عُذْرٍ مُدَّةَ أَمَدِ الْحِيَازَةِ أَوْ اشْتِرَاؤُهُ مِنْ حَائِزِهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ يُشْهِدُهَا سِرًّا: قَبْلَ الشِّرَاءِ: بِأَنِّي إنَّمَا قَصَدْت شِرَاءَهُ ظَاهِرًا خَوْفَ أَنْ يُفِيتَهُ عَلَيَّ بِوَجْهٍ لَوْ ادَّعَيْت بِهِ عَلَيْهِ.
وَبَدَأَ بِمَسْأَلَةِ الزَّرْعِ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا وَالتَّفْصِيلِ فِيهَا فَقَالَ: (إنْ زَرَعَ مُتَعَدٍّ) بِغَصْبِ الْأَرْضِ أَوْ مَنْفَعَتِهَا (الْأَرْضَ) الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا (فَقُدِرَ عَلَيْهِ) : بَعْدَ أَنْ زَرَعَ (فَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالزَّرْعِ) بِأَنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الِانْتِفَاعِ بِهِ - سَوَاءٌ بَرَزَ عَلَى الْأَرْضِ أَمْ لَمْ يَبْرُزْ - (أُخِذَ بِلَا شَيْءٍ) فِي مُقَابَلَةِ الْبَذْرِ وَالْعَمَلِ، وَإِنْ شَاءَ أَمَرَهُ بِقَلْعِهِ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ بَلَغَ حَدَّ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَلَوْ لِرَعْيٍ (فَلَهُ) : أَيْ لِلْمُسْتَحِقِّ (قَلْعُهُ) : أَيْ أَمْرُ رَبِّهِ بِقَلْعِهِ وَتَسْوِيَةِ أَرْضِهِ، فَالْخِيَارُ لِلْمُسْتَحِقِّ (إنْ لَمْ يَفُتْ وَقْتُ مَا تُرَادُ) الْأَرْضُ (لَهُ) مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يُزْرَعَ فِيهَا غَالِبًا، لَا خُصُوصُ الزَّرْعِ الَّذِي زَرَعَهُ الْمُتَعَدِّي خَاصَّةً.
وَقِيلَ: إبَّانَ مَا زَرَعَهُ خَاصَّةً.
(وَلَهُ) أَيْ لِلْمُسْتَحِقِّ (أَخْذُهُ) : الزَّرْعَ (بِقِيمَتِهِ مَقْلُوعًا) بَعْدَ إسْقَاطِ كُلْفَةٍ لَمْ يَتَوَلَّهَا الْغَاصِبُ.
فَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَفُتْ وَقْتُ الْإِبَّانِ فَالْخِيَارُ
[حاشية الصاوي]
فَالسُّكُوتُ أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: عَدَمُ قِيَامِ الْمُدَّعِي، وَالْفِعْلُ أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: أَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ حَائِزِهِ إلَخْ.
[اسْتِحْقَاق الزَّرْع]
قَوْلُهُ: [وَإِنْ شَاءَ أَمَرَهُ بِقَلْعِهِ] : أَيْ فَالْخِيَارُ لَهُ لَا لِلزَّارِعِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى إبْقَائِهِ فِي الْأَرْضِ بِكِرَاءٍ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي لِبَيْعِ الزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ.
قَوْلُهُ: [فَالْخِيَارُ لِلْمُسْتَحِقِّ] : حَقُّهُ التَّأْخِيرُ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَهُ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ مَقْلُوعًا إنْ لَمْ يَفُتْ وَقْتُ مَا تُرَادُ الْأَرْضُ لَهُ أَيْ وَقْتُ زَرْعٍ تُرَادُ الْأَرْضُ لَهُ، وَهَذَا شَرْطٌ فِي قَوْلِهِ أُخِذَ بِلَا شَيْءٍ، وَفِي قَوْلِهِ فَلَهُ قَلْعُهُ.
قَوْلُهُ: [الَّذِي زَرَعَهُ الْمُتَعَدِّي خَاصَّةً] : أَيْ كَقَمْحٍ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: [بِقِيمَتِهِ مَقْلُوعًا] : قَالَ عب: وَكَمَا لَهُ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ لَهُ إبْقَاؤُهُ لِزَارِعِهِ وَأَخْذُ كِرَاءِ السَّنَةِ مِنْهُ فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ بُلُوغُ الزَّرْعِ حَدَّ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَلَمْ يَفُتْ وَقْتُ مَا تُرَادُ لَهُ الْأَرْضُ دُونَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَبْلُغْ الزَّرْعُ حَدَّ الِانْتِفَاعِ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ إبْقَاؤُهُ وَأَخْذُ كِرَائِهَا مِنْهُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ بَيْعَ
لِلْمُسْتَحِقِّ؛ إمَّا أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِهِ أَوْ يَدْفَعَ لَهُ قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ فَاتَ وَقْتُ مَا تُرَادُ لَهُ (فَكِرَاءُ سَنَةٍ) يَلْزَمُ الْمُعْتَدِي، وَلَيْسَ لِرَبِّهَا كَلَامٌ وَالزَّرْعُ لِلْغَاصِبِ.
هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَقِيلَ: لِلْمُسْتَحِقِّ قَلْعُهُ أَيْضًا وَأَخْذُ أَرْضِهِ كَمَا إذَا لَمْ يَفُتْ وَقْتُ الْإِبَّانِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ يُونُسَ وَقِيلَ الزَّرْعُ لِرَبِّ الْأَرْضِ فَلَهُ أَخْذُهُ وَلَوْ طَابَ وَحَصِدَ وَاخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، فَكُلٌّ مِنْ الْأَقْوَالِ رُجِّحَ.
وَرَجَّحَ الشَّيْخُ الْأَوَّلَ تَبَعًا لِلَّخْمِيِّ.
وَشَبَّهَ فِي وُجُوبِ الْكِرَاءِ وَتَبْقِيَةِ الزَّرْعِ لِزَارِعِهِ قَوْلَهُ: (كَأَنْ اُسْتُحِقَّتْ) : الْأَرْضُ الَّتِي زُرِعَتْ (مِنْ ذِي شُبْهَةٍ) : كَوَارِثٍ أَوْ مُشْتَرٍ أَوْ مُكْتَرٍ مِنْ غَيْرِ غَاصِبٍ أَوْ مِنْ غَاصِبٍ وَلَمْ يَعْلَمُوا بِالْغَصْبِ (أَوْ) مِنْ (مَجْهُولٍ) لَمْ يُعْلَمْ هَلْ هُوَ مُتَعَدٍّ أَوْ لَا، إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْعَدَاءِ فَاسْتَحَقَّهَا رَبُّهَا (قَبْلَ فَوَاتِ الْإِبَّانِ) : فَلَيْسَ لِلْمُسْتَحِقِّ إلَّا كِرَاءُ تِلْكَ السَّنَةِ، وَلَيْسَ لَهُ قَلْعُ الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ الزَّارِعَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، فَإِنْ فَاتَ الْإِبَّانُ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَحِقِّ عَلَى الزَّارِعِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَهَا، وَالْغَلَّةُ لِذِي الشُّبْهَةِ أَوْ الْمَجْهُولِ لِلْحُكْمِ كَمَا يَأْتِي.
(فَإِنْ حَرَثَ) الْأَرْضَ ذُو الشُّبْهَةِ وَلَمْ يَزْرَعْ فَاسْتَحَقَّهَا رَبُّهَا (أَخَذَهَا
[حاشية الصاوي]
الزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ لَمَّا مَكَّنَهُ الشَّرْعُ مِنْ أَخْذِهِ بِلَا شَيْءٍ فَإِبْقَاؤُهُ لِزَارِعِهِ بِكِرَاءٍ كَانَ ذَلِكَ الْكِرَاءُ عِوَضًا عَنْهُ فَهُوَ بَيْعٌ لَهُ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ.
قَوْلُهُ: [وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ] : قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ فِي كِرَاءِ الْأَرَضِينَ.
قَوْلُهُ: [فَلَيْسَ لِلْمُسْتَحِقِّ عَلَى الزَّارِعِ شَيْءٌ] : أَيْ فِي غَيْرِ وَارِثِ الْغَاصِبِ لِمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: " بِخِلَافِ وَارِثِ غَاصِبٍ مُطْلَقًا "؛ فَتَعْمِيمُ الشَّارِحِ فِي أَوَّلِ الْحَلِّ بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ قَلْعِ الزَّرْعِ وَلُزُومِ كِرَاءِ السَّنَةِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلْغَلَّةِ فَهُوَ ذُو شُبْهَةٍ بِالنَّظَرِ لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ حَرَثَ الْأَرْضَ ذُو الشُّبْهَةِ] : أَيْ وَالْمَجْهُولُ بِدَلِيلِ، مَا يَأْتِي.
الْمُسْتَحِقُّ) لَهَا (وَدَفَعَ) ، لِحَارِثِهَا ذِي الشُّبْهَةِ أَوْ الْمَجْهُولِ (كِرَاءَ الْحَرْثِ) . وَأَمَّا الْمُتَعَدِّي فَلَا يَلْزَمُ رَبَّهَا شَيْءٌ لِحَرْثٍ وَلَا غَيْرِهِ.
(وَإِنْ أَكْرَاهَا) ذُو الشُّبْهَةِ لِغَيْرِهِ (سِنِينَ) : الْمُرَادُ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ فَاسْتَحَقَّهَا مَالِكُهَا بَعْدَ الْإِجَارَةِ (فَلِلْمَالِكِ الْفَسْخُ) أَيْ فَسْخُ الْإِجَارَةِ (بَعْدَ الْحَرْثِ) فَأَوْلَى قَبْلَهُ وَلَهُ الْإِمْضَاءُ (وَقِيلَ) لَهُ، إنْ اخْتَارَ الْفَسْخَ بَعْدَ الْحَرْثِ وَقَبْلَ الزَّرْعِ (ادْفَعْ) لِلْمُكْتَرِي (أُجْرَتَهُ) : أَيْ أُجْرَةَ الْحَرْثِ (إنْ لَمْ يَزْرَعْ، فَإِنْ أَبَى) مِنْ دَفْعِ الْأُجْرَةِ (قِيلَ لِلْمُكْتَرِي) الَّذِي حَرَثَهَا: (ادْفَعْ) لِلْمُسْتَحِقِّ (كِرَاءَ سَنَةٍ) وَازْرَعْهَا (وَإِلَّا) تَدْفَعْ لَهُ كِرَاءَ سَنَةٍ (أَسْلِمْهَا) لَهُ (بِلَا شَيْءٍ) تَأْخُذُهُ مِنْهُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ أَكْرَاهَا ذُو الشُّبْهَةِ سَنَةً فَقَطْ أَوْ اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ حَرْثِ ذِي الشُّبْهَةِ مِنْهُ.
(وَإِنْ زَرَعَ) الْمُكْتَرِي (تَعَيَّنَ الْكِرَاءُ) عَلَيْهِ لِلْمَالِكِ وَلَا خِيَارَ لَهُ لِلْفَوَاتِ بِالزَّرْعِ هَذَا (إنْ بَقِيَ الْإِبَّانُ) فَإِنْ فَاتَ الْإِبَّانُ فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ كَلَامٌ فِي الْكِرَاءِ؛ لِأَنَّ ذَا الشُّبْهَةِ أَوْ الْمَجْهُولَ يَفُوزُ بِأُجْرَةِ تِلْكَ السَّنَةِ.
(وَلَهُ) : أَيْ لِلْمَالِكِ (الْإِمْضَاءُ) : أَيْ إمْضَاءُ الْإِجَارَةِ لِلْمُكْتَرِي مِنْ ذِي الشُّبْهَةِ (فِي الْمُسْتَقْبَلِ) : مِنْ السِّنِينَ (إنْ عَرَفَا) : أَيْ الْمُسْتَحِقُّ وَالْمُكْتَرِي (النِّسْبَةَ) : أَيْ نِسْبَةَ مَا يَنُوبُ الْبَاقِي مِنْ الْأُجْرَةِ لِتَكُونَ الْإِجَارَةُ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ، كَمَا لَوْ كَانَ لِكُلِّ سَنَةٍ دِينَارٌ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَدَفَعَ لِحَارِثِهَا ذِي الشُّبْهَةِ] : أَيْ فَإِنْ أَبَى مِنْ الدَّفْعِ قِيلَ لِذِي الشُّبْهَةِ الْحَارِثِ لَهَا ادْفَعْ لَهُ كِرَاءَ سَنَةٍ وَازْرَعْهَا، فَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ لَهُ كِرَاءَ سَنَةٍ لَزِمَهُ أَنْ يُسَلِّمَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ وَسَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ مَا يُفِيدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: أَوْ اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ حَرْثِ ذِي الشُّبْهَةِ مِنْهُ، وَمَا قِيلَ فِي ذِي الشُّبْهَةِ يُقَالُ فِي الْمَجْهُولِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ حَرْثِ ذِي الشُّبْهَةِ] : أَيْ أَوْ الْمَجْهُولِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [يَفُوزُ بِأُجْرَةِ تِلْكَ السَّنَةِ] : أَيْ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا مَالِكُ الْأَرْضِ، وَأَمَّا الْخَرَاجُ السُّلْطَانِيُّ الَّذِي يَلْزَمُ مَالِكَ الْأَرْضِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُ صَاحِبَ الشُّبْهَةِ لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الْمَالِكِ تَأَمَّلْ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تُعْلَمْ النِّسْبَةُ - بِأَنْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ تَخْتَلِفُ لِاخْتِلَافِ الْأَرْضِ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَعْرِفُ التَّعْدِيلَ - (فَالْفَسْخُ) : فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُتَعَيِّنٌ لِلْجَهْلِ بِالْأُجْرَةِ.
(وَلَا خِيَارَ لِلْمُكْتَرِي) إذَا أَمْضَى الْمُسْتَحِقُّ، بَلْ يَلْزَمُهُ الْعَقْدُ.
وَمِثْلُ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ غَيْرُهَا مِنْ عَقَارٍ أَوْ حَيَوَانٍ إذَا اُسْتُحِقَّ فَالْخِيَارُ لِلْمُسْتَحِقِّ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ وَلَا خِيَارَ لِلْمُكْتَرِي.
(وَانْتَقَدَ) الْمُسْتَحِقُّ: أَيْ يُقْضَى لَهُ بِانْتِقَادِ مَا بَقِيَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي أَرْضِ الزِّرَاعَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ دَارٍ أَوْ دَابَّةٍ بِشَرْطَيْنِ: أَشَارَ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (إنْ انْتَقَدَ الْمُكْرِي) ذُو الشُّبْهَةِ أَوْ الْمَجْهُولُ جَمِيعَ الْكِرَاءِ مِنْ الْمُكْتَرِي وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَرُدَّ أُجْرَةَ مَا بَقِيَ لِلْمُسْتَحِقِّ، وَقِيلَ، يَأْخُذُهَا مِنْ الْمُكْتَرِي ثُمَّ هُوَ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ أَكْرَاهُ (أَوْ شَرَطَهُ) الْمُكْرِي أَوْ جَرَى بِهِ عُرْفٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَقِدْ بِالْفِعْلِ.
وَأَشَارَ لِلثَّانِي بِقَوْلِهِ:
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَعْرِفُ التَّعْدِيلَ] : أَمَّا لَوْ وُجِدَ فَلَا فَسْخَ كَمَا لَوْ كَانَ اكْتَرَى الْأَرْضَ ثَلَاثَ سِنِينَ بِتِسْعِينَ دِينَارًا، وَقَالَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ: كِرَاؤُهَا فِي السَّنَةِ الْأُولَى يُسَاوِي أَرْبَعِينَ لِقُوَّةِ الْأَرْضِ، وَفِي السَّنَتَيْنِ الْبَاقِيَتَيْنِ خَمْسِينَ.
قَوْلُهُ: [عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ] : أَيْ لَهُ الْإِمْضَاءُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إنْ عَرَفَا النِّسْبَةَ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: [وَانْتَقَدَ الْمُسْتَحِقُّ] : أَيْ حَيْثُ أَمْضَى الْإِجَارَةَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ فَإِنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِأَخْذِ أُجْرَةِ ذَلِكَ الْبَاقِي حَالًّا.
قَوْلُهُ: [جَمِيعَ الْكِرَاءِ] : أَمَّا لَوْ انْتَقَدَ الْبَعْضَ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ عَيَّنَهُ بِمُدَّةٍ، فَإِنْ كَانَتْ مَاضِيَةً فَلِلْمُكْرِي، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَقْبَلَةً فَلِلْمُسْتَحِقِّ، وَإِنْ جَعَلَهُ عَنْ بَعْضٍ مُبْهَمٍ كَانَ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ مَا لِكُلٍّ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا إذَا اُشْتُرِطَ نَقْدُ بَعْضِهِ أَوْ كَانَ الْعُرْفُ نَقْدَ بَعْضِهِ.
قَوْلُهُ: [مَا بَقِيَ] : أَيْ لِلْأَيَّامِ الْمُسْتَقْبَلَةِ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يَأْخُذُهَا] : أَيْ الْمُسْتَحِقُّ.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ هُوَ] : أَيْ الْمُكْتَرِي.
(وَأُمِنَ هُوَ) : أَيْ الْمُسْتَحِقُّ: أَيْ كَانَ مَأْمُونًا فِي نَفْسِهِ وَدِينِهِ، بِأَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ وَلَا يُخْشَى مِنْهُ الْفِرَارُ أَوْ الْمَطْلُ أَوْ الظُّلْمُ خَوْفًا مِنْ طُرُوُّ اسْتِحْقَاقٍ آخَرَ فَيَتَعَذَّرُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ؛ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِحَمِيلٍ ثِقَةٍ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْمُونًا وَلَا حَمِيلَ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِدَ بَلْ يُوضَعُ مَا بَقِيَ مِنْ الْأُجْرَةِ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، وَذَكَرَ هَذَا الشَّرْطَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَتَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ يُونُسَ - اُنْظُرْ الْخَرَشِيَّ وَغَيْرَهُ.
(وَالْغَلَّةُ) : أَيْ غَلَّةُ مَا اُسْتُحِقَّ مِنْ أُجْرَةٍ أَوْ اسْتِعْمَالٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ ثَمَرَةٍ (لِذِي الشُّبْهَةِ أَوْ الْمَجْهُولِ) حَالُهُ (لِلْحُكْمِ) أَيْ لِوَقْتِ الْحُكْمِ بِالِاسْتِحْقَاقِ، فَلَيْسَ لِلْمُسْتَحِقِّ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ شَيْءٌ " مِنْهَا " وَأَمَّا الْغَاصِبُ أَوْ الْمُتَعَدِّي فَلَا غَلَّةَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ مَثَّلَ لِذِي الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: (كَوَارِثٍ غَيْرِ غَاصِبٍ، وَمَوْهُوبٍ، وَمُشْتَرٍ وَلَوْ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْغَاصِبِ (إنْ لَمْ يَعْلَمَا) : أَيْ الْمَوْهُوبُ وَالْمُشْتَرِي بِأَنَّ الْوَاهِبَ أَوْ الْبَائِعَ لَهُ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَأُمِنَ هُوَ] : إنَّمَا أَبْرَزَ الضَّمِيرَ لِمُخَالَفَةِ فَاعِلِ الْفِعْلَيْنِ الْمُتَعَاطِفَيْنِ؛ لِأَنَّ فَاعِلَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ الْمُكْرِي وَفَاعِلَ الْمَعْطُوفِ الْمُسْتَحِقُّ.
قَوْلُهُ: [وَلَا حَمِيلَ] : لَا نَافِيَةٌ لِلْجِنْسِ وَحَمِيلَ اسْمُهَا وَخَبَرُهَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ مَوْجُودٌ.
قَوْلُهُ: [وَتَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ يُونُسَ] : أَيْ بِقَوْلِهِ لَعَلَّ هَذَا الشَّرْطَ الثَّانِي فِي دَارٍ يَخَافُ عَلَيْهَا الْهَدْمَ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فَإِنَّهُ يَنْتَقِدُ وَلَا حُجَّةَ لِلْمُكْتَرِي مِنْ خَوْفِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالدَّارِ مِنْ جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ.
[رد الشُّبْهَة فِي الِاسْتِحْقَاق]
قَوْلُهُ: [وَالْغَلَّةُ] : مُبْتَدَأٌ وَلِذِي الشُّبْهَةِ صِفَةٌ لَهُ، وَقَوْلُهُ لِلْحُكْمِ خَبَرُهُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ الْمَجْهُولِ حَالُهُ] : قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْمَجْهُولَ حَالُهُ لَيْسَ ذَا شُبْهَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ وَهُوَ مَا تَحَرَّرَ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ لِوَقْتِ الْحُكْمِ] : " اللَّامُ " لِلْغَايَةِ بِمَعْنَى إلَى، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْغَلَّةَ تَكُونُ لِذِي الشُّبْهَةُ وَالْمَجْهُولِ حَالُهُ مِنْ يَوْمِ وَضَعَ يَدَهُ إلَى يَوْمِ الْحُكْمِ بِهِ لِذَلِكَ الْمُسْتَحِقِّ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ عَلَى صَاحِبِ الشُّبْهَةِ لَكِنْ سَيَأْتِي فِي بَابِ الْقَضَاءِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَكُونُ عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ خِلَافُ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ
غَاصِبٌ (بِخِلَافِ وَارِثِ غَاصِبٍ مُطْلَقًا) عَلِمَ بِأَنَّ مُوَرِّثَهُ غَاصِبٌ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلَا غَلَّةَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغَصْبِ فَلَيْسَ بِذِي شُبْهَةٍ.
فَإِنْ عَلِمَ الْمَوْهُوبُ أَوْ الْمُشْتَرِي بِأَنَّ الْوَاهِبَ أَوْ الْبَائِعَ غَاصِبٌ فَغَاصِبَانِ كَمَا تَقَدَّمَ، كَالْوَارِثِ إنْ عَلِمَ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلَهُ حُكْمُ الْغَاصِبِ مِنْ أَنَّهُ لَا غَلَّةَ لَهُ.
(وَ) بِخِلَافِ (مَوْهُوبِهِ) : أَيْ مَوْهُوبِ الْغَاصِبِ وَلَمْ يَعْلَمْ فَلَا غَلَّةَ لَهُ (إنْ عَدِمَ الْغَاصِبُ) فَإِنْ وُجِدَ مُوسِرًا مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَلَهُ الْغَلَّةُ وَالرُّجُوعُ حِينَئِذٍ عَلَى الْغَاصِبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغَصْبِ.
(وَمُحْيِي أَرْضًا ظَنَّهَا مَوَاتًا) فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ فَلَا غَلَّةَ لَهُ، بَلْ لِمُسْتَحِقِّهَا - ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ، وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا، وَلِذَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: الْغَلَّةُ لَا تَكُونُ لِكُلِّ ذِي شُبْهَةٍ.
(وَ) بِخِلَافِ (وَارِثٍ طَرَأَ عَلَيْهِ ذُو دَيْنٍ) :
[حاشية الصاوي]
أَنَّ مَنْ لَهُ الْغُنْمُ عَلَيْهِ الْغُرْمُ.
قَوْلُهُ: [عَلِمَ بِأَنَّ مُوَرِّثَهُ غَاصِبٌ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ] : أَيْ كَانَ الْغَاصِبُ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، فَإِذَا مَاتَ الْغَاصِبُ عَنْ سِلْعَةٍ مَغْصُوبَةٍ اسْتَغَلَّهَا مُوَرَّثُهُ أَخَذَهَا الْمُسْتَحِقُّ وَأَخَذَ غَلَّتَهَا أَيْضًا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: [فَغَاصِبَانِ] : أَيْ حُكْمًا.
قَوْلُهُ: [كَالْوَارِثِ] : أَيْ وَارِثِ كُلٍّ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمُشْتَرِي.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ] أَيْ مَنْ ذَكَرَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالْمُشْتَرِي وَالْوَارِثِ لِأَحَدِهِمَا، هَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ الْعِبَارَةِ.
وَقَوْلُهُ: [فَلَهُ حُكْمُ الْغَاصِبِ] إلَخْ: صَوَابُهُ فَلَهُ الْغَلَّةُ إلَى يَوْمِ الْحُكْمِ.
[تَنْبِيه إذَا كَانَتْ الدَّار المستحقة مُشْتَرَكَة]
قَوْلُهُ: [وَمُحْيِي أَرْضًا ظَنَّهَا مَوَاتًا] إلَخْ: اُنْظُرْ هَلْ مَنْ زَرَعَ أَرْضًا ظَنَّهَا مِلْكَهُ فَتَبَيَّنَ خِلَافَهُ، حُكْمُهَا حُكْمُ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا ظَنَّهَا مَوَاتًا أَوْ حُكْمُ صَاحِبِ الشُّبْهَةِ الْقَوِيَّةِ؟ قَوْلُهُ: [بَلْ لِمُسْتَحِقِّهَا] : أَيْ مُسْتَحِقِّ الْأَرْضِ بِالْمَلَكِيَّةِ وَيَجْرِي فِيهِ حُكْمُ قَوْلِهِ أَوَّلَ الْبَابِ إنْ زَرَعَ مُتَعَدٍّ فَقُدِرَ عَلَيْهِ إلَخْ.
فَلَا غَلَّةَ لِلْوَارِثِ الْمَطْرُوِّ عَلَيْهِ بَلْ يَأْخُذُ مِنْهُ رَبُّ الدَّيْنِ الْمَوْرُوثَ وَغَلَّتَهُ.
أَيْ أَنَّ الْوَارِثَ إذَا وَرِثَ عَقَارًا كَدَارٍ مَثَلًا - وَاسْتَغَلَّهُ بِسُكْنَى أَوْ كِرَاءٍ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ مَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى الْمَيِّتِ، فَإِنَّ الْوَارِثَ يَرُدُّ الْمَوْرُوثَ وَغَلَّتَهُ لِرَبِّ الدَّيْنِ إذَا كَانَ الدَّيْنُ يَسْتَوْفِيهَا " وَلَيْسَ لَهُ إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ الدَّيْنِ.
وَمَا هَلَكَ مِنْ ذَلِكَ بِسَمَاوِيٍّ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ.
(أَوْ) طَرَأَ عَلَيْهِ (وَارِثٌ) مِثْلُهُ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَا يَسْتَقِلُّ بِالْغَلَّةِ، فَالْأَخُ الطَّارِئُ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَلَا غَلَّةَ لِلْوَارِثِ الْمَطْرُوِّ عَلَيْهَا] : أَيْ بَلْ يَأْخُذُهَا رَبُّ الدَّيْنِ إذَا كَانَ الدَّيْنُ يَسْتَوْفِيهَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ نَاشِئَةً عَنْ تَجْرِ الْوَارِثِ أَوْ تَجْرِ الْوَصِيِّ لِلْوَارِثِ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
فَإِذَا مَاتَ شَخْصٌ وَتَرَكَ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ وَتَرَكَ أَيْتَامًا وَاتَّجَرَ وَصِيُّهُمْ فِي الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ حَتَّى صَارَ سِتَّمِائَةٍ فَطَرَأَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ قَدْرُهَا أَوْ أَكْثَرُ، فَلِأَصْحَابِ الدَّيْنِ أَخْذُهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، خِلَافًا لِلْمَخْزُومِيِّ الْقَائِلِ: إنَّ رَبَّ الدَّيْنِ الطَّارِئِ إنَّمَا يَأْخُذُ الْغَلَّةَ مِنْ الْوَارِثِ إذَا كَانَتْ غَيْرَ نَاشِئَةٍ عَنْ تَحْرِيكِهِ أَوْ تَحْرِيكِ وَصِيِّهِ، وَقَوْلُنَا: وَاتَّجَرَ وَصِيُّهُمْ فِي الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ: أَيْ لِلْأَيْتَامِ، وَأَمَّا إنْ اتَّجَرَ لِنَفْسِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ رِبْحَ الْمَالِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَسَلِّفٌ " وَلَا يُقَالُ: قَدْ كَشَفَ الْغَيْبُ أَنَّ الْمَالَ لِلْغَرِيمِ؛ لِأَنَّنَا نَقُولُ: الْوَصِيُّ الْمُتَّجِرُ لِنَفْسِهِ أَوْلَى مِمَّنْ غَصَبَ مَالًا وَاتَّجَرَ فِيهِ فَإِنَّ رِبْحَهُ لَهُ، وَأَمَّا لَوْ طَرَأَ الْغَرِيمُ بَعْدَ إنْفَاقِ الْوَلِيِّ التَّرِكَةَ عَلَى الْأَيْتَامِ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِالْغَرِيمِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَلِيِّ وَلَا عَلَى الْأَيْتَامِ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ بِوَجْهٍ جَائِزٍ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
بِخِلَافِ إنْفَاقِ الْوَرَثَةِ الْكِبَارِ نَصِيبَهُمْ فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ لِلْغَرِيمِ الطَّارِئِ بِلَا خِلَافٍ.
وَقَرَّرَ فِي الْحَاشِيَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مَا مُحَصَّلُهُ: لَوْ عَمِلَ أَوْلَادُ رَجُلٍ فِي مَالِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ مَعَهُ أَوْ وَحْدَهُمْ وَنَشَأَ مِنْ عَمَلِهِمْ غَلَّةٌ كَانَتْ تِلْكَ الْغَلَّةُ لِلْأَبِ، وَلَيْسَ لِلْأَوْلَادِ إلَّا أُجْرَةُ عَمَلِهِمْ يَدْفَعُهَا لَهُمْ بَعْدَ مُحَاسَبَتِهِمْ بِنَفَقَتِهِمْ وَزَوَاجِهِمْ إنْ زَوَّجَهُمْ، فَإِنْ لَمْ تَفِ أُجْرَتُهُمْ بِذَلِكَ رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِالْبَاقِي إنْ لَمْ يَكُنْ تَبَرَّعَ لَهُمْ بِمَا ذَكَرَ، وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ الْأَوْلَادُ بَيَّنُوا لِأَبِيهِمْ أَوَّلًا أَنَّ مَا حَصَلَ مِنْ الْغَلَّةِ لَهُمْ أَوْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَإِلَّا عَمِلَ بِمَا دَخَلُوا عَلَيْهِ.
وَقَرَّرَ أَيْضًا أَنَّهُ: إذَا اتَّجَرَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ فِي التَّرِكَةِ فَمَا حَصَلَ مِنْ الْغَلَّةِ فَهُوَ تَرِكَةٌ وَلَهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ إنْ لَمْ يُبَيِّنْ أَوَّلًا أَنَّهُ يَتَّجِرُ لِنَفْسِهِ: فَإِنْ بَيَّنَ كَانَتْ الْغَلَّةُ لَهُ وَالْخَسَارَةُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ إلَّا الْقَدْرُ الَّذِي تَرَكَهُ مُوَرِّثُهُمْ.
قَوْلُهُ: [أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ وَارِثٌ] : أَشْعَرَ قَوْلُهُ طَرَأَ عَلَيْهِ وَارِثٌ أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ مُسْتَحِقٌّ
يُقَاسِمُ الْأَخَ الْأَوَّلَ فِيمَا تَرَكَ الْمَيِّتُ مِنْ عَقَارٍ أَوْ غَيْرِهِ وَفِيمَا اسْتَغَلَّهُ.
(إلَّا أَنْ يَنْتَفِعَ) الْمَطْرُوُّ عَلَيْهِ بِمَا تَرَكَ الْمَيِّتُ (بِنَفْسِهِ) مِنْ غَيْرِ كِرَاءٍ؛ كَأَنْ يَسْكُنَ الدَّارَ وَيَرْكَبَ الدَّابَّةَ وَيَزْرَعَ الْأَرْضَ فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الطَّارِئُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ عَالِمًا بِالطَّارِئِ، وَأَنْ يَكُونَ فِي نَصِيبِهِ مَا يَكْفِيهِ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهِ فِي السُّكْنَى، فَإِنْ زَادَ غَرِمَ، تَأَمَّلْ: وَأَنْ لَا يَكُونَ الطَّارِئُ يَحْجُبُ الْمَطْرُوَّ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَفُوتَ الْإِبَّانُ فِيمَا لَهُ إبَّانٌ فَطُرُوُّ وَارِثٍ عَلَى غَيْرِهِ قَبْلَ الْإِبَّانِ لَا يَمْنَعُ قِيَامَ الطَّارِئِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ.
[حاشية الصاوي]
وُقِفَ عَلَى مُسْتَحِقٍّ آخَرَ اسْتَغَلَّهُ أَوْ سَكَنَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِالْغَلَّةِ وَلَا بِالسُّكْنَى وَهُوَ كَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَأَمَّا إنْ اسْتَغَلَّهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِالطَّارِئِ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا يَخُصُّهُ فِي الْغَلَّةِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَنْتَفِعَ الْمَطْرُوُّ عَلَيْهِ] : شُرُوعٌ فِي شُرُوطِ عَدَمِ رُجُوعِ الطَّارِئِ بِالْغَلَّةِ، وَهِيَ سِتَّةٌ تُؤْخَذُ مِنْ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ.
قَوْلُهُ: [وَأَنْ يَكُونَ فِي نَصِيبِهِ مَا يَكْفِيهِ] : فِي الْأَصْلِ وَالْخَرَشِيُّ زِيَادَةُ " لَا "، وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُنَا.
قَوْلُهُ: [تَأَمَّلْ] : إنَّمَا أَمَرَ بِالتَّأَمُّلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَدْرِ نَصِيبِهِ فِي السُّكْنَى مُشْكِلٌ لِمَا قَالُوهُ فِي مَسْأَلَةِ الشَّرِيكَيْنِ الْآتِيَةِ فِي التَّنْبِيهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ: مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ بِالطَّارِئِ لَا يَضُرُّ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى نَصِيبِهِ.
قَوْلُهُ: [وَأَنْ يَفُوتَ الْإِبَّانُ فِيمَا لَهُ إبَّانٌ] : أَيْ كَالْأَرْضِ الَّتِي تُرَادُ لِلزِّرَاعَةِ، فَإِنْ كَانَ الْإِبَّانُ بَاقِيًا فَلَا يَفُوزُ الْمَطْرُوُّ عَلَيْهِ بِمَا انْتَفَعَ بِهِ بَلْ يُحَاسِبُهُ الطَّارِئُ بِقَدْرِ مَا يَخُصُّهُ.
تَنْبِيهٌ: إذَا كَانَتْ الدَّارُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ شَخْصَيْنِ فَاسْتَغَلَّهَا أَحَدُهُمَا مُدَّةً، فَإِنْ كَانَ بِكِرَاءٍ رَجَعَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ بِحِصَّتِهِ، وَإِنْ اسْتَغَلَّهَا بِالسُّكْنَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِشَرِيكِهِ إنْ سَكَنَ فِي قَدْرِ حِصَّتِهِ، فَإِنْ سَكَنَ أَكْثَرَ مِنْهَا رَجَعَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ.
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي عَدَمِ اتِّبَاعِ شَرِيكِهِ لَهُ إلَّا هَذَا الشَّرْطُ وَبَاقِي الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَا تُعْتَبَرُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ بْن.
(وَإِنْ بَنَى) ذُو الشُّبْهَةِ (أَوْ غَرَسَ) فَاسْتُحِقَّ (قِيلَ لِلْمَالِكِ) الَّذِي اسْتَحَقَّ الْأَرْضَ: (ادْفَعْ قِيمَتَهُ قَائِمًا) مُنْفَرِدًا عَنْ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ رَبَّهُ بَنَاهُ بِوَجْهِ شُبْهَةٍ، (فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلْبَانِي: ادْفَعْ) لِمُسْتَحِقِّ الْأَرْضِ (قِيمَةَ الْأَرْضِ) بَرَاحًا (فَإِنْ أَبَى) أَيْضًا (فَشَرِيكَانِ بِالْقِيمَةِ) : هَذَا بِقِيمَةِ أَرْضِهِ بَرَاحًا وَهَذَا بِقِيمَةِ بِنَائِهِ أَوْ غَرْسِهِ قَائِمًا (يَوْمَ الْحُكْمِ) لَا يَوْمَ الْغَرْسِ أَوْ الْبِنَاءِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَإِنْ بَنَى ذُو الشُّبْهَةِ أَوْ غَرَسَ] : أَوْ مَانِعَةُ خُلُوٍّ تُجَوِّزُ الْجَمْعُ، وَالْمُرَادُ بِذِي الشُّبْهَةِ الْمُشْتَرِي أَوْ الْمُكْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ مِنْهُ أَوْ الْمُسْتَعِيرِ وَلَمْ يَعْلَمْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِالْغَصْبِ.
وَقَوْلُهُ: " بَنَى أَوْ غَرَسَ ": فَرَضَ مَسْأَلَةً إذْ لَوْ صَرَفَ مَالًا عَلَى تَفْصِيلِ عَرَضٍ أَوْ خِيَاطَتِهِ أَوْ عَمَّرَ سَفِينَةً فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَاحْتَرَزَ بِذِي الشُّبْهَةِ مِمَّا لَوْ بَنَى أَحَدُ الشُّرَكَاءِ أَوْ غَرَسَ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، فَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ يَرْجِعُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا يُلْزَمُ بِقَلْعِهِ، بَلْ إنْ اقْتَسَمُوا وَوَقَعَ فِي قِسْمِ غَيْرِهِ دَفَعَ لَهُ قِيمَتَهُ مَنْقُوضًا، وَإِنْ أَبْقَوْا الشَّرِكَةَ عَلَى حَالِهَا فَلَهُمْ أَنْ يَأْمُرُوهُ بِأَخْذِهِ أَوْ يَدْفَعُوا لَهُ قِيمَتَهُ مَنْقُوضًا.
قَوْلُهُ: [ادْفَعْ قِيمَتَهُ قَائِمًا] : أَيْ وَلَوْ مِنْ بِنَاءِ الْمُلُوكِ؛ لِأَنَّهُ وَضَعَهُ بِوَجْهِ شُبْهَةٍ كَذَا فِي الْخَرَشِيِّ، وَرَدَّهُ بْن بِأَنَّ ابْنَ عَرَفَةَ قَيَّدَهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ بِنَاءِ الْمُلُوكِ وَذَوِي السَّرَفِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَالْمَنْصُوصُ أَنَّ فِيهِ قِيمَتَهُ مَنْقُوضًا؛ لِأَنَّ شَأْنَهُمْ الْإِسْرَافُ وَالتَّغَالِي، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِسَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ.
قَوْلُهُ: [يَوْمَ الْحُكْمِ] : أَيْ بِالشَّرِكَةِ وَكَيْفِيَّةِ التَّقْوِيمِ أَنْ يُقَالَ: مَا قِيمَةُ الْبِنَاءِ قَائِمًا عَلَى أَنَّهُ فِي أَرْضِ الْغَيْرِ؟ فَيُقَالُ: كَذَا، وَمَا قِيمَةُ الْأَرْضِ مُفْرَدَةً عَنْ الْغَرْسِ أَوْ الْبِنَاءِ الَّذِي فِيهَا؟ فَيُقَالُ: كَذَا، فَيَكُونَا شَرِيكَيْنِ بِقِيمَةِ مَا لِكُلٍّ، فَلَوْ قِيلَ لِلْمُسْتَحِقِّ: أَعْطِهِ قِيمَتَهُ قَائِمًا فَقَالَ: لَيْسَ عِنْدِي مَا أُعْطِيهِ الْآنَ، وَلَكِنْ يَسْكُنُ وَيَنْتَفِعُ حَتَّى يَرْزُقَنِي اللَّهُ مَا أُؤَدِّي مِنْهُ قِيمَةَ الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ وَلَوْ رَضِيَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، وَكَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ مِنْهُ يَسْتَوْفِي مَا وَجَبَ لَهُ مِنْ قِيمَةِ الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ مِنْ كِرَاءِ الشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ لِفَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَبْضَ الْأَوَائِلِ كَقَبْضِ الْأَوَاخِرِ.
(إلَّا الْمُسْتَحَقَّةَ بِحَبْسٍ) عَلَى مُعَيَّنَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمْ (فَالنُّقْضُ) بِضَمِّ النُّونِ: أَيْ الْمَنْقُوضُ مُتَعَيِّنٌ لِرَبِّهِ بِأَنْ يُقَالَ لَهُ: اُنْقُضْ بِنَاءَك أَوْ غَرْسَك وَخُذْهُ وَدَعْ الْأَرْضَ لِمَنْ وُقِفَتْ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَقَائِهِ مَنْفَعَةٌ لِلْوَقْفِ وَرَأَى النَّاظِرُ إبْقَاءَهُ فَلَهُ دَفْعُ قِيمَتِهِ مَنْقُوضًا مِنْ رَيْعِ الْوَقْفِ إنْ كَانَ لَهُ رَيْعٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَيْعٌ وَدَفَعَهُ مِنْ عِنْدَهُ مُتَبَرِّعًا لِحَقٍّ بِالْوَقْفِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ؛ كَمَا لَوْ بَنَى هُوَ أَوْ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ فَلَا يَكُونُ مَمْلُوكًا لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ بَلْ هُوَ مُلْحَقٌ بِالْوَقْفِ عَلَى مَا نَصُّوا عَلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاقِعَ الْآنَ بِمِصْرَ أَنَّ النُّظَّارَ يَبِيعُونَ أَوْقَافَ الْمَسَاجِدِ أَوْ غَيْرَهَا وَالْمُشْتَرِي مِنْهُمْ عَالِمٌ عَارِفٌ بِأَنَّ هَذَا وَقْفٌ عَلَى مَسْجِدِ الْغُورِيِّ أَوْ الْأَشْرَفِ أَوْ غَيْرِهِمَا أَوْ عَلَى بَنِي فُلَانٍ، ثُمَّ يَجْعَلُونَ لِجِهَةِ الْوَقْفِ دَرَاهِمَ قَلِيلَةً يُسَمُّونَهَا حَكْرًا وَيُسَمُّونَ اسْتِيلَاءَ الْبُغَاةِ عَلَى تِلْكَ الْأَوْقَافِ خُلُوًّا وَانْتِفَاعًا، يُبَاعُ وَيُشْتَرَى وَيُوَرَّثُ، وَبَعْضُهُمْ يَرْفَعُ ذَلِكَ الْحَكْرَ بِتَوْجِيهِ النَّاظِرِ عَلَى نَحْوِ جَامَكِيَّةٍ أَوْ وَظِيفَةٍ وَيُبْطِلُونَ الْوَقْفَ مِنْ أَصْلِهِ ثُمَّ يَنْسُبُونَ جَوَازَ ذَلِكَ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَصَارَ قُضَاةُ مِصْرَ يَحْكُمُونَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ مُعْتَمَدِينَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَحَاشَا الْمَالِكِيَّةَ أَنْ يَقُولُوا بِذَلِكَ: كَيْفَ؟ وَمَذْهَبُهُمْ هُوَ الْمَبْنِيُّ عَلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ وَإِبْطَالِ الْحِيَلِ؟ وَسَنَدُهُمْ: فَتْوَى وَقَعَتْ مِنْ النَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَانْظُرْهَا فِي الْمُطَوَّلَاتِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [إلَّا الْمُسْتَحَقَّةَ بِحَبْسٍ فَالنَّقْضُ] : مَا مَرَّ فِيمَا إذَا لَمْ تُسْتَحَقَّ الْأَرْضُ بِحَبْسٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ بَنَى أَوْ غَرَسَ فِي الْأَرْضِ تُوجِبُ شُبْهَةً ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ بِحَبْسٍ فَلَيْسَ لِلْبَانِي أَوْ الْغَارِسِ إلَّا نَقْضُهُ، إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ قِيمَةَ الْبُقْعَةِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ الْحَبْسِ، وَلَيْسَ لَنَا أَحَدٌ مُعَيَّنٌ نُطَالِبُهُ بِدَفْعِ قِيمَةِ الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ قَائِمًا فَيَتَعَيَّنُ النُّقْضُ بِضَمِّ النُّونِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْحَبْسُ عَلَى مُعَيَّنَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا.
خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ.
قَوْلُهُ: [فَانْظُرْهَا فِي الْمُطَوَّلَاتِ] : حَاصِلُهَا أَنَّهُ قَالَ فِي فَتْوَاهُ: اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَتَعَطَّلَ الْوَقْفُ بِالْمَرَّةِ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ رَيْعٌ لَهُ يُقَيِّمُهُ وَلَمْ يُمْكِنْ إجَارَتُهُ بِمَا يُقَيِّمُهُ فَأَذِنَ النَّاظِرُ لِمَنْ يَبْنِي فِيهِ أَوْ يَغْرِسُ فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ يَدْفَعُهُ لِجِهَةِ الْوَقْفِ، أَوْ لَا يَقْصِدُ إحْيَاءَ الْوَقْفِ عَلَى أَنَّ مَا بَنَاهُ أَوْ غَرَسَهُ يَكُونُ لَهُ مِلْكًا وَيَدْفَعُ عَلَيْهِ حَكْرًا مَعْلُومًا فِي نَظِيرِ الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ لِمَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ مَسْجِدٍ أَوْ آدَمِيٍّ، فَلَعَلَّ هَذَا يَجُوزُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُسَمَّى
وَالرِّسَالَةُ الَّتِي أَلَّفَهَا الْغَرْقَاوِيُّ فِي جَوَازِ ذَلِكَ لَا تُوَافِقُ قَوَاعِدَ الْمَذْهَبِ.
(وَلِمَنْ اسْتَحَقَّ) بِالْمِلْكِ (أُمَّ وَلَدٍ) مِمَّنْ أَوْلَدَهَا بِشُبْهَةٍ، كَأَنْ اشْتَرَاهَا مِنْ غَاصِبٍ بِلَا عِلْمٍ فَأَوْلَدَهَا فَاسْتَحَقَّ مَالِكُهَا (قِيمَتَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا) مِنْهُ (يَوْمَ الْحُكْمِ) بِالِاسْتِحْقَاقِ، لَا يَوْمَ الْوَطْءِ وَلَا يَوْمَ الشِّرَاءِ وَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ بِاتِّفَاقٍ إذَا كَانَ سَيِّدُهَا الْوَاطِئُ حُرًّا، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ، وَكَانَ أَوَّلًا يَقُولُ: لِرَبِّهَا أَخْذُهَا إنْ شَاءَ مَعَ قِيمَةِ الْوَلَدِ يَوْمَ الْحُكْمِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ قِيمَتَهَا فَقَطْ يَوْمَ الْوَطْءِ وَبِهِ أُفْتِيَ لَمَّا اُسْتُحِقَّتْ أُمُّ وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ: أُمُّ وَلَدِهِ مُحَمَّدٍ.
(وَ) لَهُ (الْأَقَلُّ مِنْهَا) : أَيْ مِنْ قِيمَةِ يَوْمِ قَتْلِهِ (وَمِنْ الدِّيَةِ فِي) الْقَتْلِ (الْخَطَأِ) وَلَوْ لَمْ يَأْخُذْهَا الْأَبُ مِنْ عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ لَهُ (أَوْ) الْأَقَلُّ مِنْهَا أَوْ
[حاشية الصاوي]
الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ حِينَئِذٍ خُلُوًّا يُمَلَّكُ وَيُبَاعُ وَيُوَرَّثُ (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) : وَلِذَلِكَ قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَمِلْكُ الْخُلُوِّ مِنْ قَبِيلِ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ لَا مِنْ قَبِيلِ مِلْكِ الِانْتِفَاعِ، وَحِينَئِذٍ فَلِمَالِكِ الْخُلُوِّ بَيْعُهُ وَإِجَارَتُهُ وَهِبَتُهُ وَإِعَارَتُهُ وَيُوَرَّثُ عَنْهُ وَيَتَحَاصَصُ فِيهِ غُرَمَاؤُهُ، حَكَاهُ (بْن) عَنْ جُمْلَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يَمْلِكُهُ دَافِعُ الدَّرَاهِمِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي مُقَابَلَةِ الدَّرَاهِمِ، وَلِذَا يُقَالُ أُجْرَةُ الْوَقْفِ كَذَا وَأُجْرَةُ الْخُلُوِّ كَذَا.
قَوْلُهُ: [وَالرِّسَالَةُ الَّتِي أَلَّفَهَا] إلَخْ: تَنْوِيعٌ فِي التَّعْبِيرِ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ اسْتِنَادُهُمْ فَتْوَى النَّاصِرِ فَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَإِنْ كَانَ اسْتِنَادُهُمْ الرِّسَالَةَ الْمَذْكُورَةَ فَهِيَ لَا تُوَافِقُ قَوَاعِدَ الْمَذْهَبِ.
[اسْتِحْقَاق أُمّ الْوَلَد]
قَوْلُهُ: [إذَا كَانَ سَيِّدُهَا الْوَاطِئُ حُرًّا] : مَفْهُومُهُ لَوْ كَانَ رَقِيقًا لَأُخِذَ وَبَقِيَ عَلَى رِقَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ خَيْرًا مِنْ أَبِيهِ.
قَوْلُهُ: [مَعَ قِيمَةِ الْوَلَدِ يَوْمَ الْحُكْمِ] : أَيْ وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِدُونِ مَالِهِ كَمَا أَنَّ الْأُمَّ تُقَوَّمُ بِدُونِ مَالِهَا؛ لِأَنَّ مَالَهَا لِمُسْتَحِقِّهَا كَمَا فِي الْأُجْهُورِيِّ.
قَوْلُهُ: [وَبِهِ أُفْتِيَ] : عَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ رُشْدٍ بِقَوْلِهِ: وَبِهِ حُكِمَ عَلَيْهِ فِي اسْتِحْقَاقِ أُمِّ وَلَدِهِ (اهـ) قَالَ بْن: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ " أُفْتِيَ " فِي كَلَامِ غَيْرِهِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، وَأَنَّ غَيْرَهُ أَفْتَاهُ فِي هَذَا، لَا أَنَّهُ أَفْتَى بِهِ لِنَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي كَلَامِ الْفَاكِهَانِيِّ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَفْتَى بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ (اهـ) .
(مِمَّا صَالَحَ بِهِ) أَبُوهُ الْقَاتِلَ (فِي) الْقَتْلِ (الْعَمْدِ) إنْ صَالَحَ بِقَدْرِ الدِّيَةِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، إلَّا أَنْ يُصَالِحَ بِأَقَلَّ مِنْهُمَا، فَلَهُ أَخْذُهُ وَالرُّجُوعُ عَلَى الْجَانِي بِالْأَقَلِّ مِنْ بَاقِي الْقِيمَةِ أَوْ الدِّيَةِ، فَإِنْ اقْتَصَّ الْأَبُ فَلَا شَيْءَ لِلْمُسْتَحِقِّ.
(لَا إنْ عَفَا) الْأَبُ عَنْ الْقَاتِلِ فِي الْعَمْدِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْمُسْتَحِقِّ، وَلِلْمُسْتَحِقِّ الرُّجُوعُ عَلَى الْقَاتِلِ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ وَالدِّيَةِ.
(وَلَا شَيْءَ لِمُسْتَحِقٍّ بِحُرِّيَّةٍ) : لَا صَدَاقَ وَلَا غَلَّةَ أَيْ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى أَمَةً أَوْ عَبْدًا فَوَطِئَهَا أَوْ اسْتَخْدَمَهَا أَوْ اسْتَخْدَمَ الْعَبْدَ فَاسْتَحَقَّتْ حُرِّيَّتَهَا فَلَا صَدَاقَ فِي وَطْئِهَا وَلَا غَلَّةَ فِي اسْتِعْمَالِهَا أَوْ اسْتِعْمَالِ الْعَبْدِ.
(وَإِنْ اُسْتُحِقَّ بَعْضٌ) مِنْ مُتَعَدِّدٍ اُشْتُرِيَ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ كَأَنْ يَشْتَرِيَ عَشْرَةَ أَثْوَابٍ بِمِائَةٍ فَاسْتُحِقَّ مِنْهَا وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ (فَكَالْمَعِيبِ) فَإِنْ كَانَ مُسْتَحَقٌّ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَوْ مِمَّا صَالَحَ] : الْمُنَاسِبُ الْوَاوُ أَيْ: فَإِذَا كَانَتْ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَتْلِ مِائَتَيْنِ وَوَقَعَ الصُّلْحُ بِخَمْسِمِائَةٍ أَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ الْقِيمَةَ مِائَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ مِمَّا صَالَحَ بِهِ، وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ بِمِائَتَيْنِ قَدْرَ الْقِيمَةِ أَخَذَهُمَا الْمُسْتَحِقُّ، فَإِنْ صَالَحَ بِمِائَةٍ تَعَيَّنَ أَنْ يَأْخُذَهَا الْمُسْتَحِقُّ لَا الْقِيمَةَ الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا أَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ تِلْكَ الْمِائَةَ مِنْ الْأَبِ رَجَعَ ذَلِكَ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى الْجَانِي أَيْضًا بِمِائَةٍ بَاقِي الْقِيمَةِ إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ مِائَتَيْنِ كَمَا فَرَضْنَا.
قَوْلُهُ: [لَا صَدَاقَ وَلَا غَلَّةَ] : أَيْ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْغَلَّةَ لِذِي الشُّبْهَةِ وَالْمُشْتَرِي ذُو شُبْهَةٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ مُسْتَحِقِّ مُدَّعِي حُرِّيَّةٍ اسْتَعْمَلَهُ إنْسَانٌ، فَلِمَنْ اسْتَحَقَّهُ بِرِقٍّ الرُّجُوعُ عَلَى مَنْ اسْتَعْمَلَهُ بِأُجْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ إلَّا الْقَلِيلَ؛ كَسَقْيِ الدَّابَّةِ وَشِرَاءِ شَيْءٍ تَافِهٍ فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ اُسْتُحِقَّ بَعْضٌ] إلَخْ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ الْخِيَارِ مُفَصَّلَةً، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا هُنَا؛ لِأَنَّ مَا هُنَا مَحَلُّهَا.
قَوْلُهُ: [فَكَالْمَعِيبِ] : حَاصِلُ اسْتِحْقَاقِ الْبَعْضِ أَنْ تَقُولَ: لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ شَائِعًا، أَوْ مُعَيَّنًا.
فَإِنْ كَانَ شَائِعًا بِمَا لَا يَنْقَسِمُ - وَلَيْسَ مِنْ رُبَاعِ الْغَلَّةِ - خُيِّرَ الْمُشْتَرِي فِي التَّمَسُّكِ وَالرُّجُوعِ بِحِصَّةِ الْمُسْتَحِقِّ مِنْ الثَّمَنِ، وَفِي رَدِّهِ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ سَوَاءٌ اُسْتُحِقَّ الْأَقَلُّ أَوْ الْأَكْثَرُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْقَسِمُ أَوْ كَانَ مُتَّخَذًا لِلْغَلَّةِ خُيِّرَ فِي
وَجْهَ الصَّفْقَةِ تَعَيَّنَ نَقْضُ الْبَيْعِ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالْأَقَلِّ إذَا اُسْتُحِقَّ الْأَكْثَرُ أَوْ ظَهَرَ مَعِيبًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَجْهِ الصَّفْقَةِ جَازَ التَّمَسُّكُ بِالْبَاقِي.
وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالتَّقْوِيمِ لَا بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ.
(وَ) مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا فَاسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ (رَجَعَ) الْمُشْتَرِي (الْمُسْتَحَقُّ مِنْهُ) ذَلِكَ الشَّيْءُ (بِالثَّمَنِ) الَّذِي خَرَجَ مِنْ يَدِهِ (عَلَى بَائِعِهِ، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ صِحَّةَ مِلْكِهِ) : أَيْ مِلْكِ الْبَائِعِ لِمَا اُسْتُحِقَّ مِنْهُ وَأَنَّ مُدَّعِي الِاسْتِحْقَاقِ هُوَ الظَّالِمُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ، وَصَارَتْ الْمُصِيبَةُ مِنْهُ.