فَيَجُوزُ إنْ عَلِمَ مَا يَحْتَطِبُهُ عَلَيْهَا بِعَادَةٍ أَوْ شَرْطٍ.
فَعِلَّةُ الْجَوَازِ الْعِلْمُ وَسَوَاءٌ قَيَّدَ بِزَمَنٍ كَيَوْمٍ لِي وَيَوْمٌ لَك أَمْ لَا، كَنَقْلَةٍ لِي وَنَقْلَةٌ لَك؛ فَالْأُجْرَةُ هُنَا مَعْلُومَةٌ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ.
وَقَوْلُهُ: " وَلَك نِصْفُهُ ": أَيْ الْحَطَبِ احْتِرَازًا مِنْ قَوْلِهِ: " وَلَك نِصْفُ ثَمَنِهِ "، فَلَا يَجُوزُ لِلْغَرَرِ.
وَمِثْلُ الدَّابَّةِ السَّفِينَةُ وَالشَّبَكَةُ وَنَحْوُهُمَا فَيَجُوزُ بِنِصْفِ مَا يَحْمِلُهُ عَلَيْهَا إذَا كَانَ مُعَيَّنًا مِنْ مَكَان مُعَيَّنٍ كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ: " نَحْو " وَدَخَلَ فِي اسْتَقِ عَلَيْهَا وَلَك نِصْفُ الْمَاءِ.
(وَ) بِخِلَافِ نَحْوِ: (اُحْصُدْهُ وَلَك نِصْفُهُ) مَثَلًا (فَيَجُوزُ) . أَوْ: جُذَّ نَخْلِي هَذَا وَلَك نِصْفُهُ، أَوْ: اُلْقُطْ زَيْتُونِي هَذَا وَلَك نِصْفُهُ.
أَوْ: جُزَّ صُوفِي هَذَا وَلَك نِصْفُهُ؛ كُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِلْعِلْمِ بِالْأُجْرَةِ وَمَا أُوجِرَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا: اُحْصُدْ وَمَا حَصَدْت فَلَكَ
[حاشية الصاوي]
[تَنْبِيهٌ تَلِفَتْ الدَّابَّةُ بَعْدَ أَخْذِ الْعَامِلِ مَا يَخُصُّهُ]
قَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ إنْ عَلِمَ مَا يَحْتَطِبُهُ عَلَيْهَا] : أَيْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَزِيدَ فِي الصِّيغَةِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا تَأْخُذْ نِصْفَك إلَّا بَعْدَ نَقْلِهِ مُجْتَمِعًا بِمَوْضِعِ كَذَا فَإِنْ زَادَ ذَلِكَ مُنِعَ لِلْحَجْرِ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُرَادُ عَلِمَ نَوْعَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَهُ بِدَلِيلِ كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي مَسْأَلَةِ الشَّبَكَةِ.
قَوْلُهُ: [كَنَقْلَةٍ لِي، وَنَقْلَةٌ لَك] : مِثْلُ ذَلِكَ لَوْ قَالَ لَهُ كُلُّ نَقْلَةٍ نِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لَك.
قَوْلُهُ: [مِثْلُ الدَّابَّةِ السَّفِينَةِ وَالشَّبَكَةِ] : ابْنُ الْقَاسِمِ يَجُوزُ دَفْعُ الشَّبَكَةِ لِمَنْ يَصِيدُ بِهَا يَوْمًا لِنَفْسِهِ وَيَوْمًا لِصَاحِبِهِ وَفِي الشَّهْرَيْنِ كَثِيرٌ لِظُهُورِ الْجَهَالَةِ.
قَوْلُهُ: [إذَا كَانَ مُعَيَّنًا] : أَيْ كَمَا إذَا كَانَ يَحْمِلُ عَلَيْهَا تِبْنًا أَوْ حَطَبًا أَوْ خَشَبًا مُعَيَّنًا مِنْ بَلَدٍ مُعَيَّنَةٍ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ تَلِفَتْ الدَّابَّةُ بَعْدَ أَخْذِ الْعَامِلِ مَا يَخُصُّهُ وَقَبْلَ أَخْذِ رَبِّهَا فَلِرَبِّهَا أَنْ يَأْتِيَ لَهُ بِأُخْرَى يَعْمَلُ عَلَيْهَا وَلِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لِرَبِّهَا كِرَاؤُهَا وَهُوَ أَبْيَنُ وَأَمَّا لَوْ تَلِفَتْ بَعْدَ أَخْذِ رَبِّهَا مَا يَخُصُّهُ وَقَبْلَ أَخْذِ الْعَامِلِ فَعَلَى رَبِّهَا أُجْرَةُ عَمَلِهِ، وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يُخَلِّفَ رَبَّهَا دَابَّةً أُخْرَى.
قَوْلُهُ: [لِلْعِلْمِ بِالْأُجْرَةِ وَمَا أُوجِرَ عَلَيْهِ] : أَيْ لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَحْصُورًا مَرْئِيًّا.
نِصْفُهُ، أَوْ: اُلْقُطْ وَمَا لَقَطْت فَلَكَ نِصْفُهُ، فَجَائِزٌ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْجَعَالَةِ فَلَهُ التَّرْكُ مَتَى شَاءَ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ فَهُوَ مِنْ الْإِجَارَةِ اللَّازِمَةِ.
وَيَكُونُ الدَّرْسُ وَالتَّذْرِيَةُ عَلَيْهِمَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إنْ قَالَ: اُحْصُدْهُ وَادْرُسْهُ وَلَك نِصْفُهُ، أَوْ.
اُدْرُسْهُ فَقَطْ، فَفَاسِدٌ وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ لِشِدَّةِ الْغَرَرِ.
ثُمَّ الْجَوَازُ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ تَعْيِينِ الزَّمَنِ، فَإِنْ عَيَّنَهُ فَسَدَتْ، قَالَ فِيهَا: وَإِنْ قَالَ اُحْصُدْ الْيَوْمَ أَوْ اُلْقُطْ الْيَوْمَ وَمَا اجْتَمَعَ فَلَكَ نِصْفُهُ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ؛ إذْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا يُحْصَدُ الْيَوْمَ، وَمَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَأْجَرَ بِهِ مَعَ ضَرْبِ الْأَجَلِ فِي الْجَعْلِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْجَعْلِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَتْرُكَ مَتَى شَاءَ فَيَجُوزُ.
ثُمَّ شَبَّهَ فِي الْجَوَازِ قَوْلَهُ: (كَإِجَارَةٍ) ، أَيْ كَمَا يَجُوزُ إجَارَةُ (دَابَّة لِكَذَا) : أَيْ لِمَكَانٍ مَعْلُومٍ كَمَكَّةَ (عَلَى) أَنَّهُ إنْ (اسْتَغْنَى فِيهَا) : أَيْ فِي الْمُدَّةِ أَوْ الْمَسَافَةِ الْمُعَيَّنَةِ لِظَفَرِهِ بِحَاجَتِهِ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ (حَاسَبَ) رَبُّهَا: أَيْ كَانَ لَهُ بِحِسَابِ مَا سَارَ صُعُوبَةً وَسُهُولَةً.
وَمَحَلُّ الْجَوَازِ (إنْ لَمْ يَنْقُدْ) الْأُجْرَةَ، فَإِنْ نَقَدَهَا لَمْ يَجُزْ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ.
وَهَذَا الْقَيْدُ ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْعُتْبِيَّةِ وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ فَكَانَ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ هُنَا.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْجَعَالَةِ] : أَيْ وَالْجَعَالَةُ يَجُوزُ فِيهَا الْغَرَرُ لِكَوْنِهَا مُنْحَلَّةً مِنْ طَرَفِ الْعَامِلِ.
قَوْلُهُ: [وَيَكُونُ الدَّرْسُ وَالتَّذْرِيَةُ عَلَيْهِمَا] : أَيْ لِأَنَّهُمَا صَارَا شُرَكَاءَ مِنْ حِينِ الْحَصَادِ وَيُمْنَعُ قَسْمُهُ قَتًّا لِأَنَّهُ خَطَرٌ وَيَدْخُلُهُ التَّفَاضُلُ.
قَوْلُهُ: [لِشِدَّةِ الْغَرَرِ] : أَيْ فِي قَدْرِ الْأُجْرَةِ وَصِفَتِهَا لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا بَعْدَ التَّصْفِيَةِ.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ الْجَوَازُ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ تَعْيِينِ الزَّمَنِ] إلَخْ: هَذَا الْبَحْثُ يُغْنِي عَنْهُ مَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَفَسَدَتْ إنْ جَمَعَهَا وَتَسَاوَيَا، وَمَحِلُّهُ هُنَاكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الرِّكَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا الْقَيْدُ] : أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَنْقُدْ قَالَ ابْنُ عَاشِرٍ: تَأَمَّلْ مَا وَجْهُ جَوَازِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ أَنَّ الْمُؤَجِّرَ لَا يَدْرِي مَا بَاعَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَاسْتَشْكَلَهُ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ بِهَذَا أَيْضًا.
وَأَجَابَ بِأَنَّ الْغَرَرَ هُنَا يَسِيرٌ يُغْتَفَرُ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ مَنْ اكْتَرَى إلَى مَوْضِعٍ لَا يُسْتَغْنَى قَبْلَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ اسْتَغْنَى فِيهَا أَيْ وَيُصَدَّقُ فِي
(وَإِيجَارُ) : أَيْ وَكَمَا يَجُوزُ إيجَارُ شَيْءٍ (مُؤَجَّرٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ: أَيْ أَنَّ مَنْ أَجَّرَ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً كَشَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا مُدَّةً تَلِي مُدَّةً الْإِجَارَةِ الْأُولَى لِلْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ أَوْ لِغَيْرِهِ.
(أَوْ) إيجَارٌ (مَا) : أَيْ شَيْءٍ بِيعَ وَ (اُسْتُثْنِيَتْ مَنْفَعَتُهُ) : أَيْ اسْتَثْنَاهَا الْبَائِعُ؛ بِأَنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ دَارًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَاسْتَثْنَى مَنْفَعَتَهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَلِلْمُشْتَرِي مِنْهُ أَنْ يُؤَاجِرَ مَا ذُكِرَ مُدَّةً تَلِي مُدَّةَ الِانْتِفَاعِ أَيْ عَلَى أَنْ يَقْبِضَهَا الْمُسْتَأْجِرُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الِانْتِفَاعِ.
وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ السَّنَةِ فِي الدَّارِ وَالسَّنَتَيْنِ فِي الْأَرْضِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الدَّابَّةِ لَا جُمُعَةٍ، وَكُرِهَ الْمُتَوَسِّطُ.
(وَالنَّقْدِ) بِالْجَرِّ، عَطْفٌ عَلَى مَدْخُولِ الْكَافِ: أَيْ وَكَجِوَازِ النَّقْدِ (فِيهِمَا) : أَيْ فِي إيجَارِ الْمُؤَجَّرِ وَالْمَبِيعِ الْمُسْتَثْنَى مَنْفَعَتُهُ.
وَمَحَلُّ جَوَازِ الْإِيجَارِ وَالنَّقْدِ فِيهِمَا: (إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ غَالِبًا) : أَيْ لَمْ يَغْلِبْ تَغَيُّرُهُ بِأَنْ كَانَ الشَّأْنُ عَدَمَ تَغَيُّرِهِ.
وَهُوَ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ: مَا إذَا كَانَ الْغَالِبُ سَلَامَتَهُ، أَوْ احْتَمَلَ السَّلَامَةَ وَعَدَمَهَا.
لَكِنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَالثَّانِيَةَ فِيهَا خِلَافٌ.
هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْإِيجَارِ فِيهِمَا.
وَأَمَّا النَّقْدُ فِيهِمَا فَإِنَّمَا يَجُوزُ
[حاشية الصاوي]
دَعْوَاهُ الِاسْتِغْنَاءَ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَأَمَّا إنْ اسْتَأْجَرَهُ لِهَذَا الْمَكَانِ وَإِنْ زَادَ فَلَهُ بِحِسَابِ مَا اكْتَرَى لَمْ يَجُزْ إلَّا إنْ عَيَّنَ غَايَةَ مَا يَزِيدُ وَمَا قِيلَ فِي الدَّابَّةِ يُقَالُ فِي الدَّارِ وَالسَّفِينَةِ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [لِلْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ أَوْ لِغَيْرِهِ] : أَيْ مَا لَمْ يَجْرِ عُرْفٌ بِعَدَمِ إيجَارِهَا إلَّا لِلْأَوَّلِ كَالْأَحْكَارِ الْمَوْقُوفَةِ بِمِصْرَ وَإِلَّا عُمِلَ بِهِ لِأَنَّ الْعُرْفَ كَالشَّرْطِ وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ إنْسَانٌ دَارًا مَوْقُوفَةً مُدَّةً مُعَيَّنَةً وَأَذِنَ لَهُ النَّاظِرُ بِالْبِنَاءِ فِيهَا لِيَكُونَ لَهُ خُلُوٌّ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَجَعَلَ عَلَيْهَا حَكْرًا كُلَّ سَنَةٍ مِنْ تِلْكَ الْمُدَّةِ لِجِهَةِ الْوَقْفِ فَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ أَنْ يُؤَاجِرَهَا لِغَيْرِ مُسْتَأْجِرِهَا مُدَّةَ تَلِي مُدَّةَ إيجَارِ الْأَوَّلِ لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ بِاخْتِصَاصِ الْأَوَّلِ بِذَلِكَ وَمَحَلُّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ الْأَوَّلُ مِنْ الْأُجْرَةِ مِثْلَ مَا يَدْفَعُهُ الْغَيْرُ وَإِلَّا جَازَ إيجَارُهَا لِلْغَيْرِ كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الدَّابَّةِ] : أَيْ وَعَشَرَةٍ فِي الرَّقِيقِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ فِي إيجَارِ الْمُؤَجَّرِ] : بِفَتْحِ الْجِيمِ اسْمُ مَفْعُولٍ.
قَوْلُهُ: [الْمُسْتَثْنَى مَنْفَعَتُهُ] : رَاجِعٌ لِلْمَبِيعِ.
إنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ فِيهِمَا لَا إنْ لَمْ تَغْلِبْ بِأَنْ كَانَ الشَّأْنُ عَدَمَهَا لِطُولِ الْمُدَّةِ أَوْ ضَعْفِ الْبِنَاءِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَاحْتِمَالِ الْأَمْرِ فَعُلِمَ أَنَّ الصُّوَرَ ثَلَاثٌ:
الْأُولَى: الشَّأْنُ السَّلَامَةُ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ وَالنَّقْدُ قَطْعًا.
الثَّانِيَةُ: عَدَمُهَا فَلَا يَجُوزُ عَقْدٌ وَلَا نَقْدٌ.
وَالثَّالِثَةُ: احْتِمَالُ الْأَمْرَيْنِ، فَيَجُوزُ الْعَقْدُ لَا النَّقْدُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ فَلَا نَقْدَ.
وَإِنَّ قَوْلَهُ: " إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ " غَالِبًا رَاجِعٌ لِلْعَقْدِ وَالنَّقْدِ إلَّا أَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الصُّورَةَ الثَّالِثَةَ يَجُوزُ فِيهَا النَّقْدُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا عَلِمْت.
وَالْمُرَادُ: إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ؛ أَيْ فِي الْمُدَّةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي تَلِي الْأُولَى، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا.
فَتَقْيِيدُ بَعْضِهِمْ لَهُ بِقَوْلِهِ: " قَبْلَ تَسْلِيمِهِ " فِيهِ نَظَرٌ، وَلِذَا شَطَبْنَاهُ مِنْ أَصْلِ الْمُبَيَّضَةِ.
(وَ) كَجَوَازِ إيجَارٍ (عَلَى طَرْحِ نَجَاسَةٍ؛ كَمِيتَةٍ) وَعَذِرَةٍ بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ وَإِنْ اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ مُبَاشَرَةَ النَّجَاسَةِ لِلضَّرُورَةِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَوْ ضَعْفٌ] : مَصْدَرٌ مَعْطُوفٌ عَلَى طُولٍ.
قَوْلُهُ: [أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ] : أَيْ كَالطَّاحُونِ وَالسَّاقِيَةِ مِنْ كُلِّ مَا شَأْنُهُ التَّغَيُّرُ لِكَثْرَةِ الْعِلَاجِ فِيهِ كَالْمِدَقِّ وَالْمَعْصَرَةِ.
قَوْلُهُ: [فَعُلِمَ أَنَّ الصُّوَرَ ثَلَاثٌ] أَيْ مِنْ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ غَالِبًا بِاعْتِبَارِ الْمَنْطُوقِ وَالْمَفْهُومِ.
قَوْلُهُ: [عِنْدَ بَعْضِهِمْ] : هُوَ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ شَاسٍ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ] : هُوَ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَالتَّوْضِيحِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنَّهُ] : أَيْ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: [يُوهِمُ أَنَّ الصُّورَةَ الثَّالِثَةَ] : إلَخْ: أَيْ فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالنَّقْدُ فِيهِمَا إنْ سَلِمَ غَالِبًا لَسَلِم وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ انْتَفَى التَّغَيُّرُ غَالِبًا: أَيْ إنْ كَانَ الْغَالِبُ انْتِفَاءَهُ فَيَكُونُ الْحَالُ قَيْدًا فِي النَّفْيِ لَا فِي الْمَنْفِيِّ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [لِمَا عَلِمْت] : أَيْ مِنْ النَّقْدِ لَا يَجُوزُ فِيهَا اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا] : أَيْ لِأَنَّهَا الَّتِي يُسْتَوْفَى مِنْهَا الْمَنَافِعُ لَا الْأُولَى.
قَوْلُهُ: [عَلَى، طَرْحِ نَجَاسَةٍ] : أَيْ وَكَذَا حَمْلُهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْجَائِزِ كَحَمْلِهَا، لِأَكْلِ الْكِلَابِ أَوْ تَسْبِيخِ أَرْضٍ أَوْ لِأَكْلِ مُضْطَرٍّ وَجِلْدِ مَيْتَةٍ مَدْبُوغٍ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْيَابِسَاتِ وَالْمَاءِ.
(وَ) اسْتِئْجَارٍ عَلَى (الْقِصَاصِ) : مَنْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ وَسَلَّمَهُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ لِوَلِيِّهِ.
(وَ) عَلَى (الْأَدَبِ) لِابْنٍ أَوْ عَبْدٍ إذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْأَبِ أَوْ السَّيِّدِ مُوجِبُهُ.
(وَ) عَلَى (عَبْدٍ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا) ، وَلَوْ بِشَرْطِ النَّقْدِ قَالَ فِي النَّقْدِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، وَالدُّورُ أَبْيَنُ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْأَجْرِ فِيهِ بِشَرْطٍ (انْتَهَى) .
(وَ) عَلَى (دَارٍ نَحْوَ ثَلَاثِينَ) عَامًا وَلَوْ شُرِطَ النَّقْدُ، قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ.
(وَ) عَلَى (أَرْضٍ) لِلزِّرَاعَةِ مَأْمُونَةِ الرَّيِّ (خَمْسِينَ عَامًا) لَا أَكْثَرَ فَإِنْ لَمْ يُؤْمَنْ مِنْ رَبِّهَا جَازَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا مَا ذُكِرَ دُونَ النَّقْدِ.
وَكَذَلِكَ الدَّارُ إذَا كَانَتْ قَدِيمَةً يُحْتَمَلُ بَقَاؤُهَا ثَلَاثِينَ، وَعَدَمُهُ فَإِذَا كَانَتْ قَدِيمَةً جِدًّا لَا تَبْقَى الثَّلَاثِينَ عَادَةً لَمْ يَجُزْ كِرَاؤُهَا الثَّلَاثِينَ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْعَبْدِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَاسْتِئْجَارٌ عَلَى الْقِصَاصِ] : أَيْ وَأَمَّا الْإِجَارَةُ عَلَى الْقَتْلِ ظُلْمًا فَلَا تَجُوزُ.
فَإِنْ نَزَلَ اقْتَصَّ مِنْ الْأَجِيرِ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ وَلَا يَقْتَصُّ مِنْ الْمُؤَجِّرِ لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُتَسَبِّبِ.
قَوْلُهُ: [إذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْأَبِ أَوْ السَّيِّدِ مُوجِبُهُ] : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْمُوجِبِ كَانَ الطَّالِبُ لِلتَّأْدِيبِ الْأَبَ أَوْ السَّيِّدَ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يُصَدَّقُ الْأَبُ فِي ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَالسَّيِّدِ وَالزَّوْجِ فِي دَعْوَى مَا يُوجِبُ الْأَدَبَ كَمَا فِي (ح) ، وَأَمَّا الْوَلَدُ الْكَبِيرُ فَلَا يُؤَدِّبُهُ الْأَبُ بَلْ يُؤَدِّبُهُ الْحَاكِمُ بِالثُّبُوتِ، وَإِلَّا أَبٌ الْأَبِ أَوْ الْمُتَوَلِّي لِلْأَبِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَعَلَى عَبْدٍ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا] : أَيْ وَأَمَّا الدَّابَّةُ فَحَدُّ إجَارَتِهَا سَنَةٌ إلَّا لِسَفَرٍ فَالشَّهْرُ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ، وَنَقَلَهُ (بْن) وَهَذَا فِي إجَارَتِهَا الَّتِي يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا، وَأَمَّا بِغَيْرِ نَقْدٍ فَيَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ سَنَةٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدَّابَّةِ وَالْعَبْدِ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا حَصَلَ لَهُ مَشَقَّةٌ يُخْبِرُ عَنْ حَالِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الدَّابَّةِ.
(وَ) كَجَوَازِ (بَيْعِ دَارٍ لِتُقْبَضَ) : أَيْ لِيَقْبِضَهَا مُشْتَرِيهَا (بَعْدَ عَامٍ) مِنْ يَوْمِ بَيْعِهَا فَيَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَتِهَا سَنَةً.
(وَ) بَيْعُ (أَرْضٍ) لِتُقْبَضَ (بَعْدَ عَشْرٍ) مِنْ الْأَعْوَامِ فَيَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَتِهَا عَشْرًا.
(وَ) بَيْعُ (حَيَوَانٍ) لِيُقْبَضَ (بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) وَنَحْوِهَا (لَا) بَعْدَ (عَشْرٍ) . لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا تَغَيُّرُهُ.
(وَكُرِهَ الْمُتَوَسِّطُ) كَاسْتِثْنَاءِ خَمْسَةِ أَيَّامٍ.
(وَ) كَجَوَازِ (كِرَاءِ دَابَّةٍ لِتُقْبَضَ) : أَيْ لِيَقْبِضَهَا الْمُكْتَرِي (بَعْدَ شَهْرٍ) مِنْ يَوْمِ الْكِرَاءِ فَيَجُوزُ (إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ) مُكْرِيهَا (النَّقْدَ) : أَيْ نَقْدَ الْأُجْرَةِ، فَإِنْ اشْتَرَطَهُ لَمْ يَجُزْ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ.
وَالنَّقْدُ بِلَا شَرْطٍ لَا يَضُرُّ.
(وَ) كَجَوَازِ (تَحْدِيدِ صَنْعَةٍ، كَخِيَاطَةٍ) أَوْ خَرْزٍ وَحَصْدِ زَرْعٍ وَدَرْسٍ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [كَذَا يُقَالُ فِي الْعَبْدِ] : حَاصِلُ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ كَلَامِ الْأُجْهُورِيِّ أَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ فِي الْأَمْنِ تُسَوِّغُ الْقُدُومَ عَلَى الْعَقْدِ وَعَلَى شَرْطِ النَّقْدِ وَاسْتِوَاءُ الْأَمْرَيْنِ يُسَوِّغُ الْقُدُومَ عَلَى الْعَقْدِ دُونَ النَّقْدِ، وَأَمَّا غَلَبَةُ ظَنِّ عَدَمِ الْأَمْنِ فَلَا تَجُوزُ عَقْدًا وَلَا نَقْدًا كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ قَوْلُهُ: [وَكَجَوَازِ بَيْعِ دَارٍ] : اعْتَرَضَ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ فَحَقُّهَا أَنْ تُذْكَرَ فِي الْبُيُوعِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمُسْتَثْنَاةَ إجَارَةٌ حُكْمًا فَإِذَا بَاعَ الدَّارَ بِمِائَةٍ مَثَلًا عَلَى، أَنْ تُقْبَضَ بَعْدَ عَامٍ فَقَدْ بَاعَهَا بِالْمِائَةِ وَالِانْتِفَاعُ بِتِلْكَ الدَّارِ تِلْكَ الْمُدَّةَ، فَكَانَ الْبَيْعُ بِمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ مِثْلًا دَفَعَ الْمُشْتَرِي بَدَلَ الْعَشَرَةِ مَنْفَعَةَ الدَّارِ فَيُتَأَمَّلْ، وَيُقَالُ فِي اسْتِثْنَاءِ الْأَرْضِ وَالْحَيَوَانِ مَا قِيلَ هُنَا.
قَوْلُهُ: [وَبَيْعُ حَيَوَانٍ لِيَقْبِضَ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ كَانَ الْحَيَوَانُ رَقِيقًا أَوْ غَيْرَهُ، وَاَلَّذِي فِي الْحَاشِيَةِ أَنَّ هَذَا مَخْصُوصٌ بِالدَّابَّةِ قِيلَ لَا فَرْقَ بَيْنَ دَابَّةِ الرُّكُوبِ وَالْعَمَلِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهُ فِي دَابَّةِ الرُّكُوبِ وَأَمَّا دَابَّةُ الْعَمَلِ فَيَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَتِهَا كَالرَّقِيقِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَأَقَلَّ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا تَغَيُّرُهُ] : أَيْ فَيَتَرَدَّدُ الثَّمَنُ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ الْمُتَوَسِّطُ] : أَيْ لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِهِ، وَبَقِيَ مِثْلُ الثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ وَالنُّحَاسِ.
وَمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَاسْتِثْنَاءُ مَنْفَعَتِهِ مُدَّةً دُونَ نِصْفِ شَهْرٍ لَا أَزْيَدَ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّلَمِ فِي مُعَيَّنٍ، وَلَا يُرَدُّ عَلَى هَذَا تَأْجِيرُ الدُّورِ وَالْأَرَاضِي الزَّمَنَ الطَّوِيلَ؛ لِأَنَّ السَّلَمَ لَا يَكُونُ فِيهَا لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَا تَقْبَلُهَا الذِّمَمُ بِحَالٍ.
قَوْلُهُ: [وَالنَّقْدُ بِلَا شَرْطٍ لَا يَضُرُّ] : أَيْ لِأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ لِلتَّرَدُّدِ لَا تَكُونُ إلَّا فِي شَرْطِ النَّقْدِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرِّبَوِيَّاتِ.
وَنَحْوِ ذَلِكَ (بِعَمَلٍ) نَحْوَ: خِطْ هَذَا الثَّوْبَ، أَوْ: اُحْصُدْ هَذَا الْفَدَّانَ، أَوْ: احْفِرْ لِي بِئْرًا بِكَذَا (أَوْ: زَمَنٍ) كَخُطَّ عِنْدِي يَوْمًا أَوْ شَهْرًا، أَوْ: ابْنِ لِي بَيْتًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ، كُلَّ يَوْمٍ أَوْ كُلَّ جُمُعَةٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ جَمِيعَ الشَّهْرِ أَوْ السَّنَةِ بِكَذَا.
(وَفَسَدَتْ) الْإِجَارَةُ (إنْ جَمَعَهُمَا) : أَيْ الْعَمَلُ وَالزَّمَنُ (وَتَسَاوَيَا) : بِأَنْ كَانَتْ الْعَادَةُ أَنَّ الزَّمَنَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْفِعْلِ وَلَا يَنْقُصُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: اتِّفَاقًا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ الزَّمَنُ يَنْقُصُ عَنْ الْعَمَلِ فَالْفَسَادُ بِالْأَوْلَى وَأَمَّا لَوْ كَانَ الزَّمَنُ أَكْثَرَ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَجُوزُ اتِّفَاقًا، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: بَلْ تَفْسُدُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِاحْتِمَالٍ طَارِئٍ عَلَى الْأَجِيرِ يَمْنَعُهُ مِنْ الْعَمَلِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ: " وَهَلْ تَفْسُدُ إنْ جَمَعَهُمَا وَتَسَاوَيَا أَوْ مُطْلَقًا؟ خِلَافٌ ". وَعَلَى الْفَسَادِ فَاللَّازِمُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ زَادَتْ عَلَى الْمُسَمَّى أَوْ قَلَّتْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَ) كَجَوَازِ (إيجَارِ مُرْضِعٍ) لِتُرْضِعَ طِفْلًا وَإِنْ كَانَ فِيهِ اسْتِيفَاءُ عَيْنٍ قَصْدًا لِلضَّرُورَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ آدَمِيَّةً أَمْ لَا، كَانَتْ الْأُجْرَةُ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ.
(وَغَسْلُ خِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا) : أَيْ الْخِرْقَةُ كَبَدَنِهِ (عَلَى أَبِيهِ) لَا عَلَيْهَا (إلَّا لِعُرْفٍ) أَوْ شَرْطٍ فَيُعْمَلُ بِهِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بِكَذَا] : تَنَازَعَهُ كُلٌّ مِنْ خِطْ وَاحْصُدْ وَاحْفِرْ فَأَعْمَلَ الْأَخِيرَ وَأَضْمَرَ فِي الْأَوَّلَيْنِ وَحَذَفَ لِأَنَّهُ فَضْلَةٌ.
[حُكْم الْإِجَارَةُ إنْ جَمَعَ الْعَمَلُ وَالزَّمَنُ]
قَوْلُهُ: [وَتَسَاوَيَا] : الْوَاوُ لِلْحَالِ.
قَوْلُهُ: [فَالْفَسَادُ بِالْأَوْلَى] : أَيْ عَلَى كُلٍّ مِنْ الطَّرِيقَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: [لِاحْتِمَالٍ طَارِئٍ] : أَيْ فَيَدْخُلُهُ الْغَرَرُ.
قَوْلُهُ: [وَعَلَى الْفَسَادِ] : أَيْ حَيْثُ قُلْنَا بِهِ اتِّفَاقًا أَوْ عَلَى الْمَشْهُورِ.
[إيجَارِ مُرْضِعٍ]
[تَنْبِيهٌ أَجَّرَ ظِئْرَيْنِ فَمَاتَتْ وَاحِدَةٌ]
قَوْلُهُ: [وَسَوَاءٌ كَانَتْ آدَمِيَّةً أَمْ لَا] : فَلَوْ كَانَ الرَّضِيعُ مُحَرَّمَ الْأَكْلِ كَجَحْشٍ جَازَ أَنْ تُكْرَى لَهُ أَتَانٌ لِتُرْضِعَهُ.
قَوْلُهُ: [كَانَتْ الْأُجْرَةُ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ] : أَيْ وَلَوْ شَرَطَتْ عَلَيْهِمْ طَعَامَهَا وَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ بَيْعِ طَعَامٍ بِطَعَامٍ لِلضَّرُورَةِ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْأَطْعِمَةِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِاقْتِيَاتِهَا.
(وَلِزَوْجِهَا) : أَيْ الْمُرْضِعِ (فَسْخُهُ إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا) فِيهِ، فَإِنْ أَذِنَ فَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ.
(كَأَهْلِ الطِّفْلِ) : لَهُمْ فَسْخُ الْعَقْدِ (إنْ حَمَلَتْ) الْمُرْضِعُ مِنْ زَوْجِهَا أَوْ غَيْرِهِ زَمَنَ الرَّضَاعِ (وَلَهَا) هِيَ الْفَسْخُ (إنْ مَاتَ أَبُوهُ) : أَيْ الطِّفْلِ (وَلَمْ تَقْبِضْ الْأُجْرَةَ) مِنْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ (وَلَمْ يَتْرُكْ) لَهُ (مَالًا) وَلَا مَالَ لِلْوَلَدِ تَأْخُذُ أُجْرَتَهَا مِنْهُ (وَلَمْ يَتَطَوَّعْ بِهَا) : أَيْ بِالْأُجْرَةِ (أَحَدٌ) مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ، وَإِلَّا فَلَا فَسْخَ لَهَا.
(وَمُنِعَ) الزَّوْجُ (إنْ أَذِنَ) لَهَا فِي الْإِرْضَاعِ (مِنْ وَطْءٍ) لَهَا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَسْخُهُ إنْ لَمْ يَأْذَنْ] إلَخْ: فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ عِلْمِهِ فَلَا كَلَامَ لَهُ، فَإِنْ أَجَّرَتْ نَفْسَهَا وَهِيَ فِي عِصْمَتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ فَأُجْرَةُ مَا مَضَى تَكُونُ لَهَا وَلَهُ الْفَسْخُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
قَوْلُهُ: [إنْ حَمَلَتْ الْمُرْضِعُ] إلَخْ: إنَّمَا كَانَ لَهُمْ الْفَسْخُ لِأَنَّ الْحَمْلَ مَظِنَّةُ تَضَرُّرِ الْوَلَدِ بِلَبَنِهَا.
قَالَ الْخَرَشِيُّ وَلَهَا بِحِسَابِ مَا أَرْضَعَتْ فَلَوْ كَانَتْ أَكَلَتْ الْأُجْرَةَ لَمْ تُحْسَبْ عَلَيْهَا لِأَنَّهُمْ تَطَوَّعُوا بِدَفْعِهَا لَهَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَنَظَرَ فِيهِ (بْن) .
قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ مَالًا] : مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ تَرَكَ مَالًا لَمْ يَكُنْ لَهَا الْفَسْخُ وَتَقْبِضُ أُجْرَتَهَا مِنْ نَصِيبِ الْوَلَدِ فِي تَرِكَةِ أَبِيهِ مَفْهُومُ قَوْلِهِ وَلَمْ تَقْبِضْ أَنَّهَا إذَا قَبَضَتْ لَا تَنْفَسِخُ، وَلَوْ كَانَ الْأَبُ عَدِيمًا وَيَتْبَعُ الْوَرَثَةُ الْوَلَدَ بِمَا زَادَ عَلَى يَوْمِ مَوْتِ الْأَبِ مِنْ الْأُجْرَةِ الَّتِي عَجَّلَهَا لِأَنَّ الزَّائِدَ يَكُونُ مِيرَاثًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْوَلَدِ فَيَرْجِعُونَ بِهِ عَلَى مَالِ الرَّضِيعِ لَا عَلَى الظِّئْرِ، فَلَيْسَ إعْطَاءُ الْأَبِ أُجْرَةَ رَضَاعَةٍ هِبَةً مِنْهُ لَهُ، وَإِنَّمَا إرْضَاعُهُ عَلَيْهِ فَرْضٌ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ، وَمَحَلُّ رُجُوعِ الْوَرَثَةِ عَلَى الْوَلَدِ بِمَا زَادَ عَلَى يَوْمِ الْمَوْتِ مَا لَمْ يُعَجِّلْ الْأَبُ الْأُجْرَةَ خَوْفًا مِنْ مَوْتِهِ الْآنَ، وَإِلَّا كَانَتْ هِبَةً لَيْسَ لِلْوَرَثَةِ مِنْهَا شَيْءٌ كَمَا نَقَلَهُ الْأُجْهُورِيُّ عَنْ (ح) .
قَوْلُهُ: [وَمُنِعَ الزَّوْجُ] إلَخْ: فَلَوْ تَزَوَّجَهَا وَوَجَدَهَا مُرْضِعًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَيْبٌ يُوجِبُ لَهُ الْخِيَارَ، وَبَحَثَ فِيهِ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ فِي عُيُوبِ الْفَرْجِ.
قَالَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ: الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عُيُوبِ الْفَرْجِ إلَّا أَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِعَدَمِ الْوَطْءِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ مُدَّةِ الرَّضَاعِ يَسِيرٌ فَلَا خِيَارَ لِلزَّوْجِ نَظِيرَ مَنْ اشْتَرَى دَارًا فَوَجَدَهَا مُكْتَرَاةً فَيُخَيَّرُ مَا لَمْ يَكُنْ الْبَاقِي مِنْ مُدَّةِ الْكِرَاءِ يَسِيرًا.
يَضُرُّ بِالطِّفْلِ وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ضَرَرٌ بِالْفِعْلِ.
(وَ) مِنْ (سَفَرٍ بِهَا) : أَيْ بِزَوْجَتِهِ الْمُرْضِعِ فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فَلَهُ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ.
(وَكُرِهَ حُلِيٌّ) : أَيْ إجَارَتُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ، وَالْأَوْلَى إعَارَتُهُ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَعْرُوفِ.
(وَ) كُرِهَ (إيجَارُ مُسْتَأْجِرِ دَابَّةٍ) لِيَرْكَبَهَا (لِمِثْلِهِ) فِي الْأَمَانَةِ أَوْ الْخِفَّةِ أَوْ الثِّقَلِ (وَلَوْ) كَانَ الْمِثْلُ (فَظًّا) : أَيْ غَلِيظًا مِثْلَ الْأَوَّلِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ إنْ تَلِفَتْ الدَّابَّةُ أَوْ مَاتَتْ بِلَا تَفْرِيطٍ؛ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ الْفَظُّ فَلَا ضَمَانَ بِالْأَوْلَى.
وَإِنْ كَانَ الثَّانِي هُوَ الْفَظُّ ضَمِنَ.
وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ حَالَ رَبِّهَا، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَرْضَى جَازَ وَإِنْ عَلِمَ عَدَمَ الرِّضَا لَمْ يَجُزْ؟
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ضَرَرٌ بِالْفِعْلِ] : رَدَّ بِلَوْ عَلَى أَصْبَغَ وَمِثْلُ الزَّوْجِ السَّيِّدُ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ فَلَوْ تَعَدَّى الزَّوْجُ أَوْ السَّيِّدُ وَوَطِئَهَا وَلَمْ تَحْمِلْ فَقِيلَ لِأَهْلِ الطِّفْلِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ وَقِيلَ لَا.
قَوْلُهُ: [وَمِنْ سَفَرٍ بِهَا] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ أَرَادَ أَهْلُ الطِّفْلِ السَّفَرَ فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ أَخْذِ الْوَلَدِ إلَّا إذَا دَفَعُوا لِلظِّئْرِ جَمِيعَ أُجْرَتِهَا حَيْثُ كَانَتْ وَجِيبَةً.
تَنْبِيهٌ:
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ وَاجَرَ ظِئْرَيْنِ فَمَاتَتْ وَاحِدَةٌ فَلِلْبَاقِيَةِ أَنْ تُرْضِعَ وَحْدَهَا، وَمَنْ وَاجَرَ وَاحِدَةً، ثُمَّ وَاجَرَ أُخْرَى فَمَاتَتْ الثَّانِيَةُ فَالرَّضَاعُ لِلْأُولَى لَازِمٌ كَمَا كَانَتْ، وَإِنْ مَاتَتْ الْأُولَى فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمَنْ تُرْضِعُ مَعَ الثَّانِيَةِ (اهـ) .
[أحوال تكره فِيهَا الْإِجَارَة]
قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ حُلِيٌّ] بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ مُفْرَدًا وَبِضَمِّ الْحَاءِ، وَكَسْرِ اللَّامِ جَمْعًا.
قَوْلُهُ: [أَيْ إجَارَتُهُ] : أَيْ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْحُلِيُّ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أُوجِرَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا كَعَرْضٍ أَوْ طَعَامٍ وَظَاهِرُهُ كَانَ مُحَرَّمَ الِاسْتِعْمَالِ أَمْ لَا، وَإِنَّمَا لَمْ تَحْرُمْ إذَا كَانَ مُحَرَّمًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مُحَقَّقَ الِاسْتِعْمَالِ، وَقِيلَ تَحْرُمُ إنْ كَانَ مُحَرَّمًا فَهُمَا طَرِيقَتَانِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَرْضَى جَازَ] : أَيْ كَمَا إذَا أَكْرَاهَا بِحَضْرَتِهِ وَهُوَ سَاكِتٌ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَمِثْلُهُ فِي الْجَوَازِ أَنْ تَبْدُوَ لَهُ الْإِقَامَةُ وَعَدَمُ الرُّكُوبِ لِلْمَحَلِّ الَّذِي أَكْرَاهَا إلَيْهِ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُضْطَرٍّ لِلْإِقَامَةِ، وَمِثْلُ الدَّابَّةِ الثَّوْبُ فَيُكْرَهُ لِمَنْ اسْتَأْجَرَ ثَوْبًا لِلُبْسِهِ أَنْ يُكْرِيَهُ لِمِثْلِهِ، وَيُقَالُ فِيهِ مَا قِيلَ فِي الدَّابَّةِ إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ فِي الضَّمَانِ فَإِنَّ الدَّابَّةَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا إنْ ضَاعَتْ بِلَا تَفْرِيطِهِ أَوْ مَاتَتْ، وَأَمَّا الثَّوْبُ فَيَضْمَنُهُ إلَّا لِبَيِّنَةٍ عَلَى تَلَفِهِ
(وَ) كُرِهَ (أُجْرَةٌ عَلَى تَعْلِيمِ فِقْهٍ وَفَرَائِضَ) كَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ (كَبَيْعِ كُتُبِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ فِقْهٍ وَفَرَائِضَ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ، وَأَمَّا عِلْمُ الْفَرَائِضِ بِالرَّسْمِ فَلَا يُكْرَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَنْعَةٌ مِنْ الصَّنَائِعِ.
لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ بَيْعُ الْكُتُبِ الْآنَ لِأَنَّ حِفْظَ النَّاسِ لَهُ وَأَفْهَامَهُمْ نَقَصَتْ كَثِيرًا حَتَّى أَنَّ صَاحِبَ الْكِتَابِ قَدْ يَنْسَى مَا كَتَبَهُ فَيُرَاجِعُ كِتَابَهُ.
وَفِي بَيْعِ الْكُتُبِ انْتِشَارُ الْعِلْمِ وَسَبَبٌ لِحِفْظِهِ وَصَوْنِهِ فَتَأَمَّلْ.
(وَ) كُرِهَ أُجْرَةٌ (عَلَى قِرَاءَةٍ) لِقُرْآنٍ (بِلَحْنٍ) : أَيْ تَطْرِيبٍ وَأَنْغَامٍ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَكْرُوهَةٌ إذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّهِ وَإِلَّا حُرِّمَتْ كَالْقِرَاءَةِ بِالشَّاذِّ.
[حاشية الصاوي]
بِلَا تَفْرِيطٍ مِنْ الثَّانِي لِأَنَّ ضَمَانَ التُّهْمَةِ يَزُولُ بِالْبَيِّنَةِ.
[فَوَائِد إجَارَة التَّعْلِيم]
قَوْلُهُ: [كَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ] : مُقَابِلُهُ الْجَوَازُ لِابْنِ يُونُسَ وَإِنَّمَا كُرِهَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ مَخَافَةَ أَنْ يَقِلَّ طُلَّابُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَلَيْهِ خِلَافٌ مَا عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ.
بِخِلَافِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى تَعَلُّمِهِ لِرَغْبَةِ النَّاسِ فِيهِ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ وَلِأَخْذِ السَّلَفِ الْأُجْرَةَ عَلَى تَعَلُّمِهِ وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى» .
قَوْلُهُ: [كَبَيْعِ كُتُبِهِ] : أَيْ وَكَذَا إجَارَتُهَا.
قَوْلُهُ: [بِالرَّسْمِ] : أَيْ بِالْغُبَارِ وَالشِّبَاكِ.
قَوْلُهُ: [لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ] : مُرَادُهُ بِهِ اللَّخْمِيُّ.
قَوْلُهُ: [فَتَأَمَّلْ] : إنَّمَا أَمَرَ بِالتَّأَمُّلِ لِتَضَارُبِ الْعِلَلِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَإِنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّ حِفْظَ النَّاسِ.
. . إلَخْ مِمَّا يُنَاسِبُ الْكَرَاهَةَ.
وَقَوْلُهُ وَفِي بَيْعِ الْكُتُبِ إلَخْ، مِمَّا يُنَاسِبُ الْجَوَازَ.
قَوْلُهُ: [أَيْ تَطْرِيبٍ] إلَخْ: إنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقِرَاءَةِ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَهُّمُ وَالتَّطْرِيبُ يُنَافِي ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِالتَّطْرِيبِ تَقْطِيعُ الصَّوْتِ بِالْأَنْغَامِ وَالْأَهْوِيَةِ، وَأَمَّا الْإِجَارَةُ عَلَى أَصْلِ التِّلَاوَةِ فَتَقَدَّمَ جَوَازُهُ وَكَذَا عَلَى تَعْلِيمِهِ مُشَاهَرَةً وَمُقَاطَعَةً عَلَى جَمِيعِهِ أَوْ عَلَى بَعْضِهِ وَوَجِيبَةً لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فَالْمُشَاهَرَةُ غَيْرُ لَازِمَةٍ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَمَّا الْوَجِيبَةُ وَالْمُقَاطَعَةُ فَلَازِمَتَانِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، قَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ أَنْ يُشَارِطَ الْمُعَلِّمُ عَلَى الْحَذْقَةِ ضَبْطًا أَوْ نَظَرًا وَلَوْ سَمَّيَا أَجَلًا، أَصْبَغُ إنْ تَمَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يَحْذِقْهُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، الْقَابِسِيُّ فَفَرَّقَ أَصْبَغُ بَيْنَ ضَرْبِ الْأَجَلِ لِلْمُعَلِّمِ وَالْخَيَّاطِ إذَا كَانَ الْفِعْلُ يُمْكِنُ الْفَرَاغُ مِنْهُ فِيهِ، ابْنُ عَرَفَةَ سَوَّى اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ بَيْنَهُمَا.
(وَ) كُرِهَ أُجْرَةٌ عَلَى (دُفٍّ) بِضَمِّ الدَّالِ: طَبْلٌ مُغَشًّى مِنْ جِهَةٍ كَالْغِرْبَالِ يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ بِالطَّارِ (وَمِعْزَفٍ) وَاحِدُ الْمَعَازِفِ: وَهُوَ آلَةُ اللَّهْوِ فَيَشْمَلُ الْمِزْمَارَ (لِعُرْسٍ) : أَيْ نِكَاحٍ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِهَا فِيهِ جَوَازُ الْأُجْرَةِ.
وَالرَّاجِحُ أَنَّ الدُّفَّ وَالْكَبَرَ وَالْمِزْمَارَ جَائِزَةٌ فِي الْعُرْسِ وَتُكْرَهُ الْأُجْرَةُ عَلَيْهَا، وَأَنَّ مَا عَدَاهَا حَرَامٌ فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهِ فَتَحْرُمُ الْأُجْرَةُ عَلَيْهَا.
(وَ) كُرِهَ (إيجَارُ مُسْلِمٍ) عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ (لِكَافِرٍ فِيمَا يَحِلُّ) كَخِيَاطَةٍ
[حاشية الصاوي]
فَوَائِدُ الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» ، يَشْمَلُ الْوَالِدَ بِتَعْلِيمِهِ وَلَدَهُ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ، وَقَدْ أَجَابَ سَحْنُونَ أَبَا وَلَدٍ كَانَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ عِنْدَهُ إذَا تَوَلَّيْت الْعَمَلَ بِنَفْسِك وَلَمْ تَشْغَلْ وَلَدَك عَمَّا هُوَ فِيهِ فَأَجْرُك فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ الْحَجِّ وَالرِّبَاطِ وَالْجِهَادِ.
الثَّانِيَةُ: ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْقَابِسِيِّ أَنَّ عَلَى الْمُعَلِّمِ زَجْرَ الْوَلَدِ فِي تَكَاسُلِهِ بِالْوَعِيدِ وَالتَّقْرِيعِ لَا بِالشَّتْمِ نَحْوَ يَا قِرْدُ، فَإِنْ لَمْ يُفِدْ فَالضَّرْبُ بِالسَّوْطِ مِنْ وَاحِدٍ إلَى ثَلَاثَةٍ ضَرْبَ إيلَامٍ دُونَ تَأْثِيرٍ فِي الْعُضْوِ، فَإِنْ لَمْ يُفِدْ زَادَ إلَى الْعَشَرَةِ فَإِنْ لَمْ يُفِدْ فَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا.
الثَّالِثَةُ: الْقَابِسِيُّ أَمَّا تَعْلِيمُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ مَبْلَغَ الْأَدَبِ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا يَعْبَثُ فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ.
الرَّابِعَةُ: سُئِلَ أَنَسٌ كَيْفَ كَانَ الْمُؤَدِّبُونَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -؟ قَالَ كَانَ لِلْمُؤَدِّبِ إنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ طَاهِرٌ يَمْحُو بِهِ الصِّبْيَانُ أَلْوَاحَهُمْ ثُمَّ يَصُبُّونَ ذَلِكَ الْمَاءَ فِي حُفْرَةٍ مِنْ الْأَرْضِ فَتَنْشَفُ (اهـ) ، قَالَ الْقَابِسِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُصَبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ فِي الْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ عَنْ النَّجَاسَةِ وَكَانَ مُعَلِّمُنَا يَأْمُرُنَا بِصَبِّهِ فِي حُفْرَةٍ بَيْنَ الْقُبُورِ (اهـ) مُلَخَّصًا مِنْ (بْن) .
قَوْلُهُ: [وَالرَّاجِحُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الدُّفَّ وَالْكَبَرَ فِي النِّكَاحِ فِيهِ قَوْلَانِ الْجَوَازُ وَالْكَرَاهَةُ، وَفِي الْمَعَازِفِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ بِزِيَادَةِ الْحُرْمَةِ وَهُوَ أَرْجَحُهَا، وَأَمَّا فِي غَيْرِ النِّكَاحِ فَالْحُرْمَةُ فِي الْجَمِيعِ قَوْلًا وَاحِدًا وَلَوْ كَانَ فِي عَقِيقَةٍ أَوْ خِتَانٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ قُدُومٍ مِنْ سَفَرٍ.
قَوْلُهُ: [كُرِهَ إيجَارُ مُسْلِمٍ] : حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُكْرِيَ نَفْسَهُ أَوْ وَلَدَهُ أَوْ عَبْدَهُ لِكَافِرٍ حَيْثُ كَانَ يَسْتَبِدُّ بِعَمَلِهِ وَلَمْ يَكُنْ تَحْتَ يَدِهِ وَلَمْ يَكْتَرِهِ فِي فِعْلٍ مُحَرَّمٍ،
وَبِنَاءٍ وَيَحْرُمُ فِيمَا لَا يَحِلُّ كَعَصْرِ خَمْرٍ وَرِعَايَةِ خِنْزِيرٍ (بِلَا إهَانَةٍ) لِلْمُسْلِمِ وَإِلَّا حَرُمَ كَكَوْنِهِ خَادِمَ بَيْتٍ يُقَدِّمُ لَهُ الطَّعَامَ وَيَغْسِلُ يَدَيْهِ مِنْهُ وَيَجْرِي خَلْفَهُ، وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ الْمُسْلِمُ مَاكِثًا فِي حَانُوتِهِ كَخَيَّاطٍ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يَصْنَعُهُ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ.
(وَعُيِّنَ) وُجُوبًا فِي الْإِجَارَةِ (مُتَعَلِّمٌ) لِقِرَاءَةٍ أَوْ صَنْعَةٍ لِاخْتِلَافِ حَالِهِ بِالذَّكَاءِ وَالْبَلَادَةِ
(وَ) عُيِّنَ (رَضِيعٌ) لِاخْتِلَافِ حَالِهِ بِكَثْرَةِ الرَّضَاعِ وَقِلَّتِهِ (وَدَارٌ) لِلسُّكْنَى بِهَا مَثَلًا (وَحَانُوتٌ وَ) عُيِّنَ (بِنَاءٌ عَلَى جِدَارٍ) اُسْتُؤْجِرَ لِلْبِنَاءِ عَلَيْهِ، بِأَنْ يَذْكُرَ طُولَ مَا يُبْنَى عَلَيْهِ وَعَرْضَهُ وَكَوْنَهُ مِنْ حَجَرٍ أَوْ لَبِنٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
بِخِلَافِ كِرَاءِ الْأَرْضِ لِلْبِنَاءِ عَلَيْهَا فَلَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ وَصْفِ مَا يُبْنَى عَلَيْهَا.
(وَ) عُيِّنَ (مَحْمِلٌ) لِلرُّكُوبِ فِيهِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ: مَا يُرْكَبُ فِيهِ مِنْ شُقْدُفٍ وَمِحَفَّةٍ وَجِعْفَةٍ، لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ السَّعَةِ وَالضِّيقِ وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ وَالْمَتَانَةِ وَغَيْرِهَا.
وَأَمَّا مِحْمَلٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ: فَعِلَاقَةُ السَّيْفِ.
(وَ) عُيِّنَ (مَسْكَنٌ) مِنْ دَارٍ أَوْ غَيْرِهَا لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِ (إنْ لَمْ تُوصَفْ)
[حاشية الصاوي]
فَإِنْ لَمْ يَسْتَبِدَّ الْكَافِرُ بِعَمَلِ الْمُسْلِمِ كَخَيَّاطٍ يَرِدُ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ فَيَجُوز، وَإِنْ كَانَ تَحْتَ يَدِهِ كَأَجِيرِ خِدْمَةِ بَيْتِهِ وَمُرْضِعَةِ وَلَدِهِ حَرُمَ وَفُسِخَ وَلَهُ أَجْرُ مَا عَمِلَ، وَكَذَا إنْ اسْتَأْجَرَهُ فِي مُحَرَّمٍ كَعَصْرِ خَمْرٍ وَرَعْيِ خِنْزِيرٍ، وَلَكِنْ يَتَصَدَّقُ بِالْأُجْرَةِ عَلَيْهِ أَدَبًا لَهُ (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) .
[أحوال تعين الْمُؤَجَّر عَلَيْهِ]
قَوْلُهُ: [وَعُيِّنَ وُجُوبًا فِي الْإِجَارَةِ مُتَعَلِّمٌ] : أَيْ فَإِنْ لَمْ يُعَيَّنْ فَسَدَتْ.
قَوْلُهُ: [وَدَارٌ لِلسُّكْنَى بِهَا] : أَيْ إذْ لَا يَصِحُّ الْعَقَارُ أَنْ يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ بِالْإِشَارَةِ إلَى الدَّارِ أَوْ بِأَلْ الْعَهْدِيَّةِ مِنْ ذِكْرِ مَوْضِعِهَا وَحُدُودِهَا، وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَلِفُ بِهِ الْأُجْرَةُ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ وَصْفِ مَا يُبْنَى عَلَيْهَا] : لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ بَلْ يَكْفِي عِلْمُ الْمِسَاحَةِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ السَّعَةِ] : عِلَّةٌ لِلُزُومِ التَّعْيِينِ.
الْمَذْكُورَاتُ وَصْفًا شَافِيًا.
فَالْوَاجِبُ، إمَّا التَّعْيِينُ أَوْ الْوَصْفُ الشَّافِي الْمُفِيدُ لِلْمُرَادِ وَإِلَّا كَانَتْ إجَارَةً فَاسِدَةً.
(وَ) عُيِّنَتْ (دَابَّةٌ) لِرُكُوبٍ أَوْ حَمْلٍ وَلَا يَكْفِي الْوَصْفُ فِيهَا (إلَّا) الدَّابَّةَ (الْمَضْمُونَةَ) فِي الذِّمَّةِ لِيُتَوَصَّلَ بِهَا إلَى مَحَلٍّ كَمَكَّةَ وَذَلِكَ بِأَنْ لَمْ تُقْصَدْ عَيْنُهَا: (فَنَوْعٌ) أَيْ: فَالْوَاجِبُ تَعْيِينُ نَوْعِهَا كَإِبِلٍ أَوْ بِغَالٍ (وَصِنْفٌ) كَعِرَابٍ أَوْ بُخْتٍ (وَذُكُورَةٌ وَأُنُوثَةٌ) . فَالْحَاصِلُ أَنَّ الدَّابَّةَ أَوْ غَيْرَهَا لِرُكُوبٍ أَوْ غَيْرِهِ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا مِنْ التَّعْيِينِ بِالذَّاتِ أَوْ الْوَصْفِ.
لَكِنْ إنْ عُيِّنَتْ بِالْإِشَارَةِ كَدَابَّتِكَ هَذِهِ، أَوْ: الَّتِي كَانَتْ مَعَك بِالْأَمْسِ، انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِهَا، وَإِلَّا فَلَا، وَعَلَى رَبِّهَا بَدَلُهَا.
وَلَوْ قَالَ: دَابَّتُك الْبَيْضَاءُ - وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا - فَغَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ بِالْإِشَارَةِ مَضْمُونَةٌ عَلَى رَبِّهَا بَدَلُهَا إنْ تَلِفَتْ، وَإِلَّا انْفَسَخَتْ بِتَلَفِهَا.
وَعِبَارَتُهُ لَا تُفِيدُ ذَلِكَ فَكَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ: وَهِيَ مَضْمُونَةٌ إلَّا إذَا عُيِّنَتْ بِالْإِشَارَةِ فَتَأَمَّلْ.
(وَلِرَاعٍ) اُسْتُؤْجِرَ عَلَى رَعْيِ غَنَمٍ أَوْ غَيْرِهَا عُيِّنَتْ لَهُ، كَهَذِهِ، أَمْ لَا؛ كَعَشَرَةٍ مِنْ الْغَنَمِ (رَعْيُ أُخْرَى) مَعَهَا (إنْ قَوِيَ) عَلَى رَعْيِ الْأُخْرَى (وَلَوْ بِمُشَارِكٍ) بِعَيْنِهِ عَلَى رَعْيِ الْأُخْرَى (إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ) رَبُّ الْأُولَى (عَدَمَهُ) : أَيْ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَالْوَاجِبُ إمَّا التَّعْيِينُ أَوْ الْوَصْفُ] : لَكِنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْجِدَارِ لَا يُمْكِنُ فِيهِ إلَّا الْوَصْفُ.
قَوْلُهُ: [وَعَلَى رَبِّهَا بَدَلُهَا] : رَاجِعٌ لِمَا بَعْدُ وَإِلَّا.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ قَالَ دَابَّتُك الْبَيْضَاءُ] إلَخْ: مُبَالَغَةً فِيمَا بَعْدُ وَإِلَّا قَالَ فِي الْأَصْلِ وَلَوْ قَالَ دَابَّتُك الْبَيْضَاءُ أَوْ الْحَمْرَاءُ وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا لِاحْتِمَالِ إبْدَالِهَا مَا لَمْ يَقُلْ هَذِهِ أَوْ الَّتِي رَأَيْتهَا مَعَك بِالْأَمْسِ بِعَيْنِهَا (اهـ) .
قَوْلُهُ: [وَعِبَارَتُهُ لَا تُفِيدُ ذَلِكَ] : الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْمَتْنِ وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ بِعَيْنِهِ يَرُدُّ عَلَى خَلِيلٍ.
وَقَوْلُهُ: [فَكَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ] : وَهِيَ مَضْمُونَةٌ إلَخْ.
أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ وَذُكُورَةً وَأُنُوثَةً وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا حَاجَةَ لِهَذَا الْبَحْثِ لِأَنَّ تَفْصِيلَ الْمَضْمُونَةِ وَالْمُعَيَّنَةِ سَيَأْتِي مُوَضَّحًا.
[أحوال مِنْ الْإِجَارَة يَعْمَل فِيهَا بالعرف]
قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرِهَا] : أَيْ كَإِبِلٍ وَبَقَرٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِمُشَارِكٍ] : مُبَالَغَةً فِي الْقُوَّةِ، أَيْ هَذَا إذَا كَانَتْ قُوَّتُهُ عَلَى رَعْيِ
عَدَمُ رَعْيِ أُخْرَى مَعَ غَنَمِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَرْعَى مَعَهَا أُخْرَى لَمْ يَجُزْ لَهُ فَإِنْ خَالَفَ وَرَعَى مَعَهَا غَيْرَهَا (فَأَجْرُهُ) الَّذِي أَخَذَهُ فِي نَظِيرِ الْأُخْرَى (لِمُسْتَأْجِرِهِ) وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَسْهَلُ مِنْ عِبَارَتِهِ.
(كَأَجِيرٍ لِخِدْمَةٍ أَجَّرَ نَفْسَهُ) فِي خِدْمَةِ أُخْرَى أَوْ فِي عَمَلِ شَيْءٍ حَتَّى فَوَّتَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ مَا اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ أَوْ بَعْضَهُ، فَأُجْرَتُهُ تَكُونُ لِمُسْتَأْجِرِهِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ شَاءَ أَسْقَطَ عَنْ نَفْسِهِ أُجْرَةَ مَا فَوَّتَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُفَوِّتْ عَلَيْهِ شَيْئًا بِأَنْ وَفَّى بِجَمِيعِ مَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَيْهِ فَلَا كَلَامَ لِمُسْتَأْجِرِهِ وَمَفْهُومُ: " أَجَّرَ نَفْسَهُ " أَنَّهُ لَوْ عَمِلَ عَمَلًا مَجَّانًا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ أَجْرِهِ بِقَدْرِ مَا فَوَّتَهُ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) : أَيْ الرَّاعِيَ (رَعْيُ الْوَلَدِ) الَّذِي وَلَدَتْهُ بَعْدَ الْإِجَارَةِ، فَعَلَى رَبِّهَا أَنْ يَأْتِيَ لَهُ بِرَاعٍ آخَرَ لِرَعْيِهَا أَوْ يَجْعَلُ لِلْأَوَّلِ أُجْرَةً
[حاشية الصاوي]
الْأُخْرَى مَعَهَا بِنَفْسِهِ، بَلْ وَلَوْ بِمُشَارِكٍ يَأْتِي بِهِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ شَاءَ أَسْقَطَ عَنْ نَفْسِهِ] : إلَخْ، رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُخَيَّرُ الْمُسْتَأْجِرُ إمَّا أَنْ يُنْقِصَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ الَّتِي سَمَّاهَا لَهُ أَوْ يُعْطِيَهَا لَهُ وَيَأْخُذَ مِنْهُ جَمِيعَ الْأَجْرِ.
وَطَرِيقُ مَعْرِفَةِ التَّنْقِيصِ أَنْ يُقَالَ مَا أَجَّرْته عَلَى رَعْيِهَا وَحْدَهَا فَإِذَا قِيلَ عَشَرَةً مَثَلًا قِيلَ: وَمَا أُجْرَتُهُ إذَا كَانَ يَرْعَاهَا مَعَ غَيْرِهَا فَإِذَا قِيلَ ثَمَانِيَةٌ فَقَدْ نَقَصَ الْخُمُسَ فَيُخَيَّرُ حِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يُنْقِصَهُ خُمُسَ الْمُسَمَّى أَوْ يَدْفَعَهُ لَهُ بِتَمَامِهِ وَيَأْخُذَ مِنْهُ الْأُجْرَةَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَيَجْرِي مِثْلُ هَذَا فِي أَجِيرِ الْخِدْمَةِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يُفَوِّتْ عَلَيْهِ شَيْئًا] : مَخْصُوصٌ بِأَجِيرِ الْخِدْمَةِ وَأَمَّا أَجِيرُ الْغَنَمِ مَتَى خَالَفَ الشَّرْطَ كَانَ أَجْرُهُ لِمُسْتَأْجِرِهِ وَلَوْ قَوِيَ عَلَى الْجَمِيعِ وَلَمْ يُفَوِّتْ شَيْئًا كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [بِقَدْرِ مَا فَوَّتَهُ] : أَيْ فَإِنْ لَمْ يُفَوِّتْ شَيْئًا فَلَا يَسْقُطُ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: [رَعَى الْوَلَدَ] : الْفَرْقُ بَيْنَ وَلَدِ الْغَنَمِ فَلَا يَلْزَمُهُ رَعْيُهُ وَوَلَدُ الْمَرْأَةِ الَّذِي وَضَعَتْهُ فِي السَّفَرِ يَلْزَمُ الْجَمَّالَ حَمْلُهُ أَنَّ الْحَاصِلَ مِنْ أَوْلَادِ الْغَنَمِ طُرُوُّ مَشَقَّةِ الرَّعْيِ وَحِينَ الْعَقْدِ لَمْ تَكُنْ، وَأَمَّا الضَّرَرُ الْحَاصِلُ لِلْجَمَّالِ مَشَقَّةُ حَمْلِ الْوَلَد وَهُوَ كَانَ مَحْمُولًا قَبْلَ الْوَضْعِ فَاسْتُصْحِبَ.
قَوْلُهُ: [فَعَلَى رَبِّهَا أَنْ يَأْتِيَ لَهُ بِرَاعٍ آخَرَ] : أَيْ وَيَلْزَمُ الرَّاعِيَ الَّذِي يَأْتِي بِهِ أَنْ يَرْعَاهَا مَعَ الْأُمَّهَاتِ لِئَلَّا يَتْعَبَ رَاعِي الْأُمَّهَاتِ إذَا فَارَقَتْ أَوْلَادَهَا لَا لِمَنْعِ التَّفْرِقَةِ لِأَنَّهَا خَاصَّةٌ بِمَنْ يَعْقِلُ عَلَى مَا مَرَّ كَذَا لِلْخَرَشِيِّ.
فِي نَظِيرِ رَعْيِهَا (إلَّا لِعُرْفٍ) أَوْ شَرْطٍ فَيُعْمَلُ بِهِ.
(وَعُمِلَ بِهِ) ؛ أَيْ بِالْعُرْفِ (فِي الْخَيْطِ) فِي كَوْنِهِ عَلَى الْخَيَّاطِ أَوْ عَلَى رَبِّ الثَّوْبِ.
(وَ) فِي (نَقْشِ الرَّحَى) الْمُسْتَأْجَرَةِ لِلطَّحْنِ عَلَيْهَا، فِي كَوْنِهَا عَلَى الْمَالِكِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ.
(وَ) عُمِلَ بِهِ (فِي آلَةِ بِنَاءٍ) فِي كَوْنِهَا عَلَى الْبَنَّاءِ أَوْ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ.
(وَإِلَّا) يَكُنْ عُرْفٌ (فَعَلَى رَبِّهِ) : أَيْ رَبِّ الشَّيْءِ الْمَصْنُوعِ، وَهُوَ الثَّوْبُ وَالدَّقِيقُ، لَا الرَّحَى - كَمَا قِيلَ وَالْجِدَارُ.
(وَ) عُمِلَ بِالْعُرْفِ أَيْضًا فِي (إكَافٍ) : بَرْذعَةٍ صَغِيرَةٍ (وَقَتَبٍ وَنَحْوِهِمَا) سَرْجٌ وَلِجَامٌ وَمِقْوَدٌ.
(وَ) (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ (فَعَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ) وَصَرَّحْنَا بِهَذَا لِأَنَّ قَوْلَهُ: " عَكْسُ إكَافٍ وَشِبْهِهِ " يُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فِي نَظِيرِ رَعْيِهَا] : أَيْ الْأَوْلَادُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا أَوَّلًا بِالْوَلَدِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الطُّرَرِ: إذَا امْتَنَعَ رَاعِي قَوْمٍ أَنْ يَرْعَى لِأَحَدِهِمْ لَمْ يُجْبَرْ.
وَفِي جَبْرِ الْفَرَّانِ وَرَبِّ الرَّحَى وَالْحَمَّامِ وَنَحْوِهِمْ إنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمْ قَوْلَانِ: الْجَبْرُ اسْتِحْسَانٌ، وَعَدَمُهُ قِيَاسٌ.
وَكَانَ الْقَضَاءُ بِطُلَيْطِلَةَ جَبْرُ الْفَرَّانِ عَلَى طَبْخِ خُبْزِ جَارِهِ بِأَجْرِ مِثْلِهِ.
(اهـ) . وَنَقَلَهُ فِي التَّكْمِيلِ كَذَا فِي (بْن) .
قَوْلُهُ: [وَعُمِلَ بِهِ] : أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ وَإِلَّا فَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ عِنْدَ وُجُودِهِ.
قَوْلُهُ: [وَالدَّقِيقُ لَا الرَّحَى] : إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى صَاحِبِ الدَّقِيقِ إذَا كَانَ هُوَ صَاحِبُ الطَّاحُونِ كَأَنْ اسْتَأْجَرَ إنْسَانًا يَطْحَنُ لَهُ فِيهَا دَقِيقَهُ وَأَمَّا لَوْ اسْتَأْجَرَ إنْسَانٌ الطَّاحُونَ لِيَطْحَنَ فِيهَا لِلنَّاسِ أَوْ لِنَفْسِهِ كَانَ النَّقْشُ عِنْدَ عَدَمِ الْعُرْفِ عَلَى الْمَالِكِ لَهَا لَا عَلَى صَاحِبِ الدَّقِيقِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ عِنْدَ عَدَمِ الْعُرْفِ النَّقْشُ لَازِمٌ لِرَبِّ الرَّحَى سَوَاءٌ كَانَ هُوَ صَاحِبُ الدَّقِيقِ أَوْ كَانَ الدَّقِيقُ لِغَيْرِهِ كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَقَوْلُ شَارِحِنَا لَا الرَّحَى.
. . إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [وَالْجِدَارُ] : بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ الثَّوْبُ فَهُوَ مُثْبَتٌ لَا مَنْفِيٌّ.
(وَ) عُمِلَ بِالْعُرْفِ فِي (السَّيْرِ) لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَلَا كَلَامَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ وَلَا لِلْمُسْتَأْجِرِ مَعَ الْعُرْفِ (وَالْمَنَازِلِ) الَّتِي يَنْزِلُ بِهَا فِي سَيْرِ الْمَسَافَةِ وَقَدْرِ الْإِقَامَةِ.
(وَ) عُمِلَ بِهِ أَيْضًا فِي (الْمَعَالِيقِ) : جَمْعُ مُعْلُوقٍ بِضَمِّ الْمِيمِ كَعُصْفُورٍ وَعَصَافِيرَ: أَيْ مَا يَعْلَقُ بِجَنْبِ الرَّحْلِ مِمَّا يَحْتَاجُ لَهُ الْمُسَافِرُ.
وَكَسَمْنٍ وَزَيْتٍ وَعَسَلٍ.
(وَ) فِي (الزَّامِلَةِ) : مَا يَضَعُ الْمُسَافِرُ فِيهِ حَاجَتَهُ كَخَرْجِ كِيسٍ وَنَحْوِهِمَا.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ فَلَا بُدَّ فِي السَّيْرِ وَالْمَنَازِلِ مِنْ الْبَيَانِ وَإِلَّا فَسَدَ الْكِرَاءُ وَفُسِخَ.
وَأَمَّا الْمَعَالِيقُ وَالزَّامِلَةُ فَلَا يُفْسَخُ وَلَا يَلْزَمُ الْمُكْرِي حَمْلُهَا (وَ) عُمِلَ بِالْعُرْفِ فِي (فِرَاشِ الْمَحْمَلِ) هَلْ هُوَ عَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ أَوْ عَلَى الْمُكْتَرِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ لَمْ يَلْزَمْ الْمُكْرِي أَيْ رَبَّ الدَّابَّةِ.
(وَ) عُمِلَ بِهِ فِي (بَدَلِ الطَّعَامِ الْمَحْمُولِ) عَلَى الْإِبِلِ إذَا نَقَصَ بِأَكْلٍ أَوْ بَيْعٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ فَعَلَيْهِ وَزْنُ الْحَمْلِ الْأَوَّلِ.
(وَ) عُمِلَ بِهِ فِي (تَوْفِيرِهِ) أَيْ الطَّعَامِ الْمَحْمُولِ بِالْكِرَاءِ إذَا أَرَادَ أَنْ يُوَفِّرَهُ مِنْ أَكْلٍ أَوْ بَيْعٍ وَنَازَعَهُ رَبُّ الدَّابَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ فَلَا كَلَامَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ وَعَلَيْهِ حَمْلُهُ إلَى غَايَةِ الْمَسَافَةِ، وَلَوْ زَادَ الطَّعَامُ ثِقَلًا كَنُزُولِ مَطَرٍ عَلَيْهِ فَقَالَ سَحْنُونَ: لَمْ يَلْزَمْ الْمُكْرِي إلَّا زِنَةُ الْحَمْلِ الْمُشْتَرَطِ.
(وَ) عُمِلَ بِهِ أَيْضًا فِي (نَزْعِ ثَوْبٍ) مِنْ قَمِيصٍ أَوْ عِمَامَةٍ أَوْ طَيْلَسَانٍ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فِي السَّيْرِ لَيْلًا] إلَخْ: أَيْ وَفِي بَاقِي أَحْوَالِهِ مِنْ كَوْنِهِ بِالْهُوَيْنَا أَوْ حَذَرًا أَوْ مُتَوَسِّطًا.
قَوْلُهُ: [وَالْمَنَازِلُ] : أَيْ الْمَوَاضِعُ.
قَوْلُهُ: [مَا يُوضِعُ الْمُسَافِرُ] إلَخْ: حَقُّهُ حَذْفُ الْوَاوِ لِلْقَاعِدَةِ التَّصْرِيفِيَّةِ قَالَ تَعَالَى ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4] .
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَسَدَ الْكِرَاءُ وَفُسِخَ] : أَيْ لِزِيَادَةِ الْغَرَرِ فَمُرَادُهُ بِالْفَسَادِ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَبِالْفَسْخِ إبْطَالُهُ وَعَدَمُ الْبَقَاءِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ رَبُّ الدَّابَّةِ] : أَيْ لَا يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ وَلَا حَمْلُهُ.
قَوْلُهُ: [فِي بَدَلِ الطَّعَامِ الْمَحْمُولِ] : أَيْ بَدَلَ نَقْصِ الطَّعَامِ الْمَحْمُولِ فَفِي الْكَلَامِ حَذْفُ مُضَافٍ.
قَوْلُهُ: [أَوْ طَيْلَسَانٍ] : هُوَ الشَّالُ الَّذِي يُغَطَّى بِهِ الرَّأْسُ
اسْتَأْجَرَهُ لِيَلْبَسَهُ (فِي نَحْوِ لَيْلٍ) كَقَائِلَةٍ: أَيْ فَيَجِبُ عَلَيْهِ نَزْعُهُ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي جَرَى الْعُرْفُ بِنَزْعِهِ فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ حُمِلَ عَلَى دَوَامِ اللُّبْسِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْعُرْفُ وَجَبَ الْبَيَانُ.
ثُمَّ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى ضَمَانِهِ وَعَدَمِ ضَمَانِهِ، فَقَالَ:
(وَهُوَ) : أَيْ الْمُسْتَأْجِرُ لِشَيْءٍ - مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ عَرْضٍ - وَكَذَا الْأَجِيرُ كَالرَّاعِي.
وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ الضَّمِيرَ عَائِدًا عَلَى مَنْ تَوَلَّى الْعَيْنَ الْمُؤَجَّرَةَ؛ فَيَشْمَلُ الْمُؤَجَّرَ بِالْفَتْحِ كَالرَّاعِي وَالْمُسْتَأْجِرِ، كَمُكْتَرِي دَابَّةٍ وَنَحْوِهَا (أَمِينٍ؛ فَلَا ضَمَانَ) عَلَيْهِ إنْ ادَّعَى الضَّيَاعَ أَوْ التَّلَفَ، كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ أَمْ لَا.
وَيَحْلِفُ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا: لَقَدْ ضَاعَ وَمَا فَرَّطْت.
وَلَا يَحْلِفُ غَيْرُهُ وَقِيلَ: يَحْلِفُ مَا فَرَّطَ.
[حاشية الصاوي]
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَمِمَّا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ فِي هَذَا الْبَابِ فِي الْمَكَانِ كَمَا رَجَعَ إلَيْهِ هُنَا فِي الزَّمَانِ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ: مَنْ اكْتَرَى عَلَى مَتَاعٍ دَوَابَّ إلَى مَوْضِعٍ، وَفِي الطَّرِيقِ نَهْرٌ لَا يُجَازُ إلَّا عَلَى الْمَرْكَبِ، وَقَدْ عَرَفَ ذَلِكَ كَالنِّيلِ وَشِبْهِهِ فَجَوَازُ الْمَتَاعِ عَلَى رَبِّهِ وَالدَّوَابُّ عَلَى رَبِّهَا، وَإِنْ كَانَ يُخَاضُ فِي الْمَخَاضِ فَاعْتَرَضَهُ حِمْلَانِ بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ سَيْلٌ كَثِيرٌ لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ فَحَمْلُ الْمَتَاعِ عَلَى صَاحِبِ الدَّابَّةِ وَتِلْكَ جَائِحَةٌ نَزَلَتْ بِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ النَّهْرُ شِتْوِيًّا يَحْمِلُ بِالْأَمْطَارِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَقْتَ الْكِرَاءِ قَدْ عَلِمُوا جَرْيَهُ وَعَلَى ذَلِكَ دَخَلُوا فَيَكُونُ كَالنَّهْرِ الدَّائِمِ (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَجَبَ الْبَيَانُ] : أَيْ فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ كَانَتْ فَاسِدَةً.
[الضَّمَان فِي الْإِجَارَة]
قَوْلُهُ: [وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ الضَّمِيرَ] : أَيْ فِي كَلَامِ خَلِيلٍ.
قَوْلُهُ: [عَائِدٌ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ وَالْمُنَاسِبُ عَائِدًا بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ ثَانٍ لَجَعَلَ.
قَوْلُهُ: [فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ] : مَحَلُّ كَوْنِهِ أَمِينًا فِي غَيْرِ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يَحْلِفُ مَا فَرَّطَ] : الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى غَيْرِ الْمُتَّهَمِ أَيْ فَيَقْتَصِرُ فِي يَمِينِهِ عَلَى قَوْلِهِ مَا فَرَّطْت، وَلَا يَحْلِفُ عَلَى الضَّيَاعِ وَالْفَرْقُ أَنَّ غَيْرَ الْمُتَّهَمِ إذَا وَقَعَ مِنْهُ ضَيَاعٌ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ تَفْرِيطِهِ غَالِبًا فَيَكْفِي حَلِفُهُ مَا فَرَّطْت، وَهُنَاكَ قَوْلٌ ثَالِثٌ إنَّهُ كَالْمُتَّهَمِ يَحْلِفُ لَقَدْ ضَاعَ وَمَا فَرَّطْت.
وَبَالَغَ عَلَى عَدَمِ الضَّمَانِ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ شَرَطَ) عَلَيْهِ (إثْبَاتَهُ) : أَيْ الضَّمَانِ، وَلَا عِبْرَةَ بِهَذَا الشَّرْطِ، لَكِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُوهِمُ صِحَّةَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ مَعَ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّهُ يُفْسِدُهَا لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَاقِضُ الْعَقْدَ.
فَإِنْ وَقَعَ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ زَادَتْ عَلَى الْمُسَمَّى أَوْ نَقَصَتْ - قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَمَحَلُّ الْفَسَادِ إنْ لَمْ يَسْقُطْ الشَّرْطُ قَبْلَ الْفَوَاتِ، وَإِلَّا صَحَّتْ، وَالْفَوَاتُ هُنَا بِانْقِضَاءِ الْعَمَلِ فَانْقِضَاؤُهُ فِي أَثْنَائِهِ كَإِسْقَاطِهِ قَبْلَهُ فِي إفَادَةِ الصِّحَّةِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ شَرْطٌ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ مَا لَمْ يَسْقُطْ، لَكِنْ لَوْ عَثَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَمَلِ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِالشَّرْطِ.
(أَوْ عَثَرَ) : بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ عَطْفٌ عَلَى الْمُقَدَّرِ، فَلَا ضَمَانَ، أَيْ إنْ ادَّعَى التَّلَفَ أَوْ عَثَرَ أَجِيرُ حَمْلٍ أَوْ عَثَرَتْ دَابَّتُهُ (بِدُهْنٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ) عَثَرَ (بِآنِيَةٍ فَانْكَسَرَتْ أَوْ انْقَطَعَ الْحَبْلُ) الَّذِي، رَبَطَ بِهِ الْأَمْتِعَةَ فَتَلِفَتْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
(مَا لَمْ يَتَعَدَّ) فِي فِعْلِهِ أَوْ سَوْقِهِ الدَّابَّةَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِتَعَدِّيهِ.
فَإِنْ كَذَّبَهُ رَبُّهُ فَلَا يُصَدَّقُ فِي الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَيُصَدَّقُ فِي غَيْرِهِ، وَالسَّفِينَةُ كَالدَّابَّةِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ كَانَ الْكِرَاءُ وَحْدَهُ فَلَا يُصَدَّقُ فِي الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ إذَا قَالَ: سُرِقَ مِنِّي، حَمَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ دَابَّتِهِ أَوْ سَفِينَتِهِ.
وَفِيهَا: وَمَنْ اسْتَأْجَرْته لِيَحْمِلَ لَك دُهْنًا أَوْ طَعَامًا فَحَمَلَهُ فَعَثَرَ بِهِ فَأَهْرَاقَهُ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ وَالْأَجِيرُ لَا يَضْمَنُ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى، فَإِنْ كَذَّبْته فِي ذَلِكَ وَقُلْت لَهُ: لَمْ تَعْثُرْ وَلَمْ يَذْهَبْ لَك شَيْءٌ فَهُوَ ضَامِنٌ فِي الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [لَكِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُوهِمُ صِحَّةَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ] : أَيْ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ لِلْمُصَنَّفِ أَنْ يُعَبِّرَ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى كَأَنْ يَقُولَ وَفَسَدَتْ بِشَرْطِهِ وَالْعُذْرُ لَهُ فِي أَنَّهُ تَابِعٌ لِخَلِيلٍ.
قَوْلُهُ: [فَانْقِضَاؤُهُ فِي أَثْنَائِهِ] إلَخْ: صَوَابُهُ فَإِسْقَاطُهُ إلَخْ، كَمَا هُوَ عِبَارَةُ أُصُولِهِ.
قَوْلُهُ: [بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ] : أَيْ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ.
قَوْلُهُ: [عَطْفٌ عَلَى الْمُقَدَّرِ] : أَيْ الَّذِي قَدَّرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ عَثَرَ أَجِيرٌ حَمَلَ] : أَيْ حَمَلَ عَلَى نَفْسِهِ كَالْعَتَّالِينَ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ الْكِرَاءُ] : أَيْ الشَّخْصُ الْمُكْتَرِي عَلَى الْحَمْلِ.
قَوْلُهُ: [فَهُوَ ضَامِنٌ فِي الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ] : أَيْ لِحَمْلِهِ عَلَى عَدَمِ الْأَمَانَةِ فِيهِمَا.
وَأَمَّا الْبَرْزُ وَالْعُرُوضُ إذَا حَمَلَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ (اهـ) وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَضْمَنُ الْأَكْرِيَاءُ سَائِرَ الْعُرُوضِ وَلَا شَيْئًا غَيْرَ الطَّعَامِ.
وَعَلَى هَذَا فَكَانَ الْأَنْسَبُ بَعْدَ قَوْلِهِ: " وَهُوَ أَمِينٌ فَلَا ضَمَانَ "، أَنْ يَقُولَ: إلَّا فِي الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ عَرَفَةَ وَفِيهَا مَعَ غَيْرِهَا لُزُومُ ضَمَانِ الْأَكْرِيَاءِ كَالطَّعَامِ وَالْإِدَامِ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِهَلَاكِهِ أَوْ يَكُونَ مَعَهُ رَبُّهُ.
وَالسَّفِينَةُ كَالدَّابَّةِ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ: وَفِي حَمْلِ الطَّعَامِ يَضْمَنُ مُطْلَقًا إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ يَصْحَبُهُ رَبُّهُ.
(أَوْ) لَمْ (يَغُرَّ بِفِعْلٍ) بِأَنْ لَمْ يَغُرَّ أَصْلًا أَوْ غَرَّ بِقَوْلِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذْ لَا أَثَرَ لِلْغُرُورِ الْقَوْلِيِّ، كَأَنْ يَأْتِيَ بِشَقَّةٍ لِخَيَّاطٍ وَيَقُولَ لَهُ: إنْ كَانَتْ تَكْفِي ثَوْبًا فَفَصِّلْهَا، فَقَالَ: تَكْفِي.
فَفَصَّلَهَا فَلَمْ تَكْفِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْخَيَّاطِ وَإِنْ عَلِمَ عَدَمَ كِفَايَتِهَا، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ بِأَنْ قَالَ لَهُ: إنْ عَلِمْت أَنَّهَا تَكْفِي ثَوْبًا فَفَصِّلْهَا وَإِلَّا فَلَا.
فَقَالَ:
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ [وَأَمَّا الْبَرْزُ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ بِرَاءٍ وَزَايٍ بَعْدَ الْبَاءِ وَفِي (بْن) بِزَايٍ بَعْدَ الْبَاءِ فَقَطْ فَيَكُونُ عَطْفُ الْعُرُوضِ عَلَيْهَا مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ] : أَيْ كَمَا إذَا قَالَ ضَاعَ مِنِّي فِي الْيَوْمِ الْفُلَانِيِّ، وَقَالَتْ الْبَيِّنَةُ رَأَيْنَاهُ مَعَهُ بَعْدَ.
قَوْلُهُ: [غَيْرُ الطَّعَامِ] : أَيْ وَمِنْهُ الْإِدَامُ.
قَوْلُهُ: [فَكَانَ الْأَنْسَبَ] إلَخْ: أَيْ وَكَانَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ تُغْنِيه عَنْ قَوْلِهِ أَوْ عَثَرَ بِدُهْنٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّ ذِكْرَهُ لِلدُّهْنِ يُوهِمُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ فِيهِ عَلَى الْأَمَانَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [الْأَكْرِيَاءُ] : مَفْعُولٌ أَوَّلُ لِلُزُومِ وَكَالطَّعَامِ وَالْإِدَامِ مَفْعُولٌ ثَانٍ لَهُ وَالْكَافُ زَائِدَةٌ وَإِضَافَةُ لُزُومٍ لِلضَّمَانِ بَيَانِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّرْعَ ضَمَّنَ الْأَكْرِيَاءَ الطَّعَامَ وَالْإِدَامَ.
فَإِنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ وَغَيْرِهِمَا حَيْثُ حُمِلَ فِي الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ عَلَى غَيْرِ الْأَمَانَةِ وَحُمِلَ عَلَيْهَا فِي غَيْرِهِمَا.
قُلْت الْفَرْقُ تَعَبُّدِيٌّ.
قَوْلُهُ: [وَالسَّفِينَةُ كَالدَّابَّةِ] : أَيْ فِي التَّفْصِيلِ بَيْنَ حَمْلِ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ وَمِثْلُهُمَا حَمْلُهُ بِنَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: [إذْ لَا أَثَرَ لِلْغُرُورِ الْقَوْلِيِّ] : أَيْ مَا لَمْ يَنْضَمَّ بِهِ عَقْدٌ أَوْ شَرْطٌ فَمِثَالُ الْعَقْدِ كَمَا إذَا قَالَ لَهُ اشْتَرِ مِنِّي السِّلْعَةَ الْفُلَانِيَّةَ فَإِنَّهَا سَالِمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ فَظَهَرَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ وَالشَّرْطُ سَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ.
تَكْفِي، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا لَا تَكْفِي فَيَضْمَنُ.
وَمِنْ الْغَرَرِ الْقَوْلِيِّ قَوْلُ الصَّيْرَفِيِّ فِي دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ إنَّهَا جَيِّدَةٌ - مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا رَدِيئَةٌ - فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ.
وَقِيلَ: يَضْمَنُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إنْ كَانَ بِأُجْرَةٍ وَاسْتَظْهَرَ.
فَإِنْ غَرَّ بِفِعْلٍ كَرَبْطِهِ بِحَبْلٍ رَثٍّ أَوْ مَشْيِهِ بِمَكَانٍ زَلِقٍ ضَمِنَ.
(كَحَارِسٍ) تَشْبِيهٌ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ: أَيْ أَنَّ حَارِسَ الدَّارِ أَوْ الْبُسْتَانِ أَوْ الزَّرْعِ أَوْ حَارِسَ طَعَامٍ أَوْ عَرْضٍ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ.
(وَلَوْ حَمَّامِيًّا) إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى أَوْ يُفَرِّطَ.
وَمِنْ التَّفْرِيطِ مَا لَوْ قَالَ: رَأَيْت رَجُلًا يَلْبَسُ الثِّيَابَ فَظَنَنْت أَنَّهُ صَاحِبُهَا، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْخُفَرَاءِ فِي الْحَارَاتِ وَالْأَسْوَاقِ.
وَلَا عِبْرَةَ بِمَا كُتِبَ أَوْ شُرِطَ عَلَيْهِمْ مِنْ الضَّمَانِ مَا لَمْ يُفَرِّطُوا.
وَكَذَا الْبَوَّابُونَ فِي الْخَانَاتِ وَغَيْرِهَا.
(وَأَجِيرٍ لِصَانِعٍ) لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمِينٌ لِلصَّانِعِ، كَانَ يَعْمَلُ بِحَضْرَةِ صَانِعِهِ أَمْ لَا.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا لَا تَكْفِي] : أَيْ وَلَا يُعْلَمُ هَذَا الْأَمْرُ إلَّا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: [وَاسْتَظْهَرَ] : قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ أَقُولُ وَمِنْ
الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ
الْقَوْلُ بِالضَّمَانِ حَيْثُ أَخَذَ أَجْرًا كَمَا سَيَأْتِي عَنْ الْأُجْهُورِيِّ فِي الْخُفَرَاءِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَدْت عَنْ شَيْخِنَا عَبْدِ اللَّهِ مَا نَصُّهُ فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الصَّوَابُ الضَّمَانُ إذَا انْضَمَّ لِغُرُورِهِ عَقْدٌ كَمَا إذَا عَقَدَ مَعَهُ بِجَدِيدٍ مَثَلًا وَقَلَّبَهُ وَوَزَنَهُ وَقَالَ لَهُ طَيِّبْ وَأَزِنْ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْغُرُورَ الْقَوْلِيَّ إذَا انْضَمَّ لَهُ عَقْدٌ صَارَ مِنْ الْفِعْلِيِّ فَالضَّمَانُ (اهـ) .
قَوْلُهُ: [وَلَوْ حَمَّامِيًّا] : أَيْ مَا لَمْ يَجْعَلْ رَبُّ الثِّيَابِ ثِيَابَهُ رَهْنًا عِنْدَهُ فِي الْأُجْرَةِ وَإِلَّا ضَمِنَ وَمَا لَمْ يَجْعَلْ حَارِسًا لِاتِّقَاءِ شَرِّهِ كَمَا إذَا كَانَ مَشْهُورًا بِالْحَرَامِ وَجَعَلَ حَارِسًا لِتَتَّقِي سَرِقَتَهُ وَإِلَّا فَيَضْمَنُ كَمَا إذَا ظَهَرَ كَذِبُهُ.
قَوْلُهُ: [وَمِنْ التَّفْرِيطِ] إلَخْ: وَمِنْهُ أَيْضًا مَا لَوْ نَامَ فِي وَقْتٍ لَا يَنَامُ فِيهِ الْحَارِسُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا قَالَهُ شَارِحُنَا هُوَ أَصْلُ الْمَذْهَبِ مِنْ عَدَمِ تَضْمِينِ الْخُفَرَاءِ وَالْحُرَّاسِ وَالرُّعَاةِ، وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْأُجْهُورِيِّ تَضْمِينَهُمْ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتٍ تَفْرِيطٌ مِنْهُمْ نَظَرًا لِكَوْنِهِ مِنْ
الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ
وَارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ.
قَوْلُهُ: [وَأَجِيرٍ لِصَانِعٍ] : أَيْ وَأَمَّا الصَّانِعُ نَفْسُهُ فَسَيَأْتِي ضَمَانُهُ بِالشُّرُوطِ.
قَوْلُهُ: [كَانَ يَعْمَلُ بِحَضْرَةِ صَانِعِهِ أَمْ لَا] : أَيْ عَلَى مَا قَالَ التَّتَّائِيُّ وَقَالَ أَشْهَبُ
(وَسِمْسَارٍ) يَطُوفُ بِالسِّلَعِ فِي الْأَسْوَاقِ لِيَبِيعَهَا (خَيِّرٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الْيَاءِ مُشَدَّدَةً: أَيْ ذِي خَيْرٍ وَأَمَانَةٍ، لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا ادَّعَى ضَيَاعَ شَيْءٍ مِمَّا بِيَدِهِ بِغَيْرِ تَعَدِّيهِ وَبِلَا تَفْرِيطٍ مِنْهُ.
وَغَيْرُ مَنْ ظَهَرَ خَيْرُهُ يَضْمَنُ.
كَذَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ رُشْدٍ، وَقِيلَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا.
قَالَ: عِيَاضٌ: وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ: لِأَنَّهُمْ وُكَلَاءُ وَلَيْسُوا بِصُنَّاعٍ.
(وَنُوتِيٍّ غَرِقَتْ سَفِينَتُهُ بِفِعْلِ سَائِغٍ) لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي نَفْسٍ وَلَا مَالٍ (وَإِلَّا) إنْ غَرِقَتْ بِفِعْلٍ لَا يَسُوغُ فِي سَيْرِهَا أَوْ حَمْلِهَا (ضَمِنَ) وَإِنْ تَعَمَّدَ الْفِعْلَ فَالْقِصَاصُ.
(كَرَاعٍ خَالَفَ مَرْعًى شُرِطَ) عَلَيْهِ فَهَلَكَتْ أَوْ ضَاعَتْ الْمَاشِيَةُ، فَيَضْمَنُ
(أَوْ أَنْزَى) الرَّاعِي: أَيْ أَطْلَقَ الْفَحْلَ عَلَى الْإِنَاثِ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ رَبِّهَا فَعَطِبَتْ أَوْ مَاتَتْ تَحْتَ الْفَحْلِ أَوْ عِنْدَ الْوِلَادَةِ فَيَضْمَنُ، إلَّا لِعُرْفٍ بِأَنَّ الرُّعَاةَ تُنْزِي وَلَا تَسْتَأْذِنُ فَلَا ضَمَانَ.
(أَوْ غَرَّ بِفِعْلٍ) فَإِنَّهُ يَضْمَنُ كَالْغُرُورِ الْقَوْلِيِّ إنْ انْضَمَّ لَهُ شَرْطٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَإِذَا ضَمِنَ: (فَالْقِيمَةُ) يَضْمَنُهَا (يَوْمَ التَّلَفِ) لَا يَوْمَ التَّعَدِّي وَلَا يَوْمَ
[حاشية الصاوي]
فِي الْغَسَّالِ تَكْثُرُ عِنْدَهُ الثِّيَابُ فَيُؤَاجِرُ آخَرَ يَبْعَثُهُ لِلْبَحْرِ بِشَيْءٍ مِنْهَا يَغْسِلُهُ فَيَدَّعِي تَلَفَهُ إنَّهُ ضَامِنٌ (اهـ) ، وَكَلَامُ التَّوْضِيحِ يُفِيدُ أَنَّ كَلَامَ أَشْهَبَ تَقْيِيدٌ لِلْمَشْهُورِ وَلَا مُقَابِلَ لَهُ خِلَافًا لِلتَّتَّائِيِّ.
قَوْلُهُ: [لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ] : أَيْ لَا فِي الثَّوْبِ مَثَلًا وَلَا فِي ثَمَنِهِ إذَا ضَاعَ بَعْدَ الْبَيْعِ، وَلَا فِيمَا يَحْصُلُ فِيهَا مِنْ تَمْزِيقٍ أَوْ خَرْقٍ بِسَبَبِ نَشْرٍ أَوْ طَيٍّ إذَا لَمْ يَخْرُجْ عَمَّا أَذِنَ لَهُ فِيهِ كَمَا إذَا ادَّعَى أَنَّهُ بَاعَ سِلْعَةً لِرَجُلٍ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الشِّرَاءَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَيْهِ فَيَضْمَنُ لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ، وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ عَدَمَ ضَمَانِ مَنْ ظَهَرَ خَيْرُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَنْصِبْ نَفْسَهُ لِلسَّمْسَرَةِ وَإِلَّا ضَمِنَ كَالصَّانِعِ، وَقَدْ اعْتَبَرَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا الْقَيْدَ كَمَا فِي (بْن) .
قَوْلُهُ: [بِفِعْلٍ سَائِغٍ] : أَيْ كَتَحْوِيلِ الرَّاجِعِ وَنَشْرِ الْقَلْعِ وَمَشْيٍ فِي رِيحٍ أَوْ مَوْجٍ إذَا كَانَ ذَلِكَ مُعْتَادًا، وَكَذَا وَسْقُهَا الْوَسْقِ الْمُعْتَادُ لِأَمْثَالِهَا بِحَيْثُ لَا يَقْرَبُ الْمَاءُ مِنْ حَافَّتِهَا، وَإِذَا كَانَ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْفِعْلِ السَّائِغِ فَأَوْلَى إذَا غَرِقَتْ بِغَيْرِ فِعْلٍ كَهَيَجَانِ الْبَحْرِ وَاخْتِلَافِ الرِّيحِ مَعَ عَجْزِهِ عَنْ صَرْفِهَا.
الْحُكْمِ.
وَهَذَا رَاجِعٌ لِرَاعٍ وَمَا بَعْدَهُ.
(أَوْ صَانِعٍ) يَضْمَنُ (فِي مَصْنُوعِهِ) فَقَطْ، كَثَوْبٍ يَخِيطُهُ أَوْ حُلِيٍّ يَصُوغُهُ أَوْ خَشَبَةٍ يَنْشُرُهَا أَوْ حَبٍّ يَطْحَنُهُ.
(لَا) فِي (غَيْرِهِ) فَلَا ضَمَانَ فِيهِ.
كَمَا لَوْ جَعَلَ الشَّيْءَ الْمَصْنُوعَ فِي ظَرْفٍ فَادَّعَى الصَّانِعُ ضَيَاعَهَا، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا لَهُ فِيهِ الصَّنْعَةُ لَا الظَّرْفُ (وَ) لَوْ كَانَ الْغَيْرُ (مُحْتَاجًا لَهُ) فِي الْعَمَلِ، فَلَا يَضْمَنُهُ كَقُفَّةِ الطَّحِينِ وَالْكِتَابِ الَّذِي يَنْسَخُ مِنْهُ، هَذَا قَوْلُ سَحْنُونَ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَضْمَنُ الصَّانِعُ مَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ سَوَاءٌ احْتَاجَ لَهُ الصَّانِعُ أَوْ الْمَصْنُوعُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَضْمَنُ الصَّانِعُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي عِلْمِهِ كَالْكِتَابِ الَّذِي يَنْسَخُ مِنْهُ دُونَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَصْنُوعُ كَظَرْفِ الْقَمْحِ وَالْعَجِينِ وَيَضْمَنُ الصَّانِعُ مَصْنُوعَهُ.
(وَإِنْ) كَانَ يَصْنَعُهُ (بِبَيْتِهِ) : أَيْ فِي بَيْتِهِ (أَوْ) كَانَ يَصْنَعُهُ (بِلَا أَجْرٍ) فَأَوْلَى بِأَجْرٍ فِي حَانُوتِهِ وَسَوَاءٌ تَلِفَ بِصَنْعَتِهِ أَوْ بِغَيْرِهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَنْعَتِهِ تَغْرِيرٌ كَثَقْبِ اللُّؤْلُؤِ، وَنَقْشِ الْفُصُوصِ، وَتَقْوِيمِ السُّيُوفِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَهَذَا رَاجِعٌ لِرَاعٍ وَمَا بَعْدَهُ] : أَيْ خِلَافًا لِمَا فِي الْخَرَشِيِّ مِنْ أَنَّ الرَّاعِيَ يَضْمَنُ يَوْمَ التَّعَدِّي تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وَبَحَثَ فِيهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الضَّمَانَ يَوْمَ التَّلَفِ فِي الْجَمِيعِ وَيُوَافِقُهُ بَهْرَامُ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي غَرَّ بِالْفِعْلِ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِحِسَابِهِ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ وَهَلْ لِرَبِّهِ أَنْ يُلْزِمَهُ حَمْلُ مِثْلِهِ بَقِيَّةَ الْمَسَافَةِ وَيُعْطِيهِ بَقِيَّةَ الْأُجْرَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَوْ يَفْسَخُ الْعَقْدَ (اهـ) .
قَوْلُهُ: [أَوْ صَانِعٍ] إلَخْ: مَعْطُوفٌ عَلَى كَرَاعٍ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ يَصْنَعُهُ بِبَيْتِهِ] : بَالَغَ عَلَيْهِ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ عَدَمِ ضَمَانِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَمِلَ فِي بَيْتِهِ صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَنْصِبْ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ لِلنَّاسِ.
قَوْلُهُ: [تَغْرِيرٌ] : أَيْ تَعْرِيضٌ لِلْإِتْلَافِ وَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَضَمِنَ صَانِعٌ فِي مَصْنُوعِهِ، وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يُؤَخِّرَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ قَوْلِهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُ بَيِّنَةٌ فَتَسْقُطَ الْأُجْرَةُ أَوْ يَحْضُرُهُ عَلَى الصِّفَةِ لِأَجْلِ أَنْ تَكُونَ الْحَالَاتُ الَّتِي لَا يَضْمَنُ فِيهَا مُجْتَمَعَةً بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ.
قَوْلُهُ: [كَثَقْبِ اللُّؤْلُؤِ] : أَيْ وَكَذَا خَبْزُ الْعَيْشِ فِي الْفُرْنِ.
وَكَذَا الْخِتَانُ وَقَلْعُ الضِّرْسِ وَالطِّبُّ فَلَا ضَمَانَ إلَّا بِالتَّفْرِيطِ.
وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الصَّانِعُ مَصْنُوعَهُ بِشَرْطَيْنِ أَشَارَ لَهُمَا بِقَوْلِهِ: (إنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ) لِلصَّنْعَةِ لِلنَّاسِ، احْتِرَازًا عَنْ الْأَجِيرِ لِشَخْصٍ خَاصٍّ أَوْ جَمَاعَةٍ مَخْصُوصِينَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
(وَغَابَ) الصَّانِعُ (عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الشَّيْءِ الْمَصْنُوعِ، احْتِرَازًا مِمَّا إذَا صَنَعَهُ بِحُضُورِ رَبِّهِ وَلَوْ فِي غَيْرِ بَيْتِهِ أَوْ بَيْتِ رَبِّهِ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا - فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ أَيْضًا:
وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَصْنُوعُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، احْتِرَازًا مِنْ عَبْدٍ يَدْفَعُهُ سَيِّدُهُ لِمُعَلِّمٍ نَصَّبَ نَفْسَهُ فَادَّعَى هُرُوبَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي صَنْعَتِهِ تَغْرِيرٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَنْ لَا تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ بِتَلَفِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ.
وَإِذَا ضَمِنَ: (فَالْقِيمَةُ) يَضْمَنُهَا (يَوْمَ دَفْعِهِ) لِلصَّانِعِ لَا يَوْمَ التَّلَفِ وَلَا يَوْمَ الْحُكْمِ (إلَّا أَنْ يُرَى) الْمَصْنُوعَ عِنْدَ الصَّانِعِ (بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ يَوْمِ الدَّفْعِ، فَإِنْ رُئِيَ بَعْدَهُ (فَبِآخِرِ رُؤْيَةٍ) . وَإِذَا كَانَتْ الْقِيمَةُ تُعْتَبَرُ يَوْمَ الدَّفْعِ فَلَا أُجْرَةَ لِلصَّانِعِ.
وَكَذَا إذَا اُعْتُبِرَتْ بِآخِرِ رُؤْيَةٍ وَلَمْ يَكُنْ مَصْنُوعًا.
فَإِنْ كَانَ مَصْنُوعًا ضَمِنَ قِيمَتَهُ مَصْنُوعًا وَعَلَى رَبِّهِ الْأُجْرَةُ.
(وَلَوْ شَرَطَ) الصَّانِعُ (نَفْيَهُ) : أَيْ نَفْيَ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَلَا يُفِيدُهُ شَرْطُهُ.
(وَهُوَ) شَرْطٌ (مُفْسِدٌ) لِلْعَقْدِ، وَلِأَنَّهُ يُنَاقِضُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، (فَفِيهِ) - إنْ وَقَعَ وَعَثَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَمَلِ - (أَجْرُ الْمِثْلِ) قَلَّ أَوْ كَثُرَ دُونَ مَا سَمَّى.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [إلَّا بِالتَّفْرِيطِ] : هَذَا إذَا كَانَ الْخَاتِنُ وَالطَّبِيبُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَلَمْ يُخْطِئْ: فِي فِعْلِهِ، فَإِنْ أَخْطَأَ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ عُوقِبَ وَفِي كَوْنِ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ أَوْ فِي مَالِهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَالثَّانِي لِمَالِكٍ وَهُوَ الرَّاجِحُ لِأَنَّ فِعْلَهُ عَمْدٌ وَالْعَاقِلَةُ لَا تُحْمَلُ عَمْدًا.
قَوْلُهُ: [فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ] : مَحَلُّ عَدَمِ الضَّمَانِ إذَا ادَّعَى التَّلَفَ بِالْفِعْلِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهِ وَأَتَى بِهَا تَالِفَةً، أَمَّا لَوْ ادَّعَى ضَيَاعَهَا أَوْ تَلَفَهَا وَلَمْ يَأْتِ بِهَا فَالضَّمَانُ.
(إلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُ) : أَيْ لِلصَّانِعِ (بَيِّنَةٌ) بِضَيَاعِهِ أَوْ تَلَفِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ؛ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ (فَتَسْقُطُ الْأُجْرَةُ) عَنْ رَبِّهِ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهَا إلَّا بِتَسْلِيمِهِ لِرَبِّهِ مَصْنُوعًا.
(أَوْ يُحْضِرُهُ) الصَّانِعُ لِرَبِّهِ مَصْنُوعًا (عَلَى الصِّفَةِ) الْمُشْتَرَطَةِ، فَتَرَكَهُ عِنْدَهُ فَادَّعَى ضَيَاعَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ حِينَئِذٍ إلَى حُكْمِ الْإِيدَاعِ.
وَهَذَا مَا لَمْ يَتْرُكْهُ عِنْدَهُ رَهْنًا فِي نَظِيرِ الْأُجْرَةِ، وَإِلَّا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الرَّهْنِ.
(وَصُدِّقَ) رَاعٍ (إنْ ادَّعَى ضَيَاعًا) لِبَعْضِ الْمَاشِيَةِ بِلَا تَفْرِيطٍ (أَوْ) ادَّعَى (خَوْفَ مَوْتٍ) لِبَعْضِهَا (فَنَحَرَ) أَوْ ذَبَحَ، وَخَالَفَهُ رَبُّهُ، وَقَالَ لَهُ: بَلْ تَعَدَّيْت.
(أَوْ ادَّعَى سَرِقَةَ مَنْحُورِهِ) : أَيْ قَالَ: نَحَرْتهَا لِخَوْفِ مَوْتِهَا فَسُرِقَتْ، وَخَالَفَهُ رَبُّهَا، وَقَالَ: بَلْ أَكَلْتهَا.
(وَحَلَفَ) الرَّاعِي إنْ اُتُّهِمَ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُ] إلَخْ: فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ ضَمَانَ الصُّنَّاعِ ضَمَانُ تُهْمَةٍ يَنْتَفِي بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهَا إلَّا بِتَسْلِيمِهِ] : أَيْ وَهُوَ مُنْتَفٍ فَانْتَفَتْ الْأُجْرَةُ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ خَرَجَ حِينَئِذٍ إلَى حُكْمِ الْإِيدَاعِ] : أَيْ وَلَا تَسْقُطُ الْأُجْرَةُ لِأَنَّهَا بِالتَّسْلِيمِ وَقَدْ حَصَلَ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الرَّهْنِ] : أَيْ يَضْمَنُهُ ضَمَانَ الرِّهَانِ وَلَا تَسْقُطُ الْأُجْرَةُ سَوَاءٌ ضَمِنَهُ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا.
[تَنْبِيهٌ الْمُلْتَقِطُ يُصَدَّقُ إنْ ادَّعَى خَوْفَ مَوْتٍ فَنَحَرَ]
قَوْلُهُ: [فَنَحَرَ أَوْ ذَبَحَ] : مُقْتَضَى تَصْدِيقِهِ أَنَّهُ إنْ خَافَ مَوْتَهَا وَتَرَكَ زَكَاتَهَا حَتَّى مَاتَتْ ضَمِنَهَا بِالْأَوْلَى مِمَّا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الزَّكَاةِ فِي قَوْلِ خَلِيلٍ وَضَمِنَ مَارٌّ أَمْكَنَتْهُ ذَكَاتُهُ وَتَرَكَ.
قَوْلُهُ: [أَوْ ادَّعَى سَرِقَةَ مَنْحُورِهِ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ قَالَ ذَبَحْتهَا خَوْفَ الْمَوْتِ وَأَكَلْتهَا لَمْ يُصَدَّقْ إذَا كَانَ مَحَلُّ الرَّعْيِ قَرِيبًا وَإِلَّا صُدِّقَ وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ تَصْدِيقِهِ مَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُ رَبُّهَا أَكْلَهَا وَإِلَّا صُدِّقَ.
تَنْبِيهٌ: مِثْلُ الرَّاعِي الْمُلْتَقِطُ فَيُصَدَّقُ إنْ ادَّعَى خَوْفَ مَوْتٍ فَنَحَرَ، وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُرْتَهِنُ وَالْمُودَعُ وَالشَّرِيكُ فَلَا يُصَدَّقُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي دَعْوَى التَّذْكِيَةِ لِخَوْفِ
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْإِجَارَةِ مِنْ فَسْخٍ وَعَدَمِهِ فَقَالَ: (وَفُسِخَتْ) الْإِجَارَةُ (بِتَعَذُّرِ مَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ) الْمَنْفَعَةُ: كَدَارٍ وَحَانُوتٍ وَحَمَّامٍ وَسَفِينَةٍ وَنَحْوِهَا - وَإِنْ لَمْ تُعَيَّنْ حَالَ الْعَقْدِ - وَدَابَّةٌ عُيِّنَتْ.
وَالتَّعَذُّرُ أَعَمُّ مِنْ التَّلَفِ؛ فَيَشْمَلُ الضَّيَاعَ وَالْمَرَضَ وَالْغَصْبَ وَغَلْقَ الْحَوَانِيتِ قَهْرًا وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي.
وَإِذَا فُسِخَتْ رَجَعَ لِلْمُحَاسَبَةِ بِاعْتِبَارِ مَا حَصَلَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَمَا لَمْ يَحْصُلْ
[حاشية الصاوي]
الْمَوْتِ إلَّا بِلَطْخٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، وَإِنْ كَانُوا يُصَدَّقُونَ فِي التَّلَفِ أَوْ الضَّيَاعِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَالرَّاعِي مَعَ كَوْنِ الْجَمِيعِ أُمَنَاءَ تَعَذُّرُ الْإِشْهَادِ مِنْ الرَّاعِي غَالِبًا.
بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِمْ فِي الْإِشْهَادِ غَالِبًا وَأَحْرَى مِنْ هَؤُلَاءِ فِي الضَّمَانِ مَنْ مَرَّ عَلَى دَابَّةِ شَخْصٍ فَذَكَّاهَا وَادَّعَى أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ خَوْفَ مَوْتِهَا أَوْ سَلَخَ دَابَّةَ غَيْرِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَهَا مَيِّتَةً فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ لَطْخٍ.
[بَيَانِ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْإِجَارَةِ مِنْ فَسْخٍ]
قَوْلُهُ: [وَفُسِخَتْ الْإِجَارَةُ] إلَخْ: أَشَارَ بِهَذَا إلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّ كُلَّ عَيْنٍ يَسْتَوْفِي مِنْهَا الْمَنْفَعَةَ فَبِهَلَاكِهَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ كَمَوْتِ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَكَانْهِدَامِ الدَّارِ، وَكُلُّ عَيْنٍ يَسْتَوْفِي بِهَا الْمَنْفَعَةَ فَبِهَلَاكِهَا لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَوْتِ الشَّخْصِ، الْمُسْتَأْجِرِ لِلْعَيْنِ الْمُعَيَّنَةِ، وَيَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَ مُوَرِّثِهِ إلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ: صَبِيَّانِ وَفَرَسَانِ صَبِيَّا التَّعْلِيمِ وَالرَّضَاعَةِ، وَفَرَسَا النُّزُوِّ وَالرِّيَاضَةِ فَحَيْثُ مَاتَ صَبِيُّ التَّعْلِيمِ أَوْ الرَّضَاعَةِ انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ وَرَجَعَا لِلْمُحَاسَبَةِ، وَكَذَلِكَ فَرَسُ النُّزُوِّ إذَا اُسْتُؤْجِرَ الْفَحْلُ عَلَى أَرْبَعِ مَرَّاتٍ فَحَمَلَتْ مِنْ مَرَّتَيْنِ أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ التَّمَامِ انْفَسَخَتْ وَرَجَعَا لِلْمُحَاسَبَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا اُسْتُؤْجِرَ لِفَرَسٍ يُرَوِّضُهَا وَيُعَلِّمُهَا كَيْفِيَّةَ الْجَرْيِ فَمَاتَتْ فَتَنْفَسِخُ وَيَرْجِعَانِ لِلْمُحَاسَبَةِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ تُعَيَّنْ حَالَ الْعَقْدِ] : أَيْ فَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ الْمُعَيَّنَةِ وَغَيْرِهَا إنَّمَا هُوَ فِي الدَّابَّةِ، وَأَمَّا الدَّارُ وَالْحَانُوتُ وَالْحَمَّامُ وَالسَّفِينَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِدَابَّةٍ فَلَا يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ فِيهِ ابْتِدَاءً، بَلْ مَتَى تَعَذَّرَ شَيْءٌ مِمَّا يُسْتَوْفَى مِنْهُ انْفَسَخَتْ قَالُوا لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَيْهَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي مُعَيَّنٍ، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَظْهَرُ فِي السَّفِينَةِ بَلْ هِيَ بِالدَّابَّةِ أَشْبَهُ، وَكَلَامُ الشَّارِحِ يَقْتَضِي تَسْوِيَتَهَا بِالْعَقَارَاتِ.
قَوْلُهُ: [أَعَمُّ مِنْ التَّلَفِ] : أَيْ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ خَلِيلٌ.
قَوْلُهُ: [رَجَعَ لِلْمُحَاسَبَةِ] إلَخْ: أَيْ فَمَا حَصَلَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ يَلْزَمُهُ أُجْرَتُهُ بِحِسَابِهِ
وَبِاعْتِبَارِ الْمَسَافَةِ طُولًا وَقِصَرًا وَسُهُولَةً وَصُعُوبَةً.
(لَا) تَنْفَسِخُ بِتَعَذُّرِ مَا يُسْتَوْفَى (بِهِ) : كَالسَّاكِنِ وَالرَّاكِبِ وَمَا حُمِلَ.
وَظَاهِرُهُ تَعَذَّرَ بِسَمَاوِيٍّ؛ كَمَوْتٍ لِرَاكِبٍ أَوْ سَاكِنٍ أَوْ بِغَيْرِهِ بِتَفْرِيطٍ مِنْ الْحَامِلِ؛ بِأَنْ فَرَّطَ فَتَلِفَ مَا حَمَلَهُ مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ أَمْ لَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إنْ فَرَّطَ ضَمِنَ.
وَإِذَا لَمْ تَنْفَسِخْ قِيلَ لِلسَّاكِنِ وَالرَّاكِبِ وَرَبِّ الْأَحْمَالِ أَوْ لِوَارِثِهِ: عَلَيْك جَمِيعُ الْأُجْرَةِ وَائْتِ بِمِثْلِ الْأَوَّلِ لِتَمَامِ الْمَسَافَةِ أَوْ الْمُدَّةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ.
وَاَلَّذِي لَهُ فِي الْبَيَانِ: أَنَّ الْمَشْهُورَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّلَفِ بِسَمَاوِيٍّ فَلَا تُنْقَضُ الْإِجَارَةُ، وَيَأْتِيه الْمُسْتَأْجِرُ بِمِثْلِهِ وَعَلَيْهِ جَمِيعُ الْكِرَاءِ، وَبَيْنَ تَلَفِهِ مِنْ جِهَةِ الْحَامِلِ فَتُنْتَقَضُ وَلَا كِرَاءَ لَهُ، وَقِيلَ: لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِقَدْرِ مَا سَارَ.
وَظَاهِرُهُ فَرَّطَ أَمْ لَا، فَانْظُرْهُ.
وَظَاهِرٌ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ، فَلَوْ مَشَى عَلَيْهِ لَقَالَ: لِأَنَّهُ إنْ كَانَ بِسَمَاوِيٍّ.
[حاشية الصاوي]
وَمَا لَمْ يَحْصُلْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَقَوْلُهُ: [وَبِاعْتِبَارِ الْمَسَافَةِ] : خَاصٌّ بِتَعَذُّرِ السَّفِينَةِ وَالدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ، أَيْ فَيَرْجِعَانِ فِيهِمَا إلَى الْمُحَاسَبَةِ أَيْضًا وَيَنْظُرَانِ لِقِيمَةِ الْمَسَافَةِ الْمَاضِيَةِ وَالْبَاقِيَةِ صُعُوبَةً وَسُهُولَةً إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَمَا حُمِلَ] : أَيْ الْمَحْمُولُ غَيْرُ الرَّاكِبِ.
قَوْلُهُ: [وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إنْ فَرَّطَ ضَمِنَ] : أَيْ وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
قَوْلُهُ: [أَوْ لِوَارِثِهِ] : أَيْ إذَا مَاتَ الرَّاكِبُ أَوْ رَبُّ الْأَحْمَالِ.
قَوْلُهُ: [فَانْظُرْهُ] : قَالَ (بْن) نَقْلًا عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: إنَّ فِي هَلَاكِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تُنْتَقَضُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمَوَّازِ.
وَالثَّانِي تُنْتَقَضُ بِتَلَفِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ.
وَرِوَايَتُهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيَكُونُ لَهُ مِنْ كِرَائِهِ بِقَدْرِ مَا سَارَ مِنْ الطَّرِيقِ؛ وَالثَّالِثُ الْفَرْقُ بَيْنَ تَلَفِهِ مِنْ قِبَلِ الْحَامِلِ فَتُنْتَقَضُ وَلَهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِقَدْرِ مَا سَارَ وَبَيْنَ تَلَفِهِ بِسَمَاوِيٍّ فَلَا تُنْتَقَضُ وَيَأْتِيه الْمُسْتَأْجِرُ بِمِثْلِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَوَّلِ رَسْمٍ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ.
وَالرَّابِعُ إنْ كَانَ تَلَفُهُ مِنْ قِبَلِ الْحَامِلِ انْفَسَخَتْ وَلَا كِرَاءَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ السَّمَاءِ أَتَاهُ الْمُسْتَأْجِرُ بِمِثْلِهِ وَلَمْ يَنْفَسِخْ الْكِرَاءُ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ (اهـ) .
وَبَالَغَ عَلَى قَوْلِهِ: " وَفُسِخَتْ " إلَخْ بِقَوْلِهِ:
(وَلَوْ) كَانَ التَّعَذُّرُ (بِغَصْبٍ) لِمَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ - دَارًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا - (أَوْ غَصْبِ مَنْفَعَةٍ) لِمَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَوْ لَمْ يَغْصِبْ الذَّاتَ إذَا كَانَ الْغَاصِبُ لَا تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ (أَوْ أَمْرٍ ظَالِمٍ) لَا تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ (بِإِغْلَاقِ الْحَوَانِيتِ) الْمُكْتَرَاةِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مُسْتَأْجِرُهَا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا، وَيَلْزَمُ الظَّالِمَ أُجْرَتُهَا لِرَبِّهَا إذَا قَصَدَ غَصْبَ الْمَنْفَعَةِ فَقَطْ.
(أَوْ حَمْلِ ظِئْرٍ) : أَيْ مُرْضَعٍ، لِتَعَذُّرِ الرَّضَاعِ عَادَةً إذَا حَصَلَ؛ لِأَنَّ لَبَنَ الْحَامِلِ يَضُرُّ الرَّضِيعَ.
(أَوْ) حُدُوثِ (مَرَضٍ) لَهَا (لَا تَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى رَضَاعٍ) فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ.
وَالْمُرَادُ أَنَّ لَهُمْ الْفَسْخَ، لَا الْفَسْخَ بِالْفِعْلِ، فَالْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ حَقٌّ لِلْمُسْتَأْجِرِ فَلَهُ الْبَقَاءُ عَلَى الْإِجَارَةِ.
(وَمَرَضِ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ) لَا قُدْرَةَ لَهُمَا عَلَى فِعْلِ مَا اُسْتُؤْجِرَا عَلَيْهِ (أَوْ هَرَبِهِ) : أَيْ الْعَبْدِ (لِكَالْعَدُوِّ) مِنْ كُلِّ مَكَان بَعُدَ وَتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ مِنْهُ (إلَّا أَنْ يَرْجِعَ) الْعَبْدُ مِنْ هَرَبِهِ (أَوْ يَصِحَّ) مِنْ مَرَضِهِ (فِي الْمُدَّةِ) : أَيْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ (قَبْلَ الْفَسْخِ) : أَيْ قَبْلَ أَنْ يَتَفَاسَخَا، فَيَلْزَمُهُ بَقِيَّةُ الْعَمَلِ وَلَا تَنْفَسِخُ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ يَصِحَّ " يَرْجِعُ لِلظِّئْرِ أَوْ الدَّابَّةِ إذَا مَرِضَا.
وَإِذَا رَجَعَ أَوْ صَحَّ مَنْ ذُكِرَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَلَزِمَهُمْ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَيَلْزَمُ الظَّالِمَ أُجْرَتُهَا] إلَخْ: أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغَصْبِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ فَسْخِ الْإِجَارَةِ بِغَصْبِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ إذَا شَاءَ الْمُسْتَأْجِرُ وَإِنْ شَاءَ بَقِيَ عَلَى إجَارَتِهِ فَإِنْ فَسَخَهَا كَانَ لِمَالِكِ الذَّاتِ الْمَغْصُوبَةِ الْأُجْرَةُ عَلَى الْغَاصِبِ وَإِنْ أَبْقَاهَا مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ صَارَ ذَلِكَ الْمُسْتَأْجِرُ الْغَاصِبُ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِكِ فَتَكُونُ الْأُجْرَةُ لَهُ فَمَعْنَى الْفَسْخِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلْفَسْخِ لَا أَنَّهَا تَنْفَسِخُ بِالْفِعْلِ وَسَيَأْتِي مَا يُفِيدُهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ حَمْلِ ظِئْرٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْحَمْلُ قَبْلَ عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَظَهَرَ بَعْدَهُ أَوْ طَرَأَ بَعْدَ الْعَقْدِ كَمَا قَالَ ابْنُ نَاجِي.
قَوْلُهُ: [لَا تَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى رَضَاعٍ] إلَخْ: مَفْهُومُهُ أَنَّهَا لَوْ قَدَرَتْ مَعَهُ عَلَى الرَّضَاعِ لَمْ تَنْفَسِخْ إلَّا أَنْ يَضْرِبَهُ فَفِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ كَمَا قَالَ (عب) .
قَوْلُهُ: [فَالْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ] : الْمُنَاسِبُ فَالْفَسْخُ.
قَوْلُهُ: [قَبْلَ الْفَسْخِ] : أَيْ بِالْفِعْلِ.
بَقِيَّةُ الْعَمَلِ سَقَطَ مِنْ الْأُجْرَةِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ مَا يُقَابِلُ أَيَّامَ الْهَرَبِ أَوْ الْمَرَضِ.
وَقَوْلُهُ: " قَبْلَ الْفَسْخِ " مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ الْفَسْخُ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الرُّجُوعِ أَوْ الصِّحَّةِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذِكْرِ عَمَلٍ فِيمَا بَقِيَ وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَجَازَ أَنْ يَرْجِعَ الِاسْتِثْنَاءُ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ كَأَنَّهُ قَالَ: إلَّا أَنْ يَرْجِعَ الشَّيْءُ الْمُسْتَأْجَرِ عَنْ حَالَتِهِ مِنْ غَصْبٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَى حَالَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ الْمَانِعِ فَلَا تَنْفَسِخُ إذَا لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ تَفَاسُخٌ، لِأَنَّ الْحَقَّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِلْمُسْتَأْجِرِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَخُيِّرَ) الْمُسْتَأْجِرُ فِي الْفَسْخِ وَعَدَمِهِ (إنْ تَبَيَّنَ) لَهُ (أَنَّهُ) : أَيْ الْأَجِيرُ مِنْ عَبْدٍ أَوْ غَيْرِهِ (سَارِقٌ) : أَيْ شَأْنُهُ السَّرِقَةُ، لِأَنَّهَا عَيْبٌ يُوجِبُ الْخِيَارَ فِي الْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ.
(أَوْ رَشَدَ) فِعْلٌ مَاضٍ مَعْطُوفٌ عَلَى " تَبَيَّنَ " وَ (صَغِيرٌ) : فَاعِلُهُ، وَيَلْزَمُ مِنْ الرُّشْدِ الْبُلُوغُ: أَيْ وَخُيِّرَ إنْ رَشَدَ صَغِيرٌ (عَقَدَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى سِلْعَةِ وَلِيِّهِ) : مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ حَاكِمٍ أَوْ مُقَدَّمٍ لَهُ، أَيْ: أَجَّرَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ ثُمَّ بَلَغَ رَشِيدًا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْإِبْقَاءِ لِتَمَامِ الْمُدَّةِ وَالْفَسْخِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [سَقَطَ مِنْ الْأُجْرَةِ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ مَا يُقَابِلُ أَيَّامَ الْهَرَبِ] : جَوَابُ إذَا أَيْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى قَضَاءِ مُدَّةِ الْهَرَبِ أَوْ الْمَرَضِ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَيَدْفَعُ الْأَجْرَ بِتَمَامِهِ إنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ نَقَدَ الْأُجْرَةَ حِينَ الْعَقْدِ، لِمَا فِيهِ مِنْ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ أَمَّا إذَا كَانَ لَمْ يَنْقُدْهَا فَيَجُوزُ الِاتِّفَاقُ عَلَى ذَلِكَ لِانْتِفَاءِ عِلَّة الْفَسْخِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ: [عَنْ حَالَتِهِ] : أَيْ الَّتِي يَتَعَذَّرُ مَعَهَا الِاسْتِيفَاءُ وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ مِنْ غَصْبٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهَا عَيْبٌ يُوجِبُ الْخِيَارَ] : هَذَا حَيْثُ كَانَ اسْتِئْجَارُهُ لِخِدْمَةٍ فِي دَارِهِ أَوْ حَانُوتِهِ مَثَلًا مِمَّا لَا يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ فِيهِ مِنْهُ، وَأَمَّا لَوْ آجَرَهُ دَارًا لِيَسْكُنَهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِتَبَيُّنِ سَرِقَتِهِ لِإِمْكَانِ التَّحَفُّظِ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: [مَعْطُوفٌ عَلَى تَبَيَّنَ] : أَيْ فَهُوَ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ خُيِّرَ.
قَوْلُهُ: [وَيَلْزَمُ مِنْ الرُّشْدِ الْبُلُوغُ] : أَيْ لِأَنَّ الرُّشْدَ أَخَصُّ فَكُلُّ رَشِيدٍ بَالِغٌ وَلَا عَكْسَ.
قَوْلُهُ: [أَيْ أَجَّرَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ] : أَيْ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ لِخِدْمَةٍ مَثَلًا ثَلَاثَ سِنِينَ فَبَلَغَ رَشِيدًا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَلَهُ الْخِيَارُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ فَإِنْ بَلَغَ سَفِيهًا فَلَا خِيَارَ لَهُ.
(إلَّا لِظَنِّ عَدَمِ بُلُوغِهِ) قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ وَقْتَ الْعَقْدِ فَبَلَغَ (وَ) قَدْ (بَقِيَ الْيَسِيرُ) مِنْهَا - (كَالشَّهْرِ - فَيَلْزَمُ فِي الْعَقْدِ عَلَيْهِ) بَقَاءُ الْمُدَّةِ بِهَذَيْنِ الْقَيْدَيْنِ، وَلَا خِيَارَ لَهُ، فَالْخِيَارُ فِيمَا إذَا ظَنَّ وَلِيُّهُ بُلُوغَهُ فِيهَا أَوْ لَا ظَنَّ عِنْدَهُ مُطْلَقًا أَوْ ظَنَّ عَدَمَهُ، وَبَقِيَ فِي الْعَقْدِ عَلَيْهِ الْكَثِيرُ، قَالَ فِيهَا: وَمَنْ آجَرَ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ فَاحْتَلَمَ بَعْدَ سَنَةٍ وَلَمْ يَظُنَّ ذَلِكَ بِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ بَاقِي الْمُدَّةِ، إلَّا أَنْ يَبْقَى كَالشَّهْرِ وَيَسِيرِ الْأَيَّامِ (انْتَهَى) . وَشَبَّهَ فِي اللُّزُومِ قَوْلَهُ:
(كَالْعَقْدِ) : أَيْ عَقْدِ وَلِيِّ الصَّغِيرِ (عَلَى سِلَعِهِ) : أَيْ الصَّغِيرِ - كَدَابَّتِهِ وَدَارِهِ وَغَيْرِهِمَا - فَيَلْزَمُ فِيمَا إذَا ظَنَّ عَدَمَ بُلُوغِهِ مُطْلَقًا (وَلَوْ بَقِيَ) مِنْ الْمُدَّةِ (سِنِينَ) بَعْدَ رُشْدِهِ (عَلَى الْأَرْجَحِ) . وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ أَشْهَبَ: أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى سِلَعِهِ كَالْعَقْدِ عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا إذَا ظَنَّ الْوَلِيُّ عَدَمَ بُلُوغِهِ وَبَقِيَ كَالشَّهْرِ.
وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الصَّغِيرَ إذَا عَقَدَ وَلِيُّهُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى سِلَعِهِ فَبَلَغَ رَشِيدًا فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ فَلَهُ الْخِيَارُ إذَا ظَنَّ الْوَلِيُّ بُلُوغَهُ أَوْ شَكَّ فِيهِ مُطْلَقًا، بَقِيَ الْقَلِيلُ أَوْ الْكَثِيرُ، فَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ بُلُوغِهِ أَثْنَاءَ الْمُدَّةِ فَبَلَغَ رَشِيدًا لَزِمَهُ فِي الْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهِ إنْ بَقِيَ الْيَسِيرُ دُونَ الْكَثِيرِ وَلَزِمَهُ فِي الْعَقْدِ عَلَى سِلَعِهِ الْكَثِيرُ وَالْيَسِيرُ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(كَسِلَعِ السَّفِيهِ مُطْلَقًا) : أَيْ كَعَقْدِ وَلِيِّ سَفِيهٍ عَلَى سِلَعِهِ فَإِنَّهُ لَازِمٌ لَهُ إذَا
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بِهَذَيْنِ الْقَيْدَيْنِ] : أَيْ اللَّذَيْنِ هُمَا ظَنُّ عَدَمِ الْبُلُوغِ وَبَقَاءُ الْيَسِيرِ.
قَوْلُهُ: [مُطْلَقًا] : أَيْ بَقِيَ الْكَثِيرُ أَوْ الْقَلِيلُ كَانَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى سِلَعِهِ وَهُوَ رَاجِعٌ لَهُمَا هَذِهِ ثَمَانُ صُوَرٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ ظَنَّ عَدَمَهُ وَبَقِيَ فِي الْعَقْدِ عَلَيْهِ الْكَثِيرُ صُورَةٌ تَاسِعَةٌ وَمَفْهُومُهَا لَوْ بَقِيَ الْيَسِيرُ لَا خِيَارَ لَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى سِلَعِهِ وَظَنَّ عَدَمَهُ لَا خِيَارَ لَهُ بَقِيَ الْكَثِيرُ أَوْ الْقَلِيلُ فَجُمْلَةُ الصُّوَرِ اثْنَتَا عَشْرَةَ الْخِيَارُ فِي تِسْعٍ وَاللُّزُومُ فِي ثَلَاثٍ أَفَادَهَا الشَّارِحُ وَالْمُصَنِّفُ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ سِنِينَ] : مُقْتَضَاهُ رَفَعَ سِنِينَ بِالْوَاوِ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ بَقِيَ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَشَى عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ يُعْرِبُهَا إعْرَابَ حِينَ.
قَوْلُهُ: [وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ] إلَخْ: هَذَا الْحَاصِلُ مُوَضَّحٌ لِلِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ صُورَةً الَّتِي تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا.
رَشَدَ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، بَقِيَ مِنْهَا الْكَثِيرُ أَوْ الْيَسِيرُ، ظَنَّ وَلِيُّهُ رُشْدَهُ أَمْ لَا؛ إذْ الرُّشْدُ لَمْ تُعْلَمْ لَهُ غَايَةٌ بِخِلَافِ الصِّبَا.
(وَلِلسَّفِيهِ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ لِعَيْشِهِ فَقَطْ) : أَيْ دُونَ سِلْعَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لِسِلَعِهِ دُونَ نَفْسِهِ.
(وَلَا كَلَامَ لِوَلِيِّهِ) فِي ذَلِكَ (إلَّا أَنْ يُحَابِيَ) فَلِوَلِيِّهِ الْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ الْمُحَابَاةُ، بِأَنْ آجَرَ نَفْسَهُ بِدِرْهَمٍ وَالشَّأْنُ دِرْهَمَانِ.
(وَ) كَذَا (لَا) كَلَامَ (لَهُ إنْ رَشَدَ) لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ كَالرَّشِيدِ، وَلَوْ آجَرَهُ وَلِيُّهُ لِغَيْرِ عَيْشِهِ فَلَهُ هُوَ الْفَسْخُ، لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا تَسَلُّطَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ.
وَإِنْ آجَرَهُ لِعَيْشِهِ فَلَا كَلَامَ لَهُ.
(وَ) فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ (بِمَوْتِ مُسْتَحِقِّ وَقْفٍ أَجَّرَ) ذَلِكَ الْوَقْفَ مُدَّةً مُعَيَّنَةً
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بَقِيَ مِنْهَا الْكَثِيرُ أَوْ الْيَسِيرُ] : أَيْ خِلَافًا لِتَقْيِيدِ خَلِيلٍ بِثَلَاثِ سِنِينَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ سِلَعِهِ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ.
قَوْلُهُ: [أَمْ لَا] : تَحْتَهُ صُورَتَانِ وَهُمَا ظَنَّ عَدَمَ رُشْدِهِ أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا فَتَكُونُ صُوَرُ الْعَقْدِ عَلَى سِلَعِ السَّفِيهِ سِتًّا الْعَقْدُ فِيهَا لَازِمٌ لَا خِيَارَ لَهُ؛ وَإِيضَاحُهَا أَنْ تَقُولَ إذَا عَقَدَ وَلِيُّ السَّفِيهِ عَلَى سِلَعِهِ إمَّا أَنْ يَظُنَّ رُشْدَهَا أَوْ يَظُنَّ عَدَمَهُ أَوْ يَشُكَّ وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَبْقَى بَعْدَ الرُّشْدِ الْكَثِيرُ أَوْ الْيَسِيرُ.
قَوْلُهُ: [إذْ الرُّشْدُ لَمْ تُعْلَمْ لَهُ غَايَةٌ] : هَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَقْدِ عَلَى سِلَعِ الصَّبِيِّ وَالسَّفِيهِ فَلَا يُعَدُّ فِيهِ الْوَلِيُّ مُفَرِّطًا.
قَوْلُهُ: [وَلِلسَّفِيهِ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ] إلَخْ: أَيْ وَسَوَاءٌ ظَنَّ رُشْدَهُ أَوْ ظَنَّ عَدَمَهُ أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا بَقِيَ الْيَسِيرُ أَوْ الْكَثِيرُ فَهَذِهِ سِتٌّ أَيْضًا تَمَامُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا تَسَلُّطَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ] : أَيْ فِي غَيْرِ عَيْشِهِ وَإِنَّمَا تَسَلُّطُهُ عَلَى مَالِهِ وَإِذَا وَقَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مَفْسُوخٌ ابْتِدَاءً.
[تَنْبِيه إقْرَارِ الْمَالِكِ لِلذَّاتِ الْمُؤَجَّرَةِ بِأَنَّهُ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ أَجَّرَهَا لِآخَرَ]
قَوْلُهُ: [بِمَوْتِ مُسْتَحِقٍّ] : إلَخْ: مِثْلُ ذَلِكَ مَنْ يَتَقَرَّرُ فِي رِزْقِهِ مَرْصَدَةٌ آجَرَهَا مُدَّةً وَمَاتَ قَبْلَ تَقَضِّيهَا فَإِنَّ لِمَنْ يَتَقَرَّرُ بَعْدَهُ فَسْخَ إجَارَتِهِ، ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ وَمِثْلُ مَوْتِهِ فَرَاغُهُ عَنْهَا لِإِنْسَانٍ فَلِلْمَفْرُوغِ لَهُ إذَا تَقَرَّرَ فِيهَا فَسْخُ إجَارَتِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِفْرَاغَ أَسْقَطَ حَقَّ الْأَصْلِيِّ وَلَا يَثْبُتُ الْحَقُّ لِلثَّانِي إلَّا بِتَقْرِيرٍ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ، فَإِنْ مَاتَ الْمَفْرُوغُ لَهُ قَبْلَ الْمُفْرِغِ صَارَتْ مَحْلُولًا.
(وَمَاتَ قَبْلَ تَقَضِّيهَا) وَانْتَقَلَ الِاسْتِحْقَاقُ فِيهِ لِمَنْ فِي طَبَقَتِهِ أَوْ لِمَنْ يَلِيه وَلَوْ وَلَدُهُ وَبَقِيَ يَسِيرٌ مِنْ الْمُدَّةِ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ الْمُسْتَحِقُّ الَّذِي آجَرَ (نَاظِرًا عَلَى الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ نَاظِرٍ غَيْرِ مُسْتَحِقٍّ) أَجَّرَ مُدَّةً مَعْلُومَةً بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ ثُمَّ مَاتَ، فَلَا تَنْفَسِخُ.
وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ: لَا تَنْفَسِخُ.
(وَجَازَ) كِرَاءُ دَابَّةٍ (عَلَى أَنَّ عَلَيْك) أَيُّهَا الْمُكْرِي (عَلَفُهَا) مَعَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ أَوْ مُجَرَّدُ الْعَلَفِ.
(أَوْ) عَلَيْك (طَعَامُ رَبِّهَا) مَعَ شَيْءٍ آخَرَ كَدَرَاهِمَ أَوْ لَا.
وَ (أَوْ) مَانِعَةُ خُلُوٍّ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ لَا تَنْفَسِخُ] : أَيْ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ لِغَيْرِهِ.
تَنْبِيهٌ: لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِإِقْرَارِ الْمَالِكِ لِلذَّاتِ الْمُؤَجَّرَةِ بِأَنَّهُ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ أَجَّرَهَا لِآخَرَ قَبْلَ الْإِجَارَةِ الْمَذْكُورَةِ وَنَازَعَهُ الْمُكْتَرِي لَا بَيِّنَةَ لِاتِّهَامِهِ عَلَى نَقْضِهَا، وَيَلْزَمُهُ الْإِقْرَارُ فَيَأْخُذُهَا الْمُقَرُّ لَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ وَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْمُسَمَّى الَّذِي أُكْرِيَتْ بِهِ، كِرَاءُ الْمِثْلِ عَلَى الْمُقِرِّ.
وَكَذَلِكَ لَا يَنْفَسِخُ الْكِرَاءُ بِتَخَلُّفِ رَبِّ دَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ عَقَدَ عَلَيْهَا شَخْصٌ لِمُلَاقَاةِ رَجُلٍ أَوْ لِيُشَيِّعَ بِهَا رَجُلًا فَتَخَلَّفَ رَبُّهَا عَنْ الْإِتْيَانِ بِهَا، وَإِنْ فَاتَ مَا يَقْصِدُهُ وَيَرُومُهُ مِنْ التَّلَقِّي أَوْ التَّشْيِيعِ إنْ لَمْ يَكُنْ الزَّمَنُ مُعَيَّنًا وَلَمْ يَكُنْ حَجًّا.
أَمَّا إنْ كَانَ الزَّمَنُ مُعَيَّنًا كَأَكْتَرِي مِنْك دَابَّتَك أَرْكَبُ عَلَيْهَا فِي هَذَا الْيَوْمِ، أَوْ تَخْدُمُنِي أَوْ تَخِيطُ لِي فِي هَذَا الْيَوْمِ، أَوْ قَالَ: أَحُجُّ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَأْتِ الْمُكْرِي بِالشَّيْءِ الْمُكْرَى إلَى أَنْ انْقَضَى ذَلِكَ الزَّمَنُ الْمُعَيَّنُ، أَوْ فَاتَ الْحَجُّ فَإِنَّ الْكِرَاءَ يَنْفَسِخُ وَلَيْسَ لِلْمُكْتَرِي حِينَئِذٍ التَّرَاضِي مَعَ الْمُكْرِي بِالتَّمَادِي عَلَى الْإِجَارَةِ إذَا نَقَدَهُ الْكِرَاءَ لِلُزُومِ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ كَذَا فِي الْخَرَشِيِّ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَا تَنْفَسِخُ بِظُهُورِ فِسْقِ مُسْتَأْجِرٍ لِلدَّارِ يَضُرُّ بِهَا أَوْ بِالْجَارِ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْكَفِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُفَّ أَجَّرَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَأُخْرِجَ مِنْهَا وَكَذَلِكَ لَا تَنْفَسِخُ بِعِتْقِ عَبْدٍ حَصَلَ بَعْدَ الْإِجَارَةِ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى حُكْمِ الرَّقَبَةِ إلَى تَمَامِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ لِسَيِّدِهِ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ حُرٌّ بَعْدَ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَعْتَقَهُ وَاسْتَثْنَى مَنْفَعَتَهُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، فَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ حُرٌّ مِنْ يَوْمِ عِتْقِهِ فَأُجْرَتُهُ لِنَفْسِهِ مَعَ بَقَائِهِ إلَى تَمَامِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ.
[كِرَاءُ الدَّابَّة]
قَوْلُهُ: [وَجَازَ كِرَاءُ دَابَّةٍ] إلَخْ: نَبَّهَ عَلَى جَوَازِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الْمَنْعِ فِيهَا لِلْجَهَالَةِ وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ لِلضَّرُورَةِ.
قَوْلُهُ: [أَيُّهَا الْمُكْرِي] : صَوَابُهُ الْمُكْتَرِي.
فَيَجُوزُ الْجَمْعُ.
وَلَهُ الْفَسْخُ إنْ وَجَدَهَا أَوْ وَجَدَ رَبَّهَا أَكُولًا، مَا لَمْ يَرْضَ رَبُّهَا بِالْوَسَطِ، بِخِلَافِ وُجُودِ الزَّوْجَةِ أَكُولَةً فَيَلْزَمُ الزَّوْجَ شِبَعُهَا.
(وَ) جَازَ كِرَاؤُهَا بِدَارِهَا مَثَلًا مَعْلُومَةً عَلَى أَنَّ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَبِّ الدَّابَّةِ (طَعَامُك) يَا مُكْرِي كَمَا يَقَعُ لِلْحُجَّاجِ كَثِيرًا، فَتَكُونُ الدَّرَاهِمُ فِي نَظِيرِ الرُّكُوبِ وَالطَّعَامِ مَعًا مَا لَمْ يَكُنْ الْكِرَاءُ طَعَامًا وَإِلَّا مُنِعَ لِمَا فِيهِ مِنْ الطَّعَامِ بِطَعَامٍ نَسِيئَةً.
(أَوْ عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا فِي حَوَائِجِهِ) شَهْرًا مَثَلًا بِكَذَا.
(أَوْ لِيَطْحَنَ عَلَيْهَا شَهْرًا مَثَلًا) بِكَذَا (إذَا كَانَ) مَا ذُكِرَ مِنْ الرُّكُوبِ وَالطَّحْنِ (مَعْرُوفًا) بِالْعَادَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لِمَزِيدِ الْجَهَالَةِ، بِأَنْ كَانَ الرُّكُوبُ إلَى سُوقٍ مَعْلُومٍ أَوْ بَلَدٍ مَعْلُومٍ وَالطَّحْنُ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بِالْوَسَطِ] : أَيْ بِطَعَامٍ وَسَطٍ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِطَعَامِهِ، وَأَمَّا الدَّابَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْفَسْخِ حَيْثُ طَلَبَ الْمُسْتَأْجِرُ ذَلِكَ وَلَوْ رَضِيَ رَبُّهَا بِطَعَامٍ وَسَطٍ إلَّا أَنْ يُكْمِلَ لَهَا رَبُّهَا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: [وُجُودِ الزَّوْجَةِ أَكُولَةً] : أَيْ لِأَنَّ النِّكَاحَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُكَارَمَةِ، وَأَمَّا لَوْ وَجَدَهَا قَلِيلَةَ الْأَكْلِ أَوْ وَجَدَ رَبُّ الدَّابَّةِ قَلِيلَ الْأَكْلِ أَوْ الدَّابَّةَ قَلِيلَةَ الْأَكْلِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْأَكْلُ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ.
خِلَافًا لِقَوْلِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ لَهُمَا الزَّائِدَ يَصْرِفَانِهِ فِيمَا أَحَبَّا.
قَوْلُهُ: [يَا مُكْرِي] : صَوَابُهُ يَا مُكْتَرِي فَإِنْ وَجَدَهُ أَكُولًا كَانَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ الْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ وَعَدَمِهِ مَا لَمْ يَرْضَ بِالْوَسَطِ.
وَإِنْ كَانَ قَلِيلَ الْأَكْلِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا يَأْكُلُ.
قَوْلُهُ: [فِي نَظِيرِ الرُّكُوبِ وَالطَّعَامِ مَعًا] : أَيْ وَإِنْ لَمْ تُوصَفْ النَّفَقَةُ لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ.
قَوْلُهُ: [شَهْرًا مَثَلًا] : أَيْ فَلَا مَفْهُومَ لِتَقْيِيدِ خَلِيلٍ بِالشَّهْرِ، بَلْ الْمُرَادُ زَمَنًا مُعَيَّنًا.
وَبَعْضُهُمْ اعْتَبَرَ مَفْهُومَهُ فَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ لِلْغَرَرِ وَلَكِنْ لَا وَجْهَ لَهُ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ كَانَ لِلرُّكُوبِ] إلَخْ: الْمُنَاسِبُ زِيَادَةُ الْكَافِ وَتَقْدِيمُ هَذَا التَّصْوِيرِ عَلَى قَوْلِهِ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ هَذَا مِثَالٌ لِلْجَائِزِ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا بِالْعَادَةِ أَوْ التَّسْمِيَةِ.
(وَ) جَازَ الْكِرَاءُ (عَلَى حَمْلِ آدَمِيٍّ لَمْ يَرَهُ) رَبُّ الدَّابَّةِ حَالَ الْعَقْدِ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ) إذَا جَاءَهُ بِإِنْسَانٍ (الْفَادِحُ) : أَيْ الْغَلِيظُ الْجَافِي وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْوَسَطُ (بِخِلَافِ وَلَدٍ وَلَدَتْهُ) الْمَرْأَةُ الْمَحْمُولَةُ فَيَلْزَمُهُ حَمْلُهُ لِأَنَّهُ كَالْمَدْخُولِ عَلَيْهِ وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ حَمْلُ صَغِيرٍ مَعَهَا إلَّا لِشَرْطٍ أَوْ عُرْفٍ.
(وَ) جَازَ (حِمْلٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ: أَيْ الْمَحْمُولُ أَيْ اكْتِرَاءُ دَابَّةٍ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ كِرَاؤُهُ لِمَنْ يُحَمِّلَهُ (بِرُؤْيَتِهِ) وَإِنْ لَمْ يُكَلْ أَوْ يُوزَنْ اكْتِفَاءً بِالرُّؤْيَةِ (أَوْ كَيْلِهِ) : كَإِرْدَبِّ قَمْحٍ أَوْ فُولٍ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ (أَوْ وَزْنِهِ) كَقِنْطَارٍ مِنْ كَذَا؛ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ النَّوْعِ لِأَنَّ قِنْطَارَ الْقُطْنِ لَيْسَ كَقِنْطَارِ الْحَطَبِ أَوْ الْحَجَرِ (أَوْ عَدَدِهِ إنْ لَمْ يَتَفَاوَتْ) الْعَدَدُ: كَالْبِطِّيخِ وَالرُّمَّانِ إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّفَاوُتُ يَسِيرًا كَالْبَيْضِ فَيُغْتَفَرُ.
وَأَمَّا نَحْوُ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [لَمْ يَرَهُ] : أَيْ وَلَمْ يُوصَفْ لَهُ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى خِيَارٍ بِالرُّؤْيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْوَسَطُ] : أَيْ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى.
خِلَافًا لِابْنِ عَرَفَةَ حَيْثُ اسْتَظْهَرَ وُجُوبَ تَعْيِينِ كَوْنِ الرَّاكِبِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً؛ لِأَنَّ رُكُوبَ النِّسَاءِ أَشَقُّ فَعَلَى كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ تَكُونُ الْمَرْأَةُ مُلْحَقَةً بِالْفَادِحِ فَلَا تَلْزَمُهُ إنْ لَمْ تُعَيَّنْ، وَمِثْلُ الْفَادِحِ الْمَرِيضُ وَالْمَيِّتُ، فَإِذَا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى حَمْلِ آدَمِيٍّ فَأُتِيَ لَهُ بِمَرِيضٍ أَوْ مَيِّتٍ لَمْ يَلْزَمْهُ حَمْلُهُ حَيْثُ جَزَمَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِأَنَّهُ يُتْعِبُ الدَّابَّةَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ النَّوْمُ أَوْ عَادَتُهُ عَقْرُ الدَّوَابِّ.
قَوْلُهُ: [فَيَلْزَمُهُ حَمْلُهُ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي بَطْنِهَا حِينَ الْعَقْدِ أَوْ حَمَلَتْ بِهِ فِي السَّفَرِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ اكْتِرَاءُ دَابَّةٍ] إلَخْ: الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ التَّعْمِيمُ فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى الْحَمْلِ أَيْ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهِ دَابَّةً أَوْ شَخْصًا يَحْمِلُهُ عَلَى نَفْسِهِ كَالْعَتَّالِينَ فَيَكْفِي رُؤْيَةُ الْحَمْلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
قَوْلُهُ: [بِرُؤْيَتِهِ] : الْمُتَبَادَرُ مِنْ مُقَابَلَتِهِ بِالْكَيْلِ وَمَا بَعْدَهُ أَنَّ الرُّؤْيَةَ بَصَرِيَّةٌ، وَلَكِنْ قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ تَبَعًا لِشَيْخِهِ عَبْدِ اللَّهِ إنَّهَا عَلَيْهِ فَيَصْدُقُ بِجَسِّهِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ النَّوْعِ] : اعْلَمْ أَنَّ بَيَانَ النَّوْعِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا بَيَانُ قَدْرِ الْمَحْمُولِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ أَيْضًا وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ عِنْدَ الْقَرَوِيِّينَ، وَقَالَ الْأَنْدَلُسِيُّونَ لَا يُشْتَرَطُ وَيُصْرَفُ الْقَدْرُ لِلِاجْتِهَادِ فَإِذَا قَالَ أَكْتَرِي دَابَّتَك لِأَحْمِلَ
الْبِطِّيخِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ قَدْرِهِ.
وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ النَّوْعِ فِي الثَّلَاثَةِ لَا مُطْلَقِ إرْدَبٍّ أَوْ قِنْطَارٍ أَوْ عَدَدٍ.
(وَ) جَازَ (حَمْلُ مِثْلِهِ) كَيْلًا أَوْ وَزْنًا مِنْ جِنْسِهِ (أَوْ دُونِهِ) قَدْرًا كَنِصْفِ إرْدَبٍّ أَوْ قِنْطَارٍ بَدَلَ كَامِلٍ، أَوْ خِفَّةً كَإِرْدَبِّ شَعِيرٍ بَدَلَ إرْدَبِّ قَمْحٍ أَوْ فُولٍ.
بِخِلَافِ الْأَكْثَرِ أَوْ الْأَثْقَلِ فَلَا يَجُوزُ وَيَضْمَنُ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَمِثْلُ الْحِمْلِ الرُّكُوبُ بِخِلَافَةِ الْمَسَافَةِ، فَلَا يَجُوزُ الْمُسَاوَى، وَكَذَا الدُّونُ عَلَى قَوْلٍ وَسَيَأْتِي.
(وَ) جَازَ (الرِّضَا) : أَيْ رِضَا الْمُكْتَرِي لِدَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا مُعَيَّنًا (بِغَيْرِ) : أَيْ بِذَاتٍ أُخْرَى غَيْرِ (الْمُعَيَّنَةِ إنْ هَلَكَتْ) الْمُعَيَّنَةُ أَوْ ضَاعَتْ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ (إنْ اُضْطُرَّ) الْمُكْتَرِي، كَمَا لَوْ كَانَ فِي فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ وَلَوْ نَقْدَ الْكِرَاءَ لِرَبِّهَا
[حاشية الصاوي]
عَلَيْهَا إرْدَبًّا قَمْحًا أَوْ قِنْطَارًا زَيْتًا أَوْ مِائَةَ بَيْضَةٍ جَازَ اتِّفَاقًا وَلَوْ قَالَ أَحْمِلْ عَلَيْهَا إرْدَبًّا أَوْ قِنْطَارًا أَوْ مِائَةَ بِطِّيخَةٍ مُنِعَ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ ذِكْرِ النَّوْعِ فِي الْإِرْدَبِّ وَالْقِنْطَارِ وَلِلتَّفَاوُتِ الْبَيِّنِ فِي الْبِطِّيخِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ: أَحْمِلُ عَلَيْهَا قَمْحًا أَوْ قُطْنًا أَوْ بِطِّيخًا وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَدْرَ فَمَمْنُوعٌ عِنْدَ الْقَرَوِيِّينَ وَجَائِزٌ عِنْدَ الْأَنْدَلُسِيِّينَ، وَيُصْرَفُ الْقَدْرُ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَى الدَّابَّةِ إلَى الِاجْتِهَادِ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَشَارِحُنَا مَاشٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْقَرَوِيِّينَ.
قَوْلُهُ: [فِي الثَّلَاثَةِ] : أَيْ وَيُزَادُ فِي الْمَعْدُودِ بَيَانُ الْوَصْفِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ خِفَّةً] : مَعْطُوفٌ عَلَى قَدْرًا.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْأَكْثَرِ] : أَيْ فِي الْكَيْلِ أَوْ الْعَدَدِ وَإِنْ كَانَ أَخَفَّ ثِقَلًا.
وَقَوْلُهُ: [أَوْ الْأَثْقَلُ] : أَيْ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ عَدَدًا أَوْ كَيْلًا.
قَوْلُهُ: [وَمِثْلُ الْحَمْلِ الرُّكُوبُ] : أَيْ فِي التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ فَيَجُوزُ حَمْلُ الْمِثْلِ وَالدُّونِ لَا الْأَثْقَلِ.
قَوْلُهُ: [وَسَيَأْتِي] : أَيْ فِي قَوْلِهِ وَانْتِقَالُ مُكْتَرٍ لِبَلَدٍ وَإِنْ سَاوَى إلَّا بِإِذْنٍ.
قَوْلُهُ: [أَيْ رِضَا الْمُكْتَرِي لِدَابَّةٍ] إلَخْ: هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ يَجُرُّ دَابَّةً بِاللَّامِ وَنَصَبَ عَبْدًا وَمَا بَعْدَهُ وَمُقْتَضَى الْعَرَبِيَّةِ إمَّا حَذْفُ اللَّامِ مِنْ دَابَّةٍ أَوْ جَرَّ عَبْدًا وَمَا بَعْدَهُ.
إذْ الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ
- أَوْ لَمْ يَضْطَرَّ (وَ) كَانَ (لَمْ يَنْقُدْ) الْكِرَاءَ.
فَإِنْ نَقَدَهُ لَمْ يَجُزْ الرِّضَا بِبَدَلِهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ فَسْخِ مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ فِي مَنَافِعَ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهَا، وَهُوَ مِنْ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ.
فَالْجَوَازُ فِي صُوَرٍ ثَلَاثٍ وَالْمَنْعُ فِي وَاحِدَةٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْأُجْرَةُ مُعَيَّنَةً أَوْ مَضْمُونَةً وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ إذَا هَلَكَتْ، فَالْجَوَازُ مُطْلَقًا، بَلْ هُوَ الْوَاجِبُ بِهِ الْقَضَاءُ.
(وَ) جَازَ (دَارٌ غَائِبَةٌ) : أَيْ جَازَ كِرَاؤُهَا كَذَا الْحَانُوتُ وَالْفُرْنُ وَنَحْوُ ذَلِكَ (كَالْبَيْعِ) لَهَا الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةٍ سَابِقَةٍ لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا وَلَوْ بَعُدَتْ أَوْ بِوَصْفٍ شَافٍ وَلَوْ مِنْ مُكْرِيهَا أَوْ عَلَى الْخِيَارِ بِالرُّؤْيَةِ (أَوْ نِصْفُهَا أَوْ نِصْفٌ كَعَبْدٍ) : يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ كِرَاءُ بَعْضِ الشَّيْءِ وَالْبَعْضُ الثَّانِي إمَّا لِرَبِّهِ أَوْ شَرِيكِهِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [إذْ الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ] : أَيْ فَحَيْثُ كَانَ نَقْدُ الْكِرَاءِ لَا يَجُوزُ الرِّضَا بِغَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ إلَّا بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ فَبَعْدَ زَوَالِهَا لَا يَجُوزُ، فَالْجَوَازُ لَيْسَ مُطْلَقًا
قَالَ (عب) : وَانْظُرْ
هَلْ الِاضْطِرَارُ الْمَشَقَّةُ الشَّدِيدَةُ أَوْ خَوْفُ الْمَرَضِ أَوْ ضَيَاعُ الْمَالِ أَوْ الْمَوْتُ.
قَوْلُهُ: [لِمَا فِيهِ مِنْ فَسْخِ مَا وَجَبَ لَهُ] إلَخْ: أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَبْضَ الْأَوَائِلِ لَيْسَ كَقَبْضِ الْأَوَاخِرِ.
قَوْلُهُ: [فَالْجَوَازُ فِي صُوَرٍ ثَلَاثٍ] : وَاحِدَةٌ فِيمَا إذَا لَمْ يُنْقَضْ وَلَمْ يُضْطَرَّ وَاثْنَتَانِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ وَهُمَا نَقْدٌ أَمْ لَا وَالْمَنْعُ فِيمَا إذَا نَقَدَ وَلَمْ يَضْطَرَّ وَكُلٌّ مِنْ الْجَائِزِ وَالْمَمْنُوعِ كَانَتْ الْأُجْرَةُ فِيهِ مُعَيَّنَةً أَوْ مَضْمُونَةً فَالْجَوَازُ فِي سِتٍّ وَالْمَنْعُ فِي اثْنَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: [فَالْجَوَازُ مُطْلَقًا] : أَيْ نَقَدَ أَمْ لَا اضْطَرَّ أَمْ لَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ مُعَيَّنَةً أَوْ مَضْمُونَةً.
قَوْلُهُ: [وَنَحْوُ ذَلِكَ] : أَيْ مِنْ بَاقِي الْعَقَارَاتِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ مِنْ مُكْرِيهَا] : أَيْ كَمَا يُقَالُ فِي الْبَيْعِ يَكْفِي الْوَصْفُ وَلَوْ مِنْ بَائِعِهِ خِلَافًا لِمَنْ يَمْنَعُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [بِالرُّؤْيَةِ] : أَيْ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ أَيْ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى دَارٍ أَوْ حَانُوتٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ لِمَا ذُكِرَ وَلَا وَصْفٍ وَيُجْعَلُ لَهُ الْخِيَارُ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا.
ثُمَّ يَسْتَعْمِلَانِهِ أَوْ يَقْتَسِمَا أُجْرَتَهُ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ.
(وَ) جَازَ الْكِرَاءُ (مُشَاهَرَةً) وَهُوَ مَا عَبَّرَ فِيهِ بِلَفْظِ: " كُلِّ "، نَحْوَ: كُلُّ يَوْمٍ أَوْ كُلُّ جُمُعَةٍ أَوْ كُلُّ شَهْرٍ أَوْ كُلُّ سَنَةٍ بِكَذَا.
(وَلَا يَلْزَمُهُمَا) عَقْدُهَا؛ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حَلُّهُ عَنْ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ وَلَا كَلَامَ لِلْآخَرِ وَالْكِرَاءُ فِيهِ بَعْدَ كُلِّ يَوْمٍ أَوْ جُمُعَةٍ.
. . إلَخْ أَوْ عَلَى مَا اتَّفَقَا.
وَجَازَ تَقْدِيمُهُ وَتَأْخِيرُهُ لِبَعْدَ الْعَمَلِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ.
(إلَّا بِنَقْدٍ) مِنْ الْمُكْرِي (فَبِقَدْرِهِ) : أَيْ فَيَلْزَمُ بِقَدْرِ مَا نَقَدَ.
فَإِذَا قَالَ: كُلُّ يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ وَنَقَدَ مِائَةَ دِرْهَمٍ لَزِمَ مِائَةُ يَوْمٍ وَهَكَذَا، وَلَوْ قَالَ كُلَّ شَهْرٍ بِعَشَرَةٍ وَنَقَدَ خَمْسَةً لَزِمَ نِصْفُ شَهْرٍ.
(كَالْوَجِيبَةِ) : فَإِنَّهَا تَلْزَمُ، نَقَدَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْ، بِقَدْرِ مَا سَمَّى مِنْ الْمُدَّةِ، وَمَنْ أَرَادَ الْفَسْخَ مِنْهُمَا عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يُجَابُ لَهُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا مَعًا.
وَهِيَ مَا لَمْ يُعَبَّرْ فِيهَا بِلَفْظِ " كُلَّ " كَمَا لَوْ وَقَعَتْ (بِشَهْرِ كَذَا) كَرَجَبٍ (أَوْ هَذَا الشَّهْرِ) أَوْ سَنَةَ كَذَا أَوْ هَذِهِ السَّنَةُ بِالْمَعْرِفَةِ (أَوْ) : أَكْتَرِيهَا (شَهْرًا أَوْ سَنَةً) أَوْ جُمُعَةً أَوْ يَوْمًا أَوْ نِصْفَ كُلًّا بِالنَّكِرَةِ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [ثُمَّ يَسْتَعْمِلَانِهِ] : إمَّا مَعًا إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ أَوْ يَقْتَسِمَانِهِ مُهَايَأَةً.
قَوْلُهُ: [أَوْ يَقْتَسِمَا أُجْرَتَهُ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ بِغَيْرِ نُونٍ وَالْمُنَاسِبُ إثْبَاتُهَا لِعَدَمِ النَّاصِبِ وَالْجَازِمِ، وَمَعْنَى قِسْمَةِ الْأُجْرَةِ أَنَّهُمَا يُكْرِيَانِهِ لِلْغَيْرِ ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [حَلَّهُ عَنْ نَفْسِهِ مَتَى شَاءَ] : هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ.
حَاصِلُهَا: أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لَا يَلْزَمُ الْكِرَاءُ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ وَلَا فِيمَا بَعْدَهُ وَلِلْمُكْتَرِي أَنْ يَخْرُجَ مَتَى شَاءَ وَيَلْزَمُهُ مِنْ الْكِرَاءِ بِحِسَابِ مَا سَكَنَ.
وَالثَّانِي يَلْزَمُهُمَا الْمُحَقَّقُ الْأَقَلُّ كَالشَّهْرِ الْأَوَّلِ لَا مَا بَعْدَهُ.
وَالثَّالِثُ يَلْزَمُ الشَّهْرَ إنْ سَكَنَ بَعْضُهُ.
قَالَ الشَّيْخُ مَيَّارَةُ: وَبِهَذَا الْأَخِيرِ جَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ دَاخِلَةٌ فِي الْكِرَاءِ مُسَانَاةً كَذَا فِي (بْن) وَفِيهِ أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ كِرَاءِ الْمُشَاهَرَةِ مُنْحَلًّا فِي غَيْرِ الْمَطَامِيرِ الَّتِي يُخَزَّنُ فِيهَا الطَّعَامُ، وَأَمَّا هِيَ فَلَيْسَ، لِلْمُكْرِي إخْرَاجُ الطَّعَامِ مِنْهَا قَبْلَ أَوَانِهِ الَّذِي يُخْرِجُهُ الْمُكْتَرِي فِيهِ كَغُلُوِّ الْأَسْعَارِ وَإِخْرَاجِهَا لِلْبَذْرِ وَيُغْتَفَرُ جَهْلُ الْمُدَّةِ لِلضَّرُورَةِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا بِنَقْدٍ مِنْ الْمُكْرِي] : الْمُنَاسِبُ الْمُكْتَرِي أَوْ تُجْعَلُ مِنْ بِمَعْنَى اللَّامِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ يَوْمَ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ وَالْمُنَاسِبُ نَصْبُهُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ نِصْفٌ كُلٌّ بِالنَّكِرَةِ] : الْأَخْصَرُ أَوْ نِصْفُ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمُعَرَّفِ وَالْمُنَكَّرِ.
أَوْ نِصْفُ مَا ذُكِرَ
مِنْ الْمَعْرِفَةِ (أَوْ) : أَكْتَرِيهَا مِنْك (إلَى كَذَا) إنْ كَانَ مَعْلُومًا، نَحْوَ: إلَى شَهْرِ كَذَا أَوْ سَنَةِ كَذَا أَوْ قُدُومِ زَيْدٍ، وَهُوَ مَعْلُومٌ كُلُّ ذَلِكَ وَجِيبَةٌ يَلْزَمُ بِالْعَقْدِ إلَى الْغَايَةِ.
(وَ) جَازَ (عَدَمُ بَيَانِ الِابْتِدَاءِ، وَحُمِلَ) إذَا لَمْ يُبَيِّنْهُ (مِنْ حِينِ الْعَقْدِ) وَجِيبَةً أَوْ مُشَاهَرَةً.
(وَ) جَازَ (أَرْضٌ مَأْمُونَةُ الرَّيِّ) : أَيْ كِرَاؤُهَا (سِنِينَ كَثِيرَةً) : كَالثَّلَاثِينَ وَالْأَرْبَعِينَ (وَإِنْ بِشَرْطِ النَّقْدِ) لِعَدَمِ التَّرَدُّدِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ.
وَالْمَأْمُونَةُ: هِيَ الْمُتَحَقَّقُ رَيُّهَا عَادَةً، كَمُنْخَفَضِ أَرْضِ النِّيلِ، وَكَالْمُعِينَةِ بِكَسْرِ - الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ - وَهِيَ تُسْقَى بِالْعُيُونِ وَالْآبَارِ، وَكَأَرْضِ الْمَشْرِقِ الْمُتَحَقِّقِ رَيُّهَا بِالْمَطَرِ.
(وَ) جَازَ (غَيْرُهَا) : أَيْ الْمَأْمُونَةِ (إنْ لَمْ يَنْقُدْ) : أَيْ لَمْ يَشْتَرِطْ النَّقْدَ، فَإِنْ اشْتَرَطَ النَّقْدَ لَمْ يَجُزْ (وَإِنْ سَنَةً) لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ، وَأَمَّا النَّقْدُ تَطَوُّعًا بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَضُرَّ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [لِعَدَمِ التَّرَدُّدِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ] : حَاصِلُهُ أَنَّ مَا كَانَ مَأْمُونًا مِنْ أَرْضِ النِّيلِ وَالْمَطَرِ وَالْآبَارِ وَالْعُيُونِ يَجُوزُ فِيهَا اشْتِرَاطُ النَّقْدِ وَلَوْ لِأَعْوَامٍ كَثِيرَةٍ، وَمَا كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ مِنْهَا لَا يَجُوزُ فِيهِ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ تُسْقَى] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ وَقَدْ سَقَطَ مِنْهُ الْمَوْصُولُ وَالْأَصْلُ وَهِيَ الَّتِي تُسْقَى.
قَوْلُهُ: [وَكَأَرْضِ الْمَشْرِقِ] : أَيْ كَالشَّامِ وَالْأَنْدَلُسِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ سَنَةً] : مُبَالَغَةً فِي مَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ اُشْتُرِطَ النَّقْدُ لَمْ يَجُزْ، وَالْمَعْنَى أَنَّ شَرْطَ النَّقْدِ فِي غَيْرِ الْمَأْمُونَةِ مُفْسِدٌ وَلَوْ لِسَنَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَوْلُهُ: [لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ] : وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا إنْ رُوِيَتْ صَارَتْ الْأُجْرَةُ ثَمَنًا أَيْ تَمَّتْ فِي نَظِيرِ الْمَنَافِعِ وَإِنْ لَمْ تُرْوَ رَدَّهَا الْمُكْتَرِي لِصَاحِبِهَا كَانَتْ سَلَفًا مِنْ الْمُكْتَرِي لِلْمُكْرِي، ثُمَّ عَادَتْ لَهُ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا حَرَامًا لِأَنَّ فِيهِ سَلَفًا جَرَّ نَفْعًا وَالسَّلَفُ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ لِوَجْهِ اللَّهِ وَالنَّفْعُ الَّذِي يَجُرُّهُ هُوَ احْتِمَالُ كَوْنِهَا تُرْوَى فَيَنْتَفِعُ بِهَا رَبُّ الدَّرَاهِمِ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا النَّقْدُ تَطَوُّعًا] : مُقَابِلُ قَوْلِهِ أَيْ لَمْ يُشْتَرَطْ النَّقْدُ.
(وَوَجَبَ) الْكِرَاءُ (فِي أَرْضِ النِّيلِ إذَا رُوِيَتْ) بِالْفِعْلِ: أَيْ يَقْضِي بِهِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ.
(وَ) يَجِبُ (فِي غَيْرِهَا) : أَيْ غَيْرِ أَرْضِ النِّيلِ، وَهِيَ أَرْضُ الْمَطَرِ وَالسَّقْيِ (إذَا تَمَّ الزَّرْعُ) وَاسْتَغْنَى عَنْ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ أَرْضَ النِّيلِ لَا تَفْتَقِرُ لِمَاءٍ بَعْدَ الزَّرْعِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا.
(وَ) جَازَ كِرَاءُ الْأَرْضِ (عَلَى أَنْ يَحْرُثَهَا ثَلَاثًا) مَثَلًا، وَيَزْرَعَهَا فِي الرَّابِعَةِ، وَالْكِرَاءُ إلَى الْحَرْثِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ كَدَرَاهِمَ.
وَكَذَا يُقَالُ فِي الزِّبْلِ الْآتِي.
وَهَذَا فِي الْأَرْضِ الْمَأْمُونَةِ إذْ غَيْرُهَا يَفْسُدُ فِيهَا الْكِرَاءُ بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ شَرْطِ النَّقْدِ.
(أَوْ) عَلَى شَرْطِ (أَنْ يُزَبِّلَهَا) بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ (إنْ عُرِفَ) مَا يُزَبِّلُهَا بِهِ نَوْعًا وَقَدْرًا؛ كَعَشَرَةِ أَحْمَالٍ، وَإِلَّا مُنِعَ لِلْجَهْلِ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُجْرَةِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَيْ يَقْضِي بِهِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ] : أَيْ إنْ شَحَّ رَبُّ الْأَرْضِ؛ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا عُقِدَ الْكِرَاءُ فِي أَرْضِ الزِّرَاعَةِ وَسَكَتَ عَنْ النَّقْدِ حِينَ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِهِ فِي أَرْضِ النِّيلِ إذَا رُوِيَتْ وَتَمَكَّنَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا لِكَشْفِ الْمَاءِ عَنْهَا، وَأَمَّا أَرْضُ الْمَطَرِ وَالْعُيُونِ وَالْآبَارِ فَلَا يَقْضِي بِالنَّقْدِ فِيهَا إلَّا إذَا زَرَعَهَا وَاسْتَغْنَى عَنْ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: [وَيَجِبُ فِي غَيْرِهَا] : أَيْ إنْ شَحَّ رَبُّ الْأَرْضِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ أَرْضَ النِّيلِ لَا تَفْتَقِرُ لِمَاءٍ] إلَخْ: أَيْ افْتِقَارًا تَامًّا وَهَذَا فِي غَالِبِ الزُّرُوعَاتِ وَغَالِبُ الْأَرَاضِي، فَلَا يُنَافِي أَنَّ بَعْضَ الزُّرُوعَاتِ كَالْأُرْزِ وَالْقَصَبِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْمَاءِ بَعْدَ الزَّرْعِ وَبَعْضُ الْأَرَاضِي الْعَالِيَةِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ السَّقْيِ بَعْدَ الزَّرْعِ فِي أَيِّ زَرْعٍ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَقْضِي لِرَبِّ الْأَرْضِ بِالْأُجْرَةِ بِمُجَرَّدِ الرَّيِّ فِي جَمِيعِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ نَظَرًا لِلْغَالِبِ فَتَأَمَّلْ.
[كِرَاءُ الْأَرْضِ]
قَوْلُهُ: [وَكَذَا يُقَالُ فِي الزِّبْلِ الْآتِي] : أَيْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُجْرَةً وَحْدَهُ أَوْ مَعَ كَالدَّرَاهِمِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ مِنْ شَرْطِ النَّقْدِ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْحَرْثُ وَالتَّزْبِيلُ هُوَ كُلُّ الْكِرَاءِ أَوْ بَعْضُهُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُزَبِّلَهَا] : أَيْ يَضَعُ فِيهَا سِبَاخًا زِبْلًا أَوْ غَيْرَهُ وَإِنَّمَا صَحَّ كَوْنُهَا أُجْرَةً لِأَنَّ لَهُ مَنْفَعَةً تَبْقَى فِي الْأَرْضِ بَعْدَ ذَلِكَ.
(وَ) جَازَ فِي كِرَاءِ الدُّورِ وَنَحْوِهَا (بِشَرْطِ كَنْسِ مِرْحَاضٍ) عَلَى غَيْرِ.
مِنْ قَضَى الْعُرْفُ بِلُزُومِهِ لَهُ مِنْ مُكْرٍ أَوْ مُكْتَرٍ.
وَعُرْفُ مِصْرَ أَنَّ الْمَمْلُوكَةَ عَلَى الْمُكْرِي وَالْمَوْقُوفَةَ عَلَى الْوَقْفِ.
(أَوْ) شَرْطُ (مَرَمَّةٍ) عَلَى الْمُكْتَرِي: أَيْ إصْلَاحُ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الدَّارُ مَثَلًا مِنْ كِرَاءٍ وَجَبَ.
(أَوْ) شَرْطُ (تَطْيِينٍ) لِلدَّارِ مَثَلًا عَلَى الْمُكْتَرِي (مِنْ كِرَاءٍ وَجَبَ) عَلَى الْمُكْتَرِي، إمَّا فِي مُقَابَلَةِ سُكْنَى مَضَتْ، أَوْ بِاشْتِرَاطِ تَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ، أَوْ لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ بِتَعْجِيلِهِ؛ احْتِرَازًا مِنْ شَرْطِ رَمِّهَا أَوْ تَطْيِينِهَا الْآنَ عَلَى أَنْ تَحْسِبَهُ مِمَّا سَيَجِبُ عَلَيْك، فَلَا يَجُوزُ لِفَسْخِ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (لَا إنْ لَمْ يَجِبْ أَوْ) كَانَ التَّطْيِينُ أَوْ الْمَرَمَّةُ (مِنْ عِنْدِ الْمُكْتَرِي) بِأَنْ شَرَطَ عَلَيْهِ رَبُّهَا: بِأَنْ تَرُمَّهَا أَوْ تُطَيِّنَهَا مِنْ عِنْدِك، بِحَيْثُ لَا يُحْسَبُ مِنْ الْأُجْرَةِ؛ فَلَا يَجُوزُ وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ لِلْجَهَالَةِ.
إذْ التَّرْمِيمُ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ الْأُجْرَةِ، وَلَا يُعْلَمُ قَدْرُ مَا يُصْرَفُ فِيهِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقَعْ شَرْطٌ فِي الْعَقْدِ - وَكَانَ السَّاكِنُ يَرُمُّ مِنْ عِنْدِهِ تَبَرُّعًا - فَذَلِكَ جَائِزٌ.
وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ الْجَوَازِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ النَّفْيِ
قَوْلَهُ: (كَحَمِيمِ) : أَيْ كَاشْتِرَاطِ حَمِيمِ (أَهْلِ ذِي الْحَمَّامِ أَوْ نُورَتِهِمْ) بِضَمِّ النُّونِ أَيْ كِرَاءُ حَمَّامِهِ بِكَذَا عَلَى أَنَّ الْمُكْتَرِيَ يُحَمِّمُ أَهْلَهُ وَيَأْتِيهِمْ بِالنُّورَةِ فَلَا يَجُوزُ (مُطْلَقًا)
[حاشية الصاوي]
[كِرَاءِ الدُّورِ وَنَحْوِهَا]
قَوْلُهُ: [عَلَى الْوَقْفِ] : أَيْ يُؤْخَذُ لَهَا مِنْ رِيعِهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ شَرَطَ مَرَمَّةً] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَرَمَّةَ وَالتَّطْيِينَ إنْ كَانَا مَجْهُولَيْنِ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُمَا عَلَى الْمُكْتَرِي إلَّا مِنْ كِرَاءٍ وَجَبَ لَا مِنْ عِنْدِهِ كَأَنْ يَقُولَ كُلَّمَا احْتَاجَتْ لِمَرَمَّةٍ أَوْ تَطْيِينٍ كَالتَّبْيِيضِ فَرُمَّهُ أَوْ طَيِّنْهُ أَوْ بَيِّضْهُ مِنْ الْكِرَاءِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَا مَعْلُومَيْنِ كَأَنْ يُعَيِّنُ لِلْمُكْتَرِي مَا يَرُمُّهُ أَوْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ التَّبْيِيضَ فِي السَّنَةِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَيَجُوزُ مُطْلَقًا كَانَ تَبَرُّعًا مِنْ عِنْدِ الْمُكْتَرِي أَوْ مِنْ كِرَاءٍ وَجَبَ.
قَوْلُهُ: [لِفَسْخِ مَا فِي الذِّمَّةِ] إلَخْ: ظَاهِرُ الْعِلَّةِ الْمَنْعُ وَلَوْ كَانَ التَّطْيِينُ وَالْمَرَمَّةُ مَعْلُومَيْ الْقَدْرِ خِلَافًا لِمَنْ فَهِمَ خِلَافَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ شَرَطَ عَلَيْهِ] : الْمُنَاسِبُ لِلسِّيَاقِ أَنْ يَقُولَ عَلَيْك.
قَوْلُهُ: [وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ لِلْجَهَالَةِ] : أَيْ لَكِنْ إذَا وَقَعَ وَنَزَلَ فَلِلْمُكْرِي قِيمَةُ
عَلِمَ عَدَدَهُمْ أَمْ لَا لِلْجَهَالَةِ.
وَلِذَا لَوْ عَلِمَ عَدَدَهُمْ وَعَلِمَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي الشَّهْرِ مَرَّةً مَثَلًا، وَأَنَّ قَدْرَ نُورَتِهِمْ كَذَا جَازَ، كَمَا لَوْ شُرِطَ شَيْءٌ مَعْلُومٌ فَيَجُوزُ.
(أَوْ لَمْ يُعَيَّنْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (فِي الْأَرْضِ) الْمُكْتَرَاةِ (بِنَاءٌ) نَائِبُ فَاعِلِ يُعَيَّنُ، أَيْ حَيْثُ اُكْتُرِيَتْ لِلْبِنَاءِ فِيهَا (أَوْ غَرْسٌ) إذَا اُكْتُرِيَتْ لِلْغَرْسِ (وَبَعْضُهُ) ، أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ بَعْضَ الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ (أَضَرُّ) مِنْ بَعْضٍ (وَلَا عُرْفَ) بَيْنَهُمْ يُصَارُ إلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ، وَيُفْسَخُ لِلْجَهَالَةِ، فَإِنْ بَيَّنَ نَوْعَ الْبِنَاءِ أَوْ مَا يُبْنَى فِيهَا مِنْ دَارٍ أَوْ مَعْصَرَةٍ أَوْ رَحًى وَكَذَا الْغَرْسُ، جَازَ.
كَمَا لَوْ جَرَى عُرْفٌ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ.
(وَ) لَا (كِرَاءُ وَكِيلٍ وَإِنْ مُفَوَّضًا) أَرْضَ أَوْ دَارَ أَوْ دَابَّةَ مُوَكِّلِهِ (بِمُحَابَاةٍ أَوْ بِعَرْضٍ) : أَيْ فَلَا يَجُوزُ وَيُفْسَخُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ كِرَاءُ مَا ذُكِرَ بِالنَّقْدِ بِكِرَاءِ الْمِثْلِ فَلِمُوَكِّلِهِ الْفَسْخُ إنْ لَمْ يَفُتْ وَإِلَّا رَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ بِالْمُحَابَاةِ وَكِرَاءِ الْمِثْلِ فِي الْعَرْضِ فَإِنْ أُعْدِمَ الْوَكِيلُ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْوَكِيلِ: وَمِثْلُ الْوَكِيلِ نَاظِرُ الْوَقْفِ وَالْوَصِيُّ
[حاشية الصاوي]
مَا سَكَنَ الْمُكْتَرِي وَلِلْمُكْتَرِي قِيمَةُ مَا رَمَّ أَوْ طَيَّنَ مِنْ عِنْدِهِ.
قَوْلُهُ: [وَلِذَا لَوْ عَلِمَ عَدَدَهُمْ] إلَخْ: أَيْ: فَيَجُوزُ بِتِلْكَ الْقُيُودِ الثَّلَاثَةِ عِلْمُ عَدَدِهِمْ وَقَدْرِ دُخُولِهِمْ وَقَدْرِ نَوْرَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: [كَمَا لَوْ شُرِطَ شَيْءٌ مَعْلُومٌ] : أَيْ مِنْ الْمَرَّاتِ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَوْ مِنْ النُّورَةِ.
قَوْله: [أَوْ لَمْ يُعَيَّنْ] إلَخْ: يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا مَا شَاءَ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غَرْسٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ تَعْيِينِهِ وَلَا يُبَيِّنُ نَوْعَهُ وَالْحَالُ أَنَّ بَعْضَ ذَلِكَ أَضَرُّ مِنْ بَعْضِهِ وَلَيْسَ هُنَاكَ عُرْفٌ فِيمَا يُفْعَلُ فِي الْمُكْتَرَاةِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ الْمَنْعُ.
وَلَوْ قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ لِلْمُكْتَرِي: اصْنَعْ بِهَا كَيْفَ شِئْت وَقِيلَ يَجُوزُ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ عَلَى الْأَضَرِّ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَجُوزُ وَيُفْسَخُ لِلْجَهَالَةِ] إلَخْ: الَّذِي يُفِيدُهُ كَلَامُ التَّوْضِيحِ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِجَوَازِ الْعَقْدِ الْمَذْكُورِ وَصِحَّتِهِ عِنْدَ الْإِجْمَالِ لَكِنْ يُمْنَعُ الْمُكْتَرِي مِنْ فِعْلِ مَا فِيهِ ضَرَرٌ وَغَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَقُولُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ وَالْفَسَادِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
فَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ الشَّارِحَ مَشَى عَلَى غَيْرِ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَوْلُهُ: [وَمِثْلُ الْوَكِيلِ نَاظِرُ الْوَقْفِ] : أَيْ فَإِذَا حَابَى النَّاظِرُ فِي الْكِرَاءِ خُيِّرَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ إنْ لَمْ يَفُتْ الْكِرَاءُ.
فَإِنْ فَاتَ كَانَ لِلْمُسْتَحِقِّينَ الرُّجُوعُ