحَجَرُ، وَإِنْ أَوْجَبَهُ تَعَيَّنَ الْمَاءُ فِيهِ (انْتَهَى) . وَيُؤْخَذُ مِنْ الْأَصِيلِيِّ وَ (عب) نَحْوُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَقَدْ عَلِمْت فَسَادَهَا مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ، وَمَا تَقَدَّمَ لَك فِي مَذْيِ الرَّجُلِ.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ تَغْسِلُ مِنْ مَذْيِهَا مَحَلَّ الْأَذَى فَقَطْ، وَلَا تَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَائِبَةُ تَعَبُّدٍ، خِلَافًا لِمَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ احْتِيَاجِهَا لِنِيَّةٍ.
تَنْبِيهٌ: يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ مِنْ الرِّيحِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ خَلِيلٌ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ مُصَنِّفُنَا لِوُضُوحِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ» أَيْ لَيْسَ عَلَى سُنَّتِنَا.
وَهُوَ طَاهِرٌ لَا يُنَجِّسُ ثَوْبًا وَلَا بَدَنًا.

قَوْلُهُ: [وَجَازَ الِاسْتِجْمَارُ] : أَيْ يَجُوزُ إنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الْأَوْصَافُ الْخَمْسَةُ.
وَالْمُرَادُ بِالْيَابِسِ: الْجَافُّ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ صَلَابَةٌ كَالْحَجَرِ أَوْ لَا كَالْقُطْنِ.
قَوْلُهُ: (الِاسْتِجْمَارُ) وَهُوَ إلَخْ: هُوَ خَاصٌّ بِاسْتِعْمَالِ الْجَمَرَاتِ مِنْ الْحَجَرِ وَنَحْوِهِ.
وَالِاسْتِنْجَاءُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْمَاءِ وَغَيْرِهِ.
فَكَمَا أَنَّ الِاسْتِجْمَارَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَمَرَاتِ بِمَعْنَى الْأَحْجَارِ وَنَحْوِهَا، كَذَلِكَ الِاسْتِنْجَاءُ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّجْوَةِ وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ، كَمَا سَمَّوْا الْفَضْلَةَ غَائِطًا بِاسْمِ الْمَكَانِ الْمُنْخَفِضِ؛ كَانُوا إذَا أَرَادُوا التَّبَرُّزَ عَمَدُوا لِلْمُنْخَفِضِ، فَإِذَا قَضَوْا إرْبَهُمْ انْتَقَلُوا لِلْمُرْتَفِعِ وَأَزَالُوا فِيهِ الْأَثَرَ (اهـ وَالْمَعْنَى مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) .

ذَلِكَ.
فَلَا يَجُوزُ بِمُبْتَلٍّ كَطِينٍ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْجَوَازِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا احْتِرَازًا مِنْ النَّجِسِ؛ كَأَرْوَاثِ الْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ وَعَظْمِ الْمَيْتَةِ وَالْعَذِرَةِ.
وَأَنْ يَكُونَ مُنَقِّيًا لِلنَّجَاسَةِ؛ احْتِرَازًا مِنْ الْأَمْلَسِ كَالْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ وَالزُّجَاجِ.
وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُؤْذٍ؛ احْتِرَازًا مِمَّا يُؤْذِي كَالْحَجَرِ الْمُحَدَّدِ وَالسِّكِّينِ.
وَأَنْ لَا يَكُونَ مُحْتَرَمًا؛ إمَّا لِكَوْنِهِ مَطْعُومًا لِآدَمِيٍّ كَخُبْزٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ مِنْ الْأَدْوِيَةِ كَحَزَنْبَلٍ وَمُغَاثٍ وَزَنْجَبِيلٍ.
أَوْ لِكَوْنِهِ ذَا شَرَفٍ؛ كَالْمَكْتُوبِ لِحُرْمَةِ الْحُرُوفِ وَلَوْ بِخَطٍّ غَيْرِ عَرَبِيٍّ.
أَوْ بِمَا دَلَّ عَلَى بَاطِلٍ؛ كَالسِّحْرِ.
أَوْ لِكَوْنِ شَرَفِهِ ذَاتِيًّا؛ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَوَاهِرِ.
وَإِمَّا لِكَوْنِ حُرْمَتِهِ لِحَقِّ الْغَيْرِ؛ كَكَوْنِ الشَّيْءِ الَّذِي يُسْتَجْمَرُ بِهِ مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ، وَمِنْهُ جِدَارُ الْغَيْرِ وَلَوْ وَقْفًا.
وَكُرِهَ بِعَظْمٍ وَرَوْثٍ طَاهِرَيْنِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَلَا يَجُوزُ بِمُبْتَلٍّ] : هَذَا شُرُوعٌ فِي مُحْتَرَزِ الْأَوْصَافِ الْخَمْسَةِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي جَوَازِ مَا يُسْتَجْمَرُ بِهِ عَلَى سَبِيلِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ، أَيْ فَيَحْرُمُ الِاسْتِجْمَارُ بِالْمُبْتَلِّ لِنَشْرِهِ النَّجَاسَةِ، فَإِنْ وَقَعَ وَاسْتَجْمَرَ بِهِ فَلَا يُجْزِيهِ.
وَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ الْمَحَلِّ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَاءِ، فَإِنْ صَلَّى قَبْلَ غَسْلِهِ جَرَى عَلَى حُكْمِ مَنْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ.
وَمَا قِيلَ فِي الْمُبْتَلِّ يُقَالُ فِي النَّجِسِ إنْ كَانَ يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: [فِي الْجَوَازِ] : أَيْ فِي مُتَعَلِّقِهِ لِأَنَّ الشُّرُوطَ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَوَازُ قَوْلُهُ: [كَالْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ] إلَخْ: حَيْثُ كَانَ كُلٌّ سَالِمًا مِنْ الْكَسْرِ وَإِلَّا كَانَ مِنْ الْمُؤْذِي.
قَوْلُهُ: [لِحُرْمَةِ الْحُرُوفِ] : أَيْ لِشَرَفِهَا.
قَالَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ اللَّقَانِيِّ: مَحَلُّ كَوْنِ الْحُرُوفِ لَهَا حُرْمَةٌ إذَا كَانَتْ مَكْتُوبَةً بِالْعَرَبِيِّ، وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ لَهَا إلَّا إذَا كَانَ الْمَكْتُوبُ بِهَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ: الْحُرُوفُ لَهَا حُرْمَةٌ سَوَاءٌ كُتِبَتْ بِالْعَرَبِيِّ أَوْ بِغَيْرِهِ وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ (ح) وَفَتْوَى النَّاصِرِ.
قَالَ شَيْخُنَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ اهـ مِنْ (حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ وَقْفًا] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْوَقْفُ مَسْجِدًا أَوْ غَيْرَهُ، وَكَانَ الْوَاقِفُ لَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، كَانَ الِاسْتِجْمَارُ بِجِدَارِ الْوَقْفِ مِنْ دَاخِلٍ أَوْ خَارِجٍ.
وَأَمَّا مِلْكُ الْغَيْرِ فَمَحَلُّ الْحُرْمَةِ إذَا اسْتَجْمَرَ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ، فَإِنْ اسْتَجْمَرَ بِإِذْنِهِ كُرِهَ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [طَاهِرَيْنِ] : أَيْ لِأَنَّ الْعَظْمَ طَعَامُ الْجِنِّ فَإِنَّهُ يُكْسَى لَحْمًا.
وَالرَّوْثَ طَعَامُ دَوَابِّهِمْ يَرْجِعُ عَلَفًا كَمَا كَانَ عَلَيْهِ، وَهَلْ الَّذِي يَصِيرُ كَذَلِكَ كُلُّ رَوْثٍ أَوْ خُصُوصُ

وَبِجِدَارٍ مَمْلُوكٍ لَهُ.
فَإِنْ وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ جَازَ الِاسْتِجْمَارُ، فَإِنْ انْتَفَى شَرْطٌ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ، وَلَكِنَّهُ يُجْزِي إنْ أَنْقَى الْمَحَلَّ؛ كَالْمُحْتَرَمِ وَالنَّجِسِ الْيَابِسِ الَّذِي لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ.
كَمَا يُجْزِي الْإِنْقَاءُ بِالْيَدِ بِدُونِ الثَّلَاثِ مِنْ الْأَحْجَارِ وَنَحْوِهَا.
وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَحَلَّ الْإِجْزَاءِ فِي غَيْرِ الْمَنِيِّ وَبَوْلِ الْمَرْأَةِ وَالدَّمِ وَالْمُنْتَشِرِ كَثِيرًا أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مُسْتَثْنًى مِمَّا هُنَا.

وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى طَهَارَةِ الْخَبَثِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى

[حاشية الصاوي]

رَوْثِ الْمُبَاحِ؟ يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ الْعَظْمُ طَعَامَ الْجِنِّ وَالرَّوْثُ طَعَامَ دَوَابِّهِمْ صَارَ النَّهْيُ عَنْهُمَا لِحَقِّ الْغَيْرِ.
إنْ قُلْت إذَا كَانَ الرَّوْثُ عَلَفَ دَوَابِّهِمْ مَنْهِيًّا عَنْهُ يَكُونُ عَلَفُ دَوَابِّ الْإِنْسِ مِنْ الْحَشِيشِ وَنَحْوِهِ مِنْ كُلِّ مَا لَيْسَ مَطْعُومًا لِلْآدَمِيِّ كَذَلِكَ، وَالْجَوَابُ أَنَّ النَّهْيَ فِي الرَّوْثِ وَرَدَ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [مَمْلُوكٍ لَهُ] : أَيْ وَاسْتَجْمَرَ بِهِ مِنْ دَاخِلٍ، وَأَمَّا مِنْ خَارِجٍ فَقَوْلَانِ: بِالْكَرَاهَةِ وَالْحُرْمَةِ.
وَإِنَّمَا قِيلَ بِالْحُرْمَةِ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْزِلُ مَطَرٌ عَلَيْهِ مَثَلًا وَيَلْتَصِقُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ عَلَيْهِ فَتُصِيبُهُ النَّجَاسَةُ.
قَوْلُهُ: [لَمْ يَجُزْ] : أَيْ إذَا أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى تِلْكَ الْأَشْيَاءِ، وَأَمَّا إنْ قَصَدَ أَنْ يَتْبَعَهَا الْمَاءُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ.
إلَّا الْمُحَرَّمُ وَالْمُحَدَّدُ وَالنَّجِسُ.
فَالْحُرْمَةُ مُطْلَقًا.
لَا يُقَالُ الْجَزْمُ بِحُرْمَةِ النَّجِسِ مُطْلَقًا مُشْكِلٌ مَعَ مَا مَرَّ مِنْ كَرَاهَةِ التَّلَطُّخِ بِالنَّجَاسَةِ عَلَى الرَّاجِحِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الِاسْتِجْمَارُ بِالنَّجَاسَةِ فِيهِ قَصْدٌ لِاسْتِعْمَالِ النَّجِسِ، وَهَذَا مَمْنُوعٌ وَالتَّلْطِيخُ الْمَكْرُوهُ لَيْسَ فِيهِ قَصْدُ الِاسْتِعْمَالِ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَبِدُونِ الثَّلَاثِ] إلَخْ: خِلَافًا لِأَبِي الْفَرَجِ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ الثَّلَاثَةَ، فَإِنْ أَنْقَى مِنْ الثَّلَاثَةِ فَلَا بُدَّ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: [وَالدَّمُ] : أَيْ دَمُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالِاسْتِحَاضَةِ.

[فَصْلٌ فِي فَرَائِضِ الْوُضُوءِ]

[مَا يَجِب غسله وَمَسَحَهُ]

قَوْلُهُ: [وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ] إلَخْ: أَيْ لَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى وَسَائِلِ الطَّهَارَةِ الثَّلَاثِ الَّتِي هِيَ بَيَانُ الْمَاءِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ، وَبَيَانُ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ وَالنَّجِسَةِ، وَبَيَانُ حُكْمِ

طَهَارَةِ الْحَدَثِ؛ صُغْرَى وَكُبْرَى، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا.
وَبَدَأَ بِالصُّغْرَى فَقَالَ:

[حاشية الصاوي]

إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَكَيْفِيَّةِ إزَالَتِهَا مِنْ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ، وَمَا يُعْفَى مِنْهَا وَمَا لَا يُعْفَى أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى مَقَاصِدِ الطَّهَارَةِ وَهِيَ: الْوُضُوءُ وَنَوَاقِضُهُ، وَالْغُسْلُ وَنَوَاقِضُهُ، وَمَا هُوَ بَدَلٌ عَنْهُمَا وَهُوَ التَّيَمُّمُ، أَوْ عَنْ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ وَهُوَ مَسْحُ الْخُفِّ وَالْجَبِيرَةِ، فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ شَرَعَ الْكَلَامَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: [طَهَارَةُ] : أَرَادَ بِهَا التَّطْهِيرَ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ كَمَا تُطْلَقُ عَلَى الصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ تُطْلَقُ عَلَى التَّطْهِيرِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ.

فَصْلٌ: فِي فَرَائِضِ الْوُضُوءِ وَسُنَنِهِ وَفَضَائِلِهِ وَمَكْرُوهَاتِهِ وَمَنْدُوبَاتِهِ وَشُرُوطِ صِحَّتِهِ وَوُجُوبِهِ (فَرَائِضُ الْوُضُوءِ: غَسْلُ الْوَجْهِ مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ إلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ أَوْ اللِّحْيَةِ

[حاشية الصاوي]

فَصْلٌ قَوْلُهُ: (فَرَائِضُ) إلَخْ: جَمْعُ فَرِيضَةٍ: وَهُوَ الْأَمْرُ الَّذِي يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَيَتَرَتَّبُ الْعِقَابُ عَلَى تَرْكِهِ، وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا: فَرْضٌ، وَيُجْمَعُ الْفَرْضُ عَلَى فُرُوضٍ.
فَإِنْ قِيلَ: فَرَائِضُ جَمْعُ كَثْرَةٍ، وَهُوَ مِنْ الْعَشَرَةِ فَفَوْقَ مَعَ أَنَّهُ سَبْعَةٌ؟ يُقَالُ: اسْتِعْمَالُ جَمْعِ الْكَثْرَةِ فِي الْقِلَّةِ أَوْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَبْدَأَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ مِنْ ثَلَاثَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ فِي الْمَبْدَأِ، وَقَوْلُ (تت) : فَرَائِضُ جَمْعُ فَرْضٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فَعْلًا لَا يُجْمَعُ عَلَى فَعَائِلَ بَلْ هُوَ جَمْعُ فَرِيضَةٍ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ.
وَمُرَادُهُ بِالْفَرْضِ هُنَا مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ.
فَيَشْمَلُ وُضُوءَ الصَّبِيِّ، وَالْوُضُوءَ قَبْلَ الْوَقْتِ.
وَالْوُضُوءُ بِضَمِّ الْوَاوِ: الْفِعْلُ، وَبِفَتْحِهَا: الْمَاءُ عَلَى الْمَعْرُوفِ فِي اللُّغَةِ، وَحُكِيَ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ فِيهِمَا.
وَهَلْ هُوَ اسْمٌ لِلْمَاءِ الْمُطْلَقِ؟ أَوْ لَهُ بَعْدَ كَوْنِهِ مُعَدًّا لِلْوُضُوءِ، أَوْ بَعْدَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي الْعِبَادَاتِ؟ مُشْتَقٌّ مِنْ الْوَضَاءَةِ بِالْمَدِّ - وَهِيَ النَّظَافَةُ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ - وَالْحُسْنِ.
وَشَرْعًا: طَهَارَةٌ مَائِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِأَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَهِيَ الْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ.
وَإِنَّمَا خُصَّتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ اكْتِسَابِ الْخَطَايَا، وَلِأَنَّ آدَمَ مَشَى إلَى الشَّجَرَةِ بِرِجْلَيْهِ وَتَنَاوَلَ مِنْهَا بِيَدِهِ، وَأَكَلَ بِفَمِهِ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِوَرَقِهَا.
وَاخْتَصَّ الرَّأْسُ بِالْمَسْحِ لِسَتْرِهِ غَالِبًا فَاكْتُفِيَ بِأَدْنَى طَهَارَةٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ فَرَائِضِ الْوُضُوءِ.
وَمُحَصَّلُ ذَلِكَ أَنَّ مِنْهَا فَرْضًا بِإِجْمَاعٍ.
وَهُوَ الْأَعْضَاءُ الْأَرْبَعَةُ، وَعَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَهِيَ النِّيَّةُ وَالدَّلْكُ وَالْفَوْرُ (اهـ. مِنْ الْخَرَشِيِّ وَالْحَاشِيَةِ) . وَفَرَائِضُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يُؤْخَذُ مِنْ حِلِّ الشَّارِحِ تَقْدِيرُهُ سَبْعَةٌ، وَقَوْلُهُ: غَسْلُ الْوَجْهِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ، وَيَصِحُّ جَعْلُهُ خَبَرًا عَنْ فَرَائِضَ.
وَقَوْلُهُ: [مِنْ مَنَابِتِ] : مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ

وَمَا بَيْنَ وَتَدَيْ الْأُذُنَيْنِ) : فَرَائِضُ الْوُضُوءِ سَبْعَةٌ: أَوَّلُهَا: غَسْلُ جَمِيعِ الْوَجْهِ، وَحْدَهُ طُولًا مِنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ إلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ فِيمَنْ لَا لِحْيَةَ لَهُ أَوْ مُنْتَهَى اللِّحْيَةِ فِيمَنْ لَهُ لِحْيَةٌ.
وَالذَّقَنُ - بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ - بِفَتْحِ اللَّامِ - تَثْنِيَةُ لَحْيٍ: وَهُوَ فَكُّ الْحَنَكِ الْأَسْفَلِ.
وَاللِّحْيَةُ - بِفَتْحِ اللَّامِ - هِيَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى ذَلِكَ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: [الْمُعْتَادِ] : الْأَصْلَعُ - بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ - وَهُوَ مَنْ انْحَسَرَ شَعْرُ رَأْسِهِ إلَى جِهَةِ الْيَافُوخِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَهِيَ فِي غَسْلِهِ إلَى مَنَابِتِ شَعْرِهِ.
وَخَرَجَ الْأَغَمُّ: وَهُوَ مَنْ نَزَلَ شَعْرُ رَأْسِهِ إلَى جِهَةِ حَاجِبِهِ؛ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُدْخِلَ فِي غَسْلِهِ مَا نَزَلَ عَنْ الْمُعْتَادِ.
وَلَا بُدَّ مِنْ إدْخَالِ جُزْءٍ يَسِيرٍ مِنْ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ، وَحَدُّهُ عَرْضًا مِنْ وَتَدِ الْأُذُنِ إلَى الْوَتَدِ الْآخَرِ؛ فَلَمْ يَدْخُلْ الْوَتَدَانِ فِي الْوَجْهِ وَلَا الْبَيَاضُ الَّذِي فَوْقَهُمَا وَلَا شَعْرُ الصُّدْغَيْنِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْبَيَاضُ الَّذِي تَحْتَهُمَا؛ لِأَنَّهُ

[حاشية الصاوي]

بِقَوْلِهِ: (وَحَدُّهُ طُولًا) إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: [وَمَا بَيْنَ وَتَدَيْ الْأُذُنَيْنِ] : خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: (وَحَدُّهُ عَرْضًا) إلَخْ.
قَوْلُهُ: [غَسْلُ جَمِيعِ الْوَجْهِ] : أَيْ وَلَوْ تَعَدَّدَ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ: [بِفَتْحِ اللَّامِ] : وَحُكِيَ كَسْرُهَا فِي الْمُفْرَدِ وَالْمَثْنَى.
قَوْلُهُ: [فَكُّ الْحَنَكِ الْأَسْفَلِ] : وَهُوَ قِطْعَتَانِ وَمَحَلُّ اجْتِمَاعِهِمَا هُوَ الذَّقَنُ، وَسُمِّيَ فَكًّا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ مَفْكُوكٌ عَنْ صَاحِبِهِ.
قَوْلُهُ: [وَاللِّحْيَةُ بِفَتْحِ اللَّامِ] : وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَجَمْعُهَا: لِحًى بِالْكَسْرِ.
قَوْلُهُ: [الْأَصْلَعُ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ خُلُوَّ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ مِنْ الشَّعْرِ، يُقَالُ لَهُ صَلَعٌ وَلِصَاحِبِهِ أَصْلَعُ.
وَالْأَنْزَعُ: هُوَ الَّذِي لَهُ نَزَعَتَانِ - بِفَتْحَتَيْنِ - أَيْ بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ نَاصِيَتَهُ؛ فَكَمَا لَا تَدْخُلُ نَاصِيَةُ الْأَصْلَعِ فِي الْوَجْهِ لَا يَدْخُلُ الْبَيَاضَانِ لِلْأَنْزَعِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا بُدَّ] إلَخْ: أَيْ كَمَا لَا بُدَّ مِنْ إدْخَالِ جُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ، وَلَيْسَ لَنَا فَرْضٌ يُغْسَلُ وَيُمْسَحُ إلَّا الْحَدَّ الَّذِي بَيْنَ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتِمُّ] إلَخْ: أَيْ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَهَلْ بِوُجُوبِ مُسْتَقِلٍّ؟ أَوْ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ؟ قَوْلَانِ.
قَوْلُهُ: [وَحَدُّهُ عَرَضًا] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ بَعْضَ الصُّدْغِ مِنْ الْوَجْهِ وَهُوَ الْعَظْمُ

مِنْ الْوَجْهِ.
(فَيَغْسِلُ الْوَتْرَةَ وَأَسَارِيرَ جَبْهَتِهِ وَظَاهِرَ شَفَتَيْهِ، وَمَا غَارَ مِنْ جَفْنٍ أَوْ غَيْرِهِ، بِتَخْلِيلِ شَعْرٍ تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ تَحْتَهُ) : هَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ أَيْ إذَا عَلِمْت وُجُوبَ غَسْلِ جَمِيعِ الْوَجْهِ، فَيَجِبُ غَسْلُ وَتَرَةِ الْأَنْفِ - بِفَتْحِ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْوَاوِ - وَهِيَ الْحَاجِزُ بَيْنَ طَاقَتَيْ الْأَنْفِ، وَغَسْلُ أَسَارِيرِ الْجَبْهَةِ - وَهِيَ التَّكَامِيشُ - جَمْعُ أَسِرَّةٍ كَأَزِمَّةٍ، وَاحِدُهُ سِرَارٌ كَزِمَامٍ، أَوْ جَمْعُ أَسْرَارٍ كَأَعْنَابٍ وَاحِدُهُ سِرَرٌ كَعِنَبٍ.
فَأَسَارِيرُ جَمْعُ الْجَمْعِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَغَسْلُ ظَاهِرِ الشَّفَتَيْنِ.
وَغَسْلُ مَا غَارَ مِنْ جَفْنٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَأَثَرِ جُرْحٍ أَوْ مَا خُلِقَ غَائِرًا، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ: " لَا جُرْحًا بَرِئَ أَوْ خُلِقَ غَائِرًا "، فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ غَسْلُهُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُهُ لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ الْمُكَلَّفُ، فَكَانَ عَلَيْهِ حَذْفُ حَرْفِ النَّفْيِ وَعَطْفُهُ عَلَى الْمُثْبَتِ.
مَعَ وُجُوبِ تَخْلِيلِ شَعْرٍ - بِفَتْحِ الشِّينِ

[حاشية الصاوي]

النَّاتِئُ، فَمَا دُونَهُ، وَبَعْضُهُ مِنْ الرَّأْسِ وَهُوَ مَا فَوْقَهُ الشَّعْرِ، فَمَا بَيْنَ شَعْرِ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ قَطْعًا؛ وَشَعْرُ الصُّدْغَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ قَطْعًا، وَمَا فَوْقَ الْوَتَدَيْنِ مِنْ الْبَيَاضِ كَذَلِكَ، وَمَا تَحْتَ الْوَتَدَيْنِ مِنْ الْوَجْهِ، فَيُغْسَلُ.
وَدَخَلَ فِي الْوَجْهِ الْجَبِينَانِ وَهُمَا الْمُحِيطَانِ بِالْجَبْهَةِ يَمِينًا وَشِمَالًا (اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) . قَوْلُهُ: [جَبْهَتُهُ] : الْمُرَادُ بِهَا هُنَا مَا ارْتَفَعَ عَنْ الْحَاجِبَيْنِ إلَى مَبْدَإِ الرَّأْسِ، فَيَشْمَلُ الْجَبِينَيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ الْجَبْهَةِ فِي السُّجُودِ فَهِيَ مُسْتَدِيرُ مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ إلَى النَّاصِيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَظَاهِرُ شَفَتَيْهِ] : هُوَ مَا يَبْدُو مِنْهُمَا عِنْدَ انْطِبَاقِهِمَا انْطِبَاقًا طَبِيعًا.
قَوْلُهُ: [مَعَ وُجُوبُ تَخْلِيلِ شَعْرِ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ اللِّحْيَةَ حَيْثُ كَانَتْ خَفِيفَةً - وَكُلُّ شَعْرٍ فِي الْوَجْهِ خَفِيفٌ - يَجِبُ عَلَيْهِ إيصَالُ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَكَرٍ وَأُنْثَى.
وَإِنْ كَانَ الشَّعْرُ كَثِيفًا يُكْرَهُ تَخْلِيلُهُ فِي الْوُضُوءِ، سَوَاءٌ كَانَ لِحْيَةً أَوْ غَيْرَهَا لِذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى.
وَلَا يُطَالَبُ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِغَسْلِ أَسْفَلِ اللِّحْيَةِ الَّذِي يَلِي الْعُنُقَ كَانَتْ كَثِيفَةً أَوْ خَفِيفَةً.

الْمُعْجَمَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ - إذَا كَانَتْ الْبَشَرَةُ، بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ: الْجِلْدَةُ الَّتِي تَظْهَرُ فِي مَجْلِسِ الْمُخَاطَبَةِ تَحْتَ الشَّعْرِ، وَهُوَ الشَّعْرُ الْخَفِيفُ سَوَاءً كَانَ شَعْرَ لِحْيَةٍ أَوْ حَاجِبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا.
وَالْمُرَادُ بِالتَّخْلِيلِ: إيصَالُ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ بِالدَّلْكِ عَلَى ظَاهِرِهِ.
وَأَمَّا الْكَثِيفُ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَخْلِيلُهُ أَيْ إيصَالُ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ تَحْتَهُ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَجِبُ تَحْرِيكُهُ لِيَدْخُلَ الْمَاءُ بَيْنَ ظَاهِرِهِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ لِلْبَشَرَةِ.

(وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ بِتَخْلِيلِ أَصَابِعِهِ لَا تَحْرِيكِ خَاتَمِهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ) : الْفَرِيضَةُ الثَّانِيَةُ: غَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، بِإِدْخَالِهِمَا فِي الْغَسْلِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [عَلَى ظَاهِرِهِ] : أَيْ لَا بَاطِنِهِ الَّذِي يَلِي الْعُنُقَ، فَلَا يُطَالَبُ بِغَسْلِهِ وَغَسْلُهُ مِنْ التَّعَمُّقِ فِي الدِّينِ.
تَنْبِيهٌ: يَجِبُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ عِنْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ إزَالَةُ مَا بِعَيْنَيْهِ مِنْ الْقَذْي، فَإِنْ وَجَدَ بِعَيْنَيْهِ شَيْئًا بَعْدَ وُضُوئِهِ وَأَمْكَنَ حُدُوثُهُ لِطُولِ الْمُدَّةِ، حُمِلَ عَلَى الطَّرَيَانِ، حَيْثُ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَى مَحَلِّهِ حِينَ غَسْلِ وَجْهِهِ.

[تَنْبِيه وضوء الْأَقْطَع]

قَوْلُهُ: [وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ] : أَيْ لِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَإِنْ صَدَقَتْ الْآيَةُ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ أَخْذًا مِنْ مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ.
قَوْلُهُ: [بِإِدْخَالِهِمَا فِي الْغُسْلِ] : لِلسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَإِلَّا فَالْأَصْلُ فِي " إلَى " عَدَمُ الْإِدْخَالِ.
كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَفِي دُخُولِ الْغَايَةِ الْأَصَحُّ لَا ... تَدْخُلُ مَعَ إلَى وَحَتَّى دَخَلَا وَسُمِّيَا مِرْفَقَيْنِ لِأَنَّ الْمُتَّكِئَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا إذَا أَخَذَ بِرَاحَتِهِ رَأْسَهُ مُتَّكِئًا عَلَى ذِرَاعَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: يَلْزَمُ الْأَقْطَعَ أُجْرَةُ مَنْ يُطَهِّرُهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَ مَا أَمْكَنَهُ، قَالَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ وَيَلْزَمُ غَسْلُ بَقِيَّةِ مِعْصَمٍ إنْ قُطِعَ الْمِعْصَمُ، وَكُلُّ عُضْوٍ سَقَطَ بَعْضُهُ يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِبَاقِيهِ غَسْلًا وَمَسْحًا، كَمَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ كَفٍّ خُلِقَتْ بِمَنْكِبٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاهَا، فَإِنْ كَانَ لَهُ يَدٌ سِوَاهَا فَلَا يَجِبُ غَسْلُ الْكَفِّ إلَّا إذَا نَبَتَتْ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ أَوْ غَيْرِهِ وَكَانَ لَهَا مِرْفَقٌ، فَتُغْسَلُ لِلْمِرْفَقِ؛ لِأَنَّ لَهَا حِينَئِذٍ حُكْمُ الْيَدِ الْأَصْلِيَّةِ، بَلْ لَوْ كَثُرَتْ الْأَيَادِي الَّتِي بِالْمَرَافِقِ تُغْسَلُ كُلُّهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِرْفَقٌ فَلَا غُسْلَ مَا لَمْ تَصِلْ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، فَإِنْ وَصَلَتْ غُسِلَ مَا وَصَلَ إلَى مُحَاذَاةِ الْمِرْفَقِ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ.
وَيُقَالُ فِي الرِّجْلِ الزَّائِدَةِ مَا قِيلَ فِي الْيَدِ، وَيُنَزَّلُ الْكَعْبُ مَنْزِلَةَ الْمِرْفَقِ (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) .

مَعَ وُجُوبِ تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِ وَمُعَاهَدَةِ تَكَامِيشِ الْأَنَامِلِ أَوْ غَيْرِهَا.
وَلَا يَجِبُ تَحْرِيكُ الْخَاتَمِ الْمَأْذُونِ فِيهِ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَلَوْ ضَيِّقًا لَا يَدْخُلُ الْمَاءُ تَحْتَهُ، وَلَا يُعَدُّ حَائِلًا.
بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ كَالذَّهَبِ لِلرَّجُلِ أَوْ الْمُتَعَدِّدِ، فَلَا بُدَّ مِنْ نَزْعِهِ مَا لَمْ يَكُنْ وَاسِعًا يَدْخُلُ الْمَاءُ تَحْتَهُ فَيَكْفِي تَحْرِيكُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّلْكِ بِالْخِرْقَةِ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَرَامِ كَالذَّهَبِ، أَوْ الْمَكْرُوهِ كَالنُّحَاسِ، وَإِنْ كَانَ الْمُحَرَّمُ يَجِبُ نَزْعُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حَرَامٌ.
وَقَوْلُهُ: [خَاتَمِهِ] الْإِضَافَةُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، فَيَشْمَلُ الْمُتَعَدِّدَ لِلْمَرْأَةِ.

(وَمَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ مَعَ شَعْرِ صُدْغَيْهِ وَمَا اسْتَرْخَى، لَا نَقْضُ ضُفُرِهِ.
وَأَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَهُ فِي رَدِّ الْمَسْحِ) الْفَرِيضَةُ الثَّالِثَةُ: مَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ مِنْ الْمُقَدَّمِ إلَى نُقْرَةِ الْقَفَا مَعَ مَسْحِ شَعْرِ صُدْغَيْهِ مِمَّا فَوْقَ الْعَظْمِ النَّاتِئِ فِي الْوَجْهِ.
وَأَمَّا هُوَ فَلَا يَمْسَحُ بَلْ يَغْسِلُ فِي الْوَجْهِ.
وَيَدْخُلُ فِي الرَّأْسِ الْبَيَاضُ الَّذِي فَوْقَ وَتَدَيْ الْأُذُنَيْنِ كَمَا مَرَّ، وَمَعَ مَسْحِ مَا اسْتَرْخَى مِنْ الشَّعْرِ وَلَوْ طَالَ جِدًّا.
وَلَيْسَ عَلَى الْمَاسِحِ - مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى - نَقْضُ مَضْفُورِهِ وَلَوْ اشْتَدَّ الضَّفْرُ مَا لَمْ يَكُنْ بِخُيُوطٍ كَثِيرَةٍ، وَإِلَّا نُقِضَ؛ لِأَنَّهَا

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [مَعَ وُجُوبِ تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِ] : إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْبَاءَ فِي [بِتَخْلِيلِ] بِمَعْنَى مَعَ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ ضَيِّقًا] : لَكِنَّهُ إذَا كَانَ ضَيِّقًا فَنَزَعَهُ تَدَارَكَ مَا تَحْتَهُ وَمِنْهُ أَسَاوِرُ الْمَرْأَةِ.
وَالظَّاهِرُ لَا يَجِبُ تَعْمِيمُ الْخَاتَمِ نِيَابَةً عَمَّا تَحْتَهُ بِخِلَافِ الشَّوْكَةِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حَرَامٌ] : أَيْ لَا مِنْ حَيْثُ تَوَقُّفُ صِحَّةِ الْوُضُوءِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ صَحِيحٌ حَيْثُ كَانَ وَاسِعًا عَلَى كُلِّ حَالٍ.

[تَنْبِيه غَسَلَ النِّسَاء شعرهن]

قَوْلُهُ: [وَمَسْحُ جَمِيعِ الرَّأْسِ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَا يَلْزَمُ غَسْلُهُ عِنْدَ كَثْرَةِ الْعَرَقِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَغْسِلُهُ عِنْدَ الْعَرَقِ لِئَلَّا يُضِيفَ الْمَاءَ، فَلَيْسَ كَلَامُهُ بِشَيْءٍ، فَلَوْ وَقَعَ وَنَزَلَ وَغَسَلَهُ أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
قَوْلُهُ: [بِخُيُوطٍ كَثِيرَةٍ] : حَاصِلَةُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ خَيْطَيْنِ نُقِضَ فِي

حَائِلٌ، وَاغْتُفِرَ الْخَيْطَانِ.
وَأَمَّا الْغَسْلُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نَقْضِ مَا اشْتَدَّ ضَفْرُهُ وَلَوْ بِنَفْسِهِ بِحَيْثُ لَا يُظَنُّ سَرَيَانُ الْمَاءِ فِي خِلَالِهِ كَالْمَضْفُورِ بِخُيُوطٍ كَثِيرَةٍ.
وَأَدْخَلَ الْمَاسِحُ يَدَهُ وُجُوبًا تَحْتَ الشَّعْرِ الْمُسْتَطِيلِ فِي رَدِّ الْمَسْحِ إذْ لَا يَحْصُلُ التَّعْمِيمُ إلَّا بِهِ.
وَمَحَلُّ قَوْلِهِمْ: الرَّدُّ سُنَّةٌ، أَيْ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، ذَكَرَهُ الْأُجْهُورِيُّ.
وَرَدَّ: بِأَنَّ جَمِيعَ نُصُوصِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ بَعْدَ مَسْحِ ظَاهِرِ الشَّعْرِ أَوَّلًا سُنَّةٌ، وَلَا يَجِبُ رَدٌّ أَصْلًا.

(وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ بِالْكَعْبَيْنِ النَّاتِئَيْنِ بِمِفْصَلَيْ السَّاقَيْنِ مَعَ تَعَهُّدِ مَا تَحْتَهُمَا كَأُخْمُصَيْهِ، وَنُدِبَ تَخْلِيلُ أَصَابِعِهِمَا) : الْفَرِيضَةُ الرَّابِعَةُ: غَسْلُ جَمِيعِ الرِّجْلَيْنِ، أَيْ الْقَدَمَيْنِ مَعَ إدْخَالِ الْكَعْبَيْنِ فِي الْغَسْلِ؛ وَهُمَا الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ أَيْ الْبَارِزَانِ أَسْفَلَ السَّاقِ

[حاشية الصاوي]

الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ: اشْتَدَّ أَمْ لَا.
وَبِخَيْطٍ أَوْ بِخَيْطَيْنِ إنْ اشْتَدَّ فِيهِمَا نُقِضَ وَإِلَّا فَلَا.
وَبِنَفْسِهِ لَا يُنْقَضُ فِي الْوُضُوءِ مُطْلَقًا، وَيُنْقَضُ فِي الْغُسْلِ إنْ اشْتَدَّ، لَا فَرْقَ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، قَالَ شَيْخُنَا الْجَدَّاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنْ فِي ثَلَاثِ الْخَيْطِ يُضَفَّرُ الشَّعْرُ ... فَنَقْضُهُ فِي كُلِّ حَالٍ قَدْ ظَهَرَ وَفِي أَقَلَّ إنْ يَكُنْ ذَا شَدَّهُ ... فَالنَّقْضُ فِي الطُّهْرَيْنِ صَارَ عَمْدَهُ وَإِنْ خَلَا عَنْ الْخُيُوطِ أَبْطَلَهُ ... فِي الْغُسْلِ إنْ شَدَّ وَإِلَّا أَهْمَلَهُ تَنْبِيهٌ: يَنْفَعُ النِّسَاءَ فِي الْوُضُوءِ تَقْلِيدُ الشَّافِعِيِّ أَوْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي الْغُسْلِ تَقْلِيدُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ يَكْتَفِي فِي الْغُسْلِ بِوُصُولِ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ الْمُسْتَرْخِيَ مِنْ الشَّعْرِ.
بَلْ لَوْ كَانَ الْمُسْتَرْخِي جَافًّا عِنْدَهُ فَلَا ضَرَرَ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ.
قَوْلُهُ: [وَاغْتُفِرَ الْخَيْطَانِ] : أَيْ إنْ لَمْ يَشْتَدَّ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَجِبُ رَدٌّ أَصْلًا] : وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّرْقَانِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ لَهُ حُكْمَ الْبَاطِنِ، وَالْمَسْحُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ.
وَمَحَلُّ كَوْنِ الرَّدِّ سُنَّةً وَلَوْ فِي الشَّعْرِ الطَّوِيلِ - إذَا بَقِيَ بِيَدِهِ بَلَلٌ مِنْ الْمَسْحِ الْوَاجِبِ، فَإِنْ بَقِيَ مَا يَكْفِي فِي الرَّدِّ هَلْ يُسَنُّ بِقَدْرِ الْبَلَلِ فَقَطْ - وَهُوَ الظَّاهِرُ - أَوْ يَسْقُطُ؟ (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) . فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمُصَنِّفُ مَشَى عَلَى كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ، وَقَدْ ظَهَرَ لِلشَّارِحِ ضَعْفُهُ.

قَوْلُهُ: [بِالْكَعْبَيْنِ] : الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ بِمَعْنَى مَعَ، بِخِلَافِهَا فِي قَوْلِهِ: [بِمَفْصِلَيْ السَّاقَيْنِ] ، فَإِنَّهَا لِلظَّرْفِيَّةِ بِمَعْنَى: فِي.

تَحْتَهُمَا مَفْصِلُ السَّاقِ، وَالْمَفْصِلُ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ - وَاحِدُ الْمَفَاصِلِ.
وَبِالْعَكْسِ اللِّسَانُ.
وَيَجِبُ تَعَهُّدُ مَا تَحْتَهُمَا كَالْعُرْقُوبِ وَالْأَخْمُصِ - وَهُوَ بَاطِنُ الْقَدَمِ - بِالْغَسْلِ، وَكَذَا سَائِرُ الْمَغَابِنِ.
وَيُنْدَبُ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، يَبْدَأُ نَدْبًا بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى، وَيَخْتِمُ بِإِبْهَامِهَا مِنْ أَسْفَلِهَا بِسَبَّابَتِهِ، ثُمَّ يَبْدَأُ بِإِبْهَامِ الْيُسْرَى وَيَخْتِمُ بِخِنْصَرِهَا كَذَلِكَ، وَالدَّلْكُ بِالْيَدِ الْيُسْرَى.

(وَدَلْكٌ خَفِيفٌ بِيَدٍ) : الْفَرِيضَةُ الْخَامِسَةُ: الدَّلْكُ: وَهُوَ إمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْعُضْوِ وَلَوْ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَاحِدُ الْمَفَاصِلِ] : هُوَ مَجْمَعُ مَفْصِلِ السَّاقِ مِنْ الْقَدَمِ، وَالْعَقِبُ تَحْتَهُ.
قَوْلُهُ: [كَالْعُرْقُوبِ] : هُوَ مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ، وَمُرَادُهُ بِالْعُرْقُوبِ مَا يَشْمَلُ الْعَقِبَ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» . قَوْلُهُ: [وَيُنْدَبُ تَخْلِيلُ] إلَخْ: أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ التَّخْلِيلِ فِي الرِّجْلَيْنِ كَالْيَدَيْنِ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قِيلَ بِوُجُوبِهِ فِيهِمَا وَنَدْبِهِ فِيهِمَا.
وَالْمَشْهُورُ الْوُجُوبُ فِي الْيَدَيْنِ وَالنَّدْبُ فِي الرِّجْلَيْنِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ فِي الْيَدَيْنِ لِعَدَمِ شِدَّةِ الْتِصَاقِهِمَا بِخِلَافِ الرِّجْلَيْنِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ أَسْفَلِهَا] إلَخْ: مَنْدُوبٌ ثَانٍ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَلَا يُعِيدُ مُزِيلٌ كَاللِّحْيَةِ - عَلَى الرَّاجِحِ - وَلَوْ كَثِيفَةً، وَحُرِّمَ عَلَى الرَّجُلِ وَوَجَبَ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَكَذَا لَا يُعْتَبَرُ كَشْطُ جِلْدٍ، وَأَوْلَى قَلْمُ ظُفْرٍ وَحَلْقُ رَأْسٍ.
وَلَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ الْآنَ لِمَنْ عَادَتُهُ الْحَلْقُ (اهـ) . قَالَ فِي حَاشِيَته: لِأَنَّهُ صَارَ عَلَامَةً عَلَى دَعْوَى الْوَلَايَةِ، وَالْكَذِبُ فِيهَا يُخْشَى مِنْهُ سُوءُ الْخَاتِمَةِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى.

[الدلك وَالْمُوَالَاة فِي الْوُضُوء]

قَوْلُهُ: [وَدَلْكٌ] إلَخْ: هُوَ وَاجِبٌ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ وَصَلَ الْمَاءُ لِلْبَشَرَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ بِنَاءً

بَعْدَ صَبِّ الْمَاءِ قَبْلَ جَفَافِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْيَدِ: بَاطِنُ الْكَفِّ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ فَلَا يَكْفِي دَلْكُ الرِّجْلِ بِالْأُخْرَى، خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَا الدَّلْكُ بِظَاهِرِ الْيَدِ.
وَهَذَا فِي الْوُضُوءِ، وَأَمَّا فِي الْغُسْلِ فَيَكْفِي كَمَا سَيَأْتِي.
وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَيُكْرَهُ التَّشْدِيدُ وَالتَّكْرَارُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَمُّقِ فِي الدِّينِ الْمُؤَدِّي لِلْوَسْوَسَةِ.

(وَمُوَالَاةٌ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ) : الْفَرِيضَةُ السَّادِسَةُ: الْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِأَنْ لَا يَتَرَاخَى بَيْنَهُمَا.
وَالتَّعْبِيرُ (بِالْمُوَالَاةِ) أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْفَوْرِ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ الْعَجَلَةَ حِينَ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ.
وَمَحَلُّ وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ إنْ كَانَ ذَاكِرًا قَادِرًا عَلَيْهَا.
فَإِذَا فَرَّقَ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ اخْتِيَارًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا بَطَلَ مَا فَعَلَهُ مِنْ الْوُضُوءِ،

[حاشية الصاوي]

عَلَى دُخُولِهِ فِي مُسَمَّى الْغُسْلِ، وَإِلَّا كَانَ مُجَرَّدَ إفَاضَةٍ أَوْ غَمْسٍ.
إنْ قُلْت: حَيْثُ كَانَ الدَّلْكُ دَاخِلًا فِي مُسَمَّى الْغُسْلِ، فَفَرْضِيَّةُ الْغُسْلِ مُغْنِيَةٌ عَنْهُ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ؟ قُلْت: ذَكَرَهُ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُخَالِفِ الْقَوِيِّ الْقَائِلِ: إنَّهُ وَاجِبٌ لِإِيصَالِ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ، فَإِنْ وَصَلَ لَهَا بِدُونِهِ لَمْ يَجِبْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ إيصَالَ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ يُسَمَّى غَسْلًا (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ الْعَلَّامَةِ الْعَدَوِيِّ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ بَعْدَ صَبِّ الْمَاءِ] إلَخْ: أَيْ كَمَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِأَبِي الْحَسَنِ الْقَابِسِيِّ حَيْثُ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ مُقَارَنَةِ الْيَدِ لِلصَّبِّ.
قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ بِالْيَدِ] إلَخْ: هَذَا مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأُجْهُورِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ.
وَفِي (ب ن) نَقْلًا عَنْ الْمِسْنَاوِيِّ: أَنَّ الدَّلْكَ فِي الْوُضُوءِ كَالْغُسْلِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، فَيَكْفِي الدَّلْكُ بِأَيِّ عُضْوٍ كَانَ، أَوْ بِخِرْقَةٍ أَوْ بِحَكِّ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ بِالْأُخْرَى، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ وَمِنْ شَيْخِنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَضُرُّ إضَافَةُ الْمَاءِ بِسَبَبِ الدَّلْكِ حَيْثُ عَمَّ الْمَاءُ الْعُضْوَ حَالَةَ كَوْنِهِ طَهُورًا، إلَّا أَنْ يَتَجَسَّدَ الْوَسَخُ قَالَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ.

قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ بِمُرَادٍ] : أَيْ بَلْ الْمُرَادُ عَدَمُ التَّرَاخِي الَّذِي بِهِ الْجَفَافُ.
قَوْلُهُ: [قَادِرًا عَلَيْهَا] : قَيَّدَهَا الْمُصَنَّف وَالشَّارِحُ بِالْقُدْرَةِ تَبَعًا لِخَلِيلٍ، وَهُوَ

وَأَعَادَهُ بِالنِّيَّةِ.
وَإِنْ فَرَّقَ نَاسِيًا كَوْنَهُ فِي وُضُوءٍ، أَوْ عَاجِزًا عَنْهَا، فَفِيهِ تَفْصِيلٌ أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَبَنَى النَّاسِي مُطْلَقًا بِنِيَّةِ الْإِتْمَامِ كَالْعَاجِزِ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ، وَإِلَّا بَنَى مَا لَمْ يُطِلْ بِجَفَافِ عُضْوٍ وَزَمَنٍ اعْتَدَلَا كَالْعَامِدِ) : يَعْنِي أَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَعْضَاءِ نَاسِيًا كَوْنَهُ فِي وُضُوءٍ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَا فَعَلَ طَالَ الزَّمَنُ أَوْ لَمْ يَطُلْ، وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ، بِنِيَّةِ إتْمَامِ وُضُوئِهِ وَهُوَ مَعْنَى الْإِطْلَاقِ.
وَأَمَّا لَوْ فَرَّقَ عَاجِزًا عَنْ إكْمَالِ الْوُضُوءِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفْرِطًا فِي أَسْبَابِ الْعَجْزِ؛ كَمَا لَوْ أَعَدَّ مَاءً كَافِيًا لِوُضُوئِهِ فَأُهْرِيقَ مِنْهُ،

[حاشية الصاوي]

الْمَشْهُورُ، وَإِنْ نَازَعَهُ (ر) وَغَيْرُهُ.
وَقِيلَ: سُنَّةٌ وَعَلَيْهِ إنْ فَرَّقَ نَاسِيًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَكَذَا عَامِدًا عَلَى مَا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ.
وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: يُعِيدُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ أَبَدًا، كَتَرْكِ سُنَّةٍ مِنْ سُنَّتِهَا عَمْدًا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالثَّانِي لَا تَبْطُلُ (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَأَعَادَهُ بِالنِّيَّةِ] : أَيْ ابْتَدَأَهُ وُجُوبًا إنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَبْنِي] إلَخْ: أَيْ إنْ شَاءَ، لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَةِ الَّتِي لَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، فَالْمُتَوَضِّئُ مُخَيَّرٌ فِي إتْمَامِ الْوُضُوءِ وَتَرْكِهِ، حَصَلَ نِسْيَانٌ أَمْ لَا.
فَيَجُوزُ لَهُ رَفْضُ النِّيَّةِ وَيَبْتَدِئُهُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: صَلَاةٌ وَصَوْمٌ ثُمَّ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ ... طَوَافٌ عُكُوفٌ وَائْتِمَامٌ تَحَتَّمَا وَفِي غَيْرِهَا كَالطُّهْرِ وَالْوَقْفِ خُيِّرْنَ ... فَمَنْ شَاءَ فَلِيَقْطَعْ وَمَنْ شَاءَ تَمَّمَا وَلِابْنِ كَمَالٍ بَاشَا مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: مِنْ النَّوَافِلِ سَبْعٌ تَلْزَمُ الشَّارِعَ ... أَخْذًا لِذَلِكَ مِمَّا قَالَهُ الشَّارِعُ صَوْمٌ صَلَاةٌ عُكُوفٌ حَجُّهُ الرَّابِعُ ... طَوَافُهُ عُمْرَةٌ إحْرَامُهُ السَّابِعُ فَأَرَادَ الْإِحْرَامَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَالدُّخُولَ مَعَهُمْ.
وَهُوَ الِائْتِمَامُ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ، وَيَجِبُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِالشُّرُوعِ أَيْضًا، قَالَ الْمُحَلَّى وَإِنَّمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ طَلَبُ الْكِفَائِيّ بِالشُّرُوعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ عِبَادَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
قَوْلُهُ: [بِنِيَّةِ إتْمَامٍ] إلَخْ: أَيْ بِتَجْدِيدِ نِيَّةٍ.
لِأَنَّ النِّيَّةَ الْأُولَى ذَهَبَتْ بِخِلَافِ الْعَاجِزِ فَنِيَّتُهُ حَاضِرَةٌ حُكْمًا فَلَا يَحْتَاجُ لِتَجْدِيدٍ.
قَوْلُهُ: [كَمَا لَوْ أَعَدَّ مَاءً كَافِيًا] : أَيْ تَحْقِيقًا.

أَوْ غُصِبَ أَوْ أُكْرِهَ عَلَى عَدَمِ الْإِتْمَامِ فَإِنَّهُ يَبْنِي كَالنَّاسِي مُطْلَقًا طَالَ أَوْ لَمْ يَطُلْ - وَإِنْ كَانَ مُفْرِطًا - كَمَا لَوْ أَعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يَكْفِيهِ وَلَوْ ظَنًّا وَلَمْ يَكْفِهِ - فَإِنَّهُ: يَبْنِي عَلَى مَا فَعَلَ مَا لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ، وَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْعَامِدِ الْمُخْتَارِ؛ كَاَلَّذِي يَغْسِلُ بَعْضَ الْأَعْضَاءِ بِمَكَانٍ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ لِتَكْمِيلِهِ بِمَكَانٍ آخَرَ، أَوْ اسْتَمَرَّ فِي مَكَانِهِ تَارِكًا لِتَكْمِيلِ وُضُوئِهِ قَصْدًا بِلَا رَفْضٍ.
فَإِنْ طَالَ ابْتَدَأَ وُضُوءَهُ وُجُوبًا لِعَدَمِ الْمُوَالَاةِ.
وَالطُّولُ يُقَدَّرُ بِجَفَافِ الْعُضْوِ الْأَخِيرِ فِي الزَّمَنِ الْمُعْتَدِلِ؛ أَيْ الَّذِي لَا حَرَارَةَ بِهِ وَلَا بُرُودَةَ وَلَا شِدَّةَ هَوَاءٍ.
وَيُعْتَبَرُ أَيْضًا اعْتِدَالُ الْعُضْوِ، أَيْ تَوَسُّطُهُ بَيْنَ الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ، احْتِرَازًا مِنْ عُضْوِ الشَّابِّ وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ السِّنِّ.
وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ اعْتِدَالِ الْمَكَانِ أَيْضًا بِأَنْ لَا يَكُونَ الْقُطْرُ حَارًّا وَلَا بَارِدًا.
(وَأَتَى بِالْمَنْسِيِّ فَقَطْ إنْ طَالَ، وَإِلَّا أَعَادَ مَا بَعْدَهُ لِلتَّرْتِيبِ) : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ أُكْرِهَ عَلَى عَدَمِ الْإِتْمَامِ] : أَيْ أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَكْفِيهِ أَوْ سُرِقَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: [مُطْلَقًا] : بَيَانٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ لَكِنَّ النَّاسِيَ بِتَجْدِيدِ النِّيَّةِ بِخِلَافِ هَذَا لِمَا عَلِمْت.
فَجُمْلَةُ الصُّوَرِ الَّتِي يَبْنِي فِيهَا مُطْلَقًا خَمْسٌ غَيْرَ النَّاسِي.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ ظَنًّا] : مِنْ قِبَلِ الْمُبَالَغَةِ: الْجَزْمُ بِعَدَمِ الْكِفَايَةِ.
فَمَنْ أَعَدَّ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يَكْفِيهِ جَزْمًا أَوْ ظَنًّا يَبْنِي مَا لَمْ يَطُلْ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
وَأَوْلَى مِنْهُمَا فِي الْحُكْمِ مَنْ ظَنَّ الْكِفَايَةَ أَوْ شَكَّ فِيهَا.
وَمِثْلُ هَذِهِ الصُّوَرِ؛ الْمُفَرِّقُ عَمْدًا بِغَيْرِ نِيَّةِ رَفْضِ الْوُضُوءِ.
فَتَحَصَّلَ أَنَّ الصُّوَرَ الَّتِي يَبْنِي فِيهَا - مَا لَمْ يُطِلْ - خَمْسٌ، وَالصُّوَرُ الَّتِي يَبْنِي فِيهَا - وَلَوْ طَالَ - سِتٌّ بِالنَّاسِي.
وَكُلُّهَا تُؤْخَذُ مِنْ الْمَتْنِ فَتُؤْخَذُ السِّتُّ الَّتِي يَبْنِي فِيهَا مُطْلَقًا مِنْ قَوْلِهِ: [وَبَنَى النَّاسِي مُطْلَقًا بِنِيَّةِ إتْمَامِ الْوُضُوءِ كَالْعَاجِزِ إنْ لَمْ يُفَرِّطْ] . وَتُؤْخَذُ الْخَمْسُ الَّتِي يَبْنِي فِيهَا مَا لَمْ يُطِلْ مِنْ قَوْلِهِ: [وَإِلَّا بَنَى مَا لَمْ يُطِلْ] ، وَقَوْلِهِ: [كَالْعَامِدِ] . وَقَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: مَنْ عَلِمَ عَدَمَ الْكِفَايَةِ أَوْ ظَنَّهَا فَلَا يَبْنِي وَلَوْ قَرَّبَ لِلتَّلَاعُبِ وَالدُّخُولِ عَلَى الْفَسَادِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ اعْتِدَالِ الْمَكَانِ] : كَمَا عَزَاهُ الْفَاكِهَانِيُّ لِابْنِ حَبِيبٍ.
قَوْلُهُ: [هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ تَعَلُّقَاتِ] إلَخْ: فَلِذَلِكَ قَدَّمَهَا هُنَا، وَإِنْ ذَكَرَهَا

مِنْ تَعَلُّقَاتِ التَّرْكِ لِبَعْضِ الْأَعْضَاءِ نِسْيَانًا.
وَحَاصِلُهَا: أَنَّ مَنْ فَعَلَ بَعْضَ الْأَعْضَاءِ وَتَرَكَ جَمِيعَ مَا بَعْدَهُ، كَمَا لَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ وَتَرَكَ الْبَاقِيَ نِسْيَانًا مِنْهُ، بِأَنْ ذَهِلَ عَنْ كَوْنِهِ يَتَوَضَّأُ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ الْبَاقِيَ بِنِيَّةٍ، طَالَ أَوْ لَمْ يَطُلْ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا لَوْ تَرَكَ عُضْوًا أَوْ لُمْعَةً فِي أَثْنَاءِ وُضُوئِهِ نِسْيَانًا وَتَمَّمَ بَقِيَّةَ الْأَعْضَاءِ مُعْتَقِدًا الْكَمَالَ، ثُمَّ تَذَكَّرَ الْمَتْرُوكَ، كَمَا لَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ وَتَرَكَ إحْدَى الْيَدَيْنِ نَاسِيًا وَفَعَلَ بَقِيَّةَ الْأَعْضَاءِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَوْ نَبَّهَهُ أَحَدٌ، فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَطُولَ الزَّمَنُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، أَوْ لَا.
فَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ اقْتَصَرَ عَلَى فِعْلِ الْمَنْسِيِّ وَلَا يُعِيدُ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ.
وَإِنْ لَمْ يَطُلْ - بِأَنْ لَمْ تَجِفَّ الْأَعْضَاءُ - فَعَلَ الْمَنْسِيَّ وَأَعَادَ مَا بَعْدَهُ اسْتِنَانًا لِأَجْلِ تَحْصِيلِ سُنَّةِ التَّرْتِيبِ، فَهِيَ مُلَاحَظَةٌ عِنْدَ عَدَمِ الطُّولِ.

(وَنِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ فِي ابْتِدَائِهِ أَوْ اسْتِبَاحَةِ مَا مَنَعَهُ أَوْ أَدَاءِ الْفَرْضِ) : الْفَرِيضَةُ

[حاشية الصاوي]

خَلِيلٌ فِي السُّنَنِ.
قَوْلُهُ: [كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ] : أَيْ مِنْ مَسْأَلَةِ الْبِنَاءِ نِسْيَانًا، فَإِنْ كَانَ صَلَّى أَعَادَ الصَّلَاةَ بَعْدَ إتْمَامِ الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا لَوْ تَرَكَ عُضْوًا] إلَخْ: شُرُوعٌ فِي مَعْنَى الْمُصَنِّفِ هُنَا.
قَوْلُهُ: [كَمَا لَوْ غَسَلَ وَجْهَهُ] إلَخْ: مِثَالٌ لِتَرْكِ الْعُضْوِ وَلَمْ يُمَثِّلْ لِتَرْكِ اللُّمْعَةِ وَهِيَ كَمَنْ تَرَكَ بَعْضَ وَجْهِهِ أَوْ غَيْرَهُ.
قَوْلُهُ: [عَلَى مَا تَقَدَّمَ] : أَيْ مِنْ قَوْلِهِ: [بِجَفَافِ عُضْوٍ وَزَمَنٍ اعْتَدَلَا] . قَوْلُهُ: [اقْتَصَرَ عَلَى فِعْلِ الْمَنْسِيِّ] : أَيْ أَتَى بِهِ وَحْدَهُ بِنِيَّةِ إكْمَالِ الْوُضُوءِ، وَيُثَلِّثُهُ إنْ كَانَ مِمَّا يُثَلَّثُ.
قَوْلُهُ: [اسْتِنَانًا] : وَقِيلَ نَدْبًا.
وَيُعِيدُهُ مَرَّةً إنْ فَعَلَهُ أَوَّلًا مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، وَإِلَّا فِيمَا يُكْمِلُ الثَّلَاثَ، وَهَذَا فِي تَرْكِ الْعُضْوِ أَوْ اللُّمْعَةِ نِسْيَانًا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِمَّا عَمْدًا أَوْ عَجْزًا، فَإِنْ لَمْ يُطِلْ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ وُجُوبًا وَبِمَا بَعْدَهُ اسْتِنَانًا أَوْ نَدْبًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّسْيَانِ، وَإِنْ طَالَ فَفِي الْحَقِيقَةِ يَأْتِي بِهِ وَحْدَهُ، وَفِي الْعَمْدِ وَالْعَجْزِ الْحُكْمِيِّ يَبْتَدِئُ الْوُضُوءَ لِبُطْلَانِهِ.

[النِّيَّة فِي الْوُضُوء]

[تَنْبِيه النِّيَّة لَوْ تَقَدَّمَتْ كَثِيرًا]

قَوْلُهُ: [فِي ابْتِدَائِهِ] : هُوَ مَعْنَى قَوْلِ غَيْرِهِ عِنْدَ أَوَّلِ مَغْسُولٍ.
قَوْلُهُ: [أَوْ اسْتِبَاحَةٍ] إلَخْ: بَيَانٌ لِكَيْفِيَّةِ النِّيَّةِ، فَكَيْفِيَّتُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ كَمَا قَالَ

السَّابِعَةُ: النِّيَّةُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ كَغَسْلِ الْوَجْهِ، بِأَنْ يَنْوِيَ بِقَلْبِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، أَيْ الْمَنْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْأَعْضَاءِ أَوْ اسْتِبَاحَةِ مَا مَنَعَهُ الْحَدَثُ أَوْ يَقْصِدُ أَدَاءَ فَرْضِ الْوُضُوءِ.
وَالْأَوْلَى تَرْكُ التَّلَفُّظِ بِذَلِكَ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ النِّيَّةِ الْقَصْدُ بِالْقَلْبِ لَا عَلَاقَةَ لِلِّسَانِ بِهَا.
(وَإِنْ مَعَ نِيَّةِ رَفْعِ الْخَبَثِ، أَوْ إخْرَاجِ بَعْضِ مَا يُبَاحُ) : يُشِيرُ إلَى أَنَّ النِّيَّةَ تَكْفِي وَلَوْ صَاحَبَهَا نِيَّةُ رَفْعِ حُكْمِ الْخَبَثِ الْكَائِنِ عَلَى الْعُضْوِ، أَوْ إخْرَاجِ بَعْضِ مَا يُبَاحُ بِالْوُضُوءِ؛ كَأَنْ يَنْوِيَ بِهِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ لَا مَسَّ الْمُصْحَفِ أَوْ صَلَاةَ الظُّهْرِ لَا الْعَصْرِ.
وَجَازَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا أَخْرَجَهُ لِأَنَّ حَدَثَهُ قَدْ ارْتَفَعَ بِاعْتِبَارِ مَا قَصَدَهُ.
(بِخِلَافِ نِيَّةِ مُطْلَقِ الطَّهَارَةِ أَوْ إخْرَاجِ نَاقِضٍ، أَوْ نِيَّةِ إنْ كُنْت أَحْدَثْت، فَلَهُ) : يَعْنِي إذَا نَوَى مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ الشَّامِلَةِ لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، أَيْ مِنْ حَيْثُ حُصُولُهَا

[حاشية الصاوي]

الْمُصَنِّفُ، وَهِيَ: نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ، أَوْ اسْتِبَاحَةِ مَا مَنَعَهُ، أَوْ أَدَاءِ الْفَرْضِ.
وَيُرِيدُ بِهِ مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ لِيَشْمَلَ وُضُوءَ الصَّبِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَ [أَوْ] فِي كَلَامِهِ مَانِعَةُ خُلُوٍّ، فَتُجَوِّزُ الْجَمْعَ.
بَلْ الْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فِي قَصْدِهِ أَوْ لَفْظِهِ إنْ لُفِظَ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ خِلَافَ الْأَوْلَى كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [أَيْ الْمَنْعُ] إلَخْ: هُوَ أَحَدُ مَعْنَيَيْنِ لِلْحَدَثِ هُنَا، وَالثَّانِي الصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ.
وَالْمُرَادُ بِرَفْعِ الْمَنْعِ: رَفْعُ تَعَلُّقِهِ بِالشَّخْصِ، فَيَرْجِعُ لِرَفْعِ الصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [مَا مَنَعَهُ الْحَدَثُ] : أَيْ فِعْلًا مَنَعَهُ إلَخْ مَنْعَ تَحْرِيمٍ أَوْ كَرَاهَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَعْرِيفِ الطَّهَارَةِ.
قَوْلُهُ: [الْقَصْدُ] : أَيْ إلَى الْعِبَادَةِ الْمُعَيَّنَةِ، فَأَفَادَ الشَّارِحُ حَقِيقَتَهَا وَكَيْفِيَّتَهَا.
وَأَمَّا زَمَنُهَا: فَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: [عِنْدَ ابْتِدَاءِ] الْوُضُوءِ.
وَالْمَحَلُّ: مِنْ قَوْلِهِ: [بِقَلْبِهِ] . وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا وَهُوَ تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْعَادَاتِ، وَبَعْضِ الْعِبَادَاتِ عَنْ بَعْضٍ: مِنْ قَوْلِهِ: [الْقَصْدُ بِالْقَلْبِ] . وَالْحُكْمُ: مِنْ عَدِّهَا مِنْ الْفَرَائِضِ.
وَالشَّرْطُ: أَنْ لَا يَأْتِيَ بِمُنَافٍ.
وَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ أَوْ: [إخْرَاجُ نَاقِضٍ] إلَخْ، وَقَدْ جَمَعَ الْعَلَّامَةُ التَّتَّائِيُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِقَوْلِهِ: سَبْعُ سُؤَالَاتٍ أَتَتْ فِي نِيَّةٍ ... تُلْقَى لِمَنْ حَاوَلَهَا بِلَا وَسَنْ حَقِيقَةٌ حُكْمٌ مَحَلٌّ وَزَمَنٌ ... كَيْفِيَّةٌ شَرْطٌ وَمَقْصُودٌ حَسَنْ قَوْلُهُ: [وَإِنْ مَعَ نِيَّةٍ] إلَخْ: وَمِثْلُهُ نِيَّةُ التَّبَرُّدِ أَوْ التَّدَفِّي أَوْ النَّظَافَةِ.

فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّهَا لَا تَكْفِي لِحُصُولِ التَّرَدُّدِ فِي الْحَقِيقَةِ.
وَأَمَّا لَوْ نَوَى مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ لَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، فَالظَّاهِرُ الْإِجْزَاءُ كَمَا قَالَ سَنَدٌ، لِأَنَّ فِعْلَهُ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ رَفْعِ الْحَدَثِ.
وَكَذَا لَا تُجْزِئُ نِيَّةُ الْوُضُوءِ مَعَ إخْرَاجِ حَدَثٍ نَاقِضٍ، كَأَنْ يَقُولَ: نَوَيْت الْوُضُوءَ مِنْ غَيْرِ الْبَوْلِ، أَوْ: إلَّا مِنْ الْبَوْلِ، أَوْ: نَوَيْته مِنْ الْغَائِطِ لَا مِنْ الْبَوْلِ، وَكَذَا لَا تُجْزِئُ إذَا حَصَلَ عِنْدَهُ شَكٌّ فِي وُضُوئِهِ: إنْ كُنْت أَحْدَثْت فَهَذَا الْوُضُوءُ لِذَلِكَ الْحَدَثِ، لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ جَازِمَةٍ.
(وَلَا يَضُرُّ عُزُوبُهَا، بِخِلَافِ الرَّفْضِ فِي الْأَثْنَاءِ، لَا بَعْدَهُ، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ) : أَيْ أَنَّ عُزُوبَ النِّيَّةِ: أَيْ ذَهَابَهَا بَعْدَ أَنْ أَتَى بِهَا فِي أَوَّلِهِ - بِأَنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْهَا عِنْدَ فِعْلِ غَيْرِ الْفَرْضِ الْأَوَّلِ - لَا يَضُرُّ فِي الْوُضُوءِ.
بِخِلَافِ الرَّفْضِ: أَيْ الْإِبْطَالِ فِي أَثْنَائِهِ بِأَنْ يُبْطِلَ مَا فَعَلَهُ مِنْهُ، كَأَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ: أَبْطَلْت وُضُوئِي، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ عَلَى الرَّاجِحِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ ابْتِدَاؤُهُ إنْ أَرَادَ بِهِ صَلَاةً وَنَحْوَهَا.
بِخِلَافِ رَفْضِهِ بَعْدَ إتْمَامِهِ، فَلَا يَضُرُّ.
وَجَازَ لَهُ أَنْ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [غَيْرُ مُعَيَّنٍ] : أَيْ بِحَيْثُ صَارَ صَادِقًا بِالْحَدَثِ وَالْخَبَثِ أَوْ بِالْخَبَثِ فَقَطْ أَوْ بِالْحَدَثِ فَقَطْ، فَالضَّرَرُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [كَمَا قَالَ سَنَدٌ] : وَمِثْلُهُ إذَا نَوَى الطَّهَارَةَ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقِهَا فِي الْحَدَثِ، فَالْإِجْزَاءُ فِي صُورَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ غَيْرِ الْبَوْلِ] : أَيْ مَعَ حُصُولِ الْبَوْلِ مِنْهُ، فَلَا ضَرَرَ لِأَنَّهُ الْوَاقِعُ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا مِنْ الْبَوْلِ] : أَيْ وَقَدْ حَصَلَ مِنْهُ كَغَيْرِهِ أَيْضًا وَإِلَّا فَلَا ضَرَرَ كَمَا عَلِمْت.
قَوْلُهُ: [لَا مِنْ الْبَوْلِ] : أَيْ وَقَدْ خَرَجَ مِنْهُ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ بَاطِلٌ، حَصَلَ مِنْهُ مَا نَوَاهُ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: [لِعَدَمِ الْجَزْمِ] : أَيْ لِأَنَّ النِّيَّةَ مُتَرَدِّدَةٌ لِكَوْنِهِ عَلَّقَهَا عَلَى حَدَثٍ مُحْتَمَلٍ، وَإِنْ كَانَ الشَّكُّ نَاقِضًا - إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْهُ فِي نِيَّتِهِ فَلَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى عَدَمِ نَقْضِ الشَّكِّ وِفَاقًا لِلْحَطَّابِ.
وَأَمَّا لَوْ شَكَّ فِي الْوُضُوءِ، وَنَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ مِمَّا شَكَّ فِيهِ فَيَرْتَفِعُ قَطْعًا.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَضُرُّ عُزُوبُهَا] إلَخْ.
يُقَيَّدُ بِمَا إذَا لَمْ يَأْتِ بِنِيَّةٍ مُضَادَّةٍ كَنِيَّةِ الْفَضِيلَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
وَيُقَيَّدُ بِمَا إذَا لَمْ يَعْتَقِدْ فِي الْأَثْنَاءِ انْقِضَاءَ الطَّهَارَةِ وَكَمَالَهَا، وَيَكُونُ قَدْ تَرَكَ بَعْضَهَا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ فَلَا يُجْزِي: انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ

يُصَلِّيَ بِهِ، إذْ لَيْسَ مِنْ نَوَاقِضِهِ إبْطَالُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ.
وَمِثْلُ الْوُضُوءِ الْغُسْلُ.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ فَيُرْتَفَضَانِ فِي الْأَثْنَاءِ قَطْعًا، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ فِي الصَّوْمِ لَا بَعْدَ تَمَامِهَا عَلَى أَظْهَرْ الْقَوْلَيْنِ الْمُرَجَّحَيْنِ.
وَأَمَّا الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَلَا يُرْتَفَضَانِ مُطْلَقًا وَيَرْتَفِضُ التَّيَمُّمُ مُطْلَقًا مَا لَمْ يُصَلِّ بِهِ، لِضَعْفِهِ.

(وَسُنَنُهُ: غَسْلُ يَدَيْهِ إلَى كُوعَيْهِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ، إنْ أَمْكَنَ

[حاشية الصاوي]

نَقْلًا عَنْ (ب ن) . قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ] : أَيْ وَمِثْلُهُمَا الِاعْتِكَافُ لِاحْتِوَائِهِ عَلَيْهِمَا.
بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ؛ وَهُوَ أَنَّ رَفْضَ الْوُضُوءِ جَائِزٌ، كَمَا يَجُوزُ الْقُدُومُ عَلَى الْمَسِّ، وَإِخْرَاجِ الرِّيحِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَفِي الْحَجِّ نَظَرٌ، وَأَمَّا الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ وَالِاعْتِكَافُ فَالْحُرْمَةُ، وَبَعْضُ الشُّيُوخِ فَرَّقَ بَيْنَ الرَّفْضِ وَنَقْضِ الْوُضُوءِ فَمَنَعَ الْأَوَّلَ دُونَ الثَّانِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] وَالْوُضُوءُ عَمَلٌ، قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْمَالِ الْمَقَاصِدُ لَا الْوَسَائِلُ، وَحِينَئِذٍ فَرَفْضُ الْوُضُوءِ كَنَقْضِهِ جَائِزٌ، وَاسْتَظْهَرَهُ الشَّبْرَخِيتِيُّ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ تَقَدَّمَتْ النِّيَّةُ بِكَثِيرٍ تَضُرُّ اتِّفَاقًا، وَفِي تَقَدُّمِهَا بِيَسِيرٍ خِلَافٌ، وَأَمَّا تَأَخُّرُهَا فَيَضُرُّ مُطْلَقًا لِخُلُوِّ بَعْضِهِ عَنْ النِّيَّةِ، فَيَكُونُ فِي الْحَقِيقَةِ أَوَّلُ الْوُضُوءِ مَا نَوَى عِنْدَهُ.

[سُنَن الْوُضُوء]

قَوْلُهُ: [غَسْلُ يَدَيْهِ] : أَيْ تَعَبُّدًا، كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ مَعْقُولُ الْمَعْنَى وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ: «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي إنَائِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» ، فَتَعْلِيلُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَعْقُولٌ، وَاحْتَجَّ ابْنُ الْقَاسِمِ لِلتَّعَبُّدِ بِالتَّحْدِيدِ بِالثَّلَاثِ، إذْ لَا مَعْنَى لَهُ إلَّا ذَلِكَ، وَحَمَلَهُ أَشْهَبُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي النَّظَافَةِ (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . [قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقِيلَ: السُّنَّةُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْغَسْلِ خَارِجَ الْإِنَاءِ مُطْلَقًا سَوَاءً تَوَضَّأَ مِنْ نَهْرٍ أَوْ حَوْضٍ أَوْ إنَاءٍ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا.

الْإِفْرَاغُ، وَإِلَّا أَدْخَلَهُمَا فِيهِ كَالْكَثِيرِ وَالْجَارِي، وَنُدِبَ تَفْرِيقُهُمَا) لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى فَرَائِضِ الْوُضُوءِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى سُنَنِهِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ: السُّنَّةُ الْأُولَى: غَسْلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا إلَى كُوعَيْهِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ.
فَإِنْ أَدْخَلَهُمَا فِيهِ وَغَسَلَهُمَا فِيهِ لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالسُّنَّةِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى الْغَسْلِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ قَلِيلًا كَآنِيَةِ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ، وَأَمْكَنَ الْإِفْرَاغُ مِنْهُ كَالصَّحْفَةِ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ جَارٍ.
فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا أَوْ جَارِيًا أَوْ لَمْ يُمْكِنْ الْإِفْرَاغُ مِنْهُ كَالْحَوْضِ الصَّغِيرِ، أَدْخَلَهُمَا فِيهِ - إنْ كَانَتَا نَظِيفَتَيْنِ أَوْ غَيْرَ نَظِيفَتَيْنِ - وَلَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَاءُ بِإِدْخَالِهِمَا فِيهِ، وَإِلَّا تَحَيَّلَ عَلَى غَسْلِهِمَا خَارِجَهُ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا تَرَكَهُ وَتَيَمَّمَ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، لِأَنَّهُ كَعَادِمِ الْمَاءِ.
وَهَلْ التَّثْلِيثُ وَالتَّفْرِيقُ - بِأَنْ يَغْسِلَ كُلَّ يَدٍ ثَلَاثًا عَلَى حِدَتِهَا - مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ؟ أَوْ يَكْفِي غَسْلُهُمَا مَرَّةً وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ مُسْتَحَبَّتَانِ وَلَوْ مُجْتَمِعَتَيْنِ؟ قَوْلَانِ.
الْأَرْجَحُ الِاكْتِفَاءُ قِيَاسًا عَلَى بَاقِي أَفْعَالِ الْوُضُوءِ الَّتِي يُطْلَبُ فِيهَا التَّثْلِيثُ.
وَلِذَا لَمْ نَذْكُرْ التَّثْلِيثَ فِي الْمَتْنِ، وَيُؤْخَذُ نَدْبُ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مِنْ قَوْلِنَا الْآتِي: (وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ) وَبَيَّنَّا هُنَا أَنَّ التَّفْرِيقَ مَنْدُوبٌ.
(وَمَضْمَضَةٌ وَاسْتِنْشَاقٌ، وَنُدِبَ فِعْلُ كُلٍّ بِثَلَاثِ غُرُفَاتٍ، وَمُبَالَغَةُ مُفْطِرٍ، وَاسْتِنْثَارٌ بِوَضْعِ أُصْبُعَيْهِ مِنْ الْيُسْرَى عَلَى أَنْفِهِ، وَمَسْحُ أُذُنَيْهِ ظَاهِرُهُمَا وَبَاطِنُهُمَا، وَتَجْدِيدُ مَائِهِمَا، وَرَدُّ مَسْحِ الرَّأْسِ إنْ بَقِيَ بَلَلٌ) : السُّنَّةُ الثَّانِيَةُ: الْمَضْمَضَةُ: وَهِيَ إدْخَالُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ وَخَضْخَضَتُهُ وَطَرْحُهُ.

[حاشية الصاوي]

قَوْله: [لَكِنْ بِشَرْطٍ] إلَخْ: أَيْ فَالشُّرُوطُ ثَلَاثَةٌ.
قَوْلُهُ: [وَالتَّفْرِيقُ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ طَلَبَ التَّفْرِيقِ هُوَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَغْسِلُهُمَا مَجْمُوعَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: [وَطَرْحُهُ] : أَيْ لَا إنْ شَرِبَهُ أَوْ تَرَكَهُ سَالَ مِنْ فَمِهِ فَلَا يُجْزِي، وَلَا إنْ أَدْخَلَهُ وَمَجَّهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيكٍ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.

وَالثَّالِثَةُ: الِاسْتِنْشَاقُ: وَهُوَ إدْخَالُ الْمَاءِ فِي الْأَنْفِ وَجَذْبُهُ بِنَفَسِهِ إلَى دَاخِلِ أَنْفِهِ.
وَنُدِبَ فِعْلُ كُلٍّ مِنْ هَاتَيْنِ السُّنَّتَيْنِ بِثَلَاثِ غُرُفَاتٍ؛ بِأَنْ يَتَمَضْمَضَ بِثَلَاثٍ ثُمَّ يَسْتَنْشِقَ بِثَلَاثٍ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ: " وَفِعْلُهُمَا بِسِتٍّ أَفْضَلُ ": أَيْ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَفْعَلَهُمَا بِثَلَاثِ غُرُفَاتٍ، يَتَمَضْمَضُ، وَيَسْتَنْشِقُ بِكُلِّ غُرْفَةٍ مِنْهَا، أَوْ بِغُرْفَتَيْنِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ.
وَجَازَ أَوْ إحْدَاهُمَا بِغُرْفَةٍ.
وَنُدِبَ لِلْمُفْطِرِ أَنْ يُبَالِغَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَإِيصَالِ الْمَاءِ إلَى الْحَلْقِ وَآخِرِ الْأَنْفِ، وَكُرِهَتْ الْمُبَالَغَةُ لِلصَّائِمِ لِئَلَّا يُفْسِدَ صَوْمَهُ.
فَإِنْ بَالَغَ وَوَصَلَ الْمَاءُ لِلْحَلْقِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
ثُمَّ لَا بُدَّ لِهَذِهِ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ مِنْ نِيَّةٍ بِأَنْ يَنْوِيَ بِهَا سُنَنَ الْوُضُوءِ، أَوْ يَنْوِيَ عِنْدَ غَسْلِ يَدَيْهِ أَدَاءَ الْوُضُوءِ احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ فَعَلَ مَا ذُكِرَ لِأَجْلِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ إزَالَةِ غُبَارٍ، ثُمَّ أَرَادَ الْوُضُوءَ، فَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهَا لِحُصُولِ السُّنَّةِ بِالنِّيَّةِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [كَمَا قَالَ] إلَخْ: أَيْ الشَّيْخُ خَلِيلٌ وَضَمِيرُ الِاثْنَيْنِ فِي كَلَامِهِ عَائِدٌ عَلَى الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ.
وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ خِلَافُ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ مُقَابِلٌ لِلنَّدَبِ.
وَقَوْلُهُ: [بِغُرْفَةٍ] : رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ قَبْلَهُ، أَيْ جَازَا مَعًا بِغُرْفَةٍ وَجَازَ أَحَدُهُمَا بِغُرْفَةٍ.
فَالْأَوَّلُ: كَأَنْ يَتَمَضْمَضَ بِغُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَسْتَنْشِقَ مِنْ تِلْكَ الْغُرْفَةِ الَّتِي تَمَضْمَضَ مِنْهَا ثَلَاثًا عَلَى الْوَلَاءِ وَيَتَمَضْمَضُ وَاحِدَةً وَيَسْتَنْشِقُ أُخْرَى، وَهَكَذَا مِنْ غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَالثَّانِي: كَأَنْ يَتَمَضْمَضَ بِغُرْفَةٍ ثَلَاثًا وَيَسْتَنْشِقَ بِأُخْرَى ثَلَاثًا، وَبَقِيَ صِفَةٌ أُخْرَى وَالظَّاهِرُ جَوَازُهَا وَهِيَ أَنْ يَتَمَضْمَضَ مِنْ غُرْفَة مَرَّتَيْنِ، وَالثَّالِثَةَ مِنْ ثَانِيَةٍ ثُمَّ يَسْتَنْشِقَ مِنْهَا ثُمَّ مَرَّةً يَسْتَنْشِقَ اثْنَتَيْنِ مِنْ غُرْفَة ثَالِثَةٍ (انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [ثُمَّ لَا بُدَّ لِهَذِهِ السُّنَنِ الثَّلَاثَةِ] : الْمُنَاسِبُ تَأْخِيرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ عَنْ سُنَّةِ الِاسْتِنْثَارِ.
وَيُبْدَلُ الثَّلَاثَةُ بِالْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ يُوهِمُ أَنَّ الِاسْتِنْثَارَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
بَلْ حُكْمُ الْأَرْبَعَةِ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: [لِحُصُولِ السُّنَّةِ بِالنِّيَّةِ] : اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ عِلَّةٌ لِلْإِعَادَةِ، فَ [الـ] فِي

الرَّابِعَةُ: الِاسْتِنْثَارُ: وَهُوَ دَفْعُ الْمَاءِ بِنَفَسِهِ مَعَ وَضْعِ أُصْبُعَيْهِ - السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى - عَلَى أَنْفِهِ كَمَا يَفْعَلُ فِي امْتِخَاطِهِ.
الْخَامِسَةُ: مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا.
السَّادِسَةُ: تَجْدِيدُ الْمَاءِ لَهُمَا.
السَّابِعَةُ: رَدُّ مَسْحِ الرَّأْسِ بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى بَلَلٌ مِنْ أَثَرِ مَسْحِ رَأْسِهِ، وَإِلَّا سَقَطَتْ سُنَّةُ الرَّدِّ.
(وَتَرْتِيبُ فَرَائِضِهِ؛ فَإِنْ نَكَّسَ أَعَادَ الْمُنَكَّسَ وَحْدَهُ إنْ بَعُدَ بِجَفَافٍ، وَإِلَّا فَمَعَ تَابِعِهِ) : السُّنَّةُ الثَّامِنَةُ: تَرْتِيبُ الْفَرَائِضِ الْأَرْبَعَةِ، بِأَنْ يُقَدِّمَ الْوَجْهَ عَلَى الْيَدَيْنِ، وَهُمَا عَلَى الرَّأْسِ ثُمَّ الرِّجْلَيْنِ.
وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَمَنْدُوبٌ، كَمَا يَأْتِي.
فَإِنْ نَكَّسَ، بِأَنْ قَدَّمَ فَرْضًا عَلَى مَوْضِعِهِ الْمَشْرُوعِ لَهُ، كَأَنْ غَسَلَ الْيَدَيْنِ قَبْلَ

[حاشية الصاوي]

السُّنَّةِ] لِلْجِنْسِ، فَيَشْمَلُ السُّنَنَ الْأَرْبَعَةَ.
قَوْلُهُ: [مَعَ وَضْعِ] إلَخْ: فَإِنْ لَمْ يَضَعْ أُصْبُعَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ.
وَلَا أَنْزَلَ الْمَاءَ مِنْ الْأَنْفِ بِالنَّفَسِ - وَإِنَّمَا نَزَلَ بِنَفْسِهِ - فَلَا يُسَمَّى اسْتِنْثَارًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ وَضْعَ الْأُصْبُعَيْنِ مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ، وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ.
قَوْلُهُ: [مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى] : هُوَ مُسْتَحَبٌّ كَخُصُوصِ السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ.
قَوْلُهُ: [ظَاهِرُهُمَا وَبَاطِنُهُمَا] : الظَّاهِرُ مَا يَلِي الرَّأْسَ وَالْبَاطِنُ مَا يَلِي الْوَجْهَ، لِأَنَّهَا خُلِقَتْ كَالْوَرْدَةِ ثُمَّ انْفَتَحَتْ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ.
قَوْلُهُ: [السَّادِسَةُ] إلَخْ: وَبَقِيَ لَهُمَا سُنَّةٌ أُخْرَى وَهِيَ مَسْحُ الصِّمَاخَيْنِ وَهُوَ الثُّقْبُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ رَأْسُ الْأُصْبُعِ مِنْ الْأُذُنِ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ نَقْلًا عَنْ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ يُونُسَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأَصْلُ.
لَكِنَّ الَّذِي يُفِيدُهُ التَّوْضِيحُ أَنَّ مَسْحَ الصِّمَاخَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ مَسْحِ الْأُذُنَيْنِ، لَا أَنَّهُ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَلِذَا تَرَكَهُ هُنَا وَعَدَّهَا ثَمَانِيَةً.
قَوْلُهُ: [رَدُّ مَسْحِ الرَّأْسِ] : أَيْ إلَى حَيْثُ بَدَأَ فَيَرُدُّ مِنْ الْمُؤَخَّرِ إلَى الْمُقَدَّمِ أَوْ عَكْسُهُ أَوْ مِنْ أَحَدِ الْفَوْدَيْنِ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا سَقَطَتْ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ التَّحْدِيدَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَكْرُوهَاتِ.
وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الرَّدَّ سُنَّةٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّعْرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ خِلَافًا لِمَنْ فَصَلَ.
قَوْلُهُ: [وَتَرْتِيبُ فَرَائِضِهِ] : أَيْ وَأَمَّا السُّنَنُ فِي أَنْفُسِهَا أَوْ مَعَ الْفَرَائِضِ، فَسَيَأْتِيَانِ

الْوَجْهِ أَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْيَدَيْنِ أَوْ قَبْلَ الْوَجْهِ، أَعَادَ الْمُنَكَّسَ اسْتِنَانًا وَحْدَهُ مَرَّةً وَلَا يُعِيدُ مَا بَعْدَهُ، إنْ طَالَ مَا بَيْنَ انْتِهَاءِ وُضُوئِهِ وَتَذَكُّرِهِ طُولًا مُقَدَّرًا بِجَفَافِ الْعُضْوِ الْأَخِيرِ فِي زَمَانٍ وَمَكَانٍ اعْتَدِلَا.
فَإِنْ لَمْ يُعِدْ فَعَلَهُ مَرَّةً فَقَطْ مَعَ تَابِعِهِ شَرْعًا فَلَوْ بَدَأَ بِذِرَاعَيْهِ ثُمَّ بِوَجْهِهِ فَرَأْسِهِ فَرِجْلَيْهِ، فَإِنْ تَذَكَّرَ بِالْقُرْبِ أَعَادَ الذِّرَاعَيْنِ مَرَّةً وَمَسَحَ الرَّأْسَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ مَرَّةً، سَوَاءٌ نَكَّسَ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا.
وَإِنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ طُولٍ أَعَادَ الذِّرَاعَيْنِ فَقَطْ مَرَّةً إنْ نَكَّسَ سَهْوًا، وَاسْتَأْنَفَ وُضُوءَهُ نَدْبًا إنْ نَكَّسَ عَمْدًا وَلَوْ جَاهِلًا.
وَلَوْ بَدَأَ بِرَأْسِهِ ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ فَوَجْهَهُ أَعَادَ الْيَدَيْنِ وَالرَّأْسَ مُطْلَقًا ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ إنْ قَرُبَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ بَدَأَ بِرِجْلَيْهِ فَرَأْسِهِ فَيَدَيْهِ فَوَجْهِهِ أَعَادَ مَا بَعْدَ الْوَجْهِ عَلَى التَّرْتِيبِ الشَّرْعِيِّ مُطْلَقًا قَرُبَ أَوْ بَعُدَ، لِأَنَّ كُلَّ فَرْضٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ مُنَكَّسٌ.
وَلَا يُعِيدُ الْوَجْهَ إلَّا إذَا نَكَّسَ عَمْدًا وَطَالَ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَلَوْ قَدَّمَ الرِّجْلَيْنِ عَلَى الرَّأْسِ أَعَادَ الرِّجْلَيْنِ مُطْلَقًا إلَّا إذَا تَعَمَّدَ وَطَالَ، فَيَبْتَدِئُ وُضُوءَهُ نَدْبًا لِقَوْلِهِ: [وَإِلَّا فَمَعَ تَابِعِهِ] : أَيْ إنْ كَانَ لَهُ تَابِعٌ.

(وَفَضَائِلُهُ: مَوْضِعٌ طَاهِرٌ، وَاسْتِقْبَالٌ، وَتَسْمِيَةٌ، وَتَقْلِيلُ الْمَاءِ بِلَا حَدٍّ

[حاشية الصاوي]

فِي الْفَضَائِلِ.
وَحَاصِلُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: أَنَّ تَرْتِيبَ الْفَرَائِضِ فِي أَنْفُسِهَا سُنَّةٌ.
فَإِنْ خَالَفَ وَنَكَّسَ - بِأَنْ قَدَّمَ عُضْوًا عَنْ مَحَلِّهِ - فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَوْ سَهْوًا، وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَطُولَ الْأَمْرُ أَمْ لَا.
فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ قَرِيبًا بِحَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ جَفَافٌ أَتَى بِالْمُنَكَّسِ مَرَّةً، إنْ كَانَ غَسَلَهُ أَوْ لَا، ثَلَاثًا أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَإِلَّا كَمَّلَ تَثْلِيثَهُ وَأَعَادَ مَا بَعْدَهُ مَرَّةً مَرَّةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا وَإِنْ طَالَ، فَإِنْ كَانَ عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا ابْتَدَأَ وُضُوءَهُ نَدْبًا، أَوْ نَاسِيًا فَعَلَهُ فَقَطْ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الطُّولِ عَمْدًا أَوْ عَجْزًا أَوْ سَهْوًا؛ فَصُوَرُ الطُّولِ تِسْعَةٌ وَالْقُرْبُ ثَلَاثَةٌ، تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [فَعَلَهُ مَرَّةً فَقَطْ] : عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَ الشَّيْخ سَالِمٌ وَالطِّخِّيخِيُّ وَارْتَضَاهُ، خِلَافًا لِلْأُجْهُورِيِّ فِي قَوْلِهِ يُعَادُ فِي حَالَةِ الْقُرْبِ ثَلَاثًا.

[فَضَائِل الْوُضُوء]

تَنْبِيه السِّوَاك هَلْ هُوَ سَنَةٍ أَوْ استحباب

قَوْلُهُ: [وَفَضَائِلُهُ] : أَيْ خِصَالُهُ وَأَفْعَالُهُ الْمُسْتَحَبَّةُ.
قَوْلُهُ: [وَتَقْلِيلُ] إلَخْ: أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ: وَقِلَّةٌ لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِكَوْنِهِ مُسْتَحَبًّا إنَّمَا هُوَ التَّقْلِيلُ لَا الْقِلَّةُ إذْ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ، وَمَعْنَاهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ

فصول الكتاب · 3 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك · 813 صفحة
المقدمة
بَابُ فِي الشُّفْعَةِ وَأَحْكَامِهَا
بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ
جارٍ التحميل