(وَ) نُدِبَ لَهُ (قَضَاؤُهُ) وَلَمْ يَجِبْ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ.
(بِخِلَافِ مَنْ زَالَ عُذْرُهُ الْمُبِيحُ) : أَيْ الَّذِي يُبِيحُ (لَهُ الْفِطْرَ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ؛ كَصَبِيٍّ بَلَغَ) بَعْدَ الْفَجْرِ (وَمَرِيضٍ صَحَّ وَمُسَافِرٍ قَدِمَ) نَهَارًا وَحَائِضٍ أَوْ نُفَسَاءَ طَهُرَتَا نَهَارًا، وَمَجْنُونٍ أَفَاقَ وَمُضْطَرٍّ لِفِطْرٍ عَنْ عَطَشٍ أَوْ جُوعٍ؛ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ الْإِمْسَاكُ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ وَحِينَئِذٍ (فَيَطَأُ) الْوَاحِدُ مِنْهُمْ (امْرَأَةً) لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ (كَذَلِكَ) : أَيْ زَالَ عُذْرُهَا الْمُبِيحُ لَهَا الْفِطْرَ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ بِأَنْ قَدِمَتْ مَعَهُ مِنْ السَّفَرِ أَوْ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ بَلَغَتْ نَهَارًا أَوْ أَفَاقَتْ مِنْ جُنُونٍ.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: " مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ " عَنْ النَّاسِي، وَمَنْ أَفْطَرَ يَوْمَ الشَّكِّ؛ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْإِمْسَاكُ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ، لَكِنْ يَرِدُ الْمُكْرَهُ؛ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ بِرَمَضَانَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ؟ وَيُجَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُبِيحِ اخْتِيَارًا وَلَا اخْتِيَارَ لِلْمُكْرَهِ.
وَيَرِدُ عَلَى مَفْهُومِهِ الْمَجْنُونُ؛ فَإِنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ كَالنَّاسِي، وَلَا يُنْدَبُ لَهُ الْإِمْسَاكُ إذَا أَفَاقَ.
(وَ) نُدِبَ لِمَنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ رَمَضَانَ (تَعْجِيلُ الْقَضَاءِ وَ) نُدِبَ (تَتَابُعُهُ) أَيْ الْقَضَاءِ (كَكُلِّ صَوْمٍ لَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ) : كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالتَّمَتُّعِ وَصِيَامِ جَزَاءِ الصَّيْدِ، فَيُنْدَبُ تَتَابُعُهُ
(وَ) نُدِبَ لِلصَّائِمِ (كَفُّ لِسَانٍ وَجَوَارِحَ) عَطْفُ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ (عَنْ فُضُولٍ) مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي لَا إثْمَ فِيهَا.
(وَ) نُدِبَ (تَعْجِيلُ فِطْرٍ)
[حاشية الصاوي]
[مَنْدُوبَات الصَّوْمِ]
قَوْلُهُ: [وَيَرِدُ عَلَى مَفْهُومِهِ الْمَجْنُونُ] : وَأُجِيبَ بِجَوَابٍ آخَرَ عَنْ كُلٍّ مِنْ الْمُكْرَهِ وَالْمَجْنُونِ: بِأَنْ فَعَلَهُمَا قَبْلَ زَوَالِ الْعُذْرِ لَا يَتَّصِفُ بِإِبَاحَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، فَلَا يَدْخُلَانِ فِي مَنْطُوقٍ وَلَا مَفْهُومٍ.
قَوْلُهُ: [كَفُّ لِسَانٍ وَجَوَارِحَ] : أَيْ يَتَأَكَّدُ أَكْثَرُ مِنْ الْمُفْطِرِ، وَمِمَّا يُنْسَبُ لِابْنِ عَطِيَّةَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ:
لَا تَجْعَلَنْ رَمَضَانَ شَهْرَ فُكَاهَةٍ ... كَيْمَا تُقَضِّيَ بِالْقَبِيحِ فَنُونَهُ
وَاعْلَمْ بِأَنَّك لَنْ تَفُوزَ بِأَجْرِهِ ... وَتَصُومَهُ حَتَّى تَكُونَ تَصُونَهُ
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَعْجِيلُ فِطْرٍ] : أَيْ وَيُنْدَبُ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ لَك صُمْت
قَبْلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ تَحْقِيقِ الْغُرُوبِ، وَنُدِبَ كَوْنُهُ عَلَى رُطَبَاتٍ فَتَمَرَاتٍ وِتْرًا وَإِلَّا حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ.
(وَ) نُدِبَ لِلصَّائِمِ (السُّحُورُ) لِلتَّقَوِّي بِهِ عَلَى الصَّوْمِ.
(وَ) نُدِبَ (تَأْخِيرُهُ) لِآخِرِ اللَّيْلِ.
[حاشية الصاوي]
وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت» ، وَفِي حَدِيثٍ: «اللَّهُمَّ لَك صُمْت وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْت ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ» ، وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُ قَبْلَ وَضْعِ اللُّقْمَةِ فِي الْفَمِ: «يَا عَظِيمُ ثَلَاثًا أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ غَيْرُك اغْفِرْ لِي الذَّنْبَ الْعَظِيمَ فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ إلَّا الْعَظِيمُ» .
قَوْلُهُ: [قَبْلَ الصَّلَاةِ] : أَيْ الْمَغْرِبِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْقَلْبِ بِهِ يَشْغَلُ عَنْ الصَّلَاةِ لِحَدِيثِ: «إذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ» ، وَيُحْمَلُ هَذَا عَلَى الْأَكْلِ الْخَفِيفِ الَّذِي لَا يُخْرِجُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا.
قَوْلُهُ: [فَتَمَرَاتٌ وِتْرًا] : أَيْ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ حَلَوِيَّاتٍ، فَالسُّكْرُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَاءِ الْقَرَاحِ.
وَقَوْلُهُ: [حَسَوَاتٍ] جَمْعُ حُسْوَةٍ كَمُدْيَةٍ وَمُدْيَاتٍ.
وَالْفَتْحُ فِي الْجَمْعِ لُغَةٌ، وَالْحُسْوَةُ مِلْءُ الْفَمِ مِنْ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: [السُّحُورُ] : هُوَ بِالضَّمِّ الْفِعْلُ، وَبِالْفَتْحِ مَا يُؤْكَلُ آخِرَ اللَّيْلِ.
وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَوَّلُ لِقَرْنِهِ بِالْفِطْرِ، وَلِأَنَّهُ الْمَوْصُوفُ بِالتَّأْخِيرِ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالنِّصْفِ الْأَخِيرِ، وَكُلَّمَا تَأَخَّرَ كَانَ أَفْضَلَ، فَقَدْ وَرَدَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُؤَخِّرُهُ حَتَّى يَبْقَى عَلَى الْفَجْرِ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ الْقَارِئُ خَمْسِينَ آيَةً»
(وَ) نُدِبَ (صَوْمٌ بِسَفَرٍ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184] وَلَا يَجِبُ (وَإِنْ عَلِمَ الدُّخُولَ) لِوَطَنِهِ (بَعْدَ الْفَجْرِ) وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُنْدَبُ الْإِمْسَاكُ بَعْدَ دُخُولِهِ أَيْ إنْ بَيَّتَ الْفِطْرَ.
(وَ) نُدِبَ (صَوْمُ) يَوْمِ (عَرَفَةَ لِغَيْرِ حَاجٍّ) ، وَكُرِهَ لِحَاجٍّ؛ أَيْ لِأَنَّ الْفِطْرَ يُقَوِّيهِ عَلَى الْوُقُوفِ بِهَا.
(وَ) نُدِبَ صَوْمُ (الثَّمَانِيَةِ) الْأَيَّامِ (قَبْلَهُ) أَيْ عَرَفَةَ (وَ) صَوْمُ (عَاشُورَاءَ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ صَوْمٌ بِسَفَرٍ] : أَيْ يُنْدَبُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَصُومَ فِي سَفَرِهِ الْمُبِيحِ لَهُ لِلْفِطْرِ وَسَتَأْتِي شُرُوطُهُ، وَيُكْرَهُ لَهُ الْفِطْرُ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَأَمَّا قَصْرُ الصَّلَاةِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ إتْمَامِهَا وَذَلِكَ لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ بِالْقَصْرِ وَعَدَمِ بَرَاءَتِهَا بِالْفِطْرِ.
فَإِنْ قُلْت مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ نَدْبِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ وَظَاهِرُ الْآيَةِ يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» . أُجِيبَ بِحَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى صَوْمِ النَّفْلِ أَوْ الْفَرْضِ إذَا شَقَّ، وَيُرْوَى الْحَدِيثُ بِأَلْ وَأَمْ عَلَى لُغَةِ حِمْيَرَ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ] : لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ وَالْمُرَادُ بِنَدْبِ الصَّوْمِ تَأَكُّدُهُ وَإِلَّا فَالصَّوْمُ مُطْلَقًا مَنْدُوبٌ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ صَوْمُ الثَّمَانِيَةِ الْأَيَّامِ قَبْلَهُ] : وَاخْتُلِفَ فِي صِيَامِ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا، فَقِيلَ يَعْدِلُ شَهْرًا أَوْ شَهْرَيْنِ أَوْ سَنَةً.
قَوْلُهُ: [عَاشُورَاءَ] : هُوَ عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ وَتَاسُوعَاءُ تَاسِعُهُ وَهُمَا بِالْمَدِّ، وَقَدَّمَ عَاشُورَاءَ مَعَ أَنَّ تَاسُوعَاءَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فِي الْوُجُودِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ تَاسُوعَاءَ.
وَيُنْدَبُ فِي عَاشُورَاءَ التَّوْسِعَةُ عَلَى الْأَهْلِ وَالْأَقَارِبِ، بَلْ يُنْدَبُ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ خَصْلَةً جَمَعَهَا بَعْضُهُمْ مَا عَدَا عِيَادَةَ الْمَرِيضِ فِي قَوْلِهِ:
صُمْ صَلِّ صِلْ زُرْ عَالِمًا ثُمَّ اغْتَسِلْ ... رَأْسَ الْيَتِيمِ امْسَحْ تَصَدَّقْ وَاكْتَحِلْ
وَسِّعْ عَلَى الْعِيَالِ قَلِّمْ ظُفْرًا ... وَسُورَةَ الْإِخْلَاصِ قُلْ أَلْفًا تَصِلْ
وَتَاسُوعَاءُ وَالثَّمَانِيَةِ قَبْلَهُ) أَيْ تَاسُوعَاءَ (وَبَقِيَّةِ الْمُحَرَّمِ وَ) صَوْمُ (رَجَبٍ وَشَعْبَانَ، وَ) نُدِبَ صَوْمُ (الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ) ، (وَ) نُدِبَ صَوْمُ يَوْمِ (النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ) لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ.
وَالنَّصُّ عَلَى الْأَيَّامِ الْمَذْكُورَةِ - مَعَ دُخُولِهَا فِي شَهْرِهَا - لِبَيَانِ عِظَمِ شَأْنِهَا وَأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْبَقِيَّةِ؛ فَيَوْمُ عَرَفَةَ أَفْضَلُ مِمَّا قَبْلَهُ، وَعَاشُورَاءُ أَفْضَلُ مِنْ تَاسُوعَاءَ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِمَّا قَبْلَهُمَا، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ الْبَقِيَّةِ.
(وَ) نُدِبَ صَوْمُ (ثَلَاثَةٍ) مِنْ الْأَيَّامِ (مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) .
(وَكُرِهَ تَعْيِينُ) الثَّلَاثَةِ (الْبِيضِ) الثَّالِثَ عَشَرَ وَتَالِيَاهُ فِرَارًا مِنْ التَّحْدِيدِ (كَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ إنْ وَصَلَهَا) بِالْعِيدِ (مُظْهِرًا) لَهَا
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَصَوْمُ رَجَبٍ] : أَيْ فَيَتَأَكَّدُ صَوْمُهُ أَيْضًا وَإِنْ كَانَتْ أَحَادِيثُهُ ضَعِيفَةً لِأَنَّهُ يُعْمَلُ بِهَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ صَوْمُ ثَلَاثَةٍ مِنْ الْأَيَّامِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ] : وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا فَلِذَلِكَ كَانَ مَالِكٌ يَصُومُ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْهُ وَحَادِيَ عَشَرَهُ وَحَادِيَ عَشَرَيْهِ.
قَوْلُهُ: [الثَّلَاثَةُ الْبِيضُ] : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِبَيَاضِ اللَّيَالِيِ بِالْقَمَرِ.
قَوْلُهُ: [كَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ] : قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: إذَا أَظْهَرَهَا مُقْتَدًى بِهِ لِئَلَّا يَعْتَقِدَ وُجُوبَهَا أَوْ اعْتَقَدَ سُنِّيَّتَهَا لِرَمَضَانَ، كَالنَّفْلِ الْبَعْدِيِّ لِلصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا سِرُّ حَدِيثِهَا أَنَّ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَالسِّتَّةَ بِشَهْرَيْنِ فَكَأَنَّهُ صَامَ الْعَامَ.
وَتَخْصِيصُ شَوَّالٍ قِيلَ تَرْخِيصٌ لِلتَّمَرُّنِ عَلَى الصَّوْمِ حَتَّى إنَّهَا بَعْدَهُ أَفْضَلُ لِأَنَّهَا أَشَقُّ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ
لَا إنْ فَرَّقَهَا أَوْ أَخَّرَهَا أَوْ صَامَهَا فِي نَفْسِهِ خُفْيَةً فَلَا يُكْرَهُ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ.
(وَ) كُرِهَ لِلصَّائِمِ (ذَوْقُ) شَيْءٍ لَهُ طَعْمٌ (كَمِلْحٍ) وَعَسَلٍ وَخَلٍّ لِيَنْظُرَ وَلَوْ لِصَانِعِهِ مَخَافَةَ أَنْ يَسْبِقَ لِحَلْقِهِ شَيْءٌ مِنْهُ (وَمَضْغُ عِلْكٍ) : أَيْ مَا يُعْلَكُ أَيْ يُمْضَغُ كَلِبَانٍ وَتَمْرَةٍ لِطِفْلٍ، فَإِنْ سَبَقَهُ مِنْهُ شَيْءٌ لِحَلْقِهِ فَالْقَضَاءُ.
(وَ) كُرِهَ (نَذْرُ) صَوْمِ (يَوْمٍ مُكَرَّرٍ) كَكُلِّ خَمِيسٍ وَأَوْلَى نَذْرُ صَوْمِ الدَّهْرِ لِأَنَّ النَّفْسَ إذَا لَزِمَهَا شَيْءٌ مُتَكَرِّرٌ أَوْ دَائِمٌ أَتَتْ بِهِ عَلَى ثِقَلٍ وَتَنَدُّمٍ، فَيَكُونُ لِغَيْرِ الطَّاعَةِ أَقْرَبَ.
[حاشية الصاوي]
أَفْضَلُ فَلْيُتَأَمَّلْ (اهـ.) قَوْلُهُ: [لَا إنْ فَرَّقَهَا] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ مُقَيَّدَةٌ بِخَمْسَةِ أُمُورٍ تُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ وَالْمَجْمُوعِ، فَإِنْ انْتَفَى قَيْدٌ مِنْهَا فَلَا كَرَاهَةَ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ الْحَدِيثُ وَهِيَ أَنْ يُوصِلَهَا فِي نَفْسِهَا وَبِالْعِيدِ مُظْهِرًا لَهَا مُقْتَدًى بِهِ مُعْتَقِدًا سُنِّيَّتَهَا لِرَمَضَانَ كَالرَّوَاتِبِ الْبَعْدِيَّةَ.
[مَكْرُوهَات الصَّوْمِ]
قَوْلُهُ: [وَمَضْغُ عِلْكٍ] : اسْمٌ يَعُمُّ كُلَّ مَا يُعْلَكُ أَيْ يُمْضَغُ.
جَمْعُهُ عُلُوكٌ، وَبَائِعُهُ عَلَّاكٌ، وَقَدْ عَلَكَ يَعْلُكُ - بِضَمِّ اللَّامِ - عَلْكًا بِفَتْحِ الْعَيْنِ؛ أَيْ مَضَغَهُ وَلَاكَهُ.
[تَنْبِيه كَرَاهَة صَوْمِ يَوْم المولد]
قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ نَذْرُ صَوْمِ يَوْمٍ مُكَرَّرٍ] : أَيْ وَمِثْلُهُ الْأُسْبُوعُ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أُسْبُوعٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ.
تَنْبِيهٌ:
مِنْ جُمْلَةِ الْمَكْرُوهِ - كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ - صَوْمُ يَوْمِ الْمَوْلِدِ الْمُحَمَّدِيِّ إلْحَاقًا لَهُ بِالْأَعْيَادِ، وَكَذَا صَوْمُ الضَّيْفِ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّ الْمَنْزِلِ، وَمِنْ جُمْلَةِ الْمَكْرُوهِ أَيْضًا مُدَاوَاةُ الْإِنْسَانِ نَهَارًا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَبْتَلِعْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنْ ابْتَلَعَ مِنْهُ شَيْئًا غَلَبَةً قَضَى، وَإِنْ تَعَمَّدَ كَفَّرَ أَيْضًا، إلَّا لِخَوْفِ ضَرَرٍ فِي تَأْخِيرِ الدَّوَاءِ لِلَّيْلِ لِحُدُوثِ مَرَضِهِ أَوْ زِيَادَتِهِ أَوْ شِدَّةِ تَأَلُّمٍ فَلَا يُكْرَهُ، بَلْ يَجِبُ إنْ خَافَ هَلَاكًا أَوْ شَدِيدَ أَذًى.
وَمِنْ الْمَكْرُوهِ غَزْلُ الْكَتَّانِ لِلنِّسَاءِ مَا لَمْ تَضْطَرَّ الْمَرْأَةُ لِذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ، وَهَذَا إذَا كَانَ لَهُ طَعْمٌ يَتَحَلَّلُ كَاَلَّذِي يَعْطَنُ فِي الْمُبِلَّاتِ، وَأَمَّا مَا يَعْطَنُ فِي الْبَحْرِ فَيَجُوزُ مُطْلَقًا كَمَا فِي (ح) وَغَيْرِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ حَصَادُ الزَّرْعِ إذَا كَانَ يُؤَدِّي لِلْفِطْرِ مَا لَمْ يَضْطَرَّ الْحَصَادُ لِذَلِكَ، وَأَمَّا رَبُّ الزَّرْعِ فَلَهُ الِاشْتِغَالُ بِهِ وَلَوْ أَدَّى إلَى الْفِطْرِ، لِأَنَّ رَبَّ
(وَ) كُرِهَ لَهُ (مُقَدِّمَةُ جِمَاعٍ وَلَوْ فِكْرًا أَوْ نَظَرًا) : لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَدَّاهُ لِلْفِطْرِ بِالْمَذْيِ أَوْ الْمَنِيِّ وَهَذَا (إنْ عُلِمَتْ السَّلَامَةُ) مِنْ ذَلِكَ وَإِلَّا حَرُمَ.
(وَ) كُرِهَ لَهُ (تَطَوُّعٌ) بِصَوْمٍ (قَبْلَ) صَوْمٍ (وَاجِبٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ) كَقَضَاءِ
[حاشية الصاوي]
الْمَالِ مُضْطَرٌّ لِحِفْظِهِ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ عَنْ الْبُرْزُلِيِّ (اهـ بْن مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ لَهُ مُقَدِّمَةُ جِمَاعٍ] : أَيْ لِأَيِّ شَخْصٍ؛ شَابٍّ أَوْ شَيْخٍ، رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا إنْ عُلِمَتْ السَّلَامَةُ] : ظَاهِرُهُ كَرَاهَةُ الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ إذَا عُلِمَتْ السَّلَامَةُ، وَلَوْ كَانَا غَيْرَ مُسْتَدَامَيْنِ.
لَكِنْ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيّ: إذَا عُلِمَتْ السَّلَامَةُ لَا كَرَاهَةَ إلَّا إذَا اسْتَدَامَ فِيهِمَا، ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ كَرَاهَةِ مَا ذُكِرَ إذَا كَانَ لِقَصْدِ لَذَّةٍ لَا إنْ كَانَ بِدُونِ قَصْدٍ كَقُبْلَةِ وَدَاعٍ أَوْ رَحْمَةٍ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ.
ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَ الْمُصَنِّفِ كَرَاهَةُ الْمُقَدَّمَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ حَصَلَ إنْعَاظٌ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَمِثْلُ عِلْمِ السَّلَامَةِ: ظَنُّهَا.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا حَرُمَ] : أَيْ بِأَنْ عَلِمَ عَدَمَهَا أَوْ ظَنَّ أَوْ شَكَّ.
فَإِنْ أَمْذَى بِالْمُقَدِّمَاتِ فِي حَالَةِ الْكَرَاهَةِ أَوْ الْحُرْمَةِ فَالْقَضَاءُ اتِّفَاقًا.
وَإِنْ أَمْنَى، فَفِي حَالَةِ الْحُرْمَةِ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ اتِّفَاقًا وَفِي حَالَةِ الْكَرَاهَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: قَوْلُ أَشْهَبَ إنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إلَّا إنْ تَابَعَ حَتَّى أَنْزَلَ.
وَالثَّانِي: قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ مُطْلَقًا، وَالثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّمْسِ وَالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَبَيْنَ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ؛ فَالْإِنْزَالُ - بِالثَّلَاثَةِ - الْأَوَّلُ: مُوجِبُ لِلْكَفَّارَةِ مُطْلَقًا.
وَبِالْأَخِيرَيْنِ: لَا كَفَّارَةَ فِيهِ إلَّا أَنْ يُتَابِعَ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَإِنْ شَكَّ فِي الْخَارِجِ مِنْهُ فِي حَالَةِ الْعَمْدِ أَمْذَى أَمْ أَمْنَى فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجْرِي عَلَى الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مِنْ قَبِيلِ الْحُدُودِ فَتُدْرَأُ بِالشَّكِّ، خُصُوصًا وَالشَّافِعِيُّ لَا يَرَاهَا فِي غَيْرِ مَغِيبِ الْحَشَفَةِ كَمَا هُوَ أَصْلُ نَصِّهَا - كَذَا.
فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ تَطَوُّعٌ بِصَوْمٍ] : حَاصِلُهُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّطَوُّعُ بِالصَّوْمِ لِمَنْ عَلَيْهِ صَوْمٌ وَاجِبٌ - كَالْمَنْذُورِ وَالْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ - وَذَلِكَ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْخِيرِ الْوَاجِبِ وَعَدَمِ فَوْرِيَّتِهِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ صَوْمُ التَّطَوُّعِ مُؤَكَّدًا - كَعَاشُورَاءَ وَتَاسُوعَاءَ - أَوْ لَا، وَهُوَ كَذَلِكَ.
رَمَضَانَ وَكَفَّارَةٍ، فَإِنْ كَانَ مُعَيِّنًا بِيَوْمٍ كَنَذْرٍ مُعَيَّنٍ حَرُمَ التَّطَوُّع فِيهِ (وَ) كُرِهَ (تَطَيُّبٌ نَهَارًا وَ) كُرِهَ (شَمُّهُ) أَيْ الطِّيبِ وَلَوْ مُذَكَّرًا نَهَارًا.
(وَرُكْنُهُ) أَيْ الصَّوْمُ أَمْرَانِ:
أَوَّلُهُمَا: (النِّيَّةُ) : اعْلَمْ أَنَّهُمْ عَرَّفُوا الصَّوْمَ بِأَنَّهُ الْكَفُّ عَنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِغُرُوبِ الشَّمْسِ بِنِيَّةٍ؛ فَالنِّيَّةُ رُكْنٌ وَالْإِمْسَاكُ عَمَّا ذُكِرَ رُكْنٌ ثَانٍ.
وَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَسَمَّحَ فَجَعَلَ كُلًّا مِنْهُمَا شَرْطَ صِحَّةٍ، وَالشَّرْطُ مَا كَانَ خَارِجَ الْمَاهِيَةِ، وَالرُّكْنُ مَا كَانَ جُزْءًا مِنْهَا، فَإِذَا كَانَا شَرْطَيْنِ كَانَا خَارِجَيْنِ عَنْ الْمَاهِيَّةِ مَعَ أَنَّهُمَا نَفْسُهَا، فَالنِّيَّةُ رُكْنٌ.
(وَشَرْطُهَا) : أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهَا (اللَّيْلُ) : أَيْ إيقَاعُهَا فِيهِ مِنْ الْغُرُوبِ إلَى آخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ، (أَوْ) إيقَاعُهَا (مَعَ) طُلُوعِ (الْفَجْرِ) . وَلَا يَضُرُّ مَا حَدَثَ
[حاشية الصاوي]
وَلِذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ لِمَنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ؛ فَقِيلَ إنَّ صَوْمَهُ قَضَاءً أَفْضَلُ وَصَوْمَهُ تَطَوُّعًا مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ.
وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْأَرْجَحُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ نَوَى الْفَرْضَ وَالتَّطَوُّعَ حَصَلَ ثَوَابُهُمَا كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ وَكَصَلَاةِ الْفَرْضِ وَالتَّحِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [حَرُمَ التَّطَوُّعُ فِيهِ] : أَيْ لِتَعْيِينِ الزَّمَانِ الْمَنْذُورِ، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ.
قَالَ الشَّيْخُ سَالِمٌ: وَانْظُرْ هَلْ تَطَوُّعُهُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟ لِتَعَيُّنِ الزَّمَنِ لِغَيْرِهِ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ؛ لِصَلَاحِيَّةِ الزَّمَنِ فِي ذَاتِهِ لِلْعِبَادَةِ بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ فِي رَمَضَانَ لِأَنَّ مَا عَيَّنَهُ الشَّارِعُ أَقْوَى مِمَّا عَيَّنَهُ الشَّخْصُ.
قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ تَطَيُّبٌ] إلَخْ: إنَّمَا كُرِهَ شَمُّ الطِّيبِ وَاسْتِعْمَالُهُ نَهَارًا لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ شَهْوَةِ الْأَنْفِ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ الْفَمِ، وَأَيْضًا الطِّيبُ مُحَرِّكٌ لِشَهْوَةِ الْفَرْجِ.
[أَرْكَان الصَّوْمِ]
قَوْلُهُ: [مَعَ أَنَّهُمَا نَفْسُهَا] : وَلَكِنْ أُجِيبَ عَنْ الشَّيْخِ خَلِيلٍ: بِأَنَّهُ الْتَفَتَ إلَى مَعْنَاهَا وَهُوَ الْقَصْدُ إلَى الشَّيْءِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَصْدَ إلَى الشَّيْءِ خَارِجٌ عَنْ مَاهِيَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَلَكِنَّ هَذَا الْجَوَابَ مُخَلِّصٌ بِالنِّسْبَةِ لِلنِّيَّةِ، وَأَمَّا الْكَفُّ فَلَا وَجْهَ لِعَدِّهِ شَرْطًا فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُرَادَ بِالشَّرْطِ مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ] : الْمُرَادُ وُقُوعُهَا فِي الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ الَّذِي يَعْقُبُهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ، وَإِنَّمَا كَفَتْ النِّيَّةُ الْمُصَاحِبَةُ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النِّيَّةِ
بَعْدَهَا مِنْ أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ أَوْ نَوْمٍ؛ بِخِلَافِ رَفْعِهَا فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، وَبِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ إنْ اسْتَمَرَّ لِلْفَجْرِ، فَإِنْ رَفَعَهَا ثُمَّ عَاوَدَهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ أَفَاقَ قَبْلَهُ لَمْ تَبْطُلْ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
وَمَفْهُومُ اللَّيْلِ أَنَّهُ لَوْ نَوَى نَهَارًا قَبْلَ الْغُرُوبِ لِلْيَوْمِ الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ قَبْلَ الزَّوَالِ لِلْيَوْمِ الَّذِي هُوَ فِيهِ لَمْ تَنْعَقِدْ وَلَوْ بِنَفْلٍ
[حاشية الصاوي]
الْمُقَارَنَةُ لِلْمَنْوِيِّ، وَلَكِنْ فِي الصَّوْمِ جَوَّزُوا تَقَدُّمَهَا عَلَيْهِ حَيْثُ قَالُوا يَدْخُلُ وَقْتُهَا بِالْغُرُوبِ لِمَشَقَّةِ الْمُقَارَنَةِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ كَالصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُقَارَنَةِ أَوْ التَّقَدُّمِ الْيَسِيرِ عَلَى مَا مَرَّ.
وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ كِفَايَةِ الْمُقَارَنَةِ لِلْفَجْرِ هُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَصَوَّبَهُ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَتَقْدِيمُهَا عَلَى الْفَجْرِ أَوْلَى لِلِاحْتِيَاطِ وَالضَّبْطِ.
قَوْلُهُ: [لَمْ تَنْعَقِدْ] : أَيْ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَأَصْلُهُ لِابْنِ بَشِيرٍ.
وَنَصُّهُ: لَا خِلَافَ عِنْدَنَا أَنَّ الصَّوْمَ لَا يُجْزِئُ إلَّا إذَا تَقَدَّمَتْ النِّيَّةُ عَلَى سَائِرِ أَجْزَائِهِ.
فَإِنْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَلَمْ يَنْوِهِ لَمْ يُجْزِهِ فِي سَائِرِ أَنْوَاعِ الصِّيَامِ، إلَّا يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَفِيهِ قَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ كَالْأَوَّلِ وَالشَّاذُّ: اخْتِصَاصُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِصِحَّةِ الصَّوْمِ، كَذَا فِي (بْن) نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ: تَصِحُّ نِيَّةُ النَّافِلَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: تَصِحُّ نِيَّةُ النَّافِلَةِ فِي النَّهَارِ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ: «إنِّي إذًا صَائِمٌ بَعْدَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاءٍ» ، وَلِلشَّافِعِيِّ: الْغَدَاءُ مَا يُؤْكَلُ قَبْلَ الزَّوَالِ.
وَأَجَابَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ مُضْطَرِبٌ وَلَنَا عُمُومُ حَدِيثِ أَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعِ: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ فَلَا صِيَامَ لَهُ» وَالْأَصْلُ تَسَاوِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ.
لَمْ يَتَنَاوَلْ فِيهِ قَبْلَهَا مُفْطِرًا وَهُوَ كَذَلِكَ.
(وَكَفَتْ نِيَّةٌ) وَاحِدَةٌ (لِمَا) : أَيْ لِكُلِّ صَوْمٍ (يَجِبُ تَتَابُعُهُ) كَرَمَضَانَ وَكَفَّارَتِهِ وَكَفَّارَةِ قَتْلٍ أَوْ ظِهَارٍ، وَكَالنَّذْرِ الْمُتَتَابِعِ؛ كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ أَوْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ (إذَا لَمْ يَنْقَطِعْ) تَتَابُعُ الصَّوْمِ (بِكَسَفَرٍ) وَمَرَضٍ مِمَّا يَقْطَعُ وُجُوبَ التَّتَابُعِ دُونَ صِحَّةِ الصَّوْمِ.
فَإِنْ انْقَطَعَ بِهِ لَمْ تَكْفِ النِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَلْبِيَتِهَا كُلَّمَا أَرَادَهُ، (وَلَوْ تَمَادَى عَلَى الصَّوْمِ) فِي سَفَرِهِ أَوْ مَرَضِهِ.
(أَوْ كَحَيْضٍ) وَنِفَاسٍ وَجُنُونٍ وَمِمَّا يُوجِبُ عَدَمَ صِحَّتِهِ فَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهَا وَلَوْ حَصَلَ الْمَانِعُ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَزَالَ قَبْلَ الْفَجْرِ.
(وَنُدِبَتْ كُلَّ لَيْلَةٍ) فِيمَا تَكْفِي فِيهِ النِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [لَمْ نَتَنَاوَلْ فِيهِ قَبْلَهَا] : فِيهِ رَدٌّ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [يَجِبُ تَتَابُعُهُ] : خَرَجَ بِذَلِكَ مَا يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ؛ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ وَصِيَامِهِ فِي السَّفَرِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَلَا بُدَّ الْأَذَى وَنَقْصُ الْحَجِّ فَلَا تَكْفِي فِيهِ النِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ، بَلْ مِنْ التَّبْيِيتِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْمُصَنِّفِ.
وَمَا مَشْي عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ كِفَايَةِ النِّيَّةِ الْوَاحِدَةِ فِي وَاجِبِ التَّتَابُعِ هُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ لِكُلِّ يَوْمٍ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ كَالْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ مِنْ حَيْثُ عَدَمِ فَسَادِ بَعْضِ الْأَيَّامِ بِفَسَادِ بَعْضِهَا، وَالْقَوْلُ الْمَشْهُورُ نَظَرَ إلَى أَنَّهُ كَالْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ حَيْثُ ارْتِبَاطِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَعَدَمِ جَوَازِ التَّفْرِيقِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ تَمَادَى عَلَى الصَّوْمِ] : هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي الْعُتْبِيَّةِ خِلَافًا لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ: مِنْ أَنَّ الْمَرِيضَ أَوْ الْمُسَافِرَ إذَا اسْتَمَرَّ صَائِمًا فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِتَجْدِيدِ نِيَّةٍ.
وَمَنْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ عَامِدًا فَاسْتَظْهَرَ (ح) تَجْدِيدَ النِّيَّةِ أَيْضًا؛ كَمَنْ بَيَّتَ الْفِطْرَ وَلَوْ نِسْيَانًا لَا إنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا وَهُوَ مُبَيِّتٌ لِلصَّوْمِ فَلَا يَنْقَطِعُ تَتَابُعُهُ، وَمِثْلُهُ مَنْ أَفْطَرَ مُكْرَهًا عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَعِنْدَ ابْنِ يُونُسَ حُكْمُ مَنْ أَفْطَرَ لِمَرَضٍ - كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [لَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهَا] : أَيْ وَتَكْفِي النِّيَّةُ الْوَاحِدَةُ فِي جَمِيعِ مَا بَقِيَ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَتْ كُلَّ لَيْلَةٍ] : أَيْ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِوُجُوبِ التَّبْيِيتِ وَمِنْ الْوَرَعِ
(وَ) الرُّكْنُ الثَّانِي: (كَفٌّ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِلْغُرُوبِ عَنْ جِمَاعِ مُطِيقٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ؛ أَيْ الْكَفُّ عَنْ إدْخَالِ حَشَفَتِهِ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي فَرْجِ شَخْصٍ مُطِيقٍ لِلْجِمَاعِ، (وَإِنْ) كَانَ الْمُطِيقُ لَهُ (مَيِّتًا أَوْ بَهِيمَةً) ، وَاحْتُرِزَ بِذَلِكَ عَمَّا لَوْ أَدْخَلَ ذَكَرَهُ بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ أَوَالْفَخِذَيْنِ أَوْ فِي فَرْجِ صَغِيرٍ لَا يُطِيقُ فَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ.
(وَ) كَفٌّ (عَنْ إخْرَاجِ مَنِيٍّ أَوْ مَذْيٍ) : بِمُقَدِّمَاتِ جِمَاعٍ وَلَوْ نَظَرًا أَوْ تَفَكُّرًا وَاحْتَرَزَ " بِإِخْرَاجٍ " عَنْ خُرُوجِ أَحَدِهِمَا بِنَفْسِهِ أَوْ لَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ فَلَا يُبْطِلُهُ.
(أَوْ) عَنْ إخْرَاجِ (قَيْءٍ) فَلَا يَضُرُّ خُرُوجُهُ بِنَفْسِهِ إذَا لَمْ يَزْدَرِدْ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِلَّا فَالْقَضَاءُ.
(وَ) كَفٌّ (عَنْ وُصُولِ مَائِعٍ) مِنْ شَرَابٍ أَوْ دُهْنٍ أَوْ نَحْوِهِمَا (لِحَلْقٍ) وَإِنْ لَمْ يَصِلْ لِلْمَعِدَةِ وَلَوْ وَصَلَ سَهْوًا أَوْ غَلَبَهُ فَإِنَّهُ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ، وَلِذَا عَبَّرَ " بِوُصُولٍ " لَا بِإِيصَالٍ.
وَاحْتُرِزَ بِالْمَائِعِ عَنْ غَيْرِهِ كَحَصَاةٍ وَدِرْهَمٍ فَوُصُولُهُ لِلْحَلْقِ لَا يُفْسِدُ بَلْ لِلْمَعِدَةِ.
(وَإِنْ) كَانَ وُصُولُ الْمَائِعِ لِلْحَلْقِ (مِنْ غَيْرِ فَمٍ كَعَيْنٍ) وَأَنْفٍ وَأُذُنٍ.
[حاشية الصاوي]
مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ.
قَوْلُهُ: [عَنْ جِمَاعِ مُطِيقٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْفَرْجُ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُغَيَّبُ فِيهِ مُسْتَيْقِظًا أَوْ نَائِمًا.
قَوْلُهُ: [فَلَا يُبْطِلُهُ] : وَمِثْلُهُ لَوْ حَصَلَتْ لَذَّةٌ مُعْتَادَةٌ مِنْ غَيْرِ خُرُوجِ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَالْقَضَاءُ] : أَيْ وَلَا كَفَّارَةَ إنْ كَانَ ازْدَرَدَهُ غَلَبَةً أَوْ نِسْيَانًا هَذَا فِي الْفَرْضِ، وَأَمَّا فِي النَّفْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مَعَ الْغَلَبَةِ وَالنِّسْيَانِ.
قَوْلُهُ: [عَنْ وُصُولِ مَائِعٍ] : فَإِنْ وَصَلَ الْمَائِعُ لِلْمَعِدَةِ مِنْ مَنْفَذٍ عَالٍ أَوْ سَافِلٍ فَسَدَ الصَّوْمُ وَوَجَبَ الْقَضَاءُ.
وَهَذَا فِي غَيْرِ مَا بَيْنَ الْأَسْنَانِ مِنْ أَثَرِ طَعَامِ اللَّيْلِ، وَأَمَّا هُوَ فَلَا يَضُرُّ.
وَلَوْ ابْتَلَعَهُ عَمْدًا وَإِنْ لَمْ يَصِلْ لِلْمَعِدَةِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ مَا لَمْ يَصِلْ لِلْحَلْقِ مِنْ الْعَالِي كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [وَلِذَا عَبَّرَ بِوُصُولِ] : أَيْ لِأَنَّ لَفْظَةَ وُصُولِ لَا تَسْتَلْزِمُ الْقَصْدَ بِخِلَافِ إيصَالٍ.
قَوْلُهُ: [كَعَيْنٍ وَأَنْفٍ وَأُذُنٍ] : أَيْ وَمَسَامِّ رَأْسٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَتِهِ، وَأَشْعَرَ
فَمَنْ اكْتَحَلَ نَهَارًا أَوْ اسْتَنْشَقَ بِشَيْءٍ فَوَصَلَ أَثَرُهُ لِلْحَلْقِ أَفْسَدَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِلْحَلْقِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ اكْتَحَلَ لَيْلًا أَوْ وَضَعَ شَيْئًا فِي أُذُنِهِ أَوْ أَنْفِهِ، أَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ لَيْلًا فَهَبَطَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِحَلْقِهِ نَهَارًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(أَوْ) وُصُولُ مَائِعٍ (لِمَعِدَةٍ) وَهِيَ الْكِرْشَةُ الَّتِي فَوْقَ السُّرَّةِ لِلصَّدْرِ بِمَنْزِلَةِ الْحَوْصَلَةِ لِلطَّيْرِ؛ إذَا وَصَلَ الْمَائِعُ لَهَا بِحُقْنَةٍ (مِنْ) مَنْفَذٍ مُتَّسَعٍ (كَدُبُرٍ) أَوْ قُبُلٍ - لَا إحْلِيلٍ: أَيْ ثُقْبِ ذَكَرٍ - (كَلَهَا) أَيْ الْمَعِدَةِ أَيْ كَوُصُولِ شَيْءٍ لَهَا (بِغَيْرِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْمَائِعِ (مِنْ فَمٍ) ، فَإِنَّهُ مُفْطِرٌ بِخِلَافِ وُصُولِهِ لِلْحَلْقِ فَقَطْ أَوْ مِنْ مَنْفَذٍ أَسْفَلَ لِلْمَعِدَةِ فَلَا يَضُرُّ وَلَوْ فَتَائِلَ عَلَيْهَا دُهْنٌ.
وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ وُصُولَ الْمَاءِ لِلْحَلْقِ مِنْ مَنْفَذٍ أَعْلَى وَلَوْ غَيْرَ الْفَمِ مُفْطِرٌ كَوُصُولِهِ لِلْمَعِدَةِ مِنْ مَنْفَذٍ أَسْفَلَ إنْ اتَّسَعَ كَالدُّبُرِ وَقُبُلِ الْمَرْأَةِ، لَا إنْ لَمْ يَصِلْ لَهَا وَلَا مِنْ إحْلِيلٍ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَائِعِ فَلَا يُفْطِرُ إلَّا إذَا وَصَلَ لِلْمَعِدَةِ مِنْ الْفَمِ.
وَلَكِنْ نَقَلَ الْحَطَّابُ وَغَيْرُهُ عَنْ التَّلْقِينِ: أَنَّ مَا وَصَلَ لِلْحَلْقِ مُفْطِرٌ مُطْلَقًا مِنْ مَائِعٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ.
وَمِنْ حُكْمِ الْمَائِعِ الْبَخُورُ وَنَحْوُهُ فَإِنَّ وُصُولَهُ لِلْحَلْقِ مُفْطِرٌ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
(أَوْ) كَفٌّ عَنْ وُصُولِ (بَخُورٍ) تَتَكَيَّفُ بِهِ النَّفْسُ كَبَخُورِ عُودٍ أَوْ مَصْطِكِي
[حاشية الصاوي]
كَلَامُهُ أَنَّ مَا يَصِلُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمَنَافِذِ لَا شَيْءَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ لَيْلًا] : أَيْ وَأَمَّا مَنْ دَهَنَ رَأْسَهُ نَهَارًا وَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، أَوْ وَضَعَ حِنَّاءً فِي رَأْسِهِ نَهَارًا فَاسْتَطْعَمَهَا فِي حَلْقِهِ، فَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ الْقَضَاءِ.
بِخِلَافِ مَنْ حَكَّ رِجْلَهُ بِحَنْظَلٍ فَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَوْ قَبَضَ بِيَدِهِ عَلَى ثَلْجٍ فَوَجَدَ الْبُرُودَةَ فِي جَوْفِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ: الْوَاصِلُ مِنْ الْعَيْنِ لَا يُفَطِّرُ فَيَجُوزُ الْكُحْلُ عِنْدَهُمْ نَهَارًا.
وَمِثْلُهَا الرَّأْسُ، فَيَجُوزُ الِادِّهَانُ نَهَارًا.
قَوْلُهُ: [أَوْ قُبُلٍ] : أَيْ فَرْجِ امْرَأَةٍ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ كَالْإِحْلِيلِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ غَيْرَ الْفَمِ] : أَيْ كَالْأُذُنِ وَالْعَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالرَّأْسِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا مِنْ إحْلِيلٍ] : وَمِثْلُ الْإِحْلِيلِ الثُّقْبَةُ الضَّيِّقَةُ فِي الْمَعِدَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَكِنْ نَقَلَ الْحَطَّابُ] إلَخْ: وَالطَّرِيقَةُ الْأُولَى لِلْبِسَاطِيِّ وَكَثِيرٌ مِنْ الشُّرَّاحِ وَهِيَ الْأَظْهَرُ.
أَوْ جَاوِي أَوْ نَحْوِهَا، (أَوْ بُخَارِ قِدْرٍ) لِطَعَامٍ فَمَتَى وَصَلَ لِلْحَلْقِ أَفْسَدَ الصَّوْمَ وَوَجَبَ الْقَضَاءُ، وَمِنْ ذَلِكَ الدُّخَانُ الَّذِي يُشْرَبُ أَيْ يُمَصُّ بِنَحْوِ قَصَبَةٍ بِخِلَافِ دُخَانِ الْحَطَبِ وَنَحْوِهِ وَغُبَارِ الطَّرِيقِ.
(أَوْ) عَنْ وُصُولِ (قَيْءٍ) أَوْ قَلْسٍ (أَمْكَنَ طَرْحُهُ) بِخُرُوجِهِ مِنْ الْحَلْقِ إلَى الْفَمِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ طَرْحُهُ - بِأَنْ لَمْ يُجَاوِزْ الْحَلْقَ - فَلَا شَيْءَ فِيهِ.
وَأَمَّا الْبَلْغَمُ الْمُمْكِنُ طَرْحُهُ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ ابْتِلَاعَهُ لَا يَضُرُّ وَلَوْ وَصَلَ لِطَرَفِ اللِّسَانِ وَأَوْلَى الْبُصَاقُ، خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ.
وَمَتَى وَصَلَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا لِحَلْقٍ أَوْ مَعِدَةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَفْطَرَ (وَلَوْ) وَصَلَ (غَلَبَةً أَوْ سَهْوًا فِي الْجَمِيعِ) الْمَائِعِ وَمَا بَعْدَهُ (أَوْ) عَنْ وُصُولِ (غَالِبٍ مِنْ مَضْمَضَةٍ) لِوُضُوءٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ سِوَاكٍ) فَأَوْلَى غَيْرُ الْغَالِبِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِنَا " وَكَفٌّ عَنْ وُصُولٍ " إلَخْ مُسَامَحَةً لِأَنَّ الْكَفَّ عَنْ الشَّيْءِ يَقْتَضِي الْقَصْدَ.
وَالْوُصُولُ - وَلَوْ غَلَبَةً أَوْ سَهْوًا - قَدْ يَقْتَضِي عَدَمَهُ؛ ارْتَكَبْنَاهُ مُجَارَاةً لِقَوْلِهِمْ: حَقِيقَةُ الصَّوْمِ الْإِمْسَاكُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَخْ عَنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَالْإِمْسَاكُ هُوَ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَوْ بُخَارِ قَدْرٍ] : أَيْ فَمَتَى وَصَلَ دُخَانُ الْبَخُورِ وَبُخَارُ الْقَدْرِ لِلْحَلْقِ وَجَبَ الْقَضَاءُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جِسْمٌ يَتَكَيَّفُ بِهِ.
وَمَحَلُّ وُجُوبِ الْقَضَاءِ فِي ذَلِكَ إذَا وَصَلَ بِاسْتِنْشَاقٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَنْشِقُ صَانِعَهُ أَوْ غَيْرَهُ، وَأَمَّا لَوْ وَصَلَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَا قَضَاءَ صَانِعًا أَوْ غَيْرَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: [الَّذِي يَشْرَبُ] : وَمِثْلُهُ النُّشُوقُ فَهُوَ مُفْطِرٌ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ دُخَانِ الْحَطَبِ] : فَلَا قَضَاءَ فِي وُصُولِهِ لِلْحَلْقِ، وَلَوْ تَعَمَّدَ اسْتِنْشَاقَهُ، وَإِمَّا رَائِحَةٌ كَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَالزُّبْدِ فَلَا تُفْطِرُ وَلَوْ اسْتَنْشَقَهَا لِأَنَّهَا لَا جِسْمَ لَهَا، إنَّمَا يُكْرَهُ فَقَطْ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ وَصَلَ لِطَرَفِ اللِّسَانِ] : قَالَ (عب) : وَلَا شَيْءَ عَلَى الصَّائِمِ فِي ابْتِلَاعِ رِيقِهِ إلَّا بَعْدَ اجْتِمَاعِهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
وَهَذَا قَوْلُ سَحْنُونَ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَسْقُطُ مُطْلَقًا وَهُوَ الرَّاجِحُ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [غَالِبٌ مِنْ مَضْمَضَةٍ] : هَذَا فِي الْفَرْضِ وَأَمَّا وُصُولُ أَثَرِ الْمَضْمَضَةِ أَوْ السِّوَاكِ لِلْحَلْقِ فِي صَوْمِ النَّفْلِ غَلَبَةً فَلَا يُفْسِدُهُ.
الْكَفُّ عَمَّا ذُكِرَ، ثُمَّ بَيَّنُوهُ بِمَا ذَكَرْنَا وَالْمُرَادُ عَدَمُ الْوُصُولِ.
وَيَرُدُّ عَلَيْهِ: أَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ وَالْعَدَمُ لَيْسَ بِفِعْلٍ.
(وَصِحَّتُهُ) : أَيْ وَشَرْطُ صِحَّةِ الصَّوْمِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا مُصَوَّرَةٌ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
(بِنَقَاءٍ مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ.
وَوَجَبَ) صَوْمُ رَمَضَانَ عَلَيْهَا أَوْ غَيْرِهِ كَكَفَّارَةٍ أَوْ صَوْمِ اعْتِكَافٍ أَوْ نَذْرٍ فِي أَيَّامٍ مُعَيَّنَةٍ.
(إنْ طَهُرَتْ) بِقَصَّةٍ أَوْ جُفُوفٍ (قَبْلَ الْفَجْرِ وَإِنْ بِلَصْقِهِ) : أَيْ الْفَجْرِ وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِهِ: " وَإِنْ بِلَحْظَةٍ ".
(وَ) يَجِبُ الصَّوْمُ (مَعَ الْقَضَاءِ) أَيْضًا (إنْ شَكَّتْ) : هَلْ طُهْرُهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ؟ فَتَنْوِي الصَّوْمَ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ قَبْلَهُ، وَتَقْضِي لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ بَعْدَهُ.
(وَبِغَيْرِ عِيدٍ) أَيْ وَصِحَّتُهُ بِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ عِيدٍ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ.
(وَبِعَقْلٍ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ وَلَا مِنْ مُغْمًى عَلَيْهِ.
(فَإِنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ مَعَ الْفَجْرِ فَالْقَضَاءُ) لِعَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِهِ لِزَوَالِ عَقْلِهِ وَقْتَ النِّيَّةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَيَرِدُ عَلَيْهِ] : أَيْ عَلَى تَفْسِيرِ الْكَفِّ بِمَا ذُكِرَ.
وَهَذَا الْبَحْثُ يُقَوِّي مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ حَصْرَ التَّكْلِيفِ فِي الْفِعْلِ مِنْ حَيْثُ الْإِثْمِ؛ وَأَمَّا الصِّحَّةُ أَوْ الْفَسَادُ فَهِيَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَيَتَعَلَّقُ بِالسَّاهِي وَالنَّائِمِ وَالْمُكْرَهِ قَوْلُهُ: [فَتَنْوِي الصَّوْمَ] إلَخْ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا إنْ لَمْ تُمْسِكْ، وَهَذَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا لَا تُؤْمَرُ بِفِعْلِ مَا شَكَّتْ فِي وَقْتِهِ هَلْ كَانَ الطُّهْرُ فِيهِ أَمْ لَا، وَإِنْ شَكَّتْ بَعْدَ الْفَجْرِ هَلْ طَهُرَتْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِشَاءُ، وَاسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْحَيْضَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي كُلٍّ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالشَّكِّ فِيهِ مَوْجُودٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، فَلِمَ وَجَبَ الْأَدَاءُ فِي الصَّوْمِ دُونَ الصَّلَاةِ؟ وَالْمُرَادُ بِشَكِّهَا فِي الْفَجْرِ: مُطْلَقُ التَّرَدُّدِ.
[شُرُوطُ صِحَّةِ الصَّوْمِ]
قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ فِيهِ] : أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّوْمِ قَبُولَ الزَّمَنِ لِلْعِبَادَةِ، وَالْعِيدُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ وَمِثْلُهُ ثَانِي النَّحْرِ وَثَالِثُهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعْرَاضًا عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُمَا يُسْتَثْنَيَانِ لِمَنْ عَلَيْهِ نَقْصٌ فِي حَجٍّ.
قَوْلُهُ: [فَالْقَضَاءُ] : هَذَا إذَا جُنَّ يَوْمًا وَاحِدًا بَلْ وَلَوْ سِنِينَ كَثِيرَةً، سَوَاءٌ كَانَ الْجُنُونُ طَارِئًا بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ قَبْلَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ
مَجْنُونًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ قَبْلَهُ وَأَفَاقَ وَقْتَ الْفَجْرِ فَلَا قَضَاءَ لِسَلَامَتِهِ وَقْتَهَا، (كَبَعْدِهِ) أَيْ كَمَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ لَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْفَجْرِ، (جُلَّ يَوْمٍ) وَأَوْلَى كُلُّهُ (لَا) إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْفَجْرِ (نِصْفُهُ) فَأَقَلَّ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الصَّوْمِ وَشُرُوطِهِ ذَكَرَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِفْطَارِ وَهِيَ خَمْسَةٌ: الْقَضَاءُ، وَالْإِمْسَاكُ، وَالْكَفَّارَةُ، وَالْإِطْعَامُ، وَقَطْعُ التَّتَابُعِ؛ فَقَالَ:
[حاشية الصاوي]
فِي الْمُدَوَّنَةِ، خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ وَالْمَدَنِيِّينَ، قَالُوا: إنْ كَثُرَتْ كَالْعَشَرَةِ فَلَا قَضَاءَ.
وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ: لَا قَضَاءَ عَلَى الْمَجْنُونِ.
لَنَا أَنَّ الْجُنُونَ مَرَضٌ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] .
قَوْلُهُ: [نِصْفَهُ فَأَقَلَّ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ] : حَاصِلُهُ أَنَّهُ مَتَى أُغْمِيَ عَلَيْهِ كُلَّ الْيَوْمِ مِنْ الْفَجْرِ لِلْغُرُوبِ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جُلَّهُ، سَوَاءٌ سَلِمَ أَوَّلَهُ أَمْ لَا، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ نِصْفَهُ أَوْ أَقَلَّهُ وَلَمْ يَسْلَمْ أَوَّلَهُ فِيهِمَا؛ فَالْقَضَاءُ فِي هَذِهِ الْخَمْسِ.
فَإِذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَوْ بِلَحْظَةٍ، وَاسْتَمَرَّ بَعْدَهَا وَلَوْ بِلَحْظَةٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ نِصْفَ الْيَوْمِ أَوْ أَقَلَّهُ، وَسَلِمَ أَوَّلُهُ فَلَا قَضَاءَ فِيهِمَا؛ فَالصُّوَرُ سَبْعٌ يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي خَمْسٍ، وَعَدَمُهُ فِي اثْنَتَيْنِ.
وَمَا قِيلَ فِي الْإِغْمَاءِ يُقَالُ فِي الْجُنُونِ، وَمِثْلُهُمَا السُّكْرُ كَانَ بِحَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الْعَلَّامَةُ النَّفْرَاوِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَتَبِعَهُ (بْن) خِلَافًا لِلْخَرَشِيِّ وَ (عب) حَيْثُ تَبِعَا الْأُجْهُورِيَّ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَجَعَلَا الْحَرَامَ كَالْإِغْمَاءِ، وَالْحَلَالَ كَالنَّوْمِ - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
[مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِفْطَارِ]
قَوْلُهُ: [وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الصَّوْمِ] : أَيْ مِنْ جِهَةِ حَقِيقَتِهِ وَمَا يَثْبُتُ بِهِ.
قَوْلُهُ: [مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِفْطَارِ] : أَيْ فِي مَجْمُوعَةِ صُوَرِهِ فَإِنَّ هَذِهِ الْخَمْسَةَ لَا تَحْصُلُ دَفْعَةً وَاحِدَةً كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ خَمْسَةٌ] : بَلْ سِتَّةٌ وَالسَّادِسُ التَّأْدِيبُ.
قَوْلُهُ: [الْقَضَاءُ وَالْإِمْسَاكُ] : أَيْ وَكُلٌّ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ اُنْظُرْ (المج) .
قَوْلُهُ: [وَالْكَفَّارَةُ] : أَيْ الْكُبْرَى وَلَا تَكُونُ إلَّا وَاجِبَةً.
قَوْلُهُ: [وَالْإِطْعَامُ] : وَهُوَ الْكَفَّارَةُ الصُّغْرَى، وَيَكُونُ مَنْدُوبًا وَوَاجِبًا.
إذَا عُلِمَتْ حَقِيقَةُ الصَّوْمِ (فَإِنْ حَصَلَ) لِلصَّائِمِ (عُذْرٌ) اقْتَضَى فِطْرَهُ بِالْفِعْلِ؛ كَمَرَضٍ، أَوْ اقْتَضَى عَدَمَ صِحَّتِهِ؛ كَحَيْضٍ (أَوْ اخْتَلَّ رُكْنٌ) مِنْ رُكْنَيْهِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا أَوْ غَلَبَةً (كَرَفْعِ النِّيَّةِ) نَهَارًا أَوْ لَيْلًا بِأَنْ نَوَى عَدَمَ صَوْمِ الْغَدِ، وَاسْتَمَرَّ رَافِعًا لَهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ (أَوْ) اخْتَلَّ (بِصَبِّ) شَيْءٍ (مَائِعٍ فِي حَلْقِ) صَائِمٍ (نَائِمٍ أَوْ) اخْتَلَّ (بِجِمَاعِهِ) أَيْ النَّائِمِ - مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ - (أَوْ بِكَأَكْلِهِ) مِنْ إضَافَتِهِ لِفَاعِلِهِ أَيْ أَوْ اخْتَلَّ بِتَنَاوُلِهِ مُفْطِرًا مِنْ أَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ.
حَالَ كَوْنِهِ (شَاكًّا فِي) طُلُوعِ (الْفَجْرِ أَوْ) فِي (الْغُرُوبِ أَوْ بِطُرُوِّهِ) بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ، أَيْ الشَّكِّ - بِأَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مُعْتَقِدًا بَقَاءَ اللَّيْلِ أَوْ غُرُوبَ الشَّمْسِ - ثُمَّ طَرَأَ لَهُ الشَّكُّ هَلْ حَصَلَ ذَلِكَ بَعْدَ الْفَجْرِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَ الْغُرُوبِ أَوْ قَبْلَهُ؛ فَطُرُوُّ الشَّكِّ مُخِلٌّ بِرُكْنِ الْإِمْسَاكِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ.
فَالصَّوْمُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا.
فَإِنْ كَانَ فَرْضًا: (فَالْقَضَاءُ) لَازِمٌ بِحُصُولِ الْعُذْرِ أَوْ اخْتِلَالِ الرُّكْنِ (فِي الْفَرْضِ مُطْلَقًا) : أَفْطَرَ عَمْدًا، أَوْ سَهْوًا، أَوْ غَلَبَةً، جَوَازًا كَمُسَافِرٍ، أَوْ حَرَامًا كَمُنْتَهَكٍ، أَوْ وُجُوبًا كَمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ؛ كَانَ الْفَرْضُ رَمَضَانَ أَوْ غَيْرَهُ كَالْكَفَّارَاتِ وَصَوْمِ تَمَتُّعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
(إلَّا النَّذْرَ الْمُعَيَّنَ) كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ أَوْ أَيَّامٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ،
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [اقْتَضَى فِطْرَهُ] : أَيْ جَوَازَ فِطْرِهِ وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ صَحِيحًا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ اقْتَضَى عَدَمَ صِحَّتِهِ] : أَيْ وَيَكُونُ الصَّوْمُ حَرَامًا.
قَوْلُهُ: [أَوْ اخْتَلَّ رُكْنٌ] : أَيْ بِحُصُولِ مُفْسِدٍ كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ إثْم أَمْ لَا، فَإِنَّ السَّهْوَ وَالْغَلَبَةَ وَالصَّبَّ فِي حَلْقِ النَّائِمِ، وَطُرُوُّ الشَّكِّ بَعْدَ الْأَكْلِ لَا إثْمَ فِيهِ، وَهُوَ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ وَمُوجِبٌ لِلْقَضَاءِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِالنَّاسِي وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ تَكْلِيفُ حَالَةِ الْفَسَادِ، وَهَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ جَوَابَنَا الْمُتَقَدِّمَ عَنْ إشْكَالِ الشَّارِحِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [أَوْ غَلَبَةً] : أَيْ أَوْ إكْرَاهًا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [أَوْ حَرَامًا كَمُنْتَهِكٍ] : أَيْ بِأَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ مُقْتَضٍ.
وَأَفْطَرَ فِيهِ (لِمَرَضٍ) لَمْ يَقْدِرْ مَعَهُ عَلَى صَوْمِهِ لِخَوْفِهِ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ هَلَاكًا أَوْ شِدَّةَ ضَرَرٍ أَوْ زِيَادَتَهُ أَوْ تَأَخُّرَ بُرْءٍ، (أَوْ) أَفْطَرَ فِيهِ لِعُذْرٍ مَانِعٍ مِنْ صِحَّتِهِ (كَحَيْضٍ) وَنِفَاسٍ وَإِغْمَاءٍ وَجُنُونٍ، فَلَا يَقْضِي لِفَوَاتِ وَقْتِهِ.
فَإِنْ زَالَ عُذْرُهُ وَبَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ وَجَبَ صَوْمُهُ.
(بِخِلَافِ) فِطْرِ (النِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ وَخَطَأِ الْوَقْتِ) : كَصَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ يَظُنُّهُ الْخَمِيسَ الْمَنْذُورَ؛ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْقَضَاءَ مَعَ إمْسَاكِ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ.
وَاحْتُرِزَ " بِالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ " مِنْ الْمَضْمُونِ إذَا أَفْطَرَ فِيهِ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ قَضَائِهِ لِعَدَمِ تَعْيِينِ وَقْتِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْإِطْلَاقِ الْمُتَقَدِّمِ.
(وَ) إنْ كَانَ الصَّوْمُ نَفْلًا (قَضَى فِي النَّفْلِ بِالْعَمْدِ) أَيْ بِالْفِطْرِ الْعَمْدِ (الْحَرَامِ) . (وَإِنْ) حَلَفَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ (بِطَلَاقٍ بَتٍّ) فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ، وَإِنْ أَفْطَرَ قَضَى.
وَأَوْلَى.
إذَا كَانَ رَجْعِيًّا أَوْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ أَحَدٌ.
(لَا غَيْرَهُ) : أَيْ غَيْرَ الْعَمْدِ الْحَرَامِ بِأَنْ أَفْطَرَ فِيهِ نَاسِيًا أَوْ غَلَبَةً أَوْ مُكْرَهًا أَوْ عَمْدًا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ (كَأَمْرِ وَالِدٍ) أَبٍ أَوْ أُمٍّ لَهُ بِالْفِطْرِ شَفَقَةً، (وَ) أَمْرِ (شَيْخٍ)
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ فِطْرِ النِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ] : أَمَّا النِّسْيَانُ فَلِأَنَّ عِنْدَهُ نَوْعًا مِنْ التَّفْرِيطِ، وَأَمَّا الْمُكْرَهُ فَهُوَ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الطِّرَازِ، وَقَالَ (ح) إنَّهُ الْمَشْهُورُ.
وَفِي الْخَرَشِيِّ لَا قَضَاءَ فِي الْإِكْرَاهِ، وَمَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ قَائِلًا إنَّ الْمُكْرَهَ أَوْلَى مِنْ الْمَرِيضِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْقَضَاءَ] : أَيْ حَيْثُ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فِي الْخَمِيسِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا فِي أَثْنَائِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ إمْسَاكُهُ وَقَضَاؤُهُ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ حَلَفَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ] إلَخْ: رَدٌّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى مَنْ قَالَ: إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ، وَلَا قَضَاءَ، وَمِثْلُ الثَّلَاثِ: إذَا كَانَتْ مَعَهُ عَلَى طَلْقَةٍ وَحَلَفَ بِهَا.
وَمَحَلُّ عَدَمِ جَوَازِ الْفِطْرِ إلَّا لِوَجْهٍ؛ كَتَعَلُّقِ قَلْبِ الْحَالِفِ بِمَنْ.
حَلَفَ بِطَلَاقِهَا، بِحَيْثُ يَخْشَى أَنْ لَا يَتْرُكَهَا إنْ حَنِثَ فَيَجُوزُ، وَلَا قَضَاءَ.
وَهُوَ حِينَئِذٍ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ بَعْدُ لَا غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: [أَبٍ أَوْ أُمٍّ] : أَيْ لَا جَدٍّ أَوْ جَدَّةٍ.
وَالْمُرَادُ الْأَبَوَانِ الْمُسْلِمَانِ، لَا إنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَلَا يُطِيعُهُمَا إلْحَاقًا لِلصَّوْمِ بِالْجِهَادِ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الدِّينِيَّاتِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
صَالِحٍ أَخَذَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَهْدَ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ، وَمِثْلُهُ شَيْخُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ (وَ) أَمْرِ (سَيِّدٍ) لَهُ بِالْفِطْرِ؛ فَإِذَا أَفْطَرَ امْتِثَالًا لَهُمْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاءُ النَّفْلِ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يُقْضَى وَمَا لَا يُقْضَى مِنْ الصَّوْمِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ فِيهِ الْإِمْسَاكُ إذَا أَفْطَرَ وَمَا لَا يَجِبُ فَقَالَ: (وَوَجَبَ) عَلَى الْمُفْطِرِ فِي صَوْمِهِ (إمْسَاكُ غَيْرِ مَعْذُورٍ) بَقِيَّةَ يَوْمِهِ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ (بِلَا إكْرَاهٍ) وَغَيْرُ الْمَعْذُورِ: وَهُوَ مَنْ أَفْطَرَ عَمْدًا أَوْ غَلَبَةً أَوْ نِسْيَانًا، وَالْمَعْذُورُ مَنْ أَفْطَرَ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَخَذَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَهْدَ] إلَخْ: اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْعَهْدَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الطَّاعَاتِ وَإِفْسَادُ الصَّوْمِ حَرَامٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إفْسَادِ صَوْمِ النَّفْلِ قُدِّمَ فِيهِ نَظَرُ الشَّيْخِ، أَلَا تَرَى الشَّافِعِيَّةَ يَقُولُونَ بِجَوَازِ إفْسَادِهِ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: " الصَّائِمُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ ".
قَوْلُهُ: [وَمِثْلُهُ شَيْخُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ] : أَيْ وَكَذَا آلَاتُهُ.
[مَا يَجِبُ فِيهِ الْإِمْسَاكُ إذَا أَفْطَرَ وَمَا لَا يَجِبُ]
قَوْلُهُ: [مَا يَجِبُ فِيهِ الْإِمْسَاكُ] إلَخْ: حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِمْسَاكِ بَعْدَ الْفِطْرِ: أَنَّ الْإِمْسَاكَ فِي الْفَرْضِ الْمُعَيَّنِ سَوَاءٌ كَانَ رَمَضَانَ أَوْ نَذْرًا وَاجِبٌ، سَوَاءٌ أَفْطَرَ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ غَلَبَةً بِغَيْرِ إكْرَاهٍ، أَوْ إكْرَاهٍ.
وَفِي الْمَضْمُونِ فِي الذِّمَّةِ - وَهُوَ كُلُّ صَوْمٍ لَا يَجِبُ تَتَابُعُهُ؛ كَالنَّذْرِ الْغَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَصِيَامِ الْجَزَاءِ وَالتَّمَتُّعِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَقَضَاءِ رَمَضَانَ - جَائِزٌ لَا وَاجِبٌ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْفِطْرُ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ غَلَبَةً أَوْ إكْرَاهًا، وَفِي النَّفْلِ وَاجِبٌ فِي النِّسْيَانِ وَغَيْرُ وَاجِبٍ فِي الْعَمْدِ الْحَرَامِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَأَمَّا مَا وَجَبَ فِيهِ التَّابِعُ مِنْ الصَّوْمِ وَكَانَ فَرْضًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ؛ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ، فَإِنْ كَانَ الْفِطْرُ عَمْدًا فَلَا إمْسَاكَ لِفَسَادِهِ وَإِنْ كَانَ غَلَبَةً أَوْ سَهْوًا وَجَبَ الْإِمْسَاكُ.
وَكَمُلَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ اُسْتُحِبَّ الْإِمْسَاكُ فَقَطْ.
قَوْلَهُ: [وَالْمَعْذُورُ مَنْ أَفْطَرَ] : مُرَادُهُ بَيَانُ أَنَّ الْمَعْذُورَ: هُوَ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ، وَغَيْرُ الْمَعْذُورِ ضِدُّهُ.
وَلَا يَرِدُ عَلَيْنَا الْمَجْنُونُ وَالْمُكْرَهُ، فَإِنَّ
لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ جُنُونٍ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ.
وَلَمَّا دَخَلَ فِي الْمَعْذُورِ الْمُكْرَهُ - مَعَ أَنَّهُ إذَا زَالَ عُذْرُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ - أَخْرَجَهُ بِقَوْلِهِ: " بِلَا إكْرَاهٍ " أَيْ مَعْذُورٌ بِغَيْرِ إكْرَاهٍ.
فَقَوْلُهُ: " بِلَا إكْرَاهٍ " نَعْتُ مَعْذُورٍ.
إنْ أَفْطَرَ (بِفَرْضٍ مُعَيَّنٍ) وَقْتُهُ (كَرَمَضَانَ، وَالنَّذْرُ) الْمُعَيَّنُ، وَالْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ (مُطْلَقًا) : أَفْطَرَ عَمْدًا أَمْ لَا.
(أَوْ) لَمْ يَتَعَيَّنْ وَقْتُهُ، وَلَكِنْ (وَجَبَ تَتَابُعُهُ) كَكَفَّارَةِ رَمَضَانَ وَالْقَتْلِ وَالظِّهَارِ، (وَلَمْ يَتَعَمَّدْ) الْفِطْرَ.
فَإِنْ أَفْطَرَ غَلَبَةً أَوْ نَاسِيًا فَيَجِبُ الْإِمْسَاكُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ بِنَاءً عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَنَّ غَيْرَ الْعَمْدِ لَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ.
فَإِنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ لِفَسَادِ جَمِيعِ صَوْمِهِ الَّذِي فَعَلَهُ وَلَوْ آخِرَ يَوْمٍ مِنْهُ، فَلَا فَائِدَةَ فِي إمْسَاكِهِ حِينَئِذٍ.
وَكَذَا لَوْ أَفْطَرَ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إمْسَاكٌ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ؛ إذْ هُوَ يَجِبُ قَضَاؤُهُ، وَلَا يُؤَدِّي إفْطَارُهُ لِفَسَادِ شَيْءٍ.
نَعَمْ يُنْدَبُ فِيهِ الْإِمْسَاكُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: (فِي غَيْرِ أَوَّلِ يَوْمٍ) إذْ مَعْنَاهُ: يَجِبُ الْإِمْسَاكُ فِي الْمُتَتَابِعِ إذَا أَفْطَرَ نَاسِيًا أَوْ غَلَبَةً فِي غَيْرِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَوْ أَفْطَرَ نَاسِيًا فِيهِ لَمْ يَجِبْ الْإِمْسَاكُ.
(كَتَطَوُّعٍ) : تَشْبِيهٌ فِي وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ إذَا أَفْطَرَ فِيهِ بِلَا تَعَمُّدٍ.
فَإِنْ تَعَمَّدَ لَمْ يَجِبْ الْإِمْسَاكُ عَلَى التَّحْقِيقِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ مَعَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ.
وَفُهِمَ مِنْهُ: أَنَّ الْفَرْضَ إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَلَمْ يَجِبْ تَتَابُعُهُ - كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَالنَّذْرِ الْمَضْمُونِ، وَقَضَاءِ رَمَضَانَ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَفِدْيَةِ الْأَذَى - لَا يَجِبُ فِيهِ الْإِمْسَاكُ مُطْلَقًا أَفْطَرَ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ غَلَبَةً فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْإِمْسَاكِ وَعَدَمِهِ.
وَمَسْأَلَةُ الْإِمْسَاكِ مِمَّا زِدْنَاهُ عَلَى الْمُصَنِّفِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْكَفَّارَةِ وَأَنَّهَا خَاصَّةٌ بِرَمَضَانَ فَقَالَ:
(وَالْكَفَّارَةُ) وَاجِبَةٌ (بِرَمَضَانَ) أَيْ بِالْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ (فَقَطْ) دُونَ غَيْرِهِ (إنْ أَفْطَرَ) فِيهِ.
(مُنْتَهِكًا لِحُرْمَتِهِ) أَيْ غَيْرَ مُبَالٍ بِهَا بِأَنْ تَعَمَّدَهَا اخْتِيَارًا بِلَا تَأْوِيلٍ قَرِيبٍ،
[حاشية الصاوي]
فَعَلَهُمَا لَا يُوصَفُ بِإِبَاحَةٍ وَلَا عَدَمِهَا كَمَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: [أَفْطَرَ عَمْدًا أَمْ لَا] : صَادِقٌ بِالْفِطْرِ نِسْيَانًا أَوْ غَلَبَةً أَوْ إكْرَاهًا.
[كَفَّارَة الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَان]
قَوْلُهُ: [بِلَا تَأْوِيلٍ قَرِيبٍ] : أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ تَأْوِيلٌ أَصْلًا أَوْ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ
احْتِرَازًا مِنْ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ وَالْمُتَأَوِّلِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمْ كَمَا يَأْتِي.
(بِجِمَاعٍ) أَيْ إدْخَالِ حَشَفَتِهِ فِي فَرْجِ مُطِيقٍ وَلَوْ بَهِيمَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَتَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ إنْ بَلَغَتْ.
(وَإِخْرَاجِ مَنِيٍّ) بِمُبَاشَرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، (وَإِنْ بِإِدَامَةِ فِكْرٍ أَوْ نَظَرٍ) إنْ كَانَ عَادَتُهُ الْإِنْزَالَ مِنْ اسْتِدَامَتِهِمَا وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ (إلَّا أَنْ) يَكُونَ عَادَتُهُ عَدَمَ الْإِنْزَالِ مِنْ اسْتِدَامَتِهِمَا وَ (يُخَالِفَ عَادَتَهُ) فَيُنْزِلَ
[حاشية الصاوي]
كَمَا يَأْتِي، ثُمَّ إنَّ الِانْتِهَاكَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ حَيْثُ لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ، فَمَنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مُنْتَهِكًا لِلْحُرْمَةِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ يَوْمُ الْعِيدِ فَلَا كَفَّارَةَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ آثِمًا عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْجَرَاءَةِ، وَمِثْلُهُ مَنْ تَعَمَّدَ الْأَكْلَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ أَكْلَهُ بَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ تُفْطِرُ مُتَعَمِّدَةً ثُمَّ يَظْهَرُ حَيْضُهَا قَبْلَ فِطْرِهَا وَهَكَذَا.
قَوْلُهُ: [وَالْجَاهِلُ] : حَاصِلُهُ أَنَّ أَقْسَامَ الْجَاهِلِ ثَلَاثَةٌ: جَاهِلٌ حُرْمَةِ الْوَطْءِ مَثَلًا، وَجَاهِلُ رَمَضَانَ، وَجَاهِلُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِحُرْمَةِ الْفِعْلِ.
فَالْأَوَّلَانِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمَا، وَالْأَخِيرُ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، فَتَحَصَّلَ أَنَّ شُرُوطَ الْكَفَّارَةِ لِلْمُكَلَّفِ خَمْسَةٌ كَمَا فِي الْأَصْلِ: أَوَّلُهَا: الْعَمْدُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى نَاسٍ.
الثَّانِي: الِاخْتِيَارُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مُكْرَهٍ أَوْ مَنْ أَفْطَرَ غَلَبَةً.
الثَّالِثُ: الِانْتِهَاكُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مُتَأَوِّلٍ تَأْوِيلًا قَرِيبًا.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ، فَجَاهِلُهَا - كَحَدِيثِ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ - ظَنَّ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَحْرُمُ مَعَهُ الْجِمَاعُ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
خَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي رَمَضَانَ فَقَطْ لَا فِي قَضَائِهِ وَلَا فِي كَفَّارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (اهـ.) وَيُزَادُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ: أَنْ يَكُونَ بِالْفَمِ فَقَطْ، وَأَنْ يَصِلَ لِلْمَعِدَةِ.
وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى نَاذِرِ الدَّهْرِ إنْ أَفْطَرَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَقِيلَ: إنَّ نَاذِرَ الدَّهْرِ يُكَفِّرُ عَنْ فِطْرِهِ عَمْدًا، وَعَلَيْهِ فَقِيلَ: كَفَّارَةٌ صُغْرَى، وَقِيلَ: كُبْرَى.
وَعَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ تَعَيُّنُ غَيْرِ الصَّوْمِ، فَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَى نَاذِرِ الدَّهْرِ كَفَّارَةٌ لِرَمَضَانَ.
وَعَجَزَ عَنْ غَيْرِ الصَّوْمِ.
رَفَعَ لَهَا نِيَّةَ النَّذْرِ كَالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ تَوَابِعِ رَمَضَانَ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ نَاذِرَ الْخَمِيسِ وَالِاثْنَيْنِ مَثَلًا إذَا أَفْطَرَ عَامِدًا يَقْضِي بَعْدَ ذَلِكَ فَقَطْ.
وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَجْرَى فِيهِ (ح) الْخِلَافَ السَّابِقَ
بَعْدَ اسْتِدَامَتِهِمَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ مُطْلَقًا.
وَمَفْهُومُ " إدَامَةِ " أَنَّهُ لَوْ أَمْنَى بِمُجَرَّدِ فِكْرٍ أَوْ نَظَرٍ فِيهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
(أَوْ) أَفْطَرَ بِسَبَبِ (رَفْعِ نِيَّةٍ) لِصَوْمِهِ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا، وَيَسْتَمِرُّ نَاوِيًا عَدَمَهُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَالْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ إبْطَالِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فِي الْأَثْنَاءِ مُعْتَبَرَةٌ بِخِلَافِ رَفْضِهِمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُمَا،
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ مُطْلَقًا] : اعْلَمْ أَنَّ فِي مُقَدَّمَاتِ الْجِمَاعِ الْمَكْرُوهَةِ إذَا أَنْزَلَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ حَكَاهَا فِي التَّوْضِيحِ وَابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْبَيَانِ.
الْأَوَّلُ: لَمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ مُطْلَقًا.
وَالثَّانِي: لِأَشْهَبَ الْقَضَاءُ فَقَطْ إلَّا أَنْ يُتَابِعَ.
وَالثَّالِثُ: لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ عَنْ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ غَيْرِ مُسْتَدَامَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تِلْكَ الْعِبَارَةُ.
فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَشَارِحُنَا غَيْرُ مُوَافِقٍ لِطَرِيقَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ وَإِنَّمَا هِيَ طَرِيقَةُ اللَّخْمِيِّ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ كَذَلِكَ] : أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: [رَفْعِ نِيَّةٍ لِصَوْمِهِ نَهَارًا] : بِأَنْ قَالَ فِي النَّهَارِ وَهُوَ صَائِمٌ: رَفَعْت نِيَّةَ صَوْمِي أَوْ رَفَعْت نِيَّتِي عَلَيْهِ، أَمَّا مَنْ عَزَمَ عَلَى الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ ثُمَّ تَرَكَ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ رَفْعًا لِلنِّيَّةِ، وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ مُسَافِرٍ صَامَ فِي رَمَضَانَ فَعَطِشَ فَقُرِّبَتْ لَهُ سُفْرَتُهُ لِيُفْطِرَ وَأَهْوَى بِيَدِهِ لِيَشْرَبَ فَقِيلَ لَهُ لَا مَاءَ مَعَك فَكَفَّ، فَقَالَ: أُحِبُّ لَهُ الْقَضَاءَ، وَصَوَّبَ اللَّخْمِيُّ سُقُوطَهُ، وَقَالَ: إنَّهُ غَالِبُ الرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْمَجْمُوعِ، وَمَعْنَى رَفْعِ النِّيَّةِ: الْفِطْرُ بِالنِّيَّةِ لَا نِيَّةُ الْفِطْرِ، فَلَا يَضُرُّ إذَا لَمْ يُفْطِرْ بِالْفِعْلِ كَمَا فِي (ر) ، وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي غَيْرِهِ: إنَّمَا يَضُرُّ الرَّفْضُ الْمُطْلَقُ، أَمَّا الْمُقَيِّدُ بِأَكْلِ شَيْءٍ فَلَمْ يُوجَدْ فَلَا.
وَمِنْهُ مَنْ نَوَى الْحَدَثَ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ فَلَمْ يُحْدِثْ؛ لَيْسَ رَافِضًا.
وَانْظُرْ: لَوْ نَوَى أَنْ يَأْكُلَ فِي الصَّلَاةِ مَثَلًا فَلَمْ يَفْعَلْ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ ظَنَّ الْغُرُوبَ خَطَأً: اللَّهُمَّ لَك صُمْت وَعَلَى رِزْقِك أَفْطَرْت، فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِهِ الرَّفْضُ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى عَلَى رِزْقِك أُفْطِرُ عَلَى حَدِّ: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) فَإِنَّ الرِّزْقَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ رَفْضِهِمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُمَا] : أَيْ فَلَا يَضُرُّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ
وَبِخِلَافِ رَفْضِ الْحَجِّ الْعُمْرَةِ مُطْلَقًا.
(أَوْ) أَفْطَرَ بِسَبَبِ (إيصَالِ مُفْطِرٍ) مِنْ مَائِعٍ أَوْ غَيْرِهِ (لِمَعِدَةٍ مِنْ فَمٍ فَقَطْ) : رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ، أَوْ مُفْطِرٍ - لَا غَيْرِهِ - كَبَلْغَمٍ لِمَعِدَةٍ فَقَطْ لَا لِحَلْقٍ، وَإِنْ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْمَائِعِ.
وَقِيلَ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ أَيْضًا مِنْ (فَمٍ فَقَطْ) لَا مِنْ غَيْرِهِ كَأَنْفٍ أَوْ دُبُرٍ لِأَنَّهَا مُعَلَّلَةٌ بِالِانْتِهَاكِ الَّذِي هُوَ أَخَصُّ مِنْ الْعَمْدِ.
ثُمَّ ذَكَرَ مُحْتَرَزَ الِانْتِهَاكِ بِقَوْلِهِ: (لَا) إنْ أَفْطَرَ (بِنِسْيَانٍ) لِكَوْنِهِ صَائِمًا.
أَوْ (جَهِلَ) لِرَمَضَانَ بِأَنْ ظَنَّ أَنَّهُ شَعْبَانُ، أَوْ مِنْهُ كَيَوْمِ الشَّكِّ، أَوْ جَهِلَ حُرْمَةَ الْفِطْرِ بِرَمَضَانَ لِقُرْبِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَأَمَّا جَهْلُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِحُرْمَةِ الْفِطْرِ فَلَا يَنْفَعُهُ.
(أَوْ غَلَبَةٍ) بِأَنْ سَبَقَهُ الْمَاءُ مَثَلًا أَوْ أُكْرِهَ عَلَى تَنَاوُلِ الْمُفْطِرِ فَلَا كَفَّارَةَ لِعَدَمِ الِانْتِهَاكِ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ الْغَلَبَةِ مَسْأَلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا إذَا تَعَمَّدَ قَيْئًا) : أَيْ إخْرَاجَهُ فَابْتَلَعَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَوْ غَلَبَةً فَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ (أَوْ) إلَّا إذَا تَعَمَّدَ (اسْتِيَاكًا بِجَوْزَاءَ نَهَارًا) وَابْتَلَعَهَا وَلَوْ غَلَبَةً؛ فَالْكَفَّارَةُ.
بِخِلَافِ مَا لَوْ ابْتَلَعَهَا نِسْيَانًا
[حاشية الصاوي]
قَوْلَيْنِ مُرَجَّحَيْنِ.
قَوْلُهُ: [وَبِخِلَافِ رَفْضِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ] : أَيْ فَلَا يَضُرُّ لِأَنَّهُمَا عَمَلٌ مَالِيٌّ وَبَدَنِيٌّ فَرَفْضُهُمَا حَرَجٌ فِي الدِّينِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] .
قَوْلُهُ: [الَّذِي هُوَ أَخُصُّ مِنْ الْعَمْدِ] : أَيْ لِأَنَّ الْعَمْدَ مَوْجُودٌ فِي الْوَاصِلِ مِنْ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ وَالْعَيْنِ وَلَيْسَ هُنَاكَ انْتِهَاكٌ؛ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الِانْتِهَاكَ عَدَمُ الْمُبَالَاةِ بِالْحُرْمَةِ وَهُوَ مُتَأَتٍّ مِنْ الْأَنْفِ وَالْأُذُنِ وَالْعَيْنِ، وَلِذَا عَلَّلَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ هَذَا لَا تَتَشَوَّفُ إلَيْهِ النُّفُوسُ، وَأَصْلُ الْكَفَّارَةِ إنَّمَا شُرِعَتْ لِزَجْرِ النَّفْسِ عَمَّا تَتَشَوَّفُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ غَلَبَةً فَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ] : مَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ الْعَمْدِ، فَالتَّكْفِيرُ فِي صُورَتَيْنِ: الْعَمْدُ وَالْغَلَبَةُ، لَا إنْ ابْتَلَعَهُ نَاسِيًا.
قَوْلُهُ: [اسْتِيَاكًا بِجَوْزَاءَ] : أَيْ وَصَلَ لِلْجَوْفِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ تَعَمُّدِ الِاسْتِيَاكِ بِهَا.
فَالْقَضَاءُ فَقَطْ، وَالْجَوْزَاءُ قِشْرٌ يُتَّخَذُ مِنْ أُصُولِ شَجَرِ الْجَوْزِ يَسْتَعْمِلُهُ بَعْضُ نِسَاءِ أَهْلِ الْمَغْرِبِ.
(وَلَا) إنْ أَفْطَرَ (بِتَأْوِيلٍ قَرِيبٍ) فَلَا كَفَّارَةَ، وَالتَّأْوِيلُ: حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِ لِمُوجِبٍ، وَقَرِيبُهُ مَا ظَهَرَ مُوجِبُهُ، وَبَعِيدُهُ مَا خَفِيَ مُوجِبُهُ أَيْ دَلِيلُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الظَّنُّ، أَيْ ظَنُّ إبَاحَةِ الْفِطْرِ، وَقَرِيبُهُ مَا اسْتَنَدَ إلَى أَمْرٍ مُحَقَّقٍ مَوْجُودٍ، وَبَعِيدُهُ: مَا اسْتَنَدَ إلَى أَمْرٍ مَوْهُومٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ.
وَمَثَّلَ لِلْقَرِيبِ بِقَوْلِهِ: (كَمَنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا) : فَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكُ لِفَسَادِ صَوْمِهِ فَأَفْطَرَ، وَقَوْلُهُ: (عَلَى الْأَظْهَرِ) رَاجِعٌ لِلْمُكْرَهِ؛ فَلَا كَفَّارَةَ.
لِأَنَّ ظَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى فِطْرِهِ أَوَّلًا، نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا.
(أَوْ) كَمَنْ (قَدِمَ) مِنْ سَفَرِهِ (قَبْلَ الْفَجْرِ) فَظَنَّ إبَاحَةَ فِطْرِهِ صَبِيحَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَأَفْطَرَ.
[حاشية الصاوي]
وَحَاصِلُ الْفِقْهِ: أَنَّهُ إنْ تَعَمَّدَ الِاسْتِيَاكَ بِهَا نَهَارًا كَفَّرَ فِي صُورَتَيْنِ وَهُمَا: إذْ ابْتَلَعَهَا عَمْدًا أَوْ غَلَبَةً لَا نِسْيَانًا وَإِنْ اسْتَاك بِهَا نَهَارًا نِسْيَانًا وَوَصَلَ شَيْءٌ مِنْهَا لِلْجَوْفِ فَلَا يُكَفِّرُ إلَّا إذَا ابْتَلَعَهَا عَمْدًا - لَا غَلَبَةً أَوْ نِسْيَانًا - فَالْقَضَاءُ فَقَطْ، وَمِثْلُهُ إذَا تَعَمَّدَ الِاسْتِيَاكَ بِهَا لَيْلًا، وَهَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ فِي الْأَصْلِ تَبَعًا لِ (عب) قَالَ (بْن) : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَمْ يَذْكُرْهَا التَّوْضِيحُ إلَّا عَنْ ابْنِ لُبَابَةَ وَهُوَ قَيَّدَهَا بِالِاسْتِعْمَالِ نَهَارًا لَا لَيْلًا، وَإِلَّا فَالْقَضَاءُ فَقَطْ، وَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ وَالْمَوَّاقُ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ، وَلِذَلِكَ شَارِحُنَا قَيَّدَ بِالنَّهَارِ وَقَدْ اسْتَظْهَرَ فِي الْمَجْمُوعِ مَا يُوَافِقُ الْأَصْلَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ ظَنَّهُ اسْتَنَدَ إلَى فِطْرِهِ أَوَّلًا نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا] : أَيْ فَالنِّسْيَانُ أَوْ الْإِكْرَاهُ شُبْهَةٌ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ، فَقَدْ اسْتَنَدَ لِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ وَقَدْ صُرِفَ اللَّفْظُ عَنْ ظَاهِرِهِ، لِأَنَّ أَصْلَ مَعْنَى اللَّفْظِ رَفْعُ إثْمِ الْجَرَاءَةِ، وَجَوَازُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ خِلَافُ ظَاهِرِهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ كَمَنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ] : أَيْ فَقَدْ اسْتَنَدَ إلَى أَمْرٍ مَوْجُودٍ وَهُوَ
(أَوْ سَافَرَ دُونَ) مَسَافَةِ (الْقَصْرِ) فَظَنَّ إبَاحَةَ الْفِطْرِ فَأَفْطَرَ.
(أَوْ رَأَى شَوَّالًا نَهَارًا) يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ فَظَنَّ أَنَّهُ يَوْمُ عِيدٍ فَأَفْطَرَ.
(أَوْ) أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ لَيْلًا فَأَصْبَحَ جُنُبًا (لَمْ يَغْتَسِلْ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ) فَظَنَّ إبَاحَةَ الْفِطْرِ فَأَفْطَرَ.
(أَوْ احْتَجَمَ) نَهَارًا فَظَنَّ إبَاحَةَ الْفِطْرِ فَأَفْطَرَ.
(أَوْ ثَبَتَ رَمَضَانُ) يَوْمَ الشَّكِّ (نَهَارًا) فَظَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ فَأَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ.
[حاشية الصاوي]
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» وَهَذَا هُوَ مُسْتَنَدُ مَنْ سَافَرَ دُونَ الْقَصْرِ أَيْضًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلًّا صَرَفَ اللَّفْظَ عَنْ ظَاهِرِهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ رَأَى شَوَّالًا نَهَارًا] : وَشُبْهَتُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» .
قَوْلُهُ: [فَأَصْبَحَ جُنُبًا] : وَشُبْهَتُهُ مَا وَرَدَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ، وَمَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَسَادُ الصَّوْمِ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [أَوْ احْتَجَمَ نَهَارًا] إلَخْ: مُسْتَنِدًا لِحَدِيثِ: " أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمُحْتَجِمُ ".
قَوْلُهُ: [فَظَنَّ عَدَمَ وُجُوبِ الْإِمْسَاكِ] : وَشُبْهَتُهُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالرُّؤْيَةِ لَيْلًا،
فَقَوْلُهُ: (فَظَنُّوا الْإِبَاحَةَ) : أَيْ إبَاحَةُ الْفِطْرِ (فَأَفْطَرُوا) رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ، فَإِنْ عَلِمُوا الْحُرْمَةَ أَوْ شَكُّوا فِيهَا فَالْكَفَّارَةُ.
(بِخِلَافِ) التَّأْوِيلِ (الْبَعِيدِ) فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ (كِرَاءٍ) لِهِلَالِ رَمَضَانَ، (لَمْ يُقْبَلْ) عِنْدَ الْحَاكِمِ فَرَدَّ شَهَادَتَهُ، فَظَنَّ إبَاحَةَ الْفِطْرِ فَأَفْطَرَ.
(أَوْ) أَفْطَرَ (لِحُمَّى أَوْ لِحَيْضٍ) ظَنَّ أَنَّهَا تَقَعُ لَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَعَجَّلَ الْفِطْرَ قَبْلَ الْحُصُولِ فَالْكَفَّارَةُ (وَلَوْ حَصَلَا) .
(أَوْ) أَفْطَرَ (لِغِيبَةٍ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ صَدَرَتْ مِنْهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَظَنَّ الْفِطْرَ.
[حاشية الصاوي]
وَفَوَاتُ مَحَلِّ النِّيَّةِ فَهُوَ أَقْوَى شُبْهَةً مِمَّنْ أَفْطَرَ نِسْيَانًا.
قَوْلُهُ: [فَظَنُّوا الْإِبَاحَةَ] : أَيْ هَؤُلَاءِ الثَّمَانِيَةُ وَالْعَدَدُ لَيْسَ بِحَاصِرٍ، بَلْ يُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ ذِي شُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ، وَمِنْ ذَلِكَ فِطْرُ مَنْ لَمْ يُكَذِّبْ الْعَدْلَيْنِ بَعْدَ ثَلَاثِينَ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ بِهِ، وَمَنْ تَسَحَّرَ بِلَصْقِ الْفَجْرِ فَظَنَّ بُطْلَانَ الصَّوْمِ فَأَفْطَرَ.
قَوْلُهُ: [أَوْ شَكُّوا فِيهَا] : إنَّمَا كَانَتْ الْكَفَّارَةُ مَعَ الشَّكِّ لِضَعْفِ الشُّبْهَةِ.
قَوْلُهُ: [كِرَاءٍ] : إنَّمَا كَانَ تَأْوِيلُهُ بَعِيدًا لِمُخَالَفَتِهِ نَصَّ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، وَهُمَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَلُزُومُ الْكَفَّارَةِ لَهُ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
قَوْلُهُ: [فَالْكَفَّارَةُ وَلَوْ حَصَلَا] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا كَفَّارَةَ فِيهِمَا، وَرَآهُ مِنْ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ أَفْطَرَ لِغِيبَةٍ] : وَإِنَّمَا لَمْ تَكُنْ الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِي ذَلِكَ مِنْ الشُّبْهَةِ الْقَوِيَّةِ فَيَكُونُ تَأْوِيلًا قَرِيبًا لِبُعْدِ حَمْلِ الْأَكْلِ فِي الْآيَةِ، وَالْفِطْرِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ.
(أَوْ) أَفْطَرَ (لِعَزْمٍ عَلَى سَفَرٍ) فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (وَلَمْ يُسَافِرْ) فِيهِ فَالْكَفَّارَةُ (وَإِلَّا) بِأَنْ سَافَرَ فِيهِ (فَقَرِيبٌ) فَلَا كَفَّارَةَ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ مَسْأَلَةِ السَّفَرِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَهِيَ) : أَيْ الْكَفَّارَةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ عَلَى التَّخْيِيرِ: إمَّا (إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْفَقِيرَ، (لِكُلٍّ مُدٌّ) بِمُدِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا أَكْثَرَ وَلَا أَقَلَّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُدَّ مِلْءُ الْيَدَيْنِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ.
(أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) بِالْهِلَالِ إنْ ابْتَدَأَهَا أَوَّلَ شَهْرٍ، فَإِنْ ابْتَدَأَهَا أَثْنَاءَ شَهْرٍ صَامَ الَّذِي بَعْدَهُ بِالْهِلَالِ كَامِلًا أَوْ نَاقِصًا، وَكَمَّلَ الْأَوَّلَ مِنْ الثَّالِثِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَإِنْ أَفْطَرَ فِي يَوْمٍ عَمْدًا بَطَلَ جَمِيعُ مَا صَامَهُ وَاسْتَأْنَفَهُ.
(أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى فِيهَا شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ (مُؤْمِنَةٍ) فَلَا تُجْزِئُ كَافِرَةٌ، (سَالِمَةٍ مِنْ الْعَيْبِ) كَالظِّهَارِ فَلَا تُجْزِئُ عَوْرَاءُ وَلَا بَكْمَاءُ وَلَا شَلَّاءُ وَلَا نَحْوُ ذَلِكَ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَقَرِيبٌ] : أَيْ الِاسْتِنَادَةُ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [إمَّا إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا] : مُرَادُهُ التَّمْلِيكُ سَوَاءٌ أَكَلَهُ أَوْ بَاعَهُ.
قَوْلُهُ: [الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْفَقِيرَ] : أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ لَنَا مِنْ أَنَّهُمَا إذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا.
قَوْلُهُ: [لِكُلٍّ مُدٌّ] : أَيْ وَلَا يُجْزِئُ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَتَعَدَّدَتْ بِتَعَدُّدِ الْأَيَّامِ لَا فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ، وَلَوْ حَصَلَ الْمُوجِبُ الثَّانِي بَعْدَ الْإِخْرَاجِ، أَوْ كَانَ الْمُوجِبُ الثَّانِي مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ الْأَفْضَلُ] : أَيْ وَلَوْ لِلْخَلِيفَةِ خِلَافًا لِمَا أَفْتَى بِهِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى أَمِيرَ الْأَنْدَلُسِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ مِنْ تَكْفِيرِهِ بِالصَّوْمِ بِحَضْرَةِ الْعُلَمَاءِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لِئَلَّا يَتَسَاهَلَ فَيَعُودَ ثَانِيًا، وَإِنَّمَا كَانَ الْإِطْعَامُ أَفْضَلَ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ نَفْعًا لِتَعَدِّيهِ لِأَفْرَادٍ كَثِيرَةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعِتْقَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّوْمِ لِأَنَّ نَفْعَهُ مُتَعَدٍّ لِلْغَيْرِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ أَفْطَرَ فِي يَوْمٍ عَمْدًا] : أَيْ لَا غَلَبَةً أَوْ نِسْيَانًا فَلَا يَبْطُلُ مَا صَامَهُ بَلْ يَبْنِي.
قَوْلُهُ: [كَالظِّهَارِ] : أَحَالَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ لِشُهْرَتِهِ فِي الْمَذْهَبِ.
التَّخْيِيرُ بَيِّنٌ فِي الْحُرِّ الرَّشِيدِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنَّمَا يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ بِالْإِطْعَامِ، وَأَمَّا السَّفِيهُ فَيَأْمُرُهُ وَلِيُّهُ بِالصَّوْمِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ كَفَّرَ عَنْهُ وَلِيُّهُ بِأَدْنَى النَّوْعَيْنِ.
(وَكَفَّرَ) السَّيِّدُ (عَنْ أَمَتِهِ إنْ وَطِئَهَا) وَلَوْ أَطَاعَتْهُ.
(وَ) كَفَّرَ الرَّجُلُ (عَنْ غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ أَمَتِهِ كَزَوْجَةٍ أَوْ امْرَأَةٍ زَنَى بِهَا (إنْ أَكْرَهَهَا لِنَفْسِهِ) ، لَا إنْ أَطَاعَتْهُ وَلَا إنْ أَكْرَهَهَا لِغَيْرِهِ، فَعَلَيْهَا إنْ طَاوَعَتْ لَا إنْ أُكْرِهَتْ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَالتَّخْيِيرُ بَيِّنٌ] : أَيْ فِي الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فَأَوْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِلتَّخْيِيرِ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ أَنْوَاعَ الْكَفَّارَاتِ بِقَوْلِهِ:
ظِهَارًا وَقَتْلًا رَتَّبُوا وَتَمَتُّعًا ... كَمَا خَيَّرُوا فِي الصَّوْمِ وَالصَّيْدِ وَالْأَذَى
وَفِي حَلِفٍ بِاَللَّهِ خَيِّرْ وَرَتِّبْنَ ... فَدُونَك سَبْعًا إنْ حَفِظْت فَحَبَّذَا
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ بِالْإِطْعَامِ] : أَيْ فَيُجْزِئُهُ بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَلَا يُجْزِئُهُ وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ.
قَوْلُهُ: [بِأَدْنَى النَّوْعَيْنِ] : الْمُرَادُ كَفَّرَ عَنْهُ بِأَقَلِّهِمَا قِيمَةً، فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الرَّقِيقِ أَقَلَّ كَفَّرَ عَنْهُ بِالْعِتْقِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الطَّعَامِ أَقَلَّ كَفَّرَ عَنْهُ بِالْإِطْعَامِ، وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ يُحْتَمَلُ بَقَاؤُهُمَا فِي ذِمَّتِهِ إنْ أَبَى الصَّوْمَ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَهَذَا أَبْيَنُ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يُجْبِرُهُ عَلَى الصَّوْمِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ أَطَاعَتْهُ] : أَيْ لِأَنَّ طَوْعَهَا إكْرَاهٌ وَهَذَا مَا لَمْ تَطْلُبْهُ وَلَوْ حُكْمًا بِأَنْ تَتَزَيَّنَ لَهُ فَتَلْزَمَهَا وَتَصُومَ مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهَا فِي الْإِطْعَامِ.
قَوْلُهُ: [إنْ أَكْرَهَهَا لِنَفْسِهِ] : وَالْإِكْرَاهُ يَكُونُ بِخَوْفٍ مُؤْلِمٍ كَضَرْبٍ فَأَعْلَى كَإِكْرَاهِ الطَّلَاقِ فَقَدْ ذُكِرَ (ر) أَنَّ الْإِكْرَاهَ فِي الْعِبَادَاتِ يَكُونُ بِمَا ذُكِرَ، كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ (بْن) ، وَمَحَلُّ تَكْفِيرِهِ عَنْهَا إنْ كَانَتْ بَالِغَةً مُسْلِمَةً عَاقِلَةً وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: [فَعَلَيْهَا إنْ طَاوَعَتْ لَا إنْ أُكْرِهَتْ] : لَعَلَّ صَوَابَهُ فَعَلَيْهِ إنْ طَاوَعَ لَا إنْ أُكْرِهَ أَيْ فَكَفَّارَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى الشَّخْصِ الَّذِي أُكْرِهَتْ لَهُ إنْ طَاوَعَ هُوَ بِالْجِمَاعِ، لَا إنْ أُكْرِهَ أَيْضًا، فَكَفَّارَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى الْمُكْرِهِ لَهَا وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ أَكْرَهَ الرَّجُلَ نَظَرًا لِانْتِشَارِهِ، وَلَا عَلَى الْمُكْرَهِ بِالْفَتْحِ نَظَرًا لِلْإِكْرَاهِ، وَفِي (بْن) عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ: لَا كَفَّارَةَ عَلَى مُكْرَهٍ عَلَى أَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ امْرَأَةٍ عَلَى وَطْءٍ.
فَانْظُرْ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.
(نِيَابَةً) عَنْهُمَا فَيَكُونُ التَّكْفِيرُ عَنْهُمَا (بِلَا صَوْمٍ) ، إذْ الصَّوْمُ عَمَلٌ بَدَنِيٌّ لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ، (وَبِلَا عِتْقٍ فِي الْأَمَةِ) الْمَوْطُوءَةِ إذْ لَا يَصِحُّ مِنْهَا الْعِتْقُ حَتَّى يَنُوبَ عَنْهَا فِيهِ، فَيَتَعَيَّنُ الْإِطْعَامُ فِيهَا، وَجَازَ الْعِتْقُ عَنْ الْحُرَّةِ كَالْإِطْعَامِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا لَا قَضَاءَ فِيهِ مِمَّا قَدْ يُتَوَهَّمُ فِيهِ الْقَضَاءُ، فَقَالَ:
(وَلَا قَضَاءَ بِخُرُوجِ قَيْءٍ غَلَبَهُ) إذَا لَمْ يَزْدَرِدْ مِنْهُ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَ، بِخِلَافِ خُرُوجِهِ بِاخْتِيَارِهِ فَيَقْضِي كَمَا تَقَدَّمَ.
(أَوْ غَالِبِ ذُبَابٍ) : عَطْفٌ عَلَى خُرُوجِ، (أَوْ) غَالِبِ (غُبَارِ طَرِيقٍ، أَوْ) غَالِبِ (كَدَقِيقٍ) نَحْوِ جِبْسٍ لِصَانِعِهِ، (أَوْ) غُبَارِ (كَيْلٍ لِصَانِعِهِ) مِنْ طَحَّانٍ وَنَاخِلٍ وَمُغَرْبِلٍ وَحَامِلٍ - بِخِلَافِ غَيْرِ الصَّانِعِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ - وَمِنْ الصَّانِعِ مَنْ يَتَوَلَّى أُمُورَ نَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، أَوْ مِنْ حَفْرِ أَرْضٍ لِحَاجَةٍ كَقَبْرٍ أَوْ نَقْلِ تُرَابٍ لِغَرَضٍ.
(أَوْ) فِي (حُقْنَةٍ مِنْ إحْلِيلٍ) أَيْ ثُقْبِ الذَّكَرِ وَلَوْ بِمَائِعٍ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ عَادَةً
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [إذْ لَا يَصِحُّ مِنْهَا الْعِتْقُ] : أَيْ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يُحَرِّرُ غَيْرَهُ.
تَنْبِيهٌ:
إنْ أَكْرَهَ الْعَبْدُ زَوْجَتَهُ فَجِنَايَةٌ وَلَيْسَ لَهَا حِينَئِذٍ أَنْ تُكَفِّرَ بِالصَّوْمِ، وَتَأْخُذَهُ وَأَيْضًا إنَّمَا تُكَفِّرُ نِيَابَةً عَنْ الْعَبْدِ فِي الْكَفَّارَةِ وَهُوَ لَا يُكَفِّرُ عَنْهَا بِالصَّوْمِ، فَإِنْ أَكْرَهَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ عَلَى مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ حَتَّى أَنْزَلَتْ فَفِي تَكْفِيرِهِ عَنْهَا قَوْلَانِ.
[أُمُور تَجُوزُ لِلصَّائِمِ]
قَوْلُهُ: [بِخُرُوجِ قَيْءٍ] : وَأَوْلَى الْقَلْسُ.
قَوْلُهُ: [فَيَقْضِي كَمَا تَقَدَّمَ] : أَيْ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَزْدَرِدْ مِنْهُ شَيْئًا عَمْدًا أَوْ غَلَبَةً.
قَوْلُهُ: [لِصَانِعِهِ] : رَاجِعٌ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ، وَاغْتُفِرَ لِلصَّانِعِ لِلضَّرُورَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُغْتَفَرُ.
وَأَمَّا غَيْرُ الصَّانِعِ فَلَا يُغْتَفَرُ اتِّفَاقًا إنْ تَعَرَّضَ لَهُ.
قَوْلُهُ: [مِنْ إحْلِيلٍ] : أَيْ وَأَمَّا مِنْ الدُّبُرِ أَوْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فَتُوجِبُ الْقَضَاءَ إذَا كَانَتْ بِمَائِعٍ هَكَذَا قَالَ شُرَّاحُ خَلِيلٍ، وَاعْتَرَضَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيّ: بِأَنَّ فَرْجَ الْمَرْأَةِ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِالْجَوْفِ فَلَا يَصِلُ مِنْهُ شَيْءٌ إلَيْهِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ كَرِهَ مَالِكٌ الْحُقْنَةَ لِلصَّائِمِ، فَإِنْ احْتَقَنَ فِي فَرْجٍ بِشَيْءٍ يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ، فَالْقَضَاءُ وَلَا يُكَفِّرُ، وَفِي (ح) عَنْ
لِلْمَعِدَةِ (أَوْ) فِي (دُهْنِ جَائِفَةٍ) وَهِيَ الْجُرْحُ فِي الْبَطْنِ أَوْ الْجَنْبِ الْوَاصِلُ لِلْجَوْفِ يُوضَعُ عَلَيْهِ الدُّهْنُ لِلدَّوَاءِ، وَهُوَ لَا يَصِلُ لَمَحِلِّ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَإِلَّا لَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ.
(أَوْ) فِي (نَزْعِ مَأْكُولٍ) ، أَوْ مَشْرُوبٍ، (أَوْ) نَزْعِ (فَرْجٍ طُلُوعَ الْفَجْرِ) أَيْ مَبْدَأَ طُلُوعِهِ فَلَا قَضَاءَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ نَزْعَ الذَّكَرِ لَا يُعَدُّ وَطْئًا، وَإِلَّا كَانَ وَاطِئًا نَهَارًا.
(فَإِنْ ظَنَّ) هَذَا النَّازِعُ (الْإِبَاحَةَ) أَيْ إبَاحَةَ الْفِطْرِ (فَأَفْطَرَ) : أَيْ فَأَصْبَحَ مُفْطِرًا (فَتَأْوِيلٌ قَرِيبٌ) لِأَنَّهُ اسْتَنَدَ فِيهِ لِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أُمُورٍ تَجُوزُ لِلصَّائِمِ وَأَرَادَ بِالْجَوَازِ: الْإِذْنَ الْمُقَابِلَ لِلْمَنْعِ، فَيَشْمَلُ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ، وَمَا هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَمَا هُوَ مَكْرُوهٌ فَقَالَ: (وَجَازَ) لِلصَّائِمِ (سِوَاكٌ كُلَّ النَّهَارِ)
[حاشية الصاوي]
النِّهَايَةِ: أَنَّ الْإِحْلِيلَ يَقَعُ عَلَى ذَكَرِ الرَّجُلِ وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ (اهـ. بْن - نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ) فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُ شَارِحِنَا: " أَيْ ثُقْبَةِ الذَّكَرِ " لَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ مِثْلُهُ فَرْجُ الْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: [بِنَاءً عَلَى أَنَّ نَزْعَ الذَّكَرِ] إلَخْ: وَنَصَّ ابْنُ شَاسٍ: وَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ يُجَامِعُ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إنْ اسْتَدَامَ.
فَإِنْ نَزَعَ - أَيْ فِي حَالِ الطُّلُوعِ - فَفِي إثْبَاتِ الْقَضَاءِ وَنَفْيِهِ خِلَافٌ بَيْنَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ الْقَاسِمِ، سَبَبُهُ أَنَّ النَّزْعَ هَلْ يُعَدُّ جِمَاعًا أَمْ لَا.
1 -
قَوْلُهُ: [فَيَشْمَلُ مَا اسْتَوَى طَرَفَاهُ] : أَيْ لِأَنَّ مَا يَأْتِي مُتَنَوِّعٌ إلَى مُسْتَوِي
خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُكْرَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْمُقْتَضَى الشَّرْعِيِّ كَالْوُضُوءِ.
(وَمَضْمَضَةٌ لِعَطَشٍ) أَوْ حَرٍّ.
(وَإِصْبَاحٌ بِجَنَابَةٍ) : بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى.
[حاشية الصاوي]
الطَّرَفَيْنِ، وَمَنْدُوبٌ وَمَكْرُوهٌ وَخِلَافُ الْأَوْلَى وَسَيَظْهَرُ بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُكْرَهُ] إلَخْ: وَهُوَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ عِنْدَ اللَّهِ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» ، وَالْخُلُوفُ بِالضَّمِّ: مَا يَحْدُثُ مِنْ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ مِنْ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ فِي الْفَمِ، وَشَأْنُ ذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَإِذَا اسْتَاك زَالَ ذَلِكَ الْمُسْتَطَابُ عِنْدَ اللَّهِ، فَلِذَا كَانَ مَكْرُوهًا، وَحُجَّتُنَا أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ مَدْحِ الصَّوْمِ وَإِنْ لَمْ تَبْقَ حَقِيقَةُ الْخُلُوفِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ كَثِيرُ الرَّمَادِ أَيْ كَرِيمٌ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدُ رَمَادٌ، وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: خَيْرٌ مِمَّا قِيلَ إنَّ السِّوَاكَ لَا يُزِيلُ الْخُلُوفَ، لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعِدَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ: وَإِنْ لَمْ يُزِلْهُ يُضْعِفْهُ وَالْمَقْصُودُ تَقْوِيَةُ رَائِحَتِهِ.
لَكِنْ فِي الصَّحِيحِ مَا يُقَوِّي مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، مِنْ «أَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - صَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَوَجَدَ خُلُوفًا فَاسْتَاكَ مِنْهُ، فَأُمِرَ بِالْعَشْرِ كَفَّارَةً» لِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: 142] قَالُوا: سَبَبُ الْعَشْرِ الِاسْتِيَاكُ.
وَأَجَابَ فِي الْمَجْمُوعِ بِقَوْلِهِ: وَلَعَلَّهُ لِمَعْنًى يَخُصُّهُ، أَوْ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي شَرِيعَتِنَا بِعُمُومِ أَحَادِيثِ السِّوَاكِ، فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّيْسِيرِ بِخِلَافِ الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ.
قَوْلُهُ: [وَمَضْمَضَةٌ لِعَطَشٍ] : أَيْ فَهُوَ جَائِزٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، أَوْ مَطْلُوبٌ إنْ تَوَقَّفَ زَوَالُ الْعَطَشِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَضْمَضَةُ لِغَيْرِ مُوجِبٍ فَمَكْرُوهَةٌ.
قَوْلُهُ: [بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى] : أَيْ إذَا تَقَصَّدَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
(وَ) جَازَ (فِطْرٌ بِسَفَرِ قَصْرٍ) بِمَعْنَى يُكْرَهُ.
(أُبِيحَ) مُرَادُهُ بِالْمُبَاحِ: مَا قَابَلَ الْمَمْنُوعَ؛ كَالسَّفَرِ لِقَطْعِ طَرِيقٍ، أَوْ لِسَرِقَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ.
وَمَحَلُّ الْجَوَازِ: (إنْ بَيَّتَهُ) أَيْ الْفِطْرَ (فِيهِ) أَيْ فِي السَّفَرِ أَيْ فِي أَثْنَاءِ الْمَسَافَةِ فِي غَيْرِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْهُ بَلْ (وَإِنْ بِأَوَّلِ يَوْمٍ) ، أَيْ وَإِنْ كَانَ تَبْيِيتُ الْفِطْرِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ سَفَرِهِ، بِأَنْ وَصَلَ لَمَحَلِّ بَدْءِ قَصْرِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْفَجْرِ كَأَنْ يُعَدِّيَ الْبَسَاتِينَ الْمَسْكُونَةَ قَبْلَهُ، فَيَنْوِيَ الْفِطْرَ حِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ:
(إنْ شَرَعَ) فِي سَفَرِهِ (قَبْلَ الْفَجْرِ) تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا مِمَّا قَبْلَهُ زِيَادَةً فِي الْإِيضَاحِ، لِأَنَّهُ إذَا بَيَّتَ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ لَزِمَ أَنَّهُ شَرَعَ فِي سَفَرِهِ الَّذِي أَوَّلُهُ مَحَلُّ قَصْرِ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْفَجْرِ.
فَعُلِمَ أَنَّ لِجَوَازِ الْفِطْرِ بِرَمَضَانَ أَرْبَعَةَ شُرُوطٍ: أَنْ يَكُونَ السَّفَرُ سَفَرَ قَصْرٍ، وَأَنْ يَكُونَ مُبَاحًا، وَأَنْ يَشْرَعَ قَبْلَ الْفَجْرِ إذَا كَانَ أَوَّلَ يَوْمٍ، وَأَنْ يُبَيِّتَ الْفِطْرَ.
فَإِنْ تَوَفَّرَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ جَازَ الْفِطْرُ (وَإِلَّا) - بِأَنْ انْخَرَمَ شَرْطٌ مِنْهَا - (فَلَا) يَجُوزُ.
وَيَبْقَى الْكَلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْكَفَّارَةِ وَعَدَمِهَا إذَا أَفْطَرَ فِيهِ؛ فَبَيَّنَ أَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ بِقَوْلِهِ:
(وَكَفَّرَ إنْ بَيَّتَهُ) أَيْ الْفِطْرَ (بِحَضَرٍ) بِأَنْ نَوَاهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ.
(وَلَمْ يَشْرَعْ) فِي السَّفَرِ (قَبْلَ الْفَجْرِ) ، بَلْ بَعْدَهُ وَأَوْلَى إذَا لَمْ يُسَافِرْ أَصْلًا، وَلَا يُعْذَرُ بِتَأْوِيلٍ لِأَنَّهُ حَاضِرٌ بَيَّتَ الْفِطْرَ، فَإِنْ سَافَرَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِأَنْ عَدَّى الْبَسَاتِينَ الْمَسْكُونَةَ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ] : مِنْهَا مَا يَعُمُّ يَوْمَ السَّفَرِ وَمَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ " بِسَفَرِ قَصْرٍ أُبِيحَ "، وَقَوْلُهُ " أَنْ يُبَيِّتَهُ فِيهِ "، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ يَوْمَ السَّفَرِ دُونَ مَا بَعْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ " إنْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ الْفَجْرِ "، وَيُؤْخَذُ مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلصَّائِمِ الْمُسَافِرِ الْفِطْرُ، وَلَوْ أَقَامَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا بِمَحَلٍّ، مَا لَمْ يَنْوِ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ كَقَصْرِ الصَّلَاةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي النَّوَادِرِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
1 -
قَوْلُهُ: [فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ] : أَيْ إجْمَالًا وَتَحْتَ كُلٍّ صُوَرٌ.
قَوْلُهُ: [وَأَوْلَى إذَا لَمْ يُسَافِرْ أَصْلًا] : يُشِيرُ إلَى أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَ صُوَرٍ وَهِيَ: سَافَرَ بَعْدَ الْفَجْرِ، أَوْ لَمْ يُسَافِرْ أَصْلًا، تَأَوَّلَ، أَمْ لَا.
قَبْلَهُ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْلُهُ: (أَوْ) بَيَّتَ (الصَّوْمَ بِسَفَرٍ) بِأَنْ نَوَى الصَّوْمَ وَطَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ نَاوِيهِ، سَوَاءٌ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ أَوْ فِي غَيْرِهِ - ثُمَّ أَفْطَرَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ.
وَلَا يُعْذَرُ بِتَأْوِيلٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهُ الْفِطْرُ فَاخْتَارَ الصَّوْمَ ثُمَّ أَفْطَرَ، كَانَ مُنْتَهِكًا مُتَلَاعِبًا بِالدِّينِ.
وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ مَفْهُومُ قَوْلِهِ: " إنْ بَيَّتَهُ فِيهِ ".
وَأَشَارَ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ - مُشَبِّهًا لَهَا بِمَا قَبْلَهَا لِيَرْجِعَ التَّفْصِيلُ بَعْدَ الْكَافِ - بِقَوْلِهِ: (كَحَضَرٍ) : أَيْ كَمَا لَوْ بَيَّتَ الصَّوْمَ بِحَضَرٍ - كَمَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ - وَلَمْ يُسَافِرْ قَبْلَ الْفَجْرِ وَعَزْمُهُ السَّفَرَ بَعْدَهُ، (وَأَفْطَرَ قَبْلَ الشُّرُوعِ) فِيهِ (بِلَا تَأْوِيلٍ) : فَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ لِانْتِهَاكِهِ الْحُرْمَةَ عِنْدَ عَدَمِ التَّأْوِيلِ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ تَأَوَّلَ أَيْ ظَنَّ إبَاحَةَ الْفِطْرِ فَأَفْطَرَ أَوْ أَفْطَرَ بَعْدَ الشُّرُوعِ (فَلَا) كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِقُرْبِ تَأْوِيلِهِ، لِاسْتِنَادِهِ إلَى السَّفَرِ حَيْثُ سَافَرَ، وَهَذِهِ أَيْضًا مِنْ مَفْهُومِ: " إنْ بَيَّتَهُ "، فِيهِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ بَيَّتَ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ، وَمَفْهُومُهُ: بَيَّتَ الْفِطْرَ فِي الْحَضَرِ وَهِيَ الْأُولَى، أَوْ بَيَّتَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ وَهِيَ الثَّانِيَةُ، أَوْ بَيَّتَ الصَّوْمَ فِي الْحَضَرِ وَهِيَ الثَّالِثَةُ، فَالْكَفَّارَةُ فِي الْأُولَيَيْنِ مُطْلَقًا، وَفِي الثَّالِثَةِ إنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَوْ بَيَّتَ الصَّوْمَ بِسَفَرٍ] : فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعُ صُوَرٍ وَهِيَ: كَانَ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ، أَوْ غَيْرِهِ، تَأَوَّلَ، أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ بَيَّتَهُ] : أَيْ مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إنْ بَيَّتَهُ - أَيْ الْفِطْرَ - فِيهِ، أَيْ فِي السَّفَرِ، وَسَيَأْتِي لِلشَّارِحِ تَوْضِيحُ تِلْكَ الْمَفَاهِيمِ.
قَوْلُهُ: [وَأَشَارَ لِلْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ] : مَنْطُوقُهَا الَّذِي فِيهِ الْكَفَّارَةُ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمَفْهُومُهَا الَّذِي لَا كَفَّارَةَ فِيهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ.
قَوْلُهُ: [أَوْ أَفْطَرَ بَعْدَ الشُّرُوعِ] : أَيْ وَلَوْ لَمْ يَتَأَوَّلْ، فَقَوْلُهُ " لِقُرْبِ تَأْوِيلِهِ ": تَعْلِيلٌ لِفِطْرِهِ مُتَأَوِّلًا قَبْلَ الشُّرُوعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [حَيْثُ سَافَرَ] : مَفْهُومُهُ: لَوْ أَفْطَرَ عَازِمًا عَلَى السَّفَرِ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَلَمْ يُسَافِرْ يَوْمَهُ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ.
وَلَا يَنْفَعُهُ تَأْوِيلٌ.
قَوْلُهُ: [مُطْلَقًا] : تَقَدَّمَ تَحْتَ الْإِطْلَاقِ ثَمَانُ صُوَرٍ فِي كُلٍّ أَرْبَعٌ.
قَوْلُهُ: [وَفِي الثَّالِثَةِ إنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ] : فَهِيَ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ فِطْرُهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ
وَبَقِيَ مَفْهُومُ " أُبِيحَ " وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ مُطْلَقًا لِظُهُورِ الِانْتِهَاكِ فِيهِ، وَلِذَا تَرَكَهُ، وَأَمَّا مَفْهُومُ: " سَفَرُ قَصْرٍ " فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَ) جَازَ فِطْرٌ (بِمَرَضٍ) : فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى بِسَفَرٍ (إنْ خَافَ) بِالصَّوْمِ (زِيَادَتَهُ) أَيْ الْمَرَضِ (أَوْ) خَافَ (تَمَادِيهِ) وَهُوَ مَعْنَى تَأَخُّرِ الْبُرْءِ، وَأَوْلَى إنْ خَافَ حُدُوثَ مَرَضٍ آخَرَ.
(وَوَجَبَ) الْفِطْرُ (إنْ خَافَ) بِالصَّوْمِ (هَلَاكًا أَوْ شَدِيدَ ضَرَرٍ) ، كَتَعْطِيلِ حَاسَّةٍ مِنْ حَوَاسِّهِ.
(كَحَامِلٍ أَوْ مُرْضِعٍ لَمْ يُمْكِنْهَا) أَيْ الْمُرْضِعَ (اسْتِئْجَارٌ) لِعَدَمِ مَالٍ أَوْ مُرْضِعَةٍ أَوْ عَدَمِ قَبُولِهِ غَيْرَهَا (وَلَا غَيْرُهُ) - وَهُوَ الرَّضَاعُ مَجَّانًا - (خَافَتَا) بِالصَّوْمِ (عَلَى وَلَدَيْهِمَا) : فَيَجُوزُ إنْ خَافَتَا عَلَيْهِ مَرَضًا أَوْ زِيَادَتَهُ، وَيَجِبُ إنْ خَافَتَا هَلَاكًا أَوْ شِدَّةَ ضَرَرٍ، وَأَمَّا خَوْفُهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: " وَبِمَرَضٍ " إلَخْ إذْ الْحَمْلُ مَرَضٌ، وَالرَّضَاعُ فِي حُكْمِهِ فَإِنْ أَمْكَنَهَا اسْتِئْجَارٌ أَوْ غَيْرُهُ وَجَبَ صَوْمُهَا.
[حاشية الصاوي]
بِلَا تَأْوِيلٍ، وَمَفْهُومُهَا ثَلَاثٌ قَدْ عَلِمْتهَا.
قَوْلُهُ: [وَبَقِيَ مَفْهُومُ أُبِيحَ] إلَخْ: إنَّمَا اُشْتُرِطَتْ الْإِبَاحَةُ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ تَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ.
تَنْبِيهٌ:
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَكَلَامُ الْأُجْهُورِيِّ فِي فَضَائِلِ رَمَضَانَ: أَنَّ السَّفَرَ بَعْدَ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ مَكْرُوهٌ، وَفِي الْحَطَّابِ فِيمَنْ سَافَرَ لِأَجْلِ الْفِطْرِ: هَلْ يُمْنَعُ - مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ - كَمَنْ تَحَيَّلَ فِي الزَّكَاةِ، أَوْ ارْتَدَّ لِإِسْقَاطِ شَيْءٍ؟ وَقَرَّرَ شَيْخُنَا: أَنَّ السَّفَرَ لِذَلِكَ مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ، وَيَجُوزُ الْفِطْرُ فَتَأَمَّلْهُ (اهـ) .
قَوْلُهُ: [وَجَازَ فِطْرٌ بِمَرَضٍ] : أَيْ وَيَجُوزُ لِلصَّائِمِ الْفِطْرُ بِسَبَبِ الْمَرَضِ.
فَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ.
وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْجَوَازِ هُوَ الْمَشْهُورُ.
قَوْلُهُ: [زِيَادَتُهُ أَيْ الْمَرَضِ أَوْ خَافَ تَمَادِيهِ] : وَمِثْلُهُمَا الْجَهْدُ وَالْمَشَقَّةُ بِخِلَافِ جَهْدِ الصَّحِيحِ وَمَشَقَّتِهِ فَلَا يُبِيحُ الْفِطْرَ.
قَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ إنْ خَافَتَا عَلَيْهِ مَرَضًا] إلَخْ: وَمِثْلُهُمَا الْجَهْدُ وَالْمَشَقَّةُ كَمَا قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [إذْ الْحَمْلُ مَرَضٌ] : أَيْ وَلِذَلِكَ كَانَتْ الْحَامِلُ لَا إطْعَامَ عَلَيْهَا،
(وَالْأُجْرَةُ) أَيْ أُجْرَةُ الرَّضَاعِ (فِي مَالِ الْوَلَدِ) إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، (ثُمَّ الْأَبِ) إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ.
(وَ) وَجَبَ (إطْعَامُ مُدِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِمُفَرِّطٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ لِمِثْلِهِ) أَيْ إلَى أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ الثَّانِي وَلَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْأَمْثَالِ (عَنْ كُلِّ يَوْمٍ) أَيْ إطْعَامُ مُدِّهِ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ (لِمِسْكِينٍ إنْ أَمْكَنَ الْقَضَاءُ بِشَعْبَانَ) ، بِأَنْ يَبْقَى مِنْهُ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ.
(لَا) يَجِبُ عَلَى الْمُفَرِّطِ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ إطْعَامٌ (إنْ اتَّصَلَ عُذْرُهُ) مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، (بِقَدْرِ مَا) أَيْ الْأَيَّامِ الَّتِي (عَلَيْهِ) ، إلَى تَمَامِ شَعْبَانَ؛ فَمَنْ عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَيَّامٍ مَثَلًا وَحَصَلَ لَهُ عُذْرٌ قَبْلَ رَمَضَانَ الثَّانِي بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ فَلَا إطْعَامَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ طُولَ عَامِهِ خَالِيًا مِنْ الْأَعْذَارِ، وَإِنْ حَصَلَ الْعُذْرُ لَهُ فِي يَوْمَيْنِ فَقَطْ وَجَبَ عَلَيْهِ إطْعَامُ ثَلَاثَةِ أَمْدَادٍ، لِأَنَّهُمَا أَيَّامُ التَّفْرِيطِ دُونَ أَيَّامِ الْعُذْرِ، فَقَوْلُهُ " عُذْرُهُ " أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ مَرَضُهُ.
وَقَوْلُنَا: " بِقَدْرٍ " إلَخْ
[حاشية الصاوي]
بِخِلَافِ الْمُرْضِعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَرَضًا حَقِيقِيًّا لَهَا.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ الْأَبُ] : هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَقِيلَ عَلَى الْأُمِّ حَيْثُ يَجِبُ عَلَيْهَا الرَّضَاعُ بِأَنْ كَانَتْ غَيْرَ عَلِيَّةِ الْقَدْرِ وَغَيْرَ مُطَلَّقَةٍ طَلَاقًا بَائِنًا، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا اتِّفَاقًا.
1 -
قَوْلُهُ: [وَإِنْ أَمْكَنَ الْقَضَاءُ بِشَعْبَانَ] إلَخْ: حَاصِلُهُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُفَرِّطَ إطْعَامُ الْمُدِّ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ لِمِسْكِينٍ إذَا كَانَ يُمْكِنُ قَضَاءَ مَا عَلَيْهِ فِي شَعْبَانَ، وَذَلِكَ بِأَنْ صَارَ الْبَاقِي مِنْ شَعْبَانَ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ خَالٍ مِنْ الْأَعْذَارِ، وَلَمْ يَقْضِ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، وَانْظُرْ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، ثُمَّ صَامَ مِنْ أَوَّلِ شَعْبَانَ ظَانًّا كَمَالَهُ، فَإِذَا هُوَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا هَلْ عَلَيْهِ إطْعَامُ يَوْمٍ أَوْ لَا وَالظَّاهِرُ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ فِي الْقَضَاءِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ، ثُمَّ إنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي التَّفْرِيطِ وَعَدَمِهِ شَعْبَانُ الْأَوَّلُ، فَإِنْ حَصَلَ فِيهِ عُذْرٌ ثُمَّ تَرَاخَى فِي شَعْبَانَ الثَّانِي لَا يَلْزَمُهُ إطْعَامٌ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ وَلَيْسَ مِنْ الْعُذْرِ الْجَهْلُ بِوُجُوبِ تَقْدِيمِ الْقَضَاءِ عَلَى رَمَضَانَ الثَّانِي، وَقِيلَ إنَّهُ عُذْرٌ وَالْخِلَافُ جَارٍ فِي النِّسْيَانِ، وَالسَّفَرِ وَفِي الْمَجْمُوعِ وَلَيْسَ السَّفَرُ وَالنِّسْيَانُ عُذْرًا هُنَا بَلْ الْإِكْرَاهُ.
قَيْدٌ زَائِدٌ عَلَى كَلَامِهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ اتِّصَالِ الْعُذْرِ مِنْ رَمَضَانَ لِرَمَضَانَ، أَوْ فِي جَمِيعِ شَعْبَانَ (مَعَ الْقَضَاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِإِطْعَامٍ أَوْ بِمَحْذُوفٍ: أَنْ يُطْعِمَ مَعَ الْقَضَاءِ نَدْبًا أَيْ يُنْدَبُ إطْعَامُ الْمُدِّ أَيْ إخْرَاجُهُ مَعَ كُلِّ يَوْمٍ يَقْتَضِيهِ مِنْ الْعَامِ الثَّانِي (أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ تَمَامِ كُلِّ يَوْمٍ أَوْ بَعْدَ تَمَامِ جَمِيعِ أَيَّامِ الْقَضَاءِ، يُخْرِجُ جَمِيعَ الْأَمْدَادِ.
فَإِنْ أَطْعَمَ بَعْدَ الْوُجُوبِ بِدُخُولِ رَمَضَانَ وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْقَضَاءِ أَجْزَأَ وَخَالَفَ الْمَنْدُوبَ.
(وَ) وَجَبَ الْإِطْعَامُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ (لِمُرْضِعٍ) أَيْ عَلَى مُرْضِعٍ (أَفْطَرَتْ) خَوْفًا عَلَى وَلَدِهَا، بِخِلَافِ الْحَامِلِ تَخَافُ عَلَى حَمْلِهَا.
(وَ) وَجَبَ (رَابِعُ النَّحْرِ) أَيْ صَوْمُهُ (لِنَاذِرِهِ) إنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ بِأَنْ نَذَرَ صَوْمَ كُلِّ خَمِيسٍ فَصَادَفَ رَابِعَ النَّحْرِ أَوْ نَذَرَ السُّنَّةِ، فَيَجِبُ صَوْمُهُ (بَلْ وَإِنْ عَيَّنَهُ) كَعَلَيَّ صَوْمُ رَابِعِ النَّحْرِ.
(وَكُرِهَ) تَعْيِينُهُ بِالنَّذْرِ (كَصَوْمِهِ تَطَوُّعًا) يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ.
(وَحَرُمَ صَوْمُ سَابِقَيْهِ) أَيْ الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ بَعْدَ يَوْمِ الْعِيدِ وَلَوْ نَذَرَهُمَا (إلَّا لِكَمُتَمَتِّعٍ) : أَيْ إلَّا لِمُتَمَتِّعٍ وَنَحْوِهِ كَقَارِنٍ وَكُلِّ مَنْ لَزِمَهُ هَدْيٌ لِنَقْصٍ فِي حَجٍّ
وَ (لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) فَيَجُوزُ لَهُ صَوْمُهُمَا بِمِنًى ثُمَّ السَّبْعَةَ إذَا رَجَعَ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَجْزَأَ] إلَخْ: أَيْ كَمَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ لَا تُفَرِّقُ الْكَفَّارَةُ الصُّغْرَى قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْقَضَاءِ، بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ " بَعْدَ الْوُجُوبِ " أَنَّهُ لَوْ أَطْعَمَ قَبْلَ الْوُجُوبِ فَلَا يُجْزِئُ.
1 -
قَوْلُهُ: [بِأَنْ نَذَرَ صَوْمَ كُلِّ خَمِيسٍ] : أَيْ أَوْ نَذَرَ الْحَجَّةَ.
قَوْلُهُ: [بَلْ وَإِنْ عَيَّنَهُ] : أَتَى بِالْمُبَالَغَةِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَدَمِ لُزُومِهِ، لِأَنَّ نَذْرَهُ بِعَيْنِهِ تَقَصُّدٌ لِلْمَكْرُوهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ دَخَلَ فِي جُمْلَةِ الْأَيَّامِ فَلَا يُتَوَهَّمُ تَقَصُّدُ الْمَكْرُوهِ.
قَوْلُهُ: [يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ] : وَلِذَلِكَ لَزِمَ النَّاذِرَ نَظَرًا لِذَاتِ الْعِبَادَةِ، فَإِنَّهَا مَنْدُوبَةٌ، وَالْكَرَاهَةُ لِذَاتِ الْوَقْتِ، وَقَوْلُهُمْ الْمَكْرُوهُ لَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ إذَا كَانَتْ كَرَاهَتُهُ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ.
قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَجِدْ هَدْيًا] : وَمِثْلُهُ الْفِدْيَةُ عَلَى مَا عَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلْمُدَوَّنَةِ،
(وَإِنْ نَوَى) صَائِمٌ (بِرَمَضَانَ) أَيْ فِيهِ (وَإِنْ بِسَفَرِهِ) أَيْ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فِيهِ (غَيْرَهُ) مَفْعُولُ نَوَى - أَيْ نَوَى بِصِيَامِهِ غَيْرَ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ - كَتَطَوُّعٍ وَنَذْرٍ وَصَوْمِ تَمَتُّعٍ وَقَضَاءِ رَمَضَانَ السَّابِقِ - (أَوْ نَوَاهُ وَغَيْرَهُ) أَيْ بِصَوْمِهِ رَمَضَانَ الْحَاضِرَ وَغَيْرَهُ (لَمْ يُجْزِهِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَيْ لَا عَنْ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ.
(وَلَيْسَ لِامْرَأَةٍ يَحْتَاجُ لَهَا) أَيْ لِجِمَاعِهَا (زَوْجُهَا) أَوْ سَيِّدُهَا (تَطَوُّعٌ) بِصَوْمٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (أَوْ نَذْرٍ) لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، (بِلَا إذْنٍ) مِنْ زَوْجِهَا أَوْ سَيِّدِهَا، (وَلَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ إذَا تَطَوَّعَتْ بِلَا إذْنٍ (إفْسَادُهُ بِجِمَاعٍ) لَا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ، (لَا إنْ أَذِنَ) لَهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
(وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ) أَيْ وَأَحْيَا لَيَالِيَهُ بِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ أَوْ غَيْرِهَا بِالذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ (إيمَانًا) أَيْ تَصْدِيقًا بِمَا وَعَدَهُ اللَّهُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَجْرِ، (وَاحْتِسَابًا) أَيْ مُحْتَسِبًا وَمُدَّخِرًا أَجْرَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَا غَيْرِهِ بِخُلُوصِ عَمَلِهِ لِلَّهِ
[حاشية الصاوي]
وَمَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ فِيمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ أَوْ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ أَيَّامِ مِنًى.
قَوْلُهُ: [لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا] : حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الصُّوَرَ سِتَّ عَشْرَةَ، وَهِيَ: أَنْ يَنْوِيَ بِرَمَضَانَ الْحَاضِرِ تَطَوُّعًا، أَوْ نَذْرًا، أَوْ كَفَّارَةً، أَوْ قَضَاءَ الْخَارِجِ؛ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ تُضْرَبُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ بِثَمَانٍ كُلُّهَا لَا تُجْزِئُ إلَّا إذَا نَوَى بِرَمَضَانَ الْحَاضِرِ قَضَاءَ الْخَارِجِ.
فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِالْإِجْزَاءِ، وَصَحَّحَ.
أَوْ يَنْوِي رَمَضَانَ الْحَاضِرَ مَعَ الْخَارِجِ، أَوْ هُوَ وَنَذْرًا، أَوْ هُوَ وَكَفَّارَةً، أَوْ هُوَ وَتَطَوُّعًا؛ فَهَذِهِ أَرْبَعٌ تُضْرَبُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ بِثَمَانٍ أَيْضًا رَجَّحَ فِيهِ الْإِجْزَاءَ عَنْ الْحَاضِرِ كَمَا فِي (عب) وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْوَقْتِ.
وَفِي بَاقِي مَسَائِلِ الْحَضَرِ الَّذِي لَمْ يَجُزْ فِيهَا رَمَضَانُ الْحَاضِرُ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ.
قَوْلُهُ: [إفْسَادُهُ بِجِمَاعٍ] : أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ، وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ لِأَنَّهَا مُعْتَدِيَةٌ فَكَأَنَّهَا أَفْطَرَتْ عَمْدًا حَرَامًا.
قَوْلُهُ: [لَا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ] : أَيْ لِأَنَّ احْتِيَاجَهُ إلَيْهَا الْمُوجِبُ لِتَفْطِيرِهَا مِنْ جِهَةِ الْوَطْءِ فَلَا وَجْهَ لِإِفْسَادِهِ عَلَيْهَا بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، بَقِيَ لَوْ أَرَادَتْ تَعْجِيلَ قَضَاءِ رَمَضَانَ، هَلْ لَهُ مَنْعُهَا؟ كَالتَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ، وَقَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ: لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَقَدْ يُقَالُ: لَهُ مَنْعُهَا بِالْأَوْلَى مِنْ فَرْضٍ اتَّسَعَ وَقْتُهُ.
1 -
لَمْ يُشْرِكْ بِهِ غَيْرَهُ.
(غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) أَيْ غَيْرُ حُقُوقِ الْعِبَادِ.
وَأَمَّا هِيَ: فَتَتَوَقَّفُ عَلَى إبْرَاءِ الذِّمَّةِ وَلَوْ عُمُومًا، أَوْ غُرْمِ مَا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الْأَمْوَالِ؛ الْمِثْلُ فِي الْمِثْلِيِّ، وَالْقِيمَةُ فِي الْمُقَوَّمِ، أَوْ وَرَدِّهِ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ] : ظَاهِرُهُ حَتَّى الْكَبَائِرُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مُتَعَلِّقَةً بِالْعِبَادِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَفَضْلُ اللَّهِ لَا يَتَقَيَّدُ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهَا بِالصَّغَائِرِ فَإِنَّهُ تَخْصِيصٌ لِلْعَامِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.
خَاتِمَةٌ:
مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ، وَمِثْلُهُ مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا فِي كُلِّ وَاجِبٍ.
وَلَوْ كَانَ فِطْرُهُ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ كَفَاهُ الْحَدُّ وَقِيلَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ.
وَاخْتُلِفَ: هَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْقَضَاءِ فَيَقْضِي يَوْمَيْنِ: يَوْمًا عَنْ الْأَصْلِ، وَيَوْمًا عَنْ الْقَضَاءِ؟ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْأَصْلُ؟ وَهُوَ الْأَرْجَحُ، وَأَمَّا إنْ أَفْطَرَ سَهْوًا أَوْ لِعُذْرٍ فَلَا يَقْضِي اتِّفَاقًا.
وَاخْتُلِفَ: هَلْ يُؤَدَّبُ الْمُفْطِرُ عَمْدًا فِي النَّفْلِ لِغَيْرِ وَجْهٍ أَوْ لَا يُؤَدَّبُ لِلْخِلَافِ فِيهِ وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ تَبَعًا لِلْبُنَانِيِّ، وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ هُنَا مَسَائِلَ النَّذْرِ اتِّكَالًا عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِهِ، وَذَكَرَهَا هُنَا خَلِيلٌ اسْتِطْرَادًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابٌ فِي الِاعْتِكَافِ
(الِاعْتِكَافُ نَافِلَةٌ) مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ، (مُرَغَّبٌ فِيهِ) شَرْعًا.
(وَهُوَ) فِي الْأَصْلِ: مُطْلَقُ اللُّزُومِ لِشَيْءٍ، وَشَرْعًا: (لُزُومُ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ وَلَا مِنْ غَيْرِ مُمَيِّزٍ.
(مَسْجِدًا) مَفْعُولُ الْمَصْدَرِ فَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِهِ مِنْ بَيْتٍ أَوْ خَلْوَةٍ، (مُبَاحًا) لِلنَّاسِ فَلَا يَصِحُّ فِي مَسْجِدِ الْبُيُوتِ الْمَحْجُورَةِ.
(بِصَوْمٍ) : أَيُّ صَوْمٍ كَانَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا، رَمَضَانَ أَوْ غَيْرَهُ (كَافًّا) - حَالٌ مِنْ مُسْلِمٍ - (عَنْ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ) لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ وَإِلَّا فَسَدَ.
[حاشية الصاوي]
[بَابٌ فِي الِاعْتِكَافِ]
[حُكْم الِاعْتِكَافِ وَمُبْطِلَاته]
بَابٌ:
لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى مَا أَرَادَهُ مِنْ فُرُوعِ الصَّوْمِ، وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّتِهِ تَصْفِيَةُ مِرْآةِ الْعَقْلِ وَالتَّشَبُّهُ بِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ فِي وَقْتِهِ، أَتْبَعَهُ بِالْكَلَامِ عَلَى الِاعْتِكَافِ التَّامِّ الشَّبَهِ بِهِمْ فِي اسْتِغْرَاقِ الْأَوْقَاتِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَحَبْسِ النَّفْسِ عَنْ الشَّهَوَاتِ، وَكَفِّ اللِّسَانِ عَمَّا لَا يَنْبَغِي.
وَيُقَالُ: عَكَفَ يَعْكُفُ - بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ - عَكْفًا وَعُكُوفًا: أَقْبَلَ عَلَى الشَّيْءِ مُوَاظِبًا، وَاعْتَكَفَ وَانْعَكَفَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَقِيلَ اعْتَكَفَ عَلَى الْخَيْرِ وَانْعَكَفَ عَلَى الشَّرِّ (اهـ. خَرَشِيٌّ) .
قَوْلُهُ: [نَافِلَةٌ] : صَادِقٌ بِالنَّدْبِ وَالسُّنِّيَّةِ؛ وَهُمَا قَوْلَانِ.
قَوْلُهُ: [مُطْلَقُ اللُّزُومِ] : أَيْ لِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: 138] قَوْلُهُ: مُمَيِّزٌ: هُوَ الَّذِي يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَيَرُدُّ الْجَوَابَ وَلَا يَنْضَبِطُ بِسِنٍّ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ، وَيُخَاطَبُ الْمُمَيِّزُ غَيْرُ الْبَالِغِ بِالصَّوْمِ تَبَعًا لِلِاعْتِكَافِ لِأَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهِ، وَتَقَدَّمَ كَرَاهَةُ الصَّوْمِ لَهُ اسْتِقْلَالًا.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ فِي مَسْجِدِ الْبُيُوتِ] : أَيْ وَلَوْ لِلنِّسَاءِ، وَلَا فِي الْكَعْبَةِ، وَلَا فِي
(يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ) أَيْ لَيْلَةِ الْيَوْمِ وَهِيَ السَّابِقَةُ عَلَيْهِ كَلَيْلَةِ الْخَمِيسِ وَيَوْمِهِ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَقَلِّهِ، (فَأَكْثَرَ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ، وَأَحَبُّهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَقَوْلُهُ: " يَوْمًا " ظَرْفٌ " لِلُّزُومِ ". (لِلْعِبَادَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِلُزُومٍ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَفْضَلِهَا.
(بِنِيَّةٍ) : الْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ أَوْ بِمَعْنَى مَعَ، مُتَعَلِّقَةٌ بِ (لُزُومٍ) - إذْ هُوَ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ تَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ.
(وَمَنْ فَرْضُهُ الْجُمُعَةُ) : وَهُوَ الذَّكَرُ الْحُرُّ الْبَالِغُ الْمُقِيمُ، (وَ) نَذَرَ أَوْ أَرَادَ اعْتِكَافًا (تَجِبُ) الْجُمُعَةُ (بِهِ) أَيْ فِيهِ - أَيْ فِي زَمَنِهِ - كَسَبْعَةِ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ وَالْجُمُعَةُ فِي أَثْنَائِهِ؛ كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوَّلُهَا الْخَمِيسُ، (فَالْجَامِعُ) مُتَعَيَّنٌ فِي حَقِّهِ.
(وَإِلَّا) يَعْتَكِفْ فِي الْجَامِعِ، بَلْ اعْتَكَفَ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِهِ (خَرَجَ) لِلْجُمُعَةِ وُجُوبًا (وَبَطَلَ) اعْتِكَافُهُ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ بِرِجْلَيْهِ مَعًا (وَيَقْضِيهِ)
[حاشية الصاوي]
مَقَامِ وَلِيٍّ حَيْثُ كَانَ مَحْجُورًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرَ مَحْجُورٍ وَجُعِلَ مَسْجِدًا كَمَقَامِ الْحُسَيْنِ وَالشَّافِعِيِّ وَالسَّيِّدِ الْبَدَوِيِّ فَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِيهِ، وَلَا يَصِحُّ فِي رَحْبَتِهِ وَلَا فِي الطُّرُقِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ، إذْ لَا يُقَالُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَسْجِدٌ، وَلَا يَصِحُّ فِي بَيْتِ الْقَنَادِيلِ وَالسِّقَايَةِ وَالسَّطْحِ.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَقَلِّهِ] : أَيْ الَّذِي يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ كَقَوْلِهِ: نَذَرْت الِاعْتِكَافَ أَوْ اعْتِكَافًا.
قَوْلُهُ: [أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ] : أَيْ مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: [وَأَحَبُّهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ] : أَيْ وَمُنْتَهَى الْمَنْدُوبِ شَهْرٌ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَهَذَا زُبْدَةُ خِلَافٍ كَثِيرٍ، وَكُرِهَ الْأَقَلُّ عَنْ الْعَشَرَةِ وَالزَّائِدُ عَنْ الشَّهْرِ.
قَوْلُهُ: [لِلْعِبَادَةِ] : أَيْ لِأَجْلِ الْعِبَادَةِ فِيهِ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: [وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَفْضَلِهَا] : أَيْ وَهُوَ اشْتِغَالُهُ بِذِكْرٍ نَحْوِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاسْتِغْفَارٍ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَالصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ مَجْمَعُ الذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: [خَرَجَ لِلْجُمُعَةِ وُجُوبًا] : أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ يَجْهَلُ أَنَّ الْخُرُوجَ مِنْهُ مُبْطِلٌ كَحَدِيثِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ فَيُعْذَرُ وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِخُرُوجِهِ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ وَقَيَّدَهُ أَيْضًا بِمَا إذَا نَذَرَ أَوْ نَوَى أَيَّامًا تَأْخُذُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَأَمَّا
وُجُوبًا.
وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الْخُرُوجِ وَالْبُطْلَانِ وَالْقَضَاءِ قَوْلُهُ:
(كَمَرَضِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ) : دَنِيَّةً، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لِبِرِّهِ بِعِيَادَتِهِ (أَوْ جِنَازَتِهِ) أَيْ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، (وَالْآخَرُ) مِنْهُمَا (حَيٌّ) فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لَهَا جَبْرًا لِلْحَيِّ مِنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الثَّانِي حَيًّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ، وَالْوَاوُ فِي كَلَامِهِ لِلْحَالِ.
[حاشية الصاوي]
لَوْ نَذَرَ أَيَّامًا لَا تَأْخُذُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ فَمَرِضَ فِيهَا بَعْدَ أَنْ شَرَعَ، ثُمَّ خَرَجَ ثُمَّ رَجَعَ يُتِمُّ وَصَادَفَ الْجُمُعَةَ، قَالَ فَلَا خَوْفَ، أَنَّ هَذَا يَخْرُجُ إلَيْهَا وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، وَلَكِنْ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ هَذَا التَّفْصِيلُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَمِثْلُهُ لِابْنِ عَرَفَةَ.
وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ مَنْ اعْتَكَفَ فِي غَيْرِ الْجَامِعِ، وَهُوَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَهُوَ فِي مُعْتَكَفِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لَهَا وَقْتَ وُجُوبِ السَّعْيِ لَهَا، وَفِي بُطْلَانِ اعْتِكَافِهِ بِذَلِكَ الْخُرُوجِ وَعَدَمِ بُطْلَانِهِ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: الْبُطْلَانُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَعَدَمُهُ مُطْلَقًا وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْجَهْمِ عَنْ مَالِكٍ، وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي حَاشِيهِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ (بْن) .
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: " خَرَجَ " أَنَّهُ إنْ ارْتَكَبَ النَّهْيَ وَلَمْ يَخْرُجْ لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الظَّاهِرِ إذَا لَمْ يَرْتَكِبْ كَبِيرَةً، وَإِنَّمَا ارْتَكَبَ صَغِيرَةً لِأَنَّ تَرْكَ الْجُمُعَةِ لَا يَكُونُ كَبِيرَةً إلَّا إذَا كَانَ ثَلَاثًا مُتَوَالِيَةً، فَإِذَا حَصَلَ التَّرْكُ فِي ثَلَاثٍ جَرَى - عَلَى الْخِلَافِ فِي الْكَبَائِر - هَلْ تُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [كَمَرَضِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ] : أَيْ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: [دَنِيَّةً] : خَرَجَ الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ فَلَا يَجِبُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمُعْتَكَفِ لِعِيَادَتِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ جَرَى فِي اعْتِكَافِهِ التَّأْوِيلَانِ فِي الْبُطْلَانِ بِالْكَبَائِرِ، لِأَنَّ الْعُقُوقَ مِنْ جُمْلَتِهَا، وَحَيْثُ وَجَبَ الْخُرُوجُ لِعِيَادَةِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ فَأَحْرَى عِيَادَتُهُمَا مَعًا.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الثَّانِي حَيًّا لَمْ يَجِبْ] : بَلْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ خِلَافًا لِلْجُزُولِيِّ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ خُرُوجِهِ لِجِنَازَتِهِمَا، كَمَا يَجِبُ خُرُوجُهُ لِعِيَادَتِهِمَا وَقَيَّدَ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ بِمَا إذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ التَّجْهِيزُ عَلَى خُرُوجِهِ، وَإِلَّا وَجَبَ اتِّفَاقًا وَبَطَلَ اعْتِكَافُهُ.
قَوْلُهُ: [وَالْوَاوُ فِي كَلَامِهِ لِلْحَالِ] : أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْجِنَازَةِ لِأَنَّ عَدَمَ الْخُرُوجِ
(وَكَخُرُوجِهِ) : عَطْفٌ عَلَى كَمَرَضٍ إلَّا أَنَّ التَّشْبِيهَ فِيهِ فِي الْبُطْلَانِ، وَالْقَضَاءِ فَقَطْ دُونَ وُجُوبِ الْخُرُوجِ أَيْ أَنَّ خُرُوجَ الْمُعْتَكِفِ مِنْ الْمَسْجِدِ (لِغَيْرِ ضَرُورَتِهِ) مُبْطِلٌ لِاعْتِكَافِهِ، بِخِلَافِ خُرُوجِهِ لِضَرُورَتِهِ مِنْ اشْتِرَاءِ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ، أَوْ لِطَهَارَةٍ أَوْ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ.
(أَوْ تَعَمُّدِ فِطْرٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ، فَإِنَّهُ مُبْطِلٌ لِلِاعْتِكَافِ، بِخِلَافِ السَّهْوِ وَالْإِكْرَاهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا نَهَارًا.
(أَوْ) تَعَمُّدِ شُرْبِ (مُسْكِرٍ لَيْلًا) فَأَوْلَى نَهَارًا وَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهُ.
(وَ) بَطَلَ (بِوَطْءٍ وَقُبْلَةٍ بِشَهْوَةٍ) لَيْلًا، (وَلَمْسٍ) كَذَلِكَ
(وَإِنْ) وَقَعَ مَا ذُكِرَ (لِحَائِضٍ مُعْتَكِفَةٍ) ، وَخَرَجَتْ مِنْ الْمَسْجِدِ لِنَذْرِهَا فَوَقَعَ مِنْهَا ذَلِكَ (سَهْوًا)
[حاشية الصاوي]
مَظِنَّةُ الْعُقُوقِ لِلْحَيِّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ انْتَقَلَا جَمِيعًا لِلدَّارِ الْآخِرَةِ فَيَرْضَيَانِ بِطَاعَتِهِ لِرَبِّهِ عَلَى أَيِّ حَالٍ لِزَوَالِ الْحُظُوظِ النَّفْسَانِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ خُرُوجِهِ لِضَرُورَاتِهِ] : أَيْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ وَإِلَّا بَطَلَ.
قَوْلُهُ: [مُسْكِرٍ] : مِثْلُهُ كُلُّ مُغَيِّبٍ كَالْحَشِيشَةِ حَيْثُ غَيَّبَتْ عَقْلَهُ، وَمَفْهُومُ تَعَمُّدِ إنْ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ الْمُسْكِرَ فَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ، بَلْ يَجْرِي عَلَى تَفْصِيلِ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي الصَّوْمِ.
1 -
تَنْبِيهٌ:
اُخْتُلِفَ فِي فِعْلِهِ الْكَبَائِرَ غَيْرَ الْمُسْكِرِ كَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ وَالْعُقُوقِ، فَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِذَلِكَ وَقِيلَ لَا يَبْطُلُ.
قَوْلُهُ: [وَبَطَلَ بِوَطْءٍ] : أَيْ فَإِنْ وَطِئَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَاسْتَأْنَفَهُ مِنْ أَوَّلِهِ، وَيَفْسُدُ عَلَى الْمَوْطُوءِ وَلَوْ نَائِمًا، وَالْوَطْءُ الْمَذْكُورُ مُفْسِدٌ وَإِنْ لِغَيْرِ مُطِيقَةٍ، لِأَنَّ أَدْنَاهُ أَنْ يَكُونَ كَلَمْسِ الشَّهْوَةِ، بِخِلَافِ الِاحْتِلَامِ وَمَحَلُّ اشْتِرَاطِ الشَّهْوَةِ فِي اللَّمْسِ فِي غَيْرِ الْقُبْلَةِ فِي الْفَمِ، وَأَمَّا هِيَ فَلَا يُشْتَرَطُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَاللَّمْسُ هُنَا يَجْرِي عَلَى الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ وَقَعَ مَا ذُكِرَ لِحَائِضٍ] : حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُعْتَكِفَةَ إذَا حَاضَتْ وَخَرَجَتْ وَعَلَيْهَا حُرْمَةُ الِاعْتِكَافِ، فَحَصَلَ مِنْهَا مَا ذُكِرَ نَاسِيَةً لِاعْتِكَافِهَا فَإِنَّهُ يَبْطُلُ، وَتَسْتَأْنِفُهُ مِنْ أَوَّلِهِ، وَمِثْلُ الْحَائِضِ غَيْرُهَا مِنْ بَقِيَّةِ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ الْمَانِعَةِ مِنْ الصَّوْمِ