بِجَامِعِ التَّصَرُّفِ بِغَيْرِ الْمَصْلَحَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ.
(وَ) لَا (انْتِقَالُ مُشْتَرٍ) لِدَابَّةٍ يَرْكَبُهَا أَوْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا (لِبَلَدٍ) آخَرَ غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إذْ لَا يَجُوزُ الْمُخَالَفَةُ فِي الْمَسَافَةِ (وَإِنْ سَاوَتْ) الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي السُّهُولَةِ أَوْ الصُّعُوبَةِ أَوْ الْمِسَاحَةِ، لِأَنَّ أَحْوَالَ الطُّرُقِ تَخْتَلِفُ بِهَا الْأَغْرَاضُ كَعَدُوٍّ وَغَاصِبٍ فِي طَرِيقٍ دُونَ أُخْرَى - وَقَدْ يَكُونُ الْعَدُوُّ لِخُصُوصِ رَبِّ الدَّابَّةِ - وَلِذَا قِيلَ بِالْمَنْعِ لِلدُّونِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (إلَّا بِإِذْنٍ) مِنْ رَبِّهَا.
وَتَقَدَّمَ جَوَازُ الْحَمْلِ الْمُسَاوِي وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ.
وَالْفَرْقُ مَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ أَحْوَالَ الطُّرُقِ تَخْتَلِفُ بِهَا الْأَغْرَاضُ.
(وَضَمِنَ) إذَا انْتَقَلَ بِلَا إذْنٍ (إنْ عَطِبَتْ) الدَّابَّةُ وَلَوْ بِسَمَاوِيٍّ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْغَاصِبِ.
(كَانَ أَكْرَى) الْمُكْتَرِي مَا اكْتَرَاهُ (لِغَيْرِ أَمِينٍ) فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، (أَوْ) أَكْرَى (لِأَثْقَلَ) مِنْهُ (أَوْ أَضَرَّ) فِي الْحَمْلِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، وَمِنْ الْأَضَرِّ: حَمْلُ الْمَرْأَةِ
[حاشية الصاوي]
عَلَى النَّاظِرِ بِالْمُحَابَاةِ إنْ كَانَ مَلِيًّا وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُكْتَرِي، فَإِنْ كَانَ النَّاظِرُ مُعْدَمًا رَجَعَ الْمُسْتَحِقُّونَ عَلَى الْمُكْتَرِي وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى النَّاظِرِ، وَأَمَّا إنْ أَكْرَى النَّاظِرُ بِغَيْرِ مُحَابَاةٍ فَإِنْ كَانَ بِأَجْرِ الْمِثْلِ فَلَا يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ وَلَوْ بِزِيَادَةٍ زَادَهَا شَخْصٌ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا إنْ أَكْرَى بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ كِرَاؤُهُ وَلَوْ بِزِيَادَةٍ زَادَهَا عَلَيْهِ شَخْصٌ آخَرُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَإِلَّا فَلَا يُفْسَخُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ الزِّيَادَةُ فِي الْوَقْفِ مَقْبُولَةٌ، وَمَا قِيلَ فِي نَاظِرِ الْوَقْفِ يُقَالُ فِي الْوَصِيِّ.
[تَنْبِيهٌ خِيَارُ الْمُكْرِي عِنْد حَبَسَ الْعَيْن]
قَوْلُهُ: [أَوْ الصُّعُوبَةِ أَوْ الْمِسَاحَةِ] : أَيْ فِي الْمَحَلَّيْنِ بِمَعْنَى الْوَاوِ.
الْمَعْنَى لَا يَجُوزُ وَإِنْ تَسَاوَتْ فِي كُلِّ الْأَوْصَافِ.
قَوْلُهُ: [وَلِذَا قِيلَ بِالْمَنْعِ] : أَيْ لِأَجْلِ هَذَا التَّعْلِيلِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِسَمَاوِيٍّ] : أَيْ هَذَا إذَا كَانَ عَطَبُهَا بِفِعْلِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، بَلْ وَلَوْ كَانَ بِسَمَاوِيٍّ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَضْمَنُ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ نَفْسُ الْمُكْتَرِي غَيْرَ أَمِينٍ إذْ قَدْ يَدَّعِي رَبُّهَا أَنَّ الْأَوَّلَ يُرَاعِي حَقَّهُ وَيَحْفَظُ مَتَاعَهُ بِخِلَافِ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: [أَوْ أَضَرَّ فِي الْحَمْلِ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ دُونَهُ فِي النَّقْلِ بِأَنْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ عَقْرُ الدَّوَابِّ.
قَوْلُهُ: [وَمِنْ الْأَضَرِّ حَمْلُ الْمَرْأَةِ] : أَيْ فَإِذَا اكْتَرَى الدَّابَّةَ عَلَى أَنْ يَرْكَبَهَا
بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُلِ.
وَلِرَبِّهَا اتِّبَاعُ الثَّانِي إذَا عَلِمَ بِتَعَدِّي الْأَوَّلِ وَلَوْ عَطِبَتْ بِسَمَاوِيٍّ، وَكَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ حَيْثُ تَعَمَّدَ الْجِنَايَةَ.
وَفِي الْخَطَأِ قَوْلَانِ: قِيلَ: لَهُ اتِّبَاعُهُ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
وَقِيلَ: يَتْبَعُ الْأَوَّلَ فَقَطْ كَالسَّمَاوِيِّ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الدَّابَّةَ إذَا تَلِفَتْ عِنْدَ الثَّانِي فَإِمَّا عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ بِسَمَاوِيٍّ، وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَعْلَمَ بِتَعَدِّي الْأَوَّلِ أَوْ يَعْلَمَ بِأَنَّهُ مُكْتَرٍ فَقَطْ أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ الْمَالِكُ، فَهَذِهِ تِسْعَةٌ.
فَإِنْ عَلِمَ بِتَعَدِّي الْأَوَّلِ ضَمِنَ مُطْلَقًا حَتَّى السَّمَاوِيَّ لِأَنَّهُ كَالْغَاصِبِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالتَّعَدِّي ضَمِنَ الْعَمْدَ، وَكَذَا الْخَطَأُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَا السَّمَاوِيُّ، لَكِنْ إذَا عَلِمَ بِأَنَّهُ مُكْتَرٍ فَقَطْ فَلِرَبِّهَا اتِّبَاعُهُ حَيْثُ أُعْدِمَ الْأَوَّلُ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْأَوَّلِ إنْ أَيْسَرَ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ الْمَالِكُ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا اتِّبَاعُهُ.
وَقَدْ عَلِمْت مِنْ هَذَا الْحَاصِلِ حُكْمَ مَفْهُومٍ لِغَيْرِ أَمِينٍ.
. . إلَخْ.
(أَوْ زَادَ) الْمُكْتَرِي (فِي الْمَسَافَةِ) الْمُشْتَرَطَةِ (وَلَوْ مِيلًا) فَإِنَّهُ يَضْمَنُ وَالْمُرَادُ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْمَسَافَةِ تُوجِبُ الضَّمَانَ وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَةً لَيْسَ الشَّأْنُ الْعَطَبَ بِمِثْلِهَا، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَأَمَّا مِثْلُ مَا يَعْدِلُ النَّاسُ إلَيْهِ فِي الْمَرْحَلَةِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ.
(أَوْ) زَادَ فِي الْحَمْلِ (حَمَلًا) بِفَتْحِ الْحَاءِ بِمَعْنَى مَحْمُولٍ (تَعْطُبُ بِهِ وَعَطِبَتْ) فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، أَيْ فِي زِيَادَةِ الْمَسَافَةِ مُطْلَقًا وَفِي زِيَادَةِ مَا تَعْطُبُ بِهِ فِي الْحَمْلِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ: أَيْ أَنَّ رَبَّهَا يُخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِ كِرَاءِ مَا زَادَ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ وَأَخْذِ
[حاشية الصاوي]
بِنَفْسِهِ فَحَمَلَ عَلَيْهَا زَوْجَتَهُ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ إنْ عَطِبَتْ ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَخَفَّ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: [وَلِرَبِّهَا اتِّبَاعُ الثَّانِي] : أَيْ وَإِذَا اكْتَرَى الْمُكْتَرِي لِغَيْرِ أَمِينٍ أَوْ لِأَضَرَّ كَانَ لِرَبِّهَا اتِّبَاعُ الثَّانِي بِقِيمَتِهَا إذَا تَلِفَتْ، وَبِأَرْشِ عَيْبِهَا إذَا تَعَيَّبَتْ وَلَهُ الْبَقَاءُ عَلَى اتِّبَاعِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: [إذَا عَلِمَ] إلَخْ: أَيْ بِأَنْ عَلِمَ الثَّانِي أَنَّ الْأَوَّلَ يُعْطِيهَا لَهُ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهَا.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ] : أَيْ بِأَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مَالِكٌ لَهَا أَوْ مُكْتَرٍ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [لَكِنْ إذَا عُلِمَ بِأَنَّهُ مُكْتَرٍ فَقَطْ] : أَيْ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِالتَّعَدِّي فِي إعْطَائِهَا لَهُ إنَّمَا كَانَ لِرَبِّهَا اتِّبَاعُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَيْثُ أُعْدِمَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ نَوْعَ تَفْرِيطٍ.
بِخِلَافِ مَا إذَا ظَنَّ أَنَّهُ الْمَالِكُ فَلَيْسَ عِنْدَهُ تَفْرِيطٌ.
قَوْلُهُ: [أَيْ فِي زِيَادَةِ الْمَسَافَةِ مُطْلَقًا] : أَيْ قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً.
قَوْلُهُ: [أَيْ أَنَّ رَبَّهَا يُخَيَّرُ] : أَيْ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ.
قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي.
فَإِنْ أَخَذَ قِيمَتَهَا فَلَا كِرَاءَ لَهُ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَعْطُبْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَوْ زَادَ فِي الْحَمْلِ مَا لَا تَعْطُبُ بِهِ، وَعَطِبَتْ
(فَالْكِرَاءُ) : أَيْ كِرَاءُ الزِّيَادَةِ مَعَ الْأَوَّلِ، وَلَا يُخَيَّرُ رَبُّهَا.
(وَلَك) إذَا اكْتَرَيْت دَابَّةً لِحَمْلٍ أَوْ رُكُوبٍ (فَسْخُ) كِرَاءِ دَابَّةٍ (عَضُوضٍ) : أَيْ تَعَضُّ مَنْ قَرُبَ مِنْهُ لِأَنَّهُ عَيْبٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمُبَالَغَةَ فِي الْعَضِّ (أَوْ جَمُوحٍ) : أَيْ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَإِنْ أَخَذَ قِيمَتَهَا فَلَا كِرَاءَ لَهُ] : أَيْ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ كِرَاءٍ أَصْلِيٍّ وَلَا زَائِدَ إنْ زَادَ فِي الْحَمْلِ مِنْ أَوَّلِ الْمَسَافَةِ، فَإِنْ زَادَ أَثْنَاءَهَا خُيِّرَ بَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي مَعَ كِرَاءِ مَا قَبْلَ الزِّيَادَةِ وَبَيْنَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ وَالزِّيَادَةِ، وَأَمَّا زِيَادَةُ الْمَسَافَةِ فَإِنْ اخْتَارَ الْقِيمَةَ فَلَهُ كِرَاءُ أَصْلِ الْمَسَافَةِ الْأُولَى لِأَنَّ الضَّمَانَ يَوْمَ التَّعَدِّي وَهُوَ طَارٍ بَعْدَ الْمَسَافَةِ الْأُولَى فَهِيَ عَلَى مِلْكِ رَبِّهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ لَمْ تَعْطَبْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ] : أَيْ مَسْأَلَةِ الْمَسَافَةِ مُطْلَقًا وَمَسْأَلَةِ الْحَمْلِ فَهَذِهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ زَادَ فِي الْحِمْلِ مَا لَا تَعْطَبُ بِهِ وَعَطِبَتْ صُورَةٌ رَابِعَةٌ وَأَوْلَى فِي الْحُكْمِ إذَا سَلِمَتْ فَهَذِهِ الْخَمْسُ لَيْسَ لِصَاحِبِهَا إلَّا كِرَاءُ الزَّائِدِ مَعَ الْأَوَّلِ فَتَحَصَّلَ أَنَّ الصُّوَرَ ثَمَانٌ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقِيمَةِ وَكِرَاءِ الزَّائِدِ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ وَكِرَاءِ الزَّائِدِ مَعَ الْأَصْلِيِّ فِي تِلْكَ الْخَمْسِ.
تَنْبِيهٌ:
يُخَيَّرُ الْمُكْرِي أَيْضًا فِيمَا إذَا حَبَسَهَا الْمُكْتَرِي بَعْدَ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ زَمَنًا كَثِيرًا حَتَّى تَغَيَّرَ سَوْقُهَا بَيْعًا أَوْ كِرَاءً بَيْنَ كِرَاءِ الزَّائِدِ الَّذِي حَبَسَهَا فِيهِ أَوْ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِنَا كَثِيرًا أَنَّهُ لَوْ حَبَسَهَا يَسِيرًا كَالْيَوْمَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا كِرَاءُ الزَّائِدِ.
قَوْلُهُ: [فَسْخُ كِرَاءِ دَابَّةٍ عَضُوضٍ] : الْمُرَادُ أَنَّهُ طَلَعَ عَلَى كَوْنِهَا عَضُوضًا بَعْدَ الْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: [مَنْ قَرُبَ مِنْهُ] : ذُكِرَ بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ بِعَضُوضٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمُبَالَغَةَ فِي الْعَضِّ] : أَيْ بَلْ الْمُرَادُ النِّسْبَةُ، وَيَصِحُّ بَقَاءُ الْمُبَالَغَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ السَّاعَاتِ حَتَّى صَارَ شَأْنًا لَهَا، وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ الْعَضُّ فَلْتَةً فِي الْعُمُرِ مَثَلًا فَلَيْسَ بِعَيْبٍ قَطْعًا.
عَسِرَةُ الِانْقِيَادِ، تُعْرَفُ بِالْحُرُونِ (أَوْ أَعْشَى) لَا يُبْصِرُ لَيْلًا (أَوْ مَا دَبَرُهُ فَاحِشٌ) يَضُرُّ بِسَيْرِهَا أَوْ بِرَاكِبِهَا وَلَوْ بِشِدَّةِ رَائِحَتِهِ، بِخِلَافِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يَضُرُّ فَلَا فَسْخَ بِهِ.
(وَالسُّنَّةُ) فِي كِرَاءِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ تَكُونُ (فِي أَرْضِ النِّيلِ وَالْمَطَرِ بِالْحَصَادِ) : فَمَنْ اكْتَرَى فَدَّانًا لِيَزْرَعَهُ أَيَّامَ نُزُولِ الْمَطَرِ أَوْ أَيَّامَ ذَهَابِ النِّيلِ سَنَةً فَزَرَعَهُ، فَمُنْتَهَى الْأَجَلِ الْحَصَادُ وَلَوْ كَانَتْ الْمُدَّةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَقَلَّ.
وَالْمُرَادُ بِالْحَصَادِ: أَخْذُ الزَّرْعِ مِنْهَا، فَيَشْمَلُ الرَّعْيَ.
فَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ يُخَلِّفُ كَالْبِرْسِيمِ فَبِآخِرِ بَطْنٍ.
(وَفِي) أَرْضٍ (السَّقْيِ) مِنْ الْعُيُونِ وَالْآبَارِ (بِالشُّهُورِ) اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ، فَإِنْ تَمَّتْ السَّنَةُ وَلَهُ فِيهَا زَرْعٌ أَخْضَرُ، لَزِمَ رَبَّ الْأَرْضِ إبْقَاؤُهُ لِحَصَادِهِ وَعَلَى الْمُكْتَرِي كِرَاءُ مِثْلِ الزَّائِدِ عَلَى السَّنَةِ بِمَا تَقُولُهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ.
(وَلُزُومُ الْكِرَاءِ) : أَيْ كِرَاءِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ (بِالتَّمَكُّنِ) مِنْ الزَّرْعِ وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ [أَوْ أَعْشَى لَا يُبْصِرُ لَيْلًا] : أَيْ وَسَوَاءٌ اكْتَرَاهُ لِيَسِيرَ بِهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَوْ فِيهِمَا فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، إمَّا أَنْ يَرُدَّ أَوْ يَتَمَاسَكَ بِجَمِيعِ الْكِرَاءِ الْمُسَمَّى، كَمَا أَنَّ عَلَيْهِ جَمِيعَ الْكِرَاءِ إذَا اكْتَرَاهُ لِيَسِيرَ بِهِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَلَمْ يَسِرْ بِهِ إلَّا نَهَارًا، وَمَا فِي (عب) مِنْ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ بِهِ وَتَمَاسَكَ يُحَطُّ عَنْهُ أَرْشُ الْعَيْبِ فَهُوَ خِلَافُ النَّقْلِ كَمَا فِي (بْن) نَعَمْ إذَا لَمْ يَطَّلِعْ الْمُكْتَرِي عَلَى كَوْنِهِ أَعْشَى إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمَسَافَةِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يُحَطُّ عَنْهُ مِنْ الْأُجْرَةِ بِحَسَبِهِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ مَا دَبَرُهُ فَاحِشٌ] : الدَّبَرُ بِفَتْحَتَيْنِ جُرْحٌ فِي الظَّهْرِ كَمَا قَالَ الْأَعْرَابِيُّ:
أَقْسَمَ بِاَللَّهِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرْ ... مَا مَسَّهَا مِنْ نَقَبٍ وَلَا دَبَرْ
قَوْلُهُ: [بِمَا تَقُولُهُ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ] : أَيْ وَلَا يُعْتَبَرُ الْكِرَاءُ بِالنَّظَرِ لِلسَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، بَلْ يُنْظَرُ لَهُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ إذْ قَدْ يَكُونُ أَغْلَى أَوْ أَرْخَصَ، وَهَذَا قَوْلُ سَحْنُونَ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ مَا زَادَ عَلَى السَّنَةِ عَلَى حَسَبِ مَا أَكْرَى بِهِ فِيهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَوَّمَ كِرَاءُ الزِّيَادَةِ فَإِذَا قِيلَ دِينَارٌ قِيلَ وَمَا قِيمَةُ السَّنَةِ كُلِّهَا، فَإِذَا قِيلَ خَمْسَةٌ فَقَدْ وَقَعَ لِلزِّيَادَةِ مِثْلُ كِرَاءِ خُمُسِ الثَّمَنِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ الْكِرَاءُ الْمُسَمَّى وَمِثْلُ خُمُسِهِ.
[مَا يَلْزَم بِهِ الْكِرَاءِ]
قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْ] : أَيْ فَمَتَى تَمَكَّنَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ سَوَاءٌ اسْتَعْمَلَ أَوْ عَطَّلَ كَمَا إذَا
مَا لَمْ يَكُنْ الْمَانِعُ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ أَكْلَ دُودٍ أَوْ فَأْرٍ لَهُ إبَّانَ الزَّرْعِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ.
ثُمَّ بَالَغَ عَلَى لُزُومِ الْكِرَاءِ بِالتَّمَكُّنِ: (وَإِنْ فَسَدَ الزَّرْعُ لِجَائِحَةٍ) لَا دَخْلَ لِلْأَرْضِ فِيهَا؛ كَجَرَادٍ وَجَلِيدٍ وَبَرْدٍ وَجَيْشٍ وَغَاصِبٍ وَعَدَمِ نَبَاتِ بَذْرٍ، بِخِلَافِ مَا لَهَا فِيهِ دَخْلٌ كَدُودٍ كَمَا يَأْتِي.
(أَوْ غَرَقٍ بَعْدَ) فَوَاتِ (الْإِبَّانِ) : أَيْ وَقْتِ الْحَرْثِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ وَسَيَأْتِي مَفْهُومٌ بَعْدَ الْإِبَّانِ (أَوْ لَمْ يَزْرَعْ) : الْمُكْتَرِي (لِعَدَمِ بَذْرٍ) : فَيَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ، وَلَا يُعْذَرُ بِعَدَمِهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إيجَارِهَا لِغَيْرِهِ.
وَلِذَا لَوْ عُدِمَ الْبَذْرُ مِنْ الْمَحَلِّ لَسَقَطَتْ الْأُجْرَةُ لِعُمُومِ الْعُذْرِ.
(أَوْ سَجْنٍ) عُطِفَ عَلَى: " عُدِمَ "، أَيْ أَوْ لَمْ يَزْرَعْ لِسِجْنٍ فَيَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ، سُجِنَ ظُلْمًا أَوْ لَا، مَا لَمْ يُقْصَدْ مِنْ سِجْنِهِ مَنْعُهُ بِهِ عَنْ الزَّرْعِ.
وَإِلَّا فَالْكِرَاءُ عَلَى مَنْ.
[حاشية الصاوي]
بَوَّرَ الْأَرْضَ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ وَالتَّمَكُّنُ مِنْ مَنْفَعَةِ أَرْضِ النِّيلِ بِرَيِّهَا وَانْكِشَافِهَا وَمِنْ مَنْفَعَةِ أَرْضِ الْمَطَرِ بِاسْتِغْنَاءِ الزَّرْعِ عَنْ الْمَاءِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ التَّمَكُّنَ مِنْ التَّصَرُّفِ كَمَا قَالَ الْأَصْلُ و (عب) وَالْخَرَشِيُّ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ حِينَ الْعَقْدِ قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ كَذَا فِي (بْن) .
قَوْلُهُ: [مَا لَمْ يَكُنْ الْمَانِعُ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ أَكْلَ دُودٍ] إلَخْ: أَيْ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمَانِعُ لَهُ مِنْ التَّمَكُّنِ فِتْنَةً أَوْ خَوْفًا مِنْ غَاصِبٍ لَا تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ.
تَنْبِيهٌ: إذَا تَنَازَعَا فِي التَّمَكُّنِ وَعَدَمِهِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكْتَرِي بِيَمِينٍ أَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ إنْ أَقَرَّ الْمُكْتَرِي بِالتَّمَكُّنِ لَكِنْ ادَّعَى أَنَّهُ مَنَعَهُ مَانِعٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ لِلْمُكْرِي وَعَلَى الْمُكْتَرِي إثْبَاتُ الْمَانِعِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ بَالَغَ عَلَى لُزُومِ الْكِرَاءِ بِالتَّمَكُّنِ وَإِنْ فَسَدَ] إلَخْ: هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ وَقَدْ أُسْقِطَ لَفْظُ بِقَوْلِهِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ وَقْتَ الْحَرْثِ] : أَيْ وَسَوَاءٌ حَصَلَ الْغَرَقُ بَعْدَ الْحَرْثِ أَوْ قَبْلَهُ وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْكِرَاءُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْغَرَقَ بِمَنْزِلَةِ الْجَرَادِ الطَّارِئِ عَلَى الزَّرْعِ.
قَوْلُهُ: [وَسَيَأْتِي مَفْهُومٌ بَعْدَ الْإِبَّانِ] : أَيْ فِي قَوْلِهِ أَوْ غَرِقَ قَبْلَ الْإِبَّانِ.
قَوْلُهُ: [وَلِذَا لَوْ عُدِمَ الْبَذْرُ] إلَخْ: أَيْ عَدَمُوهُ مِلْكًا وَتَسَلُّفًا حَتَّى مِنْ الْبَلَدِ الْمُجَاوِرِ لَهُمْ.
قَوْلُهُ: [مَا لَمْ يُقْصَدْ مِنْ سِجْنِهِ] إلَخْ: وَيُعْلَمُ قَصْدُهُ بِقَرِينَةٍ أَوْ بِقَوْلٍ.
سَجَنَهُ كَمَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى عَدَمِهِ.
(بِخِلَافِ تَلَفِهِ) : أَيْ الزَّرْعِ (بِآفَةِ الْأَرْضِ) أَيْ النَّاشِئَةِ مِنْهَا (كَدُودِهَا أَوْ فَأْرِهَا أَوْ عَطَشٍ) فِي أَرْضِ الْمَطَرِ لِعَدَمِ نُزُولِهِ عَلَيْهِ كَعَدَمِ الرَّيِّ فِي النِّيلِ (أَوْ غَرَقٍ) لِلْأَرْضِ (قَبْلَ الْإِبَّانِ وَاسْتَمَرَّ) الْغَرَقُ عَلَيْهَا حَتَّى فَاتَ وَقْتُ مَا تُرَادُ لَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ (وَلَوْ عَطَشَ الْبَعْضُ) دُونَ الْبَعْضِ (أَوْ غَرِقَ) الْبَعْضُ وَاسْتَمَرَّ دُونَ الْبَعْضِ (فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ) : وَهُوَ أَنَّ مَا عَطِشَ أَوْ لَمْ يُرْوَ أَوْ غَرِقَ قَبْلَ الْإِبَّانِ وَاسْتَمَرَّ فَلَا كِرَاءَ لَهُ، وَمَا لَمْ يَعْطَشْ وَلَمْ يَغْرَقْ فَعَلَيْهِ فِيهِ الْكِرَاءُ.
(وَلَوْ جَرَّ السَّيْلُ) أَوْ النِّيلُ (حَبًّا) بُذِرَ فِي أَرْضٍ (أَوْ) جَرَّ (زَرْعًا) نَبَتَ فِي أَرْضٍ لِمَالِكِهَا أَوْ مَالِكِ مَنْفَعَتِهَا (لِأَرْضٍ) أُخْرَى (فَلِرَبِّهَا) : أَيْ فَالْحَبُّ الْمَجْرُورُ أَوْ الزَّرْعُ لِرَبِّ الْأَرْضِ الْمَجْرُورِ إلَيْهَا، لَا لِرَبِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا انْجَرَّ إلَى أَرْضٍ غَيْرِ أَرْضِهِ قَهْرًا عَنْهُ كَانَ ضَائِعًا فَيَثْبُتُ لِمَنْ نَبَتَ فِي أَرْضِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِرَبِّهِ مِنْ مِثْلٍ وَلَا قِيمَةٍ.
(وَلَا يُجْبَرُ مُؤَجِّرٌ) لِدَارٍ أَوْ غَيْرِهَا (عَلَى إصْلَاحٍ) لِلْمُكْتَرِي مِنْهُ إذَا
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ] : أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ الْبَاقِي قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ لِلتَّالِفِ كَخَمْسَةِ أَفْدِنَةٍ مِنْ مِائَةٍ إذَا كَانَتْ مُفَرَّقَةَ الْفَدَادِينِ فَلَا أُجْرَةَ لَهَا لِأَنَّهَا كَالْهَالِكِ، وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ لَهَا أُجْرَةٌ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُفَرَّقَةٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَاشِيَةِ، وَمِثْلُ عَطَشِ الْبَعْضِ بَاقِي آفَاتِ الْأَرْضِ الَّتِي تَمْنَعُ الْكِرَاءَ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ جَرَّ السَّيْلُ] : مِثْلَ ذَلِكَ مَا إذَا انْتَثَرَ لِلْمُكْتَرِي أَرْضًا حَبٌّ مِنْ زَرْعِهِ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ زَمَنَ الْحَصَادِ فَنَبَتَ فِيهَا فِي الْعَامِ الْقَابِلِ فَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِهِ، بَلْ لِرَبِّ الْأَرْضِ لِإِعْرَاضِ رَبِّهِ عَنْهُ بِانْقِضَاءِ مُدَّتِهِ، وَلِذَا لَوْ بَقِيَتْ مُدَّةَ الْكِرَاءِ كَانَ الزَّرْعُ لَهُ.
وَأَمَّا لَوْ بَذَرَهُ فِي الْأَرْضِ الَّتِي اكْتَرَاهَا فَلَمْ يَنْبُتْ فِي سَنَتِهِ بَلْ فِي قَابِلٍ كَانَ لِرَبِّهِ وَعَلَيْهِ كِرَاءُ الْأَرْضِ، كَمَا أَنَّ عَلَيْهِ كِرَاءَ الْعَامِ الْمَاضِي إنْ كَانَ عَدَمُ النَّبَاتِ لِغَيْرِ عَطَشٍ وَنَحْوِهِ وَإِلَّا فَلَا كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [أَوْ الزَّرْعُ لِرَبِّ الْأَرْضِ الْمَجْرُورِ إلَيْهَا] : أَيْ وَهُوَ مَالِكُ ذَاتِهَا أَوْ مَنْفَعَتِهَا.
قَوْلُهُ: [وَلَا يُجْبَرُ مُؤَجِّرٌ] : أَخَذَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ مَنْ لَهُ خَرِبَةٌ فِي جِوَارِ شَخْصٍ يَحْصُلُ لَهُ مِنْهَا ضَرَرٌ عَلَى عِمَارَتِهَا وَلَا عَلَى بَيْعِهَا وَيُقَالُ
حَصَلَ فِي الدَّارِ أَوْ الْحَانُوتِ أَوْ الْحَمَّامِ أَوْ الْبِئْرِ الْمُكْتَرَاةِ خَلَلٌ (مُطْلَقًا) كَانَ يُمْكِنُ مَعَهُ الِانْتِفَاعُ أَمْ لَا، يَضُرُّ بِالْمُكْتَرِي أَمْ لَا.
بِاتِّفَاقٍ فِي الْكَثِيرِ الْمُضِرِّ، وَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْيَسِيرِ.
فَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْيَسِيرِ وَلَوْ مُضِرًّا.
(وَ) إذَا لَمْ يُجْبَرْ الْمُكْرِي عَلَى الْإِصْلَاحِ فَإِذَا لَمْ يَصْلُحْ (خُيِّرَ السَّاكِنُ) بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِبْقَاءِ (فِي) حُدُوثِ خَلَلٍ (مُضِرٍّ) وَلَوْ مَعَ نَقْصِ مَنَافِعَ، كَهَطْلٍ: أَيْ تَتَابُعِ الْمَطَرِ مِنْ السَّقْفِ لِلْخَلَلِ الْحَادِثِ بِهِ، وَكَهَدْمِ سَاتِرٍ أَوْ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهَا أَوْ الْبَاذَهْنَجُ.
(فَإِنْ بَقِيَ فَالْكِرَاءُ) كُلُّهُ لَازِمٌ لَهُ.
وَمَفْهُومُ: " مُضِرٍّ " أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَضُرُّ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَيَلْزَمُهُ السُّكْنَى.
إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يُنْقِصُ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْئًا فَظَاهِرٌ، كَسُقُوطِ بَعْضِ شُرُفَاتِ الْبَيْتِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُعْتَنَى بِهِ عَادَةً.
وَإِنْ كَانَ يُنْقِصُ مِنْ الْكِرَاءِ حَطَّ عَنْهُ بِقَدْرِهِ وَإِنْ قَلَّ؛ كَسُقُوطِ تَجْصِيصِهَا أَوْ ذَهَابِ بَلَاطِهَا أَوْ هَدْمِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهَا وَكَانَ لَا يَضُرُّ وَسُقُوطِ شُرُفَاتِهَا مَعَ تَنْقِيصِهِ مِنْ الْكِرَاءِ.
فَإِنْ أَصْلَحَ الْمُكْتَرِي بِلَا إذْنٍ كَانَ مُتَبَرِّعًا لَا شَيْءَ لَهُ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ.
فَإِنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ خُيِّرَ
[حاشية الصاوي]
لَهُ: ادْفَعْ عَنْ نَفْسِكَ الضَّرَرَ بِمَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى رَبِّهَا إنْ حَصَلَ بِسَبَبِهَا تَلَفٌ، وَبِهِ أَفْتَى الشَّيْخُ سَالِمٌ السَّنْهُورِيُّ وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِلُزُومِ رَبِّ الْخَرِبَةِ بِمَا يَدْفَعُ الضَّرَرَ مِنْ عِمَارَةٍ أَوْ بَيْعٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ.
قَوْلُهُ: [وَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْيَسِيرِ] : أَيْ وَأَمَّا ابْنُ حَبِيبٍ فَيَقُولُ: يُجْبَرُ الْمُكْرِي عَلَى الْإِصْلَاحِ فِيهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَبِهِ الْعَمَلُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ الْبَاذَهْنَجُ] : أَيْ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُلَقَّفِ.
قَوْلُهُ: [فَالْكِرَاءُ كُلُّهُ لَازِمٌ لَهُ] : أَيْ لِأَنَّ خِيَرَتَهُ تَنْفِي ضَرَرَهُ.
قَوْلُهُ: [بَعْضِ شُرُفَاتِ الْبَيْتِ] : الشِّينُ مَضْمُومَةٌ وَالرَّاءُ مَضْمُومَةٌ أَوْ مَفْتُوحَةٌ أَوْ سَاكِنَةٌ.
قَوْلُهُ: [كَانَ مُتَبَرِّعًا] إلَخْ: هَذَا إذَا كَانَ الْعَقَارُ مِلْكًا وَأَمَّا مَنْ اسْتَأْجَرَ وَقْفًا يَحْتَاجُ لِإِصْلَاحٍ فَأَصْلَحَهُ الْمُكْتَرِي بِغَيْرِ إذْنِ نَاظِرِهِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ قِيمَةَ بِنَائِهِ قَائِمًا لِقِيَامِهِ عَنْهُ بِوَاجِبٍ لِلْوَقْفِ عَلَى النَّاظِرِ لَا لِأَجْلِ الْمُسْتَأْجِرِ فَالْوُجُوبُ لِحَقِّ اللَّهِ لَا لِخُصُوصِ السَّاكِنِ.
قَوْلُهُ: [فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ] : أَيْ وَهِيَ الْمُضِرُّ وَغَيْرُ الْمُضِرِّ وَلَا يَنْقُصُ الْكِرَاءُ وَغَيْرُ الْمُضِرِّ وَيَنْقُصُ.
رَبُّ الدَّارِ بَيْنَ دَفْعِ قِيمَتِهِ مَنْقُوضًا أَوْ أَمَرَهُ بِنَقْضِهِ كَالْغَاصِبِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَذِنَ فَلَهُ قِيمَتُهُ قَائِمًا إذَا لَمْ يَقُلْ رَبُّهَا: عَمِّرْ وَمَا صَرَفْته فَعَلَيَّ، فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ مَا صَرَفَهُ.
وَقَوْلُنَا: " وَخُيِّرَ السَّاكِنُ فِي مُضِرٍّ ": أَيْ إذَا لَمْ يَصْلُحْ الْمُؤَجَّرُ كَمَا قَدَّمْنَا، فَإِنْ أَصْلَحَ لَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ، بَلْ يُجْبَرُ عَلَى السُّكْنَى بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بِخِلَافِ سَاكِنٍ أَصْلَحَ لَهُ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: قَبْلَ خُرُوجِهِ أَنَّهُ لَوْ أَصْلَحَ لَهُ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ، فَلَا يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ لَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ.
(وَالْقَوْلُ) عِنْدَ التَّنَازُعِ بَيْنَ الْأَجِيرِ وَمُسْتَأْجِرِهِ (لِلْأَجِيرِ أَنَّهُ أَوْصَلَ مَا أُرْسِلَ بِهِ) مِمَّا اُسْتُؤْجِرَ عَلَى إيصَالِهِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ غَيْرِهِ بِيَمِينِهِ إنْ أَشْبَهَ؛ بِأَنْ كَانَ الْأَمَدُ يَبْلُغُ فِي مِثْلِهِ عَادَةً فَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ لِأَنَّهُ أَمِينٌ.
فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ حَلَفَ الْمُسْتَأْجِرُ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ يَضْمَنُ إذَا أَنْكَرَ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ الْوُصُولَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ لَا فِي الضَّمَانِ، فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَدِيعَةِ مِنْ الضَّمَانِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بَلْ يُجْبَرُ عَلَى السُّكْنَى] : أَيْ حَيْثُ كَانَتْ وَجِيبَةً أَوْ نَقَدَ كِرَاءَهَا وَإِلَّا فَلَا يُجْبَرُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: [حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ] : حَتَّى غَائِيَّةٌ بِمَعْنَى " إلَى " مُفَرَّعٌ عَلَى الْمَنْفِيِّ.
تَنْبِيهٌ: إنْ غَارَتْ عَيْنُ الْمُكْرِي لِأَرْضِ زِرَاعَةٍ سِنِينَ بَعْدَ زَرْعِهَا وَأَبَى الْمُكْرِي مِنْ التَّعْمِيرِ أَنْفَقْت أَيُّهَا الْمُكْتَرِي أُجْرَةَ سَنَةٍ لِيَتِمَّ زَرْعُك فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَيَلْزَمُ الْمُكْرِي مَا أَنْفَقْت لِأَنَّك قُمْت عَنْهُ بِوَاجِبٍ، فَلَوْ كَانَ لَا يُصْلِحُهَا إلَّا أَكْثَرُ مِنْ أُجْرَةِ سَنَةٍ وَأَبَى رَبُّهَا مِنْ الْإِصْلَاحِ وَمِنْ الْإِذْنِ فَأَنْفَقَ الْمُكْتَرِي كَانَ مُتَبَرِّعًا بِالزَّائِدِ، فَإِنْ أَبَى مِنْ الْإِنْفَاقِ أَيْضًا كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ لِأَنَّ هَلَاكَ الزَّرْعِ مِنْ الْعَطَشِ كَذَا فِي الْأَصْلِ.
[التَّنَازُعِ بَيْنَ الْأَجِيرِ وَمُسْتَأْجِرِهِ]
[تَنْبِيهٌ ادَّعَى الصَّانِعُ الِاسْتِصْنَاعَ]
قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ] : رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ بِيَمِينِهِ.
قَوْلُهُ: [حَلَفَ الْمُسْتَأْجِرُ] : أَيْ إنْ حَقَّقَ عَلَيْهِ الدَّعْوَى وَإِلَّا فَلَا يَمِينَ وَلَا أُجْرَةَ.
قَوْلُهُ: [لَا فِي نَفْيِ الضَّمَانِ] : أَيْ ضَمَانِ الشَّيْءِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَدِيعَةِ مِنْ الضَّمَانِ] : قَالَ خَلِيلٌ فِي الْوَدِيعَةِ عَاطِفًا عَلَى مَا فِيهِ الضَّمَانُ أَوْ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ الْمُنْكِرُ وَلَا بَيِّنَةَ.
وَقَالَ فِي الْوَكَالَةِ: وَضَمِنَ إنْ أَقْبَضَ الدَّيْنَ وَلَمْ يُشْهِدْ قَالَ شُرَّاحُهُ وَمِثْلُ الدَّيْنِ غَيْرُهُ.
(أَوْ أَنَّهُ اسْتَصْنَعَ) أَيْ: وَالْقَوْلُ لِلْأَجِيرِ إذَا كَانَ صَانِعًا وَدُفِعَ لَهُ شَيْءٌ لَهُ فِيهِ صَنْعَتُهُ كَخَيَّاطٍ دُفِعَ لَهُ ثَوْبٌ فَخَاطَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ دُفِعَ لَهُ لِيَصْنَعَهُ، وَقَالَ رَبُّهُ: بَلْ دَفَعْته لَك وَدِيعَةً عِنْدَك؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ فِيمَا يُدْفَعُ لِلصُّنَّاعِ - الِاسْتِصْنَاعُ وَالْإِيدَاعُ نَادِرٌ - فَيَلْزَمُ رَبَّهُ الْأُجْرَةُ.
(أَوْ أَنَّهُ عَلَى الصِّفَةِ) : الَّتِي قُلْت لِي عَلَيْهَا، وَقَالَ رَبُّهُ: بَلْ ذَكَرْت لَك صِفَةً أُخْرَى؛ فَالْقَوْلُ لِلْأَجِيرِ كَخَيَّاطٍ وَصَبَّاغٍ وَنَجَّارٍ وَنَحْوِهِمْ (إنْ أَشْبَهَ) الْأَجِيرَ فِي دَعْوَاهُ، فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ حَلَفَ رَبُّهُ وَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِهِ وَدَفَعَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَتَرَكَهُ وَأَخَذَ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَصْنُوعٍ، فَإِنْ نَكَلَ اشْتَرَكَا؛ هَذَا بِقِيمَةِ ثَوْبِهِ مَثَلًا غَيْرَ مَصْبُوغٍ وَهَذَا بِقِيمَةِ صَبْغِهِ.
فَقَوْلُهُ أَوْ أَنَّهُ عَلَى الصِّفَةِ، مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الِاسْتِصْنَاعِ وَاخْتَلَفَا صِفَتُهَا.
وَكَذَا الْقَوْلُ لِلْأَجِيرِ فِي قَدْرِ الْأُجْرَةِ إنْ أَشْبَهَ بِيَمِينِهِ، أَشْبَهَ رَبَّهُ أَمْ لَا.
فَإِنْ انْفَرَدَ رَبُّهُ بِالشَّبَهِ، فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَا، وَكَانَ لِلْأَجِيرِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ.
كَأَنْ نَكَلَا مَعًا وَقُضِيَ لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَصْنُوعُ تَحْتَ يَدِ الصَّانِعِ، فَإِنْ حَازَهُ رَبُّهُ، أَوْ كَانَ الصَّانِعُ إنَّمَا يَصْنَعُهُ فِي بَيْتِ رَبِّهِ.
وَلَا يُمْكِنُهُ مِنْ الْخُرُوجِ بِهِ، أَوْ كَالْبِنَاءِ، فَالْقَوْلُ فِي قَدْرِ الْأُجْرَةِ لِرَبِّهِ إذَا لَمْ يَنْفَرِدْ الصَّانِعُ بِالشَّبَهِ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لَهُ.
(لَا فِي رَدِّهِ) : أَيْ الْمَصْنُوعِ لِرَبِّهِ (وَهُوَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ) . كَالثَّوْبِ وَالْحُلِيِّ:
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [إنْ أَشْبَهَ] : أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِمَالِكِهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ كَصَبْغِهِ شَاشًا أَخْضَرَ لِشَرِيفٍ أَوْ أَزْرَقَ لِنَصْرَانِيٍّ فَلَا يُقْبَلُ دَعْوَى شَرِيفٍ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِصَبْغِهِ أَزْرَقَ لِيُهْدِيَهُ لِنَصْرَانِيٍّ، وَلَا دَعْوَى نَصْرَانِيٍّ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِصَبْغِهِ أَخْضَرَ لِيُهْدِيَهُ لِشَرِيفٍ، وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ تُؤَيِّدُ قَوْلَ الْمَالِكِ.
وَقَوْلُهُ: [إنْ أَشْبَهَ] : رَاجِعٌ لِلْفُرُوعِ الثَّلَاثَةِ فَحَذَفَهُ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ لِدَلَالَةِ الثَّالِثِ عَلَيْهِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا الْقَوْلُ] إلَخْ: زِيَادَةٌ مِنْ الشَّارِحِ عَلَى الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: [كَأَنْ نَكَلَا مَعًا] : أَيْ فَفِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَصْنُوعُ] إلَخْ: تَقْيِيدٌ لِلتَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي التَّنَازُعِ فِي قَدْرِ الْأُجْرَةِ.
قَوْلُهُ: [لَا فِي رَدِّهِ] : حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى الصَّانِعُ رَدَّ الْمَصْنُوعِ لِرَبِّهِ وَأَنْكَرَ
أَيْ فَلَيْسَ الْقَوْلُ قَوْلَ الصَّانِعِ إنَّهُ رَدَّهُ لِرَبِّهِ، بَلْ الْقَوْلُ لِرَبِّهِ بِيَمِينِهِ.
وَأَمَّا مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ - كَدَابَّةٍ دَفَعَهَا رَبُّهَا لِمَنْ يَعْلَمُهَا بِأَجْرٍ وَادَّعَى رَدَّهَا - فَالْقَوْلُ لِلْأَجِيرِ فِي رَدِّهَا.
وَلَمَّا كَانَ لَهُمْ مَسَائِلُ مِنْ الْإِجَارَةِ تُشْبِهُ الْجَعَالَةَ، مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ فِيهَا الْأَجِيرُ أُجْرَتَهُ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ نَبَّهَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَالْأَصَحُّ) الَّذِي هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ (أَنَّ كِرَاءَ السُّفُنِ) ، إنَّمَا يُسْتَحَقُّ (بِالْبَلَاغِ) إلَى الْمَحَلِّ الْمُشْتَرَطِ: أَيْ مَعَ إمْكَانِ إخْرَاجِ مَا فِيهَا فَإِنْ غَرِقَتْ فِي الْأَثْنَاءِ أَوْ بَعْدَ الْبَلَاغِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ إخْرَاجِ مَا فِيهَا فَلَا أُجْرَةَ لِرَبِّهَا وَهِيَ إجَارَةٌ لَازِمَةٌ بِالْعَقْدِ لَا جَعَالَةٌ.
[حاشية الصاوي]
رَبُّهُ أَخْذَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّهِ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّانِعُ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَصْنُوعُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ الْوَدِيعَةِ أَنَّ الْمُودَعَ بِالْفَتْحِ قَبَضَ الْوَدِيعَةَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الضَّمَانِ وَالصَّانِعَ قَبَضَ مَا فِيهِ صَنْعَتُهُ وَيُغَابُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ.
قَوْلُهُ: [فَالْقَوْلُ لِلْأَجِيرِ فِي رَدِّهَا] : أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهَا بِبَيِّنَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلتَّوْثِيقِ وَإِلَّا فَلَا يُقْبَلُ دَعْوَاهُ رَدًّا وَلَا تَلَفًا.
تَنْبِيهٌ: إنْ ادَّعَى الصَّانِعُ الِاسْتِصْنَاعَ كَصَبَّاغٍ صَبَغَ الثَّوْبَ، وَقَالَ رَبُّهُ سُرِقَ مِنِّي، فَإِنْ أَرَادَ رَبُّهُ أَخْذَهُ دَفَعَ قِيمَةَ الصَّبْغِ بَعْدَ حَلِفِهِ أَنَّهُ مَا اسْتَصْنَعَهُ إنْ زَادَتْ دَعْوَى الصَّانِعِ عَلَى قِيمَةِ الصَّبْغِ وَإِلَّا أَخَذَهُ بِلَا يَمِينٍ وَدَفَعَ لِلصَّانِعِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْأُجْرَةِ وَإِنْ اخْتَارَ تَغْرِيمَهُ قِيمَةَ الثَّوْبِ، فَإِنْ دَفَعَ الصَّانِعُ قِيمَتَهُ أَبْيَضَ يَوْمَ الْحُكْمِ عَلَى الْأَظْهَرِ فَلَا يَمِينَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهَا حَلَفَا وَبُدِّئَ الصَّانِعُ، وَقِيلَ يَبْدَأُ رَبُّهُ وَاشْتَرَكَا إنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا وَقَضَى لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي لَتِّ السَّوِيقِ فَقَالَ اللَّاتُّ: أَمَرْتنِي أَنْ أَلِتَّهُ بِخَمْسَةِ أَرْطَالٍ مِنْ سَمْنٍ، وَقَالَ رَبُّهُ: مَا أَمَرْتُك بِشَيْءٍ أَصْلًا بَلْ سُرِقَ مِنِّي أَوْ غُصِبَ فَلَا يَحْلِفَانِ وَلَا يَشْتَرِكَانِ، بَلْ يُقَالُ لِرَبِّهِ ادْفَعْ لَهُ قِيمَةَ مَا ادَّعَاهُ فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلَّاتِّ ادْفَعْ لَهُ مِثْلَ السَّوِيقِ غَيْرَ مَلْتُوتٍ كَذَا فِي الْأَصْلِ.
[الْأَحْوَال الَّتِي تَسْتَحِقّ فِيهَا الْأُجْرَة بِتَمَامِ الْعَمَل]
قَوْلُهُ: [وَهِيَ إجَارَةٌ لَازِمَةٌ بِالْعَقْدِ لَا جَعَالَةٌ] : أَيْ مَا لَمْ يُصَرِّحْ عِنْدَ الْعَقْدِ بِالْجَعَالَةِ وَإِلَّا كَانَتْ جَعَالَةً غَيْرَ لَازِمَةٍ وَلَهَا حُكْمٌ يَخُصُّهَا كَمَا يَأْتِي.
(إلَّا أَنْ يُتِمَّ الْعَمَلَ غَيْرُهُ) : أَيْ غَيْرُ الْأَوَّلِ.
فَإِذَا عَطِبَتْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَجَاءَ رَبُّ سَفِينَةٍ أُخْرَى فَحَمَلَ مَا فِيهَا إلَى الْمَحَلِّ الْمَقْصُودِ بِأُجْرَةٍ كَثِيرَةٍ أَوْ قَلِيلَةٍ (فَلِلْأَوَّلِ) الَّذِي غَرِقَتْ سَفِينَتُهُ (بِحَسَبِ كِرَائِهِ) لَا بِحَسَبِ الْكِرَاءِ الثَّانِي.
فَإِنْ غَرِقَ بَعْضُ مَا فِيهَا وَنَجَا الْبَعْضُ فَحَمَلَهُ غَيْرُهُ إلَى الْمَحَلِّ فَلَا كِرَاءَ لِمَا غَرِقَ، وَإِنَّمَا لَهُ كِرَاءُ مَا بَقِيَ إلَى مَحَلِّ الْغَرَقِ عَلَى حَسَبِ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ لَا بِنِسْبَةِ الثَّانِي.
وَهَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يَعْقِدْ عَلَى الْجَعَالَةِ وَهِيَ غَيْرُ لَازِمَةٍ كَمَا يَأْتِي.
فَإِنْ عَقَدَا عَلَيْهَا؛ كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ حَمَلْت مَتَاعِي هَذَا أَوْ: كُلُّ مَنْ حَمَلَهُ إلَى الْقَاهِرَةِ فَلَهُ كَذَا، فَحَمَلَهُ إنْسَانٌ فِي سَفِينَتِهِ فَغَرِقَتْ فَحَمَلَهُ غَيْرُهُ بِكِرَاءٍ أَوْ جُعْلٍ فَلَهُ بِحِسَابِ الثَّانِي كَمَا يَأْتِي فِي الْجَعَالَةِ.
وَسَيَأْتِي أَيْضًا أَنَّ مَا جَازَ جَعَالَةً جَازَ إجَارَةً وَلَا عَكْسَ.
(كَمُشَارَطَةِ طَبِيبٍ عَلَى الْبُرْءِ) فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ إلَّا بِحُصُولِهِ، فَإِنْ تُرِكَ قَبْلَ الْبُرْءِ فَلَا شَيْءَ لَهُ، إلَّا أَنْ يُتَمِّمَ غَيْرَهُ فَلَهُ بِحِسَابِ كِرَائِهِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ الْأُجْرَةَ عَلَى الْبُرْءِ فَلَهُ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ.
(وَ) مُشَارَطَةِ (مُعَلِّمٍ عَلَى حِفْظِ قُرْآنٍ) كُلًّا أَوْ بَعْضًا، فَلَا أُجْرَةَ لَهُ إلَّا بِالْحِفْظِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَإِذَا عَطِبَتْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ] : الْمُرَادُ مَنَعَهَا مِنْ السَّفَرِ مَانِعٌ قَهْرِيٌّ، وَأَمَّا لَوْ أَخْرَجَ مَا فِي السَّفِينَةِ بِاخْتِيَارِهِ فَأَكْرَى رَبُّهُ عَلَيْهِ فَلَا شَيْءَ لِلْأَوَّلِ مِنْ الْأَجْرِ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ الرَّاكِبُ فِي السَّفِينَةِ قَبْلَ الْبَلَاغِ بِاخْتِيَارِهِ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْأَجْرِ وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِي الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [بِحَسَبِ كِرَائِهِ] إلَخْ: أَيْ كَمَا إذَا كَانَ كِرَاءُ، الْأَوَّلِ عَشَرَةً وَغَرِقَتْ فِي نِصْفِ الطَّرِيقِ فَاسْتَأْجَرَ عَلَيْهَا بِعِشْرِينَ فَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ إلَّا خَمْسَةٌ، وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنِسْبَةِ الثَّانِي لَكَانَ لَهُ عِشْرُونَ.
قَوْلُهُ: [فَلَهُ بِحِسَابِ الثَّانِي كَمَا يَأْتِي فِي الْجَعَالَةِ] : أَيْ فِي قَوْلِهِ إلَّا أَنْ يُتِمَّهُ غَيْرُهُ فَبِنِسْبَةِ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: [وَسَيَأْتِي أَيْضًا أَنَّ مَا جَازَ جَعَالَةً] إلَخْ: أَيْ فِي قَوْلِهِ وَكُلُّ مَا جَازَ فِيهِ.
الْجُعْلُ جَازَتْ فِيهِ الْإِجَارَةُ وَلَا عَكْسَ.
قَوْلُهُ: [فَلَهُ بِحِسَابِ مَا عَمِلَ] : أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بُرْءٌ بِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا أُجْرَةَ لَهُ إلَّا بِالْحِفْظِ] : أَيْ فَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ الْأُجْرَةَ عَلَى الْحِفْظِ، بَلْ عَلَى
وَكَذَا مُعَلِّمُ صَنْعَةٍ: عَلَى أَنَّهُ إنْ تَعَلَّمَهَا فَلِلْمُعَلِّمِ كَذَا.
(وَ) مُشَارَطَةُ (حَافِرِ بِئْرٍ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْمَاءِ) فَلَا يَسْتَحِقُّ الْحَافِرُ أُجْرَةً إلَّا بِالتَّمَامِ وَاعْتَرَضَ هَذَا الْفَرْعَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: بِأَنَّهُ مِنْ الْجَعَالَةِ لَا مِنْ الْإِجَارَةِ، وَيُجَابُ: بِأَنَّهُ يُمْكِنُ جَعْلُهُ مِنْ الْإِجَارَةِ إذَا كَانَ بِأَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ وَدَخَلَا عَلَى الْإِجَارَةِ.
(وَإِنْ فَرَّطَ) رَبُّ الْأَمْتِعَةِ (بَعْدَ الْبَلَاغِ) : أَيْ بَلَاغِ السَّفِينَةِ لِلْمَحَلِّ الْمَقْصُودِ (فِي إخْرَاجِ مَا فِيهَا) : أَيْ السَّفِينَةِ مِنْ الْأَمْتِعَةِ (فَتَلِفَ) مَا فِيهَا بِغَرَقٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَالْكِرَاءُ) لَازِمٌ لِرَبِّهَا (كَأَنْ أَخْرَجَ) مَا فِيهَا (فِي الْأَثْنَاءِ) : أَيْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ أَيْ أَخْرَجَهُ رَبُّهُ اخْتِيَارًا مِنْهُ (لِغَيْرِ عِلْمٍ) تَقْتَضِي الْإِخْرَاجَ: أَيْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ حَدَثَتْ بِالسَّفِينَةِ مِنْ غَرَقٍ أَوْ عَطَبٍ أَوْ غَصْبٍ لَهَا، فَيَلْزَمُ رَبَّهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ.
(وَجَازَ إنْ خِيفَ) عَلَيْهَا (الْغَرَقُ طَرْحُ مَا بِهِ) : أَيْ فِعْلُ مَا فِي طَرْحِهِ مِنْهَا (النَّجَاةُ) مِنْ الْغَرَقِ (غَيْرُ آدَمِيٍّ) . وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَلَا يَجُوزُ طَرْحُهُ وَلَوْ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا فَلَا يَجُوزُ طَرْحُ ذِمِّيٍّ لِنَجَاةِ مُسْلِمٍ وَلَا طَرْحُ عَبْدٍ لِنَجَاةِ حُرٍّ.
(وَبُدِئَ) فِي الطَّرْحِ (بِمَا ثَقُلَ) : كَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ، وَبُدِئَ مِنْهُ بِمَا قَلَّ
[حاشية الصاوي]
التَّعْلِيمِ كَانَ لَهُ الْأَجْرُ بِحِسَابِ مَا عَمِلَهُ حَصَلَ حِفْظٌ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [وَيُجَابُ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ] إلَخْ: أَيْ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا جَازَتْ فِيهِ الْجَعَالَةُ.
جَازَتْ فِيهِ الْإِجَارَةُ.
قَوْلُهُ: [فَيَلْزَمُ رَبَّهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ] إلَخْ: لَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ كَوْنِ الْعَقْدِ جَعَالَةً أَوْ إجَارَةً.
قَوْلُهُ: [مَا بِهِ] : أَيْ فَعَلَ مَا بِهِ النَّجَاةُ مِنْ طَرْحٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمُرَادُهُ بِالْجَوَازِ الْإِذْنُ الصَّادِقُ بِالْوُجُوبِ، لِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ وَاجِبٌ إذَا تَحَقَّقَ الْعَطَبُ بِالتَّرْكِ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَلَا يَجُوزُ طَرْحُهُ] : أَيْ خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ الْقَائِلِ بِجَوَازِ طَرْحِ الْآدَمِيِّينَ بِالْقُرْعَةِ لِأَنَّ هَذَا كَالْخَرْقِ لِلْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إمَاتَةُ أَحَدٍ مِنْ الْآدَمِيِّينَ لِنَجَاةِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: [وَبُدِئَ فِي الطَّرْحِ بِمَا ثَقُلَ] إلَخْ: أَيْ وُجُوبًا لِأَجْلِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَالِ لِأَنَّهُ يَجِبُ الْمُحَافَظَةُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
ثَمَنُهُ كَالْحَجَرِ (أَوْ عَظُمَ جِرْمُهُ) وَإِنْ لَمْ يَثْقُلْ: كَالتِّبْنِ وَالْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ.
(وَوُزِّعَ) مَا طُرِحَ (عَلَى مَالِ التِّجَارَةِ فَقَطْ) : أَيْ دُونَ غَيْرِهِ، كَفَرْشِ الْإِنْسَانِ وَغِطَائِهِ وَزَادِهِ مِمَّا لَيْسَ فِي التِّجَارَةِ فِيهِ مَدْخَلٌ (طُرِحَ) مَالُ التِّجَارَةِ (أَوْ لَا بِقِيمَتِهِ) أَيْ بِقِيمَةِ الْمَطْرُوحِ مُتَعَلِّقٌ " بِوَزَّعَ " (يَوْمَ التَّلَفِ) : مُتَعَلِّقٌ " بِقِيمَتِهِ "، فَيُقَالُ: مَا قِيمَةُ الْمَطْرُوحِ يَوْمَ طَرْحِهِ؟ فَإِذَا قِيلَ: مِائَةٌ، وَمَا قِيمَةُ مَا لَمْ يُطْرَحْ؟ فَإِذَا قِيلَ مِائَتَانِ، فَصَارَ قِيمَةُ الْجَمِيعِ ثَلَثَمِائَةٍ فَقَدْ ضَاعَ ثُلُثُ الْمَالِ، فَيَرْجِعُ عَلَى مَنْ لَمْ يَطْرَحْ مَالَهُ بِثُلُثِ قِيمَتِهِ.
وَلَوْ قِيلَ بِعَكْسِ مَا تَقَدَّمَ رَجَعَ عَلَى مَنْ لَمْ يَطْرَحْ مَالَهُ بِالثُّلُثَيْنِ؛ وَلَوْ كَانَ اثْنَانِ لِأَحَدِهِمَا مَا يُسَاوِي ثَلَثَمِائَةٍ وَالثَّانِي مَا يُسَاوِي سِتَّمِائَةٍ، وَطُرِحَ مِنْ الْأَوَّلِ مَا يُسَاوِي مِائَةً وَمِنْ الثَّانِي مَا يُسَاوِي مِائَتَيْنِ، فَلَا رُجُوعَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ مَا طُرِحَ ثُلُثُ الْجَمِيعِ وَعَلَى كُلِّ ثُلُثٍ مَا بِيَدِهِ، وَقَدْ حَصَلَ.
وَلَوْ كَانَ الطَّرْحُ بِالْعَكْسِ، بِأَنْ طُرِحَ لِذِي السِّتِّمِائَةِ مَا يُسَاوِي مِائَةً وَلِذِي الثَّلَثِمِائَةِ مَا يُسَاوِي مِائَتَيْنِ، لَرَجَعَ عَلَى ذِي السِّتِّمِائَةِ بِمِائَةٍ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [جِرْمُهُ] : بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ جِسْمُهُ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ يَثْقُلْ] : أَيْ لِأَنَّ عِظَمَ الشَّيْءِ يَكُونُ سَبَبًا فِي الْغَرَقِ.
قَوْلُهُ: [وَوُزِّعَ مَا طُرِحَ عَلَى مَالِ التِّجَارَةِ] : أَيْ إنْ كَانَ فِيهَا مَالُ تِجَارَةٍ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَالُ تِجَارَةٍ وَإِنَّمَا فِيهَا ذَوَاتُ الْآدَمِيِّينَ وَغِطَاؤُهُمْ وَوِطَاؤُهُمْ فَيَرْمِي الْغِطَاءَ وَالْوِطَاءَ وَيُوَزِّعُ عَلَى بَاقِي أَمْوَالِهِمْ عَلَى الظَّاهِرِ.
قَوْلُهُ: [فِي التِّجَارَةِ فِيهِ مَدْخَلٌ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ وَالْكَلَامُ فِيهَا عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ وَالْأَصْلُ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ مَدْخَلٌ فِي شَأْنِ التِّجَارَةِ.
قَوْلُهُ: [طُرِحَ مَالُ التِّجَارَةِ] : هَكَذَا لَفْظُ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ فِي نُسْخَةِ الْمُؤَلِّفِ وَلَعَلَّ الْمَتْنَ سَقَطَ مِنْهُ مَا وَالْأَصْلُ مَا طُرِحَ وَسَقَطَ مِنْ الشَّارِحِ مِنْ الْأَصْلِ وَوُزِّعَ عَلَى مَالِ التِّجَارَةِ فَقَطْ مَا طُرِحَ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ أَوَّلًا، وَبَعْدَ ذَلِكَ فَلَا مَفْهُومَ لِمَالِ التِّجَارَةِ بَلْ يُوَزَّعُ عَلَى مَالِ التِّجَارَةِ مَا طُرِحَ لِلنَّجَاةِ كَانَ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ أَوْ غَيْرِهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ قِيلَ بِعَكْسِ مَا تَقَدَّمَ] : أَيْ بِأَنْ قِيلَ قِيمَةُ الْمَطْرُوحِ مِائَتَانِ وَقِيمَةُ مَا لَمْ يُطْرَحْ مِائَةٌ.
قَوْلُهُ: [رَجَعَ عَلَى مَنْ لَمْ يُطْرَحْ مَالُهُ بِالثُّلُثَيْنِ] : أَيْ فَيَصِيرُ الْبَاقِي لِكُلٍّ ثُلُثَ مَالِهِ.
(وَالْقَوْلُ) عِنْدَ التَّنَازُعِ (لِمَنْ طُرِحَ مَتَاعُهُ فِيمَا يُشْبِهُ) بِيَمِينِهِ، فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ فَقَوْلُ غَيْرِهِ.
وَلَوْ وَجَدَ إنْسَانٌ مَا طُرِحَ، فَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ لِأَنَّهُ بِطَرْحِهِ زَالَ مِلْكُ رَبِّهِ عَنْهُ، أَوْ لُقَطَةٌ يُرَدُّ لِرَبِّهِ إنْ عُلِمَ؟ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَهُوَ الْأَصَحُّ] : أَيْ لِأَنَّ الطَّرْحَ أَمْرٌ قَهْرِيٌّ فَلَيْسَ صَاحِبُهُ مُعْرِضًا عَنْهُ اخْتِيَارًا.
فَصْلٌ فِي الْجَعَالَةِ الْجَعَالَةُ فِي الْعُرْفِ: (الْتِزَامُ أَهْلِ الْإِجَارَةِ) : وَهُوَ الْمُتَأَهِّلُ لِعَقْدِهَا؛ وَهُوَ الْعَاقِلُ.
(عِوَضًا عُلِمَ) : خَرَجَ الْمَجْهُولُ، فَلَا يَصِحُّ جَعَالَةً وَلَا إجَارَةً؛ كَالْبَيْعِ،
[حاشية الصاوي]
[فَصْلٌ فِي الْجَعَالَةِ]
أَفْرَدَهُ عَنْ الْإِجَارَةِ لِاخْتِصَاصِهِ بِبَعْضِ أَحْكَامٍ.
وَالْجَعَالَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا وَضَمِّهَا مَا يُجْعَلُ عَلَى الْعَمَلِ وَهُوَ رُخْصَةٌ فَهُوَ أَصْلٌ مُنْفَرِدٌ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَرَأَوْا أَنَّهُ مِنْ الْغَرَرِ وَالْخَطَرِ؛ وَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِوُرُودِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] مَعَ الْعَمَلِ مِنْ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَوْمَ حُنَيْنٍ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» . قَوْلُهُ: [فِي الْعُرْفِ] : أَيْ وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَهُوَ الْمَالُ الْمَجْعُولُ.
قَوْلُهُ: [الْتِزَامُ أَهْلِ الْإِجَارَةِ] : قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَحَالَ عَاقِدَ الْإِجَارَةِ عَلَى الْبَيْعِ وَأَحَالَ الْجُعْلَ هُنَا عَلَى الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الْجُعْلَ لِلْإِجَارَةِ أَقْرَبُ.
وَأَشَارَ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي بَيْعِ الْمَنَافِعِ الْإِجَارَةُ وَالْجُعْلُ تَابِعٌ لَهَا.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ الْعَاقِلُ] : أَيْ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ الطَّائِعُ، وَهَذَا شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ لِدَافِعِ الْعِوَضِ.
وَأَمَّا أَصْلُ الصِّحَّةِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى التَّمْيِيزِ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ وَاكْتَفَى بِشَرْطِ الْجَاعِلِ عَنْ شَرْطِ الْمَجْعُولِ لَهُ لِأَنَّ مَا كَانَ شَرْطًا فِي الْجَاعِلِ كَانَ شَرْطًا فِي الْمَجْعُولِ لَهُ فَاكْتَفَى بِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَإِلَّا لَقَالَ عِوَضًا وَعَمَلًا لِيَكُونَ قَوْلُهُ الْتِزَامُ إلَخْ شَرْطًا فِي الْمَجْعُولِ لَهُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: [عُلِمَ] : أَيْ قَدْرُهُ وَبَاقِي صِفَاتِهِ الَّتِي تُمَيِّزُهُ وَهَذَا شَامِلٌ لِلْعَيْنِ وَغَيْرِهَا، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى عِلْمِ الْعِوَضِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ شُرُوطِهِ مِثْلِ كَوْنِهِ طَاهِرًا مُنْتَفَعًا بِهِ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَدَمِ اشْتِرَاطِ عِلْمِهِ لِحُصُولِ الصِّحَّةِ بِالْعِوَضِ الْمَجْهُولِ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالْمُجَاعَلِ عَلَيْهِ، بَلْ تَارَةً يَكُونُ مَجْهُولًا كَالْآبِقِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْجُعْلِ
(لِتَحْصِيلِ أَمْرٍ) مِنْ أُمُورٍ؛ كَإِتْيَانٍ بِشَيْءٍ وَحَمْلٍ وَحَفْرٍ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ الْبَيْعُ، (يَسْتَحِقُّهُ السَّامِعُ) لِلْمُلْتَزِمِ الْعِوَضَ وَلَوْ لَمْ يُخَاطِبْهُ (بِالتَّمَامِ) لِلْعَمَلِ الْمَطْلُوبِ وَتَمَامُهُ: بِتَحْصِيلِ ثَمَرَتِهِ.
وَخَرَجَ بِذَلِكَ الْإِجَارَةُ.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُتِمَّ الْعَمَلَ فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمَفْهُومِ قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يُتِمَّهُ غَيْرُهُ) : أَيْ بِأَجْرٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: (فَبِنِسْبَةِ الثَّانِي) : أَيْ فَإِنْ أَتَمَّهُ غَيْرُهُ فَلِلْأَوَّلِ مِنْ الْأَجْرِ بِنِسْبَةِ أَجْرِ عَمَلِ الْعَامِلِ الثَّانِي، وَلَوْ كَانَ الثَّانِي أَكْثَرَ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْجَاعِلَ حِينَئِذٍ قَدْ انْتَفَعَ بِمَا عَمِلَهُ لَهُ الْأَوَّلُ، مِثَالُهُ: أَنْ يَجْعَلَ لِلْأَوَّلِ خَمْسَةً عَلَى أَنْ يَحْمِلَ لَهُ خَشَبَةً لِمَكَانٍ مَعْلُومٍ، فَحَمَلَهَا لِنِصْفِ الطَّرِيقِ وَتَرَكَهَا.
فَجَعَلَ لِآخَرَ عَشَرَةً عَلَى أَنْ يُوصِلَهَا لِذَلِكَ الْمَكَانِ فَأَوْصَلَهَا؛ فَلِلْأَوَّلِ عَشَرَةٌ مِثْلُ الثَّانِي لِأَنَّ الثَّانِيَ لِمَا اُسْتُؤْجِرَ مِنْ نِصْفِ الطَّرِيقِ بِعَشَرَةٍ عُلِمَ أَنَّ أُجْرَةَ الطَّرِيقِ كُلَّهَا عِشْرُونَ، وَكَانَ النَّظَرُ أَنْ يُنْظَرَ لِكِرَاءِ الْمِثْلِ لِأَنَّ رَبَّ الْخَشَبَةِ قَدْ يَخَافُ عَلَيْهَا الضَّيَاعَ وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفًا فَيَجْعَلُ لِمَنْ يَأْتِي بِهَا الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةَ فَتَأَمَّلْ.
وَقَوْلُهُ: " بِنِسْبَةِ الثَّانِي " أَيْ بِخِلَافِ
[حاشية الصاوي]
عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ مِنْ عَدَمِ عِلْمِ مَكَانِهِ كَمَا يَأْتِي، وَتَارَةً يَكُونُ مَعْلُومًا كَالْمُجَاعَلَةِ عَلَى حَفْرِ بِئْرٍ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ خِبْرَةُ الْأَرْضِ وَمَائِهَا كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ [وَخَرَجَ بِذَلِكَ الْبَيْعُ] : أَيْ بِقَوْلِهِ لِتَحْصِيلِ أَمْرٍ، لِأَنَّ التَّحْصِيلَ فِعْلٌ مِنْ الْأَفْعَالِ لَا ذَاتٌ وَالْبَيْعُ فِي الذَّوَاتِ.
قَوْلُهُ: [يَسْتَحِقُّهُ السَّامِعُ] : أَيْ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ وَلَوْ حُدِّدَتْ الْوَسَائِطُ إنْ ثَبَتَ أَنَّ الْجَاعِلَ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: يَسْتَحِقُّهُ فِي قُوَّةِ الْحَصْرِ، أَيْ لَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا بِالتَّمَامِ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ كَذَلِكَ] : أَيْ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنَّ لَهُ أَجْرَ عَمَلِهِ جَرْيًا عَلَى الْإِجَارَةِ، وَلَكِنْ جَاءَتْ السُّنَّةُ بِعَدَمِ لُزُومِ أُجْرَةِ عَمَلٍ لَمْ يَتِمَّ فِي الْجَعَالَةِ، وَبَقِيَتْ الْإِجَارَةُ عَلَى حَالِهَا.
قَوْلُهُ: [فَبِنِسْبَةِ الثَّانِي] : هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ قَوْلُ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَهُ قِيمَةُ عَمَلِهِ.
قَوْلُهُ: [أَنْ يُنْظَرَ لِكِرَاءِ الْمِثْلِ] : أَيْ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفًا] : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ تِلْكَ الْخَشَبَةَ تُسَاوِي أَلْفًا، أَيْ وَشَأْنُ الشَّيْءِ الْغَالِي إذَا كَانَ فِي مَضْيَعَةٍ يُكْرَى عَلَيْهِ بِالْأَثْمَانِ الْغَالِيَةِ فَكَيْفَ يُقَاسُ عَلَيْهِ الْكِرَاءُ
السَّفِينَةِ بِالْمُحَاسَبَةِ فِيهَا بِنِسْبَةِ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ الْكِرَاءَ فِيهَا لَازِمٌ بِخِلَافِ الْجَعَالَةِ.
(وَرُكْنُهَا) : أَيْ الْجَعَالَةِ أَيْ أَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ (كَالْإِجَارَةِ) : الْعَاقِدُ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَبِهِ، مَا يَدُلُّ مِنْ صِيغَةٍ.
(وَشَرْطُهَا) : أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهَا أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ: (عَدَمُ شَرْطِ النَّقْدِ) لِلْجُعْلِ فَشَرْطُ النَّقْدِ يُفْسِدُهَا لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ وَأَمَّا تَعْجِيلُهُ بِلَا شَرْطٍ فَلَا يُفْسِدُهَا.
(وَ) الثَّانِي: عَدَمُ شَرْطِ (تَعْيِينِ الزَّمَنِ) بِأَنْ شَرَطَ عَدَمَ التَّعْيِينِ أَوْ سَكَتَ عَنْهُ فَإِنْ شَرَطَ تَعْيِينَهُ، كَإِنْ تَأْتِنِي بِالْآبِقِ أَوْ تَحْفِرْ لِي الْبِئْرَ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فِي مُدَّةِ كَذَا فَسَدَتْ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ لَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ، فَقَدْ يَنْقَضِي الزَّمَنُ قَبْلَ التَّمَامِ فَيَذْهَبُ عَمَلُهُ بَاطِلًا فَفِيهِ زِيَادَةُ غَرَرٍ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الْغَرَرُ.
وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ لِإِذْنِ الشَّارِعِ بِهَا.
[حاشية الصاوي]
الْأَوَّلُ؟ هَذَا مُرَادُ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْجَعَالَةِ] : أَيْ فَلَمَّا كَانَ عَقْدُهَا مُنْحَلًّا مِنْ جَانِبِ الْعَامِلِ بَعْدَ الْعَمَلِ صَارَ تَرْكُهُ لِلْإِتْمَامِ إبْطَالًا لِلْعَقْدِ مِنْ أَصْلِهِ وَصَارَ الثَّانِي كَاشِفًا لِمَا يَسْتَحِقُّهُ الْأَوَّلُ كَمَا ذَكَرَهُ الشُّرَّاحُ.
[أَرْكَانُ الْجَعَالَةِ]
قَوْلُهُ: [الْعَاقِدُ] : أَيْ وَتَحْتَهُ شَخْصَانِ الْجَاعِلُ وَالْمُجَاعِلُ
وَقَوْلُهُ: [وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ] : هُوَ تَحْصِيلُ الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ.
وَقَوْلُهُ: [وَبِهِ] : هُوَ الْعِوَضُ.
وَقَوْلُهُ: [مِنْ صِيغَةٍ] : بَيَانٌ لِمَا يَدُلُّ وَلَا يُشْرَطُ فِيهَا اللَّفْظُ كَالْإِجَارَةِ.
[شُرُوط الْجَعَالَة]
قَوْلُهُ: [وَشَرْطُهَا] : أَيْ الْجَعَالَةِ الْمُحْتَوِيَةِ عَلَى تِلْكَ الْأَرْكَانِ.
قَوْلُهُ: [لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ] : أَيْ وَالتَّرَدُّدُ بَيْنَهُمَا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا احْتِمَالًا.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ شَرَطَ تَعْيِينَهُ] : أَيْ أَوْ كَانَ الْعُرْفُ تَعْيِينَهُ لِأَنَّ الْعُرْفَ كَالشَّرْطِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْعَامِلَ] إلَخْ: تَعْلِيلٌ لِوَجْهِ الْفَسَادِ.
قَوْلُهُ: [لِإِذْنِ الشَّارِعِ بِهَا] : أَيْ وُرُودِ النَّصِّ فِيهَا بِالْخُصُوصِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(إلَّا بِشَرْطِ التَّرْكِ مَتَى شَاءَ) : أَيْ أَنَّ مَحِلَّ كَوْنِ شَرْطِ تَعْيِينِ الزَّمَنِ مُفْسِدًا مَا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْعَامِلُ أَنَّ لَهُ التَّرْكَ مَتَى شَاءَ، فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ أَوْ شُرِطَ لَهُ ذَلِكَ لَمْ تَفْسُدْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَجَعَ فِيهَا حِينَئِذٍ لِأَصْلِهَا مِنْ عَدَمِ تَعْيِينِ الزَّمَانِ: أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَدْ صَارَ تَعْيِينُهُ مُلْغَى.
وَاشْتَرَطَ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَحْوِ الْآبِقِ أَنْ لَا يَكُونَا عَالِمَيْنِ بِمَحَلِّهِ، وَمَنْ عَلِمَهُ دُونَ صَاحِبِهِ فَهُوَ غَارٌّ، فَإِنْ عَلِمَ الْعَامِلُ فَلَهُ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ عَمَلِ مِثْلِهِ وَالْمُسَمَّى وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ اللَّخْمِيُّ.
(وَلِكِلَيْهِمَا الْفَسْخُ) قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ عَقْدَهَا لَيْسَ بِلَازِمٍ.
(وَلَزِمَتْ الْجَاعِلَ فَقَطْ) دُونَ الْعَامِلِ (بِالشُّرُوعِ) فِي الْعَمَلِ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْجُعْلَ يَسْتَحِقُّهُ السَّامِعُ بِالتَّمَامِ.
(وَلِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ) قَوْلَ الْجَاعِلِ: مَنْ أَتَانِي بِعَبْدِي أَوْ بَعِيرِي أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَلَهُ كَذَا.
وَهُوَ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ: أَنْ يَقَعَ مِنْ الْجَاعِلِ قَوْلٌ بِذَلِكَ وَلَمْ يَسْمَعْهُ هَذَا الَّذِي
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ] : تَأَمَّلْ فِي هَذَا الْقَيْدِ، فَإِنَّ الْعَامِلَ لَهُ الْحِلُّ عَنْ نَفْسِهِ مُطْلَقًا اشْتَرَطَ لَهُ الْحِلَّ أَمْ لَا فَكَيْفَ يَصِحُّ عِنْدَ الشَّرْطِ وَيَفْسُدُ عِنْدَ السُّكُوتِ عَلَيْهِ؟ وَأَجَابَ عَنْهُ الْخَرَشِيُّ بِأَنَّ الْمَجْعُولَ لَهُ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ دَخَلَ عَلَى التَّمَامِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ التَّرْكُ وَحِينَئِذٍ فَغَرَرُهُ قَوِيٌّ، وَأَمَّا عِنْدَ الشَّرْطِ فَقَدْ دَخَلَ ابْتِدَاءً عَلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فَغَرَرُهُ خَفِيفٌ (اهـ) .
قَوْلُهُ: [فَلَهُ الْأَقَلُّ] إلَخْ: هَذَا خِلَافُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، إنَّمَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ لَهُ بِقَدْرِ تَعَبِهِ، وَقِيلَ لَا شَيْءَ لَهُ فَإِنْ عَلِمَهُ رَبُّهُ فَقَطْ لَزِمَهُ الْأَكْثَرُ مِمَّا سَمَّى وَجُعْلُ الْمِثْلِ، وَإِنْ عَلِمَاهُ مَعًا فَيَنْبَغِي أَنَّ لَهُ جُعْلَ مِثْلِهِ نَظَرًا لِسَبْقِ الْجَاعِلِ بِالْعَدَاءِ.
قَوْلُهُ: [وَلِكِلَيْهِمَا الْفَسْخُ] : أَيْ التَّرْكُ لِأَنَّ الْعَقْدَ غَيْرَ اللَّازِمِ لَا يُطْلَقُ عَلَى تَرْكِهِ فَسْخٌ إلَّا بِطَرِيقِ التَّجَوُّزِ، إذْ حَقُّ الْفَسْخِ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي تَرْكِ الْأَمْرِ اللَّازِمِ وَالْعَلَاقَةِ الْمُشَابِهَةِ فِي الْجَمِيعِ.
قَوْلُهُ: [وَلَزِمَتْ الْجَاعِلَ] : الْمُرَادُ بِهِ مُلْتَزِمُ الْجُعْلِ لَا مَنْ تَعَاطَى عَقْدَهُ فَقَطْ كَالْوَكِيلِ الَّذِي لَمْ يَلْتَزِمْ جُعْلًا وَظَاهِرُهُ اللُّزُومُ لِلْجَاعِلِ بِالشُّرُوعِ وَلَوْ فِيمَا لَا بَالَ لَهُ.
أَتَى بِهِ مِنْ الْقَائِلِ وَلَا بِالْوَاسِطَةِ، وَبِمَا إذَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ قَوْلٌ أَصْلًا.
فَفِي الصُّورَتَيْنِ.
(جُعْلَ مِثْلِهِ إنْ اعْتَادَهُ) : أَيْ كَانَ عَادَتُهُ الْإِتْيَانَ بِالْإِبَاقِ أَوْ غَيْرِهَا؛ فَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ اعْتَادَ جَلْبَ مَا ضَلَّ إذَا أَتَى بِشَيْءٍ مِنْهَا فَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ إذَا لَمْ يَسْمَعْ رَبَّهَا فَإِنْ سَمِعَهُ فَلَهُ مَا سَمَّى.
(وَلِرَبِّهِ) : أَيْ الْآبِقِ مَثَلًا (تَرْكُهُ لَهُ) : أَيْ لِلْعَامِلِ الَّذِي شَأْنُهُ طَلَبُ الضَّوَالِّ إنْ لَمْ يَلْتَزِمْ رَبُّهُ لَهُ جُعْلَ الْمِثْلِ.
فَإِنْ الْتَزَمَ لَهُ الْجُعْلَ فَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ لَهُ سَوَاءٌ كَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْرَ جُعْلِ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ.
وَلَا كَلَامَ لِلْعَامِلِ حَيْثُ لَمْ يَسْمَعْ قَوْلَ رَبِّهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا سَمِعَهُ سَمَّى شَيْئًا وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ فَلَهُ مَا سَمَّاهُ وَلَوْ زَادَ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ مَثَلًا؛ لِأَنَّ رَبَّهُ وَرَّطَهُ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَلَا بِالْوَاسِطَةِ] : عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ لَا بِنَفْسِهِ لَا بِالْوَاسِطَةِ.
قَوْلُهُ: [بِالْإِبَاقِ] : بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ جَمْعُ آبِقٍ.
قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرِهَا] : أَيْ كَالْإِتْيَانِ بِالضَّوَالِّ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ سَمِعَهُ فَلَهُ مَا سَمَّى] : أَيْ كَانَ قَدْرَ جُعْلِ الْمِثْلِ أَوْ لَا كَانَ عَادَتُهُ طَلَبَ الْإِبَاقِ أَوْ لَا.
وَقَوْلُهُ: [فَإِنْ الْتَزَمَ لَهُ الْجُعْلَ لَزِمَهُ] : شَرْطٌ وَجَوَابٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ فَالْأَوْلَى إسْقَاطُهُ مِنْ هُنَا لِإِيهَامِهِ خِلَافَ الْمُرَادِ مَعَ كَوْنِهِ سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْعِبَارَةِ مَا يُفِيدُهُ.
وَاخْتُلِفَ إذَا الْتَزَمَ رَبُّهُ جُعْلًا وَلَمْ يَسْمَعْهُ الْآتِي بِهِ فَهَلْ كَذَلِكَ لِرَبِّهِ تَرْكُهُ لِمَنْ جَاءَ بِهِ عِوَضًا عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ؟ وَهُوَ مَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَنَازَعَهُ (ر) بِأَنَّ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ جُعْلَ مِثْلِهِ إنْ اعْتَادَ طَلَبَ الْإِبَاقِ وَإِلَّا فَالنَّفَقَةُ وَلَيْسَ لِرَبِّهِ أَنْ يَتْرُكَهُ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ (بْن) .
قَوْلُهُ: [فَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ] إلَخْ: جَوَابُ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَلْتَزِمْ إلَخْ.
قَوْلُهُ: [وَلَا كَلَامَ لِلْعَامِلِ] : مُرَتَّبٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ لَهُ، وَمَعْنَاهُ حَيْثُ لَمْ يَسْمَعْ الْعَامِلُ الْمُعْتَادُ لِطَلَبِ الْإِبَاقِ قَوْلَ رَبِّهِ مَنْ يَأْتِينِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَهُ كَذَا وَأَتَى بِهِ فَاخْتَارَ رَبُّهُ تَرْكَهُ فَلَيْسَ لِلْعَامِلِ كَلَامٌ بِحَيْثُ يَقُولُ لَا آخُذُ إلَّا جُعْلَ الْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ رَبَّهُ وَرَّطَهُ] : أَيْ أَوْقَعَهُ فِي التَّعَبِ.
(وَإِلَّا) يَكُنْ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ مُعْتَادًا لِطَلَبِ الضَّوَالِّ (فَالنَّفَقَةُ) فَقَطْ: أَيْ فَلَهُ مَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَرُكُوبٍ احْتَاجَ لَهُ وَمَا أَنْفَقَهُ الْعَامِلُ عَلَى نَفْسِهِ زَمَنَ تَحْصِيلِهِ أَوْ عَلَى دَابَّتِهِ وَلَا جُعْلَ لَهُ.
(كُلُّ مَا جَازَ فِيهِ الْجُعْلُ) : كَحَفْرِ بِئْرٍ بِمَوَاتٍ، وَبَيْعِ ثَوْبٍ أَوْ شِرَائِهِ، وَحَمْلِ خَشَبَةٍ لِمَكَانٍ أَوْ حَمْلِ شَيْءٍ بِسَفِينَةٍ، وَاقْتِضَاءِ دَيْنٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ (جَازَتْ فِيهِ الْإِجَارَةُ) بِشَرْطِهَا.
(وَلَا عَكْسَ) : أَيْ لَيْسَ مَا جَازَتْ فِيهِ الْإِجَارَةُ تَجُوزُ فِيهِ الْجَعَالَةُ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وَخِدْمَةِ شَهْرٍ، وَبَيْعِ سِلَعٍ كَثِيرَةٍ، وَحَفْرِ بِئْرٍ يُمْلَكُ، وَسُكْنَى بَيْتٍ، فَالْإِجَارَةُ أَعَمُّ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ، وَقِيلَ: بَلْ بَيْنَهُمَا الْعُمُومُ الْوَجْهِيُّ لِانْفِرَادِ الْجَعَالَةِ فِيمَا جُهِلَ حَالُهُ وَمَكَانُهُ كَالْآبِقِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ مَا جُهِلَ تَجُوزُ فِيهِ الْإِجَارَةُ بِشَرْطِ الْعِلْمِ وَاسْتُبْعِدَ فَتَدَبَّرْ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَالنَّفَقَةُ فَقَطْ] : أَيْ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ لَهُ.
قَوْلُهُ: [وَلَا جُعْلَ لَهُ] : أَيْ أُجْرَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَا أَنْفَقَهُ الْعَامِلُ فِي تَحْصِيلِهِ.
[مَا تَجُوزُ فِيهِ الْجَعَالَةُ]
قَوْلُهُ: [بِشَرْطِهَا] : أَيْ بِشُرُوطِهَا فَهُوَ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ.
قَوْلُهُ: [كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ] إلَخْ: أَيْ فَلَا يَصِحُّ فِي الْعَقْدِ عَلَى تِلْكَ الْمَسَائِلِ أَنْ يَكُونَ جَعَالَةً لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْصُلْ تَمَامٌ انْتَفَعَ رَبُّ الشَّيْءِ وَضَاعَ عَمَلُ الْعَامِلِ هَدَرًا فِي الْجَمِيعِ وَهُوَ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
قَوْلُهُ: [وَبَيْعِ سِلَعٍ كَثِيرَةٍ] : كَلَامُ الشَّارِحِ يُوهِمُ جَوَازَ الْجُعْلِ عَلَى بَيْعِ السِّلَعِ الْقَلِيلَةِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلَةِ وَالْكَثِيرَةِ فِي أَنَّهُ مَتَى انْتَفَعَ الْجَاعِلُ بِالْبَعْضِ بِأَنْ دَخَلَا عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا إلَّا بِالتَّمَامِ مُنِعَ الْجُعْلُ كَانَتْ السِّلَعُ قَلِيلَةً أَوْ كَثِيرَةً كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ كَذَا فِي (بْن) .
قَوْلُهُ: [بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ] : أَيْ الَّذِي تَعَلَّقَا بِهِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ حَقِيقَتِهِمَا وَمَفْهُومِهِمَا فَمُتَبَايِنَانِ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ] قَائِلُهُ الْأُجْهُورِيُّ.
قَوْلُهُ: [وَاسْتُبْعِدَ] : أَيْ بِأَنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ لَا يَتِمُّ لِأَنَّ الْجَعَالَةَ لَمْ تَنْفَرِدْ عَنْ الْإِجَارَةِ بِمَحَلٍّ وَمَا جُهِلَ حَالُهُ وَمَكَانُهُ كَمَا يَصِحُّ فِيهِ الْجُعْلُ تَصِحُّ فِيهِ الْإِجَارَةُ كَأَنْ يُؤَاجِرَهُ عَلَى
(وَفِي) الْجَعَالَةِ (الْفَاسِدَةِ) لِفَقْدِ شَرْطٍ (جُعْلُ الْمِثْلِ) إنْ تَمَّ الْعَمَلُ لَا أُجْرَتُهُ رَدًّا لَهُ إلَى صَحِيحِ نَفْسِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْعَمَلُ فَلَا شَيْءَ فِيهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
(إلَّا) أَنْ تَقَعَ الْجَعَالَةُ (بِجُعْلٍ مُطْلَقًا) تَمَّ الْعَمَلُ أَوْ لَمْ يَتِمَّ، كَأَنْ يَقُولَ لَهُ: إنْ أَتَيْتنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ فَلَكَ كَذَا، وَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِهِ فَلَكَ كَذَا (فَأُجْرَتُهُ) : أَيْ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ تَمَّ الْعَمَلُ أَمْ لَا لِخُرُوجِهَا حِينَئِذٍ عَنْ حَقِيقَتِهَا، لِأَنَّ سُنَّتَهَا أَنَّهُ لَا جُعْلَ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مِنْ الْأَرْضِ وَلَمَّا كَانَ مَوَاتُ الْأَرْضِ يُشْبِهُ الشَّيْءَ الضَّائِعَ وَإِحْيَاؤُهُ يُشْبِهُ الْجَعَالَةَ أَتَى بِهِ بَعْدَ الْجَعَالَةِ فَقَالَ:
[حاشية الصاوي]
التَّفْتِيشِ عَلَى عَبْدِهِ الْآبِقِ كُلَّ يَوْمٍ بِكَذَا أَتَى بِهِ أَمْ لَا.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْآبِقِ إنْ كَانَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ إلَّا بِالتَّمَامِ فَهُوَ جَعَالَةٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَى التَّفْتِيشِ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ بِكَذَا أَتَى بِهِ أَمْ لَا فَهُوَ إجَارَةٌ، فَالْحَقُّ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا مُطْلَقًا وَأَنَّ الْإِجَارَةَ أَعَمُّ.
[الْجَعَالَةِ الْفَاسِدَةِ]
قَوْلُهُ: [رَدًّا لَهُ إلَى صَحِيحِ نَفْسِهِ] : أَيْ الَّذِي لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُسَمًّى وَالْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ قَوْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْعَمَلُ إلَخْ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ رَاجِعًا لِلْأَمْرَيْنِ.
قَوْلُهُ: [هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ] : وَمُقَابِلُهُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ تَمَّ الْعَمَلُ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [لِخُرُوجِهَا حِينَئِذٍ عَنْ حَقِيقَتِهَا] : أَيْ وَمَتَى خَرَجَ عَنْ حَقِيقَةِ الْبَابِ كَانَ فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ.
تَتِمَّةٌ:
لَوْ كَانَ الْجُعْلُ عَيْنًا ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً مُعَيَّنَةً امْتَنَعَ وَلِلْجَاعِلِ الِانْتِفَاعُ بِهَا وَيَغْرَمُ الْمِثْلَ إذَا حَصَلَ الْمُجَاعَلُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ مَوْزُونًا لَا يُخْشَى تَغَيُّرُهُ إلَى حُصُولِ الْمُجَاعَلِ عَلَيْهِ أَوْ ثَوْبًا جَازَ وَيُوقَفُ، وَإِنْ خُشِيَ تَغَيُّرُهُ كَالْحَيَوَانِ امْتَنَعَ لِلْغَرَرِ كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ الْخَرَشِيِّ نَقْلًا عَنْ اللَّخْمِيِّ.
[بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مِنْ الْأَرْضِ]
قَوْلُهُ: [يُشْبِهُ الشَّيْءَ الضَّائِعَ] : أَيْ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الِانْتِفَاعِ بِكُلٍّ، وَقَوْلُهُ وَإِحْيَاؤُهُ يُشْبِهُ الْجَعَالَةَ أَيْ مِنْ حَيْثُ تَحْصِيلُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ.
بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ مِنْ الْأَرْضِ أَيْ: فِي بَيَانِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَأَسْبَابِهِ وَأَحْكَامِهِ.
وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى بَيَانِ الْمَوَاتِ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ
(مَوَاتُ الْأَرْضِ) : أَيْ الْمَوَاتُ مِنْهَا (مَا سَلِمَ) : أَيْ خَلَا (عَنْ اخْتِصَاصٍ بِإِحْيَاءٍ) : لَهَا أَيْ عَنْ الِاخْتِصَاصِ بِسَبَبِ إحْيَاءٍ لَهَا بِشَيْءٍ مِمَّا يَأْتِي، فَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِاخْتِصَاصٍ.
(وَمَلَكَهَا) : أَيْ الْأَرْضَ، مَنْ أَحْيَاهَا (بِهِ) : أَيْ بِإِحْيَائِهِ لَهَا (وَلَوْ انْدَرَسَتْ) بَعْدَ الْإِحْيَاءِ، فَانْدِرَاسُهَا بَعْدَ الْإِحْيَاءِ لَا يُزِيلُ مِلْكَهَا عَنْهُ.
[حاشية الصاوي]
بَابٌ: الْمَوَاتُ بِضَمِّ الْمِيمِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ الْمَوْتُ، وَبِفَتْحِهَا مَا لَا رُوحَ فِيهِ وَأَيْضًا هُوَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا وَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا (اهـ) ، وَقَدْ عَلِمْت ضَبْطَ الْمَوَاتِ هُنَا بِأَنَّهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَأَنَّهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ فِي بَيَانِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ] : الْمُرَادُ بَيَانُ الْحَقِيقَةِ فِي قَوْلِهِ مَا سَلِمَ عَنْ اخْتِصَاصٍ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: [وَأَسْبَابِهِ] : أَيْ السَّبْعَةِ الْآتِيَةِ فِي قَوْلِهِ وَالْإِحْيَاءُ بِتَفْجِيرِ مَاءٍ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: [وَأَحْكَامِهِ] : أَيْ مَسَائِلِهِ الَّتِي احْتَوَى عَلَيْهَا الْبَابُ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» .
قَوْلُهُ: [أَيْ الْمَوَاتُ مِنْهَا] : أَشَارَ ذَلِكَ إلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ عَلَى مَعْنًى مِنْ نَظِيرِ: بَابِ سَاجٍ.
قَوْلُهُ: [مَا سَلِمَ] : مَا وَاقِعَةٌ عَلَى أَرْضٍ وَذَكَرَ الْفِعْلَ نَظَرًا لِلَفْظِ مَا.
قَوْلُهُ: [وَمَلَكَهَا] إلَخْ: جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ قَصَدَ بِهَا بَيَانَ بَعْضِ أَحْكَامِ الْإِحْيَاءِ وَلَيْسَتْ مِنْ جُمْلَةِ التَّعْرِيفِ.
قَوْلُهُ: [لَا يُزِيلُ مِلْكَهَا عَنْهُ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ وَالْمُنَاسِبُ لَا يُزِيلُ مِلْكَهُ عَنْهَا.
(إلَّا لِإِحْيَاءٍ مِنْ غَيْرِهِ) بَعْدَ انْدِرَاسِهَا لَا بِقُرْبِ الِانْدِرَاسِ بَلْ (بَعْدَ طُولٍ) يَرَى الْعُرْفُ أَنَّ مَنْ أَحْيَاهَا أَوَّلًا قَدْ أَعْرَضَ عَنْهَا، فَإِنَّهَا تَكُونُ لِلثَّانِي وَلَا كَلَامَ لِلْأَوَّلِ؛ بِخِلَافِ إحْيَائِهَا بِقُرْبٍ.
لَكِنْ إنْ عَمَرَهَا الثَّانِي جَاهِلًا بِالْأَوَّلِ فَلَهُ قِيمَةُ عِمَارَتِهِ قَائِمًا، لِلشُّبْهَةِ.
وَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَلَهُ قِيمَتُهَا مَنْقُوضًا.
وَهَذَا مَا لَمْ يَسْكُتْ الْأَوَّلُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالثَّانِي بِلَا عُذْرٍ، وَإِلَّا كَانَ سُكُوتُهُ وَهُوَ حَاضِرٌ بِلَا عُذْرٍ دَلِيلًا عَلَى تَرْكِهَا لَهُ.
وَقَوْلُنَا: " بَعْدَ طُولٍ " هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقِيلَ: تَكُونُ لِلثَّانِي وَلَوْ لَمْ يَطُلْ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَلَيْهِ دَرَجَ الشَّيْخُ.
وَقِيلَ: لَا تَكُونُ لِلثَّانِي أَبَدًا، بَلْ هِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا وَلَوْ طَالَ الزَّمَنُ قِيَاسًا عَلَى مَنْ مَلَكَهَا بِشِرَاءٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ فَانْدَرَسَتْ، فَإِنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ وَلَا كَلَامَ لِمَنْ أَحْيَاهَا اتِّفَاقًا، إلَّا لِحِيَازَةٍ بِشُرُوطِهَا كَمَا يَأْتِي.
(أَوْ بِحَرِيمِ عِمَارَةٍ) : عَطْفٌ عَلَى " بِإِحْيَاءٍ "، فَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ " لِأَنَّ الْحَرِيمَ سَبَبٌ فِي الِاخْتِصَاصِ كَالْإِحْيَاءِ: أَيْ مَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ بِإِحْيَاءٍ أَوْ بِكَوْنِهِ حَرِيمًا لِعِمَارَةٍ لِبَلَدٍ أَوْ دَارٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ بِئْرٍ، فَلِكُلٍّ حَرِيمٌ يَخُصُّهُ.
فَبَيَّنَ حَرِيمَ الْبَلَدِ بِقَوْلِهِ: (كَمُحْتَطَبٍ) بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ: الْمَكَانُ الَّذِي يُقْطَعُ مِنْهُ الْحَطَبُ (وَمَرْعًى) مَحَلُّ رَعْيِ الدَّوَابِّ (لِبَلَدٍ) فَإِذَا عَمَرَ جَمَاعَةٌ بَلَدًا اخْتَصُّوا بِهِ وَبِحَرِيمِهِ، وَحَرِيمُهُ: مَا يُمْكِنُ الِاحْتِطَابُ مِنْهُ وَالرَّعْيُ فِيهِ عَلَى الْعَادَةِ مِنْ الذَّهَابِ وَالْإِيَابِ مَعَ مُرَاعَاةِ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [لَكِنْ إنْ عَمَرَهَا الثَّانِي] إلَخْ: اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الْإِحْيَاءِ بِالْقُرْبِ وَالْمَعْنَى فَإِنْ أَحْيَا بِالْقُرْبِ فَلَا تَكُونُ لَهُ لَكِنْ إنْ عَمَرَهَا إلَخْ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ لَا تَكُونُ لِلثَّانِي أَبَدًا] : أَيْ كَمَا هُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ، وَلِلثَّانِي قِيمَةُ الْبِنَاءِ قَائِمًا إنْ كَانَ جَاهِلًا لِلشُّبْهَةِ أَوْ مَنْقُوضًا إنْ كَانَ عَالِمًا.
قَوْلُهُ: [كَمَا يَأْتِي] : أَيْ فِي آخِرِ بَابِ الشَّهَادَاتِ.
قَوْلُهُ: [عَطْفٌ عَلَى بِإِحْيَاءٍ] : أَيْ فَهُوَ مِنْ تَتِمَّةِ التَّعْرِيفِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَوَاتَ الْأَرْضِ مَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْآتِيَةِ الَّتِي هِيَ: الْإِحْيَاءُ، وَحَرِيمُ الْعِمَارَةِ، وَإِقْطَاعُ الْإِمَامِ، وَحِمَاهُ.
قَوْلُهُ: [لِبَلَدٍ] : مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنْ مُحْتَطَبٍ وَمَرْعًى.
الْمَصْلَحَةِ
وَالِانْتِفَاعِ بِالْحَطَبِ وَحَلْبِ الدَّوَابِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ غُدُوًّا وَرَوَاحًا فِي الْيَوْمِ، فَيَخْتَصُّونَ بِهِ.
وَلَهُمْ مَنْعُ غَيْرِهِمْ مِنْهُ وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لِلْجَمِيعِ، وَمَنْ أَتَى مِنْهُمْ بِحَطَبٍ مِنْهُ أَوْ حَشِيشٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مَلَكَهُ وَحْدَهُ.
نَعَمْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ مِنْهُ مَا شَاءَ لِمَنْ شَاءَ بِالنَّظَرِ كَمَا سَيَأْتِي.
وَبَيَّنَ حَرِيمَ الْبِئْرِ بِقَوْلِهِ: (وَمَا يَضِيقُ عَلَى وَارِدٍ) لِشُرْبٍ أَوْ سَقْيٍ (وَيَضُرُّ بِمَاءٍ) لَوْ حُفِرَتْ بِئْرٌ أُخْرَى (لِبِئْرٍ) قَالَ عِيَاضٌ: حَرِيمُ الْبِئْرِ مَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي مِنْ حَقِّهَا أَنْ لَا يُحْدِثَ فِيهَا مَا يَضُرُّ بِهَا، لَا بَاطِنًا مِنْ حَفْرِ بِئْرٍ يُنَشِّفُ مَاءَهَا أَوْ يُذْهِبُهُ أَوْ يُغَيِّرُهُ بِطَرْحِ نَجَاسَةٍ يَصِلُ إلَيْهَا وَسَخُهَا.
وَلَا ظَاهِرًا كَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ.
وَبَيَّنَ حَرِيمَ الشَّجَرِ بِقَوْلِهِ: (وَمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ) عُرْفًا (لِشَجَرَةٍ) مِنْ نَخْلٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلِرَبِّهَا مَنْعُ مَنْ أَرَادَ إحْدَاثَ شَيْءٍ بِقُرْبِهَا يَضُرُّ بِهَا مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غَرْسٍ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [غُدُوًّا وَرَوَاحًا] : رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ مِنْ الذَّهَابِ وَالْإِيَابِ عَلَى سَبِيلِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ.
وَقَوْلُهُ: [فِي الْيَوْمِ] : ظَرْفٌ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاحْتِطَابِ وَالْمَرْعَى وَمَا بَعْدَهُمَا وَيُقَدَّرُ بِأَقْصَرِ الْأَيَّامِ عَلَى الظَّاهِرِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ] : أَيْ فَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُحْيِيَهُ بِعِمَارَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَهُمْ مَنْعُهُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ كَمَا سَيَقُولُ.
قَوْلُهُ: [مَلَكَهُ وَحْدَهُ] : لِأَنَّ مَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ يَكُونُ لَهُ.
قَوْلُهُ: [لِبِئْرٍ] : مُتَعَلِّقٌ بِ يَضِيقُ وَيَضُرُّ وَمِثْلُ الْبِئْرِ فِي الْحَرِيمِ النَّهْرُ فَحَرِيمُهُ مَا يَضِيقُ عَلَى وَارِدٍ أَوْ يَضُرُّ بِمَائِهِ وَقِيلَ حَرِيمُ النَّهْرِ أَلْفَا ذِرَاعٍ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَقَدْ وَقَعَتْ الْفَتْوَى قَدِيمًا بِهَدْمِ مَا بُنِيَ بِشَاطِئِ النَّهْرِ وَحُرْمَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ إنْ كَانَ مَسْجِدًا كَمَا فِي الْمَدْخَلِ وَغَيْرِهِ، وَنَقَلَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ عَنْ سَحْنُونَ وَأَصْبَغَ وَمُطَرِّفٍ أَنَّ الْبَحْرَ إذَا انْكَشَفَ عَنْ أَرْضٍ وَانْتَقَلَ عَنْهَا فَإِنَّهَا تَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا كَانَ الْبَحْرُ لَا لِمَنْ يَلِيهِ وَلَا لِمَنْ دَخَلَ الْبَحْرُ أَرْضَهُ، وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ إنَّهَا تَكُونُ لِمَنْ يَلِيهِ وَعَلَيْهِ حَمْدِيسٌ وَالْفُتْيَا وَالْقَضَاءُ عَلَى هَذَا.
خِلَافًا لِقَوْلِ سَحْنُونَ وَمَنْ مَعَهُ كَمَا يُفِيدُهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ تَبَعًا لِشَيْخِهِ الْعَدَوِيِّ.
وَبَيَّنَ حَرِيمَ الدَّارِ غَيْرِ الْمَحْفُوفَةِ بِالدُّورِ بِقَوْلِهِ: (وَمَطْرَحُ تُرَابٍ وَمَصَبُّ مِيزَابٍ لِدَارٍ) : فَحَرِيمُهَا مَا يَرْتَفِقُ أَهْلُهَا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَهُمْ مَنْعُ مَنْ أَرَادَ إحْدَاثَ شَيْءٍ مِنْ بِنَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ الْحَرِيمِ.
(وَلَا تَخْتَصُّ) دَارٌ (مَحْفُوفَةٌ بِأَمْلَاكٍ بِحَرِيمٍ) . (وَلِكُلٍّ) مِنْ أَرْبَابِ الدُّورِ الْمُتَجَاوِرَةِ (الِانْتِفَاعُ) بِالزُّقَاقِ الْمُتَّسِعِ أَوْ الرَّحْبَةِ بَيْنَهُمْ (مَا لَمْ يَضُرَّ بِغَيْرِهِ) مِنْ الْجِيرَانِ فَإِنَّهُ يُمْنَعُ.
(أَوْ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ) عَطْفٌ عَلَى " إحْيَاءٍ " أَيْ: مَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ تِلْكَ الْأَرْضَ لِأَحَدٍ أَوْ لِجَمَاعَةٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ مَعْمُورِ الْعَنْوَةِ، بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي.
فَإِذَا أَقْطَعَ الْإِمَامُ أَرْضًا لِأَحَدٍ مَلَكَهَا - أَيْ كَانَتْ مِلْكًا لَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْمُرْهَا بِشَيْءٍ مِمَّا يَأْتِي - فَلَهُ بَيْعُهَا وَهِبَتُهَا وَتُورَثُ عَنْهُ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْإِحْيَاءِ بَلْ هُوَ تَمْلِيكٌ مُجَرَّدٌ.
وَهَلْ الْإِرْثُ يَحْتَاجُ لِحِيَازَةٍ أَوْ لَا؟ وَرُجِّحَ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَمَصَبِّ مِيزَابٍ] : أَيْ وَنَحْوِهِ كَمِرْحَاضٍ.
قَوْلُهُ: [فَلَهُمْ مَنْعُ مَنْ أَرَادَ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا بَنَى جَمَاعَةٌ بَلَدًا فِي الْفَيَافِي مَثَلًا فَمَا كَانَ مُجَاوِرًا لِلدَّارِ فَهُوَ حَرِيمٌ لَهَا يَخْتَصُّ بِهَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ بِحَيْثُ يُطْرَحُ فِيهِ التُّرَابُ وَيُصَبُّ فِيهِ مَاءُ الْمِيزَابِ أَوْ مَاءُ الْمِرْحَاضِ.
قَوْلُهُ: [عَطْفٌ عَلَى إحْيَاءٍ] : أَيْ لِأَنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ التَّعْرِيفِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ عَطْفٌ عَلَى بِحَرِيمٍ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِأَوْ.
قَوْلُهُ: [مِنْ غَيْرِ مَعْمُورِ الْعَنْوَةِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا هُوَ فَإِنَّهُ لَا يُقْطِعُهُ الْإِمَامُ مِلْكًا بَلْ إمْتَاعًا.
قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْإِحْيَاءِ] : أَيْ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ بِأُمُورٍ سَبْعَةٍ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا.
قَوْلُهُ: [بَلْ هُوَ تَمْلِيكٌ مُجَرَّدٌ] : أَيْ عَنْ مُعَاوَضَةٍ، وَعَنْ سَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْإِحْيَاءِ.
قَوْلُهُ: [وَرَجَّحَ] : أَيْ عَدَمَ احْتِيَاجِهِ لِحِيَازَةٍ وَعَلَيْهِ لَوْ مَاتَ الْمَقْطُوعُ لَهُ قَبْلَ حَوْزِهِ اسْتَحَقَّهُ وَارِثُهُ.
وَلَوْ اقْتَطَعَهُ الْإِمَامُ لِأَحَدٍ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ كَذَا أَوْ كُلَّ عَامٍ كَذَا، عُمِلَ بِهِ، وَكَانَ الْمَأْخُوذُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْإِمَامُ لِعَدَمِ مِلْكِهِ لِمَا اقْتَطَعَهُ، وَإِنْ مَلَكَهُ الْمَقْطُوعُ لَهُ بِاقْتِطَاعِهِ.
(وَلَا يُقْطِعُ) الْإِمَامُ (مَعْمُورَ) أَرْضِ (الْعَنْوَةِ) وَأَرْضُ الْعَنْوَةِ كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ - أَيْ: الصَّالِحَةُ لِزَرْعِ الْحَبِّ مِلْكًا لِأَنَّهَا وَقْفٌ كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ يُقْطِعُهَا إمْتَاعًا وَانْتِفَاعًا.
وَأَمَّا مَا لَا يَصْلُحُ لِزَرْعِ الْحَبِّ وَإِنْ صَلَحَ لِغَرْسِ الشَّجَرِ وَلَيْسَ مِنْ الْعَقَارِ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَوَاتِ، يُقْطِعُهُ مِلْكًا وَانْتِفَاعًا.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَإِنْ مَلَّكَهُ الْمَقْطُوعُ لَهُ] : أَيْ فَيُلْغَزُ بِهَا فَيُقَالُ شَخْصٌ جَعَلَ لَهُ الشَّارِعُ أَصَالَةً أَنْ يُمَلِّكَ غَيْرَهُ مَا لَا مِلْكَ فِيهِ لِنَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: [الْعَنْوَةِ] : أَيْ الَّتِي فُتِحَتْ قَهْرًا.
قَوْلُهُ: [كَمَا تَقَدَّمَ] : أَيْ فِي الْجِهَادِ.
قَالَ خَلِيلٌ وَوُقِفَتْ الْأَرْضُ كَمِصْرِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ.
قَوْلُهُ: [وَانْتِفَاعًا] : عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا اقْتَطَعَهُ الْإِمَامُ مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ إنْ كَانَ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ انْحَلَّ عَنْهُ بِمَوْتِهِ وَاحْتَاجَ لِإِقْطَاعٍ بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ لِشَخْصٍ وَذُرِّيَّتِهِ وَعَقِبِهِ اسْتَحَقَّتْهُ ذُرِّيَّتُهُ بَعْدَهُ الْأُنْثَى كَالذَّكَرِ إلَّا لِبَيَانِ تَفْضِيلٍ كَالْوَقْفِ وَبَقِيَ النَّظَرُ فِي الِالْتِزَامِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَنَا بِمِصْرَ أَوْ غَيْرِهَا هَلْ هُوَ مِنْ الْإِقْطَاعِ فَلِلْمُلْتَزِمِ أَنْ يَزِيدَ فِي الْأُجْرَةِ الْمَعْلُومَةِ عِنْدَهُمْ عَلَى الْفَلَّاحِينَ مَا شَاءَ وَبِهِ أَفْتَى بَعْضُ مَنْ سَبَقَ، أَوْ لَيْسَ مِنْ الْإِقْطَاعِ وَإِنَّمَا الْمُلْتَزِمُ جَابٍ عَلَى الْفَلَّاحِينَ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ لَهُ زِيَادَةٌ وَلَا تَنْقِيصٌ لِمَا ضُرِبَ عَلَيْهِمْ مِنْ السُّلْطَانِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْإِجَارَةِ فِي شَيْءٍ كَذَا فِي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا مَا لَا يَصْلُحُ لِزَرْعِ الْحَبِّ] إلَخْ: أَيْ كَأَرْضِ الْجِبَالِ وَالرِّمَالِ وَالتِّلَالِ.
قَوْلُهُ: [يُقْطِعُهُ مِلْكًا وَانْتِفَاعًا] : أَيْ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهُ مِلْكًا بِحَيْثُ يُورَثُ عَنْ الْمَقْطُوعِ لَهُ أَوْ انْتِفَاعًا فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ إلَّا الِانْتِفَاعُ وَلَا يَمْلِكُ الذَّاتَ فَعَطْفُ الِانْتِفَاعِ عَلَى الْمِلْكِ مُغَايِرٌ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إلَّا لِزِرَاعَةِ الْحَبِّ لَا يُقْطِعُهَا الْإِمَامُ إلَّا انْتِفَاعًا وَمِثْلُهَا عَقَارُ الْكُفَّارِ، وَأَمَّا أَرْضُ الصُّلْحِ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ تَصَرُّفٌ فِيهَا بِوَجْهٍ، وَأَمَّا
وَأَمَّا أَرْضُ الصُّلْحِ فَلَا يُقْطِعُهَا الْإِمَامُ لِأَحَدٍ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لِأَرْبَابِهَا.
(أَوْ بِحِمَاهُ) : أَيْ وَمَا سَلِمَ عَنْ الِاخْتِصَاصِ بِحِمَى الْإِمَامِ لَهُ (مُحْتَاجًا) أَيْ أَرْضًا مُحْتَاجًا (إلَيْهِ) لَا إنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ؛ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْحِمَى (قَلَّ) الْمَحْمِيُّ لَا إنْ كَثُرَ.
وَالْقَلِيلُ: مَا لَا يُضَيَّقُ فِيهِ عَلَى النَّاسِ (مِنْ بَلَدٍ عَفَا) : أَيْ خَلَا عَنْ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ.
لَا لِنَفْسِهِ؛ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِيَ شَيْئًا لِنَفْسِهِ، وَإِنْ احْتَاجَ، بَلْ يَحْمِي مَا قَلَّ مِنْ بَلَدٍ عَفَا.
(لِكَغَزْوٍ) : أَيْ لِدَوَابِّ الْغُزَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَضَعَفَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمِثْلُ الْإِمَامِ فِي الْحِمَى نَائِبُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ بِخِلَافِ الْإِقْطَاعِ فَلَيْسَ لِنَائِبِ السُّلْطَانِ إقْطَاعٌ إلَّا بِإِذْنٍ.
وَالْفَرْقُ: أَنَّ الْإِقْطَاعَ يَحْصُلُ بِهِ التَّمْلِيكُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْإِذْنِ بِخِلَافِ الْحِمَى - بِالْقَصْرِ لَيْسَ إلَّا - وَقِيلَ: يَجُوزُ مَدُّهُ وَهُوَ يَائِيُّ اللَّامِ مِنْ حَمَيْت.
وَتَثْنِيَتُهُ
[حاشية الصاوي]
أَرْضُ الْعَنْوَةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِزِرَاعَةِ الْأَرْضِ وَأَرْضُ الْفَيَافِي وَالْجِبَالِ وَالْأَرْضُ الَّتِي اُنْجُلِيَ عَنْهَا فَيُقْطِعُهَا الْإِمَامُ عَلَى مَا يُرِيدُ مِلْكًا وَانْتِفَاعًا.
قَوْلُهُ: [مُطْلَقًا] : أَيْ لَا مِلْكًا وَلَا انْتِفَاعًا سَوَاءٌ أَسْلَمَ أَهْلُهَا أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: [أَوْ بِحِمَاهُ] : عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِإِقْطَاعٍ وَبِهِ التَّعْرِيفُ.
قَوْلُهُ: [بِحِمَى الْإِمَامِ لَهُ] : أَصْلُ الْحِمَى عِنْدَ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الرَّئِيسَ، مِنْهُمْ إذَا نَزَلَ بِأَرْضٍ مُخْصَبَةٍ يَسْتَعْوِي كَلْبًا بِمَحَلٍّ عَالٍ فَحَيْثُ يَنْتَهِي إلَيْهِ صَوْتُهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَمَاهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَرْعَى غَيْرُهُ فِيهِ مَعَهُ، وَيَرْعَى هُوَ فِي غَيْرِهِ مَعَ غَيْرِهِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ شَرْعًا وَإِنَّمَا الشَّرْعِيُّ يَكُونُ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ أَفَادَهَا الْمُصَنِّفُ.
قَوْلُهُ: [مِنْ بَلَدٍ] : أَيْ أَرْضٍ.
قَوْلُهُ: [لَا لِنَفْسِهِ] : دُخُولٌ عَلَى قَوْلِهِ لِكَغَزْوٍ وَالْأَوْضَحُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ لِيَكُونَ مُحْتَرِزًا لَهُ.
قَوْلُهُ: [نَائِبُهُ] : أَيْ الْمُفَوَّضُ لَهُ لَا قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ أَيْ فِي الْحِمَى بِالْخُصُوصِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا بِإِذْنٍ] : أَيْ خَاصٍّ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْحِمَى] : أَيْ فَفِيهِ امْتِنَاعٌ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [بِالْقَصْرِ] : أَيْ بِمَعْنَى الْمَحْمِيِّ فَهُوَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ.
حِمَيَانِ.
وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الِاخْتِصَاصَ أَنْوَاعٌ: الْأَوَّلُ: مَا كَانَ بِإِحْيَاءٍ، وَالثَّانِي: مَا كَانَ حَرِيمًا لِبَلَدٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ دَارٍ، وَالثَّالِثُ: مَا كَانَ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ، وَالرَّابِعُ: مَا كَانَ بِحِمَاهُ.
(وَالْإِحْيَاءُ) يَكُونُ بِأَحَدِ أُمُورٍ سَبْعَةٍ: الْأَوَّلُ: (بِتَفْجِيرِ مَاءٍ) لِبِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ فَتُمْلَكُ بِهِ، وَكَذَا تُمْلَكُ الْأَرْضُ الَّتِي تُزْرَعُ بِهَا.
(وَ) الثَّانِي: (بِإِزَالَتِهِ) : أَيْ الْمَاءِ مِنْهَا حَيْثُ كَانَتْ الْأَرْضُ غَامِرَةً بِالْمَاءِ.
(وَ) الثَّالِثُ: (بِبِنَاءٍ) بِأَرْضٍ.
(وَ) الرَّابِعُ: بِسَبَبِ (غَرْسٍ) لِشَجَرٍ بِهَا.
(وَ) الْخَامِسُ: بِسَبَبِ (تَحْرِيكِ أَرْضٍ) بِحَرْثِهَا وَنَحْوِهِ.
(وَ) السَّادِسُ: يَكُونُ بِسَبَبِ (قَطْعِ شَجَرٍ) بِهَا بِنِيَّةِ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا.
(وَ) السَّابِعُ: بِسَبَبِ (كَسْرِ حَجَرِهَا مَعَ تَسْوِيَتِهَا) أَيْ الْأَرْضِ.
(لَا) يَكُونُ الْإِحْيَاءُ (بِتَحْوِيطٍ) لِلْأَرْضِ بِنَحْوِ خَطٍّ عَلَيْهَا (وَ) لَا (رَعْيِ كَلَإٍ) بِهَا (وَ) لَا (حَفْرِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ) بِهَا (إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ الْمِلْكِيَّةَ) حِينَ حَفَرَهَا.
فَإِنْ بَيَّنَهَا فَإِحْيَاءٌ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَقَدْ عَلِمْت] : أَيْ مِنْ التَّعْرِيفِ الْمُتَقَدِّمِ.
[الْإِحْيَاءُ يَكُونُ بِأَحَدِ أُمُورٍ سَبْعَةٍ]
قَوْلُهُ: [لِبِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ] : أَيْ كَأَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا أَوْ يَفْتُقُ عَيْنًا فِي أَرْضِ الْفَيَافِي.
قَوْلُهُ: [غَامِرَةً بِالْمَاءِ] : أَيْ يَبْقَى عَلَيْهَا الْمَاءُ صَيْفًا وَشِتَاءً فَتُحِيلُ فِي زَوَالِهِ وَصَارَ مُتَمَكَّنًا مِنْ مَنَافِعِ تِلْكَ الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: [بِبِنَاءٍ بِأَرْضٍ] إلَخْ: اُخْتُلِفَ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ بِالْأَرْضِ عِظَمُ الْمُؤْنَةِ أَوْ لَا فَظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَخَلِيلٍ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ، وَفِي الْجَوَاهِرِ اشْتِرَاطُهُ وَاعْتَمَدَهُ فِي الْحَاشِيَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: [لَا يَكُونُ الْإِحْيَاءُ بِتَحْوِيطٍ لِلْأَرْضِ] إلَخْ: السَّبْعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مُتَّفَقٌ عَلَى كَوْنِهَا إحْيَاءً، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ إحْيَاءً، وَانْظُرْ لَوْ فَعَلَ فِي الْأَرْضِ تِلْكَ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ جَمِيعَهَا هَلْ يَكُونُ إحْيَاءً لَهَا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ كُلِّ
(وَافْتَقَرَ) الْإِحْيَاءُ (إنْ قَرُبَ) لَلْعُمْرَانِ - بِأَنْ كَانَ حَرِيمَ بَلْدَةٍ - قَالَ الْحَطَّابُ: وَالْقَرِيبُ هُوَ حَرِيمُ الْعِمَارَةِ مِمَّا يَلْحَقُونَهُ غُدُوًّا وَرَوَاحًا.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَحَدُّ الْبَعِيدِ مِنْ الْعُمْرَانِ مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَيْهِ مَسْرَحُ الْعُمْرَانِ وَاحْتِطَابُ الْمُحْتَطِبِينَ إذَا رَجَعُوا إلَى الْمَبِيتِ فِي مَوَاضِعِهِمْ، (لِإِذْنٍ) مِنْ الْإِمَامِ.
وَلَا يَأْذَنُ إلَّا لِمُسْلِمٍ لَا ذِمِّيٍّ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَوْلُ الْبَاجِيِّ: لَوْ قِيلَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَبْعُدْ، ضَعِيفٌ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ تَعَدَّى الْمُسْلِمُ وَأَحْيَا فِيمَا قَرُبَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ (فَلِلْإِمَامِ إمْضَاؤُهُ) لَهُ فَيَمْلِكُهُ (وَجَعْلُهُ مُتَعَدِّيًا) فَيَرُدُّهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَيُعْطِيهِ قِيمَةَ غَرْسِهِ أَوْ بِنَائِهِ أَوْ حَفْرِهِ مَنْقُوضًا لِتَعَدِّيهِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِيمَا أَغَلَّهُ فِيمَا مَضَى، نَظَرًا إلَى أَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي الْجُمْلَةِ.
(بِخِلَافِ الْبَعِيدِ) مِنْ الْعُمْرَانِ بِأَنْ خَرَجَ عَنْ حَرِيمِهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فَلَا يَفْتَقِرُ لِإِذْنٍ مِنْ الْإِمَامِ، وَمَا أَحْيَاهُ فَهُوَ لَهُ (وَلَوْ ذِمِّيًّا) حَيْثُ كَانَ إحْيَاؤُهُ فِي الْبَعِيدِ (بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) : وَهِيَ أَرْضُ الْحِجَازِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَنُ وَمَا وَالَاهَا
[حاشية الصاوي]
وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ لَا يَحْصُلُ بِهَا إحْيَاءٌ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُهَا كَذَلِكَ لِقُوَّةِ الْهَيْئَةِ الْمُجْتَمِعَةِ عَنْ حَالَةِ الِانْفِرَادِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَمُقْتَضَى مَا فِي الْحَاشِيَةِ أَنْ يَكُونَ إحْيَاءً.
[إذْنِ الْإِمَامِ فِي الْإِحْيَاءُ]
قَوْلُهُ: [وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ] إلَخْ: مَآلُ الْقَوْلَيْنِ وَاحِدٌ فَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: [مَسْرَحُ الْعُمْرَانِ] : أَيْ أَهْلُهُ عَلَى حَدِّ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] .
قَوْلُهُ: [وَقَوْلُ الْبَاجِيِّ] : مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ خَبَرٌ وَمَا بَيْنَهُمَا مَقُولُ الْقَوْلِ.
قَوْلُهُ: [إلَى أَنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي الْجُمْلَةِ] : أَيْ لِكَوْنِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ.
قَوْلُهُ: [بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ] : اعْلَمْ أَنَّ الْجَزِيرَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْجَزْرِ الَّذِي هُوَ الْقَطْعُ وَمِنْهُ الْجَزَّارُ لِقَطْعِهِ الْحَيَوَانَ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِانْقِطَاعِ الْمَاءِ وَسَطَهَا إلَى أَجْنَابِهَا لِأَنَّ الْبَحْرَ مُحِيطٌ بِهَا مِنْ جِهَاتِهَا الثَّلَاثِ الَّتِي هِيَ الْمَغْرِبُ وَالْجَنُوبُ وَالْمَشْرِقُ، فَفِي مَغْرِبِهَا بَحْرُ جُدَّةَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ مُشَدَّدَةً وَيُسَمَّى بِالْقُلْزُمِ، وَبَحْرِ السُّوَيْسِ، وَفِي جَنُوبِهَا بَحْرُ الْهِنْدِ وَفِي مَشْرِقِهَا خَلِيجُ عُمَانَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ، وَأَمَّا عَمَّانُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ فَهِيَ قَرْيَةٌ بِنَاحِيَةِ الشَّامِ.
كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْجِزْيَةِ.
فَقَوْلُهُ: " بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ "، قَيْدٌ فِي الذِّمِّيِّ خَاصَّةً، لِأَنَّهُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ سُكْنَى فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ سُكْنَى] إلَخْ: أَيْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ» .
تَتِمَّةٌ:
إنْ سَالَ مَطَرٌ بِأَرْضٍ مُبَاحَةٍ سُقِيَ الْأَقْرَبُ إلَيْهَا إنْ تَقَدَّمَ فِي الْإِحْيَاءِ أَوْ تَسَاوَيَا حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ الْكَعْبَ ثُمَّ يُرْسَلَ لِلْأُخْرَى عَلَى التَّرْتِيبِ، وَأُمِرَ بِالتَّسْوِيَةِ لِلْأَرْضِ إنْ أَمْكَنَ.
أَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ التَّسْوِيَةُ فَيُسْقَى الْأَعْلَى وَحْدَهُ وَالْأَسْفَلُ وَحْدَهُ وَإِنْ اسْتَوَتْ نِسْبَةُ الْأَرْضِ الَّتِي حَوْلَ الْمَاءِ قُرْبًا وَبُعْدًا قُسِمَ بِقِلْدٍ وَنَحْوِهِ كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ وَأَجْرَوْا مَاءً لِأَرْضِهِمْ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ بِالْقِلْدِ وَنَحْوِهِ وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ لِلتَّشَاحُحِ فِي السَّبْقِ وَلَا فَرْقَ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ بَيْنَ مَاءِ النِّيلِ وَالْمَطَرِ وَالْعُيُونِ.
بَابٌ فِي الْوَقْفِ وَأَحْكَامِهِ (الْوَقْفُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ " مَنْدُوبٌ "، فَهُوَ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ الْمَنْدُوبَةِ وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْحَبْسِ.
وَقَدْ حَبَسَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ مِنْ بَعْدِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهُوَ مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يُحَبِّسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ دَارًا وَلَا أَرْضًا فِيمَا عَلِمْت.
وَرَسَمَهُ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ) أَيْ الْوَقْفُ (جَعْلُ مَنْفَعَةِ مَمْلُوكٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ أَيْ جَعْلُ مَالِكٍ مَنْفَعَةَ ذَلِكَ الْمَمْلُوكِ لَهُ لِذَاتِهِ، كَمَا هُوَ الْغَالِبُ.
بَلْ
[حاشية الصاوي]
[بَابٌ فِي الْوَقْفِ وَأَحْكَامِهِ]
بَابٌ: عُقِّبَ هَذَا الْبَابُ لِلْإِحْيَاءِ لِكَوْنِ الْعَيْنِ فِيهِمَا بِغَيْرِ عِوَضٍ يَدْفَعُهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْوَقْفِ وَالْمُحْيِي لِلْأَرْضِ.
وَقَالَ فِي التَّنْبِيهِ: الْوَقْفُ مَصْدَرُ وَقَفْت الْأَرْضَ وَغَيْرَهَا أَقِفُهَا هَذِهِ هِيَ اللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ.
قَوْلُهُ: [وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْحَبْسِ] : أَيْ فَيُسَمَّى وَقْفًا لِأَنَّ الْعَيْنَ مَوْقُوفَةٌ، وَحُبِسَا لِأَنَّ الْعَيْنَ مُحَبَّسَةٌ كَمَا يُفِيدُهُ التَّنْبِيهُ.
قَوْلُهُ: [لَمْ يُحَبِّسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ] إلَخْ: أَيْ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّرِ، وَأَمَّا بِنَاءُ الْكَعْبَةِ وَحَفْرُ زَمْزَمَ فَإِنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّفَاخُرِ.
قَوْلُهُ: [جَعْلُ مَنْفَعَةِ مَمْلُوكٍ] إلَخْ: تَعْرِيفٌ لَهُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَأَمَّا الْمَعْنَى الِاسْمِيُّ فَهُوَ الذَّاتُ الْمَمْلُوكَةُ الْمَجْعُولُ مَنْفَعَتُهَا إلَخْ، وَشَمِلَ قَوْلُهُ الْمَمْلُوكَ مَا جَازَ بَيْعُهُ وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ وَكَلْبِ الصَّيْدِ وَالْعَبْدِ الْآبِقِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.
قَوْلُهُ: [أَيْ جَعْلُ مَالِكٍ مَنْفَعَةَ] إلَخْ: لَفْظُ مَالِكٍ هُوَ الْفَاعِلُ الْمَحْذُوفُ.
وَقَوْلُهُ: [لَهُ] : مُتَعَلِّقٌ بِالْمَمْلُوكِ.
وَقَوْلُهُ: [لِذَاتِهِ] : مُتَعَلِّقٌ بِمَالِكٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَالِكَ ذَاتِ الشَّيْءِ يَجْعَلُ مَنْفَعَتَهُ لِمُسْتَحِقٍّ إلَخْ هَذَا إذَا كَانَ مَالِكًا لِلذَّاتِ بِثَمَنٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إرْثٍ، بَلْ وَلَوْ كَانَ مَالِكًا
(وَلَوْ) كَانَ مَمْلُوكًا (بِأُجْرَةٍ أَوْ) جَعْلُ (غَلَّتِهِ) - كَدَرَاهِمَ - فِي نَظِيرِ إجَارَةِ الْوَقْفِ (لِمُسْتَحِقٍّ) مُتَعَلِّقٌ - بِ " جَعْلُ " (بِصِيغَةٍ) دَالَّةٍ عَلَيْهِ كَ حَبَسْت، وَوَقَفْت (مُدَّةَ مَا يَرَاهُ الْمُحَبِّسُ) فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْبِيدُ.
(مَنْدُوبٌ) لِأَنَّهُ مِنْ الْبِرِّ وَفِعْلِ الْخَيْرِ.
وَشَمِلَ قَوْلُهُ: " وَلَوْ بِأُجْرَةٍ " مَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا مَمْلُوكَةً أَوْ أَرْضًا مُدَّةً مَعْلُومَةً وَأَوْقَفَ مَنْفَعَتَهَا " - وَلَوْ مَسْجِدًا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ - وَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ وَقْفًا وَأَوْقَفَ مَنْفَعَتَهُ عَلَى مُسْتَحِقٍّ آخَرَ غَيْرِ الْأَوَّلِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ: وَأَمَّا الْمُحَبَّسُ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ تَحْبِيسُ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا؛ لِأَنَّ الْحُبْسَ لَا يُحَبَّسُ.
[حاشية الصاوي]
لِمَنْفَعَتِهِ بِأُجْرَةٍ.
فَإِنْ قُلْت وَقْفُ السَّلَاطِينِ عَلَى الْخَيْرَاتِ صَحِيحٌ مَعَ عَدَمِ مِلْكِهِمْ لِمَا حَبَسُوهُ.
قُلْت هَذَا لَا يَرُدُّ عَلَى الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ السُّلْطَانَ وَكِيلٌ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ كَوَكِيلِ الْوَاقِفِ، وَلِلْقَرَافِيِّ فِي الْفُرُوقِ إذَا حَبَّسَ الْمُلُوكُ مُعْتَقِدِينَ أَنَّهُمْ وُكَلَاءُ الْمُلَّاكِ صَحَّ الْحُبْسُ، وَإِنْ حَبَسُوهُ مُعْتَقِدِينَ أَنَّهُ مِلْكُهُمْ بَطَلَ، وَبِذَلِكَ أَفْتَى الْعَبْدُوسِيُّ وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ فِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ " مَنْفَعَةَ مَمْلُوكٍ " مِنْ وَقْفِ الْفُضُولِيِّ، فَإِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَوْ أَجَازَهُ الْمَالِكُ لِخُرُوجِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
بِخِلَافِ بَيْعِهِ فَصَحِيحٌ لِخُرُوجِهِ، بِعِوَضٍ، وَمِثْلُ وَقْفِ الْفُضُولِيِّ هِبَتُهُ وَصَدَقَتُهُ وَعِتْقُهُ فَبَاطِلٌ وَلَوْ أَجَازَهُ الْمَالِكُ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ مِنْ جَعْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَالْبَيْعِ إنْ أَمْضَاهُ الْمَالِكُ مَضَى وَلَكِنْ يَرُدُّ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ طَلَاقُ الْفُضُولِيِّ.
فَإِنَّهُ كَبَيْعِهِ كَمَا تَقَدَّمَ لَنَا فِي النِّكَاحِ مَعَ كَوْنِهِ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ يُحْتَاطُ فِي الْفُرُوجِ مَا لَا يُحْتَاطُ فِي غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: [أَوْ غَلَّتَهُ] : مَعْطُوفٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ أَيْ إنْ كَانَ لَهُ غَلَّةٌ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْبِيدُ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ مَسْجِدًا كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَفِعْلُ الْخَيْرِ] : تَفْسِيرٌ لِمَعْنَى الْبِرِّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77] .
قَوْلُهُ: [وَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ] إلَخْ: مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ شَمِلَ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْحُبْسَ لَا يُحَبَّسُ] : أَيْ وَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ
نَعَمْ لَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهُ فِي ذَلِكَ الْحُبْسِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ أَوْ مُدَّةَ اسْتِحْقَاقِهِ، فَإِذَا مَاتَ أَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ اسْتِحْقَاقِهِ رَجَعَ لِمَنْ يَلِيهِ فِي الرُّتْبَةِ.
وَأَمَّا مَا يَقَعُ عِنْدَنَا بِمِصْرَ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِوَقْفٍ أَوْ النَّاظِرَ عَلَى مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ يَبِيعُ الْوَقْفَ بِدَرَاهِمَ كَثِيرَةٍ وَيَجْعَلُ الْمُشْتَرِي عَلَى نَفْسِهِ لِجِهَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ أَوْ الْمَسْجِدِ حَكْرًا، ثُمَّ يُوقِفُ ذَلِكَ الْوَقْفَ عَلَى زَوْجَتِهِ وَعُتَقَائِهِ، وَإِذَا لَمْ يُوقِفْهُ بَاعَهُ وَوُرِثَ عَنْهُ - وَيُسَمُّونَهُ خُلُوًّا - فَهَذَا بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَبَعْضُ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ يُفْتِيهِمْ بِجَوَازِهِ وَيُسْنِدُ الْجَوَازَ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهِيَ فَتْوَى بَاطِلَةٌ قَطْعًا.
وَحَاشَى الْمَالِكِيَّةُ أَنْ يَقُولُوا بِذَلِكَ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْخَرَشِيِّ: مَا لَمْ يَكُنْ مَنْفَعَةَ حُبْسٍ لِتَعَلُّقِ الْحَبْسِ بِهَا وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْحُبْسُ لَا يُحَبَّسُ كَالْخَلَوَاتِ، وَأَيْضًا هِيَ لَا تَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ: " مَمْلُوكٍ " إذْ الْمُرَادُ مَمْلُوكٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ لِغَيْرٍ (اهـ) .
وَهُوَ كَلَامٌ حَقٌّ لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَتَوْضِيحُهُ عَلَى مَا شَاهَدْنَاهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ؛ أَنَّ الْحَوَانِيتَ الْمَوْقُوفَةَ عَلَى الْمَسْجِدِ الْغُورِيِّ وَالْأَشْرَفِيِّ وَالنَّاصِرِيِّ وَغَيْرِهَا، يَبِيعُهَا النَّاظِرُ بِثَمَنٍ كَثِيرٍ، فَيَبِيعُ الْحَانُوتَ الْوَاحِدَ بِنَحْوِ خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ لَا لِغَرَضٍ سِوَى حُبِّ
[حاشية الصاوي]
الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ إنَّمَا يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ لَا الْمَنْفَعَةَ.
قَوْلُهُ: [نَعَمْ لَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهُ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ جَوَازُ ذَلِكَ وَلَوْ بِمَالٍ يَأْخُذُهُ لِنَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: [رَجَعَ لِمَنْ يَلِيهِ فِي الرُّتْبَةِ] : أَيْ فَيَأْخُذُهُ مَجَّانًا بِغَيْرِ شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ وَاضِعُ الْيَدِ دَافِعًا لِشَيْءٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ ضَاعَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ] إلَخْ: أَيْ فِي الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ.
قَوْلُهُ: [لِجِهَةِ الْمُسْتَحِقِّينَ] : أَيْ أَنَّ الَّذِينَ يَتَجَدَّدُونَ بَعْدَ هَذَا الْمُسْتَحِقِّ الْبَائِعِ.
وَقَوْلُهُ: [أَوْ الْمَسْجِدَ] : رَاجِعٌ لِلنَّاظِرِ.
وَقَوْلُهُ: [حَكْرًا] : أَيْ شَيْئًا قَلِيلًا كَالنِّصْفِ وَالنِّصْفَيْنِ كُلَّ شَهْرٍ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [عَلَى زَوْجَتِهِ وَعُتَقَائِهِ] : أَيْ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: [إذْ الْمُرَادُ مَمْلُوكٌ] : إلَخْ: أَيْ وَالْمَوْقُوفُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [وَتَوْضِيحُهُ] : أَيْ تَوْضِيحُ مَا قَالَهُ الْخَرَشِيُّ.
قَوْلُهُ: [لَا لِغَرَضٍ] : أَيْ شَرْعِيٍّ.
الدُّنْيَا وَالْإِعْرَاضِ عَنْ حُبِّ الْآخِرَةِ.
ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْهُ يَجْعَلُ عَلَى نَفْسِهِ حَكْرًا كُلَّ شَهْرٍ نِصْفَيْنِ فِضَّةً مِنْ الدَّرَاهِمِ الْعَدَدِيَّةِ وَيُسَكِّنُهُ أَوْ يُكْرِيهِ كُلَّ يَوْمٍ بِعَشَرَةِ أَنْصَافٍ.
وَقَدْ يُوقِفُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَقَدْ يَبِيعُهُ وَقَدْ يُوفِي بِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَانْظُرْ إلَى هَذَا الْخَيْطِ الْخَارِجِ عَنْ قَوَانِينِ الشَّرِيعَةِ.
وَمِنْ الْعَجِيبِ أَنَّ الشَّيْخَ أَحْمَدَ الْغَرْقَاوِيَّ جَعَلَ لِبَعْضِ الْقُضَاةِ رِسَالَةً فِي ذَلِكَ وَجَوَّزَ فِيهَا مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ وَصَارَ النَّاسُ يُفْتُونَ بِجَوَازِ مَا ذُكِرَ مُعْتَمِدِينَ عَلَى مَا فِي الرِّسَالَةِ مِنْ الْكَلَامِ الْبَاطِلِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَصَدَ الْخَرَشِيُّ رَدَّهُ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَفْهَمْ مُرَادَهُ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ شَاعَ عِنْدَنَا بِمِصْرَ أَنَّ الْخُلُوَّ يَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَيَجْعَلُونَ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، حَتَّى لَزِمَ عَلَى ذَلِكَ إبْطَالُ الْأَوْقَافِ وَتَخْرِيبُ الْمَسَاجِدِ وَتَعْطِيلُ الشَّعَائِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ.
وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي الرِّزْقِ الْكَائِنَةِ بَيْنَ الْجِيزَةِ؛ تَكُونُ مُرْصَدَةً عَلَى مَنَافِعِ زَاوِيَةِ الْإِمَامِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَوْ عَلَى مَنَافِعِ زَاوِيَةِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، فَيَبِيعُهَا النَّاظِرُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ.
ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ يُوقِفُهَا عَلَى نَحْوِ زَاوِيَةِ الْإِمَامِ الشَّعْرَانِيِّ وَقَدْ يُوقِفُهَا عَلَى نَفْسِهِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ وَبَعْدَهُ عَلَى ذُرِّيَّتِهِ، وَرُبَّمَا بَاعَهَا النَّاظِرُ لِذِمِّيٍّ فَأَوْقَفَهَا الذِّمِّيُّ عَلَى كَنِيسَةٍ.
وَقَدْ وَقَعَ هَذَا فَإِنَّ رِزْقَةً كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى مَدْرَسَةِ السُّلْطَانِ حَسَنٍ بَاعَهَا نَاظِرُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ لِذِمِّيٍّ ثُمَّ إنَّ الذِّمِّيَّ أَوْقَفَهَا عَلَى كَنِيسَةٍ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَزْرَعُونَهَا وَيَدْفَعُونَ خَرَاجَهَا لِأَهْلِ الْكَنِيسَةِ، ثُمَّ تَغَلَّبَ النَّصَارَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِوَاسِطَةِ أُمَرَاءِ مِصْرَ الضَّالِّينَ فَنَزَعُوهَا مِنْ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ وَصَارُوا يَزْرَعُونَهَا.
هَذَا فِي
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [نِصْفَيْنِ فِضَّةً] : كِنَايَةٌ عَنْ الشَّيْءِ الْقَلِيلِ.
قَوْلُهُ: [وَيَسْكُنُهُ] : أَيْ بِنَفْسِهِ وَقَوْلُهُ بِعَشَرَةِ أَنْصَافٍ رَاجِعٌ لَيَكْرِيهِ.
قَوْلُهُ: [وَقَدْ يُوقِفُهُ عَلَى نَفْسِهِ] : أَيْ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: [الْخَارِجُ عَنْ قَوَانِينِ الشَّرِيعَةِ] : أَيْ فَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ.
قَوْلُهُ: [فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ] : أَيْ حَيْثُ مَثَّلَ لِلْوَقْفِ الْفَاسِدِ بِالْخَلَوَاتِ قَائِلًا إنَّ هَذَا التَّمْثِيلَ لَا يَصِحُّ إذْ الْمُرَادُ بِالْخَلَوَاتِ الَّتِي لَا يَصِحُّ وَقْفُهَا هِيَ الَّتِي اسْتَوْفَتْ الشُّرُوطَ مَعَ أَنَّ الَّتِي اسْتَوْفَتْ الشُّرُوطَ يَجُوزُ فِيهَا الْبَيْعُ وَالْوَقْفُ وَالْإِرْثُ وَالْهِبَةُ وَيُقْضَى مِنْهَا الدَّيْنُ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادَ الْخَرَشِيِّ، بَلْ مُرَادُهُ الْخَلَوَاتُ الْفَاسِدَةُ الَّتِي بِيعَتْ لَا لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ.
قَوْلُهُ: [عَلَى مَنَافِعِ زَاوِيَةِ الْإِمَامِ] إلَخْ: أَيْ مَثَلًا.
زَمَانِنَا وَانْحَطَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
نَعَمْ الْخُلُوُّ الَّذِي وَقَعَتْ الْفَتْوَى بِجَوَازِ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ وَإِرْثِهِ، إنَّمَا هُوَ فِي وَقْفٍ خَرِبٍ لَمْ يَجِدْ النَّاظِرُ أَوْ الْمُسْتَحِقُّ مَا يَعْمُرُهُ بِهِ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ وَلَا أَمْكَنَهُ إجَارَتُهُ بِمَا يَعْمُرُهُ بِهِ، فَيَأْذَنُ لِمَنْ يَعْمُرُهُ بِبِنَاءٍ أَوْ غَرْسٍ عَلَى أَنَّ مَا عَمَرَهُ بِهِ يَكُونُ مِلْكًا لِلْمُعَمِّرِ وَتُفَضُّ الْغَلَّةُ بِالنَّظَرِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْوَقْفِ؛ فَمَا نَابَ الْوَقْفَ يَكُونُ لِلْمُسْتَحِقِّ وَمَا نَابَ الْعِمَارَةَ يَكُونُ لِرَبِّهَا، فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ الْوَقْفِ وَلَا إخْرَاجُهُ عَنْ غَرَضِ الْوَاقِفِ، وَلَيْسَ هَذَا مُرَادَ الشَّيْخِ الْخَرَشِيِّ بِمَا تَقَدَّمَ حَتَّى يُعْتَرَضَ بِهِ عَلَيْهِ فَافْهَمْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
وَإِذَا عَلِمْت أَنَّ حَقِيقَةَ الْوَقْفِ مَا ذُكِرَ:
(فَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ) :
الْأَوَّلُ: (وَاقِفٌ وَهُوَ الْمَالِكُ لِلذَّاتِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ) الَّتِي أَوْقَفَهَا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يُكْرِيَ أَرْضَهُ عَلَى أَنْ تُتَّخَذَ مَسْجِدًا عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا انْقَضَتْ كَانَ النُّقْضُ لِلَّذِي بَنَاهُ.
وَشَرْطُ صِحَّةِ وَقْفِهِ: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إنْ كَانَ) الْوَاقِفُ (أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ) : وَهُوَ الْبَالِغُ الْحُرُّ الرَّشِيدُ الْمُخْتَارُ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا عَبْدٍ وَلَا سَفِيهٍ وَلَا مُكْرَهٍ.
(وَ) الثَّانِي: (مَوْقُوفٌ: وَهُوَ مَا مُلِكَ) مِنْ ذَاتٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بِجَوَازِ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ] : إلَخْ: أَيْ وَقْفَهُ.
قَوْلُهُ: [وَإِذَا عَلِمْت] : أَيْ مِنْ التَّعْرِيفِ.
[أَرْكَانُ الْوَقْفُ]
قَوْلُهُ: [أَوْ الْمَنْفَعَةِ] : أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ مِلْكُ الذَّاتِ.
قَوْلُهُ: [عَلَى أَنْ تُتَّخَذَ مَسْجِدًا] : أَيْ فَالْمُكْتَرِي يُوقِفُهَا مَسْجِدًا وَقَصَدَ بِهِ الِاسْتِشْهَادَ عَلَى وَقْفِ الْمَنْفَعَةِ.
قَوْلُهُ: [كَانَ النُّقْضُ لِلَّذِي بَنَاهُ] : ظَاهِرٌ يَفْعَلُ بِهِ مَا شَاءَ لِكَوْنِ الْوَقْفِ انْتَهَى أَجَلُهُ فَلَا يُعْطَى حُكْمَ أَنْقَاضِ الْمَسَاجِدِ الْمُؤَبَّدَةِ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ الْبَالِغُ] : أَيْ الْمُكَلَّفُ لِأَنَّهُ سَيُخْرِجُ بِهِ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ وَبَاقِيَ الْمُحْتَرَزَاتِ عَلَى تَرْتِيبِ اللَّفِّ.
(وَلَوْ حَيَوَانًا) رَقِيقًا أَوْ غَيْرَهُ يُوقَفُ عَلَى مُسْتَحِقٍّ لِلِانْتِفَاعِ بِخِدْمَتِهِ أَوْ رُكُوبِهِ أَوْ الْحَمْلِ عَلَيْهِ (أَوْ طَعَامًا وَعَيْنًا) يُوقَفُ كُلٌّ مِنْهُمَا (لِلسَّلَفِ) وَيُنَزَّلُ رَدُّ بَدَلِهِ مَنْزِلَةَ بَقَاءِ عَيْنِهِ.
وَجَوَازُ وَقْفِ الطَّعَامِ وَالْعَيْنِ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فَلَا تَرَدُّدَ فِيهِ.
نَعَمْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَلِذَا اُعْتُرِضَ عَلَى الشَّيْخِ فِي ذِكْرِ التَّرَدُّدِ.
وَأَضْعَفُ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ: لَا يَجُوزُ؛ إنْ حُمِلَ قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمَنْعِ: وَعَلَى كُلِّ حَالٍ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ شَاسٍ خِلَافُ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ فَكَانَ عَلَى الشَّيْخِ أَنْ لَا يَلْتَفِتَ لِقَوْلِهِمَا.
(وَ) الثَّالِثُ: (مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ: وَهُوَ الْأَهْلُ) : أَيْ الْمُسْتَحِقُّ لِصَرْفِ الْمَنَافِعِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ حَيَوَانًا عَاقِلًا كَزَيْدٍ أَوْ الْعُلَمَاءِ أَوْ الْفُقَرَاءِ أَوْ غَيْرَهُ (كَرِبَاطٍ وَقَنْطَرَةٍ) وَمَسْجِدٍ، فَإِنَّهَا تَسْتَحِقُّ صَرْفَ غَلَّةِ الْوَقْفِ أَوْ مَنَافِعِهِ عَلَيْهَا لِإِصْلَاحِهَا وَإِقَامَةِ مَنَافِعِهَا (وَنَحْوِ مَنْ سَيُولَدُ) فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِزَيْدٍ مَثَلًا فَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ.
وَهُوَ لَازِمٌ لِعَقْدِهِ عَلَى مَا لِابْنِ الْقَاسِمِ، فَتُوقَفُ الْغَلَّةُ إلَى أَنْ يُوجَدَ، فَيُعْطَاهَا.
فَإِنْ حَصَلَ مَانِعٌ مِنْ مَوْتٍ أَوْ يَأْسٍ مِنْهُ رَجَعَتْ لِلْوَاقِفِ أَوْ وَارِثِهِ، (وَلَوْ) كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَلَوْ حَيَوَانًا] : رَدَّ بِلَوْ عَلَى مَا حَكَاهُ ابْنُ الْقَصَّارِ مِنْ مَنْعِ وَقْفِ الْحَيَوَانِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْمُعَقِّبِ أَوْ عَلَى قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ وَأَمَّا تَحْبِيسُ ذَلِكَ لِيُوضَعَ بِعَيْنِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِتُصْرَفَ غَلَّتُهُ فِي وَجْهِ قُرْبَةٍ فَجَائِزٌ اتِّفَاقًا كَذَا فِي (بْن) .
قَوْلُهُ: [رَقِيقًا] : أَيْ فَيَجُوزُ وَقْفُ عَبْدٍ عَلَى مَرْضَى مَثَلًا لِخِدْمَتِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ السَّيِّدُ ضَرَرَهُ بِذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ، وَمِثْلُ الْعَبْدِ الْأَمَةُ عَلَى إنَاثٍ وَلَيْسَ لِلْوَاقِفِ حِينَئِذٍ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا صَارَتْ بِوَقْفِهَا لِلْغَيْرِ كَالْمُسْتَعَارَةِ وَالْمَرْهُونَةِ.
قَوْلُهُ: [يُوقَفُ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلسَّلَفِ] : أَيْ وَأَمَّا إنْ وَقَفَ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ كَوَقْفِهِ لِتَزْيِينِ الْحَوَانِيتِ مَثَلًا فَلَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا إذْ لَا مَنْفَعَةٌ شَرْعِيَّةٌ تَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [إنْ حُمِلَ قَوْلُهُ] : إلَخْ: قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ أَضْعَفُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرَهُ] : مَعْطُوفٌ عَلَى حَيَوَانًا وَهُوَ دُخُولٌ عَلَى قَوْلِهِ كَرِبَاطٍ وَالْمُرَادُ بِالرِّبَاطِ الثَّغْرُ.
قَوْلُهُ: [وَنَحْوِ مَنْ سَيُولَدُ] : كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ أَيْ فَلَا فَرْقَ فِي الْأَهْلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَالِحًا فِي الْحَالِ كَالْحَيَوَانِ الْعَاقِلِ وَنَحْوِ الرِّبَاطِ أَوْ الِاسْتِقْبَالِ كَمَنْ سَيُولَدُ.
الْمَوْجُودُ أَوْ مَنْ سَيُوجَدُ (ذِمِّيًّا) فَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ وَسَوَاءٌ ظَهَرَتْ قُرْبَةٌ (أَوْ لَمْ تَظْهَرْ قُرْبَةٌ) كَمَا لَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ غَنِيًّا.
(وَ) الرَّابِعُ: (صِيغَةٌ) صَرِيحَةٌ (بِ وَقَفْت أَوْ حَبَسْت أَوْ سَبَّلْت، أَوْ) غَيْرُ صَرِيحَةٍ نَحْوُ: (تَصَدَّقْت، إنْ اقْتَرَنَ بِقَيْدٍ) يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ نَحْوَ: لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، أَوْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَى بَنِي فُلَانٍ طَائِفَةً بَعْدَ طَائِفَةٍ، أَوْ عَقِبِهِمْ وَنَسْلِهِمْ.
فَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ تَصَدَّقْت بِقَيْدٍ يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِلْكًا لِمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَحْصُرْ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، بِيعَ وَتُصُدِّقَ بِثَمَنِهِ عَلَيْهِمْ بِالِاجْتِهَادِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ حَبَسْت وَوَقَفْت يُفِيدَانِ التَّأْبِيدَ مُطْلَقًا قَيَّدَ أَوْ أُطْلِقَ.
وَكَذَا سَبَّلْت - كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ أَمْ لَا - حَتَّى يُقَيَّدَ بِأَجَلٍ أَوْ جِهَةٍ تَنْقَطِعُ وَأَمَّا تَصَدَّقْت؛
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [الْمَوْجُودُ] : أَيْ الصَّالِحُ فِي الْحَالِ.
وَقَوْلُهُ: [أَوْ مَنْ سَيُوجَدُ] : أَيْ الصَّالِحُ فِي الِاسْتِقْبَالِ.
قَوْلُهُ: [كَمَا لَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ] : أَيْ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَالْقُرْبَةُ فِيهِ ظَاهِرَةٌ وَلَوْ غَنِيًّا.
قَوْلُهُ: [وَالرَّابِعُ صِيغَةٌ] : أَيْ وَمَا نَابَ عَنْهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَنَابَ عَنْهَا التَّخْلِيَةُ بِكَالْمَسْجِدِ.
قَوْلُهُ: [طَائِفَةً بَعْدَ طَائِفَةٍ] إلَخْ: أَيْ فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ قَرِينَةٌ عَلَى الْوَقْفِ لَا عَلَى الصَّدَقَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي هِيَ التَّمْلِيكُ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَكُونُ مِلْكًا لِمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ] : أَيْ فَإِنْ كَانَ مَحْصُورًا صَنَعَ بِهَا مَا شَاءَ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: [بِالِاجْتِهَادِ] : أَيْ فَلَا يَلْزَمُ التَّعْمِيمُ بَلْ لِمُتَوَلِّي التَّفْرِقَةِ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ شَاءَ، وَيَمْنَعَ مَنْ شَاءَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تُبَاعُ لِأَنَّ بَقَاءَهَا يُؤَدِّي لِلنِّزَاعِ.
قَوْلُهُ: [مُطْلَقًا] : مِنْ جُمْلَةِ مَعْنَى الْإِطْلَاقِ كَانَ عَلَى مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ الْآتِي بَعْدُ وَإِنَّمَا أَفْرَدَ مَسْأَلَتَهُ رَدًّا عَلَى الْمُخَالِفِ.
قَوْلُهُ: [حَتَّى يُقَيَّدَ بِأَجَلٍ] : أَيْ بِأَنْ يَضْرِبَ لِلْوَقْفِ أَجَلًا كَعَشْرِ سِنِينَ مَثَلًا.
وَقَوْلُهُ: [أَوْ جِهَةٍ تَنْقَطِعُ] : أَيْ كَمَا لَوْ قَيَّدَهُ بِحَيَاةِ شَخْصٍ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ.
فَلَا يُفِيدُ الْوَقْفَ إلَّا بِقَيْدٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
(أَوْ) عَلَى (جِهَةٍ لَا تَنْقَطِعُ) : عَطْفٌ عَلَى " مُقَدَّرٍ " أَيْ: عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ جِهَةٍ.
. . إلَخْ كَالْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَسَاجِدِ فَإِنْ كَانَ بِحَبَسْت أَوْ وَقَفْت فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ بِ تَصَدَّقْت أَوْ مَنَحْت فَلَا بُدَّ مِنْ قَيْدٍ يُفِيدُ الْوَقْفَ وَالتَّأْبِيدَ، وَإِلَّا كَانَ مِلْكًا لَهُمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(أَوْ لِمَجْهُولٍ حُصِرَ) كَعَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ وَنَسْلِهِ، وَلَوْ بِلَفْظِ تَصَدَّقْت لِأَنَّ قَوْلَهُ: " وَعَقِبِهِ " وَمَا فِي مَعْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَالْمُرَادُ بِالْمَحْصُورِ مَا يُحَاطُ بِأَفْرَادِهِ وَبِغَيْرِهِ مَا لَا يُحَاطُ بِهَا كَالْفُقَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ.
(وَنَابَ عَنْهَا) : أَيْ عَنْ الصِّيغَةِ (التَّخْلِيَةُ) بَيْنَ النَّاسِ (بِكَالْمَسْجِدِ) مِنْ رِبَاطٍ وَمَدْرَسَةٍ وَمَكْتَبٍ وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهَا.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَلَا يُفِيدُ الْوَقْفُ] : أَيْ أَصْلُ الْوَقْفِ مُؤَبَّدًا أَوْ غَيْرَ مُؤَبَّدٍ.
قَوْلُهُ: [عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ] : إنَّمَا قَالَ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ وَلَمْ يَجْعَلْهُ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ بِقَيْدٍ؛ لِرُجُوعِهِ لِجَمِيعِ الصِّيَغِ الصَّرِيحَةِ وَغَيْرِهَا فَلِذَلِكَ فَصَّلَ الشَّارِحُ الْأَحْكَامَ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: [فَلَا بُدَّ مِنْ قَيْدٍ يُفِيدُ الْوَقْفَ] : أَيْ كَقَوْلِهِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَكَقَوْلِهِ عَلَى بَنِي فُلَانٍ طَائِفَةً بَعْدَ طَائِفَةٍ.
قَوْلُهُ: [وَالتَّأْبِيدَ] : لَا حَاجَةَ لَهُ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْبِيدُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ لِمَجْهُولٍ حَضَرَ] : مَعْطُوفٌ عَلَى جِهَةٍ وَاللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى.
قَوْلُهُ: [كَعَلَى فُلَانٍ وَعَقِبِهِ] : وَجْهُ كَوْنِهِ مَجْهُولًا أَنَّ الْعَقِبَ وَالنَّسْلَ غَيْرُ مَعْلُومَيْنِ الصَّادِقُ بِمَنْ وُجِدَ وَمَنْ سَيُوجَدُ.
قَوْلُهُ: [يَدُلُّ عَلَى التَّأْبِيدِ] : أَيْ مَا لَمْ يُقَيَّدْ بِأَجَلٍ.
قَوْلُهُ: [كَالْفُقَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ] : مِثَالٌ لِغَيْرِ الْمَحْصُورِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهَا] : أَيْ كَمَا لَوْ بَنَى مَسْجِدًا وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَلَمْ يَخُصَّ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ لَا فَرْضًا دُونَ نَفْلٍ، وَيَثْبُتُ الْوَقْفُ بِالْإِشَاعَةِ بِشُرُوطِهَا بِأَنْ يَطُولَ زَمَنُ السَّمَاعِ.
قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَصِفَةُ شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي الْأَحْبَاسِ أَنْ يَشْهَدَ الشَّاهِدُ أَنَّهُ يَعْرِفُ الدَّارَ الَّتِي بِمَوْضِعِ كَذَا، وَحَدُّهَا كَذَا وَأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يَسْمَعُ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَوْ عِشْرِينَ سَنَةً مُتَقَدِّمَةَ التَّارِيخِ عَنْ شَهَادَتِهِ هَذِهِ سَمَاعًا فَاشِيًا مُسْتَفِيضًا مِنْ
(وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ) : أَيْ فِي الْحُبْسِ (التَّنْجِيزُ) ، فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: هُوَ حُبْسٌ عَلَى كَذَا بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ.
(وَحُمِلَ فِي الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى تَنْجِيزِ الْعِتْقِ.
(كَتَسْوِيَةِ ذَكَرٍ لِأُنْثَى) ، فَإِنَّهُ يُحْمَلُ إذَا أَطْلَقَ عَلَيْهَا، فَإِنْ قَيَّدَ بِشَيْءٍ عُمِلَ بِهِ.
[حاشية الصاوي]
أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ حُبْسٌ عَلَى كَذَا أَوْ حُبْسٌ فَقَطْ، وَيَشْهَدُ الْآخَرُ بِذَلِكَ بِهَذَا جَرَى الْعَمَلُ (اهـ) .
وَإِنَّمَا يَقَعُ الْحُكْمُ بِهَا بَعْدَ أَنْ يُعْذِرَ الْحَاكِمُ لِمَنْ يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُبْدِ رَافِعًا شَرْعِيًّا كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَيَقُومُ مَقَامَ الصِّيغَةِ أَيْضًا كِتَابَةُ الْوَقْفِ عَلَى الْكُتُبِ إنْ كَانَتْ وَقْفِيَّتُهَا مُقَيَّدَةً بِمَدَارِسَ مَشْهُورَةٍ وَإِلَّا فَلَا، وَيَقُومُ مَقَامَ الصِّيغَةِ أَيْضًا الْكِتَابَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَالْأَشْجَارِ الْقَدِيمَةِ وَعَلَى الْحَيَوَانِ.
قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ مَكْتُوبًا عَلَى كِتَابٍ وَقْفٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ وَقْفِيَّتُهُ حَيْثُ كَانَتْ وَقْفِيَّتُهُ مُطْلَقَةً، فَإِنْ وُجِدَ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ وَقْفٌ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ بِالْمَدْرَسَةِ الْفُلَانِيَّةِ فَإِنْ كَانَتْ مَشْهُورَةً بِالْكُتُبِ ثَبَتَتْ وَقْفِيَّتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشْهُورَةً بِذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ وَقْفِيَّتُهُ.
قَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ هُوَ حُبْسٌ] إلَخْ: أَيْ وَيَلْزَمُ إذَا جَاءَ الْأَجَلُ كَمَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إلَى أَجَلِ كَذَا فَإِنَّهُ يَكُونُ حُرًّا إذَا جَاءَ الْأَجَلُ الَّذِي عَيَّنَهُ وَلَا إشْكَالَ فِي لُزُومِ الْعَقْدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَقْفِ وَالْعِتْقِ، فَإِنْ حَدَثَ دَيْنٌ عَلَى الْوَاقِفِ أَوْ عَلَى الْمُعْتِقِ فِي ذَلِكَ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ عَقْدَ الْعِتْقِ لِأَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ لِلْحُرِّيَّةِ وَيَضُرُّ عَقْدَ الْحُبْسِ إذَا لَمْ يُحَزْ عَنْ الْوَاقِفِ فِي ذَلِكَ الْأَجَلِ، أَمَّا إنْ حِيزَ عَنْهُ أَوْ كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ لِغَيْرِ الْوَاقِفِ فِي ذَلِكَ الْأَجَلِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ حُدُوثُ الدَّيْنِ كَذَا فِي الْخَرَشِيِّ.
قَوْلُهُ: [كَتَسْوِيَةِ ذَكَرٍ لِأُنْثَى] : أَيْ كَمَا إذَا قَالَ الْوَاقِفُ دَارِي مَثَلًا وَقْفٌ عَلَى أَوْلَادِي أَوْ أَوْلَادِ زَيْدٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ تَفْضِيلَ أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى تَسْوِيَةِ الْأُنْثَى بِالذَّكَرِ فِي الْمَصْرِفِ فَإِنْ بَيَّنَ شَيْئًا عُمِلَ بِهِ إلَّا فِي الْمَرْجِعِ فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِي الْمَرْجِعِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَلَوْ كَانَ الْوَاقِفُ شَرَطَ فِي أَصْلِ وَقْفِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ لِأَنَّ مَرْجِعَهُ لَيْسَ كَإِنْشَائِهِ وَإِنَّمَا هُوَ بِحُكْمِ الشَّرْعِ وَسَيَأْتِي.
(وَلَا) يُشْتَرَطُ فِيهِ (التَّأْبِيدُ) : بَلْ يَجُوزُ وَقْفُهُ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ لِأَجَلٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ يَرْجِعُ مِلْكًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ.
(وَلَا) يُشْتَرَطُ فِيهِ (تَعْيِينُ الْمَصْرِفِ) فِي مَحَلِّ صَرْفِهِ فَجَازَ أَنْ يَقُولَ: أَوْقَفْته لِلَّهِ تَعَالَى، مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَنْ يُصْرَفُ لَهُ.
(وَصُرِفَ فِي غَالِبٍ) : أَيْ فِيمَا يُصْرَفُ لَهُ فِي غَالِبِ عُرْفِهِمْ، (وَإِلَّا) يَكُنْ غَالِبٌ فِي عُرْفِهِمْ (فَالْفُقَرَاءُ) يُصْرَفُ عَلَيْهِمْ.
وَهَذَا إذَا لَمْ يَخْتَصَّ الْمَوْقُوفُ بِجَمَاعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَإِلَّا صُرِفَ لَهُمْ كَكُتُبِ الْعِلْمِ (وَلَا) يُشْتَرَطُ (قَبُولُ مُسْتَحِقِّهِ) إذْ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَحْصُورٍ أَوْ غَيْرَ مَوْجُودٍ أَوْ لَا يُمْكِنُ قَبُولُهُ كَمَسْجِدٍ (إلَّا الْمُعَيَّنَ الْأَهْلَ) أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحِقُّ مُعَيَّنًا وَكَانَ أَهْلًا لِلْقَبُولِ، بِأَنْ كَانَ رَشِيدًا، وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِوَلِيِّهِ؛ فَإِنْ رَدَّ الْمُعَيَّنُ الْأَهْلُ أَوْ وَلِيُّ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ سَفِيهٍ (فَلِلْفُقَرَاءِ) وَلَا يَرْجِعُ مِلْكًا لِرَبِّهِ، وَقَالَ مُطَرِّفٌ: يَرْجِعُ مِلْكًا لِرَبِّهِ أَوْ لِوَارِثِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْبِيدُ] : يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ التَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ وَالْإِدْخَالِ وَالْإِخْرَاجِ مَعْمُولٌ بِهِ وَفِي الْمُتَيْطِيِّ مَا يُفِيدُ مَنْعَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً، وَيَمْضِي إنْ وَقَعَ وَفِي (ح) عَنْ النَّوَادِرِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ إنْ اشْتَرَطَ فِي وَقْفِهِ إنْ وَجَدَ فِيهِ رَغْبَةَ بَيْعٍ وَاشْتَرَى غَيْرَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ.
فَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ مَضَى وَعُمِلَ بِشَرْطِهِ كَذَا فِي (بْن) .
قَوْلُهُ: [فِي غَالِبِ عُرْفِهِمْ] : أَيْ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ فِي عُرْفِهِمْ الصَّرْفَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ لِلْغُزَاةِ عُمِلَ بِهِ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا يَكُنْ غَالِبٌ فِي عُرْفِهِمْ] : أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَوْقَافٌ أَوْ كَانَ وَلَا غَالِبَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: [فَالْفُقَرَاءُ يُصْرَفُ عَلَيْهِمْ] : أَيْ بِالِاجْتِهَادِ سَوَاءٌ كَانُوا فِي مَحَلِّ الْوَقْفِ أَوْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: [وَقَالَ بَعْضُهُمْ] : حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ قَبِلَهُ الْمُعَيَّنُ الرَّشِيدُ أَوْ وَلِيُّ غَيْرِهِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ رَدَّهُ كَانَ حَبْسًا عَلَى غَيْرِهِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، وَهَذَا إذَا جَعَلَهُ الْوَاقِفُ حَبْسًا مُطْلَقًا قَبِلَهُ مَنْ عَيَّنَهُ لَهُ أَمْ لَا، وَأَمَّا إنْ قَصَدَ الْمُعَيَّنَ بِخُصُوصِهِ فَإِنْ رَدَّهُ عَادَ مِلْكًا لِلْمُحَبِّسِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي نَوَازِلِهِ قَالَ الْمِسْنَاوِيُّ وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الرِّوَايَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ (اهـ) مُلَخَّصًا مِنْ (بْن) .