حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالكصفحات 559-598
أهل الأثرالأرشيف العلمي

عَلَى نِيَّةِ الْمَحْلُوفِ لَهَا وَنِيَّتُهَا أَنْ لَا يَجْمَعَ مَعَهَا غَيْرَهَا، وَقِيلَ: هَذَا إنْ رَفَعَتْهُ، وَلَوْ جَاءَ مُسْتَفْتِيًا لَقُبِلَتْ نِيَّتُهُ، وَقَدْ أَشَارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " تَأْوِيلَانِ ".

(وَلَوْ عَلَّقَ عَبْدٌ) الطَّلَاقَ (الثَّلَاثَ عَلَى فِعْلٍ) مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ كَدُخُولِ دَارٍ، (فَعَتَقَ فَحَصَلَ) الْفِعْلُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ كَالدُّخُولِ (لَزِمَتْ) لِثَلَاثٍ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالُ النُّفُوذِ لَا حَالُ التَّعْلِيقِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ اثْنَتَانِ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ إلَّا اثْنَتَانِ، فَإِنْ دَخَلَتْ قَبْلَ الْعِتْقِ لَزِمَهُ اثْنَتَانِ وَلَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، وَلَوْ عَتَقَ بَعْدُ (وَ) لَوْ عَلَّقَ الْعَبْدُ (اثْنَتَيْنِ) عَلَى الدُّخُولِ مَثَلًا فَعَتَقَ ثُمَّ دَخَلَتْ لَزِمَهُ الِاثْنَتَانِ، وَ (بَقِيَتْ) عَلَيْهِ (وَاحِدَةٌ كَمَا لَوْ طَلَّقَ) حَالَ رِقِّهِ (وَاحِدَةً فَعَتَقَ) بَقِيَتْ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّهُ كَحُرٍّ طَلَّقَ نِصْفَ طَلَاقِهِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الرُّكْنِ الرَّابِعِ وَهُوَ اللَّفْظُ بِقَوْلِهِ: (وَلَفْظُهُ الصَّرِيحُ) الَّذِي تَنْحَلُّ بِهِ الْعِصْمَةُ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ حَلَّهَا مَتَى قَصَدَ اللَّفْظَ (الطَّلَاق) كَمَا لَوْ قَالَ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي، أَوْ: عَلَيَّ الطَّلَاقُ أَوْ: أَنْتِ الطَّلَاقُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، (وَطَلَاقٌ) بِالتَّنْكِيرِ أَيْ: يَلْزَمُنِي، أَوْ: عَلَيْك، أَوْ: أَنْتِ طَلَاقٌ، أَوْ: عَلَيَّ طَلَاقٌ، وَسَوَاءٌ نَطَقَ بِالْمُبْتَدَأِ كَأَنْتِ أَوْ بِالْخَبَرِ كَعَلَيَّ أَمْ لَا، لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ وَالْمُقَدَّرُ كَالثَّابِتِ، (وَطَلَّقْتُ) بِالْفِعْلِ الْمَاضِي وَالتَّاءُ مَضْمُومَةٌ، (وَتَطَلَّقْتِ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ وَكَسْرِ التَّاءِ أَيْ مِنِّي أَوْ أَنْتِ تَطَلَّقْت، (وَطَالِقٌ) اسْمُ فَاعِلٍ، (وَمُطَلَّقَةٌ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَاللَّامُ مُشَدَّدَةٌ اسْمُ مَفْعُولٍ نَحْوُ أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ.
(لَا مَطْلُوقَةٌ وَمُنْطَلِقَةٌ وَانْطَلِقِي) : أَيْ لَيْسَتْ هِيَ مِنْ صَرِيحِهِ وَلَا مِنْ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ] : عَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ.

[اللَّفْظ الَّذِي يَقَع بِهِ الطَّلَاق]

قَوْلُهُ: [وَلَفْظُهُ الصَّرِيحُ] إلَخْ: أَيْ فَهُوَ مُنْحَصِرٌ فِي تِلْكَ الْأَلْفَاظِ السِّتَّةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّ الصَّرِيحَ مَا كَانَ فِيهِ الْحُرُوفُ الثَّلَاثَةُ الطَّاءُ وَاللَّامُ وَالْقَافُ لِشُمُولِهِ نَحْوَ مُنْطَلِقًا وَمُطْلَقَةً وَمَطْلُوقَةً وَانْطَلِقِي، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مِنْ الْكِتَابَةِ الْخَفِيَّةِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [اسْمُ مَفْعُولٍ] : أَيْ لِلْفِعْلِ الْمُضَعَّفِ، وَأَمَّا بِغَيْرِهِ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ.

كِنَايَاتِهِ الظَّاهِرَةِ لِاسْتِعْمَالِهَا فِي الْعُرْفِ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ، بَلْ مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ، إنْ قَصَدَ بِهَا الطَّلَاقَ لَزِمَهُ، وَإِلَّا فَلَا.
(وَلَزِمَ) فِي صَرِيحِهِ طَلْقَةٌ (وَاحِدَةٌ إلَّا لِنِيَّةِ أَكْثَرَ) فَيَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ (كَاعْتَدِّي) : أَيْ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: اعْتَدِّي؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَكْثَرَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ.
وَاعْتَدِّي مِنْ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ وَيَلْزَمُ بِهَا مَا ذُكِرَ.
(وَصُدِّقَ فِي) دَعْوَى (نَفْيِهِ) : أَيْ نَفْيِ الطَّلَاقِ مِنْ أَصْلِهِ فِي قَوْلِهِ: اعْتَدِّي (إنْ دَلَّ بِسَاطٌ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى نَفْيِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْخِطَابُ فِي مَقَامِ ذِكْرِ الِاعْتِدَادِ بِشَيْءٍ أَوْ الْعَدِّ، فَقَالَ: اعْتَدِّي، وَقَالَ: نَوَيْته الِاعْتِدَادَ بِكَذَا أَوْ الْعَدَّ فَيُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ.

(وَكِنَايَتُهُ الظَّاهِرَةُ: بَتَّةٌ، وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك.
وَلَزِمَ بِهِمَا) : أَيْ بِإِحْدَى هَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ (الثَّلَاثُ مُطْلَقًا) دَخَلَ بِهَا أَمْ لَا، لِأَنَّ الْبَتَّ الْقَطْعُ وَقَطْعُ الْعِصْمَةِ شَامِلٌ لِلثَّلَاثِ، وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَالْحَبْلُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعِصْمَةِ وَهُوَ إذَا رَمَى الْعِصْمَةَ عَلَى كَتِفِهَا لَمْ يَبْقَ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ مُطْلَقًا.
(كَأَنْ اشْتَرَتْ) زَوْجَتُهُ (الْعِصْمَةَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ زَوْجِهَا بِأَنْ قَالَتْ لَهُ: بِعْنِي عِصْمَتَك بِمِائَةٍ، فَبَاعَهَا لَهَا بِهَا فَإِنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ.
(وَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى " بَتَّةٌ "، أَيْ: وَمِنْ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ قَوْلُهُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ] : وَفِي حَلِفِهِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَعَدَمُ حَلِفِهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَالثَّانِي رِوَايَةُ الْمَدَنِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا رَفَعَ لِلْقَاضِي، وَأَمَّا فِي الْفَتْوَى فَلَا يَمِينَ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: [وَصُدِّقَ فِي دَعْوَى نَفْيِهِ] : أَيْ بِيَمِينٍ فِي الْقَضَاءِ، وَأَمَّا فِي الْفَتْوَى فَلَا يَحْتَاجُ لِيَمِينٍ.

قَوْلُهُ: [وَكِنَايَتُهُ الظَّاهِرَةُ] : لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْكِنَايَةِ اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي لَازِمِ مَعْنَاهُ، بَلْ الْمُرَادُ بِهَا: لَفْظٌ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ.
قَوْلُهُ: وَالْحَبْلُ: عِبَارَةٌ عَنْ الْعِصْمَةِ أَيْ وَالْغَارِبُ عِبَارَةٌ عَنْ الْكَتِفِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ كَتِفُ الدَّابَّةِ أَوْ مَا انْحَدَرَ عَنْ أَسْفَلِ سَنَمِ الْبَعِيرِ.
قَوْلُهُ: [وَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ] : مَحَلُّ مَا قَالَهُ الْمَتْنُ وَالشَّارِحُ إنْ كَانَ عُرْفُ التَّحَالُفِ

لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَاحِدَةً بَائِنَةً، نَظَرًا لِقَوْلِهِ: " بَائِنَةً ". وَالْبَيْنُونَةُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِغَيْرِ عِوَضٍ إنَّمَا تَكُونُ ثَلَاثًا؛ فَأَلْزَمَ بِهَا الثَّلَاثَ كَمَا يَأْتِي، وَلَمْ يَنْظُرُوا لِلَفْظِ وَاحِدَةٍ، إمَّا لِكَوْنِ " وَاحِدَةٌ " صِفَةً لِمَرَّةٍ مَحْذُوفًا أَيْ: مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: " بَائِنَةٌ، وَأَمَّا لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ فِي الْفُرُوجِ مَا لَا يُحْتَاجُ فِي غَيْرِهَا، فَاعْتُبِرَ لَفْظُ بَائِنَةٍ وَأُلْغِي لَفْظُ وَاحِدَةٍ.
(أَوْ نَوَاهَا) : أَيْ الْوَاحِدَةَ الْبَائِنَةَ (بِكَ: اُدْخُلِي وَاذْهَبِي) وَانْطَلِقِي مِنْ سَائِرِ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَوَاحِدَةٌ فَقَطْ فِي غَيْرِهَا مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ، وَأَوْلَى إذَا نَوَى الْوَاحِدَةَ الْبَائِنَةَ بِلَفْظِ صَرِيحِ الطَّلَاقِ، كَأَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَنَوَى الْوَاحِدَةَ الْبَائِنَةَ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا، مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْبَيْنُونَةِ كَغَيْرِهَا.
وَالْبَيْنُونَةُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَلَا لَفْظِ خُلْعٍ ثَلَاثٌ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ وَاحِدَةٌ إلَّا لِنِيَّةِ أَكْثَرَ وَلِذَا قَالَ: (وَهِيَ) : أَيْ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ لَفْظًا، أَوْ نِيَّةٌ بِلَفْظِ صَرِيحِهِ أَوْ كِنَايَتِهِ الْخَفِيَّةِ (ثَلَاثٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا) وَيَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ فِي غَيْرِهَا مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ.
وَأَمَّا نِيَّةُ الْوَاحِدَةِ الْبَائِنَةِ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ كَ: خَلَّيْت سَبِيلَك فَلَا أَثَرَ لَهُ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ حِينَئِذٍ بِاللَّفْظِ

[حاشية الصاوي]

أَنَّ الْبَائِنَةَ مَعْنَاهَا الْمُنْفَصِلَةُ، فَإِنْ كَانَ عُرْفُهُمْ أَنَّ مَعْنَاهَا الظَّاهِرَةُ الَّتِي لَا خَفَاءَ فِيهَا، وَقَصَدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَالظَّاهِرُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَتَكُونُ بَعْدَ الدُّخُولِ رَجْعِيَّةً.
قَوْلُهُ: [بِغَيْرِ عِوَضٍ] : أَيْ وَبِغَيْرِ لَفْظِ الْخُلْعِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا] : أَيْ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ، خِلَافًا لِ (عب) حَيْثُ عَمَّمَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا فِي لُزُومِ الثَّلَاثِ.
قَوْلُهُ: [وَيَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ فِي غَيْرِهَا] : الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا أَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا تَبِينُ بِالْوَاحِدَةِ، فَإِنْ كَانَ طَلَاقُهُ خُلْعًا اسْتَوَتْ الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُهَا فِي قَبُولِ نِيَّةِ الْوَاحِدَةِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْعِبْرَةَ حِينَئِذٍ بِاللَّفْظِ] : أَيْ وَنِيَّةُ صَرْفِهِ مُبَايِنَةٌ لِوَضْعِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ وَالْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ لَا يَصْرِفُهُمَا عَنْ ظَاهِرِهِمَا إلَى الْأَخَفِّ إلَّا الْبِسَاطُ لَا النِّيَّةُ.

وَمَدْلُولُهُ الثَّلَاثُ عَلَى تَفْصِيلِهَا الْمَعْلُومِ فِيهَا، فَقَوْلُ الشَّيْخِ: بِ خَلَّيْت سَبِيلَك، فِيهِ نَظَرٌ.

ثُمَّ شَبَّهَ بِالْوَاحِدَةِ الْبَائِنَةِ فِي لُزُومِ الثَّلَاثِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا قَوْلُهُ: (كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ أَوْ الدَّمِ، (وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ) الْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " (وَوَهَبْتُك لِأَهْلِك أَوْ رَدَدْتُك) أَوْ: لَا عِصْمَةَ لِي عَلَيْك، وَأَنْتِ حَرَامٌ أَوْ خَلِيَّةٌ لِأَهْلِك أَيْ مِنْ الزَّوْجِ (أَوْ بَرِّيَّةٌ، أَوْ خَالِصَةٌ) : أَيْ مِنِّي لَا عِصْمَةَ لِي عَلَيْك، (أَوْ بَائِنَةٌ، أَوْ أَنَا) بَائِنٌ مِنْك، أَوْ خَلِيٌّ أَوْ بَرِّيٌّ أَوْ خَالِصٌ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا (كَغَيْرِهَا) : أَيْ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا (إنْ لَمْ يَنْوِ أَقَلَّ) ، فَإِنْ نَوَى الْأَقَلَّ لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ وَحَلَفَ إنْ أَرَادَ نِكَاحَهَا أَنَّهُ مَا أَرَادَ إلَّا الْأَقَلَّ لَا إنْ لَمْ يُرِدْهُ، فَقَوْلُهُ: " كَغَيْرِهَا " رَاجِعٌ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ أَيْ الْمَيْتَةِ، وَمَا بَعْدَهَا.
(وَلَزِمَ الثَّلَاثُ مُطْلَقًا) دَخَلَ أَمْ لَا (مَا لَمْ يَنْوِ أَقَلَّ) مِنْ الثَّلَاثِ (فِي) قَوْلِهِ لَهَا: (خَلَّيْت سَبِيلَك) ، فَإِنْ نَوَى الْأَقَلَّ لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ.
(وَ) لَزِمَهُ الثَّلَاثُ (فِي الْمَدْخُولِ بِهَا) فَقَطْ (فِي) قَوْلِهِ: (وَجْهِي مِنْ وَجْهِك) حَرَامٌ، (أَوْ) وَجْهِي (عَلَى وَجْهِك حَرَامٌ)

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ خَالِصَةٌ] : وَمِثْلُهُ لَسْت لِي عَلَى ذِمَّةٍ، وَأَمَّا عَلَيْهِ السُّخَام فَيَلْزَمُهُ فِيهِ وَاحِدَةٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَكْثَرَ، وَأَمَّا نَحْوُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ مِنْ ذِرَاعِهِ أَوْ فَرَسِهِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْحَلِفِ بِذَلِكَ التَّبَاعُدِ عَنْ الْحَلِفِ بِالزَّوْجَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ لَسْت لِي عَلَى ذِمَّةٍ أَوْ أَنْتِ خَالِصَةٌ لَا نَصَّ فِيهِمَا، وَقَدْ اخْتَلَفَ اسْتِظْهَارُ الْأَشْيَاخِ فِي اللَّازِمِ بِهِمَا، فَاسْتَظْهَرَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ لُزُومَ طَلْقَةٍ بَائِنَةٍ، وَاسْتَظْهَرَ شَيْخُنَا الْمُؤَلِّفُ لُزُومَ الثَّلَاثِ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ خَالِصَةَ يَمِينُ سَفَهٍ وَلَسْت لِي عَلَى ذِمَّةٍ فِي عُرْفِ مِصْرَ بِمَنْزِلَةِ فَارَقْتُك يَلْزَمُ فِيهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ إلَّا لِنِيَّةِ أَكْثَرَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا، وَأَنَّهَا رَجْعِيَّةٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَنْوِ أَقَلَّ] : أَيْ بِأَنْ نَوَى الثَّلَاثَ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ.
إنْ قُلْت إنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِيهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ فَمَا وَجْهُ كَوْنِ ذَلِكَ فِيهِ الثَّلَاثُ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ عُدُولَهُ عَنْ الصَّرِيحِ أَوْجَبَ رِيبَةً عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ فَشُدِّدَ عَلَيْهِ.

فَلَا فَرْقَ بَيْنَ " مِنْ " وَ " عَلَى "، وَشُبِّهَ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ: (كَ: لَا نِكَاحَ بَيْنِي وَبَيْنَك، أَوْ لَا مِلْكَ لِي) عَلَيْك، (أَوْ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك) فَيَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا فَقَطْ.
(إلَّا لِعِتَابٍ) رَاجِعٌ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ (وَإِلَّا) : بِأَنْ كَانَ لِعِتَابٍ (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) كَمَا لَوْ كَانَتْ تَفْعَلُ أُمُورًا لَا تُوَافِقُ غَرَضَهُ بِلَا إذْنٍ مِنْهُ فَقَالَ لَهَا ذَلِكَ، فَالْعِتَابُ قَرِينَةٌ وَبِسَاطٌ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ إرَادَتِهِ الطَّلَاقَ كَمَا يَأْتِي (كَقَوْلِهِ يَا حَرَامُ) وَلَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ، (أَوْ) قَالَ: (الْحَلَالُ حَرَامٌ) بِدُونِ عَلَيَّ، (أَوْ) قَالَ: الْحَلَالُ (حَرَامٌ عَلَيَّ) أَوْ عَلَيَّ حَرَامٌ، (أَوْ جَمِيعُ مَا أَمْلِكُ حَرَامٌ، وَلَمْ يُرِدْ إدْخَالَهَا) : أَيْ الزَّوْجَةَ فِي لَفْظٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَصَدَ إدْخَالَهَا فَثَلَاثٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَفِي غَيْرِهَا إلَّا لِنِيَّةِ أَقَلَّ.
(وَ) لَزِمَهُ (وَاحِدَةٌ مُطْلَقًا) دَخَلَ أَمْ لَا (فِي) قَوْلِهِ: (فَارَقْتُك) إلَّا لِنِيَّةِ أَكْثَرَ وَهِيَ رَجْعِيَّةٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مِنْ وَعَلَى] : أَيْ فِي لُزُومِ الثَّلَاثِ وَفِي تَنْوِيَتِهِ فِي الْعَدَدِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ قَصَدَ إدْخَالَهَا] : هَذَا التَّفْصِيلُ فِي الصِّيَغِ الَّتِي قَالَهَا الْمُصَنِّفُ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ عَلَيَّ الْحَرَامُ وَحَنِثَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَلَا يُنَوَّى فِيهَا وَيَلْزَمُهُ فِي غَيْرِهَا أَيْضًا، وَلَكِنَّهُ يُنَوَّى فِي الْعَدَدِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ عَلَيَّ حَرَامٌ وَمَا مَعَهَا، وَبَيْنَ عَلَيَّ الْحَرَامُ، أَنَّ عَلَيَّ الْحَرَامُ اُسْتُعْمِلَ فِي الْعُرْفِ فِي حَلِّ الْعِصْمَةِ، بِخِلَافِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَمَا مَعَهُ، فَمَنْ قَاسَ عَلَيَّ الْحَرَامُ عَلَى بَاقِي الصِّيَغِ فَقَدْ أَخْطَأَ لِوُجُودِ الْفَارِقِ، وَخَالَفَ الْمَنْصُوصَ فِي كَلَامِهِمْ أَفَادَهُ الْأُجْهُورِيُّ: قَالَ (بْن) : وَقَدْ جَرَى الْعَمَلُ بِفَاسَ وَنَوَاحِيهَا بِلُزُومِ طَلْقَةٍ بَائِنَةٍ فِي عَلَيَّ الْحَرَامُ بِالتَّعْرِيفِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ مَدْخُولٍ بِهَا وَغَيْرِهَا.
قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يَعْنِي الْقَوْلَ بِلُزُومِ الثَّلَاثِ، وَالْقَوْلَ بِلُزُومِ طَلْقَةٍ بَائِنَةٍ مُعْتَمَدٌ، وَحَكَى الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ أَقْوَالًا أُخَرَ أَنَّهُ لَغْوٌ لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ وَقِيلَ إنَّهُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَقِيلَ يُنَوَّى فِيهِ أَوْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ لَزِمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

(وَحَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ) : أَيْ الطَّلَاقِ حَيْثُ ادَّعَى عَدَمَ قَصْدِهِ (فِي) قَوْلِهِ: (أَنْتِ سَائِبَةٌ، أَوْ: لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَك حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ؛ فَإِنْ نَكَلَ) لَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَ (نُوِّيَ فِي عَدَدِهِ) ، وَقُبِلَ قَوْلُهُ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ بِيَمِينِهِ، وَاسْتُشْكِلَ تَنْوِيَتُهُ فِي الْعَدَدِ مَعَ كَوْنِهِ قَدْ أَنْكَرَ قَصْدَ الطَّلَاقِ، وَهُوَ إذَا أَنْكَرَ قَصْدَ الطَّلَاقِ فَلَا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الْفَرْعُ وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، وَلَيْسَ هُوَ لِمَالِكٍ بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِأَصْلِ مَذْهَبِهِ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا ابْنُ شَاسٍ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ، فَعَلَى الْمُصَنِّفِ الدَّرْكُ فِي ذِكْرِهِ (اهـ) . أَيْ فَالْجَارِي عَلَى أَصْلِ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا كَغَيْرِهَا إلَّا إذَا نَوَى أَقَلَّ.

وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْكِنَايَةَ الظَّاهِرَةَ أَقْسَامٌ.
الْأَوَّلُ: مَا يَلْزَمُ فِيهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ إلَّا لِنِيَّةِ أَكْثَرَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَهُوَ: اعْتَدَى، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، فَإِنْ قَالَ لَهَا: اعْتَدَى، فَهُوَ مِنْ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ فِي حَقِّهَا.
الثَّانِي: مَا يَلْزَمُ فِيهِ الثَّلَاثُ مُطْلَقًا وَهُوَ: بَتَّةٌ، وَ: حَبْلُك عَلَى غَارِبِك.

[حاشية الصاوي]

[أَقْسَام الْكِنَايَة الظَّاهِرَة]

قَوْلُهُ: [فَهُوَ مِنْ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ فِي حَقِّهَا] : أَيْ فَلَا يَلْزَمُ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا بِالنِّيَّةِ كَاسْقِنِي الْمَاءَ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ بَتَّةٌ] إلَخْ: لُزُومُ الثَّلَاثِ فِي بَتَّةٍ، وَحَبْلِك عَلَى غَارِبِك، لِكَوْنِهِ مِنْ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى حَسَبِ الْعُرْفِ الْقَدِيمِ، وَأَمَّا عُرْفُنَا الْآنَ فَهُمَا مِنْ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ، لِأَنَّ أَلْفَاظَ الْأَيْمَانِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ، وَكَذَلِكَ بَاقِي الْأَلْفَاظِ يُنْظَرُ فِيهَا عَلَى حَسَبِ الْعُرْفِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: فَائِدَةٌ قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي فُرُوقِهِ مَا مَعْنَاهُ: إنَّ نَحْوَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مِنْ بَرِّيَّةٍ وَخَلِيَّةٍ وَحَبْلِك عَلَى غَارِبِك وَرَدَدْتُك، إنَّمَا كَانَ لِعُرْفٍ سَابِقٍ، وَأَمَّا الْآنَ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِهَا إلَّا لِمَنْ عَرَفَ مَعْنَاهَا وَإِلَّا كَانَتْ مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ، فَلَا نَجِدُ أَحَدًا الْيَوْمَ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ بِخَلِيَّةٍ وَلَا بَرِّيَّةٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِالطَّلَاقِ حَتَّى يَعْلَمَ الْعُرْفَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ (اهـ) .

الثَّالِثُ: مَا يَلْزَمُ فِيهِ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَوَاحِدَةٌ فِي غَيْرِهَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ كَوَاحِدَةٍ بَائِنَةٍ؛ نَظَرًا لِبَائِنَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً بِلَفْظٍ.
الرَّابِعُ: مَا يَلْزَمُ فِيهِ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا كَغَيْرِهَا إنْ لَمْ يَنْوِ أَقَلَّ وَهِيَ مَيْتَةٌ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا.
الْخَامِسُ: مَا يَلْزَمُ فِيهِ الثَّلَاثُ مُطْلَقًا مَا لَمْ يَنْوِ أَقَلَّ وَهُوَ: خَلَّيْت سَبِيلَك.
السَّادِسُ: مَا يَلْزَمُ فِيهِ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَيُنَوَّى فِي غَيْرِهَا، وَهُوَ: وَجْهِي مِنْ وَجْهِك حَرَامٌ إلَى آخِرِهِ.
السَّابِعُ: مَا يَلْزَمُ فِيهِ وَاحِدَةٌ إلَّا لِنِيَّةِ أَكْثَرَ وَهُوَ: فَارَقْتُك.
وَكُلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَدُلَّ الْبِسَاطُ وَالْقَرَائِنُ عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ الطَّلَاقِ، وَأَنَّ الْمُخَاطَبَةَ بِلَفْظٍ مِمَّا ذُكِرَ لَيْسَتْ فِي مَعْرِضِ الطَّلَاقِ بِحَالٍ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَصُدِّقَ فِي نَفْيِهِ) : أَيْ الطَّلَاقِ (إنْ دَلَّ بِسَاطٌ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى النَّفْيِ (فِي الْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعِ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ.
(كَالصَّرِيحِ) : فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي نَفْيِهِ عِنْدَ قِيَامِ الْقَرَائِنِ، كَمَا لَوْ أَخَذَهَا الطَّلْقُ عِنْدَ وِلَادَتِهَا، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إعْلَامًا أَوْ اسْتِعْلَامًا، أَوْ كَانَتْ مَرْبُوطَةً

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَهِيَ مَيْتَةٌ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا] : أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ، وَعَرَفْنَا الْآنَ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الثَّلَاثَةَ مِنْ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَيَنْوِي فِي غَيْرِهَا] : أَيْ فَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا لَزِمَتْهُ، أَوْ أَقَلَّ لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَقِيلَ يُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثِ وَقِيلَ عَلَى الْوَاحِدَةِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْقِسْمُ السَّادِسُ مُتَّحِدًا مَعَ الْقِسْمِ الرَّابِعِ فَتَأَمَّلْ، وَسَيَأْتِي يُوَضِّحُ الشَّارِحُ ذَلِكَ فِي آخِرِ عِبَارَتِهِ.
قَوْلُهُ: [مَا يَلْزَمُ فِيهِ وَاحِدَةٌ إلَّا لِنِيَّةِ أَكْثَرَ] : أَيْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا فَغَايَرَ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ وَهُوَ اعْتَدَى، فَإِنَّهُ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا بِالنِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَالْقَرَائِنُ] : وَأَعْظَمُ الْقَرَائِنِ الْعُرْفُ.
قَوْلُهُ: [كَمَا لَوْ أَخَذَهَا الطَّلْقُ] : مِثَالٌ لِلْبِسَاطِ فِي الصَّرِيحِ.
قَوْلُهُ: [إعْلَامًا] : أَيْ لِغَيْرِهِ، وَقَوْلُهُ: أَوْ اسْتِعْلَامًا أَيْ طَالِبًا الْعِلْمَ لِنَفْسِهِ.

فَقَالَتْ لَهُ هِيَ أَوْ غَيْرُهَا: أَطْلِقْنِي، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ.

وَحَاصِلُ الْقَوْلِ فِي الْكِنَايَةِ أَنَّهَا قِسْمَانِ: ظَاهِرَةٌ وَهِيَ مَا شَأْنُهَا أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي الطَّلَاقِ وَحَلِّ الْعِصْمَةِ، وَخَفِيَّةٌ وَهِيَ مَا شَأْنُهَا أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي غَيْرِهِ.
وَالضَّابِطُ فِي الظَّاهِرَةِ عَلَى مَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي غَيْرِ وَاحِدَةٍ بَائِنَةٍ أَنَّ اللَّفْظَ إنْ دَلَّ عَلَى قَطْعِ الْعِصْمَةِ بِالْمَرَّةِ لَزِمَ فِيهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا، وَلَا يُنَوَّى، وَذَلِكَ كَ: بَتَّةٌ، وَ: حَبْلُك عَلَى غَارِبِك، وَمِثْلُهُمَا: قَطَعْت الْعِصْمَةَ بَيْنِي وَبَيْنَك، وَ: عِصْمَتُك عَلَى كَتِفِك أَوْ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ بَلْ دَلَّ عَلَى الْبَيْنُونَةِ.
وَالْبَيْنُونَةُ لِغَيْرِ خُلْعٍ ثَلَاثٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَصَادِقَةٌ بِوَاحِدَةٍ فِي غَيْرِهَا.
فَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِيهَا ظُهُورًا رَاجِحًا فَثَلَاثٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا جَزْمًا كَغَيْرِهَا مَا لَمْ يَنْوِ الْأَقَلَّ، كَ: حَرَامٌ، وَ: مَيْتَةٌ، وَ: خَلِيَّةٌ، وَ: بَرِّيَّةٌ، وَ: وَهَبْتُك لِأَهْلِك وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِي الْبَيْنُونَةِ ظُهُورًا مُسَاوِيًا فَثَلَاثٌ مُطْلَقًا إلَّا لِنِيَّةِ أَقَلَّ، كَ: خَلَّيْت سَبِيلَك وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا لَزِمَهُ الْوَاحِدَةُ مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ كَ: فَارَقْتُك.
وَأَمَّا: سَائِبَةٌ، أَوْ: لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَك حَرَامٌ وَلَا حَلَالٌ، فَهَذَا مِنْ قَبِيلِ: وَجْهِي مِنْ وَجْهِك حَرَامٌ، وَ: مَا أَنْقَلِبُ إلَيْهِ مِنْ أَهْلٍ حَرَامٌ وَهُوَ ثَلَاثٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَيُنَوَّى فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْبَيْنُونَةِ؟ فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ: كَالْمَيْتَةِ وَأَنْتِ حَرَامٌ وَبَائِنٌ فَلَا يُحْمَلُ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا عَلَى الْأَقَلِّ إلَّا إذَا نَوَاهُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا لِأَصْبَغَ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى الْوَاحِدَةِ إلَّا لِنِيَّةِ أَكْثَرَ؟ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هَذَا كُلُّهُ فِي الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ.
وَأَمَّا الْكِنَايَةُ الْخَفِيَّةُ فَأَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ: (وَ) نُوِّيَ (فِيهِ) : أَيْ فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ، (وَفِي عَدَدِهِ فِي) كُلِّ

[حاشية الصاوي]

[الْكِنَايَةُ الْخَفِيَّةُ فِي الطَّلَاق]

قَوْلُهُ: [وَهِيَ مَا شَأْنُهَا أَنْ تُسْتَعْمَلَ] : أَيْ عُرْفًا.
قَوْلُهُ: [وَذَلِكَ كَبَتَّةٍ] إلَخْ: أَيْ عَلَى حَسَبِ الْعُرْفِ الْمَاضِي.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الْكِنَايَةُ الْخَفِيَّةُ] : أَيْ وَهِيَ مَا شَأْنُهَا أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.

كِنَايَةٍ خَفِيَّةٍ تُوهِمُ قَصْدَ الطَّلَاقِ نَحْوُ: (اذْهَبِي وَانْصَرِفِي) وَانْطَلِقِي، (أَوْ) أَنَا (لَمْ أَتَزَوَّجْ، أَوْ قِيلَ لَهُ: أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ فَقَالَ لَا، أَوْ) قَالَ لَهَا: (أَنْتِ حُرَّةٌ أَوْ: مُعْتَقَةٌ أَوْ: الْحَقِي بِأَهْلِك) ، فَإِنْ ادَّعَى عَدَمَ الطَّلَاقِ صُدِّقَ، وَإِنْ ادَّعَى عَدَدًا وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ صُدِّقَ، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ نَوَى الطَّلَاقَ وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا لَزِمَهُ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا.

(وَعُوقِبَ) الْآتِي بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّلْبِيسِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى النَّاسِ.
(وَإِنْ قَصَدَهُ بِكَلِمَةٍ) كَاسْقِنِي (أَوْ صَوْتٍ) سَاذَجٍ (لَزِمَ) وَهَذَا مِنْ الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي لَازِمِ مَعْنَاهُ.
(لَا) يَلْزَمُ (إنْ قَصَدَ التَّلَفُّظَ بِهِ) : أَيْ بِالطَّلَاقِ، (فَعَدَلَ لِغَيْرِهِ غَلَطًا) كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ، فَالْتَفَتَ لِسَانُهُ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ قَائِمَةٌ، قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ، فَقَالَ: كُلِي أَوْ اشْرَبِي فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ أَيْ لِعَدَمِ وُجُودِ رُكْنِهِ وَهُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُ مَعَ نِيَّتِهِ، بَلْ أَرَادَ إيقَاعَهُ بِلَفْظِهِ، فَوَقَعَ فِي غَيْرِهِ.

(أَوْ أَرَادَ أَنْ يَنْطِقَ بِالثَّلَاثِ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ، وَسَكَتَ) عَنْ التَّلَفُّظِ بِالثَّلَاثِ، فَلَا يَلْزَمُهُ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الثَّلَاثَ: بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَنْطِقَ بِالثَّلَاثِ فَبَدَا لَهُ عَدَمُ الثَّلَاثِ فَسَكَتَ عَنْ النُّطْقِ بِهِ.

وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ مِنْ أَرْكَانِهِ اللَّفْظُ، أَفَادَ هُنَا أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ اللَّفْظِ لَا غَيْرُ،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [عِنْدَ الْفُقَهَاءِ] : أَيْ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ شَاسٍ إنَّهُ لَيْسَ بِكِنَايَةٍ وَلَا صَرِيحٍ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمَا عَدَمُ لُزُومِ الطَّلَاقِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ، وَلَوْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ، فَيَلْزَمُ إذَا نَوَاهُ بِالصَّوْتِ السَّاذَجِ أَوْ الْمِزْمَارِ، وَأَمَّا الصَّوْتُ الضَّرْبُ بِالْيَدِ فَمِنْ الْفِعْلِ الَّذِي يَحْتَاجُ لِلْعُرْفِ أَوْ الْقَرَائِنِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ.

قَوْلُهُ: [أَوْ أَرَادَ يَنْطِقُ بِالثَّلَاثِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُنَجِّزَ وَاحِدَةً، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَقِيلَ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَسَحْنُونٍ، وَأَمَّا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُعَلِّقَ الثَّلَاثَ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَسَكَتَ وَلَمْ يَأْتِ بِالشَّرْطِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ.

بَلْ الْمُرَادُ اللَّفْظُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ إشَارَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ فِعْلٍ جَرَتْ بِهِ عَادَةٌ أَوْ كَلَامٌ نَفْسِيٌّ عَلَى قَوْلٍ بِقَوْلِهِ: (وَلَزِمَ) الطَّلَاقُ (بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ) بِيَدٍ أَوْ رَأْسٍ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْأَخْرَسِ، لَا بِغَيْرِ الْمُفْهِمَةِ وَلَوْ فَهِمَتْهَا الزَّوْجَةُ لِأَنَّهَا مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَا طَلَاقَ بِهَا.
وَالْمُفْهِمَةُ: هِيَ الَّتِي يَقْطَعُ مَنْ رَآهَا بِقَصْدِ الطَّلَاقِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ لِبَلَادَتِهَا لَمْ تَفْهَمْ مِنْهَا طَلَاقًا.

(وَ) لَزِمَ الطَّلَاقُ (بِمُجَرَّدِ إرْسَالِهِ) : أَيْ الطَّلَاقِ مَعَ رَسُولٍ، أَيْ الْمُجَرَّدُ عَنْ الْوُصُولِ إلَيْهَا، فَمَتَى قَالَ لِلرَّسُولِ: أَخْبِرْهَا بِأَنِّي طَلَّقْتهَا، لَزِمَهُ الطَّلَاقُ.
(أَوْ) بِمُجَرَّدِ (كِتَابَتِهِ) الطَّلَاقِ (عَازِمًا) بِطَلَاقِهَا لَا مُتَرَدِّدًا فِيهِ حَتَّى يَبْدُوَ لَهُ فَيَلْزَمَهُ بِمُجَرَّدِ كِتَابَةِ طَالِقٍ، وَإِلَّا يَكُنْ عَازِمًا بِالطَّلَاقِ حَالَ الْكِتَابَةِ، بَلْ كَانَ مُتَرَدِّدًا أَوْ مُسْتَشِيرًا (فَبِإِخْرَاجِهِ) : أَيْ فَيَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ إنْ أَخْرَجَهُ (عَازِمًا) وَأَعْطَاهُ لِمَنْ يُوصِلُهُ وَلَوْ لَمْ يَصِلْ، (أَوْ وُصُولِهِ) لَهَا أَوْ لِوَلِيِّهَا إنْ أَخْرَجَهُ غَيْرَ عَازِمٍ، فَإِنْ أَخْرَجَهُ غَيْرَ عَازِمٍ وَلَمْ يَصِلْ فَقَوْلَانِ: أَقْوَاهُمَا عَدَمُ اللُّزُومِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ.
وَتَحْصِيلُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَتَبَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ كَتَبَهُ مُجْمِعًا عَلَى الطَّلَاقِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ كَتَبَهُ

[حاشية الصاوي]

[الطَّلَاقُ بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ]

قَوْلُهُ: [لَزِمَهُ الطَّلَاقُ] : أَيْ وَلَوْ لَمْ يَصِلْ الْخَبَرُ إلَيْهَا.
قَوْلُهُ: [فَيَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ كِتَابَةِ طَالِقٍ] : أَيْ فِي صُوَرٍ سِتٍّ، وَهِيَ مَا إذَا أَخْرَجَهُ عَازِمًا أَوْ مُسْتَشِيرًا أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ، وَفِي كُلِّ وَصْلٍ أَمْ لَا وَالْمُتَرَدِّدُ وَالْمُسْتَشِيرُ شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي الْحُكْمِ فَلَا تَتَعَدَّدُ مِنْ أَجَلِهِمَا الصُّوَرُ.
قَوْلُهُ: [إنْ أَخْرَجَهُ عَازِمًا] : مِثْلُ الْعَزْمِ فِي الْإِخْرَاجِ عَدَمُ النِّيَّةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: [إنْ أَخْرَجَهُ غَيْرَ عَازِمٍ] : أَيْ بِأَنْ كَانَ مُسْتَشِيرًا أَوْ مُتَرَدِّدًا.
قَوْلُهُ: [أَقْوَاهُمَا عَدَمُ اللُّزُومِ] : أَيْ حَيْثُ كَانَ كَتَبَهُ مُسْتَشِيرًا أَوْ مُتَرَدِّدًا وَأَخْرَجَهُ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَتَحْصِيلُ الْقَوْلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ] إلَخْ: فَحَاصِلُهُ أَنَّ الصُّوَرَ فِيهَا ثَمَانِيَةَ عَشْرَ، لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكْتُبَهُ عَازِمًا أَوْ مُسْتَشِيرًا أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يُخْرِجَهُ عَازِمًا أَوْ مُسْتَشِيرًا أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ تُضْرَبُ فِي مِثْلِهَا بِتِسْعٍ،

عَلَى أَنْ يَسْتَخِيرَ فِيهِ، فَإِنْ رَأَى أَنْ يُنْفِذَهُ نَفَّذَهُ، وَإِنْ رَأَى أَنْ لَا يُنْفِذَهُ لَمْ يُنْفِذْهُ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ.
فَأَمَّا إذَا كَتَبَهُ مُجْمِعًا عَلَى الطَّلَاقِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ، وَأَمَّا إذَا كَتَبَهُ عَلَى أَنْ يَسْتَخِيرَ فِيهِ وَيَرَى رَأْيَهُ فِي إنْفَاذِهِ فَذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يُخْرِجْ الْكِتَابَ مِنْ يَدِهِ.
فَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ عَلَى أَنْ يَرُدَّهُ إنْ بَدَا لَهُ فَقِيلَ: إنَّ خُرُوجَ الْكِتَابِ مِنْ يَدِهِ كَالْإِشْهَادِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ، وَقِيلَ: لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ كَتَبَ إلَيْهَا: إنْ وَصَلَك كِتَابِي هَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ إلَّا بِوُصُولِ الْكِتَابِ إلَيْهَا؛ فَإِنْ وَصَلَ إلَيْهَا طَلُقَتْ مَكَانَهَا أُجْبِرَ عَلَى رَجْعَتِهَا إنْ كَانَتْ حَائِضًا (اهـ.) فَتَحَصَّلَ أَنَّ اللُّزُومَ إمَّا فِي الْكِتَابَةِ عَازِمًا أَوْ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ يَدِهِ عَازِمًا عَلَى الطَّلَاقِ، وَإِمَّا بِالْوُصُولِ إلَيْهَا، وَفِي قَوْلِهِ الثَّالِثِ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ نِيَّةُ نَظَرٍ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّيَّةِ.
وَالْإِنْسَانُ إمَّا

[حاشية الصاوي]

وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَصِلَ أَمْ لَا هَذِهِ ثَمَانِيَةَ عَشْرَ، فَإِذَا كَتَبَهُ عَازِمًا الَّذِي هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ مُجْمِعًا حَنِثَ بِصُورَةِ السِّتِّ، وَهِيَ إمَّا أَنْ يُخْرِجَهُ عَازِمًا أَوْ مُسْتَشِيرًا أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَصِلَ أَمْ لَا، وَأَمَّا لَوْ كَتَبَهُ مُسْتَشِيرًا أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ أَخْرَجَهُ عَازِمًا أَوْ مُسْتَشِيرًا أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ فَهَذِهِ سِتٌّ يَحْنَثُ فِيهَا إنْ وَصَلَ اتِّفَاقًا، وَكَذَا إنْ لَمْ يَصِلَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إلَّا فِي صُورَةٍ وَهِيَ مَا إذَا كَتَبَهُ مُسْتَشِيرًا وَأَخْرَجَهُ كَذَلِكَ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [عَلَى أَنْ يَسْتَخِيرَ] : هُوَ مَعْنَى الِاسْتِشَارَةِ وَالتَّرَدُّدِ.
قَوْلُهُ: [فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ] : أَمَّا إنْ كَانَ مُجْمِعًا عَلَى الطَّلَاقِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا، عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ فَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [عَلَى أَنْ يَرُدَّهُ] : هُوَ مَعْنَى إخْرَاجِهِ مُسْتَشِيرًا أَوْ مُتَرَدِّدًا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي هَذِهِ لَا حِنْثَ إنْ لَمْ يَصِلْ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ كَانَ عَازِمًا وَقْتَ الْكِتَابَةِ.
قَوْلُهُ: [انْتَهَى] : أَيْ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ.
قَوْلُهُ: [أَوْ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ يَدِهِ عَازِمًا] : مِثْلُهُ عَدَمُ النِّيَّةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ حَالَ الْكِتَابَةِ أَوْ حَالَ الْإِخْرَاجِ.

عَازِمٌ عَلَى الشَّيْءِ، وَإِمَّا لَا عَازِمَ وَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَحْمِلَ عَلَى الْعَبَثِ أَوْ السَّهْوِ، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنْ كَتَبَ إلَيْهَا: " إنْ وَصَلَك "، إلَى آخِرِ مَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ مِنْ الْمُخَالَفَةِ.

(لَا) يَلْزَمُ طَلَاقٌ (بِكَلَامٍ نَفْسِيٍّ) عَلَى أَرْجَحِ الْقَوْلَيْنِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا أَنْشَأَ الطَّلَاقَ بِقَلْبِهِ بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ.
وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ اللُّزُومِ لِمَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَهُوَ الَّذِي يَنْصُرُهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ - الْقَرَافِيُّ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
(أَوْ فِعْلٍ) كَضَرْبٍ وَفَتْقِ ثَوْبٍ أَوْ تَمْزِيقِهِ، أَوْ قَطْعِ حَبْلٍ لَا يَلْزَمُهُ بِهِ طَلَاقٌ وَلَوْ قَصَدَهُ بِهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) ذَلِكَ الْفِعْلُ (عَادَتَهُمْ) فِي وُقُوعِهِ فَيَلْزَمُ بِهِ.

(وَسُفِّهَ) زَوْجٌ (قَائِلٌ) لِزَوْجَتِهِ: (يَا أُمِّي أَوْ يَا أُخْتِي وَنَحْوَهُ) كَخَالَتِي

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْعَبَثِ] : هَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَلِذَلِكَ شُدِّدَ عَلَيْهِ وَجُعِلَ عَدَمُ النِّيَّةِ كَالْعَزْمِ عَلَى الطَّلَاقِ فَتَدَبَّرْ.
قَوْلُهُ: [وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ فَإِنْ كَتَبَ] إلَخْ: أَيْ كَالْخَرَشِيِّ حَيْثُ عَمَّمَ بِقَوْلِهِ: سَوَاءٌ كَانَ فِي الْكِتَابَةِ إذَا جَاءَك كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ، وَسَوَاءٌ أَخْرَجَهُ وَوَصَلَ إلَيْهَا أَوْ لَمْ يُخْرِجْهُ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا التَّعْمِيمَ خِلَافُ مَا قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ: وَإِنْ كَتَبَ لَهَا إنْ وَصَلَك كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ تَوَقَّفَ الطَّلَاقُ عَلَى الْوُصُولِ، وَإِنْ كَتَبَ إذَا وَصَلَ لَك كِتَابِي إلَخْ فَفِي تَوَقُّفِهِ عَلَى الْوُصُولِ خِلَافٌ وَقَوِيَ الْقَوْلُ بِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْوُصُولِ لِتَضَمُّنِ إذَا مَعْنَى الشَّرْطِ.

قَوْلُهُ: [لِمَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ] : أَيْ أَمَّا الْقَوْلُ بِاللُّزُومِ فَهُوَ لِمَالِكٍ الْعُتْبِيَّةِ قَالَ فِي الْبَيَانِ وَالْمُقَدِّمَاتِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ هُوَ الْأَشْهَرُ، ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكْتَفِي بِالنِّيَّةِ فِي التَّكَالِيفِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقَلْبِ، لَا فِيمَا بَيْنَ الْآدَمِيِّينَ (اهـ. بْن) ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ إذَا أَنْشَأَ الطَّلَاقَ بِقَلْبِهِ أَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الطَّلَاقِ لَا شَيْءَ فِيهِ، وَكَذَا مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا طَلُقَتْ مِنْهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ عَدَمُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْفِعْلُ عَادَتَهُمْ] : تَقَدَّمَ لَهُ فِي الْخُلْعِ أَنَّ قِيَامَ الْقَرِينَةِ مِثْلُ الْعَادَةِ، وَانْظُرْ هَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ بِالْخُلْعِ أَوْ يَجْرِي هُنَا.

وَعَمَّتِي مِنْ الْمَحَارِمِ، أَيْ نُسِبَ لِلسَّفَهِ وَلَغْوِ الْحَدِيثِ.

(وَإِنْ كَرَّرَهُ) : أَيْ الطَّلَاقَ (بِعَطْفٍ) : بِوَاوٍ أَوْ فَاءٍ أَوْ ثُمَّ (أَوْ بِغَيْرِهِ) نَحْوُ: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ بِلَا ذِكْرِ مُبْتَدَأٍ فِي الْأَخِيرَيْنِ أَوْ بِذِكْرِهِ، (لَزِمَ) مَا كَرَّرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (فِي الْمَدْخُولِ بِهَا) نَسَّقَهُ أَوْ فَصَلَ بِسُكُوتٍ أَوْ كَلَامٍ إذَا لَمْ يَكُنْ خُلْعًا، لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ (كَغَيْرِهَا) ، أَيْ غَيْرِ الْمَدْخُولِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بِقَدْرِ التَّكْرَارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، لَكِنْ (إنْ نَسَّقَهُ) وَلَوْ حُكْمًا كَفَصْلٍ بِعُطَاسٍ أَوْ سُعَالٍ، لَا إنْ فَصَلَهُ لِإِبَانَتِهَا بِالْأَوَّلِ فَلَا يَلْحَقُهُ الثَّانِي بَعْدَ الْفَصْلِ كَالتَّكْرَارِ بَعْدَ الْخُلْعِ، (إلَّا لِنِيَّةِ تَأْكِيدٍ فِي غَيْرِ الْعَطْفِ) فَيُصَدَّقُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا، بِخِلَافِ الْعَطْفِ فَلَا تَنْفَعُهُ نِيَّةُ التَّأْكِيدِ مُطْلَقًا، لِأَنَّ الْعَطْفَ يُنَافِي التَّأْكِيدَ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [مِنْ الْمَحَارِمِ] : لَا مَفْهُومَ لَهُ، بَلْ قَالَ لَهَا يَا سِتِّي أَوْ يَا حَبِيبَتِي، فَإِنَّهُ سَفَهٌ أَيْضًا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ، لَكِنْ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ هُوَ خَفِيفٌ، لِأَنَّ السَّيِّدَةَ تَصْدُقُ بَعْدَ عِتْقِهِ، وَالنِّكَاحُ إذْ ذَاكَ جَائِزٌ عَلَى أَنَّ الْعُرْفَ شَاعَ بِهَا فِي الْوُدِّ وَالتَّعْظِيمِ، وَأَمَّا قَوْلُ نِسَاءِ مِصْرَ لِلزَّوْجِ سَيِّدِي فَلَا بَأْسَ بِهِ لِجَوَازِ الْوَطْءِ بِالْمِلْكِ (اهـ) . وَإِنَّمَا نَسَبَ الْقَائِلُ ذَلِكَ لِلسَّفَهِ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ لِمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ يَا أُخْتِي: " أَأُخْتُك هِيَ "، فَكَرِهَ ذَلِكَ وَأَنْكَرَهُ، وَفِي كَرَاهَتِهِ وَحُرْمَتِهِ قَوْلَانِ.

قَوْلُهُ: [إنْ نَسَقَهُ] : الْمُرَادُ بِهِ النَّسَقُ اللُّغَوِيُّ وَهُوَ الْمُتَابَعَةُ لَا الِاصْطِلَاحِيُّ، وَهُوَ تَوَسُّطُ أَحَدِ حُرُوفِ الْعَطْفِ التِّسْعَةِ بَيْنَ التَّابِعِ وَالْمَتْبُوعِ.
قَوْلُهُ: [كَالتَّكْرَارِ بَعْدَ الْخُلْعِ] : تَشْبِيهٌ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا.
قَوْلُهُ: [فَيُصَدَّقُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا] إلَخْ: أَيْ بِيَمِينٍ فِي الْقَضَاءِ وَبِغَيْرِهَا فِي الْفَتْوَى، وَتُقْبَلُ نِيَّةُ التَّأَكُّدِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَلَوْ طَالَ مَا بَيْنَ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَإِنَّهُ إنَّمَا يَنْفَعُهُ فِيهَا التَّأْكِيدُ حَيْثُ لَمْ يَطُلْ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ الثَّانِي وَلَوْ نَوَى بِهِ الْإِنْشَاءَ قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْعَطْفَ يُنَافِي التَّوْكِيدَ] : أَوْ لِقَوْلِهِمْ إنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ.

(وَلَزِمَ) طَلْقَةٌ (وَاحِدَةٌ فِي) تَعْبِيرِهِ بِجُزْءٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ مَنْطِقٌ أَوْ لَا نَحْوُ: (رُبْعِ) أَوْ ثُمُنِ (طَلْقَةٍ أَوْ ثُلُثَيْ) أَوْ ثُلُثِ أَوْ سُدُسِ (طَلْقَةٍ) ، أَوْ جُزْءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ طَلْقَةٍ، (أَوْ نِصْفَيْ طَلْقَةٍ) لِأَنَّ النِّصْفَيْنِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، (أَوْ ثُلُثِ وَرُبُعِ طَلْقَةٍ) لِأَنَّ الثُّلُثَ وَالرُّبُعَ نِصْفُ طَلْقَةٍ وَسُدُسُ نِصْفِ طَلْقَةٍ فَتَكْمُلُ، (أَوْ رُبُعِ وَنِصْفِ طَلْقَةٍ) لِأَنَّ الرُّبُعَ وَالنِّصْفَ طَلْقَةٌ إلَّا رُبْعًا.
(وَ) لَزِمَ (اثْنَتَانِ فِي ثُلُثِ طَلْقَةٍ وَرُبْعِ طَلْقَةٍ، أَوْ رُبْعِ طَلْقَةٍ وَنِصْفِ طَلْقَةٍ) وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا أُضِيفَ فِيهِ الْجُزْءُ الْمَذْكُورُ صَرِيحًا إلَى طَلْقَةٍ، بِأَنْ يَكُونَ كُلُّ كَسْرٍ مُوَافِقٌ أَوْ مُخَالِفٌ مُضَافًا لِطَلْقَةٍ صَرِيحًا، لِأَنَّ كُلَّ كَسْرٍ أُضِيفَ لِطَلْقَةٍ أُخِذَ مُمَيِّزُهُ فَاسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ نِصْفِ وَثُلُثِ طَلْقَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) لَزِمَ اثْنَتَانِ فِي (الطَّلَاقِ كُلِّهِ إلَّا نِصْفَهُ) لِأَنَّهُ اُسْتُثْنِيَ مِنْ الثَّلَاثِ طَلْقَةٌ وَنِصْفُ طَلْقَةٍ يَبْقَى طَلْقَةٌ وَنِصْفٌ، وَكَمُلَ عَلَيْهِ النِّصْفُ، (وَ) لَزِمَ اثْنَتَانِ فِي (وَاحِدَةٍ) أَيْ فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ طَالِقٌ وَاحِدَةً (فِي اثْنَتَيْنِ) لِأَنَّ الْوَاحِدَ فِي اثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ، وَهَذَا (إنْ قَصَدَ الْحِسَابَ) بِأَنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ، (وَإِلَّا) يَقْصِدْ الْحِسَابَ (فَثَلَاثٌ) لِأَنَّ شَأْنَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْحِسَابَ أَنْ يَقْصِدَ وَاحِدَةً مَعَ اثْنَتَيْنِ،

[حاشية الصاوي]

[تَنْبِيه إِن قَالَ طَلَّقْتُك فِي كَلَامك]

قَوْلُهُ: [مُنْطَقٍ أَوْ لَا] : الْمُنْطَقُ مَا لَمْ يُعَبَّرْ فِيهِ بِلَفْظِ الْجُزْئِيَّةِ كَرُبْعٍ وَخُمْسٍ، وَغَيْرُ الْمُنْطَقِ مَا عُبِّرَ فِيهِ بِلَفْظِ الْجُزْئِيَّةِ كَجُزْءٍ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الثُّلُثَ وَالرُّبْعَ نِصْفُ طَلْقَةٍ وَسُدُسُ نِصْفِ طَلْقَةٍ] : أَيْ لِأَنَّك تَأْخُذُ سُدُسًا مِنْ الرُّبْعِ يُوضَعُ عَلَى الثُّلُثِ يُكْمِلُ النِّصْفَ يَبْقَى نِصْفُ سُدُسٍ وَهُوَ سُدُسُ النِّصْفِ، لِأَنَّ الرُّبْعَ سُدُسٌ وَنِصْفُهُ وَالثُّلُثَ سُدُسَانِ.
قَوْلُهُ: [أَخَذَ مُمَيِّزُهُ] : أَيْ الَّذِي هُوَ لَفْظُ طَلْقَةٍ.
وَقَوْلُهُ فَاسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ أَيْ حَكَمَ بِكَمَالِ الطَّلْقَةِ فِيهِ، فَالْجُزْءُ الْآخَرُ الْمَعْطُوفُ بَعْدَ طَلْقَةٍ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: [كَمَا تَقَدَّمَ] : أَيْ مِنْ أَنَّهُمَا يُحْسَبَانِ طَلْقَةً وَاحِدَةً لِعَدَمِ أَخْذِ مُمَيِّزِ الْأَوَّلِ مَعَهُ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَزِدْ مَجْمُوعُ الْجُزْأَيْنِ عَلَى طَلْقَةٍ، فَإِنْ زَادَ كَمَا إذَا قَالَ نِصْفٌ وَثُلُثَيْ طَلْقَةٍ بِتَثْنِيَةِ ثُلُثٍ لَزِمَهُ طَلْقَتَانِ، لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ الْمَذْكُورَةَ تَزِيدُ عَلَى طَلْقَةٍ، وَفِي الْجَوَاهِرِ لَوْ قَالَ ثَلَاثَةُ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ أَوْ أَرْبَعَةُ أَثْلَاثِ طَلْقَةٍ وَقَعَتْ اثْنَتَانِ لِزِيَادَةِ الْأَجْزَاءِ عَلَى وَاحِدَةٍ نَقَلَهُ (ر) .

(كَ: أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ إلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ) فَيَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَثْنَى نِصْفَ طَلْقَةٍ، عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ بِالطَّلَاقِ كُلَّ الطَّلَاقِ، (أَوْ) قَالَ: (كُلَّمَا حِضْت) فَأَنْتِ طَالِقٌ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ، وَيَنْجَرُّ عَلَيْهِ مِنْ الْآنَ وَلَا يَنْتَظِرُ لِوُقُوعِهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُحْتَمَلِ الْغَالِبِ وُقُوعُهُ، وَقَصْدُهُ التَّكْثِيرَ وَهَذَا فِيمَنْ تَحِيضُ أَوْ يُتَوَقَّعُ مِنْهَا الْحَيْضُ، وَأَمَّا الْآيِسَةُ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ (أَوْ قَالَ: كُلَّمَا) طَلَّقْتُك (أَوْ: مَتَى مَا طَلَّقْتُك، أَوْ) كُلَّمَا أَوْ مَتَى مَا (وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَطَلَّقَ وَاحِدَةً) فَيَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فِي الْفُرُوعِ الْأَرْبَعَةِ، لِأَنَّهُ بِإِيقَاعِ الْوَاحِدَةِ وَقَعَ الْمُعَلَّقُ فَتَقَعُ الثَّانِيَةُ، وَبِوُقُوعِهَا تَقَعُ الثَّالِثَةُ، لِأَنَّ فَاعِلَ السَّبَبِ فَاعِلُ الْمُسَبَّبِ، (أَوْ) قَالَ: (إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ بِالطَّلَاقِ] إلَخْ: أَيْ أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ لَا الطَّلَاقَ الشَّرْعِيَّ، وَإِلَّا كَأَنْ يَقُولَ إلَّا نِصْفَهُ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَزِمَهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا فِيمَنْ تَحِيضُ] : هَذَا نَحْوُ مَا لِابْنِ عَرَفَةَ عَنْ النَّوَادِرِ مُعْتَرِضًا عَلَى ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، حَيْثُ قَالَ هَذَا فِي غَيْرِ الْيَائِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ، وَأَمَّا الْيَائِسَةُ وَالصَّغِيرَةُ يَقُولُ لِإِحْدَاهُمَا إذَا حِضْت فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ حَتَّى تَرَى دَمَ الْحَيْضِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ قَالَ كُلَّمَا طَلَّقْتُك] إلَخْ: أَمَّا لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا حَلِيتِي حَرُمْتِي، نُظِرَ لِقَصْدِهِ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ: كُلَّمَا حَلِيتِي لِي بَعْدَ زَوْجٍ حَرُمْتِي تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا، وَإِنْ أَرَادَ كُلَّمَا: حَلِيتِي لِي بِالرَّجْعَةِ فِي هَذِهِ الْعِصْمَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ حَرُمْتِي حَلَّتْ لَهُ بَعْدَ زَوْجٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ نُظِرَ لِعُرْفِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ نُظِرَ لِلْبِسَاطِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا بِسَاطٌ حُمِلَ عَلَى الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلتَّأْبِيدِ احْتِيَاطًا، وَمِثْلُ ذَلِكَ إذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا حَلَّلَكِ شَيْخٌ حَرَّمَك شَيْخٌ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا كُلَّمَا حَلِيتِي حَرُمْتِي، فَإِنْ أَرَادَ الزَّوْجُ الثَّانِي بَعْدَ هَذِهِ الْعِصْمَةِ لَا يُحَلِّلُهَا، فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ زَوْجٍ لِأَنَّ إرَادَتَهُ ذَلِكَ بَاطِلَةٌ شَرْعًا لِأَنَّ اللَّهَ أَحَلَّهَا بَعْدَهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا إنْ حَلَّتْ لَهُ بَعْدَ زَوْجٍ وَتَزَوَّجَهَا فَهِيَ حَرَامٌ عَلَيْهِ تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ فَاعِلَ السَّبَبِ] : أَيْ الَّذِي هُوَ الطَّلْقَةُ الْأُولَى، وَالْمُرَادُ بِالْمُسَبَّبِ الطَّلْقَةُ الثَّانِيَةُ، وَإِذَا كَانَ فَاعِلُ السَّبَبِ فَاعِلَ الْمُسَبَّبِ آلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ الطَّلْقَةَ

طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا أَوْ اثْنَيْنِ، وَطَلَّقَ) : لَزِمَهُ الثَّلَاثُ فِي الْفَرْعَيْنِ، وَيُلْغِي قَوْلَهُ قَبْلَهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ الْأَمْسِ، فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَأُدِّبَ الْمُجَزِّئُ) لِلطَّلَاقِ (كَمُطَلِّقِ جُزْءٍ، كَيَدٍ) وَرِجْلٍ وَأُصْبُعٍ وَأُنْمُلَةٍ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَلَزِمَهُ الطَّلَاقُ.
(وَلَزِمَ) الطَّلَاقُ (بِنَحْوِ شَعْرُك) مِمَّا يُعَدُّ مِنْ مَحَاسِنِ الْمَرْأَةِ كَشَعْرِك أَوْ كَلَامِك أَوْ رِيقِك طَالِقٌ.
(لَا) يَلْزَمُ بِمَا لَا يُعَدُّ مِنْ الْمَحَاسِنِ نَحْوُ (بُصَاقٌ وَدَمْعٌ) وَسُعَالٌ.

[حاشية الصاوي]

الثَّانِيَةَ فِعْلُهُ، فَتُجْعَلُ سَبَبًا لِلثَّالِثَةِ بِمُقْتَضَى أَدَاةِ التَّكْرَارِ.
قَوْلُهُ: [وَيُلْغَى قَوْلُهُ قَبْلَهُ] : هَذَا هُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِنَا، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ إذْ قَالَ إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ أَصْلًا، وَلَا يَلْحَقُهُ فِيهَا لِلدَّوْرِ الْحُكْمِيِّ، فَإِنَّهُ مَتَى طَلَّقَهَا وَقَعَ الطَّلَاقُ قَبْلَهُ ثَلَاثًا وَمَتَى وَقَعَ قَبْلَهُ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا كَانَ طَلَاقُهَا الصَّادِرُ مِنْهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا، لَكِنْ قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ تَقْلِيدُ ابْنَ سُرَيْجٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ضَلَالٌ مُبِينٌ.
قَوْلُهُ: [وَأُدِّبَ الْمُجَزِّئُ] : قَالَ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ.
قَوْلُهُ: [مِمَّا يُعَدُّ مِنْ مَحَاسِنِ الْمَرْأَةِ] : أَيْ هُوَ كُلُّ مَا يُلْتَذُّ بِهِ أَوْ يُلْتَذُّ بِالْمَرْأَةِ بِسَبَبِهِ، فَالْأَوَّلُ كَالرِّيقِ وَالثَّانِي كَالْعَقْلِ، لِأَنَّ بِالْعَقْلِ يَصْدُرُ مِنْهَا مَا يُوجِبُ لِلرَّجُلِ الْإِقْبَالَ عَلَيْهَا وَالِالْتِذَاذَ بِهَا، بِخِلَافِ الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ: [نَحْوُ بُصَاقٌ] : الْفَرْقُ بَيْنَ الرِّيقِ وَالْبُصَاقِ أَنَّ الرِّيقَ هُوَ مَاءُ الْفَمِ مَا دَامَ فِيهِ، فَإِنْ انْفَصَلَ عَنْهُ فَهُوَ بُصَاقٌ وَالْأَوَّلُ يُلْتَذُّ بِهِ بِخِلَافِ الثَّانِي.
تَنْبِيهٌ: خَالَفَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، فَقَالَ لَا يَلْزَمُ فِي: " كَلَامِك " شَيْءٌ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ رُؤْيَةَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ يُحَرِّمْ كَلَامَهُنَّ عَلَى أَحَدٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ مُرْتَبِطًا بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ، فَإِنَّ وَجْهَ الْأَجْنَبِيَّةِ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَتَطْلُقُ بِهِ وَفِي الْحَاشِيَةِ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، إنْ قَالَ: اسْمُك طَالِقٌ، يَلْزَمُ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُنْفَصِلِ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَضَعْفُهُ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ وَرَدَ عَلَى لَفْظٍ فَهُوَ وَارِدٌ عَلَى مُسَمَّاهُ، وَقَدْ قِيلَ الِاسْمُ عَيْنُ الْمُسَمَّى فَتَأَمَّلْ.

(وَصَحَّ) فِي الطَّلَاقِ (الِاسْتِثْنَاءُ بِإِلَّا وَأَخَوَاتِهَا وَلَوْ) لَفَظَ بِهِ (سِرًّا) فَإِنَّهُ يَنْفَعُهُ وَيُصَدَّقُ فِيهِ نَحْوُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً، أَوْ غَيْرَ وَاحِدَةٍ أَوْ سِوَى وَاحِدَةٍ، فَيَلْزَمُهُ اثْنَتَانِ كَمَا يَأْتِي.
لَكِنْ صِحَّتُهُ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ أَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ: (إنْ اتَّصَلَ) بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَلَوْ حُكْمًا فَلَا يَضُرُّ فَصْلٌ بِعُطَاسٍ أَوْ سُعَالٍ، فَإِنْ انْفَصَلَ اخْتِيَارًا لَمْ يَصِحَّ.
(وَ) إنْ (قَصَدَ) الِاسْتِثْنَاءَ: أَيْ الْإِخْرَاجَ لَا إنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ بِلَا قَصْدٍ فَلَا يُفِيدُ.
(وَلَمْ يَسْتَغْرِقْ) الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ نَحْوُ: طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا وَيَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ وَمِثَالُ غَيْرِ الْمُسْتَغْرِقِ (نَحْوُ) : أَنْتِ طَالِقٌ (ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ) فَيَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا عَلِمْت أَنَّ الْمُسْتَغْرِقَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَأَنَّ غَيْرَهُ صَحِيحٌ.
(فَفِي) : طَالِقٌ (ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً) : يَلْزَمُهُ اثْنَتَانِ لِإِلْغَاءِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُسْتَغْرِقِ، وَكَانَ الثَّانِي

[حاشية الصاوي]

[الِاسْتِثْنَاء فِي الطَّلَاق]

قَوْلُهُ: [وَأَخَوَاتِهَا] : وَهِيَ سِوَى وَخَلَا وَعَدَا وَحَاشَا وَغَيْرُ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَفَظَ بِهِ سِرًّا] : مَحَلُّ الِاكْتِفَاءِ بِالسِّرِّ مَا لَمْ يَكُنْ الْحَلِفُ فِي وَثِيقَةِ حَقٍّ وَإِلَّا فَلَا يَنْفَعُهُ إلَّا الْجَهْرُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ الْمُحَلِّفِ كَمَا مَرَّ فِي الْيَمِينِ.
قَوْلُهُ: [إنْ اتَّصَلَ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ] : الْمُرَادُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَحْلُوفُ بِهِ، فَلَوْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ضَرَّ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ دَخَلْت الدَّارَ إلَّا اثْنَتَيْنِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ إنْ اتَّصَلَ بِالْمَحْلُوفِ بِهِ أَوْ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ نَحْوُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ دَخَلْت الدَّارَ إلَّا اثْنَتَيْنِ وَهُمَا قَوْلَانِ.
قَوْلُهُ: [فَفِي طَالِقٍ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً] إلَخْ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ لُزُومِ الِاثْنَتَيْنِ هُوَ مَذْهَبُ خَلِيلٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ إلَّا ثَلَاثًا مُلْغًى، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا وَاحِدَةٌ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْكَلَامَ بِآخِرِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الثَّلَاثَ الَّتِي أَخْرَجَ مِنْهَا الْوَاحِدَةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَوْلِهِ هِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَالْمُسْتَثْنَى مِنْ الثَّلَاثِ اثْنَتَانِ يَبْقَى وَاحِدَةٌ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَهُوَ الْحَقُّ وَعَلَى عَكْسِ الْقَوْلَيْنِ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ، فَعَلَى مَا لِلْمُصَنِّفِ مِنْ إلْغَاءِ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ

مُخَرَّجًا مِنْ أَصْلِ الْكَلَامِ، (أَوْ) قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ (أَلْبَتَّةَ إلَّا ثِنْتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً) يَلْزَمُهُ (اثْنَتَانِ) لِأَنَّ أَلْبَتَّةَ ثَلَاثٌ، وَالِاسْتِنَاءُ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، فَأَخْرَجَ مِنْ أَلْبَتَّةَ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً تُضَمُّ لِلْوَاحِدَةِ الْأُولَى، (وَاعْتُبِرَ) فِي صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ (مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ) لَفْظًا، وَإِنْ كَانَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ شَرْعًا عَلَى أَرْجَحِ الْقَوْلَيْنِ، فَمَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعًا إلَّا اثْنَتَيْنِ لَزِمَهُ اثْنَتَانِ، وَإِنْ قَالَ: إلَّا ثَلَاثًا، لَزِمَهُ وَاحِدَةٌ، وَمَنْ قَالَ: خَمْسًا إلَّا ثَلَاثًا، لَزِمَهُ اثْنَتَانِ، كَمَنْ قَالَ: سِتًّا إلَّا أَرْبَعًا وَقِيلَ لَا يُعْتَبَرُ الزَّائِدُ عَلَى الثَّلَاثِ لِأَنَّهُ مَعْدُومٌ شَرْعًا فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ حِسًّا، فَيَلْزَمُهُ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ وَاحِدَةٌ، وَفِي الثَّانِي ثَلَاثَةٌ لِأَنَّهُ كَانَ اسْتَثْنَى ثَلَاثًا مِنْ ثَلَاثٍ، فَيُلْغَى الِاسْتِثْنَاءُ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَكَذَا فِي الْمِثَالِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى مُقَدِّرِ حُصُولِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، مِنْ حِنْثٍ وَعَدَمِهِ وَتَنْجِيزِ الْحِنْثِ وَعَدَمِهِ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ إنْ عَلَّقَهُ عَلَى أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ مُحَقَّقِ الْوُقُوعِ، أَوْ غَالِبٍ وُقُوعُهُ أَوْ

[حاشية الصاوي]

تَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ، وَعَلَى مَا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَرَفَةَ يَلْزَمُهُ اثْنَتَانِ.
قَوْلُهُ: [مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ] : أَيْ فِي حَقِّ الْحُرِّ، وَيُقَالُ فِي الْعَبْدِ مَا زَادَ عَلَى اثْنَتَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ إلَّا اثْنَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْجَمِيعِ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَوَاحِدَةٌ، لِأَنَّهُ أَخْرَجَ اثْنَتَيْنِ مِنْ ثَلَاثٍ وَإِلَّا يَكُنْ مِنْ الْجَمِيعِ، بَلْ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ مِنْ الثَّانِي أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ فَيَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ.

[بَيَانِ أَحْكَامِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى مُقَدِّرِ حُصُولِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ]

قَوْلُهُ: [أَحْكَامُ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ] : اُخْتُلِفَ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ فَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ مَكْرُوهٌ قَالَ اللَّخْمِيُّ مَمْنُوعٌ.
قَوْلُهُ: [عَلَى مُقَدِّرٍ] : مُتَعَلِّقٌ، بِتَعْلِيقِ وَقَوْلُهُ فِي الْمُسْتَقْبِلِ مُتَعَلِّقٌ بِحُصُولِهِ، وَقَوْلُهُ مِنْ حِنْثٍ وَعَدَمِهِ وَتَنْجِيزِ الْحِنْثِ وَعَدَمِهِ، بَيَانٌ لِلْأَحْكَامِ، وَمَعْنَى مُقَدَّرِ الْحُصُولِ مَفْرُوضُ الْحُصُولِ أَيْ وَالْعَدَمُ، فَفِي الْكَلَامِ اكْتِفَاءٌ بِدَلِيلِ تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُمْتَنِعِ.
قَوْلُهُ: [مُحَقَّقِ الْوُقُوعِ] : أَيْ لِوُجُوبِهِ عَقْلًا أَوْ عَادَةً أَوْ شَرْعًا كَمَا سَيَذْكُرُ أَمْثِلَتَهُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ غَالِبٍ وُقُوعُهُ] : أَيْ كَالْحَيْضِ فِي غَيْرِ الْيَائِسَةِ.

مَشْكُوكٍ فِي حُصُولِهِ فِي الْحَالِ، وَيُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ بَعْدُ أَوْ لَا يُمْكِنُ فَإِنَّهُ يُنْجَزُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ، وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى مُمْتَنِعٍ فَلَا حِنْثَ، وَإِنْ عَلَّقَهُ بِمُمْكِنِ الْوُقُوعِ مَعَ عَدَمِ حُصُولِهِ وَقْتَ التَّعْلِيقِ، وَلَيْسَ بِغَالِبِ الْوُقُوعِ كَمَدْخُولِ الدَّارِ، فَإِنَّهُ يُنْتَظَرُ.
وَإِلَى تَفْصِيلِ ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَنُجِّزَ) الطَّلَاقُ أَيْ وَقَعَ وَلَزِمَ (فِي الْحَالِ إنْ عُلِّقَ بِمُسْتَقْبَلٍ مُحَقَّقٍ) وُقُوعُهُ (عَقْلًا؛ كَإِنْ تَحَيَّزَ الْجِرْمُ) فِي غَدٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، (أَوْ: إنْ لَمْ أَجْمَعْ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ) فَأَنْتِ طَالِقٌ، إذْ الْجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مُسْتَحِيلٌ عَقْلًا، وَالْأَوَّلُ يَمِينُ بِرٍّ وَالثَّانِي حِنْثٌ.

(أَوْ) مُحَقَّقٌ أَيْ وَاجِبٌ (عَادَةً) ، وَإِنْ أَمْكَنَ عَقْلًا وَكَانَ (يَبْلُغُهُ عُمُرُهُمَا) :

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ مَشْكُوكٍ فِي حُصُولِهِ] : أَيْ كَقَوْلٍ لِحَامِلٍ إنْ كَانَ فِي بَطْنِك غُلَامٌ، أَوْ إنْ لَمْ يَكُنْ أَوْ إنْ كَانَ فِي هَذِهِ اللَّوْزَةِ قَلْبَانِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: [أَوْ لَا يُمْكِنُ] : أَيْ كَمَشِيئَةِ اللَّهِ أَوْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْجِنِّ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى مُمْتَنِعٍ] : أَيْ عَقْلًا كَإِنْ جَمَعْت بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، أَوْ عَادَةً كَإِنْ لَمَسْت السَّمَاءَ أَوْ إنْ شَاءَ هَذَا الْحَجَرُ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يُنْتَظَرُ] : وَسَيَأْتِي يَذْكُرُهُ بِقَوْلِهِ وَلَا حِنْثَ إنْ عَلَّقَهُ بِمُمْكِنٍ غَيْرِ غَالِبٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: [أَيْ وَقَعَ وَلَزِمَ فِي الْحَالِ] : أَيْ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الْقَاضِي إلَّا فِي مَسَائِلَ ثَلَاثٍ: مَسْأَلَةُ إنْ لَمْ أَزْنِ مَثَلًا، وَمَسْأَلَةُ إنْ لَمْ تُمْطِرْ السَّمَاءُ، وَمَسْأَلَةُ مَا إذَا عَلَّقَهُ عَلَى مُحْتَمَلٍ وَاجِبٍ شَرْعًا كَإِنْ صَلَّيْت.
فَالتَّنْجِيزُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ وَمَا عَدَاهَا مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمٍ.

قَوْلُهُ: [وَكَانَ يَبْلُغُهُ عُمُرُهُمَا] : أَيْ وَأَمَّا إنْ كَانَ يُشْبِهُ بُلُوغَ أَحَدِهِمَا إلَيْهِ دُونَ الْآخَرِ فَلَا يُنَجَّزُ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ يَبْلُغُ الْأَجَلَ ظَاهِرًا صَارَ شَبِيهًا بِنِكَاحِ الْمُتْعَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ يَبْلُغُهُ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فَلَا يَأْتِي الْأَجَلُ إلَّا وَالْفُرْقَةُ حَاصِلَةٌ بِالْمَوْتِ فَلَمْ يُشْبِهْ الْمُتْعَةَ حِينَئِذٍ، وَلِذَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: هَذَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْأَجَلُ مِمَّا يَبْلُغُهُ عُمُرُهُمَا فَهَذَا يَلْزَمُ، أَوْ يَكُونُ مِمَّا لَا يَبْلُغُهُ عُمُرُهُمَا، أَوْ يَبْلُغُهُ عُمُرُهُ أَوْ عُمُرُهَا فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ

أَيْ الزَّوْجَيْنِ مَعًا (عَادَةً) بِأَنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ مُدَّةِ التَّعْمِيرِ، وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ؛ (كَبَعْدِ) : أَيْ كَقَوْلِهِ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ (سَنَةٍ) مَثَلًا، فَبَعْدِيَّةُ السَّنَةِ أَمْرٌ مُحَقَّقٌ عَادَةً وَيَبْلُغُهُ عُمُرُهُمَا عَادَةً فَيُنْجَزُ عَلَيْهِ مِنْ الْآنَ، بِخِلَافِ بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً كَمَا يَأْتِي، (أَوْ) طَالِقٌ (يَوْمَ مَوْتِي أَوْ قَبْلَهُ بِسَاعَةٍ) : أَيُّ لَحْظَةٍ وَأَوْلَى أَكْثَرُ، فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ الْآنَ، بِخِلَافِ بَعْدِ مَوْتِي أَوْ مَوْتِك، أَوْ: إنْ مِتّ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذْ لَا طَلَاقَ بَعْدَ مَوْتٍ، وَأَمَّا: إنْ مَاتَ زَيْدٌ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ، (أَوْ: إنْ أَمْطَرَتْ) السَّمَاءُ فَأَنْتِ طَالِقٌ، إذْ الْمَطَرُ أَمْرٌ وَاجِبٌ عَادَةً (أَوْ: إنْ لَمْ أَمَسَّ السَّمَاءَ) فَأَنْتِ طَالِقٌ، إذْ عَدَمُ مَسِّهِ لَهَا مُحَقَّقٌ عَادَةً، وَالْأَوَّلُ يَمِينُ بِرٍّ، وَالثَّانِي حِنْثٌ (أَوْ: إنْ قُمْت) أَوْ قَامَ زَيْدٌ أَوْ جَلَسْت أَوْ أَكَلْت أَوْ جَلَسَ أَوْ أَكَلَ زَيْدٌ (مِنْ كُلِّ مَا) أَيْ فِعْلٍ (لَا صَبْرَ) لِلْإِنْسَانِ (عَنْهُ) فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ فِي يَمِينِ الْبِرِّ، بِخِلَافِ الْحِنْثِ نَحْوُ: إنْ لَمْ أَقُمْ وَإِنْ لَمْ آكُلْ فَيُنْتَظَرُ كَمَا يُنْتَظَرُ

[حاشية الصاوي]

فِيهَا إذْ لَا تَطْلُقُ مَيِّتَةٌ وَلَا يُؤْمَرُ مَيِّتٌ بِطَلَاقٍ ابْنِ يُونُسَ، وَفِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَةً إلَى مِائَةِ سَنَةٍ أَوْ إلَى ثَمَانِينَ سَنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَجْمُوعَةِ: إذَا طَلَّقَهَا إلَى وَقْتٍ لَا يَبْلُغُهُ عُمُرُهَا، أَوْ لَا يَبْلُغُهُ عُمُرُهُ، أَوْ لَا يَبْلُغَانِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ (اهـ. بْن مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ الْآنَ] : أَيْ لِأَنَّهُ رَبَطَ الطَّلَاقَ بِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ وُقُوعُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِوُجُوبِهِ عَادَةً، إذْ حُصُولُ الْمَوْتِ لِكُلِّ أَحَدٍ وَاجِبٌ عَادِيٌّ، فَلَوْ بَقِيَ مِنْ غَيْرِ تَنْجِيزِ الطَّلَاقِ كَانَ شَبِيهًا بِنِكَاحِ الْمُتْعَةِ.
قَوْلُهُ: [إذْ لَا طَلَاقَ بَعْدَ مَوْتٍ] : أَيْ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ مَيِّتٌ بِطَلَاقٍ، وَلَا يُطَلَّقُ عَلَى مَيِّتَةٍ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا إنْ مَاتَ زَيْدٌ] إلَخْ: أَيْ فَلَا فَرْقَ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى مَوْتِ الْأَجْنَبِيِّ بَيْنَ يَوْمٍ، وَإِنْ وَإِذَا وَقَبْلَ وَبَعْدَ، فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ فِي الْجَمِيعِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ التَّعْلِيقُ عَلَى مَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ عَلَى مَوْتِ سَيِّدِ الزَّوْجَةِ إذَا كَانَ أَبًا لِلزَّوْجِ فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ فِي يَوْمٍ، وَقَبْلَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي إنْ وَإِذَا وَبَعْدَ كَذَا فِي (بْن) نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ.

فِي الْبِرِّ مِمَّا لِلْإِنْسَانِ الصَّبْرُ عَنْهُ نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ.

(أَوْ) بِمُحَقَّقٍ أَيْ وَاجِبٍ (شَرْعًا كَ: إنْ صَلَّيْت أَوْ صُمْت رَمَضَانَ) فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ مِنْ الْآنَ، وَسَوَاءٌ صَلَّى الْخَمْسَ أَوْ صَامَ رَمَضَانَ أَمْ لَا لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ شَرْعًا، وَمِثْلُهُ: إنْ صَلَّى زَيْدٌ (أَوْ) عَلَّقَهُ (بِغَالِبِ) وُقُوعِهِ، (كَ: إنْ حِضْت) أَوْ: حَاضَتْ هِنْدٌ، وَقَالَهُ (لِغَيْرِ آيِسَةٍ) مِنْ الْحَيْضِ وَهِيَ مِنْ شَأْنِهَا الْحَيْضُ، أَوْ صَغِيرَةٍ يُتَوَقَّعُ مِنْهَا الْحَيْضُ وَلَوْ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَهُ لِآيِسَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْحَيْضَ فِي حَقِّهَا مِنْ الْمُمْتَنِعِ عَادَةً، (أَوْ) عَلَّقَهُ (بِمَا لَا يُعْلَمُ حَالًا) أَيْ فِي حَالِ التَّعْلِيقِ بِأَنْ كَانَ مَشْكُوكًا فِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ يُعْلَمُ فِي الْمَآلِ (كَقَوْلِهِ لِحَامِلٍ) مُحَقَّقَةِ الْحَمْلِ - كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ: (إنْ كَانَ فِي بَطْنِك غُلَامٌ، أَوْ) إنْ (لَمْ يَكُنْ) فِي بَطْنِك غُلَامٌ - أَيْ ذَكَرٌ - فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْتَظَرُ مَا فِي بَطْنِهَا لِلشَّكِّ حِينَ الْيَمِينِ،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [لَا صَبْرَ لِلْإِنْسَانِ عَنْهُ] : أَيْ لِأَنَّ مَا لَا صَبْرَ عَلَى تَرْكِهِ كَالْمُحَقَّقِ الْوُقُوعِ، فَكَأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى مُحَقَّقِ الْوُقُوعِ، فَلِذَلِكَ نُجِزَ عَلَيْهِ لِأَنَّ بَقَاءَهُ بِلَا تَنْجِيزٍ يُشْبِهُ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ، وَمَحَلُّ التَّنْجِيزِ الْمَذْكُورِ إنْ أَطْلَقَ فِي يَمِينِهِ أَوْ قَيَّدَ بِمُدَّةٍ يَعْسُرُ فِيهَا تَرْكُ الْقِيَامِ مَثَلًا، وَأَمَّا إنْ عَيَّنَ مُدَّةً لَا يَعْسُرُ تَرْكُ الْقِيَامِ فِيهَا كَمَا إذَا قَالَ إنْ قُمْت فِي مُدَّةِ سَاعَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهُ لَا يُنَجَّزُ عَلَيْهِ بَلْ يُنْتَظَرُ إنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ قِيَامٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ حَصَلَ مِنْهُ قِيَامٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ، فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ عَلَى أَنْ لَا يَقُومَ كَسِيحًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنْ زَالَ الْكُسَاحُ بَعْدَ الْيَمِينِ نُجِّزَ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: [كَإِنْ صَلَّيْت] إلَخْ: أَيْ وَتَنْجِيزُهُ عَلَيْهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهِيَ إحْدَى الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَهُ لِآيِسَةٍ] : أَيْ إمَّا لِكِبَرٍ أَوْ شَأْنُهَا عَدَمُ الْحَيْضِ وَهِيَ شَابَّةٌ، وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا بَغْلَةٌ فَلَا شَيْءَ فِي التَّعْلِيقِ عَلَيْهَا، فَإِذَا تَخَلَّفَ الْأَمْرُ وَحَاضَتْ الشَّابَّةُ الَّتِي شَأْنُهَا عَدَمُ الْحَيْضِ وَقَعَ الطَّلَاقُ ذَكَرَهُ (ح) ، وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّهُ إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى أَجَلٍ لَا يَبْلُغُهُ عُمُرُهُمَا مَعًا عَادَةً، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ وَلَوْ بَلَغَاهُ بِالْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: [لِلشَّكِّ حِينَ الْيَمِينِ] : إنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ

وَلَا بَقَاءَ عَلَى فَرْجٍ مَشْكُوكٍ (أَوْ) قَالَ لَهَا: (إنْ كَانَ فِي هَذِهِ اللَّوْزَةِ قَلْبَانِ) . أَوْ: إنْ لَمْ يَكُنْ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهُ يُنَجَّزُ عَلَيْهِ لِلشَّكِّ حَالَ الْيَمِينِ، وَنَحْوُ: إنْ كَانَتْ هَذِهِ الْبِطِّيخَةُ حُلْوَةً أَوْ إنْ لَمْ تَكُنْ، (أَوْ) قَالَ: (إنْ كَانَ فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) أَوْ: إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ لِلشَّكِّ فِي الْحَالِ فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا كَأَحَدِ الْعَشَرَةِ الْكِرَامِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ وَرَدَ النَّصُّ فِيهِمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ (أَوْ قَالَ - لِغَيْرِ ظَاهِرَةِ الْحَمْلِ إنْ كُنْت حَامِلًا أَوْ إنْ لَمْ تَكُونِي) حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ لِلشَّكِّ فِي الْحَمْلِ وَعَدَمِهِ، (وَحُمِلَتْ) الْمَرْأَةُ (عَلَى الْبَرَاءَةِ) مِنْ الْحَمْلِ إذَا كَانَتْ حَالَ يَمِينِهِ (فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ) ، وَحِينَئِذٍ (فَلَا حِنْثَ) عَلَيْهِ (فِي) يَمِينِ (الْبِرِّ) ، وَهُوَ إنْ كُنْت حَامِلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، (بِخِلَافِ) يَمِينِ (الْحِنْثِ) وَهُوَ إنْ لَمْ تَكُونِي إلَخْ فَيَحْنَثُ لِلْعِلْمِ بِعَدَمِ حَمْلِهَا.

(أَوْ) عَلَّقَ (بِمَا لَا يُمْكِنُ اطِّلَاعُنَا عَلَيْهِ) حَالًا وَمَآلًا كَمَشِيئَةِ اللَّهِ أَوْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْجِنِّ، (كَ: إنْ شَاءَ) : أَيْ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ (اللَّهُ، أَوْ) إنْ شَاءَتْ

[حاشية الصاوي]

إنْ دَخَلْت الدَّارَ حَيْثُ حُكِمَ هُنَا بِالتَّنْجِيزِ، وَهُنَاكَ بِعَدَمِهِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مَشْكُوكٌ فِيهِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي مَسْأَلَةِ إنْ دَخَلْت مُحَقَّقٌ عَدَمُ وُقُوعِهِ فِي الْحَالِ لَا أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُحْتَمَلُ الْوُقُوعِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُقُوعِهِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ إنْ كَانَ فِي بَطْنِك إلَخْ فَالطَّلَاقُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فِي الْحَالِ، هَلْ لَزِمَ أَمْ لَا؟ فَالْبَقَاءُ مَعَهَا بَقَاءٌ عَلَى فَرْجٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ قَالَ إنْ كَانَ فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ] : قَالَ (ح) لَيْسَ مِنْ أَمْثِلَةِ مَا يُعْلَمُ حَالًا، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَمْثِلَةِ مَا لَا يُعْلَمُ حَالًا وَلَا مَآلًا كَمَا فِي التَّوْضِيحِ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْأَنْسَبُ لِمُصَنِّفِنَا ذِكْرُهُ هُنَاكَ فَهُوَ كَمَشِيئَةِ اللَّهِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ عِلْمِهِ فِي الْمَآلِ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ مَحَلُّ الْحِنْثِ بِقَوْلِهِ فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَا لَمْ يُرِدْ الْعَمَلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَكُونُ هُوَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ] : أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَسَّهَا وَأَنْزَلَ فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ.

(الْجِنُّ) أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إلَخْ فَإِنَّهُ يُنَجَّزُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ مَشِيئَةَ مَنْ ذُكِرَ لَا اطِّلَاعَ لَنَا عَلَيْهَا.
بِخِلَافِ إنْ شَاءَ زَيْدٌ أَوْ إلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ فَتُنْتَظَرُ مَشِيئَتُهُ.

(أَوْ) عَلَّقَ (بِمُحْتَمَلٍ) وُقُوعُهُ أَيْ مُمْكِنٍ (لَيْسَ فِي وُسْعِنَا كَ: إنْ لَمْ تُمْطِرْ

[حاشية الصاوي]

[تَنْبِيه فِي تَعْلِيق الطَّلَاق عَلَى المشيئة]

قَوْلُهُ: [لِأَنَّ مَشِيئَةَ مَنْ ذُكِرَ] إلَخْ: أَيْ وَلِأَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ لَا تَنْفَعُ فِي غَيْرِ الْيَمِينِ، وَقَدْ تَبِعَ الْمُصَنِّفُ خَلِيلًا التَّابِعَ لِابْنِ يُونُسَ فِي تَمْثِيلِ مَا لَمْ يُمْكِنْ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ، لَا حَالًا وَلَا مَآلًا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ التَّمْثِيلَ بِهَذَا لَمَّا لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ، إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى كَلَامِ الْقَدَرِيَّةِ مِنْ أَنَّ بَعْضَ الْأُمُورِ عَلَى خِلَافِ مَشِيئَتِهِ تَعَالَى، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْيَمِينَ لَازِمَةٌ، وَأَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ، أَمَّا إنْ قُلْنَا: كُلُّ مَا فِي الْكَوْنِ بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى فَالصَّوَابُ أَنَّ هَذَا مِنْ التَّعْلِيقِ عَلَى أَمْرٍ مُحَقَّقٍ، إنْ أَرَادَ إنْ شَاءَ اللَّهُ طَلَاقَك فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ نُطْقِهِ بِالطَّلَاقِ عُلِمَ أَنَّهُ شَاءَ، وَإِنْ أَرَادَ إنْ شَاءَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَهُوَ لَاغٍ لِأَنَّ الشَّرْعَ حَكَمَ بِالطَّلَاقِ فَلَا يُعَلَّقُ بِمُسْتَقْبَلٍ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ جَعْلَ ذَلِكَ مِثَالًا لِمَا لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ مَنْظُورٌ فِيهِ لِلْمَشِيئَةِ فِي ذَاتِهَا، فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا تُعْلَمُ بِتَحْقِيقِ الْمُشَاءِ فَتَأَمَّلْهُ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
فَمُحَصِّلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَلَا عَلَى تَعَلُّقِ إرَادَتِهِ لِأَنَّ قَدْرَ اللَّهِ لَا اطِّلَاعَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ مَا دَامَتْ الدُّنْيَا.
تَنْبِيهٌ: لَوْ صَرَفَ مَشِيئَةَ اللَّهِ أَوْ الْمَلَائِكَةِ أَوْ الْجِنِّ لِمُعَلَّقٍ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَصَرَفَ الْمَشِيئَةَ لِلدُّخُولِ أَيْ إنْ دَخَلْت بِمَشِيئَةِ اللَّهِ فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ إنْ وُجِدَ الدُّخُولُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يُنَجَّزُ وَلَوْ حَصَلَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ صَرَفَهَا لِلْمُعَلَّقِ وَهُوَ الطَّلَاقُ أَوْ لَهُمَا، أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَيُنَجَّزُ إنْ وُجِدَ الدُّخُولُ اتِّفَاقًا، بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ مَثَلًا إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي، أَوْ إلَّا أَنْ أَرَى خَيْرًا مِنْهُ، أَوْ إلَّا أَنْ يُغَيِّرَ اللَّهُ مَا فِي خَاطِرِي وَنَوَى صَرْفَهُ لِلْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فَقَطْ كَالدُّخُولِ، فَلَا يُنَجَّزُ بَلْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّ الْمَعْنَى: إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَبَدَا لِي جَعْلُهُ سَبَبًا لِلطَّلَاقِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَإِذَا لَمْ يَبْدُ لِي ذَلِكَ فَلَا فَفِي الْحَقِيقَةِ هُوَ مُعَلَّقٌ عَلَى التَّصْمِيمِ وَالتَّصْمِيمُ لَمْ يُوجَدْ حَالَ التَّعْلِيقِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَأَمَّا لَوْ صَرَفَهُ لِلطَّلَاقِ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُعَدُّ نَدَمًا وَرَفْعًا لِلْوَاقِعِ.

السَّمَاءُ فِي هَذَا الشَّهْرِ) ، أَوْ غَدًا أَوْ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِأَنْ قَيَّدَ بِزَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ الْوُجُودُ وَالْعَدَمُ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهُ يُنَجَّزُ عَلَيْهِ فِي يَمِينِ الْحِنْثِ كَمَا ذَكَرْنَا، (بِخِلَافِ) يَمِينِ (الْبِرِّ كَ: إنْ أَمْطَرَتْ) السَّمَاءُ (فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الشَّهْرِ مَثَلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ (فَيُنْتَظَرُ) ، فَإِنْ أَمْطَرَتْ فِي الْأَجَلِ الْمَذْكُورِ طَلُقَتْ وَإِلَّا فَلَا (عَلَى الْأَرْجَحِ) وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَمُقَابِلُهُ يُنَجَّزُ كَالْحِنْثِ.

(أَوْ) عَلَّقَهُ (بِمُحَرَّمٍ) بِصِيغَةِ حِنْثٍ (كَ: إنْ لَمْ أَزْنِ) أَوْ أَشْرَبْ الْخَمْرَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَإِنَّهُ يُنَجَّزُ عِلِّيّه الطَّلَاقُ لَكِنْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ فِي هَذَا الْفَرْعِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ) فِعْلُ الْمُحَرَّمِ (قَبْلَ التَّنْجِيزِ) فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِانْحِلَالِ يَمِينِهِ.

(وَلَا حِنْثَ) عَلَيْهِ (إنْ عَلَّقَهُ) أَيْ الطَّلَاقَ (بِمُسْتَقْبَلٍ مُمْتَنِعٍ) وُقُوعُهُ عَقْلًا، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، أَوْ عَادَةً كَلَمْسِ السَّمَاءِ (كَ: إنْ جَمَعْت بَيْنَ الضِّدَّيْنِ) فَأَنْتِ طَالِقٌ، (أَوْ: إنْ لَمَسْت السَّمَاءَ) فَطَالِقٌ، أَوْ إنْ (شَاءَ هَذَا الْحَجَرُ) إذْ لَا مَشِيئَةَ لِلْحَجَرِ فَيَمْتَنِعُ عَادَةً أَنْ تَكُونَ لَهُ مَشِيئَةٌ.

(أَوْ) عَلَّقَهُ (بِمَا) أَيْ بِشَيْءٍ (لَا يُشْبِهُ الْبُلُوغَ إلَيْهِ) عَادَةً، بِأَنْ زَادَ أَمَدَهُ عَلَى مُدَّةِ التَّعْمِيرِ، (كَ: بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً) أَنْتِ طَالِقٌ (أَوْ) قَالَ: (إذَا مِتّ) أَنَا (أَوْ مِتّ) أَنْتِ (أَوْ إنْ) مِتّ أَوْ مِتّ (أَوْ مُتِّي) مِتّ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَمُقَابِلُهُ يُنَجَّزُ كَالْحِنْثِ] : وَهُوَ مَا لِابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ قَائِلًا: إنَّهُ يُنَجَّزُ حَالًا وَلَا يُنْظَرُ، فَإِنْ غَفَلَ عَنْهُ حَتَّى جَاءَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَقِيلَ يُطَلَّقُ عَلَيْهِ وَقِيلَ لَا.

قَوْلُهُ: [لَكِنْ بِحُكْمِ حَاكِمٍ] : أَيْ وَهِيَ إحْدَى الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الَّتِي تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا، وَحَيْثُ احْتَاجَ لِحُكْمٍ فَلَوْ أَخْبَرَهُ مُفْتٍ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ فَاعْتَدَّتْ زَوْجَتُهُ وَتَزَوَّجَتْ، ثُمَّ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ الْمُحَرَّمَ فَإِنَّ زَوْجَتَهُ تُرَدُّ لِعِصْمَةِ الْأَوَّلِ.

[الْمَنْع فِي يَمِين الْبَرّ وَالْحِنْث فِي الطَّلَاق]

قَوْلُهُ: [أَوْ إنْ شَاءَ هَذَا الْحَجَرُ] : هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، فِي النَّوَادِرِ: يُنَجَّزُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ لِهَزْلِهِ وَبِهِ قَالَ سَحْنُونَ، وَذَكَرَهُمَا عَبْدُ الْوَهَّابِ رِوَايَتَيْنِ وَذَكَرَ أَنَّ لُزُومَ الطَّلَاقِ أَصَحُّ.

أَوْ مِتّ أَنْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذْ لَا طَلَاقَ بَعْدَ مَوْتٍ، بِخِلَافِ يَوْمَ مَوْتِي أَوْ قَبْلَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، (أَوْ قَالَ) لِخَلِيَّةٍ مِنْ الْحَمْلِ تَحْقِيقًا لِصِغَرٍ أَوْ إيَاسٍ أَوْ فِي طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّ فِيهِ: (إنْ وَلَدْت) وَلَدًا (أَوْ إنْ حَمَلْت) فَأَنْتِ طَالِقٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِتَحَقُّقِ عَدَمِ حَمْلِهَا، وَقَدْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى وُجُودِهِ (إلَّا أَنْ يَطَأَهَا وَلَوْ مَرَّةً، وَهِيَ مُمْكِنَةُ الْحَمْلِ) بَعْدَ يَمِينِهِ بَلْ، (وَإِنْ) وَطِئَهَا (قَبْلَ يَمِينِهِ) وَلَمْ تَحِضْ بَعْدَهُ (فَيُنَجَّزُ) الطَّلَاقُ عَلَيْهِ لِلشَّكِّ.

(وَلَا) حِنْثَ إنْ عَلَّقَهُ (بِمُحْتَمَلٍ) وُقُوعُهُ (غَيْرِ غَالِبٍ) كَدُخُولِ دَارٍ، وَأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَرُكُوبٍ وَلُبْسٍ، (وَانْتُظِرَ) حُصُولُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَصَلَ لَزِمَ الطَّلَاقُ وَإِلَّا فَلَا وَيَحْنَثُ فِي يَمِينِ الْحِنْثِ نَحْوُ: إنْ لَمْ أَدْخُلْ الدَّارَ فَطَالِقٌ بِالْعَزْمِ عَلَى الضِّدِّ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْأَيْمَانِ، وَإِذَا قُلْنَا: " لَا حِنْثَ وَيُنْتَظَرُ " فَلَا يَخْلُو الْحَالُ مِنْ أَنْ تَكُونَ يَمِينُهُ مُثْبِتَةً: أَيْ يَمِينَ بِرٍّ، أَوْ نَافِيَةً: أَيْ يَمِينَ حِنْثٍ.
وَيَمِينُ الْحِنْثِ إمَّا مُؤَجَّلَةٌ بِأَجَلٍ أَوْ مُطْلَقَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ يَمِينَ بِرٍّ أَوْ حِنْثٍ مُقَيَّدَةٍ بِأَجَلٍ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهَا وَإِلَّا مُنِعَ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يُمْنَعُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الزَّوْجَةِ (إنْ أَثْبَتَ) فِي يَمِينِهِ بِأَنْ كَانَتْ يَمِينَ بِرٍّ (كَ: إنْ دَخَلْت أَوْ: إنْ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ: إنْ شَاءَ زَيْدٌ) فَأَنْتِ طَالِقٌ، بَلْ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَيُنَجَّزُ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ لِلشَّكِّ] : أَيْ فِي لُزُومِ الْيَمِينِ لَهُ حِينَ الْحَلِفِ إنْ كَانَ الْوَطْءُ مُتَقَدِّمًا أَوْ حِينَ الْوَطْءِ إنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا، وَعُدَّ لُزُومُهُ لَهُ فِي الْبَقَاءِ مَعَ تِلْكَ الْيَمِينِ بَقَاءً عَلَى عِصْمَةٍ مَشْكُوكٍ فِيهَا، وَلَيْسَ لَهُ وَطْؤُهَا خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ حَيْثُ قَالَ: إذَا قَالَ لَهَا إنْ حَمَلْت فَأَنْتِ طَالِقٌ كَانَ لَهُ وَطْؤُهَا فِي كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً إلَى أَنْ تَحْمِلَ أَوْ تَحِيضَ، قِيَاسًا عَلَى مَا إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ حَمَلْت فَأَنْتِ حُرَّةٌ، فَإِنَّ لَهُ وَطْأَهَا فِي طُهْرٍ مَرَّةً وَيُمْسِكُ إلَى أَنْ تَحْمِلَ أَوْ تَحِيضَ، وَفَرَّقَ ابْنُ يُونُسَ بِمَنْعِ النِّكَاحِ لِأَجَلٍ وَجَوَازِ الْعِتْقِ لَهُ.

قَوْلُهُ: [وَأَكْلٍ وَشُرْبٍ] : أَيْ مُعَيَّنَيْنِ أَوْ خَصَّهُمَا بِزَمَنٍ يُمْكِنُ الصَّبْرُ فِيهِ عَادَةً وَإِلَّا نُجِّزَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الصَّبْرُ عَنْهُ عَادَةً، وَيَجْرِي فِي الرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ مَا جَرَى فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ.
قَوْلُهُ: [مُقَيَّدَةٌ بِأَجَلٍ] : أَيْ مُعَيَّنٍ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي.

لَهُ أَنْ يَسْتَرْسِلَ عَلَيْهَا حَتَّى يَدْخُلَ أَوْ حَتَّى يَشَاءَ زَيْدٌ.
فَإِنْ شَاءَ الطَّلَاقَ طَلُقَتْ، وَإِنْ شَاءَ عَدَمَهُ لَمْ تَطْلُقْ كَمَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَشِيئَتَهُ، كَمَا لَوْ مَاتَ زَيْدٌ قَبْلَ أَنْ يَشَاءَ أَوْ بَعْدَ أَنْ شَاءَ وَلَمْ يَعْلَمْ، وَمِثْلُ إنْ شَاءَ زَيْدٌ إلَّا أَنْ يَشَاءَ.

(وَإِنْ نَفَى) بِأَنْ كَانَتْ يَمِينُهُ صِيغَةَ حِنْثٍ نَحْوَ: إنْ لَمْ أَدْخُلْ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَفِي قُوَّتِهِ: عَلَيْهِ الطَّلَاقُ لَيَدْخُلَنَّ الدَّارَ، فَإِنَّهُ فِي قُوَّةٍ: إنْ لَمْ أَدْخُلْهَا فَهِيَ طَالِقٌ، (وَلَمْ يُؤَجِّلْ) بِأَجَلٍ مُعَيَّنٍ بَلْ أَطْلَقَ فِي يَمِينِهِ - كَمَا مَثَّلْنَا - (مُنِعَ مِنْهَا) : أَيْ مِنْ الزَّوْجَةِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ حَتَّى يَفْعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ.
(وَضُرِبَ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ) مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ (إنْ قَامَتْ) الزَّوْجَةُ (عَلَيْهِ) ، بِأَنْ طَلَبَتْ حَقَّهَا مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، فَإِنْ أَجَّلَ بِأَجَلٍ، نَحْوِ: إنْ لَمْ أَدْخُلْ فِي هَذَا الشَّهْرِ أَوْ شَهْرِ كَذَا فَلَا يُمْنَعُ مِنْهَا حَتَّى يَضِيقَ الْوَقْتُ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مِنْ آخِرِ الْأَجَلِ، فَيُمْنَعُ حَتَّى يَفْعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ أَوْ يَحْنَثَ، وَمَحَلُّ مَنْعِهِ إذَا لَمْ يُؤَجِّلْ أَوْ أَجَّلَ وَضَاقَ الْوَقْتُ (إلَّا) أَنْ يَكُونَ بِرُّهُ فِي وَطْئِهَا، كَمَا لَوْ حَلَفَ (إنْ لَمْ أُحَبِّلْهَا أَوْ) إنْ (لَمْ أَطَأْهَا) فَهِيَ طَالِقٌ فَلَا يُمْنَعُ لِأَنَّ بِرَّهُ فِي وَطْئِهَا، وَمَحَلُّهُ فِي إنْ لَمْ أُحَبِّلْهَا إنْ كَانَ يَتَوَقَّعُ حَمْلَهَا.
فَإِنْ أَيِسَ مِنْهُ - وَلَوْ مِنْ جِهَتِهِ - نُجِّزَ طَلَاقُهَا.
وَمَحَلُّ ضَرْبِ أَجَلِ الْإِيلَاءِ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ (إنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، كَ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ) كَذَا فَهِيَ طَالِقٌ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِلَّا) يَحْلِفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ بَلْ عَلَى

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بَلْ أَطْلَقَ فِي يَمِينِهِ] : أَيْ أَوْ أَجَّلَ بِأَجَلٍ مَجْهُولٍ كَمَا إذْ قَالَ لَهَا، إنْ لَمْ أَفْعَلْ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ أَوْ قَبْلَ أَنْ تُمْطِرَ السَّمَاءُ مَثَلًا، وَلَمْ يَعْلَمْ وَقْتَ قُدُومِهِ.
قَوْلُهُ: [مُنِعَ مِنْهَا] : فَإِنْ تَعَدَّى وَوَطِئَهَا لَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ، لِأَنَّ الْمَنْعَ لَيْسَ لِخَلَلٍ فِي مُوجِبِ الْوَطْءِ، وَقَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الِاسْتِبْرَاءِ.
كُلُّ وَطْءٍ فَاسِدٍ لَا يَطَأُ فِيهِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَ يُرِيدُ فَاسِدًا لِسَبَبِ حِلِّيَّتِهِ الَّذِي هُوَ الْعَقْدُ لِخَلَلٍ فِيهِ، أَلَا تَرَى لِوَطْءِ الْمُحْرِمَةِ وَالْمُعْتَكِفَةِ الصَّائِمَةِ فَإِنَّهُ لَا اسْتِبْرَاءَ فِيهِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يُمْنَعُ لِأَنَّ بِرَّهُ فِي وَطْئِهَا] : فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ وَطْئِهَا كَانَ لَهَا أَنْ تَرْفَعَ أَمْرَهَا لِلْقَاضِي، يَضْرِبُ لَهَا أَجَلَ الْإِيلَاءِ عِنْدَ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ، لَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَعَلَيْهِ إنْ تَضَرَّرَتْ بِتَرْكِ الْوَطْءِ طُلِّقَ عَلَيْهِ بِدُونِ ضَرْبِ أَجَلٍ.

فِعْلِ غَيْرِهِ نَحْوُ: إنْ لَمْ يَدْخُلْ زَيْدٌ أَوْ إنْ لَمْ تَدْخُلِي الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ (تُلُوِّمَ لَهُ بِالِاجْتِهَادِ) مِنْ الْحَاكِمِ (عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْبِسَاطُ) : أَيْ الْقَرَائِنُ الدَّالَّةُ عَلَى الزَّمَنِ الَّذِي أَرَادَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ (عَلَى الْأَرْجَحِ) مِنْ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ حَلِفِهِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ فِي ضَرْبِ أَجَلِ الْإِيلَاءِ، فَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي أَجَلِ الْإِيلَاءِ، وَأَمَّا الْمَنْعُ مِنْ وَطْئِهَا فَهُوَ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ لِنَصِّ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْوَطْءِ مَعَ التَّلَوُّمِ، فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْمَنْعِ ضَعِيفٌ (وَطُلِّقَ عَلَيْهِ) بَعْدَ أَجَلِ التَّلَوُّمِ وَمَثَّلَ لِفِعْلِ الْغَيْرِ بِقَوْلِهِ: (كَ: إنْ لَمْ تَفْعَلِي) أَوْ إنْ لَمْ يَفْعَلْ زَيْدٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ.

(وَلَوْ قَالَ) الْحَالِفُ (إنْ لَمْ أَحُجَّ) فَأَنْتِ طَالِقٌ (وَلَيْسَ) الْوَقْتُ (وَقْتَ سَفَرٍ) لِلْحَجِّ كَمَا لَوْ حَلَفَ الْمِصْرِيُّ بِذَلِكَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ، (انْتَظَرَ وَلَا مَنْعَ) مِنْ وَطْئِهَا (حَتَّى يَأْتِيَ الْإِبَّانُ) : أَيْ وَقْتُ السَّفَرِ الْمُعْتَادُ لِلْحَالِفِ وَهُوَ لِلْمِصْرِيِّ شَوَّالٌ، فَإِنْ سَافَرَ لِلْحَجِّ بَرَّ وَإِلَّا حَنِثَ.
وَمِثْلُهُ كُلُّ سَفَرٍ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ لَا يُمْكِنُ السَّفَرُ قَبْلَهُ عَادَةً (عَلَى الْأَوْجَهِ) عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ: لِأَنَّ الْأَيْمَانَ إنَّمَا تُحْمَلُ عَلَى الْمَقَاصِدِ، وَلَا يَقْصِدُ أَحَدٌ الْحَجَّ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ، فَإِنْ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْعَامِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْهَا إلَّا إذَا جَاءَ وَقْتُ الْخُرُوجِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَإِلَّا حَنِثَ] : أَيْ مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ وَالْحَالُ أَنَّ الْعَامَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَأَمَّا فِي الْمُعَيَّنِ فَيُنَجَّزُ مَتَى فَاتَ وَقْتُهُ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ لَا يَنْفَعُ.
قَوْلُهُ: [وَمِثْلُهُ كُلُّ سَفَرٍ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ] : اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ كَمَا يَجْرِي فِيمَا إذَا كَانَ لِلْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعْلِهِ قَبْلَهُ عَادَةً، يَجْرِي فِيمَا إذَا كَانَ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ الْخُرُوجِ لِبَلَدٍ، وَكَانَ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ عَلَيَّ الطَّلَاقُ لَأُسَافِرَنَّ لِمِصْرِ مَثَلًا وَلَمْ يُمْكِنْهُ السَّفَرُ لِفَسَادِ طَرِيقٍ، أَوْ غُلُوِّ كِرَاءٍ، أَوْ قَالَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ لَأَشْتَكِيَنَّ زَيْدًا لِلْحَاكِمِ وَلَمْ يُوجَدْ حَاكِمٌ يَشْتَكِي لَهُ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْ الزَّوْجَةِ إلَّا إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الْفِعْلِ بِأَنْ تَمَكَّنَ مِنْ السَّفَرِ أَوْ تَيَسَّرَ الْحَاكِمُ.
قَوْلُهُ: [فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْهَا] : أَيْ وَلَا يُنَجَّزُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَلَى بِرٍّ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ.

(وَإِنْ قَالَ: إنْ لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ) نُجِّزَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ هَذَا مِنْ الْعَوَامّ بِلَفْظِ: عَلَيَّ الطَّلَاقُ لَأُطَلِّقَنَّك، (أَوْ) قَالَ: (إنْ لَمْ أُطَلِّقْك رَأْسَ الشَّهْرِ أَلْبَتَّةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ رَأْسَ الشَّهْرِ أَلْبَتَّةَ، أَوْ) أَنْتِ طَالِقٌ (الْآنَ، نُجِّزَ عَلَيْهِ) الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ (كَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْآنَ إنْ كَلَّمْته فِي غَدٍ، وَكَلَّمَهُ فِيهِ) : أَيْ فِي الْغَدِ فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ حَالَ كَلَامِهِ لَهُ فِي الْغَدِ، وَيُعَدُّ لَفْظُ " الْآنَ " لَغْوًا، فَكَذَلِكَ يُلْغَى لَفْظُ الْآنَ قَبْلَهُ وَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ.
وَكَأَنَّهُ قَالَ: إنْ لَمْ أُطَلِّقْك رَأْسَ الشَّهْرِ أَلْبَتَّةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ، فَلَا بُدَّ مِنْ التَّنْجِيزِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَوْلِهِ الْآنَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: أَنْظِرُونِي حَتَّى يَأْتِيَ رَأْسُ الشَّهْرِ لِيَحْصُلَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ، فَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ قَالَ: لَا أُطَلِّقُك، فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ لِانْعِدَامِ الْمَحْلُوفِ بِهِ بِمُضِيِّهِ، لِأَنَّا نَقُولُ لَا عِبْرَةَ بِالتَّقْيِيدِ بِالزَّمَنِ بِقَوْلِهِ: " الْآنَ " كَمَا فِي أَنْتِ طَالِقٌ الْآنَ، إنْ كَلَّمْته فِي غَدٍ خِلَافًا، لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ.

(وَإِنْ أَقَرَّ) مُكَلَّفٌ (بِفِعْلٍ) كَسَرِقَةٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ زِنًا أَوْ سَلَفٍ (ثُمَّ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ: مَا فَعَلْته) - وَقَدْ أَخْبَرْت بِخِلَافِ الْوَاقِعِ - (دُيِّنَ) : أَيْ وُكِلَ إلَى دِينِهِ وَصُدِّقَ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ كَذَبَ فِي إقْرَارِهِ فِي الْقَضَاءِ،

[حاشية الصاوي]

[الْإِقْرَار وَالْإِنْكَار مَعَ الْيَمِين فِي الطَّلَاق]

قَوْلُهُ: [نُجِّزَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ] : أَيْ لِأَنَّ أَحَدَ الْبَيْنُونَتَيْنِ وَاقِعَةٌ رَأْسَ الشَّهْرِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، إمَّا بِإِيقَاعِهِ ذَلِكَ عَلَيْهَا أَوْ بِمُقْتَضَى التَّعْلِيقِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤَخَّرَ لِرَأْسِ الشَّهْرِ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُتْعَةِ فَيُنَجَّزُ عَلَيْهِ، فَهُوَ كَمَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ رَأْسَ الشَّهْرِ أَلْبَتَّةَ وَهَذَا يُنَجَّزُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى أَجَلٍ يَبْلُغُهُ عُمُرُهَا هَذَا ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك رَأْسَ الشَّهْرِ أَلْبَتَّةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ رَأْسَ الشَّهْرِ أَلْبَتَّةَ، وَيَجْرِي مِثْلُ هَذَا التَّعْلِيلِ فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك فِي رَأْسِ الشَّهْرِ أَلْبَتَّةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ الْآنَ، أَيْ يُحْكَمُ بِوُقُوعِ مَا عَلَّقَهُ نَاجِزًا إنْ بَائِنًا فَبَائِنًا وَإِنْ رَجْعِيًّا فَرَجْعِيًّا، وَلَوْ مَضَى زَمَنُهُ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْقَائِلِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي هَذَا الْفَرْعِ الْأَخِيرِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الشَّارِحِ.

قَوْلُهُ: [دُيِّنَ] إلَخْ: وَمِنْ قَبِيلِ ذَلِكَ مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ مَا أَخَذَ مَعْلُومَهُ مِنْ النَّاظِرِ أَوْ دَيْنَهُ مِنْ الْمَدِينِ، فَأَظْهَرَ النَّاظِرُ أَوْ الْمَدِينُ وَرَقَةً بِخَطِّ الْحَالِفِ أَنَّهُ قَبَضَ حَقَّهُ مِنْ النَّاظِرِ أَوْ دَيْنَهُ مِنْ الْمَدِين فَادَّعَى الْحَالِفُ أَنَّهُ كَتَبَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ

وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى.
فَإِنْ نَكَلَ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ.
(وَأُخِذَ بِإِقْرَارِهِ إنْ كَانَ) إقْرَارُهُ (بِحَقٍّ لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيٍّ كَالدَّيْنِ) فَيَغْرَمُهُ لِلْمُقَرِّ لَهُ (وَالسَّرِقَةِ) حَقٍّ لَهُمَا فَيُقْطَعُ لِحَقِّ اللَّهِ، وَيَغْرَمُ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ (وَالزِّنَا) فَيُحَدُّ لِحَقِّ اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: " بِفِعْلٍ " أَيْ: أَمْرٍ فَيَشْمَلُ الْقَوْلَ وَالدَّيْنَ (إلَّا أَنْ يُقِرَّ) بِفِعْلِهِ (بَعْدَ الْحَلِفِ) بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ مَا فَعَلَهُ (فَيُنَجَّزُ) الطَّلَاقُ عَلَيْهِ فِي الْقَضَاءِ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يُقْبَلُ فِي الْفَتْوَى.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ الْبَيِّنَةُ عَلَى إقْرَارِهِ بَعْدَ الْيَمِينِ، وَعَلِمَ هُوَ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي إقْرَارِهِ بَعْدَ يَمِينِهِ حَلَّ لَهُ الْمُقَامُ عَلَيْهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ (انْتَهَى) ، وَقَوْلُهُ: " فَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ " إلَخْ: أَيْ بِأَنْ لَمْ يَرْفَعْ لِلْقَاضِي وَعَلِمَ هُوَ مِنْ نَفْسِهِ إلَخْ.
(وَأُمِرَ وُجُوبًا بِالْفِرَاقِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ بِمُفَارَقَتِهَا (بِلَا جَبْرٍ) عَلَيْهِ (فِي)

[حاشية الصاوي]

فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ خَطَّهُ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِ قَبْلَ يَمِينِهِ لَا بَعْدَهُ لِسَبْقِيَّةِ الْخَطِّ عَلَى الْحَلِفِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ إلَّا بَعْدَ الْحَلِفِ وَلَكِنْ لَا مُطَالَبَةَ لَهُ عَلَى النَّاظِرِ وَلَا عَلَى الْمَدِينِ بِمُقْتَضَى خَطِّهِ وَتَكْذِيبِهِ لِخَطِّهِ إنَّمَا يَنْفَعُهُ فِي عَدَمِ لُزُومِ الطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ: [فَيُقْطَعُ لِحَقِّ اللَّهِ] إلَخْ: فِيهِ نَظَرٌ بَلْ حَيْثُ كَذَّبَ نَفْسَهُ لَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَلَا حَدَّ فِي الزِّنَا، وَإِنَّمَا يُؤَاخَذُ بِحَقِّ الْآدَمِيِّ فَقَطْ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحُدُودِ، قَالَ فِي الْأَصْلِ وَإِذَا أَقَرَّ طَائِعًا وَرَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ عَنْهُ فَلَا يُحَدُّ، وَكَذَا يُقْبَلُ رُجُوعُ الزَّانِي وَالشَّارِبِ وَالْمُحَارَبِ، وَلَوْ رَجَعَ بِلَا شُبْهَةٍ فِي إقْرَارِهِ أَيْ كَمَا لَوْ رَجَعَ لِشُبْهَةٍ كَأَخَذْت مَالِي الْمَرْهُونَ أَوْ الْمُودَعَ خُفْيَةً فَسَمَّيْته سَرِقَةً، وَيَلْزَمُهُ الْمَالُ إنْ عَيَّنَ صَاحِبَهُ نَحْوُ أَخَذْت دَابَّةَ زَيْدٍ بِخِلَافِ سَرَقْت أَوْ سُرِقَتْ دَابَّةٌ أَيْ وَقَعَ مِنِّي ذَلِكَ انْتَهَى.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يُقِرَّ] : مُسْتَثْنًى مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ دُيِّنَ، أَيْ مَحَلُّ تَصْدِيقِهِ عِنْدَ الْمُفْتِي وَالْقَاضِي مَا لَمْ يُقِرَّ بَعْدَ الْحَلِفِ فَيُصَدَّقُ عِنْدَ الْمُفْتِي لَا عِنْدَ الْقَاضِي.
قَوْلُهُ: [وَظَاهِرُ هَذَا] : أَيْ التَّقْيِيدِ بِالْقَضَاءِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ الشَّارِحُ، وَأَشَارَ لَهُ أَخْذًا مِنْ عِبَارَةِ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي بَعْدُ.
قَوْلُهُ: [بِلَا جَبْرٍ عَلَيْهِ] : أَيْ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ كَانَ عَاصِيًا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ وَعِصْمَتُهُ بَاقِيَةٌ غَيْرُ مُنْحَلَّةٍ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْفِرَاقَ الْمَأْمُورَ بِهِ

تَعْلِيقِهِ عَلَى مَعِيبٍ لَمْ يَعْلَمْ صِدْقَهَا فِيهِ مِنْ عَدَمِهِ نَحْوُ: (إنْ كُنْت تُحِبِّينِي، أَوْ) : إنْ كُنْت (تَبْغُضِينِي) - بِفَتْحِ التَّاءِ مِنْ بَغَضَ كَنَصَرَ - فَأَنْتِ طَالِقٌ (إذَا لَمْ تُجِبْ بِمَا يَقْتَضِي الْحِنْثَ) بِأَنْ أَجَابَتْ بِمَا يَقْتَضِي الْبِرَّ، كَأَنْ قَالَتْ: لَا أُحِبُّك، أَوْ: لَا أَبْغَضُك أَوْ سَكَتَتْ، فَإِنْ أَجَابَتْ بِمَا يَقْتَضِي الْحِنْثَ بِأَنْ قَالَتْ: إنِّي أُحِبُّك أَوْ أَبْغَضُك نُجِّزَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ جَبْرًا وَهَذَا أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ بِلَا جَبْرٍ مُطْلَقًا.
وَلَوْ أَجَابَتْ بِمَا يَقْتَضِي الْحِنْثَ وَرُجِّحَ، فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفُ هَذَا الْقَيْدَ.
(وَ) أُمِرَ بِالْفِرَاقِ بِلَا جَبْرٍ (فِي قَوْلِهَا) لَهُ: (فَعَلَتْهُ) بَعْدَ: إنْ كُنْت فَعَلْت هَذَا الشَّيْءَ فَأَنْتِ طَالِقٌ (إذَا لَمْ يُصَدِّقْهَا) فِي فِعْلِهِ، فَإِنْ صَدَّقَهَا أُجْبِرَ عَلَى فِرَاقِهَا.

(وَ) أُمِرَ الْمُكَلَّفُ بِلَا قَضَاءٍ عَلَيْهِ (بِتَنْفِيذِ مَا شَكَّ فِيهِ مِنْ الْأَيْمَانِ إنْ حَلَفَ) : أَيْ وَحَنِثَ، وَشَكَّ، هَلْ كَانَ حَلِفُهُ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعِتْقِ أَوْ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ؟ أُمِرَ بِتَنْفِيذِ الْجَمِيعِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ، وَقَوْلُهُ: " إنْ حَلِفَ ": أَيْ

[حاشية الصاوي]

إنَّمَا يُوقِعُهُ بِلَفْظٍ آخَرَ يُنْشِئُهُ لَا أَنَّهُ يَقَعُ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ، إذْ لَوْ وَقَعَ الْفِرَاقُ بِهِ لَانْحَلَّتْ الْعِصْمَةُ بِهِ وَوَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِتَنْجِيزِ الْفِرَاقِ، وَالْفَرْضُ بِخِلَافِهِ كَذَا فِي (بْن) نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ، وَحَيْثُ كَانَ يَحْتَاجُ لِإِنْشَاءِ صِيغَةٍ فَلَا تُحْسَبُ عَلَيْهِ هَذِهِ طَلْقَةً ثَانِيَةً، بَلْ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا تَحْقِيقُ مَا كَانَ مَشْكُوكًا فِيهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ] : مَحَلُّهُمَا إنْ أَجَابَتْ بِمَا يَقْتَضِي الْحِنْثَ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهَا فِيمَا أَجَابَتْ بِهِ وَإِلَّا أُجْبِرَ عَلَى الطَّلَاقِ بِالْقَضَاءِ كَمَا يُفِيدُهُ نَقْلُ (ح) وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: [فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفُ هَذَا الْقَيْدِ] : أَيْ وَهُوَ قَوْلُهُ إذَا لَمْ تَجِبْ بِمَا يَقْتَضِي الْحِنْثَ أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهَا فِيمَا يَقْتَضِي الْحِنْثَ، وَقَدْ يَجِبُ بِأَنَّهُ زَادَهُ لِمَا فِي مَفْهُومِهِ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَإِذَا كَانَ فِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: الْآتِي إذَا لَمْ يُصَدِّقْهَا قَيْدٌ فِي مَفْهُومِ ذَلِكَ كَمَا عَلِمْت مِنْ نَقْلِ (ح) وَغَيْرِهِ.

تَحَقَّقَ الْحَلِفُ وَشَكَّ فِي الْمَحْلُوفِ بِهِ (وَإِلَّا) يَحْلِفْ: أَيْ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِأَنْ شَكَّ، هَلْ حَلَفَ أَمْ لَا أَوْ شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا؟ (فَلَا) شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَلِفِ، وَعَدَمُ الطَّلَاقِ.
(كَشَكِّهِ) إذَا حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ غَيْرِهِ (هَلْ حَصَلَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ) كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى زَيْدٍ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ، وَإِنْ دَخَلَهَا فَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ، ثُمَّ شَكَّ هَلْ دَخَلَهَا زَيْدٌ أَمْ لَا؟ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَسْتَنِدَ) الْحَالِفُ (لِأَمْرٍ) مِنْ الْأُمُورِ فَيَتَقَوَّى حُصُولُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَيُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ.
وَهَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهِ أَوْ لَا؟ تَأْوِيلَانِ وَذَلِكَ (كَرُؤْيَتِهِ شَخْصًا يَفْعَلُهُ) : أَيْ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ؛ كَرُؤْيَتِهِ دَاخِلَ الدَّارِ (فَشَكَّ) فِي الدَّاخِلِ (هَلْ هُوَ) زَيْدٌ (الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ) أَوْ غَيْرُهُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ تَحَقُّقُ الدَّاخِلِ بَعْدَ ذَلِكَ وَهَذَا كُلُّهُ فِي سَالِمِ الْخَاطِرِ، وَأَمَّا مَنْ اسْتَنْكَحَهُ الشَّكُّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَيْ ذِي الْوَسْوَسَةِ كَمَا فِي النَّقْلِ.

(وَلَوْ شَكَّ: هَلْ) طَلَّقَ (وَاحِدَةً) مِنْ نِسَائِهِ (أَوْ أَكْثَرَ؟ فَالْجَمِيعُ) يُطَلَّقْنَ عَلَيْهِ لِلِاحْتِيَاطِ، وَنَفْيِ التَّحَكُّمِ (كَأَنْ قَالَ) لِزَوْجَاتِهِ (إحْدَاكُنَّ) طَالِقٌ

[حاشية الصاوي]

[حَلَفَ عَلَى زَوْجَته وشك فِي حلفه]

قَوْلُهُ: [أَيْ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ] : أُخِذَ هَذَا الْقَيْدُ مِنْ قَوْلِهِ أَوَّلًا: " إنْ حَلَفَ " أَيْ تَحَقَّقَ الْحَلِفُ.
قَوْلُهُ: [فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ] : أَيْ وَأَمَّا الظَّنُّ فَكَالتَّحْقِيقِ، وَأَمَّا لَوْ شَكَّ هَلْ أَعْتَقَ أَوْ لَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ وَبُغْضِهِ لِلطَّلَاقِ، وَلَمْ يَنْظُرُوا لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْفُرُوجِ، وَقَدْ أَتَوْا هُنَا عَلَى الْقَاعِدَةِ مِنْ إلْغَاءِ الشَّكِّ فِي الْمَانِعِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مَانِعٌ مِنْ حِلِّيَّةٌ الْوَطْءِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُودِهِ، بِخِلَافِ الشَّكِّ فِي الْحَدَثِ لِسُهُولَةِ الْأَمْرِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [إذَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ] : وَأَمَّا لَوْ شَكَّ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا وَلَا شَكَّ، هَلْ كَلَّمَهُ أَمْ لَا: فَإِنَّهُ يُنَجَّزُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ عَلَى طَرِيقَةِ أَبِي عِمْرَانَ وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يُؤْمَرُ بِالطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ جَبْرٍ إنْ كَانَ شَكُّهُ لِسَبَبٍ قَائِمٍ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا يُؤْمَرُ بِهِ وَعَزَاهُ ابْنُ رُشْدٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَحَكَى عَلَيْهِ الِاتِّفَاقَ.

وَلَمْ يَنْوِ مُعَيَّنَةً أَوْ عَيَّنَهَا وَنَسِيَهَا فَالْجَمِيعُ.

(وَلَوْ حَلَفَ) مُكَلَّفٌ بِالطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهِ (عَلَى) شَخْصٍ (غَيْرِهِ: لَتَفْعَلَنَّ كَذَا) نَحْوُ لَتَدْخُلَنَّ الدَّارَ، أَوْ لَتَأْكُلَنَّ مِنْ طَعَامِنَا (فَحَلَفَ) الْآخَرُ بِالطَّلَاقِ مَثَلًا (لَا فَعَلْته) نَحْوُ: لَا دَخَلْت أَوْ لَا أَكَلْت لَك طَعَامًا

[حاشية الصاوي]

[مَسْأَلَة إذَا لَمْ يَعْرِف الْمَحْلُوف عَلَيْهَا بِعَيْنِهَا أَوْ شك فِي عَدَد الطلقات]

قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَنْوِ مُعَيَّنَةً] : طَلَاقُ الْجَمِيعِ فِي هَذِهِ هُوَ قَوْلُ الْمِصْرِيِّينَ، وَقَالَ الْمَدَنِيُّونَ: يَخْتَارُ وَاحِدَةً لِلطَّلَاقِ كَالْعِتْقِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَا إذَا عَيَّنَهَا وَنَسِيَهَا فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ يَتَّفِقُ فِيهَا الْمِصْرِيُّونَ وَالْمَدَنِيُّونَ عَلَى طَلَاقِ الْجَمِيعِ، وَكَذَلِكَ فِي الْعِتْقِ إذَا قَالَ أَحَدُ عَبِيدِي حُرٌّ وَنَوَى وَاحِدًا ثُمَّ نَسِيَهُ فَإِنَّهُ يُتَّفَقُ عَلَى عِتْقِ الْجَمِيعِ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ رَأَى إحْدَاهُنَّ مُشْرِفَةً مِنْ شُبَّاكٍ فَقَالَ لَهَا: إنْ لَمْ أُطَلِّقْك فَصَوَاحِبَاتُك طَوَالِقُ، فَرَدَّتْ رَأْسَهَا وَلَمْ يَعْرِفْهَا بِعَيْنِهَا وَأَنْكَرَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُشْرِفَةُ، فَيَلْزَمُهُ طَلَاقُ الْأَرْبَعِ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ، وَالصَّوَابُ مَا أَفْتَى بِهِ تِلْمِيذُهُ الْأَبِيُّ أَنَّ لَهُ أَنْ يُمْسِكَ وَاحِدَةً وَيَلْزَمُهُ طَلَاقُ مَا عَدَاهَا، لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ الَّتِي أَمْسَكَهَا هِيَ الْمُشْرِفَةُ فَقَدْ طَلَّقَ صَوَاحِبَاتِهَا وَإِنْ كَانَتْ الْمُشْرِفَةُ إحْدَى الثَّلَاثِ اللَّاتِي طَلَّقَهُنَّ فَلَا حِنْثَ فِي الَّتِي تَحْتَهُ - كَذَا فِي (ح) أَمَّا لَوْ قَالَ: الْمُشْرِفَةُ طَالِقٌ وَجُهِلَتْ طَلَّقَ الْأَرْبَعَ قَطْعًا كَمَا فِي الْبَدْرِ الْقَرَافِيِّ.
تَنْبِيهٌ: إنْ شَكَّ أَطَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلْقَةً وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؟ لَمْ تَحِلَّ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ إنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ وَطَلَّقَهَا طَلْقَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ فَلَا تَحِلُّ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ اثْنَتَيْنِ وَهَذِهِ ثَالِثَةٌ، ثُمَّ إنْ تَزَوَّجَهَا وَطَلَّقَهَا لَا تَحِلُّ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ وَاحِدَةً وَهَاتَانِ اثْنَتَانِ مُحَقَّقَتَانِ، ثُمَّ إنْ طَلَّقَهَا ثَالِثَةً بَعْدَ زَوْجٍ لَمْ تَحِلَّ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ ثَلَاثًا وَقَدْ تَحَقَّقَ بَعْدَهَا ثَلَاثٌ وَهَكَذَا لِغَيْرِ نِهَايَةٍ، إلَّا أَنْ يَبُتَّ طَلَاقَهَا كَأَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، أَوْ إنْ لَمْ يَكُنْ طَلَاقِي عَلَيْك ثَلَاثًا فَقَدْ أَوْقَعْت عَلَيْك تَكْمِلَةَ الثَّلَاثِ، فَيَنْقَطِعُ الدَّوْرُ وَتَحِلُّ لَهُ بَعْدَ زَوْجٍ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الدُّولَابِيَّةُ، لِدَوَرَانِ الشَّكِّ فِيهَا كَمَا فِي خَلِيلٍ وَشُرَّاحِهِ.

(قُضِيَ) بِالْحِنْثِ (عَلَى الْأَوَّلِ) لِحَلِفِهِ عَلَى مَا لَا يَمْلِكُهُ، بِخِلَافِ الثَّانِي.

(وَلَوْ) عَلَّقَ الطَّلَاقَ مَثَلًا عَلَى شَرْطَيْنِ، وَيُسَمَّى تَعْلِيقَ التَّعْلِيقِ كَمَا لَوْ (قَالَ: إنْ كَلَّمْت إنْ دَخَلْت) فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ حُرَّةٌ أَوْ فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ (لَمْ يَحْنَثْ) الْحَالِفُ (إلَّا بِهِمَا) مَعًا، سَوَاءٌ فَعَلَ الْمُتَقَدِّمَ فِي اللَّفْظِ أَوْ لَا أَوْ أَخَّرَ أَوْ فَعَلَهُمَا مَعًا فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْجَمْعُ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَلَا يُرَدُّ عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي الْيَمِينِ مِنْ التَّحْنِيثِ بِالْبَعْضِ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ.
لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ - فِيمَا عَلِمْت - أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَلَّا يَفْعَلَ فِعْلَيْنِ فَفَعَلَ أَحَدَهُمَا، أَوْ لَا يَفْعَلُ فِعْلًا فَفَعَلَ بَعْضَهُ أَنَّهُ حَانِثٌ مِنْ أَجْلِ أَنَّ مَا فَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ قَدْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ إذْ هُوَ بَعْضُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ - انْتَهَى، لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ إمَّا لَا تَعْلِيقَ فِيهِ أَصْلًا كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ - أَوْ فِيهِ تَعْلِيقٌ وَاحِدٌ، وَهُنَا فِيهِ تَعْلِيقُ التَّعْلِيقِ، وَالْمُعَلَّقُ لَا يَقَعُ إلَّا بِوُقُوعِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، وَالْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ هُنَا مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا، كَأَنَّهُ

[حاشية الصاوي]

[حَلَفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى شَخْصٍ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا فَحَلَفَ الْآخَرُ بِالطَّلَاقِ لَا فَعَلْته]

قَوْلُهُ: [قُضِيَ بِالْحِنْثِ عَلَى الْأَوَّلِ] : أَيْ مَا لَمْ يَحْنَثْ الثَّانِي نَفْسُهُ بِالْفِعْلِ طَوْعًا، وَإِلَّا فَلَا حِنْثَ عَلَى الْأَوَّلِ وَهَذَا مَا لَمْ يُكْرَهْ الثَّانِي عَلَى الْفِعْلِ، وَإِلَّا فَلَا حِنْثَ عَلَى وَاحِدٍ.

[عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى شَرْطَيْنِ وَيُسَمَّى تَعْلِيقَ التَّعْلِيقِ]

قَوْلُهُ: [سَوَاءٌ فَعَلَ الْمُتَقَدِّمَ فِي اللَّفْظِ أَوْ لَا] إلَخْ: وَجْهُ هَذَا التَّعْمِيمِ أَنَّ الْجَوَابَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلثَّانِي، وَالثَّانِي وَجَوَابُهُ جَوَابٌ لِلْأَوَّلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِلْأَوَّلِ وَالْمَجْمُوعُ دَلِيلُ جَوَابِ الثَّانِي، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْأَمْرَيْنِ احْتِيَاطًا فَعَلَهُمَا عَلَى التَّرْتِيبِ فِي التَّعْلِيقِ أَوْ لَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَحْنَثُ إلَّا إذَا فَعَلَهُمَا عَلَى عَكْسِ التَّرْتِيبِ فِي التَّعْلِيقِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَأَنْتِ طَالِقٌ جَوَابٌ فِي الْمَعْنَى عَنْ الْأَوَّلِ، فَيَكُونُ فِي النِّيَّةِ إلَى جَانِبِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَجْمُوعُ دَلِيلَ جَوَابِ الثَّانِي، فَيَكُونُ فِي النِّيَّةِ بَعْدَهُ، فَمُحَصِّلُهُ أَنَّهُ جَعَلَ الطَّلَاقَ مُعَلَّقًا عَلَى الْكَلَامِ، وَجَعَلَ الطَّلَاقَ بِالْكَلَامِ مُعَلَّقًا عَلَى الدُّخُولِ، فَلَا بُدَّ فِي الطَّلَاقِ بِالْكَلَامِ مِنْ حُصُولِ الدُّخُولِ أَوَّلًا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ] : أَتَى بِكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ فِيهِ خِلَافٌ، وَأَنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي الْيَمِينِ عَلَى قَوْلٍ وَهُنَا عَلَى قَوْلٍ، فَأَجَابَ بِأَنَّ ابْنَ رُشْدٍ حَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَى الْحِنْثِ لِمَا تَقَدَّمَ كَمَا قَرَّرَهُ مُؤَلِّفُهُ.

قَالَ: إنْ حَصَلَ الْأَمْرُ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ نِزَاعٌ طَوِيلٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَالنُّحَاةِ.

(وَلَا تُمَكِّنُهُ) الْمُطَلَّقَةُ أَيْ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا (إنْ عَلِمَتْ بَيْنُونَتَهَا) مِنْهُ، (وَلَا بَيِّنَةَ) لَهَا تُقِيمُهَا عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لِيُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا (وَلَا تَتَزَيَّنُ) : أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الزِّينَةُ (إلَّا) إذَا كَانَتْ (مُكْرَهَةً) بِالْقَتْلِ، (وَتَخَلَّصَتْ مِنْهُ) وُجُوبًا (بِمَا أَمْكَنَ) مِنْ فِدَاءٍ أَوْ هُرُوبٍ.
(وَفِي جَوَازِ قَتْلِهَا لَهُ عِنْدَ مُحَاوَرَتِهَا) لِلْوَطْءِ - (إنْ كَانَ لَا يَنْدَفِعُ) عَنْهَا (إلَّا بِهِ) أَيْ بِالْقَتْلِ، فَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِغَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَعَدَمُ جَوَازِهِ (قَوْلَانِ) .

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [نِزَاعٌ طَوِيلٌ] : وَقَدْ أَشَرْنَا لِذَلِكَ فِي حِكَايَةِ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.

[الْمُطَلَّقَةُ لَا تُمَكِّنُ زَوْجهَا مِنْ نَفْسِهَا وَتَقْتُلُهُ عِنْدَ مُحَاوَرَتِهَا لِلْوَطْءِ]

قَوْلُهُ: [إلَّا إذَا كَانَتْ مُكْرَهَةً بِالْقَتْلِ] : أَيْ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الزِّنَا.
قَوْلُهُ: [وَفِي جَوَازِ قَتْلِهَا لَهُ] إلَخْ: وَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ وَلَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ لِمُحَمَّدٍ، وَعَدَمِ الْجَوَازِ لِسَحْنُونٍ وَصَوَّبَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ قَائِلًا: إنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى الْقَتْلِ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْوَطْءِ لَا يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ بِوَجْهٍ وَبَعْدَهُ صَارَ حَدًّا وَالْحَدُّ لَيْسَ لَهَا إقَامَتُهُ.

فَصْلٌ فِي ذِكْرِ تَفْوِيضِ الزَّوْجِ الطَّلَاقَ لِغَيْرِهِ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَالتَّفْوِيضُ كَالْجِنْسِ تَحْتَهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: التَّوْكِيلُ، وَالتَّخْيِيرُ، وَالتَّمْلِيكُ: فَالتَّوْكِيلُ: جَعْلُ إنْشَاءِ الطَّلَاقِ لِغَيْرِهِ، بَاقِيًا مَنْعُ الزَّوْجِ مِنْهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَيْ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَهُ عَزْلُ وَكِيلِهِ مَتَى شَاءَ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَفْعَلُ مَا وُكِّلَ فِيهِ نِيَابَةً عَنْ مُوَكِّلِهِ.
وَالتَّخْيِيرُ: جَعْلُ إنْشَاءِ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا - صَرِيحًا أَوْ حُكْمًا - حَقًّا لِغَيْرِهِ، مِثَالُ الْحُكْمِيِّ: اخْتَارِينِي أَوْ اخْتَارِي نَفْسَك، وَالتَّمْلِيكُ: جَعْلُ إنْشَائِهِ حَقًّا لِغَيْرِهِ رَاجِحًا فِي الثَّلَاثِ وَمِنْ صِيَغِهِ:

[حاشية الصاوي]

[فَصْلٌ تَفْوِيضِ الزَّوْجِ الطَّلَاقَ لِغَيْرِهِ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا]

[التَّفْوِيضُ فِي الطَّلَاقَ أَنْوَاعٍ]

فَصْلٌ قَوْلُهُ: [جَعَلَ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ لِغَيْرِهِ] : هَذَا جِنْسٌ يَعُمُّ التَّمْلِيكَ وَالتَّخْيِيرَ، وَقَوْلُهُ بَاقِيًا مَنْعُ الزَّوْجِ مِنْهُ فَصْلٌ يُخْرِجُهُمَا لِأَنَّ لَهُ الْعَزْلَ فِي التَّوْكِيلِ دُونَهُمَا، وَخَرَجَتْ الرِّسَالَةُ بِقَوْلِهِ: جَعَلَ لِأَنَّ الزَّوْجَ.
لَمْ يَجْعَلْ لِلرَّسُولِ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ، بَلْ الْإِعْلَامَ بِثُبُوتِهِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَالتَّخْيِيرُ جَعْلُ إنْشَاءِ الطَّلَاقِ] إلَخْ: هَذَا جِنْسٌ أَيْضًا يَعُمُّ التَّوْكِيلَ وَالتَّمْلِيكَ وَيُخْرِجُ الرِّسَالَةَ كَمَا عَلِمْتَ، وَقَوْلُهُ صَرِيحًا أَوْ حُكْمًا أَخْرَجَ بِهِ التَّمْلِيكَ، وَقَوْلُهُ حَقًّا لِغَيْرِهِ أَخْرَجَ التَّوْكِيلَ، لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَجْعَلْ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ حَقًّا لِلتَّوْكِيلِ بَلْ جَعَلَهُ بِيَدِهِ نِيَابَةً عَنْهُ.
قَوْلُهُ: [اخْتَارِينِي أَوْ اخْتَارِي نَفْسَك] : مِثْلُ نَفْسُك أَمْرُك.
قَوْلُهُ: [وَالتَّمْلِيكُ جَعْلُ إنْشَائِهِ] : جِنْسٌ أَيْضًا يَعُمُّ التَّوْكِيلَ وَالتَّخْيِيرَ،

جَعَلْتُ أَمْرَك أَوْ طَلَاقَكِ بِيَدِكِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ لَا دَخْلَ لِلُّغَةِ فِيهِ، فَقَوْلُهُمْ فِي الْمَشْهُورِ الْآتِي: أَنَّ لِلزَّوْجِ الْبَقَاءَ عَلَى الْعِصْمَةِ وَالذَّهَابَ لِمُنَاكَرَةِ الْمُمَلَّكَةِ دُونَ الْمُخَيَّرَةِ، إنَّمَا نَشَأَ مِنْ الْعُرْفِ وَعَلَى هَذَا يَنْعَكِسُ الْحُكْمُ بِانْعِكَاسِ الْعُرْفِ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ مَا حَاصِلُهُ: إنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَنَى ذَلِكَ عَلَى عَادَةٍ كَانَتْ فِي زَمَانِهِ أَوْجَبَتْ نَقْلَ اللَّفْظِ عَنْ مُسَمَّاهُ اللُّغَوِيِّ إلَى هَذَا الْمَفْهُومِ، فَصَارَ صَرِيحًا فِيهِ أَيْ فِي الطَّلَاقِ، أَيْ وَلَيْسَ مِنْ الْكِنَايَاتِ كَمَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ.
قَالَ: وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُتَّجَهُ وَهُوَ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ بُطْلَانُ هَذَا الْحُكْمِ الْيَوْمَ وَوُجُوبُ الرُّجُوعِ إلَى اللُّغَةِ، وَيَكُونُ كِنَايَةً مَحْضَةً كَمَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ، لِأَنَّ الْعُرْفَ قَدْ تَغَيَّرَ حَتَّى لَمْ يَصِرْ أَحَدٌ يَسْتَعْمِلُ هَذَا اللَّفْظَ إلَّا فِي غَايَةِ النُّدُورِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ اللَّفْظَ مَتَى كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مُسْتَنِدًا لِحُكْمٍ عَادِيٍّ بَطَلَ ذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ بُطْلَانِ تِلْكَ الْعَادَةِ وَتَغَيَّرَ إلَى حُكْمٍ آخَرَ.
وَإِلَى بَيَانِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ وَأَحْكَامِهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (لِلزَّوْجِ تَفْوِيضُ الطَّلَاقِ لَهَا) : أَيْ لِلزَّوْجَةِ (أَوْ لِغَيْرِهَا تَوْكِيلًا) مَنْصُوبٌ

[حاشية الصاوي]

وَيُخْرِجُ الرِّسَالَةَ وَقَوْلُهُ: " حَقًّا لِغَيْرِهِ " أَخْرَجَ بِهِ التَّوْكِيلَ، وَقَوْلُهُ: " رَاجِحًا فِي الثَّلَاثِ " أَخْرَجَ بِهِ التَّخْيِيرَ.
قَوْلُهُ: [جَعَلْتُ أَمْرَكِ] إلَخْ: وَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى جَعْلِ الطَّلَاقِ بِيَدِهَا دُونَ تَخْيِيرٍ، كَطَلِّقِي نَفْسَك أَوْ مَلَّكْتُك أَمْرَكِ أَوْ وَلَّيْتُكِ أَمْرَكِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ فَوَّضَ لَهَا الْبَقَاءَ عَلَى الْعِصْمَةِ أَوْ الذَّهَابَ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ فَهُوَ تَخْيِيرٌ، وَكُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى جَعْلِ الطَّلَاقِ بِيَدِهَا أَوْ بِيَدِ غَيْرِهَا دُونَ تَخْيِيرٍ فِي أَصْلِ الْعِصْمَةِ بِدَلِيلِ الْمُنَاكَرَةِ فِيهِ كَمَا يَأْتِي فَهُوَ تَمْلِيكٌ.
قَوْلُهُ: [غَيْرَ أَنَّهُ] إلَخْ: هَذَا مِنْ كَلَامِ الْقَرَافِيُّ فِي اسْتِدْرَاكٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: [وَوُجُوبُ الرُّجُوعِ إلَى اللُّغَةِ] : أَيْ إنْ لَمْ يَحْدُثْ عُرْفٌ قَوْلِيٌّ وَإِلَّا عُمِلَ عَلَى الْعُرْفِ الْحَادِثِ، لِتَقْدِيمِ الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ عَلَى اللُّغَةِ، فَلَوْ كَانَ عُرْفُهُمْ إنْ خَيَّرْتُك كَمَلَّكْتُكِ فِي كَوْنِهِ رَاجِحًا فِي الثَّلَاثِ لَا صَرِيحًا كَانَ حُكْمُ الصِّيغَتَيْنِ وَاحِدًا فِي الْمُنَاكَرَةِ، وَإِنْ بِالْعَكْسِ عُمِلَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الصِّيغَتَيْنِ

عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ بِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ، أَيْ تَفْوِيضُ تَوْكِيلٍ (وَتَمْلِيكًا وَتَخْيِيرًا) .

(فَإِنْ وَكَّلَ) فِي إنْشَائِهِ (نَحْوَ: وَكَّلْتُك) فِي طَلَاقِك، (أَوْ: جَعَلْته) - أَيْ الطَّلَاقَ - لَك تَوْكِيلًا، (أَوْ فَوَّضْتُهُ لَكِ تَوْكِيلًا، فَلَهُ) أَيْ الزَّوْجُ (الْعَزْلُ) : أَيْ عَزْلُ وَكِيلِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ أَوْ غَيْرِهَا قَبْلَ إيقَاعِهِ، كَمَا لِكُلِّ مُوَكِّلٍ عَزْلُ وَكِيلِهِ قَبْلَ فِعْلِ مَا وُكِّلَ عَلَيْهِ.
(إلَّا لِتَعَلُّقِ حَقِّهَا) فَلَيْسَ لَهُ الْعَزْلُ، كَمَا لَوْ شَرَطَ لَهَا أَنَّهُ: إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَقَدْ فَوَّضَ لَهَا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَ الدَّاخِلَةِ عَلَيْهَا تَوْكِيلًا، لِأَنَّ الْحَقَّ وَهُوَ رَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهَا قَدْ تَعَلَّقَ لَهَا فَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهَا عَنْهُ.
(لَا إنْ مَلَّكَ أَوْ خَيَّرَ) فَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهَا لِأَنَّهُ فِيهِمَا قَدْ جَعَلَ لَهَا مَا كَانَ يَمْلِكُهُ مِلْكًا لَهَا، بِخِلَافِ التَّوْكِيلِ فَإِنْ جَعَلَهَا نَائِبَةً عَنْهُ فِي إيقَاعِهِ

(وَحِيلَ بَيْنَهُمَا) : أَيْ الزَّوْجَيْنِ وُجُوبًا فِي التَّمْلِيكِ وَالتَّخْيِيرِ كَالتَّوْكِيلِ إنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لَهَا فَلَا يَقْرَبُهَا.
(وَوُقِفَتْ) الْمُمَلَّكَةُ أَوْ الْمُخَيَّرَةُ أَوْ مَنْ تَعَلَّقَ لَهَا حَقٌّ، أَيْ: أَوْقَفَهَا الْحَاكِمُ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مَتَى عَلِمَ (حَتَّى تُجِيبَ) بِمَا يَقْتَضِي رَدًّا أَوْ أَخْذًا بِمَا

[حاشية الصاوي]

مَهْجُورًا غَيْرَ مَفْهُومِ الْمَعْنَى بَيْنَهُمْ كَانَ مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَيَكُونُ كِنَايَةً مَحْضَةً فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ] : وَيَصِحُّ نَصْبُهُ عَلَى الْحَالِ مِنْ (تَفْوِيضُ) ، وَأَمَّا قَوْلُ الْخَرَشِيِّ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ الْمُحَوَّلِ عَنْ الْمَفْعُولِ، كَغَرَسْتُ الْأَرْضَ شَجَرًا فَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُفَوِّضْ لَهَا التَّوْكِيلَ، وَإِنَّمَا فَوَّضَ لَهَا الطَّلَاقَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيلِ.

[أثر التَّفْوِيض فِي الطَّلَاق]

قَوْلُهُ: [كَمَا لِكُلِّ مُوَكِّلٍ عَزْلُ وَكِيلِهِ] إلَخْ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْوَكِيلُ بِذَلِكَ

[جَواب الزَّوْجَة فِي الطَّلَاق ومناكرة الزَّوْج]

قَوْلُهُ: [وَحِيلَ بَيْنَهُمَا] : أَيْ وَلَا نَفَقَةَ لِلزَّوْجَةِ زَمَنَ الْحَيْلُولَةِ، لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ قِبَلِهَا، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا زَمَنَ الْحَيْلُولَةِ قَبْلَ الْإِجَابَةِ فَإِنَّهُمَا يَتَوَارَثَانِ.
قَوْلُهُ: [إنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لَهَا] : أَيْ كَمَا إذَا قَالَ إنْ تَزَوَّجْتُ عَلَيْكِ فَأَمْرُكِ أَوْ أَمْرُ الدَّاخِلَةِ بِيَدِكِ تَوْكِيلًا وَتَزَوَّجَ، فَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَحْلُوفِ لَهَا حَتَّى تُجِيبَ.
قَوْلُهُ: [أَيْ أَوْقَفَهَا الْحَاكِمُ] : سَوَاءً لَمْ يُسَمِّ أَجَلًا، بَلْ وَلَوْ كَمَا سَمَّى إذَا

يَأْتِي، وَإِلَّا لَزِمَ الِاسْتِمْتَاعُ بِعِصْمَةٍ مَشْكُوكَةٍ، بِخِلَافِ الْمُوَكَّلَةِ فَلَا يُحَالُ بَيْنَهُمَا لِقُدْرَةِ الزَّوْجِ عَلَى عَزْلِهَا، فَلَوْ اسْتَمْتَعَ بِهَا لَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَزْلًا لَهَا وَمَحَلُّ الْحَيْلُولَةِ وَالْإِيقَافِ وَقْتُ الْعِلْمِ إنْ لَمْ يُعَلَّقْ التَّخْيِيرُ أَوْ التَّمْلِيكُ عَلَى أَمْرٍ، كَقُدُومِ زَيْدٍ، فَإِنْ عَلَّقَهُ فَلَا حَيْلُولَةَ حَتَّى يَحْصُلَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَجَابَتْ بِشَيْءٍ عُمِلَ بِهِ.
(وَإِلَّا) تُجِبْ (أَسْقَطَهُ الْحَاكِمُ) أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلَا يُمْهِلُهَا وَإِنْ رَضِيَ الزَّوْجُ بِالْإِمْهَالِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا فِيهِ مِنْ الْبَقَاءِ عَلَى عِصْمَةٍ مَشْكُوكَةٍ.
(وَعُمِلَ بِجَوَابِهَا الصَّرِيحِ فِي اخْتِيَارِ الطَّلَاقِ أَوْ رَدِّهِ) ، كَأَنْ تَقُولَ: طَلَّقْتُ نَفْسِي، أَوْ: أَنَا طَالِقٌ مِنْكَ، أَوْ: بَائِنٌ، أَوْ: حَرَامٌ، أَوْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، أَوْ: لَسْتُ لَكَ بِزَوْجَةٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ.
وَكَأَنْ تَقُولَ فِي رَدِّ الطَّلَاقِ: اخْتَرْتُكَ زَوْجًا وَرَدَدْتُ لَكَ مَا مَلَّكْتنِي، هَذَا إنْ رَدَّتْ مَا جَعَلَهُ لَهَا مِنْ الطَّلَاقِ بِقَوْلٍ، بَلْ (وَلَوْ) (كَانَ بِفِعْلٍ: كَتَمْكِينِهَا) مِنْ نَفْسِهَا (طَائِعَةً) لَا مُكْرَهَةً (عَالِمَةً) بِالتَّمْلِيكِ أَوْ التَّخْيِيرِ وَإِنْ لَمْ يَطَأْ بِالْفِعْلِ، لَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ عَالِمَةٍ بِمَا جَعَلَهُ لَهَا.
وَأَمَّا جَهْلُ الْحُكْمِ بِأَنْ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ التَّمْكِينَ مُسْقِطٌ لِحَقِّهَا فَلَا يَنْفَعُهَا، وَمِثْلُهَا الْأَجْنَبِيُّ؛ فَلَوْ مَلَّكَ أَوْ خَيَّرَ أَجْنَبِيًّا فَقَالَ:

[حاشية الصاوي]

قَالَ لَهَا: أَمْرُك بِيَدِك إلَى سَنَةٍ مَثَلًا، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِيقَافِ وَالْحَيْلُولَةِ مَتَى عُلِمَ، وَإِلَّا لَزِمَ الْبَقَاءُ عَلَى عِصْمَةٍ مَشْكُوكٍ فِيهَا كَمَا قَالَ الشَّارِحُ قَوْلُهُ: [وَعُمِلَ بِجَوَابِهَا الصَّرِيحِ] إلَخْ: جَوَابُهَا الصَّرِيحُ الَّذِي يَقْتَضِي الطَّلَاقَ هُوَ صَرِيحُ الطَّلَاقِ أَوْ كِنَايَتُهُ الظَّاهِرَةُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهَا اخْتَرْتُ نَفْسِي فَإِنَّهُ كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ هُنَا، وَأَمَّا لَوْ أَجَابَتْ بِالْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مَا بِيَدِهَا، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا أَنَّهَا أَرَادَتْ بِذَلِكَ الطَّلَاقَ كَمَا نَقَلَهُ (ح) عَنْ ابْنِ يُونُسَ قَوْلُهُ: [عَالِمَةً بِالتَّمْلِيكِ] : فَإِذَا ادَّعَتْ عَدَمَ الْعِلْمِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِيَمِينٍ، فَإِنْ عَلِمَتْ بِالتَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ وَثَبَتَتْ الْخَلْوَةُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَادَّعَى أَنَّهُ أَصَابَهَا وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضٌ الْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينٍ، وَاسْتَظْهَرَ الْأُجْهُورِيُّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا وَظَاهِرُهُ خَلْوَةُ زِيَارَةٍ أَوْ خَلْوَةُ بِنَاءٍ مَعَ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي الرَّجْعَةِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ لَا بُدَّ مِنْ إقْرَارِهِمَا مَعًا فِي خَلْوَةِ الزِّيَارَةِ، وَخَلْوَةِ الْبِنَاءِ، فَإِذَا انْتَفَى إقْرَارُهُمَا، أَوْ ثَبَتَ أَحَدُهُمَا فَلَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ فَهَذَا مِمَّا يُقَوِّي كَلَامَ الْأُجْهُورِيِّ.

شَأْنُك بِهَا، أَوْ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا طَائِعًا فَرَدَّ (كَمُضِيِّ زَمَنِهِ) : أَيْ التَّخْيِيرِ أَوْ التَّمْلِيكِ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا: خَيَّرْتُك فِي هَذَا الْيَوْمِ، أَوْ: نِصْفَ هَذَا الْيَوْمِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، فَانْقَضَى زَمَنُ التَّخْيِيرِ فَلَا كَلَامَ لَهَا بَعْدُ، وَهَذَا إذَا لَمْ تُوقَفْ، وَإِلَّا فَإِمَّا أَنْ تُجِيبَ وَلَا تُمْهَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُسْقِطَهُ الْحَاكِمُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(فَإِنْ) أَجَابَتْ بِجَوَابٍ مُجْمَلٍ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَالرَّدَّ لِمَا جَعَلَهُ لَهَا، بِأَنْ (قَالَتْ: قَبِلْتُ، أَوْ قَبِلْتُ أَمْرِي أَوْ مَا مَلَّكْتنِي) فَإِنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِقَبُولِ الطَّلَاقِ، وَقَبُولِ رَدِّهِ قِيلَ لَهَا فِي الْحَضْرَةِ أَفْصَحِي عَمَّا أَرَدْتِ بِهَذَا اللَّفْظِ، فَإِنْ فَسَّرَتْ بِشَيْءٍ (قُبِلَ: تَفْسِيرُهَا بِرَدٍّ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ إبْقَاءٍ) لِمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَمْلِيكٍ أَوْ تَخْيِيرٍ، فَيُحَالُ بَيْنَهُمَا وَتُوقَفُ حَتَّى تُجِيبَ بِصَرِيحٍ وَإِلَّا أَسْقَطَهُ الْحَاكِمُ

(وَلَهُ) : أَيْ الزَّوْجِ الْمُخَيِّرِ أَوْ الْمُمَلِّكِ زَوْجَتَهُ (مُنَاكَرَةُ) زَوْجَةٍ (مُخَيَّرَةٍ لَمْ تَدْخُلْ) وَالْمُنَاكَرَةُ: عَدَمُ رِضَا الزَّوْجِ بِمَا أَوْقَعَتْهُ الزَّوْجَةُ مِنْ الطَّلَاقِ، فَالْمُخَيَّرَةُ لَهُ مُنَاكَرَتُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، فَإِنْ دَخَلَ لَزِمَ مَا أَوْقَعَتْهُ مِنْ الثَّلَاثِ وَلَيْسَ لَهُ مُنَاكَرَتُهَا، لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ التَّخْيِيرِ الْبَيْنُونَةُ وَهِيَ لَا تَبِينُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي غَيْرِ خُلْعٍ إلَّا بِالثَّلَاثِ.
(وَ) لَهُ مُنَاكَرَةُ (مُمَلَّكَةٍ مُطْلَقًا) دَخَلَ أَمْ لَا، وَمَحَلُّ الْمُنَاكَرَةِ فِيهِمَا (إنْ زَادَتَا) : أَيْ الْمُخَيَّرَةُ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا وَالْمُمَلَّكَةُ مُطْلَقًا (عَلَى الْوَاحِدَةِ)

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا طَائِعًا فَرَدَّ] : أَيْ وَلَوْ كَانَتْ هِيَ مُكْرَهَةٌ فَلَا يُعْتَبَرُ كَرَاهَتُهَا.

قَوْلُهُ: [الْمُخَيِّرُ أَوْ الْمُمَلِّكُ] : بِالْكَسْرِ اسْمُ فَاعِلٍ وَقَوْلُهُ زَوْجَتَهُ تَنَازَعَهُ كُلًّا مِنْ الْمُخَيَّرِ وَالْمُمَلَّكِ.
قَوْلُهُ: [مُنَاكَرَةُ زَوْجَةٍ مُخَيَّرَةٍ] : هَذَا التَّفْصِيلُ فِي التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ الْمُطْلَقَيْنِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي، وَلَوْ قَيَّدَ بِشَيْءٍ لَمْ تَقْضِ إلَّا بِمَا قَيَّدَ بِهِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ الطَّلَاقِ] : أَيْ مِنْ عَدَدِهِ لَا مِنْ أَصْلِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [فِي غَيْرِ خُلْعٍ] : أَيْ لَفْظًا أَوْ عِوَضًا كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [إنْ زَادَتَا] إلَخْ: هَذَا مَوْضُوعُ الْمُنَاكَرَةِ الَّتِي هِيَ عَدَمُ رِضَا الزَّوْجِ بِالزَّائِدِ الَّذِي أَوْقَعَتْهُ، وَلَيْسَ هَذَا شَرْطًا خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُهُ هُنَا مِنْ جَعْلِ

بِأَنْ أَوْقَعَتْ اثْنَتَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَ، فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا قَصَدْتُ وَاحِدَةً فَقَطْ بِتَخْيِيرِي أَوْ تَمْلِيكِي، وَأَمَّا إنْ أَوْقَعَتْ وَاحِدَةً فَقَطْ فَلَيْسَ لَهُ مُنَاكَرَةٌ بِحَيْثُ يَقُولُ: لَمْ أُرِدْ شَيْئًا، (وَ) إنْ (نَوَى مَا ادَّعَى) : أَيْ نَوَى عِنْدَ التَّفْوِيضِ مَا نَاكَرَ فِيهِ مِنْ وَاحِدَةٍ أَوْ اثْنَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَلَا مُنَاكَرَةَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ لِأَنَّ النِّيَّةَ أَمْرٌ خَفِيٌّ، فَإِنْ نَوَى حَالَ التَّفْوِيضِ نَاكَرَ فِي الثَّالِثَةِ (وَ) إنْ (بَادَرَ) بِالْإِنْكَارِ عَقِبَ إيقَاعِهَا الزَّائِدَ وَإِلَّا بَطَلَ حَقُّهُ، (وَ) إنْ (حَلَفَ) عَلَى دَعْوَاهُ بِأَنْ يَقُولَ: مَا أَرَدْتُ بِتَفْوِيضِي إلَّا وَاحِدَةً (إنْ دَخَلَ) بِالْمُمَلَّكَةِ، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَ مَا أَوْقَعَتْهُ وَلَا تُرَدُّ عَلَيْهَا الْيَمِينُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إنْ دَخَلَ حَلَفَ وَقْتَ الْمُنَاكَرَةِ أَنَّهُ مَا أَرَادَ إلَّا وَاحِدَةً لِيُحْكَمَ لَهُ بِالرَّجْعَةِ، وَتَثْبُتُ أَحْكَامُهَا، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ الْآنَ، بَلْ عِنْدَ إرَادَةِ تَزَوُّجِهَا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَإِلَّا) يَدْخُلُ (فَعِنْدَ) إرَادَةِ (ارْتِجَاعِهَا) : أَيْ نِكَاحِهَا لَا قَبْلَهُ، إذْ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ: هَبْ أَنِّي لَا أَتَزَوَّجُ بِهَا فَلِأَيِّ شَيْءٍ أَحْلِفُ؟ (وَ) إنْ (لَمْ يُكَرِّرْ) حَالَ التَّفْوِيضِ (قَوْلَهُ: أَمْرُهَا بِيَدِهَا) ، فَإِنْ كَرَّرَهُ فَلَا مُنَاكَرَةَ لَهُ فِيمَا

[حاشية الصاوي]

الشُّرُوطِ سِتَّةً، فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ جَعَلَهَا خَمْسَةً وَجَعَلَ هَذَا مَوْضُوعًا وَهُوَ أَظْهَرُ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا إنْ أَوْقَعَتْ وَاحِدَةً فَقَطْ] إلَخْ: أَمَّا الْمُمَلَّكَةُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمُخَيَّرَةُ فَعَدَمُ الْمُنَاكِرَةِ لِبُطْلَانِ مَا لَهَا مِنْ التَّخْيِيرِ إذَا لَمْ تَقْضِ بِالثَّلَاثِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمُخَيَّرَةَ الَّتِي لَمْ تَدْخُلْ بِمَنْزِلَةِ الْمُمَلَّكَةِ، قَالَ (ح) : لِأَنَّهَا تَبِينُ بِالْوَاحِدَةِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ بَادَرَ] : هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الثَّانِي عَلَى جَعْلِهَا خَمْسَةً، وَالثَّالِثُ عَلَى جَعْلِهَا سِتَّةً.
قَوْلُهُ: [مَا أَرَدْت بِتَفْوِيضِي إلَّا وَاحِدَةً] : أَيْ مَثَلًا: قَوْلُهُ: [إنْ دَخَلَ بِالْمُمَلَّكَةِ] : شَرْطٌ فِي مُقَدَّرٍ وَلَيْسَ مَعْدُودًا مِنْ الشُّرُوطِ الْخَمْسَةِ أَوْ السِّتَّةِ، أَيْ وَمَحَلُّ تَعْجِيلِ يَمِينِهِ وَقْتُ الْمُنَاكَرَةِ إنْ دَخَلَ بِالْمَرْأَةِ لِيُحْكَمَ الْآنَ بِالرَّجْعَةِ، وَتَثْبُتُ أَحْكَامُ الرَّجْعَةِ مِنْ نَفَقَةٍ وَغَيْرِهَا كَمَا يُفِيدُ ذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَالْمُرَادُ إلَخْ.

فصول الكتاب · 3 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك · 813 صفحة
المقدمة
بَابُ فِي الشُّفْعَةِ وَأَحْكَامِهَا
بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ
جارٍ التحميل