حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالكصفحات 648-688
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(لَا) دَيْنَ (كَفَّارَةٍ) لِيَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِ كَظِهَارٍ وَصَوْمٍ، (وَ) لَا دَيْنَ (هَدَى) وَجَبَ عَلَيْهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يَسْقُطَانِ زَكَاةُ الْعَيْنِ.
(إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ) أَيْ لِرَبِّ الْعَيْنِ الْمَدِينِ (مِنْ الْعُرُوضِ مَا) أَيِّ شَيْءٍ (يَفِي بِهِ) أَيْ بِدَيْنِهِ؛ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ فِي نَظِيرِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ وَيُزَكِّي مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْنِ.
وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الزَّكَاةُ بِشَرْطَيْنِ: أَشَارَ لِأَوَّلِهِمَا بِقَوْلِهِ: (إنْ حَالَ حَوْلُهُ) : أَيْ الْعَرْضُ (عِنْدَهُ) .

[حاشية الصاوي]

لِلْوَلَدِ أَكْثَرُ مِنْ مُسَامَحَةِ الْوَلَدِ لَهُمَا لِأَنَّ حُبَّ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ مَوْرُوثٌ مِنْ آدَمَ، وَلَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ حُبُّ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ.
قَوْلُهُ: [لَا دَيْنَ كَفَّارَةٍ] إلَخْ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ دَيْنِ الزَّكَاةِ أَنَّ دَيْنَ الزَّكَاةِ تُتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ مِنْ الْإِمَامِ الْعَدُوِّ وَيَأْخُذُهَا كُرْهًا بِخِلَافِ الْكَفَّارَةِ وَالْهَدْيِ، فَإِنَّهُ لَا يُتَوَجَّهُ فِيهِمَا ذَلِكَ وَتَعَقَّبْ هَذَا الْفَرْقُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَرَفَةَ قَائِلًا: لَا فَرْقَ بَيْنَ دَيْنِ الزَّكَاةِ وَالْهَدْي وَالْكَفَّارَةِ فِي مُطَالَبَةِ الْإِمَامِ بِهَا، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ فَتَحَصَّلَ أَنَّ فِي دَيْنِ الْكَفَّارَةِ وَالْهَدْي طَرِيقَتَيْنِ: طَرِيقَةُ ابْنِ عَتَّابٍ يَقُولُ كَالزَّكَاةِ، وَطَرِيقَةُ الْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ وَشُرَّاحِهِ أَنَّهُمَا لَيْسَا كَالزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ: [إنْ حَالَ حَوْلُهُ] : أَيْ مَضَى لَهُ حَوْل.
وَالْمُرَادُ بِالْحَوْلِ: السَّنَةُ كَمَا هُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ كَلَامِهِمْ.
وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ هَذَا الشَّرْطُ إذَا مَرَّ عَلَى الدَّيْنِ حَوْلٌ وَهُوَ عِنْدَ الْمَدِينِ، وَإِلَّا فَالشَّرْطُ مُسَاوَاةُ الدَّيْنِ لِمَا يَجْعَلُ فِيهِ زَمَانًا.
وَاشْتِرَاطُ مُرُورِ الْحَوْلِ عَلَى مَا يَجْعَلُ فِي الدَّيْنِ مِنْ الْعَرَضِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ بَلْ يَجْعَلُ قِيمَتَهُ فِي مُقَابِلَةِ الدَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَمُرْ عَلَيْهِ حَوْلٌ عِنْدَهُ.
قَالَ (ر) : وَبَنَوْا هَذَا الْخِلَافَ عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْعَرَضِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ هُوَ مُنْشِئٌ لِمِلْكِ الْعَيْنِ الَّتِي بِيَدِهِ مِنْ الْآنَ وَحِينَئِذٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا لِفَقْدِ الْحَوْلِ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ - أَوْ كَاشِفٌ أَنَّهُ كَانَ مَالِكًا لَهَا، وَحِينَئِذٍ فَيُزَكِّي، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ.
وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ هَذَا الْبِنَاءَ يُوجِبُ عُمُومَ شَرْطِ الْحَوْلِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كُلِّ مَا يَجْعَلُ فِي مُقَابِلَةِ الدَّيْنِ مِنْ مَعْشَرٍ وَمَعْدِنٍ وَغَيْرِهِمَا، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا مُرُورَ الْحَوْلِ إلَّا فِي الْعَرَضِ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوهُ فِي الْمَعْشَرِ وَالْمَعْدِنِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا فِي الْمَوَّاقِ.
اُنْظُرْ (بْن) . كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.

وَلِلثَّانِيَّ بِقَوْلِهِ: (وَبَيْعُ) ذَلِكَ الْعَرْضِ: أَيْ وَكَانَ مِمَّا يُبَاعُ (عَلَى الْمُفْلِسِ) : كَثِيَابٍ، وَنُحَاسٍ وَمَاشِيَةٍ وَلَوْ دَابَّةُ رُكُوبٍ أَوْ ثِيَابُ جُمُعَةٍ أَوْ كُتُبُ فِقْهٍ، لَا ثَوْبَ جَسَدِهِ أَوْ دَارَ سُكْنَاهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا فَضْلٌ عَنْ ضَرُورَتِهِ.
فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْعَرْضِ مَا يَفِي بِبَعْضِ مَا عَلَيْهِ لِلْبَاقِي: فَإِنْ كَانَ فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّاهُ، كَمَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعُونَ دِينَارًا وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا وَعِنْدَهُ عَرْضٌ يَفِي بِعِشْرِينَ زَكَّى الْعِشْرِينَ.
(وَالْقِيمَةُ) لِذَلِكَ الْعَرْضِ تُعْتَبَرُ (وَقْتَ الْوُجُوبِ) : أَيْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ آخِرِ الْحَوْلِ (أَوْ) يَكُونُ (لَهُ دَيْنٌ مَرْجُوٌّ وَلَوْ مُؤَجَّلًا) فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ فِيمَا عَلَيْهِ وَيُزَكِّي مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعَيْنِ.
(لَا غَيْرَ مَرْجُوٍّ) : كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى مُعْسِرٍ أَوْ ظَالِمٍ لَا تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ، (وَلَا) إنْ كَانَ لَهُ (آبِقٌ) : فَلَا يَجْعَلْ فِي نَظِيرِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ (وَلَوْ رُجِيَ) تَحْصِيلُهُ لِعَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِ بِحَالٍ.
(فَلَوْ وُهِبَ الدَّيْنُ لَهُ) : أَيْ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ - بِأَنَّ أَبْرَأهُ رَبُّهُ مِنْهُ وَلَمْ يَحِلْ حَوْلُهُ مِنْ يَوْمِ الْهِبَةِ - فَلَا زَكَاةَ فِي الْعَيْنِ الَّتِي عِنْدَهُ لِأَنَّ الْهِبَةَ إنْشَاءٌ لِمِلْكِ النِّصَابِ الَّذِي بِيَدِهِ فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ إلَّا إذَا اسْتَقْبَلَ حَوْلًا مِنْ يَوْمِ الْهِبَةِ (أَوْ) وُهِبَ لَهُ (مَا) :

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [دَيْنٌ مَرْجُوٌّ وَلَوْ مُؤَجَّلًا] : لَكِنْ إنْ كَانَ حَالًا بِحَسَبِ عَدَدِهِ وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا بِحَسَبِ قِيمَتِهِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا إنْ كَانَ لَهُ آبِقٌ] : وَمِثْلُهُ الْبَعِيرُ الشَّارِدُ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ أَبْرَأَهُ رَبُّهُ مِنْهُ] : تَصْوِيرٌ لِهِبَةِ الدَّيْنِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُسَمَّى إبْرَاءً، لِأَنَّ الْهِبَةَ الْحَقِيقِيَّةَ تَكُونُ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ.
قَوْلُهُ: [إنْشَاءٌ لِمِلْكِ النِّصَابِ] : أَيْ مِنْ الْآنَ.
قَوْلُهُ: [أَوْ وُهِبَ لَهُ] إلَخْ: وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ خَلِيلٍ: أَوْ مَرَّ لِكَمُؤَجِّرٍ نَفْسِهِ بِسِتِّينَ دِينَارًا ثَلَاثَ سِنِينَ حَوْلٌ فَلَا زَكَاةَ، قَالَ شَارِحُهُ: لِأَنَّ عِشْرِينَ السَّنَةُ الْأُولَى لَمْ يَتَحَقَّقْ مِلْكُهُ لَهَا إلَّا الْآنَ، فَلَمْ يَمْلِكُهَا حَوْلًا كَامِلًا، فَإِذَا مَرَّ الْحَوْلُ الثَّانِي زَكَّى عِشْرِينَ.
وَإِذَا مَرَّ الثَّالِثُ زَكَّى أَرْبَعِينَ إلَّا مَا نَقَصَتْهُ الزَّكَاةُ.
وَإِذَا مَرَّ الرَّابِعُ زَكَّى الْجَمِيعَ.
فَمَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ أَجَّرَ نَفْسَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ بِسِتِّينَ دِينَارًا وَقَبَضَهَا، وَحُكْمُ زَكَاتِهَا مَا عَلِمْت.
فَائِدَتَانِ: الْأُولَى مَنْ كَانَ لَهُ مِائَةٌ مَحْرَمِيَّةٌ وَمِائَةٌ رَجَبِيَّةٌ وَعَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ وَجَبَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ الْمَحْرَمِيَّةِ عِنْدَ حَوْلِهَا، وَتَسْقُطُ عَنْهُ زَكَاةُ الرَّجَبِيَّةِ لِأَنَّ عَلَيْهِ مِثْلَهَا.

أَيْ شَيْءٌ مِنْ الْعُرُوضِ أَوْ غَيْرِهِ؛ أَيْ وَهَبَ لَهُ إنْسَانٌ مَا؛ أَيْ شَيْئًا (يَجْعَلُ فِيهِ) : أَيْ فِي نَظِيرِ الدَّيْنِ، (وَلَوْ لَمْ يَحُلْ حَوْلُهُ) أَيْ حَوْلُ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ عِنْدَ رَبِّ الْعَيْنِ (فَلَا زَكَاةَ) فِي الْعَيْنِ الَّتِي عِنْدَهُ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
وَهَذَا التَّصْرِيحُ بِمَفْهُومِ قَوْلِ: " إنْ حَالَ حَوْلُهُ ".

ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْمَعْدِنِ فَقَالَ: (وَيُزَكَّى مَعْدِنُ الْعَيْنِ) : الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ (فَقَطْ) لَا مَعْدِنَ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ زِئْبَقٍ أَوْ غَيْرِهَا.

(وَحُكْمُهُ) أَيْ الْمَعْدِنُ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ مَعْدِنَ عَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ (لِلْإِمَامِ)

[حاشية الصاوي]

الثَّانِيَةُ مَنْ وَقَفَ عَيْنًا لِلسَّلَفِ يَأْخُذُهَا الْمُحْتَاجُ وَيَرُدُّ مِثْلَهَا يَجِبُ عَلَى الْوَاقِفِ زَكَاتُهَا لِأَنَّهَا عَلَى مِلْكِهِ فَتُزَكَّى كُلَّ عَامٍ وَلَوْ بِانْضِمَامِهَا لِمَالِهِ، وَإِلَّا أَنْ تَسَلَّفَ فَتُزَكَّى لِعَامٍ وَاحِدٍ بَعْدَ قَبْضِهَا مِنْ الْمَدِينِ كَزَكَاةِ الدَّيْنِ، وَلَوْ مَكَثَتْ عِنْدَهُ أَعْوَامًا.
وَكَذَلِكَ مَنْ وَقَفَ حَبًّا لِيُزْرَعَ كُلَّ عَامٍ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ أَوْ مُسْتَأْجَرَةٍ، أَوْ حَوَائِطَ لِيُفَرَّقَ ثَمَرَهَا فَيَزِيدُ الْحَبُّ وَالثَّمَرُ إنْ كَانَ فِيهِ نِصَابٌ، وَلَوْ بِالضَّمِّ لِحَبِّ الْوَاقِفِ وَثَمَرَةِ.
وَكَذَلِكَ وَقْفُ الْأَنْعَامِ لِتَفْرِقَةِ لَبَنِهَا أَوْ صُوفِهَا أَوْ الْحَمْلِ عَلَيْهَا أَوْ لِتَفْرِقَةِ نَسْلِهَا، فَإِنَّ الْجَمِيعَ تُزَكَّى عَلَى مَالِك الْوَاقِفِ إنْ كَانَ فِيهَا نِصَابٌ وَلَوْ بِالِانْضِمَامِ لِمَالٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرَهُمْ، وَيَقُومُ مَقَامُ الْوَاقِفِ نَاظِرُ الْوَقْفِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنَّهُ يُزَكِّيهَا عَلَى حِدَتِهَا إنْ بَلَغَتْ نِصَابًا، وَلَا يَتَأَتَّى الضَّمُّ لِمَالِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَالِكًا.

[زَكَاة الْمَعْدِن]

قَوْلُهُ [وَيُزَكَّى مَعْدِنُ الْعَيْنِ] : يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الزَّكَاةِ مِنْ حُرِّيَّةِ الْمَالِكِ لَهُ وَإِسْلَامِهِ، وَلَا مُرُورَ الْحَوْلِ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ أَوَّلَ الْبَابِ تَبَعًا لِخَلِيلٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ.
وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ حُرِّيَّةٌ وَلَا إسْلَامٌ وَأَنَّ الشُّرَكَاءُ فِيهِ كَالْوَاحِدِ، قَالَ الْجُزُولِيُّ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
نَقَلَهُ الْحَطَّابُ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ [أَوْ غَيْرُهَا] : أَيْ كَالْقَصْدِيرِ وَالْعَقِيقِ وَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ وَالزِّرْنِيخِ وَالْمَغْرَةِ وَالْكِبْرِيتِ فَلَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَعَادِنِ، إلَّا إنْ صَارَتْ عُرُوضُ تِجَارَةِ فَتُزَكَّى زَكَاتُهَا.

أَيْ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ يَقْطَعُهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِمَنَافِعِهِمْ لَا لِنَفْسِهِ (وَلَوْ) وُجِدَ (بِأَرْضِ) شَخْصٍ (مُعَيَّنٍ) وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ رَبُّ الْأَرْضِ.
(إلَّا أَرْضَ الصُّلْحِ) ، إذَا وُجِدَ بِهَا مَعْدِنٌ (فَلَهُمْ) . وَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ فِيهِ مَا دَامُوا كُفَّارًا فَإِنْ أَسْلَمُوا رَجَعَ الْأَمْرُ لِلْإِمَامِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ [يَقْطَعُهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ] : أَيْ يُعْطِيهِ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ بِنَفْسِهِ مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ أَوْ مُدَّةَ حَيَاةِ الْمُقَطَّعِ - بِفَتْحِ الطَّاءِ - وَسَوَاءُ كَانَ فِي نَظِيرِ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ مِنْ الْمُقَطَّعِ أَوْ مَجَّانًا.
وَإِذَا أَقْطَعهُ لِشَخْصٍ فِي مُقَابِلَةِ شَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لِبَيْتِ الْمَالِ، فَلَا يَأْخُذُ الْإِمَامُ عَنْهُ إلَّا بِقَدْرِ حَاجَتِهِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَإِذَا أَقْطَعَهُ لِأَحَدٍ فَإِنَّمَا يَقْطَعُهُ انْتِفَاعًا لَا تَمْلِيكًا وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَقْطَعَهُ لَهُ الْإِمَامُ أَنْ يَبِيعَهُ - ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَلَا يُورَثُ عَمَّنْ أَقْطَعَهُ لَهُ لِأَنَّ مَا لَا يُمْلَكُ لَا يُوَرَّثُ (اهـ. بْن كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) ، فَقَدْ عَلِمْت حُكْمَ مَا إذَا أَقْطَعَهُ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وَيَجِبُ عَلَى ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ زَكَاتُهُ إنْ خَرَجَ مِنْهُ نِصَابٌ حَيْثُ كَانَ عَيْنًا وَأَمَّا إذَا أَمَرَ بِقَطْعِهِ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَمْلُوكًا لِمُعَيَّنٍ حَتَّى يُزَكِّيَ.
قَوْلُهُ: [بِأَرْضِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ] : أَيْ هَذَا إذَا كَانَ بِأَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَة كَالْفَيَافِيِ أَوْ مَا انْجَلَى عَنْهُ أَهْلُهُ وَلَوْ مُسْلِمِينَ، أَوْ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَأَرْضِ الْعَنْوَةِ، بَلْ وَلَوْ بِأَرْضِ مُعَيَّنٍ، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا.
وَيُغْتَفَرُ إقْطَاعُهُ فِي الْأَرَاضِيِ الْأَرْبَعِ إلَى حِيَازَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ مَاتَ الْإِمَامُ قَبْلَهَا بَطَلَتْ الْعَطِيَّةُ كَذَا فِي الْأَصْل، وَرَدَّ الْمُصَنِّفُ بِلَوْ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ الْمَعْدِنَ الَّذِي يُوجَدُ فِي الْمَمْلُوكَةِ لِمُعَيَّنٍ يَكُونُ لِمَالِكِهَا مُطْلَقًا، وَعَلَى مَنْ قَالَ: إنْ كَانَ الْمَعْدِنُ عَيْنًا فَلِلْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَيْنٍ، فَلِمَالِكِ الْأَرْضِ الْمُعِينِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لِلْإِمَامِ، لِأَنَّ الْمَعَادِنَ قَدْ يَجِدُهَا شِرَارُ النَّاسِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ لِلْإِمَامِ لَأَدَّى إلَى الْفِتَنِ وَالْهَرْجِ.
قَوْلُهُ: [رَجَعَ الْأَمْرُ لِلْإِمَامِ] : أَيْ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ الْقَائِلِ إنَّهَا تَبْقَى لَهُمْ وَلَا تَرْجِعُ لِلْإِمَامِ.

وَيُضَمُّ) فِي الزَّكَاةِ (بَقِيَّةُ الْعِرْقِ) الْمُتَّصِلِ لِمَا خَرَجَ أَوَّلًا، فَإِنْ بَلَغَ الْجَمِيعُ نِصَابًا فَأَكْثَرَ زَكَّاهُ إنْ اتَّصَلَ الْعَمَلُ بَلْ: (وَإِنْ تَرَاخَى الْعَمَلُ) وَالزَّكَاةُ بِإِخْرَاجِهِ أَوْ بِتَصْفِيَتِهِ: قَوْلَانِ.
وَعَلَى الثَّانِي: لَوْ أُنْفِقَ شَيْئًا قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ أَوْ ضَاعَ شَيْءٌ أَوْ تَلِفَ لَمْ يُحْسَبْ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْسَبُ.
(لَا) يُضَمُّ (عِرْقٌ لِآخَرَ) بَلْ إنْ أَخْرَجَ مَا فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ كُلٍّ عَلَى انْفِرَادِهِ زَكَّاهُ

[حاشية الصاوي]

[مَسْأَلَة إجَازَة الْعَمَل فِي الْمَعْدِن وَزَكَاة الشَّرِكَة فِيهِ]

قَوْلُهُ: [بَقِيَّةُ الْعِرْقِ] : يَعْنِي أَنَّ الْعِرْقَ الْوَاحِدَ مِنْ الْمَعْدِنِ - ذَهَبًا كَانَ أَوْ فِضَّةً.
أَوْ كَانَ بَعْضُهُ ذَهَبًا وَبَعْضُهُ فِضَّةً - يُضَمُّ بَعْضُهُ لِبَعْضٍ إذَا كَانَ مُتَّصِلًا، فَإِذَا أَخْرَجَ نِصَابًا زَكَّى مَا يَخْرُجُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ الْخَارِجُ شَيْئًا قَلِيلًا وَلَوْ تَلِفَ الْخَارِجُ أَوَّلًا.
قَوْلُهُ: [بَلْ وَإِنْ تَرَاخَى الْعَمَلُ] : أَيْ فَالْمَدَارُ عَلَى اتِّصَالِ الْعِرْقِ وَلَوْ حَصَلَ فِي الْعَمَلِ انْقِطَاعٌ.
قَوْلُهُ: [قَوْلَانِ] : الْأَوَّلُ لِلْبَاجِيِّ وَاسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ كَمَا قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَعَلَى الثَّانِي لَوْ أَنْفَقَ] إلَخْ: شُرُوعٌ فِي بَيَانِ ثَمَرَةِ الْخِلَافِ.
قَوْلُهُ: [لَا يُضَمُّ عِرْقٌ لِآخَرَ] : أَيْ وَلَوْ اتَّصَلَ الْعَمَلُ، ظَاهِرُ عَدَمُ ضَمِّ أَحَدِ الْعِرْقَيْنِ لِلْآخَرِ وَلَوْ مِنْ مَعْدِنٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ وَجَدَ الثَّانِي قَبْلَ فَرَاغِ الْأَوَّلِ.
وَفِي الْحَطَّابِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُ يُضَمُّ حَيْثُ بَدَأَ الْعِرْقُ الثَّانِي قَبْلَ انْقِطَاعِ الْأَوَّلِ، وَسَوَاءٌ تَرَكَ الْعَمَلَ فِيهِ حَتَّى تَمَّمَ الْأَوَّلُ، أَوْ انْتَقَلَ لِلثَّانِي قَبْلَ تَمَامِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ حَيْثُ كَانَ الْمَعْدِنُ وَاحِدًا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْعَدَوِيِّ.
تَنْبِيهٌ إنْ وَجَدَ عِنْدَهُ فَائِدَةً حَالَ حَوْلُهَا وَحَصَلَ عِنْدَهُ مِنْ الْمَعْدِنِ مَا يَكْمُلُ بِهِ النِّصَابُ، فَهَلْ يَضُمُّهُ لَهَا وَتَجِبُ الزَّكَاةُ وَهُوَ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ؟ أَوْ لَا يُضَمُّ قِيَاسًا عَلَى عَدَمِ ضَمِّ الْمَعْدِنَيْنِ وَهُوَ لِسَحْنُونٍ؟ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ.
مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ دَفْعُ مَعْدِنِ الْعَيْنِ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ غَيْرِ نَقْدٍ يَأْخُذُهَا مِنْ الْعَامِلِ فِي نَظِيرِ أَخْذِ الْعَامِلِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعْدِنِ، بِشَرْطِ كَوْنِ الْعَمَلِ مَضْبُوطًا بِزَمَنٍ أَوْ عَمَلٍ خَاصٍّ كَحَفْرِ قَامَةٍ أَوْ قَامَتَيْنِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَقْدًا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ فِي النَّقْدَيْنِ، أَوْ إلَى الصَّرْفِ الْمُؤَخَّرِ.
وَوَجْهُ الْجَوَازِ - إذَا كَانَتْ غَيْرَ نَقْدٍ - أَنَّهُ هِبَةٌ لِلثَّوَابِ، وَهِيَ تَجُوزُ مَعَ الْجَهَالَةِ، وَأَمَّا مَعْدِنُ غَيْرِ النَّقْدِ فَيَجُوزُ دَفْعُهُ

وَإِلَّا فَلَا.
وَأَوْلَى فِي عَدَمِ الضَّمِّ مَعْدِنٌ لِآخَرَ.

(وَتُخَمَّسُ نَدْرَةُ الْعَيْنِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ: الْقِطْعَةُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ أَيْ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ لِتَخْلِيصٍ، أَيْ يَخْرُجُ مِنْهَا الْخَمْسُ وَلَوْ دُونَ نِصَابٍ.
(كَالرِّكَازِ) يُخَمَّسُ: أَيْ يَخْرُجُ مِنْهُ الْخَمْسُ (مُطْلَقًا) عَيْنًا أَوْ غَيْرَهُ قَلَّ

[حاشية الصاوي]

بِأُجْرَةٍ وَلَوْ نَقْدًا، وَيَكُونُ فِي نَظِيرِ إسْقَاطِهِ حَقَّهُ لَا فِي مُقَابِلَةِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ.
وَأَمَّا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنَّ مَا يَخْرُجُ لِرَبِّهِ وَالْأُجْرَةُ يَدْفَعُهَا رَبُّهُ لِلْعَامِلِ، فَيَجُوزُ وَلَوْ بِأُجْرَةِ نَقْدٍ.
مَسْأَلَةٌ أُخْرَى: لَوْ تَعَدَّدَ الْمُشْتَرِكُونَ فِي الْمَعْدِنِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مِلْكُ كُلٍّ عَلَى حِدَةٍ.
فَمَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ نِصَابًا زَكَّى وَإِلَّا فَلَا.
وَاخْتَلَفَ: هَلْ يَجُوزُ دَفْعُ الْمَعْدِنِ لِمَنْ يَعْمَلُ فِيهِ بِجُزْءٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ؟ لِأَنَّ الْمَعَادِنَ لَمَّا لَمْ يُجَزْ بَيْعُهَا جَازَتْ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهَا بِجُزْءٍ كَالْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ - وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ - أَوْ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ غَرَرٌ؟ وَلِأَنَّهُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَهَذَا قَوْلُ أَصْبَغَ.
رَجَّحَ كُلًّا مِنْهُمَا.

[الرِّكَاز]

قَوْلُهُ: [وَتُخَمَّسُ نَدْرَةُ الْعَيْنِ] : أَيْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَعِنْدَ ابْنِ نَافِعٍ فِيهَا الزَّكَاةُ رُبْعُ الْعُشْرِ لِأَنَّ الْخُمْسَ مُخْتَصٌّ بِالزَّكَاةِ، وَهِيَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ مِنْهُ بَلْ مِنْ الْمَعْدِنِ؛ لِأَنَّ الرِّكَازَ عِنْدَهُ مُخْتَصٌّ بِدَفْنِ الْجَاهِلِيِّ، وَأَمَّا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فَالرِّكَازُ مَا وُجِدَ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فِي بَاطِنِ الْأَرْضِ مُخْلَصًا، سَوَاءٌ دُفِنَ فِيهَا أَوْ كَانَ مُخْلَقًا.
قَوْلُهُ: [الْقِطْعَةُ مِنْ الذَّهَبِ] : كَذَا فَسَّرَهَا عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ.
وَفَسَّرَهَا أَبُو عِمْرَانَ بِالتُّرَابِ الْكَثِيرِ الذَّهَبِ السَّهْلِ التَّصْفِيَةِ، وَهَذَا لَيْسَ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ مَا نِيلَ مِنْ الْمَعْدِنِ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ لِكَبِيرِ عَمَلٍ فَهُوَ النَّدْرَةُ وَفِيهِ الْخُمْسُ، وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ كَلَامُهُ كَمَا قَالَهُ (ر) . قَوْلُهُ: [الْخَالِصَةُ] : أَيْ الَّتِي تُوجَدُ فِي الْأَرْضِ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهَا لَا بِوَضْعِ وَاضِعٍ لَهَا.
قَوْلُهُ: [الرِّكَازُ] : اعْلَمْ أَنَّ مَصْرِفَ الْخُمْسِ فِي النَّدْرَةِ.
وَالرِّكَازِ غَيْرُ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ، أَمَّا خُمْسُ الرِّكَازِ فَقَدْ قَالَ اللَّخْمِيُّ: لَيْسَ كَمَصْرِفِ الزَّكَاةِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَخُمْسِ الْغَنَائِمِ.
فَمَصْرِفُهُ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ، وَيَحِلُّ لِلْأَغْنِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ نَقَلَهُ - الْمَوَّاقُ.

أَوْ كَثُرَ.
(وَلَوْ كَرُخَامٍ) وَأَعْمِدَةٍ وَمِسْكٍ وَعُرُوضٍ.
(أَوْ وَجَدَهُ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ) ، وَالْإِطْلَاقُ رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ نَدْرَةِ الْعَيْنِ وَالرِّكَازِ وَالْمُبَالَغَةُ بِقَوْلِهِ: " وَلَوْ كَرُخَامٍ، خَاصَّةً بِالرِّكَازِ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ وَجَدَهُ "، إلَخْ عَامٌّ فِيهِمَا.
وَاسْتَثْنَى مِنْهُمَا مَعًا قَوْلُهُ: (إلَّا لِكَبِيرِ نَفَقَةٍ أَوْ) كَبِيرِ (عَمَلٍ) بِنَفْسِهِ أَوْ عَبِيدِهِ (فِي تَحْصِيلِهِ) : أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ النَّدْرَةِ وَالرِّكَازِ وَلَوْ بِمَشَقَّةِ سَفَرٍ عَلَى الْأَرْجَحِ (فَالزَّكَاةُ) حِينَئِذٍ رُبْعُ الْعُشْرِ دُونَ التَّخْمِيسِ.
(وَهُوَ) : أَيْ الرِّكَازُ (دِفْنٌ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ مَدْفُونٌ (جَاهِلِيُّ) : أَيْ غَيْرُ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ.

[حاشية الصاوي]

ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا مَصْرِفُ خُمْسُ النَّدْرَةِ مِنْ الْمَعْدِنِ فَلَمْ أَجِدْهُ، وَمُقْتَضَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ كَالْمَغْنَمِ وَالرِّكَازِ - أَيْ فَمَصْرِفُهُ - مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ (اهـ. بُنَانِيٌّ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَرُخَامٍ] : أَيْ خِلَافًا لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُخَمَّسُ فِي الْعُرُوضِ.
قَوْلُهُ: [وَالْإِطْلَاقُ رَاجِعٌ] إلَخْ: أَيْ فِي قَوْلِهِ مُطْلَقًا عَيْنًا أَوْ غَيْرِهِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ ظَاهِرُهُ.
وَلَكِنَّ هَذَا يُنَافِيهِ تَفْسِيرُهُ - هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ شُرَّاحِ خَلِيلٍ - النَّدْرَةِ بِأَنَّهَا الْقِطْعَةُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ، فَالصَّوَابُ رُجُوعُ الْإِطْلَاقِ لِلرِّكَازِ فَقَطْ، وَأَجَابَ الْمُؤَلِّف فِي تَقْرِيرِهِ: بِأَنَّ الْإِطْلَاقَ فِي النَّدْرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [عَامٌّ فِيهِمَا] : أَيْ فَكَانَ الْأُولَى: أَوْ وَجَدَهُمَا.
قَوْلُهُ: [فَالزَّكَاةُ] : أَيْ عَلَى تَأْوِيلِ اللَّخْمِيِّ تَأْوِيلِ ابْنِ يُونُسَ الْخُمْسُ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْبُنَانِيِّ، وَنَقَلَ عَنْ ابْنِ عَاشِرٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّكَاةِ رُبْعُ الْعُشْرِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ نِصَابٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ شُرُوطِ الرِّكَازِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ غَيْرُ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ] : أَيْ فَالْمُرَادُ دَفْنُ غَيْرِ مَعْصُومٍ.
وَمَفْهُومُ دَفْنٍ مَفْهُومُ مُوَافَقَةٍ، لِأَنَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَا وَجَدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ جَاهِلِيٍّ، أَوْ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ تَصَاوِيرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلِوَاجِدِهِ مُخَمَّسًا، وَاقْتَصَرَ عَنْ الدَّفْنِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ.
هَذَا إذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ مَالٌ جَاهِلِيٌّ، بَلْ وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ: بِأَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ أَصْلًا أَوْ عَلَامَةٌ وَطُمِسَتْ.
لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمَدْفُونَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَأَمَّا مَا عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ

(وَكُرِهَ حَفْرُ قَبْرِهِ) : أَيْ الْجَاهِلِيُّ لِأَنَّهُ مِمَّا يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ (وَالطَّلَبُ فِيهِ) عِلَّةٌ لِمَا قَبْلَهُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُدْفَنُونَ الْأَمْوَالَ مَعَ أَمْوَاتِهِمْ.
(وَ) إنْ وَقَعَ (خَمْسٌ) لِأَنَّهُ رِكَازُ (وَبَاقِيهِ) : أَيْ الرِّكَازُ (لِلْمَالِكِ الْأَرْضِ) بِإِحْيَاءٍ أَوْ بِإِرْثٍ مِنْهُ لَا لِوَاجِدِهِ وَلَا لِمَالِكِهَا بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ، بَلْ لِلْبَائِعِ الْأَصْلِيِّ أَوْ الْوَاهِبِ.
فَإِنْ عَلِمَ، وَإِلَّا فَلُقَطَةُ، وَقِيلَ: لِمَالِكِهَا فِي الْحَالِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا بَاقِي النَّدْرَةِ فَكَالْمَعْدِنِ لِمُخْرِجِهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
(وَإِلَّا) تَكُنْ الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً (فَلِوَاجِدِهِ وَدِفْنُ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ لُقَطَةٌ) كَالْمَوْجُودِ مِنْ مَالِهِمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يُعَرَّفُ سَنَةً إذَا لَمْ يَعْلَمْ رَبَّهُ أَوْ وَارِثَهُ.
فَإِنْ قَامَتْ الْقَرَائِنُ عَلَى تُوَالِي الْأَعْصَارِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ رَبَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ وَلَا مَعْرِفَةُ وَارِثِهِ فِي هَذَا الْأَوَانِ.
فَهَلْ يَنْوِي تَمَلُّكَهُ؟ أَوْ يَكُونُ مَحَلُّهُ بَيْتَ مَالِ الْمُسْلِمِينَ؟ لِقَوْلِهِمْ: كُلُّ مَالٍ جَهِلْت أَرْبَابَهُ فَمَحَلُّهُ بَيْتُ الْمَالِ؟ وَهُوَ الظَّاهِرُ بَلْ الْمُتَعَيِّنُ.

(وَمَا لَفَظَهُ) بِالْفَاءِ وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ: أَيْ طَرَحَهُ (الْبَحْرَ) مِمَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِلْكُ أَحَدٍ عَلَيْهِ (كَعَنْبَرٍ) وَلُؤْلُؤٍ وَمَرْجَانِ وَسَمَكٍ (فَلِوَاجِدِهِ) الَّذِي وَضَعَ يَدُهُ عَلَيْهِ أَوَّلًا (بِلَا تَخْمِيسٍ) ، لِأَنَّ أَصْلَهُ الْإِبَاحَةُ.
فَلَوْ رَآهُ جَمَاعَةٌ فَتَدَافَعُوا عَلَيْهِ فَجَاءَ آخَرُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُ دُونَ الْمُتَدَافِعِينَ.
(فَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَا لَفَظَهُ الْبَحْرَ (مِلْكٌ) لِأَحَدٍ (فَإِنْ كَانَ) مَنْ تَقَدَّمَ لَهُ مَلَكَ (حَرْبِيًّا فَكَذَلِكَ) : أَيْ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ لَكِنَّهُ يُخَمَّسُ لِأَنَّهُ مِنْ الرِّكَازِ،

[حاشية الصاوي]

أَوْ الذِّمِّيِّ فَلُقَطَةٌ كَمَا سَيَأْتِي.

قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ حَفْرُ قَبْرِهِ] : إنَّمَا كُرِهَ لِأَنَّ تُرَابَهُمْ نَجَسٌ وَخِيفَ أَنْ يُصَادِفَ قَبْرَ صَالِحٍ، وَأَمَّا نَبْشُ قَبْرِ الْمُسْلِمِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مِمَّا تَقَدَّمَ فَحَرَامٌ.
وَحُكْمُ مَا يُوجَدُ حُكْمُ اللُّقَطَةِ.
قَوْلُهُ: [لُقَطَةٌ] : أَيْ عَلَى حُكْمِهَا وَفِي (بْن) عَنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ وَلَيْسَ لُقَطَةٌ.

[مَا لَفْظه الْبَحْر]

[تَتِمَّة مِنْ ترك شَيْئًا فأخذه غَيْره]

قَوْلُهُ: [بِالْفَاءِ] : أَيْ الْمَفْتُوحَةِ.

فَالتَّشْبِيهُ لَيْسَ بِتَامٍّ بِدَلِيلِ مَا بَعْده، وَمُرَادُهُ بِالْحَرْبِيِّ الْمُتَحَقِّقِ حِرَابَتُهُ وَإِلَّا فَمَا بَعْدَهُ يُغْنِي عَنْهُ أَيْ قَوْلِهِ؛ (وَ) إنْ كَانَ مَنْ تَقَدَّمَ مَلَكَهُ (جَاهِلِيًّا) أَيْ غَيْرَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ (وَلَوْ بِشَكٍّ) فِي جَاهِلِيَّتِهِ وَغَيْرِهَا (فَرِكَازٌ) يُخَمَّسُ وَالْبَاقِي لِوَاجِدِهِ.
(وَإِلَّا) - بِأَنَّ عُلِمَ أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ - (فَلُقَطَةٌ) يُعْرَفُ.
وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكه ابْتِدَاءً خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُ ابْتِدَاءً] : أَيْ مَا لَمْ تَقُمْ الْقَرَائِنُ عَلَى تُوَالِي الْأَعْصَارِ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَهُوَ عَيْنُ مَا نَظَرَ فِيهِ.
تَتِمَّةٌ فِي الْحَطَّابِ وَكَبِيرِ التَّتَّائِيِّ الْخِلَافُ فِيمَنْ تَرَكَ شَيْأَهُ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ: هَلْ هُوَ لِرَبِّهِ؟ حَتَّى لَوْ رَمَاهُ الْآخِذُ فِي الْجَبِّ ثَانِيًا ضَمِنَهُ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أُجْرَةُ تَخْلِيصِهِ أَوْ نَفَقَتَهُ عَلَى الدَّابَّةِ، أَوْ لِآخِذِهِ مُطْلَقًا؟ أَوْ إنْ تَرَكَهُ رَبُّهُ مُعْرِضًا عَنْهُ بِالْمَرَّةِ أَوْ الدَّابَّةِ فِي مَحَلٍّ مُجْدِبٍ؟ فَانْظُرْهُ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.

فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ وَهُوَ مِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهَا، كَالْإِسْلَامِ.
(وَمَصْرِفُهَا) : أَيْ مَحَلُّ صَرْفِهَا أَيْ لِمَنْ تُصْرَفُ.
أَيْ مَنْ تُعْطَى لَهُ.
(فَقِيرٌ.
لَا يَمْلِكُ قُوتَ عَامِهِ، وَلَوْ مَلَكَ نِصَابًا) : فَيَجُوزُ الْإِعْطَاءُ لَهُ وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ.

[حاشية الصاوي]

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ]

[مَصْرِف الزَّكَاةِ مِنْ شُرُوط صحتها]

فَصْلٌ قَوْلُهُ: [وَمَصْرِفُهَا] : الْمَصْرِفُ اسْمُ مَكَان لَا مَصْدَرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْنَافَ اسْمُ مَحَلِّ الزَّكَاةِ فَلِذَلِكَ قَالَ: " أَيْ مَحَلُّ صَرْفِهَا ". وَفِي كَلَامِهِ لَطِيفَةٌ: وَهِيَ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ اللَّامَ الْوَاقِعَةَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: 60] إلَخْ، لِبَيَانِ الْمَصْرِفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَا لِلِاسْتِحْقَاقِ وَالْمِلْكِ، وَإِلَّا لَكَانَ يُشْتَرَطُ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ.
قَوْلُهُ: [لَا يَمْلِكُ قُوتَ عَامِهِ] : الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ هُوَ مِنْ يَمْلِكُ شَيْئًا لَا يَكْفِيهِ عَامَهُ، وَإِلَّا فَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْفَقِيرَ أَعَمُّ مِنْ الْمِسْكِينِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ بَيْنَهُمَا

(وَمِسْكِينٌ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا) فَهُوَ أَحْوَجُ مِنْ الْفَقِيرِ.

[حاشية الصاوي]

تَبَايُنٌ حَيْثُ ذُكِرَا مَعَ بَعْضِهِمَا.
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ إذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4] ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْفَقِيرَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَإِذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [فَهُوَ أَحْوَجُ] إلَخْ: أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ الْفَقِيرَ وَالْمِسْكِينَ صِنْفَانِ مُتَغَايِرَانِ كَمَا عَلِمْت، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهُمَا صِنْفٌ وَاحِدٌ.
وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِشَيْءٍ لِلْفُقَرَاءِ دُونَ الْمَسَاكِينِ أَوْ الْعَكْسِ: فَهِيَ صَحِيحَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
وَإِذَا ادَّعَى شَخْصٌ الْفَقْرَ أَوْ الْمَسْكَنَةَ لِيَأْخُذَ مِنْ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ بِلَا يَمِينٍ إلَّا لِرِيبَةٍ بِأَنْ يَكُونَ ظَاهِرُهُ يُخَالِفُ مَا يَدَّعِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَهَلْ يَكْفِي الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ؟ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي دَعْوَى الْمَدِينِ الْعَدَمَ وَدَعْوَى الْوَلَدِ الْعَدَمَ، لِأَجْلِ نَفَقَةِ وَالِدَيْهِ.
وَعَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ فَهَلْ يَحْلِفُ مَعَهُمَا؟ كَمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ أَوْ لَا يَحْلِفُ؟ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ دَعْوَى الْوَالِدِ الْعَدَمَ لِأَجْلِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَلَدُهُ.
كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
تَنْبِيهٌ: مَنْ لَزِمَتْ نَفَقَتُهُ مَلِيًّا أَوْ كَانَ لَهُ مُرَتَّبٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ يَكْفِيهِ، لَا يُعْطِي مِنْهَا.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمَلِيءُ لَمْ يَجُرَّ النَّفَقَةَ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ بِالْحُكْمِ.
وَأَمَّا مَنْ لَهُ مُنْفِقٌ يُنْفِقُ عَلَيْهِ تَطَوُّعًا فَلَهُ أَخْذُهَا كَمَا ذَكَرَهُ (ح) ، لِأَنَّ لِلْمُنْفِقِ الْمَذْكُورِ قَطْعُ النَّفَقَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ ذَلِكَ الْمُنْفِقِ الْمُتَطَوِّعِ قَرِيبًا أَوْ أَجْنَبِيًّا.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ لَازِمَةٌ لِمَلِيءٍ لَا يُعْطَى اتِّفَاقًا، وَإِنْ تَطَوَّعَ بِهَا مَلِيءٌ فَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا وَتُجْزِئُ رَبَّهَا مُطْلَقًا، وَهُوَ الَّذِي فِي (ح) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقِيلَ لَا تُجْزِئُ مُطْلَقًا وَهُوَ لِابْنِ حَبِيبٍ، وَقِيلَ: لَا تُجْزِئُ إنْ كَانَ الْمُنْفِقُ قَرِيبًا وَتُجْزِئُ إنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ، وَقِيلَ: إنَّهَا تُجْزِئُ مُطْلَقًا لَكِنْ مَعَ الْحُرْمَةِ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ.
فَائِدَةٌ: نَقَلَ (ح) عَنْ الْبُرْزُلِيِّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمَةٌ، يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشُورَهَا مِنْ الزَّكَاةِ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُهَا مِنْ ضَرُورِيَّاتِ النِّكَاحِ،

(وَعَامِلٌ عَلَيْهَا) : أَيْ عَلَى الزَّكَاةِ؛ (كَسَاعٍ وَجَابٍ) : وَهُوَ الَّذِي يَجْبِي الزَّكَاةَ (وَمُفَرِّقٌ) وَهُوَ الْقَاسِمُ، وَكَاتِبٌ وَحَاشِرٌ: وَهُوَ الَّذِي يَحْشُرُ - أَيْ يَجْمَعُ - أَرْبَابَ الْمَوَاشِي لِلْأَخْذِ مِنْهُمْ.
(وَلَوْ) كَانَ الْعَامِلُ (غَنِيًّا) : لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهَا بِوَصْفِ الْعَمَلِ لَا بِوَصْفِ الْفَقْرِ (إنْ كَانَ كُلٌّ) مِنْ الْفَقِيرِ وَمَا بَعْدَهُ (حُرًّا مُسْلِمًا غَيْرَ هَاشِمِيٍّ) : فَلَا يُجْزِئُ لِعَبْدٍ أَوْ كَافِرٍ أَوْ هَاشِمِيٍّ: أَيْ مِنْ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، لِأَنَّ آلَ الْبَيْتِ تَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ لِأَنَّهَا أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَلَهُمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِمْ.
وَأَمَّا بَنُو الْمُطَّلِبِ أَخُو هَاشِمٍ فَلَيْسُوا عِنْدَنَا مِنْ آلِ الْبَيْتِ فَيُعْطَوْنَ مِنْهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا

[حاشية الصاوي]

وَالْأَمْرُ الَّذِي يَرَاهُ الْقَاضِي حَسَنًا فِي حَقِّ الْمَحْجُورِ.
(اهـ. بْن نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَحَاشِرٌ] : اُعْتُرِضَ بِأَنَّ السُّعَاةَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْتُوا أَرْبَابَ الْمَاشِيَةِ وَهُمْ عَلَى الْمِيَاهِ وَلَا يَقْعُدُونَ فِي قَرْيَةٍ وَلَا يَبْعَثُونَ لِأَرْبَابِهَا إذْ لَا يَلْزَمُهُمْ السَّيْرُ لِقَرْيَةٍ أُخْرَى؛ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِلْحَاشِرِ؟ وَأُجِيبَ: بِأَنَّ مُرَادَ الشَّارِحِ - كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ - أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ مِنْ مَوَاضِعِهِمْ فِي قَرْيَتِهِمْ إلَى السَّاعِي بَعْدَ إتْيَانِهِ إلَيْهَا، فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْعَامِلَ عَلَيْهَا يَصْدُقُ بِالسَّاعِي وَالْجَابِي وَالْمُفَرِّقِ وَالْكَاتِبِ وَالْحَاشِرِ، لَا رَاعٍ وَحَارِسٍ، لِأَنَّ الشَّأْنَ عَدَمُ احْتِيَاجِ الزَّكَاةِ لَهُمَا لِكَوْنِهَا تُفَرَّقُ غَالِبًا عِنْدَ أَخْذِهَا، بِخِلَافِ مَنْ ذُكِرَ فَإِنَّ شَأْنَ الزَّكَاةِ احْتِيَاجُهَا إلَيْهِمْ، فَإِنْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ لِرَاعٍ أَوْ الْحَارِسِ لِلْمَوَاشِي الْمَجْمُوعَةِ فَأُجْرَتُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِثْلُ حَارِسِ الْفِطْرَةِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهَا بِوَصْفِ الْعَمَلِ] : وَلِذَلِكَ إذَا كَانَ فَقِيرًا يَأْخُذُ بِوَصْفِ الْفَقْرِ أَيْضًا كَمَا قَالَ خَلِيلٌ، وَأَخْذُ الْفَقِيرِ بِوَصْفَيْهِ وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ وَصْفَيْنِ فَأَكْثَرَ.
قَوْلُهُ: [إنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الْفَقِيرِ وَمَا بَعْدَهُ] إلَخْ: أَيْ مَا عَدَا الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ.
كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ وَالْإِسْلَامَ وَعَدَمَ كَوْنِهِ هَاشِمِيًّا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ أَخْذِ الزَّكَاةِ.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْعَامِلِ عَدْلًا عَالِمًا بِأَحْكَامِهَا الْآتِيَيْنِ فِي الشَّرْحِ فِيهِمْ شَرْطٌ لِصِحَّةِ كَوْنِهِ عَامِلًا؛ فَلَوْ كَانَ هَاشِمِيًّا أَوْ عَبْدًا، وَكَانَ عَدْلًا عَالِمًا بِأَحْكَامِهَا نَفَذَتْ تَوْلِيَتُهُ وَلَكِنْ لَا يُعْطَى مِنْهَا بَلْ يُعْطَى أُجْرَةَ مِثْلِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: [فَلَيْسُوا عِنْدَنَا مِنْ آلِ الْبَيْتِ] : أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ.
قَوْلُهُ: [قَالَ بَعْضُهُمْ إذَا حُرِمُوا حَقَّهُمْ] إلَخْ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ تَنْبِيهٌ مَحَلُّ

حُرِمُوا حَقَّهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَصَارُوا فُقَرَاءَ جَازَ أَخْذُهُمْ وَإِعْطَاؤُهُمْ مِنْهَا كَمَا هُوَ الْآنَ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْعَامِلِ مَا ذُكِرَ وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا عَالِمًا بِأَحْكَامِهَا؛ فَلَا يُسْتَعْمَلُ عَلَيْهَا عَبْدٌ وَلَا كَافِرٌ وَلَا هَاشِمِيٌّ وَلَا فَاسِقٌ وَلَا جَاهِلٌ بِأَحْكَامِهَا (وَمُؤَلَّفٌ) قَلْبُهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: 60] : وَهُوَ (كَافِرٌ) يُعْطَى مِنْهَا (لِيُسْلِمَ) أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يُسْلِمَ، وَقِيلَ: وَهُوَ مُسْلِمٌ قَرِيبُ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ يُعْطَى مِنْهَا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِسْلَامِ.

[حاشية الصاوي]

عَدَمِ إعْطَاءِ بَنِي هَاشِمٍ إذَا أُعْطُوا مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يُعْطُوهُ وَأَضَرَّ بِهِمْ الْفَقْرُ أُعْطُوا مِنْهَا، وَإِعْطَاؤُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ إعْطَاءِ غَيْرِهِمْ، قَالَ فِي الْخَصَائِصِ وَظَاهِرُهُ: وَإِنْ لَمْ يَصِلُوا إلَى إبَاحَةِ أَكْلِ الْمَيْتَةِ.
وَقَيَّدَ الْبَاجِيُّ إعْطَاءَهُمْ بِوُصُولِهِمْ لَهَا وَلَعَلَّهُ الظَّاهِرُ أَوْ الْمُتَعَيَّنُ، كَذَا فِي (عب) . أَقُولُ قَدْ ضَعُفَ الْيَقِينُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ؛ فَإِعْطَاءُ الزَّكَاةِ لَهُمْ أَسْهَلُ مِنْ تَعَاطِيهِمْ خِدْمَةَ الذِّمِّيِّ وَالْفَاجِرِ وَالْكَافِرِ (اهـ) . وَأَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فَهِيَ لِلْآلِ جَائِزَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
فَائِدَةٌ: الْهَاشِمِيُّ مَنْ لِهَاشِمٍ عَلَيْهِ وِلَادَةٌ: كَأَوْلَادِ الْعَبَّاسِ وَحَمْزَةَ وَأَبِي طَالِبٍ وَأَبِي لَهَبٍ وَأَوْلَادِ فَاطِمَةَ فَتَحْرُمُ عَلَى الْجَمِيعِ الزَّكَاةُ، وَيَجُوزُ لَهُمْ لُبْسُ الشَّرَفِ.
وَمَنْ كَانَتْ أُمُّهُ مِنْهُمْ فَقَطْ لَيْسَ بِآلٍ فَتَجُوزُ لَهُ الزَّكَاةُ وَيَجُوزُ لَهُ لُبْسُ الشَّرَفِ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي شَرْحِهِ، لِأَنَّ لَهُ نِسْبَةً بِهِمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَفِي الْحَدِيثِ: «ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ» وَوَرَدَ أَيْضًا: «الْخَالُ أَبٌ» ، وَوَرَدَ أَيْضًا: «تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ فَإِنَّ الْعِرْقَ دَسَّاسٌ» ، فَلِذَلِكَ جَازَ لَهُ لُبْسُ الشَّرَفِ لِيُحْتَرَمَ، ثُمَّ إنَّ لُبْسَ الشَّرَفِ هَذَا حَادِثٌ فِي زَمَنِ السُّلْطَانِ الْأَشْرَفِ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ الشَّرِيفُ مِنْ غَيْرِهِ، فَأَحْدَثَ لَهُمْ ذَلِكَ السُّلْطَانُ لِيَتَمَيَّزُوا عَنْ غَيْرِهِمْ فَصَارَ شِعَارَهُمْ فَلُبْسُهُ مِنْ غَيْرِ نِسْبَةٍ حَرَامٌ.
قَوْلُهُ: [لِيُسْلِمَ] : هَذَا الْقَوْلُ لِابْنِ حَبِيبٍ وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ عَرَفَةَ، قَالَ خَلِيلٌ وَحُكْمُهُ بَاقٍ أَيْ لَمْ يُنْسَخْ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَنْ دَفْعِهَا إلَيْهِ تَرْغِيبُهُ فِي الْإِسْلَامِ لِأَجْلِ إنْقَاذِ مُهْجَتِهِ مِنْ النَّارِ لَا لِإِعَانَتِهِ لَنَا حَتَّى يَسْقُطَ بِفَشْوِ الْإِسْلَامِ.
وَقِيلَ إنَّهُ مَنْسُوخٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ إعَانَتُهُمْ لَنَا وَقَدْ اسْتَغْنَيْنَا عَنْهُمْ بِعِزَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالْخِلَافُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي مَشْي عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْمُؤَلَّفَ كَافِرٌ يُعْطَى تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْمُقَابِلِ لَهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَحُكْمُهُ بَاقٍ اتِّفَاقًا.

(وَرَقِيقٌ مُؤْمِنٌ) لَا كَافِرٌ (يُعْتَقُ مِنْهَا) بِأَنْ يُشْتَرَى مِنْهَا رَقِيقٌ فَيُعْتَقَ، أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ يُقَوِّمُهُ قِيمَةَ عَدْلٍ وَيُعْتِقُهُ عَنْ زَكَاتِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: 60] . وَيُشْتَرَطُ فِي الرَّقِيقِ أَنْ يَكُونَ خَالِصًا (لَا عَقْدَ حُرِّيَّةٍ فِيهِ) : كَمُكَاتَبٍ وَمُدَبَّرٍ وَمُعْتَقٍ لَأَجَلٍ وَأُمِّ وَلَدٍ، وَإِلَّا فَلَا يُجْزِئُ.
(وَوَلَاؤُهُ) - إذَا عَتَقَ مِنْهَا - (لِلْمُسْلِمِينَ) لَا لِلْمُزَكِّي، فَإِذَا مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ وَتَرَكَ مَالًا فَهُوَ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
(وَغَارِمٌ) : أَيْ مَدِينٌ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَرَقِيقٌ] : أَيْ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى.
وَقَوْلُهُ [مُؤْمِنٌ] : قَالَ (عب) : وَلَوْ هَاشِمِيًّا وَارْتَضَاهُ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْعَدَوِيُّ، لِأَنَّ تَخْلِيصَ الْهَاشِمِيِّ مِنْ الرِّقِّ أَوْلَى وَلِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْأَوْسَاخِ شَيْءٌ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا تَزَوَّجَ هَاشِمِيٌّ أَمَةً مَمْلُوكَةً لِشَخْصٍ لِعَدَمِ وُجُودِ طَوْلٍ لِلْحَرَائِرِ، وَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَنَتَ فَأَوْلَادُهُ أَرِقَّاءُ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ، وَأَشْرَافٌ، وَيُؤَلَّفُ مِنْهَا الْهَاشِمِيُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ تَخْلِيصَهُ مِنْ الْكُفْرِ أَهَمُّ، وَلِأَنَّ الْكُفْرَ قَدْ حَطَّ قَدْرَهُ فَلَا يَضُرُّ أَخْذُهُ الْأَوْسَاخَ.
فَعَلَى هَذَا يَكُونُ كُلٌّ مِنْ الْمُؤَلَّفِ وَالرَّقِيقِ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: " غَيْرَ هَاشِمِيٍّ ". وَلَا يُشْتَرَطُ فِي عِتْقِ الرَّقِيقِ مِنْهَا سَلَامَتُهُ مِنْ الْعُيُوبِ خِلَافًا لِأَصْبَغَ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ يُشْتَرَى مِنْهَا رَقِيقٌ فَيُعْتَقَ] إلَخْ: بِشَرْطِ أَنْ لَا يُعْتَقَ بِنَفْسِ الْمِلْكِ عَلَى رَبِّ الْمَالِ كَالْأَبَوَيْنِ وَالْأَوْلَادِ وَالْحَوَاشِي الْقَرِيبَةِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ.
فَإِنْ اشْتَرَى مِنْ زَكَاتِهِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا أَنْ يَدْفَعَهَا لِلْإِمَامِ، فَيَشْتَرِيَ بِهَا وَالِدُ رَبِّ الْمَالِ وَوَلَدُهُ وَيُعْتِقَهُ فَيُجْزِئُ حَيْثُ لَا تَوَاطُؤَ.
قَوْلُهُ: [وَوَلَاؤُهُ إذَا عَتَقَ مِنْهَا لِلْمُسْلِمِينَ] : وَسَوَاءٌ صَرَّحَ الْمُعْتَقُ بِذَلِكَ أَوْ سَكَتَ، بَلْ وَلَوْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ عَنِّي وَوَلَاؤُك لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا تُجْزِئُهُ عَنْ الزَّكَاةِ وَالْعِتْقُ لَازِمٌ وَالْوَلَاءُ لَهُ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ.
قَوْلُهُ: [وَغَارِمٌ] : اشْتَرَطَ فِيهِ الشَّارِحُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ هَاشِمِيٍّ لِأَنَّهَا أَوْسَاخُ النَّاسِ.
وَلَا يُقَالُ: الدَّيْنُ يَضَعُ الْقَدْرَ أَكْثَرَ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ، لِأَنَّا نَقُولُ:

لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُوَفِّي بِهِ دَيْنَهُ (كَذَلِكَ) : أَيْ حُرٌّ مُسْلِمٌ غَيْرُ هَاشِمِيٍّ يُعْطَى مِنْهَا لِوَفَاءِ دَيْنِهِ.
(وَلَوْ مَاتَ) : فَيُوَفِّي دَيْنَهُ مِنْهَا.
إذَا (تَدَايَنَ لَا فِي فَسَادٍ) كَشُرْبِ خَمْرٍ وَقِمَارٍ، (وَلَا لِأَخْذِهَا) : أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ كِفَايَتُهُ وَتَدَايَنَ لِلتَّوَسُّعِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا فَلَا يُعْطَى، وَأَمَّا فَقِيرٌ تَدَايَنَ لِلْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَائِلَتِهِ بِقَصْدِ أَنْ يُعْطَى مِنْهَا فَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ.
(إلَّا أَنْ يَتُوبَ) مَنْ تَدَايَنَ لِفَسَادٍ أَوْ لِأَخْذٍ مِنْهَا، بِأَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ وَيَبْقَى

[حاشية الصاوي]

قَدْ تَدَايَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَاتَ وَعَلَيْهِ الدَّيْنُ فَمَذَلَّتُهَا أَعْظَمُ مِنْ مَذَلَّةِ الدَّيْنِ، وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ شَيْءٌ وَلِذَلِكَ سَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ أَنَّهُ يُعْطِي إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْتَ مَالٍ يُوَفِّي مِنْهُ دَيْنَهُ.
قَوْلُهُ: [لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُوَفِّي] إلَخْ: أَيْ مِمَّا يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ مَاتَ] : رَدَّ بِلَوْ عَلَى مَنْ قَالَ: لَا يُقْضَى دَيْنُ الْمَيِّتِ مِنْ الزَّكَاةِ لِوُجُوبِ وَفَائِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الدَّيْنِ أَنْ يَكُونَ شَأْنُهُ أَنْ يُحْبَسَ فِيهِ؛ فَيَدْخُلُ دَيْنُ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ، وَالدَّيْنُ عَلَى الْمُعْسِرِ.
وَيَخْرُجُ دَيْنُ الْكَفَّارَاتِ وَالزَّكَاةِ، لِأَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي يُحْبَسُ فِيهِ مَا كَانَ لِآدَمِيٍّ، وَأَمَّا الْكَفَّارَاتُ وَالزَّكَوَاتُ فَهِيَ لِلَّهِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَتُوبَ] : رَجَّعَهُ الشَّارِحُ لِلْأَمْرَيْنِ مَعًا وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ

عَلَيْهِ مَا تَدَايَنَهُ فِي فَسَادِهِ فَيُعْطَى مِنْهَا، لَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ التَّوْبَةَ.
(وَمُجَاهِدٌ كَذَلِكَ) : أَيْ حُرٌّ مُسْلِمٌ غَيْرُ هَاشِمِيٍّ.
(وَآلَتُهُ) بِأَنْ يُشْتَرَى مِنْهَا سِلَاحٌ أَوْ خَيْلٌ لِيُغَازِيَ عَلَيْهَا، وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَيُعْطَى الْمُجَاهِدُ مِنْهَا وَيَدْخُلُ فِيهِ الْجَاسُوسُ وَالْمُرَابِطُ (وَلَوْ) كَانَ (غَنِيًّا) : لَا إنْ أَخَذَهُ بِوَصْفِ الْجِهَادِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 60] . (وَابْنُ سَبِيلٍ) : وَهُوَ الْغَرِيبُ (كَذَلِكَ) : أَيْ حُرٌّ مُسْلِمٌ غَيْرُ هَاشِمِيٍّ وَهُوَ (مُحْتَاجٌ لِمَا يُوَصِّلُهُ) لِوَطَنِهِ إذَا سَافَرَ مِنْ بَلَدِهِ (فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ) ، وَإِلَّا لَمْ

[حاشية الصاوي]

خِلَافًا لِبَهْرَامَ حَيْثُ رَجَّعَهُ لِخُصُوصِ الْفَسَادِ مُحْتَجًّا بِأَنَّ التَّدَايُنَ لَأَخْذِهَا لَيْسَ مُحَرَّمًا فَلَا يَحْتَاجُ لِتَوْبَةٍ، وَرَدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ مَنْ تَدَايَنَ وَعِنْدَهُ كِفَايَتُهُ كَانَ سَفِيهًا، وَالسَّفَهُ حَرَامٌ يَحْتَاجُ لِتَوْبَةٍ.
قَوْلُهُ: [وَمُجَاهِدٌ كَذَلِكَ] : أَيْ مُتَلَبِّسٌ بِهِ أَوْ بِالرِّبَاطِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ حُرٌّ مُسْلِمٌ] إلَخْ: فَإِنْ تَخَلَّفَ وَصْفٌ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فَلَا يُعْطَى ذَلِكَ الْمُجَاهِدُ مِنْهَا شَيْئًا.
قَوْلُهُ: [وَيَدْخُلُ فِيهِ الْجَاسُوسُ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا لَكِنْ إنْ كَانَ مُسْلِمًا فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ حُرًّا غَيْرَ هَاشِمِيٍّ؛ وَأَمَّا إنْ كَانَ كَافِرًا فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ حُرًّا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ كَوْنُهُ غَيْرَ هَاشِمِيٍّ لِخَسَّةِ الْكُفْرِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا] : رَدَّ بِلَوْ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ مِنْ أَنَّ الْمُجَاهِدَ الْغَنِيَّ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا.
فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: [فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ] : أَيْ بِأَنْ كَانَ غَيْرَ عَاصٍ أَصْلًا أَوْ كَانَ عَاصِيًا فِي السَّفَرِ فَيُعْطَى فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ.
بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ عَاصِيًا بِالسَّفَرِ فَلَا يُعْطَى وَلَوْ خُشِيَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، لِأَنَّ نَجَاتَهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ بِالتَّوْبَةِ، وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيّ عَنْ التَّبْصِرَةِ: لَا يُعْطَى ابْنُ السَّبِيلِ مِنْهَا إنْ خَرَجَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَإِنْ خُشِيَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ نُظِرَ فِي تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ؛ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ قَتْلَ نَفْسٍ أَوْ هَتْكَ حُرْمَةٍ لَمْ يُعْطَ إلَّا إنْ تَابَ.
وَلَا يُعْطَى مِنْهَا مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الرُّجُوعِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَابَ أَوْ يُخَافَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ فِي بَقَائِهِ: فَقَدْ فَصَّلْت بَيْنَ سَيْرِهِ لِلْقَتْلِ وَهَتْكِ الْحَرِيمِ - فَلَا يُعْطَى إلَّا

يُعْطَ.
(إلَّا أَنْ يَجِدَ) الْغَرِيبُ (مُسَلِّفًا) لِمَا يُوَصِّلُهُ (وَهُوَ) : أَيْ الْحَالُ أَنَّهُ (غَنِيٌّ بِبَلَدِهِ) فَلَا يُعْطَى حِينَئِذٍ.
فَالْإِعْطَاءُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ: لِلْفَقِيرِ مُطْلَقًا، وَالْغَنِيِّ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مُسَلِّفًا، وَعُدْمِهِ فِي صُورَةٍ.
وَمَفْهُومُ مُحْتَاجٍ: أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُعْطَى وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا الْهَاشِمِيُّ فِيهِ وَفِي الَّذِي قَبْلَهُ فَعَلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يُوَصِّلُهُ، فَإِنْ عُدِمَ بَيْتُ الْمَالِ - كَمَا هُوَ الْآنَ - فَالْجَارِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَقِيرِ أَنْ يُعْطَى الْمَدِينُ أَوْ الْغَرِيبُ الْهَاشِمِيُّ مِنْهَا لِوَفَاءِ الدَّيْنِ أَوْ لِمَا يُوَصِّلُهُ لِبَلَدِهِ، فَهَذِهِ الْأَصْنَافُ الثَّمَانِيَةُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: 60] إلَخْ فَلَا تُجْزِئُ لِغَيْرِهِمْ كَسُوَرٍ وَسُفُنٍ لِغَيْرِ جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَشِرَاءِ كُتُبِ عِلْمٍ وَدَارٍ لِتُسْكَنَ أَوْ ضَيْعَةٍ لِتُوقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ.

(وَنُدِبَ إيثَارُ الْمُضْطَرِّ) أَيْ الْمُحْتَاجِ عَلَى غَيْرِهِ بِأَنْ يُخَصَّ بِالْإِعْطَاءِ أَوْ يُزَادَ لَهُ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ، إذْ الْمَقْصُودُ سَدُّ الْخَلَّةِ (لَا تَعْمِيمُ

[حاشية الصاوي]

إنْ تَابَ - وَبَيْنَ رُجُوعِهِ لِبَلَدِهِ فَيُعْطَى إنْ تَابَ أَوْ خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: [فَالْجَارِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ] : تَحْصُلُ أَنَّ اشْتِرَاطَ عَدَمِ كَوْنِهِ هَاشِمِيًّا فِي تِلْكَ الْأَصْنَافِ إنَّمَا هُوَ لِشَرَفِهِ، فَإِنْ أَدَّى مَنْعُهُ مِنْهَا إلَى الضَّرَرِ بِهِ قُدِّمَ وَيُلْغَى الشَّرْطُ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ.
قَوْلُهُ: [لِغَيْرِ جِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] : أَيْ وَأَمَّا لَهُ فَيَجُوزُ.
كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يُنْشِئُ مِنْهَا الْمَرْكَبَ لِلْغَزْوِ وَيُعْطَى مِنْهَا كِرَاءُ النَّوَاتِيَّةِ وَيُبْنَى مِنْهَا حِصْنٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
وَلَمْ يَنْقُلْ اللَّخْمِيُّ غَيْرَهُ، وَاسْتَظْهَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ الصَّحِيحُ - كَذَا فِي الْبُنَانِيِّ نَقَلَهُ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَمِثْلُ السُّورِ وَالْمَرْكَبِ؛ الْفَقِيهُ وَالْقَاضِي وَالْإِمَامُ، لَكِنْ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: مَحَلُّ كَوْنِ الْفَقِيهِ الَّذِي يُدَرِّسُ الْعِلْمَ أَوْ يُفْتِي لَا يَأْخُذُ مِنْهَا إذَا كَانَ يُعْطَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِلَّا فَيُعْطَى مِنْهَا وَلَوْ كَثُرَتْ كُتُبُهُ حَيْثُ كَانَ فِيهِ قَابِلِيَّةٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قَابِلِيَّةٌ لَمْ يُعْطَ إلَّا أَنْ تَكُونَ كُتُبُهُ عَلَى قَدْرِ فَهْمِهِ، وَلَكِنْ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ: إذَا مَنَعُوا حَقَّهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ جَازَ لَهُمْ أَخْذُ الزَّكَاةِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانُوا فُقَرَاءَ أَوْ أَغْنِيَاءَ بِالْأَوْلَى مِنْ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ.
(اهـ) .

الْأَصْنَافِ) . فَلَا يَنْدُبُ بَلْ مَتَى أَعْطَى لِأَيِّ شَخْصٍ مَوْصُوفٍ بِكَوْنِهِ مِنْ أَحَدِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ كَفَى.

(وَ) نُدِبَ (الِاسْتِنَابَةُ) فِيهَا: لِأَنَّهَا أَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ وَحُبِّ الْمَحْمَدَةِ.
(وَجَازَ دَفْعُهَا) : أَيْ الزَّكَاةِ (لِقَادِرٍ عَلَى الْكَسْبِ) إذَا كَانَ فَقِيرًا وَلَوْ تَرَكَ التَّكَسُّبَ اخْتِيَارًا.
(وَ) جَازَ (كِفَايَةُ سَنَةٍ) أَيْ إعْطَاءُ فَقِيرٍ أَوْ مِسْكِينٍ مَا يَكْفِيهِ سَنَةً (وَلَوْ) كَانَ (أَكْثَرَ مِنْهُ) : أَيْ مِنْ نِصَابٍ لَا أَكْثَرَ مِنْ كِفَايَةِ سَنَةٍ وَلَا أَقَلَّ مِنْهُ.
(وَ) جَازَ (وَرِقٌ) أَيْ إعْطَاؤُهُ (عَنْ ذَهَبٍ وَعَكْسُهُ) بِلَا أَوْلَوِيَّةٍ لِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ، وَقِيلَ بِأَوْلَوِيَّةِ الْوَرِقِ عَنْ الذَّهَبِ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ فِي الْإِنْفَاقِ، وَأَمَّا إخْرَاجُ الْفُلُوسِ عَنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فَالْمَشْهُورُ الْإِجْزَاءُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، مُعْتَبِرًا إخْرَاجَ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ.

[حاشية الصاوي]

[مَا يَنْدُب فِي صَرْف الزَّكَاة وَمَا يَجُوز وَمَا يَجِب]

قَوْلُهُ: [لَا تَعْمِيمَ الْأَصْنَافِ فَلَا يُنْدَبُ] : أَيْ لِأَنَّ اللَّامَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: 60] الْآيَةُ لِبَيَانِ الْمَصْرِفِ لَا لِلْمِلْكِ.
وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ تَعْمِيمَ الْأَصْنَافِ إذَا وُجِدُوا، وَلَا يَجِبُ تَعْمِيمُ أَفْرَادِهِمْ إجْمَاعًا لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ، وَاسْتَحَبَّ أَصْبَغُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ قَالَ: لِئَلَّا يَنْدَرِسَ الْعِلْمُ بِاسْتِحْقَاقِهِمْ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَصَالِحِ ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ سَدِّ الْخَلَّةِ وَالْغَزْوِ وَوَفَاءِ الدَّيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلِمَا يُوجِبُهُ مِنْ دُعَاءِ الْجَمِيعِ وَمُصَادَفَةِ وَلِيٍّ فِيهِمْ.
كَذَا فِي الْخَرَشِيِّ.
قَوْلُهُ: [كَفَى] : أَيْ وَلَوْ كَانَ الْآخِذُ لَهَا الْعَامِلَ إذَا كَانَتْ قَدْرَ عَمَلِهِ وَأَخَذَ الزَّائِدَ بِوَصْفِ الْفَقْرِ.

قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ الِاسْتِنَابَةُ] : أَيْ وَقَدْ تَجِبُ عَلَى مَنْ تَحَقَّقَ وُقُوعُ الرِّيَاءِ مِنْهُ، وَمِثْلُهُ الْجَاهِلُ بِأَحْكَامِهَا وَمَصْرِفِهَا.
وَمِنْ آدَابِهَا دَفْعُهَا بِالْيَمِينِ، وَدُعَاءُ الْجَابِي وَالْإِمَامِ لِدَافِعِهَا، وَأَوْجَبَهُ دَاوُد.
قَوْلُهُ: [فَالْمَشْهُورُ الْإِجْزَاءُ] : خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ بِعَدَمِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ عَرْضًا.
وَقَوْلُهُ: [مَعَ الْكَرَاهَةِ] : هَكَذَا فِي التَّوْضِيحِ وَالْحَطَّابِ عَنْ النَّوَادِرِ.

(بِصَرْفِ الْوَقْتِ) أَيْ وَقْتِ الْإِخْرَاجِ - لَا وَقْتِ الْوُجُوبِ؛ الْمَسْكُوكِ بِصَرْفِهِ، وَغَيْرِهِ بِصَرْفِهِ.
وَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الصِّيَاغَةِ؛ فَمَنْ عِنْدَهُ حُلِيٌّ أَخْرَجَ صَرْفَ زِنَتِهِ لَا قِيمَةَ صِيَاغَتِهِ.

(وَوَجَبَ نِيَّتُهَا) : عِنْدَ الدَّفْعِ، وَيَكْفِي عِنْدَ عَزْلِهَا، وَلَا يَجِبُ إعْلَامُ الْفَقِيرِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِصَرْفِ الْوَقْتِ] : الْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِإِعْطَاءِ، أَيْ: مُتَلَبِّسًا ذَلِكَ الْإِعْطَاءُ بِصَرْفِ الْوَقْتِ قَوْلُهُ: [الْمَسْكُوكِ بِصَرْفِهِ] إلَخْ: أَيْ فَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دِينَارٌ مِنْ أَرْبَعِينَ مَسْكُوكَةً وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ مَسْكُوكًا مِنْ غَيْرِ نَوْعِهِ أَوْ مِنْ نَوْعِهِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ فِضَّةً غَيْرَ مَسْكُوكَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ سِكَّةِ الدِّينَارِ زِيَادَةً عَلَى صَرْفِهِ غَيْرَ مَسْكُوكٍ، لِأَنَّ الْأَرْبَعِينَ الْمَسْكُوكَةَ يَجِبُ فِيهَا وَاحِدٌ مَسْكُوكٌ.
وَكَذَا إنْ أَرَادَ يُخْرِجُ عَنْهَا دِينَارًا غَيْرَ مَسْكُوكٍ مِنْ التِّبْرِ مَثَلًا وَجَبَ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ السِّكَّةِ فَيُزِيدُهَا عَلَى وَزْنِ الدِّينَارِ.
وَسَوَاءٌ سَاوَى الصَّرْفَ الشَّرْعِيَّ - وَهُوَ كُلُّ دِينَارٍ بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ - أَوْ نَقَصَ أَوْ زَادَ.
وَمَا ذُكِرَ مِنْ إخْرَاجِ قِيمَةِ السِّكَّةِ إذَا أَخْرَجَ مِنْ نَوْعِهِ غَيْرَ مَسْكُوكٍ هُوَ مَا لِابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ؛ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ شُرَكَاءُ وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ السِّكَّةُ فِي النِّصَابِ كَمَا سَبَقَ.
وَفِي (ر) وَ (بْن) : اعْتِرَاضُهُ بِأَنَّهُ رِبًا لَمْ يَقُلْ الْقَابِسِيُّ الْقَائِلُ بِاعْتِبَارِ السِّكَّةِ.
قَوْلُهُ: [لَا قِيمَةَ صِيَاغَتِهِ] : فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ ذَهَبٌ مَصُوغٌ وَزْنُهُ أَرْبَعُونَ دِينَارًا وَلِصِيَاغَتِهِ يُسَاوِي خَمْسِينَ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ عَنْ الْأَرْبَعِينَ وَيُلْغِي الزَّائِدَ وَهَذَا إذَا أَخْرَجَ عَنْهُ مِنْ نَوْعِهِ كَذَهَبٍ عَنْ ذَهَبٍ.
وَأَمَّا لَوْ أَخْرَجَ وَرِقًا عَنْ ذَهَبٍ مَصُوغٍ، فَهَلْ هُوَ كَالنَّوْعِ الْوَاحِدِ تُلْغَى الصِّيَاغَةُ؟ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَقِيلَ: لَا تُلْغَى وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَلِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ أَطْلَقَ فِي إلْغَاءِ الصِّيَاغَةِ.

قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ نِيَّتُهَا] : فَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَلَوْ جَهْلًا أَوْ نِسْيَانًا لَمْ تَجُزْ وَالنِّيَّةُ الْوَاجِبَةُ إمَّا عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ مَحْجُورِهِ بِأَنْ يَنْوِيَ أَدَاءَ مَا وَجَبَ فِي مَالِهِ أَوْ مَالِ مَحْجُورِهِ، قَالَ سَنَدٌ: وَالنِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ كَافِيَةٌ فَإِذَا عَدَّ دَرَاهِمَهُ وَأَخْرَجَ مَا يَجِبُ فِيهَا وَلَمْ يُلَاحِظْ أَنَّ هَذَا الْمُخْرَجَ زَكَاةٌ - لَكِنْ لَوْ سُئِلَ لَأَجَابَ - أَجْزَأَهُ.
قَوْلُهُ: [وَيَكْفِي عِنْدَ عَزْلِهَا] : كَمَا لِسَنَدٍ، فَإِذَا نَوَاهَا عِنْدَ الْعَزْلِ وَسَرَقَهَا مَنْ

بَلْ يُكْرَهُ كَمَا قَالَ اللَّقَانِيُّ لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ الْفَقِيرِ.
(وَ) وَجَبَ (تَفْرِقَتُهَا فَوْرًا بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ) وَهُوَ فِي الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ الْمَوْضِعُ الَّذِي جُبِيَتْ مِنْهُ، وَفِي النَّقْدِ - وَمِنْهُ قِيمَةُ عَرْضِ التِّجَارَةِ - مَوْضِعُ الْمَالِكِ حَيْثُ كَانَ مَا لَمْ يُسَافِرْ، وَيُوَكِّلُ مَنْ يُخْرِجُ عَنْهُ بِبَلَدِ الْمَالِ، فَمَوْضِعِ الْمَالِ.
(أَوْ قُرْبِهِ) أَيْ قُرْبِ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ وَهُوَ مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ لِأَنَّهُ فِي.
حُكْمِ مَوْضِعِ الْوُجُوبِ فَيَجُوزُ دَفْعُهَا لِمَنْ بِقُرْبِهِ وَلَوْ وُجِدَ مُسْتَحِقٌّ فِي مَوْضِعِهِ أُعْدِمَ.
وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا لِمَنْ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
(إلَّا لِأَعْدَمَ) مِمَّنْ بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ أَوْ قُرْبِهِ، (فَأَكْثَرُهَا) تَنْقُلُ (لَهُ) أَيْ لِلْأَعْدَمِ وُجُوبًا وَأَقَلُّهَا فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنْ أَدَّاهَا لِمَنْ بِمَوْضِعِهِ فَقَطْ أَجْزَأَتْ.
(وَأَجْزَأَ) نَقْلُهَا (لِمِثْلِهِمْ) فِي الْعُدْمِ، وَأَثِمَ.
إذْ الْوَاجِبُ تَفْرِقَتُهَا كُلِّهَا بِمَوْضِعِ الْوُجُوبِ عِنْدَ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْعُدْمِ.
(لَا) إنْ نَقَلَهَا كُلًّا أَوْ بَعْضًا (لِدُونِهِمْ) أَيْ لِمَنْ هُوَ دُونَ أَهْلِ الْمَوْضِعِ (فِي الْعُدْمِ) فَلَا تُجْزِئُ.

(كَأَنْ قَدَّمَ مُعَشَّرًا) أَيْ زَكَاةَ مَا فِيهِ الْعُشْرِ أَوْ نِصْفُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ بِإِفْرَاكِ الْحَبِّ وَطِيبِ الثَّمَرِ لَمْ يُجْزِهِ، وَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ إذَا وَجَبَتْ؛ إذْ هُوَ كَمَنْ صَلَّى قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ.

[حاشية الصاوي]

يَسْتَحِقُّهَا: أَجْزَأَتْ.
قَوْلُهُ: [مَوْضِعُ الْمَالِكِ] : وَقِيلَ مَوْضِعُ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: [فَأَكْثَرُهَا تُنْقَلُ لَهُ] : أَيْ بِأُجْرَةٍ مِنْ الْفَيْءِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بِيعَتْ وَاشْتَرَى مِثْلَهَا أَوْ فُرِّقَ الثَّمَنُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ.
وَهَذَا إذَا كَانَ النَّقْلُ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَأَمَّا لِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَبِأُجْرَةٍ مِنْهَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْعَدَوِيُّ.
قَوْلُهُ: [وُجُوبًا] : تَبِعَ الشَّارِحَ (عب) ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَبَقَ أَنَّ إيثَارَ الْمُضْطَرِّ مَنْدُوبٌ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [أَجْزَأَتْ] : وَكَذَلِكَ لَوْ نَقَلَهَا كُلَّهَا فَإِنَّهَا تُجْزِئُ مَعَ الْحُرْمَةِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا تُجْزِئُ] : فِي (بْن) : اعْتَرَضَهُ الْمَوَّاقُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْإِجْزَاءُ نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَالْكَافِي.
اُنْظُرْهُ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.

قَوْلُهُ: [فَيُزَكِّي كَمَا تَقَدَّمَ] : أَيْ إنْ نَضَّ لَهُ وَلَوْ دِرْهَمًا، وَأَمَّا إنْ زَكَّى قَبْلَ النَّضُوضِ فَلَا يُجْزِئُ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ.

(أَوْ) زَكَّى (دَيْنًا) حَالَ حَوْلُهُ (أَوْ عَرْضًا مُحْتَكَرًا) وَلَوْ بَاعَهُ (قَبْلَ الْقَبْضِ) أَيْ قَبْضِ الدَّيْنِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ.
أَوْ قَبَّضَهُ ثَمَنَ عَرْضِ الِاحْتِكَارِ لَمْ يُجْزِهِ.
وَالْمُرَادُ بِالدَّيْنِ: الدَّيْنُ الَّذِي لَا يُزَكَّى كُلَّ عَامٍ وَهُوَ دَيْنُ الْمُحْتَكِرِ مُطْلَقًا وَدَيْنُ الْمُدِيرِ مِنْ قَرْضٍ أَوْ عَلَى مُعْسِرٍ؛ وَأَمَّا دَيْنُ الْمُدِيرِ مِنْ بَيْعٍ وَهُوَ حَالٌّ مَرْجُوٌّ فَيُزَكَّى كَمَا تَقَدَّمَ كُلَّ عَامٍ.
(أَوْ دُفِعَتْ) الزَّكَاةُ (لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ) لَهَا كَعَبْدٍ، أَوْ كَافِرٍ هَاشِمِيٍّ، أَوْ غَنِيٍّ، فَلَا تُجْزِئُ.
(أَوْ) دُفِعَتْ (لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَوْ دَفَعَ عَرْضًا) عَنْهَا بِقِيمَتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ.
(أَوْ) دَفَعَ (جِنْسًا) مِمَّا فِيهِ الزَّكَاةُ (عَنْ غَيْرِهِ) : مِمَّا فِيهِ زَكَاةٌ؛ لَمْ تُجْزِئْهُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ غَنِيٍّ فَلَا تُجْزِئُ] أَيْ إلَّا الْإِمَامَ يَدْفَعُهَا بِاجْتِهَادِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْآخِذَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ فَتُجْزِئُ حَيْثُ تَعَذَّرَ رَدُّهَا، وَالْوَصِيُّ وَمُقَدَّمُ الْقَاضِي كَذَلِكَ.
فَتَحَصَّلَ: أَنَّ رَبَّهَا إذَا دَفَعَهَا لِغَيْرِ مُسْتَحِقِّهَا لَا تُجْزِئُهُ مُطْلَقًا، وَالْإِمَامُ وَمُقَدَّمُ الْقَاضِي وَالْوَصِيُّ تُجْزِئُهُ إنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا هَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ دَفَعَ عَرْضًا] : أَيْ حَيْثُ أَطَاعَ بِذَلِكَ، وَإِلَّا - فَإِنْ أُكْرِهَ - أَجْزَأَتْ اتِّفَاقًا.
وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَتْنِ وَالشَّارِحِ كَمَا فِي الْأَصْلِ: أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ الْعَيْنَ عَنْ الْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ يُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
وَأَمَّا إخْرَاجُ الْعَرْضِ عَنْهُمَا أَوْ عَنْ الْعَيْنِ فَلَا يُجْزِئُ؛ كَإِخْرَاجِ الْحَرْثِ أَوْ الْمَاشِيَةِ عَنْ الْعَيْنِ.
أَوْ الْحَرْثِ عَنْ الْمَاشِيَةِ أَوْ عَكْسِهِ.
فَهَذِهِ تِسْعٌ الْمُجْزِئُ مِنْهَا اثْنَتَانِ.
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيّ: هَذَا التَّفْصِيلُ لِلْأُجْهُورِيِّ وَلَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ.
قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ - بَلْ الْمَوْجُودُ فِي الْمَذْهَبِ - طَرِيقَتَانِ: عَدَمُ إجْزَاءِ الْقِيمَةِ مُطْلَقًا وَإِجْزَاؤُهَا مُطْلَقًا، فَعَدَمُ الْإِجْزَاءِ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ بَشِيرٍ، وَقَدْ اعْتَرَضَهُ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْبَاجِيِّ مِنْ أَنَّ الْمَشْهُورَ فِيهِ الْإِجْزَاءُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
وَفِي تَقْرِيرِ الْمُؤَلِّفِ مَا يُوَافِقُهُ؛ فَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلُ بَابِ الزَّكَاةِ مِنْ عَدَمِ إجْزَاءِ الْقِيمَةِ بَدَلَ الشَّيْءِ الْوَاجِبِ فِي الْمَوَاشِي وَغَيْرِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ هُنَا فَلْيُحْفَظْ هَذَا الْمَقَامُ.

كَأَنْ دَفَعَ مَاشِيَةً عَنْ حَرْثٍ أَوْ عَكْسِهِ.
وَمُرَادُهُ بِالْجِنْسِ: مَا يَشْمَلُ الصِّنْفَ؛ فَلَا يُجْزِئُ تَمْرٌ عَنْ زَبِيبٍ وَلَا عَكْسُهُ.
وَلَا شَيْءٌ مِنْ الْقَطَّانِي عَنْ آخَرَ، وَلَا زَيْتُ ذِي زَيْتٍ عَنْ آخَرَ، وَلَا شَعِيرٌ عَنْ قَمْحٍ أَوْ سُلْتٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ أُرْزٍ.
(إلَّا الْعَيْنَ) ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً يُخْرِجُهَا (عَنْ حَرْثٍ وَمَاشِيَةٍ) بِالْقِيمَةِ (فَتُجْزِئُ بِكُرْهٍ) أَيْ مَعَ كَرَاهَةٍ.
وَهَذَا شَامِلٌ لِزَكَاةِ الْفِطْرِ.
(كَتَقْدِيمِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا (بِكَشَهْرٍ) فَقَطْ لَا أَكْثَرَ.
وَالْكَافُ فِي قَوْلِهِ: بِكَشَهْرٍ زَائِدَةٌ أَوْلَى حَذْفُهَا (فِي عَيْنٍ) وَمِنْهَا عَرْضُ تِجَارَةِ الْمُدِيرِ، (وَمَاشِيَةٍ) لَا سَاعِيَ لَهَا فَتُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، بِخِلَافِ مَا لَهَا سَاعٍ وَبِخِلَافِ الْحَرْثِ فَلَا تُجْزِئُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ تَلِفَ) بَعْدَ الْوُجُوبِ (جُزْءُ نِصَابٍ) - وَأَوْلَى كُلُّهُ - (وَلَمْ يُمْكِنْ الْأَدَاءُ) : إمَّا لِعَدَمِ تَمَامِ طِيبِ الْحَرْثِ أَوْ لِعَدَمِ مُسْتَحِقٍّ، أَوْ لِغَيْبَةِ الْمَالِ (سَقَطَتْ) الزَّكَاةُ.
فَإِنْ أَمْكَنَ الْأَدَاءُ وَلَمْ يُؤَدِّ ضَمِنَ، وَأَمَّا مَا تَلِفَ قَبْلَ الْوُجُوبِ فَيُعْتَبَرُ الْبَاقِي.
وَشَبَّهَ فِي السُّقُوطِ قَوْلَهُ: (كَعَزْلِهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ) لِيَدْفَعَهَا لِمُسْتَحِقِّهَا (فَضَاعَتْ بِلَا تَفْرِيطٍ) مِنْهُ، (لَا إنْ ضَاعَ أَصْلُهَا) بَعْدَ الْوُجُوبِ وَبَقِيَتْ هِيَ فَلَا تَسْقُطُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهَا فَرَّطَ أَمْ لَا، وَلَا إنْ عَزَلَهَا قَبْلَ الْوُجُوبِ فَضَاعَتْ أَوْ تَلِفَتْ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَلَا شَيْءَ مِنْ الْقَطَانِيِّ عَنْ آخَرَ] : أَيْ مِنْ غَيْرِهَا أَوْ مِنْهَا وَكَانَ الْمُخْرَجُ أَدْوَنَ.
قَوْلُهُ: [لَا أَكْثَرَ] : أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَهُوَ رِوَايَةُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقِيلَ: يُغْتَفَرُ الشَّهْرَانِ وَنَحْوُهُمَا، وَقِيلَ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: خَمْسَةٌ، وَقِيلَ: عَشْرَةٌ.
وَهَذَا التَّقْدِيمُ الْمُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ سَوَاءٌ كَانَ لِأَرْبَابِهَا أَوْ لِوَكِيلٍ يُوَصِّلُهَا لَهُ.
قَوْلُهُ: [لَا إنْ ضَاعَ أَصْلُهَا] : أَيْ دُونَهَا؛ وَذَلِكَ بِأَنْ عَزَلَ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ، ثُمَّ ضَاعَ الْمَالُ الَّذِي هُوَ أَصْلُهَا وَبَقِيَتْ هِيَ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [فَرَّطَ] : حَاصِلُهُ: أَنَّهُ إذَا حَلَّ الْحَوْلُ وَأَخَّرَ تَفْرِقَتَهَا عَنْ الْحَوْلِ - مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ التَّفْرِقَةِ - فَتَلِفَتْ، سَوَاءٌ تَلِفَ أَصْلُهَا أَمْ لَا، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الزَّكَاةَ لِتَفْرِيطِهِ.

فَيَضْمَنُ أَوْ يُعْتَبَرُ الْبَاقِي.
وَلَا إنْ عَزَلَهَا بَعْدَهُ وَفَرَّطَ بِأَنْ أَمْكَنَ الْأَدَاءُ فَلَمْ يُؤَدِّ، أَوْ وَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِرْزِهَا فَيَضْمَنُ.

(وَزَكَّى مُسَافِرٌ) فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ بِهِ (مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ وَإِنْ دُونَ نِصَابٍ، (وَمَا غَابَ) عَنْهُ (إنْ لَمْ يَكُنْ) هُنَاكَ (مُخْرِجٌ) عَنْهُ بِتَوْكِيلٍ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْمَالِكِ.
فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُخْرِجٌ زَكَّى مَا مَعَهُ فَقَطْ (وَلَا ضَرُورَةَ) عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ إنْفَاقٍ فِيمَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْغَائِبِ، وَإِلَّا أَخَّرَ حَتَّى يَصِلَ لِبَلَدِهِ، فَالْمُرَادُ بِالضَّرُورَةِ: الْحَاجَةُ.

(وَأُخِذَتْ) الزَّكَاةُ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ حَيْثُ امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا (كُرْهًا) بِضَمِّ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ وَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِرْزِهَا] : أَيْ إذَا لَمْ يَجِدْ فُقَرَاءَ يَأْخُذُونَهَا فَوَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِرْزِهَا، فَيَضْمَنُ إنْ ضَاعَتْ وَأَمَّا لَوْ وَجَدَ مُسْتَحِقِّيهَا وَأَخَّرَهَا عَنْهُمْ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ إنْ ضَاعَتْ وَلَوْ فِي حِرْزِهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الْأَمْوَالَ السِّنِينَ الْعَدِيدَةَ ثُمَّ تَأْتِيهَا جَائِحَةٌ فَإِنَّ زَكَاةَ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِذِمَمِهِمْ لَا يَخْلُصُونَ مِنْهَا إلَّا بِأَدَائِهَا.

[زَكَاة الْمُسَافِر]

قَوْلُهُ: [وَزَكَّى مُسَافِرٌ] : مَفْهُومُهُ أَنَّ الْحَاضِرَ يُزَكِّي مَا حَضَرَ وَمَا غَابَ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ مُطْلَقًا، وَلَوْ دَعَتْ الضَّرُورَةُ لِصَرْفِ مَا حَضَرَ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ، فَإِنَّهُ لَا يُزَكِّيهِمَا إلَّا بِالشَّرْطَيْنِ.
قَوْلُهُ: [وَمَا غَابَ عَنْهُ] : هَذَا شَامِلٌ لِلْمَاشِيَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا سَاعٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ لَهَا سَاعٍ فَإِنَّهَا تُزَكَّى فِي مَحَلِّهَا فَلَا يَشْمَلُهَا كَلَامُهُ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْمُسَافِرَ يُزَكِّي مَا غَابَ عَنْهُ بِالشَّرْطَيْنِ وَلَا يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ حَتَّى يَرْجِعَ لَهُ، أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: إنَّهُ يُؤَخِّرُ زَكَاتَهُ اعْتِبَارًا بِمَوْضِعِ الْمَالِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْخِلَافِ فِي اعْتِبَارِ مَوْضِعِ الْمَالِ أَوْ الْمَالِكِ: مَا لَوْ مَاتَ شَخْصٌ وَلَا وَارِثَ لَهُ إلَّا بَيْتُ الْمَالِ بِبَلَدِ سُلْطَانٍ وَمَالُهُ بِبَلَدِ سُلْطَانٍ آخَرَ.
وَاَلَّذِي فِي أَجْوِبَةِ ابْنِ رُشْدٍ: أَنَّ مَالَهُ لِمَنْ مَاتَ بِبَلَدِهِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا ضَرُورَةَ عَلَيْهِ] : وَيَنْفِي الضَّرُورَةَ وُجُودُ مُسَلِّفٍ يُمْهِلُهُ لِبَلَدِهِ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا أَخَّرَ] : أَيْ وَإِلَّا فَإِنْ اُضْطُرَّ أَخَّرَ الْإِخْرَاجَ عَنْ الْحَاضِرِ مَعَهُ وَالْغَائِبِ حَتَّى: يَرْجِعَ لِبَلَدِهِ.

[الْإِجْبَار عَلَى الزَّكَاة]

[تَتِمَّة غُرّ عَبْدٌ بِحُرِّيَّةِ فَدُفِعَتْ لَهُ الزَّكَاةُ فَظَهَرَ رِقُّهُ]

قَوْلُهُ: [وَأُخِذَتْ الزَّكَاةُ] : أَيْ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ، فَإِنْ كَانَ لَيْسَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ - وَكَانَ مَعْرُوفًا بِالْمَالِ - فَإِنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَظْهَرَ مَالُهُ.
فَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُ الْمَالِ

الْكَافِ وَفَتْحِهَا (وَإِنْ بِقِتَالٍ) ، وَتُجْزِئُ نِيَّةُ الْإِمَامِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ عَنْ نِيَّتِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَ مُسْتَحِقٌّ بِقَدْرِهَا فَلَا تَكْفِي لِعَدَمِ النِّيَّةِ.

[حاشية الصاوي]

وَاتُّهِمَ فِي إخْفَاءِ غَيْرِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: يُصَدَّقُ وَلَا يَحْلِفُ إنَّهُ مَا أَخْفَى وَإِنْ اُتُّهِمَ، وَأَخْطَأَ مَنْ يُحَلِّفُ النَّاسَ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ بِقِتَالٍ] : أَيْ وَلَا يَقْصِدُ قَتْلَهُ، فَإِنْ اتَّفَقَ أَنَّهُ قَتَلَ أَحَدًا قُتِلَ بِهِ وَإِنْ قَتَلَهُ أَحَدٌ كَانَ هَدَرًا.
وَيُؤَدَّبُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ أَدَائِهَا بَعْدَ أَخْذِهَا مِنْهُ كَرْهًا إنْ لَمْ يُقَاتِلْ حَالَةَ الْأَخْذِ وَإِلَّا كَفَى فِي الْأَدَبِ.
قَوْلُهُ: [وَتُجْزِئُ نِيَّةُ الْإِمَامِ] : أَيْ وَيَجِبُ دَفْعُهَا لَهُ إنْ كَانَ عَدْلًا فِي صَرْفِهَا.
وَأَخْذِهَا.
وَإِنْ كَانَ جَائِرًا فِي غَيْرِهَا - إنْ كَانَتْ مَاشِيَةً أَوْ حَرْثًا، بَلْ وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا.
فَإِنْ طَلَبَهَا الْعَدْلُ وَادَّعَى إخْرَاجَهَا لَمْ يُصَدَّقْ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تُدْفَعُ لِلْجَائِرِ فِي صَرْفِهَا، بَلْ الْوَاجِبُ جَحْدُهَا وَالْهُرُوبُ بِهَا، فَإِنْ أَخَذَهَا كُرْهًا أَجْزَأَتْ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَ مُسْتَحِقٌّ] إلَخْ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْفُقَرَاءَ لَيْسَ لَهُمْ الْمُقَاتَلَةُ عَلَيْهَا إلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ لِتَوَقُّفِ الزَّكَاةِ عَلَى نِيَّتِهِ أَوْ نِيَّةِ الْمَالِكِ، وَلَوْ جَازَ لَهُمْ الْمُقَاتَلَةُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ لَأَدَّى إلَى الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ.
تَتِمَّةٌ: إنْ غَرَّ عَبْدٌ بِحُرِّيَّةٍ فَدُفِعَتْ لَهُ الزَّكَاةُ فَظَهَرَ رِقُّهُ فَجِنَايَةٌ فِي رَقَبَتِهِ إنْ لَمْ تُوجَدْ مَعَهُ عَلَى الْأَرْجَحِ؛ فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بَيْنَ فِدَائِهِ وَإِسْلَامِهِ فَيُبَاعُ فِيهَا.
وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ دَفْعِهَا لِمَدِينٍ عَدِيمٍ ثُمَّ أَخْذِهَا مِنْهُ فِي دَيْنِهِ حَيْثُ لَمْ يَتَوَاطَأْ عَنْ ذَلِكَ؟ قَوْلَانِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.
وَإِنْ دُفِعَتْ لِغَرِيبٍ مُحْتَاجٍ لِمَا يُوَصِّلُهُ أَوْ لِغَازٍ، ثُمَّ تَرَكَ كُلَّ السَّفَرِ لِمَا دُفِعَتْ الزَّكَاةُ لَأَجْلِهِ نُزِعَتْ مِنْهُمَا إلَّا بِوَصْفِ الْفَقْرِ كَالْغَرِيمِ إذَا اسْتَغْنَى، بِأَنْ ظَهَرَ لَنَا قُدْرَتُهُ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِهَا فَيَجِبُ نَزْعُهَا عَلَى مَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ.

[فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ]

[قَدْرَ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَمَا تُخْرَجُ مِنْهُ وَمَنْ تُدْفَع لَهُ وَإِثْم تَأْخِيرهَا]

فَصْلٌ:

فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ (زَكَاةُ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ بِغُرُوبِ آخِرِ رَمَضَانَ) عَلَى قَوْلٍ (أَوْ بِفَجْرِ) أَوَّلِ (شَوَّالٍ) عَلَى قَوْلٍ آخَرَ.
(عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْقَادِرِ) عَلَيْهَا وَقْتَهُ.

[حاشية الصاوي]

لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى زَكَاةِ الْأَمْوَالِ أَتْبَعَهُ بِالْكَلَامِ عَلَى زَكَاةِ الْأَبَدَانِ وَهِيَ زَكَاةُ الْفِطْرِ.
وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِ إضَافَتِهَا لِلْفِطْرِ، فَقِيلَ: مِنْ الْفِطْرَةِ وَهِيَ الْخِلْقَةُ لِتَعَلُّقِهَا بِالْأَبْدَانِ، وَقِيلَ لِوُجُوبِهَا بِالْفِطْرِ.
وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا الرِّفْقُ بِالْفُقَرَاءِ فِي إغْنَائِهِمْ عَنْ السُّؤَالِ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: الْمُخْرِجُ بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَالْمُخْرَجُ بِالْفَتْحِ، وَالْوَقْتُ الْمُخْرَجُ فِيهِ، وَالْمَدْفُوعَةُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْمُؤَلَّفُ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ عَلَيْهَا.
وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقُهَا أَشْرَفَ - لِأَنَّ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ دِعَامَةٌ مِنْ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ، وَلِوُقُوعِ الْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا وَسُنِّيَّتِهَا.
وَالْمَشْهُورُ الْوُجُوبُ وَلِذَلِكَ لَا يُقَاتَلُونَ عَلَيْهَا.
قَالَ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ: وَانْظُرْ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَعْضِ السُّنَنِ الَّتِي يُقَاتَلُ عَلَى تَرْكِهَا، وَانْظُرْ هَلْ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا أَوْ لَا؟ وَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَجْحَدَ مَشْرُوعِيَّتَهَا: فَيَكْفُرَ، وَبَيْنَ أَنْ يَجْحَدَ وُجُوبَهَا: فَلَا يَكْفُرَ، لِأَنَّهُ قِيلَ بِالسُّنِّيَّةِ (اهـ.) قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَكَذَا لَا يُقَاتَلُونَ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ بِخِلَافِ الْأَذَانِ وَالْجَمَاعَةِ فَيُقَاتَلُونَ عَلَى تَرْكِهِمَا، لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ وَيَتَوَقَّفُ الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ عَلَيْهِ (اهـ.) قَوْلُهُ: [وَاجِبَةٌ] : أَيْ وُجُوبًا ثَابِتًا بِالسُّنَّةِ فَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ» وَحَمْلُ الْفَرْضِ

(وَإِنْ بِتَسَلُّفٍ لِرَاجِي الْقَضَاءِ) لِأَنَّهُ قَادِرٌ حُكْمًا، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَرْجُهُ.
(عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ) أَيْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ.

[حاشية الصاوي]

عَلَى التَّقْدِيرِ بَعِيدٌ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ وَقَالَ إنَّهَا سُنَّةٌ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ خَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنَادِيًا يُنَادِي فِي فِجَاجِ مَكَّةَ: أَلَا إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ.
. .» إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ.
وَلَا يُقَالُ: إنَّ فَرْضَهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَمَكَّةُ حِينَئِذٍ دَارُ حَرْبٍ، فَكَيْفَ يَتَأَتَّى فِيهَا النِّدَاءُ بِمَا ذُكِرَ؟ لِأَنَّهُ يُقَالُ: " بَعْثُ الْمُنَادِي ": يَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَنَةَ فَتْحِهَا وَهِيَ سَنَةُ ثَمَانٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَنَةَ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ وَهِيَ سَنَةُ تِسْعٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَنَةَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ سَنَةُ عَشْرٍ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ أَنْ يَكُونَ بَعْثَ الْمُنَادِي عَقِبَ الْفَرْضِ، وَرِوَايَةُ: " فِجَاجِ مَكَّةَ " هِيَ الصَّوَابُ.
خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ مِنْ إبْدَالِ مَكَّةَ بِالْمَدِينَةِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا بِالسُّنَّةِ، لِأَنَّ آيَاتِ الزَّكَاةِ الْعَامَّةَ سَابِقَةٌ عَلَيْهَا، فَعُلِمَ أَنَّهَا غَيْرُ مُرَادَةٍ بِهَا أَوْ غَيْرُ صَرِيحَةٍ فِي وُجُوبِهَا.
قَوْلُهُ: [بِغُرُوبِ آخِرِ رَمَضَانَ عَلَى قَوْلٍ] إلَخْ: الْأَوَّلُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَشَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ.
وَالثَّانِي لِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْأَخَوَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَشَهَرَهُ الْأَبْهَرِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ.
قَالَ بَعْضُهُمْ؛ الْأَوَّلُ: مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَ الَّذِي أُضِيفَتْ إلَيْهِ فِي خَبَرِ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ» : الْفِطْرُ الْجَائِزُ وَهُوَ مَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِغُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ رَمَضَانَ، وَالثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْفِطْرُ الْوَاجِبُ الَّذِي يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ.
وَاعْتَرَضَهُ شَيْخُ مَشَايِخِهِ الْعَدَوِيُّ بِأَنَّ عَدَمَ نِيَّةِ الصَّوْمِ وَاجِبٌ فِيهِمَا.
وَتَنَاوُلَ الْمُفْطِرِ جَائِزٌ فِيهِمَا، وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ.
وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أُخَرَ: الْأَوَّلُ: أَنَّ وَقْتَهُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا يَمْتَدُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا كَاَللَّذَيْنِ قَبْلَهُ.
الثَّانِي: أَنَّ وَقْتَهُ مِنْ غُرُوبِ لَيْلَةِ الْعِيدِ مُمْتَدًّا إلَى غُرُوبِ يَوْمِهَا.
الثَّالِثُ: مِنْ غُرُوبِ لَيْلَةِ الْعِيدِ مُمْتَدًّا إلَى زَوَالِ يَوْمِهَا.
ذَكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ (اهـ. بْن - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَإِنْ بِتَسَلُّفٍ] : وَقِيلَ لَا تَجِبُ بِالتَّسَلُّفِ بَلْ يُسْتَحَبُّ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ ابْنُ رُشْدٍ.
فَعُلِمَ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالدَّيْنِ.

(بِقَرَابَةٍ) : كَوَالِدَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ؛ وَأَوْلَادِهِ الذُّكُورِ لِلْبُلُوغِ قَادِرِينَ عَلَى الْكَسْبِ، وَالْإِنَاثِ لِلدُّخُولِ بِالزَّوْجِ أَوْ الدُّعَاءِ إلَيْهِ.
(أَوْ زَوْجِيَّةٍ) : أَيْ كَوْنِهَا زَوْجَةً لَهُ أَوْ لِأَبِيهِ الْفَقِيرِ.
وَكَذَا تَلْزَمُ لِخَادِمِ الْقَرِيبِ الْمَذْكُورِ أَوْ الزَّوْجَةِ إنْ كَانَ رَقِيقًا لَا بِأُجْرَةٍ، وَيُمْكِنُ إدْخَالُهُ فِي قَوْلِنَا: (أَوْ رِقٍّ) : أَيْ أَوْ بِسَبَبِ رِقٍّ؛ كَعَبِيدِهِ وَعَبِيدِ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ أَوْ وَلَدِهِ حَيْثُ كَانَ خَادِمًا وَهُمْ أَهْلٌ لِلْإِخْدَامِ (وَلَوْ) كَانَ الرَّقِيقُ (مُكَاتَبًا) (وَ) الرَّقِيقُ (الْمُشْتَرَكُ) بَيْنَ اثْنَيْنِ.
أَوْ أَكْثَرَ يَجِبُ عَلَى كُلٍّ (بِقَدْرِ الْمِلْكِ) فِيهِ مِنْ نِصْفٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ سُدُسٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (كَالْمُبَعَّضِ) يَجِبُ الْإِخْرَاجُ عَلَى مَالِكِ بَعْضِهِ بِقَدْرِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ الدُّعَاءِ إلَيْهِ] : أَيْ حَيْثُ كَانَتْ الزَّوْجَةُ مُطِيقَةً وَلَمْ يَكُنْ بِهَا مَانِعٌ يُوجِبُ الْخِيَارَ.
قَوْلُهُ: [حَيْثُ كَانَ خَادِمًا] : يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا إذَا قَصَدَ بِهِ الرِّبْحَ أَوْ اشْتَرَى لِلْفَخْرِ.
قَوْلُهُ: [وَهُمْ أَهْلٌ لِلْإِخْدَامِ] : فَلَوْ كَانَ أَهْلًا لِلْإِخْدَامِ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ إلَى أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ، فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ زَكَاةُ فِطْرِ الْجَمِيعِ؛ وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا زَكَاةُ فِطْرِ وَاحِدٍ فَقَطْ.
وَنَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ فِي وُجُوبِهَا عَنْ أَكْثَرَ مِنْ خَادِمٍ إلَى أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ إنْ اقْتَضَاهُ شَرَفُهَا.
ثَالِثُهَا: عَنْ خَادِمَيْنِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [يَجِبُ عَلَى كُلٍّ بِقَدْرِ الْمِلْكِ] : هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ.
وَمُقَابِلُهُ: أَنَّهَا عَلَى عَدَدِ رُءُوسِ الْمَالِكِينَ.
وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ فِي هَذَا الْخِلَافِ، وَضَابِطُهَا: كُلُّ مَا يَجِبُ بِحُقُوقٍ مُشْتَرَكَةٍ؛ هَلْ الْوَاجِبُ بِقَدْرِ الْحُقُوقِ أَوْ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ؟ قَوْلَانِ.
لَكِنَّ الرَّاجِحَ مِنْهُمَا مُخْتَلِفٌ، فَالرَّاجِحُ الثَّانِي، وَهُوَ اعْتِبَارُ عَدَدِ الرُّءُوسِ: فِي أُجْرَةِ الْقَسَّامِ، وَكَنْسِ الْمَرَاحِيضِ، وَالسَّوَّاقِي، وَحَارِسِ أَعْدَالِ الْمَتَاعِ، وَبُيُوتِ الطَّعَامِ، وَالْجَرِينِ، وَالْبَسَاتِينِ.
وَكَاتِبِ الْوَثِيقَةِ وَكَذَا صَيْدُ الْكِلَابِ لَا يُنْظَرُ فِيهِ لِكِثَرِ الْكِلَابِ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِي اشْتِرَاكِ الصَّيْدِ لِرُءُوسِ الصَّائِدِينَ.
وَالرَّاجِحُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ اعْتِبَارُ الْمِلْكِ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ،

مَا يَمْلِكُ فِيهِ.
(وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُبَعَّضِ) فِي بَعْضِهِ الْحُرِّ.
ثُمَّ مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، أَوْ تَزَوَّجَ أَوْ اشْتَرَى عَبْدًا قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَجَبَتْ عَلَى الْأَبِ أَوْ الزَّوْجِ أَوْ سَيِّدِ الْعَبْدِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
وَلَوْ حَصَلَ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَطَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَجَبَتْ عَلَى مَنْ ذُكِرَ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يَجِبْ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ.
وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ مَنْ طَلُقَتْ أَوْ عَتَقَ أَوْ بَاعَ.
وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا إلَّا بَعْدَ فَجْرِ شَوَّالٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ كَانَ عَاجِزًا عَنْهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَإِنْ نُدِبَتْ إنْ زَالَ فَقْرُهُ أَوْ عَتَقَ يَوْمَهَا كَمَا يَأْتِي.
(وَهِيَ) : أَيْ زَكَاةُ الْفِطْرِ (صَاعٌ) أَرْبَعَةُ أَمِدَاد عُبْرَةُ الْمُدِّ حَفْنَةٌ مِلْءُ الْيَدَيْنِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ.
(فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَهُ) أَيْ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ، وَقَدْ مَلَكَهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ.

[حاشية الصاوي]

وَالشُّفْعَةِ، وَنَفَقَةِ الْوَالِدَيْنِ؛ أَيْ فَإِنَّهَا تُوَزَّعُ عَلَى الْأَوْلَادِ بِقَدْرِ الْيَسَارِ لَا عَلَى الرُّءُوسِ وَلَا بِقَدْرِ الْمِيرَاثِ، وَكَذَا زَكَاةُ فِطْرِهِمَا.
(اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . تَنْبِيهٌ: الْعَبْدُ الْمُخْدَمُ إنْ كَانَ مَرْجِعُهُ بَعْدَ الْخِدْمَةِ لِسَيِّدِهِ فَزَكَاتُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَرْجِعُهُ لِحُرِّيَّةٍ فَزَكَاتُهُ عَلَى الْمُخْدَمِ بِالْفَتْحِ، وَإِنْ كَانَ مَرْجِعُهُ لِشَخْصٍ آخَرَ فَزَكَاتُهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ الَّذِي مَرْجِعُهُ لَهُ.
قَوْلُهُ: [وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ فِي بَعْضِهِ الْحُرِّ] : وَكَذَلِكَ عَبِيدُ الْعَبِيدِ لَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ الْأَعْلَى وَلَا سَيِّدَهُمْ زَكَاةُ فِطْرِهِمْ، وَفِي (بْن) : أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُخْرِجُ عَنْ زَوْجَتِهِ خِلَافًا لِ (عب) ، وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ فَعَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ] : شُرُوعٌ مِنْهُ فِي بَيَانِ ثَمَرَةِ الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ، لَكِنَّ الْوُجُوبَ لَا يَمْتَدُّ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يَجِبْ عَلَى كُلٍّ] إلَخْ: أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ حَصَلَ بَعْدَ الْغُرُوبِ.
قَوْلُهُ: [مِلْءُ الْيَدَيْنِ الْمُتَوَسِّطَتَيْنِ] : أَيْ لَا مَقْبُوضَتَيْنِ وَلَا مُتَوَسِّطَتَيْنِ وَذَلِكَ

(مِنْ أَغْلَبِ قُوتِ أَهْلِ الْمَحَلِّ مِنْ) أَصْنَافٍ تِسْعَةٍ: (قَمْحٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ سُلْتٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ دُخْنٍ أَوْ أُرْزٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ أَقِطٍ) : وَهُوَ يَابِسُ اللَّبَنِ الْمُخْرَجِ زُبْدُهُ.
وَقَوْلُهُ: (فَقَطْ) : إشَارَةٌ لِرَدِّ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ بِزِيَادَةِ الْعَلَسِ عَلَى التِّسْعَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَعَلَى قَوْلِهِ تَكُونُ الْأَصْنَافُ عَشْرَةً.
فَيَتَعَيَّنُ الْإِخْرَاجُ مِمَّا غَلَبَ الِاقْتِيَاتُ مِنْهُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ التِّسْعَةِ، فَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَا مِنْهَا إنْ اقْتَاتَ غَيْرُهُ مِنْهَا إلَّا أَنْ يُخْرِجَ الْأَحْسَنَ؛ كَمَا لَوْ غَلَبَ اقْتِيَاتُ الشَّعِيرِ فَأَخْرَجَ قَمْحًا.
(إلَّا أَنْ يَقْتَاتَ غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كَعَلَسٍ وَلَحْمٍ وَفُولٍ وَعَدَسٍ وَحِمَّصٍ وَنَحْوِهَا (فَمِنْهُ) يُخْرِجُ، فَإِنْ غَلَبَ شَيْءٌ تَعَيَّنَ الْإِخْرَاجُ مِنْهُ وَإِنْ سَاوَى غَيْرَهُ خُيِّرَ.

[حاشية الصاوي]

قَدَحٌ وَثُلُثٌ، فَعَلَى هَذَا: الرُّبْعُ الْمِصْرِيُّ يُجْزِئُ عَنْ ثَلَاثَةٍ.
قَوْلُهُ: [مِنْ أَغْلِبْ قُوتِ أَهْلِ الْمَحَلِّ] : أَيْ الْبَلَدِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِقُوتِ الْمُخْرِجِ.
وَالْمَنْظُورُ لَهُ غَالِبُ قُوتِهِمْ فِي رَمَضَانَ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ الْحَطَّابِ تَرْجِيحُهُ، لَا فِي الْعَامِ كُلِّهِ، وَلَا فِي يَوْمِ الْوُجُوبِ.
كَذَا فِي الْبُنَانِيِّ وَاسْتَظْهَرَ فِي الْمَجْمُوعِ اعْتِبَارَ الْغَلَبَةِ عِنْدَ الْإِخْرَاجِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ أَصْنَافٍ تِسْعَةٍ] : وَجَمَعَهَا بَعْضُهُمْ مَا عَدَا الْأَقِطَ بِقَوْلِهِ: قَمْحٌ شَعِيرٌ وَزَبِيبُ سُلْتٍ تَمْرٌ مَعَ الْأُرْزِ وَدُخْنُ ذُرَةٍ قَوْلُهُ: [فَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْ غَيْرِهَا] : أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْغَيْرُ عَيْنًا، وَإِلَّا فَالْأَظْهَرُ الْإِجْزَاءُ لِأَنَّهُ يَسْهُلُ بِالْعَيْنِ سَدُّ خَلَّتِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (اهـ. تَقْرِيرُ مُؤَلِّفِينَ) . قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يُقْتَاتَ غَيْرُهَا] : أَيْ فِي زَمَنِ الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ لَا فِي زَمَنِ الشِّدَّةِ فَقَطْ، كَمَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ رُشْدٍ.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ عِبَارَاتِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ: أَنَّ غَيْرَ التِّسْعَةِ - إذَا كَانَ غَالِبًا - لَا يُخْرَجُ مِنْهُ؛ وَإِنَّمَا يُخْرَجُ مِنْهُ إذَا كَانَ عَيْشُهُمْ مِنْ غَيْرِ التِّسْعَةِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَمَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " إلَّا أَنْ يُقْتَاتَ غَيْرُهُ ": أَيْ إلَّا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالِاقْتِيَاتِ فَيُخْرَجَ مِنْهُ.
قَوْله: [فَمِنْهُ يُخْرَجُ] : أَيْ وَلَوْ وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ التِّسْعَةِ، وَكَانَ غَيْرَ مُقْتَاتٍ لَهُمْ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ كَمَا قَالَهُ الرَّمَاصِيُّ.
قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يُخْرَجُ صَاعًا بِالْكَيْلِ مِنْ الْعَلَسِ وَالْقَطَانِيِّ، وَبِالْوَزْنِ مِنْ نَحْوِ اللَّحْمِ.
قَالَ مُحَشِّيهِ: وَرُدَّ بِقَوْلِهِ.

(وَنُدِبَ إخْرَاجُهَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ.
(وَ) نُدِبَ إخْرَاجُهَا (مِنْ قُوتِهِ الْأَحْسَنِ) مِنْ قُوتِ أَهْلِ الْبَلَدِ.
(وَ) نُدِبَ إخْرَاجُهَا (لِمَنْ زَالَ فَقْرُهُ أَوْ) زَالَ (رِقُّهُ) بِأَنْ عَتَقَ (يَوْمَهَا) . (وَ) نُدِبَ (عَدَمُ زِيَادَةٍ عَلَى الصَّاعِ) . بَلْ تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ لِأَنَّ الشَّارِعَ إذَا حَدَّدَ شَيْئًا كَانَ مَا زَادَ عَلَيْهِ بِدْعَةً؛ فَتَارَةً تَقْتَضِي الْفَسَادَ كَمَا فِي الصَّلَاةِ، وَتَارَةً تَكُونُ مَكْرُوهَةً كَمَا هُنَا وَكَمَا فِي زِيَادَةِ التَّسْبِيحِ عَلَى ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ.
وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ إنْ تَحَقَّقَتْ الزِّيَادَةُ وَإِلَّا فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يُزِيدَ مَا يُزِيلُ بِهِ الشَّكَّ.
(وَجَازَ دَفْعُ صَاعٍ) وَاحِدٍ (لِمَسَاكِينَ) يَقْتَسِمُونَهُ.
(وَ) جَازَ دَفْعُ (أَصْوُعٍ) مُتَعَدِّدَةٍ (لِوَاحِدٍ) مِنْ الْفُقَرَاءِ.
(وَ) جَازَ (إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ) لَا أَكْثَرَ.

[حاشية الصاوي]

وَالصَّوَابُ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّهُ يُخْرَجُ مِنْ اللَّحْمِ وَاللَّبَنِ مِقْدَارُ شِبَعِ الصَّاعِ، فَإِذَا كَانَ الصَّاعُ مِنْ الْحِنْطَةِ يُغَدِّي إنْسَانًا وَيُعَشِّيهِ أُعْطِيَ مِنْ اللَّحْمِ أَوْ مِنْ اللَّبَنِ مِقْدَارَ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ، وَفِي الْمَجْمُوعِ: هَلْ يُقَدَّرُ نَحْوُ اللَّحْمِ بِجُرْمِ الْمُدِّ أَوْ شِبَعِهِ؟ وَصُوِّبَ كَمَا فِي الْحَطَّابِ أَوْ بِوَزْنِهِ خِلَافٌ (اهـ) . قَوْلُهُ: [أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ] : أَيْ فَالْمَنْدُوبُ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْغُدُوِّ لِلْمُصَلَّى، لَكِنْ إنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ الْغُدُوِّ لِلْمُصَلَّى فَقَدْ كَفَى فِي الْمُسْتَحَبِّ، وَكَذَا يُنْدَبُ غَرْبَلَةُ الْقَمْحِ وَغَيْرِهِ، إلَّا الْغَلَثَ فَيَجِبُ غَرْبَلَتُهُ إنْ زَادَ غَلَثُهُ عَلَى الثُّلُثِ، وَقِيلَ بَلْ يُنْدَبُ وَلَوْ كَانَ الثُّلُثُ أَوْ مَا قَارَبَهُ يَسِيرًا وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَذَا فِي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [وَجَازَ دَفْعُ أَصْوُعٍ مُتَعَدِّدَةٍ] إلَخْ: قَالَ أَبُو الْحَسَنِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَهَا الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ عِيَالِهِ لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ.
هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ: لَا يُجْزِئُ أَنْ يُعْطِيَ مِسْكِينًا وَاحِدًا أَكْثَرَ مِنْ صَاعٍ، وَرَأَهَا كَالْكَفَّارَةِ، وَرَوَى مُطَرِّفٌ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ وَلِيَ تَفْرِقَةَ فِطْرَتِهِ أَنْ يُعْطِيَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مَا أَخْرَجَ عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْ أَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ (اهـ. بْن) . قَوْلُهُ: [وَجَازَ إخْرَاجُهَا قَبْلَ] إلَخْ: فَلَوْ أَخْرَجَهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَضَاعَتْ فَقَالَ اللَّخْمِيُّ: لَا تُجْزِئُ.
وَاعْتَرَضَهُ التُّونُسِيُّ وَاخْتَارَ الْإِجْزَاءَ.
قَوْلُهُ: [لَا أَكْثَرَ] : أَيْ خِلَافًا لِلْجَلَّابِ حَيْثُ جَوَّزَ إخْرَاجَهَا قَبْلُ بِثَلَاثَةِ

(وَلَا تَسْقُطُ) زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ غَنِيٍّ بِهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ (بِمُضِيِّ زَمَنِهَا) بِغُرُوبِ شَمْسِ يَوْمِ الْعِيدِ بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ فِي ذِمَّتِهِ أَبَدًا حَتَّى يُخْرِجَهَا.
(وَإِنَّمَا تُدْفَعُ لِحُرٍّ) فَلَا تُجْزِئُ لِعَبْدٍ (مُسْلِمٍ) فَلَا تُجْزِئُ لِكَافِرٍ.
(فَقِيرٍ) لَا يَمْلِكُ قُوتَ عَامِهِ.
(غَيْرِ هَاشِمِيٍّ) لِشَرَفِهِ وَتَنَزُّهِهِ عَنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ.
(فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) الْحُرُّ الْمُسْلِمُ (إلَّا عَلَى الْبَعْضِ) : أَيْ بَعْضِ الصَّاعِ، أَوْ بَعْضِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ - أَكْثَرُ - (أَخْرَجَهُ) وُجُوبًا.
فَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَصْوُعٍ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا الْبَعْضَ بَدَأَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ بِزَوْجَتِهِ، وَالْأَظْهَرُ تَقْدِيمُ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ.
(وَأَثِمَ) مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ (إنْ أَخَّرَ لِلْغُرُوبِ) لِتَفْوِيتِهِ وَقْتَ الْأَدَاءِ وَهُوَ الْيَوْمُ كُلُّهُ.

[حاشية الصاوي]

أَيَّامٍ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ، وَحَيْثُ أَخْرَجَهَا قَبْلُ بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ فَتُجْزِئُ بِاتِّفَاقٍ إنْ بَقِيَتْ بِيَدِ الْفَقِيرِ إلَى لَيْلَةِ الْعِيدِ، وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ: إنْ لَمْ تَبْقَ، سَوَاءٌ تَوَلَّى تَفْرِقَتَهَا بِنَفْسِهِ أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَتَوَلَّى تَفْرِقَتَهَا.
قَوْلُهُ: [بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ فِي ذِمَّتِهِ أَبَدًا] : أَيْ وَلَوْ مَضَى لَهَا سِنِينَ.
وَقَوْلُهُ: [حَتَّى يُخْرِجَهَا] : أَيْ عَنْهُ وَعَمَّنْ تَلْزَمُهُ زَكَاةُ فِطْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ مَضَى زَمَنُهَا وَهُوَ مُعْسِرٌ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ نَدْبُ الْإِخْرَاجِ بِمُضِيِّ يَوْمِهَا.
قَوْلُهُ: [فَقِيرٍ] : الْمُرَادُ فَقِيرُ الزَّكَاةِ الْأَعَمُّ مِنْهُ وَمِنْ الْمِسْكِينِ، وَقِيلَ إنَّمَا تُدْفَعُ لِعَادِمِ قُوتِ يَوْمِهِ.
وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: [أَخْرَجَهُ وُجُوبًا] : أَيْ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأَتَوْا مِنْهُ بِمَا اسْتَطَعْتُمْ» . قَوْلُهُ: [وَالْأَظْهَرُ تَقْدِيمُ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ] : فِي هَذَا الِاسْتِظْهَارِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْأَصِيلِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى خَلِيلٍ: فَرْعٌ إذَا تَعَدَّدَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا صَاعًا أَوْ بَعْضَهُ؛ فَهَلْ يُخْرِجُهُ عَنْ الْجَمِيعِ أَوْ يُقَدِّمُ بَعْضًا عَلَى بَعْضٍ؟ كَمَا فِي النَّفَقَةِ فَنَفَقَةُ الزَّوْجَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأَبَوَيْنِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الِابْنِ وَالْوَالِدَيْنِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[حاشية الصاوي]

فِي تَقْدِيمِ نَفَقَةِ الِابْنِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ أَوْ هُمَا سَوَاءٌ، قَوْلَانِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ - قَالَهُ الْحَطَّابُ.
تَتِمَّةٌ: يُنْدَبُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ إذَا كَانَ عَادَةُ أَهْلِهِ يُخْرِجُونَ عَنْهُ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ، وَحَيْثُ اكْتَفَى بِإِخْرَاجِ أَهْلِهِ عَنْهُ أَجْزَأَهُ إنْ كَانَ عَادَتُهُمْ ذَلِكَ أَوْ أَوْصَاهُمْ، وَتَكُونُ الْعَادَةُ وَالْوَصِيَّةُ بِمَنْزِلَةِ النِّيَّةِ، وَإِلَّا لَمْ تُجْزِهِ لِفَقْدِهَا.
وَكَذَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ عَنْهُمْ وَالْعِبْرَةُ فِي الْقِسْمَيْنِ بِقُوتِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ اُحْتِيطَ لِإِخْرَاجِ الْأَعْلَى، فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُمْ الْقُوتُ الْأَعْلَى تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُخْرِجَ مِنْ قُوتِهِ الْأَدْوَنِ مِنْ قُوتِ أَهْلِ الْبَلَدِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ يَعُولُهُ إذَا اقْتَاتَهُ لِفَقْرٍ، لَا لِشُحٍّ وَلَا هَضْمِ نَفْسٍ أَوْ لِعَادَةٍ؛ فَلَا يَكْفِي.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الزَّكَاةِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الصَّوْمِ وَأَحْكَامِهِ فَقَالَ بَابٌ فِي الصَّوْمِ (يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ عَلَى الْمُكَلَّفِ) : أَيْ الْبَالِغِ، الْعَاقِلِ، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، حُرًّا أَوْ عَبْدًا.
(الْقَادِرِ) : عَلَى صَوْمِهِ لَا عَلَى عَاجِزٍ عَنْ صَوْمِهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَمُرْضِعٍ لَهَا قُدْرَةٌ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ خَافَتْ عَلَى الرَّضِيعِ هَلَاكًا أَوْ شِدَّةَ ضَرَرٍ.
(الْحَاضِرِ) لَا عَلَى مُسَافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ.
(الْخَالِي مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ) لَا عَلَى حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ.
فَشُرُوطُ وُجُوبِهِ خَمْسَةٌ: الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْقُدْرَةُ، وَالْحُضُورُ،

[حاشية الصاوي]

[بَابٌ فِي الصَّوْمِ]

[حُكْم الصَّوْمِ وَشُرُوطه وَوُجُوبه]

بَابٌ: الصَّوْمُ لُغَةً: الْإِمْسَاكُ وَالْكَفُّ عَنْ الشَّيْءِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] : أَيْ صَمْتًا وَإِمْسَاكًا عَنْ الْكَلَامِ، وَشَرْعًا: الْإِمْسَاكُ عَنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا مُخَالَفَةً لِلْهَوَى فِي طَاعَةِ الْمَوْلَى فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ النَّهَارِ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ إنْ أَمْكَنَ فِيمَا عَدَا زَمَنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَأَيَّامَ الْأَعْيَادِ، قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ.
(اهـ. خَرَشِيٌّ) وَسُمِّيَ رَمَضَانَ: لِأَنَّهُ يَرْمَضُ الذُّنُوبَ أَيْ يَحْرِقُهَا وَيُذْهِبُهَا، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالتَّشْبِيهُ فِي الْآيَةِ فِي أَصْلِ الصَّوْمِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ.
قَوْلُهُ: [كَمُرْضِعٍ] : وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ: الْحَامِلَ.
قَوْلُهُ: [لَا عَلَى مُسَافِرٍ] : أَيْ سَفَرًا مُبَاحًا.
قَوْلُهُ: [لَا عَلَى حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ] : أَيْ لَا يَصِحُّ وَلَا يَجِبُ كَمَا يَأْتِي، بَلْ الصَّوْمُ فِي حَقِّهِمَا حَرَامٌ.
قَوْلُهُ: [الْبُلُوغُ] : فَالصَّبِيُّ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَلْ يُكْرَهُ لَهُ، وَلَيْسَ كَالصَّلَاةِ يُؤْمَرُ بِهِ عِنْدَ سَبْعٍ وَيُضْرَبُ عَلَيْهِ عِنْدَ عَشْرٍ.

وَالْخُلُوُّ مِنْ الْحَيْضِ، وَالنِّفَاسِ.
وَيَصِحُّ مِمَّا عَدَا الْمَجْنُونَ وَالْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ؛ فَيَكُونُ الْعَقْلُ وَالْخُلُوُّ مِنْهُمَا شَرْطَيْ صِحَّةٍ أَيْضًا كَمَا سَيَأْتِي.
وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَشَرْطُ صِحَّةٍ فَقَطْ.
وَسَيَأْتِي أَنَّ النِّيَّةَ رُكْنٌ.
وَدَخَلَ الْمُكْرَهُ فِي الْعَاجِزِ.

(بِكَمَالِ شَعْبَانَ) : أَيْ يَجِبُ وَيَتَحَقَّقُ بِكَمَالِهِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا.
(أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ) : وَأَوْلَى أَكْثَرُ؛ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَخْبَرَاهُ بِهَا الصَّوْمُ، وَإِنْ لَمْ يَرْفَعَا لِحَاكِمٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الرَّفْعُ إذَا لَمْ يَرَهُ غَيْرُهُمَا كَمَا يَأْتِي.
(فَإِنْ) ثَبَتَ بِرُؤْيَتِهِمَا وَ (لَمْ يُرَ) الْهِلَالُ: أَيْ هِلَالُ شَوَّالٍ (بَعْدَ ثَلَاثِينَ) يَوْمًا لِغَيْرِهِمَا - حَالَ كَوْنِ السَّمَاءِ (صَحْوًا) لَا غَيْمَ بِهَا - لَيْلَةَ الْإِحْدَى وَالثَّلَاثِينَ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَيَصِحُّ مِمَّا عَدَا الْمَجْنُونَ] إلَخْ: وَالصِّحَّةُ لَا تُنَافِي الْكَرَاهَةَ كَمَا فِي صَوْمِ الصَّبِيِّ أَوْ الْحُرْمَةَ كَمَا فِي صَوْمِ الْمَرِيضِ إنْ أَضَرَّ بِهِ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَشَرْطُ صِحَّةٍ] : أَيْ وَمِثْلُهُ الزَّمَانُ الْقَابِلُ لِلصَّوْمِ.
قَوْلُهُ: [وَسَيَأْتِي أَنَّ النِّيَّةَ رُكْنٌ] : وَمِثْلُهَا الْإِمْسَاكُ عَنْ شَهْوَتَيْ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَلَكِنْ جَعَلَهَا الْأُجْهُورِيُّ فِي نَظْمِهِ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ حَيْثُ قَالَ: شَرَائِطُ لِأَدَاءِ الصَّوْمِ نِيَّتُهُ ... إسْلَامُنَا وَزَمَانٌ لِلْأَدَا قُبِلَا كَالْكَفِّ عَنْ مُفْطِرٍ شَرْطُ الْوُجُوبِ لَهُ ... إطَاقَةٌ وَبُلُوغٌ هَكَذَا نُقِلَا أَمَّا النَّقَاءُ وَعَقْلٌ فَهُوَ شَرْطُهُمَا ... دُخُولُ شَهْرِ صِيَامٍ مِثْلَ ذَا جُعِلَا قَوْلُهُ: [وَيَتَحَقَّقُ] : أَيْ فِي الْخَارِجِ سَوَاءٌ حَكَمَ بِثُبُوتِهِ حَاكِمٌ أَمْ لَا.
وَمِثْلُ كَمَالِهِ؛ كَمَالُ مَا قَبْلَهُ وَهُوَ رَجَبٌ كَذَا مَا قَبْلَ رَجَبٍ وَهَذَا إنْ غُمَّ بِأَنْ كَانَتْ السَّمَاءُ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ مُغَيِّمَةً، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مُصْحِيَةً فَلَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى الْإِكْمَالِ ثَلَاثِينَ، بَلْ تَارَةً يَثْبُتُ بِذَلِكَ إنْ لَمْ يَرَ الْهِلَالَ وَتَارَةً يَثْبُتُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ بِرُؤْيَةِ عَدْلَيْنِ] : هَذَا إذَا انْفَرَدَا بِالرُّؤْيَةِ فِي غَيْمٍ وَلَوْ بِصَحْوٍ فِي بَلَدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، بَلْ وَلَوْ ادَّعَيَا الرُّؤْيَةَ فِي الْجِهَةِ الَّتِي وَقَعَ الطَّلَبُ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِمَا.
قَوْلُهُ: [كَمَا يَأْتِي] : أَيْ مِنْ وُجُوبِ الرَّفْعِ عَلَى الْعَدْلِ وَالْمَرْجُوِّ.
قَوْلُهُ: [لَا غَيْمَ بِهَا] : حَاصِلُهُ أَنَّ تَكْذِيبَهُمَا مَشْرُوطٌ بِأَمْرَيْنِ: عَدَمُ رُؤْيَتِهِ لِغَيْرِهِمَا لَيْلَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَكَوْنُ السَّمَاءِ صَحْوًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ.
فَلَوْ رَآهُ غَيْرُهُمَا

(كُذِّبَا) فِي شَهَادَتِهِمَا بِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَيَجِبُ تَبْيِيتُ الصَّوْمِ.
وَقَوْلُنَا: " لِغَيْرِهِمَا ": احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا شَهِدَا بِرُؤْيَةِ شَوَّالٍ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمَا لِاتِّهَامِهِمَا عَلَى تَرْوِيجِ شَهَادَتِهِمَا الْأُولَى.
(أَوْ) بِرُؤْيَةِ (جَمَاعَةٍ مُسْتَفِيضَةٍ) وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عُدُولًا وَهِيَ الَّتِي يَسْتَحِيلُ عَادَةً تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ؛ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ يَدَّعِيهَا، لَا أَنَّهُ يَدَّعِي السَّمَاعَ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنْ الْعَوَامّ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمْ الْعَدَالَةُ وَلَا الذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ.
(أَوْ) بِرُؤْيَةِ (عَدْلٍ) بِالنِّسْبَةِ (لِمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِهِ) : أَيْ بِالْهِلَالِ كَانُوا أَهْلَهُ أَمْ لَا.

[حاشية الصاوي]

لَيْلَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ أَوْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ وَكَانَتْ السَّمَاءُ غَيْمًا لَمْ يُكَذَّبَا.
وَمِثْلُ الْعَدْلَيْنِ فِي كَوْنِهِمَا يُكَذَّبَانِ بِالشَّرْطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، مَا زَادَ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَبْلُغْ الْمُسْتَفِيضَةَ.
وَأَمَّا الْمُسْتَفِيضَةُ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِمْ ذَلِكَ لِإِفَادَةِ خَبَرِهِمْ الْقَطْعَ، قَالَ أَشْيَاخُنَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ فُرِضَ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ مِنْ إخْبَارِهِمْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِفَاضَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِيهِمْ، وَحِينَئِذٍ فَيُكَذَّبُونَ، وَحَيْثُ كُذِّبَ الْعَدْلَانِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمَا فَالنِّيَّةُ الْحَاصِلَةُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ صَحِيحَةٌ لِلْعُذْرِ وَلِخِلَافِ الْأَئِمَّةِ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَقُولُ بِتَكْذِيبِ الْعَدْلَيْنِ وَيَعْتَمِدُ فِي الْفِطْرِ عَلَى رُؤْيَتِهِمَا أَوَّلًا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُمَا يُكَذَّبَانِ وَلَوْ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا حَاكِمٌ حَيْثُ كَانَ مَالِكِيًّا، أَمَّا لَوْ كَانَ الْحَاكِمُ بِهَا شَافِعِيًّا لَا يَرَى تَكْذِيبَهُمَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِطْرُ اعْتِمَادًا عَلَى رُؤْيَتِهِمَا الْأُولَى بِنَاءً عَلَى قَوْلِ ابْنِ رَاشِدٍ الْآتِي.
قَوْلُهُ: [مُسْتَفِيضَةٌ] : أَيْ مُنْتَشِرَةٌ.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ الَّتِي يَسْتَحِيلُ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُسْتَفِيضَةَ وَقَعَ فِيهَا خِلَافٌ؛ فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالتَّوْضِيحُ: أَنَّهُ الْمُحَصِّلُ خَبَرُهُ الْعِلْمُ أَوْ الظَّنُّ، وَأَنْ يَبْلُغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ.
وَاَلَّذِي لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: أَنَّ الْخَبَرَ الْمُسْتَفِيضَ هُوَ الْمُحَصِّلُ لِلْعِلْمِ لِصُدُورِهِ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى بَاطِلٍ لِبُلُوغِهِمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا ابْنُ عَرَفَةَ وَالْأَبِيُّ وَالْمَوَّاقُ وَكَذَا شَارِحُنَا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ: يَسْتَحِيلُ عَادَةً تَوَاطُؤُهُمْ: أَيْ لِبُلُوغِهِمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ؛ وَإِلَّا فَخَبَرُ الْعَدْلَيْنِ يُفِيدُ الظَّنَّ.
قَوْلُهُ: [كَانُوا أَهْلَهُ أَمْ لَا] : هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

(وَلَا يَحْكُمُ بِهِ) : أَيْ بِرُؤْيَةِ الْعَدْلِ؛ أَيْ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِثُبُوتِ الْهِلَالِ بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ فَقَطْ عِنْدَنَا، وَلَا يَلْزَمُ الصَّوْمُ إنْ حَكَمَ بِهِ إلَّا لِمَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِشَأْنِ الْهِلَالِ (فَإِنْ حَكَمَ بِهِ مُخَالِفٌ) لَنَا يَرَى ذَلِكَ (لَزِمَ) الصَّوْمُ، وَعَمَّ (عَلَى الْأَظْهَرِ) مِنْ أَحَدِ التَّرَدُّدَيْنِ.
(وَعَمَّ) الصَّوْمُ سَائِرَ الْبِلَادِ وَالْأَقْطَارِ وَلَوْ بَعُدَتْ (إنْ نَقَلَ عَنْ الْمُسْتَفِيضَةِ أَوْ) عَنْ (الْعَدْلَيْنِ بِهِمَا) أَيْ بِالْمُسْتَفِيضَةِ أَوْ الْعَدْلَيْنِ.
فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ: نَقْلُ اسْتِفَاضَةٍ عَنْ مِثْلِهَا أَوْ عَنْ عَدْلَيْنِ، وَنَقْلُ عَدْلَيْنِ

[حاشية الصاوي]

وَالْحَاصِلُ أَنَّ رُؤْيَةَ الْوَاحِدِ كَافِيَةٌ فِي مَحَلٍّ لَا اعْتِنَاءَ فِيهِ بِأَمْرِ الْهِلَالِ وَلَوْ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا، لَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تَثِقُ النَّفْسُ بِخَبَرِهِ وَتَسْكُنُ بِهِ لِعَدَالَةِ الْمَرْأَةِ وَحُسْنِ سِيرَةِ الْعَبْدِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [عَلَى الْأَظْهَرِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُخَالِفَ إذَا حَكَمَ بِثُبُوتِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ فَهَلْ يَلْزَمُ الْمَالِكِيَّ الصَّوْمُ بِهَذَا الْحُكْمِ؟ لِأَنَّهُ حُكْمٌ وَقَعَ فِي حُكْمٍ يَجُوزُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ وَهُوَ الْعِبَادَاتُ - وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ رَاشِدٍ الْقَفْصِيِّ.
أَوَّلًا يَلْزَمُ الْمَالِكِيَّ صَوْمُهُ؟ لِأَنَّهُ إفْتَاءٌ لَا حُكْمٌ، لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَدْخُلُ الْعِبَادَاتِ، وَحُكْمُهُ فِيهَا يُعَدُّ إفْتَاءً فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُحَاكِمَ بِصِحَّةِ صَلَاةٍ أَوْ بُطْلَانِهَا وَإِنَّمَا يَدْخُلُ حُكْمُهُ حُقُوقَ الْعِبَادِ مِنْ مُعَامَلَاتٍ وَغَيْرِهَا، وَهَذَا قَوْلُ الْقَرَافِيُّ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، وَلِلنَّاصِرِ اللَّقَانِيِّ قَوْلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَدْخُلُ الْعِبَادَاتِ تَبَعًا لَا اسْتِقْلَالًا؛ فَعَلَى هَذَا إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِثُبُوتِ الشَّهْرِ لَزِمَ الْمَالِكِيَّ الصَّوْمُ إلَّا إنْ حَكَمَ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ، قَالَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا قِيلَ بِلُزُومِ الصَّوْمِ لِلْمَالِكِيِّ وَصَامَ النَّاسُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَمْ يُرَ الْهِلَالُ، وَحَكَمَ الشَّافِعِيُّ بِالْفِطْرِ، فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمَالِكِيِّ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَصْعُبُ مِنْ الدُّخُولِ فِيهَا كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ السَّنْهُورِيُّ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
وَلَا يُنَاقِضُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِنَا، أَمَّا لَوْ كَانَ الْحَاكِمُ بِهَا شَافِعِيًّا لَا يَرَى تَكْذِيبَهُمَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِطْرُ لِقُوَّةِ الْمُخَالَفَةِ هُنَا.
قَوْلُهُ: [فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ] : أَيْ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الصَّوْمُ اتِّفَاقًا وَسَيَأْتِي التَّفْصِيلُ فِي نَقْلِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ.

عَنْ مِثْلِهِمَا أَوْ عَنْ اسْتِفَاضَةٍ وَلَوْ لَمْ يَقَعْ النَّقْلُ عَنْ الْحُكْمِ مِنْ حَاكِمٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَوَاعِدُ الشَّرْعِيَّةُ، إذْ كُلُّ مَنْ بَلَغَهُ حُكْمٌ عَنْ عَدْلَيْنِ أَوْ عَنْ نَاقِلٍ عَنْهُمَا بِشَرْطِهِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ الْعُمُومِ فِي النَّقْلِ عَنْ الْحُكْمِ بِهِمَا.
وَأَمَّا نَقْلُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ فَلَا يَكْفِي، قِيلَ: مُطْلَقًا.
وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ إنْ نَقَلَ عَنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِثُبُوتِهِ بِالْعَدْلَيْنِ أَوْ بِالْمُسْتَفِيضَةِ كَفَى وَعَمَّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (أَوْ) نَقَلَ (بِعَدْلٍ) وَاحِدٍ أَيْ عَنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ لَا عَنْ الْعَدْلَيْنِ وَلَا الْمُسْتَفِيضَةُ (عَلَى الْأَرْجَحِ) . (وَ) يَجِبُ (عَلَى الْعَدْلِ) وَأَوْلَى الْعَدْلَيْنِ إذَا رَأَى الْهِلَالَ، وَعَلَى (الْمَرْجُوِّ) الْقَبُولِ (الرَّفْعُ لِلْحَاكِمِ) : أَيْ بِتَبْلِيغِهِ أَنَّهُ رَآهُ، وَلَوْ عَلِمَ الْمَرْجُوُّ جُرْحَهُ نَفْسَهُ؛ لَعَلَّهُ أَنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ مَنْ يَثْبُتُ بِهِ عِنْدَهُ فَيَحْكُمَ بِالثُّبُوتِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحَاكِمُ مِمَّنْ يَرَى الثُّبُوتَ بِعَدْلٍ.

(فَإِنْ أَفْطَرَ) : أَيْ الْعَدْلُ أَوْ الْمَرْجُوُّ الَّذِي رَآهُ وَكَذَا كُلُّ مَنْ رَآهُ فَأَفْطَرَ (فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ) ، وَلَوْ تَأَوَّلَ عَلَى الْأَرْجَحِ.
(لَا) يَثْبُتُ الْهِلَالُ (بِقَوْلِ مُنَجِّمٍ) أَيْ مُؤَقِّتٍ يَعْرِفُ سَيْرَ الْقَمَرِ لَا فِي

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِشَرْطِهِ] : أَيْ وَهُوَ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ كُلِّ عَدْلٍ عَدْلَانِ.
قَوْلُهُ: [وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ إنْ نَقَلَ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ: نَقْلٌ عَنْ حَاكِمٍ، أَوْ عَنْ الْمُسْتَفِيضَةِ، أَوْ عَنْ الْعَدْلَيْنِ؛ فَالتَّعَدُّدُ شَرْطٌ فِي الْأَخِيرَيْنِ دُونَ.
الْأَوَّلِ، وَالْمُرَادُ بِالنَّقْلِ عَنْ الْحَاكِمِ: مَا يَشْمَلُ النَّقْلَ لِحُكْمِهِ أَوْ لِمُجَرَّدِ الثُّبُوتِ عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: [وَيَجِبُ عَلَى الْعَدْلِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا الْفَاسِقُ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الرَّفْعُ لِيَفْتَحَ بَابَ الشَّهَادَةِ لِغَيْرِهِ.

[تَنْبِيه تَلْفِيق شَهَادَة رُؤْيَة هِلَال رَمَضَان وَحُكْم مِنْ لَمْ تمكنه رُؤْيَته]

قَوْلُهُ: [فَالْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَلَوْ تَأَوَّلَ] إلَخْ: أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ.
وَأَمَّا لَوْ أَفْطَرَ مَنْ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِأَمْرِ الْهِلَالِ مَعَ ثُبُوتِ رُؤْيَةِ الْمُنْفَرِدِ لَهُ فَعَلَيْهِمْ الْكَفَّارَةُ اتِّفَاقًا وَلَوْ تَأَوَّلُوا، لِأَنَّ الْعَدْلَ فِي حَقِّهِمْ كَالْعَدْلَيْنِ.
قَوْلُهُ: [يَعْرِفُ سَيْرَ الْقَمَرِ] : أَيْ يَحْسِبُ قَوْسَ الْهِلَالِ هَلْ يَظْهَرُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَمْ لَا؟ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِ وَلَوْ وَقَعَ فِي الْقَلْبِ صِدْقُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ.

حَقِّ نَفْسِهِ وَلَا غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَنَاطَ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ وَالْحَجَّ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَا بِوُجُودِهِ إنْ فُرِضَ صِحَّةُ قَوْلِهِ.
وَقَدْ عُلِمَ مِنْ قَوْلِنَا: " فَإِنْ أَفْطَرَهُ " إلَخْ، أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ الصَّوْمُ وَإِظْهَارُهُ.

(وَلَا يَجُوزُ فِطْرُ) أَيْ إظْهَارُ فِطْرِ شَخْصٍ (مُنْفَرِدٍ بِشَوَّالٍ) أَيْ بِرُؤْيَتِهِ؛ لِئَلَّا يُتَّهَمَ بِأَنَّهُ ادَّعَى ذَلِكَ كَذِبًا لِيُفْطِرَ.
وَأَمَّا نِيَّةُ الْفِطْرِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ (إلَّا بِمُبِيحٍ) لِلْفِطْرِ فِي الظَّاهِرِ كَسَفَرٍ وَحَيْضٍ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَعْتَذِرَ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَفْطَرَ لِذَلِكَ.

(وَإِنْ غَيَّمَتْ) السَّمَاءُ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ (وَلَمْ يَرَ) الْهِلَالَ (فَصَبِيحَتُهُ) أَيْ الْغَيْمِ (يَوْمُ شَكٍّ) ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً لَمْ يَكُنْ يَوْمَ شَكٍّ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَثْبُتْ رُؤْيَتُهُ كَانَ مِنْ شَعْبَانَ جَزْمًا.
وَاعْتُرِضَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» أَيْ كَمِّلُوا عِدَّةَ مَا قَبْلَهُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَبِيحَةَ الْغَيْمِ مِنْ شَعْبَانَ، فَالْوَجْهُ أَنْ

[حاشية الصاوي]

خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّنَا مَأْمُورُونَ بِتَكْذِيبِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ.
تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: لَا يُلَفِّقُ شَاهِدٌ شَهِدَ بِالرُّؤْيَةِ أَوَّلَ الشَّهْرِ وَلَمْ يَثْبُتْ بِهِ الصَّوْمُ لِآخَرَ شَهِدَ بِرُؤْيَةِ شَوَّالٍ أَخَّرَهُ عَلَى الرَّاجِحِ، فَشَهَادَةُ كُلٍّ لَاغِيَةٌ.

الثَّانِي: مَنْ لَا تُمْكِنُهُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ وَلَا غَيْرُهَا كَأَسِيرٍ وَمَسْجُونٍ كَمَّلَ الشُّهُورُ الَّتِي قَبْلَ رَمَضَانَ وَصَامَ رَمَضَانَ أَيْضًا كَامِلًا، وَهَذَا إذَا لَمْ تَلْتَبِسْ عَلَيْهِ الشُّهُورُ.

وَأَمَّا إنْ الْتَبَسَتْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَعْرِفْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنْ ظَنَّ شَهْرًا أَنَّهُ رَمَضَانُ صَامَهُ وَإِنْ تَفَاوَتَ عِنْدَهُ الِاحْتِمَالَاتُ تَخَيَّرَ شَهْرًا وَصَامَهُ، فَإِنْ فَعَلَ مَا طُلِبَ مِنْهُ فَلَهُ أَحْوَالٌ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: مُصَادَفَتُهُ فَيُجْزِئُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ التَّرَدُّدِ فِي خَلِيلٍ.
الثَّانِي: تَبَيَّنَ أَنَّ مَا صَامَهُ بَعْدَهُ فَيُجْزِئُهُ أَيْضًا فَإِنْ كَانَ شَوَّالًا قَضَى يَوْمًا بَدَلًا عَنْ الْعِيدِ حَيْثُ كَانَا كَامِلَيْنِ أَوْ نَاقِصَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْكَامِلُ رَمَضَانَ قَضَى يَوْمَهُ، وَإِنْ كَانَ شَوَّالًا لَا قَضَاءَ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا صَامَهُ ذُو الْحِجَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِالْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
الثَّالِثُ: تَبَيَّنَ أَنَّ مَا صَامَهُ قَبْلَهُ كَشَعْبَانَ فَلَا يُجْزِئُهُ قَوْلًا وَاحِدًا.
الرَّابِعُ: بَقَاؤُهُ عَلَى شَكِّهِ فَلَا يُجْزِئُهُ عَلَى مَا قَالَ خَلِيلٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ: يُجْزِئُهُ لِأَنَّ فَرْضَهُ الِاجْتِهَادُ، وَقَدْ فَعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَهُوَ عَلَى الْجَوَازِ حَتَّى يَنْكَشِفَ خِلَافُهُ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ يُونُسَ فَتَدَبَّرْ قَوْلُهُ: [كَالْوَجْهِ] : حَاصِلُهُ: أَنَّ يَوْمَ الشَّكِّ صَبِيحَةُ الثَّلَاثِينَ إذَا كَانَتْ

تَكُونَ صَبِيحَةُ يَوْمِ الشَّكِّ مَا تَكَلَّمَ فِيهِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.

(وَكُرِهَ صِيَامُهُ لِلِاحْتِيَاطِ) أَيْ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ اكْتَفَى بِهِ (وَلَا يُجْزِئُهُ) صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْهُ وَقِيلَ يَحْرُمُ صَوْمُهُ لِذَلِكَ.
(وَصِيمَ) أَيْ جَازَ صَوْمُهُ (عَادَةً) أَيْ لِأَجْلِ الْعَادَةِ الَّتِي اعْتَادَهَا بِأَنْ كَانَ عَادَتُهُ سَرْدَ الصَّوْمِ تَطَوُّعًا أَوْ كَانَ عَادَتُهُ صَوْمَ يَوْمٍ كَخَمِيسٍ فَصَادَفَ يَوْمَ الشَّكِّ (وَتَطَوُّعًا) بِلَا اعْتِيَادٍ (وَقَضَاءً) عَنْ رَمَضَانَ قَبْلَهُ (وَكَفَّارَةً) عَنْ يَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِ

[حاشية الصاوي]

السَّمَاءُ صَحْوًا أَوْ غَيْمًا وَتَحَدَّثَ فِيهَا بِالرُّؤْيَةِ مَنْ لَا يَثْبُتُ بِهِ كَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَإِنْ غَيَّمَتْ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ وَلَمْ تُرَ فَصَبِيحَتُهُ يَوْمُ الشَّكِّ لِاحْتِمَالِ وُجُودِ الْهِلَالِ وَأَنَّ الشَّهْرَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَإِنْ كُنَّا مَأْمُورِينَ بِإِكْمَالِ الْعَدَدِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الشَّكُّ أَنْ يَشِيعَ عَلَى أَلْسِنَةِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ وَلَمْ يَثْبُتْ، وَرُدَّ بِأَنَّ كَلَامَهُمْ لَغْوٌ وَإِنْ اسْتَقَرَّ بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْإِنْصَافُ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا شَكًّا (اهـ.)

قَوْلُهُ: [وَلَا يُجْزِئُهُ صَوْمُهُ عَنْ رَمَضَانَ] : أَيْ لِعَدَمِ جَزْمِ النِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يَحْرُمُ صَوْمُهُ لِذَلِكَ] : أَيْ أَخْذًا مِنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ: «مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ الزَّجْرُ لَا التَّحْرِيمُ.
قَوْلُهُ: [وَتَطَوُّعًا] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِابْنِ مَسْلَمَةَ الْقَائِلِ بِكَرَاهَةِ صَوْمِهِ تَطَوُّعًا.
وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ " تَطَوُّعًا " جَوَازُ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ شَعْبَانَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِالْكَرَاهَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» أَيْ فَيَسْتَمِرَّ فِيهِ

(وَلِنَذْرٍ صَادَفَ) كَمَا لَوْ نَذَرَ يَوْمًا مُعَيَّنًا أَوْ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدٍ فَصَادَفَ يَوْمَ الشَّكِّ.
(فَإِنْ تَبَيَّنَ) بَعْدَ صَوْمِهِ لِمَا ذُكِرَ (أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَجْزِهِ) عَنْ رَمَضَانَ الْحَاضِرِ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْقَضَاءِ وَمَا بَعْدَهُ.
(وَقَضَاهُمَا) : أَيْ رَمَضَانَ الْحَاضِرَ وَالْقَضَاء أَوْ الْكَفَّارَةَ (إلَّا الْأَخِيرَ) أَيْ النَّذْرَ الْمُصَادِفَ.
(فَرَمَضَانُ) يَقْضِيهِ (فَقَطْ) دُونَ النَّذْرِ لِتَعَيُّنِ وَقْتِهِ وَقَدْ فَاتَ.
(وَنُدِبَ إمْسَاكُهُ) : أَيْ يَوْمَ الشَّكِّ أَيْ الْكَفُّ فِيهِ عَنْ الْمُفْطِرِ (لِيَتَحَقَّقَ) الْحَالَ.
(فَإِنْ ثَبَتَ) رَمَضَانُ (وَجَبَ) الْإِمْسَاكُ لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَمْسَكَ أَوَّلًا (وَكَفَّرَ) : أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ مَعَ الْقَضَاءِ (إنْ انْتَهَكَ) حُرْمَتَهُ بِأَنْ أَفْطَرَ عَالِمًا بِالْحُرْمَةِ.
وَوُجُوبُ الْإِمْسَاكِ وَمَفْهُومُ " انْتَهَكَ " أَنَّهُ إذَا تَنَاوَلَ الْفِطْرَ مُتَأَوِّلًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.

(وَ) نُدِبَ (إمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ لِمَنْ أَسْلَمَ) فِيهِ.

[حاشية الصاوي]

عَلَى مَا كَانَ.
وَأَجَابَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّقْدِيمِ بِقَصْدِ تَعْظِيمِ الشَّهْرِ.
قَوْلُهُ: [وَلِنَذْرٍ صَادَفَ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ نَذَرَ صَوْمَهُ تَعْيِينًا بِأَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَوْمُ شَكٍّ فَإِنَّهُ لَا يَصُومُهُ لِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ - اُنْظُرْ (ح) . وَقَالَ شَيْخُ الْمَشَايِخِ الْعَدَوِيُّ: الْحَقُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ صَوْمُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ تَطَوُّعًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَادَةً لَهُ؟ قَوْلُهُ: [لِيَتَحَقَّقَ الْحَالُ] : أَيْ لَا لِتَزْكِيَةِ شَاهِدَيْنِ كَمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَاحْتَاجَ الْأَمْرُ إلَى تَزْكِيَتِهِمَا، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْإِمْسَاكُ لِأَجْلِ التَّزْكِيَةِ إذَا كَانَ فِي الِانْتِظَارِ طُولٌ، وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ قَرِيبًا فَاسْتِحْبَابُ الْإِمْسَاكِ مُتَعَيَّنٌ بَلْ هُوَ آكَدُ مِنْ الْإِمْسَاكِ فِي الشَّكِّ.
قَوْلُهُ: [فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ] : أَيْ لِأَنَّهُ مِنْ التَّأْوِيلِ الْقَرِيبِ.

فصول الكتاب · 3 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك · 813 صفحة
المقدمة
بَابُ فِي الشُّفْعَةِ وَأَحْكَامِهَا
بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ
جارٍ التحميل