حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالكصفحات 229-269
أهل الأثرالأرشيف العلمي

لَمْ يَحْكُمْ بِهِ الْأَوَّلُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلثَّانِي نَقْضُهُ (اهـ) .

(وَلَا يَتَعَدَّى) حُكْمُ الْحَاكِمِ فِي نَازِلَةٍ (لِمُمَاثِلٍ) لَهَا.
(بَلْ إنْ تَجَدَّدَ) الْمُمَاثِلُ (فَالِاجْتِهَادُ) مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
فَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا فَلْيَحْكُمْ بِمَا حَكَمَ بِهِ أَوَّلًا مِنْ رَاجِحِ قَوْلِ مُقَلَّدِهِ، وَلِغَيْرِهِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ أَنْ يَحْكُمَ بِضِدِّهِ، كَمَا لَوْ حَكَمَ مَالِكِيٌّ بِفَسْخِ نِكَاحِ مَنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلَا وَلِيٍّ، ثُمَّ تَجَدَّدَ مِثْلُهَا فَرَفَعَتْ الْأُخْرَى لِحَنَفِيٍّ فَإِنَّهُ يَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ.
وَكُلٌّ مِنْهُمَا ارْتَفَعَ فِيهَا الْخِلَافُ وَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ.
وَقَوْلُنَا: " وَلَا يَتَعَدَّى لِمُمَاثِلٍ " إلَخْ: أَيْ وَلَوْ فِي الذَّاتِ الْمَحْكُومِ فِيهَا أَوَّلًا؛ كَمَا إذَا فَسَخَ نِكَاحَ مَنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا لِكَوْنِهِ يَرَى ذَلِكَ.
ثُمَّ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ الْفَسْخِ لِنَفْسِ ذَلِكَ الزَّوْجِ بِلَا وَلِيٍّ؛ فَإِنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلِاجْتِهَادِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَهُ تَصْحِيحُ الثَّانِي إنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، وَلِغَيْرِهِ - كَالْحَنَفِيِّ - الْحُكْمُ بِتَصْحِيحِهِ وَيَرْتَفِعُ الْخِلَافُ أَيْضًا.
وَ (كَأَنْ حَكَمَ فِي نَازِلَةٍ بِمُجَرَّدِ الْفَسْخِ) : دُونَ التَّأْبِيدِ، وَإِنْ كَانَ يَرَى حِينَ حُكْمِهِ بِمُجَرَّدِ الْفَسْخِ تَأْيِيدَ التَّحْرِيمِ (كَفَسْخٍ) لِنِكَاحٍ (بِرَضْعِ) طِفْلٍ (كَبِيرٍ) أَيْ بِسَبَبِهِ؛ وَالْكَبِيرُ: مَنْ زَادَ عُمْرُهُ عَلَى عَامَيْنِ وَشَهْرَيْنِ، فَلَوْ تَزَوَّجَ بِبِنْتِ مَنْ أَرْضَعَتْهُ كَبِيرًا

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَالِاجْتِهَادُ مِنْهُ] : أَيْ مِثْلُ وَاقِعَةِ عُمَرَ فِي الْحِمَارِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ رَاجِحِ قَوْلِ مُقَلَّدِهِ] : أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ وَظَهَرَ لَهُ أَرْجَحِيَّةُ غَيْرِ مَا حَكَمَ بِهِ أَوَّلًا فَيَحْكُمُ ثَانِيًا بِغَيْرِ مَا حَكَمَ بِهِ أَوَّلًا.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ تَجَدَّدَ مِثْلُهَا] : أَيْ وَلَوْ فِي عَيْنِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ كَمَا يَأْتِي فِي الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا] : أَيْ جَدَّدَتْ عَقْدًا آخَرَ.
قَوْلُهُ: [وَكَأَنْ حَكَمَ] : قَدَّرَ الْوَاوَ لِأَجْلِ الْمِثَالِ الَّذِي قَدَّمَهُ فِي قَوْلِهِ كَمَا لَوْ حَكَمَ مَالِكِيٌّ إلَخْ فَمَزَجَهُ مَعَ الْمَتْنِ وَجَعَلَ مِثَالَهُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَالْمُصَنَّفُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ لِتَقْدِيرِ الْوَاوِ، وَهَذِهِ الْأَمْثِلَةُ لِلْمُتَجَدِّدِ الْمُعَرَّضِ لِلِاجْتِهَادِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ يَرَى] إلَخْ: أَيْ لَكِنْ لَمْ يَقْصِدْ بَعْدُ بِالْحُكْمِ عِنْدَ الْفَسْخِ التَّأْيِيدَ وَإِلَّا فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ حُكْمٌ بِالتَّحْلِيلِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
قَوْلُهُ: [فَلَوْ تَزَوَّجَ بِبِنْتِ مَنْ أَرْضَعَتْهُ كَبِيرًا] : لَا مَفْهُومَ بِالتَّزَوُّجِ بِبِنْتِهَا بَلْ كَذَلِكَ التَّزَوُّجُ بِهَا لِأَنَّ مَنْ يَرَى التَّحْرِيمَ فِي التَّزَوُّجِ بِبِنْتِهَا يَقُولُ: إنَّهَا أُخْتُهُ وَفِي

فَرُفِعَ لِمَنْ يَرَى التَّحْرِيمَ بِرَضْعِ الْكَبِيرِ فَفَسَخَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثَانِيًا، كَانَ النِّكَاحُ الثَّانِي مُمَاثِلًا لَا يَتَعَدَّى لَهُ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ وَصَارَ هَذَا مُعَرَّضًا لِلِاجْتِهَادِ، فَلِمَنْ حَكَمَ بِفَسَادِهِ إنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ أَوْ لِغَيْرِهِ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ.
(أَوْ) فَسْخٍ بِسَبَبِ (عَقْدِ نِكَاحٍ بِعِدَّةٍ) : أَيْ فِي عِدَّةٍ وَإِنْ كَانَ يَرَى هُوَ تَأْبِيدَ التَّحْرِيمِ حِينَ فَسْخِهِ، فَإِذَا عَقَدَ عَلَيْهَا ثَانِيًا بَعْدَ الْفَسْخِ (فَهِيَ) : أَيْ الْمَنْكُوحَةُ ثَانِيًا الْمَفْسُوخُ نِكَاحُهَا أَوَّلًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (كَغَيْرِهَا) مِمَّنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهَا فَسْخٌ (فِي الْمُسْتَقْبَلِ) : فَلَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنْ يُزَوِّجَهَا لِمَنْ فَسَخَ نِكَاحَهُ وَيَحْكُمَ بِصِحَّتِهِ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ.

(وَلَا يَسْتَنِدُ) الْحَاكِمُ فِي حُكْمِهِ (لِعِلْمِهِ) : بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ (إلَّا فِي الْعَدَالَةِ) : كَشَاهِدٍ عَلِمَ الْقَاضِي بِعَدَالَتِهِ فَيَسْتَنِدُ لِعِلْمِهِ (وَالْجَرْحِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ: فَيَسْتَنِدُ لِعِلْمِهِ (كَالشُّهْرَةِ بِذَلِكَ) أَيْ بِالْعَدَالَةِ وَالْجَرْحِ فَيَسْتَنِدُ لَهَا، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْقَاضِي مِنْهُ خِلَافَ مَا اشْتَهَرَ.
شَهِدَ الْمُزَنِيّ عِنْدَ الْقَاضِي بَكَّارٍ فَقَالَ

[حاشية الصاوي]

التَّزَوُّجِ بِهَا يَقُولُ: إنَّهَا أُمُّهُ.
قَوْلُهُ: [فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ] : هَكَذَا قَالَ الشَّارِحُ تَبَعًا لِأُصُولِهِ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا هُوَ صَوَابٌ فِي مَسْأَلَةِ الْعِدَّةِ لَا فِي مَسْأَلَةِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالْفَسْخِ فِي رَضَاعِ الْكَبِيرِ يَمْنَعُ مِنْ تَجَدُّدِ الِاجْتِهَادِ فِيهَا؛ لِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ فِيهَا أَنَّ رَضْعَ الْكَبِيرِ يُحَرِّمُ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ ثُبُوتَ التَّحْرِيمِ لَا يَكُونُ إلَّا مُؤَبَّدًا.
بِخِلَافِ فَسْخِ النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ فَإِنَّ مُسْتَنَدَهُ تَحْرِيمُ النِّكَاحِ فِيهَا، وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي كَوْنِهِ مُؤَبَّدًا أَوَّلًا انْتَهَى.

[لَا يَسْتَنِدُ الْحَاكِمُ فِي حُكْمِهِ لِعِلْمِهِ]

قَوْلُهُ: [وَلَا يَسْتَنِدُ الْحَاكِمُ فِي حُكْمِهِ لِعِلْمِهِ] : أَيْ وَلَوْ مُجْتَهِدًا وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكَشْفِ، وَمِنْ الضَّلَالِ الْبَيِّنِ الِاعْتِمَادُ فِي التُّهَمِ عَلَى ضَرْبِ الْمَنْدَلِ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْقَاضِي مِنْهُ خِلَافَ مَا اشْتَهَرَ] إلَخْ: حَاصِلُ التَّحْرِيرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا عَلِمَ عَدَالَةَ شَاهِدٍ تَبِعَ عِلْمَهُ وَلَا يَحْتَاجُ لِطَلَبِ تَزْكِيَةٍ مَا لَمْ يَجْرَحْهُ أَحَدٌ وَإِلَّا فَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى عِلْمِهِ لِأَنَّ غَيْرَهُ عَلِمَ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ وَإِذَا عَلِمَ جُرْحَةَ شَاهِدٍ فَلَا يَقْبَلُهُ وَلَوْ عَدَّلَهُ غَيْرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمُعَدِّلُ لَهُ كُلَّ النَّاسِ لِأَنَّهُ عَلِمَ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ غَيْرُهُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَطُولَ مَا بَيْنَ عِلْمِهِ بِجُرْحَتِهِ وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ بِتَعْدِيلِهِ وَإِلَّا قُدِّمَ الْمُعَدِّلُ لَهُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ الْقَاضِي، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا فِي (بْن) .

لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ الْمُزَنِيّ: صَاحِبُ الشَّافِعِيِّ.
فَقَالَ الْقَاضِي: الِاسْمُ اسْمُ عَدْلٍ، وَمَنْ يَشْهَدُ أَنَّك الْمُزَنِيّ؟ فَقَالَ الْحَاضِرُونَ: هُوَ الْمُزَنِيّ، فَحَكَمَ بِشَهَادَتِهِ.
فَقَالَ الْمُزَنِيّ: سَتَرَنِي الْقَاضِي سَتَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(أَوْ إقْرَارِ الْخَصْمِ) الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (بِالْعَدَالَةِ) لِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ فَيَحْكُمُ بِهَا، وَلَوْ عَلِمَ الْقَاضِي خِلَافَ ذَلِكَ، لِأَنَّ إقْرَارَ الْخَصْمِ بِعَدَالَةِ الشَّاهِدِ كَالْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ.

(وَقَرِيبُ الْغَيْبَةِ) : كَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ مَعَ الْأَمْنِ حُكْمُهُ (كَالْحَاضِرِ) فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَالْبَيِّنَةِ، ثُمَّ يُرْسِلُ إلَيْهِ بِالْأَعْذَارِ فِيهَا وَأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَقْدَمَ أَوْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا عَنْهُ فِي الدَّعْوَى.
فَإِنْ لَمْ يَقْدَمَ وَلَا وَكَّلَ عَنْهُ وَكِيلًا حَكَمَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَبِيعَ عَقَارُهُ فِي الدَّيْنِ وَيُعَجِّزُهُ إلَّا فِي دَمٍ وَعِتْقٍ وَنَسَبٍ وَطَلَاقٍ وَحَبْسٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَ) الْغَائِبُ (الْبَعِيدُ جِدًّا) كَإِفْرِيقِيَّةَ مِنْ الْمَدِينَةِ (يُقْضَى) عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ بَعْدَ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَتَزْكِيَتِهَا (بِيَمِينِ الْقَضَاءِ) مِنْ الْمُدَّعِي: أَنَّ حَقَّهُ هَذَا ثَابِتٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَا أَبْرَأهُ بِهِ وَلَا وَكَّلَ الْغَائِبُ مَنْ يَقْضِيهِ عَنْهُ وَلَا أَحَالَهُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ فِي الْكُلِّ وَلَا الْبَعْضِ.

[حاشية الصاوي]

[غيبَة الخصوم]

قَوْلُهُ: [وَقَرِيبُ الْغَيْبَةِ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ الْقَاضِي يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ إنْ كَانَ مُتَوَطِّنًا بِوِلَايَتِهِ أَوْ لَهُ مَالٌ أَوْ وَكِيلٌ أَوْ حَمِيلٌ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَمَاعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَلَا حُكْمٌ كَمَا فِي (عب) . قَوْلُهُ: [وَالثَّلَاثَةِ] : أَيْ وَمَا قَارَبَهَا.
قَوْلُهُ: [وَيُعَجِّزُهُ] : أَيْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِعَدَمِ قَبُولِ حُجَّتِهِ إذَا قَدِمَ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ وَالتَّوْضِيحِ، وَأَمَّا قَوْلُ الْخَرَشِيِّ إنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُجَّتِهِ إذَا قَدِمَ فَهُوَ سَهْوٌ مِنْهُ كَمَا فِي (بْن) . قَوْلُهُ: [إلَّا فِي دَمٍ] : هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مُشْكِلٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ فِي تَعْجِيزِ الطَّالِبِ لَا الْمَطْلُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي قَوْلِهِ فَهَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتُ إنَّمَا هِيَ مَفْرُوضَةٌ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي الطَّالِبِ، وَأَمَّا الْمَطْلُوبُ فَيُعَجِّزُهُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ.

وَيَمِينُ الْقَضَاءِ وَاجِبَةٌ لَا يَتِمُّ الْحُكْمُ إلَّا بِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ (كَالْمَيِّتِ) يُدَّعَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ بِالدَّيْنِ.
(وَالْيَتِيمِ) يُدَّعَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ تَحْتَ يَدِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ مِنْ الْمُدَّعِي بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِلْكُهُ وَأَنَّهُ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ وَلَا وَهَبَهُ وَلَا حَبَسَهُ عَلَيْهِ.
(أَوْ الْفُقَرَاءِ) كَذَلِكَ.

ثُمَّ أَشَارَ لَلْغَيْبَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ بِقَوْلِهِ:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَيَمِينُ الْقَضَاءِ وَاجِبَةٌ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْمُدَّعِي تَشْهَدُ بِدَيْنٍ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْغَائِبِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ تَشْهَدُ بِأَنَّ الْغَائِبَ أَقَرَّ أَنَّ عِنْدَهُ لِفُلَانٍ كَذَا لِأَنَّهُ قَدْ يَقْضِيهِ بَعْدَ إقْرَارِهِ أَوْ يُبَرِّئُهُ أَوْ يُحِيلُ شَخْصًا عَلَيْهِ، هَذَا هُوَ الْحَقُّ كَمَا فِي (بْن) خِلَافًا (لعب) حَيْثُ قَالَ بِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ لِيَمِينِ الْقِصَاءِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: [الْمَذْهَبِ] : وَمُقَابِلُهُ أَنَّهَا اسْتِظْهَارٌ أَيْ مُقَوِّيَةٌ لِلْحُكْمِ فَلَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِدُونِهَا عَلَى هَذَا.
قَوْلُهُ: [كَالْمَيِّتِ يُدَّعَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ] : أَيْ كَمَا إذَا ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى مَنْ مَاتَ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ كَذَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ وَلَمْ يُقِرَّ وَرَثَتُهُ بِهِ فَلَا يَحْكُمُ الْقَاضِي لِذَلِكَ الشَّخْصِ الْمُدَّعِي بِهَذَا الدَّيْنِ إلَّا إذَا حَلَفَ يَمِينَ الْقَضَاءِ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَإِنْ أَقَرَّ وَرَثَتُهُ الْكِبَارُ قَبْلَ رَفْعِ الْمُدَّعِي لِلْحَاكِمِ فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَأَمَّا إنْ أَقَرُّوا بَعْدَ الرَّفْعِ وَرَضُوا بِعَدَمِ حَلِفِهِ فَهَلْ كَذَلِكَ لَا تَتَوَجَّهُ الْيَمِينُ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ لِبَعْضِ الشُّيُوخِ أَفَادَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [وَالْيَتِيمِ] : مِثْلُهُ الصَّغِيرُ وَالسَّفِيهُ.
قَوْلُهُ: [أَنَّهُ مِلْكُهُ] : أَيْ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ إلَى الْآنِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ الْفُقَرَاءِ كَذَلِكَ] : أَيْ فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِمْ أَنَّ مَا حَبَسَهُ فُلَانٌ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ بَعْدَ شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الدَّعْوَى عَلَى بَيْتِ الْمَالِ كَمَا إذَا ادَّعَى إنْسَانٌ أَنَّهُ مُعْدَمٌ لِيَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ أَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ الَّذِي مَاتَ وَوَضَعَ مَالَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِظَنِّ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ مَعَ الْبَيِّنَةِ.

(وَالْعَشَرَةُ) الْأَيَّامُ مَعَ الْأَمْنِ (وَالْيَوْمَانِ مَعَ الْخَوْفِ) كَذَلِكَ: أَيْ يُقْضَى عَلَيْهِ فِيهَا مَعَ يَمِينِ الْقَضَاءِ (فِي غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ) مِنْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا فِي دَعْوَى اسْتِحْقَاقِ عَقَارٍ فَلَا يُقْضَى بِهِ بَلْ تُؤَخَّرُ الدَّعْوَى حَتَّى يَقْدَمَ لِقُوَّةِ الْمُشَاحَّةِ فِي الْعَقَارِ، بِخِلَافِ بَعِيدِ الْغَيْبَةِ جِدًّا فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ لِقُدُومِهِ شِدَّةُ ضَرَرٍ عَلَى الْمُدَّعِي.
(وَسَمَّى الْقَاضِي لَهُ) : أَيْ لِلْغَائِبِ الْبَعِيدِ أَوْ الْمُتَوَسِّطِ (الشُّهُودَ إذَا قَدِمَ) مِنْ غَيْبَتِهِ.
وَكَذَا مَنْ عَدَلَهُمْ إنْ احْتَاجُوا لِلتَّعْدِيلِ.
(وَإِلَّا) يُسَمِّ لَهُ الشُّهُودَ وَلَمْ يَحْلِفْ الْمُدَّعِي يَمِينَ الْقَضَاءِ (نُقِصَ) حُكْمُهُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: مَا لَمْ يَشْتَهِرْ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ وَإِلَّا فَلَا يُنْقَضُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مُتَوَسِّطَ الْغَيْبَةِ كَبَعِيدِهَا حَتَّى عَقَارَهُ لِدَيْنٍ أَوْ نَفَقَةٍ إلَّا فِي دَعْوَى اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ فَيَفْتَرِقَانِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ ذَكَرَ الْحُكْمَ بِالْغَائِبِ بِقَوْلِهِ: (وَحَكَمَ) الْحَاكِمُ (بِغَائِبٍ) : أَيْ بِشَيْءٍ غَائِبٍ عَنْ بَلَدِ الْحُكْمِ وَلَوْ كَانَ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَالْعَشَرَةُ الْأَيَّامِ مَعَ الْأَمْنِ] : أَيْ وَمَا قَارَبَهَا، فَمَا قَارَبَ كُلًّا مِنْ الْغَيْبَاتِ الثَّلَاثِ يُعْطَى حُكْمَهُ، فَالْأَرْبَعَةُ أَيَّامٍ تُلْحَقُ بِالْقَرِيبَةِ وَالثَّمَانِيَةُ وَالتِّسْعَةُ تُلْحَقُ بِالْمُتَوَسِّطَةِ، وَالْخَمْسَةُ وَالسِّتَّةُ تُلْحَقُ بِالْأَحْوَطِ أَفَادَهُ فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [لِقُوَّةِ الْمُشَاحَّةِ فِي الْعَقَارِ] : أَيْ تَشَاحُحِ النُّفُوسُ بِسَبَبِهِ وَحُصُولُ الضَّغَائِنِ وَالْحِقْدِ وَالنِّزَاعِ عِنْدَ أَخْذِهِ فَتُؤَخَّرُ الدَّعْوَى لِيَكُونَ حُضُورُهُ أَقْطَعَ لِلنِّزَاعِ.
قَوْلُهُ: [نُقِضَ حُكْمُهُ] : هَذَا يُفِيدُ أَنَّ تَسْمِيَةَ الشُّهُودِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ وَقِيلَ: تَسْمِيَةُ الشُّهُودِ مُسْتَحَبَّةٌ.
قَوْلُهُ: [قَالَ بَعْضُهُمْ] : أَيْ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْجَزِيرِيِّ وَابْنِ فَرْحُونٍ كَمَا فِي (بْن) . قَوْلُهُ: [حَكَمَ الْحَاكِمُ بِغَائِبٍ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُدَّعَى بِهِ إذَا كَانَ غَائِبًا عَنْ بَلَدِ الْحُكْمِ وَهُوَ مِمَّا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ فِي غَيْبَتِهِ كَالْعَقَارِ وَالْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ عَلَى حُضُورِهِ، بَلْ تُمَيِّزُهُ الْبَيِّنَةُ بِالصِّفَةِ وَيَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الدَّيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِذَا ادَّعَى زَيْدٌ عَلَى عَمْرٍو وَهُمَا بِرَشِيدٍ مَثَلًا أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ.

فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ (يَتَمَيَّزُ) : نَعْتٌ لِ: " غَائِبٍ " أَيْ: إذَا كَانَ الْغَائِبُ يَتَمَيَّزُ (بِالصِّفَةِ) مِنْ حَيَوَانٍ؛ كَعَبْدٍ وَغَيْرِهِ كَثَوْبٍ (وَلَوْ عَقَارًا) مِنْ سَائِرِ الْمُقَوَّمَاتِ.
وَلَا يَطْلُبُ حُضُورَهُ، فَلَوْ كَانَ لَا يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ كَقُطْنٍ وَحَرِيرٍ، فَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِقِيمَتِهِ - سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْمُقَوَّمَاتِ أَوْ الْمِثْلِيَّاتِ - حَكَمَ بِهِ أَيْضًا، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الْقِيمَةُ فِي الْمِثْلِيِّ لِلْجَهْلِ بِصِفَتِهِ.
وَاحْتُرِزَ بِالْغَائِبِ مِنْ الْحَاضِرِ فِي الْبَلَدِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إحْضَارِهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ بِتَمَيُّزِهِ بِالصِّفَةِ أَمْ لَا، إلَّا أَنْ يَعْسُرَ إحْضَارُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةِ الْحِيَازَةِ.
وَإِذَا كَانَ لَهُ الْحُكْمُ بِالْغَائِبِ - وَلَوْ عَقَارًا - (فَالدَّعْوَى حَيْثُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْأَرْجَحِ) فَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِهِ: حَتَّى تَحْضُرَ مَحَلَّ الْمُدَّعَى بِهِ، فَلِلطَّالِبِ إقَامَةُ الدَّعْوَى عَلَى خَصْمِهِ حَيْثُ وَجَدَهُ.
وَقِيلَ: مَحَلُّ الدَّعْوَى حَيْثُ الْمُدَّعَى بِهِ فَيُجَابُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا طَلَبَ الدَّعْوَى فِيهِ.
وَالْخِلَافُ فِي الْعَقَارِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ.
وَأَمَّا الدَّيْنُ فَحَيْثُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اتِّفَاقًا.
وَالْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُتَوَطِّنًا بِغَيْرِ وِلَايَةِ الْقَاضِي فَدَخَلَ بَلَدَ الْقَاضِي فَتَعَلَّقَ بِهِ خَصْمُهُ.
وَأَمَّا قَاضِي بَلَدِهِ فَيَحْكُمُ

[حاشية الصاوي]

كِتَابًا مَثَلًا بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ الَّذِي صِفَتُهُ كَذَا مِلْكٌ لِذَلِكَ الْمُدَّعِي، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَحْكُمُ لَهُ بِهِ كَمَا يَحْكُمُ بِالدَّيْنِ الْمُتَمَيِّزِ بِالصِّفَةِ، وَإِنْ كَانَ تَمْيِيزُهُ نَوْعِيًّا لَا شَخْصِيًّا كَمَا إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ الْمَحَابِيبِ أَوْ الرِّيَالَاتِ كَذَا أَوْ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ إرْدَبَّ قَمْحٍ سَمْرَاءَ أَوْ مَحْمُولَةً قَدْرُهَا كَذَا فَإِنَّهُ يَحْكُمُ لَهُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [حَكَمَ بِهِ أَيْضًا] : أَيْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْقِيمَةِ لَا بِالْمُقَوَّمِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ، وَلَوْ قَالَ حَكَمَ بِهَا أَيْضًا كَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: [فَلَا بُدَّ مِنْ إحْضَارِهِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ] : هَكَذَا قَالَ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلْخَرَشِيِّ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ لَوْ قَالَ فَلَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى عَيْنِهِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ.
قَوْلُهُ: [فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةِ الْحِيَازَةِ] : اُنْظُرْ مَا مَعْنَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ.
قَوْلُهُ: [عَلَى الْأَرْجَحِ] : أَيْ وَبِهِ الْعَمَلُ وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَسَحْنُونٍ.
قَوْلُهُ: [مِنْ الْمُعَيَّنَاتِ] : أَيْ وَلَوْ مِثْلِيَّاتٍ.

عَلَيْهِ وَهُوَ غَائِبٌ إذَا كَانَ الْغِيبَةُ بَعِيدَةً جِدًّا وَلَوْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ أَوْ مُتَوَسِّطَةً فِي غَيْرِ اسْتِحْقَاقِ الْعَقَارِ، وَالْقَرِيبُ كَالْحَاضِرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا مُتَوَطِّنٌ بِبَلَدِ الْقَاضِي ادَّعَى عَلَيْهِ بِغَائِبٍ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِنَا: " وَحَكَمَ بِغَائِبٍ يَتَمَيَّزُ بِالصِّفَةِ ". (وَمُكِّنَ مُدَّعٍ لِغَائِبٍ بِلَا تَوْكِيلٍ) لَهُ مِنْ الْغَائِبِ بَلْ حِسْبَةً لِلَّهِ (إنْ خِيفَ ضَيَاعُ الْمَالِ) : أَيْ مَالِ الْغَائِبِ، بِأَنْ كَانَ مَنْ لَهُ الْمَالُ غَائِبًا فَخَافَ حَاضِرٌ أَنْ يُضَيِّعَ مَالَهُ فَرَفَعَ الْحَاضِرُ الْأَمْرَ لِلْقَاضِي وَادَّعَى عَنْ الْغَائِبِ حِسْبَةً لِحِفْظِ مَالِ الْغَائِبِ فَيُمَكَّنُ مِنْ الدَّعْوَى عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يُمَكَّنُ.
(وَلَا حُكْمَ لَهُ) : أَيْ لِلْقَاضِي (بِغَيْرِ وِلَايَتِهِ) : بَلْ هُوَ كَآحَادِ النَّاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [حِسْبَةً] : بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ عَلَى وَزْنِ قِرْبَةٍ.
قَوْلُهُ: [فَيُمَكَّنُ مِنْ الدَّعْوَى عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ] إلَخْ: مَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ إذَا كَانَ مَنْ يُرِيدُ الدَّعْوَى لَا حَقَّ لَهُ فِي ذَلِكَ الْمَالِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، أَمَّا مَا لَهُ فِيهِ حَقٌّ كَزَوْجَةِ الْغَائِبِ وَأَقَارِبِهِ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ فَيُمَكَّنُونَ مِنْ الدَّعْوَى اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ ضَمَانٌ كَمُسْتَعِيرٍ لِمَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَمُرْتَهِنٍ كَذَلِكَ وَحَمِيلِ مَدِينٍ أَرَادَ فِرَارًا أَوْ سَفَرًا بَعِيدًا فَإِنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ الدَّعْوَى اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: [بَلْ هُوَ كَآحَادِ النَّاسِ] : أَيْ فَقَاضِي رَشِيدٍ لَا حُكْمَ لَهُ بِصَوْمٍ مَثَلًا فِي إسْكَنْدَرِيَّةَ كَانَ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ أَوْ نَازِلًا بِهَا، فَلَوْ أَرَادَتْ امْرَأَةٌ التَّزَوُّجَ وَلَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ إلَّا الْقَاضِي فَلَا يُزَوِّجُهَا إلَّا الْقَاضِي الَّذِي هُوَ بِمَحِلِّ وِلَايَتِهِ؛ مَثَلًا لَوْ كَانَتْ امْرَأَةٌ بِإِسْكَنْدَرِيَّةِ لَا وَلِيَّ لَهَا إلَّا الْقَاضِي فَلَا يُزَوِّجُهَا قَاضِي رَشِيدٍ وَإِنَّمَا يُزَوِّجُهَا قَاضِي إسْكَنْدَرِيَّةَ، وَإِنْ كَانَ قَاضِي رَشِيدٍ نَازِلًا بِإِسْكَنْدَرِيَّةِ بَلْ هُوَ كَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ تَرْتَحِلْ الْمَرْأَةُ لِمَحِلِّ وِلَايَتِهِ وَتُرِيدُ التَّزَوُّجَ بِهَا وَإِلَّا فَالْحَقُّ لَهُ، وَقِسْ عَلَى هَذَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ وِلَايَةِ قَاضِي الْقَاهِرَةِ جَمِيعُ الْبِلَادِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ لَهَا قَاضٍ مُسْتَقِلٌّ مِنْ السُّلْطَانِ فَجَمِيعُ الْبِلَادِ الَّتِي تَأْخُذُ قُضَاتُهَا النِّيَابَةَ مِنْهُ يُقَالُ لَهَا: مَحَلُّ وِلَايَتِهِ.
تَتِمَّةٌ: يَجْلِبُ الْقَاضِي الْخَصْمَ بِخَاتَمٍ أَوْ رَسُولٍ أَوْ وَرَقَةٍ أَوْ أَمَارَةٍ إنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَأَقَلَّ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَالْحَالُ أَنَّهُ بِمَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَأَرَادَ جَلْبَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ الْحُضُورُ لِدَعْوَى الْمُدَّعِي إلَّا بِشَاهِدٍ يَشْهَدُ بِالْحَقِّ فَيَجْلِبُهُ وَلَكِنْ لَا يُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَكْتُبُ لَهُ إمَّا أَنْ تَحْضُرَ أَوْ تُوَكِّلَ أَوْ تُرْضِي خَصْمَك فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ قَضَيْنَا عَلَيْك.

بَابٌ فِي الشَّهَادَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ وَتُطْلَقُ لُغَةً عَلَى الْإِعْلَامِ وَعَلَى الْحُضُورِ، نَحْوُ: شَهِدَ زَيْدٌ مَجْلِسَ الْقَوْمِ.
وَعَلَى الْعِلْمِ نَحْوُ: " شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ " وَهِيَ عُرْفًا: إخْبَارُ عَدْلٍ

[حاشية الصاوي]

[بَابٌ فِي الشَّهَادَةِ]

[شَرْطُ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ]

ِ] : أَيْ فِي شُرُوطِهَا وَقَوْلُهُ: [وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ] : أَيْ الْمَسَائِلِ قَوْلُهُ: [وَتُطْلَقُ لُغَةً عَلَى الْإِعْلَامِ وَعَلَى الْحُضُورِ] : قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ: الشَّهَادَةُ مَعْنَاهَا الْبَيَانُ وَبِهِ سُمِّيَ الشَّاهِدُ أَيْ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ الْحُكْمَ وَالْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ، وَهُوَ أَحَدُ مَعَانٍ تَثْنِيَتُهُ شَاهِدَانِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بَعْضُهُمْ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [آل عمران: 18] أَيْ بَيَّنَ، وَقِيلَ هِيَ فِيهَا بِمَعْنَى الْعِلْمِ انْتَهَى قَوْلُهُ: [وَهِيَ عُرْفًا إخْبَارُ عَدْلٍ إلَخْ] : تَعَرَّضَ لِتَعْرِيفِهَا اصْطِلَاحًا لِلرَّدِّ عَلَى ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْقَائِلِ لَا حَاجَةَ لِتَعْرِيفِ حَقِيقَتِهَا لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ، وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِ الْقَرَافِيِّ أَقَمْت ثَمَانَ سِنِينَ أَطْلُبُ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ وَأَسْأَل الْفُضَلَاءَ عَنْهُ بِتَحْقِيقِ مَاهِيَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَيَقُولُونَ: الشَّهَادَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّعَدُّدُ وَالذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ فَأَقُولُ لَهُمْ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فَرْعُ تَصَوُّرِهَا حَتَّى طَالَعْت شَرْحَ الْبَرَاهِينَ لِلْمَازِرِيِّ فَوَجَدْتُهُ حَقَّقَ الْمَسْأَلَةَ فَقَالَ: هُمَا خَبَرَانِ غَيْرَ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُ إنْ كَانَ عَامًّا لَا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ فَالرِّوَايَةُ كَخَبَرِ: " إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ "، وَ: " الشُّفْعَةُ فِيمَا يَنْقَسِمُ "

حَاكِمًا بِمَا عَلِمَ وَلَوْ بِأَمْرٍ عَامٍّ لِيَحْكُمَ بِمُقْتَضَاهُ، فَقَدْ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى تَقَدُّمِ دَعْوَى؛ كَإِعْلَامِ الْعُدُولِ بِرُؤْيَتِهِمْ الشَّهْرَ فَيَحْكُمُ بِثُبُوتِهَا.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى حُكْمِهِ أُمُورٌ، كَوُجُوبِ الصِّيَامِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَتَمَامِ عِدَّةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ تَمَامِ أَجَلٍ لِدَيْنٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ: وَقَوْلُهُمْ: حُكْمُ الْحَاكِمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ، مُرَادُهُمْ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْخُصُومَاتِ؛

[حاشية الصاوي]

بِخِلَافِ قَوْلِ الْعُدُولِ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِهَذَا عَلَى هَذَا كَذَا إلْزَامٌ لِمُعَيَّنٍ لَا يَتَعَدَّاهُ فَالشَّهَادَةُ، ابْنُ عَرَفَةَ: حَاصِلُ مَا قَرَّرَهُ الْمَازِرِيُّ أَنَّ الشَّهَادَةَ هِيَ الْخَبَرُ الْمُتَعَلِّقُ بِجُزْئِيٍّ وَالرِّوَايَةَ الْمُتَعَلِّقُ بِكُلِّيٍّ وَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ قَدْ تَتَعَلَّقُ بِجُزْئِيٍّ كَخَبَرِ: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ» وَخَبَرِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي السَّفِينَةِ الَّتِي لَعِبَ بِهِمْ الْمَوْجُ فِيهَا وَذَكَرَ قِصَّةَ الدَّجَّالِ إلَى غَيْرِهَا مِنْ أَحَادِيثَ مُتَعَلِّقَةٍ بِجُزْئِيٍّ وَكَآيَةِ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: 1] وَنَحْوُهَا كَثِيرٌ انْتَهَى.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْحَقُّ فِي الْفَرْقِ مَا قَالَهُ (بْن) وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ إمَّا أَنْ يُقْصَدَ أَنْ يُرَتَّبَ عَلَيْهِ فَصْلُ قَضَاءٍ وَإِبْرَامُ حُكْمٍ أَمْ لَا، فَإِنْ قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ فَهُوَ الشَّهَادَةُ وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ ذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ يُقْصَدَ بِهِ تَعْرِيفُ دَلِيلِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ يُشَرِّعُهُ أَوْ لَا فَإِنْ قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ فَهُوَ الرِّوَايَةُ وَإِلَّا فَهُوَ سَائِرُ أَنْوَاعِ الْخَبَرِ انْتَهَى وَتَعْرِيفُ شَارِحِنَا يُفِيدُ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: إخْبَارُ عَدْلٍ: مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَحَاكِمًا مَفْعُولُهُ قَوْلُهُ: [حَاكِمًا] : أَيْ أَوْ مُحَكَّمًا وَقَوْلُهُ: [بِمَا عَلِمَ] : أَيْ إخْبَارٍ نَاشِئٍ عَنْ عِلْمٍ لَا عَنْ ظَنٍّ أَوْ شَكٍّ.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي تَأْدِيَةِ الشَّهَادَةِ لَفْظُ أَشْهَدُ بِخُصُوصِهِ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ؟ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ بَلْ الْمَدَارُ فِيهَا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ عِلْمِ الشَّاهِدِ بِمَا شَهِدَ بِهِ كَرَأَيْت كَذَا أَوْ سَمِعْت كَذَا أَوْ لِهَذَا عِنْدَ هَذَا كَذَا فَلَا يُشْتَرَطُ لِأَدَائِهَا صِيغَةٌ مُعَيَّنَةٌ قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِأَمْرٍ عَامٍّ] : رَدٌّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى الْمَازِرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ حَيْثُ خَصُّوهَا بِالْجُزْئِيِّ.
قَوْلُهُ: [كَإِعْلَامِ الْعُدُولِ بِرُؤْيَتِهِمْ الشَّهْرَ] : مِثَالٌ لِلْأَمْرِ الْعَامِّ.
قَوْلُهُ: [يَتَوَقَّفُ عَلَى دَعْوَى] : أَيْ عَلَى تَقَدُّمِ دَعْوَى.
قَوْلُهُ: [مُرَادُهُمْ فِي الْمُعَامَلَاتِ إلَخْ] : أَيْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ لَمْ يَتَمَحَّضْ الْحَقُّ

كَالدِّينِ وَالْقَذْفِ وَالْقَتْلِ وَالْعِتْقِ وَالنَّسَبِ، وَقَدْ لَا يَتَوَقَّفُ؛ كَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا، فَإِنَّ الْبَيِّنَةَ تَكْفِي فِي ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَتَقَدَّم دَعْوَى مِنْ غَيْرِهَا.
وَأَشَارَ بِشَرْطِ الشَّهَادَةِ بِقَوْلِهِ: (شَرْطُ) صِحَّةِ (الشَّهَادَةِ) عِنْدَ الْحَاكِمِ (الْعَدَالَةُ) : وَهِيَ الِاتِّصَافُ بِمَا يَأْتِي ذِكْرُهُ (وَالْعَدْلُ) هُنَا: (الْحُرُّ) وَلَوْ أُنْثَى فِي بَعْضِ الْأُمُورِ؛ كَالْمَالِ وَالْوِلَادَةِ فَلَا تَصِحُّ شَهَادَةُ رَقِيقٍ وَلَوْ ذَكَرًا.
(الْمُسْلِمُ) : فَلَا تَصِحُّ شَهَادَةُ كَافِرٍ وَلَوْ لِكَافِرٍ عَلَى كَافِرٍ.
(الْبَالِغُ) : فَلَا تَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ إلَّا إذَا شَهِدَ الصِّبْيَانُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَتْلِ بِشُرُوطٍ تَأْتِي.
(الْعَاقِلُ) : فَلَا تَصِحُّ مِنْ مَعْتُوهٍ وَمَجْنُونٍ لِعَدَمِ ضَبْطِهِ.

[حاشية الصاوي]

فِيهِ لِلَّهِ، وَأَمَّا الْأُمُورُ الَّتِي تَمَحَّضَ الْحَقُّ فِيهَا لِلَّهِ فَلَا تَتَوَقَّفُ الشَّهَادَةُ فِيهَا عَلَى تَقَدُّمِ دَعْوَى، كَمَا أَفَادَهُ بَعْدُ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِيهَا حِسْبَةٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ وَإِنْ لَمْ يُسْتَشْهَدْ.
قَوْلُهُ: [مِنْ غَيْرِهَا] : أَيْ مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْبَيِّنَةِ.
قَوْلُهُ: [بِمَا يَأْتِي ذِكْرُهُ] : أَيْ وَهِيَ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا بِقَوْلِهِ: وَالْعَدْلُ الْحُرُّ إلَخْ، وَلَوْ قَالَ: وَهِيَ الِاتِّصَافُ بِمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ إلَخْ لَكَانَ أَظْهَرَ.
قَوْلُهُ: [هُنَا] : يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ الْعَدَالَةِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْحُرِّيَّةُ.
وَقَوْلُهُ: [الْحُرُّ] : أَيْ وَلَوْ عَتِيقًا لَكِنْ إنْ شَهِدَ لِمُعْتَقِهِ فَلَهُ شَرْطٌ آخَرُ وَهُوَ التَّبْرِيزُ.
قَوْلُهُ: [فِي بَعْضِ الْأُمُورِ] : رَاجِعٌ لِلْمُبَالَغِ عَلَيْهِ أَيْ فَالْأُنْثَى تُعَدُّ مِنْ الْعُدُولِ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهَا فِي بَعْضِ الْأُمُورِ الَّتِي مَثَّلَ لَهَا.
قَوْلُهُ: [وَالْوِلَادَةِ] : أَيْ وَنَحْوِهَا مِنْ كُلِّ مَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا تَصِحُّ شَهَادَةُ رَقِيقٍ] : أَيْ مَنْ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ وَلَوْ قَلَّتْ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ لِكَافِرٍ عَلَى كَافِرٍ] : أَيْ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ حَيْثُ، قَالَا: يَجُوزُ شَهَادَةُ الْكَافِرِ عَلَى مِثْلِهِ.
قَوْلُهُ: [بِشُرُوطٍ تَأْتِي] : أَيْ فِي قَوْلِهِ وَجَازَ شَهَادَةُ الصَّبِيَّانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي جَرْحٍ وَقَتْلٍ فَقَطْ إلَخْ.
قَوْلُهُ: [الْعَاقِلُ] : أَيْ حَالَ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ مَعًا.
بِخِلَافِ الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ

(بِلَا فِسْقٍ) بِجَارِحَةٍ؛ فَلَا تَصِحُّ مِنْ الزَّانِي وَالشَّارِبِ وَالسَّارِقِ وَنَحْوِهِمْ وَكَذَا مَجْهُولُ الْحَالِ.
(وَ) بِلَا (حَجْرٍ) عَلَيْهِ لِسَفَهٍ فَلَا تَصِحُّ مِنْ سَفِيهٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ.
(وَ) بِلَا (بِدْعَةٍ) وَلَوْ تَأَوَّلَ (كَقَدَرِيٍّ) وَخَارِجِيٍّ.
(ذُو الْمُرُوءَةِ) وَهِيَ: كَمَالُ النَّفْسِ بِصَوْنِهَا عَمَّا يُوجِبُ ذَمَّهَا عُرْفًا وَلَوْ مُبَاحًا فِي ظَاهِرِ الْحَالِ، كَأَكْلٍ بِسُوقٍ لِغَيْرِ أَهْلِهِ، وَلِذَا قَالَ: (بِتَرْكِ) أَيْ بِسَبَبِ تَرْكِ شَيْءٍ (غَيْرِ لَائِقٍ مِنْ لَعِبٍ بِكَحَمَامٍ)

[حاشية الصاوي]

وَالْبُلُوغِ فَتُشْتَرَطُ حَالَ الْأَدَاءِ لَا حَالَ التَّحَمُّلِ.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا مَجْهُولُ الْحَالِ] : إنَّمَا خَرَجَ مَجْهُولُ الْحَالِ بِقَوْلِهِ بِلَا فِسْقٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّاسِ الْجُرْحَةُ فَيُسْتَصْحَبُ الْأَصْلُ إلَّا لِدَلِيلٍ يُثْبِتُ الضِّدَّ.
قَوْلُهُ: [فَلَا تَصِحُّ مِنْ سَفِيهٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ] : أَيْ لِأَنَّهُ مَخْدُوعٌ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: مَحْجُورٍ عَلَيْهِ أَنَّ شَهَادَةَ السَّفِيهِ غَيْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ صَحِيحَةٌ.
قَوْلُهُ: [كَقَدَرِيٍّ وَخَارِجِيٍّ] : الْقَدَرِيُّ هُوَ الْقَائِلُ بِأَنَّ الْأَسْبَابَ تُؤَثِّرُ بِقُوَّةٍ أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِيهَا وَهُوَ عَاصٍ وَفِي كُفْرِهِ قَوْلَانِ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُهُ، وَالْخَارِجِيُّ هُوَ الَّذِي يُكَفِّرُ بِالذَّنْبِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ مُتَعَمِّدًا لِلْبِدْعَةِ أَوْ مُتَأَوِّلًا لِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ بِالتَّأْوِيلِ وَهُوَ فَاسِقٌ، وَفِي كُفْرِهِ قَوْلَانِ أَيْضًا وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُهُ.
قَوْلُهُ: [ذُو الْمُرُوءَةِ] : هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا مَعَ الْهَمْزَةِ وَبِغَيْرِهَا مَعَ تَشْدِيدِ الْوَاوِ.
فَفِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَتْ الْمُرُوءَةُ فِي الْعَدَالَةِ لِأَنَّ مَنْ تَخَلَّقْ بِمَا لَا يَلِيقُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا جَرَّهُ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى دِينِهِ وَاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ وُجُودُ الْعَدْلِ الْمَوْصُوفِ بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ كَمَا فِي زَمَانِنَا هَذَا اكْتَفِي بِالْحُرِّ الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْمَسْتُورِ الْحَالِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ عَلَيْهِ فِسْقٌ، وَقِيلَ: يُؤْمَرُ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ.
قَوْلُهُ: [لِغَيْرِ أَهْلِهِ] : الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى السُّوقِ أَيْ فَأَهْلُ السُّوقِ الْجَالِسُونَ فِيهِ لَا يُخِلُّ بِمُرُوءَتِهِمْ الْأَكْلُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ لَعِبٍ بِكَحَمَامٍ] : أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا كَاللَّعِبِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُسَابَقَةِ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ

بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ: هُوَ الطَّيْرُ الْمَعْرُوفُ، وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ غَيْرَهُ مِنْ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُلْعَبُ بِهِ طَيْرًا أَوْ غَيْرَهُ: كَالْعَصَافِيرِ وَتُيُوسِ الْغَنَمِ.
(وَشَطْرَنْجٍ) وَالشَّطْرَنْجُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمُهْمَلَةِ مَكْسُورَةً وَمَفْتُوحَةً وَقِيلَ الْفَتْحُ مِنْ لَحْنِ الْعَوَامّ وَسِيجَةٌ وَطَابٍ وَنَرْدٍ وَمِنْقَلَةٍ بِلَا قِمَارٍ، وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْفِسْقِ.
(وَ) بِتَرْكِ (سَمَاعِ غِنَاءٍ) مُتَكَرِّرٍ إذَا لَمْ يَكُنْ بِقَبِيحِ الْقَوْلِ أَوْ بِآلَةٍ، وَإِلَّا حَرُمَ، وَلَوْ فِي عُرْسٍ وَكَانَ مِنْ الْفِسْقِ.

[حاشية الصاوي]

اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا يَتْبَعُ حَمَامَةً فَقَالَ: شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً» . قَوْلُهُ: [وَتُيُوسِ الْغَنَمِ] : أَيْ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ كَتَسْلِيطِ الْكِبَاشِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَشِطْرَنْجٍ] : فِي (بْن) قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ اللَّخْمِيُّ فِي لَحْنِ الْعَامَّةِ يَقُولُونَ شَطْرَنْجٌ بِفَتْحِ الشَّيْنِ، وَحَكَى ابْنُ جِنِّي أَنَّ الصَّوَابَ كَسْرُهَا عَلَى بِنَاءِ جِرْدَحْلٍ وَذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ بِالشِّينِ وَبِالسِّينِ لِأَنَّهُ إمَّا مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُشَاطَرَةِ أَوْ التَّسْطِيرِ انْتَهَى.
وَفِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ (ح) أَنَّهُ مُعَرَّبُ شُرْنَك وَمَعْنَاهُ سِتَّةُ أَلْوَانٍ: الشَّاةُ وَالْفَرْزُ وَالْفِيلُ وَالْفَرَسُ وَالرُّخُّ وَالْبَيْدَقُ، فَعَلَى هَذَا لَا يُقَالُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُشَاطَرَةِ بِالْمُعْجَمَةِ وَلَا مِنْ التَّسْطِيرِ بِالْإِهْمَالِ عَلَى مَا فِي (بْن) انْتَهَى، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ لَعِبَهُ حَرَامٌ وَقِيلَ مَكْرُوهٌ، وَفِي (ح) قَوْلٌ بِجَوَازِ لَعِبِهِ فِي الْخَلْوَةِ مَعَ نَظِيرِهِ لَا مَعَ الْأَوْبَاشِ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلِ بِالْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِلَعِبِهِ لَكِنْ عِنْدَ الْإِدَامَةِ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ لَا خِلَافَ بَيْنَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْإِدْمَانَ عَلَى اللَّعِبِ بِهَا جُرْحَةٌ وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ الْإِدْمَانُ فِي الشَّطْرَنْجِ دُونَ مَا عَدَاهُ مِنْ النَّرْدِ وَالطَّابِ وَالْمِنْقَلَةِ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي إبَاحَتِهِ.
بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَجُرْحَةٌ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: [بِلَا قِمَارٍ] : أَيْ بِلَا أَخْذِ مَالٍ فِي لَعِبِهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ بِآلَةٍ] : أَيْ كَعُودٍ وَقَانُونٍ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا حَرُمَ] : أَيْ بِأَنْ تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِنْ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ كَانَ حَرَامًا

(وَ) بِتَرْكِ (سَفَاهَةٍ) مِنْ الْقَوْلِ، كَالْهَزْلِ الْخَارِجِ عَنْ عُرْفِ أَهْلِ الْكَمَالِ مِنْ الْمُجُونِ وَالدُّعَابَةِ.
(وَ) بِتَرْكِ (صَغِيرَةِ خِسَّةٍ) : كَتَطْفِيفٍ بِحَبَّةٍ وَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَنَحْوِهَا، إذْ فَاعِلُ ذَلِكَ لَا مُرُوءَةَ عِنْدَهُ، وَمِمَّا يُخِلُّ بِهَا: الرَّقْصُ وَالصَّفْقُ بِالْأَكُفِّ بِلَا مُوجِبٍ يَقْتَضِيهِ، وَكَذَا سَائِرُ اللَّعِبِ.
إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّارِعُ كَالْمُسَابَقَةِ، وَاللَّعِبِ مَعَ الزَّوْجَةِ وَالطِّفْلِ الصَّغِيرِ إذَا لَمْ يَكْثُرْ، وَالْكَلَامُ فِي اللَّعِبِ بِمَا ذُكِرَ، إنَّمَا هُوَ إذَا أَدْمَنَ ذَلِكَ.
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِدْمَانِ وَعَدَمِهِ: إنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْلَمَ مِنْ يَسِيرِ اللَّهْوِ فَالْعَدْلُ الْمَذْكُورُ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
(وَإِنْ) كَانَ (أَعْمَى فِي الْقَوْلِ) وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا تُقْبَلُ فِيهِ.
وَمِثْلُ الْقَوْلِ غَيْرُهُ مِمَّا عَدَا الْمُبْصَرَاتِ، كَالْمَشْمُومَاتِ وَالْمَلْمُوسَاتِ.
وَإِنَّمَا بَالَغَ

[حاشية الصاوي]

وَلَوْ فِي الْأَعْرَاسِ، وَهَلْ تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ وَلَوْ فَعَلَهُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ؟ وَهُوَ مَا لِلتَّتَّائِيِّ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ التَّكَرُّرِ فِي السَّنَةِ وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ الْمَوَّاقُ وَتَقَدَّمَ هَذَا الْمَبْحَثُ فِي الْوَلِيمَةِ مُسْتَوْفًى.
قَوْلُهُ: [كَالْهَزْلِ الْخَارِجِ عَنْ عُرْفِ أَهْلِ الْكَمَالِ] : أَيْ كَمَا إذَا كَانَ يُضْحِكُ الْقَوْمَ بِالْأَكَاذِيبِ لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ» . قَوْلُهُ: [مِنْ الْمُجُونِ وَالدُّعَابَةِ] : بَيَانٌ لِمَعْنَى الْهَزْلِ فَمِنْ ذَلِكَ النُّطْقُ بِأَلْفَاظِ الْخَنَا فِي الْمَجَالِسِ.
قَوْلُهُ: [كَتَطْفِيفٍ بِحَبَّةٍ] : ظَاهِرُهُ أَنَّهَا صَغِيرَةٌ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ فَقِيرًا وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ فَقِيرًا وَإِلَّا كَانَ كَبِيرَةً.
قَوْلُهُ: [فَالْعَدْلُ الْمَذْكُورُ] : دُخُولٌ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: [فِي الْقَوْلِ] : أَيْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الْأَقْوَالِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ تَحَمَّلَهَا قَبْلَ الْعَمَى أَمْ لَا لِضَبْطِهِ الْأَقْوَالَ بِسَمْعِهِ.
قَوْلُهُ: [وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ] إلَخْ: لَكِنْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا تُقْبَلُ مُطْلَقًا وَلَوْ تَحَمَّلَهَا قَبْلَ الْعَمَى وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَا لَمْ يَتَحَمَّلْهَا قَبْلَ الْعَمَى وَإِلَّا قُبِلَتْ.
قَوْلُهُ: [مِمَّا عَدَا الْمُبْصَرَاتِ] : أَيْ الْأُمُورِ الَّتِي تَتَوَقَّفُ عَلَى الْبَصَرِ كَالْأَفْعَالِ وَالْأَلْوَانِ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِيهَا مُطْلَقًا عَلِمَهَا قَبْلَ الْعَمَى أَمْ لَا، وَفِي الْإِرْشَادِ تَجُوزُ

عَلَى الْقَوْلِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْخِلَافِ وَغَيْرَهَا مَحَلُّ اتِّفَاقٍ.
وَكَذَا قَوْلُهُ: (أَوْ) كَانَ (أَصَمَّ فِي الْفِعْلِ) : كَالضَّرْبِ وَالْأَكْلِ وَالْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَاحْتُرِزَ بِذَلِكَ عَنْ الْمَسْمُوعَاتِ لَا عَنْ الْمَشْمُومَاتِ وَالْمَلْمُوسَاتِ وَالْمَطْعُومَاتِ فَإِنَّهَا اتِّفَاقٌ.
وَأَمَّا الْأَعْمَى الْأَصَمِّ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي شَيْءٍ وَلَا مُعَامَلَتُهُ كَالْمَجْنُونِ، وَإِنَّمَا يُوَلَّى عَلَيْهِمَا مِنْ يَتَوَلَّى أَمْرَهُمَا بِالْمَصْلَحَةِ.

(وَشَرْطُهُ) : أَيْ الْعَدْلِ؛ أَيْ شَرْطُ قَبُولِ شَهَادَتِهِ (أَنْ يَكُونَ فَطِنًا) لَا مُغَفَّلًا (جَازِمًا) فِي شَهَادَتِهِ (بِمَا أَدَّى) لَا شَاكًّا أَوْ ظَانًّا (غَيْرَ مُتَّهَمٍ فِيهَا) : أَيْ فِي شَهَادَتِهِ (بِوَجْهٍ) مِنْ الْوُجُوهِ الْآتِيَةِ؛ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ: (فَلَا شَهَادَةَ) تُقْبَلُ (لِمُغَفَّلٍ) تَلْتَبِسُ عَلَيْهِ الْأُمُورُ الْعَادِيَّةُ (إلَّا فِيمَا.

[حاشية الصاوي]

شَهَادَتُهُ عَلَى الْفِعْلِ إنْ عَلِمَهُ قَبْلَ الْعَمَى أَوْ بِحَبْسٍ كَمَا فِي الزِّنَا وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: [وَغَيْرُهَا] : الْمُنَاسِبُ غَيْرُهُ لِأَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى الْقَوْلِ أَيْ مَحَلِّ الْخِلَافِ بَيْنَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ الْأَقْوَالُ، وَأَمَّا الْمَلْمُوسَاتُ وَالْمَطْعُومَاتُ وَالْمَشْمُومَاتُ فَهِيَ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ بَيْنَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي الْقَبُولِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ كَانَ أَصَمَّ فِي الْفِعْلِ] : أَيْ وَهُوَ بَصِيرٌ لِأَنَّ الْأَصَمَّ الْبَصِيرَ يَضْبِطُ الْأَفْعَالَ بِبَصَرِهِ دُونَ الْأَقْوَالِ لِتَوَقُّفِ ضَبْطِهَا عَلَى السَّمْعِ وَهُوَ مَعْدُومٌ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الْأَقْوَالِ مَا لَمْ يَكُنْ سَمِعَهَا قَبْلَ الصَّمَمِ وَإِلَّا جَازَتْ، قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ وَيُؤَدِّيهَا بِإِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهَا اتِّفَاقٌ] : أَيْ بَيْنَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ قَبْلُ.
قَوْلُهُ: [وَإِنَّمَا يُوَلِّي عَلَيْهِمَا] : هَكَذَا بِالتَّثْنِيَةِ فِي نُسْخَةِ الْمُؤَلَّفِ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْأَعْمَى الْأَصَمِّ وَالْمَجْنُونِ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرَهُمَا أَوْ يُفْرِدَ الضَّمِيرَ فِي عَلَيْهِ وَيَكُونَ عَائِدًا عَلَى الْأَعْمَى الْأَصَمِّ فَقَطْ، وَالْمَجْنُونُ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ فِي بَابِ الْحَجْرِ قَالَ (بْن) : قَالَ (عب) فِي الْأَعْمَى الْأَصَمِّ: لَا يَتَزَوَّجُ إلَخْ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَلِي ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَإِلَّا فَيَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ مَنْ يَنْظُرُ لَهُ بِالْأَصْلَحِ لَهُ، كَمَا يُقِيمُ الْحَاكِمُ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ مَنْ يَنْظُرُ لَهُمَا انْتَهَى.
وَقَدْ أَفَادَ هَذَا شَارِحُنَا بِالتَّشْبِيهِ.
.

[شَرْطُ قَبُولِ شَهَادَة الْعَدْلِ]

قَوْلُهُ: [لِمُغَفَّلٍ] : هُوَ مَنْ لَا يَسْتَعْمِلُ الْقُوَّةَ الْمُنَبِّهَةَ مَعَ وُجُودِهَا فِيهِ، وَأَمَّا الْبَلِيدُ فَهُوَ خَالٍ مِنْهَا بِالْمَرَّةِ فَمُرَادُهُ بِالْمُغَفَّلِ مَا يَشْمَلُهُ بِالْأَوْلَى.

لَا يَلْبِسُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَمَاضِيهِ بِفَتْحِهَا: أَيْ يَخْتَلِطُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: 9] . وَأَمَّا لَبِسَ الثَّوْبَ فَبِالْعَكْسِ.
إلَّا فِي الْأُمُورِ الْوَاضِحَةِ الَّتِي لَا لَبْسَ فِيهَا، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
(وَلَا) شَهَادَةَ (لَمُتَأَكِّدِ الْقُرْبِ) لِاتِّهَامِهِ بِجَرِّ النَّفْعِ لِقَرِيبِهِ (كَوَالِدٍ) لِوَلَدِهِ (وَإِنْ عَلَا) : (كَالْجَدِّ وَأَبِيهِ وَوَلَدٍ) لِوَالِدِهِ (وَإِنْ سَفَلَ) كَابْنِ الِابْنِ أَوْ الْبِنْتِ (وَزَوْجِهِمَا) : أَيْ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ، فَلَا يَشْهَدُ الْوَالِدُ لَزَوْجَةِ ابْنِهِ، وَلَا لِزَوْجِ بِنْتِهِ، وَلَا الْوَلَدُ لَزَوْجَةِ أَبِيهِ وَزَوْجِ أُمِّهِ؛ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَشْهَدَ لِزَوْجَتِهِ.
(بِخِلَافِ) شَهَادَةِ (أَخٍ) لِأَخِيهِ (أَوْ مَوْلًى) لِعَتِيقِهِ (وَ) صَدِيقٍ (مُلَاطِفٍ) فَتَجُوزُ (إنْ بَرَزَ) الشَّاهِدُ مِنْهُمْ فِي الْعَدَالَةِ، بِأَنْ فَاقَ أَقْرَانَهُ فِيهَا وَاشْتُهِرَ بِهَا.
(وَلَمْ يَكُنْ) الشَّاهِدُ (فِي عِيَالِهِ) : أَيْ عِيَالِ الْمَشْهُودِ لَهُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ وَلَوْ بَرَزَ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَمَاضِيهِ بِفَتْحِهَا] : أَيْ فَهُوَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ.
قَوْلُهُ: [فَبِالْعَكْسِ] : أَيْ فَهُوَ مِنْ بَابِ عَلِمَ وَتَعِبَ.
قَوْلُهُ: [أَيْ إلَّا فِي الْأُمُورِ الْوَاضِحَةِ] : هَذَا إيضَاحٌ لِقَوْلِ الْمَتْنِ إلَّا فِيمَا لَا يَلْبِسُ.
قَوْلُهُ: [وَصَدِيقٍ مُلَاطِفٍ] : قَالَ (ح) : الْمُلَاطِفُ هُوَ الْمُخْتَصُّ بِالرَّجُلِ الَّذِي يُلَاطِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَمَعْنَى اللُّطْفِ الْإِحْسَانِ وَالْبِرِّ وَالتَّكَرُّمَةِ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: الْمُلَاطِفُ هُوَ الَّذِي قِيلَ فِيهِ: إنَّ أَخَاكَ الْحَقَّ مَنْ كَانَ مَعَك ... وَمَنْ يَضُرُّ نَفْسَهُ لِيَنْفَعكَ وَمَنْ إذَا رَيْبُ الزَّمَانِ صَدَّعَكَ ... شَتَّتْ فِيك نَفْسَهُ لِيَجْمَعكَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ بَعِيدٌ قَلَّ أَنْ يُوجَدَ أَحَدٌ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فَالْأَوْلَى تَفْسِيرُهُ بِمَا فِي التَّنَبُّهَاتِ انْتَهَى (بْن) . قَوْلُهُ: [إنْ بَرَزَ] : فِي (بْن) الصَّوَابُ إنْ بَرَّزَ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ فِعْلٌ لَازِمٌ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ وَاسْمُ الْفَاعِلِ مِنْهُ مُبَرِّزٌ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ بَرُزَ كَكَرُمَ، وَبَرَّزَ تَبْرِيزًا: فَاقَ أَصْحَابَهُ فَضْلًا وَشُجَاعَةً، وَبَرَّزَ الْفَرَسُ عَلَى الْخَيْلِ سَبَقَهَا انْتَهَى.
فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ مُشَدَّدًا وَمُخَفَّفًا عَلَى وَزْنِ فَعُلَ الْمَضْمُومِ الْعَيْنِ وَلَيْسَتْ هُنَاكَ لُغَةٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْعَيْنِ مَعَ التَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَكُنْ الشَّاهِدُ فِي عِيَالِهِ] : بَقِيَ شَرْطٌ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ بِغَيْرِ

(كَأَجِيرٍ) فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ إنْ بَرَزَ وَلَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ.
(وَشَرِيكٍ) تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِشَرِيكِهِ (فِي غَيْرِهَا) : أَيْ فِي غَيْرِ مَالِ الشَّرِكَةِ إنْ بَرَزَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ، لَا فِي مَالِ الشَّرِكَةِ وَلَوْ بَرَزَ.
وَقَيَّدَهَا الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْمُدَوَّنَةِ بِشَرِكَةِ الْمُفَاوَضَةِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّ شَرِكَةَ الْعِنَانِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّبْرِيزُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الشَّرِكَةُ مُطْلَقًا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّبْرِيزُ فَلِذَا أَطْلَقْنَا.
(وَزَائِدٍ) فِي شَهَادَتِهِ عَلَى مَا شَهِدَ بِهِ بِأَنْ شَهِدَ أَوَّلًا بِعَشَرَةٍ ثُمَّ قَالَ: بَلْ هُوَ أَحَدَ عَشَرَ فَتُقْبَلُ إنْ بَرَزَ (وَمُنْقِصٍ) عَنْهَا بَعْدَ أَنْ أَدَّاهَا فَتَقْبَلُ إنْ بَرَزَ.
وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ ابْتِدَاءً بِأَزْيَدَ مِمَّا ادَّعَاهُ الْمُدَّعِي أَوْ بِأَنْقَصَ فَتُقْبَلُ مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَبْرُزْ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي لَا يُقْضَى لَهُ بِالزَّائِدِ لِعَدَمِ ادِّعَائِهِ لَهُ.
(وَذَاكِرٍ) لِمَا شَهِدَ بِهِ (بَعْدَ شَكٍّ) بِأَنْ قَالَ أَوَّلًا: لَا أَدْرِي أَوْ لَا عِلْمَ عِنْدِي، ثُمَّ قَالَ: تَذَكَّرْت، فَتُقْبَلُ إنْ بَرَزَ (أَوْ) تَذَكَّرَ بَعْدَ (نِسْيَانٍ) فَتُقْبَلُ إنْ بَرَزَ.
وَأَمَّا الزَّائِدُ أَوْ الْمُنْقِصُ الْمُتَقَدِّمُ فَجَزَمَ بِمَا شَهِدَ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَزَادَ أَوْ نَقَصَ (وَبِخِلَافِهِمَا) : أَيْ الشَّهَادَةِ مِنْ وَلَدٍ (لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ) عَلَى الْآخَرِ فَتَقْبَلُ.
(أَوْ) مِنْ وَالِدٍ لِأَحَدِ (وَلَدَيْهِ) عَلَى الْآخَرِ فَتُقْبَلُ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ (إنْ لَمْ يَظْهَرْ

[حاشية الصاوي]

جَرْحِ عَمْدٍ فِيهِ قِصَاصٌ وَإِلَّا فَلَا تُقْبَلُ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ الْحَمِيَّةَ تَأْخُذُ فِي الْقِصَاصِ وَإِنَّمَا يَشْهَدُ فِي الْأَمْوَالِ أَوْ فِي الْجِرَاحِ الَّتِي فِيهَا مَالٌ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ قَوْلُهُ: [وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الشَّرِكَةُ مُطْلَقًا] : إلَخْ: مُرَادُهُ بِهِ الْأُجْهُورِيُّ وَرَدَّهُ (بْن) تَبَعًا لَرُبَّمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةٌ: مَرْدُودَةٌ مُطْلَقًا مُبَرِّزًا أَوْ غَيْرَ مُبَرِّزٍ فِي شَهَادَةِ الشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ فِيمَا فِيهِ الشَّرِكَةُ كَانَ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَهُ لِأَنَّهَا تَجُرُّ نَفْعًا لِنَفْسِهِ.
وَمَقْبُولَةٌ بِشَرْطِ التَّبْرِيزِ اتِّفَاقًا وَهِيَ شَهَادَةُ شَرِيكِ الْمُفَاوَضَةِ فِي غَيْرِ مَا فِيهِ الشَّرِكَةُ، وَمَقْبُولَةٌ مُطْلَقًا مُبَرِّزًا أَوْ غَيْرَ مُبَرِّزٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي شَهَادَةِ شَرِيكِ غَيْرِ الْمُفَاوَضَةِ فِي غَيْرِ مَا فِيهِ الشَّرِكَةُ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي لَا يَقْضِي لَهُ بِالزَّائِدِ] : أَيْ وَكَذَا فِي شَهَادَتِهِ بِأَنْقَصَ فِي دَعْوَى الْمُدَّعِي فَلَا يُقْضَى لِلْمُدَّعِي بِالزَّائِدِ إلَّا بِشُهُودٍ أُخَرَ غَيْرِ هَذَا.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الزَّائِدُ] : جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَارِدٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: [فَتُقْبَلُ] : أَيْ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّبْرِيزُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.

مِيلٌ) مِنْ الْوَلَدِ أَوْ الْوَالِدِ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ، فَإِنْ ظَهَرَ مِيلٌ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ (وَلَا) شَهَادَةَ (لِعَدُوٍّ عَلَى عَدُوِّهِ فِي) أَمْرٍ (دُنْيَوِيٍّ) مُتَعَلِّقٌ بِعَدُوٍّ أَيْ عَدَاوَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ وَلَوْ كَانَتْ مِنْ مُسْلِمٍ عَلَى كَافِرٍ، احْتِرَازًا مِنْ الْأُخْرَوِيَّةِ؛ كَشَهَادَةِ مُسْلِمٍ عَلَى كَافِرٍ لَيْسَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ فَتَجُوزُ.
(أَوْ) شَهَادَةَ عَدُوٍّ لِرَجُلٍ (عَلَى ابْنِهِ) : أَيْ ابْنِ الْعَدُوِّ فَلَا تُقْبَلُ.
(وَلَا) شَهَادَةَ لِشَاهِدٍ (إنْ حَرَصَ بِشَهَادَتِهِ) : أَيْ إنْ كَانَ فِيهَا حِرْصٌ (عَلَى إزَالَةِ نَقْصٍ) : يَعْنِي إنْ اُتُّهِمَ عَلَى الْحِرْصِ لِقَبُولِ شَهَادَتِهِ عِنْدَ إزَالَةِ نَقْصٍ (فِيمَا رُدَّ فِيهِ) أَوَّلًا، بِأَنْ أَدَّى سَابِقًا شَهَادَةً فَرُدَّتْ (لِفِسْقٍ، أَوْ صِبًا، أَوْ رِقٍّ) فَلَمَّا زَالَ الْمَانِعُ - بِأَنْ تَابَ الْفَاسِقُ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ عَتَقَ الرَّقِيقُ - أَدَّاهَا، فَلَا تُقْبَلُ لِاتِّهَامِهِ عَلَى الْحِرْصِ عَلَى قَبُولِهَا عِنْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ، لِأَنَّ الطَّبْعَ قَدْ جُبِلَ عَلَى دَفْعِ الْمَعَرَّةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِالرَّدِّ أَوَّلًا.
وَلِذَا لَوْ لَمْ يُحْكَمْ بِرَدِّهَا حَتَّى زَالَ الْمَانِعُ فَأَدَّاهَا، قُبِلَتْ لِعَدَمِ الْحِرْصِ، وَكَذَا إنْ رُدَّتْ لِمَانِعٍ فَأَدَّى عِنْدَ زَوَالِهِ شَهَادَةً بِحَقٍّ آخَرَ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ.
(أَوْ) حَرَصَ (عَلَى التَّأَسِّي) : أَيْ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ فِي الْمَعَرَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ لِيُهَوِّنَّ عَلَيْهِ مُصِيبَتَهَا؛ لِأَنَّ الْمُصِيبَةَ إذَا عَمَّتْ هَانَتْ، وَإِذَا خَصَّتْ هَالَتْ: (كَشَهَادَةِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَإِنْ ظَهَرَ مِيلٌ] إلَخْ: أَيْ كَشَهَادَةِ الْأَبِ لِوَلَدِهِ الْبَارِّ عَلَى الْعَاقِّ أَوْ الصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ أَوْ السَّفِيهِ عَلَى الرَّشِيدِ وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ عَلَى أَبِيهِ بِطَلَاقِ أُمِّهِ إنْ كَانَتْ مُنْكِرَةً لِلطَّلَاقِ.
وَاخْتُلِفَ إنْ كَانَتْ هِيَ الْقَائِمَةُ بِذَلِكَ فَمَنَعَهَا أَشْهَبُ وَأَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ شَهِدَ بِطَلَاقِ أَبِيهِ لِغَيْرِ أُمِّهِ لَمْ تَجُزْ إنْ كَانَتْ أُمُّهُ فِي عِصْمَةِ أَبِيهِ أَوْ مُطَلَّقَةً وَيَرْجُو رُجُوعَهَا لِأَبِيهِ، وَلَوْ شَهِدَ لِأَبِيهِ عَلَى جَدِّهِ أَوْ لِوَلَدِهِ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ لَمْ تَجُزْ قَوْلًا وَاحِدًا، وَبِالْعَكْسِ جَازَ قَوْلًا وَاحِدًا كَمَا ذَكَرَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ الْأُجْهُورِيِّ.
قَوْلُهُ: [لِعَدُوٍّ عَلَى عَدُوِّهِ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ مُبَرِّزًا فِي الْعَدَالَةِ.
قَوْلُهُ: [إذَا عَمَّتْ هَانَتْ] : إنَّمَا هَانَتْ بِالْعُمُومِ لِذِكْرِ مُصِيبَةِ غَيْرِهِ فَيَتَسَلَّى عَنْ مُصِيبَتِهِ.
بِخِلَافِ مَا إذَا خَصَّتْ فَلَمْ يَجِدْ مُصِيبَةً غَيْرَهَا نَظِيرَتَهَا لِغَيْرِهِ يَتَسَلَّى بِهَا فَتَعْظُمُ عَلَيْهِ مُصِيبَتُهُ.

وَلَدِ الزِّنَا فِيهِ) : أَيْ فِي الزِّنَا أَوْ شَهَادَةِ (مَنْ حُدَّ) لِسُكْرٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ زِنًا (فِيمَا) : أَيْ فِي مِثْلِ مَا (حُدَّ فِيهِ) بِخُصُوصِهِ، فَلَا تُقْبَلُ لِلتَّأَسِّي.
وَمِثْلُ الْحَدِّ: التَّعْزِيرُ، فَلَا يَشْهَدُ فِي مِثْلِ مَا عُزِّرَ فِيهِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَتَصِحُّ.
(أَوْ حَرَصَ عَلَى الْقَبُولِ؛ كَأَنْ شَهِدَ وَحَلَفَ) عَلَى صِحَّةِ شَهَادَتِهِ أَوْ عَلَى ثُبُوتِ الْحَقِّ.
لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَنْبَغِي أَنْ يُعْذَرَ الْعَوَامُّ فِي ذَلِكَ.
(أَوْ) حَرَصَ (عَلَى الْأَدَاءِ: كَأَنْ رَفَعَ) شَهَادَتَهُ لِلْحَاكِمِ قَبْلَ الطَّلَبِ (فِي مَحْضِ حَقِّ الْآدَمِيِّ) وَهُوَ مَا لَهُ إسْقَاطُهُ كَالدِّينِ وَالْقِصَاصِ.
(أَمَّا فِي حَقِّ اللَّهِ) : وَهُوَ مَا لَيْسَ لِلْمُكَلَّفِ إسْقَاطُهُ (فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ)

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [مَنْ حُدَّ] : أَيْ بِالْفِعْلِ احْتِرَازًا عَمَّا إذَا عُفِيَ عَنْهُ وَشَهِدَ فِي مِثْلِهِ إنْ كَانَ قَذْفًا فَيُقْبَلُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، لَا إنْ كَانَ قَتْلًا فَلَا يَشْهَدُ فِي مِثْلِهِ كَمَا فِي الْوَاضِحَةِ عَنْ الْأَخَوَيْنِ، وَانْظُرْ لَوْ جَلَدَ الْبِكْرَ فِي الزِّنَا هَلْ لَهُ الشَّهَادَةُ بِاللِّوَاطِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْحَدِّ أَوْ لَا نَظَرًا لِدُخُولِهِ فِي الزِّنَا؟ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [كَأَنْ شَهِدَ وَحَلَفَ] : قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ وَأَمَّا الْحِرْصُ عَلَى الْقَبُولِ فَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَهَادَتِهِ إذَا أَدَّاهَا وَذَلِكَ قَادِحٌ فِيهَا لِأَنَّ الْيَمِينَ دَلِيلٌ عَلَى التَّعَصُّبِ وَشِدَّةِ الْحِرْصِ عَلَى نُفُوذِهَا (اهـ) . تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ لِلْقَاضِي تَحْلِيفُ الشَّاهِدِ وَلَوْ بِالطَّلَاقِ إنْ اتَّهَمَهُ، أَيْ لِقَاعِدَةِ: تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوهُ مِنْ الْفُجُورِ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ اسْتَحْسَنَهُ مَالِكٌ لِأَنَّ مِنْ قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ مُرَاعَاةُ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَذَا أَفَادَهُ فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ] : أَيْ وَسَلَّمَهُ لَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ.
قَوْلُهُ: [كَأَنْ رَفَعَ شَهَادَتَهُ لِلْحَاكِمِ قَبْلَ الطَّلَبِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ رَفْعَ الشَّاهِدِ لِلْحَاكِمِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ لَا يَجُوزُ وَمُبْطِلٌ لِشَهَادَتِهِ نَعَمْ يَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يُعْلِمَ صَاحِبَ الْحَقِّ بِأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهُ وُجُوبًا عَيْنِيًّا إنْ تَوَقَّفَ الْحَقُّ عَلَى شَهَادَتِهِ وَكِفَائِيًّا إنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ مَا لَهُ إسْقَاطُهُ] : أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِمَحْضِ حَقِّ الْآدَمِيِّ مَا لَا حَقَّ فِيهِ لِلَّهِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ إذْ مَا مِنْ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ إلَّا وَلِلَّهِ فِيهِ حَقٌّ.

بِالرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ (بِالْإِمْكَانِ) : أَيْ بِقَدْرِهِ، وَذَلِكَ (إنْ اُسْتُدِيمَ التَّحْرِيمُ) عِنْدَ عَدَمِ الرَّفْعِ: (كَعِتْقٍ) لِرَقِيقٍ مَعَ كَوْنِ السَّيِّدِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمَالِكِ مِنْ اسْتِخْدَامٍ، وَبَيْعٍ وَوَطْءٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(وَطَلَاقٍ) لَزَوْجَةٍ مَعَ كَوْنِ الْمُطَلِّقِ لَمْ يُنْكَفَّ عَنْهَا فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِالرَّفْعِ.
(وَوَقْفٍ) عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ - وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مَسْجِدًا أَوْ رِبَاطًا أَوْ مَدْرَسَةً وَوَاضِعُ الْيَدِ عَلَيْهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ، فَتَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِالرَّفْعِ لِرَدِّهِ إلَى أَصْلِهِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِالْإِمْكَانِ] : أَيْ فَإِنْ أَخَّرَ الرَّفْعَ زِيَادَةً عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ الرَّفْعُ كَانَ جُرْحَةً فِي شَهَادَتِهِ وَبِهَذَا الْقِسْمُ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ انْدَفَعَ التَّعَارُضُ بَيْنَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَعْرَضِ الذَّمِّ: «ثُمَّ يَكُونُ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «تُبَادِرُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ» وَبَيْنَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» فَحُمِلَ الْأَوَّلُ عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي عَلَى الثَّانِي (اهـ بْن) . قَوْلُهُ: [إنْ اُسْتُدِيمَ التَّحْرِيمُ] : الْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ إنْ اُسْتُدِيمَ ارْتِكَابُ التَّحْرِيمِ وَإِلَّا فَكُلُّ مُحَرَّمٍ مُسْتَدَامُ التَّحْرِيمِ.
قَوْلُهُ: [وَوَقْفٍ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ] إلَخْ: حَاصِلُ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْوَقْفَ إمَّا عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِهِ وَفِي كُلٍّ الْوَاضِعُ يَدَهُ عَلَيْهِ الْمُتَصَرِّفُ فِيهِ إمَّا الْوَاقِفُ أَوْ غَيْرُهُ،

(وَرَضَاعٍ) : بَيْنَ زَوْجَيْنِ.
(وَإِلَّا) يَسْتَدِمْ التَّحْرِيمُ (خُيِّرَ) فِي الرَّفْعِ وَعَدَمِهِ: (كَالزِّنَا) وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالتَّرْكُ أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ السِّتْرِ الْمَطْلُوبِ فِي غَيْرِ الْمُجَاهِرِ بِالْفِسْقِ وَإِلَّا فَالرَّفْعُ أَوْلَى.
(بِخِلَافِ حِرْصٍ عَلَى تَحَمُّلٍ) لِشَهَادَةٍ، فَلَا يَقْدَحُ: (كَالْمُخْتَفِي) عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِيَشْهَدَ عَلَى إقْرَارِهِ إنْ أَقَرَّ - وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِأَنْ لَا يَكُونَ الْمُقِرُّ مَخْدُوعًا

[حاشية الصاوي]

فَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَالْوَاضِعُ يَدَهُ عَلَيْهِ غَيْرَ الْوَاقِفِ وَجَبَ عَلَى الشُّهُودِ الْمُبَادَرَةُ بِالرَّفْعِ لِلْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ الْوَاضِعُ يَدَهُ عَلَيْهِ هُوَ الْوَاقِفُ فَلَا يَرْفَعُونَ إذْ لَا ثَمَرَةَ فِي رَفْعِهِمْ، لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي بِهِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَخْرَجَهُ مِنْ حَوْزِهِ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ فَلَا يَرْفَعُونَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ إلَّا إذَا طُلِبُوا لِلشَّهَادَةِ كَانَ الْوَاضِعُ يَدَهُ عَلَيْهِ الْوَاقِفَ أَوْ غَيْرَهُ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَوَاضِعُ الْيَدِ الْمُتَصَرِّفُ غَيْرَ الْوَاقِفِ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا يَسْتَدِمْ التَّحْرِيمُ] : أَيْ بِأَنْ كَانَ التَّحْرِيمُ يَنْقَضِي بِالْفَرَاغِ مِنْ مُتَعَلِّقِهِ.
قَوْلُهُ: [كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ] : أَيْ فَحَقُّ اللَّهِ فِيهِمَا النَّهْيُ عَنْهُمَا، فَإِذَا زَنَى الشَّخْصُ أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ حَصَلَ التَّحْرِيمُ وَانْقَضَى بِالْفَرَاغِ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: [لِمَا فِيهِ مِنْ السِّتْرِ الْمَطْلُوبِ] : أَيْ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ لَا عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ وَإِلَّا كَانَ التَّرْكُ وَاجِبًا وَهَذَا قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ، وَفِي الْمَوَّاقِ أَنَّ سَتْرَ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ وَاجِبٌ وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ تَرْكُ الرَّفْعِ وَاجِبًا.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَالرَّفْعُ أَوْلَى] : أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يَرْتَدِعَ عَنْ فِسْقِهِ وَكَرِهَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ السِّتْرَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ حِرْصٍ عَلَى تَحَمُّلٍ] : مُخَرَّجٌ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا إنْ حَرَصَ عَلَى إزَالَةِ نَقْصٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: [كَالْمُخْتَفِي] : أَيْ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُقِرِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ: اشْهَدْ عَلَيَّ بِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ كَلَامَهُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي بِهِ الْعَمَلُ.
قَوْلُهُ: [مَخْدُوعًا] : أَيْ مَغْرُورًا بِشَيْءٍ فِي نَظِيرِ الْإِقْرَارِ، وَقَوْلُهُ، أَوْ خَائِفًا أَيْ كَإِقْرَارِ مَنْ فِي السِّجْنِ الْخَائِفِ مِنْ الْعَذَابِ وَفِي الْحَقِيقَةِ الْمَخْدُوعُ وَالْخَائِفُ

أَوْ خَائِفًا - وَإِلَّا فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ.

(وَلَا إنْ اُسْتُبْعِدَتْ) الشَّهَادَةُ (كَبَدْوِيٍّ) يَشْهَدُ فِي الْحَضَرِ (لِحَضَرِيٍّ) عَلَى حَضَرِيٍّ بِدَيْنٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَبْعَدُ حُضُورُ الْبَدْوِيِّ فِيهِ دُونَ الْحَضَرِيِّ، فَلَا تُقْبَلُ (بِخِلَافِ إنْ سَمِعَهُ) يُقِرُّ بِشَيْءٍ لِحَضَرِيٍّ، أَوْ رَآهُ يَفْعَلُ بِحَضَرِيٍّ شَيْئًا مِنْ غَصْبٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ إتْلَافِ مَالٍ أَوْ رَآهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُقْصَدُ الْإِشْهَادُ بِهِ عَلَيْهِ، فَيَجُوزُ وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
كَمَا يَجُوزُ فِيمَا يَقَعُ بِالْبَادِيَةِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى حَضَرِيٍّ وَبَدْوِيٍّ.
وَأَمَّا شَهَادَةُ حَضَرِيٍّ عَلَى بَدْوِيٍّ فَفِيهَا خِلَافٌ، وَبِالْجُمْلَةِ فَمَدَارُ الْمَنْعِ عَلَى الِاسْتِبْعَادِ عَادَةً.

[حاشية الصاوي]

لَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ شَهَادَةٌ مُطْلَقًا وَلَوْ قَالَ: اشْهَدُوا عَلَيَّ فَهَذَا التَّقْيِيدُ غَيْرُ ضَرُورِيٍّ.
.

قَوْلُهُ: [وَلَا إنْ اُسْتُبْعِدَتْ] : مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا إنْ حَرَصَ، وَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلْعَدِّ وَالنِّسْبَةِ نَحْوُ اسْتَحْسَنْت كَذَا أَيْ عَدَدْتُهُ حَسَنًا، وَنَسَبْتُهُ لِلْحُسْنِ.
وَفَاعِلُ اسْتَبْعَدَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الشَّهَادَةِ بِمَعْنَى تَحَمَّلَهَا.
قَوْلُهُ: [كَبَدْوِيٍّ يَشْهَدُ فِي الْحَضَرِ] إلَخْ: إنَّمَا مُنِعَتْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَشْهَدُ بَدْوِيٌّ عَلَى حَضَرِيٍّ» وَفِي طَرِيقٍ أُخْرَى: " عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ " فَجُعِلَ هَذَا النَّهْيُ عَلَى مَا فِيهِ اسْتِبْعَادٌ بِالْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَالْمَعْنَى كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ أَنَّهُ إذَا طُلِبَ مِنْ الْبَدْوِيِّ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ فِي الْحَضَرِ لِحَضَرِيٍّ بِدَيْنٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُقْصَدُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ مِنْ سَائِرِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ، وَكَالْوَصِيَّةِ وَالْعِتْقِ فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ إذَا أَدَّاهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَرْكَ إشْهَادِ الْحَضَرِيِّ وَطَلَبَ الْبَدْوِيِّ لِتَحَمُّلِ تِلْكَ الشَّهَادَةِ فِيهِ رِيبَةٌ فَلِلْخَصْمِ التَّجْرِيحُ فِيهِمْ حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ: [فَمَدَارُ الْمَنْعِ عَلَى الِاسْتِبْعَادِ] : أَيْ فَمَتَى حَصَلَ الِاسْتِبْعَادُ مَنَعَ وَلَوْ مِنْ قَرَوِيٍّ لِقَرَوِيٍّ.

(وَلَا) شَهَادَةَ لِشَاهِدٍ (إنْ جَرَّ بِهَا) : أَيْ بِشَهَادَتِهِ (نَفْعًا؛ كَشَهَادَتِهِ بِعِتْقٍ مِنْ) أَيْ عَبْدٍ (يُتَّهَمُ) الشَّاهِدُ (فِي وَلَائِهِ) : كَأَنْ يَشْهَدَ أَنَّ أَبَاهُ مَثَلًا قَدْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فُلَانًا وَفِي الْوَرَثَةِ مَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْوَلَاءِ، كَالْبَنَاتِ وَالزَّوْجَاتِ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ التُّهْمَةُ حَاصِلَةً فِي الْحَالِ، بِأَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ - لَوْ مَاتَ الْآنَ - وَرِثَهُ الشَّاهِدُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ قَدْ يَرْجِعُ إلَيْهِ الْوَلَاءُ بَعْدَ حِينٍ؛ كَمَا لَوْ شَهِدَ أَنَّ أَخَاهُ قَدْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَلِلْأَخِ ابْنٌ، فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ.
كَمَا تُقْبَلُ إذَا كَانَ لَا وَارِثَ مَعَهُ أَوْ مَعَهُ وَارِثٌ يُشَارِكُهُ فِي الْوَلِيِّ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ.

(أَوْ) شَهَادَتِهِ (بِمَالٍ لِمَدِينِهِ) : أَيْ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى أَخْذِ ذَلِكَ الْمَالِ فِي دَيْنِهِ الَّذِي عَلَى الْمَدِينِ، وَقَوْلُنَا: " بِمَالٍ " شَامِلٌ لِلدَّيْنِ وَالْإِرْثِ وَالشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ؛ فَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِ: " بِدَيْنٍ ". وَخَرَجَ بِهِ شَهَادَتُهُ لَهُ بِقَذْفٍ أَوْ بِمُوجِبِ قِصَاصٍ مِنْ جُرْحٍ أَوْ قَتْلٍ، فَتُقْبَلُ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ.
وَمِنْ الشَّهَادَةِ.

[حاشية الصاوي]

[جَرَّ بِشَهَادَتِهِ نَفْعًا]

قَوْلُهُ: [وَلَا شَهَادَةَ لِشَاهِدٍ] : لَا نَافِيَةُ لِلْجِنْسِ وَشَهَادَةُ اسْمُهَا وَلِشَاهِدٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرُهَا تَقْدِيرُهُ مُعْتَبَرَةٌ أَوْ مَقْبُولَةٌ.
قَوْلُهُ: [فِي وَلَائِهِ] : أَيْ فِي أَخْذِ مَالِهِ بِالْوَلَاءِ.
قَوْلُهُ: [كَالْبَنَاتِ وَالزَّوْجَاتِ] : إنَّمَا لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ حَقٌّ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا تَرِثُهُ إلَّا الذُّكُورُ.
قَوْلُهُ: [وَرِثَهُ الشَّاهِدُ] : أَيْ لِعَدَمِ وُجُودِ وَارِثٍ مِنْ الْعَصَبِ لِذَلِكَ الْعَتِيقِ.
قَوْلُهُ: [وَلِلْأَخِ ابْنٌ] : مِثْلُهُ لَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى أَبِيهِ وَكَانَ لِلْمَعْتُوقِ وَارِثٌ مِنْ عَصِيبِهِ.
قَوْلُهُ: [يُشَارِكُهُ فِي الْوَلِيِّ] : نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ هُنَا بِالْيَاءِ بَعْدَ اللَّامِ وَحَقُّهَا الْأَلِفُ بَعْدَ اللَّامِ لِأَنَّ الْوَلَاءَ مَمْدُودٌ لَا مَقْصُورٌ، أَيْ وَقَدْ اسْتَوَى ثُبُوتُ عِتْقِهِ وَعَدَمِهِ عِنْدَ الشَّاهِدِ وَأَمَّا لَوْ كَانَ فِي ثُبُوتِ الْعِتْقِ مَزِيَّةٌ كَمَا لَوْ كَانَ إنْ بَقِيَ رِقُّهُ صَارَ لَهُ فِي الْعَبْدِ الرُّبْعُ مَثَلًا، وَإِنْ ثَبَتَ عِتْقُهُ كَانَ لَهُ النِّصْفُ فِي الْوَلَاءِ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْوَرَثَةُ أَرْبَعَ بَنَاتٍ وَابْنَيْنِ هُوَ أَحَدُهُمَا فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِحُصُولِ التُّهْمَةِ

قَوْلُهُ: [أَيْ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ] : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الدَّيْنَ حَالٌّ أَوْ قَرِيبٌ مِنْ الْحُلُولِ وَالْمَدِينُ مُعْسِرٌ وَإِلَّا فَلَا تُهْمَةَ.
قَوْلُهُ: [أَوْ بِمُوجِبِ قِصَاصٍ] : أَيْ وَأَمَّا بِمُوجِبِ دِيَةٍ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي شَهَادَتِهِ لَهُ بِالْمَالِ

الْجَارَّةِ نَفْعًا: شَهَادَةُ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ لِلْمُنْفِقِ، بِخِلَافِ شَهَادَةِ الْمُنْفِقِ لِمُنْفَقٍ عَلَيْهِ.

(وَلَا) شَهَادَةَ لِشَاهِدٍ (إنْ دَفَعَ بِهَا) : أَيْ بِشَهَادَتِهِ ضَرَرًا (كَشَهَادَةِ بَعْضِ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ) خَطَأً، لِأَنَّهُ دَفَعَ بِهَا الْغُرْمَ فِي الدِّيَةِ عَنْ نَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدِيمًا لَا يَلْزَمُهُ مِنْ الدِّيَةِ شَيْءٌ فَتَجُوزُ.

(أَوْ) شَهَادَةَ (مَدِينٍ مُعْسِرٍ لِرَبِّهِ) : أَيْ لِرَبِّ الدَّيْنِ بِمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ فَلَا تُقْبَلُ لِاتِّهَامِهِ عَلَى دَفْعِ ضَرَرِ مُطَالَبَةِ رَبِّ الدَّيْنِ لَهُ بِدَيْنِهِ.
وَلِذَا لَوْ ثَبَتَ عُسْرُهُ عِنْدَ حَاكِمٍ جَازَتْ لِعَدَمِ الْمُطَالَبَةِ.
كَمَا تَجُوزُ مِنْ الْمَلِيءِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْوَفَاءِ.

(وَلَا) شَهَادَةَ لِشَاهِدٍ (إنْ شَهِدَ) لِشَخْصٍ (بِاسْتِحْقَاقٍ) لِشَيْءٍ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ شَهَادَةِ الْمُنْفِقِ لِمُنْفَقٍ عَلَيْهِ] : أَيْ نَفَقَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ أَصَالَةً.
وَأَمَّا مَنْ نَفَقَتُهُ وَاجِبَةٌ أَصَالَةً فَقَدْ مَرَّ أَنَّهَا مُمْتَنِعَةٌ لِأَجْلِ الْقَرَابَةِ، قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ مِنْ قَرَابَةِ الشَّاهِدِ كَالْأَخِ وَنَحْوِهِ يَنْبَغِي أَلَّا تَجُوزَ شَهَادَتُهُ لَهُ بِمَالٍ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ لَا تَلْزَمُهُ فَإِنَّهُ يَلْحَقُهُ بِعَدَمِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ مَعَرَّةٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ أَجْنَبِيًّا مِنْ الشَّاهِدِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ، الصَّقَلِّيُّ: هَذَا اسْتِحْسَانٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ وَالْقَرِيبِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ (اهـ كَذَا فِي بْن) . وَاعْلَمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْمُصَنِّفِ تُقَيَّدُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ وَإِلَّا كَانَ دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ: أَوْ بِمَالٍ لِمَدِينِهِ وَكَمَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِلْمُنْفَقِ عَلَيْهِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ بِقَتْلٍ أَوْ زِنًا وَهُوَ مُحْصَنٌ، لِضَعْفِ التُّهْمَةِ لِكَوْنِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ غَيْرَ وَاجِبَةٍ أَصَالَةً.

قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَكُونَ عَدِيمًا] : هَذَا الْقَيْدُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَإِطْلَاقُ الْخَرَشِيِّ ضَعِيفٌ كَمَا أَفَادَهُ (بْن) .

[شَهَادَة مدين مُعْسِر لِرَبِّ الدِّين]

قَوْلُهُ: [أَوْ شَهَادَةُ مَدِينٍ مُعْسِرٍ] : أَيْ وَلَمْ يَثْبُتْ عُسْرُهُ وَإِلَّا قُبِلَتْ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [بِمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ] : أَيْ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِالْمَالِ فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: [كَمَا تَجُوزُ مِنْ الْمَلِيءِ] : أَيْ الَّذِي لَا يَتَضَرَّرُ بِالدَّفْعِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَدِينِ الَّذِي لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِرَبِّ الدَّيْنِ مَنْ كَانَ يَتَضَرَّرُ بِأَخْذِ الدَّيْنِ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ ثَابِتَ الْعُسْرِ أَوْ مَلِيًّا لَا يَتَضَرَّرُ انْتَفَتْ التُّهْمَةُ.

(وَقَالَ فِي شَهَادَتِهِ بِاسْتِحْقَاقِهِ) : (أَنَا بِعْتُهُ لَهُ) لِاتِّهَامِهِ عَلَى رُجُوعِ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ لَوْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ؛ فَهُوَ مِنْ أَمْثِلَةِ الدَّفْعِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عِلَّةُ الْمَنْعِ أَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ النَّفْسِ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ الْعَطْفِ بِ " لَا ". وَإِلَّا لَقَالَ: أَوْ شَهِدَ إلَخْ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ، لَوْ قَالَ: وَأَنَا وَهَبْتُهُ لَهُ، أَوْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَيْهِ، لَقُبِلَ لِعَدَمِ رُجُوعِ الْمُشْتَرِي.
بِخِلَافِهِ عَلَى الثَّانِي لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى فِعْلِ النَّفْسِ.
قَالَ الْمُحَشِّي: أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَالنَّقْلُ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ بِالشَّهَادَةِ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ، لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ بِالشِّرَاءِ حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ بِمِلْكِ الْبَائِعِ لَهُ، فَإِذَا قَالَ: أَنَا بِعْتُهُ أَوْ وَهَبْتُهُ، فَقَدْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِمِلْكِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ، وَحِينَئِذٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ " بِعْتُهُ " أَوْ " وَهَبْتُهُ " - اُنْظُرْ ابْنَ مَرْزُوقٍ وَغَيْرَهُ (اهـ) .

(وَلَا) شَهَادَةَ تُقْبَلُ (إنْ حَدَثَ) لِلشَّاهِدِ (فِسْقٌ بَعْدَ الْإِدْلَاءِ) عِنْدَ الْحَاكِمِ (وَقَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا) لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ كَامِنًا فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ حَدَثَ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [لِاتِّهَامِهِ عَلَى رُجُوعِ الْمُشْتَرِي] : هَذَا التَّعْلِيلُ لِلْأُجْهُورِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ.
قَوْلُهُ: [وَقَالَ بَعْضُهُمْ] : أَيْ نَقْلًا عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ الْعَطْفِ بِلَا] : أَيْ فَيُقْضَى بِأَنَّهُ مَبْحَثٌ آخَرُ.
قَوْلُهُ: [وَعَلَى الْأَوَّلِ] : أَيْ التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ لِلْأُجْهُورِيِّ.
قَوْلُهُ: [قَالَ الْمُحَشِّي] : الْمُرَادُ بِهِ (بْن) وَمَا قَالَهُ مَحَلُّ مَأْخَذِ التَّعْلِيلِ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: [فَقَدْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِمِلْكِ ذَلِكَ الشَّيْءِ] : أَيْ فَهِيَ دَعْوَى مِنْهُ تَحْتَاجُ لِبَيِّنَةٍ مِنْهُ عَلَى إثْبَاتِ ذَلِكَ الْمِلْكِ.

[فَسَقٍ الشَّاهِد بَعْد الْإِدْلَاء بِشَهَادَتِهِ وَقَبْل الْحُكْمِ بِهَا]

قَوْلُهُ: [إنْ حَدَثَ لِلشَّاهِدِ فِسْقٌ] : أَيْ ثَبَتَ حُدُوثُ فِسْقٍ، وَأَمَّا التُّهْمَةُ بِحُدُوثِهِ فَلَا تَضُرُّ.
قَوْلُهُ: [لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ كَامِنًا] : لِهَذَا التَّعْلِيلِ قَيَّدَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ بِالْفِسْقِ الَّذِي يَسْتَتِرُ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ كَشُرْبِ خَمْرٍ وَزِنًا، لَا نَحْوُ قَتْلٍ وَقَذْفٍ، وَاخْتَارَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الشُّيُوخِ، وَلَكِنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ الْإِطْلَاقُ، وَعَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ وَيَقُولَانِ رَأَيْنَاهُ يَطَؤُهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ وَكَانَتْ شَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةً؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمَا ذَلِكَ قَذْفٌ لِعَدَمِ تَمَامِ شُهُودِ الزِّنَا، وَقَدْ حَكَى (ح) خِلَافًا.

بَعْدَ الْحُكْمِ مَضَى وَلَا يُنْقَضُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ثَبَتَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا مَثَلًا قَبْلَ الْأَدَاءِ فَيُنْقَضُ.
(بِخِلَافِ حُدُوثِ عَدَاوَةٍ) بَعْدَ الْأَدَاءِ، فَلَا يَضُرُّ إنْ تَحَقَّقَ حُدُوثُهَا، وَإِلَّا مُنِعَتْ؛ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّاهِدُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْأَدَاءِ مُخَاصِمًا: تَتَّهِمُنِي وَتُشَبِّهُنِي بِالْمَجَانِينِ؟ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَدَاوَةَ سَابِقَةٌ عَلَى الْأَدَاءِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ سَابِقًا.
(وَ) بِخِلَافِ (احْتِمَالِ جَرٍّ) بَعْدَ الْأَدَاءِ فَلَا يَضُرُّ، كَشَهَادَتِهِ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ الْحُكْمِ، أَوْ شَهِدَ لَهَا بِحَقٍّ عَلَى شَخْصٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا.
(أَوْ) احْتِمَالِ (دَفْعٍ) بَعْدَ الْأَدَاءِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ؛ كَشَهَادَتِهِ بِفِسْقِ رَجُلٍ، ثُمَّ شَهِدَ الرَّجُلُ عَلَى آخَرَ بِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا خَطَأً وَالشَّاهِدُ عَلَيْهِ بِالْفِسْقِ مِنْ عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ فَلَا تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ بِفِسْقِهِ.

[حاشية الصاوي]

فِي حَدِّهِمَا نَظَرًا لِكَوْنِهِ قَذْفًا وَعَدَمِهِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ لَمَّا بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا بِالطَّلَاقِ لَمْ يَكُنْ الْمَرْمِيُّ بِهِ زِنًا.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا مَنَعَتْ] : الْفَاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْعَدَاوَةِ، وَالْمَعْنَى وَإِلَّا يَتَحَقَّقْ حُدُوثُ الْعَدَاوَةِ بَلْ احْتَمَلَ تَقَدُّمُهَا عَلَى الْأَدَاءِ فَإِنَّهَا تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ.
قَوْلُهُ: [مُخَاصِمًا] : أَيْ لَا شَاكِيًا لِلنَّاسِ مَا فَعَلَ بِهِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُمْ اُنْظُرُوا مَا فَعَلَ مَعِي وَمَا قَالَ فِي حَقِّي فَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي شَهَادَتِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ هَذَا التَّقْيِيدِ تَبِعَ فِيهِ خَلِيلًا وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ، وَلِابْنِ الْمَاجِشُونِ تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ كَوْنِهِ شَاكِيًا أَوْ مُخَاصِمًا وَصَوَّبَهُ ابْنُ رُشْدٍ.
قَوْلُهُ: [كَشَهَادَةٍ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ] إلَخْ: أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ خَطَبَهَا قَبْلَ زَوَاجِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِطَلَاقِهِمَا وَإِلَّا رُدَّتْ شَهَادَتُهُ.
قَوْلُهُ: [قَبْلَ الْحُكْمِ] : الصَّوَابُ حَذْفُهُ أَوْ يُؤَخِّرُهُ بَعْدَ الْمِثَالِ الثَّانِي، لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى زَوَاجُهُ لَهَا قَبْلَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الزَّوْجَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يُنَاكِرُ فِي الطَّلَاقِ وَهُوَ مُسْتَرْسِلٌ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: [وَقَبْلَ الْحُكْمِ] : أَيْ وَأَوْلَى بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: [فَلَا تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ بِفِسْقِهِ] : أَيْ لِبُعْدِ التُّهْمَةِ.

(وَ) بِخِلَافِ (شَهَادَةِ كُلٍّ) مِنْ الشَّاهِدَيْنِ لِلْآخَرِ بِحَقٍّ وَلَوْ بِالْمَجْلِسِ، فَلَا تَضُرُّ، إلَّا أَنْ تَظْهَرَ تُهْمَةُ الْمُكَافَأَةِ.

(وَ) بِخِلَافِ شَهَادَةِ (الْقَافِلَةِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِي حِرَابَةٍ) عَلَى مَنْ حَارَبَهُمْ؛ فَلَا تَضُرُّ، وَلَا يُلْتَفَتُ لِلْعَدَاوَةِ الطَّارِئَةِ بَيْنَهُمْ بِالْحِرَابَةِ لِلضَّرُورَةِ، وَسَوَاءٌ شَهِدَ لِصَاحِبِهِ بِمَالٍ أَوْ نَفْسٍ.

(وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةٌ (إنْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِكَثِيرٍ) مِنْ الْمَالِ عُرْفًا (وَشَهِدَ لِغَيْرِهِ) بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ (بِوَصِيَّةٍ) : أَيْ فِي وَصِيَّةٍ كَأَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ أَوْصَى لِي بِخَمْسِينَ دِينَارًا وَلِزَيْدٍ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَلَا تَصِحُّ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ لِتُهْمَةِ جَرِّ النَّفْعِ لِنَفْسِهِ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِقَلِيلٍ أَيْ تَافِهٍ وَلِغَيْرِهِ بِقَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ (قَبْلَ) مَا شَهِدَ بِهِ (لَهُمَا) مَعًا: أَيْ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا هَذَا الشَّاهِدُ حَلَفَ الْغَيْرُ مَعَهُ وَاسْتَحَقَّ وَصِيَّتَهُ وَلَا يَمِينَ عَلَى الشَّاهِدِ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَبِخِلَافِ شَهَادَةِ الْقَافِلَةِ] : أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ الشُّهُودَ فِيهَا عُدُولٌ كَمَا قَيَّدَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِلتَّتَّائِيِّ.
قَوْلُهُ: [عَلَى مَنْ حَارَبَهُمْ] : أَيْ وَأَمَّا شَهَادَةُ الْقَافِلَةِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ فِي الْمُعَامَلَاتِ فَنَقَلَ الْمَوَّاقُ رِوَايَةَ الْأَخَوَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ إجَازَتَهَا لِلضَّرُورَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ عَدَالَةٌ وَحُرِّيَّةٌ مُحَقَّقَةٌ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ وَعَلَيْهِ شَرْحُ صَاحِبِ التُّحْفَةِ حَيْثُ قَالَ: وَمَنْ عَلَيْهِ وَسْمُ خَيْرٍ قَدْ ظَهَرَ ... زُكِّيَ إلَّا فِي ضَرُورَةِ السَّفَرِ كَذَا فِي (بْن) .

قَوْلُهُ: [فَلَا تَصِحُّ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ] : أَيْ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا بَطَلَ بَعْضُهَا بَطَلَ كُلُّهَا، بِخِلَافِ مَا بَطَلَ بَعْضُهَا لِلسَّنَةِ فَإِنَّهُ يَمْضِي مِنْهَا مَا أَجَازَتْهُ فَقَطْ كَشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ بِوَصِيَّةٍ بِعِتْقٍ وَبِمَالٍ فَإِنَّهَا تُرَدُّ فِي الْعِتْقِ لَا فِي الْمَالِ.
قَوْلُهُ: [حَلَفَ الْغَيْرُ مَعَهُ] : إنْ كَانَ مُعَيَّنًا كَزَيْدٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ كَمَا إذَا كَانَ الْغَيْرُ هُمْ الْفُقَرَاءُ فَلَا يَتَأَتَّى مِنْهُمْ يَمِينٌ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ شَاهِدٌ ثَانٍ لَا شَيْءَ لَهُمْ وَلَا لَهُ لِتَوَقُّفِ نُفُوذِهَا عَلَى الْيَمِينِ أَوْ شَاهِدٌ ثَانٍ وَلَمْ يُوجَدْ وَانْظُرْ فِي ذَلِكَ.

تَبَعًا لِلْحَالِفِ، فَإِنْ نَكَلَ الْغَيْرُ فَلَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَهَذَا إذَا كَتَبَ الْوَصِيَّةَ بِكِتَابٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ خَطِّ الشَّاهِدِ، فَإِنْ كَتَبَ بِخَطِّ الشَّاهِدِ - أَوْ لَمْ تُكْتَبْ أَصْلًا - قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لِغَيْرِهِ لَا لِنَفْسِهِ.
وَكَذَا إنْ كَتَبَ بِكِتَابَيْنِ أَحَدُهُمَا لِلشَّاهِدِ وَالثَّانِي لِلْآخَرِ، فَلَا تَصِحُّ لَهُ وَتَصِحُّ لِلْآخَرِ لِعَدَمِ التَّبَعِيَّةِ حِينَئِذٍ وَأَمَّا شَهَادَتُهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فِي غَيْرِ وَصِيَّةٍ كَدَيْنٍ فَلَا تُقْبَلُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ مُطْلَقًا لِتُهْمَةِ جَرِّ النَّفْعِ لِنَفْسِهِ.

(وَلَا) شَهَادَةَ لِشَاهِدٍ (إنْ تَعَصَّبَ) : أَيْ اُتُّهِمَ بِالْعَصَبِيَّةِ وَالْحَمِيَّةِ لِكَوْنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مِنْ قَبِيلَةٍ تَكْرَهُ قَبِيلَةَ الشَّاهِدِ؛ كَمَا يَقَعُ لِلتُّرْكِ مَعَ أَبْنَاءِ الْعَرَبِ.

(وَلَا) شَهَادَةَ (لِمُمَاطِلٍ) : وَهُوَ مَنْ يُؤَخِّرُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ بَعْدَ الطَّلَبِ بِلَا عُذْرٍ شَرْعِيٍّ لِظُلْمِهِ وَفِي الْحَدِيثِ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» .

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [تَبَعًا لِلْحَالِفِ] : أَيْ الَّذِي هُوَ الْمَشْهُودُ لَهُ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ لِيَسَارَتِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَنْظُورٍ إلَيْهِ.
وَبِهَا يُلْغَزُ فَيُقَال دَعْوَى أُخِذَتْ بِشَاهِدٍ بِلَا يَمِينٍ أَوْ يُقَالُ شَيْءٌ أُخِذَ مِنْ مَالِ الْغَيْرِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى أَوْ يُقَالُ شَهَادَةٌ لِلنَّفْسِ مَضَتْ.
قَوْلُهُ: [فَلَا تُقْبَلُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ مُطْلَقًا] : أَيْ سَوَاءٌ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِكَثِيرٍ أَوْ بِقَلِيلٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَغَيْرِهَا أَنَّ الْمُوصِيَ قَدْ يَخْشَى مُعَاجَلَةَ الْمَوْتِ وَلَا يَجِدُ حَاضِرًا غَيْرَ الْمُوصَى لَهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ

قَوْلُهُ: [كَمَا يَقَعُ لِلتُّرْكِ مَعَ أَبْنَاءِ الْعَرَبِ] : هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ خَلِيلٌ لَا الْمَجْلُوبِينَ إلَّا كَعِشْرِينَ.
قَالَ: الْأَصْلُ الْمُرَادُ بِالْمَجْلُوبِينَ قَوْمٌ مِنْ الْجُنْدِ يُرْسِلُهُمْ السُّلْطَانُ أَوْ نَائِبُهُ لِسَدِّ ثَغْرٍ أَوْ حِرَاسَةِ قَرْيَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَعَلَّلَ الْمَنْعَ بِحَمِيَّةِ الْبَلَدِيَّةِ وَلَعَلَّ هَذَا بِاعْتِبَارِ الْقُرُونِ الْأُولَى، وَأَمَّا الْمُشَاهَدُ فِيهِمْ الْآنَ فَحَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ وَشِدَّةُ التَّعَصُّبِ عَلَى أُمَّةِ خَيْرِ الْبَرِّيَّةِ قَاسِيَةً قُلُوبُهُمْ فَاشِيَّةً عُيُوبُهُمْ فَأَنَّى تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ شَرْعًا وَلَكِنَّهُمْ يُمْضُونَهَا طَبْعًا (اهـ بِحُرُوفِهِ) .

[شَهَادَة المماطل]

قَوْلُهُ: [وَلَا شَهَادَةَ لِمُمَاطِلٍ] : أَيْ لِأَنَّ الْمَطْلَ قَادِحٌ مِنْ مُبْطِلَاتِ الشَّهَادَةِ لِكَوْنِهِ يَصِيرُ بِهِ فَاسِقًا وَقَيَّدَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِمَا إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ.

(وَ) لَا (حَالِفٍ) : أَيْ مِنْ شَأْنِهِ الْحَلِفُ (بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ) لِأَنَّهُ مِنْ يَمِينِ الْفُسَّاقِ.
(وَلَا) شَهَادَةَ لِشَاهِدٍ (بِالْتِفَاتٍ) : أَيْ بِسَبَبِ الْتِفَاتِهِ (فِي صَلَاةٍ أَوْ تَأْخِيرِهَا عَنْ وَقْتِهَا) الِاخْتِيَارِيِّ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اكْتِرَاثِهِ بِهَا فَلَا اكْتِرَاثَ لَهُ بِغَيْرِهَا بِالْأَوْلَى (أَوْ) عَدَمِ إحْكَامِ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ.
(أَوْ زَكَاةٍ لِمَنْ لَزِمَتْهُ) ، وَمِنْهُ: التَّسَاهُلُ فِيهَا، وَكَذَا الصَّوْمُ وَالْحَجُّ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ مِنْ يَمِينِ الْفُسَّاقِ] : أَيْ وَيُؤَدَّبُ الْحَالِفُ بِهِ قَالَ بْن الْأَدَبُ فِي ذَلِكَ وَاجِبٌ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» وَمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَحْلِفُوا بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَإِنَّهُمَا مِنْ أَيْمَانِ الْفُسَّاقِ» . وَالثَّانِي أَنَّ مَنْ اعْتَادَ الْحَلِفَ بِهِ لَمْ يَكُنْ سَالِمًا مِنْ الْحِنْثِ فِيهِ فَتَكُونُ زَوْجَتُهُ تَحْتَهُ مُطَلَّقَةً مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، وَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنَّ مَنْ لَازَمَ ذَلِكَ وَاعْتَادَهُ فَهُوَ جُرْحَةٌ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ حِنْثُهُ، وَقِيلَ لِمَالِكٍ: إنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَ أَنْ يُضْرَبَ فِي ذَلِكَ عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ، فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنَ إذْ أَمَرَ فِيهِ بِالضَّرْبِ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ أَنْ يُضْرَبَ فِي ذَلِكَ أَرْبَعِينَ سَوْطًا (اهـ) . قَوْلُهُ: [بِالْتِفَاتٍ] : أَيْ حَيْثُ كَثُرَ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَعُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا فَرَّقَ بَيْنَ كَوْنِ الصَّلَاةِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا.
قَوْلُهُ: [أَوْ تَأْخِيرِهَا عَنْ وَقْتِهَا] : هَذَا خَاصٌّ بِالْفَرْضِ فَفِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ اسْتِخْدَامٌ.
قَوْلُهُ: [وَمِنْهُ التَّسَاهُلُ فِيهَا] : أَيْ فِي الزَّكَاةِ بِأَنْ يُؤَخِّرَ إخْرَاجَهَا عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ أَوْ يُخْرِجَ بَعْضَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ دُونَ بَعْضٍ.

[شَهَادَة الْأَقْلَف]

1 تَنْبِيهٌ: الْأَقْلَفُ الَّذِي لَا عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِ الْخِتَانِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِإِخْلَالِ ذَلِكَ بِالْمُرُوءَةِ.
قَوْلُهُ: [وَالْحَجُّ] : أَيْ فَإِذَا كَانَ كَثِيرَ الْمَالِ قَوِيًّا عَلَى الْحَجِّ وَطَالَ زَمَنُ تَرْكِهِ لَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فِي الطَّرِيقِ كَانَ ذَلِكَ جُرْحَةً فِي شَهَادَتِهِ كَمَا قَالَ سَحْنُونَ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ طُولُ زَمَانِ التَّرْكِ لِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي.

وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ بِحَقٍّ لَدَى حَاكِمٍ أَوْ مُحَكَّمٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعْذَارِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) إذَا أَعْذَرَ لَهُ (قُدِحَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ: أَيْ جَازَ الْقَدْحُ.
وَقُبِلَ (فِي) الشَّاهِدِ (الْمُتَوَسِّطِ) فِي الْعَدَالَةِ - وَهُوَ مَا لَيْسَ بِمُبَرَّزٍ فِيهَا - (بِكُلِّ قَادِحٍ) مِنْ تَجْرِيحٍ، أَوْ قَرَابَةٍ، أَوْ عَدَاوَةٍ، أَوْ كَوْنِهِ فِي عِيَالِ الْمَشْهُودِ لَهُ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا مَرَّ.

(وَ) قُدِحَ (فِي الْمُبَرَّزِ) بِالْعَدَالَةِ (بِعَدَاوَةٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ إجْرَاءِ نَفَقَةٍ عَلَيْهِ) مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ.
(وَإِنْ) ثَبَتَ الْقَدْحُ (مِنْ دُونِهِ) : أَيْ مِنْ دُونِ الْمُبَرَّزِ فِي الْعَدَالَةِ؛ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَادِحِ فِي مُبَرَّزٍ أَنْ يَكُونَ مُبَرَّزًا مِثْلَهُ.
وَأَمَّا لَوْ قُدِحَ فِي الْمُبَرَّزِ بِغَيْرِ عَدَاوَةٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ نَفَقَةٍ فَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ الْقَدْحُ إذَا أَرَادَ الْقَادِحُ إثْبَاتَهُ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ: يُقْبَلُ مِنْهُ الْقَدْحُ بِغَيْرِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَيْضًا، وَارْتَضَاهُ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ، فَهُوَ كَالْمُتَوَسِّطِ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ مِمَّا يَكْتُمُهُ الْإِنْسَانُ فَلَا يَكَادُ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا الْقَلِيلُ مِنْ النَّاسِ.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَا) يُقْدَحُ فِي الْمُبَرَّزِ (بِغَيْرِهَا) : أَيْ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (عَلَى الْأَرْجَحِ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا إذَا صَرَّحَ بِالْجُرْحِ فَإِنْ قَالَ الْمُجَرِّحُ: هُوَ غَيْرُ عَدْلٍ أَوْ غَيْرُ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُجَرِّحُ مُبَرَّزًا عَارِفًا بِوُجُوهِ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ] إلَخْ: دُخُولٌ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ] : أَيْ كَجَرِّ الْمَنْفَعَةِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّةِ وَالْعَصَبِيَّةِ.

[الْقَدَح فِي الشُّهُود وَتَزْكِيَتهمْ]

قَوْلُهُ: [بِعَدَاوَةٍ] : أَيْ دُنْيَوِيَّةٍ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: [أَوْ قَرَابَةٍ] : أَيْ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُجَرِّحُ مُبَرَّزًا] : حَاصِلُهُ أَنَّ مُطَرِّفًا يَقُولُ: إنَّ الْمُبَرَّزَ يُجَرِّحُهُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ، وَلَوْ بِالْفِسْقِ، وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ.
وَأَمَّا سَحْنُونَ فَهُوَ وَإِنْ قَالَ: الْمُبَرَّزُ يُجَرَّحُ بِالْفِسْقِ لَكِنْ يَقُولُ لَا يُجَرَّحُ إلَّا مُبَرَّزٌ فِي الْعَدَالَةِ مِثْلُهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمَحَلُّ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ إذَا نَصُّوا عَلَى الْجُرْحَةِ، وَأَمَّا لَوْ قَالُوا: هُوَ غَيْرُ عَدْلٍ وَلَا جَائِزِ الشَّهَادَةِ فَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ الْمُبَرَّزِينَ فِي الْعَدَالَةِ الْعَارِفِينَ

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ التَّزْكِيَةُ، وَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَدْ قَدَّمَهُ عَمَّا هُنَا - وَذِكْرُهُ هُنَا أَنْسَبُ - فَقَالَ: (وَإِنَّمَا يُزَكِّي) الشُّهُودَ (مُبَرَّزٌ) : فِي الْعَدَالَةِ، لَا مُطْلَقَ عَدْلٍ، وَإِلَّا لَاحْتَاجَ لِمَنْ يُعَدِّلُهُ أَيْضًا وَيَتَسَلْسَلُ (مَعْرُوفٌ) عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ، كَأَنْ يَعْرِفَهُ الْعُدُولُ عِنْدَهُ وَيُخْبِرُوهُ بِأَنَّهُ مُبَرَّزٌ (عَارِفٌ) بِأَحْوَالِ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ (فَطِنٌ) : أَيْ نَبِيهٌ (لَا يُخْدَعُ) فِي عَقْلِهِ كَالتَّفْسِيرِ لِفَطِنٍ: أَيْ لَا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ أَحْوَالُ النَّاسِ الْمُمَوَّهَةِ الظَّاهِرِ بِإِظْهَارِ الصَّلَاحِ، وَلَا يَغْتَرُّ بِظَاهِرِ حَالِهِمْ مَعَ مُخَالِفَتِهَا لِسَرَائِرِهِمْ، كَمَا يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ.
(مُعْتَمِدٌ) فِي مَعْرِفَةِ أَحْوَالِهِمْ (عَلَى طُولِ عِشْرَةٍ) لِمَنْ يُزَكِّيهِ وَلَا سِيَّمَا إذَا انْضَمَّ إلَيْهَا سَفَرُهُ مَعَهُ، لِأَنَّ مُجَرَّدَ الصُّحْبَةِ لَا تُفِيدُ مَعْرِفَةَ أَحْوَالِ الصَّاحِبِ (مِنْ أَهْلِ سُوقِهِ؛ أَوْ) أَهْلِ (مَحَلَّتِهِ) : فَالْمُزَكِّي إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ سُوقِهِ وَلَا مَحَلَّتِهِ تُوجِبُ الرِّيبَةَ فِي الشَّاهِدِ، حَيْثُ زَكَّاهُ الْبَعِيدُ مَعَ وُجُودِ أَهْلِ سُوقِهِ وَمَحَلَّتِهِ (إلَّا لِعُذْرٍ) : كَأَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ السُّوقِ وَلَا مَحَلَّتِهِ مَنْ يَصْلُحُ لِلتَّزْكِيَةِ بِأَنْ قَامَ مَانِعٌ مِنْ عَدَمِ التَّبْرِيزِ أَوْ عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ عَدَاوَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَمِنْ

[حاشية الصاوي]

بِوُجُوهِ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ اتِّفَاقًا اُنْظُرْ (بْن) .

[مِنْ يَصِحّ مِنْهُ التَّزْكِيَة]

قَوْلُهُ: [مَعْرُوفٌ] : صِفَةٌ لِمُبَرَّزٍ.
قَوْلُهُ: [عَلَى طُولِ عِشْرَةٍ] : أَيْ وَيَرْجِعُ فِي طُولِهَا لِلْعُرْفِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ أَهْلِ سُوقِهِ أَوْ أَهْلِ مَحَلَّتِهِ] : أَيْ الْعَارِفِينَ بِهِ وَأَشْعَرَ الْإِتْيَانَ بِأَوْصَافِ الْمُزَكَّى مُذَكَّرًا أَنَّ النِّسَاءَ لَا تَقْبَلُ تَزْكِيَتَهُنَّ لَا لِرِجَالٍ وَلَا لِنِسَاءٍ وَلَوْ فِيمَا يَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ كَمَا فِي (عب) . قَوْلُهُ: [فَالْمُزَكِّي] : الْمُنَاسِبُ فَالتَّزْكِيَةُ لِأَجْلِ الْإِخْبَارِ بِقَوْلِهِ تُوجِبُ الرِّيبَةَ.

مُتَعَدِّدٍ) وَلَا يَكْفِي فِيهَا الْوَاحِدُ.
نَعَمْ تَزْكِيَةُ السِّرِّ يَكْفِي فِيهَا الْوَاحِدُ وَتَصِحُّ التَّزْكِيَةُ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ (وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ) الْمُزَكِّي (الِاسْمَ) : أَيْ اسْمَ الشَّاهِدِ الَّذِي زَكَّاهُ؛ لِأَنَّ مَدَارَهَا عَلَى مَعْرِفَةِ الذَّاتِ وَالْأَحْوَالِ (بِأَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا) : أَيْ أَنَّ التَّزْكِيَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِهَذَا الْقَوْلِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنْ حَذَفَ وَاحِدًا مِنْهَا لَمْ يَكْفِ أَوْ أَبْدَلَهُ بِمُرَادِفِهِ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: إنْ قَالَ: هُوَ عَدْلٌ رِضًا كَفَى، وَقَالَ ابْنُ مَرْزُوقٍ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى عَدْلٍ أَوْ عَلَى رِضًا كَفَى.
وَالْأَرْجَحُ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ - ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ.
(وَوَجَبَتْ) التَّزْكِيَةُ (إنْ بَطَلَ حَقٌّ) بِتَرْكِهَا (أَوْ ثَبَتَ بَاطِلٌ) . كَالتَّجْرِيحِ لِلشَّاهِدِ يَجِبُ إنْ ثَبَتَ بِتَرْكِهِ بَاطِلٌ أَوْ بَطَلَ حَقٌّ.
(وَهُوَ) : أَيْ التَّجْرِيحُ (يُقَدَّمُ) عَلَى التَّعْدِيلِ: يَعْنِي أَنَّ بَيِّنَةَ التَّجْرِيحِ تُقَدَّمُ عَلَى بَيِّنَةِ التَّعْدِيلِ؛ لِأَنَّهَا حَفِظَتْ مَا لَمْ تَحْفَظْهُ بَيِّنَةُ التَّعْدِيلِ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [نَعَمْ تَزْكِيَةُ السِّرِّ يَكْفِي فِيهَا الْوَاحِدُ] : أَيْ وَالتَّعَدُّدُ فِيهَا مَنْدُوبٌ عَلَى الرَّاجِحِ كَمَا فِي (بْن) وَيَفْتَرِقَانِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ مُزَكِّي السِّرِّ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّبْرِيزُ، بَلْ الْمَدَارُ عَلَى عِلْمِ الْقَاضِي بِعَدَالَتِهِ وَلَا يُعْذَرُ فِيهِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إذَا عَدَلَ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي كَمَا مَرَّ.
بِخِلَافِ مُزَكِّي الْعَلَانِيَةِ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: [إنَّمَا تَكُونُ بِهَذَا الْقَوْلِ] : أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] . قَوْلُهُ: [وَالْأَرْجَحُ مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ] : أَيْ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ عَدْلٍ وَرِضًا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ أَشْهِدْ.
قَوْلُهُ: [وَوَجَبَتْ التَّزْكِيَةُ] : أَيْ الشَّهَادَةُ بِهَا.
قَوْلُهُ: [تُقَدَّمُ عَلَى بَيِّنَةِ التَّعْدِيلِ] : أَيْ وَلَوْ كَانَتْ بَيِّنَةُ التَّعْدِيلِ أَعْدَلَ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى الْأَشْهَرِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهَا حَفِظَتْ مَا لَمْ تَحْفَظْهُ بَيِّنَةُ التَّعْدِيلِ] : أَيْ وَذَلِكَ لِأَنَّ بَيِّنَةَ التَّعْدِيلِ تَحْكِي عَنْ ظَاهِرِ الْحَالِ وَالْمُجَرَّحَةُ تُخْبِرُ عَمَّا خَفِيَ فَهِيَ أَزْيَدُ عِلْمًا

فِي النَّاسِ الْجَرْحُ لَا الْعَدَالَةُ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ، بَلْ وُجُودُ الْعَدْلِ فِي زَمَانِنَا هَذَا نَادِرٌ جِدًّا.

(وَجَازَ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) : اعْلَمْ أَنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ الْأَصْلُ فِيهَا عَدَمُ الْجَوَازِ فِي كُلِّ شَيْءٍ لِعَدَمِ الْعَدَالَةِ وَالضَّبْطِ فِيهِمْ، إلَّا أَنَّ أَئِمَّتَنَا جَوَّزُوهَا فِي شَيْءٍ خَاصٍّ لِلضَّرُورَةِ بِشُرُوطٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ عَلَى بَعْضِهِمْ، لَا عَلَى كَبِيرٍ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ (فِي جُرْحٍ وَقَتْلٍ فَقَطْ) لَا فِي مَالٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِهِمَا.
وَ " الْوَاوُ " بِمَعْنَى " أَوْ ". وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ وَالْخَامِسُ: ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَالشَّاهِدُ) مِنْهُمْ (حُرٌّ) لَا عَبْدٌ (مُسْلِمٌ) لَا كَافِرٌ (ذَكَرٌ) .

[حاشية الصاوي]

[شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ]

[شُرُوط شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ]

قَوْلُهُ: [وَجَازَ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ] : أَيْ وَأَمَّا النِّسَاءُ فِي كَالْأَعْرَاسِ وَالْحَمَّامَاتِ وَالْمَآتِمِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ فِي جُرْحٍ وَلَا قَتْلٍ؛ لِأَنَّ اجْتِمَاعَهُنَّ غَيْرُ مَشْرُوعٍ.
بِخِلَافِ الصِّبْيَانِ فَإِنَّ اجْتِمَاعَهُمْ مَشْرُوعٌ لِتَدْرِيبِهِمْ عَلَى مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَالْغَالِبُ عَدَمُ حُضُورِ الْكِبَارِ مَعَهُمْ، فَلَوْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ لِبَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ لَأَدَّى إلَى هَدَرِ دِمَائِهِمْ كَذَا فِي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [لِعَدَمِ الْعَدَالَةِ] : أَيْ لِأَنَّ الْعَدْلَ حُرٌّ بَالِغٌ عَاقِلٌ رَشِيدٌ بَرِيءٌ مِنْ الْفِسْقِ.
قَوْلُهُ: [بِشُرُوطٍ] : ذَكَرَهَا الشَّارِحُ أَحَدَ عَشَرَ وَفِي الْحَقِيقَةِ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: [لَا عَلَى كَبِيرٍ] : أَيْ وَلَا لِكَبِيرٍ فَشَهَادَةُ الصِّبْيَانِ لَا تُقْبَلُ إلَّا إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: [لَا فِي مَالٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ] : وَيُلْغَزُ فِي ذَلِكَ فَيُقَالُ شَخْصٌ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي الْقَتْلِ وَالْجُرْحِ لَا فِي الْمَالِ وَنَحْوِهِ مَعَ أَنَّ الْمَالَ يُخَفَّفُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [وَالْخَامِسُ] : الْأُولَى أَنْ يَزِيدَ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ خَمْسَةً بَعْدَ الِاثْنَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
قَوْلُهُ: [وَالشَّاهِدُ مِنْهُمْ حُرٌّ] إلَخْ: تَخْصِيصُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ بِالشَّاهِدِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الشَّاهِدِ بِذَلِكَ.

لَا أُنْثَى (مُتَعَدِّدٌ) اثْنَانِ فَأَكْثَرَ لَا وَاحِدٌ (لَمْ يَشْتَهِرْ) الشَّاهِدُ (بِالْكَذِبِ) : لَا إنْ اُشْتُهِرَ بِهِ فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُ.
وَتَضَمَّنَ هَذَا أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا؛ فَهُوَ شَرْطٌ سَادِسٌ، لِأَنَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ لَا يَضْبِطُ مَا يَقُولُ، فَلَا يُوصَفُ بِصِدْقٍ وَلَا كَذِبٍ.
السَّابِعُ وَالثَّامِنُ: أَشَارَ لَهُمَا بِقَوْلِهِ: (غَيْرُ عَدُوٍّ) لِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ (وَلَا قَرِيبٍ) لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَلَوْ بَعُدَتْ: كَابْنِ الْعَمِّ وَابْنِ الْخَالِ أَوْ الْخَالَةِ.
التَّاسِعُ: أَنْ لَا يَخْتَلِفُوا فِي شَهَادَتِهِمْ؛ فَإِنْ اخْتَلَفُوا بِأَنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: قَتَلَهُ فُلَانٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ قَتَلَهُ فُلَانٌ آخَرُ لَمْ تُقْبَلْ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَلَا اخْتِلَافَ) فِي الشَّهَادَةِ (بَيْنَهُمْ) اتَّفَقُوا، أَوْ سَكَتَ الْبَاقِي، أَوْ قَالَ: لَا أَعْلَمُ.
الْعَاشِرُ: أَنْ لَا يَتَفَرَّقُوا بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ إلَى نَحْوِ مَنَازِلِهِمْ، فَإِنْ تَفَرَّقُوا لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ تَفْرِيقَهُمْ مَظِنَّةُ تَعْلِيمِهِمْ مَا لَمْ يَكُنْ وَقَعَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:

[حاشية الصاوي]

فَائِدَةٌ نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْ عَدَمِ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الْمَالِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ حُرًّا وَإِلَّا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْوَالِ وَهُمْ لَا يَشْهَدُونَ فِيهَا أَفَادَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [لَا أُنْثَى] : هَذَا يُفِيدُ أَنَّ لَفْظَ صِبْيَانٍ يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِنَاثِ أَيْضًا وَإِلَّا كَانَ الْمَوْضُوعُ يُخْرِجُهُ.
قَوْلُهُ: [مُتَعَدِّدٌ] : هَذَا هُوَ الشَّرْطُ السَّادِسُ الَّذِي أَشَرْنَا لَهُ وَجَعَلَهُ لَمْ يَشْتَهِرْ بِالْكَذِبِ شَرْطًا سَادِسًا الْمُنَاسِبُ كَوْنُهُ ثَامِنًا.
قَوْلُهُ: [السَّابِعُ وَالثَّامِنُ] : صَوَابُهُ التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ.
قَوْلُهُ: [غَيْرُ عَدُوٍّ] : أَيْ كَانَتْ الْعَدَاوَةُ بَيْنَ الصِّبْيَانِ أَوْ بَيْنَ آبَائِهِمْ.
قَالَ الْخَرَشِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُطْلَقَ الْعَدَاوَةِ هُنَا مُضِرٌّ سَوَاءٌ كَانَتْ دُنْيَوِيَّةً أَوْ دِينِيَّةً (اهـ) أَيْ لِشِدَّةِ تَأْثِيرِهَا عِنْدَ الصِّبْيَانِ وَضَعْفِ شَهَادَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ بَعُدَتْ] : أَيْ فَلَيْسُوا كَالْبَالِغِينَ.
قَوْلُهُ: [التَّاسِعُ] : صَوَابُهُ الْحَادِيَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: [الْعَاشِرُ] : صَوَابُهُ الثَّانِيَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: [مَا لَمْ يَكُنْ وَقَعَ] : مَا اسْمٌ مَوْصُولٌ وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهَا صِلَتُهَا أَوْ نَكِرَةٌ.

(وَلَا فُرْقَةَ) بَيْنَهُمْ، فَإِنْ تَفَرَّقُوا فَلَا.
(إلَّا أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهَا) : أَيْ قَبْلَ فُرْقَتِهِمْ فَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِمْ الْعُدُولُ قَبْلَ فُرْقَتِهِمْ صَحَّتْ الْحَادِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَحْضُرْ) بَيْنَهُمْ (كَبِيرٌ) : أَيْ بَالِغٌ وَقْتَ الْقَتْلِ أَوْ الْجُرْحِ، فَإِنْ حَضَرَ وَقْتَهُ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ تُقْبَلْ لِإِمْكَانِ تَعْلِيمِهِمْ، وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ كَانَ الْكَبِيرُ غَيْرَ عَدْلٍ، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا وَخَالَفَهُمْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ وَافَقَهُمْ قُبِلَتْ.
وَقِيلَ: لَا؛ فَإِنْ قَالَ الْعَدْلُ: لَا أَدْرِي مَنْ رَمَاهُ، فَقَالَ اللَّخْمِيُّ: قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ.
ثُمَّ إذَا قُبِلَتْ - عِنْدَ الشُّرُوطِ - فَلَا قَسَامَةَ إذْ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِمْ، إنَّمَا عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ.

[حاشية الصاوي]

وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهَا صِفَةٌ لَهَا وَهِيَ مَعْمُولَةٌ لِقَوْلِهِ: وَتَعْلِيمِهِمْ، وَالْمَعْنَى أَنَّ تَفْرِيقَهُمْ مَظِنَّةُ تَعَلُّمِهِمْ مِنْ الْكِبَارِ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ وَقَعَ أَوْ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ وَقَعَ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَفَرَّقُوا فَلَا] : أَيْ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَكَرَّرَهُ تَوْطِئَةً لِلِاسْتِثْنَاءِ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: [صَحَّتْ] : أَيْ قَبْلَ مَا حَكَاهُ عَنْهُمْ الْعُدُولُ وَالْمُرَادُ عَدْلَانِ فَأَكْثَرُ.
قَوْلُهُ: [الْحَادِيَ عَشَرَ] : صَوَابُهُ الثَّالِثَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ كَانَ عَدْلًا وَحَالَفَهُمْ] : قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ حَاصِلُ مَا فِي (ح) أَنَّهُ إذَا حَضَرَ الْكَبِيرُ وَقْتَ الْقَتْلِ أَوْ الْجُرْحِ وَكَانَ عَدْلًا فَلَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ أَيْ لِلِاسْتِغْنَاءِ بِهِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مُتَعَدِّدًا مُطْلَقًا أَوْ وَاحِدًا وَالشَّهَادَةُ فِي جُرْحٍ، أَيْ فَيَحْلِفُ مَعَهُ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ فِي قَتْلٍ فَلَا يَضُرُّ حُضُورُ ذَلِكَ الْوَاحِدِ فِي شَهَادَتِهِمْ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فَقَوْلَانِ جَوَازُ شَهَادَتِهِمْ وَعَدَمُ جَوَازِهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَانَ وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا.
وَأَمَّا إذَا حَضَرَ بَعْدَ الْمَعْرَكَةِ وَقَبْلَ الِافْتِرَاقِ فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ إذَا كَانَ عَدْلًا.
وَأَمَّا إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فَلَا، فَتَمَسَّكْ بِهَذَا وَاتْرُكْ خِلَافَهُ (اهـ) . فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَكَلَامُ شَارِحنَا مُجْمَلٌ، وَقَوْلُ (ح) : فَلَا يَضُرُّ حُضُورُ ذَلِكَ الْوَاحِدِ فِي شَهَادَتِهِمْ، ظَاهِرُهُ وَافَقَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، وَلَكِنْ يُقَيَّدُ بِمَا قُيِّدَ بِهِ شَرْحُنَا.

وَأَصْلُ الْقَسَامَةِ الْقِصَاصُ.
وَإِذَا انْتَفَتْ فِي عَمْدِهِمْ انْتَفَتْ فِي خَطَئِهِمْ - ابْنُ عَرَفَةَ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: إذَا جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ فِي الْقَتْلِ فَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: لَا تَجُوزُ حَتَّى تَشْهَدَ الْعُدُولُ بِرُؤْيَةِ الْبَدَنِ مَقْتُولًا - ابْنُ رُشْدٍ: رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.
(وَلَا يَقْدَحُ) فِي شَهَادَتِهِمْ (رُجُوعُهُمْ) بَعْدَهَا عَنْهَا قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ (وَلَا تَجْرِيحُهُمْ) بِشَيْءٍ (إلَّا بِكَثْرَةِ كَذِبٍ) مِنْ جَمِيعِ الشَّاهِدِينَ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ شُرُوطِ الشَّهَادَةِ وَمَوَانِعِهَا، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَرَاتِبِهَا.
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: إمَّا أَرْبَعَةُ عُدُولٍ وَإِمَّا عَدْلَانِ وَإِمَّا عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ، وَإِمَّا امْرَأَتَانِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَأَصْلُ الْقَسَامَةِ الْقِصَاصُ] : أَيْ وَأَمَّا دُخُولُهَا فِي الْخَطَأِ فَخِلَافُ الْأَصْلِ وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُمْ فِي الدِّيَاتِ يُحَلِّفُهَا فِي الْخَطَأِ مَنْ يَرِثُ.
قَوْلُهُ: [انْتَفَتْ فِي خَطَئِهِمْ] : أَيْ مِنْ بَابٍ أَوْلَى لِأَنَّهَا فِيهِ خِلَافُ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [لَا تَجُوزُ حَتَّى تَشْهَدَ الْعُدُولُ] إلَخْ: هَذَا يُضَمُّ لِلشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَتَكُونُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ الْمَجْمُوعِ شَرْطَانِ آخَرَانِ وَهُمَا كَوْنُهُ ابْنَ عَشْرٍ وَكَوْنُهُ مِنْ الصِّبْيَانِ الْمُجْتَمَعِينَ لَا صَبِيٌّ مَرَّ عَلَيْهِمْ فَتَكُونُ الشُّرُوطُ سِتَّةَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: [قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ] : أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ رُجُوعَهُمْ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَأَمَّا لَوْ تَأَخَّرَ الْحُكْمُ لِبُلُوغِهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ الْبُلُوغِ لَقُبِلَ رُجُوعُهُمْ.
قَوْلُهُ: [وَلَا تَجْرِيحُهُمْ بِشَيْءٍ] : أَيْ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ الَّذِي هُوَ رَأْسُ أَوْصَافِ الْعَدَالَةِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ جَمِيعِ الشَّاهِدِينَ] : أَيْ بِأَنْ تَشْهَدَ الْعُدُولُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الصِّبْيَانَ الشَّاهِدِينَ مُجَرَّبُونَ بِالْكَذِبِ.

[مَرَاتِب الشَّهَادَة]

[الْمَرْتَبَة الأولي مَا يُطْلَبُ فِيهِ أَرْبَعَةُ عُدُولٍ]

قَوْلُهُ: [وَهِيَ أَرْبَعَةٌ] : بَقِيَتْ خَامِسَةٌ وَهِيَ ذَكَرٌ فَقَطْ أَوْ أُنْثَى فَقَطْ فِي مَسْأَلَةِ إثْبَاتِ الْخُلْطَةِ الْمُوجِبَةِ لِتَوَجُّهِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمِينَ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْقَوْلُ الْآخَرُ هُوَ الْمُرَجَّحُ لَمْ يَلْتَفِتْ لَهَا الْمُصَنِّفُ

وَبَدَأَ بِالْأُولَى فَقَالَ: (وَلِلزِّنَا وَاللِّوَاطِ) : أَيْ لِلشَّهَادَةِ عَلَى حُصُولِهِمَا (أَرْبَعَةٌ) مِنْ الْعُدُولِ.
وَأَمَّا الْإِقْرَارُ بِهِمَا فَيَكْفِي فِيهِ الْعَدْلَانِ.
وَإِنَّمَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُمْ: (إنْ اتَّحَدَ) الزِّنَا عِنْدَهُمْ أَوْ اللِّوَاطُ (كَيْفِيَّةً) : أَيْ فِي الصِّفَةِ، وَأَدَّوْا الشَّهَادَةَ كَذَلِكَ مِنْ اضْطِجَاعٍ أَوْ قِيَامٍ أَوْ هُوَ فَوْقَهَا أَوْ تَحْتَهَا فِي مَكَانِ كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا.
وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ ذَلِكَ كُلِّهِ لِلْحَاكِمِ عَلَى انْفِرَادِهِمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ قَبْلَ الْأَدَاءِ.
بِأَمْكِنَةٍ.
(وَرُؤْيَا) : بِأَنْ يَرَوْا ذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ جَمِيعًا.
(وَأَدَاءً) يُؤَدُّوهَا مَعًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لَا مُتَفَرِّقِينَ فِي أَوْقَاتٍ، وَإِلَّا لَمْ تُقْبَلْ؛ وَحُدُّوا لِلْقَذْفِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَيَكْفِي فِيهَا الْعَدْلَانِ] : مُقْتَضَى قَبُولِ رُجُوعِ الْمُقِرِّ بِالزِّنَا وَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِشُبْهَةٍ أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِشَهَادَتِهِمَا عَلَى الْإِقْرَارِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ قَبُولَ رُجُوعِهِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْمُقِرَّ بِالزِّنَا لَا يُقْبَلُ بِرُجُوعِهِ عَلَى أَنَّهُ إذَا اسْتَمَرَّ عَلَى إقْرَارِهِ عَلِمَ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ حَدُّهُ إلَّا إذَا شَهِدَ عَلَى إقْرَارِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَدْلَانِ، فَحِينَئِذٍ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ حَتَّى عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، لِأَنَّهُ لَوْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْحَدِّ بِمُجَرَّدِ إقْرَارِهِ مِنْ غَيْرِ شَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ عَلَى اسْتِمْرَارِ الْإِقْرَارِ لَكَانَ لِأَوْلِيَاءِ الدَّمِ طَلَبُ الْحَاكِمِ بِهِ فَتَأَمَّلْ.
وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ عَلَى فِعْلِ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّ الْفَضِيحَةَ فِيهِمَا أَشْنَعُ مِنْ سَائِرِ الْمَعَاصِي فَشَدَّدَ الشَّارِعُ فِيهِمَا طَلَبًا لِلسَّتْرِ.
قَوْلُهُ: [إنْ اتَّحَدَ] : أَفْرَدَ الضَّمِيرَ الْعَائِدَ لِأَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، وَأَفَادَ هَذَا الشَّارِحُ بِعِطْفِهِ بِأَوْ.
قَوْلُهُ: [وَأَدُّوا الشَّهَادَةَ كَذَلِكَ] : أَيْ عَلَى طِبْقِ مَا رَأَوْا وَلَا يَكْفِي الْإِجْمَالُ.
قَوْلُهُ: [وَرُؤْيَا] : عَطْفٌ عَلَى كَيْفِيَّةً، وَالْمَعْنَى أَنَّ تَحَمُّلَهُمْ الشَّهَادَةَ يَكُونُ بِرُؤْيَا وَاحِدَةٍ أَيْ يَرَوْنَهُ دَفْعَةً أَوْ مُتَعَاقِبًا مَعَ الِاتِّصَالِ كَمَا فِي (بْن) . قَوْلُهُ: [وَحُدُّوا لِلْقَذْفِ] : أَيْ حَيْثُ تَخَلَّفَ شَرْطٌ مِمَّا ذُكِرَ وَكَانَ الْمَقْذُوفُ عَفِيفًا.

يَشْهَدُونَ (بِأَنَّهُ أَوْلَجَ) : أَيْ أَدْخَلَ (الذَّكَرَ فِي الْفَرْجِ كَالْمِرْوَدِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ: أَيْ كَإِيلَاجِ الْمِرْوَدِ (فِي الْمُكْحُلَةِ) : وَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، لَا أَنَّهَا تُنْدَبُ فَقَطْ، زِيَادَةً فِي التَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ وَطَلَبًا لِلسَّتْرِ مَا أَمْكَنَ.
(وَ) إذَا أَرَادُوا أَدَاءَ الشَّهَادَةِ (جَازَ لَهُمْ) أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (نَظَرُ الْعَوْرَةِ) لِتَأْدِيَتِهَا عَلَى وَجْهِهَا، وَالسَّتْرُ أَوْلَى إلَّا أَنْ يَشْتَهِرَ الزَّانِي بِالزِّنَا أَوْ يَتَجَاهَرَ بِهِ.
(وَفَرَّقُوا) وُجُوبًا فِي الزِّنَا وَاللِّوَاطِ خَاصَّةً (عِنْدَ الْأَدَاءِ، وَسَأَلَ) الْحَاكِمُ (كُلًّا) مِنْهُمْ (بِانْفِرَادِهِ) عَلَى الْكَيْفِيَّةِ وَالرُّؤْيَا، فَإِنْ تَخَلْخَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَوْ لَمْ يُوَافِقْ، غَيْرَهُ حُدُّوا لِلْقَذْفِ.
وَنَقَلَ الْمَوَّاقُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَجْهَ الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا: أَنْ يَأْتِيَ الْأَرْبَعَةُ الشُّهَدَاءُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ يَشْهَدُونَ عَلَى وَطْءٍ وَاحِدٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ بِهَذَا تَتِمُّ الشَّهَادَةُ (اهـ.) وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا: وَيَنْبَغِي إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عِنْدَهُ بِالزِّنَا أَنْ يَكْشِفَهُمْ عَلَى شَهَادَتِهِمْ وَكَيْفَ رَأَوْهُ وَكَيْفَ صَنَعَ، فَإِنْ رَأَى فِي شَهَادَتِهِمْ مَا تَبْطُلُ بِهِ الشَّهَادَةُ أُبْطِلَتْ (اهـ.) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: اُنْظُرْ قَوْلَهُ " يَنْبَغِي " هَلْ مَعْنَاهُ يَجِبُ؟ أَوْ هُوَ عَلَى بَابِهِ؟ الْأَقْرَبُ الْوُجُوبُ (انْتَهَى) .

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِأَنَّهُ أَوْلَجَ] : مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ يَشْهَدُونَ.
قَوْلُهُ: [وَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ] : أَيْ كَمَا قَالَ بَهْرَامُ وَالْمَوَّاقُ.
وَقَوْلُهُ: [لَا أَنَّهَا تُنْدَبُ فَقَطْ] : أَيْ كَمَا قَالَ الْبِسَاطِيُّ.
قَوْلُهُ: [جَازَ لَهُمْ] : الْمُرَادُ بِالْجَوَازِ الْإِذْنُ لِأَنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَهَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَهُوَ كَيْفَ تَصِحُّ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّ النَّظَرَ لِلْعَوْرَةِ مَعْصِيَةٌ؟ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ حِينَئِذٍ بَلْ مَأْذُونٌ فِيهِ لِتَوَقُّفِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ جَوَازُ النَّظَرِ لِلْعَوْرَةِ وَلَوْ قَدَرُوا عَلَى مَنْعِهِمْ مِنْ فِعْلِ الزِّنَا ابْتِدَاءً وَلَا يَقْدَحُ فِيهِمْ الْإِقْرَارُ عَلَى الزِّنَا كَمَا فِي (ح) وَغَيْرِهِ، لَكِنَّ الَّذِي فِي ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُمْ إذَا قَدَرُوا عَلَى مَنْعِهِمْ مِنْ فِعْلِ الزِّنَا ابْتِدَاءً فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ النَّظَرُ لِلْعَوْرَةِ لِبُطْلَانِ شَهَادَتِهِمْ بِعِصْيَانِهِمْ بِسَبَبِ عَدَمِ مَنْعِهِمْ مِنْهُ ابْتِدَاءً وَنَحْوِهِ لِابْنِ رُشْدٍ كَمَا فِي (بْن) . قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَشْتَهِرَ الزَّانِي بِالزِّنَا] : أَيْ فَرَفْعُهُمْ لِلْقَاضِي أَوْلَى مِنْ السَّتْرِ.
قَوْلُهُ: [أَنْ يَكْشِفَهُمْ] : أَيْ يَطْلُبَ مِنْهُمْ إيضَاحَ الشَّهَادَةِ.

وَأَشَارَ لِلْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: (وَلِمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا آيِلٍ لَهُ) : أَيْ لِلْمَالِ (كَعِتْقٍ) وَطَلَاقٍ وَنَسَبٍ (وَوَلَاءِ رَجْعَةٍ) ادَّعَتْهَا هِيَ أَوْ وَلِيُّهَا عَلَى زَوْجِهَا الْمُنْكِرِ لَهَا وَنِكَاحٍ (وَرِدَّةٍ وَإِحْصَانٍ وَكِتَابَةٍ) وَتَدْبِيرٍ (وَتَوْكِيلٍ بِغَيْرِ مَالٍ) : أَيْ شَيْءٍ غَيْرِ مَالٍ كَتَوْكِيلٍ عَلَى نِكَاحٍ أَوْ طَلَاقٍ وَكَشُرْبِ خَمْرٍ وَقَذْفٍ وَقَتْلٍ: (عَدْلَانِ) .

[حاشية الصاوي]

[الْمَرْتَبَة الثَّانِيَة مَا يُطْلَبُ فِيهِ عَدْلَانِ]

قَوْلُهُ: [وَطَلَاقٍ] : أَيْ كَانَ خُلْعًا أَوْ لَا فَإِذَا ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَهُوَ يُنْكِرُ ذَلِكَ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، وَالْعِتْقُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعَدْلَيْنِ لِأَنَّهُ مَالٌ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [ادَّعَتْهَا هِيَ أَوْ وَلِيُّهَا] : أَيْ وَأَمَّا ادِّعَاءُ الزَّوْجِ الرَّجْعَةَ فَإِنْ كَانَ إلَى الْعِدَّةِ فَهُوَ مَقْبُولٌ، وَإِنْ ادَّعَى بَعْدَهَا أَنَّهُ كَانَ رَاجَعَهَا فِيهَا وَأَنْكَرَتْ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى حُصُولِ الرَّجْعَةِ فِي الْعِدَّةِ فَالْمُنَاسِبُ إطْلَاقُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَرَجْعَةٌ أَيْ ادَّعَتْهَا الزَّوْجَةُ أَوْ ادَّعَاهَا الزَّوْجُ وَيُقَيَّدُ بِمَا إذَا كَانَتْ دَعْوَاهُ بَعْدَ الْعِدَّةِ، فَإِنَّ التَّقْيِيدَ يُوهِمُ أَنَّ دَعْوَى الزَّوْجِ مَقْبُولَةٌ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا عَلِمْت.
قَوْلُهُ: [وَنِكَاحٍ] : أَيْ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ تَزَوَّجَ فُلَانَةَ وَهِيَ تُنْكِرُ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ وَعَكْسُهُ تَدَّعِي عَلَيْهِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ يُنْكِرُ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، وَحَيْثُ قَامَ الْعَدْلَانِ ثَبَتَ النِّكَاحُ وَلَا يُعَدُّ إنْكَارُ الزَّوْجِ طَلَاقًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ.
قَوْلُهُ: [عَدْلَانِ] : مُبْتَدَأٌ تَقَدَّمَ خَبَرُهُ فِي قَوْلِهِ وَلَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ إلَخْ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ كُلَّ مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يَئُولُ إلَيْهِ لَا يَكْفِي فِيهِ إلَّا عَدْلَانِ مِنْ ذَلِكَ الْعِتْقِ، وَهُوَ عَقْدٌ لَازِمٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى عَاقِدَيْنِ، وَفِيهِ إخْرَاجٌ وَمِثْلُهُ الْوَقْفُ وَالطَّلَاقُ غَيْرُ الْخُلْعِ وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ وَالْوَصِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَالِ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَاءُ وَالتَّدْبِيرُ وَمِنْ ذَلِكَ الرَّجْعَةُ، وَهِيَ كَالْعِتْقِ إلَّا أَنَّ فِيهَا إدْخَالًا وَمِثْلُهُ الِاسْتِلْحَاقُ وَالْإِسْلَامُ وَالرِّدَّةُ، وَيُنَاسِبُهُ الْإِحْلَالُ وَالْإِحْصَانُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْكِتَابَةُ وَهِيَ عَقْدٌ يَفْتَقِرُ لِعَاقِدَيْنِ وَمِثْلُهُ النِّكَاحُ وَالْوَكَالَةُ فِي غَيْرِ الْمَالِ، وَكَذَا الْخُلْعُ وَيُلْحَقُ بِهِ الْعِدَّةُ أَيْ تَارِيخُ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ لَا فِي انْقِضَائِهَا لِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا، فَظَهَرَ مِنْ هَذَا الْمَقَامِ تَغَايُرُ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي مَثَّلَ بِهَا الْمُصَنِّفُ وَمَا يَأْتِي مِنْ الْحَلِفِ مَعَ شَاهِدِ الْمَوْتِ وَيَرِثُ فِي دَعْوَى النِّكَاحِ فَلِأَنَّ الدَّعْوَى فِي مَالٍ.

وَأَشَارَ لِلْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ بِقَوْلِهِ: (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَالًا أَوْ آيِلًا لِمَالٍ: (فَعَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ) عَدْلَتَانِ (أَوْ أَحَدُهُمَا) : أَيْ: عَدْلٌ فَقَطْ (مَعَ يَمِينٍ؛ كَبَيْعٍ) وَشِرَاءِ؛ (وَأَجَلٍ) ادَّعَاهُ مُشْتَرٍ وَخَالَفَهُ الْبَائِعُ أَوْ اخْتَلَفَا فِي طُولِهِ أَوْ فِي قَبْضِ الثَّمَنِ أَوْ قَدْرِهِ (وَخِيَارٍ) ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا وَخَالَفَهُ الْآخَرُ لِأَنَّهُ يَئُولُ لِمَالٍ (وَشُفْعَةٍ) ادَّعَى الْمُشْتَرِي إسْقَاطَهَا مِنْ الشَّفِيعِ أَوْ ادَّعَى الشَّفِيعُ بَعْدَ سَنَةٍ أَنَّهُ كَانَ غَائِبًا وَنَحْوُ ذَلِكَ (وَإِجَارَةٍ) عَقْدًا أَوْ أَجَلًا (وَجَرْحِ خَطَأٍ) لِأَنَّهُ يَئُولُ لِمَالٍ (أَوْ) جَرْحِ (مَالٍ) عَمْدًا كَجَائِفَةٍ (وَأَدَاءِ) نُجُومِ (كِتَابَةٍ) ادَّعَاهُ الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ فَأَنْكَرَ.
(وَإِيصَاءٍ) أَوْ تَوْكِيلٍ (بِتَصَرُّفٍ فِيهِ) : أَيْ فِي الْمَالِ إلَّا أَنَّ الْوَكَالَةَ وَالْوَصِيَّةَ بِالتَّصَرُّفِ بِالْمَالِ لَا يَكُونُ فِيهِمَا الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: اُخْتُلِفَ إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى وَكَالَةٍ عَنْ غَائِبٍ هَلْ يَحْلِفُ الْوَكِيلُ مَعَ الشَّاهِدِ؟ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ، وَهَذَا أَحْسَنُ إنْ كَانَتْ الْوَكَالَةُ لِحَقِّ الْغَائِبِ.

[حاشية الصاوي]

[الْمَرْتَبَة الثَّالِثَةُ مَا يُطْلَبُ فِيهِ عَدْل وَامْرَأَتَانِ]

قَوْلُهُ: [عَدْلَتَانِ] : ثُنِّيَ لِلْإِيضَاحِ وَإِلَّا فَيَجُوزُ تَرْكُ التَّثْنِيَةِ فِي مِثْلِ هَذَا.
قَوْلُهُ: [أَوْ أَحَدُهُمَا] إلَخْ: ظَاهِرُهُ كَانَ ذَلِكَ الْعَدْلُ مُبَرَّزًا فِي الْعَدَالَةِ أَمْ لَا وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ وَارْتَضَاهُ (بْن) وَقِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُبَرَّزًا.
قَوْلُهُ: [وَأَجَلٍ] : أَيْ لِثَمَنٍ مَبِيعٍ.
قَوْلُهُ: [عَقْدًا أَوْ أَجَلًا] : أَيْ فَالنِّزَاعُ إمَّا فِي أَصْلِ الْإِجَارَةِ أَوْ فِي مُدَّتِهَا أَوْ فِي قَدْرِ الْأُجْرَةِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ جُرْحِ مَالٍ] : لَا مَفْهُومَ لِمَالٍ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ الْجُرْحَ مُطْلَقًا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ هُنَا بِالْمَالِ لِأَنَّهُ فِي أَمْثِلَةِ الْمَالِ وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [وَأَدَاءِ نُجُومِ كِتَابَةٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ التَّنَازُعُ فِي تَأْدِيَتِهَا كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا فَإِذَا ادَّعَى الْعَبْدُ عَلَى سَيِّدِهِ وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ الْقَبْضَ حَلَفَ الْعَبْدُ مَعَ شَاهِدِهِ حَتَّى فِي النَّجْمِ الْأَخِيرِ وَإِنْ أَدَّى لِلْعِتْقِ.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا أَحْسَنُ إنْ كَانَتْ الْوَكَالَةُ لِحَقِّ الْغَائِبِ] : تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِهِ أَوَّلًا وَآخِرًا أَنَّ دَعْوَى أَنَّهُ وَصِيٌّ أَوْ وَكِيلٌ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَكَذَا دَعْوَى أَنَّهُ وَصِيٌّ فِي غَيْرِ الْمَالِ كَالنَّظَرِ فِي أَحْوَالِ أَوْلَادِهِ أَوْ تَزْوِيجِ بَنَاتِهِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ،

فَقَطْ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْوَكِيلِ؛ كَأَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ دَيْنٌ أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَالُ بِيَدِهِ قِرَاضًا أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، حَلَفَ، وَاسْتَحَقَّ إنْ أَقَرَّ الْمُوَكَّلُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ لِلْغَائِبِ (اهـ) . وَمِثْلُهُ الْمُوصِي الْمَذْكُورُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا يَحْلِفُهَا إلَّا مَنْ لَهُ فِيهَا نَفْعٌ، وَلَا يَحْلِفُ الْإِنْسَانُ لِجَرِّ نَفْعٍ لِغَيْرِهِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: مَعْرُوفُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ لَا يُقْضَى بِهِمَا فِي الْوَكَالَةِ، لَكِنَّ مَنْعَ الْقَضَاءِ بِهَا لَيْسَ مِنْ نَاحِيَةِ قُصُورِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ؛ بَلْ لِأَنَّ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ فِيهَا مُتَعَذِّرَةٌ، لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا يَحْلِفُهَا إلَّا مَنْ لَهُ فِيهَا نَفْعٌ، وَالْوَكِيلُ لَا نَفْعَ لَهُ فِيهَا.
وَمَا وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوَكِيلَ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ بِالْوَكَالَةِ وَيَقْبِضُ الْحَقَّ، فَتَأَوَّلَ الْأَشْيَاخُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا وَكَالَةٌ بِأُجْرَةٍ يَأْخُذُهَا الْوَكِيلُ مِنْ الْمَالِ الَّذِي يَقْبِضُهُ فَحَلْفُهُ مَعَ الشَّاهِدِ لِمَنْفَعَةٍ لَهُ فِيهِ (اهـ) . (وَنِكَاحٍ) ادَّعَتْهُ امْرَأَةٌ (بَعْدَ مَوْتٍ) لِرَجُلٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، فَيَكْفِي فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْمَرْأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَعَ يَمِينِهَا مِنْ حَيْثُ الْمَالُ فَيُقْضَى لَهَا بِالْإِرْثِ وَالصَّدَاقِ، لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ، فَلَا تَحْرُمُ عَلَى أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا فِي ظَاهِرِ الْحَالِ.
(أَوْ سَبْقِيَّتِهِ) : أَيْ الْمَوْتِ وَهُوَ بِالْجَرِّ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَجْرُورَاتِ بِالْكَافِ قَبْلَهُ، أَيْ: أَوْ إذَا شَهِدَ بِسَبْقِيَّةِ الْمَوْتِ بَيْنَ مُتَوَارِثَيْنِ فَيَكْفِي الشَّاهِدُ وَالْمَرْأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَعَ الْيَمِينِ: أَيْ إذَا مَاتَ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مَثَلًا، وَشَهِدَ شَاهِدٌ بِأَنَّ

[حاشية الصاوي]

وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّهُ وَكِيلٌ أَوْ وَصِيٌّ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ يَعُودُ عَلَى الْوَصِيِّ أَوْ الْوَكِيلِ كَفَى الْعَدْلُ وَالْمَرْأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَعَ يَمِينٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَفْعٌ يَعُودُ عَلَيْهِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ أَوْ عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: [فَيُقْضَى لَهَا بِالْإِرْثِ وَالصَّدَاقِ] : أَيْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَثْبُتُ الْمِيرَاثُ وَلَا الصَّدَاقُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ النِّكَاحِ وَهُوَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ، وَعَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ يُلْغَزُ بِهَا فَيُقَالُ لَنَا شَخْصٌ يَرِثُ مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْإِرْثِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [فِي ظَاهِرِ الْحَالِ] : أَيْ وَأَمَّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَيُقَالُ لَهَا إنْ كُنْت صَادِقَةً فِي دَعْوَاك فَلَا تَحِلِّي لِغَيْرِهِ إلَّا بِالْعِدَّةِ وَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذِي مِنْ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ.
قَوْلُهُ: [الْمَجْرُورَاتِ بِالْكَافِ قَبْلَهُ] : أَيْ الدَّاخِلَةِ عَلَى بَيْعٍ وَمَا بَعْدَهُ

فصول الكتاب · 3 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك · 813 صفحة
المقدمة
بَابُ فِي الشُّفْعَةِ وَأَحْكَامِهَا
بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ
جارٍ التحميل