حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالكصفحات 443-482
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْخُرُوجُ عِنْدَ قِيَامِهَا لِلرَّاتِبِ (أَوْ) صَلَاةُ جَمَاعَةٍ (بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ صَلَاتِهِ (وَإِنْ أَذِنَ) لِغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ، (وَلَهُ) أَيْ لِلرَّاتِبِ (الْجَمْعُ) فِي مَسْجِدِهِ (إنْ جَمَعَ غَيْرُهُ) قَبْلَهُ (بِلَا إذْنٍ) مِنْهُ.
وَمَحَلُّ جَوَازِ الْجَمْعِ (إنْ لَمْ يُؤَخِّرْ) عَنْ عَادَتِهِ تَأْخِيرًا (كَثِيرًا، وَإِلَّا) - بِأَنْ أَذِنَ لِغَيْرِهِ أَنْ يُصَلِّيَ مَكَانَهُ بِالنَّاسِ أَوْ أَخَّرَ كَثِيرًا.
(كُرِهَ) لَهُ الْجَمْعُ ثَانِيًا.

(وَ) إنْ دَخَلَ جَمَاعَةٌ مَسْجِدًا فَوَجَدُوا رَاتِبَهُ قَدْ صَلَّى (خَرَجُوا) نَدْبًا (لِيَجْمَعُوا خَارِجَهُ، إلَّا الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ.
فَيُصَلُّونَ) فِيهَا (أَفْذَاذًا إنْ دَخَلُوهَا) ،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ صَلَاةُ جَمَاعَةٍ بَعْدَهُ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الرَّاتِبُ صَلَّى وَحْدَهُ أَوْ بِجَمَاعَةٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَزَمَ بِالْكَرَاهَةِ تَبَعًا لِخَلِيلٍ وَالرِّسَالَةِ وَالْجَلَّابِ، وَعَبَّرَ ابْنُ بَشِيرٍ وَاللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِالْمَنْعِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ.
وَلَا تُجْمَعُ صَلَاةٌ فِي مَسْجِدٍ مَرَّتَيْنِ إلَّا مَسْجِدٍ لَيْسَ لَهُ إمَامٌ رَاتِبٌ، وَنَسَبَ أَبُو الْحَسَنِ الْجَوَازَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَمَحَلُّ النَّهْيِ الْمَذْكُورِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ إذَا صَلَّى الرَّاتِبُ فِي وَقْتِهِ الْمَعْلُومِ؛ فَلَوْ قَدَّمَ عَنْ وَقْتِهِ وَأَتَتْ جَمَاعَةٌ فَإِنَّهُمْ يُعِيدُونَ فِيهِ جَمَاعَةً مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، أَوْ أَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.
وَمَحَلُّ النَّهْيِ عَنْ تَعَدُّدِ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي رَتَّبَ فِيهَا الْوَاقِفُ أَرْبَعَةَ أَئِمَّةٍ عَلَى الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كُلُّ وَاحِدٍ يُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ فَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِالْكَرَاهَةِ، وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِالْجَوَازِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ مَوَاضِعَهُمْ كَمَسَاجِدَ مُتَعَدِّدَةٍ، خُصُوصًا وَقَدْ قَرَّرَهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ، وَمَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ إذَا صَلَّوْا مُتَرَتِّبِينَ، وَأَمَّا إذَا أَقَامَ أَحَدُهُمْ الصَّلَاةَ مَعَ صَلَاةِ الْآخَرِ فَلَا نِزَاعَ فِي حُرْمَتِهِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَإِذَا تَمَّ إلْحَاقُ الْبِقَاعِ بِالْمَسَاجِدِ لَمْ يَحْرُمْ الْمُكْثُ فِي بُقْعَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ لِإِقَامَةِ إمَامِ غَيْرِهَا مِنْ الْبِقَاعِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ أَخَّرَ كَثِيرًا] : أَيْ فَلَا كَرَاهَةَ لِمَنْ يَجْمَعُ قَبْلَهُ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ، وَيُكْرَهُ لَهُ الْجَمْعُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.

قَوْلُهُ: [لِيَجْمَعُوا خَارِجَهُ] : أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً فِي غَيْرِهِ؛ إمَّا فِي مَسْجِدٍ آخَرَ أَوْ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ.
ثُمَّ إنَّ النَّدْبَ مِنْ حَيْثُ الْجَمَاعَةُ خَارِجَهُ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْجَمَاعَةَ سُنَّةٌ وَلَوْ فِيهِ.
قَوْله: [إنْ دَخَلُوهَا] : اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُفِيدُهُ.

لِأَنَّ فَذَّهَا أَفْضَلُ مِنْ جَمَاعَةِ غَيْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلُوهَا جَمَعُوا خَارِجَهَا.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ جَوَازِ إمَامَةِ مَنْ يُتَوَهَّمُ فِيهِ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَجَوَازُ أَشْيَاءَ يُتَوَهَّمُ عَدَمُ جَوَازِهَا، فَقَالَ: (وَجَازَ) بِمَعْنَى خِلَافِ الْأُولَى (إمَامَةُ أَعْمَى) إذْ إمَامَةُ الْبَصِيرِ الْمُسَاوِي فِي الْفَضْلِ لِلْأَعْمَى أَفْضَلُ.
(وَ) إمَامَةُ (مُخَالِفٍ فِي الْفُرُوعِ) كَشَافِعِيٍّ وَحَنَفِيٍّ؛ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ أَوْ لَمْ يَتَدَلَّكْ أَوْ مَسَّ ذَكَرَهُ.
لِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِمَذْهَبِ الْإِمَامِ، وَمَا كَانَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ فَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِمَذْهَبِ الْمَأْمُومِ.

[حاشية الصاوي]

وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ، وَأَنَّهُمْ مُطَالَبُونَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا أَفْذَاذًا وَإِنْ لَمْ يَدْخُلُوهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [جَمَعُوا خَارِجَهَا] : أَيْ وَلَا يَدْخُلُونَهَا.
وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا أَمْكَنَهُمْ الْجَمْعُ بِغَيْرِهَا، وَإِلَّا دَخَلُوهَا وَصَلَّوْا بِهَا أَفْذَاذًا فَفِي قَوْلِهِ: [إنْ دَخَلُوهَا] تَفْصِيلٌ.

قَوْلُهُ: [أَفْضَلُ] : أَيْ لِتَحَفُّظِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَقِيلَ: الْأَعْمَى أَفْضَلُ لِكَوْنِهِ أَخْشَعَ، وَقِيلَ: سِيَّانِ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَسَحَ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ أَتَى ذَلِكَ الْإِمَامُ الْمُخَالِفُ فِي الْفُرُوعِ بِمُنَافٍ لِلصِّحَّةِ عَلَى مَذْهَبِ الْمَأْمُومِ وَالْحَالُ أَنَّهُ غَيْرُ مُنَافٍ عَلَى مَذْهَبِ ذَلِكَ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا] : أَيْ خَارِجًا عَنْ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا مَا كَانَ رُكْنًا دَاخِلًا فِيهَا فَالْعِبْرَةُ فِيهِ: بِنِيَّةِ الْمَأْمُومِ، مِثْلَ شَرْطِ الِاقْتِدَاءِ.
فَلَوْ اقْتَدَى مَالِكِيٌّ بِحَنَفِيٍّ لَا يَرَى رُكْنِيَّةَ السَّلَامِ وَلَا الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ، فَإِنْ أَتَى بِهِمَا صَحَّتْ صَلَاةُ مَأْمُومِهِ الْمَالِكِيِّ، وَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ ذَلِكَ كَانَتْ صَلَاةُ مَأْمُومِهِ الْمَالِكِيِّ بَاطِلَةً وَلَوْ فَعَلَ الْمَأْمُومُ ذَلِكَ.
وَفِي الْحَطَّابِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ عَلِمْت أَنَّ رَجُلًا يَتْرُكُ الْقِرَاءَةَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ لَمْ أُصَلِّ خَلْفَهُ نَقَلَهُ عَنْ الذَّخِيرَةِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَمَا كَانَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ] إلَخْ: يُعْلَمُ مِنْ هَذَا صِحَّةُ صَلَاةِ مَالِكِيٍّ الظُّهْرَ خَلْفَ شَافِعِيٍّ فِيهَا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ لِاتِّحَادِ عَيْنِ الصَّلَاةِ، وَالْمَأْمُومُ يَرَاهَا أَدَاءً خَلْفَ أَدَاءً، وَالْإِمَامُ يَرَاهَا قَضَاءً خَلْفَ قَضَاءٍ، وَهِيَ فِي نَفْسِ

فَلَا يَصِحُّ فَرْضٌ خَلْفَ مُعِيدٍ وَلَا مُتَنَفِّلٍ وَلَا مُغَايِرِ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يَرَى ذَلِكَ.

(وَ) جَازَ إمَامَةُ (أَلْكَنَ) : وَهُوَ مَنْ لَا يَكَادُ يُخْرِجُ بَعْضَ الْحُرُوفِ مِنْ مَخَارِجِهَا لِعُجْمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِثْلَ أَنْ يَقْلِبَ الْحَاءَ هَاءً أَوْ الرَّاءَ لَامًا أَوْ الضَّادَ دَالًا.

(وَ) إمَامَةُ (مَحْدُودٍ) لِقَذْفٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (وَ) إمَامَةُ (عِنِّينٍ) : وَهُوَ مَنْ لَهُ ذَكَرٌ صَغِيرٌ لَا يَتَأَتَّى بِهِ الْجِمَاعُ أَوْ مَنْ لَا يَنْتَشِرُ ذَكَرُهُ.

(وَ) إمَامَةُ (أَقْطَعَ) يَدًا أَوْ رِجْلًا (وَأَشَلَّ) عَلَى الرَّاجِحِ فِيهِمَا، وَقِيلَ يُكْرَهُ (وَمَجْذُومٍ) أَيْ مَنْ قَامَ بِهِ دَاءُ الْجُذَامِ (إلَّا أَنْ يَشْتَدَّ) جُذَامُهُ: بِحَيْثُ يَضُرُّ بِالنَّاسِ (فَلْيَتَنَحَّ) وُجُوبًا عَنْ الْإِمَامَةِ بَلْ عَنْ الِاجْتِمَاعِ بِالنَّاسِ.
(وَ) جَازَ إمَامَةُ (صَبِيٍّ بِمِثْلِهِ) .

(وَ) جَازَ (إسْرَاعٌ لَهَا) : أَيْ لِأَجْلِ إدْرَاكِ الصَّلَاةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ (بِلَا خَبَبٍ) أَيْ هَرْوَلَةٍ وَهِيَ مَا دُونَ الْجَرْيِ، وَتُكْرَهُ الْهَرْوَلَةُ لِأَنَّهَا تُذْهِبُ الْخُشُوعَ فَالْجَرْيُ أَوْلَى.

[حاشية الصاوي]

الْأَمْرِ إمَّا أَدَاءً أَوْ قَضَاءً كَمَا قَرَّرَهُ الْمُؤَلِّفُ.

[بَعْض آدَاب الْجَمَاعَة وَالْمَسَاجِد]

قَوْلُهُ: [وَإِمَامَةُ مَحْدُودٍ] : أَيْ بِالْفِعْلِ وَهَذَا إنْ حَسُنَتْ حَالَتُهُ وَتَابَ.
وَمَفْهُومُ (مَحْدُودٍ بِالْفِعْلِ) فِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ بِعَفْوٍ فِي حَقِّ مَخْلُوقٍ أَوْ بِإِتْيَانِ الْإِمَامِ طَائِعًا وَتَرْكِ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ حِرَابَةٍ جَازَتْ إمَامَتُهُ إنْ حَسُنَتْ حَالَتُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: [وَإِمَامَةُ عِنِّينٍ] : إنَّمَا نَصَّ عَلَيْهِ لِتَوَهُّمِ النَّهْيِ لِضَعْفِ أَمْرِ الرُّجُولِيَّةِ فِيهِ.

قَوْلُهُ: [فَلْيَتَنَحَّ وُجُوبًا] : أَيْ وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَجَازَ إمَامَةُ صَبِيٍّ بِمِثْلِهِ] : وَأَمَّا بِبَالِغِينَ فَلَا تَصِحُّ فِي الْفَرْضِ.
وَتَصِحُّ فِي النَّفْلِ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ ابْتِدَاءً كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: [وَتُكْرَهُ الْهَرْوَلَةُ] : أَيْ وَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْجُمُعَةِ إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ فَتَجِبُ.

(وَ) جَازَ (بِمَسْجِدٍ قَتْلُ عَقْرَبٍ) وَحَيَّةٍ (وَفَأْرَةٍ) . (وَ) جَازَ بِمَسْجِدٍ (إحْضَارُ صَبِيٍّ) شَأْنُهُ أَنَّهُ (لَا يَعْبَثُ أَوْ) يَعْبَثُ لَكِنْ (يَنْكَفُّ) عَنْهُ (إذَا نُهِيَ) وَإِلَّا مُنِعَ إحْضَارُهُ.

(وَ) جَازَ بِالْمَسْجِدِ (بَصْقٌ قَلَّ) - لَا إنْ كَثُرَ - (إنْ حَصَبَ) أَيْ فُرِشَ بِالْحَصْبَاءِ (فَوْقَ الْحَصْبَاءِ أَوْ تَحْتَ حَصِيرِهِ) : أَيْ الْمُحَصَّبِ، وَمِثْلُهُ الْمُتَرَّبُ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَثُرَ الْبُصَاقُ أَوْ لَمْ يُحَصَّبْ بِأَنْ كَانَ مُبَلَّطًا، أَوْ بَصَقَ فَوْقَ حَصِيرِهِ (مُنِعَ كَبِحَائِطِهِ) أَيْ كَمَا يُمْنَعُ الْبَصْقُ بِحَائِطِ الْمَسْجِدِ لِتَقْذِيرِهِ.
(وَقَدَّمَ الْمُصَلِّي) نَدْبًا فِي الْبَصْقِ إنْ احْتَاجَ (ثَوْبَهُ) الشَّامِلَ لِلرِّدَاءِ (ثُمَّ جِهَةَ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ) الْيُسْرَى (ثُمَّ) إنْ تَعَسَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بَصَقَ (جِهَةَ يَمِينِهِ.
وَ) إنْ تَعَسَّرَ بَصَقَ (أَمَامَهُ) .

(وَ) جَازَ (خُرُوجُ) امْرَأَةٍ (مُتَجَالَّةٍ) لَا أَرَبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا (لِمَسْجِدٍ)

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [قَتْلُ عَقْرَبٍ] إلَخْ: أَيْ مَعَ التَّحَفُّظِ مِنْ تَقْذِيرِهِ وَتَعْفِيشِهِ مَا أَمْكَنَ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا مُنِعَ إحْضَارُهُ] : نَصَّ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا يُجَنَّبُ الصَّبِيُّ الْمَسْجِدَ إذَا كَانَ يَعْبَثُ أَوْ لَا يَكُفُّ إذَا نُهِيَ (اهـ.)

قَوْلُهُ: [بَصْقٌ قَلَّ] إلَخْ: مُلَخَّصُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ تَقُولَ لَا يَخْلُو الْمَسْجِدُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُحَصَّبًا أَوْ مُبَلَّطًا؛ فَالثَّانِي لَا يُبْصَقُ فِيهِ لِعَدَمِ تَأَتِّي دَفْنِ الْبُصَاقِ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ: إمَّا مَفْرُوشٌ أَمْ لَا؛ فَالْأَوَّلُ يُبْصَقُ تَحْتَ فُرُشِهِ لَا فَوْقَهُ، وَالثَّانِي يُبْصَقُ فِيهِ ثُمَّ يُدْفَنُ الْبَصْقُ فِي الْحَصْبَاءِ.
قَوْلُهُ: [وَقَدَّمَ الْمُصَلِّي] إلَخْ: أَيْ فَهَذَا التَّرْتِيبُ خَاصٌّ بِالْمُصَلِّي فَلَا يُطْلَبُ مِنْ غَيْرِهِ وَبِهِ قَرَّرَ الْمِسْنَاوِيُّ.
وَاخْتَارَ الرَّمَاصِيُّ مِثْلَ مَا لِلشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيُّ: أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ يُطْلَبُ فِي الصَّلَاةِ وَفِي غَيْرِهَا قَالَ لِإِطْلَاقِ عِيَاضٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَرَفَةَ، فَهُمَا طَرِيقَتَانِ.
وَهَذَا التَّرْتِيبُ فِي الْمَسْجِدِ الْمُحَصَّبِ أَوْ الْمُتَرَّبِ الْخَالِي مِنْ الْفُرُشِ أَوْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ؛ إذْ الْمَسْجِدُ الْمُبَلَّطُ أَوْ الْمَفْرُوشُ لَا يَجُوزُ فِيهِ بِحَالٍ، وَتَعَيَّنَ الثَّوْبُ أَوْ الْخُرُوجُ مِنْهُ.

قَوْلُهُ: [وَجَازَ خُرُوجُ امْرَأَةٍ مُتَجَالَّةٍ] : مُرَادُهُ بِالْجَوَازِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَجَالَّةِ النَّدْبُ.
وَبِالنِّسْبَةِ لِلشَّابَّةِ خِلَافُ الْأُولَى كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْخَرَشِيِّ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ:

تُصَلِّي مَعَ الْجَمَاعَةِ بِهِ.
(وَ) خُرُوجٌ (لِكَعِيدٍ) أَدْخَلَتْ الْكَافُ الِاسْتِسْقَاءَ وَالْكُسُوفَ وَجِنَازَةَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ.
(وَ) جَازَ خُرُوجُ (شَابَّةٍ غَيْرِ مُفْتِنَةٍ لِمَسْجِدٍ وَجِنَازَةِ قَرِيبٍ) مِنْ أَهْلِهَا، (وَلَا يَقْضِي عَلَى زَوْجِهَا بِهِ) أَيْ الْخُرُوجِ لِمَا ذُكِرَ أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا، وَأَمَّا مَخْشِيَّةُ الْفِتْنَةِ فَلَا يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ مُطْلَقًا.

(وَ) جَازَ (فَصْلُ مَأْمُومٍ) عَنْ إمَامِهِ (بِنَهْرٍ صَغِيرٍ) لَا يَمْنَعُ مِنْ رُؤْيَةِ أَفْعَالِ الْإِمَامِ أَوْ سَمَاعِهِ (أَوْ طَرِيقٍ) أَوْ زَرْعٍ؛ لِلْأَمْنِ مِنْ الْخَلَلِ فِي صَلَاتِهِ.

(وَ) جَازَ (عُلُوُّ مَأْمُومٍ) عَلَى إمَامِهِ (وَلَوْ بِسَطْحٍ)

[حاشية الصاوي]

تَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدِي أَنَّ النِّسَاءَ أَرْبَعٌ: عَجُوزٌ انْقَطَعَتْ حَاجَةُ الرِّجَالِ مِنْهَا، فَهَذِهِ كَالرَّجُلِ فَتَخْرُجُ لِلْمَسْجِدِ وَلِلْفَرْضِ وَلِمَجَالِسِ الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ، وَتَخْرُجُ لِلصَّحْرَاءِ فِي الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَلِجِنَازَةِ أَهْلِهَا وَأَقَارِبِهَا وَلِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا.
وَمُتَجَالَّةٌ لَمْ تَنْقَطِعْ حَاجَةُ الرِّجَالِ مِنْهَا بِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ تَخْرُجُ لِلْمَسْجِدِ لِلْفَرَائِضِ وَمَجَالِسِ الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ وَلَا تُكْثِرُ التَّرَدُّدَ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهَا أَيْ: يُكْرَهُ لَهَا ذَلِكَ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ.
وَشَابَّةٌ غَيْرُ فَارِهَةٍ فِي الشَّبَابِ وَالنَّجَابَةِ تَخْرُجُ لِلْمَسْجِدِ لِصَلَاةِ الْفَرْضِ جَمَاعَةً وَفِي جَنَائِزِ أَهْلِهَا وَأَقَارِبِهَا، وَلَا تَخْرُجُ لِعِيدٍ وَلَا اسْتِسْقَاءٍ وَلَا لِمَجَالِسِ ذِكْرٍ أَوْ عِلْمٍ، وَشَابَّةٌ فَارِهَةٌ فِي الشَّبَابِ وَالنَّجَابَةِ فَهَذِهِ الِاخْتِيَارُ لَهَا أَنْ لَا تَخْرُجَ أَصْلًا (اهـ. ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَا يُقْضَى عَلَى زَوْجِهَا بِهِ] : الْحَاصِلُ أَنَّ الشَّابَّةَ غَيْرُ مَخْشِيَّةِ الْفِتْنَةِ لَا يُقْضَى عَلَى زَوْجِهَا بِخُرُوجِهَا إذَا طَلَبَتْهُ، وَأَمَّا الْمُتَجَالَّةُ فَقِيلَ: يُقْضَى وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ، وَقِيلَ: لَا يُقْضَى وَهُوَ ظَاهِرُ السَّمَاعِ، وَقَوْلُ الْأَبِيِّ وَعَدَمُ الْقَضَاءِ عَلَى الزَّوْجِ فِي الشَّابَّةِ وَلَوْ اشْتَرَطَ لَهَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى الْوَفَاءَ لَهَا كَمَا فِي السَّمَاعِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

قَوْلُهُ: [وَجَازَ عُلُوُّ مَأْمُومٍ] إلَخْ: أَيْ مَعَ كَوْنِهِ يَضْبِطُ أَحْوَالَ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ تَعَذُّرٍ فَلَا يُشْكِلُ بِكَرَاهَةِ اقْتِدَاءِ مَنْ بِأَبِي قُبَيْسٍ بِمَنْ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ ضَبْطُ أَحْوَالِ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِسَطْحٍ] : رَدَّ " بِلَوْ " قَوْلَ مَالِكٍ الْمَرْجُوعَ إلَيْهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ

فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ (لَا) عُلُوُّ (إمَامٍ) عَلَى الْمَأْمُومِ (فَيُكْرَهُ) خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِهِ مِنْ الْمَنْعِ؛ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ عُلُوُّ الْإِمَامِ (بِكَشِبْرٍ، أَوْ) كَانَ عُلُوُّهُ لِأَجْلِ (ضَرُورَةٍ أَوْ قَصْدِ تَعْلِيمٍ) لِلْمَأْمُومِينَ كَيْفِيَّةَ الصَّلَاةِ فَيَجُوزُ.
(وَبَطَلَتْ) الصَّلَاةُ (إنْ قَصَدَ إمَامٌ أَوْ مَأْمُومٌ بِهِ) : أَيْ بِعُلُوِّهِ (الْكِبْرَ) : لِمُنَافَاتِهِ الصَّلَاةَ.

(وَ) جَازَ (مُسَمِّعٌ) أَيْ نَصَبَهُ لِيُسَمِّعَ النَّاسَ بِرَفْعِ صَوْتِهِ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالسَّلَامِ فَيَقْتَدُونَ بِالْإِمَامِ (وَاقْتِدَاءٌ بِهِ) أَيْ بِالْمُسَمِّعِ أَيْ بِسَبَبِ سَمَاعِهِ، أَيْ جَازَ

[حاشية الصاوي]

مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَالْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ كُرِهَ ذَلِكَ وَبِأَوَّلِ قَوْلَيْهِ أَقُولُ (اهـ. بْن كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ] : إنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَصِحُّ بِسَطْحِ الْمَسْجِدِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [فَيُكْرَهُ] وَهَلْ الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ يُصَلِّي وَحْدَهُ أَوْ كَانَ مَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْمَأْمُومِينَ مِنْ خَوَاصِّ النَّاسِ أَوْ عُمُومِهِمْ؟ أَوْ مَحَلُّ النَّهْيِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ وَحْدَهُ فِي الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ، أَوْ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ خَوَاصِّ النَّاسِ؟ وَأَمَّا لَوْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُمْ مِنْ عُمُومِ النَّاسِ فَلَا كَرَاهَةَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَحَلُّ الْعَالِي مُعَدًّا لِلْجَمِيعِ، وَكَسِلَ بَعْضُ الْمَأْمُومِينَ وَصَلَّى أَسْفَلَ فَلَا كَرَاهَةَ اتِّفَاقًا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [إنْ قَصَدَ إمَامٌ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْعُلُوُّ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا بَلْ قَصَدَ الْكِبْرَ بِتَقَدُّمِهِ لِلْإِمَامَةِ، أَوْ بِتَقَدُّمِ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ عَلَى بَعْضٍ مُبْطِلٌ، وَأَمَّا الرِّيَاءُ وَالْعُجْبُ فَغَيْرُ مُبْطِلٍ وَإِنْ أَبْطَلَ الثَّوَابَ.

قَوْلُهُ: [وَجَازَ مُسَمِّعٌ] : ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ امْرَأَةً أَوْ مُحْدِثًا أَوْ كَافِرًا وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُسَمِّعَ عَلَامَةٌ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ؛ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُسَمِّعَ نَائِبٌ عَنْ الْإِمَامِ، فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ شُرُوطَ الْإِمَامَةِ كَمَا ذَكَرَهُ (بْن) كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.

الِاقْتِدَاءُ بِالْإِمَامِ بِسَبَبِ سَمَاعِ الْمُسَمِّعِ، وَهَذَا كَعَطْفِ مَا هُوَ عِلَّةٌ عَلَى مَعْلُولِهِ.
(وَ) اقْتِدَاءٌ (بِرُؤْيَةٍ) لِلْإِمَامِ أَوْ لِمَأْمُومِهِ وَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، (وَإِنْ) كَانَ الْمَأْمُومُ (بِدَارٍ) مَثَلًا وَالْإِمَامُ بِمَسْجِدٍ مَثَلًا وَلَا يُشْتَرَطُ إمْكَانُ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ شُرُوطِ الْإِمَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ فَقَالَ: (وَشَرْطُ الِاقْتِدَاءِ) بِالْإِمَامِ: (نِيَّتُهُ) بِأَنْ يَنْوِيَ الِاقْتِدَاءَ أَوْ الْمَأْمُومِيَّةَ بِالْإِمَامِ أَوْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ (أَوَّلًا) : أَيْ أَوَّلَ صَلَاتِهِ قَبْلَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَهَذَا هُوَ مَحَطُّ الشَّرْطِيَّةِ؛ فَمَنْ صَلَّى فَذًّا ثُمَّ رَأَى إمَامًا بَعْدَ التَّكْبِيرِ فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ (وَلَزِمَ) أَيْ الِاقْتِدَاءُ الْمَأْمُومَ إذَا نَوَاهُ بِشَرْطِهِ، فَمَنْ اقْتَدَى بِإِمَامٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُفَارَقَتُهُ.
فَلِذَا فَرَّعَ عَلَى الْقَيْدَيْنِ عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ قَوْلَهُ:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِسَبَبِ سَمَاعِ الْمُسَمِّعِ] : أَيْ وَأَوْلَى سَمَاعُ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: [وَاقْتِدَاءٌ بِرُؤْيَةٍ] : أَيْ جَازَ الِاقْتِدَاءُ بِالْإِمَامِ بِسَبَبِ رُؤْيَةٍ لَهُ أَوْ لِلْمَأْمُومِينَ.
فَقَدْ اشْتَمَلَ كَلَامُهُ عَلَى مَرَاتِبِ الِاقْتِدَاءِ الْأَرْبَعِ؛ وَهِيَ: الِاقْتِدَاءُ بِرُؤْيَةِ الْإِمَامِ، أَوْ الْمَأْمُومِ، أَوْ بِسَمَاعِ الْإِمَامِ أَوْ الْمَأْمُومِ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ عَيْنُ الْإِمَامِ.
وَمِمَّا يُلْغَزُ بِهِ هُنَا: شَخْصٌ تَصِحُّ صَلَاتُهُ فَذًّا أَوْ إمَامًا لَا مَأْمُومًا؟ وَهُوَ الْأَعْمَى وَالْأَصَمُّ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يُشْتَرَطُ إمْكَانُ التَّوَصُّلِ] إلَخْ: أَيْ خِلَافًا لِلسَّادَةِ الشَّافِعِيَّةِ.

[شُرُوط الِاقْتِدَاء]

[تَنْبِيه لَا يَتَوَقَّف فَضْل الْجَمَاعَة عَلَى نِيَّة الْإِمَامَة]

قَوْلُهُ: [وَهَذَا هُوَ مَحَطُّ الشَّرْطِيَّةِ] : أَيْ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ: إنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّ الِاقْتِدَاءَ يَتَحَقَّقُ خَارِجًا بِدُونِ نِيَّةٍ، لَكِنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا وُجِدَتْ مَعَ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ خَارِجًا إلَّا بِهَا، فَجَعْلُهَا شَرْطًا لَا يَصِحُّ؟ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ: أَنَّ الشَّرْطِيَّةَ مُنْصَبَّةٌ عَلَى الْأَوَّلِيَّةِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ لَا عَلَى النِّيَّةِ، فَلَوْ حَصَلَ تَأْخِيرُ النِّيَّةِ لِثَانِي رَكْعَةٍ حَصَلَ الِاقْتِدَاءُ وَلَكِنْ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ لِفَقْدِ شَرْطٍ وَهِيَ الْأَوَّلِيَّةُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي عَدَّ نِيَّةِ الِاقْتِدَاءِ رُكْنًا.
قَوْلُهُ: [فَمَنْ صَلَّى فَذًّا] : تَفْرِيعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ.

(فَلَا يَتَنَقَّلُ مُنْفَرِدٌ) بِصَلَاتِهِ (لِجَمَاعَةٍ) لِعَدَمِ نِيَّتِهِ الِاقْتِدَاءَ أَوَّلًا (كَعَكْسِهِ) : أَيْ لَا يَنْتَقِلُ مَنْ فِي جَمَاعَةٍ إلَى الِانْفِرَادِ لِلُزُومِهِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ فِيهِمَا، فَعُلِمَ أَنَّ الْمَأْمُومَ يَلْزَمُهُ نِيَّةُ الْمَأْمُومِيَّةِ.
(بِخِلَافِ الْإِمَامِ) لَا يَلْزَمُهُ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ، وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ (وَلَوْ بِجِنَازَةٍ) إذْ لَا تُشْتَرَطُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ.
(إلَّا جُمُعَةً) فَيُشْتَرَطُ فِيهَا نِيَّةُ الْإِمَامَةِ.
لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِيهَا فَلَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ بَطَلَتْ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ.
(وَ) إلَّا (جَمْعًا) بَيْنَ عِشَاءَيْنِ (لِمَطَرٍ) فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِيهِ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاتَيْنِ، وَيَجِبُ فِيهِ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ الْأُولَى وُجُوبًا فَلَوْ تَرَكَهَا لَمْ تَبْطُلْ بِخِلَافِ تَرْكِ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ فَتَبْطُلُ الثَّانِيَةُ فَقَطْ.
(وَ) إلَّا (خَوْفًا) أَيْ صَلَاتُهُ إذَا صُلِّيَتْ بِطَائِفَتَيْنِ كَمَا يَأْتِي فَلَا بُدَّ مِنْ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [كَعَكْسِهِ] : إنَّمَا لَمْ يَصِحَّ نِيَّةُ الْمُفَارَقَةِ لِأَنَّ الْمَأْمُومِيَّةَ تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ ابْتِدَاءً كَصَلَاةِ النَّفْلِ.
وَمَحَلُّ مَنْعِ الِانْتِقَالِ الْمَذْكُورِ، مَا لَمْ يَضُرَّ الْإِمَامُ بِالْمَأْمُومِينَ فِي الطُّولِ وَإِلَّا جَازَ الِانْتِقَالُ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ.
كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْإِمَامِ] : فَلَيْسَتْ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ شَرْطًا، نَعَمْ لَوْ نَوَى الْإِمَامَةَ ثُمَّ رَفَضَهَا وَنَوَى الْفِدْيَةَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ لِتَلَاعُبِهِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِجِنَازَةٍ] : رَدَّ " بِلَوْ " عَلَى ابْنِ رُشْدٍ الْقَائِلِ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهَا فُرَادَى أُعِيدَتْ مَا لَمْ تُدْفَنْ، وَإِلَّا فَلَا إعَادَةَ مُرَاعَاةً لِلْمُقَابِلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِيهَا] : أَيْ شَرْطُ صِحَّةٍ.
وَكُلُّ صَلَاةٍ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا كَانَتْ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ فِيهَا شَرْطًا.
قَوْلُهُ: [عِنْدَ الْأُولَى] : أَيْ وَتَسْتَمِرُّ لِلثَّانِيَةِ عَلَى أَنَّهُ يَبْعُدُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهَا فِي الثَّانِيَةِ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: [فَتَبْطُلُ الثَّانِيَةُ فَقَطْ] : أَيْ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي ظَهَرَ فِيهَا أَثَرُ الْجَمْعِ، وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَقَدْ وَقَعَتْ فِي وَقْتِهَا فَلَا تَبْطُلُ، وَقَالَ بِذَلِكَ (بْن) وَخَصَّ هَذَا الْجَمْعَ

نِيَّةِ الْإِمَامَةِ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ كَذَلِكَ إلَّا بِجَمَاعَةٍ.
(وَ) إلَّا (مُسْتَخْلِفًا) لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُومًا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ نِيَّةِ الْإِمَامَةِ لِتَمْيِيزِ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ الْأُولَى، فَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ غَايَتُهُ أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ.
وَذَكَرَ الشَّرْطَ الثَّانِيَ بِقَوْلِهِ: (وَمُسَاوَاةٌ) : عُطِفَ عَلَى نِيَّتِهِ (فِي ذَاتِ الصَّلَاةِ) : كَظُهْرٍ خَلْفَ ظُهْرٍ فَلَا يَصِحُّ خَلْفَ عَصْرٍ مَثَلًا.
(وَ) فِي (صِفَتِهَا) فِي الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ؛ فَلَا يَصِحُّ أَدَاءٌ خَلْفَ قَضَاءٍ وَلَا عَكْسُهُ.
(وَ) فِي (زَمَنِهَا) وَإِنْ اتَّفَقَا فِي الْقَضَاءِ فَلَا يَصِحُّ ظُهْرُ يَوْمِ السَّبْتِ خَلْفَ ظُهْرِ يَوْمِ الْأَحَدِ وَلَا عَكْسُهُ.
(إلَّا نَفْلًا خَلْفَ فَرْضٍ) : كَرَكْعَتَيْ ضُحًى خَلْفَ صُبْحٍ بَعْدَ الشَّمْسِ، وَرَكْعَتَيْ نَفْلٍ خَلْفَ سَفَرِيَّةٍ، أَوْ أَرْبَعٍ خَلْفَ ظُهْرِ حَضَرِيَّةٍ، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ النَّفْلِ بِأَرْبَعٍ.

[حاشية الصاوي]

دُونَ سَائِرِ الْجُمُوعِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ فِيهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَتَكْفِي النِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ فِي الْإِمَامَةِ كَغَيْرِهَا، إنَّمَا الْمُضِرُّ نِيَّةُ الْفِدْيَةِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ كَذَلِكَ] إلَخْ: أَيْ فَلَوْ تُرِكَتْ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ فِيهَا فَقَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: تَبْطُلُ عَلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى فَقَطْ لِأَنَّهَا فَارَقَتْ الْإِمَامَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْمُفَارَقَةِ، وَأَمَّا صَلَاةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ.
قَوْلُهُ: [فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ] : أَيْ إلَّا أَنْ يَتَلَاعَبَ بِأَنْ يَنْوِيَ الْفِدْيَةَ مَعَ النِّيَابَةِ فَتَبْطُلُ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَتَوَقَّفُ فَضْلُ الْجَمَاعَةِ لِلْإِمَامِ عَلَى نِيَّةِ الْإِمَامَةِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ كَمَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ قَوْلِ الْأَكْثَرِ: قَوْلُهُ: [إلَّا نَفْلًا خَلْفَ فَرْضٍ] : أَيْ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا فَلَوْ اقْتَدَى مُتَنَفِّلٌ بِمُفْتَرِضٍ وَتَرَتَّبَ عَلَى الْإِمَامِ سَهْوٌ فِي الْفَرْضِ لَا يَقْتَضِي السُّجُودَ فِي النَّفْلِ - كَتَرْكِ سُورَةٍ - فَاسْتَظْهَرَ الْأَشْيَاخُ اتِّبَاعَهُ فِي السُّجُودِ كَمَسْبُوقٍ لَمْ يُدْرِكْ مُوجِبَهُ وَمُقْتَدٍ بِمُخَالِفٍ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ مُتَيَقِّنِ الْفَائِتَةِ كَشَاكٍّ فِيهَا لِاحْتِمَالِ بَرَاءَةِ الشَّاكِّ بِالْفِعْلِ

وَفَرَّعَ عَلَى شَرْطِ الْمُسَاوَاةِ قَوْلَهُ: (فَلَا يَصِحُّ) لِمَأْمُومٍ (صُبْحٌ) صَلَّاهُ (بَعْدَ شَمْسٍ) بِاقْتِدَائِهِ (بِمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً قَبْلَهَا) : أَيْ قَبْلَ الشَّمْسِ فَاقْتَدَى بِهِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا لِلْإِمَامِ أَدَاءٌ وَلِلْمَأْمُومِ قَضَاءٌ.
وَذَكَرَ شَرْطَ الِاقْتِدَاءِ الثَّالِثَ بِقَوْلِهِ: (وَمُتَابَعَةٌ) لِلْإِمَامِ (فِي إحْرَامٍ وَسَلَامٍ) بِأَنْ يُكَبِّرَ لِلْإِحْرَامِ بَعْدَهُ وَيُسَلِّمَ بَعْدَهُ.
(فَالْمُسَاوَاةُ) فِيهِمَا (مُبْطِلَةٌ) وَأَوْلَى السَّبْقُ وَلَوْ خَتَمَ بَعْدَهُ فِيهِمَا.
وَصَحَّتْ إنْ ابْتَدَأَ بَعْدَهُ وَخَتَمَ بَعْدَهُ قَطْعًا أَوْ مَعَهُ عَلَى الصَّحِيحِ لَا إنْ خَتَمَ قَبْلَهُ.
فَالصُّوَرُ تِسْعٌ

[حاشية الصاوي]

وَإِنْ وَجَبَ ظَاهِرًا فَيَكُونُ فَرْضًا خَلْفَ نَفْلٍ، وَبِهَذَا أَلْغَزَ (عب) : رَجُلَانِ فِي كُلِّ شُرُوطِ الْإِمَامَةِ تَصِحُّ إمَامَةُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فِي صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا؟ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمِنْ هُنَا مَا وَقَعَ: صَلَّى بِنَا شَيْخُنَا الْعَصْرَ - يَعْنِي الشَّيْخَ الْعَدَوِيَّ - فَقَالَ لَنَا إنْسَانٌ: صَلَّيْتُمْ قَبْلَ الْعَصْرِ وَعَارَضَهُ آخَرُ، فَحَصَلَ شَكٌّ وَأَرَدْنَا الْإِعَادَةَ فَأَرَادَ الدُّخُولَ مَعَنَا أُنَاسٌ لَمْ يُصَلُّوا أَوَّلًا، فَقُلْت قَدِّمُوا بَعْضَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ أَوَّلًا، وَاسْتَحْسَنَ كَلَامِي بَعْضُ الْعَارِفِينَ - يَعْنِي بِهِ شَيْخَنَا الْمُؤَلِّفَ - فَقَالَ الشَّيْخُ إنَّ إعَادَتَنَا وَاجِبَةٌ وَصَلَّى بِالْجَمِيعِ ثَانِيًا وَالْعُهْدَةُ عَلَيْهِ (اهـ.) قَوْلُهُ [لِأَنَّهَا لِلْإِمَامِ أَدَاءٌ] إلَخْ: أَيْ فَالْبُطْلَانُ جَاءَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَمِنْ حَيْثُ اخْتِلَافُهُمَا فِي النِّيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ أَوَّلَ بَابِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ.
قَوْلُهُ: [وَمُتَابَعَةٌ لِلْإِمَامِ] إلَخْ: الْمُفَاعَلَةُ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا.
قَوْلُهُ: [فَالْمُسَاوَاةُ فِيهِمَا مُبْطِلَةٌ] : أَيْ وَإِنْ بِشَكٍّ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فِي الْمَأْمُومِيَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ أَوْ الْفِدْيَةِ، فَإِذَا شَكَّ: هَلْ هُوَ مَأْمُومٌ أَوْ إمَامٌ أَوْ فَذٌّ أَوْ فِي مَأْمُومِيَّةٍ مَعَ أَحَدِهِمَا وَسَاوَاهُ أَوْ سَبَقَهُ بَطَلَتْ عَلَيْهِ.
وَكَذَا لَوْ شَكَّ كُلٌّ مِنْهُمَا بَطَلَتْ عَلَيْهِمَا إنْ تَسَاوَيَا، وَإِلَّا فَعَلَى السَّابِقِ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِنَا (فِي الْمَأْمُومِيَّةِ) : أَنَّهُ إذَا شَكَّ أَحَدُهُمَا فِي الْإِمَامِيَّةِ وَالْفِدْيَةِ لَا تَبْطُلُ بِسَلَامِهِ قَبْلَ الْآخَرِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهُ كَانَ مَأْمُومًا فِي الْوَاقِعِ.
وَكَذَا لَوْ شَكَّ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْإِمَامِيَّةِ وَالْفِدْيَةِ، أَوْ نَوَى كُلٌّ مِنْهُمَا إمَامَةَ الْآخَرِ صَحَّتْ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ.

تَصِحُّ فِي صُورَتَيْنِ وَتَبْطُلُ فِي الْبَاقِي، إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ سَهْوًا قَبْلَ إمَامِهِ فَيُعِيدُهُ بَعْدَهُ وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ.
(وَحَرُمَ) عَلَى الْمَأْمُومِ (سَبْقُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (فِي غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ مِنْ سَائِرِ الْأَرْكَانِ، وَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ (وَكُرِهَ مُسَاوَاتُهُ) فِي غَيْرِهِمَا.
(وَ) إنْ سَبَقَهُ فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ رَفْعٍ مِنْهُمَا وَلَوْ سَهْوًا (أُمِرَ) وُجُوبًا - وَقِيلَ: اسْتِنَانًا - (بِعَوْدِهِ لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ (إنْ عَلِمَ إدْرَاكَهُ) فِيهِ لِيَرْفَعَ بِرَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ، أَوْ يَخْفِضَ بِخَفْضِهِ لِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ إنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ قَبْلَهُ.
وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ: مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ، فَإِنْ لَمْ يَظُنَّ إدْرَاكَهُ فَلَا يُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَتَبْطُلُ فِي الْبَاقِي] : لَكِنَّ الْبُطْلَانَ فِي أَرْبَعَةٍ مِنْهَا اتِّفَاقًا، وَهِيَ: مَا إذَا سَبَقَ الْإِمَامَ وَلَوْ بِحَرْفٍ وَخَتَمَ مَعَهُ، أَوْ قَبْلَهُ، أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ سَاوَاهُ فِي الْبَدْءِ وَخَتَمَ قَبْلَهُ.
وَأَمَّا إذَا سَاوَاهُ فِي الْبَدْءِ وَخَتَمَ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَالْبُطْلَانُ فِيهِمَا عَلَى الرَّاجِحِ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَأَصْبَغَ، وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ.
وَكَذَلِكَ إذَا سَبَقَهُ الْإِمَامُ فِي الْبَدْءِ وَخَتَمَ قَبْلَ الْإِمَامِ فَالْبُطْلَانُ فِيهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِاسْتِظْهَارِ ابْنِ عَرَفَةَ الصِّحَّةَ.
قَوْلُهُ: [وَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ] : أَيْ حَيْثُ كَانَ يَشْرَعُ فِيهِ قَبْلَ الْإِمَامِ وَيَسْتَمِرُّ حَتَّى يَأْخُذَ فَرْضَهُ مَعَهُ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ يَرْكَعُ قَبْلَهُ مَثَلًا وَيَرْفَعُ قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ فَهُوَ مُبْطِلٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ فَرْضَهُ مَعَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَهْوًا فَيَرْجِعُ لَهُ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [فَلَا يُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ] : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ أَخَذَ فَرْضَهُ مَعَ الْإِمَامِ.
وَإِلَّا أُمِرَ بِالْعَوْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنْ تَرَكَ الْعَوْدَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ كَمَنْ سَبَقَ الْإِمَامَ بِرُكْنٍ.
وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ أَنْ تَقُولَ مَنْ رَفَعَ مِنْ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ مَثَلًا فَتَارَةً يَكُونُ رَفْعُهُ مِنْهُمَا قَبْلَ أَخْذِ فَرْضِهِ مَعَ الْإِمَامِ، وَتَارَةً يَكُونُ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ رَفْعُهُ بَعْدُ فَإِنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ وَكَذَلِكَ الرَّكْعَةُ مُطْلَقًا - سَبَقَ الْإِمَامَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَوْ سَهْوًا - وَيُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، فَإِنْ لَمْ يُعِدْ مَعَ تَمَكُّنِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ رَفْعُهُ قَبْلَ أَخْذِ فَرْضِهِ فَالصَّلَاةُ بَاطِلَةٌ إذَا سَبَقَ الْإِمَامَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا وَرَفَعَ قَبْلَهُ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا؛ لِأَنَّهُ مُتَعَمِّدُ تَرْكِ رُكْنٍ إنْ اعْتَدَّ بِمَا فَعَلَهُ وَلَمْ يُعِدْهُ، وَإِنْ اعْتَدَّ بِمَا فَعَلَهُ وَأَعَادَهُ، فَقَدْ تَعَمَّدَ زِيَادَةَ رُكْنٍ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ رَفْعُهُ سَهْوًا وَجَبَ

وَإِذَا أُمِرَ بِالْعَوْدِ فَلَمْ يَعُدْ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ إنْ أَخَذَ فَرْضَهُ بِالطُّمَأْنِينَةِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ إذَا لَمْ يُعِدْ.
وَتَفْصِيلُ الشَّيْخِ بَيْنَ الرَّفْعِ فَيُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ وَالْخَفْضِ فَلَا يُؤْمَرُ ضَعِيفٌ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ الْأَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ جَمَاعَةٍ كُلٌّ مِنْهُمْ صَالِحٌ لِلْإِمَامَةِ فَقَالَ: (وَنُدِبَ تَقْدِيمُ سُلْطَانٍ) : أَوْ نَائِبِهِ وَلَوْ بِمَسْجِدٍ لَهُ رَاتِبٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُلْطَانٌ أَوْ نَائِبُهُ فَرَاتِبُ الْمَسْجِدِ إنْ كَانُوا بِهِ وَإِلَّا (فَرَبُّ مَنْزِلٍ) إنْ كَانُوا بِهِ.
(وَ) نُدِبَ تَقْدِيمُ (الْمُسْتَأْجِرِ) لَهُ (عَلَى الْمَالِكِ) إنْ اجْتَمَعَا بِهِ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَنَافِعِهِ، (وَإِنْ) كَانَ رَبُّ الْمَنْزِلِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرُ (عَبْدًا كَامْرَأَةٍ وَاسْتَخْلَفَتْ) مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، وَالْأَوْلَى لَهَا اسْتِخْلَافُ الْأَفْضَلِ.
(كَمَنْ قَامَ بِهِ مَانِعٌ) لِلْإِمَامَةِ (مِنْهُمَا) أَيْ السُّلْطَانِ وَرَبِّ الْمَنْزِلِ كَعَجْزٍ عَنْ رُكْنٍ فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ مَنْ يَصْلُحُ لَهَا.

[حاشية الصاوي]

الرُّجُوعُ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ، وَسَهْوًا: كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ زُوحِمَ عَنْهُ فَيَجْرِي عَلَى تَفْصِيلِ الْمُزَاحَمَةِ.
قَوْلُهُ: [ضَعِيفٌ] : أَيْ لِأَنَّهُ مَبْحُوثٌ فِي عِلَّتِهِ.

[الْأَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ لِلْإِمَامَةِ]

[تَنْبِيه الْمُتَسَاوُونَ إِن تَشَاحُّوا فِي الْإِمَامَة]

قَوْلُهُ: [كُلٌّ مِنْهُمْ صَالِحٌ لِلْإِمَامَةِ] : أَيْ بِأَنْ لَا يَكُونَ بِأَحَدِهِمْ نَقْصٌ مُنِعَ أَوْ كُرِهَ.
فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ نَقْصٌ مُنِعَ أَوْ كُرِهَ فَلَا حَقَّ لَهُمْ فِي التَّقَدُّمِ، إلَّا السُّلْطَانَ وَرَبَّ الْمَنْزِلِ؛ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُمَا وَنُدِبَ لَهُمَا الِاسْتِخْلَافُ وَعَدَمُ إهْمَالِ الْأَمْرِ لِغَيْرِهِمَا إذَا كَانَ النَّقْصُ غَيْرَ كُفْرٍ وَجُنُونٍ، وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَهُمَا أَصْلًا.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِمَنَافِعِهِ] : أَيْ وَلِخِبْرَتِهِ بِطَهَارَةِ الْمَكَانِ.
وَالنَّدْبُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ لَا يُنَافِي الْقَضَاءَ عِنْدَ التَّنَازُعِ، وَمِثْلُ الْمُسْتَأْجِرِ كُلُّ مَنْ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ بِإِعَارَةٍ أَوْ عُمْرَى أَوْ وَقْفٍ.
قَوْلُهُ: [وَاسْتَخْلَفَتْ] : أَيْ نَدْبًا وَقِيلَ وُجُوبًا، وَالْحَقُّ أَنَّ الْخَلَفَ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ مَنْ قَالَ وُجُوبًا مُرَادُهُ أَنَّهَا لَا تُبَاشِرُ الْإِمَامَةَ بِنَفْسِهَا، وَمَنْ قَالَ نَدْبًا مُرَادُهُ أَنَّهَا لَا تُتْرَكُ لِلْقَوْمِ هَمَلًا.

(فَأَبٍ فَعَمٍّ) هُوَ وَمَا بَعْدَهُ بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى سُلْطَانٍ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْفَاءِ أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِثُمَّ.
(فَزَائِدِ فِقْهٍ) عَلَى مَنْ دُونَهُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ أَزْيَدَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ.
(فَ) زَائِدِ (حَدِيثٍ) أَيْ أَوْسَعَ رِوَايَةً وَحِفْظًا.
(فَ) زَائِدِ (قِرَاءَةٍ) أَيْ أَدْرَى بِطُرُقِ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرَ قُرْآنًا أَوْ أَشَدَّ إتْقَانًا أَوْ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ فِي مَخَارِجِ الْحُرُوفِ.
(فَ) زَائِدِ (عِبَادَةٍ) أَيْ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ فِي نَوَافِلِ الْخَيْرِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا (فَمُسِنٍّ فِي الْإِسْلَامِ) . (فَقُرَشِيٍّ) لَا فَرْقَ بَيْنَ أَوْلَادِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَغَيْرِهِ، كَأَوْلَادِ الْعَبَّاسِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بَنُو عَلِيٍّ مِنْ الزَّهْرَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَوْلَى.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِثُمَّ] : أَيْ لِلِاخْتِصَارِ.
وَالْمَقْصُودُ مُطْلَقُ التَّرْتِيبِ وَهُوَ مُسْتَفَادٌ بِكُلٍّ، وَذِكْرُهُ الْأَبَ وَالْعَمَّ هُنَا عَقِبَ رَبِّ الْمَنْزِلِ هُوَ الْأَوْلَى خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ مِنْ تَأْخِيرِهِمَا، فَإِنَّهُ مُعْتَرِضٌ، وَتَقْدِيمُ الْأَبِ وَالْعَمِّ الِابْنَ وَابْنَ الْأَخِ عِنْدَ الْمُشَاحَّةِ.
وَأَمَّا عِنْدَ التَّرَاضِي فَالِابْنُ أَوْ ابْنُ الْأَخِ الزَّائِدُ فِي الْفَضْلِ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: [فَزَائِدِ فِقْهٍ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِأَحْوَالِ الصَّلَاةِ فَيُقَدَّمُ؛ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَعْلَى مِنْهُ رُتْبَةً، كَعُلَمَاءِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ أَوْسَعَ رِوَايَةً] إلَخْ: وَاسِعُ الرِّوَايَةِ: هُوَ الْمُتَلَقِّي كَثِيرًا مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ سَوَاءٌ حَفِظَ مَا تَلَقَّاهُ أَمْ لَا، وَوَاسِعُ الْحِفْظِ هُوَ الَّذِي يَحْفَظُ كَثِيرًا مِنْ الْأَحَادِيثِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ] إلَخْ: أَيْ وَيُقَدَّمُ الْأَحْسَنُ تَجْوِيدًا وَلَوْ كَانَ أَقَلَّ حِفْظًا.
قَوْلُهُ: [فَزَائِدُ عِبَادَةٍ] : أَيْ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ لِلَّهِ بِنَصِّ الْحَدِيثِ وَالْفَرْضِ أَنَّهُ يُسَاوِي غَيْرَهُ فِي الصِّفَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
قَوْلُهُ: [فَمُسِنٍّ فِي الْإِسْلَامِ] : أَيْ وَلَا عِبْرَةَ بِالسِّنِّ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَابْنُ عِشْرِينَ نَشَأَ مُسْلِمًا مُقَدَّمٌ عَلَى ابْنِ أَرْبَعِينَ لَمْ يَكْمُلْ لَهُ عِشْرُونَ فِي الْإِسْلَامِ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ قُرَيْشًا فِرَقٌ كَثِيرَةٌ سُمُّوا بِاسْمِ جَدِّهِمْ الْأَعْلَى.
وَالْأَكْثَرُ أَنَّ قُرَيْشًا هُوَ النَّضْرُ وَقِيلَ هُوَ فِهْرٌ أَحَدُ أَجْدَادِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَلَمْ يُمَيِّزُوا فِي التَّقْدِيمِ قَبِيلَةً عَلَى أُخْرَى؛ وَإِنْ كَانَ النَّظَرُ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ بَنِي عَلِيٍّ مِنْ الزَّهْرَاءِ عَلَى بَنِيهِ مِنْ غَيْرِهَا، وَبَنُوهُ مِنْ غَيْرِهَا وَبَنُو الْعَبَّاسِ سَوَاءٌ، وَهُمْ يُقَدَّمُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَهُمْ يُقَدَّمُونَ عَلَى بَنِي الْمُطَّلِبِ أَخِي هَاشِمٍ وَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَهَكَذَا.
(فَمَعْلُومٍ نَسَبُهُ) تَصِحُّ الْإِضَافَةُ وَتَنْوِينُ الْأَوَّلِ وَرَفْعُ الثَّانِي.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فِرَقٌ كَثِيرَةٌ] : خِيَارُهَا بَنُو هَاشِمٍ.
قَوْلُهُ: [وَالْأَكْثَرُ أَنَّ قُرَيْشًا] إلَخْ: أَيْ لِقَوْلِ الْعِرَاقِيِّ فِي السِّيرَةِ: أَمَّا قُرَيْشٌ فَالْأَصَحُّ فِهْرُ ... جِمَاعُهَا وَالْأَكْثَرُونَ النَّضْرُ قَوْلُهُ: [فَمَعْلُومٍ نَسَبُهُ] : أَيْ لِأَنَّهُ أَصْوَنُ لِعِرْضِهِ.

(فَحُسْنِ خُلُقٍ) بِضَمِّ الْخَاءِ (فَخَلْقٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ (فَلِبَاسٍ) أَيْ فَحُسْنِ لِبَاسٍ.
(وَ) نُدِبَ تَقْدِيمُ (الْأَوْرَعِ وَالزَّاهِدِ وَالْحُرِّ عَلَى غَيْرِهِمْ) رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَعْطِفْهَا بِالْفَاءِ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْأَوْرَعُ فِي كُلِّ مَا قُرِنَ بِالْفَاءِ، فَقَوْلُنَا: " فَزَائِدِ فِقْهٍ " أَيْ وَيُقَدَّمُ مِنْهُ الْأَوْرَعُ إلَخْ، فَلَوْ عُطِفَ بِالْفَاءِ لَاقْتَضَى أَنَّ مَرْتَبَةَ الْأَوْرَعِ وَمَا بَعْدَهُ تَلِي مَرْتَبَةَ حَسَنِ اللِّبَاسِ - وَلَيْسَ كَذَلِكَ - فَتَدَبَّرْ.
(وَوُقُوفُ ذَكَرٍ) عُطِفَ عَلَى " تَقْدِيمُ ": أَيْ وَنُدِبَ وُقُوفُ ذَكَرٍ (وَلَوْ صَبِيًّا عَقَلَ الْقُرْبَةَ) أَيْ الْعِبَادَةَ وَإِلَّا تُرِكَ يَقِفُ حَيْثُ شَاءَ (عَنْ يَمِينِهِ وَ) نُدِبَ (تَأَخُّرُهُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْإِمَامِ (قَلِيلًا) لِيَتَمَيَّزَ الْمَأْمُومُ عَنْ الْإِمَامِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِضَمِّ الْخَاءِ] : أَيْ وَاللَّامُ مَضْمُومَةٌ أَوْ سَاكِنَةٌ وَهُوَ الْحِلْمُ، لِأَنَّهُ التَّحَلِّي بِالْفَضَائِلِ وَالتَّنَزُّهُ عَنْ الرَّذَائِلِ، لَا مَا يَعْتَقِدُهُ الْعَوَامُّ مِنْ أَنَّهُ مُسَايَرَةُ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ مُغْضِبًا لِلَّهِ؛ فَإِنَّ مَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ فَهُوَ مُدَاهِنٌ لَا حَسَنُ الْخُلُقِ.
قَوْلُهُ: [بِفَتْحِ الْخَاءِ] إلَخْ: أَيْ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ الصُّورَةُ الْحَسَنَةُ لِأَنَّ الْخَيْرَ وَالْعَقْلَ يَتْبَعَانِهَا غَالِبًا.
قَالَ (بْن) نَقْلًا عَنْ عِيَاضٍ: قَرَأْت فِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ وَجْهًا حَسَنًا وَاسْمًا حَسَنًا وَخُلُقًا حَسَنًا وَجَعَلَهُ فِي مَوْضِعٍ حَسَنٍ فَهُوَ مِنْ صَفْوَةِ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ» . قَوْلُهُ: [أَيْ فَحَسَنِ لِبَاسٍ] : أَيْ شَرْعًا وَعُرْفًا وَهُوَ الْجَدِيدُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ الْحَرِيرِ، وَإِنَّمَا قُدِّمَ صَاحِبُ اللِّبَاسِ الْحَسَنِ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ لِدَلَالَةِ حُسْنِ اللِّبَاسِ عَلَى شَرَفِ النَّفْسِ وَالْبُعْدِ عَنْ الْمُسْتَقْذَرَاتِ، وَقَدَّمَهُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى جَمِيلِ الْخِلْقَةِ.
قَوْلُهُ: [تَقْدِيمُ الْأَوْرَعِ] : أَيْ وَهُوَ التَّارِكُ لِبَعْضِ الْمُبَاحَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ، فَيُقَدَّمُ عَلَى الْوَرِعِ وَهُوَ التَّارِكُ لِلشُّبُهَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَعَطْفُ الزَّاهِدِ عَلَى الْأَوْرَعِ مِنْ عَطْفِ التَّفْسِيرِ.
تَنْبِيهٌ: إنْ تَشَاحَّ مُتَسَاوُونَ فِي الرُّتْبَةِ فِي طَلَبِ التَّقَدُّمِ - لَا لِكِبْرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ لِطَلَبِ الثَّوَابِ أَوْ لِأَخْذِ الْوَظِيفَةِ - اقْتَرَعُوا.
وَأَمَّا لَوْ تَشَاحُّوا لِكِبْرٍ سَقَطَ حَقُّهُمْ لِأَنَّهُمْ حِينَئِذٍ فُسَّاقٌ وَلَا حَقَّ لَهُمْ فِيهَا، بَلْ تَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُمْ.

(وَ) نُدِبَ وُقُوفُ (اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ خَلْفَهُ) أَيْ خَلْفَ الْإِمَامِ.
(وَ) نُدِبَ وُقُوفُ (نِسَاءٍ خَلْفَ الْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعِ مَنْ ذُكِرَ فَمَعَ إمَامٍ وَحْدَهُ خَلْفَهُ وَمَعَ إمَامٍ مَعَهُ ذَكَرٌ عَنْ يَمِينِهِ خَلْفَهُمَا، وَمَعَ رِجَالٍ خَلْفَهُ خَلْفَهُمْ.

ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ الْمَسْبُوقُ إذَا وَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا أَوْ جَالِسًا لِتَشَهُّدٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَالَ: (وَكَبَّرَ الْمَسْبُوقُ بَعْدَ) تَكْبِيرَةِ (الْإِحْرَامِ لِرُكُوعٍ) إذَا وَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا أَوْ رَافِعًا مِنْهُ وَيَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ مَتَى انْحَنَى قَبْلَ اعْتِدَالِ الْإِمَامِ وَلَوْ لَمْ يَطْمَئِنَّ فِي رُكُوعِهِ إلَّا بَعْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ - إنْ أَتَى بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ مِنْ قِيَامٍ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي أَيْضًا آخِرَ هَذَا الْفَصْلِ (أَوْ سُجُودٍ) : أَيْ وَكَبَّرَ لِسُجُودٍ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ إذَا وَجَدَ الْإِمَامَ بِهِ أَوْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ فَيَخِرُّ مَعَهُ مُكَبِّرًا (لَا) يُكَبِّرُ (لِجُلُوسٍ) أَوَّلَ أَوْ ثَانٍ وَجَدَ الْإِمَامَ بِهِ أَوْ بَيْنَ سَجْدَتَيْنِ، بَلْ يُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ مِنْ قِيَامٍ وَيَجْلِسُ بِلَا تَكْبِيرٍ (وَلَا يُؤَخِّرُ) الدُّخُولَ مَعَ الْإِمَامِ فِي أَيِّ حَالَةٍ مِنْ الْحَالَاتِ حَتَّى يَقُومَ لِلرَّكْعَةِ الَّتِي تَلِيهَا هَذَا شَأْنُهُ فِي التَّكْبِيرِ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا شَأْنُهُ فِيهِ إذَا قَامَ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ فَأَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ [خَلْفَ الْجَمِيعِ] : وَيَقِفُ الْخُنْثَى أَمَامَ النِّسَاءِ فَيَتَوَسَّطُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَفِي (ح) يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَؤُمَّ الْأَجْنَبِيَّاتِ وَحْدَهُنَّ.
وَالْكَرَاهَةُ فِي الْوَاحِدَةِ أَشَدُّ.

[صَلَاة الْمَسْبُوق]

قَوْلُهُ: [وَلَا يُؤَخِّرُ الدُّخُولَ] إلَخْ: فَيَحْرُمُ التَّأْخِيرُ إنْ وَجَدَهُ رَاكِعًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الدُّخُولِ شَاكًّا فِي إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ وَإِلَّا نُدِبَ لَهُ التَّأْخِيرُ.
وَإِنَّمَا وَجَبَ الدُّخُولُ بِشَرْطِهِ؛ لِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ طَعْنًا فِي الْإِمَامِ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ رَاتِبٌ.
وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ فِي غَيْرِ الرُّكُوعِ فَمَكْرُوهٌ إذَا لَمْ يَكُنْ مُعِيدًا لِفَضْلِ الْجَمَاعَةِ، وَإِلَّا أَخَّرَ دُخُولَهُ حَتَّى يَعْلَمَ هَلْ بَقِيَ مَعَهُ رَكْعَةٌ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [وَقَامَ الْمَسْبُوقُ] : أَيْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَإِنْ قَامَ لَهُ قَبْلَ سَلَامِهِ بَطَلَتْ.
وَأَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ نِيَّةَ الْمُفَارَقَةِ.
وَهَذَا إذَا قَامَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا، فَإِنْ قَامَ سَهْوًا أَلْغَى مَا فَعَلَ وَرَجَعَ لِلْإِمَامِ فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ إلَّا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ فَيُلْغِي مَا فَعَلَهُ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ.

(وَقَامَ) الْمَسْبُوقُ (لِلْقَضَاءِ بِتَكْبِيرٍ إنْ جَلَسَ) الْمَسْبُوقُ (فِي ثَانِيَتِهِ) هُوَ، بِأَنْ أَدْرَكَ مَعَ إمَامِهِ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ ثُلَاثِيَّةٍ؛ لِأَنَّ جُلُوسَهُ حِينَئِذٍ فِي مَحَلِّهِ فَيَقُومُ بِتَكْبِيرٍ (وَإِلَّا) يَجْلِسُ فِي ثَانِيَتِهِ؛ بِأَنْ جَلَسَ فِي أُولَاهُ كَمُدْرِكٍ الرَّابِعَةَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ، أَوْ الثَّالِثَةَ مِنْ ثُلَاثِيَّةٍ، أَوْ الثَّانِيَةَ مِنْ ثُنَائِيَّةٍ، أَوْ جَلَسَ فِي ثَالِثَةٍ كَمَنْ أَدْرَكَ الثَّانِيَةَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ (فَلَا) يَقُومُ بِتَكْبِيرٍ لِأَنَّ جُلُوسَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَإِنَّمَا هُوَ لِمُوَافَقَةِ الْإِمَامِ، وَقَدْ رَفَعَ مَعَهُ بِتَكْبِيرٍ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لِقِيَامِهِ.
وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (إلَّا مُدْرِكٌ) مَا (دُونَ رَكْعَةٍ) كَمُدْرِكٍ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ؛ فَإِنَّهُ يَقُومُ بِتَكْبِيرٍ لِأَنَّهُ كَمُفْتَتِحِ صَلَاةٍ.
(وَ) إذَا قَامَ الْمَسْبُوقُ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ (قَضَى الْقَوْلَ) : وَالْمُرَادُ بِهِ خُصُوصُ الْقِرَاءَةِ وَصِفَتُهَا مِنْ سِرٍّ أَوْ جَهْرٍ، بِأَنْ يَجْعَلَ مَا فَاتَهُ قَبْلَ دُخُولِهِ مَعَ الْإِمَامِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أَوَّلَ صَلَاتِهِ وَمَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ آخِرَهَا، (وَبَنَى

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِتَكْبِيرٍ] : أَيْ يَأْتِي بِهِ بَعْدَ اسْتِقْلَالِهِ لَا أَنَّهُ يُكَبِّرُ حَالَ قِيَامِهِ قَبْلَ اسْتِقْلَالِهِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا مَا دُونَ رَكْعَةٍ] إلَخْ: مَا ذَكَرَهُ هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَمُقَابِلُهُ مَا خَرَّجَهُ سَنَدٌ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: إذَا جَلَسَ فِي ثَانِيَتِهِ يَقُومُ بِلَا تَكْبِيرٍ أَيْضًا، وَمَا نَقَلَهُ زَرُّوقٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَنَّهُ يَقُومُ بِتَكْبِيرٍ مُطْلَقًا.
قَالَ: وَكَانَ شَيْخُنَا الْقُورِيُّ يُفْتِي بِهِ الْعَامَّةَ لِئَلَّا يُخْطِئُوا.
فَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ كَمُفْتَتِحِ صَلَاةٍ] : يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ التَّكْبِيرَ حَتَّى يَسْتَقِلَّ قَائِمًا.
قَوْلُهُ: [قَضَى الْقَوْلَ] إلَخْ: مَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُوَ مَذْهَبُنَا.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ يَقْضِي الْقَوْلَ وَالْفِعْلَ، وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنْ يَبْنِيَ فِيهِمَا وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ خَبَرُ: «إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» وَرَوَى: «فَاقْضُوا» فَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِرَاوِيَةِ: «فَأَتِمُّوا» وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ بِرَاوِيَةِ: «فَاقْضُوا» وَعَمِلَ مَالِكٌ بِكِلَيْهِمَا لِقَاعِدَةِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ: إذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ جُمِعَ، فَحَمَلَ رِوَايَةَ «فَأَتِمُّوا»

الْفِعْلَ: وَهُوَ) أَيْ الْفِعْلُ أَيْ وَالْمُرَادُ بِالْفِعْلِ (مَا عَدَا الْقِرَاءَةَ) بِصِفَتِهَا فَيَشْمَلُ التَّسْمِيعَ وَالتَّحْمِيدَ وَالْقُنُوتَ، بِأَنْ يَجْعَلَ مَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَفْعَالِ، وَمَا فَاتَهُ آخِرَهَا فَيَكُونُ فِيهِ كَالْمُصَلِّي وَحْدَهُ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ (فَمُدْرِكُ ثَانِيَةِ الصُّبْحِ) مَعَ الْإِمَامِ (يَقْنُتُ فِي رَكْعَةِ الْقَضَاءِ) لِأَنَّهَا آخِرَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْفِعْلِ الَّذِي مِنْهُ الْقُنُوتُ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ؛ لِأَنَّهَا آخِرَتُهُ وَهُوَ فِيهَا كَالْمُصَلِّي وَحْدَهُ.
فَمَنْ أَدْرَكَ أَخِيرَةَ الْمَغْرِبِ قَامَ بِلَا تَكْبِيرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْلِسْ فِي ثَانِيَتِهِ وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ

[حاشية الصاوي]

عَلَى الْأَفْعَالِ، وَرِوَايَةَ «فَاقْضُوا» عَلَى الْأَقْوَالِ.
فَإِذَا أَدْرَكَ أَخِيرَةَ الْمَغْرِبِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا وَيَجْلِسُ، ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ فَيَتَشَهَّدُ.
وَعَلَى مَا لِأَبِي حَنِيفَةَ: يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا وَلَا يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ قَاضٍ فِيهِمَا قَوْلًا وَفِعْلًا.
وَأَمَّا عَلَى مَا لِمَالِكٍ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ جَهْرًا وَيَجْلِسُ: بَيْنَهُمَا، وَعَلَى ذَلِكَ فَقِسْ.
وَمَا نُسِبَ لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَبِعْنَا فِيهِ حَاشِيَةَ الْأَصْلِ، وَلَكِنَّ الَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ كَمَذْهَبِنَا سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ؛ وَنَصُّهُ: وَيَقْضِي أَوَّلَ صَلَاتِهِ فِي حَقِّ قِرَاءَةٍ وَآخِرَهَا فِي حَقِّ تَشَهُّدٍ، فَمُدْرِكُ رَكْعَةٍ مِنْ غَيْرِ فَجْرٍ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ بِفَاتِحَةٍ وَسُورَةٍ وَتَشَهُّدٍ بَيْنَهُمَا (اهـ بِحُرُوفِهِ) . قَوْلُهُ: [فَيَشْمَلُ التَّسْمِيعَ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ لَهَا حُكْمَ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا بَانِيًا.
قَوْلُهُ: [يَقْنُتُ فِي رَكْعَةِ الْقَضَاءِ] : تَبِعَ فِيهِ الْأُجْهُورِيَّ وَالْجُزُولِيَّ وَابْنَ عُمَرَ وَاَلَّذِي فِي الْعُتْبِيَّةِ - وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ - أَنَّ مُدْرِكَ ثَانِيَةِ الصُّبْحِ لَا يَقْنُتُ إذَا قَامَ لِقَضَاءِ الْأُولَى الَّتِي فَاتَتْهُ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْلِ الَّذِي يَقْضِي الْقِرَاءَةَ وَالْقُنُوتَ كَمَا ذَكَرَهُ (بْن) .

وَسُورَةٍ جَهْرًا لِأَنَّهُ قَاضِي الْقَوْلَ، أَيْ يَجْعَلُ مَا فَاتَهُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ وَأَوَّلَهَا بِالْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ جَهْرًا وَيَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ لِأَنَّهُ بَانِي الْفِعْلَ أَيْ جَعَلَ مَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَهَذِهِ الَّتِي أَتَى بِهَا هِيَ الثَّانِيَةُ، وَالثَّانِيَةُ يَجْلِسُ بَعْدَهَا ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا لِأَنَّهَا الثَّانِيَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَوْلِ - أَيْ الْقِرَاءَةَ - وَيَجْمَعُ بَيْنَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ لِأَنَّهُ وَمَنْ أَدْرَكَ أَخِيرَةَ الْعِشَاءِ أَتَى بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَوْلِ، فَيَقْضِي كَمَا فَاتَ وَيَجْلِسُ لِلتَّشَهُّدِ لِأَنَّهَا ثَانِيَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَفْعَالِ، ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا لِأَنَّهَا ثَانِيَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَقْوَالِ، وَلَا يَجْلِسُ بَعْدَهَا لِأَنَّهَا ثَانِيَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَقْوَالِ، وَلَا يَجْلِسُ بَعْدَهَا لِأَنَّهَا ثَالِثَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَفْعَالِ ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِالْفَاتِحَةِ فَقَطْ سِرًّا لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتِهِ.
وَمَنْ أَدْرَكَ الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْهَا أَتَى بِرَكْعَتَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ جَهْرًا لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَأَحْرَمَ) : أَيْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَرَكَعَ (مَنْ خَشِيَ) بِاسْتِمْرَارِهِ بِسَكِينَةٍ إلَى الصَّفِّ (فَوَاتَ رَكْعَةٍ) بِرَفْعِ الْإِمَامِ مِنْ رُكُوعِهِ إنْ لَمْ يُحْرِمْ (دُونَ الصَّفِّ) مُتَعَلِّقٌ بِأَحْرَمَ (إنْ ظَنَّ إدْرَاكَهُ) أَيْ إدْرَاكَ الصَّفِّ فِي رُكُوعِهِ دَابًّا إلَيْهِ (قَبْلَ الرَّفْعِ) : أَيْ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ يَعْنِي: أَنَّ مَنْ وَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا وَخَافَ أَنَّهُ إنْ اسْتَمَرَّ لِلصَّفِّ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فَتَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ، فَإِنَّهُ يُحْرِمُ وَيَرْكَعُ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ يَدِبُّ فِي رُكُوعِهِ إلَى الصَّفِّ، وَيَرْفَعُ بِرَفْعِ الْإِمَامِ (وَإِلَّا) يَظُنُّ إدْرَاكَ الصَّفِّ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ (تَمَادَى إلَيْهِ) أَيْ إلَى الصَّفِّ بِلَا خَبَبٍ وَلَا يُحْرِمُ دُونَهُ وَلَوْ فَاتَهُ الرُّكُوعُ (إلَّا أَنْ تَكُونَ) الرَّكْعَةُ (الْأَخِيرَةُ) مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ يُحْرِمُ دُونَهُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يُحْرِمُ وَيَرْكَعُ دُونَ الصَّفِّ] : إنَّمَا أُمِرَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الرَّكْعَةِ وَالصَّفِّ مَعًا خَيْرٌ مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى أَحَدِهِمَا فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [تَمَادَى إلَيْهِ] : أَيْ نَدْبًا، وَقَوْلُهُ " وَلَا يُحْرِمُ دُونَهُ " إلَخْ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَرْكَعُ دُونَ الصَّفِّ وَيُدْرِكُ الرَّكْعَةَ، فَرَأْيُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الرَّكْعَةِ أَوْلَى مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّفِّ عَكْسُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَلَكِنْ رَجَّحَ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلَ مَالِكٍ فَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُؤَلِّفُ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ تَكُونَ الرَّكْعَةُ] إلَخْ: هَذَا الْقَيْدُ ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ وَالتُّونُسِيُّ قَالَ الْحَطَّابُ وَهُوَ تَقْيِيدٌ حَسَنٌ.

لِئَلَّا تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ (وَدَبَّ) : أَيْ مَشَى مَنْ أَحْرَمَ دُونَ الصَّفِّ، وَكَذَا مَنْ رَأَى فُرْجَةً وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ أَمَامَهُ أَوْ يَمِينَهُ أَوْ شِمَالَهُ (كَالصَّفَّيْنِ) غَيْرَ مَا خَرَجَ مِنْهُ أَوْ دَخَلَ فِيهِ، وَالْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ عَلَى الْأَرْجَحِ (لِآخِرِ فُرْجَةٍ) إنْ تَعَدَّدَتْ (رَاكِعًا) وَلَوْ خَبَبًا لِأَنَّ كَرَاهَةَ الْخَبَبِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا لَا بَعْدَهُ.
(أَوْ قَائِمًا فِي ثَانِيَتِهِ) لَا فِي رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعِهِ لِقِصَرِهِ وَهَذَا حَيْثُ خَابَ ظَنُّهُ - إذْ لَا يَرْفَعُ دُونَ الصَّفِّ إلَّا إذْ ظَنَّ إدْرَاكَ الصَّفِّ قَبْلَ الرَّفْعِ كَمَا تَقَدَّمَ - (لَا) يَدِبُّ لِلصَّفِّ (جَالِسًا) وَلَوْ فِي تَشَهُّدٍ جَالِسًا لِقُبْحِ الْحَالَةِ.
وَمَنْ وَجَدَ الْإِمَامَ رَاكِعًا أَوْ رَافِعًا مِنْ رُكُوعِهِ فَأَحْرَمَ وَرَكَعَ،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [لِآخِرِ فُرْجَةٍ] : أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِجِهَةِ الدَّاخِلِ، وَإِنْ كَانَتْ أَوْلَى بِالنِّسْبَةِ لِجِهَةِ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: [لَا بَعْدَهُ] : كَذَا قِيلَ.
قَالَ الْمِسْنَاوِيُّ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ أَوْ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْخَبَبَ إنَّمَا كُرِهَ - كَمَا لِابْنِ رُشْدٍ - لِئَلَّا تَذْهَبَ سَكِينَتُهُ، وَإِذَا كَانَ الْخَبَبُ يُكْرَهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ السَّكِينَةِ فَكَيْفَ لَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا طَلَبُ الْخُضُوعِ وَالتَّوَاضُعِ؟ (اهـ بْن) ، وَلِذَا قَالَ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْعَدَوِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَدِبُّ مِنْ غَيْرِ خَبَبٍ لِمُنَافَاتِهِ الْخُشُوعَ.
فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَ لَا يُحَبُّ فِيهَا فَكَيْفَ يَتَأَتَّى أَنَّهُ إذَا اسْتَمَرَّ بِلَا إحْرَامٍ لَا يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ فِي الصَّفِّ؟ فَإِذَا أَحْرَمَ خَارِجَ الصَّفِّ وَدَبَّ فِي رُكُوعِهِ أَدْرَكَهَا مَعَ أَنَّ الزَّمَنَ وَالْفِعْلَ وَاحِدٌ.
قُلْنَا: إذَا خَشِيَ الْفَوَاتَ عِنْدَ عَدَمِ الْهَرْوَلَةِ يُؤْمَرُ بِالرُّكُوعِ خَارِجَ الصَّفِّ، وَيَمْشِي بِغَيْرِ هَرْوَلَةٍ.
وَإِنَّمَا لَمْ نَقُلْ يَمْشِي قَبْلَ الدُّخُولِ لِئَلَّا يَتَخَلَّفَ ظَنُّهُ فَتَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ، بِخِلَافِ مَشْيِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا.
فَإِنْ أَدْرَكَ الصَّفَّ أَيْضًا فَذَاكَ وَلَا نَدْبَ فِي أَثْنَائِهَا (اهـ. بِالْمَعْنَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) قَوْلُهُ: [لَا فِي رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعَهُ] إلَخْ: فَلَوْ دَبَّ فِي رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعِهِ فَقَدْ فَعَلَ مَكْرُوهًا وَلَا تَبْطُلُ.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا حَيْثُ خَابَ ظَنُّهُ] : أَيْ أَنَّهُ أَحْرَمَ خَلْفَ الصَّفِّ طَامِعًا فِي إدْرَاكِهِ فَمَشَى فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ فَرَفَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ لِلصَّفِّ، وَتَخَلَّفَ ظَنُّهُ فَإِنَّهُ يَدِبُّ فِي حَالَةِ قِيَامِهِ لِلرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ حَتَّى يُدْرِكَ الصَّفَّ.
قَوْلُهُ: [لِقُبْحِ الْحَالَةِ] : اُنْظُرْ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي وَعَلَى

فَإِنْ تَحَقَّقَ الْإِدْرَاكُ بِأَنْ انْحَنَى قَبْلَ اعْتِدَالِ الْإِمَامِ مِنْ الرُّكُوعِ - وَلَوْ حَالَ رَفْعِهِ - فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ.
وَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمُ الْإِدْرَاكِ بِأَنْ اعْتَدَلَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَخْذِهِ فِي الِانْحِنَاءِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّكُوعُ، بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّبِعَهُ فِي السُّجُودِ.
فَإِنْ رَكَعَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ مِنْهُ.
فَإِنْ رَفَعَ مِنْهُ بَطَلَتْ لِلزِّيَادَةِ فِي الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ سَهْوًا.

(وَإِنْ شَكَّ فِي الْإِدْرَاكِ) : هَلْ رَكَعَ قَبْلَ اعْتِدَالِ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ - وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ الشَّامِلِ لِلظَّنِّ وَالْوَهْمِ - (أَلْغَاهَا) أَيْ الرَّكْعَةَ (وَقَضَاهَا بَعْدَ سَلَامِهِ) أَيْ سَلَامِ إمَامِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ.
وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الرَّفْعِ مِنْ هَذَا الرُّكُوعِ؛ فَهَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَتْ الرَّكْعَةُ لَا يُعْتَدُّ بِهَا؟ قَالُوا: نَعَمْ؛ فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ رُكُوعِهِ ثُمَّ زُوحِمَ عَنْ الرُّكُوعِ مَعَهُ أَوْ نَعَسَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنْ تَحَقَّقَ فَوَاتُ الرَّكْعَةِ فَلَا يَرْكَعُ، وَإِنْ ظَنَّ الْإِدْرَاكَ رَكَعَ مَعَهُ جَزْمًا،

[حاشية الصاوي]

كُلِّ حَالٍ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ حَالَ رَفْعِهِ] : أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ إلَّا انْحِنَاءُ الْمَأْمُومِ قَبْلَ اسْتِقْلَالِ الْإِمَامِ وَلَوْ لَمْ يَطْمَئِنَّ إلَّا بَعْدَ اسْتِقْلَالِهِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ رَفَعَ مِنْهُ بَطَلَتْ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الصِّحَّةُ إنْ أَلْغَاهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَضَاءً حَقِيقَةً فِي صُلْبِ الْإِمَامِ حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ سَهْوًا] : أَيْ فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِاتِّفَاقٍ حَيْثُ لَمْ يُعْتَدَّ بِالرَّكْعَةِ.

قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ بِالشَّكِّ مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ] : أَيْ فَتَحْتَ الشَّكِّ صُوَرٌ ثَلَاثٌ؛ وَتَقَدَّمَ صُورَتَانِ: تَحَقُّقُ الْإِدْرَاكِ، وَتَحَقُّقُ عَدَمِهِ، فَتَكُونُ الصُّوَرُ خَمْسًا.
قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ: وَلَا الْتِفَاتَ إلَى تَكْثِيرِ الصُّوَرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَلَا عِبْرَةَ بِهِ، بَلْ هُوَ مِنْ التَّخْلِيطِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ وَتَعْسِيرِ الْفَهْمِ عَلَيْهِ وَتَشْتِيتِ ذِهْنِهِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ وَلَا ثَمَرَةٍ (اهـ.) قَوْلُهُ: [فَهَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ] : أَيْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ - أَعْنِي الصُّوَرَ الثَّلَاثَ - وَهِيَ: ظَنُّ الْإِدْرَاكِ، أَوْ تَوَهُّمُهُ، أَوْ الشَّكُّ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْبُطْلَانِ] : تَبِعَ الْمُؤَلِّفُ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ.

ثُمَّ إنْ تَحَقَّقَ الْإِدْرَاكُ فَظَاهِرٌ وَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمُهُ لَمْ يَرْفَعْ مِنْهُ، وَإِنْ شَكَّ فِي الْإِدْرَاكِ أَلْغَاهَا وَرَفَعَ، كَلَامُهُ هُنَا يَشْمَلُ هَذِهِ.
وَشُبِّهَ فِي إلْغَاءِ الرَّكْعَةِ قَوْلُهُ: (كَأَنْ أَدْرَكَهُ) أَيْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ (فِي الرُّكُوعِ) وَتَحَقَّقَ الْإِدْرَاكُ فِيهِ.
(وَ) لَكِنْ (كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ فِي) حَالِ (انْحِطَاطِهِ) لِلرُّكُوعِ وَلَوْ ابْتَدَأَهُ مِنْ قِيَامٍ؛ فَتُلْغَى تِلْكَ الرَّكْعَةُ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ.
وَأَمَّا لَوْ كَبَّرَ بَعْدَ الِانْحِطَاطِ فَتُلْغَى جَزْمًا؛ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَذَكَرَهَا هُنَا لِمُنَاسَبَةِ إلْغَاءِ الرَّكْعَةِ عِنْدَ شَكِّ الْإِدْرَاكِ.
ثُمَّ كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنَّ مَنْ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ حَالَ الِانْحِطَاطِ أَوْ بَعْدَهُ: إمَّا بُطْلَانُ الصَّلَاةِ مِنْ أَصْلِهَا لِفَقْدِ رُكْنِ الْقِيَامِ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَإِمَّا صِحَّتُهَا مَعَ صِحَّةِ الرَّكْعَةِ لِعُذْرِهِ بالمسبوقية.
وَجَعْلُهُمْ التَّأْوِيلَيْنِ فِي خُصُوصِ الرَّكْعَةِ مَعَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ مِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ، فَتَدَبَّرْ.
عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ ذَهَبَ إلَى هَذَا.
اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ.
وَلَمَّا كَانَ الِاسْتِخْلَافُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْإِمَامِ أَتْبَعَ الْإِمَامَةَ بِهِ فَقَالَ:.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَجَعْلُهُمْ التَّأْوِيلَيْنِ فِي خُصُوصِ الرَّكْعَةِ] إلَخْ: تَقَدَّمَ لَهُ هَذَا الْبَحْثُ أَيْضًا فِي فَرَائِضِ الصَّلَاةِ، وَتَقَدَّمَ لَنَا الْجَوَابُ عَنْهُ؛ فَانْظُرْهُ.

فَصْلٌ: فِي الِاسْتِخْلَافِ وَهُوَ اسْتِنَابَةُ الْإِمَامِ غَيْرَهُ مِنْ الْمَأْمُومِينَ لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ بِهِمْ لِعُذْرٍ قَامَ بِهِ.
وَحُكْمُهُ النَّدْبُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَالْوُجُوبُ فِيهَا.
وَبَدَأَ بِحُكْمِهِ وَأَسْبَابِهِ الْمُعَبَّرِ عَنْهَا بِالشُّرُوطِ بِقَوْلِهِ: (نُدِبَ لِلْإِمَامِ) الَّذِي ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ بِنِيَّةٍ وَإِحْرَامٍ وَاقْتِدَاءٍ بِهِ (اسْتِخْلَافُ غَيْرِهِ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ، لَا أَجْنَبِيٍّ، بِشَرْطِ حُصُولِ عُذْرٍ لِلْإِمَامِ لَا تَبْطُلُ بِهِ صَلَاتُهُمْ.
وَالْعُذْرُ إمَّا خَارِجٌ عَنْ الصَّلَاةِ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِهَا.
وَالْمُتَعَلِّقُ بِهَا إمَّا مَانِعٌ مِنْ الْإِمَامَةِ دُونَ الصَّلَاةِ وَإِمَّا مَانِعٌ مِنْ الصَّلَاةِ.
وَقَدْ أَشَارَ لِلْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ: (إنْ خَشِيَ) الْإِمَامُ بِتَمَادِيهِ (تَلَفَ مَالٍ) لَهُ بَالٌ وَلَوْ لِغَيْرِهِ.
وَالْمُرَادُ تَلَفُهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَوْ كَانَ بَاقِيًا فِي نَفْسِهِ كَأَنْ يَخَافَ عَلَيْهِ مِنْ السَّرِقَةِ أَوْ الْغَصْبِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا أَوْ حَيَوَانًا نَاطِقًا أَوْ غَيْرَهُ.
(أَوْ) خَشِيَ تَلَفَ (نَفْسٍ) مُحْتَرَمَةٍ وَلَوْ كَافِرَةً.

[حاشية الصاوي]

[فَصْلٌ فِي الِاسْتِخْلَافِ فِي الصَّلَاة]

قَوْلُهُ: [وَبَدَأَ بِحُكْمِهِ] : أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: [بِنِيَّةٍ] إلَخْ: مُتَعَلِّقٌ " بِثَبَتَ ": أَيْ فَتَحَقُّقُ الْإِمَامَةِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَا ذَكَرَ.
فَمَنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ إمَامَتُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَا اسْتِخْلَافَ لَهُ.
قَوْلُهُ: [وَإِمَّا مَانِعٌ مِنْ الصَّلَاةِ] : أَيْ مِنْ صِحَّتِهَا لِلْإِمَامِ فَقَطْ، وَأَمَّا مَانِعُ الصِّحَّةِ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ مَعًا فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ اسْتِخْلَافٌ.
قَوْلُهُ: [إنْ خَشِيَ الْإِمَامُ] الْمُرَادُ بِهِ الظَّنُّ أَوْ الشَّكُّ لَا الْوَهْمُ، فَلَا يَسْتَخْلِفُ الْإِمَامُ لِأَجْلِهِ خِلَافًا لِ (عب) . قَوْلُهُ: [مُحْتَرَمَةٍ] : أَيْ مَعْصُومَةٍ بِالنِّسْبَةِ لَهُ؛ كَخَوْفِهِ عَلَى صَبِيٍّ أَوْ أَعْمَى أَنْ يَقَعَ فِي بِئْرٍ أَوْ نَارٍ فَيَهْلِكُ أَوْ يَحْصُلُ لَهُ شِدَّةُ أَذًى.

وَأَشَارَ لِلْقِسْمِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: (أَوْ مُنِعَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرُ الْإِمَامِ وَ (الْإِمَامَةَ) مَفْعُولُهُ الثَّانِي (لِعَجْزٍ) عَنْ رُكْنٍ كَالْقِيَامِ أَوْ الرُّكُوعِ (أَوْ) لِحُصُولِ (رُعَافٍ بِنَاءً وَ) إذَا اسْتَخْلَفَ فِي هَذَا الْقِسْمِ (رَجَعَ مَأْمُومًا) إنْ أَمْكَنَهُ.
وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَطْعُ الصَّلَاةِ فِي الْعَجْزِ وَجَازَ فِي الرُّعَافِ إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَاحْتَرَزَ بِرُعَافِ الْبِنَاءِ عَنْ رُعَافِ الْقَطْعِ، فَإِنَّهُ مِنْ مَوَانِعِ الصَّلَاةِ لَا الْإِمَامَةِ.
وَأَشَارَ لِلْقِسْمِ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ) مُنِعَ الْإِمَامُ (الصَّلَاةَ) نَفْسَهَا لِبُطْلَانِهَا عَلَيْهِ دُونَهُمْ (بِسَبْقِ حَدَثٍ) : مِنْ بَوْلٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَهُوَ يُصَلِّي.
وَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ فَيَسْتَخْلِفُ لِبُطْلَانِهَا عَلَيْهِ دُونَهُمْ.
(أَوْ) بِسَبَبِ (ذِكْرِهِ) أَيْ الْحَدَثِ فِيهَا فَيَسْتَخْلِفُ، إنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِمْ عَمَلًا بَعْدَ السَّبْقِ أَوْ الذِّكْرِ؛ وَإِلَّا كَانَ مُتَعَمِّدًا لِلْحَدَثِ فَتَبْطُلُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَلَا اسْتِخْلَافَ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ: مَا لَوْ قَهْقَهَ غَلَبَةً أَوْ نِسْيَانًا لَا عَمْدًا، أَوْ رَعَفَ رُعَافًا تَبْطُلُ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ شَكٌّ هَلْ دَخَلَ الصَّلَاةَ بِوُضُوءٍ أَوْ لَا، أَوْ تَحَقَّقَ الطَّهَارَةُ وَالْحَدَثُ وَشَكَّ فِي السَّابِقِ مِنْهُمَا، لَا إنْ شَكَّ هَلْ انْتَقَضَ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ مُنِعَ] إلَخْ: أَيْ طَرَأَ لَهُ الْعَجْزُ عَنْ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ، وَأَمَّا طَرَيَان عَجْزِهِ عَنْ السُّنَّةِ فَلَيْسَ مِنْ مُوجِبَاتِ الِاسْتِخْلَافِ.
قَوْلُهُ: [رُعَافٌ بِنَاءً] : أَيْ فَهُوَ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمَانِعِ لِلْإِمَامَةِ فَقَطْ، وَجَعَلَهُ خَلِيلٌ مِنْ مَوَانِعِ الصَّلَاةِ وَلَعَلَّهُ نَظَرَ إلَى الْحَالِ قَبْلَ الْغَسْلِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ بِأَنَّهُ مَانِعُ الصَّلَاةِ عَلَى أَنَّهُ إمَامٌ فَمُشْتَرَكٌ فِي جَمِيعِ مَوَانِعِ الْإِمَامَةِ.
قَوْلُهُ: [وَجَازَ فِي الرُّعَافِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ الْبِنَاءَ مَنْدُوبٌ عِنْدَ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ مِنْ مَوَانِعِ الصَّلَاةِ] : أَيْ فَهُوَ كَسَبْقِ الْحَدَثِ وَنِسْيَانِهِ كَمَا سَيَأْتِي؛ أَيْ فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ وَتَبْطُلُ عَلَيْهِ دُونَهُمْ كَمَا فِي (بْن) ، خِلَافًا لِلْأُجْهُورِيِّ وَ (عب) حَيْثُ قَالَا بِالْبُطْلَانِ عَلَى الْجَمِيعِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ تَحَقَّقَ الطَّهَارَةُ] إلَخْ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يَسْتَخْلِفُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ تَبِعَ فِيهِ (عب) وَلَكِنْ تَقَدَّمَ لِعْب نَفْسِهِ.
وَلِلْمُؤَلِّفِ: أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَتَمَادَى فِي صَلَاتِهِ، ثُمَّ إذَا بَانَ الطُّهْرُ لَمْ يُعِدْ فَانْظُرْهُ.

وُضُوءُهُ فَإِنَّهُ يَتَمَادَى كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ إنْ بَانَ الطُّهْرُ لَمْ يُعِدْ، وَإِلَّا أَعَادَ الْإِمَامُ فَقَطْ، وَكَذَا إنْ طَرَأَ عَلَيْهِ فِيهَا جُنُونٌ أَوْ إغْمَاءٌ أَوْ مَوْتٌ إلَّا أَنَّ الِاسْتِخْلَافَ يَكُونُ مِنْهُمْ.
(وَإِنْ) حَصَلَ السَّبَبُ (بِرُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ) . وَيَرْفَعُ بِلَا تَسْمِيعٍ فِي الْأَوَّلِ وَبِلَا تَكْبِيرٍ فِي الثَّانِي لِئَلَّا يَقْتَدُوا بِهِ وَيَرْفَعُونَ بِرَفْعِ الْخَلِيفَةِ (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ (إنْ رَفَعُوا بِرَفْعِهِ قَبْلَهُ) : أَيْ قَبْلَ الِاسْتِخْلَافِ، وَلَا بُدَّ مِنْ عَوْدِ الْخَلِيفَةِ (وَعَادُوا مَعَهُ) : أَيْ مَعَ الْخَلِيفَةِ وَلَوْ أَخَذُوا فَرْضَهُمْ مَعَ الْأَوَّلِ.
فَإِنْ لَمْ يَعُودُوا لَمْ تَبْطُلْ إنْ أَخَذُوا فَرْضَهُمْ مَعَهُ وَإِلَّا بَطَلَتْ.
(وَنُدِبَ لَهُمْ) الِاسْتِخْلَافُ (إنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ) الْإِمَامُ.
(وَ) نُدِبَ (اسْتِخْلَافُ الْأَقْرَبَ) لِلْإِمَامِ لِأَنَّهُ أَدْرَى بِأَفْعَالِهِ وَلِتَيَسُّرِ تَقَدُّمِهِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَإِنْ حَصَلَ السَّبَبُ] : أَيْ الَّذِي هُوَ خَشْيَةُ تَلَفِ الْمَالِ وَمَا ذَكَرَهُ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: [وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ] إلَخْ: أَيْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمُقَابِلُهُ - وَهُوَ الْبُطْلَانُ - مُخَرَّجٌ لِابْنِ بَشِيرٍ.
عَلَى أَنَّ الْحَرَكَةَ لِلرُّكْنِ مَقْصُودَةٌ وَمَحَلُّ عَدَمِ الْبُطْلَانِ مَا لَمْ يَرْفَعُوا بِهِ عَالِمِينَ بِحَدَثِهِ، وَإِلَّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ، كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ عَبْدِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ الْبُطْلَانِ عَلَى الْأَصَحِّ حَيْثُ رَفَعُوا بِرَفْعِهِ جَهْلًا أَوْ غَلَطًا فَإِنْ رَفَعُوا بِرَفْعِهِ عَمْدًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِحَدَثِهِ فَالْبُطْلَانُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي بْن (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [لَمْ تَبْطُلْ إنْ أَخَذُوا فَرْضَهُمْ] : هَذَا قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ الْبُطْلَانَ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا بَطَلَتْ] : أَيْ قَوْلًا وَاحِدًا إنْ كَانَ تَرْكُهُمْ الْعَوْدَ عَمْدًا وَإِنْ كَانَ التَّرْكُ لِعُذْرٍ وَفَاتَ التَّدَارُكُ بَطَلَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ لَهُمْ الِاسْتِخْلَافُ] : أَيْ وَلَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا أَفْذَاذًا وَلَيْسَ مُقَابِلُهُ أَنَّ لَهُمْ الِانْتِظَارَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِمْ، لِأَنَّ صَلَاتَهُمْ تَبْطُلُ حِينَئِذٍ كَمَا هُوَ مَبْنَى اعْتِرَاضِ ابْنِ غَازِيٍّ.
فَإِنْ عَمِلُوا عَمَلًا ثُمَّ اسْتَخْلَفُوا بَطَلَتْ كَمَا حَكَى (ح) تَخْرِيجَ بَعْضٍ لَهُ عَلَى امْتِنَاعِ الْإِتْبَاعِ بَعْدَ الْقَطْعِ فِي النَّحْوِ.
قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ اسْتِخْلَافُ الْأَقْرَبِ] : أَيْ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْخَلِيفَةُ فِي الصَّفِّ

فَيَقْتَدُوا بِهِ.
(وَ) نُدِبَ (تَقَدُّمُهُ) عَلَيْهِمْ (إنْ قَرُبَ) كَالصَّفَّيْنِ، فَيَتَقَدَّمُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا (وَإِنْ بِجُلُوسِهِ) أَوْ سُجُودِهِ أَوْ رُكُوعِهِ، بِخِلَافِ مَنْ رَأَى فُرْجَةً فَإِنَّهُ إنَّمَا يَدِبُّ رَاكِعًا أَوْ قَائِمًا لَا جَالِسًا كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ تَقَدَّمَ غَيْرُهُ) : أَيْ غَيْرُ مَنْ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ وَأَتَمَّ بِهِمْ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُمْ (كَأَنْ أَتَمُّوا أَفْذَاذًا أَوْ بَعْضُهُمْ) أَفْذَاذًا وَالْآخَرُ بِإِمَامٍ (أَوْ) أَتَمُّوا (بِإِمَامَيْنِ) كُلُّ طَائِفَةٍ بِإِمَامٍ فَتَصِحُّ (إلَّا الْجُمُعَةَ) فَلَا تَصِحُّ أَفْذَاذًا، وَتَصِحُّ لِلْبَعْضِ الَّذِي لَهُ إمَامٌ إنْ كَمُلَ الْعَدَدُ وَتَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُ الصِّحَّةِ.

[حاشية الصاوي]

الَّذِي يَلِيهِ، فَإِنْ اسْتَخْلَفَ غَيْرَهُ خَالَفَ الْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ مَنْ رَأَى فُرْجَةً] إلَخْ: وَالْفَرْقُ أَنَّ مَا هُنَا أَهَمُّ لِتَعَلُّقِ إصْلَاحِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ بِهِ.
قَوْلُهُ: [كَأَنْ أَتَمُّوا أَفْذَاذًا] : أَيْ وَلَوْ تَرَكُوا الْخَلِيفَةَ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهِمْ، وَظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ وَلَوْ كَانُوا وَتَرَكُوا الْفَاتِحَةَ مَعَ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ تَرَكُوهَا بِوَجْهٍ جَائِزٍ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ لَهُمْ إنْ أَتَمُّوا أَفْذَاذًا وَتَرَكُوا الْخَلِيفَةَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ رُتْبَةُ الْإِمَامَةِ كَالْأَصْلِيِّ إلَّا إذَا عَمِلُوا مَعَهُ عَمَلًا.
قَوْلُهُ: [فَلَا تَصِحُّ أَفْذَاذًا] إلَخْ: أَيْ لِفَقْدِ شَرْطِهَا الَّذِي هُوَ الْجَمَاعَةُ وَالْإِمَامُ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَلَوْ حَصَلَ الْعُذْرُ بَعْدَ رَكْعَةٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَلَيْسُوا كَالْمَسْبُوقِ الَّذِي أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي رَكْعَةً تَقَدَّمَتْ بِشَرْطِهَا بِخِلَافِهِمْ؛ فَإِنَّ الرَّكْعَةَ الْمَأْتِيَّ بِهَا بِنَاءٌ، وَلَا يَصِحُّ صَلَاةُ شَيْءٍ مِنْ الْجُمُعَةِ مِمَّا هُوَ بِنَاءٌ فَذًّا.
وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ: أَنَّهَا تَصِحُّ لِلْمُؤْتَمِّينَ وُحْدَانًا إذَا حَصَلَ الْعُذْرُ بَعْدَ رَكْعَةٍ، لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَيُرَدُّ عَلَى قَوْلِهِ: " وَلَا يَصِحُّ صَلَاةُ شَيْءٍ مِنْ الْجُمُعَةِ مِمَّا هُوَ بِنَاءٌ، فَذًّا " بِنَاءُ الرَّاعِفِ فِي الْجُمُعَةِ حَيْثُ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الْأُولَى وَفَاتَتْهُ الثَّانِيَةُ وَهُوَ يَغْسِلُ الدَّمَ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا فَذًّا وَهِيَ بِنَاءٌ لَا غَيْرُ.
فَتَأَمَّلْ.
قَوْلَهُ: [إنْ كَمُلَ الْعَدَدُ] : أَيْ وَتَصِحُّ لِمَنْ قَدَّمَهُ الْإِمَامُ إنْ كَمُلَ مَعَهُ الْعَدَدُ وَإِنْ لَمْ يُقَدِّمْ وَاحِدًا مِنْهُمَا صَحَّتْ لِلسَّابِقِ إنْ كَمُلَ مَعَهُ الْعَدَدُ، وَإِنْ تَسَاوَيَا بَطَلَتْ عَلَيْهِمَا، فَتَأَمَّلْ.

(وَقَرَأَ) الْخَلِيفَةُ (مِنْ انْتِهَاءِ) قِرَاءَةِ الْإِمَامِ (الْأَوَّلِ إنْ عَلِمَ) الِانْتِهَاءَ فِي فَاتِحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (وَإِلَّا) يَعْلَمْ (ابْتَدَأَ) الْقِرَاءَةَ مِنْ أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ وُجُوبًا.

(وَصِحَّتُهُ) : أَيْ شَرْطُ صِحَّةِ الِاسْتِخْلَافِ: (بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ) : أَيْ بِإِدْرَاكِ الْخَلِيفَةِ مَعَ الْإِمَامِ الْأَصْلِيِّ قَبْلَ الْعُذْرِ جُزْءًا (يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الرَّكْعَةِ) الْمُسْتَخْلَفِ هُوَ فِيهَا (قَبْلَ عَقْدِ الرُّكُوعِ) - مُتَعَلِّقٌ بِإِدْرَاكٍ - وَعَقَدَهُ بِاعْتِدَالِ الْإِمَامِ مِنْهُ؛ وَهَذَا صَادِقٌ بِدُخُولِهِ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ الْقِرَاءَةِ، أَوْ حَالَ الْقِرَاءَةِ أَوْ حَالَ الرُّكُوعِ أَوْ حَالَ الرَّفْعِ مِنْهُ قَبْلَ الِاعْتِدَالِ.
فَإِذَا حَصَلَ لِلْإِمَامِ عُذْرٌ صَحَّ اسْتِخْلَافُ مَنْ أَدْرَكَهُ فِي ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ حَصَلَ لَهُ الْعُذْرُ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ فِيهِ أَوْ بَعْدَهُ فِي سُجُودِهِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ إلَى آخِرِ صَلَاتِهِ، لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَدْرَكَ قَبْلَ الْعُذْرِ جُزْءًا يُعْتَدُّ بِهِ.
وَمِثْلُهُ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ حَالَ قِيَامِهِ لِلْقِرَاءَةِ فِيهَا، أَوْ قَبْلَ عَقْدِ رُكُوعِهَا.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: " يُعْتَدُّ بِهِ " عَمَّنْ أَدْرَكَ مَا قَبْلَ الرُّكُوعِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ غَيْرِهَا وَفَاتَهُ الرُّكُوعُ لِعُذْرٍ مِنْ ازْدِحَامٍ أَوْ نُعَاسٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ الرَّكْعَةُ وَجَمِيعُ أَجْزَائِهَا لَا يُعْتَدُّ بِهَا بِالنِّسْبَةِ لَهُ فَلَا يَصِحُّ اسْتِخْلَافُهُ، وَكَذَا مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ بِأَنْ أَدْرَكَهُ فِي السُّجُودِ أَوْ الرَّفْعِ مِنْهُ أَوْ الْجُلُوسِ لِتَشَهُّدٍ، فَحَصَلَ لِلْإِمَامِ عُذْرٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْ بَعْدَهَا قَبْلَ قِيَامِهِ لِلَّتِي تَلِيهَا فَلَا يَصِحُّ اسْتِخْلَافُهُ، لِأَنَّ مَا أَدْرَكَهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ.
نَعَمْ إنْ قَامَ الْإِمَامُ لِقِرَاءَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَقَامَ مَعَهُ هَذَا الْمَسْبُوقُ صَحَّ اسْتِخْلَافُهُ، لِأَنَّهُ بِقِيَامِهِ مَعَهُ أَدْرَكَ جُزْءًا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ تِلْكَ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [إنْ عَلِمَ] إلَخْ.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الصَّلَاةِ جَهْرِيَّةً أَوْ سِرِّيَّةً.

[شُرُوطُ صِحَّةِ الِاسْتِخْلَافِ فِي الصَّلَاة]

قَوْلُهُ: [مِنْ الرَّكْعَةِ الْمُسْتَخْلَفِ هُوَ فِيهَا] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ الْعُذْرُ قَبْلَ تَمَامِ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ كَانَ لَهُ اسْتِخْلَافُ مَنْ دَخَلَ مَعَهُ قَبْلَ الْعُذْرِ بِكَثِيرٍ أَوْ بِقَلِيلٍ.
وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ لِلْإِمَامِ الْعُذْرُ بَعْدَ تَمَامِ الرَّفْعِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ إلَّا مَنْ أَدْرَكَ مَعَهُ رُكُوعَ تِلْكَ الرَّكْعَةِ بِأَنْ انْحَنَى مَعَهُ قَبْلَ حُصُولِ الْعُذْرِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَدْرِك مَعَهُ ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ اسْتِخْلَافُهُ فِي تِلْكَ الرَّكْعَةِ؛ كَمَا لَوْ دَخَلَ مَعَهُ بَعْدَ تَمَامِ الرَّفْعِ ثُمَّ حَصَلَ لَهُ الْعُذْرُ قَبْلَ الْقِيَامِ لِلرَّكْعَةِ الَّتِي تَلِيهَا.
وَالشَّارِحُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لَا يَحْتَاجُ إلَى إيضَاحٍ.

الرَّكْعَةِ.
(وَإِنْ جَاءَ) وَأَحْرَمَ (بَعْدَ الْعُذْرِ فَكَأَجْنَبِيٍّ) الْكَافُ زَائِدَةٌ أَيْ فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْجَمَاعَةِ إذْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ جُزْءًا أَلْبَتَّةَ، فَلَا يَصِحُّ اسْتِخْلَافُهُ اتِّفَاقًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ، وَتَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ مِنْهُمْ.
وَأَمَّا صَلَاتُهُ هُوَ (فَإِنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ) صَلَاةً مُنْفَرِدَةً - بِأَنْ ابْتَدَأَ الْقِرَاءَةَ وَلَمْ يَبْنِ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ - صَحَّتْ، (أَوْ بَنَى) عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ ظَنًّا مِنْهُ صِحَّةَ اسْتِخْلَافِهِ (بِالْأُولَى)

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَإِنْ صَلَّى لِنَفْسِهِ] إلَخْ: قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: لَا إشْكَالَ أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ.
قَالَ (ح) : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْخِلَافُ فِي صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ خَلْفَ شَخْصٍ يَظُنُّهُ فِي الصَّلَاةِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ مَا نَصُّهُ، وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونَ مَا نَصُّهُ: " وَلَوْ أَحْرَمَ قَوْمٌ قَبْلَ إمَامِهِمْ ثُمَّ أَحْدَثَ هُوَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ فَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمْ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ فَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ، وَكَذَلِكَ إنْ صَلَّوْا فُرَادَى حَتَّى يُجَدِّدُوا إحْرَامًا ". (اهـ.) وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ (ح) : " لِأَنَّهُ أَحْرَمَ " إلَخْ: أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ خَلْفَهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِعُذْرِهِ لَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِتَلَاعُبِهِ (اهـ. بْن مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَبْنِ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ] : أَيْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَقْبَلْ الِاسْتِخْلَافَ بَلْ صَلَّى نَاوِيًا الْفَذِّيَّةَ.
قَوْلُهُ: [أَوْ بَنَى عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ] إلَخْ: أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ نَاوِيًا الْإِمَامَةَ وَالْمُرَادُ بِبِنَائِهِ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ: بِنَاؤُهُ عَلَى مَا فَعَلَهُ الْإِمَامُ مِنْ الصَّلَاةِ، بِحَيْثُ لَوْ وَجَدَ الْإِمَامَ قَرَأَ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ كَمَّلَهَا وَلَمْ يَبْتَدِئْهَا، وَلَوْ وَجَدَ الْإِمَامَ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ ابْتَدَأَ بِالسُّورَةِ وَلَمْ يَقْرَأْ الْفَاتِحَةَ، أَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَحَصَلَ لَهُ الْعُذْرُ وَدَخَلَ مَعَهُ فَيَرْكَعُ وَيَدَعُ الْقِرَاءَةَ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَعَ أَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْإِمَامِ وَقَدْ خَلَتْ رَكْعَةٌ مِنْ صَلَاتِهِ مِنْ الْفَاتِحَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ وَاجِبَةٌ فِي الْجُلِّ؛ فَإِنْ كَانَ فِي الرُّبَاعِيَّةِ أَوْ الثُّلَاثِيَّةِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ ثُنَائِيَّةً فَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ: لَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ لِأَنَّهُ لَا جُلَّ لَهَا، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: " أَوْ بَنَى بِالْأُولَى " عَلَى مَا عَدَا الثُّنَائِيَّةَ، وَقِيلَ بِالصِّحَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَاتِحَةَ وَاجِبَةٌ فِي رَكْعَةٍ، وَعَلَى هَذَا يَتَمَشَّى قَوْلُ الشَّارِحِ أَوْ بَنَى بِالْأُولَى مُطْلَقًا.

أَيْ بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى مُطْلَقًا (أَوْ بِالثَّالِثَةِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ) فَقَطْ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْفَاتِحَةِ كَالْإِمَامِ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُنْفَرِدِ لِجُلُوسِهِ فِي مَحَلِّ الْجُلُوسِ وَقِيَامِهِ فِي مَحَلِّ الْقِيَامِ - وَإِنْ لَزِمَ عَلَيْهِ تَرْكُ السُّورَةِ فِي أُولَيَيْهِ وَجَهْرُهُ فِي أُخْرَيَيْهِ إذَا كَانَتْ عِشَاءً مَعَ زِيَادَةِ السُّورَةِ - لَكِنَّهُ إنَّمَا يَتَمَشَّى عَلَى أَنَّ تَارِكَ السُّنَّةِ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، فَلَعَلَّهُمْ سَامَحُوهُ هُنَا لِلْعُذْرِ فِي الْجَهْلِ، أَوْ بَنَوْا هَذَا الْفَرْعَ الْمَشْهُورَ عَلَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ، (وَإِلَّا) يَبْنِي بِالْأُولَى وَلَا الثَّالِثَةِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ بِأَنْ بَنَى بِالثَّانِيَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ مِنْ ثُلَاثِيَّةٍ (فَلَا) تَصِحُّ.
وَلَا يَخْفَى عَلَيْك زِيَادَةُ الْقُيُودِ الَّتِي زِدْنَاهَا وَسَوْقُ الْكَلَامِ عَلَى أَتَمِّ نِظَامٍ.
(وَجَلَسَ الْمَسْبُوقُ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ وَلَا يَقُومُ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ (لِسَلَامِهِ) : أَيْ إلَى سَلَامِ الْخَلِيفَةِ الْمَسْبُوقِ أَيْضًا، فَإِذَا سَلَّمَ قَامَ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ وَفِي تَقْدِيمِنَا الْفَاعِلَ وَتَأْخِيرِ " لِسَلَامِهِ " إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ مَسْبُوقٌ أَيْضًا بِمُلَاحَظَةِ الِاسْتِخْدَامِ؛ فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [مُطْلَقًا] : أَيْ كَانَتْ الصَّلَاةُ ثُنَائِيَّةً أَوْ ثُلَاثِيَّةً أَوْ رُبَاعِيَّةً.
قَوْلُهُ: [وَاقْتَصَرَ عَلَى الْفَاتِحَةِ] : أَيْ أَوْ عَلَى بَعْضِهَا أَوْ تَرَكَهَا لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَهَا كَمَا عَلِمْت.
قَوْلُهُ: [تَرْكُ السُّورَةِ] إلَخْ: بَلْ وَلَوْ تَرَكَ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ أَوْ كُلَّهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [مَعَ زِيَادَةِ السُّورَةِ] : أَيْ عِنْدَ قِيَامِهِ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [فَلَعَلَّهُمْ سَامَحُوهُ] إلَخْ: أَيْ كَمَا سَامَحُوهُ فِي تَرْكِ الْفَاتِحَةِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا بِنَاءً عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْجُلِّ أَوْ الْأَقَلِّ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [عَلَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ] : فِيهِ نَظَرٌ بَلْ بَنَوْهُ فِي تَرْكِ السُّورَةِ عَلَى مَشْهُورٍ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ تَارِكَ السُّنَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَى سُنِّيَّتِهَا عَمْدًا أَوْ جَهْلًا يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَلَا يَظْهَرُ بِنَاؤُهُ عَلَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِتَرْكِ الْفَاتِحَةِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [فَلَا تَصِحُّ] : أَيْ لِاخْتِلَافِ نِظَامِهَا لِجُلُوسِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْجُلُوسِ وَقِيَامِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْقِيَامِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَخْفَى عَلَيْك] : أَيْ فَفِي كَلَامِ خَلِيلٍ إجْمَالٌ وَتَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَحَذْفٌ، وَمُصَنَّفُنَا سَالِمٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.

عَلَى الْمَسْبُوقِ بِمَعْنًى آخَرَ بِخِلَافِ صَنِيعِهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ إذَا كَانَ مَسْبُوقًا - كَأَنْ أَدْرَكَ الرَّابِعَةَ مَعَ الْإِمَامِ فَاسْتَخْلَفَهُ لِعُذْرٍ - وَكَانَ فِي الْمَأْمُومِينَ مَسْبُوقٌ أَيْضًا، فَإِذَا أَتَمَّ الْخَلِيفَةُ صَلَاةَ الْإِمَامِ - بِأَنْ كَمَّلَ لَهُمْ الرَّابِعَةَ وَجَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ وَتَشَهَّدَ - أَشَارَ لَهُمْ جَمِيعًا بِأَنْ يَجْلِسُوا، وَقَامَ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ قَاضِيًا لِلْقَوْلِ بَانِيًا لِلْفِعْلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَيَجْلِسُ لِأَنَّهَا ثَانِيَتُهُ، ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ وَلَا يَجْلِسُ لِأَنَّهَا ثَالِثَةٌ، ثُمَّ بِرَكْعَةٍ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ فَإِذَا تَشَهَّدَ وَسَلَّمَ سَلَّمَ مَعَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَسْبُوقًا بِرَكْعَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ وَقَامَ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ بَطَلَتْ وَلَوْ لَمْ يُسَلِّمْ إلَّا بِسَلَامِهِ.
وَشَبَهٌ فِي الْجُلُوسِ لِسَلَامِ الْخَلِيفَةِ قَوْلُهُ: (كَأَنْ اسْتَخْلَفَ) إمَامٌ (مُسَافِرٌ) خَلْفَهُ مُسَافِرُونَ وَمُقِيمُونَ رَجُلًا (مُقِيمًا) مِمَّنْ خَلْفَهُ فَإِذَا أَتَمَّ بِهِمْ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ أَشَارَ لَهُمْ بِالْجُلُوسِ حَتَّى يَأْتِيَ بِبَقِيَّةِ صَلَاتِهِ، فَإِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ مَعَهُ الْمُسَافِرُ وَقَامَ الْمُقِيمُ لِبَقِيَّةِ صَلَاتِهِ، هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ مِنْ أَنَّ الْمُسَافِرَ يُسَلِّمُ إذَا قَامَ الْخَلِيفَةُ لِبَقَاءِ مَا عَلَيْهِ، وَيَقُومُ الْمُقِيمُ لِلْقَضَاءِ ضَعِيفٌ.
(أَوْ سَبَقَ هُوَ) : أَيْ الْخَلِيفَةُ وَحْدَهُ فَإِنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ لِيُسَلِّمُوا بِسَلَامِهِ وَإِلَّا بَطَلَتْ عَلَيْهِمْ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِمَعْنًى آخَرَ] : أَيْ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ وَقَامَ] إلَخْ: هَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ: " جَلَسَ " وَمُقَابِلُهُ مَا لِلَّخْمِيِّ مِنْ أَنَّهُ يُخَيَّرُ الْمَسْبُوقُ بَيْنَ أَنْ يَقُومَ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ وَحْدَهُ إذَا قَامَ الْخَلِيفَةُ لِلْقَضَاءِ قِيَاسًا عَلَى الطَّائِفَةِ الْأُولَى فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ، أَوْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِهِ إمَامًا وَيُسَلِّمَ مَعَهُ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا قَاضٍ وَالسَّلَامَانِ وَاحِدٌ، أَوْ يَنْتَظِرَ فَرَاغَ إمَامِهِ مِنْ قَضَائِهِ ثُمَّ يَقْضِي مُنْفَرِدًا.
(اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) . قَوْلُهُ: [ضَعِيفٌ] : أَيْ لِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ.
وَمَا مَشَى عَلَيْهِ مُصَنِّفُنَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ وَالْمِصْرِيِّينَ قَاطِبَةً.
(اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَإِلَّا بَطَلَتْ عَلَيْهِمْ] : أَيْ لِأَنَّ السَّلَامَ مِنْ بَقِيَّةِ صَلَاةِ الْأَوَّلِ.
وَقَدْ حَلَّ هَذَا الْخَلِيفَةُ مَحَلَّهُ فِيهِ، فَلَا يَخْرُجُ الْقَوْمُ مِنْ إمَامَتِهِ لِغَيْرِ مَعْنًى يَقْتَضِيهِ، وَانْتِظَارُ الْقَوْمِ لِفَرَاغِهِ مِنْ الْقَضَاءِ أَخَفُّ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ إمَامَتِهِ.
وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الْخَلِيفَةَ يَسْتَخْلِفُ لَهُمْ مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهِ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[حاشية الصاوي]

خَاتِمَةٌ: إنْ جَهِلَ الْخَلِيفَةُ الْمَسْبُوقُ مَا صَلَّى الْأَوَّلُ أَشَارَ لَهُمْ فَأَفْهَمُوهُ بِالْإِشَارَةِ، أَوْ الْكَلَامِ إنْ لَمْ يَفْهَمْ بِالْإِشَارَةِ.
وَإِنْ قَالَ لِلْخَلِيفَةِ: أَسْقَطْت رُكُوعًا مَثَلًا، عَمِلَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ خِلَافَهُ.

فَصْلٌ: فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ وَجَمْعِهَا وَالْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا (سُنَّ) سُنَّةً مُؤَكَّدَةً (لِمُسَافِرٍ سَفَرًا جَائِزًا) أَيْ مَأْذُونًا فِيهِ فَيَشْمَلُ، الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ (أَرْبَعَةَ بُرُدٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمُسَافِرٍ، بُرُدٍ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ: جَمْعُ بَرِيدٍ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَالْبَرِيدُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ وَثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ، فَمَسَافَةُ الْقَصْرِ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا، وَالْمِيلُ ثَلَاثَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَخَمْسُمِائَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ أَلْفَا ذِرَاعٍ

[حاشية الصاوي]

[فَصْلٌ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ وَجَمْعِهَا]

[حُكْم الْقَصْر]

فَصْلٌ قَوْلُهُ: [سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ] : هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ قَالَ عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ: كَوْنُهُ سُنَّةً هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ (اهـ) . وَقِيلَ إنَّ الْقَصْرَ فَرْضٌ وَقِيلَ مُسْتَحَبٌّ وَقِيلَ مُبَاحٌ.
وَعَلَى السُّنِّيَّةِ فَفِي آكَدِيَّتِهَا عَلَى سُنِّيَّةِ الْجَمَاعَةِ وَعَكْسِهِ قَوْلَا ابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ.
وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا تَعَارَضَا كَمَا إذَا لَمْ يَجِدْ الْمُسَافِرُ أَحَدًا يَأْتَمُّ بِهِ إلَّا مُقِيمًا؛ فَلَا يَأْتَمُّ بِهِ عَلَى الْأَوَّلِ وَيَأْتَمُّ بِهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ عَلَى الثَّانِي.
قَوْلُهُ: [لِمُسَافِرٍ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ سَفَرُهُ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ بِأَنْ كَانَ بِطَيَرَانٍ أَوْ خُطْوَةٍ.
قَوْلُهُ: [جَائِزًا] : خَرَّجَ غَيْرَ الْجَائِزِ كَالْمُسَافِرِ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْعَاقِّ وَالْآبِقِ؛

وَهِيَ بِاعْتِبَارِ الزَّمَنِ مَرْحَلَتَانِ أَيْ سَيْرُ يَوْمَيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ أَوْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِسَيْرِ الْإِبِلِ الْمُثْقَلَةِ بِالْأَحْمَالِ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ سَيْرٍ وَحَطٍّ وَتَرْحَالٍ وَأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَصَلَاةٍ.
مُعْتَبَرَةً (ذَهَابًا) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (وَلَوْ بِبَحْرٍ) كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا، تَقَدَّمَتْ مَسَافَةُ الْبَحْرِ أَوْ تَأَخَّرَتْ (أَوْ) كَانَ الْمُسَافِرُ (نُوتِيًّا بِأَهْلِهِ) وَلَا تَمْنَعُهُ صُحْبَةُ أَهْلِهِ عَنْ الْقَصْرِ.
(قَصْرُ) صَلَاةٍ (رُبَاعِيَّةٍ) نَائِبُ فَاعِلِ سُنَّ لَا ثُنَائِيَّةٍ وَثُلَاثِيَّةٍ (سَافَرَ بِوَقْتِهَا)

[حاشية الصاوي]

فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ.
وَإِنْ قَصَرَ فَقَوْلَانِ: بِالْحُرْمَةِ، وَالْكَرَاهَةِ، وَالرَّاجِحُ الْحُرْمَةُ مَعَ الصِّحَّةِ.
وَخَرَّجَ الْمَكْرُوهَ أَيْضًا؛ كَالسَّفَرِ لِلَهْوٍ فَيُكْرَهُ الْقَصْرُ، وَالصَّلَاةُ صَرِيحَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلَا إعَادَةَ فِي وَقْتٍ وَلَا غَيْرِهِ وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ سَيْرُ يَوْمَيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ] إلَخْ: فَالْمُرَادُ أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ عِبَارَةِ يَوْمَيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ وَيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَا مَعْنَى لِمَا فِي الْحَاشِيَةِ عَنْ كَبِيرٍ الْخَرَشِيِّ: هَلْ مَبْدَأُ الْيَوْمِ الشَّمْسُ أَوْ الْفَجْرُ؟ فَإِنَّ مَعْنَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَاجِبَةٍ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً فَمَا خَرَجَ عَنْ الْيَوْمِ دَخَلَ فِي اللَّيْلِ.
(اهـ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِبَحْرٍ] : أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي التَّحْدِيدِ بِالْمَسَافَةِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: الْعِبْرَةُ فِي الْبَحْرِ بِالزَّمَانِ مُطْلَقًا، وَلِمَنْ قَالَ: الْعِبْرَةُ فِيهِ بِالزَّمَانِ إنْ سَافَرَ فِيهِ لَا بِجَانِبِ الْبَرِّ وَإِنْ سَافَرَ فِيهِ بِجَانِبِهِ فَالْعِبْرَةُ بِالْأَرْبَعَةِ بُرُدٍ.
وَأَمَّا أَصْلُ الْقَصْرِ فِي الْبَحْرِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [كُلَّهَا أَوْ بَعْضَهَا] إلَخْ: هَذَا التَّعْمِيمُ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَاعْتَمَدَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَالَ فِي تَقْرِيرِهِ: وَهُوَ الَّذِي أَدِينُ لِلَّهِ بِهِ وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ - وَحَلَّ بِهِ فِي الْأَصْلِ - فَقَالَ: وَلَوْ كَانَ سَفَرُهَا بِبَحْرٍ أَيْ جَمِيعُهَا أَوْ بَعْضُهَا سَوَاءً تَقَدَّمَتْ مَسَافَةُ الْبَحْرِ أَوْ تَأَخَّرَتْ حَيْثُ كَانَ السَّيْرُ فِيهِ بِالْمَجَاذِيفِ أَوْ بِهَا وَبِالرِّيحِ، كَأَنْ كَانَ بِالرِّيحِ فَقَطْ وَتَأَخَّرَتْ مَسَافَةُ الْبَرِّ وَتَقَدَّمَتْ، وَكَانَتْ قَدْرَ الْمَسَافَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَإِلَّا فَلَا يَقْصُرُ حَتَّى يَنْزِلَ الْبَحْرَ وَيَسِيرَ بِالرِّيحِ.
(اهـ. وَفِي الْمَجْمُوعِ مَا يُوَافِقُ هَذَا) . قَوْلُهُ [نُوتِيًّا بِأَهْلِهِ] : أَيْ خِلَافًا لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ.
فَأَوْلَى فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ غَيْرُ النُّوتِيِّ إذَا سَافَرَ بِأَهْلِهِ وَالنُّوتِيُّ إذَا سَافَرَ بِغَيْرِ أَهْلِهِ، فَالْمُصَنِّفُ نَصَّ عَلَى الْمُتَوَهَّمِ.
قَوْلُهُ: [سَافَرَ بِوَقْتِهَا] : أَيْ وَقْتِهَا الْحَاضِرِ.

وَلَوْ الضَّرُورِيَّ، لَا إنْ خَرَجَ وَقْتُهَا الضَّرُورِيُّ فَلَا تُقْصَرُ وَلَوْ قَضَاهَا فِي سَفَرِهِ.
(أَوْ فَاتَتْهُ) عَطْفٌ عَلَى سَافَرَ أَيْ أَوْ رُبَاعِيَّةٌ فَاتَتْهُ (فِيهِ) أَيْ فِي سَفَرِهِ فَتُقْصَرُ، وَلَوْ صَلَّاهَا بِحَضَرٍ أَوْ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ أَدَّاهَا فِي سَفَرِهِ أَوْ فَاتَتْهُ فِيهِ.

وَمَحَلُّ الْقَصْرِ (إنْ عَدَا) : أَيْ جَاوَزَ الْمُسَافِرُ (الْبَلَدِيُّ) أَيْ مَنْ سَكَنُهُ بِبَلَدٍ (الْبَسَاتِينَ) لِهَذَا الْبَلَدِ (الْمَسْكُونِ) بِالْأَهْلِ، وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ كَأَيَّامِ الثِّمَارِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَسْكُونِ وَلَوْ كَانَ بِهِ الْحُرَّاسُ فَلَا يُشْتَرَطُ تَعْدِيَتُهُ كَالْمَزَارِعِ، بَلْ يَقْتَصِرُ بِمُجَرَّدِ تَعَدِّي الْبُيُوتِ كَالْخَالِيَةِ عَنْ الْبَسَاتِينِ (وَلَوْ بِقَرْيَةِ جُمُعَةٍ) وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ فِيهَا لَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَةِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ ضَعِيفٌ، (وَ) إنْ عَدَا (الْعَمُودِيُّ حِلَّتَهُ) أَيْ بُيُوتَ حِلَّتِهِ، وَلَوْ تَفَرَّقَتْ حَيْثُ جَمَعَهَا اسْمُ الْحَيِّ وَالدَّارِ، أَوْ الدَّارُ فَقَطْ؛

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [الْبَلَدِيُّ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ شَرْطَ تَعْدِيَةِ الْبَلَدِيِّ الْبَسَاتِينَ الْمَذْكُورَةَ إذَا سَافَرَ مِنْ نَاحِيَتِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِ نَاحِيَتِهَا وَكَانَ مُحَاذِيًا لَهَا، وَإِلَّا فَيَقْصُرُ بِمُجَرَّدِ مُجَاوَزَةِ الْبُيُوتِ كَذَا فِي (عب) . وَفِي (بْن) أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا إلَّا إذَا سَافَرَ مِنْ نَاحِيَتِهَا، فَإِنْ سَافَرَ مِنْ غَيْرِ نَاحِيَتِهَا فَلَا يُشْتَرَطُ مُجَاوَزَتُهَا وَلَوْ كَانَ مُحَاذِيًا لَهَا.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِقَرْيَةِ جُمُعَةٍ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ مُجَاوَزَةُ الْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ قَرْيَةِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، وَرَوَى مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ: إنْ كَانَتْ قَرْيَةَ جُمُعَةٍ فَلَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ مِنْهَا حَتَّى يُجَاوِزَ بُيُوتَهَا بِثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ السُّورِ إنْ كَانَ لِلْبَلَدِ سُورٌ، وَإِلَّا فَمِنْ آخِرِ بُنْيَانِهَا إنْ لَمْ تَكُنْ قَرْيَةَ جُمُعَةٍ فَيَكْفِي مُجَاوَزَةُ الْبَسَاتِينِ فَقَطْ.
وَقَدْ عَلِمْت ضَعْفَ هَذَا التَّفْصِيلِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ عَدَا الْعَمُودِيُّ] إلَخْ: هُوَ سَاكِنُ الْبَادِيَةِ، وَالْحِلَّةُ بِكَسْرِ الْحَاءِ: أَيْ مَحَلَّتُهُ، وَهِيَ مَنْزِلَةُ قَوْمِهِ.
فَالْحِلَّةُ وَالْمَنْزِلُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ: [حَيْثُ جَمَعَهُمَا اسْمُ الْحَيِّ وَالدَّارِ] إلَخْ: الْمُرَادُ بِالْحَيِّ: الْقَبِيلَةُ.
وَالْمُرَادُ بِالدَّارِ: الْمَنْزِلُ الَّذِي يَنْزِلُونَ فِيهِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا جَمَعَهُمْ اسْمُ الْحَيِّ وَالدَّارِ، أَوْ الدَّارُ فَقَطْ فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ إلَّا إذَا جَاوَزَ جَمِيعَ الْبُيُوتِ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْفَضَاءِ وَالرِّحَابِ الْمُجَاوِرِ لِلْأَبْنِيَةِ.
فَكَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَةِ الْفَضَاءِ، لَا بُدَّ مِنْ مُجَاوَزَةِ جَمِيعِ الْبُيُوتِ.
وَأَمَّا لَوْ جَمَعَهُمْ اسْمُ الْحَيِّ فَقَطْ دُونَ الدَّارِ - بِأَنْ كَانَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ فِي دَارٍ - فَإِنَّهَا تُعْتَبَرُ كُلُّ دَارٍ عَلَى

بِأَنْ يَتَوَقَّفَ رَحِيلُهُمْ وَنُزُولُهُمْ عَلَى بَعْضِهِمْ - وَلَوْ كَانُوا مِنْ قَبِيلَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَا إنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ وَلَوْ كَانُوا مِنْ قَبِيلَةٍ وَاحِدَةٍ.
(وَ) إنْ (انْفَصَلَ غَيْرُهُمَا) : أَيْ غَيْرُ الْبَلَدِيِّ وَالْعَمُودِيِّ عَنْ مَكَانِهِ، كَسَاكِنٍ بِجَبَلٍ أَوْ بِقَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ لَا بَسَاتِينَ لَهَا.
وَيَنْتَهِي الْقَصْرُ (إلَى) مِثْلِ (مَحَلِّ الْبَدْءِ) فِي ذَهَابِهِ أَوْ إلَيْهِ نَفْسِهِ فِي عَوْدِهِ، فَيُتِمُّ بِوُصُولِهِ إلَى الْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ، أَوْ إلَى الْبُيُوتِ فِيمَا لَا بَسَاتِينَ لَهَا (لَا) إنْ سَافَرَ (أَقَلَّ) مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَلَا يَقْصُرُ.

(وَبَطَلَتْ) إنْ قَصَرَ (فِي) مَسَافَةِ (ثَلَاثَةِ بُرُدٍ) أَوْ أَقَلَّ (لَا أَكْثَرَ) مِنْهَا فَلَا تَبْطُلُ بِقَصْرِهَا، وَذَلِكَ مِنْ سَبْعَةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا إلَى سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ، (وَإِنْ مُنِعَ) الْقَصْرُ فِي ذَلِكَ؛ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْمَنْعِ الْبُطْلَانُ (كَالْعَاصِي بِسَفَرِهِ) فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقَصْرُ، وَلَكِنَّهُ إنْ قَصَرَ لَمْ تَبْطُلْ وَأَمَّا الْعَاصِي فِي سَفَرِهِ فَإِنَّهُ يُسَنُّ لَهُ الْقَصْرُ قَطْعًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْعَاصِيَ بِهِ نَفْسُ سَفَرِهِ مَعْصِيَةٌ، كَآبِقٍ وَمُسَافِرٍ لِقَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ لِسَرِقَةٍ أَوْ غَصْبٍ، وَالْعَاصِي فِيهِ سَفَرُهُ جَائِزٌ فِي نَفْسِهِ، لَكِنْ قَدْ يَقَعُ مِنْهُ فِيهِ مَعْصِيَةٌ كَشُرْبٍ أَوْ زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ غَصْبٍ.
(وَكُرِهَ) الْقَصْرُ (لِلَاهٍ بِهِ) : أَيْ بِالسَّفَرِ وَتَصِحُّ بِالْأَوْلَى مِمَّا قَبْلَهُ وَقِيلَ:

[حاشية الصاوي]

حِدَةٍ حَيْثُ كَانَ لَا يَرْتَفِقُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ.
وَإِلَّا، فَهُمْ كَأَهْلِ الدَّارِ الْوَاحِدَةِ.
وَكَذَا إذَا لَمْ يَجْمَعْهُمْ اسْمُ الْحَيِّ وَالدَّارِ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ إذَا جَاوَزَ بُيُوتَ حِلَّتِهِ هُوَ.
قَوْلُهُ: [كَسَاكِنٍ بِجَبَلٍ] إلَخْ: أَيْ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ إذَا جَاوَزَ مَحَلَّهُ، وَسَاكِنُ الْقَرْيَةِ الَّتِي لَا بَسَاتِينَ بِهَا مَسْكُونَةٌ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ إذَا جَاوَزَ بُيُوتَ الْقَرْيَةِ وَالْأَبْنِيَةَ الْخَرَابَ الَّتِي فِي طَرَفِهَا.
وَكَذَلِكَ سَاكِنُ الْبَسَاتِينِ يَقْصُرُ بِمُجَرَّدِ انْفِصَالِهِ عَنْ مَسْكَنِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الْبَسَاتِينُ مُتَّصِلَةً بِالْبَلَدِ أَوْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ.
كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَقْصُرُ] : أَيْ يَحْرُمُ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا يُعْطِيهِ لَفْظُهُ وَهُوَ نَفْيُ السُّنِّيَّةِ.

قَوْلُهُ: [بَطَلَتْ إنْ قَصَرَ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الْقَصْرَ فِيمَا دُونَ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مَمْنُوعٌ اتِّفَاقًا، وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا بَعْدَ الْوُقُوعِ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: مَنْ يَقْصُرْ الصَّلَاةَ فِي أَمْيَالِ ... بُعْدٍ لَهُ تَبْطُلُ بِلَا إشْكَالِ وَقَصْرُهَا بَعْدَ مِيمٍ لَا ضَرَرْ ... وَفِيمَا بَيْنَ ذَا وَذَا الْخُلْفُ اشْتَهَرْ فَقِيلَ لَا يُعِيدُهَا أَصْلًا وَقِيلَ ... يُعِيدُهَا فِي الْوَقْتِ فَافْهَمْ يَا نَبِيلُ

لَا يَجُوزُ أَيْضًا.

(وَلَا يَقْصُرُ رَاجِعٌ) مِنْ سَفَرٍ لِمَحَلِّ إقَامَتِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ إذَا رَجَعَ (لِدُونِهَا) أَيْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، لِأَنَّ الرُّجُوعَ يُعْتَبَرُ سَفَرًا مُسْتَقِلًّا.
هَذَا إنْ رَجَعَ تَارِكًا لِلسَّفَرِ، بَلْ (وَلَوْ) رَجَعَ (لِشَيْءٍ نَسِيَهُ، إلَّا أَنْ يَخْرُجَ رَافِضًا سُكْنَاهَا) بِأَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ عَدَمَ الْعَوْدِ إلَيْهَا بِاسْتِيطَانِ غَيْرِهَا (وَلَمْ يَنْوِ بِرُجُوعِهِ الْإِقَامَةَ) الْقَاطِعَةَ لِحُكْمِ السَّفَرِ، بَلْ شَيْءٌ طَرَأَ لَهُ وَيَرْجِعُ لِسَفَرِهِ فَيَقْصُرُ فِي رُجُوعِهِ.
لِأَنَّ رُجُوعَهُ حِينَئِذٍ لَا يَقْطَعُ حُكْمَ سَفَرِهِ، فَقَوْلُهُ إلَّا إنْ إلَخْ قَيْدٌ لِمَا بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ رَجَعَ لِدُونِ الْمَسَافَةِ لَا يَقْصُرُ وَلَوْ رَجَعَ لِحَاجَةٍ مَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجُهُ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ بِنِيَّةِ رَفْضِ سُكْنَاهُ، وَرُجُوعُهُ لَهُ إنَّمَا هُوَ لِمُجَرَّدِ قَضَاءِ حَاجَةٍ مِنْهُ بِلَا نِيَّةِ إقَامَةٍ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَإِلَّا فَيَقْصُرُ.

(وَلَا) يَقْصُرُ (عَادِلٌ عَنْ) طَرِيقٍ (قَصِيرٍ) دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ إلَى السَّفَرِ فِي طَرِيقٍ طَوِيلٍ فِيهِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ (بِلَا عُذْرٍ) يَقْتَضِي الْعُدُولَ إلَيْهِ، فَإِنْ قَصَرَ فَصَحِيحَةٌ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ لَاهٍ بِسَفَرٍ، وَالْمُرَادُ بِالْعُذْرِ مُطْلَقُ سَبَبٍ، فَإِنْ عَدِمَ وَلَوْ لِأَمْرٍ

[حاشية الصاوي]

فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ صِحَّتُهَا فِي السَّادِسِ وَالثَّلَاثِينَ، وَكَلَامُ شَارِحِنَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ وَهُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ فِي تَقْرِيرِهِ.

[أحوال الْقَصْر]

قَوْلُهُ: [لِدُونِهَا] : مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا رَجَعَ بَعْدَهَا قَصَرَ فِي رُجُوعِهِ، كَمَا يُرْشِدُ التَّعْلِيلُ.
قَوْلُهُ: [لِشَيْءٍ نَسِيَهُ] : قَالَ (ر) إذَا رَجَعَ لِلْبَلَدِ الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ.
وَأَمَّا لَوْ رَجَعَ لِغَيْرِهِ لِشَيْءٍ نَسِيَهُ لَقَصَرَ فِي رُجُوعِهِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
(اهـ. بْن مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَرَدَّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى ابْنِ الْمَاجِشُونِ الْقَائِلِ: إذَا رَجَعَ لِشَيْءٍ نَسِيَهُ فَإِنَّهُ يَقْصُرُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفُضْ سَفَرَهُ.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَدْخُلْ بَعْدَ رُجُوعِهِ وَطَنَهُ الَّذِي نَوَى الْإِقَامَةَ فِيهِ عَلَى التَّأْبِيدِ، فَإِنْ دَخَلَهُ فَلَا خِلَافَ فِي إتْمَامِهِ.

قَوْلُهُ: [عَنْ طَرِيقٍ قَصِيرٍ] : مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ (ح) مِنْ تَعْلِيلِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ قَصْرِ اللَّاهِي أَنَّهُ إذَا قَصَرَ لَا يُعِيدُ وَهُوَ الظَّاهِرُ، لِأَنَّ الْعُدُولَ عَنْ الْقَصِيرِ لِلطَّوِيلِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ.
وَفِي التَّوْضِيحِ: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اللَّاهِيَ بِصَيْدِهِ وَشُبْهَةٍ لَا يَقْصُرُ فَلَا شَكَّ فِي قَصْرِ هَذَا.
(اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

مُبَاحٍ قَصَرَ قَطْعًا.

(وَلَا) يَقْصُرُ (كَهَائِمٍ) الْكَافُ بِمَعْنَى مِثْلِ وَالْهَائِمُ: السَّائِحُ فِي الْأَرْضِ، وَلَا يَقْصِدُ إقَامَةً بِمَحَلٍّ مَخْصُوصٍ وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الرَّاعِيَ يَطْلُبُ الرَّعْيَ بِمَوَاشِيهِ حَيْثُ وَجَدَ الْكَلَأَ، وَطَالِبَ ضَالَّةٍ أَوْ آبِقَ مَتَى وَجَدَهَا رَجَعَ (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ) الْهَائِمُ وَنَحْوُهُ (قَطْعَ الْمَسَافَةِ) الشَّرْعِيَّةِ (قَبْلَ مَرَامِهِ) : أَيْ مَقْصِدِهِ وَقَدْ عَزَمَ عَلَى قَطْعِهَا حِينَ خُرُوجِهِ فَيَقْصُرُ.

(وَلَا) يَقْصُرُ (مُنْفَصِلٌ) عَنْ الْبَلَدِ أَوْ الْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ (يَنْتَظِرُ رُفْقَةً) يُسَافِرُ مَعَهُمْ (إلَّا أَنْ يَجْزِمَ بِالسَّيْرِ دُونَهَا) أَيْ الرُّفْقَةِ؛ أَيْ أَنَّهُ يَسِيرُ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ لَمْ تَجِئْ (أَوْ) أَنَّهُ لَا يُسَافِرُ إلَّا مَعَهَا وَجَزَمَ (بِمَجِيئِهَا) وَالسَّفَرِ مَعَهَا (قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) فَإِنْ جَزَمَ بِمَا ذُكِرَ قَصَرَ فِي مَحَلِّ الِانْتِظَارِ.

(وَلَا) يَقْصُرُ مُسَافِرٌ (نَاوٍ إقَامَةً بِمَكَانٍ) فِي طَرِيقِهِ عَلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ (تَقْطَعُهُ) صِفَةٌ لِإِقَامَةٍ: أَيْ إقَامَةً قَاطِعَةً لِلْقَصْرِ - بِأَنْ كَانَتْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ - كَأَنْ يُسَافِرَ عَلَى مَحَلٍّ مَسَافَةَ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَأَكْثَرَ ثُمَّ نَوَى حِينَ خُرُوجِهِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَانٍ عَلَى بَرِيدَيْنِ مَثَلًا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا يَقْصُرُ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ الْمَكَانِ، (أَوْ) نَاوٍ (دُخُولَ وَطَنِهِ) الْكَائِنِ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَافَةِ، (أَوْ) نَاوٍ دُخُولَ (مَحَلِّ زَوْجَةٍ دَخَلَ بِهَا) فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْكَائِنِ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَافَةِ - لَا إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَيَقْصُرُ - وَلَوْ كَانَ بِهِ أَقَارِبُهُ كَوَلَدٍ أَوْ وَالِدٍ حَتَّى يَنْوِيَ إقَامَةً أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، (وَهُوَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَكَانِ أَوْ الْوَطَنِ أَوْ مَحَلِّ الزَّوْجَةِ.
وَالْوَاوُ لِلْحَالِ: أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ مَا ذُكِرَ (دُونَ الْمَسَافَةِ) الشَّرْعِيَّةِ.
مِثَالُهُ: مُقِيمٌ بِمَكَّةَ أَرَادَ السَّفَرَ إلَى الْمَدِينَةِ وَنَوَى حِينَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ أَنْ يُقِيمَ بِالْجِعْرَانَةِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، أَوْ كَانَتْ الْجِعْرَانَةُ وَطَنَهُ - أَيْ مَحَلَّ زَوْجَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا - وَنَوَى أَنْ يَدْخُلَهَا

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [قَصَرَ قَطْعًا] : أَيْ مِنْ غَيْرِ نَهْيٍ.

قَوْلُهُ: [وَلَا يَقْصُرُ مُنْفَصِلٌ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ مِنْ الْبَلَدِ عَازِمًا عَلَى السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ قَبْلَ مَسَافَتِهِ يَنْتَظِرُ رُفْقَةً لَاحِقَةً لَهُ، فَإِنْ جَزَمَ أَنَّهُ لَا يُسَافِرُ دُونَهَا وَلَمْ يَعْلَمْ وَقْتَ مَجِيئِهَا فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ بَلْ يُتِمُّ مُدَّةَ انْتِظَارِهِ.
فَإِنْ نَوَى انْتِظَارَهَا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَإِنْ لَمْ تَأْتِ سَافَرَ دُونَهَا أَوْ جَزَمَ بِمَجِيئِهَا قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ قَصَرَ مُدَّةَ انْتِظَارِهِ لَهَا.

وَلَوْ لَمْ يَقُمْ بِهَا مَا ذُكِرَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْجِعْرَانَةِ لِأَنَّهَا دُونَ الْمَسَافَةِ.
ثُمَّ إذَا خَرَجَ إلَى الْمَدِينَةِ قَصَرَ، فَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ دُونَ الْمَدِينَةِ اعْتَبَرَ الْبَاقِيَ، فَإِنْ كَانَ مَسَافَةَ قَصْرٍ، قَصَرَ وَإِلَّا فَلَا.

ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى مَنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِالْقَصْرِ وَطَرَأَ عَلَيْهِ مَا يَقْطَعُهُ بِقَوْلِهِ: (وَقَطَعَهُ) أَيْ الْقَصْرَ الَّذِي كَانَ مُتَلَبِّسًا بِهِ (دُخُولُهُ) أَيْ دُخُولُ وَطَنِهِ الْمَارِّ عَلَيْهِ، أَوْ دُخُولُ مَحَلِّ زَوْجَتِهِ الْمَدْخُولِ بِهَا، حَالَ كَوْنِهِ (بَعْدَهَا) : أَيْ الْمَسَافَةِ؛ أَيْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
فَإِنْ طَرَأَتْ لَهُ نِيَّةُ دُخُولِهِ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ اسْتَمَرَّ عَلَى الْقَصْرِ حَتَّى يَدْخُلَ بِالْفِعْلِ، وَلَوْ كَانَ الْبَاقِي دُونَ الْمَسَافَةِ.
وَكَذَا إذَا كَانَ دُونَهَا حَيْثُ خَرَجَ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي ابْتَدَأَ السَّفَرَ مِنْهُ غَيْرَ قَاصِدٍ دُخُولَ مَا ذُكِرَ فَطَرَأَ لَهُ الدُّخُولُ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ مِنْ وَقْتِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ دُونَ الْمَدِينَةِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَقْسَامَ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَسْتَقِلَّ مَا قَبْلَ وَطَنِهِ وَمَا بَعْدَهُ بِالْمَسَافَةِ وَفِي هَذِهِ يَقْصُرُ قَبْلَ دُخُولِهِ لِوَطَنِهِ وَبَعْدَهُ.
الثَّانِي: عَكْسُهُ وَالْمَجْمُوعُ فِيهِ الْمَسَافَةُ، وَفِي هَذَا إنْ نَوَى الدُّخُولَ أَتَمَّ قَبْلَ دُخُولِهِ وَطَنَهُ وَبَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ دُخُولَهُ قَصَرَ، وَإِنْ نَوَى دُخُولَهُ بَعْدَ سَيْرِهِ شَيْئًا فَفِي قَصْرِهِ قَوْلَا سَحْنُونَ وَغَيْرِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ قَبْلَ وَطَنِهِ أَقَلُّ مِنْ الْمَسَافَةِ وَبَعْدَ مَسَافَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، فَإِنْ نَوَى الدُّخُولَ فَلَا يَقْصُرُ قَبْلَهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الدُّخُولَ قَصَرَ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَيَقْصُرُ مُطْلَقًا وَلَوْ نَوَى دُخُولَهُ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ، فَحَكَى فِي التَّوْضِيحِ فِي هَذِهِ قَوْلَيْنِ الْقَصْرُ لِسَحْنُونٍ وَالْإِتْمَامُ لِغَيْرِهِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ قَبْلَ وَطَنِهِ مَسَافَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَبَعْدَهُ أَقَلُّ مِنْهَا فَيَقْصُرُ قَبْلَ وَطَنِهِ مُطْلَقًا نَوَى الدُّخُولَ أَمْ لَا، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا يَقْصُرُ مُطْلَقًا.
(اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَمَا قِيلَ فِي الْوَطَنِ يُقَالُ فِي مَكَانِ الزَّوْجَةِ وَفِي مَكَان نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ فِيهِ، فَتَأَمَّلْ.

[طُرُوء مَا يَقْطَع الْقَصْر]

قَوْلُهُ: [دُخُولُهُ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْمُرُورِ بِالْوَطَنِ أَوْ مَكَانِ الزَّوْجَةِ فَلَا يَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ وَلَوْ حَاذَاهُ.
وَلِذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: إنَّمَا يُمْنَعُ الْمُرُورُ بِشَرْطِ دُخُولِهِ أَوْ نِيَّةِ دُخُولِهِ لَا إنْ اجْتَازَ، وَالْمُرَادُ بِمَكَانِ الزَّوْجَةِ: الْبَلَدُ الَّذِي هِيَ بِهِ لَا خُصُوصُ الْمَنْزِلِ الَّذِي هِيَ بِهِ، وَلَا يَكُونُ مَحَلُّ الزَّوْجَةِ قَاطِعًا إلَّا إذَا كَانَتْ غَيْرَ نَاشِزَةٍ، فَفِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ الزَّوْجَةَ النَّاشِزَةَ لَا عِبْرَةَ بِهَا مِثْلَ الزَّوْجَةِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالسُّرِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: [اسْتَمَرَّ عَلَى الْقَصْرِ] : أَيْ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونَ.

نِيَّةِ الدُّخُولِ فِي هَذَا الثَّانِي، أَوْ الدُّخُولِ بِالْفِعْلِ إذَا لَمْ يَطْرَأْ لَهُ قَصْدُ الدُّخُولِ.
(ثُمَّ) إذَا شَرَعَ فِي بَقِيَّةِ سَفَرِهِ (اعْتَبَرَ مَا بَقِيَ) . فَإِنْ كَانَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ قَصَرَ.
وَإِلَّا فَلَا.
وَهَذَا رَاجِعٌ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ.

(وَ) قَطْعُ الْقَصْرِ أَيْضًا (دُخُولُ بَلَدِهِ) : الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ إنْ رَجَعَ اخْتِيَارًا.
بَلْ (وَإِنْ رُدَّ) إلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوَطَنِ وَمَا بَعْدَهُ (غَلَبَةً بِكَرِيحِ) رَدَّتْ السَّفِينَةَ الَّتِي هُوَ بِهَا، فَهَذِهِ الْمُبَالَغَةُ تَرْجِعُ لِمَا قَبْلَ بَلَدِهِ أَيْضًا؛ وَهُوَ وَطَنُهُ أَوْ مَحَلُّ زَوْجَتِهِ الْكَائِنُ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَافَةِ.
وَلَا يَتَكَرَّرُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ سَابِقًا: " وَلَا يَقْصُرُ رَاجِعٌ " لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي كَوْنِ الدُّخُولِ فِي الْبَلَدِ يَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ.
وَهُنَاكَ فِي كَوْنِ الرَّاجِعِ لَا يَقْصُرُ فِي رُجُوعِهِ إذَا كَانَتْ مَسَافَتُهُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.

(وَ) قَطْعُهُ (نِيَّةَ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ) : تَسْتَلْزِمُ عِشْرِينَ صَلَاةً وَإِلَّا فَلَا (أَوْ الْعِلْمُ بِهَا) أَيْ بِإِقَامَةِ الْأَرْبَعَةِ الْأَيَّامِ فِي مَحَلٍّ (عَادَةً) بِأَنْ كَانَتْ عَادَةُ الْقَافِلَةِ أَنْ تُقِيمَ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ يُتِمُّ (لَا الْإِقَامَةَ) الْمُجَرَّدَةَ عَنْ كَوْنِهَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، كَالْمُقِيمِ لِحَاجَةٍ مَتَى قُضِيَتْ سَافَرَ فَإِنَّهَا لَا تَقْطَعُ الْقَصْرَ (وَلَوْ طَالَتْ) ،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ [بِكَرِيحٍ] : وَمِثْلُهُ دَابَّةٌ جَمَحَتْ وَلَا يَجِدُ غَيْرَهَا لَا الْغَاصِبُ إذْ يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ وَلَوْ بِمَالٍ، فَهُوَ عَلَى نِيَّةِ سَفَرِهِ.
كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.

قَوْلُهُ: [نِيَّةَ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ] إلَخْ: الْأَوْلَى نُزُولُ مَكَان نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ يَنْقَطِعُ حُكْمُ السَّفَرِ وَلَوْ كَانَ بَيْنَ مَحَلِّهَا.
وَمَحَلِّ الْإِقَامَةِ الْمَسَافَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [تَسْتَلْزِمُ عِشْرِينَ صَلَاةً] : أَيْ فِي مُدَّةِ تِلْكَ الْإِقَامَةِ بِأَنْ دَخَلَ قَبْلَ فَجْرِ السَّبْتِ وَنَوَى الِارْتِحَالَ بَعْدَ عِشَاءِ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ، وَاعْتَبَرَ سَحْنُونَ الْعِشْرِينَ فَقَطْ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: [وَالْعِلْمُ بِهَا] إلَخْ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ عَادَةِ الْحَاجِّ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ يُقِيمُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَيُتِمُّ.
وَمَحَلُّ قَطْعِ الْقَصْرِ بِإِقَامَةِ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ فِي غَيْرِ الْعَسْكَرِ بِدَارِ الْحَرْبِ وَأَمَّا هُوَ فَيَقْصُرُ وَلَوْ طَالَتْ إقَامَتُهُ.
كَمَا قَالَ خَلِيلٌ: إلَّا الْعَسْكَرَ بِدَارِ الْحَرْبِ.

إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهَا لَا تُقْضَى إلَّا بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ (وَإِنْ نَوَاهَا) : أَيْ الْأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَهُوَ (بِصَلَاةٍ) أَيْ فِيهَا (قَطَعَ) الصَّلَاةَ (وَشَفَعَ) نَدْبًا (إنْ رَكَعَ) : أَيْ صَلَّى رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا (وَلَمْ تَجُزْ حَضَرِيَّةً) إنْ أَتَمَّهَا أَرْبَعًا لِعَدَمِ دُخُولِهِ عَلَيْهَا (وَلَا سَفَرِيَّةً) لِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِيهَا (وَ) إنْ نَوَاهَا (بَعْدَهَا) : أَيْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا (أَعَادَ بِوَقْتٍ) اخْتِيَارِيٍّ.

(وَكُرِهَ اقْتِدَاءُ مُقِيمٍ بِمُسَافِرٍ) : لِمُخَالَفَةِ نِيَّةِ إمَامِهِ (كَعَكْسِهِ) : أَيْ اقْتِدَاءِ مُسَافِرٍ بِمُقِيمٍ.
(وَتَأَكَّدَ) الْكُرْهُ لِمُخَالَفَةِ الْمُسَافِرِ سُنَّتَهُ مِنْ الْقَصْرِ.
(وَتَبِعَهُ) الْمُسَافِرُ فِي الْإِتْمَامِ وُجُوبًا وَلَوْ نَوَى الْقَصْرَ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَإِنْ نَوَاهَا] : أَيْ الْأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَمِثْلُ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ الْمَذْكُورَةِ مَا إذَا أَدْخَلَتْهُ الرِّيحُ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا سَفَرِيَّةً، مَحَلًّا يَقْطَعُ دُخُولُهُ حُكْمَ السَّفَرِ مِنْ وَطَنِهِ، أَوْ مَحَلَّ زَوْجَةٍ بَنَى بِهَا.
قَوْلُهُ: [أَعَادَ بِوَقْتٍ] إلَخْ: اُسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ وَقَعَتْ مُسْتَجْمِعَةً لِلشُّرُوطِ قَبْلَ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِلْإِعَادَةِ.
وَقَدْ يُقَالُ إنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ عَلَى جَرْيِ الْعَادَةِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَرَدُّدٍ قَبْلَهَا فِي الْإِقَامَةِ وَعَدَمِهَا، فَإِذَا جَزَمَ بِالْإِقَامَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَكَأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ عِنْدَ نِيَّةِ الصَّلَاةِ السَّفَرِيَّةِ، فَاحْتِيطَ لَهُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ.

[اقْتِدَاءُ مُقِيمٍ بِمُسَافِرٍ وعكسه]

قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ اقْتِدَاءُ مُقِيمٍ] إلَخْ: أَيْ إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمُسَافِرُ ذَا فَضْلٍ أَوْ سِنٍّ كَمَا فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَنَقَلَهُ (ح) عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي اعْتِمَادَهُ، وَذَكَرَ (ر) أَنَّ الْمُعْتَمَدَ إطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلٌّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ قَدْ رَجَحَ.
كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ نَوَى الْقَصْرَ] : اُسْتُشْكِلَ إتْمَامُهُ مَعَ مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: " وَإِنْ نَوَى الْقَصْرَ فَأَتَمَّ عَمْدًا بَطَلَتْ "، وَمَعَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ ظَنَّ الْإِمَامَ مُسَافِرًا فَظَهَرَ خِلَافُهُ أَعَادَ أَبَدًا " إلَخْ، وَأَجَابَ (ر) : بِأَنَّ نِيَّةَ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَمُخَالَفَةِ فِعْلِهِ لِتِلْكَ النِّيَّةِ أَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَتَارَةً يُلْغُونَهُ وَتَارَةً يَعْتَبِرُونَهُ.
فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَرَّ عَلَى قَوْلٍ، فَمَرَّ هُنَا عَلَى اغْتِفَارِ مُخَالَفَةِ الْفِعْلِ لِلنِّيَّةِ لِأَجْلِ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ، وَفِيمَا يَأْتِي مَرَّ عَلَى عَدَمِ اغْتِفَارِ مُخَالَفَةِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ نَوْعَ تَلَاعُبٍ.

فصول الكتاب · 3 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك · 813 صفحة
المقدمة
بَابُ فِي الشُّفْعَةِ وَأَحْكَامِهَا
بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ
جارٍ التحميل