حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالكصفحات 148-188
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(وَ) لَا حَوْزُ (مُرْتَهِنٍ) : بِالْكَسْرِ.
فَإِذَا وَهَبَ رَبُّ الرَّهْنِ مَا رَهَنَهُ لِغَيْرِ الْمُرْتَهِنِ فَلَا يَكُونُ حَوْزُ الْمُرْتَهِنِ حَوْزًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ.
فَإِذَا مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ رَجَعَ الرَّهْنُ لِلْوَارِثِ إنْ شَاءَ افْتَكَّهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الدَّيْنِ.

(وَ) لَا يَصِحُّ حَوْزُ (مُسْتَأْجِرٍ) : بِالْكَسْرِ: أَيْ أَنَّ مَنْ أَجَّرَ شَيْئًا لِشَخْصٍ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ وَهَبَهُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ حَوْزُ الْمُسْتَأْجِرِ حَوْزًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (إلَّا أَنْ يَهَبَ) الْوَاهِبُ (الْأُجْرَةَ) أَيْضًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (قَبْلَ قَبْضِهَا) مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ حَوْزُ الْمُسْتَأْجِرِ حَوْزًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، لِجَوَلَانِ يَدِهِ فِي الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ بِقَبْضِ أُجْرَتِهِ بِخِلَافِ هِبَتِهَا بَعْدَ قَبْضِهَا فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ لِأَنَّهَا صَارَتْ مَالًا مُسْتَقِلًّا مِنْ مَالِهِ.

(وَ) لَا يَصِحُّ حَوْزُ الْمَوْهُوبِ لَهُ السَّابِقُ (إذَا رَجَعَتْ) الْهِبَةُ (لِوَاهِبِهَا بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ الْحَوْزِ (قَبْلَ سَنَةٍ) : وَهُوَ مُرَادُ الشَّيْخِ بِالْقُرْبِ (بِإِيجَارٍ) مُتَعَلِّقٌ بِ " رَجَعَتْ " أَيْ: رَجَعَتْ لِوَاهِبِهَا بِسَبَبِ إيجَارٍ لَهَا مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ (أَوْ إرْفَاقٍ) : كَإِعَارَةٍ أَوْ إخْدَامٍ أَوْ عُمْرَى فَمَاتَ الْوَاهِبُ وَهِيَ تَحْتَ يَدِهِ؛ فَيَبْطُلُ الْحَوْزُ الْأَوَّلُ،

[حاشية الصاوي]

لِأَنَّ الْخَرَشِيَّ قَالَ نَقْلًا عَنْ الْمُدَوَّنَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّ الْغَاصِبَ لَمْ يَقْبِضْ لِلْمَوْهُوبِ وَلَا أَمَرَهُ الْوَاهِبُ بِذَلِكَ ثُمَّ قَالَ قَوْلُهُ وَلَا أَمَرَهُ إلَخْ.

قَوْلُهُ: [وَلَا حَوْزُ مُرْتَهِنٍ] إلَخْ: إنْ قُلْت الْمُرْتَهِنُ قَادِرٌ عَلَى رَدِّ الرَّهْنِ وَإِبْقَاءِ دَيْنِهِ بِلَا رَهْنٍ فَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَنَّ حَوْزَهُ يَكْفِي.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى رَدِّ الرَّهْنِ كَمَا أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ قَادِرٌ عَلَى رَدِّ الْعَارِيَّةِ إلَّا أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إنَّمَا قَبَضَ لِلتَّوَثُّقِ لِنَفْسِهِ.
بِخِلَافِ الْمُسْتَعِيرِ فَإِنَّهُ وَإِنْ قَبَضَ لِنَفْسِهِ لَكِنْ لَا لِتَوَثُّقٍ هَكَذَا أَجَابَ مُحَشِّي الْأَصْلِ.

قَوْلُهُ: [وَلَا يَصِحُّ حَوْزُ مُسْتَأْجِرٍ] : قَالَ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ أَنَّ الْإِجَارَةَ فِي نَظِيرِ مُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ فَهِيَ لَازِمَةٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا.
بِخِلَافِ الْعَارِيَّةِ فَلَيْسَتْ لَازِمَةً لِلْمُسْتَعِيرِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا فَلِذَا كَانَ حَوْزُهُ حَوْزًا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَأَيْضًا يَدُ الْمُؤَجِّرِ جَائِلَةٌ فِي الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ بِقَبْضِ أُجْرَتِهِ، وَلِذَا لَوْ وَهَبَ الْأُجْرَةَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ قَبْلَ قَبْضِهَا مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ صَحَّ حَوْزُ الْمُسْتَأْجِرِ لِعَدَمِ جَوَلَانِ يَدِ الْوَاهِبِ (اهـ) .

قَوْلُهُ: [وَلَا يَصِحُّ حَوْزُ الْمَوْهُوبِ لَهُ السَّابِقُ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ لِلْهِبَةِ غَلَّةٌ أَمْ لَا وَهُوَ الصَّوَابُ، وَتَقْيِيدُ الْمَوَّاقِ لَهُ بِمَا إذَا كَانَ لَهُ غَلَّةٌ رَدَّهُ (ر) كَمَا يُفِيدُهُ (بْن) .

بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ مَانِعٌ فَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَخْذُهَا مِنْهُ بَعْدَ الْإِرْفَاقِ قَهْرًا عَنْهُ لِيَتِمَّ الْحَوْزُ الْأَوَّلُ.
وَمَفْهُومُ " قَبْلَ سَنَةٍ " أَنَّهَا لَوْ رَجَعَتْ لَهُ بَعْدَ سَنَةٍ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ فِي الْحَوْزِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: " بِإِيجَارٍ " أَوْ إرْفَاقٍ: أَنَّهُ لَوْ رَجَعَتْ لَهُ بِغَصْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ أَيْضًا، وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ: " بِخِلَافِ سَنَةٍ أَوْ رَجَعَ مُخْتَفِيًا أَوْ ضَيْفًا فَمَاتَ ". (وَ) صَحَّ (حَوْزُ وَاهِبٍ) شَيْئًا وَهَبَهُ (لِمَحْجُورِهِ) مِنْ، صَغِيرٍ أَوْ سَفِيهٍ أَوْ مَجْنُونٍ كَانَ وَلِيُّهُ الْوَاهِبُ أَبًا أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَحُوزُ لَهُ.

وَهَذَا (إنْ أَشْهَدَ) الْوَاهِبُ لِمَحْجُورِهِ أَنَّهُ وَهَبَهُ كَذَا، فَالْإِشْهَادُ قَائِمٌ مَقَامَ الْحَوْزِ فِي غَيْرِ الْمَحْجُورِ.
فَهَذَا الْقَيْدُ لَا بُدَّ مِنْهُ.
وَلَا يُشْتَرَطُ مُعَايَنَةُ الْمَحْجُورِ لَهَا وَلَا صَرْفُ الْغَلَّةِ لَهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ صَرْفِ الْغَلَّةِ فِي مَصَالِحِهِ كَمَا فِي الْوَقْفِ فَإِنْ صَرَفَهَا الْوَلِيُّ عَلَى نَفْسِهِ بَطَلَتْ وَرُجِّحَ، وَبَعْضُهُمْ رَجَّحَ الْأَوَّلَ.
(إلَّا) إذَا وَهَبَ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَنَّهُ لَا يَضُرُّ فِي الْحَوْزِ الْأَوَّلِ] : مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ الضَّرَرِ فِي رُجُوعِهَا بَعْدَ سَنَةٍ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ لِغَيْرِ مَحْجُورِهِ وَأَمَّا لِمَحْجُورِهِ فَتَبْطُلُ بِرُجُوعِهَا لِلْوَاهِبِ مُطْلَقًا كَمَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَطَرِيقَةُ غَيْرِهِ أَنَّ الْمَحْجُورَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ فِي عَدَمِ الْبُطْلَانِ فِي الرُّجُوعِ بَعْدَ عَامٍ وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَوَّلَ الْمُتَيْطِيُّ وَبِهَا أَفْتَى ابْنُ لُبٍّ وَجَرَى الْعَمَلُ اُنْظُرْ الْمَوَّاقَ (اهـ بْن) ، وَمِثْلُ الْهِبَةِ الصَّدَقَةُ فِي التَّفْصِيلِ فِي رُجُوعِهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ لِلرَّاهِنِ وَلَوْ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ حَوْزِهِ، وَأَمَّا الْوَقْفُ إنْ كَانَ لَهُ غَلَّةٌ فَكَالْهِبَةِ فِي التَّفْصِيلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَلَّةٌ كَالْكُتُبِ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ وَقْفُ مَا عَادَ لَهُ بَعْدَ صَرْفِهِ وَقَدْ مَرَّ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: [وَلَا يُشْتَرَطُ مُعَايَنَةُ الْمَحْجُورِ لَهَا] : أَيْ لِلْحِيَازَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ الْحَوْزِ وَلَا يُشْتَرَطُ مُعَايَنَةُ الشُّهُودِ لَهَا أَيْضًا.
فَمَتَى قَالَ الْوَلِيُّ لِلشُّهُودِ اشْهَدُوا أَنِّي وَهَبْت الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ لِمَحْجُورِي كَفَى سَوَاءٌ أُحْضِرَ لَهُمْ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [وَرَجَّحَ] : الْمُرَجِّحُ لَهُ ابْنُ سَلْمُونٍ.
وَقَوْلُهُ: [وَبَعْضُهُمْ رَجَّحَ الْأَوَّلَ] : أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ الْوَقْفِ حَيْثُ اُشْتُرِطَ فِي الْوَقْفِ صَرْفُ الْغَلَّةِ قَوْلًا وَاحِدًا أَنَّ الْوَقْفَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ، وَالْخَارِجُ عَنْ مِلْكِهِ إنَّمَا هُوَ الْغَلَّةُ فَلِذَلِكَ اُشْتُرِطَ صَرْفُهَا قَوْلًا وَاحِدًا.

لِمَحْجُورِهِ (مَالًا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ) : كَالدَّرَاهِمِ وَسَائِرِ الْمِثْلِيَّاتِ مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَعْدُودٍ أَوْ مَوْزُونٍ وَنَحْوِ جَوَاهِرَ، فَلَا تَصِحُّ حِيَازَتُهُ لِمَحْجُورِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهِ عَنْ حَوْزِهِ قَبْلَ الْمَانِعِ وَإِلَّا بَطَلَتْ وَرَجَعَتْ مِيرَاثًا، وَلَوْ خَتَمَ عَلَيْهَا مَعَ بَقَائِهَا عِنْدَهُ وَلَا يَكْفِي فِيهِ الْإِشْهَادُ كَمَا فِي الَّذِي يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَأَنَّهُ مَعَ الْإِشْهَادِ خَرَجَ مِنْ يَدِهِ بِخِلَافِ مَا لَا يُعْرَفُ.

(أَوْ) إلَّا إذَا وَهَبَ لِمَحْجُورِهِ (دَارَ سُكْنَاهُ) : فَلَا تَصِحُّ حِيَازَتُهَا لِمَحْجُورِهِ؛ وَتَبْطُلُ إذَا اسْتَمَرَّ سَاكِنًا بِهَا حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ.
وَيَكْفِي إخْلَاؤُهَا مِنْ شَوَاغِلِهِ وَمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ لِذَلِكَ؛ وَلَوْ بَقِيَتْ بَعْدُ تَحْتَ يَدِهِ، كَمَا فِي النَّقْلِ.
بِخِلَافِ مَا لَا يُعْرَفُ فَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهِ عَنْ يَدِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (إلَّا أَنْ يَسْكُنَ) الْوَاهِبُ (أَقَلَّهَا، وَيُكْرِي لَهُ الْأَكْثَرَ) فَتَصِحُّ الْهِبَةُ فِي الْجَمِيعِ، وَتَكُونُ كُلُّهَا لِلْمَحْجُورِ بَعْدَ الْمَانِعِ؛ لِأَنَّ الْأَقَلَّ تَابِعٌ لِلْأَكْثَرِ.
مِثْلُ دَارِ السُّكْنَى غَيْرِهَا كَالثِّيَابِ يَلْبَسُهَا، وَالدَّوَابِّ تُرْكَبُ وَكَذَا مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ

[حاشية الصاوي]

وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا وَهَبَ لِمَحْجُورِهِ فَإِنَّهُ يَحُوزُ لَهُ إلَى أَنْ يَبْلُغَ رَشِيدًا فَإِذَا بَلَغَ رَشِيدًا حَازَ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَحُزْ لِنَفْسِهِ بَعْدَ الرُّشْدِ وَحَصَلَ مَانِعٌ لِلْوَاهِبِ بَطَلَتْ، فَإِنْ جَهِلَ الْحَالَ وَلَمْ يَدْرِ هَلْ بَلَغَ رَشِيدًا أَوْ سَفِيهًا وَالْحَالُ أَنَّ الْوَاهِبَ حَصَلَ مَانِعٌ وَالشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ تَحْتَ يَدِهِ فَقَوْلَانِ الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا حَمْلُهُ عَلَى السَّفَهِ وَحِينَئِذٍ فَتَصِحُّ الْهِبَةُ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الرُّشْدَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهِ عَنْ حَوْزِهِ] : أَيْ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْهِبَةِ مِنْ إخْرَاجِهِ عِنْدَ أَجْنَبِيٍّ قَبْلَ الْمَانِعِ، سَوَاءٌ أَخْرَجَهُ غَيْرَ مَخْتُومٍ عَلَيْهِ أَوْ مَخْتُومًا عَلَيْهِ.
خِلَافًا لِظَاهِرِ (عب) مِنْ أَنَّهُ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ الْخَتْمِ.

وَقَوْلُهُ: [وَيَكْفِي إخْلَاؤُهَا مِنْ شَوَاغِلِهِ] : حَاصِلُهُ أَنَّ دَارَ السُّكْنَى لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ إخْلَاءِ الْوَلِيِّ لَهَا مِنْ شَوَاغِلِهِ وَمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ لِتَخْلِيَتِهَا، سَوَاءٌ أَكْرَاهَا أَوْ لَا، وَمِثْلُهَا لَوْ وَهَبَهُ شَيْئًا مِنْ مَلْبُوسِهِ.
وَأَمَّا غَيْرُ دَارِ السُّكْنَى وَالْمَلْبُوسِ مِنْ كُلِّ مَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ فَيَكْفِي الْإِشْهَادُ بِالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَإِنْ لَمْ تُعَايِنْ الْبَيِّنَةُ الْحِيَازَةَ فَالْإِشْهَادُ يُغْنِي عَنْهَا.
وَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ خَاصٌّ بِدَارِ السُّكْنَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ جَارٍ فِي هِبَةِ الدَّارِ مُطْلَقًا كَمَا فِي (بْن) .

إذَا أَخْرَجَ بَعْضَهُ؛ وَأَبْقَى الْبَعْضَ بِيَدِهِ، فَالْأَقَلُّ تَابِعٌ لِلْأَكْثَرِ، وَإِنْ سَكَنَ النِّصْفَ بَطَلَ النِّصْفُ الَّذِي سَكَنَ (فَقَطْ) وَصَحَّ مَا لَمْ يَسْكُنْ (وَ) إنْ سَكَنَ (الْأَكْثَرَ) ، وَأَكْرَى الْأَقَلَّ (بَطَلَ الْجَمِيعُ) : لِأَنَّ الْأَقَلَّ تَابِعٌ لِلْأَكْثَرِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِثْلَ الدَّارِ غَيْرُهَا؛ فَتَحَصَّلَ أَنَّ حِيَازَةَ الْوَلِيِّ لِمَا وَهَبَهُ لِمَحْجُورِهِ صَحِيحَةٌ، إلَّا فِيمَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَإِلَّا فِي دَارِ سُكْنَاهُ، مَا لَمْ يَتَخَلَّ عَنْ الْأَكْثَرِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْجَمِيعُ.
وَإِنْ اسْتَعْمَلَ النِّصْفَ بَطَلَ فَقَطْ.
وَإِنْ اسْتَعْمَلَ الْأَكْثَرَ بَطَلَ الْجَمِيعُ حَتَّى فِيمَا تَصِحُّ لَهُ حِيَازَتُهُ، وَإِلَّا خَرَجَ عَنْ الْيَدِ فِيمَا لَا يُعْرَفُ، كَالِاسْتِعْمَالِ فِي غَيْرِهِ فَتَدَبَّرْ فِي ذَلِكَ.
قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: فَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ الَّتِي سَكَنَ تَبَعًا لِمَا لَمْ يَسْكُنْ، وَالثِّيَابُ الَّذِي لَبِسَ تَبَعًا لِمَا لَمْ يَلْبَسْ، وَالنَّاضُّ الَّذِي لَمْ يُخْرِجْهُ تَبَعًا لِمَا أَخْرَجَ مِنْ يَدِهِ وَحَازَهُ الْغَيْرُ، جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ (انْتَهَى) .

(وَجَازَ لِلْأَبِ) فَقَطْ لَا الْجَدِّ (اعْتِصَارُهَا) : أَيْ الْهِبَةِ أَيْ أَخْذُهَا (مِنْ وَلَدِهِ) قَهْرًا عَنْهُ بِلَا عِوَضٍ (مُطْلَقًا) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، فَقِيرًا أَوْ غَنِيًّا، سَفِيهًا أَوْ رَشِيدًا، حَازَهَا الْوَلَدُ أَوْ لَا.
وَالْحَقُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الِاعْتِصَارَ يَكُونُ بِكُلِّ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَالْأَقَلُّ تَابِعٌ لِلْأَكْثَرِ] : أَيْ فَيُقَالُ إذَا كَانَ الْبَعْضُ الَّذِي خَرَجَ هُوَ الْأَكْثَرُ صَحَّتْ كُلُّهَا وَإِلَّا بَطَلَتْ كُلُّهَا.
تَنْبِيهٌ: تَصِحُّ هِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ مَتَاعًا مُعَيَّنًا وَإِنْ لَمْ تُرْفَعْ يَدُ الْوَاهِبِ عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ حَيْثُ حَصَلَ الْإِشْهَادُ فِي غَيْرِ دَارِ السُّكْنَى، وَأَمَّا دَارُ السُّكْنَى فَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ الزَّوْجَةَ لِزَوْجِهَا صَحَّ وَكَفَى الْإِشْهَادُ وَوَضْعُ يَدِ الزَّوْجَةِ لَا يَضُرُّ لِأَنَّ السُّكْنَى لِلرَّجُلِ وَهِيَ تَبَعٌ لَهُ.
بِخِلَافِ الْعَكْسِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ خَلِيلٍ وَشُرَّاحِهِ.
قَوْلُهُ: [صَحِيحَةٌ] : أَيْ مَعَ الْإِشْهَادِ.
قَوْلُهُ: [كَالِاسْتِعْمَالِ] إلَخْ: أَيْ فَيَجْرِي فِيهِ التَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ.
وَقَوْلُهُ: [قَالَ الْمُتَيْطِيُّ] إلَخْ: تَوْضِيحٌ لَهُ.
قَوْلُهُ: [الَّذِي] : حَقُّهُ الَّتِي وَقَدْ يُقَالُ ذُكِرَ بِاعْتِبَارِ الْمَلْبُوسِ.
قَوْلُهُ: [وَالنَّاضُّ] : مُرَادُهُ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ، وَإِنْ كَانَ النَّاضُّ فِي الْأَصْلِ مَعْنَاهُ النَّقْدُ.

[اعْتِصَارُ الْهِبَةِ]

قَوْلُهُ: [عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ] : أَيْ كَمَا نَقَلَ (بْن) عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ رُشْدٍ وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ

لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى اسْتِرْجَاعِ الْهِبَةِ مِنْ وَلَدِهِ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ اعْتِصَارٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(كَأُمٍّ) يَجُوزُ لَهَا الِاعْتِصَارُ لَكِنْ إذَا (وَهَبَتْ) صَغِيرًا (ذَا أَبٍ) فَأَوْلَى الْكَبِيرُ، لَا يَتِيمًا فَلَيْسَ لَهَا الِاعْتِصَارُ مِنْهُ.
وَمَحَلُّ كَوْنِهَا لَهَا الِاعْتِصَارُ مِنْ ذِي الْأَبِ: (مَا لَمْ يَتَيَتَّمْ) بَعْدَ الْهِبَةِ، فَإِنْ تَيَتَّمَ فَلَيْسَ لَهَا الِاعْتِصَارُ مِنْهُ، لِأَنَّ يُتْمَهُ مُفَوِّتٌ لِلِاعْتِصَارِ عَلَى الْمَذْهَبِ، خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأُمَّ لَهَا اعْتِصَارُ مَا وَهَبَتْهُ لِوَلَدِهَا غَيْرِ الْيَتِيمِ لَا مَنْ تَيَتَّمَ وَلَوْ بَعْدَ الْهِبَةِ.
(إلَّا فِيمَا) وُهِبَ لِلْوَلَدِ وَ (أُرِيدَ بِهِ الْآخِرَةُ) : أَيْ ثَوَابُهَا لَا مُجَرَّدُ ذَاتِ الْوَلَدِ، فَلَا اعْتِصَارَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ حِينَئِذٍ كَالصَّدَقَةِ وَكَذَا إذَا أُرِيدَ بِهَا الصِّلَةُ وَالْحَنَانُ.
(كَصَدَقَةٍ) عَلَى وَلَدٍ فَلَا اعْتِصَارَ فِيهَا (مَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ) : أَيْ اعْتِصَارُ

[حاشية الصاوي]

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَهَبَ هِبَةً ثُمَّ يَعُودَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدَ» ، مَا يَدُلُّ عَلَى شَرْطِ لَفْظِ الِاعْتِصَارِ.
    قَوْلُهُ: [لَكِنْ إذَا وَهَبَتْ صَغِيرًا ذَا أَبٍ] : أَيْ فَمَحَلُّ جَوَازِ اعْتِصَارِ الْأُمِّ مِنْ الصَّغِيرِ بِشَرْطَيْنِ إذَا كَانَ ذَا أَبٍ حِينَ الْهِبَةِ وَلَمْ يَتَيَتَّمْ حِينَ إرَادَةِ الِاعْتِصَارِ، وَأَمَّا الْكَبِيرُ الْبَالِغُ فَلَهَا الِاعْتِصَارُ مُطْلَقًا كَانَ ذَا أَبٍ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَيَتَّمُ لِفَقْدِ أَبِيهِ وَلَوْ جُنَّ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ بَعْدَ الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ هَلْ لِوَلِيِّهِ الِاعْتِصَارُ أَمْ لَا قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ وَلِيَّهُ بِمَنْزِلَتِهِ.
    قَوْلُهُ: [فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأُمَّ] إلَخْ: حَاصِلُ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْأُمَّ إذَا وَهَبَتْ لِوَلَدِهَا فَإِنْ كَانَ وَقْتَ الْهِبَةِ كَبِيرًا كَانَ لَهَا الِاعْتِصَارُ كَانَ لِلْوَلَدِ أَبٌ أَمْ لَا، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا كَانَ لَهَا الِاعْتِصَارُ إنْ كَانَ لَهُ أَبٌ، عَاقِلًا كَانَ الْأَبُ أَوْ مَجْنُونًا مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا فَإِنْ تَيَتَّمَ الصَّغِيرُ بَعْدَ الْهِبَةِ فَهَلْ لَهَا الِاعْتِصَارُ نَظَرًا إلَى حَالَةِ وَقْتِ الْهِبَةِ وَلَيْسَ لَهَا الِاعْتِصَارُ نَظَرًا لِلْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ قَوْلَانِ الْمُعْتَمَدُ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ الصَّغِيرُ حِينَ الْهِبَةِ يَتِيمًا فَلَيْسَ لَهَا الِاعْتِصَارُ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَوْ بَعْدَ بُلُوغِهِ.
    قَوْلُهُ: [وَكَذَا إذَا أُرِيدَ بِهَا الصِّلَةُ وَالْحَنَانُ] : أَيْ فَإِرَادَةُ الصِّلَةِ وَالْحَنَانِ مِنْ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ تَمْنَعُ مِنْ الِاعْتِصَارِ، وَأَمَّا الْإِشْهَادُ عَلَى الْهِبَةِ فَلَا يَكُونُ مَانِعًا مِنْ اعْتِصَارِهَا خِلَافًا لِمَا فِي الْخَرَشِيِّ وَ (عب) قَالَ (بْن) وَانْظُرْ مِنْ أَيْنَ إتْيَانُهُ.
    قَوْلُهُ: [كَصَدَقَةٍ] : فِيهِ أَنَّ مَا أُرِيدَ بِهِ ثَوَابُ الْآخِرَةِ صَدَقَةٌ فَفِي كَلَامِهِ تَشْبِيهُ

الصَّدَقَةِ أَوْ الصِّلَةِ.
فَإِنْ اشْتَرَطَهُ فَلَهُ ذَلِكَ.

ثُمَّ ذَكَرَ مَوَانِعَ الِاعْتِصَارِ بِقَوْلِهِ: (إنْ لَمْ تَفُتْ) الْهِبَةُ عِنْدَ الْوَلَدِ، فَإِنْ فَاتَتْ - (لَا بِحَوَالَةِ سُوقٍ) - بَلْ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ فِي ذَاتِهَا، فَلَا اعْتِصَارَ.
وَأَمَّا حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ بِغُلُوٍّ أَوْ رُخْصٍ فَلَا تَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: تَغْيِيرُ الْأَسْوَاقِ لَغْوٌ (وَلَمْ يُنْكَحْ) الْوَلَدُ (أَوْ يُدَايَنْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِمَا فَهُوَ بِضَمِّ يَاءِ الْمُضَارَعَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ (لَهَا) : أَيْ لِأَجْلِهَا؛ قَيَّدَ فِيهِمَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَالْمُرَادُ بِالْإِنْكَاحِ الْعَقْدُ، فَمَتَى عَقَدَ لِذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى لِأَجْلِ يُسْرِهَا بِالْهِبَةِ، أَوْ أَعْطَى دَيْنًا، أَوْ اشْتَرَيَا شَيْئًا فِي ذِمَّتِهِمَا لِذَلِكَ، فَلَا اعْتِصَارَ، لَا لِمُجَرَّدِ ذَاتِهِمَا أَوْ لِأَمْرٍ غَيْرِ الْهِبَةِ.
فَلِلْوَالِدِ الِاعْتِصَارُ عَلَى الْمَذْهَبِ.

[حاشية الصاوي]

الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ شَبَّهَ الصَّدَقَةَ الَّتِي وَقَعَتْ بِلَفْظِهَا بِالصَّدَقَةِ الْوَاقِعَةِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ اشْتَرَطَهُ فَلَهُ ذَلِكَ] : فَإِنْ قُلْت سُنَّةُ الصَّدَقَةِ عَدَمُ الرُّجُوعِ فِيهَا فَكَانَ مُقْتَضَاهُ عَدَمَ الْعَمَلِ بِالشَّرْطِ.
يُقَالُ وَسُنَّةُ الْحُبْسِ عَدَمُ الرُّجُوعِ فِيهِ، وَإِذَا اشْتَرَطَ الْمُحْبِسُ فِي نَفْسِ الْحُبْسِ بَيْعَهُ كَانَ لَهُ شَرْطُهُ.

[مَوَانِعَ اعْتِصَار الْهِبَةِ]

قَوْلُهُ: [بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ] : كَمَا إذَا كَبِرَ الصَّغِيرُ أَوْ سَمِنَ الْهَزِيلُ أَوْ هَزِلَ الْكَبِيرُ وَمِنْ بَابِ أَوْلَى الْعِتْقُ أَوْ التَّدْبِيرُ.
قَوْلُهُ: [تَغْيِيرُ الْأَسْوَاقِ لَغْوٌ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ الْهِبَةَ وَزِيَادَةَ الْقِيمَةِ وَنَقْصَهَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهَا كَنَقْلِهَا مِنْ مَوْضِعٍ لِآخَرَ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ.
قَوْلُهُ: [قَيْدٌ فِيهِمَا] : أَيْ فِي الْمُدَايَنَةِ وَالْإِنْكَاحِ وَالتَّقْيِيدُ بِكَوْنِهِمَا لِأَجْلِهَا هُوَ الَّذِي فِي الْمُوَطَّإِ وَالرِّسَالَةِ وَسَمَاعِ عِيسَى.
قَوْلُهُ: [أَوْ أَعْطَى] أَيْ مَنْ ذُكِرَ وَحَقُّهُ الْأَلِفُ.
قَوْلُهُ: [لَا لِمُجَرَّدِ ذَاتِهِمَا] : أَيْ لَا إنْ كَانَ الْإِنْكَاحُ أَوْ الْمُدَايَنَةُ لِمُجَرَّدِ ذَاتِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.
وَقَوْلُهُ: [أَوْ لِأَمْرٍ غَيْرِ الْهِبَةِ] إلَخْ: تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ اعْتِصَارِ الْأَبَوَيْنِ قَصْدُ الْأَجْنَبِيِّ الْمُدَايَنَةَ أَوْ عَقْدَ النِّكَاحِ لِأَجْلِ يُسْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْهِبَةِ، وَأَمَّا قَصْدُ الْوَلَدِ وَحْدَهُ فَلَا يَمْنَعُ، وَقِيلَ يَكْفِي فِي مَنْعِ الِاعْتِصَارِ قَصْدُ الْوَلَدِ ذَلِكَ وَعَلَيْهِ فَضَبْطُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ.

(أَوْ بِمَرَضِ) الْوَلَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَلَا اعْتِصَارَ، لَتَعَلُّقِ حَقِّ وَرَثَتِهِ بِالْهِبَةِ.
(كَوَاهِبٍ) : أَيْ كَمَرَضِهِ الْمَخُوفِ؛ فَإِنَّهُ مَانِعٌ مِنْ الِاعْتِصَارِ؛ لِأَنَّ اعْتِصَارَهَا قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ (إلَّا أَنْ يَهَبَ) الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ (عَلَى هَذِهِ) : أَيْ عَلَى حَالَةٍ مِنْ هَذِهِ (الْأَحْوَالِ) كَأَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ مُتَزَوِّجًا أَوْ مَدِينًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ يَكُونَ الْوَالِدُ مَرِيضًا فَلَهُ الِاعْتِصَارُ.
(أَوْ يَزُولَ الْمَرَضُ) الْقَائِمُ بِالْوَاهِبِ أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَلَهُ الِاعْتِصَارُ بِخِلَافِ زَوَالِ النِّكَاحِ أَوْ الدَّيْنِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ الْمَرَضَ لَمْ يُعَامِلْهُ النَّاسُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَالدَّيْنِ (انْتَهَى) ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَنَّ زَوَالَ الْفَوَاتِ كَزَوَالِ الْمَرَضِ.

(وَكُرِهَ) لِمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ (تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ) تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى غَيْرِهِ (بِغَيْرِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ بِمَرَضِ الْوَلَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ] : أَيْ مَرَضًا مَخُوفًا.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَهَبَ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ عَلَى هَذِهِ] : اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ كَانَتْ الْهِبَةُ لِغَيْرِ مَدِينٍ وَمُتَزَوِّجٍ وَمَرِيضٍ بِخِلَافِ الْمُسْتَثْنَى.
قَوْلُهُ: [لَمْ يُعَامِلْهُ النَّاسُ عَلَيْهِ] : أَيْ بَلْ هُوَ أَمْرٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَإِذَا زَالَ عَادَ الِاعْتِصَارُ.
بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَالدَّيْنِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَمْرٌ عَامَلَهُ النَّاسُ بَعْدَ الْهِبَةِ عَلَيْهِ فَيَسْتَمِرُّونَ عَلَى الْمُعَامَلَةِ لِأَجْلِهِ لِانْفِتَاحِ بَابِهَا فَيَسْتَمِرُّ عَلَى عَدَمِ الِاعْتِصَارِ.
قَوْلُهُ: [كَزَوَالِ الْمَرَضِ] : أَيْ فِي كَوْنِهِ يُسَوِّغُ الِاعْتِصَارَ.

[تَمَلُّكُ الصَّدَقَة]

قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ لِمَنْ تَصَدَّقَ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا، وَهُوَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحِ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ وَجَمَاعَةٌ بِالتَّحْرِيمِ وَارْتَضَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِتَشْبِيهِهِ فِي الْحَدِيثِ بِأَقْبَحِ شَيْءٍ وَهُوَ عَوْدُ الْكَلْبِ فِي قَيْئِهِ.
لَمَّا «أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - شِرَاءَ فَرَسٍ تَصَدَّقَ بِهَا نَهَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: لَا تَشْتَرِهِ وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» ، وَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ إنَّهُ مَثَّلَ بِغَيْرِ مُكَلَّفٍ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُرْمَةٌ شَنَّعَ عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ إنَّ الْقَصْدَ مِنْ التَّشْبِيهِ الذَّمُّ وَزِيَادَةُ التَّنْفِيرِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الْحُرْمَةِ (اهـ بْن) وَلَا فَرْقَ فِي كَرَاهَةِ تَمَلُّكِ الصَّدَقَةِ بِالْوَجْهِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ كَوْنِهَا وَاجِبَةً كَالزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ أَوْ مَنْدُوبَةً وَلَوْ تَدَاوَلَتْهَا الْأَمْلَاكُ وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ الصَّدَقَةُ الْمُسَمَّاةُ بِالْعَارِيَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ، وَجَازَ لِمُعْرٍ وَقَائِمٍ مَقَامَهُ اشْتِرَاءُ ثَمَرَةٍ أَعْرَاهَا إلَخْ، وَالْعُمْرَى فَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ يَجُوزُ لِلْمُعْمِرِ أَوْ

إرْثٍ) : بَلْ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، وَأَمَّا تَمَلُّكُهَا بِالْإِرْثِ فَجَبْرِيٌّ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، وَأَمَّا الْهِبَةُ فَلَا كَرَاهَةَ فِي تَمَلُّكِهَا.
وَكَمَا يُكْرَهُ تَمَلُّكُ الذَّاتِ يُكْرَهُ تَمَلُّكُ الْمَنْفَعَةِ؛ أَيْ يُكْرَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَ) كُرِهَ (رُكُوبُهَا) : وَلَوْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى وَلَدِهِ، وَأَوْلَى الْحَرْثُ أَوْ الطَّحْنُ عَلَيْهَا.
(وَ) كُرِهَ (انْتِفَاعٌ) لِمُتَصَدِّقٍ بِهَا (بِغَلَّتِهَا) مِنْ ثَمَرَةٍ وَلَبَنٍ وَكِرَاءٍ.
وَيَشْمَلُ ذَلِكَ الْقِرَاءَةَ فِيهَا إنْ كَانَتْ كِتَابًا.
(وَيُنْفِقَ) : أَيْ يَجُوزُ لِوَلَدٍ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَالِدُهُ بِصَدَقَةٍ أَنْ يُنْفِقَ (عَلَى وَالِدٍ افْتَقَرَ) أَبًا كَانَ أَوْ أُمًّا (مِنْهَا) : أَيْ مِنْ الصَّدَقَةِ الَّتِي تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى وَلَدِهِ لِوُجُوبِ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْوَلَدِ حِينَئِذٍ.
(وَلَهُ) : أَيْ لِلْوَالِدِ الْمُتَصَدِّقِ عَلَى وَلَدِهِ بِعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ (تَقْوِيمُ جَارِيَةٍ أَوْ عَبْدٍ) تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ وَلِذَا قَالَ (لِمَحْجُورِهِ) الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ.
وَقَوْلُهُ: (لِلضَّرُورَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِ " جَازَ " الْمُقَدَّرِ أَيْ: أَنَّ مَحَلَّ الْجَوَازِ إنْ اقْتَضَتْ الضَّرُورَةُ ذَلِكَ؛ كَأَنْ تَعَلَّقَتْ نَفْسُهُ بِالْجَارِيَةِ أَوْ احْتَاجَ لِخِدْمَةِ الْعَبْدِ بِحَيْثُ إذَا لَمْ يُقَوِّمْهُ عَلَى نَفْسِهِ

[حاشية الصاوي]

وَرَثَتِهِ أَنْ يَبْتَاعُوا مِنْ الْمُعْمَرِ بِالْفَتْحِ مَا أُعْمِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ حَيَاةَ الْمُعْمِرِ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَعْرُوفِ إلَّا أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً فَيُمْنَعُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وَرَثَةِ الْمُعْمِرِ بِالْكَسْرِ أَنْ يَشْتَرِيَ قَدْرَ مِيرَاثِهِ مِنْهَا لَا أَكْثَرَ (اهـ) بِاخْتِصَارٍ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ أَيْضًا التَّصَدُّقُ بِالْمَاءِ عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْفُقَرَاءُ فَقَطْ، بَلْ هُمْ وَالْأَغْنِيَاءُ كَمَا لِبَعْضِ شُرَّاحِ الرِّسَالَةِ، وَفِي الْعَلَمِيِّ عَلَيْهَا مَنْ أَخْرَجَ كِسْرَةً لِسَائِلٍ فَلَمْ يَجِدْهُ فَلِابْنِ رُشْدٍ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا أَكَلَهَا مُخْرِجُهَا وَإِلَّا فَلَا، وَفِي النَّوَادِرِ إنْ أَخْرَجَهَا لَهُ فَلَمْ يَقْبَلْهَا فَلْيُعْطِهَا لِغَيْرِهِ وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ الَّذِي لَمْ يَجِدْهُ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الْهِبَةُ فَلَا كَرَاهَةَ] إلَخْ: أَيْ الَّتِي تُعْتَصَرُ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَكَمَا يُكْرَهُ تَمَلُّكُ الذَّاتِ يُكْرَهُ تَمَلُّكُ الْمَنْفَعَةِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا مَنْ تَصَدَّقَ بِغَلَّةِ الْحَيَوَانِ دُونَ ذَاتِهِ ثُمَّ بَاعَ الذَّاتَ فَلَهُ شِرَاءُ الذَّاتِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: [وَيُنْفِقُ] إلَخْ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا كَالْمُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَكُرِهَ تَمَلُّكُ صَدَقَةٍ.
قَوْلُهُ: [أَنْ يُنْفِقَ عَلَى وَالِدٍ افْتَقَرَ] إلَخْ: أَيْ وَكَذَا يُنْفِقُ عَلَى زَوْجَتِهِ مِنْ صَدَقَةٍ تَصَدَّقَتْ بِهَا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ غَنِيَّةً لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ لِلنِّكَاحِ لَا لِلْفَقْرِ.
قَوْلُهُ: [تَقْوِيمُ جَارِيَةٍ] إلَخْ: أَوْ شِرَاءُ مَا ذُكِرَ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ تَقْوِيمُهَا

لَتَعَدَّى عَلَيْهِ وَاسْتَخْدَمَهُ وَارْتَكَبَ الْحُرْمَةَ.
(وَيَسْتَقْصِي) فِي الْقِيمَةِ بِأَنْ يَأْخُذَهُ بِأَعْلَى الْقَيِّمِ، لَا بِدُونِ قِيمَةِ الْمِثْلِ.
وَاحْتُرِزَ بِالْمَحْجُورِ عَنْ الرَّشِيدِ.
فَلَيْسَ لِوَلَدِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَأَجْنَبِيٍّ وَمِثْلُ الصَّدَقَةِ الْهِبَةُ الَّتِي لَا تُعْتَصَرُ.

(وَجَازَ) لِلْوَاهِبِ (شَرْطُ الثَّوَابِ) عَلَى هِبَتِهِ: أَيْ الْعِوَضِ عَلَيْهَا.
وَتُسَمَّى هِبَةُ ثَوَابٍ، وَسَوَاءٌ عَيَّنَ الثَّوَابَ أَمْ لَا.
(وَلَزِمَ) الثَّوَابُ (بِتَعْيِينِهِ) إذَا قَبِلَ الْمَوْهُوبُ لَهُ؛ فَيَلْزَمُهُ دَفْعُ مَا عُيِّنَ كَمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ هَذَا الثَّوْبُ أَوْ الدَّابَّةُ وَالْمُرَادُ التَّعْيِينُ وَلَوْ بِالْوَصْفِ كَثَوْبٍ صِفَتُهُ كَذَا.

(وَصُدِّقَ الْوَاهِبُ) عِنْدَ التَّنَازُعِ (فِي قَصْدِهِ) : أَيْ الثَّوَابَ بِيَمِينٍ بَعْدَ الْقَبْضِ (إنْ لَمْ يَشْهَدْ عُرْفٌ بِضِدِّهِ) : أَيْ الثَّوَابِ، فَإِنْ شَهِدَ الْعُرْفُ بِضِدِّهِ

[حاشية الصاوي]

بِالْمَعْدُولِ، بَلْ الْمُرَادُ يَشْتَرِي مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ بِالسَّدَادِ كَمَا فِي (بْن) . قَوْلُهُ: [فَلَيْسَ لِوَلَدِهِ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ وَالْمُنَاسِبُ وَالِدُهُ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ كَأَجْنَبِيِّ] : أَيْ وَحَيْثُ كَانَ حُكْمُ الْأَجْنَبِيِّ فَالتَّصَرُّفُ فِي الْعَبْدِ أَوْ الْجَارِيَةِ لِذَلِكَ الرَّشِيدِ لَا لِأَبِيهِ فَلَهُ أَنْ يُوَاسِيَهُ بِهِمَا بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: [وَمِثْلُ الصَّدَقَةِ الْهِبَةُ] إلَخْ: أَيْ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ.

[الْهِبَة بِشَرْطِ]

قَوْلُهُ: [شَرْطُ الثَّوَابِ] : أَيْ اشْتِرَاطُهُ حَالَ كَوْنِ الِاشْتِرَاطِ مُقَارِنًا لِلَفْظِهَا قَوْلُهُ: [عُيِّنَ الثَّوَابُ أَمْ لَا] : أَيْ فَالتَّعْيِينُ غَيْرُ لَازِمٍ قِيَاسًا عَلَى نِكَاحِ التَّفْوِيضِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقِيلَ إنْ اشْتَرَطَ الْعِوَضِ فِي عَقْدِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: [بِتَعْيِينِهِ] : أَيْ بِتَعْيِينِ قَدْرِهِ وَنَوْعِهِ كَانَ التَّعْيِينُ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ الْوَاهِبِ وَيَرْضَى الْآخَرُ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إذَا عَيَّنَ الثَّوَابَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَرَضِيَ الْآخَرُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ دَفْعُهُ إذَا قَبِلَ الْهِبَةَ وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْ الثَّوَابِ بَعْدَ تَعْيِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْهِبَةَ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ.

قَوْلُهُ: [فِي قَصْدِهِ] : أَيْ لَا فِي شَرْطِهِ لِأَنَّهُ إذَا ادَّعَى الْوَاهِبُ اشْتِرَاطَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهِ وَلَا يُنْظَرُ لِعُرْفٍ وَلَا غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَشْهَدْ عُرْفٌ] : أَيْ إنْ انْتَفَتْ شَهَادَةُ الْعُرْفِ بِضِدِّهِ بِأَنْ شَهِدَ الْعُرْفُ لَهُ أَوْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ.

فَلَا يُصَدَّقُ.
وَأَمَّا التَّنَازُعُ قَبْلَ قَبْضِهَا، فَالْقَوْلُ لِلْوَاهِبِ مُطْلَقًا؛ وَلَوْ شَهِدَ الْعُرْفُ بِعَدَمِ الثَّوَابِ.
وَقَوْلُنَا " بِيَمِينٍ "، ظَاهِرُهُ: أَشْكَلَ الْأَمْرُ أَمْ لَا، وَهُوَ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَاهِبَ إنَّمَا يَحْلِفُ إذَا أَشْكَلَ الْأَمْرُ بِأَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْعُرْفُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ وَلَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ تُرَجِّحُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ، وَإِلَّا عُمِلَ عَلَى الْعُرْفِ أَوْ الْقَرَائِنِ وَلَا يَمِينَ.
وَمَحَلُّ تَصْدِيقِ الْوَاهِبِ فِي دَعْوَى الثَّوَابِ (فِي غَيْرِ) النَّقْدِ (الْمَسْكُوكِ) ، وَأَمَّا هُوَ فَلَا يُصَدَّقُ الْوَاهِبَ؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ فِيهِ عَدَمُ الْإِثَابَةِ إلَّا لِشَرْطٍ أَوْ عُرْفٍ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ " وَصُدِّقَ الْوَاهِبُ " إلَخْ قَوْلُهُ: (إلَّا الزَّوْجَيْنِ وَالْوَالِدَيْنِ) وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْأَقَارِبِ الَّذِينَ بَيْنَهُمْ الصِّلَةُ، فَلَا يُصَدَّقُ الْوَاهِبُ فِي دَعْوَاهُ الثَّوَابَ لِقَضَاءِ الْعُرْفِ بِعَدَمِهِ فِيمَنْ ذُكِرَ كَالْمَسْكُوكِ (إلَّا لِشَرْطٍ) حَالَ الْهِبَةِ فَيُعْمَلُ بِهِ مُطْلَقًا حَتَّى فِي الْمَسْكُوكِ، (أَوْ قَرِينَةٍ) تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ، وَيُقْضَى لَهُ بِالثَّوَابِ لَكِنْ فِي غَيْرِ الْمَسْكُوكِ وَأَمَّا هُوَ فَلَا تَكْفِي فِيهِ الْقَرِينَةُ، وَلَا بُدَّ مِنْ الشَّرْطِ وَيَكُونُ ثَوَابُ الْمَسْكُوكِ عِنْدَ الشَّرْطِ عَرْضًا أَوْ طَعَامًا لَا مَسْكُوكًا لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّرْفِ أَوْ الْبَدَلِ الْمُؤَخَّرِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَأَمَّا التَّنَازُعُ قَبْلَ قَبْضِهَا] : مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ.
قَوْلُهُ: [أَشْكَلَ الْأَمْرُ] : أَيْ بِأَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْعُرْفُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: [أَمْ لَا] : أَيْ بِأَنْ شَهِدَ الْعُرْفُ لَهُ.
قَوْلُهُ: [وَالثَّانِي] إلَخْ: هَذَا هُوَ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: [فِي دَعْوَى الثَّوَابِ] : أَيْ دَعْوَى قَصْدِهِ وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِهَذَا إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي غَيْرِ الْمَسْكُوكِ مُتَعَلِّقٌ بِصُدِّقَ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ مُتَّحِدَيْ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِعَامِلٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الثَّانِيَ أَخَصُّ مِنْ الْأَوَّلِ نَحْوُ جَلَسْت فِي الْمَسْجِدِ فِي مِحْرَابِهِ وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ قَرِينَةٍ] : مِنْ ذَلِكَ جَرَيَانُ الْعُرْفِ بِهَا.
قَوْلُهُ: [عِنْدَ الشَّرْطِ] : أَيْ أَوْ الْعُرْفِ.
قَوْلُهُ: [لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّرْفِ] : أَيْ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهِ وَقَوْلُهُ أَوْ الْبَدَلِ أَيْ إنْ كَانَ مِنْ صِنْفِهِ.
قَوْلُهُ: [الْمُؤَخَّرِ] : رَاجَعَ لِلِاثْنَيْنِ.

(وَلَزِمَ) عِنْدَ عَدَمِ تَعْيِينِ الثَّوَابِ (وَاهِبَهَا) مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ (لَا الْمَوْهُوبَ لَهُ) عَطْفٌ عَلَيْهِ بِلَا (الْقِيمَةُ) فَاعِلُ " لَزِمَ " أَيْ يَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُ الْقِيمَةِ إذَا دَفَعَهَا لَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَأَمَّا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: خُذْ هِبَتك لَا حَاجَةَ لِي بِهَا.
وَهَذَا إذَا قَبَضَهَا، وَأَمَّا قَبْلَ قَبْضِهَا فَلَا يَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُهَا بَلْ لَهُ الِامْتِنَاعُ وَلَوْ دَفَعَ لَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَضْعَافَ الْقِيمَةِ، وَلَا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ دَفْعُ الْقِيمَةِ وَلَوْ قَبَضَ الْهِبَةَ كَمَا تَقَدَّمَ.
(إلَّا لِفَوْتٍ) عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ (بِزَيْدٍ) : أَيْ زِيَادَةٍ فِي ذَاتِهَا؛ كَكِبَرِ الصَّغِيرِ أَوْ سِمَنِ الْهَزِيلِ (أَوْ نَقْصٍ) كَعَمًى وَعَوَرٍ وَعَرَجٍ وَشَلَلٍ وَهَرَمٍ، وَأَوْلَى خُرُوجٌ مِنْ يَدِهِ بِمَوْتٍ أَوْ بَيْعٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَعْتَبِرُ حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ فَيَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ دَفْعُ الْقِيمَةِ يَوْمَ قَبْضِ الْهِبَةِ.
(وَأُثِيبَ) الْوَاهِبُ أَيْ أَثَابَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ (مَا يَقْضِي عَنْهُ) : أَيْ عَنْ الْمَوْهُوبِ (بِبَيْعٍ) : أَيْ فِي الْبَيْعِ، أَيْ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ بِأَنْ يَكُونَ سَالِمًا مِنْ الرِّبَا وَالْغِشِّ، فَلَا يَقْضِي عَنْ النَّقْدِ نَقْدًا لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّرْفِ أَوْ الْبَدَلِ الْمُؤَخَّرِ وَلَا عَنْ الطَّعَامِ طَعَامًا وَلَا عَنْ اللَّحْمِ حَيَوَانًا مِنْ جِنْسِهِ وَلَا عَكْسَهُ،

[حاشية الصاوي]

[مَسْأَلَة الْمُثِيبِ عَنْ الصَّدَقَةِ]

مَسْأَلَةٌ: قَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ اُخْتُلِفَ فِي الَّذِي يُثِيبُ جَهْلًا عَمَّا لَا ثَوَابَ فِيهِ أَوْ الْمُثِيبِ عَنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ مَالِكٌ يُرَدُّ إلَيْهِ ثَوَابُهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ إذَا فَاتَ (اهـ شب) . قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الْمَوْهُوبُ لَهُ] إلَخْ: أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّ الثَّوَابَ لَمْ يُعَيَّنْ، وَأَمَّا إذَا عُيِّنَ وَرَضِيَ بِهِ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ دَفْعُهُ قَبَضَهَا أَوْ لَا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: [عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ] : اُحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا إذَا فَاتَتْ بِيَدِ الْوَاهِبِ فَلَا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ دَفْعُ الْقِيمَةِ وَلَا يَلْزَمُ الْوَاهِبَ الْقَبْضُ وَلَوْ بَذَلَ لَهُ أَضْعَافَ الْقِيمَةِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا فِي الْبَيْعِ] : أَيْ عِوَضًا عَنْ الشَّيْءِ الْمَبِيعِ فِي السَّلَمِ بِأَنْ يُرَاعَى فِيهِ شُرُوطُ بَيْعِ السَّلَمِ زِيَادَةً عَلَى أَصْلِ شُرُوطِ الْبَيْعِ مَا عَدَا الْأَجَلَ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ هُنَا فَيُقَالُ: يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَا طَعَامَيْنِ وَلَا نَقْدَيْنِ وَلَا شَيْئًا فِي أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَجْوَدَ إلَّا أَنْ تَخْتَلِفَ الْمَنْفَعَةُ كَفَارِهِ الْحُمُرِ فِي الْأَعْرَابِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا عَكْسُهُ] : أَيْ بِأَنْ يَقْضِيَ عَنْ الْحَيَوَانِ لَحْمًا مِنْ جِنْسِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ الْمُبَاحَةَ الْأَكْلِ كُلُّهَا جِنْسٌ كَمَا أَنَّ الطُّيُورَ كُلَّهَا جِنْسٌ وَحَيَوَانَاتُ الْبَحْرِ كُلُّهَا جِنْسٌ وَمَفْهُومُ: " مِنْ جِنْسِهِ " أَنَّ قَضَاءَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ يَجُوزُ مَا لَمْ يَكُنْ الْحَيَوَانُ طَعَامًا

وَلَا عَنْ الْعَرْضِ عَرْضًا مِنْ جِنْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّلَمِ الْفَاقِدِ لِشَرْطِهِ، وَلَا فِيهِ مِنْ سَلَمِ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ، فَيُثَابُ عَنْ الْعَرْضِ طَعَامٌ وَدَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ وَعَكْسُهُ، وَعَرْضٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.
فَهِبَةُ الثَّوَابِ كَالْبَيْعِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ لِأَنَّهَا تُخَالِفُهُ فِي الْبَعْضِ كَجَهْلِ الْعِوَضِ وَالْأَجَلِ وَلَا يُفِيتُهَا حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ.
وَلَا يَلْزَمُ عَاقِدَهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَإِذَا أَثَابَهُ مَا يَقْضِي عَنْهُ فِي الْبَيْعِ لَزِمَ الْوَاهِبَ قَبُولُهُ وَإِنْ مَعِيبًا حَيْثُ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ بِالْقِيمَةِ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ حِينَئِذٍ: لَا آخُذُ إلَّا سَلِيمًا.
(إلَّا) أَنْ يُثِيبَهُ (نَحْوَ حَطَبٍ) وَتِبْنٍ مِمَّا لَا تَجْرِي الْعَادَةُ بِإِثْبَاتِهِ كَالطِّينِ وَالْآجُرِّ بِضَمِّ الْجِيمِ (فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ) : فَإِنْ جَرَى عُرْفٌ بِإِثْبَاتِهِ لَزِمَهُ الْقَبُولُ.

[حاشية الصاوي]

حُكْمًا كَحَيَوَانٍ قَلَّتْ مَنْفَعَتُهُ أَوْ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ إلَّا اللَّحْمَ أَوْ لَا تَطُولُ حَيَاتُهُ فَلَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ عَنْهُ لَحْمًا وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَلَا الْقَضَاءُ بِهِ لِأَنَّهُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَا عَنْ الْعَرْضِ عَرْضٌ] : نُسْخَةُ الْمُؤَلَّفِ نَصْبُ نَقْدًا وَتَرْكُ النَّصْبِ فِي حَيَوَانٍ وَعَرْضٍ وَكَانَ مُقْتَضَى الْعَرَبِيَّةِ نَصْبَ الْجَمِيعِ وَبِنَاءَ الْفِعْلِ لِلْفَاعِلِ أَوْ رَفْعَ الْجَمِيعِ وَبِنَاءَهُ لِلْمَفْعُولِ.
قَوْلُهُ: [الْفَاقِدِ لِشَرْطِهِ] : أَيْ شُرُوطِهِ هُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ فَلَا يُقْضَى إلَخْ، وَكَذَا قَوْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ سَلَمِ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ الْأَوْلَى عَطْفُهُ بِالْوَاوِ لِأَنَّهُ عِلَّةٌ ثَانِيَةٌ أَوْ يُقَالُ تُرِكَ لِأَنَّهُ عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ: [فَيُثَابُ عَنْ الْعَرْضِ] : إلَخْ: تَفْرِيعٌ لِمَا اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ.
قَوْلُهُ: [وَعَكْسُهُ] : أَيْ يُثَابُ عَنْ الطَّعَامِ عَرْضٌ وَدَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا.
قَوْلُهُ: [وَعَرْضٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ] : رَاجِعٌ لِلْإِثَابَةِ عَنْ الْعَرْضِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهَا تُخَالِفُهُ فِي الْبَعْضِ] : تَعْلِيلٌ لِلتَّقْيِيدِ بِالْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: [وَإِذَا أَثَابَهُ مَا يَقْضِي عَنْهُ فِي الْبَيْعِ] : مِنْ جُمْلَةِ مَا خَالَفَتْ فِيهِ الْهِبَةُ الْبَيْعَ فَتَحَصَّلَ أَنَّهَا تُخَالِفُهُ فِي جَهْلِ الْعِوَضِ وَالْأَجَلِ وَلَا يُفِيتُهَا حَوَالَةُ الْأَسْوَاقِ وَلَا يَلْزَمُ عَاقِدَهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، وَإِذَا أَثَابَهُ مَا يَقْضِي عَنْهُ فِي الْبَيْعِ لَزِمَ الْوَاهِبَ قَبُولُهُ إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبَضَ الْهِبَةَ، وَإِنْ كَانَ مَعِيبًا إلَخْ مَا قَالَ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [بِضَمِّ الْجِيمِ] : أَيْ مَعَ مَدِّ الْهَمْزَةِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ جَرَى عُرْفٌ بِإِثَابَتِهِ لَزِمَهُ] : هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ وَقْتَ

(وَلِلْمَأْذُونِ لَهُ) فِي التِّجَارَةِ هِبَةُ الثَّوَابِ مِنْ مَالِهِ (وَالْأَبِ مِنْ مَالِ مَحْجُورِهِ) الصَّغِيرِ أَوْ السَّفِيهِ (هِبَةُ الثَّوَابِ) لَا غَيْرُهَا، فَلَا يَجُوزُ.
كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِبْرَاءُ مِنْ مَالِ مَحْجُورِهِ.
وَلَا يَجُوزُ لِوَصِيٍّ وَلَا حَاكِمٍ وَلَا غَيْرِ مَأْذُونٍ لَهُ هِبَةُ ثَوَابٍ وَإِلَّا إبْرَاءٌ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْهِبَةِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْعُمْرَى وَحُكْمِهَا، لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْهِبَةِ، فَقَالَ: (وَجَازَتْ الْعُمْرَى) ، وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ: الْإِذْنُ فِيهَا شَرْعًا، فَهِيَ مَنْدُوبَةٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَعْرُوفِ، وَعَرَّفَهَا بِقَوْلِهِ: (وَهِيَ) : أَيْ الْعُمْرَى (تَمْلِيكُ مَنْفَعَةِ) شَيْءٍ (مَمْلُوكٍ) : عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ، إنْسَانًا أَوْ غَيْرَهُ كَفَرَسٍ وَبَعِيرٍ (حَيَاةَ الْمُعْطَى) بِفَتْحِ الطَّاءِ، وَالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِتَمْلِيكِ أَيْ مُدَّةَ حَيَاةِ الْمُعْطَى (بِغَيْرِ عِوَضٍ) . فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: " تَمْلِيكُ مَنْفَعَةِ " تَمْلِيكُ

[حاشية الصاوي]

الْهِبَةِ فَيَلْزَمُهُ قَبُولُهُ إنْ جَازَ شَرْعًا وَإِنْ لَمْ يَجْرِ بِهِ عُرْفٌ وَلَا عَادَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ (عب) : جَمِيعُ مَا مَرَّ فِي الْهِبَةِ الصَّحِيحَةِ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَإِنْ فَاتَتْ لَزِمَ فِيهَا الْقِيمَةُ وَيُقْضَى عَنْهَا بِمَا يُقْضَى بِهِ عَنْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ مِنْ الْعَيْنِ، أَمَّا الْفَاسِدَةُ فَتُرَدُّ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً وَإِنْ فَاتَتْ لَزِمَ عِوَضَهَا مِثْلُ الْمِثْلِيِّ وَقِيمَةُ الْمُقَوَّمِ

قَوْلُهُ: [وَلِلْمَأْذُونِ] : خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَالْأَبِ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وَهِبَةُ الثَّوَابِ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.
قَوْلُهُ: [لَا غَيْرُهَا] : أَيْ كَالتَّبَرُّعَاتِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَجُوزُ لِوَصِيٍّ وَلَا حَاكِمٍ] : مُحْتَرَزُ الْأَبِ.
وَقَوْلُهُ: [وَلَا غَيْرِ مَأْذُونٍ لَهُ] : مُحْتَرَزُ الْمَأْذُونِ فَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا إبْرَاءٌ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ وَالْمُنَاسِبُ حَذْفُ الْأَلِفِ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى هِبَةُ.

[الْعُمْرَى وَحُكْمِهَا]

قَوْلُهُ: [الْإِذْنُ] : أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْمُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: [إنْسَانًا أَوْ غَيْرَهُ] : أَيْ كَثِيَابٍ وَحُلِيٍّ وَسِلَاحٍ وَحَيَوَانٍ.
قَالَ فِي كِتَابِ الْهِبَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قِيلَ فَإِنْ أَعْمَرَ ثَوْبًا أَوْ حُلِيًّا قَالَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الثِّيَابِ شَيْئًا، وَأَمَّا الْحُلِيُّ فَأَرَاهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ وَفِيهَا فِي الْعَارِيَّةِ وَلَمْ أَسْمَعْ فِي الثِّيَابِ شَيْئًا وَهِيَ عِنْدِي عَلَى مَا أَعَارَهَا عَلَيْهِ مِنْ الشَّرْطِ، أَبُو الْحَسَنِ يُرِيدُ أَنَّهُ إذَا بَقِيَ مِنْ الثَّوْبِ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْمَرِ رَدَّهُ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ فَلَا شَيْءَ لِرَبِّهِ (اهـ) .

الذَّاتِ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِهِ؛ وَالْأَوَّلُ بَيْعٌ وَالثَّانِي هِبَةٌ أَوْ صَدَقَةٌ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: " مَمْلُوكٍ " مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ كَإِقْطَاعٍ مِنْ إمَامٍ أَوْ إسْقَاطِ حَقٍّ، مِنْ نَحْوِ وَقْفٍ وَإِلَّا فَبَاطِلٌ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: " حَيَاةَ الْمُعْطَى " الْوَقْفُ الْمُؤَبَّدُ، وَكَذَا الْمُؤَقَّتُ بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَخَرَجَ بِهِ الْإِعَارَةُ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ: " الْمُعْطَى " بِالْفَتْحِ يَقْتَضِي أَنَّهَا إذَا كَانَتْ حَيَاةُ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ أَوْ حَيَاةُ أَجْنَبِيٍّ - كَزَيْدٍ لَا تُسَمَّى عُمْرَى حَقِيقَةً وَإِنْ جَازَتْ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَنْصَرِفُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِحَيَاةِ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ.
فَإِذَا قَالَ الْمَالِكُ: أَعْمَرْتُكَ دَارِي مَثَلًا، حُمِلَ عَلَى عُمْرِ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ فَلَا كَلَامَ لِوَارِثِ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ إذَا مَاتَ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: " بِغَيْرِ عِوَضٍ " الْإِجَارَةُ وَهِيَ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ لِلْجَهْلِ بِالْأَجَلِ.
(كَأَعْمَرْتُكَ) أَوْ أَعْمَرْت زَيْدًا (أَوْ) أَعْمَرْت (وَارِثَك) مَثَلًا وَلَا يُشْتَرَطُ لَفْظُ الْإِعْمَارِ، بَلْ مَا دَلَّ عَلَى تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ: وَ " أَوْ " مَانِعَةِ خُلُوٍّ، فَتُجَوَّزَ الْجَمْعُ كَأَعْمَرْتُكَ وَوَارِثُك، فَيُصَدَّقُ كَلَامُهُ بِثَلَاثِ صُوَرٍ:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَالْأَوَّلُ بَيْعٌ] : أَيْ أَوْ هِبَةُ ثَوَابٍ.
قَوْلُهُ: [كَإِقْطَاعٍ مِنْ إمَامٍ] : أَيْ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَمْلِكُ الْأَقْطَاعَ الَّتِي يُقْطِعُهَا لِبَعْضِ النَّاسِ وَتَقَدَّمَ اللُّغْزُ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [أَوْ إسْقَاطِ حَقٍّ] : أَيْ كَسَاكِنِ بَيْتٍ مَوْقُوفٍ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ لِآخِرِ حَيَاتِهِ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَبَاطِلٌ] : اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ وَقَدْ يُقَالُ مَعْنَاهُ وَإِلَّا يَكُنْ الشَّيْءُ غَيْرَ الْمَمْلُوكِ إقْطَاعًا مِنْ إمَامٍ أَوْ إسْقَاطَ حَقٍّ مِنْ نَحْوِ وَقْفٍ بَلْ كَانَ تَمْلِيكَ مَنْفَعَةِ مِلْكِ الْغَيْرِ بِلَا شُبْهَةٍ فَبَاطِلٌ وَإِنَّمَا كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْفُضُولِيِّ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ بَاطِلٌ.
قَوْلُهُ: [وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ حَيَاةَ الْمُعْطَى] إلَخْ: أَيْ فَلَا يُقَالُ لِمَا ذُكِرَ عُمْرَى.
قَوْلُهُ: [وَخَرَجَ بِهِ الْإِعَارَةُ أَيْضًا] : أَيْ مُدَّةً مَعْلُومَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِحَيَاةِ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ وَإِلَّا كَانَتْ عُمْرَى لِأَنَّ الْعُمْرَى لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا لَفْظٌ مَخْصُوصٌ.
قَوْلُهُ: [وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ] إلَخْ: إنَّمَا كَانَتْ إجَارَةً لِأَنَّهَا تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ.
قَوْلُهُ: [لِلْجَهْلِ بِالْأَجَلِ] : أَيْ لِأَنَّ مُدَّةَ حَيَاةِ الْمُعْطَى مَجْهُولَةٌ.
قَوْلُهُ: [بَلْ مَا دَلَّ عَلَى تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ] : أَيْ بِغَيْرِ عِوَضٍ مُدَّةَ حَيَاةِ الْمُعْطَى.
قَوْلُهُ: [فَيُصَدَّقُ كَلَامُهُ بِثَلَاثِ صُوَرٍ] : إلَّا أَنَّهُ إنْ أَعْمَرَهُ وَوَارِثَهُ مَعًا لَا يَسْتَحِقُّ الْوَارِثُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ كَوَقْفٍ عَلَيْك وَوَلَدِك عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ حَيْثُ كَانَ الْوَالِدُ أَحْوَجَ.

(دَارِي أَوْ نَحْوَهَا) مِمَّا يَمْلِكُهُ: كَعَبْدِي أَوْ فَرَسِي أَوْ بَعِيرِي.
وَأَمَّا الْأَمَةُ فَإِنْ أَعْمَرَهَا لِامْرَأَةٍ أَوْ لِمَحْرَمِهَا جَازَ، وَإِلَّا فَلَا لِمَا فِيهِ مِنْ إعَارَةِ الْفُرُوجِ.
(وَرَجَعَتْ) الْعُمْرَى بِمَعْنَى الشَّيْءِ الْمُعَمَّرِ إذَا مَاتَ، الْمُعَمَّرُ بِالْفَتْحِ (لِلْمُعَمِّرِ) بِالْكَسْرِ إنْ كَانَ حَيًّا (أَوْ وَارِثِهِ يَوْمَ مَوْتِهِ) إذَا مَاتَ لَا يَوْمَ الْمَرْجِعِ فَلَوْ مَاتَ عَنْ أَخٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ وَابْنٍ كَافِرٍ أَوْ رَقِيقٍ فَأَسْلَمَ، أَوْ تَحَرَّرَ ثُمَّ مَاتَ الْمُعَمَّرُ بِالْفَتْحِ رَجَعَتْ لِلْأَخِ، لِأَنَّهُ الْوَارِثُ يَوْمَ مَوْتِ الْمُعَمِّرِ بِالْكَسْرِ.
(وَهِيَ) : أَيْ الْعُمْرَى (فِي الْحَوْزِ كَالْهِبَةِ) . فَإِنْ حَازَهَا الْمُعَمَّرُ بِالْفَتْحِ قَبْلَ حُدُوثِ مَانِعٍ تَمَّتْ، وَإِلَّا بَطَلَتْ فَيَجْرِي فِيهِ قَوْلُهُ.
وَبَطَلَتْ بِمَانِعٍ قَبْلَ الْحَوْزِ إلَخْ.

[حاشية الصاوي]

وَلَكِنَّ الْمَعْمُولَ بِهِ فِي الْوَقْفِ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ وَهُوَ مُسَاوَاةُ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ وَلَوْ كَانَ أَحْوَجَ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْعُمْرَى لَا تَكُونُ لِلْوَارِثِ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَبَيْنَ الْوَقْفِ حَيْثُ سَوَّى فِيهِ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ عَلَى قَوْلِ الْمُغِيرَةِ إنَّ مَدْلُولَ الْعُمْرَى الْعُمُرُ فَكَأَنَّهُ إنَّمَا أَعْمَرَ الْوَارِثَ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ، وَأَمَّا إذَا أَعْمَرَهُ فَقَطْ أَوْ وَارِثَهُ فَقَطْ فَإِنَّ الْمُعْمَرَ يَسْتَحِقُّ الْمَنْفَعَةَ حَالًا.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَلَا] : أَيْ بِأَنْ أَعْمَرَهَا لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ غَيْرِ مَحْرَمٍ.
قَوْلُهُ: [لِلْمُعَمِّرِ بِالْكَسْرِ] : إلَخْ فَلَوْ حَرَثَ الْمُعَمَّرُ بِالْفَتْحِ أَرْضًا أُعْمِرَتْ لَهُ وَمَاتَ أَخَذَهَا رَبُّهَا وَدَفَعَ لِوَرَثَتِهِ أُجْرَةَ الْحَرْثِ وَإِنْ شَاءَ أَسْلَمَهَا لَهُمْ بِحَرْثِهَا تِلْكَ السَّنَةَ وَأَخَذَ مِنْهُمْ أُجْرَةَ مِثْلِهَا فَإِنْ فَاتَ الْمُعَمَّرُ بِالْفَتْحِ وَبِهَا زَرْعٌ وَفَاتَ الْإِبَّانُ فَلِوَرَثَتِهِ الزَّرْعُ الْمَوْجُودُ وَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مُوَرِّثَهُمْ ذُو شُبْهَةٍ وَقْتَ الزَّرْعِ وَالْغَلَّةُ لِذِي الشُّبْهَةِ فَإِنْ لَمْ يَفُتْ الْإِبَّانُ كَانَ لَهُمْ الزَّرْعُ وَعَلَيْهِمْ الْأُجْرَةُ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ الْوَارِثُ يَوْمَ مَوْتِ الْمُعَمَّرِ] : أَيْ فَقَدْ مَلَكَ الذَّاتَ مِنْ يَوْمِهِ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ قَالَ حُبْسٌ عَلَيْكُمَا حَيَاتَكُمَا وَهِيَ لِآخِرِكُمَا فَهُوَ حَبْسٌ عَلَيْهِمَا مَا دَامَا حَيَّيْنِ فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا رَجَعَتْ لِلْآخَرِ مِلْكًا يَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ حُبْسٌ عَلَيْكُمَا فَقَطْ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ لِلْآخَرِ حَبْسًا فَإِذَا مَاتَ الْآخَرُ رَجَعَتْ مَرَاجِعَ الْأَحْبَاسِ وَقِيلَ تَرْجِعُ مِلْكًا لِلْمُحْبِسِ أَوْ وَارِثِهِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَأَمَّا الرُّقْبَى فَلَا تَجُوزُ حَبْسًا وَلَا مِلْكًا كَذَوِي دَارَيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ دَارٍ وَعَبْدٍ قَالَ كُلٌّ لِصَاحِبِهِ إنْ مِتَّ قَبْلِي فَهُمَا لِي وَإِنْ مِتّ قَبْلَك فَهُمَا لَك؛ فَالْمُرَادُ إنْ مِتَّ قَبْلِي فَدَارُك لِي مَضْمُومَةٌ لِدَارِي، وَإِنْ مِتّ قَبْلَك فَدَارِي لَك

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[حاشية الصاوي]

مَضْمُومَةٌ لِدَارِك، وَإِنَّمَا مُنِعَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ وَجْهِ الْمَعْرُوفِ وَالْمُخَاطَرَةِ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ وَاطُّلِعَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ فُسِخَ، وَإِنْ لَمْ يُطَّلَعْ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ رَجَعَتْ لِوَارِثِهِمَا وَلَا تَرْجِعُ مَرَاجِعَ الْأَحْبَاسِ لِفَسَادِ الْعَقْدِ كَذَا فِي الْأَصْلِ، وَلَكِنْ قَالَ (شب) مَحَلُّ فَسَادِ الْعَقْدِ فِيمَا ذُكِرَ إنْ وَقَعَ مَا ذُكِرَ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا مَنْ فَعَلَ بِصَاحِبِهِ هَذَا فِي وَقْتٍ فَفَعَلَ بِهِ الْآخَرُ مِثْلَهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ أَيْ وَتَصِيرُ كَالْوَصِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

بَابٌ فِي اللَّقْطَةِ وَأَحْكَامِهَا (اللُّقَطَةُ) : بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ: اسْمٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِمَا يُلْتَقَطُ بِفَتْحِ الْقَافِ.
وَالْقِيَاسُ لُغَةً: أَنَّ فُعَلَةَ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْفَاعِلِ الَّذِي يَقَعُ مِنْهُ الْفِعْلُ كَثِيرًا؛ كَضُحَكَةٍ وَهُمَزَةٍ وَلُمَزَةٍ: لِكَثِيرِ الضَّحِكِ وَالْهَمْزِ وَاللَّمْزِ.
وَأَنَّ مَا يُلْتَقَطُ بِفَتْحِ الْقَافِ يُسَمَّى لُقْطَةً بِسُكُونِهَا.
(مَالٌ) فَغَيْرُهُ، لَا يُسَمَّى لُقَطَةً كَالصَّيْدِ وَالْحُرِّ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ صَغِيرًا يُسَمَّى لَقِيطًا (مَعْصُومٌ) : أَيْ مُحْتَرَمٌ شَرْعًا فَخَرَجَ الرِّكَازُ، وَمَالُ الْحَرْبِيِّ (عَرَضَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ (لِلضَّيَاعِ) بِأَنْ وُجِدَ بِمَضْيَعَةٍ فِي غَامِرٍ

[حاشية الصاوي]

[بَابٌ فِي اللَّقْطَةِ وَأَحْكَامِهَا]

بَابٌ: أَيْ فِي حَقِيقَتِهَا، وَالْمُرَادُ بِأَحْكَامِهَا مَسَائِلُهَا.
وَمُنَاسَبَةُ هَذَا الْبَابِ لِمَا قَبْلَهُ أَنَّ فِي كُلٍّ فِعْلَ خَيْرٍ؛ لِأَنَّ الْوَاهِبَ فَعَلَ خَيْرًا يَعُودُ عَلَيْهِ ثَوَابُهُ فِي الْآخِرَةِ وَالْمُلْتَقِطَ فَعَلَ خَيْرًا وَهُوَ الْحِفْظُ وَالتَّعْرِيفُ يَعُودُ عَلَيْهِ ثَوَابُهُ فِي الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: [اسْمٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِمَا يُلْتَقَطُ] : أَيْ وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَوُجُودُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ طَلَبٍ، وَهَذِهِ اللُّغَةُ أَشْهَرُ لُغَاتِهَا الْأَرْبَعِ.
الثَّانِيَةُ: ضَمُّ اللَّامِ وَسُكُونُ الْقَافِ.
الثَّالِثَةُ: لُقَاطَةٌ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ مَمْدُودَةً.
الرَّابِعَةُ: لَقَطٌ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْقَافِ بِلَا هَاءٍ قَوْلُهُ: [كَالصَّيْدِ] أَيْ فَاصْطِيَادُ السَّمَكِ مِنْ الْمَاءِ وَالطَّيْرِ وَالْوَحْشِ مِنْ الْبَرَارِيِّ؛ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي حَوْزِ الْغَيْرِ لَا يُسَمَّى مَالًا فَهُوَ خَارِجٌ بِهَذَا الْقَيْدِ كَخُرُوجِ الْحُرِّ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ مُشْكِلٌ بَلْ يُقَالُ إنَّهُ مَالٌ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ أَيْ مُحْتَرَمٍ شَرْعًا فَيَخْرُجُ بِمَا خَرَجَ بِهِ الرِّكَازُ وَمَالُ الْحَرْبِيِّ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [يُسَمَّى لَقِيطًا] : أَيْ لِأَنَّ اللَّقِيطَ صَغِيرٌ آدَمِيٌّ لَمْ يُعْلَمْ أَبُوهُ وَلَا أُمُّهُ حُرٌّ أَوْ مَشْكُوكٌ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ] : أَيْ مُخَفَّفًا مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ لَا بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِإِيهَامِهِ أَنَّ مَا ضَاعَ وَلَمْ يَقْصِدْ ضَيَاعَهُ لَا يُسَمَّى لُقَطَةً، وَمَعْنَى عَرَضَ لِلضَّيَاعِ أَيْ

بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ أَوْ عَامِرٍ بِالْمُهْمَلَةِ: ضِدُّ الْأَوَّلِ، وَخَرَجَ بِهِ السَّرِقَةُ وَنَحْوُهَا مِمَّا كَانَ فِي حِفْظِ صَاحِبِهِ وَلَوْ حُكْمًا، كَمَا لَوْ وَضَعَهُ فِي مَكَان لِيَرْجِعَ إلَيْهِ، وَكَالثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ وَالْحَبِّ فِي الزَّرْعِ وَالْجَرِينِ، وَخَرَجَ الْإِبِلُ أَيْضًا إذَا لَمْ يَعْرِضْ لَهَا ضَيَاعٌ.
(وَإِنْ) كَانَ الْمَالُ الْمَعْصُومُ (كَلْبًا) مَأْذُونًا فِيهِ.
وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَيْسَ بِمَالٍ، (وَفَرَسًا وَحِمَارًا) وَبَالَغَ عَلَى الْكَلْبِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مِنْ مَنْعِ بَيْعِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَعَلَى مَا بَعْدَهُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ كَضَالَّةِ الْإِبِلِ لَا يُلْتَقَطُ.

(وَرُدَّتْ) اللُّقَطَةُ وُجُوبًا (بِمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: ظَرْفُهَا مِنْ خِرْقَةٍ صُرَّتْ بِهَا أَوْ كِيسٍ (وَ) مَعْرِفَةِ (الْوِكَاءِ) بِالْمَدِّ: وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي رُبِطَتْ بِهِ.

(وَقُضِيَ لَهُ) : أَيْ لِمَنْ عَرَفَهَا (عَلَى ذِي الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ) : أَيْ عَلَى مَنْ عَرَفَهُمَا دُونَ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ (بِيَمِينٍ) . وَأَمَّا إنْ عَرَفَ الْعَدَدَ فَقَطْ أَوْ الْوَزْنَ فَقَطْ

[حاشية الصاوي]

عَرَضَ لَهُ الضَّيَاعُ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْقَلْبِ نَحْوُ عَرَضَ الْحَوْضَ عَلَى النَّاقَةِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ] : هُوَ الْخَرَابُ: قَوْلُهُ: [وَخَرَجَ بِهِ السَّرِقَةُ وَنَحْوُهَا] إلَخْ: الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ خَرَجَ بِهِ مَا كَانَ فِي حِفْظِ صَاحِبِهِ إلَخْ: فَإِنَّ أَخْذَهُ يُسَمَّى سَرِقَةً لَا لُقَطَةً.
قَوْلُهُ: [وَالْجَرِينِ] : يَصْلُحُ لِلتَّمْرِ وَالْحَبِّ.
قَوْلُهُ: [إذَا لَمْ يَعْرِضْ لَهَا] : ضَيَاعٌ أَيْ بِأَنْ كَانَتْ فِي مَحَلِّ أَمْنٍ شَأْنُهَا تُوجَدُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا غَيْرُهُ] : أَيْ غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ الْكِلَابِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ مَنْعِ بَيْعِهِ] : أَيْ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ حَيْثُ قَالَ أَبِيعُهُ وَأَحُجُّ بِثَمَنِهِ.
قَوْلُهُ: [وَعَلَى مَا بَعْدَهُ] : يَعْنِي الْفَرَسَ وَالْحِمَارَ وَسَيَأْتِي الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا.

[رد اللُّقَطَةِ لِمَنْ عَرَفَهَا]

قَوْلُهُ: [وَرُدَّتْ اللُّقَطَةُ] إلَخْ: أَيْ وَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِهَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رَبِّهَا أُجْرَةً وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحَلَاوَةِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ قَوْلُهُ: [ظَرْفُهَا] : إنَّمَا سُمِّيَ عِفَاصًا أَخْذًا لَهُ مِنْ الْعَفْصِ وَهُوَ الثَّنْيُ لِأَنَّ الظَّرْفَ يُثْنَى عَلَى مَا فِيهِ.

قَوْلُهُ: [أَيْ عَلَى مَنْ عَرَفَهُمَا] : أَيْ الْعَدَدَ وَالْوَزْنَ وَمَعْنَاهُ أَنَّ أَحَدَ الشَّخْصَيْنِ عَرَفَ

فَيُقْضَى لِمَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ بِلَا يَمِينٍ.

(وَإِنْ وَصَفَ) شَخْصٌ (ثَانٍ وَصْفَ) شَخْصٍ (أَوَّلَ وَلَمْ يَنْفَصِلْ) الْأَوَّلُ (بِهَا) انْفِصَالًا يُمْكِنُ مَعَهُ إشَاعَةُ الْخَبَرِ (حَلَفَا وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا) . وَأَمَّا لَوْ انْفَصَلَ انْفِصَالًا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ إشَاعَةُ الْخَبَرِ؛ اخْتَصَّ بِهَا الْأَوَّلُ.
(كَنُكُولِهِمَا) مَعًا؛ فَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا وَقُضِيَ لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ.
(كَبَيِّنَتَيْنِ) تَسَاوَيَا فِي الْعَدَالَةِ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً (لَمْ يُؤَرِّخَا) مَعًا أَيْ لَمْ تَذْكُرْ كُلٌّ مِنْهُمَا تَارِيخًا، فَإِنَّهُمَا يَحْلِفَانِ وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ مِنْهُمَا عَلَى النَّاكِلِ كَمَا يُقْضَى لِذِي الْأَعْدَلِ (وَإِلَّا) - بِأَنْ أَرَّخَا مَعًا - (فَلِلْأَقْدَمِ تَارِيخًا لَا لِلْأَعْدَلِ) ، وَلَوْ تَأَخَّرَتْ تَارِيخًا.

[حاشية الصاوي]

الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَالْآخَرَ عَرَفَ الْعَدَدَ وَالْوَزْنَ فَيَقْضِي لِعَارِفِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ بِيَمِينٍ.

قَوْلُهُ: [وَإِنْ وَصَفَ شَخْصٌ ثَانٍ] : حَاصِلُهُ أَنَّ اللُّقَطَةَ إذَا وَصَفَهَا شَخْصٌ وَصْفًا يَسْتَحِقُّهَا بِهِ وَلَمْ يَنْفَصِلْ بِهَا انْفِصَالًا يُمْكِنُ مَعَهُ إشَاعَةُ الْخَبَرِ بِأَنْ لَمْ يَنْفَصِلْ أَصْلًا أَوْ انْفَصَلَ بِهَا لَكِنْ لَا يُمْكِنُهُ مَعَهُ إشَاعَةُ الْخَبَرِ، ثُمَّ جَاءَ شَخْصٌ آخَرُ وَوَصَفَهَا بِوَصْفٍ مِثْلِ الْأَوَّلِ فِي كَوْنِهِ مُوجِبًا لِاسْتِحْقَاقِهَا سَوَاءٌ كَانَ عَيْنَ وَصْفِ الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنْ نَكَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا يَحْلِفُ أَنَّهَا لَهُ وَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا إنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ، أَمَّا لَوْ انْفَصَلَ بِهَا الْأَوَّلُ انْفِصَالًا يُمْكِنُ مَعَهُ إشَاعَةُ الْخَبَرِ فَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ وَصْفَ الْأَوَّلِ أَوْ رَآهَا مَعَهُ فَعَرَفَ أَوْصَافَهَا.
قَوْلُهُ: [فَتُقْسَمُ بَيْنَهُمَا] : أَيْ وَلَا يُرَجَّحُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَخَذَهَا بِوَضْعِ الْيَدِ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْحَوْزِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَجْهُولَاتِ وَهَذَا مَالٌ عُلِمَ أَنَّهُ لُقَطَةٌ كَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إنَّهَا تَكُونُ لِلْأَوَّلِ الَّذِي أَخَذَهَا لِتَرْجِيحِ جَانِبِهِ بِالْحَوْزِ كَذَا فِي (بْن) . قَوْلُهُ: [كَمَا يَقْضِي لِذِي الْأَعْدَلِ] : أَيْ إذَا أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً عَادِلَةً لَكِنَّ إحْدَاهُمَا أَشَدُّ عَدَالَةً فَيُقْضَى لِصَاحِبِهَا وَلَعَلَّهُ بِيَمِينٍ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْعَدَالَةِ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ كَمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ.
قَوْلُهُ: [تَأَخَّرَتْ تَارِيخًا] : الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ أَعَدَلَ أَيْ لَا تُقَدِّمْ الْأَعْدَلَ فِي حَالِ تَأَخُّرِ تَارِيخِهَا.

(وَلَا ضَمَانَ عَلَى) مُلْتَقِطٍ (دَافِعٍ بِوَجْهٍ جَائِزٍ) حَيْثُ أَتَى ثَانٍ بِأَثْبَتَ مِنْ الْأَوَّلِ، وَلَوْ بِبَيِّنَةٍ.
وَيَصِيرُ الْكَلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُدَّعِي الثَّانِي وَبَيْنَ مَنْ أَخَذَهَا، وَيَجْرِي الْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
فَذُو الْبَيِّنَةِ يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ.
وَوَاصِفُ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ يُقَدَّمُ عَلَى وَاصِفِ غَيْرِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا وَذُو الْبَيِّنَةِ الْمُؤَرَّخَةِ يُقَدَّمُ عَلَى مَا لَمْ تُؤَرَّخْ.
فَإِنْ أَرَّخَا مَعًا قُدِّمَ صَاحِبُ الْأَقْدَمِ تَأْرِيخًا فَإِنْ لَمْ يُؤَرِّخَا لِعَدَمِ الْأَعْدَلِ.
فَإِنْ تَسَاوَيَا قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا إنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا؛ هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(وَاسْتُؤْنِيَ) : أَيْ يَجِبُ التَّرَبُّصُ وَعَدَمُ الدَّفْعِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ لِمَنْ أَتَى (بِالْوَاحِدَةِ) فَقَطْ مِنْ صِفَتَيْ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ لَا مِنْ غَيْرِهِمَا كَمَا فِي النَّقْلِ (إنْ جَهِلَ) الْوَاصِفُ (غَيْرَهَا) : أَيْ غَيْرَ الْوَاحِدَةِ لَعَلَّ غَيْرَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِأَثْبَتَ مِمَّا وَصَفَهَا فَيَسْتَحِقَّهَا.

[حاشية الصاوي]

[ضَمَان اللُّقَطَة]

قَوْلُهُ: [حَيْثُ أَتَى ثَانٍ بِأَثْبَتَ مِنْ الْأَوَّلِ] : أَيْ بِأَنْ بَيَّنَ الثَّانِي الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَالْأَوَّلَ الْعَدَدَ وَالْوَزْنَ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِبَيِّنَةٍ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ ثُبُوتُهَا لِلثَّانِي بِالْبَيِّنَةِ.
قَوْلُهُ: [فَذُو الْبَيِّنَةِ يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ] : أَيْ وَتُنْزَعُ لَهُ مِنْ يَدِ ذَلِكَ الْغَيْرِ.
قَوْلُهُ: [عَلَى وَاصِفِ غَيْرِهِمَا] : أَيْ بِأَنْ وَصَفَ الْعَدَدَ وَالْوَزْنَ.
وَقَوْلُهُ: [أَوْ أَحَدِهِمَا] : أَيْ بِأَنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى غَيْرِهِمَا.
قَوْلُهُ: [عَلَى مَا لَمْ تُؤَرَّخْ] : مَا وَاقِعَةٌ عَلَى بَيِّنَةٍ فَالْأَوْلَى مَنْ.
قَوْلُهُ: [لَمْ يُؤَرَّخَا] : أَيْ الْمِلْكُ وَقِيلَ السُّقُوطُ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَسَاوَيَا] : أَيْ فِي الْعَدَالَةِ وَالتَّارِيخِ وُجُودًا وَعَدَمًا.
قَوْلُهُ: [إنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا] : أَيْ فَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِهِمَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهُمَا إذَا نَكَلَا تَبْقَى بِيَدِ الْمُلْتَقِطِ وَلَا تُعْطَى لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: [إنْ جَهِلَ الْوَاصِفُ غَيْرَهَا] : أَيْ بِأَنْ قَالَ حِينَ السُّؤَالِ لَا أَدْرِي مَا هُوَ أَوْ كُنْت أَعْلَمُهُ وَنَسِيته وَلَا يُعَارِضُ الِاسْتِينَاءُ مَا مَرَّ مِنْ دَفْعِهَا لِوَاصِفِ الْعِفَاصِ دُونَ مَنْ عَرَفَ الْوَزْنَ وَالْعَدَدَ؛ لِأَنَّ دَفْعَهَا لَا يُنَافِي الِاسْتِينَاءُ.

فَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَثْبَتَ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَصْلًا أَخَذَهَا الْأَوَّلُ.
(لَا) إنْ (غَلِطَ) : أَيْ ادَّعَى الْغَلَطَ بِأَنْ ذَكَرَ الصِّفَةَ الثَّانِيَةَ عَلَى خِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: كَذَبْت، فَادَّعَى الْغَلَطَ؛ فَلَا يُسْتَأْنَى وَلَا تُدْفَعُ لَهُ أَصْلًا، بِخِلَافِ الْجَاهِلِ فَإِنَّهُ مَعْذُورٌ حَيْثُ قَالَ لَا أَدْرِي أَوْ نَسِيته.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " عَلَى الْأَظْهَرِ، ثَانِيهَا: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْقَبُولِ، ثَالِثُهَا: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي عَدَمِهِ.
(فَإِنْ أَثْبَتَ غَيْرُهُ) : أَيْ غَيْرُ الْجَاهِلِ بِالْأُخْرَى (أَكْثَرَ) بِأَنْ عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ مَعًا (أَخَذَهَا) دُونَ الْأَوَّلِ الْآتِي بِالْوَحْدَةِ فَقَطْ، وَيَبْقَى مَا إذَا ذَكَرَ الْأَوَّلُ الْعِفَاصَ فَقَطْ أَوْ الْوِكَاءَ، وَذَكَرَ الثَّانِي الصِّفَةَ الثَّانِيَةَ فَقَطْ، هَلْ تَكُونُ بَعْدَ الِاسْتِينَاءُ لِلْأَوَّلِ؟ لِأَنَّ الثَّانِيَ لَمْ يَأْتِ بِأَثْبَتَ - كَمَا يُفِيدُهُ مَا تَقَدَّمَ - أَوْ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ حَلِفِهِمَا؟ وَاسْتُظْهِرَ لِتَعَادُلِهِمَا فِي الْوَصْفِ، وَالْأَسْبَقِيَّةُ لَا تَقْتَضِي اسْتِحْقَاقًا.

(وَوَجَبَ) عَلَى مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً (أَخْذُهَا لِخَوْفِ خَائِنٍ) : أَيْ عِنْدَ خَوْفِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَثْبَتَ مِنْ الْأَوَّلِ] : أَيْ بِأَنْ كَانَ وَصْفُ الْأَوَّلِ أَكْثَرَ إثْبَاتًا هَذَا هُوَ الْمُرَادُ، وَأَمَّا إذَا تَسَاوَيَا فِي الْإِثْبَاتِ فَإِنَّهَا تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: [قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ] : أَيْ قَالَ وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ عِنْدِي.
بِخِلَافِ مَا إذَا عَرَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ أَوْ أَحَدَهُمَا وَغَلِطَ فِي الصِّفَةِ فَقَطْ كَأَنْ قَالَ بَنَادِقَةٌ فَإِذَا هِيَ مَحَابِيبُ أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ قَالَ هِيَ يَزِيدِيَّةٌ فَإِذَا هِيَ مُحَمَّدِيَّةٌ أَوْ الْعَكْسُ، فَإِنَّهَا لَا تُدْفَعُ لَهُ اتِّفَاقًا.

قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ عَلَى مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً] : حَاصِلُ هَذَا الْمَبْحَثِ أَنَّ مُرِيدَ الِالْتِقَاطِ إمَّا أَنْ يَعْلَمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ أَوْ خِيَانَتَهَا أَوْ يَشُكَّ فِيهَا، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَخَافَ الْخَائِنَ لَوْ تَرَكَ الْأَخْذَ أَوْ لَا فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِشَرْطَيْنِ إنْ خَافَ الْخَائِنَ وَلَمْ يَعْلَمْ خِيَانَةَ نَفْسِهِ بِأَنْ عَلِمَ أَمَانَتَهَا أَوْ شَكَّ فِيهَا، فَإِنْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ حَرُمَ الْأَخْذُ خَافَ الْخَائِنَ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْخَائِنَ كُرِهَ عَلِمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ أَوْ شَكَّ فِيهَا فَالْوُجُوبُ فِي صُورَتَيْنِ وَكَذَا الْحُرْمَةُ وَكَذَا الْكَرَاهَةُ.
هَذَا حَاصِلُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِحِ وَهُوَ التَّحْرِيرُ.

خَائِنٍ لَا يَعْرِفُهَا لِيَحْفَظَهَا لِرَبِّهَا مِنْ الْخَائِنِ (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ خِيَانَتَهُ هُوَ فَيَحْرُمُ) أَخْذُهَا.
(وَإِلَّا) يَخَفْ خَائِنًا (كُرِهَ) أَخْذُهَا مَعَ عِلْمِهِ أَمَانَةَ نَفْسِهِ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي خِيَانَةِ نَفْسِهِ بِالْأَوْلَى.

(وَ) وَجَبَ (تَعْرِيفُهَا) عَلَى مَنْ الْتَقَطَهَا (سَنَةً) كَامِلَةً (إنْ كَانَ لَهَا بَالٌ وَ) يُعَرِّفُ (نَحْوَ الدَّلْوِ وَالدِّينَارِ) - فَأَقَلَّ - (الْأَيَّامَ) لِأَنَّهَا لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهَا النُّفُوسُ كُلَّ الِالْتِفَاتِ.
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: مَا قَلَّ وَلَهُ قَدْرٌ وَمَنْفَعَةٌ وَيَشِحُّ رَبُّهُ بِهِ وَيَطْلُبُهُ يُعَرَّفُ اتِّفَاقًا، وَفِي تَعْرِيفِهِ سَنَةً أَوْ أَيَّامًا قَوْلَانِ.
وَمَا قَلَّ وَلَا يَطْلُبُهُ عَادَةً فَلِابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ لِمَنْ وَجَدَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ تَعْرِيفُهُ فَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ (انْتَهَى) . قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي أَوَّلَ بَعْضُهُمْ الْمُدَوَّنَةَ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِمْ (انْتَهَى) ، فَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَرَكَ قَوْلَ الْأَكْثَرِ وَرَدَّ عَلَيْهِ بِ " لَوْ " بِقَوْلِهِ: " وَلَوْ كَدَلْوٍ "، وَنَحْنُ دَرَجْنَا عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ لِأَنَّهُ الْمُعْتَمَدُ وَالتَّعْرِيفُ يَكُونُ.
(بِمَظَانِّ طَلَبِهَا وَبِبَابِ الْمَسْجِدِ) لَا دَاخِلِهِ (فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ) مَرَّةً

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [لَا يَعْرِفُهَا] : صِفَةٌ لِخَائِنٍ.
وَقَوْلُهُ: [لِيَحْفَظَهَا] : عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ " أَخَذَهَا ". قَوْلُهُ: [وَإِلَّا يَخَفْ خَائِنًا كُرِهَ] : اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَخَفْ خَائِنًا وَعَلِمَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الِاسْتِحْبَابُ وَالْكَرَاهَةُ وَالتَّفْصِيلُ، يُسْتَحَبُّ فِيمَا لَهُ بَال وَيُكْرَهُ فِي غَيْرِهِ وَاخْتَارَ التُّونُسِيُّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْكَرَاهَةَ مُطْلَقًا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَخَفْ خَائِنًا وَشَكَّ فِي أَمَانَةِ نَفْسِهِ فَالْكَرَاهَةُ اتِّفَاقًا.

[تَعْرِيف اللُّقَطَة]

قَوْلُهُ: [إنْ كَانَ لَهَا بَالٌ] : أَيْ بِأَنْ كَانَتْ فَوْقَ الدَّلْوِ وَالدِّينَارِ.
وَقَوْلُهُ: [فَأَقَلَّ] : أَيْ أَقَلِّيَّةً لَا تَصِلُ لِلتَّافِهِ.
قَوْلُهُ: [قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ] : أَيْ ابْنُ رُشْدٍ.
قَوْلُهُ: [وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي] : أَيْ فِي تَعْرِيفِ الشَّيْءِ الْقَلِيلِ الَّذِي لَهُ قَدْرٌ وَمَنْفَعَةٌ أَيَّامًا.
قَوْلُهُ: [بِقَوْلِهِ وَلَوْ كَدَلْوٍ] : أَيْ حَيْثُ قَالَ وَتَعْرِيفُهُ سَنَةً وَلَوْ كَدَلْوٍ.
قَوْلُهُ: [وَبِبَابِ الْمَسْجِدِ] : أَيْ وَمِثْلُهُ السُّوقُ.
قَوْلُهُ: [لَا دَاخِلَهُ] : أَيْ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِاحْتِرَامِ الْمَسْجِدِ.
قَوْلُهُ: [فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ] : هَذَا فِي غَيْرِ أَوَّلِ زَمَانِ التَّعْرِيفِ إذْ فِي أَوَّلِهِ يَنْبَغِي أَنْ

(بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ) لِأَمَانَتِهِ.
وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ دَفَعَهَا لِأَمِينٍ يُعَرِّفُهَا.

(أَوْ) يُعَرِّفُهَا غَيْرُهُ (بِأُجْرَةٍ مِنْهَا، إنْ لَمْ يَلِقْ) التَّعْرِيفُ (بِمِثْلِهِ) لِكَوْنِهِ مِنْ أُولِي الْهَيْئَاتِ؛ وَإِلَّا ضَمِنَ؛ كَمَا لَوْ تَرَاخَى فِي التَّعْرِيفِ حَتَّى هَلَكَتْ.
(وَ) عَرَّفَهَا (بِالْبَلَدَيْنِ إنْ وُجِدَتْ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ مِنْ مَظَانِّ طَلَبِهَا.

(وَلَا يَذْكُرُ) الْمُعَرِّفُ (جِنْسَهَا) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ بِوَصْفٍ عَامٍّ: كَأَمَانَةٍ أَوْ مَالٍ أَوْ شَيْءٍ، لِأَنَّ ذِكْرَ جِنْسِهَا الْخَاصِّ رُبَّمَا أَدَّى بَعْضَ أَذْهَانِ الْحُذَّاقِ إلَى ذِكْرِ عِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ.

[حاشية الصاوي]

يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
فَفِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً، ثُمَّ فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ مَرَّةً، ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَرَّةً، ثُمَّ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً، كَمَا ذَكَرَهُ شَارِحُ الْمُوَطَّإِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [بِنَفْسِهِ] : مُتَعَلِّقٌ بِتَعْرِيفِهَا كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ بِمَظَانِّ طَلَبِهَا كَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ مَعْنَى الْبَاءَيْنِ لِأَنَّ الْبَاءَ الْأُولَى بِمَعْنَى فِي وَالثَّانِيَةَ لِلْآلَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ دَفَعَهَا لِأَمِينٍ] إلَخْ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسَاوِهْ فِي الْأَمَانَةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُودَعِ حَيْثُ يَضْمَنُ إنْ أَوْدَعَ وَلَوْ أَمِينًا لِغَيْرِ عُذْرٍ أَنَّ رَبَّهَا هُنَا لَمْ يُعَيِّنْهُ لِحِفْظِهَا بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ.

قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَلِقْ التَّعْرِيفُ بِمِثْلِهِ] : قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ أَوْ بِأُجْرَةٍ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا ضَمِنَ] : أَيْ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ مِمَّنْ يُعَرِّفُ مِثْلَهُ وَاسْتَأْجَرَ مَنْ يُعَرِّفُهَا مِنْهَا وَضَاعَتْ مِنْهُ ضَمِنَ وَهَذَا الْقَيْدُ تَبِعَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ خَلِيلًا التَّابِعَ لِابْنِ الْحَاجِبِ، ابْنُ عَرَفَةَ وَظَاهِرُ اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ أَنَّ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَدْفَعَهَا لِمَنْ يُعَرِّفُهَا بِأُجْرَةٍ مِنْهَا وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ يَلِي تَعْرِيفَهَا بِنَفْسِهِ إذَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ (اهـ بْن) . قَوْلُهُ: [وَعَرَّفَهَا بِالْبَلَدَيْنِ] إلَخْ: قَالَ اللَّقَانِيُّ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَقْرَبَ مِنْ الْأُخْرَى، وَيَنْبَغِي إذَا كَانَتْ أَقْرَبَ إلَى إحْدَاهُمَا مِنْ الْأُخْرَى قُرْبًا مُتَأَكِّدًا بِحَيْثُ يَقْطَعُ الْقَاطِعُ بِأَنَّهَا مِنْ هَذِهِ دُونَ الْأُخْرَى أَنَّهُ إنَّمَا يُعَرِّفُهَا فِي الَّتِي هِيَ أَقْرَبُ.

قَوْلُهُ: [كَأَمَانَةٍ] : مِثْلُ ذَلِكَ مَنْ ضَاعَ لَهُ ضَائِعٌ.

(وَلَا يُعَرَّفُ) شَيْءٌ (تَافِهٌ) وَهُوَ مَا لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ النَّفْسُ عَادَةً؛ كَدُونَ الدِّرْهَمِ الشَّرْعِيِّ وَعَصًا وَسَوْطٍ، وَكَقَلِيلٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ وَلَهُ أَكْلُهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ رَبَّهُ، وَإِلَّا مُنِعَ وَضَمِنَ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَا فَوْقَ التَّافِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَالٌ قَوِيٌّ؛ كَالدَّلْوِ وَالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ الشَّرْعِيِّ يُعَرَّفُ أَيَّامًا بِمُقْتَضَى النَّظَرِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ؛ فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ.

(وَلَهُ) : أَيْ لِلْمُلْتَقِطِ (حَبْسُهَا) : أَيْ اللُّقَطَةِ عِنْدَهُ (بَعْدَهَا) : أَيْ السَّنَةِ لَعَلَّهُ أَنْ يَظْهَرَ صَاحِبُهَا (أَوْ التَّصَدُّقُ بِهَا) عَنْ رَبِّهَا أَوْ عَنْ نَفْسِهِ (أَوْ التَّمَلُّكُ) لَهَا بِأَنْ يَنْوِيَ تَمَلُّكَهَا،

(وَلَوْ) وَجَدَهَا (بِمَكَّةَ) فَلَهُ أَحَدُ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ.
وَقِيلَ: إنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ يَجِبُ تَعْرِيفُهَا أَبَدًا عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا وَلَا التَّصَدُّقُ بِهَا.

(وَضَمِنَ) الْمُلْتَقِطُ (فِيهِمَا) : أَيْ فِي التَّصَدُّقِ بِهَا وَلَوْ عَنْ رَبِّهَا وَفِي نِيَّةِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَلَا يُعَرَّفُ شَيْءٌ تَافِهٌ] : قَدَّمَ أَوَّلًا أَنَّ مَا لَهُ بَالٌ مِمَّا كَانَ فَوْقَ الدِّينَارِ وَنَحْوِهِ يُعَرَّفُ سَنَةً وَنَحْوُ الدَّلْوِ وَالدِّينَارِ يُعَرَّفُ الْأَيَّامَ وَأَفَادَ هُنَا أَنَّ التَّافِهَ لَا يُعَرَّفُ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا مُنِعَ] : أَيْ وَإِلَّا بِأَنْ عُلِمَ رَبُّهُ وَإِنَّمَا مُنِعَ أَكْلُهُ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لُقَطَةً، بَلْ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.

[حَبْسُ اللُّقَطَةِ]

قَوْلُهُ: [أَيْ لِلْمُلْتَقِطِ حَبْسُهَا] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَخْيِيرِ الْمُلْتَقِطِ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ إذَا كَانَ غَيْرَ الْإِمَامِ، وَأَمَّا الْإِمَامُ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا حَبْسُهَا أَوْ بَيْعُهَا لِصَاحِبِهَا وَوَضْعُ ثَمَنِهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَيْسَ لَهُ التَّصَدُّقُ بِهَا وَلَا تَمَلُّكُهَا لِمَشَقَّةِ خَلَاصِ مَا فِي ذِمَّتِهِ.
بِخِلَافِ غَيْرِهِ (اهـ عب) .

[لقطة مَكَّة]

قَوْلُهُ: [وَقِيلَ إنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ] إلَخْ: أَيْ كَمَا هُوَ لِلْبَاجِيِّ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ.
قَوْلُهُ: [عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ] : أَيْ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَحِلُّ لُقَطَةُ الْحَاجِّ» ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّ لُقَطَتَهَا لَا تَحِلُّ إلَّا لِمُنْشِدٍ» ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْبَاجِيُّ: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ وَلِذِكْرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بَعْدَ جُمْلَةِ لَا تَحِلُّ فِيهَا أَبَدًا وَهِيَ: «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا» ؛ أَيْ لَا يُقْطَعُ حَشِيشُهَا، وَالْأَصْلُ تَجَانُسُ الْمَعْطُوفَاتِ فِي النَّفْيِ الْأَبَدِيِّ.
وَأَجَابَ الْمَشْهُورُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ لَا تَحِلُّ قَبْلَ السَّنَةِ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ فِي مَكَّةَ مَعَ أَنَّ عَدَمَ حِلِّهَا قَبْلَ السَّنَةِ عَامٌّ فِي مَكَّةَ وَغَيْرِهَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ تَعْرِيفِ لَقَطَهَا بِانْصِرَافِ الْحُجَّاجِ فَتَأَمَّلْ.

تَمَلُّكِهَا إذَا جَاءَ رَبُّهَا.
(كَنِيَّةِ أَخْذِهَا) : أَيْ كَمَا يَضْمَنُ إذَا أَخَذَهَا بِنِيَّةِ تَمَلُّكِهَا (قَبْلَهَا) : أَيْ قَبْلَ السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ بِتِلْكَ النِّيَّةِ صَارَ كَالْغَاصِبِ فَيَضْمَنُهَا لِرَبِّهَا وَلَوْ تَلِفَتْ بِسَمَاوِيٍّ بَعْدَ تِلْكَ النِّيَّةِ.
وَأَوْلَى لَوْ نَوَى التَّمَلُّكَ عِنْدَ الْتِقَاطِهَا.
(وَ) ضَمِنَ فِي (رَدِّهَا لِمَوْضِعِهَا) ؛ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ وَأَوْلَى لِغَيْرِهِ (بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ) وَالتَّعْرِيفِ، سَوَاءٌ رَدَّهَا بَعْدَ بُعْدٍ أَوْ قُرْبٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: إنْ رَدَّهَا بِقُرْبٍ فَلَا ضَمَانَ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ: " إلَّا بِقُرْبٍ فَتَأْوِيلَانِ ". وَمَفْهُومٌ لِلْحِفْظِ - أَيْ التَّعْرِيفِ - أَنَّهُ إنْ أَخَذَهَا بِنِيَّةِ الِاغْتِيَالِ فَلَا ضَمَانَ بِرَدِّهَا لِمَوْضِعِهَا مُطْلَقًا لِوُجُوبِ رَدِّهَا عَلَيْهِ؛ وَأَمَّا لَوْ أَخَذَهَا لِيَسْأَلَ عَنْهَا مُعَيِّنًا فَلَا ضَمَانَ إنْ رَدَّهَا بِقُرْبٍ لِوُجُوبِ الرَّدِّ عَلَيْهِ فَوْرًا.
وَضَمِنَ إنْ رَدَّهَا بِبُعْدٍ، وَهَذَا الثَّالِثُ؛ هُوَ مَحْمَلُ قَوْلِنَا فِي شَرْحِ كَلَامِ الشَّيْخِ: " وَعَنْ بُعْدٍ ضَمِنَ " أَخَذَهَا لِلْحِفْظِ أَمْ لَا، أَيْ بِأَنْ أَخَذَهَا لِيَسْأَلَ عَنْهَا مُعَيِّنًا.

[حاشية الصاوي]

[التَّصَدُّقِ بِاللُّقَطَةِ]

قَوْلُهُ: [وَأَوْلَى لَوْ نَوَى التَّمَلُّكَ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الصُّوَرَ ثَلَاثٌ: الْأُولَى مَا إذَا رَآهَا مَطْرُوحَةً فَنَوَى أَخْذَهَا تَمَلُّكًا ثُمَّ تَرَكَهَا وَلَمْ يَأْخُذْهَا فَتَلِفَتْ.
الثَّانِيَةُ مَا إذَا نَوَى تَمَلُّكَهَا وَأَخَذَهَا فَتَلِفَتْ.
الثَّالِثَةُ مَا إذَا أَخَذَهَا لِلتَّعْرِيفِ ثُمَّ نَوَى تَمَلُّكَهَا قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ؛ فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّ نِيَّةَ الِاغْتِيَالِ وَحْدَهَا لَا تُعْتَبَرُ، وَفِي الثَّانِيَةِ الضَّمَانُ قَطْعًا لِمُصَاحَبَةِ فِعْلِهِ لِنِيَّتِهِ، وَفِي الثَّالِثَةِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ نَظَرًا إلَى أَنَّ نِيَّةَ الِاغْتِيَالِ مُجَرَّدَةٌ عَنْ مُصَاحَبَةِ فِعْلِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ بِالضَّمَانِ نَظَرًا إلَى أَنَّ نِيَّةَ الِاغْتِيَالِ قَدْ صَاحَبَهَا فِعْلٌ وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ التَّعْرِيفِ، وَارْتَضَاهُ (ح) وَمَشَى عَلَيْهِ شَارِحُنَا.
قَوْلُهُ: [وَالتَّعْرِيفِ] : عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
قَوْلُهُ: [فَلَا ضَمَانَ بِرَدِّهَا لِمَوْضِعِهَا] : أَيْ بَلْ الضَّمَانُ بِإِبْقَائِهَا لِمُخَالَفَةِ الْوَاجِبِ.
قَوْلُهُ: [وَضَمِنَ إنْ رَدَّهَا بِبُعْدٍ] : إنَّمَا ضَمِنَ فِي الْبُعْدِ لِأَنَّ الشَّأْنَ أَنَّ صَاحِبَهَا جَاءَ لِلْمَكَانِ بِقُرْبٍ وَأَيِسَ مِنْهَا فَلَا يَعُودُ فِي الْبُعْدِ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ مَحْمَلُ قَوْلِنَا فِي شَرْحِ كَلَامِ الشَّيْخِ] إلَخْ: لَكِنَّ قَوْلَهُ فِيهِ أَخَذَهَا لِلْحِفْظِ أَمْ لَا خُرُوجٌ عَنْ الْمَوْضُوعِ: لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ أَنَّهُ أَخَذَهَا لَا لِلْحِفْظِ بَلْ لِيَسْأَلَ عَنْهَا.

(وَالرَّقِيقُ) فِي الِالْتِقَاطِ (كَالْحُرِّ) فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبٍ أَوْ حُرْمَةٍ أَوْ كَرَاهَةٍ وَتَعْرِيفٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ.
(وَ) الضَّمَانُ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بِمَا مَرَّ (قَبْلَ السَّنَةِ) يَكُونُ (فِي رَقَبَتِهِ) فَيُبَاعُ فِيهَا مَا لَمْ يَفْدِهِ سَيِّدُهُ.
وَلَيْسَ لَهُ إسْقَاطُهُ عَنْهُ وَبَعْدَ السَّنَةِ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ فَيُتْبَعُ بِهَا إنْ عَتَقَ وَلَا يُبَاعُ فِيهَا.

(وَلَهُ) : أَيْ لِلْمُلْتَقِطِ - حُرًّا أَوْ رَقِيقًا - (أَكْلُ مَا يَفْسُدُ) لَوْ تَرَكَهُ؛ كَثَرِيدٍ وَلَحْمٍ وَفَاكِهَةٍ وَخُضَرٍ، بِخِلَافِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَا يَفْسُدُ، فَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهُ (وَلَوْ) وَجَدَهُ (بِقَرْيَةٍ) كَمَا لَوْ وَجَدَهُ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ (وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ) فِي أَكْلِهِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَالرَّقِيقُ] : أَيْ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ وُجُوبٍ] : أَيْ وَهُوَ فِي صُورَتَيْنِ.
قَوْلُهُ [أَوْ حُرْمَةٍ] : أَيْ وَهِيَ فِي صُورَتَيْنِ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ: [أَوْ كَرَاهَةٍ] : أَيْ وَهِيَ فِي صُورَتَيْنِ أَيْضًا.
وَقَوْلُهُ: [وَتَعْرِيفٍ] : أَيْ وَوُجُوبِ تَعْرِيفٍ مِنْ سَنَةٍ أَوْ أَيَّامٍ.
وَقَوْلُهُ: [وَغَيْرِ ذَلِكَ] : أَيْ كَالْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي يَفْعَلُهَا بَعْدَ أَمَدِ التَّعْرِيفِ وَبَاقِي الْأَحْكَامِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ.
قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ] : أَيْ الِالْتِقَاطِ لِأَنَّهُ يُعَرِّفُهَا حَالَ خِدْمَتِهِ فَلَا تَشْغَلُهُ.
قَوْلُهُ: [وَبَعْدَ السَّنَةِ] : أَيْ إذَا ضَاعَتْ بَعْدَ السَّنَةِ بِتَفْرِيطٍ أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا وَتَمَلَّكَهَا

[أَكْلُ مَا يَفْسُدُ مِنْ اللُّقَطَةِ]

قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ التَّمْرِ] : إلَخْ سَيَأْتِي يُصَرِّحُ الْمَتْنُ بِهَذَا الْمَفْهُومِ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ هُنَا فَإِنَّهُ أَوْجَبَ التَّعْقِيدَ قَوْلُهُ: [وَلَوْ وَجَدَهُ بِقَرْيَةٍ] : مُبَالَغَةٌ عَلَى أَكْلِ مَا يَفْسُدُ.
وَقَوْلُهُ: [كَمَا لَوْ وَجَدَهُ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ] : تَشْبِيهٌ فِي جَوَازِ الْأَكْلِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدَّرَ قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ عَدَمُ جَوَازِ أَكْلٍ حَيْثُ كَانَ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ وَإِنَّمَا يُتَوَهَّمُ لَوْ وُجِدَ بِقَرْيَةٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهِ] : الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مَا يَفْسُدُ، وَالْمَعْنَى لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهِ بَعْدَ الِاسْتِينَاءُ بِقَدْرِ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ ظَاهِرُهُ مُطْلَقًا قَلَّ ثَمَنُهُ أَوْ كَثُرَ، وَلَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ بِيعَ وَوُقِفَ ثَمَنُهُ.
وَقَالَ فِي

(كَغَيْرِهِ) : أَيْ غَيْرِ مَا يُفْسِدُهُ كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ فَلَهُ أَكْلُهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَنٌ) لِقِلَّتِهِ جِدًّا؛ نَحْوُ التَّمْرَةِ وَالزَّبِيبَةِ فَإِنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ فَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهُ.
فَإِنْ أَكَلَهُ ضَمِنَ.

(وَ) لَهُ أَكْلُ (شَاةٍ) مِنْ ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ وَجَدَهَا (بِفَيْفَاءَ) لَا بِعُمْرَانٍ وَعَسُرَ عَلَيْهِ حَمْلُهَا لِلْعُمْرَانِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهَا.
فَإِنْ تَيَسَّرَ حَمْلُهَا وَجَبَ عَلَيْهِ حَمْلُهَا وَتَعْرِيفُهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
(فَإِنْ حَمَلَهَا) : أَيْ الشَّاةَ الَّتِي يَجُوزُ أَكْلُهَا لِعُسْرِ حَمْلِهَا، بِأَنْ تَكَلَّفَ حَمْلَهَا

[حاشية الصاوي]

الْمَجْمُوعِ لَهُ أَكْلُ مَا يَفْسُدُ وَضَمِنَ مَا لَهُ ثَمَنٌ (اهـ) . قَوْلُهُ: [فَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهُ] : هَذَا ظَاهِرٌ إنْ كَانَ مِمَّا يُعَرَّفُ بِأَنَّهُ كَانَ ثَمَنُهُ يَزِيدُ عَلَى الدَّرَاهِمِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعَرَّفُ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِ أَكْلِهِ، وَإِنَّمَا إذَا أَكَلَهُ ضَمِنَهُ لِرَبِّهِ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ أَكَلَهُ ضَمِنَ] : أَيْ حَيْثُ وُجِدَ رَبُّهُ.
وَحَاصِلُ التَّحْرِيرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّهُ إذَا الْتَقَطَ طَعَامًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَفْسُدَ بِالتَّأْخِيرِ أَوْ لَا، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُعَرَّفُ أَوْ أَقَلَّ مِمَّا يُعَرَّفُ أَوْ لَا ثَمَنَ لَهُ أَصْلًا كَالتَّمْرَةِ وَالزَّبِيبَةِ وَالْعِنَبَةِ.
فَهَذِهِ سِتٌّ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَفْسُدُ أُكِلَ بَعْدَ الِاسْتِينَاءُ قَلِيلًا، فَإِنْ ظَهَرَ رَبُّهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا عَلَى مَا لِلْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ، وَضَمِنَ قِيمَتَهُ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ عَلَى مَا لِابْنِ رُشْدٍ وَالْمَجْمُوعِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَفْسُدُ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُعَرَّفُ عَرَّفَهُ وَجَرَى فِيهِ أَحْكَامُ التَّعْرِيفِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُعَرَّفُ أَكَلَهُ وَضَمِنَهُ لِرَبِّهِ إنْ كَانَ لَهُ ثَمَنٌ فَتَأَمَّلْ.

قَوْلُهُ: [وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِهَا] : هَذَا يُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الضَّمَانِ فِي الطَّعَامِ الَّذِي يَفْسُدُ مُطْلَقًا، بَلْ هُوَ أَحْرَوِيٌ وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ شَارِحُنَا وَخَلِيلٌ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَيَسَّرَ حَمْلُهَا وَجَبَ عَلَيْهِ] إلَخْ: أَيْ فَإِنْ أَكَلَهَا حِينَئِذٍ ضَمِنَ إنْ عُلِمَ رَبُّهَا.
قَوْلُهُ: [وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ] : أَيْ وَمَا فِي (عب) مِنْ جَوَازِ الْأَكْلِ مُطْلَقًا تَيَسَّرَ حَمْلُهَا أَوْ لَا فَضَعِيفٌ كَمَا فِي (بْن) .

لِلْعُمْرَانِ (حَيَّةً عُرِّفَتْ) وُجُوبًا وَعَلَى رَبِّهَا أُجْرَةُ حَمْلِهَا.
وَإِنْ حَمَلَهَا مَذْبُوحَةً فَرَبُّهَا أَحَقُّ بِهَا إنْ عَلِمَ قَبْلَ أَكْلِهَا وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ حَمْلِهَا.

(وَ) لَهُ أَكْلُ (بَقَرَةٍ بِمَحَلِّ خَوْفٍ) مِنْ سِبَاعٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ بِفَيْفَاءَ - وَعَسُرَ سَوْقُهَا - لِلْعُمْرَانِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ تَكَلَّفَ سَوْقَهَا عُرِّفَتْ كَالشَّاةِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ سَوَّى بَيْنَ الْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ بِمَحَلِّ الْخَوْفِ فِي عُسْرِ الْإِتْيَانِ بِهِمَا إلَى الْعُمْرَانِ فَلِذَا قُلْنَا: (عَسُرَ سَوْقُهُمَا) لِلْعُمْرَانِ.
فَإِنْ تَيَسَّرَ وَجَبَ حَمْلُهُمَا وَتَعْرِيفُهُمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا.
(وَ) إنْ وُجِدَتْ (بِأَمْنٍ) : أَيْ بِمَحَلٍّ مَأْمُونٍ (تُرِكَتْ) . فَإِنْ أَكَلَهَا ضَمِنَ، وَإِنْ حَمَلَهَا لِلْعُمْرَانِ عُرِّفَتْ كَمَا لَوْ وَجَدَهَا بِهِ.
(كَإِبِلٍ) : فَإِنَّهَا تُتْرَكُ وُجُوبًا (مُطْلَقًا) وَجَدَهَا بِصَحْرَاءَ أَوْ بِالْعُمْرَانِ.
إنْ خَافَ عَلَيْهَا أَمْ لَا، وَقِيلَ: إنْ خِيفَ عَلَيْهَا مِنْ خَائِنٍ أُخِذَتْ وَعُرِّفَتْ أَوْ بِيعَتْ وَوُقِفَ ثَمَنُهَا لِصَاحِبِهَا، وَقِيلَ: إنْ خِيفَ عَلَيْهَا مِنْ السِّبَاعِ كَأَنْتَ فِي حُكْمِ الْغَنَمِ لِوَاجِدِهَا أَكْلُهَا.
وَقِيلَ: بَلْ تُؤْخَذُ لِتُعَرَّف إذْ لَا مَشَقَّةَ فِي حَمْلِهَا.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَعَلَى رَبِّهَا أُجْرَةُ حَمْلِهَا] : أَيْ يُخَيَّرُ رَبُّهَا بَيْنَ أَخْذِهَا وَدَفْعِ أُجْرَةِ حَمْلِهَا أَوْ تَرْكِهَا لِمَنْ حَمَلَهَا فَحَمْلُهَا كَالنَّفَقَةِ عَلَيْهَا لَا يَتْبَعُ بِهِ ذِمَّةَ رَبِّهَا، بَلْ فِي عَيْنِهَا إنْ شَاءَ رَبُّهَا دَفَعَهُ أَوْ تَرَكَهَا فِيهِ.
خِلَافًا لِمَا تُوهِمُهُ عِبَارَتُهُ أَوَّلًا وَآخِرًا مِنْ تَحَتُّمِ أُجْرَةِ الْحَمْلِ عَلَى رَبِّهَا.

قَوْلُهُ: [وَجَبَ حَمْلُهُمَا وَتَعْرِيفُهُمَا] : أَيْ وَيُؤْخَذُ مِنْ رَبِّهِمَا أُجْرَةُ الْحَمْلِ أَوْ يَتْرُكُهُمَا لِمَنْ جَاءَ بِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فَقَوْلُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا أَيْ فِي مَسْأَلَةِ الشَّاةِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ حَمَلَهَا لَلْعُمْرَانِ عُرِّفَتْ] : أَيْ إنْ تَجَرَّأَ وَخَالَفَ الْوَاجِبَ مِنْ التَّرْكِ وَانْظُرْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ هَلْ يَلْزَمُ رَبَّهَا أُجْرَةُ حَمْلِهَا أَوْ لَا لِتَعْدِيهِ بِالْحَمْلِ؟ قَوْلُهُ: [خَافَ عَلَيْهِمَا أَمْ لَا] : أَيْ فَفِي (بْن) الْمُعْتَمَدُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ تَرْكُهَا مُطْلَقًا.
قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ عَدَمَ الْتِقَاطِ الْإِبِلِ - قِيلَ إنَّ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الزَّمَانِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ، وَقِيلَ هُوَ خَاصٌّ بِزَمَنِ الْعَدْلِ وَصَلَاحِ النَّاسِ، وَأَمَّا فِي الزَّمَانِ الَّذِي فَسَدَ فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّهَا تُؤْخَذُ وَتُعَرَّفُ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ رَبُّهَا بِيعَتْ وَوُقِفَ ثَمَنُهَا فَإِنْ أَيِسَ مِنْهُ تَصَدَّقَ بِهِ كَمَا فَعَلَ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا دَخَلَ

(فَإِنْ أُخِذَتْ) الْإِبِلُ لِلْعُمْرَانِ تَعَدِّيًا (عُرِّفَتْ) سَنَةً (ثُمَّ) بَعْدَ تَعْرِيفِهَا سَنَةً (تُرِكَتْ) بِمَحَلِّهَا الَّذِي أُخِذَتْ مِنْهُ.

(وَلَهُ) : أَيْ لِمَنْ الْتَقَطَ دَابَّةً - مِنْ حِمَارٍ وَبَقَرٍ وَفَرَسٍ - (كِرَاءُ دَابَّةٍ) الْتَقَطَهَا (لِعَلَفِهَا) : أَيْ لِأَجْلِ عَلْفِهَا (مِنْهُ كِرَاءً مَأْمُونًا) : أَيْ لَا يَخْشَى عَلَيْهَا مِنْهُ وَجِيبَةً أَوْ مُشَاهَرَةً.
(وَ) لَهُ (رُكُوبُهَا) مِنْ مَوْضِعِ الْتِقَاطِهَا (لِمَوْضِعِهِ) وَإِنْ لَمْ يَعْسُرْ قَوْدُهَا.
(وَإِلَّا) بِأَنْ أَكْرَاهَا لِغَيْرِ عَلَفِهَا أَوْ أَزْيَدَ مِنْهُ أَوْ كِرَاءً غَيْرَ مَأْمُونٍ فَعَطِبَتْ أَوْ هَلَكَتْ أَوْ رَكِبَهَا لِغَيْرِ مَوْضِعِهِ أَوْ فِي حَوَائِجِهِ (ضَمِنَ) قِيمَتَهَا إنْ هَلَكَتْ أَوْ أَرْشَ الْعَيْبِ إنْ تَعَيَّبَتْ؛ وَمَا زَادَ عَلَى عَلَفِهَا إنْ لَمْ تَهْلَكْ (وَ) لَهُ (غَلَّتُهَا) مِنْ لَبَنٍ وَسَمْنٍ وَإِنْ زَادَ عَلَى عَلَفِهَا، (لَا) : أَيْ لَيْسَ لَهُ (نَسْلُهَا)

[حاشية الصاوي]

النَّاسَ فِي زَمَنِهِ الْفَسَادُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا (اهـ) . قَوْلُهُ: [ثُمَّ بَعْدَ تَعْرِيفِهَا سَنَةً تُرِكَتْ] : قَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا فِي زَمَنِ الْعَدْلِ وَالصَّلَاحِ لَا فِي مِثْلِ زَمَانِنَا.

[النَّفَقَة عَلَى اللُّقَطَةِ]

قَوْلُهُ: [كِرَاءُ دَابَّةٍ] إلَخْ: إنَّمَا جَازَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ رَبَّهَا لَمْ يُوَكِّلْهُ فِيهِ لِأَنَّهَا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ عَلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلَحُ لِرَبِّهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا أَكْرَاهَا وَجِيبَةً كِرَاءً مَأْمُونًا ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا قَبْلَ تَمَامِهِ فَلَيْسَ لَهُ فَسْخُهُ لِوُقُوعِ ذَلِكَ الْعَقْدِ بِوَجْهٍ جَائِزٍ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [ضَمِنَ قِيمَتَهَا إنْ هَلَكَتْ] : أَيْ وَيُقَدَّمُ فِي الضَّمَانِ الْمُسْتَأْجِرُ فِي الْكِرَاءِ لِغَيْرِ الْمَأْمُونِ لِأَنَّهُ مُبَاشِرُهُ وَالْمُلْتَقِطُ مُتَسَبِّبٌ.
قَوْلُهُ: [وَمَا زَادَ عَلَى عَلَفِهَا] : أَيْ فَإِذَا أُكْرِمَتْ لِأَجْلِ الْعَلَفِ وَزَادَ مِنْ كِرَائِهَا شَيْءٌ عَلَى الْعَلَفِ لَمْ يَكُنْ لِلْمُلْتَقِطِ أَخْذُهُ لِنَفْسِهِ، بَلْ يُبْقِيهِ لِرَبِّهَا إذَا جَاءَ عِنْدَ سَلَامَتِهَا.
قَوْلُهُ: [وَلَهُ غَلَّتُهَا] : أَيْ فِي مُقَابَلَةِ نَفَقَتِهَا إذَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ يُكْرِهَا فِي عَلَفِهَا وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهَا فِي مَصَالِحِهِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ لَبَنٍ وَسَمْنٍ] : بَيَانٌ لِلْغَلَّةِ الْمُرَادَةِ هُنَا.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ زَادَ عَلَى عَلَفِهَا] : أَيْ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِرِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ خِلَافًا لِظَاهِرِ نَقْلِ ابْنُ رُشْدٍ وَسَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ مِنْ أَنَّ لَهُ مِنْ الْغَلَّةِ بِقَدْرِ عَلَفِهِ وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ لُقَطَةٌ مَعَهَا.
قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وَفِي كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ مَيْلٌ لِتَرْجِيحِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ.

وَصُوفُهَا وَشَعْرُهَا.

(وَوَجَبَ لَقْطُ طِفْلٍ) : أَيْ صَغِيرٍ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ مِنْ نَفَقَةٍ وَغَيْرِهَا.
وَالْمُرَادُ بِلَقْطِهِ: أَخْذُهُ لِلْحِفْظِ (كِفَايَةً) : أَيْ وُجُوبَ كِفَايَةٍ إذَا وَجَدَهُ جَمَاعَةٌ بِمَضْيَعَةٍ، أَوْ كَانَ الْمَكَانُ مَطْرُوقًا لِلنَّاسِ.
وَإِلَّا تَعَيَّنَ عَلَى مَنْ وَجَدَهُ لَقْطُهُ.
وَيُسَمَّى الطِّفْلُ الْمَلْقُوطُ؛ لَقِيطًا، وَعَرَّفَ ابْنُ عَرَفَةَ اللَّقِيطَ بِقَوْلِهِ: صَغِيرٌ آدَمِيٌّ لَمْ يُعْلَمْ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَصُوفُهَا] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ تَامًّا أَوْ غَيْرَ تَامٍّ فَهُوَ لِرَبِّهَا مِثْلُ النَّسْلِ يَكُونُ لُقَطَةً مَعَهَا.
تَنْبِيهٌ: لَوْ أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ عَلَى اللُّقَطَةِ مِنْ عِنْدِهِ كُلَّ النَّفَقَةِ أَوْ بَعْضَهَا كَمَا لَوْ أَكْرَاهَا فَنَقَصَ الْكِرَاءُ عَنْ نَفَقَتِهَا وَكَمَّلَ الْمُلْتَقِطُ نَفَقَتَهَا مِنْ عِنْدِهِ فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُسْلِمَ لَهُ اللُّقَطَةَ فِي نَفَقَتِهِ أَوْ يَفْتَدِيهَا مِنْ الْمُلْتَقِطِ بِدَفْعِ النَّفَقَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي ذَاتِ اللُّقَطَةِ كَالْجِنَايَةِ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ إنْ أَسْلَمَهُ الْمَالِكُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادَ أَخْذَهُ غَرِمَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ وَحَيْثُ قُلْنَا بِخِيَارِ رَبِّهَا وَرَضِيَ بِتَرْكِهَا فِي النَّفَقَةِ، ثُمَّ أَرَادَ أَخْذَهَا ثَانِيَةً وَدَفْعَ النَّفَقَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا لِلْمُتَلَقِّطِ بِمُجَرَّدِ رِضَاهُ، وَالظَّاهِرُ - كَمَا قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ - أَنَّ عَكْسَهُ كَذَلِكَ أَيْ إذَا دَفَعَ لَهُ النَّفَقَةَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُسْلِمَهُ الشَّيْءَ الْمُلْتَقَطَ وَيَأْخُذَ مِنْهُ النَّفَقَةَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.

[اللَّقِيط]

قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ لَقْطُ طِفْلٍ] : ظَاهِرُهُ وَلَوْ عَلَى امْرَأَةٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَقْتَ إرَادَتِهَا الْأَخْذَ أَوْ لَهَا وَأَذِنَ لَهَا فِيهِ وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا لِأَنَّ لَهُ مَنْعَهَا، فَإِنْ أَخَذَتْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَانَ لَهُ رَدُّهُ لِمَحَلٍّ مَأْمُونٍ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ وَكَانَ لَهَا مَالٌ أَنْفَقَتْ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَإِنْ أَذِنَ لَهَا فِي أَخْذِهِ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ لَهَا مَالٌ لِأَنَّهُ بِالْإِذْنِ صَارَ كَأَنَّهُ الْمُلْتَقِطُ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [بِمَضْيَعَةٍ] : إنَّمَا قَالَ بِمَضْيَعَةٍ لِأَجْلِ أَنْ يَشْمَلَ مَنْ نُبِذَ قَصْدًا وَمَنْ ضَلَّ عَنْهُ أَهْلُهُ، وَيُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ فِي غَيْرِ حِرْزٍ إذْ أَخْذُ مَنْ فِي الْحِرْزِ سَرِقَةٌ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا تَعَيَّنَ] : أَيْ وَجَبَ عَيْنًا كَمَا فِي الْإِشْهَادِ، وَلَوْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ فِي دَعْوَى رِقِّيَّتِهِ مَثَلًا فَيَلْزَمُ الِالْتِقَاطُ، وَتَرْكُ الْخِيَانَةِ، وَلَا يَكُونُ عِلْمُهُ بِالْخِيَانَةِ عُذْرًا يُسْقِطُ عَنْهُ الْوُجُوبَ لِعِظَمِ حُرْمَةِ الْآدَمِيِّ.

أَبُوهُ وَلَا رِقُّهُ، فَخَرَجَ وَلَدُ الزَّانِيَةِ الْمَعْلُومَةِ.
وَمَنْ عُلِمَ رِقُّهُ لُقَطَةٌ لَا لَقِيطٌ (انْتَهَى) . (وَنَفَقَتُهُ) وَحَضَانَتُهُ وَاجِبَةٌ (عَلَى مُلْتَقِطِهِ) حَتَّى يَبْلُغَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ (إنْ لَمْ يُعْطَ) مَا يَكْفِيهِ (مِنْ الْفَيْءِ) : أَيْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ أُعْطِيَ مِنْهُ لَمْ تَجِبْ النَّفَقَةُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ) أَيْ اللَّقِيطِ (مَالٌ مِنْ كَهِبَةٍ) أَدْخَلَتْ الْكَافُ: الصَّدَقَةَ وَالْحُبْسَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَنَفَقَتُهُ مِنْ مَالِهِ وَيُجَوِّزُهُ لَهُ مُلْتَقَطُهُ، فَعُلِمَ تَقْدِيمُ مَالِهِ ثُمَّ الْفَيْءِ ثُمَّ الْحَاضِنِ (أَوْ يُوجَدُ مَعَهُ) مَالٌ مَرْبُوطٌ بِثَوْبِهِ (أَوْ) يُوجَدُ مَالٌ (مَدْفُونًا) بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ وَالرَّفْعِ عَلَى النَّعْتِ (تَحْتَهُ) فَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ (إنْ كَانَ مَعَهُ رُقْعَةٌ) : أَيْ وَرَقَةٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا أَنَّ الْمَالَ الْمَدْفُونَ تَحْتَهُ لِلطِّفْلِ فَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَإِلَّا كَانَ لُقَطَةً يُعَرَّفُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَخَرَجَ وَلَدُ الزَّانِيَةِ] : أَيْ بِقَوْلِهِ لَمْ يُعْلَمْ أَبَوَاهُ وَأَمَّا هَذَا فَقَدْ عُلِمَ أَحَدُهُمَا.
قَوْلُهُ: [وَمَنْ عُلِمَ رِقُّهُ لُقَطَةٌ] : مَعْطُوفٌ عَلَى وَلَدِ الزَّانِيَةِ وَقَوْلُهُ: [لُقَطَةٌ] : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ لُقَطَةٌ فَيَجْرِي فِيهِ أَحْكَامُهَا.
قَوْلُهُ: [حَتَّى يَبْلُغَ قَادِرًا عَلَى الْكَسْبِ] : هَذَا إذَا كَانَ اللَّقِيطُ ذَكَرًا فَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَإِلَى دُخُولِ الزَّوْجِ الْبَالِغِ بِهَا أَوْ الدَّعْوَى إلَيْهِ بَعْدَ الْإِطَاقَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ] : أَيْ لِأَنَّهُ بِالْتِقَاطِهِ أَلْزَمَ نَفْسَهُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [فَعُلِمَ تَقْدِيمُ مَالِهِ] : أَيْ فَإِنْ أَنْفَقَ الْمُلْتَقِطُ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِمَالِهِ فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ إنْ حَلَفَ أَنَّهُ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ أَوْ أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا مَرَّ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ سَرِفٍ، وَأَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ وَقْتَ الْإِنْفَاقِ قَصَدَ الرُّجُوعَ، وَأَنْ يَكُونَ وَقْتَ الْإِنْفَاقِ مَالُ الطِّفْلِ مُتَعَسِّرَ الْإِنْفَاقِ مِنْهُ لِكَوْنِهِ عَرْضًا أَوْ عَقَارًا أَوْ فِي ذِمَّةِ النَّاسِ مَثَلًا كَمَا مَرَّ فِي النَّفَقَاتِ.
قَوْلُهُ: [بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ] : سَوَّغَ مَجِيءَ الْحَالِ مِنْ النَّكِرَةِ تَخْصِيصُهَا بِالظَّرْفِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ تَحْتَهُ.
قَوْلُهُ: [وَالرَّفْعِ عَلَى النَّعْتِ] : أَيْ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ مَالٌ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَمَا مِنْ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ ... يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلُّ قَوْلُهُ: [إنْ كَانَ مَعَهُ رُقْعَةٌ] : قَيْدٌ فِي الْأَخِيرَةِ فَقَطْ دُونَ مَا قَبْلَهَا كَمَا يُفِيدُهُ الشَّارِحُ.

(وَرَجَعَ) : الْمُلْتَقَطُ بِمَا أَنْفَقَهُ عَلَى الطِّفْلِ (عَلَى أَبِيهِ) إنْ عُلِمَ (إنْ) كَانَ أَبُوهُ (طَرَحَهُ عَمْدًا) وَثَبَتَ بِإِقْرَارٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ.
فَلَا رُجُوعَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى مُلْتَقِطِهِ أَنَّهُ طَرَحَهُ عَمْدًا.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ مُوسِرًا وَقْتَ الْإِنْفَاقِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمُلْتَقِطُ أَنْفَقَ حِسْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى.
(وَالْقَوْلُ لَهُ) : أَيْ لِلْمُلْتَقِطِ عِنْدَ التَّنَازُعِ مَعَ الْأَبِ (أَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ حِسْبَةً لِلَّهِ بِيَمِينٍ) : فَإِنْ حَلَفَ رَجَعَ وَإِلَّا فَلَا.

(وَهُوَ) : أَيْ اللَّقِيطُ (حُرٌّ) : لَا رَقِيقٌ لِمَنْ الْتَقَطَهُ (وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ) :

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَرَجَعَ الْمُلْتَقِطُ بِمَا أَنْفَقَهُ] إلَخْ: أَيْ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ أَفَادَهَا الْمَتْنُ وَالشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [إنْ عُلِمَ] : هَذَا مَوْضُوعُ الرُّجُوعِ فَلَا يُعَدُّ شَرْطًا.
قَوْلُهُ: [إنْ كَانَ أَبُوهُ طَرَحَهُ عَمْدًا] : اُنْظُرْ هَلْ مِنْ الطَّرْحِ عَمْدًا طَرْحُهُ لِوَجْهٍ أَمْ لَا وَجَعَلَهُ الْبِسَاطِيُّ خَارِجًا عَنْ الْعَمْدِ وَسَلَّمَهُ (ح) قَالَ (بْن) : وَكَلَامُ الْبِسَاطِيِّ فِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ سَلَّمَهُ (ح) ، بَلْ الْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ الْعَمْدِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: [وَثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ] : أَيْ الْأَبِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا رُجُوعَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى مُلْتَقِطِهِ] : أَيْ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ الْأَبُ مِنْ الْحَنَانِ وَالشَّفَقَةِ.
قَوْلُهُ: [أَنْ يَكُونَ الْأَبُ مُوسِرًا] : أَيْ يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ يَسَارُهُ وَقْتَ الْإِنْفَاقِ.
قَوْلُهُ: [وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمُلْتَقِطُ أَنْفَقَ حِسْبَةً] : أَيْ فَمَحَلُّ رُجُوعِهِ إنْ نَوَى الرُّجُوعَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ حَلَفَ رَجَعَ] : مَحَلُّ حَلِفِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَشْهَدَ أَنَّهُ يُنْفِقُ لِيَرْجِعَ وَإِذَا تَنَازَعَا فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهَا وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَبِ بِيَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَيُعْتَمَدُ فِي يَمِينِهِ عَلَى الظَّنِّ الْقَوِيِّ.

[اللَّقِيطُ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ]

قَوْلُهُ: [حُرٌّ] : أَيْ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ شَرْعًا وَلَوْ أَقَرَّ اللَّقِيطُ بِرِقِّيَّتِهِ لِأَحَدٍ أُلْغِيَ إقْرَارُهُ سَوَاءٌ الْتَقَطَهُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ، وَإِنَّمَا حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ.
قَوْلُهُ: [وَوَلَاؤُهُ] : أَيْ مِيرَاثُهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْوَلَاءَ الْحَقِيقِيَّ الَّذِي هُوَ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ.

أَيْ أَنَّهُ إذَا مَاتَ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ وَارِثٌ فَمَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ أَيْ يَكُونُ مَالُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لَا لِمُلْتَقِطِهِ (وَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ) : إنْ وُجِدَ (فِي بَلَدِ الْمُسْلِمِينَ) :

وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ بِلَادِ الْكُفَّارِ (كَأَنْ) وُجِدَ بِبَلَدٍ (لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا بَيْتٌ) وَاحِدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَوْلَى بَيْتَانِ وَثَلَاثَةٌ وَهَذَا (إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ، وَإِلَّا) يَلْتَقِطُهُ مُسْلِمٌ بَلْ كَافِرٌ (فَكَافِرٌ) . (كَأَنْ.
وُجِدَ فِي قَرْيَةِ شِرْكٍ) : أَيْ كُفْرٍ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ (وَإِنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ) تَغْلِيبًا لِلدَّارِ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِهَا بَيْتٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَغْلِيبًا لِلَاقِطِهِ.

(وَلَا يُلْحَقُ) اللَّقِيطُ (بِمُلْتَقِطٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ بِأَنَّهُ ابْنُهُ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُهَا إنَّهُ ضَاعَ لَهُ وَلَدٌ.
(أَوْ وَجْهٍ) يُصَدِّقُ الْمُدَّعِيَ: أَيْ يُفِيدُ بِصِدْقِهِ كَمَنْ عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ فَزَعَمَ أَنَّهُ وَلَدُهُ، وَإِنَّمَا طَرَحَهُ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَ النَّاسِ إنَّ الْجَنِينَ إذَا طُرِحَ يَعِيشُ، أَوْ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَمَالُهُ لِلْمُسْلِمِينَ] : هَذَا مُقَيَّدٌ بِغَيْرِ الْمَحْكُومِ بِكُفْرِهِ لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِكُفْرِهِ لَا يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ كَذَا قِيلَ، وَقَدْ يُقَالُ: لَا مَانِعَ مِنْ وَضْعِ مَالِ الْكَافِرِ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُعَاهِدَ إذَا مَاتَ عِنْدَنَا وَلَيْسَ مَعَهُ وَارِثٌ فَإِنَّ مَالَهُ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.

[وجد اللَّقِيط بِبَلَدِ كُفْر]

قَوْلُهُ: [لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ] : أَيْ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ (ح) وَإِلَّا فَأَصْلُ النَّصِّ عَلَى بَيْتَيْنِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ وَلَوْ سُئِلَ أَهْلُ ذَلِكَ الْبَيْتِ فَجَزَمُوا بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ قَدْ يُنْكِرُونَهُ لِنَبْذِهِمْ إيَّاهُ، وَاسْتَظْهَرَ الْأُجْهُورِيُّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا حَيْثُ أَنْكَرُوهُ.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ] : أَيْ قِيَاسًا عَلَى إسْلَامِ الْمَسْبِيِّ تَبَعًا لِإِسْلَامِ سَابِيهِ قَوْلُهُ: [فَكَافِرٌ] : رَاجِعٌ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ وَأَمَّا الْبَلَدُ الَّذِي كَثُرَ بُيُوتُ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ وَلَوْ الْتَقَطَهُ كَافِرٌ.
قَوْلُهُ: [وَقَالَ غَيْرُهُ إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ] إلَخْ: قَالَ (بْن) ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.

قَوْلُهُ: [إلَّا بِبَيِّنَةٍ] : أَيْ فَإِنْ أَقَامَهَا وَاحِدٌ لَحِقَ بِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ اللَّقِيطُ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ أَوْ كُفْرِهِ كَانَ الْمُسْتَلْحِقُ لَهُ الَّذِي شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ الْمُلْتَقَطُ أَوْ غَيْرُهُ كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا فَهَذِهِ ثَمَانٍ.
قَوْلُهُ: [أَوْ وَجْهٍ] : اُنْظُرْ هَلْ الْوَجْهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيِّنَةِ فِي الثَّمَانِ صُوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالتَّتَّائِيُّ، أَوْ فِي أَرْبَعٍ مِنْهَا فَقَطْ وَهِيَ مَا إذَا كَانَ الْمُسْتَلْحِقُ مُسْلِمًا

طَرَحَهُ لِغَلَاءٍ أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ بَيَّنَهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، فَيُلْحَقُ بِصَاحِبِ الْوَجْهِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ وَلَدُهُ.

(وَنُزِعَ) لَقِيطٌ (مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ مِنْ كَافِرٍ) الْتَقَطَهُ.

(وَنُدِبَ أَخْذُ) عَبْدٍ (آبِقٍ) لِيُوصِلَهُ لِرَبِّهِ (لِمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ) مُتَعَلِّقٌ (بِنُدِبَ) : أَيْ نُدِبَ لِمَنْ وَجَدَ آبِقًا وَعَرَفَ رَبَّهُ أَنْ يَأْخُذَهُ لَهُ لِأَنَّهُ مِنْ حِفْظِ الْأَمْوَالِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَخْشَ ضَيَاعَهُ إنْ تَرَكَهُ وَإِلَّا وَجَبَ أَخْذُهُ لَهُ.
(وَإِلَّا) يَعْرِفُ رَبَّهُ (كُرِهَ) لَهُ أَخْذُهُ.
فَإِنْ أَخَذَهُ رَفَعَهُ لِلْإِمَامِ وَوُقِفَ عِنْدَهُ سَنَةً رَجَاءَ أَنْ يَأْتِيَ رَبُّهُ، ثُمَّ بِيعَ لَهُ وَجُعِلَ ثَمَنُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ عُلِمَ رَبُّهُ أَخَذَهُ.

[حاشية الصاوي]

كَانَ الْمُلْتَقِطُ أَوْ غَيْرُهُ مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِ أَوْ كُفْرِهِ وَهَذَا لِلشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيُّ، وَأَمَّا إذَا اسْتَلْحَقَهُ كَافِرٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ.

[نزع اللَّقِيط الْمَحْكُوم بِإِسْلَامِهِ مِنْ الْكَافِر]

قَوْلُهُ: [وَنُزِعَ لَقِيطٌ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ] : أَيْ بِوَجْهٍ مِمَّا تَقَدَّمَ.

[أَخْذُ عَبْدٍ آبِقٍ]

تَنْبِيهٌ: لَا يَجُوزُ رَمْيُ اللَّقِيطِ بَعْدَ أَخْذِهِ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ حِفْظُهُ بِالْتِقَاطِهِ إذْ فَرْضُ الْكِفَايَةِ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نِيَّتُهُ فِي أَخْذِهِ رَفْعَهُ لِحَاكِمٍ فَرَفَعَهُ فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَالْمَوْضِعُ مَطْرُوقٌ لِلنَّاسِ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ غَيْرَهُ يَأْخُذُهُ فَلَهُ رَدُّهُ حِينَئِذٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَطْرُوقًا وَرَدَّهُ تَحَقَّقَ عَدَمُ أَخْذِهِ حَتَّى مَاتَ اُقْتُصَّ مِنْهُ، وَإِنْ شُكَّ فَالدِّيَةُ وَمِثْلُ نِيَّةِ أَخْذِهِ لِلْحَاكِمِ أَخْذُهُ لِيَسْأَلَ عَنْهُ مُعَيَّنًا هَلْ هُوَ وَلَدُهُ أَمْ لَا.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ تَسَابَقَ جَمَاعَةٌ عَلَى لَقِيطٍ أَوْ لُقَطَةٍ وَكُلٌّ أَمِينٌ قُدِّمَ الْأَسْبَقُ وَهُوَ مَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي وَضْعِ الْيَدِ قُدِّمَ الْأَصْلَحُ لِلْحِفْظِ فَإِنْ اسْتَوَوْا فَالْقُرْعَةُ.
مَسْأَلَةٌ أُخْرَى: لَيْسَ لِعَبْدٍ أَخْذُ لَقِيطٍ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لِأَنَّ الْتِقَاطَهُ يَشْغَلُهُ عَنْ خِدْمَةِ سَيِّدِهِ.
بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ فَتَقَدَّمَ أَنَّ لَهُ أَخْذَهَا وَتَعْرِيفَهَا لِأَنَّهُ لَا يَشْغَلُهُ عَنْ خِدْمَةِ السَّيِّدِ.
قَوْلُهُ: [مُتَعَلِّقٌ] : أَيْ وَلَا يُقَالُ إنَّ فِيهِ فَصْلًا بَيْنَ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ لِأَنَّ الْمُضِرَّ الْفَصْلُ بِالْأَجْنَبِيِّ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا وَجَبَ أَخْذُهُ لَهُ] : أَيْ وَإِنْ عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْأَخْذُ وَتَرْكُ الْخِيَانَةِ وَلَا يَكُونُ عِلْمُهُ بِخِيَانَتِهِ عُذْرًا مُسْقِطًا لِلْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: [وَوُقِفَ عِنْدَهُ سَنَةً] : أَيْ وَيُنْفِقُ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ فِيهَا.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ بِيعَ لَهُ] : أَيْ بَعْدَ السَّنَةِ يُبَاعُ لِرَبِّهِ وَهَذَا مَا لَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ وَإِلَّا بِيعَ

(وَلِرَبِّهِ) : أَيْ الْآبِقِ (عِتْقُهُ) : حَالَ إبَاقِهِ وَالتَّصَدُّقُ وَالْإِيصَاءُ بِهِ (وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ) لَا لَهُ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَبَيْعُهُ لَا يَجُوزُ.
(وَضَمِنَهُ) الْمُلْتَقِطُ (إنْ أَرْسَلَهُ) بَعْدَ أَخْذِهِ لِوُجُوبِ حِفْظِهِ لِرَبِّهِ بِأَخْذِهِ، فَيَضْمَنُ لَهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ إرْسَالِهِ.
(إلَّا) أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَهُ (لِخَوْفٍ مِنْهُ) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فَلَا يَضْمَنُ، وَصُدِّقَ فِي دَعْوَاهُ الْخَوْفَ مِنْهُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ.
(أَوْ اسْتَأْجَرَهُ) : أَيْ وَضَمِنَ مَنْ اسْتَأْجَرَ الْآبِقَ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ مُلْتَقِطِهِ (فِيمَا) : أَيْ فِي عَمَلٍ (يَعْطَبُ فِيهِ) : أَيْ شَأْنُهُ الْعَطَبُ فِيهِ، أَيْ وَعَطِبَ.
وَإِلَّا ضَمِنَ أُجْرَةَ مِثْلِهِ.
وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّهُ أَبَقَ أَمْ لَا.
(لَا إنْ أَبَقَ مِنْهُ) : أَيْ مِنْ مُلْتَقِطِهِ (أَوْ تَلِفَ) عِنْدَهُ (بِلَا تَفْرِيطٍ) مِنْهُ فَلَا يَضْمَنُ.

(وَإِنْ نَوَى) مُلْتَقِطُهُ (تَمَلُّكَهُ) : أَيْ الْآبِقِ (قَبْلَ السَّنَةِ فَغَاصِبٌ)

[حاشية الصاوي]

قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ كَمَا رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.

قَوْلُهُ: [إنْ أَرْسَلَهُ] : أَيْ سَوَاءٌ أَرْسَلَهُ قَبْلَ سَنَةٍ أَوْ بَعْدَهَا.
قَوْلُهُ: [لِخَوْفٍ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ] : مِثْلُ الْخَوْفِ مِنْهُ الْخَوْفُ مِنْ السُّلْطَانِ بِسَبَبِ أَخْذِهِ أَنْ يَقْتُلَهُ، أَوْ يَأْخُذَ مَالَهُ أَوْ يَضْرِبَهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَدَمَ الضَّمَانِ إذَا أَرْسَلَهُ لِخَوْفٍ مِنْهُ مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ رَفْعُهُ لِلْإِمَامِ وَإِلَّا رَفَعَهُ إلَيْهِ وَلَا يُرْسِلُهُ فَإِنْ أَرْسَلَهُ مَعَ إمْكَانِ الرَّفْعِ ضَمِنَ وَمَحَلُّهُ أَيْضًا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ التَّحَفُّظُ مِنْهُ بِحِيلَةٍ أَوْ بِحَارِسٍ وَإِلَّا فَلَا يُرْسِلُهُ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، وَالظَّاهِرُ رُجُوعُهُ بِالْأُجْرَةِ كَالنَّفَقَةِ لِأَنَّهُمَا مِنْ تَعَلُّقَاتِ حِفْظِهِ.
قَوْلُهُ: [بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ] : مِنْ بَابِ أَوْلَى الْبَيِّنَةُ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا ضَمِنَ أُجْرَةَ مِثْلِهِ] : أَيْ فَيَدْفَعُهَا الْمُسْتَأْجِرُ لِرَبِّهِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ إنْ كَانَ دَفَعَ لَهُ أَوْ عَلَى الْعَبْدِ إنْ كَانَ دَفَعَ لَهُ وَكَانَتْ الْأُجْرَةُ قَائِمَةً وَإِلَّا فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [لَا إنْ أَبَقَ] : هُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: 140] : وَفِي مُضَارِعِهِ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ وَالْكَسْرُ مِنْ بَابِ دَخَلَ وَمَنَعَ وَضَرَبَ.

فَيَضْمَنُهُ لِرَبِّهِ وَلَوْ تَلِفَ بِسَمَاوِيٍّ (وَاسْتَحَقَّهُ سَيِّدُهُ) مِنْ الْمُلْتَقَطِ (بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ) بِلَا اسْتِينَاءٍ، فَأَوْلَى بِشَاهِدَيْنِ.

(وَأَخَذَهُ) مُدَّعِيهِ حَوْزًا لَا مِلْكًا (إنْ ادَّعَاهُ وَصَدَّقَهُ الْعَبْدُ) بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ وَالِاسْتِينَاءِ، وَكَذَا يَأْخُذُهُ إنْ وَصَفَهُ بِمَا هُوَ فِيهِ وَلَوْ لَمْ يُصَدِّقْهُ الْعَبْدُ.
فَإِنْ جَاءَ غَيْرُهُ بِأَثْبَتَ مِمَّا جَاءَ بِهِ أَخَذَهُ مِنْهُ وَلِذَا قَالَ: " وَأَخَذَهُ ". الْمُفِيدُ لِمُجَرَّدِ الْحَوْزِ.
وَقَالَ فِيمَا قَبْلَهُ: " وَاسْتَحَقَّهُ " الْمُقْتَضِي لِلْمِلْكِ.

(وَإِنْ جَاءَ) : رَجُلٌ مِنْ قُطْرٍ إلَى قَاضِي قُطْرٍ آخَرَ عِنْدَهُ عَبْدٌ آبِقٌ (بِكِتَابِ قَاضٍ) : بِقُطْرِهِ، مَضْمُونُهُ: (أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ صَاحِبَ كِتَابِي هَذَا أَبَقَ لَهُ عَبْدٌ صِفَتُهُ كَذَا دَفَعَ) ذَلِكَ الْعَبْدَ (إلَيْهِ) : أَيْ لِمَنْ جَاءَ بِالْكِتَابِ الْمَذْكُورِ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى بَيِّنَةٍ وَلَا غَيْرِهَا (إنْ طَابَقَ) : الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ وَصْفَهُ الْخَارِجِيَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ] : أَيْ لِأَنَّهُ مَالٌ وَالْمَالُ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.

قَوْلُهُ: [وَصَدَّقَهُ الْعَبْدُ] : أَيْ وَسَوَاءٌ وَصَفَهُ سَيِّدُهُ أَمْ لَا بَقِيَ الْعَبْدُ عَلَى تَصْدِيقِهِ أَمْ لَا قَوْلُهُ: [بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ وَالِاسْتِينَاءِ] : أَيْ الْإِمْهَالِ فِي الدَّفْعِ لَهُ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَانْظُرْ مَا فَائِدَةُ الِاسْتِينَاءُ مَعَ كَوْنِ الدَّفْعِ لَهُ حَوْزًا لَا مِلْكًا، وَقَدْ يُقَالُ فَائِدَتُهُ دَفْعُ النِّزَاعِ مِمَّنْ يَطْرَأُ.

قَوْلُهُ: [دُفِعَ ذَلِكَ الْعَبْدُ إلَيْهِ] : مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا لَا يُخَالِفُ مَا يَأْتِي فِي الْقَضَاءِ مِنْ أَنَّ كِتَابَ الْقَاضِي وَحْدَهُ لَا يُفِيدُ؛ لِاحْتِمَالِ تَخْصِيصِ مَا يَأْتِي بِهَذَا وَذَلِكَ لِخِفَّةِ الْأَمْرِ هُنَا لِأَنَّ لَهُ أَخْذَهُ حَوْزًا مِنْ غَيْرِ كِتَابٍ بِمُجَرَّدِ الْوَصْفِ.

بَابٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ وَشُرُوطِهِ الْقَضَاءُ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ؛ مَرْجِعُهَا إلَى انْقِضَاءِ الشَّيْءِ وَتَمَامِهِ؛ فَيُطْلَقُ عَلَى الْأَمْرِ، نَحْوُ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ [الإسراء: 23] : أَيْ أَمَرَ ﴿أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] . وَعَلَى الْأَدَاءِ نَحْوُ قَضَيْت الدَّيْنَ، وَمِنْهُ ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: 103] وَعَلَى الْفَرَاغِ، نَحْوُ.
﴿قُضِيَ الأَمْرُ﴾ [يوسف: 41] : أَيْ فَرَغَ.
وَعَلَى الْفِعْلِ نَحْوُ: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: 72] وَعَلَى الْإِرَادَةِ نَحْوُ: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [آل عمران: 47] . وَعَلَى الْمَوْتِ نَحْوُ: ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: 23] ،

[حاشية الصاوي]

[بَابٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ]

بَابٌ: أَيْ مَسَائِلُهُ وَقَوْله: [وَشُرُوطُهُ] : أَيْ الْأَرْبَعَةُ الْآتِيَةُ، وَهُوَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَالْجَعَالَةِ وَالْقِرَاضِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْمُغَارَسَةِ وَالتَّحْكِيمِ وَالْوَكَالَةِ وَأَصْلُهُ قَضَايٌ لِأَنَّهُ مِنْ قَضَيْت إلَّا أَنَّ الْيَاءَ لَمَّا جَاءَتْ بَعْدَ الْأَلِفِ قُلِبَتْ هَمْزَةً وَالْجَمْعُ الْأَقْضِيَةُ وَالْقَضَايَا.
قَوْله: [يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ] : ذَكَرَ الشَّارِحُ مِنْهَا سَبْعَةً فَهُوَ مِنْ الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ كَعَيْنٍ.
قَوْله: [أَيْ أَمَرَ] إلَخْ: أَيْ أَمْرًا جَازِمًا.
وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى أَمَرَ لَا حَكَمَ إذْ لَوْ كَانَ بِمَعْنَى حَكَمَ لَمْ يَقَعْ غَيْرُ مَا حَكَمَ بِهِ، ابْنُ عَطِيَّةَ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى حَكَمَ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ، لِلْمُؤْمِنِينَ.
قَوْله: [نَحْوُ ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: 72]] : أَيْ افْعَلْ الَّذِي تُرِيدُهُ وَهُوَ مِنْ كَلَامِ السَّحَرَةِ لِفِرْعَوْنَ حِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ.
قَوْله: [نَحْوُ ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: 23]] : النَّحْبُ فِي الْأَصْلِ النَّذْرُ أَيْ قَضَى نَذْرَهُ، وَذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ الْمَوْتِ، لِأَنَّ النَّذْرَ لَازِمُ الْحُصُولِ كَالْمَوْتِ.

وَمِنْهُ: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77] . وَعَلَى الْحُكْمِ وَالْإِلْزَامِ، نَحْوُ: قَضَيْت عَلَيْك كَذَا.
وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ حُكْمُ حَاكِمٍ أَوْ مُحَكَّمٍ بِأَمْرٍ ثَبَتَ عِنْدَهُ؛ كَدَيْنٍ، وَحَبْسٍ، وَقَتْلٍ، وَجَرْحٍ، وَضَرْبٍ، وَسَبٍّ، وَتَرْكِ صَلَاةٍ وَنَحْوِهَا، وَقَذْفٍ، وَشُرْبٍ، وَزِنًا، وَسَرِقَةٍ، وَغَصْبٍ، وَعَدَالَةٍ وَضِدِّهَا، وَذُكُورَةٍ، وَأُنُوثَةٍ، وَمَوْتٍ، وَحَيَاةٍ، وَجُنُونٍ، وَعَقْلٍ، وَسَفَهٍ، وَرَشَدٍ، وَصِغَرٍ، وَكِبَرٍ، وَنِكَاحٍ، وَطَلَاقٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِيُرَتِّبَ عَلَى مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مُقْتَضَاهُ أَوْ حُكْمَهُ بِذَلِكَ الْمُقْتَضَى.
مِثَالُهُ: لَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ دَيْنٌ أَوْ طَلَاقٌ، فَالْحُكْمُ تَارَةً بِالدَّيْنِ أَوْ الطَّلَاقِ، لِيُرَتِّبَ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَمِنْهُ] : أَيْ مِنْ مَعْنَى الْمَوْتِ، فَمَعْنَى: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77] أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ الْمَوْتَ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: 17] ، وَفِي آيَةٍ: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [الأعلى: 13] ، وَبَقِيَ مِنْ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ إتْيَانُهُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ نَحْوُ قَضَيْت لَك بِكَذَا أَعْلَمْتُك بِهِ، وَمِنْ هُنَا يُسَمَّى الْمُفْتِي وَالْمُدَرِّسُ قَاضِيًا لِأَنَّهُ مُعْلِمٌ بِالْحُكْمِ وَالْكِتَابَةِ وَمِنْهُ ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: 21] ، وَالْفَصْلِ وَمِنْهُ: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر: 69] ، وَالْخَلْقِ وَمِنْهُ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: 12] ، كَذَا فِي (بْن) . قَوْله: [حَاكِمٍ أَوْ مُحَكَّمٍ] الْحَاكِمُ مَا كَانَ مُقَامًا مِنْ طَرَفِ السُّلْطَانِ، وَالْمُحَكَّمُ مَا كَانَ مُقَامًا مِنْ طَرَفِ الْأَخْصَامِ، وَحُكْمُ الْمُحَكَّمِ لَا يَكُونُ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ بِخِلَافِ حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ.
قَوْله: [كَدَيْنٍ] إلَخْ: جَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ يَأْتِي فِيهِ قَضَاءُ الْحَاكِمِ وَلَا يَأْتِي قَضَاءُ الْمُحَكَّمِ إلَّا فِي الْبَعْضِ، لِقَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي وَجَازَ تَحْكِيمُ عَدْلٍ إلَخْ.
قَوْله: [لِيُرَتِّبَ] : مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ لِقَوْلِهِ حُكْمُ حَاكِمٍ إلَخْ، تَقْدِيرُهُ هُوَ إنَّمَا جَعَلَ لَهُ الْحُكْمَ فِيمَا ذَكَرَ لِيُرَتِّبَ.
قَوْله: [أَوْ حُكْمُهُ بِذَلِكَ الْمُقْتَضَى] : هَذَا التَّنْوِيعُ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ التَّعْرِيفُ تَامُّ الْمَعْنَى بِدُونِ هَذَا التَّنْوِيعِ وَتَمْثِيلُهُ الْآتِي لَا يَظْهَرُ مِنْهُ صِحَّةُ هَذَا التَّنْوِيعِ فَتَأَمَّلْ.

عَلَى ذَلِكَ الْغُرْمَ أَوْ فِرَاقَهَا وَعِدَّتَهَا أَوْ يَحْكُمَ بِالْغُرْمِ أَوْ الْفِرَاقِ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ مِنْ الرَّفْعِ لَهُ.
.

وَالْحُكْمُ: الْإِعْلَامُ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ.
وَالْقَاضِي: الْحَاكِمُ بِالْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ؛ أَيْ مَنْ لَهُ الْحُكْمُ، حَكَمَ أَوْ لَمْ يَحْكُمْ وَلَا يَسْتَحِقُّهُ شَرْعًا إلَّا مَنْ تَوَافَرَتْ فِيهِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ، أَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ: (شَرْطُ الْقَضَاءِ) : أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهِ: (عَدَالَةٌ) : أَيْ كَوْنُهُ عَدْلًا: أَيْ عَدْلُ شَهَادَةٍ، وَلَوْ عَتِيقًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَالْعَدَالَةُ تَسْتَلْزِمُ الْإِسْلَامَ وَالْبُلُوغَ وَالْعَقْلَ وَالْحُرِّيَّةَ وَعَدَمَ الْفِسْقِ.
(وَذُكُورَةٌ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ أُنْثَى وَلَا خُنْثَى.
(وَفَطِنَةٌ) : فَلَا يَصِحُّ مِنْ بَلِيدٍ مُغَفَّلٍ يَنْخَدِعُ بِتَحْسِينِ الْكَلَامِ وَلَا يَتَنَبَّهُ لِمَا يُوجِبُ الْإِقْرَارَ أَوْ الْإِنْكَارَ وَتَنَاقُضَ الْكَلَامِ؛ فَالْفَطِنَةُ: جَوْدَةُ الذِّهْنِ وَقُوَّةُ إدْرَاكِهِ لِمَعَانِي الْكَلَامِ.

[حاشية الصاوي]

[شَرْطُ الْقَضَاءِ]

قَوْله: [وَالْحُكْمُ الْإِعْلَامُ] إلَخْ: رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ أَوَّلَ التَّعْرِيفِ حُكْمُ حَاكِمٍ.
قَوْله: [وَالْقَاضِي] إلَخْ: أَيْ الْمُشْتَقُّ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ قَوْله: [أَيْ مَنْ لَهُ الْحُكْمُ] : أَيْ اسْتِحْقَاقُ الْحُكْمِ.
قَوْله: [عَدَالَةٌ] : أَيْ فَغَيْرُ الْعَدْلِ لَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ.
قَوْلُهُ: [عَدْلَ شَهَادَةٍ] : أَيْ لَا رِوَايَةٍ وَسَيَأْتِي شُرُوطُ عَدْلِ الشَّهَادَةِ.
قَوْلُهُ: [عِنْدَ الْجُمْهُورِ] : أَيْ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ حَيْثُ قَالَ: يَمْتَنِعُ تَوْلِيَةُ الْعَتِيقِ قَاضِيًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يُسْتَحَقَّ فَتُرَدُّ أَحْكَامُهُ.
قَوْلُهُ: [تَسْتَلْزِمُ] إلَخْ: أَيْ مِنْ اسْتِلْزَامِ الْكُلِّ لِأَجْزَائِهِ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ وَصْفٌ مُرَكَّبٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْخَمْسَةِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ مِنْ أُنْثَى وَلَا خُنْثَى] : أَيْ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهَا.
قَوْلُهُ: [يَنْخَدِعُ بِتَحْسِينِ الْكَلَامِ] : أَيْ كَلَامِ الْأَخْصَامِ.
قَوْلُهُ: [جَوْدَةُ الذِّهْنِ] : أَيْ الْعَقْلِ أَيْ فَمُجَرَّدُ الْعَقْلِ التَّكْلِيفِيِّ لَا يَكْفِي لِمُجَامَعَتِهِ لِلْغَفْلَةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَصْلِ الْفِطْنَةِ وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ غَيْرَ زَائِدٍ فِيهَا كَمَا يَأْتِي.

(وَفِقْهٌ) : أَيْ عِلْمٌ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي وُلِّيَ لِلْقَضَاءِ بِهَا (وَلَوْ مُقَلِّدًا) : لِمُجْتَهِدٍ عِنْدَ وُجُودِ مُجْتَهِدٍ مُطْلَقٍ.
(وَزِيدَ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ) : شَرْطٌ خَامِسٌ: وَهُوَ (قُرَشِيٌّ) : أَيْ كَوْنُهُ قُرَشِيًّا: أَيْ مِنْ قُرَيْشٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ الْخِلَافَةَ فِي قُرَيْشٍ.
وَقُرَيْشٌ هُوَ فِهْرٌ، وَقِيلَ: هُوَ النَّضْرُ.
وَفِهْرٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَبَّاسِيًّا وَلَا عَلَوِيًّا، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ عَبَّاسِيًّا.
فَدَعْوَى أَنَّ الْأَوْلَى كَوْنُهُ عَبَّاسِيًّا

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [الَّتِي وَلِيَ لِلْقَضَاءِ بِهَا] : أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ أَحْكَامِ الْفِقْهِ إلَّا إنْ كَانَ مُوَلَّى فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، وَيُسَمَّى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِقَاضِي الْجَمَاعَةِ، فَإِنْ كَانَ مُوَلَّى فِي شَيْءٍ خَاصٍّ كَالْأَنْكِحَةِ اُشْتُرِطَ عِلْمُهُ بِهَا فَقَطْ، وَهَكَذَا قَوْلُهُ: [وَلَوْ مُقَلِّدًا لِمُجْتَهِدٍ] : أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ، حَيْثُ قَالَ مُجْتَهِدٌ إنْ وُجِدَ وَإِلَّا فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ، وَالْمُرَادُ بِالْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ كَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مُجْتَهِدٌ مُطْلَقٌ، وَمُجْتَهِدُ مَذْهَبٍ، وَمُجْتَهِدُ فَتْوَى؛ فَالْمُطْلَقُ كَالصَّحَابَةِ وَأَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، وَمُجْتَهِدُ الْمَذْهَبِ هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى إقَامَةِ الْأَدِلَّةِ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ كَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَمُجْتَهِدُ الْفَتْوَى هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى التَّرْجِيحِ كَكِبَارِ الْمُؤَلَّفِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ فِي الْقَضَاءِ مَنْدُوبٌ.
قَوْلُهُ: [وَزِيدَ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ] : اعْلَمْ أَنَّ تِلْكَ الشُّرُوطَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي وِلَايَةِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ ابْتِدَاءً لَا فِي دَوَامِ وِلَايَتِهِ إذْ لَا يَنْعَزِلُ بَعْدَ مُبَايَعَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لَهُ بِطُرُوِّ فِسْقٍ غَيْرِ كُفْرٍ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [جَعَلَ الْخِلَافَةَ فِي قُرَيْشٍ] : أَيْ لِأَمْرِهِ بِذَلِكَ فِي جُمْلَةِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ صَحِيحَةٍ مُتَوَاتِرَةٍ.
قَوْلُهُ: [وَقُرَيْشٌ هُوَ فِهْرٌ] : أَيْ لِقَوْلِ الْعِرَاقِيِّ فِي السِّيرَةِ: أَمَّا قُرَيْشٌ فَالْأَصَحُّ فِهْرٌ ... جِمَاعُهَا وَالْأَكْثَرُونَ النَّضْرُ قَوْلُهُ: [وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَبَّاسِيًّا] إلَخْ: أَيْ وَلَا يُنْدَبُ بِدَلِيلِ مَا بَعْدُ.
قَوْلُهُ: [فَدَعْوَى أَنَّ الْأَوْلَى كَوْنُهُ عَبَّاسِيًّا] : أَيْ كَمَا قَالَ بَهْرَامُ وَالتَّتَّائِيُّ، وَتَبِعَهُمَا عَلَى ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ.

فصول الكتاب · 3 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك · 813 صفحة
المقدمة
بَابُ فِي الشُّفْعَةِ وَأَحْكَامِهَا
بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ
جارٍ التحميل