يُوزَنُ مِنْ الرِّبَوِيَّاتِ لَا فِيمَا يُكَالُ.
وَحَاصِلُ النَّقْلِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ كُلَّ مَا يُبَاعُ وَزْنًا وَلَا يُبَاعُ كَيْلًا مِمَّا هُوَ رِبَوِيٌّ تَجُوزُ فِيهِ الْمُبَادَلَةُ وَالْقِسْمَةُ عَلَى التَّحَرِّي، وَهُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي السُّلَّمِ الثَّانِي مِنْهَا.
وَكُلُّ مَا يُبَاعُ كَيْلًا - لَا وَزْنًا - مِمَّا هُوَ رِبَوِيٌّ فَلَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُبَادَلَةُ وَلَا الْقِسْمَةُ بِالتَّحَرِّي بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الرِّبَوِيِّ فَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الْقِسْمَةِ مَا فِيهِ، وَالْمُبَادَلَةُ عَلَى التَّحَرِّي عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: الْجَوَازُ فِيمَا يُبَاعُ وَزْنًا لَا كَيْلًا.
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَالثَّالِثُ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا.
(فَإِنْ تَعَذَّرَ) التَّحَرِّي فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّحَرِّي لِكَثْرَتِهِ جِدًّا (مُنِعَ) فَلَا تَجُوزُ الْمُبَادَلَةُ وَالْقِسْمَةُ فِيهِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِنَا: " وَجَازَ التَّحَرِّي فِيمَا يُوزَنُ " وَلَوْ لَمْ يَتَعَسَّرْ الْوَزْنُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَقَيَّدَهُ الشَّيْخُ تَبَعًا لِابْنِ الْحَاجِبِ بِمَا إذَا تَعَسَّرَ الْوَزْنُ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِ.
(وَفَسَدَ) الْعَقْدُ (الْمَنْهِيُّ) عَنْهُ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَالصِّحَّةُ فِي الْعُقُودِ تُرَتَّبُ آثَارُهَا عَلَيْهَا، وَالْفَسَادُ عَدَمُهُ.
وَفِي الْعِبَادَةِ: مُوَافَقَةُ الْفِعْلِ ذِي الْوَجْهَيْنِ الشَّرْعَ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَلَا الْقِسْمَةُ بِالتَّحَرِّي] : الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُوزَنُ فَيَجُوزُ فِيهِ التَّحَرِّي وَمَا يُكَالُ لَا يَجُوزُ فِيهِ أَنَّ آلَةَ الْوَزْنِ قَدْ يَتَعَذَّرُ وُجُودُهَا، بِخِلَافِ آلَةِ الْكَيْلِ فَإِنَّهُ يَتَيَسَّرُ بِأَيِّ وِعَاءٍ فَلِذَلِكَ مُنِعَ التَّحَرِّي فِيهِ.
قَوْلُهُ: [الْجَوَازُ فِيمَا يُبَاعُ وَزْنًا لَا كَيْلًا] : أَيْ وَهُوَ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَوْلُهُ: " وَالثَّانِي: الْجَوَازُ مُطْلَقًا "، وَهُوَ لِأَشْهَبَ، وَقَوْلُهُ: " وَالثَّالِثُ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا ": أَيْ وَهُوَ الَّذِي فِي كِتَابِ السَّلَمِ الثَّالِثِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
[الْبُيُوع الْفَاسِدَة]
[فَسَادُ الْعَقْدِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ]
قَوْلُهُ: [وَفَسَدَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ] : أَيْ عَنْ تَعَاطِيهِ وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ شَامِلَةٌ لِلْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَهِيَ الْعُقُودُ سَوَاءٌ كَانَ عَقْدَ نِكَاحٍ أَوْ بَيْعٍ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ، فَالْأَوْلَى لِلشَّارِحِ حَذْفُ قَوْلِهِ الْعَقْدُ.
قَوْلُهُ: [تَرَتُّبُ آثَارِهَا عَلَيْهَا] : أَيْ كَحِلِّ التَّلَذُّذِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَالتَّصَرُّفِ بِالْمَبِيعِ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ.
وَقَوْلُهُ: [وَالْفَسَادُ عَدَمُهُ] : أَيْ عَدَمُ تَرَتُّبِ آثَارِهَا عَلَيْهَا كَعَدَمِ حِلِّ النِّكَاحِ بِالْعَقْدِ وَعَدَمِ جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ بِسَبَبِ عَقْدِهِ.
قَوْلُهُ: [ذِي الْوَجْهَيْنِ] : أَيْ صَاحِبِ الْوَجْهِ الْمُوَافِقِ لِلشَّرْعِ وَالْمُخَالِفِ لَهُ.
فَإِنْ
فَمَا نَهَى عَنْهُ فَفَاسِدٌ.
(إلَّا لِدَلِيلٍ) يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ: كَالنَّجْشِ وَبَيْعِ الْمُصْرَاةِ وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ.
وَمَا فَسَدَ تَعَيَّنَ رَدُّ مَا لَمْ يَفُتْ كَمَا يَأْتِي.
ثُمَّ أَخَذَ فِي بَيَانِ مَا نَهَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (كَالْغِشِّ) قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» .
[حاشية الصاوي]
قُلْت: إنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَهُ وَجْهَانِ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِمْ ذِي الْوَجْهَيْنِ؟ وَأُجِيبُ: بِأَنَّ هُنَاكَ أُمُورًا مَا لَهَا إلَّا وَجْهٌ وَاحِدٌ كَاعْتِقَادِ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا وَجْهٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مُوَافَقَةُ الشَّرْعِ، وَكَالْأُمُورِ الْمُجْمَعِ عَلَى حُرْمَتِهَا فَلَيْسَ لَهَا إلَّا وَجْهٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مُخَالَفَةُ الشَّرْعِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ لَهُمْ قَاعِدَةً أُخْرَى وَهِيَ: إذَا كَانَ النَّهْيُ ذَاتِيًّا لِلشَّيْءِ؛ كَالدَّمِ وَالْخِنْزِيرِ.
أَوْ وَصْفًا لَهُ كَالْخَمْرِ لِلْإِسْكَارِ، أَوْ خَارِجًا لَازِمًا لَهُ كَصَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ - لِأَنَّ صَوْمَهُ يَسْتَلْزِمُ الْإِعْرَاضَ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَكُونُ مُقْتَضِيًا لِلْفَسَادِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَسَادُ الصَّلَاةِ وَقْتَ طُلُوعِ شَمْسٍ أَوْ غُرُوبِهَا وَلَا دَلَالَةَ لِقَوْلِ خَلِيلٍ.
وَقَطْعُ مُحَرَّمٍ بِوَقْتٍ نَهْيٌ عَلَى الصِّحَّةِ إذَا كَانَ النَّهْيُ الْخَارِجُ عَنْهُ غَيْرَ لَازِمٍ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ وَالتَّنَفُّلِ وَقْتَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَلُبْسِ الثَّوْبِ الْحَرِيرِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ.
أَلَا تَرَى أَنَّ إشْغَالَ بُقْعَةِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِهِ أَوْ إتْلَافَ مَالِهِ أَوْ الْإِعْرَاضَ عَنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ أَوْ لُبْسَ الْحَرِيرِ حَرَامٌ كُلٌّ مِنْهَا؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ.
قَوْلُهُ: [إلَّا لِدَلِيلٍ] : أَيْ شَرْعِيٍّ.
قَوْلُهُ: [يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ] : أَيْ صِحَّةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّلِيلُ مُتَّصِلًا بِالنَّهْيِ أَوْ مُنْفَصِلًا عَنْهُ فَالْمُتَّصِلُ كَأَنْ يَكُونَ النَّهْيُ وَالصِّحَّةُ فِي حَيِّزٍ وَاحِدٍ، وَالْمُنْفَصِلُ يَكُونُ النَّهْيُ فِي حَيِّزٍ وَالصِّحَّةُ فِي حَيِّزٍ آخَرَ.
[الغش فِي الْبَيْع وَبَيْع أَرْض الزِّرَاعَة بِالطَّعَامِ]
قَوْلُهُ: [كَالْغِشِّ] : مِثَالٌ لِلْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَلَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَيَكُونُ الدَّلِيلُ مُخَصَّصًا لِتِلْكَ الْقَاعِدَةِ.
(وَهُوَ) : أَيْ الْغِشُّ قِسْمَانِ: الْأَوَّلُ: (إظْهَارُ جَوْدَةِ مَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ) : كَنَفْخِ اللَّحْمِ بَعْدَ السَّلْخِ وَدَقِّ الثِّيَابِ.
وَالثَّانِي أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (أَوْ خَلْطُ شَيْءٍ بِغَيْرِهِ) : كَخَلْطِ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ وَالسَّمْنِ بِدُهْنٍ (أَوْ بِرَدِيءٍ) مِنْ جِنْسِهِ كَقَمْحٍ جَيِّدٍ بِرَدِيءٍ.
(وَكَحَيَوَانٍ) : أَيْ بَيْعُهُ (مُطْلَقًا) : مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ كَثِيرَةٌ وَيُرَاد لِلْقِنْيَةِ، أَوْ مَا لَا تَطُول حَيَاتُهُ، أَوْ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ إلَّا اللَّحْمُ، أَوْ قَلَّتْ مَنْفَعَتُهُ (بِلَحْمِ جِنْسِهِ) : كَبَيْعِ شَاةٍ بِعَشَرَةِ أَرْطَالِ لَحْمٍ مِنْ ضَأْنٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ إبِلٍ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ ذَوَاتَ الْأَرْبَعِ جِنْسٌ وَاحِدٌ (إنْ لَمْ يُطْبَخْ) اللَّحْمُ.
وَلَوْ بِغَيْرِ أَبْزَارٍ لِبُعْدِهِ بِالطَّبْخِ عَنْ الْحَيَوَانِ، فَإِنْ طُبِخَ جَازَ كَمَا يَجُوزُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ لَكِنْ مُنَاجَزَةً فِي غَيْرِ الْأُولَى لِأَنَّ مَا لَا تَطُولُ حَيَاتُهُ وَمَا بَعْدَهُ طَعَامٌ حُكْمًا.
وَأَمَّا الْأَوْلَى - وَهُوَ مَا مَنْفَعَتُهُ كَثِيرَةٌ وَيُرَادُ لِلْقِنْيَةِ - فَيَجُوزُ وَلَوْ لِأَجَلٍ.
(أَوْ) حَيَوَانٌ مُطْلَقًا بِأَقْسَامِهِ الْأَرْبَعَةِ (بِمَا) أَيْ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ (لَا تَطُولُ حَيَاتُهُ) كَطَيْرِ الْمَاءِ (أَوْ) بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ (لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ إلَّا اللَّحْمُ) : كَخَصِيِّ مَعْزٍ (أَوْ قَلَّتْ مَنْفَعَتُهُ؛ كَخَصِيِّ ضَأْنٍ لِتَقْدِيرِهَا) : أَيْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (لَحْمًا) فَفِيهِ بَيْعُ مَجْهُولٍ بِمَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ وَهُوَ مُزَابَنَةٌ، وَصُوَرُ هَذِهِ تِسْعَةٌ؛ لِأَنَّك إذَا أَخَذَتْ الْأَوَّلَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ مَعَ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ بِثَلَاثَةٍ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [كَنَفْخِ اللَّحْمِ بَعْدَ السَّلْخِ] : أَيْ وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَا نَهْيَ فِيهِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَفِيهِ إصْلَاحٌ وَمَنْفَعَةٌ.
قَوْلُهُ.
[كَخَلْطِ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ] . مَحَلُّ النَّهْيِ مَا لَمْ يُخْلَطْ بِالْمَاءِ لِاسْتِخْرَاجِ زُبْدِهِ وَكَخَلْطِ الْعَصِيرِ بِالْمَاءِ لِتَعْجِيلِ تَخْلِيلِهِ.
قَوْلُهُ: [وَكَحَيَوَانٍ] ، أَيْ حَيٍّ مُبَاحِ الْأَكْلِ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِذَلِكَ لِأَنَّ بَيْعَ الْخَيْلِ وَنَحْوِهَا بِاللَّحْمِ الْمُبَاحِ جَائِزٌ لِعَدَمِ الْمُزَابَنَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَيْعُ نَقْدًا أَوْ لِأَجَلٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِغَيْرِ أَبْزَارٍ] : أَيْ كَمَا أَفَادَهُ الْأَقْفَهْسِيُّ وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ لِأَنَّ نَقْلَ اللَّحْمِ عَنْ الْحَيَوَانِ يَكُونُ بِأَدْنَى نَاقِلٍ بِخِلَافِ اللَّحْمِ عَنْ اللَّحْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ الطَّبْخِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ طَبْخِهِ بِأَبْزَارٍ.
وَالثَّانِي مِنْ الْأَرْبَعَةِ مَعَ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ بِثَلَاثَةٍ وَالثَّالِثُ مَعَ مِثْلِهِ وَمَا بَعْدَهُ بِاثْنَيْنِ وَالرَّابِعُ مَعَ مِثْلِهِ بِوَاحِدٍ، فَهَذِهِ تِسْعَةٌ مَعَ الْأَرْبَعَةِ الْأُوَلِ بِثَلَاثَةَ عَشْرَ.
وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُ بَيْعِ اللَّحْمِ بِلَحْمٍ.
وَإِذَا قَدَّرْت هَذِهِ الثَّلَاثَةَ لَحْمًا: (فَلَا تَجُوزُ بِطَعَامٍ لِأَجَلٍ) لِأَنَّهُ طَعَامٌ بِطَعَامٍ نَسِيئَةً.
(كَحَيَوَانٍ) : أَيْ كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِحَيَوَانٍ مِثْلِهَا (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا) لِأَجَلٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا يَدًا بِيَدٍ فَيَجُوزُ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ.
(وَجَازَ مَا يُرَادُ لِلْقِنْيَةِ) لِكَثْرَةِ مَنْفَعَتِهِ (بِمِثْلِهِ) لِأَنَّهُمَا لَا يُقَدَّرَانِ طَعَامًا بَلْ هُمَا مِنْ الْعُرُوضِ (وَبِطَعَامٍ مُطْلَقًا) أَيْ وَلَوْ لِأَجَلٍ؛ رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ (كَبَقَرَةٍ بِبَعِيرٍ) أَوْ بَقَرَةٍ بِمِثْلِهَا أَوْ بَعِيرٍ بِبَعِيرٍ أَوْ كَبَقَرَةٍ أَوْ بَعِيرٍ بِإِرْدَبِّ قَمْحٍ.
-
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بِثَلَاثَةَ عَشْرَ] : حَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ اشْتَمَلَ كَلَامُهُ عَلَى سِتَّ عَشْرَةَ صُورَةً كُلُّهَا مَمْنُوعَةٌ وَهِيَ: بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِأَقْسَامِهِ الْأَرْبَعَةِ بِلَحْمِ جِنْسِهِ وَبَيْعُهُ بِأَقْسَامِهِ الْأَرْبَعَةِ بِمَا لَا تَطُولُ حَيَاتُهُ، وَبَيْعُهُ بِأَقْسَامِهِ الْأَرْبَعَةِ بِمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ إلَّا اللَّحْمُ، وَبَيْعُهُ بِأَقْسَامِهِ الْأَرْبَعَةِ بِمَا قَلَّتْ مَنْفَعَتُهُ؛ فَهَذِهِ سِتَّ عَشْرَةَ صُورَةً الْمُكَرَّرُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ يَبْقَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ صُورَةً يُضَمُّ لَهَا بَيْعُ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ وَبَيْعُ حَيَوَانٍ يُرَادُ لِلْقِنْيَةِ بِمِثْلِهِ، وَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ الْأُولَى مِنْهُمَا جَائِزَةٌ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ وَالثَّانِيَةُ جَائِزَةٌ بِلَا خِلَافٍ.
قَوْلُهُ: [فَلَا تَجُوزُ بِطَعَامٍ لِأَجَلٍ] : أَيْ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا كِرَاءُ أَرْضِ زِرَاعَةٍ وَلَا تُؤْخَذُ قَضَاءً عَنْ دَرَاهِمَ أُكْرِيَتْ بِهَا أَرْضُ زِرَاعَةٍ وَلَا يُؤْخَذُ قَضَاءً عَنْ ثَمَنِهَا طَعَامٌ لَحْمًا أَوْ غَيْرُهُ؛ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَاةٍ لِلْجَزَّارِ بِدَرَاهِمَ، ثُمَّ يَأْخُذُ بَدَلَ الدَّرَاهِمِ لَحْمًا أَوْ طَعَامًا لِإِلْغَاءِ الدَّرَاهِمِ الْمُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ؛ فَكَأَنَّهُ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ بَاعَ الشَّاةَ بِاللَّحْمِ وَالطَّعَامِ.
وَهَذَا بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُرَادُ لِلْقِنْيَةِ لِكَثْرَةِ مَنْفَعَتِهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِطَعَامٍ وَلَوْ لِأَجَلٍ.
وَيَجُوزُ كِرَاءُ الْأَرْضِ بِهِ وَأَخْذُهُ قَضَاءً عَمَّا أُكْرِيَتْ بِهِ الْأَرْضُ، وَأَخْذُ الطَّعَامِ قَضَاءً عَنْ ثَمَنِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ طَعَامًا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا.
تَنْبِيهٌ:
يَجُوزُ بَيْعُ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ بِالطَّعَامِ لَحْمًا أَوْ غَيْرَهُ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ كِرَاؤُهَا بِهِ.
قَوْلُهُ: [رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ] : أَيْ وَهُمَا بَيْعُهُ بِمِثْلِهِ أَوْ بِطَعَامٍ.
(وَكَالْمُزَابَنَةِ، وَهِيَ: بَيْعُ مَجْهُولٍ) وَزْنُهُ أَوْ كَيْلُهُ أَوْ عَدَدُهُ (بِمَعْلُومٍ) قَدْرُهُ مِنْ جِنْسِهِ: كَجُزَافٍ مِنْ قَمْحٍ أَوْ غَيْرِهِ بِإِرْدَبٍّ مِنْهُ (أَوْ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ) ، وَيَكُونُ (فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ؛ كَالْقُطْنِ وَالْحَدِيدِ) وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمِثْلِيَّاتِ.
فَإِنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ وَلَوْ بِالنَّقْلِ جَازَ الْبَيْعُ بِشُرُوطِ الْجُزَافِ.
(وَانْتَقَلَ الطَّعَامُ) عَنْ جِنْسِهِ (بِمَا مَرَّ) كَالطَّبْخِ بِالْأَبْزَارِ وَنَزْعِ السَّمْنِ مِنْ اللَّبَنِ وَالْخُبْزِ.
(وَ) انْتَقَلَ (غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الطَّعَامِ عَنْ أَصْلِهِ (بِصَنْعَةٍ مُعْتَبَرَةٍ) : أَيْ عَظِيمَةٍ كَالْأَوَانِي، لَا بِهَيِّنَةٍ كَالْفُلُوسِ.
(فَيَجُوزُ بَيْعُ النُّحَاسِ)
[حاشية الصاوي]
[بَيْعُ الْمُزَابَنَةِ]
قَوْلُهُ: وَكَالْمُزَابَنَةِ: مِنْ الزَّبْنِ وَهُوَ الدَّفْعُ مِنْ قَوْلِهِمْ نَاقَةٌ زَبُونٌ إذَا مَنَعَتْ حِلَابَهَا وَدَفَعَتْ مَنْ يَحْلُبُهَا.
وَمِنْهُ: الزَّبَانِيَةُ لِدَفْعِهِمْ الْكُفَّارَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ.
قَوْلُهُ: [أَوْ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ] : أَيْ كَبَيْعِ غِرَارَةٍ مَمْلُوءَةٍ قَمْحًا بِغِرَارَةٍ مَمْلُوءَةٍ قَمْحًا أُخْرَى وَلَا يُعْلَمُ قَدْرُ مَا فِيهِمَا أَوْ بَيْعِ قَفَصٍ خَوْخًا بِمِثْلِهِ لَا يَدْرِي قَدْرَ مَا فِيهِمَا؛ أَوْ بَيْعِ صُبْرَةٍ مِنْ قُطْنٍ بِمِثْلِهَا.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِالنَّقْلِ] : أَيْ هَذَا إذَا اخْتَلَفَا بِالْأَصَالَةِ كَصُبْرَةِ أُرْزٍ بِصُبْرَةِ قَمْحٍ وَلَوْ بِالنَّقْلِ وَالْأَصْلُ جِنْسٌ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ بَيْعُ النُّحَاسِ] : حَاصِلُهُ أَنَّ مَسَائِلَ بَيْعِ النُّحَاسِ أَرْبَعٌ: الْأُولَى: بَيْعُ النُّحَاسِ غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِالْمَصْنُوعِ صَنْعَةً قَوِيَّةً، الثَّانِيَةُ: بَيْعُ النُّحَاسِ غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِالْفُلُوسِ الْمُتَعَامَلِ بِهَا، الثَّالِثَةُ: بَيْعُ النُّحَاسِ الْمَصْنُوعِ بِالْفُلُوسِ.
الرَّابِعَةُ: بَيْعُ الْفُلُوسِ الْمُتَعَامَلِ بِهَا بِمِثْلِهَا، فَالْأُولَى تَجُوزُ سَوَاءً كَانَا جُزَافَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِيعَ نَقْدًا أَوْ لِأَجَلٍ وَقُدِّمَ النُّحَاسُ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْأَجَلِ مِثْلَ الْمَصْنُوعِ وَإِلَّا مُنِعَ، وَأَمَّا لَوْ قُدِّمَتْ الْأَوَانِي فَلَا مَنْعَ.
وَالثَّانِيَةُ لَا تَجُوزُ لِعَدَمِ انْتِقَالِ الْفُلُوسِ بِصَنْعَتِهَا، وَمَحَلُّ الْمَنْعِ فِيهَا حَيْثُ جَهِلَ عَدَدَهَا عَلِمَ وَزْنَ النُّحَاسِ أَمْ لَا كَثُرَ أَحَدُهُمَا كَثْرَةً تَنْفِي الْمُزَابَنَةَ أَمْ لَا أَوْ عَلِمَ عَدَدَهَا وَجَهِلَ وَزْنَ النُّحَاسِ حَيْثُ لَمْ يَتَبَيَّنْ فَضْلَ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَإِلَّا جَازَ كَمَا إذَا عَلِمَ عَدَدَهَا وَوَزْنَ النُّحَاسِ.
وَالثَّالِثَةُ تَجُوزُ لِأَنَّهُمَا مَصُوغَانِ إنْ عَلِمَ عَدَدَ الْفُلُوسِ وَوَزْنَ الْأَوَانِي أَوْ جَهِلَ الْوَزْنَ وَوُجِدَتْ شُرُوطُ الْجُزَافِ وَإِلَّا
وَنَحْوِهِ الْمَعْلُومِ قَدْرُهُ أَوْ غَيْرِ مَعْلُومِهِ (بِالْأَوَانِي مِنْهُ، لَا بِالْفُلُوسِ) لِعَدَمِ انْتِقَالِ الْفُلُوسِ عَنْ النُّحَاسِ لِسُهُولَةِ صَنْعَتِهَا بِخِلَافِ الْإِنَاءِ، فَإِنَّ صَنْعَتَهُ عَظِيمَةُ الشَّأْنِ.
وَمَحَلُّ الْمَنْعِ حَيْثُ جُهِلَ عَدَدُهَا، عُلِمَ وَزْنُ النُّحَاسِ أَوْ جُهِلَ، أَوْ عُلِمَ عَدَدُهَا وَجُهِلَ وَزْنُ النُّحَاسِ.
فَإِنْ عُلِمَ الْعَدَدُ وَالْوَزْنُ جَازَ، إذْ لَا مُزَابَنَةَ حِينَئِذٍ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إلَّا أَنْ يُعْلَمَ عَدَدُهَا) : أَيْ الْفُلُوسِ (وَوَزْنُهُ) : أَيْ النُّحَاسُ (فَيَجُوزُ) (كَآنِيَةٍ) مِنْ نُحَاسٍ (بِفُلُوسِ عِلْمًا) : أَيْ فَيَجُوزُ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لِمُنَاسَبَتِهَا لِبَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ لِأَنَّ عِلَّتَهُ الْمُزَابَنَةُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَجَازَ) بَيْعُ الْمَجْهُولِ بِمَعْلُومٍ أَوْ الْمَجْهُولِ مِنْ جِنْسِهِ (إنْ كَثُرَ أَحَدُهُمَا) كَثْرَةً بَيِّنَةً تَنْتَفِي فِيهَا الْمُكَايَسَةُ (فِي غَيْرِ رِبَوِيٍّ) : كَقُطْنٍ وَحَدِيدٍ وَكَالْفَوَاكِهِ مِمَّا لَا يَحْرُمُ فِيهِ رِبَا الْفَضْلِ مِنْ الطَّعَامِ، لَكِنْ بِشَرْطِ الْمُنَاجَزَةِ فِيهِ لَا فِي رِبَوِيٍّ.
(وَكَالْغَرَرِ) : أَيْ كَبَيْعِهِ فَإِنَّهُ فَاسِدٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ (وَهُوَ: ذُو الْجَهْلِ) بِثَمَنٍ أَوْ مُثَمَّنٍ أَوْ أَجَلٍ (وَالْخَطَرِ؛ كَتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ) كَبَيْعِ آبِقٍ وَسَمَكٍ فِي مَائِهِ وَبَيْعِ مَا فِيهِ خُصُومَةٌ.
[حاشية الصاوي]
مُنِعَ كَمَا لَوْ جَهِلَ الْعَدَدَ وَالْوَزْنَ مَعًا.
وَالرَّابِعَةُ تَجُوزُ إنْ تَمَاثَلَا كَأَنْ جَهِلَ عَدَدَ كُلٍّ وَزَادَ أَحَدُهُمَا زِيَادَةً تَنْفِي الْمُزَابَنَةَ وَإِلَّا مُنِعَ.
هَذَا عَلَى أَنَّ الْفُلُوسَ غَيْرُ رِبَوِيَّةٍ وَأَمَّا عَلَى أَنَّهَا رِبَوِيَّةٌ فَلَا تَجُوزُ إلَّا إذَا تَمَاثَلَا وَزْنًا وَعَدَدًا.
فَلْيُحْفَظْ هَذَا التَّقْرِيرُ؛ فَإِنَّهُ زُبْدَةُ مَا فِي الْأَصْلِ وَحَاشِيَتُهُ.
قَوْلُهُ: [وَنَحْوُهُ] : أَيْ كَالْحَدِيدِ وَالْقَصْدِيرِ وَالْخَشَبِ وَالطِّينِ.
قَوْلُهُ: [بِالْأَوَانِي مِنْهُ] : أَيْ مِنْ النُّحَاسِ إنْ كَانَتْ نُحَاسًا، أَوْ مِنْ الْقَصْدِيرِ إنْ كَانَتْ قَصْدِيرًا، أَوْ مِنْ الْحَدِيدِ إنْ كَانَتْ حَدِيدًا، أَوْ مِنْ الْخَشَبِ إنْ كَانَتْ خَشَبًا، أَوْ مِنْ الطِّينِ إنْ كَانَتْ طِينًا، لَكِنْ لَا تَخْرُجُ أَوَانِي الطِّينِ عَنْ أَصْلِهَا إلَّا بِالْحَرْقِ عَلَى مَا يَظْهَرُ وَهَذَا كُلُّهُ بِخِلَافِ أَوَانِي النَّقْدِ.
وَأَمَّا هِيَ فَلَا تَخْرُجُ عَنْ أَصْلِهَا بِحَالٍ.
[بَيْعُ الْمَجْهُولِ بِمَعْلُومٍ أَوْ الْمَجْهُولِ مِنْ جِنْسِهِ]
قَوْلُهُ: [لَا فِي رِبَوِيٍّ] : أَيْ فَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَلَوْ كَثُرَ أَحَدُهُمَا كَثْرَةً بَيِّنَةً لِأَنَّهُ رِبًا عَلَى كُلِّ حَالٍ.
[بَيْع الْغَرَر]
قَوْلُهُ: [أَيْ كَبَيْعِهِ] : أَيْ الْبَيْعُ الْمُلَابِسُ لِلْغَرَرِ، لَا أَنَّ الْغَرَرَ مَبِيعٌ.
(وَكَبَيْعِهَا بِقِيمَتِهَا) الَّتِي سَتَظْهَرُ أَوْ الَّتِي يَقُولُهَا أَهْلُ السُّوقِ (أَوْ بِمَا يَرْضَاهُ فُلَانٌ) وَكَانَ الْبَيْعُ عَلَى رِضَاهُ (عَلَى اللُّزُومِ) لَا عَلَى الْخِيَارِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِأَنَّ بَيْعَ الْخِيَارِ مُنْحَلٌّ.
(وَكَمُنَابَذَةِ الثَّوْبِ أَوْ لَمْسِهِ فَيَلْزَمُ) الْبَيْعُ؛ فَإِنَّهُ فَاسِدٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ إذَا كَانَ عَلَى اللُّزُومِ، كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ: " فَيَلْزَمُ ". فَإِنْ كَانَ عَلَى الْخِيَارِ جَازَ.
وَبَيْعُ الْمُنَابَذَةِ: أَنْ يَبِيعَهُ ثَوْبًا بِمِثْلِهِ أَوْ بِدَرَاهِمَ وَيَنْبِذَهُ لَهُ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ بِالنَّبْذِ مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ فِيهِ، فَالْمُفَاعَلَةُ فِيهِ قَدْ تَكُونُ عَلَى بَابِهَا.
وَالْمُلَامَسَةُ: أَنْ يَبِيعَهُ الثَّوْبَ مَثَلًا عَلَى اللُّزُومِ بِمُجَرَّدِ لَمْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْتِيشٍ فِيهِ وَلَا تَأَمُّلٍ.
(وَكَبَيْعِ) كُلِّ (مَا فِيهِ خُصُومَةٌ) : أَيْ فِي تَسْلِيمِهِ لِمُشْتَرِيهِ، بِأَنْ يَتَوَقَّفُ تَسْلِيمُهُ لَهُ عَلَى مُنَازَعَةٍ كَبَيْعِ مَغْصُوبٍ أَوْ مَسْرُوقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ تَحْتَ يَدِ غَيْرِ مَالِكِهِ الْبَائِعِ لَهُ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [عَلَى اللُّزُومِ] : اعْلَمْ أَنَّ الْمُضِرَّ الدُّخُولُ عَلَى لُزُومِ الْبَيْعِ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِهَا بِقِيمَتِهَا أَوْ عَلَى رِضَا فُلَانٍ، وَأَمَّا عَلَى رِضَا أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَالْمُضِرُّ إلْزَامُ غَيْرِ مَنْ لَهُ الرِّضَا.
وَمِثْلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَوْ وَلَّاهُ سِلْعَةً لَمْ يُعْلِمْهُ بِهَا أَوْ بِثَمَنِهَا عَلَى الْإِلْزَامِ وَالسُّكُوتِ كَالْإِلْزَامِ فِي الْجَمِيعِ إلَّا فِي التَّوْلِيَةِ فَتَصِحُّ وَلَهُ الْخِيَارُ
[بَيْع الْمُنَابَذَة وَالْمُلَامَسَة]
قَوْلُهُ: [وَكَمُنَابَذَةِ الثَّوْبِ أَوْ لَمْسِهِ] : إنَّمَا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِمَا وَرَدَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نَهَى عَنْ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ» فَكَانَ الرَّجُلَانِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُسَاوِمَانِ السِّلْعَةَ فَإِذَا لَمَسَهَا الْمُشْتَرِي أَوْ نَبَذَهَا إلَيْهِ الْبَائِعُ لَزِمَ الْبَيْعُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالْمُلَامَسَةُ شِرَاؤُك الثَّوْبَ لَا تَنْشُرُهُ وَلَا تَعْلَمُ مَا فِيهِ أَوْ تَبْتَاعُهُ لَيْلًا وَلَا تَتَأَمَّلُهُ أَوْ ثَوْبًا مُدْرَجًا لَا يُنْشَرُ مِنْ جِرَابِهِ، وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ تَبِيعَهُ ثَوْبَك فَتَنْبِذَهُ إلَيْهِ أَوْ ثَوْبَهُ وَيَنْبِذُهُ إلَيْك مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ مِنْكُمَا عَلَى الْإِلْزَامِ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: قَوْلُهُ: " وَلَا تَعْلَمُ مَا فِيهِ ". يَعْنِي وَتَكْتَفِي بِاللَّمْسِ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ تَبْتَاعُهُ لَيْلًا ": أَيْ مُقْمِرًا أَوْ مُظْلِمًا، وَقَوْلُهُ: " مِنْ جِرَابِهِ "، بِكَسْرِ الْجِيمِ وِعَاءٌ مِنْ جِلْدٍ (اهـ) .
قَوْلُهُ: [فَالْمُفَاعَلَةُ فِيهِ قَدْ تَكُونُ عَلَى بَابِهَا] : أَيْ وَقَدْ لَا تَكُونُ؛ فَالْأُولَى: كَمَا إذَا شَرَطَ عَلَيْك نَبْذَ الْمُثَمَّنِ وَاشْتَرَطْتَ عَلَيْهِ نَبْذَ الثَّمَنِ.
وَالثَّانِيَةُ: كَمَا إذَا كَانَ الشَّرْطُ مِنْ أَحَدِهِمَا.
وَأَمَّا الْمُلَامَسَةُ فَلَا تَكُونُ عَلَى بَابِهَا، بَلْ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي لُزُومَ الْمَبِيعِ بِمُجَرَّدِ لَمْسِهِ لَهُ - هَكَذَا قَالُوا.
(وَكَبَيْعِهِ) سِلْعَةً - عَقَارًا كَانَتْ أَوْ عَرَضًا - (بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الْبَائِعِ لَهَا (حَيَاتَهُ) : أَيْ مُدَّةَ حَيَاتِهِ؛ فَفَاسِدٌ لِلْغَرَرِ بِعَدَمِ عِلْمِ الثَّمَنِ.
(وَرَجَعَ) الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ (بِقِيمَةِ مَا أَنْفَقَ) الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا، أَوْ مِثْلِيًّا جَهِلَ قَدْرَهُ كَمَا إذَا كَانَ فِي عِيَالِهِ (أَوْ بِمِثْلِهِ إنْ) كَانَ مِثْلِيًّا (وَ) عَلِمَ قَدْرَهُ، بِأَنْ دَفَعَ لَهُ قَدْرًا مَعْلُومًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ دَرَاهِمَ.
فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ؛ يَرْجِعُ بِالْقِيمَةِ فِي ثَلَاثَةٍ: الْمُقَوَّمُ مُطْلَقًا وَالْمِثْلِيُّ الْمَجْهُولُ الْقَدْرِ، وَبِالْمِثْلِ فِي وَاحِدَةٍ.
(وَرُدَّ الْمَبِيعُ) لِبَائِعِهِ (إلَّا أَنْ يَفُوتَ) عِنْدَ الْمُشْتَرِي (فَالْقِيمَةُ) يَرُدُّهَا لِلْبَائِعِ وَتُعْتَبَرُ (يَوْمَ الْقَبْضِ) لَا يَوْمَ الْحُكْمِ.
(وَكَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ) فَإِنَّهُ فَاسِدٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ لِلْجَهْلِ بِالثَّمَنِ حَالَ الْعَقْدِ، وَفَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (يَبِيعُهَا بَتًّا) لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا.
فَإِنْ كَانَ عَلَى الْخِيَارِ لَهُمَا مَعًا جَازَ (بِعَشَرَةٍ نَقْدًا أَوْ أَكْثَرَ) كَأَحَدَ عَشَرَ (لِأَجَلٍ) مَعْلُومٍ وَأَوْلَى مَجْهُولٍ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَكَبَيْعِهِ سِلْعَةً] : هُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ وَسِلْعَةٌ مَفْعُولٌ وَالضَّمِيرُ فِي حَيَاتِهِ يَرْجِعُ لِلْبَائِعِ وَيَصِحُّ أَنْ يَرْجِعَ لِلْمُشْتَرِي أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ، فَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مُدَّةً مَجْهُولَةً: وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَاهَا بِالنَّفَقَةِ مُدَّةً مَعْلُومَةً لَجَازَ.
فَإِنْ مَاتَ الْبَائِعُ قَبْلَ تَمَامِهَا رَجَعَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ لِوَرَثَتِهِ لَا إنْ دَخَلَ عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ يَكُونُ الْبَاقِي هِبَةً لِلْمُشْتَرِي فَلَا يَجُوزُ.
قَوْلُهُ: [وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي] إلَخْ: اخْتَلَفَ: هَلْ يَرْجِعُ بِمَا كَانَ سَرَفًا بِالنِّسْبَةِ لِلْبَائِعِ أَوْ لَا يَرْجِعُ إلَّا بِالْمُعْتَادِ؟ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ: إذَا كَانَ السَّرَفُ قَائِمًا فَإِنْ فَاتَ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ وَلَا بِعِوَضِهِ.
وَمَا قِيلَ فِي مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ يُقَالُ فِي مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ، كَمَا لَوْ أَجَّرَهَا مِنْهُ بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ مُدَّةً مَجْهُولَةً إلَّا فِي السَّرَفِ فَيَرْجِعُ بِهِ وَيُعَوِّضُهُ إنْ فَاتَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ مُشْتَرِيَ الذَّاتِ يَمْلِكُ الْغَلَّةَ بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَرْجِعْ مَعَ الْفَوَاتِ بِالسَّرَفِ، وَالْإِجَارَةُ لَا يَمْلِكُ فِيهَا غَلَّةً لِعَدَمِ مِلْكِهِ الرَّقَبَةَ فَيَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: [وَتُعْتَبَرُ يَوْمَ الْقَبْضِ] : أَيْ وَأَمَّا فِي الْإِجَارَةِ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَهِيَ قِيمَةُ الْمَنَافِعِ فِي أَزْمَانِهَا وَفِي النَّفَقَةِ عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَنْفَقَ فِي زَمَانِهِ.
[بَيْع الْبَيْعَتَيْنِ فِي بيعة أَوْ بَيْع سِلْعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ]
قَوْلُهُ: [وَكَبَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ] : الْمُرَادُ بِالْبَيْعَةِ: الْعَقْدُ وَ " فِي ": إمَّا لِلظَّرْفِيَّةِ أَوْ السَّبَبِيَّةِ، وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ وَكَبَيْعَتَيْنِ حَاصِلَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ أَوْ نَاشِئَتَيْنِ بِسَبَبِ بَيْعَةٍ.
(أَوْ) يَبِيعُ (سِلْعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ) جِنْسًا كَثَوْبٍ وَدَابَّةٍ، أَوْ صِفَةٍ؛ كَرِدَاءٍ وَكِسَاءٍ؛ وَالْمُرَادُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا عَلَى اللُّزُومِ بِعَشَرَةِ، فَفَاسِدٌ لِلْجَهْلِ بِالْمُثَمَّنِ حَالَ الْعَقْدِ.
فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى اخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي جَازَ (إلَّا) إذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا (بِجَوْدَةٍ وَرَدَاءَةٍ) فَقَطْ مَعَ اتِّفَاقِهِمَا فِيمَا عَدَاهُمَا كَثَوْبٍ جَيِّدٍ وَآخَرَ مِنْ جِنْسِهِ رَدِيءٍ، فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا عَلَى اللُّزُومِ بِعَشَرَةٍ لِأَنَّ الشَّأْنَ الدُّخُولُ عَلَى أَخْذِ الْجَيِّدِ.
(وَلَوْ طَعَامًا) رِبَوِيًّا (إنْ اتَّحَدَ الْكَيْلُ) كَإِرْدَبَّيْ قَمْحٍ أَحَدُهُمَا أَجْوَدُ فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِدِينَارٍ عَلَى اللُّزُومِ لِأَنَّ الشَّأْنَ اخْتِيَارُ الْأَجْوَدِ (أَوْ الْأَجْوَدُ أَكْثَرُ) مِنْ الرَّدِيءِ فَيَجُوزُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَهَذَا نَسَبَهُ فَضْلٌ لِلْمُدَوَّنَةِ وَاخْتَارَهُ غَيْرُهُ وَاعْتَمَدَ هَذَا الْقَوْلَ، فَقَوْلُ الشَّيْخِ: " لَا طَعَامَ " ضَعِيفٌ وَقَوْلُنَا: " إنْ اتَّحَدَ الْكَيْلُ " أَيْ وَالْوَزْنُ فِيمَا يُوزَنُ (و) اتَّحَدَ (الثَّمَنُ) كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ، صَرَّحَ بِهِ لِمَزِيدِ الْإِيضَاحِ.
(إلَّا أَنْ يَصْحَبَهُمَا) : أَيْ الطَّعَامَيْنِ (أَوْ) يَصْحَبَ (الرَّدِيءُ) مِنْهُمَا (غَيْرَهُ) : أَيْ غَيْرَ الطَّعَامِ مِنْ عَرَضٍ أَوْ حَيَوَانٍ، فَلَا يَجُوزُ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى اخْتِيَارِ الْمُشْتَرِي جَازَ] : الْمُنَاسِبُ عَلَى خِيَارِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ هُوَ الْمَوْضُوعُ فَتَارَةً الِاخْتِيَارُ يُجَامِعُ اللُّزُومَ أَوْ السُّكُوتَ وَهُوَ الْمَمْنُوعُ وَتَارَةً يُجَامِعُ الْخِيَارَ وَهُوَ الْجَائِزُ.
قَوْلُهُ: [فَقَوْلُ الشَّيْخِ لَا طَعَامَ] : وَجْهُ مَنْعِ الطَّعَامِ عَلَى مَا قَالَ الشَّيْخُ: أَنَّ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يُعَدُّ مُنْتَقِلًا لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَارُ شَيْئًا ثُمَّ يَنْتَقِلُ عَنْهُ إلَى أَكْثَرَ مِنْهُ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَجْوَدَ وَهُوَ تَفَاضُلٌ.
وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ.
وَرَدُّ هَذَا: بِأَنَّ الشَّأْنَ الدُّخُولُ عَلَى أَخْذِ الْجَيِّدِ فَلَا يَتَأَتَّى لِلْعَاقِلِ انْتِقَالٌ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَصْحَبَهُمَا] إلَخْ: عِلَّةُ الْمَنْعِ فِيهِمَا مَا فِي ذَلِكَ مِنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلِأَنَّ مَنْ خُيِّرَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُنْتَقِلًا فَيُؤَدِّي إلَى بَيْعِ طَعَامٍ وَعَرَضٍ بِطَعَامٍ وَعَرَضٍ أَوْ بَيْعِ طَعَامٍ وَعَرَضٍ بِطَعَامٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَمْنُوعٌ لِدُخُولِ الشَّكِّ فِي التَّمَاثُلِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمَنْعِ، بَيْعُهُ نَخْلَةً مُثْمِرَةً عَلَى اللُّزُومِ لِيَخْتَارَهَا الْمُشْتَرِي مِنْ نَخْلَاتٍ مُثْمِرَاتٍ مُعَيَّنَاتٍ إلَّا مَنْ بَاعَ بُسْتَانَهُ الْمُثْمِرَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ عَدَدًا يَخْتَارُهُ مِنْهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى قَدْرَ ثُلُثِ الثَّمَرِ كَيْلًا فَأَقَلَّ وَلَا يُنْظَرُ لِعَدَدِ النَّخْلِ وَلَا لَقِيمَتِهِ
(وَكَبَيْعِ حَامِلٍ) آدَمِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانِ (بِشَرْطِ الْحَمْلِ) إنْ قَصَدَ اسْتِزَادَةَ الثَّمَنِ لِلْغَرَرِ؛ إذْ قَدْ تَلِدُهُ حَيًّا وَقَدْ لَا تَلِدُهُ لِانْفِشَاشِ الْحَمْلِ وَقَدْ تَلِدُهُ مَيِّتًا، فَإِنْ قَصَدَ التَّبَرِّي جَازَ.
(وَاغْتُفِرَ) لِلضَّرُورَةِ (غَرَرٌ يَسِيرٌ) إجْمَاعًا: كَأَسَاسٍ لِدَارِهِ الْمَبِيعَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ عُمْقَهُ وَلَا عَرْضَهُ وَلَا مَتَانَتَهُ.
وَكَإِجَارَتِهَا مُشَاهِرَةً مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ نُقْصَانِ الشُّهُورِ، وَكَجُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ وَلِحَافٍ، وَشُرْبٍ مِنْ سِقَاءٍ، وَدُخُولِ حَمَّامٍ مَعَ اخْتِلَافِ الشُّرْبِ وَالِاغْتِسَالِ (لَمْ يُقْصَدْ) فَإِنْ كَانَ يَقْصِدُ، كَبَيْعِ حَامِلٍ بِشَرْطِ الْحَمْلِ لَمْ يَجُزْ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَكَالِئٍ بِكَالِئٍ) : مِنْ الْكِلَاءَةِ بِكَسْرِ الْكَافِ: أَيْ الْحِفْظِ.
[حاشية الصاوي]
وَإِنَّمَا جَازَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، إمَّا لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مُبْقًى أَوْ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَعْلَمُ جَيِّدَ حَائِطِهِ مِنْ رَدِيئِهِ فَلَا يَخْتَارُ ثُمَّ يَنْتَقِلُ كَذَا فِي الْأَصْلِ.
[بَيْع الْأَمَة الْحَامِل]
قَوْلُهُ: [وَكَبَيْعِ حَامِلٍ] : أَيْ فَهُوَ فَاسِدٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فَإِنْ فَاتَ الْمَبِيعُ مَضَى بِالثَّمَنِ لِأَنَّ بَيْعَ الْحَامِلِ بِشَرْطِ الْحَمْلِ مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهِ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ بِالصِّحَّةِ - كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَمْضِي بِالثَّمَنِ عِنْدَ الْفَوَاتِ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ أَوْ لَا، وَالصَّوَابُ قَصْرُهُ عَلَى مَا إذَا تَبَيَّنَّ حَمْلُهَا فَإِنْ تَبَيَّنَّ عَدَمُهُ مَضَى بِالْقِيمَةِ كَذَا فِي الـ (مج) ، لِأَنَّ الْحَامِلَ يُزَادُ فِي ثَمَنِهَا فَأَخَذَ مَا زِيدَ مِنْ الثَّمَنِ إنْ تَخَلَّفَ الْحَمْلُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ قَصَدَ التَّبَرِّي جَازَ] : ظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَمْلِ الظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ.
وَلَكِنَّ هَذَا فِي غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَأَمَّا الْآدَمِيُّ فَإِنْ قَصَدَ التَّبَرِّي جَازَ فِي الْحَمْلِ الظَّاهِرِ كَالْخَفِيِّ فِي الْوَخْشِ إذْ قَدْ يَزِيدُ ثَمَنُهَا بِهِ دُونَ الرَّائِعَةِ، فَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِمَا قَصَدَ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِزَادَةِ فِي الْوَخْشِ وَفِي غَيْرِ الْآدَمِيِّ.
وَعَلَى التَّبَرِّي فِي الرَّائِعَةِ - كَذَا فِي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [كَأَسَاسٍ لِدَارِهِ] أَيْ كَالْغَرَرِ بِالنِّسْبَةِ لِأَسَاسِ الدَّارِ الْمَبِيعَةِ وَإِلَّا فَالْأَسَاسُ لَيْسَ غَرَرًا وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدُ.
قَوْلُهُ: [وَكَجُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ وَلِحَافٍ] : أَيْ وَأَمَّا حَشْوُ الطَّرَّاحَةِ.
فَلَا بُدَّ مِنْ نَظَرِهِ وَلَا يُغْتَفَرُ الْغَرَرُ فِيهِ لِكَثْرَتِهِ.
[بَيْع الْكَالِئ بِالْكَالِئِ]
قَوْلُهُ: [مِنْ الْكِلَاءَةِ بِكَسْرِ الْكَافِ أَيْ الْحِفْظِ] : اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الدَّيْنَ
وَفِي الْحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ كِلَاءَةً كَكِلَاءَةِ الْوَلِيدِ» ، وَفِي الْقُرْآنِ: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: 42] ، وَهُوَ (دَيْنٌ بِمِثْلِهِ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَحْفَظُ صَاحِبَهُ وَيُرَاقِبُهُ.
(وَهُوَ أَقْسَامٌ) ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ (فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ) مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ أَوْ فِي أَكْثَرِ مِمَّا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَسَخْتهَا فِي دِينَارٍ أَوْ ثَوْبٍ مُتَأَخَّرٍ قَبْضُهُ أَوْ فِي أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا يَتَأَخَّرُ قَبْضُهَا، وَأَمَّا تَأْخِيرُهَا أَوْ مَعَ حَطِيطَةِ بَعْضِهَا فَجَائِزٌ هَذَا إذَا كَانَ
[حاشية الصاوي]
مَكْلُوءٌ لَا كَالِئٌ وَالْكَالِئُ إنَّمَا هُوَ صَاحِبُهُ لِأَنَّهُ الَّذِي يَحْفَظُ الْمَدِينَ.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ مَجَازٌ فِي إسْنَادِ مَعْنَى الْفِعْلِ لِمُلَابِسِهِ.
فَحَقُّ الْكِلَاءَةِ أَنْ تُسْنَدَ لِلشَّخْصِ بِأَنْ يُقَالَ: كَالِئُ صَاحِبِهِ فَأُسْنِدَتْ لِلدَّيْنِ لِلْمُلَابَسَةِ الَّتِي بَيْنَ الدَّيْنِ وَصَاحِبِهِ، أَوْ: إنْ كَالِئًا بِمَعْنَى مَكْلُوءٍ، فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْفَاعِلِ وَإِرَادَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ لِعِلَاقَةِ اللُّزُومِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْكَالِئِ الْمَكْلُوءُ وَعَكْسُهُ.
قَوْلُهُ: [وَفِي الْحَدِيثِ] إلَخْ اسْتِدْلَالٌ عَلَى أَنَّ الْكِلَاءَةَ مَعْنَاهَا الْحِفْظُ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُك حِفْظًا مِنْك لِأَنْفُسِنَا كَحِفْظِ وَالِدَيْ الْمَوْلُودِ لِلْمَوْلُودِ فَوَلِيدٌ بِمَعْنَى مَوْلُودٍ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ أَقْسَامٌ ثَلَاثَةٌ] : أَيْ وَهِيَ فَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ وَبَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ وَابْتِدَاءُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِفَسْخِ الدَّيْنِ لِأَنَّهُ أَشَدُّهَا لِكَوْنِهِ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا تَأْخِيرُهَا] : أَيْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَقَوْلُهُ أَوْ مَعَ حَطِيطَةِ بَعْضِهَا أَيْ بِأَنْ يَحُطَّ عَنْهُ الْبَعْضَ وَيُؤَخِّرَ بِالْبَاقِي فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَلَوْ كَانَ طَعَامًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ كَانَ نَقْدًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ خِلَافًا لِ (عب) وَلَيْسَ هَذَا مِنْ فَسْخِ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ بَلْ هُوَ سَلَفٌ أَوْ مَعَ حَطِيطَةٍ وَلَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْفَسْخِ الِانْتِقَالُ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ إلَى غَيْرِهِ كَمَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةُ أَيْ وَلَوْ اتِّهَامًا فَدَخَلَ فِيهِ مَا إذَا أَخَذَ مِنْهُ فِي الدَّيْنِ شَيْئًا ثُمَّ رَدَّهُ إلَيْهِ بِشَيْءٍ مُؤَخَّرٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ أَوْ مِنْ جِنْسِهِ وَهُوَ أَكْثَرُ لِأَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ الْيَدِ وَعَادَ إلَيْهَا يُعَدُّ لَغْوًا، وَدَخَلَ أَيْضًا مَا لَوْ قَضَاك دَيْنَك ثُمَّ رَدَدْته إلَيْهِ سَلَمًا وَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ تَقَعَانِ بِمِصْرَ لِلتَّحَيُّلِ عَلَى التَّأْخِيرِ بِزِيَادَةٍ.
الْمَفْسُوخُ فِيهِ فِي الذِّمَّةِ بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (مُعَيَّنًا) عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ (يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ) .
(كَغَائِبٍ) عَنْ مَجْلِسِ الْفَسْخِ، لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ إلَّا بِالْقَبْضِ مَعَ بَقَاءِ الصِّفَةِ الْمُعَيَّنَةِ حِينَ الْفَسْخِ.
(وَ) كَأَمَةٍ (مُوَاضَعَةٍ) فَسَخَهَا بَائِعُهَا الْمَدِينُ لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ رُؤْيَتِهَا الدَّمَ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ لَهُ.
أَوْ أَنَّ عِنْدَهُ أَمَةً شَأْنُهَا أَنْ تَتَوَاضَعَ لَا يَصِحُّ دَفْعُهَا فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي ضَمَانِ مُشْتَرِيهَا إلَّا بِرُؤْيَةِ الدَّمِ.
(أَوْ) كَانَ الْمَفْسُوخُ فِيهِ (مَنَافِعُ) شَيْءٍ (مُعَيَّنٍ) : كَأَنْ يَفْسَخَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فِي رُكُوبِ دَابَّةٍ أَوْ خِدْمَةِ عَبْدٍ أَوْ سُكْنَى دَارٍ مُعَيَّنَةٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ بِالْجَوَازِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ فَلَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِهِمَا فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى نَاسِخٍ أَنْ يَقُولَ لَهُ: انْسَخْ لِي هَذَا الْكِتَابَ بِمَا لِي عَلَيْك مِنْ الدَّيْنِ، وَأَمَّا لَوْ نَسَخَ لَك الْكِتَابَ أَوْ خَدَمَك بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ بِغَيْرِ شَرْطٍ.
وَبَعْدَ الْفَرَاغِ قَاصَصْته بِمَا عَلَيْهِ، فَجَائِزٌ.
(وَ) الثَّانِي: (بَيْعُهُ) أَيْ الدَّيْنِ (بِدَيْنٍ) لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، (كَبَيْعٍ مَا) أَيْ دَيْنٌ (عَلَى غَرِيمِك بِدَيْنٍ فِي ذِمَّةِ) رَجُلٍ (ثَالِثٍ) . وَأَمَّا بَيْعُهُ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بَلْ وَلَوْ كَانَ مُعَيَّنًا] : رُدَّ بِ " لَوْ " عَلَى أَشْهَبَ وَسَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ، وَمِثْلُ الْفَسْخِ فِي مَنَافِعِ الذَّاتِ الْمُعَيَّنَةِ عَدَمُ جَوَازِ الْفَسْخِ فِي ثِمَارٍ يَتَأَخَّرُ جَذُّهَا أَوْ سِلْعَةٍ فِيهَا خِيَارٌ أَوْ رَقِيقٌ فِيهِ عُهْدَةُ ثَلَاثٍ أَوْ مَا فِيهِ حَقٌّ نُوفِيهِ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ.
قَوْلُهُ: [وَقَالَ أَشْهَبُ بِالْجَوَازِ] : أَيْ وَصَحَّحَ وَقَدْ كَانَ الْأُجْهُورِيُّ يَعْمَلُ بِهِ فَكَانَتْ لِ حَانُوتٍ سَاكِنٍ فِيهَا مُجَلِّدُ الْكُتُبِ فَكَانَ إذَا تَرَتَّبَ لَهُ أُجْرَةٌ فِي ذِمَّتِهِ يَسْتَأْجِرُهُ بِهَا عَلَى تَجْلِيدِ كُتُبِهِ وَكَانَ يَقُولُ هَذَا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَصَحَّحَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ رُشْدٍ
قَوْلُهُ: [وَبَعْدَ الْفَرَاغِ قَاصَصْته بِمَا عَلَيْهِ فَجَائِزٌ] أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَسْخِ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ بَلْ هُوَ مُقَاصَصَةٌ شَرْعِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: [فِي ذِمَّةِ رَجُلِ ثَالِثٍ] : أَيْ فَلَا يُتَصَوَّرُ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ بَلْ فِي ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَقَدُّمِ عِمَارَةِ ذِمَّةٍ أَوْ ذِمَّتَيْنِ فَالْأَوَّلُ يُتَصَوَّرُ فِي ثَلَاثَةٍ كَمَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى شَخْصٍ فَيَبِيعُهُ مِنْ ثَالِثٍ لِأَجَلٍ وَالثَّانِي فِي أَرْبَعَةٍ وَمِثَالُهُ
بِحَالٍ أَوْ بِمُعَيَّنٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ أَوْ بِمَنَافِعَ مُعَيَّنٍ فَلَا يُمْنَعُ.
(وَ) الثَّالِثُ: (ابْتِدَاؤُهُ) : أَيْ الدَّيْنُ (بِهِ) : أَيْ بِالدَّيْنِ؛ (كَتَأْخِيرِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ) أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَتَعَاقَدَا عَلَى أَنْ يُسَلِّمَهُ دِينَارًا فِي شَيْءٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيهِ بِرَأْسِ السَّلَمِ إلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ؛ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ ابْتِدَاءِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.
إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَشْغَلَ ذِمَّةَ صَاحِبِهِ بِدَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ السَّلَمِ.
وَلَمَّا بَيَّنَ مَنْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ بِأَقْسَامِهِ الثَّلَاثَةِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ بَيْعِهِ بِالنَّقْدِ
[حاشية الصاوي]
بَكْرٌ لَهُ دَيْنٌ عَلَى زَيْدٍ وَخَالِدٌ لَهُ دَيْنٌ عَلَى عَمْرٍو فَيَبِيعُ خَالِدٌ دَيْنَهُ الَّذِي عَلَى عَمْرٍو بِدَيْنِ بَكْرٍ الَّذِي عَلَى زَيْدٍ وَهَذِهِ مُمْتَنِعَةٌ وَلَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الدَّيْنَيْنِ حَالًّا لِعَدَمِ تَأَتِّي الْحَوَالَةِ هُنَا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [أَوْ بِمُعَيَّنٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ] : وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ فَإِذَا كَانَ لِزَيْدٍ دَيْنٌ عَلَى عَمْرٍو فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ لِبَكْرٍ بِمُعَيَّنٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ أَوْ بِمَنَافِعِ ذَاتِ الْمُعَيَّنِ؛ وَإِذَا عَلِمْت أَنَّ الدَّيْنَ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمَا ذَكَرَ وَلَا يَجُوزُ فَسْخُهُ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ أَوْسَعُ مِمَّا قَبْلَهُ.
إنْ قُلْت الدَّيْنُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا إذَا كَانَ عَلَى حَاضِرٍ وَكَانَ الشِّرَاءُ بِالنَّقْدِ وَالْمُعَيَّنُ الَّذِي يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ وَمَنَافِعُ الذَّاتِ الْمُعَيَّنَةِ لَيْسَتْ نَقْدًا.
أُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّقْدِ مَا لَيْسَ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُعَيَّنَ وَمَنَافِعَهُ لَيْسَتْ مَضْمُونَةً فِي الذِّمَّةِ لِأَنَّ الذِّمَّةَ لَا تَقْبَلُ الْمُعَيَّنَاتِ فَهِيَ نَقْدٌ بِهَذَا الْمَعْنَى وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّقْدِ الْمَقْبُوضِ بِالْفِعْلِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [وَالثَّالِثُ ابْتِدَاؤُهُ] : أَيْ وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ مَعَ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ] : الْبَعْدِيَّةُ ظَرْفٌ مُتَّسَعٌ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ.
[بَيْع الدِّين بِالنَّقْدِ]
قَوْلُهُ: [وَلَمَّا بَيَّنَ مَنْعَ الدَّيْنَ بِالدَّيْنِ] : أَيْ الَّذِي هُوَ الْكَالِئُ بِالْكَالِئِ الشَّامِلِ لِلْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: [فِي بَيَانِ حُكْمِ بَيْعِهِ بِالنَّقْدِ] : إنْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَبَيْعِهِ بِمُعَيَّنٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ أَوْ مَنَافِعِ مُعَيَّنٍ.
وَلَا يَخْلُو مَنْ هُوَ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِهِ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا فَقَالَ: (وَشَرْطُ) صِحَّةِ (بَيْعِ الدَّيْنِ: حُضُورُ الْمَدِينِ) وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ حَيَاتَهُ.
(وَإِقْرَارُهُ) بِهِ لَا إنْ لَمْ يُقِرَّ وَلَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ مَا فِيهِ خُصُومَةٌ.
(وَتَعْجِيلُ الثَّمَنِ) وَإِلَّا كَانَ بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ وَتَقَدَّمَ مَنْعُهُ.
(وَكَوْنُهُ) : أَيْ الثَّمَنُ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ) أَيْ الدَّيْنُ (أَوْ بِجِنْسِهِ) فِي غَيْرِ الْعَيْنِ.
(وَاتَّحَدَا قَدْرًا وَصِفَةً) لَا إنْ كَانَ أَقَلَّ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ دَفْعِ قَلِيلٍ فِي كَثِيرٍ وَهُوَ سَلَفٌ بِمَنْفَعَةِ.
(وَلَيْسَ) الدَّيْنُ (ذَهَبًا) بِيعَ (بِفِضَّةِ وَعَكْسُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّرْفِ الْمُؤَخَّرِ.
وَلَوْ قَالَ: " وَلَيْسَ عَيْنًا بِعَيْنٍ " لَكَانَ أَحْسَنَ لِيَخْرُجَ الْبَدَلُ الْمُؤَخَّرُ (وَلَا طَعَامَ مُعَاوَضَةٍ) وَإِلَّا لَزِمَ بَيْعُ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ.
(لَا دَيْنَ مَيِّتٍ) فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ مَا فِيهِ خُصُومَةٌ (وَ) لَا دَيْنٌ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [حُضُورُ الْمَدِينِ] : إنَّمَا اشْتَرَطَ حُضُورَهُ لِيَعْلَمَ مِنْ فَقْرٍ أَوْ غِنًى إذْ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ مِقْدَارِ عِوَضِ الدَّيْنِ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَدِينِ بِفَقْرٍ أَوْ غِنًى وَالْمَبِيعُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَجْهُولًا.
قَوْلُهُ: [وَإِقْرَارُهُ بِهِ] : أَيْ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ تَأْخُذُهُ الْأَحْكَامُ.
قَوْلُهُ: [وَتَعْجِيلُ الثَّمَنُ] : أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَبَيْعِهِ بِمَنَافِعِ مُعَيَّنٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهَا لِأَنَّ قَبْضَ الْأَوَائِلِ قَبْضٌ لِلْأَوَاخِرِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ بِجِنْسِهِ] : أَيْ فَالشَّرْطُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ إمَّا كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ أَوْ بِجِنْسِهِ وَاتَّحَدَ قَدْرًا وَصِفَةً.
تَنْبِيهٌ:
مَنْ اشْتَرَى دَيْنًا أَوْ وَهَبَ لَهُ وَكَانَ بِرَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ الرَّهْنُ أَوْ الْحَمِيلُ إلَّا بِشَرْطِ دُخُولِهِمَا وَحُضُورِ الْحَمِيلِ وَإِقْرَارِهِ بِالْحِمَالَةِ وَإِنْ كَرِهَ لِمَنْ مَلَكَهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ وَرِثَ دَيْنًا بِرَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ مَا بِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ.
وَلِلرَّاهِنِ وَضْعُهُ عِنْدَ أَمِينٍ إذَا كَرِهَ وَضْعَهُ عِنْدَ الْوَارِثِ.
قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ الدَّيْنُ ذَهَبًا] : بَقِيَ مِنْ الشُّرُوطِ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَالْمَدِينِ عَدَاوَةٌ فَتَحْصُلُ أَنَّ الشُّرُوطَ تِسْعَةٌ: حَيَاتُهُ، وَحُضُورُهُ، وَإِقْرَارُهُ، وَكَوْنُهُ مِمَّنْ تَأْخُذُهُ
(غَائِبٍ) وَلَوْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ (وَ) لَا دَيْنَ (حَاضِرٍ لَمْ يُقِرَّ بِهِ) وَإِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ لِمَا ذَكَرَ.
(وَكَبَيْعِ الْعُرْبَانِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ، اسْمٌ مُفْرَدٌ.
وَيُقَالُ: عُرْبُونٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا وَهُوَ: (أَنْ) يَشْتَرِيَ أَوْ يَكْتَرِيَ سِلْعَةً وَ (يُعْطِيَهُ شَيْئًا) مِنْ الثَّمَنِ (عَلَى أَنَّهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي (إنْ كَرِهَ الْبَيْعَ تَرَكَهُ) لِلْبَائِعِ وَإِنْ أَحَبَّهُ حَاسَبَهُ بِهِ أَوْ تَرَكَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ؛ وَيَفْسَخُ.
فَإِنْ فَاتَ مَضَى بِالْقِيمَةِ وَيَحْسِبُ مِنْهَا الْعُرْبُونَ.
فَإِنْ أَعْطَاهُ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَرِهَ الْبَيْعَ أَخَذَهُ وَإِنْ أَحَبَّهُ حَسِبَهُ مِنْ الثَّمَنِ جَازَ.
(وَكَتَفْرِيقِ أُمٍّ عَاقِلَةٍ) مُسْلِمَةٍ أَوْ كَافِرَةٍ (فَقَطْ) لَا بَهِيمَةٍ وَلَا أَبٍ وَلَا جَدٍّ (مِنْ وَلَدِهَا) وَلَوْ مِنْ زِنًا (مَا لَمْ يَثَّغِرْ) بِتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ وَيَجُوزُ
[حاشية الصاوي]
الْأَحْكَامُ، وَأَلَّا يَكُونَ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ، وَتَعْجِيلُ الثَّمَنِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، وَكَوْنُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ أَوْ بِجِنْسِهِ وَاتَّحَدَ قَدْرًا وَصِفَةً وَلَيْسَ عَيْنًا بِعَيْنٍ وَلَا طَعَامَ مُعَاوَضَةٍ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ] : رَاجِعٌ لِدَيْنِ الْمَيِّتِ وَمَا بَعْدَهُ أَيْ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ دَيْنٍ مِنْ ذَكَرٍ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَقَرَّ وَرَثَةُ الْمَيِّتِ وَكَانَتْ تَأْخُذُهُمْ الْأَحْكَامُ وَقَوْلُهُ لَمَّا ذَكَرَ أَيْ الَّذِي هُوَ شِرَاءُ مَا فِيهِ خُصُومَةٌ.
[بَيْعُ الْعُرْبَانِ]
قَوْلُهُ: [اسْمٌ مُفْرَدٌ] : أَيْ لَا جَمْعٌ وَلَا اسْمُ جَمْعٍ.
قَوْلُهُ: [بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا] : أَيْ مَعَ فَتْحِ الرَّاءِ كَحَلَزُونٍ وَتُبَدَّلُ الْعَيْنُ هَمْزَةً فِي الْجَمِيعِ فَفِيهِ لُغَاتٌ سِتٌّ عُرْبَانٌ وَأُرْبَانٌ كَقُرْبَانٍ وَعُرْبُونٌ وَأُرْبُونٌ بِضَمِّ الْأَوَّلِ فِيهِمَا وَسُكُونِ الثَّانِي وَبِفَتْحِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي.
قَوْلُهُ: [جَازَ] : أَيْ وَتَحَتَّمَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَمَا قَالَ الْمَوَّاقُ لِئَلَّا يَتَرَدَّدَ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ.
[تَفْرِيق الْأُمّ عَنْ ولدها والأمة الْحَرْبِيَّة وَوَلَدهَا فِي الْبَيْع]
قَوْلُهُ: [وَكَتَفْرِيقِ أُمٍّ] : أَيْ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ أُمٍّ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنِ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، وَالْمُرَادُ بِالْأُمِّ أُمُّ النَّسَبِ لَا أُمُّ الرَّضَاعِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ كَافِرَةٍ] : أَيْ غَيْرِ حَرْبِيَّةٍ وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ حَرْبِيَّةً بِأَنْ ظُفِرَ بِالْأُمِّ دُونَ الْوَلَدِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مَنْ ظُفِرَ بِهِ وَيُبَاعُ وَلَا حُرْمَةَ فِي التَّفْرِيقِ.
قَلْبُهَا مُثَنَّاةً.
وَذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَهُ يَثْتَغِر بِمُثَلَّثَةٍ هِيَ فَاءُ الْكَلِمَةِ وَمُثَنَّاةٍ هِيَ تَاءُ الِافْتِعَالِ فَجَازَ قَلْبُ إحْدَاهُمَا مِنْ جِنْسِ الْأُخْرَى ثُمَّ تُدْغَمُ فِيهَا: أَيْ مُدَّةِ كَوْنِهِ لَمْ تَنْبُتُ أَسْنَانُهُ بَعْدَ سُقُوطِ رَوَاضِعِهِ (أَوْ) مَا لَمْ (تَرْضَ) الْأُمُّ (بِهِ) أَيْ بِالتَّفْرِيقِ، وَإِلَّا جَازَ لِأَنَّهُ مِنْ حَقِّهَا.
(وَفُسِخَ) الْبَيْعُ (إنْ لَمْ يَجْمَعْهُمَا بِمِلْكٍ) لَا بِمُجَرَّدِ حَوْزٍ بِأَنْ أَبَى الْمُشْتَرِي لِلْأُمِّ أَوْ الِابْنِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْآخَرَ، فَإِنْ جَمَعَهُمَا صَحَّ.
فَإِنْ فَاتَ جَبْرًا عَلَى جَمْعِهِمَا فِي حَوْزٍ لَا يَفْسَخُ.
(وَأُجْبِرَا عَلَى جَمْعِهِمَا بِهِ) : أَيْ بِمِلْكٍ (إنْ كَانَ) التَّفْرِيقُ (بِغَيْرِ عِوَضٍ) كَهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ لِأَحَدِهِمَا أَوْ هِبَتُهُمَا لِشَخْصَيْنِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى الْأَرْجَحِ.
(قِيلَ) : يَكْفِي (الْحَوْزُ) أَيْ جَمْعُهُمَا فِيهِ (كَالْعِتْقِ) لِأَحَدِهِمَا فَإِنَّهُ يَكْفِي فِي الْحَوْزِ قَوْلًا وَاحِدًا (وَجَازَ بَيْعُ نِصْفِهِمَا) مَعًا لِشَخْصٍ وَجَبْرًا عَلَى جَمْعِهِمَا فِي حَوْزٍ وَاحِدٍ (وَ) جَازَ بَيْعُ (أَحَدِهِمَا) دُونَ الْآخَرِ (لِلْعِتْقِ) وَجَبْرًا عَلَى جَمْعِهِمَا أَيْضًا فِي حَوْزٍ وَاحِدٍ، وَقَوْلُهُ: " لِلْعِتْقِ " رَاجِعٌ لِلثَّانِيَةِ فَقَطْ.
-
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا جَازَ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ إنَّهُ حَقُّ الْوَلَدِ فَعَلَيْهِ يُمْنَعُ وَلَوْ رَضِيَتْ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَكْفِي فِي الْحَوْزِ قَوْلًا وَاحِدًا] : أَيْ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَجَازَ بَيْعُ نِصْفِهِمَا] : أَيْ لِاتِّحَادِ الْمَالِكِ سَوَاءٌ كَانَ مُشْتَرِي الْجُزْءِ اشْتَرَاهُ لِلْعِتْقِ أَمْ لَا بِدَلِيلِ التَّقْيِيدِ الْآتِي فَمُرَادُهُ بِالنِّصْفِ الْجُزْءُ مِنْ كُلٍّ اسْتَوَى الْجُزْءَانِ أَوْ اخْتَلَفَا وَأَمَّا لَوْ بِيعَ أَحَدُهُمَا مَعَ جُزْءِ الْآخَرِ لِشَخْصٍ فَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ خِلَافًا لِأَبِي الْحَسَنِ الْقَائِلِ بِجَوَازِهِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ.
تَنْبِيهٌ:
يَجُوزُ لِمُعَاهَدٍ حَرْبِيٍّ نَزَلَ إلَيْنَا بِأَمَانٍ وَمَعَهُ أَمَةٌ وَوَلَدُهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا وَيَحْرُمُ عَلَيْنَا الِاشْتِرَاءُ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ صَحِيحٌ وَإِذَا اشْتَرَى مُسْلِمٌ الْأَمَةَ، وَآخَرُ وَلَدَهَا وَجَبَ عَلَيْهِمَا جَمْعُهُمَا فِي مِلْكٍ لِمُسْلِمٍ وَلَا يُرَدُّ الْمِلْكُ لِلْكَافِرِ وَصَدَقَتْ الْمَسْبِيَّةُ مَعَ وَلَدِهَا فِي دَعْوَاهَا الْأُمُومَةَ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا اتَّحَدَ سَابِيهِمَا أَوْ اخْتَلَفَ إلَّا لِقَرِينَةٍ عَلَى كَذِبِهَا وَلَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ لِاحْتِمَالِ كَذِبِهَا وَلَا مِيرَاثَ مَعَ الشَّكِّ، أَمَّا هِيَ فَلَا تَرِثُهُ قَطْعًا، وَأَمَّا هُوَ فَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَهَا وَارِثٌ ثَابِتُ النَّسَبِ يَحُوزُ جَمِيعَ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَارِثٌ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ وَرِثَهَا.
(كَبَيْعٍ وَشَرْطٍ) أَيْ مَعَ شَرْطٍ (يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ) مِنْ الْبَيْعِ كَأَنْ يَبِيعَهَا بِشَرْطِ أَلَّا يَرْكَبَهَا أَوْ لَا يَبِيعَهَا أَوْ لَا يَلْبَسَهَا وَلَا يَسْكُنَهَا أَوْ لَا يَتَّخِذَهَا أُمَّ وَلَدٍ.
(إلَّا) أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ (تَنْجِيزَ عِتْقٍ) لَا كِتَابَتَهَا وَلَا عِتْقَهَا لِأَجَلٍ، فَإِنْ بَاعَ بِشَرْطِ تَنْجِيزِ الْعِتْقِ جَازَ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ.
(أَوْ) يَكُونُ الشَّرْطُ (كَصَدَقَةٍ) : مِثْلُهَا الْهِبَةُ وَالتَّحْبِيسُ، ثُمَّ إنْ بَاعَهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ صَحَّ (وَلَا يُجْبَرُ) الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ (إنْ أَبْهَمَ الْبَائِعُ) فِي شَرْطِهِ وَلَمْ يُقَيِّدْ
[حاشية الصاوي]
[الْبَيْع أَوْ الشَّرْط الَّذِي يخل بالثمن]
قَوْلُهُ: [وَكَبَيْعٍ وَشَرْطٍ] : اعْلَمْ أَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَ الْبَيْعِ إمَّا أَنْ يُنَافِيَ الْمَقْصُودَ أَوْ يُخِلَّ بِالثَّمَنِ أَوْ يَقْتَضِيَهُ الْعَقْدُ أَوْ لَا يَقْتَضِيَهُ وَلَا يُنَافِيَهُ فَالْمُضِرُّ الْأَوَّلَانِ دُونَ الْأَخِيرَيْنِ فَاَلَّذِي يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ مَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ كَأَنْ لَا يَرْكَبَهَا أَوْ لَا يَبِيعَهَا إلَخْ، وَاَلَّذِي يُخِلُّ بِالثَّمَنِ بِقَوْلِهِ: كَبَيْعٍ بِشَرْطِ سَلَفٍ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ كَشَرْطِ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَلَمْ يُمَثِّلْ لَهُ هُنَا وَإِنْ كَانَتْ أَحْكَامُهُ مَعْلُومَةً مِمَّا مَضَى وَمِمَّا يَأْتِي فِي خِيَارِ النَّقِيصَةِ وَالِاسْتِحْقَاقِ.
وَاَلَّذِي لَا يَقْتَضِيهِ وَلَا يُنَافِيهِ أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ: كَشَرْطِ رَهْنٍ وَحَمِيلٍ فَهَذَا الْأَخِيرُ إنْ اشْتَرَطَ عَمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَالشَّرْطُ الَّذِي قَبْلَهُ لَازِمٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ لِمَالِكٍ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى تَحْرِيمِ الْبَيْعِ مَعَ الشَّرْطِ مُطْلَقًا لِمَا وَرَدَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا عَمَلًا بِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ جَابِرًا بَاعَ نَاقَةً لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاشْتَرَطَ حِلَابَهَا وَظَهْرَهَا لِلْمَدِينَةِ» ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى بُطْلَانِ الشَّرْطِ مَعَ صِحَّةِ الْبَيْعِ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ وَأُعْتِقَهَا وَإِنْ اشْتَرَطَ أَهْلُهَا الْوَلَاءَ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ» فَجَازَ الْبَيْعُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ فَأَحَاطَ مَالِكٌ بِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ وَاسْتَعْمَلَهَا فِي مَوَاضِعِهَا وَتَأَوَّلَهَا عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِهِ.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ إنْ بَاعَهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ] : أَيْ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ تَحْبِيسٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ إنْ أَبْهَمَ] : حَاصِلُهُ أَنَّ شَرْطَ تَنْجِيزِ الْعِتْقِ لَهُ وُجُوهٌ أَرْبَعَةٌ الْبَيْعُ فِيهَا صَحِيحٌ وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْحُكْمُ فِي صِفَةِ وُقُوعِ الْعِتْقِ مِنْ افْتِقَارِهِ لِصِيغَةٍ وَعَدَمِ افْتِقَارِهِ لَهَا وَفِي الْجَبْرِ عَلَى الْعِتْقِ وَعَدَمِهِ وَفِي شَرْطِ النَّقْدِ وَعَدَمِهِ فَوَجْهَانِ لَا يُجْبَرُ فِيهِمَا الْمُشْتَرِي عَلَى الْعِتْقِ وَلَا يَجُوزُ فِيهِمَا اشْتِرَاطُ النَّقْدِ،
بِإِلْزَامٍ وَإِيجَابٍ لِلْعِتْقِ وَعَلَى الْمُشْتَرِي (كَالْمُخَيَّرِ فِي الْعِتْقِ وَرَدِّ الْبَيْعِ) بِأَنْ بَاعَهُ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ عِتْقِهِ وَرَدِّهِ لِبَائِعِهِ.
فَإِنْ اشْتَرَاهُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُجْبَرْ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعِتْقِ فَإِنْ لَمْ يُعْتِقْهُ كَانَ لِلْبَائِعِ رَدُّ الْبَيْعِ وَإِمْضَاؤُهُ.
(بِخِلَافِ الِاشْتِرَاءِ عَلَى) شَرْطِ (إيجَابِهِ) أَيْ الْعِتْقِ عَلَى الْمُشْتَرِي، بِأَنْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ ذَلِكَ فَاشْتَرَاهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى عِتْقِهِ، فَإِنْ أَبَى أَعْتَقَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ (كَالْعِتْقِ بِالشِّرَاءِ) : تَشْبِيهٌ فِي لُزُومِ الْعِتْقِ لَا بِقَيْدِ الْجَبْرِ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَاصِلٌ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إنْشَاءٍ بَعْدُ.
يَعْنِي أَنَّهُ إذَا قَالَ: " إنْ اشْتَرَيْته فَهُوَ حُرٌّ أَوْ مَعْتُوقٌ " وَسَوَاءٌ شَرَطَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ ذَلِكَ أَوْ قَالَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ كَمَا لَوْ قَالَ: " إنْ تَزَوَّجْتهَا فَهِيَ طَالِقٌ ". (أَوْ) بَيْعٌ وَشَرْطٌ (يُخِلُّ بِالثَّمَنِ) فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى: " يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ " وَمَعْنَى: " يُخِلُّ بِالثَّمَنِ " بِأَنْ يُؤَدِّيَ إلَى نَقْصٍ أَوْ زِيَادٍ فِيهِ، وَمِثْلُهُ بِقَوْلِهِ: (كَبَيْعٍ بِشَرْطٍ سَلَفٍ) وَصُوَرُهَا أَرْبَعٌ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إمَّا أَنْ يَقُولَ لِلْمُشْتَرِي: أَبِيعُك هَذَا عَلَى أَنْ تُسَلِّفَنِي كَذَا، أَوْ بِشَرْطِ أَنْ أُسَلِّفَك، وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: أَشْتَرِيهِ مِنْك عَلَى أَنْ أُسَلِّفَك أَوْ عَلَى أَنْ تُسَلِّفَنِي كَذَا، وَأَمَّا جَمْعُهُمَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فَالرَّاجِحُ الْجَوَازُ.
وَأَمَّا تُهْمَةُ بَيْعٍ وَسَلَفٍ فَمَمْنُوعٌ كَمَا يَأْتِي فِي بُيُوعِ الْآجَالِ.
فَالْمَسَائِلُ ثَلَاثَةٌ: بَيْعٌ بِشَرْطِ السَّلَفِ وَلَوْ بِجَرَيَانِ الْعُرْفِ وَهُوَ مَا أَشَارَ لَهُ، وَبَيْعٌ مَعَ سَلَفٍ بِلَا شَرْطٍ فَجَائِزٌ، وَتُهْمَةُ بَيْعٍ وَسَلَفٍ وَهُوَ مَا يَأْتِي مَنْعُهُ
[حاشية الصاوي]
بَلْ شَرْطُ النَّقْدِ يُفْسِدُهُ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ: الْأَوَّلُ إنْ أَبْهَمَ الْبَائِعُ فِي شَرْطِهِ الْعِتْقَ بِأَنْ قَالَ أَبِيعُك بِشَرْطِ أَنْ تُعْتِقَهُ وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِإِيجَابٍ وَلَا خِيَارٍ.
وَالثَّانِي التَّخْيِيرُ بِأَنْ قَالَ أَبِيعُك عَلَى أَنَّك مُخَيَّرٌ بَيْنَ عِتْقِهِ وَرَدِّ الْبَيْعِ، وَوَجْهَانِ يُخَيَّرُ فِيهِمَا وَلَا يَضُرُّ شَرْطُ النَّقْدِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا: أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُعْتِقَهُ لُزُومًا لَا تَخَلُّفَ لَهُ عَنْهُ فَرَضِيَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى الْعِتْقِ بِإِنْشَاءِ صِيغَةٍ فَإِنْ أَبَى أَعْتَقَهُ عَنْهُ الْحَاكِمُ، وَالثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِيَهُ عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ وَلَا يَحْتَاجُ هَذَا إلَى إنْشَاءِ عِتْقٍ وَلَا حُكْمَ مِنْ حَاكِمٍ وَيَكُونُ حُرًّا بِنَفْسِ الشِّرَاءِ وَشَرْطُ النَّقْدِ صَحِيحٌ فِيهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ يُؤَدِّيَ إلَى نَقْصٍ] : أَيْ إنْ كَانَ الْمُتَسَلِّفُ الْبَائِعَ، وَقَوْلُهُ أَوْ زِيَادَةٌ أَيْ إنْ كَانَ الْمُتَسَلِّفُ الْمُشْتَرِيَ.
فِي بُيُوعِ الْآجَالِ.
وَلَيْسَ هُوَ بِضَعِيفٍ.
(وَصَحَّ) الْبَيْعُ (إنْ حُذِفَ الشَّرْطُ) الْمُنَاقِضُ لِلْمَقْصُودِ أَوْ الْمُخِلُّ بِالثَّمَنِ (وَلَوْ غَابَ) الْمُتَسَلِّفُ مِنْهُمَا (عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى السَّلَفِ غَيْبَةً يُمْكِنُ فِيهَا الِانْتِفَاعُ بِهِ.
قَالَ الشَّيْخُ فِي التَّوْضِيحِ: ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ وَإِطْلَاقُ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْإِسْقَاطِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ فَوَاتِ السِّلْعَةِ أَوْ بَعْدَ فَوَاتِهَا.
لَكِنْ ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ: أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ إسْقَاطُهُ بَعْدَ فَوَاتِهَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْقِيمَةَ حِينَئِذٍ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَلَا يُؤَثِّرُ الْإِسْقَاطُ بَعْدَهُ (اهـ) . وَهُوَ ظَاهِرٌ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ: " لِأَنَّ الْقِيمَةَ " إلَخْ فِيهِ نَوْعُ مُنَافَاةٍ لِقَوْلِنَا.
-
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ هُوَ بِضَعِيفٍ] : أَيْ كَانَ حَقَّقَهُ (بْن) وَنَصَّهُ وَذَلِكَ أَنَّ الصُّوَرَ ثَلَاثٌ: بَيْعٌ وَسَلَفٌ بِشَرْطٍ وَلَوْ بِجَرَيَانِ الْعُرْفِ وَهِيَ الَّتِي تَكَلَّمَ عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ هُنَا يَعْنِي خَلِيلًا.
وَبَيْعٌ وَسَلَفٌ بِلَا شَرْطٍ لَا صَرَاحَةً وَلَا حُكْمًا وَهِيَ الَّتِي أَجَازُوهَا هُنَا أَيْضًا وَتُهْمَةُ بَيْعٍ وَسَلَفٍ وَذَلِكَ حَيْثُ يَتَكَرَّرُ الْبَيْعُ وَهِيَ الَّتِي تَكَلَّمَ عَلَيْهَا الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ يَعْنِي فِي بُيُوعِ الْآجَالِ فَمَا أَجَازُوهُ هُنَا غَيْرُ مَا مَنَعُوهُ هُنَاكَ لِأَنَّ مَا هُنَا فِيهِ التُّهْمَةُ بِالدُّخُولِ عَلَى شَرْطِ بَيْعٍ وَسَلَفٍ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ فِيهِ هُوَ الْمَذْهَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (اهـ) ، فَمُرَادُ الشَّارِحِ بِتُهْمَةِ بَيْعٍ وَسَلَفٍ التُّهْمَةُ بِالدُّخُولِ عَلَى شَرْطِ بَيْعٍ وَسَلَفٍ لَا تُهْمَةُ نَفْسِ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ كَلَامِ بْن.
قَوْلُهُ: [وَصَحَّ الْبَيْعُ] : أَيْ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا الثَّمَنُ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ وَهَذَا مَعَ قِيَامِ الْمَبِيعِ فَإِنْ فَاتَ فَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ غَابَ الْمُتَسَلِّفُ] : أَيْ هَذَا إذَا لَمْ يَغِبْ الْمُتَسَلِّفُ عَلَى الْعَيْنِ الَّتِي تَسَلَّفَهَا بَلْ وَلَوْ غَابَ عَلَيْهَا إلَخْ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ السَّلَفَ لَزِمَهُ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ صَحَّحَ الْعَقْدَ وَلَوْ بَعْدَ غَيْبَةِ الْمُتَسَلِّفِ غَيْبٌ يُمَكِّنُهُ فِيهَا الِانْتِفَاعُ بِهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُقَابِلُهُ الْمَرْدُودُ عَلَيْهِ بِلَوْ قَوْلُ سَحْنُونَ وَابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْبَيْعَ يُنْقَضُ مَعَ الْغَيْبَةِ عَلَى السَّلَفِ وَلَوْ أُسْقِطَ شَرْطُ السَّلَفِ لِوُجُودِ مُوجِبِ الرِّبَا بَيْنَهُمَا وَهُوَ الِانْتِفَاعُ.
قَوْلُهُ: [لَكِنْ ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ] إلَخْ: كَلَامُ الْمَازِرِيِّ هُوَ الْأَوْجَهُ فِي النَّظَرِ لِأَنَّنَا لَوْ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ عِنْدَ إسْقَاطِ الشَّرْطِ بَعْدَ الْفَوَاتِ لَزِمَ عَلَيْهِ مُضِيُّ الْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ وَهُوَ لَا يَخْلُو مِنْ ضَرَرٍ عَلَى أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فَلِذَلِكَ عَمَّمْنَا فِي الْحَاصِلِ الْآتِي بَعْدُ.
(وَفِيهِ) أَيْ: فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ السَّلَفِ (إنْ فَاتَ) الْمَبِيعُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي (الْأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ) الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ (وَالْقِيمَةُ يَوْمَ قَبْضِهِ) مِنْ بَائِعِهِ.
هَذَا (إنْ أَسْلَفَ الْمُشْتَرِي) بَائِعَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا أَسْلَفَهُ أَخَذَهَا مِنْهُ بِبَخْسٍ.
(كَالْمُنَاقِضِ) : أَيْ كَالشَّرْطِ الْمُنَاقِضِ فَإِنَّ فِيهِ الْأَكْثَرَ مِنْهُمَا إذَا فَاتَ الْمَبِيعُ بِيَدِ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ بِشَرْطِهِ الْمُنَاقِضِ يَلْزَمُ النَّقْصُ فِي الثَّمَنِ فَوَجَبَ لَهُ الْأَكْثَرُ وَهَذَا قَدْ تَرَكَهُ الشَّيْخُ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ السَّلَفُ مِنْ الْبَائِعِ (فَالْعَكْسُ) : أَيْ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي الْأَقَلُّ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ، لِأَنَّ الشَّأْنَ فِي سَلَفِ الْبَائِعِ الزِّيَادَةُ عَلَى قِيمَتِهَا فَعُومِلَ كُلٌّ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ.
(وَجَازَ) فِي الْبَيْعِ (شَرْطُ رَهْنٍ وَحَمِيلٍ وَأَجَلٍ) مَعْلُومٍ (وَخِيَارٍ) لِأَنَّهَا لَا تُنَافِي الْمَقْصُودَ وَلَا تُخِلُّ بِالثَّمَنِ بَلْ هِيَ مِمَّا تَعُودُ عَلَى الْبَيْعِ بِمَصْلَحَةٍ.
(وَكَبَيْعِ الْأَجِنَّةِ) جَمْعُ جَنِينٍ: وَهُوَ مَا فِي بَطْنِ الْحَيَوَانِ مِنْ الْحَمْلِ، فَإِنَّهُ فَاسِدٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [إنْ فَاتَ الْمَبِيعُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ السَّلَفِ وَفَاتَتْ السِّلْعَةُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي سَوَاءٌ أَسَقَطَ الشَّرْطُ أَمْ لَا كَمَا هُوَ طَرِيقَةُ الْمَازِرِيِّ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَسْلَفَ الْبَائِعَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ وَإِنْ كَانَ الْمُسَلِّفُ هُوَ الْبَائِعَ فَعَلَى الْمُشْتَرِي الْأَقَلُّ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ وَهَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَمُقَابِلُهُ لُزُومُ الْقِيمَةِ مُطْلَقًا كَانَ الْمُسَلِّفُ الْبَائِعَ أَوْ الْمُشْتَرِيَ.
قَوْلُهُ: [وَالْقِيمَةُ] : أَيْ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ مُقَوَّمًا وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا فَإِنَّمَا فِيهِ الْمِثْلُ فَهُوَ بِمَثَابَةِ مَا لَوْ كَانَ قَائِمًا فَرَدُّ الْمِثْلِ كَرَدِّ عَيْنِهِ.
قَوْلُهُ: [شَرْطُ رَهْنٍ] إلَخْ: أَيْ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَهُ السِّلْعَةَ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ عَلَى شَرْطِ رَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ وَهَذِهِ الْأُمُورُ الْمُشْتَرَطَةُ يُقْضَى بِهَا مَعَ الشَّرْطِ لَا بِدُونِهِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ فَاسِدٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ] : أَيْ فَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ فَفَسَّرَ مَالِكٌ الْمَضَامِينَ بِبَيْعِ مَا فِي بُطُونِ الْإِبِلِ مِنْ الْأَجِنَّةِ وَالْمَلَاقِيحِ بِمَا فِي ظُهُورِهَا مِنْ الْمَاءِ الَّذِي يَتَكَوَّنُ مِنْهُ الْجَنِينُ، وَحَبَلَ الْحَبَلَةِ بِتَأْجِيلِ الثَّمَنِ إلَى أَنْ يُنْتَجَ النَّتَاجُ أَيْ تَلِدَ الْأَوْلَادَ.
(وَ) كَبَيْعِ (مَا فِي ظُهُورِ الْفَحْلِ) : أَيْ مَا يَتَكَوَّنُ مِنْ مَنِيِّهِ فِي رَحِمِ الْأُنْثَى لِشِدَّةِ الْغَرَرِ.
وَأَرَادَ بِالْفَحْلِ: الْجِنْسَ الصَّادِقَ بِالْمُتَعَدِّدِ، وَلَوْ أَفْرَدَ ظُهُورَ كَانَ أَوْلَى.
(وَكَبَيْعٍ بَعْدَ) الشُّرُوعِ فِي (نِدَاءِ الْجُمُعَةِ) وَهُوَ الْأَذَانُ الثَّانِي الَّذِي بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِهِ عَنْ السَّعْيِ لَهَا (أَوْ بَعْدَ رُكُونِ السَّائِمِ) سِلْعَةً، لِلنَّهْيِ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ وُقُوعِ الشَّحْنَاءِ بَيْنَ الْمُشْتَرِيَيْنِ.
(وَكَالنَّجْشِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْجِيمِ: أَيْ بَيْعُهُ وَهُوَ الزِّيَادَةُ فِي الْمَبِيعِ لِلْغَرَرِ وَالنَّاجِشُ هُوَ الَّذِي (يَزِيدُ) فِي السِّلْعَةِ عَلَى ثَمَنِهَا لَا لِإِرَادَةِ شِرَائِهَا بَلْ (لِيَغُرَّ) غَيْرَهُ بِالزِّيَادَةِ.
(وَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ) : أَيْ الْمَبِيعِ حَيْثُ عَلِمَ (إنْ لَمْ يَفُتْ، وَإِلَّا فَالْقِيمَةُ أَوْ الثَّمَنُ) : أَيْ هُوَ بِالْخِيَارِ، فَيَلْزَمُهُ الْأَقَلُّ مِنْهُمَا.
(وَجَازَ) لِمَنْ أَرَادَ شِرَاءَ سِلْعَةٍ فِي الْمَزَادِ (سُؤَالُ الْبَعْضِ) مِنْ الْحَاضِرِينَ
[حاشية الصاوي]
[الْبَيْعُ بَعْدَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ]
قَوْلُهُ: [بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي نِدَاءِ الْجُمُعَةِ] : تَقَدَّمَ حُكْمُهُ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَفَسْخِ بَيْعٍ وَنَحْوِهِ بِأَذَانٍ ثَانٍ فَإِنْ فَاتَ فَالْقِيمَةُ حِينَ الْقَبْضِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ بَعْدَ رُكُونٍ لِسَائِمٍ] إلَخْ: أَيْ فَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِهِ» .
[النَّجْش فِي الْبَيْع]
قَوْلُهُ: [وَكَالنَّجْشِ] : أَيْ لِمَا فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّجْشِ» .
قَوْلُهُ: [عَلَى ثَمَنِهَا] : أَيْ الَّذِي شَأْنُهَا أَنْ تُبَاعَ بِهِ تِلْكَ السِّلْعَةُ وَهُوَ الْقِيمَةُ وَعَلَى هَذَا فَإِذَا بَلَغَ بِزِيَادَتِهِ قِيمَتَهَا فَلَا حُرْمَةَ عَلَيْهِ بَلْ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ هُوَ مَنْدُوبٌ وَقِيلَ وَهُوَ الَّذِي يَزِيدُ فِي السِّلْعَةِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ وَإِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى قِيمَتِهَا، وَعَلَى هَذَا فَالْمَدَارُ فِي الْحُرْمَةِ عَلَى زِيَادَتِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ شِرَاءٍ سَوَاءٌ زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا أَمْ لَا قَصَدَ غَرَرَ غَيْرِهِ أَمْ لَا فَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ لِتَغُرَّ لِلْعَاقِبَةِ لَا لِلْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَلِلْمُشْتَرِي] : رَدُّهُ أَيْ وَلَهُ التَّمَاسُكُ لِأَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَالْقِيمَةُ] : حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُخَيَّرُ فِي حَالَةِ قِيَامِ الْمَبِيعِ بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ وَفِي حَالِ الْفَوَاتِ يَلْزَمُهُ الْأَقَلُّ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ بَيْعُ النَّجْشِ صَحِيحٌ اعْتِبَارُ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْعَقْدِ لَا يَوْمَ الْقَبْضِ.
لِسَوْمِهَا (لِيَكُفَّ عَنْ الزِّيَادَةِ) فِيهَا لِيَشْتَرِيَهَا السَّائِلُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَوْ فِي نَظِيرِ شَيْءٍ يَجْعَلُهُ لِمَنْ كَفَّ عَنْ الزِّيَادَةِ، نَحْوُ: كُفَّ عَنْ الزِّيَادَةِ وَلَك دِرْهَمٌ، وَيَقْضِي لَهُ بِهِ حَيْثُ كَفَّ عَنْهَا.
(لَا) سُؤَالُ (الْجَمِيعِ) لِيَكُفُّوا عَنْ الزِّيَادَةِ فَلَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَى الْبَائِعِ.
وَمِثْلُ الْجَمِيعِ: مَنْ فِي حُكْمِهِمْ كَشَيْخِ السُّوقِ، فَإِنْ وَقَعَ خَيْرُ الْبَائِعِ فِي الرَّدِّ وَالْإِمْضَاءِ.
فَإِنْ فَاتَ فَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ.
فَإِنْ أَمْضَى فَلَيْسَ لَهُمْ مُشَارَكَتُهُ عَلَى الصَّوَابِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَهُمْ الشَّرِكَةُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَكَبَيْعِ حَاضِرٍ سِلْعَةَ عَمُودِيٍّ) لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَسَوَاءً كَانَ لَهَا ثَمَنٌ عِنْدَهُ أَمْ لَا.
وَمَحَلُّ الْمَنْعِ إذَا (لَمْ يَعْرِفْ ثَمَنَهَا) بِالْحَاضِرَةِ أَوْ يَعْرِفُهُ وَيَتَفَاوَتُ.
فَإِنْ عَرَفَهُ وَكَانَ لَا يَتَفَاوَتُ - كَمَا إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ قِنْطَارَ الْعَسَلِ فِي الْحَاضِرَةِ بِدِينَارٍ فَبَاعَهُ لَهُ الْحَاضِرُ بِالسُّعْرِ الْوَاقِعِ - فَلَا ضَرَرَ.
لِأَنَّهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ مُجَرَّدُ وَكِيلٍ عَنْهُ وَقِيلَ: يُمْنَعُ مُطْلَقًا وَلَوْ عَرَفَ ثَمَنَهَا، وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ، وَالْمَنْعُ مُطْلَقًا
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَيَقْضِي لَهُ بِهِ] : أَيْ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِهَا الْجَاعِلُ وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ غَازِيٍّ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ رَبُّهَا لَمْ يَبِعْهَا وَقَالَ الْعَبْدُوسِيُّ لَا إشْكَالَ لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَلَى تَرْكٍ وَقَدْ تَرَكَ (اهـ بْن) وَيَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَنْ أَرَادَ تَزَوُّجَ امْرَأَةٍ أَوْ يَسْعَى فِي رِزْقِهِ أَوْ وَظِيفَةٍ وَجَعَلَ لِغَيْرِهِ دَرَاهِمَ عَلَى الْكَفِّ فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ، قَوْلُهُ: [فَإِنْ فَاتَ فَلَهُ الْأَكْثَرُ] إلَخْ: أَيْ عَلَى حُكْمِ الْغِشِّ وَالْخَدِيعَةِ فِي الْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: [فَلَيْسَ لَهُمْ مُشَارَكَتُهُ] : أَيْ كَمَا اعْتَمَدَهُ (بْن) خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ تَبَعًا لِ (عب) . قَوْلُهُ: [وَهُوَ ظَاهِرٌ] : أَيْ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي سُؤَالِهِمْ إنَّمَا كَانَ عَلَى الْبَائِعِ وَهُوَ قَدْ رَضِيَ حَيْثُ أَمْضَى الْبَيْعَ وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَقَدْ سَلَّمُوا لَهُ لَمَّا سَأَلَهُمْ وَأَسْقَطُوا لَهُ حَقَّهُمْ وَرَضِيَ هُوَ بِالشِّرَاءِ وَحْدَهُ فَلَا يُجْبَرُ وَاحِدًا مِنْهُمْ عَلَى الشَّرِكَةِ بِحَالٍ.
[بَيْعُ الْحَاضِرِ سِلْعَةَ عَمُودِيٍّ]
قَوْلُهُ: [لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ] : أَيْ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «دَعُوا النَّاسَ فِي غَفَلَاتِهِمْ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» . قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ] : أَيْ فَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ تَرْكُ الْمَالِكِ فِي غَفْلَتِهِ وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ غَفْلَةٌ.
(وَلَوْ بِإِرْسَالِهِ) السِّلْعَةَ (إلَيْهِ) : أَيْ إلَى الْحَاضِرِ لِيَبِيعَهَا لَهُ.
(وَفُسِخَ) الْبَيْعُ إنْ لَمْ يَفُتْ وَإِلَّا مَضَى بِالثَّمَنِ (وَأُدِّبَ) الْبَائِعُ وَكَذَا الْمَالِكُ.
(وَجَازَ) لِلْحَضَرِيِّ (الشِّرَاءُ لَهُ) : أَيْ لِلْعَمُودِيِّ سِلْعَةً مِنْ الْحَضَرِ بِالنَّقْدِ لَا بِغَيْرِهِ مِنْ السِّلَعِ الْمَجْلُوبَةِ مِنْ عِنْدِهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْبَيْعِ لَهُ.
(وَكَتَلَقِّي السِّلَعِ) عَلَى دُونِ سِتَّةِ أَمْيَالٍ (أَوْ) تَلَقِّي (صَاحِبِهَا) الْقَادِمِ قَبْلَ وُصُولِهِ الْبَلَدَ لِيَشْتَرِيَ مِنْهُ مَا سَيَصِلُ عَلَى الصِّفَةِ أَوْ مَا وَصَلَ قَبْلَهُ، فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
(كَأَخْذِهَا مِنْهُ) أَيْ مِنْ صَاحِبِهَا الْمُقِيمِ (بِالْبَلَدِ) قَبْلَ وُصُولِهَا (عَلَى الصِّفَةِ، وَلَوْ طَعَامًا) فَيُمْنَعُ قَبْلَ إخْرَاجِهَا لِسُوقِهَا.
(وَلَا يُفْسَخُ) إنْ وَقَعَ بَلْ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ (وَلِأَهْلِ السُّوقِ مُشَارَكَتُهُ) فِيمَا اشْتَرَاهُ لِلتِّجَارَةِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِإِرْسَالِهِ] : رَدَّ بِلَوْ عَلَى الْأَبْهَرِيِّ الْقَائِلِ بِجَوَازِ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ اُضْطُرَّ إلَيْهَا.
تَنْبِيهٌ:
هَلْ يُمْنَعُ بَيْعُ الْحَاضِرِ لِأَهْلِ الْقُرَى الصَّغِيرَةِ إلْحَاقًا لَهُمْ بِالْبَدْوِ أَوْ يَجُوزُ قَوْلَانِ الْمَذْهَبُ الْجَوَازُ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا مَضَى بِالثَّمَنِ] : هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَقِيلَ بِالْقِيمَةِ.
قَوْلُهُ: [وَأُدِّبَ الْبَائِعُ] إلَخْ: أَيْ إنْ لَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلٍ وَهَلْ التَّأْدِيبُ مُطْلَقًا اعْتَادَهُ أَمْ لَا أَوْ إنْ اعْتَادَهُ قَوْلَانِ.
قَوْلُهُ: [بِالنَّقْدِ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقِيلَ يَجُوزُ وَلَوْ بِالسِّلَعِ سَوَاءٌ حَصَّلَهَا بِمَالٍ أَوْ بِغَيْرِهِ وَفَصَّلَ (عب) فَقَالَ: إنْ حَصَّلَهَا بِمَالٍ جَازَ شِرَاؤُهُ لَهُ بِهَا وَبِغَيْرِ مَالٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِهَا لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِسِلْعَةٍ.
[تَلَقِّي السِّلَعِ]
قَوْلُهُ: [عَلَى دُونِ سِتَّةِ أَمْيَالٍ] : وَقِيلَ إنَّ النَّهْيَ إذَا كَانَ التَّلَقِّي عَلَى مَسَافَةِ فَرْسَخٍ أَيْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَلَا يَحْرُمُ إذَا كَانَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، وَقِيلَ إذَا كَانَ عَلَى مِيلٍ فَإِنْ كَانَ عَلَى أَزْيَدَ فَلَا يَحْرُمُ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُهَا.
قَوْلُهُ: [بَلْ يَدْخُلُ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ] : أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَإِلَّا فَلَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ إلَّا بِالْقَبْضِ وَيُنْهَى الْمُتَلَقِّي عَنْ تَلَقِّيهِ فَإِنْ عَادَ أُدِّبَ وَلَا يُنْزَعُ مِنْهُ شَيْءٌ لِعَدَمِ فَسَادِ الْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: [وَلِأَهْلِ السُّوقِ مُشَارَكَتُهُ] : أَيْ إنْ كَانَ لَهَا سُوقٌ وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِأَهْلِ الْبَلَدِ
(وَجَازَ لِمَنْ) مَنْزِلُهُ أَوْ قَرْيَتُهُ (عَلَى كَسِتَّةِ أَمْيَالٍ الْأَخْذُ) : أَيْ الِاشْتِرَاءُ مِنْ السِّلَعِ الْمَجْلُوبَةِ لِبَلَدٍ (مُطْلَقًا) لِلتِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا كَانَ لَهَا سُوقٌ أَمْ لَا (كَمَنْ عَلَى أَقَلِّ) مِنْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ (إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا سُوقٌ، وَإِلَّا) . بِأَنْ كَانَ لَهَا سُوقٌ تُبَاعُ فِيهِ.
(فَمَا يَحْتَاجُهُ لِقُوتِهِ فَقَطْ) كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مُعْتَرِضًا عَلَى الشَّيْخِ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْبِيَاعَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا أَتْبَعَهُ بِمَا يُوجِبُ الضَّمَانَ فِي الْفَاسِدِ عَلَى الْمُشْتَرِي فَقَالَ: (وَلَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُ) مَبِيعِ الْبَيْعِ (الْفَاسِدِ) لِلْمُشْتَرِي (مُطْلَقًا) مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ، نَقَدَ الثَّمَنَ أَمْ لَا، كَانَ الْمَبِيعُ فِي صَحِيحِهِ يَدْخُلُ
[حاشية الصاوي]
وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِهَا مُطْلَقًا كَانَ لَهَا سُوقٌ أَمْ لَا شَهَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ.
قَوْلُهُ: [وَجَازَ لِمَنْ مَنْزِلُهُ أَوْ قَرْيَتُهُ] : إلَخْ.
حَاصِلُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ فِي مَسْأَلَةِ التَّلَقِّي أَنَّ الشَّخْصَ إمَّا أَنْ يَكُونَ خَارِجًا مِنْ الْبَلَدِ الْمَجْلُوبِ إلَيْهِ التِّجَارَةُ أَوْ مَنْزِلُهُ خَارِجٌ عَنْهُ تَمُرُّ بِهِ التِّجَارَةُ، فَمَتَى كَانَ خَارِجًا لِسِتَّةِ أَمْيَالٍ أَوْ مَنْزِلُهُ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ جَازَ لَهُ الشِّرَاءُ مُطْلَقًا لِلتِّجَارَةِ أَوْ لِلْقِنْيَةِ، كَانَ لِتِلْكَ السِّلَعِ سُوقٌ بِالْبَلَدِ أَمْ لَا وَإِنْ كَانَ عَلَى دُونِ سِتَّةِ أَمْيَالٍ فَالْخَارِجُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الشِّرَاءُ مُطْلَقًا لِلتِّجَارَةِ أَوْ الْقِنْيَةِ كَانَ لِلسِّلَعِ سُوقٌ أَمْ لَا، وَمَنْ مَنْزِلُهُ عَلَى دُونِ سِتَّةِ أَمْيَالٍ جَازَ لَهُ الْأَخْذُ لِقُوَّتِهِ مُطْلَقًا وَلِلتِّجَارَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلسِّلَعِ سُوقٌ وَهَذَا الْحَاصِلُ الَّذِي قَالَهُ الشَّارِحُ زُبْدَةُ الْخِلَافِ الَّذِي فِي الْمَذْهَبِ.
[الضَّمَان فِي مَبِيع الْبَيْع الْفَاسِد]
قَوْلُهُ: [فِي الْفَاسِدِ] : أَيْ مِنْ تِلْكَ الْبِيَاعَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا لِأَنَّ بَعْضَهَا فَاسِدٌ وَبَعْضُهَا غَيْرُ فَاسِدٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُ مَبِيعٍ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الْمُنْتَقِلَ: بِالْقَبْضِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ ضَمَانُ الْأَصَالَةِ لَا ضَمَانُ الرِّهَانِ الْمُفَصَّلِ فِيهِ بَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَغَيْرِهِ وَبَيْنَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ وَعَدَمِهِ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ الْقَائِلِ: إنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ فِي الْفَاسِدِ إلَّا إذَا كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَلَمْ تَقُمْ عَلَى هَلَاكِهِ بَيِّنَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَمْ يَقْبِضْهُ إلَّا لِحَقِّ نَفْسِهِ عَلَى نَحْوِ مَا يَقْبِضْهُ الْمَالِكُ لَا تَوْثِقَةً كَالرِّهَانِ وَلَا لِلِانْتِفَاعِ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ عَلَى مِلْكِ الْمَالِكِ كَالْعَوَارِيِّ وَلَا دَخْلَ عَلَى احْتِمَالِ رَدِّهِ كَالْخِيَارِ قَالَ (بْن) : وَلَا يَتَوَقَّفُ الْقَبْضُ عَلَى الْحَصَادِ وَجَذِّ الثَّمَرَةِ حَيْثُ كَانَ الْبَيْعُ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِمَا، وَقَوْلُهُ
فِي ضَمَانِ مُشْتَرِيهِ بِالْعَقْدِ أَوْ بِالْقَبْضِ كَالْمِثْلِيِّ (إلَّا بِقَبْضِهِ) مِنْ بَائِعِهِ.
(وَرُدَّ) لِبَائِعِهِ وُجُوبًا إنْ لَمْ يَفُتْ وَلَا يَجُوزُ لِمُشْتَرِيهِ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَا دَامَ قَائِمًا.
(وَلَا غَلَّةَ) لِبَائِعِهِ بَلْ يَفُوزُ بِهَا الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ فِي ضَمَانِهِ وَالْغَلَّةُ بِالضَّمَانِ، (وَلَا رُجُوعَ) لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ (بِالنَّفَقَةِ) الَّتِي أَنْفَقَهَا عَلَى الْمَبِيعِ فَاسِدًا؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ فِي نَظِيرِ الْغَلَّةِ تَسَاوَيَا أَوْ لَا.
[حاشية الصاوي]
وَلَا يَنْتَقِلُ ضَمَانُ الْفَاسِدِ إلَخْ الْحَصْرُ بِالنِّسْبَةِ لِانْتِقَالِ الضَّمَانِ وَأَمَّا الْمِلْكُ فَإِنَّمَا يَنْتَقِلُ لِلْمُشْتَرِي بِالْفَوَاتِ بَعْدَ الْقَبْضِ وَمَحَلُّ انْتِقَالِ ضَمَانِ الْفَاسِدِ بِالْقَبْضِ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ الْفَاسِدُ مُنْتَفَعًا بِهِ شَرْعًا وَيَقْبَلُ الْبَيْعَ فَخَرَجَ شِرَاءُ الْمَيِّتَةِ وَالزِّبْلِ فَإِنَّ ضَمَانَهُ مِنْ بَائِعِهِ وَلَوْ قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا نَحْوُ كَلْبِ الصَّيْدِ وَجِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ فَالْقِيمَةُ بِإِتْلَافِهِ لِلتَّعَدِّي لَا لِلْقَبْضِ حَتَّى لَوْ تَلِفَ بِسَمَاوِيٍّ كَانَ ضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ.
قَوْلُهُ: [بِالْعَقْدِ] : أَيْ وَهُوَ مَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَنَحْوُهُ وَقَوْلُهُ كَالْمِثْلِيِّ مِثَالٌ لِمَا يَدْخُلُ فِي ضَمَانِهِ بِالْقَبْضِ حَيْثُ لَمْ يَبِعْ الْمِثْلِيَّ جُزَافًا وَإِلَّا دَخَلَ بِالْعَقْدِ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ مَا فِيهِ مُوَاضَعَةٌ وَعُهْدَةَ ثَلَاثٍ وَالْغَائِبَ.
قَوْلُهُ: [وَرُدَّ لِبَائِعِهِ] إلَخْ: أَيْ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ لِحُكْمٍ إنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِي فَسَادِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ فَسْخِ الْحَاكِمِ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ.
قَوْلُهُ: [وَلَا غَلَّةَ لِبَائِعِهِ] : أَيْ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ وَقْفًا عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَاسْتَغَلَّهُ عَالِمًا بِوَقْفِيَّتِهِ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [بَلْ يَفُوزُ بِهَا الْمُشْتَرِي] : أَيْ إلَى الْحُكْمِ بِرَدِّ الْمَبِيعِ وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ فِي ضَمَانِهِ، عِلَّةً لِلْفَوْزِ بِالْغَلَّةِ أَيْ لِأَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ وَعِلْمِهِ بِالْفَسَادِ وَبِوُجُوبِ الرَّدِّ لَا يَنْفِي الضَّمَانَ عَنْهُ وَلَوْ فِي بَيْعِ الثَّنِيَّا الْمَمْنُوعَةِ بَلْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَلَهُ الْغَلَّةُ مَتَى قَبَضَهُ عَلَى الرَّاجِحِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي مِصْرَ بِبَيْعِ الْمَعَادِ بِأَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَتَى أَتَى لَهُ بِالثَّمَنِ عَادَ لَهُ الْمَبِيعُ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ الشَّرْطُ حِينَ الْعَقْدِ أَوْ تَوَاطَآ عَلَيْهِ قَبْلَهُ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا، وَلَوْ أَسْقَطَ الشَّرْطَ لِتَرَدُّدِ الثَّمَنِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ، وَأَمَّا إذَا تَبَرَّعَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ بِذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ بِأَنْ قَالَ لَهُ مَتَى رَدَدْت إلَيَّ الثَّمَنَ دَفَعْت لَك الْمَبِيعَ كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا.
وَلَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ الْوَعْدِ بَلْ يُسْتَحَبُّ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [تَسَاوَيَا أَوْ لَا] : أَيْ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الـ (مج) وَقِيلَ مَا لَمْ تَزِدْ
(إلَّا مَا لَا غَلَّةَ لَهُ) فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْبَائِعِ بِهَا.
(فَإِنْ فَاتَ) الْمَبِيعُ فَاسِدًا بِيَدِ الْمُشْتَرِي (مَضَى الْمُخْتَلَفُ فِيهِ) : أَيْ فِي فَسَادِهِ وَلَوْ خَارِجَ الْمَذْهَبِ (بِالثَّمَنِ) الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْبَيْعُ فَاسِدًا.
(وَإِلَّا) يَكُنْ مُخْتَلَفًا فِيهِ، بَلْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ (فَالْقِيمَةُ) تُعْتَبَرُ (يَوْمَ الْقَبْضِ) : أَيْ قَبْضِ الْمُشْتَرِي لَهُ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا (وَمِثْلُ الْمِثْلِيِّ إنْ) كَانَ مِثْلِيًّا وَ (عُلِمَ) قَدْرُهُ (وَوُجِدَ) فِي الْبَلَدِ، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ أَيْضًا لَكِنَّ يَوْمَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِهَا.
وَهَذَا فِي غَيْرِ الْحَبْسِ، وَأَمَّا هُوَ فَيُرَدُّ لِأَصْلِهِ وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ كَثِيرَةٍ.
وَيَرْجِعُ مُشْتَرِيهِ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ أَوْ بِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا وَفَاتَ.
وَيَرُدُّ الْغَلَّةَ لِلْمُسْتَحِقِّينَ إنْ كَانَ الْبَائِعُ غَيْرَهُمْ بِلَا إذْنٍ مِنْهُمْ.
-
[حاشية الصاوي]
النَّفَقَةُ وَإِلَّا فَيَرْجِعُ بِالزَّائِدِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا مَا لَا غَلَّةَ لَهُ] : أَيْ كَمَا إذَا سَقَى زَرْعًا وَثَمَرًا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَحَصَلَ الرَّدُّ قَبْلَ بُدُوِّهِ.
قَوْلُهُ: [مَضَى الْمُخْتَلَفُ فِيهِ] إلَخْ: هَذِهِ قَاعِدَةُ أَغْلَبِيَّةٍ إذْ قَدْ يَكُونُ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَيَمْضِي بِالْقِيمَةِ كَالْبَيْعِ وَقْتَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا يَكُنْ مُخْتَلَفًا فِيهِ] إلَخْ: إشَارَةٌ لِقَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ كُلُّ فَاسِدٍ مُتَّفَقٍ عَلَى فَسَادِهِ فَإِنَّهُ يَمْضِي بِالْقِيمَةِ وَتُعْتَبَرُ يَوْمَ الْقَبْضِ.
قَوْلُهُ: [لَكِنَّ يَوْمَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِهَا] : وَلَا يَنْتَظِرُ لِوَقْتِ وُجُودِهِ إذَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِخِلَافِ الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ وُجُودُ الْمِثْلِ فَإِنَّهُ يَصْبِرُ عَلَيْهِ لِوَقْتِ الْوُجُودِ، وَيُؤْخَذُ.
مِنْهُ الْمِثْلُ لَا الْقِيمَةُ يَوْمَ الْقَضَاءِ بِالرَّدِّ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا هُوَ فَيُرَدُّ لِأَصْلِهِ] : أَيْ وَلَا يَمْضِي الْبَيْعُ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ.
قَوْلُهُ: [وَيَرُدُّ الْغَلَّةَ لِلْمُسْتَحِقِّينَ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى وَقْفًا عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَاسْتَغَلَّهُ عَالِمًا بِوَقْفِيَّتِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّ الْغَلَّةِ لِمُسْتَحِقِّهَا وَكَذَا إنْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى مُعَيَّنٍ وَعَلِمَ بِوَقْفِيَّتِهِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَرْضَ ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ بِبَيْعِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ.
وَهُوَ رَاضٍ بِبَيْعِهِ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَفُوزُ بِالْغَلَّةِ وَلَوْ عَلِمَ بِالْوَقْفِيَّةِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ رِضَا الرَّشِيدِ دُونَ غَيْرِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَفُوتُ بِهِ الْمَبِيعُ فِي الْفَاسِدِ بِقَوْلِهِ: (وَالْفَوَاتُ) يَكُونُ: (بِتَغَيُّرِ سُوقِ غَيْرِ الْمِثْلِيِّ) ، وَأَمَّا الْمِثْلِيُّ فَلَا يَفُوتُ بِتَغَيُّرِ سُوقِهِ، وَهَذَا مَا لَمْ يُبَعْ جُزَافًا، وَإِلَّا فَيَفُوتُ بِتَغَيُّرِ سُوقِهِ، وَاللَّازِمُ فِيهِ الْقِيمَةُ (وَ) غَيْرُ (الْعَقَارِ) كَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ، وَأَمَّا الْعَقَارُ: وَهُوَ الْأَرْضُ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا مِنْ بِنَاءٍ أَوْ شَجَرٍ فَلَا تَفُوتُ بِتَغَيُّرِ سُوقِهِ كَالْمِثْلِيِّ وَيُرَدُّ بِعَيْنِهِ.
(وَبِطُولِ زَمَانِ حَيَوَانٍ) عِنْدَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ قَبْضِهِ وَلَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ سُوقُهُ وَلَا ذَاتُهُ.
وَالطُّولُ (كَشَهْرٍ) كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِيهَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ مَا يُفِيدُ أَنَّ الثَّلَاثَةَ لَا تَفُوتُ.
وَحَمَلَ عَلَى حَيَوَانٍ شَأْنُهُ عَدَمُ التَّغَيُّرِ فِي الشَّهْرِ وَالشَّهْرَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، وَالشَّهْرُ فِيمَا شَأْنُهُ التَّغَيُّرُ؛ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى.
(وَ) يَحْصُلُ الْفَوَاتُ (بِالنَّقْلِ) : أَيْ بِنَقْلِ الْمَبِيعِ فَاسِدًا مِنْ مَحَلِّ (لِمَحَلٍّ) آخَرَ (بِكُلْفَةٍ) فِي الْوَاقِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى نَاقِلِهِ كُلْفَةٌ كَحَمْلِهِ عَلَى دَوَابِّهِ بِعَبِيدِهِ أَوْ فِي سَفِينَةٍ.
وَقَوْلُ الشَّيْخِ: " لِبَلَدٍ " لَيْسَ بِلَازِمٍ.
إذْ الْمَدَارُ عَلَى نَقْلِهِ لِمَحَلٍّ فِيهِ مَشَقَّةٌ وَبُعْدٌ، يَلْزَمُ عَلَى رَدِّهِ - بِعَيْنِهِ - الْمَشَقَّةُ، فَيَلْزَمُهُ قِيمَةُ الْمُقَوَّمِ وَمِثْلُ الْمِثْلِيِّ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي نُقِلَ مِنْهُ لَا الْبَلَدِ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَقْلِهِ كُلْفَةٌ وَلَوْ لِبَلَدٍ آخَرَ لَمْ يَفُتْ: كَالْعَبْدِ وَالْحَيَوَانِ فَيُرَدُّ بِعَيْنِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الطَّرِيقُ مَخُوفَةً.
(وَ) يَحْصُلُ الْفَوَاتُ (بِتَغَيُّرِ الذَّاتِ) لِلْمَبِيعِ فَاسِدًا بِعَيْبٍ كَعَوَرٍ وَعَرَجٍ أَوْ غَرَّهُ كَصَبْغٍ وَطَحْنٍ وَخُبْزٍ بَلْ (وَإِنْ بِسِمَنٍ) لِدَابَّةٍ (أَوْ هُزَالٍ) لِدَابَّةٍ وَغَيْرِهَا
[حاشية الصاوي]
[مَا يَفُوت بِهِ الْمَبِيع فِي الْبَيْع الْفَاسِد]
قَوْلُهُ: [فَلَا يَفُوتُ بِتَغَيُّرِ سُوقِهِ] : أَيْ لِأَنَّ غَالِبَ مَا يُرَادُ لَهُ الْعَقَارُ الْقِنْيَةُ فَلَا يُنْظَرُ فِيهِ لِكَثْرَةِ الثَّمَنِ وَلَا لِقِلَّتِهِ.
قَوْلُهُ: [وَفِيهَا فِي مَحَلٍّ آخَرَ] : حَاصِلُهُ أَنَّ الْإِمَامَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَأَى مَرَّةً أَنَّ بَعْضَ الْحَيَوَانَاتِ يُفِيتُهُ الشَّهْرُ لِمَظِنَّةِ تَغَيُّرِهِ فِيهِ لِصِغَرٍ وَنَحْوِهِ فَحَكَمَ بِأَنَّ الشَّهْرَ فِيهِ طُولٌ، وَرَأَى مَرَّةً أَنَّ بَعْضَ الْحَيَوَانَاتِ لَا يُفِيتُهُ الشَّهْرَانِ وَالثَّلَاثَةُ لِعَدَمِ مَظِنَّةِ تَغَيُّرِهِ فِي ذَلِكَ فَحَكَمَ فِيهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِطُولٍ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْحُكْمَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ لِاخْتِلَافِ مَحِلِّهِمَا لَيْسَ بَيْنَهُمَا خِلَافٌ حَقِيقِيٌّ، وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ تَكُونَ الطَّرِيقُ مَخُوفَةً] : مِثْلُ الْخَوْفِ عَلَى مَا ذَكَرَ أَخْذُ الْمَكْسِ وَأُجْرَةِ الرُّكُوبِ إنْ عَظُمَتْ.
كَعَبْدٍ وَأَمَةٍ، فَيَلْزَمُهُ قِيمَةُ الْمُقَوَّمِ وَمِثْلُ الْمِثْلِيِّ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ اللَّازِمَ فِي الْفَوَاتِ هُوَ قِيمَةُ الْمُقَوَّمِ وَمِثْلُ الْمِثْلِيِّ هُوَ طَرِيقَةُ ابْنِ يُونُسَ وَابْنِ بَشِيرٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالشَّيْخِ.
وَلِابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ وَالْمَازِرِيِّ طَرِيقَةٌ أُخْرَى: وَهِيَ أَنَّ اللَّازِمَ فِي الْفَوَاتِ الْقِيمَةُ مُطْلَقًا فِي الْمُقَوَّمِ وَالْمِثْلِيِّ، وَأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الْمِثْلِيَّ لَا يَلْحَقُهُ فَوَاتٌ فِي تَغَيُّرِ سُوقٍ وَلَا ذَاتٍ وَلَا نَقْلٍ بِمَشَقَّةٍ لِأَنَّ مِثْلَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ إذْ اللَّازِمُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْمِثْلُ عَلَى الرَّاجِحِ.
وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ بِفَوَاتِهَا بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَاللَّازِمُ الْقِيمَةُ كَالْمُقَوَّمِ.
(وَبِالْوَطْءِ) لِأَمَةٍ وَلَوْ ثَيِّبًا وَخْشًا إذَا كَانَ مِنْ بَالِغٍ أَوْ مِنْ صَبِيٍّ افْتَضَّ بِكْرًا لِأَنَّهُ مِنْ تَغَيُّرِ الذَّاتِ.
(وَبِالْخُرُوجِ عَنْ الْيَدِ) : أَيْ يَدِ مُشْتَرِيهَا فَاسِدًا (بِكَبَيْعٍ صَحِيحٍ) لَا فَاسِدٍ فَلَا يُفِيتُ.
وَبَيْعُ بَعْضِ مَا لَا يَنْقَسِمُ وَلَوْ قَلَّ، كَبَيْعِ الْكُلِّ كَأَكْثَرِ مَا يَنْقَسِمُ وَإِلَّا فَاتَ مِنْهُ مَا بِيعَ فَقَطْ.
وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ وَالْحَبْسَ.
(وَتَعَلُّقِ حَقٍّ) بِالْمَبِيعِ فَاسِدًا لِغَيْرِ مُشْتَرِيهِ (كَرَهْنٍ) لَهُ فِي دَيْنٍ (وَإِجَارَةٍ) لَازِمَةٍ بِأَنْ كَانَتْ وَجِيبَةً، أَوْ نَقْدِ كِرَاءٍ أَيَّامَ مَعْلُومَةٍ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَبِالْوَطْءِ] : أَفْهَمُ أَنَّ الْمُقَدِّمَاتِ لَا تُفِيتُ وَأَمَّا الْخَلْوَةُ بِهَا فَإِنْ ادَّعَى وَطْأَهَا صُدِّقَ عَلَيْهِ أَوْ وَخْشًا صَدَّقَهُ الْبَائِعُ أَوْ كَذَّبَهُ فَتَفُوتُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَإِنْ أَنْكَرَ صُدِّقَ فِي الْوَخْش صَدَّقَهُ الْبَائِعُ أَوْ كَذَّبَهُ وَفِي الْعَلِيَّةِ إنْ صَدَّقَهُ الْبَائِعُ وَلَكِنْ إذَا رُدَّتْ تُسْتَبْرَأْ فَإِنْ كَذَّبَهُ فَاتَتْ.
قَوْلُهُ: [كَأَكْثَرِ مَا يَنْقَسِمُ] الْمُرَادُ بِالْأَكْثَرِ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ.
قَوْلُهُ: [وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الْهِبَةَ] إلَخْ: أَيْ وَالْعِتْقَ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِهِ.
قَوْلُهُ: [كَرَهْنٍ لَهُ فِي دَيْنٍ] : أَيْ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى خَلَاصِهِ لِعُسْرِ الرَّاهِنِ فَلَوْ قَدَرَ لَمْ يَكُنْ فَوْتًا.
قَوْلُهُ: [وَإِجَارَةٌ لَازِمَةٌ] إلَخْ: أَيْ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى فَسْخِهَا بِتَرَاضٍ وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ فَوْتًا وَهَذَا فِي رَهْنٍ وَإِجَارَةٍ بَعْدَ الْقَبْضِ لَهُ وَأَمَّا قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ بَائِعِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ كَمَا إذَا بَاعَهُ بَيْعًا صَحِيحًا قَلَّ قَبْضُهُ فَقِيلَ يَفُوتُ بِذَلِكَ وَقِيلَ لَا يَفُوتُ وَاسْتَظْهَرَ (ح) الْفَوَاتَ وَمَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِمَا ذَكَرَ الْإِفَاتَةَ وَإِلَّا فَلَا يُفِيتُهُ اتِّفَاقًا مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ فِي غَيْرِ الْعِتْقِ.
(وَ) يَحْصُلُ الْفَوَاتُ (بِحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ) حَفْرِ (عَيْنٍ بِأَرْضٍ) بِيعَتْ بَيْعًا فَاسِدًا (وَبِغَرْسٍ) لِشَجَرٍ فِيهَا (وَبِنَاءٍ) الْوَاوُ بِمَعْنَى: أَوْ (عَظِيمَيْ الْمُؤْنَةِ) . وَمِثْلُهُمَا: الْقَلْعُ وَالْهَدْمُ لِأَنَّهُمَا مِنْ تَغَيُّرِ الذَّاتِ.
وَمَفْهُومُ: " عَظِيمَيْ الْمُؤْنَةِ " أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا خَفِيفَيْنِ كَشَجَرَةٍ أَوْ شَجَرَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، وَكَحَائِطٍ خَفِيفٍ لَمْ تَفُتْ بِهِمَا الْأَرْضُ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ فَتُرَدُّ الْأَرْضُ لِبَائِعِهَا، وَلِلْمُشْتَرِي وَالْبَانِي أَوْ الْغَارِسِ قِيمَةُ مَا بَنَاهُ أَوْ مَا غَرَسَهُ قَائِمًا عَلَى التَّأْبِيدِ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ بِوَجْهِ شُبْهَةٍ.
اُنْظُرْ تَفْصِيلَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْأَصْلِ مَعَ مَا بَيَّنَهُ شُرَّاحُهُ.
(وَارْتَفَعَ حُكْمُ الْفَوَاتِ) - وَهُوَ لُزُومُ الْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنُ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ - (إنْ عَادَ الْمَبِيعُ) فَاسِدًا لِأَصْلِهِ؛ بِأَنْ رَجَعَ لِلْمُشْتَرِي بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ يَدِهِ وَلَوْ اضْطِرَارًا، كَإِرْثٍ، أَوْ زَالَ مَا بِهِ مِنْ عَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ (إلَّا تَغَيَّرَ السُّوقُ) إذَا فَاتَ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [عَظِيمَيْ الْمُؤْنَةِ] : صِفَةٌ لِغَرْسٍ وَبِنَاءٍ وَلَا يَرْجِعُ لِبِئْرٍ وَعَيْنٍ لِأَنَّ شَأْنَهُمَا ذَلِكَ وَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ بِئْرَ الْمَاشِيَةِ لَيْسَتْ مُفِيتَةً مَا لَمْ يَحْصُلْ فِيهَا عِظَمُ مُؤْنَةٍ بِالْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: [وَمِثْلُهُمَا الْقَلْعُ وَالْهَدْمُ] أَيْ وَأَمَّا الزَّرْعُ فَلَا يُفِيتُ بَلْ يَرُدُّ الْمَبِيعَ؛ ثُمَّ إنْ كَانَ الْفَسْخُ وَالرَّدُّ فِي إبَّانِ الزِّرَاعَةِ فَعَلَى الْمُشْتَرِي كِرَاءُ الْمِثْلِ وَلَا يُقْلَعُ زَرْعُهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ فَوَاتِهِ فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ وَفَازَ بِذَلِكَ الزَّرْعُ لِأَنَّهُ غَلَّةٌ.
قَوْلُهُ: [اُنْظُرْ تَفْصِيلَ الْمَسْأَلَةِ فِي الْأَصْلِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ أَحَاطَ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ بِالْأَرْضِ كَالسُّورِ فَإِنْ كَانَ عَظِيمَيْ الْمُؤْنَةِ أَفَاتَا الْأَرْضَ وَإِلَّا فَلَا يُفِيتَانِ شَيْئًا وَإِنْ عَمَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا أَوْ جُلَّهَا كَنِصْفِهَا عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ فَإِنَّهُمَا يُفِيتَانِ الْأَرْضَ بِتَمَامِهَا عَظُمَتْ مُؤْنَتُهُمَا أَمْ لَا فَإِنْ عَمَّ الثُّلُثُ أَوْ الرُّبُعُ وَمِثْلُهُمَا النِّصْفُ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ فَاتَتْ جِهَتُهُ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ تَعْظُمْ مُؤْنَتُهَا فَإِنْ عَمَّ أَقَلُّ مِنْ الرُّبُعِ فَلَا يُفِيتُ شَيْئًا مِنْهَا وَلَوْ عَظُمْت الْمُؤْنَةُ وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ الْجِهَةِ الرُّبُعَ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ لَا بِالْمِسَاحَةِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْغَرْسُ أَوْ الْبِنَاءُ مُفِيتًا إمَّا لَنَقْصِ مَحِلِّهِمَا عَنْ الرُّبُعِ أَوْ لِعَدَمِ عِظَمِ الْمُؤْنَةِ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعِظَمُ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِلْبَائِعِ الْأَرْضُ وَلِلْمُشْتَرِي قِيمَةُ غَرْسِهِ أَوْ بِنَائِهِ قَائِمًا عَلَى التَّأْيِيدِ عَلَى مَا لِلْمَازِرِيِّ وَابْنِ مُحْرِزٍ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [إلَّا تَغَيَّرَ السُّوقُ] : أَيْ لِأَنَّ تَغَيُّرَ السُّوقِ الَّذِي أَوْجَبَ الْفَوَاتَ لَيْسَ مِنْ سَبَبِ الْمُشْتَرِي فَلَا يُتَّهَمُ عَلَى أَنَّهُ حَصَّلَهُ لِتَفْوِيتِ السِّلْعَةِ فَلِذَا إذَا عَادَ السُّوقُ الْأَوَّلُ
بِهِ ثُمَّ رَجَعَ لِأَصْلِهِ، فَلَا يَرْتَفِعُ بِهِ حُكْمُهُ وَوَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي مَا وَجَبَ.
[حاشية الصاوي]
لَمْ يَعُدْ بِخِلَافٍ نَحْوُ الْبَيْعِ وَالصَّدَقَةِ وَالنَّفَلِ فَإِنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى فِعْلِهِ ذَلِكَ لِلتَّفْوِيتِ فَإِذَا حَصَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَكَمْنَا بِالْفَوَاتِ نَظَرًا لِظَاهِرِ الْحَالِ فَإِذَا زَالَ حُكْمُنَا بِزَوَالِ حُكْمِهِ نَظَرًا لِلِاتِّهَامِ وَلَا يُقَالُ إنَّ تَغَيُّرَ الذَّاتِ لَيْسَ مِنْ سَبَبِهِ لِأَنَّهُ يُقَالُ قَدْ يَحْصُلُ مِنْهُ بِتَجْوِيعٍ أَوْ تَفْرِيطٍ فِي صَوْنِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَالْغَالِبُ كَوْنُهُ مِنْ سَبَبِهِ وَحَمْلُ غَيْرِ الْغَالِبِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ عَلَى الْمُشْتَرِي مَا وَجَبَ] : أَيْ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ وَالْعَقَارِ وَهُوَ الْحَيَوَانُ وَالْعُرُوضُ وَأَمَّا الْمِثْلِيُّ وَالْعَقَارُ فَقَدْ مَرَّ أَنَّهُمَا لَا يَفُوتَانِ بِتَغَيُّرِ الْأَسْوَاقِ.
فَصْلٌ فِي بَيَانِ حُكْمِ بُيُوعِ الْآجَالِ وَهُوَ بَيْعُ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ لِبَائِعِهِ أَوْ لِوَكِيلِهِ لِأَجَلٍ.
وَهُوَ بَيْعٌ ظَاهِرُهُ الْجَوَازُ، لَكِنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إلَى مَمْنُوعٍ؛ فَيَمْتَنِعُ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ فِيهِ التَّوَصُّلَ إلَى الْمَمْنُوعِ، سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا أَدَّى إلَى الْوَاجِبِ وَاجِبٌ، وَمَا أَدَّى إلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ وَلَوْ لَمْ
[حاشية الصاوي]
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ بُيُوعِ الْآجَالِ]
[يَمْنَع مِنْ الْبُيُوع مَا أَدَّى إلَى مَمْنُوع]
فَصْلٌ: قَوْلُهُ: [لِبَائِعِهِ] : مُتَعَلِّقٌ بِبَيْعٍ.
وَقَوْلُهُ: [لِأَجَلٍ] : مُتَعَلِّقٌ بِاشْتَرَاهُ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ بَيْعٌ ظَاهِرُهُ الْجَوَازُ] : وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ، فَعِنْدَهُ بُيُوعُ الْآجَالِ جَائِزَةٌ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ.
قَوْلُهُ: [سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ] : الذَّرِيعَةُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: الْوَسِيلَةُ إلَى الشَّيْءِ وَأَصْلُهَا عِنْدَ الْعَرَبِ مَا تَأْلَفُهُ النَّاقَةُ الشَّارِدَةُ مِنْ الْحَيَوَانِ لِتَنْضَبِطَ بِهِ.
ثُمَّ نُقِلَتْ إلَى الْبَيْعِ الْجَائِزِ الْمُتَحَيَّلِ بِهِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ غَيْرِ الْبَيْعِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، فَهِيَ مِنْ مَجَازِ الْمُشَابَهَةِ.
وَالذَّرَائِعُ ثَلَاثَةٌ: مَا أُجْمِعَ عَلَى إلْغَائِهِ كَالْمَنْعِ مِنْ زَرْعِ الْعِنَبِ لِأَجْلِ الْخَمْرِ، وَمَا أُجْمِعَ عَلَى إعْمَالِهِ كَالْمَنْعِ مِنْ سَبِّ الْأَصْنَامِ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ كَالنَّظَرِ لِلْأَجْنَبِيَّةِ وَالتَّحَدُّثِ مَعَهَا وَبُيُوعِ الْآجَالِ.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ مَنْعُهَا ابْنُ عَرَفَةَ: بُيُوعُ الْآجَالِ يُطْلَقُ مُضَافًا وَلَقَبًا.
الْأَوَّلُ: مَا أَجَلُ ثَمَنِهِ الْعَيْنُ وَمَا أَجَلُ ثَمَنِهِ غَيْرُهَا سَلَمٌ.
وَالثَّانِي: لَقَبٌ لِتَكَرُّرِ بَيْعِ عَاقِدِي الْأَوَّلِ وَلَوْ بِغَيْرِ عَيْنٍ قَبْلَ انْقِضَائِهِ، وَقَوْلُهُ: لِتَكَرُّرٍ إلَخْ أَخْرَجَ بِهِ عَدَمَ تَكَرُّرِ الْبَيْعِ فِي الْعُقْدَةِ وَتَكَرُّرِهَا مِنْ غَيْرِ عَاقِدِ الْأَوَّلِ (اهـ. خَرَشِيٌّ) .
قَوْلُهُ: [وَمَا أَدَّى إلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ] : فَالْحَرَامُ كَسَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا أَوْ ضَمَانٍ يُجْعَلُ أَوْ شَرْطِ بَيْعٍ وَسَلَفٍ أَوْ صَرْفٍ مُؤَخَّرٍ أَوْ بَدَلٍ مُؤَخَّرٍ أَوْ فَسْخِ مَا فِي مُؤَخَّرٍ أَوْ غَيْرِ
يَقْصِدْ الْحَرَامَ، كَمَا أَنَّ مَا أَدَّى إلَى الْجَائِزِ جَائِزٌ كَمَا فِي بَعْضِ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ
وَلِذَا قَالَ:
(يُمْنَعُ) مِنْ الْبُيُوعِ (مَا أَدَّى لِمَمْنُوعٍ يَكْثُرُ قَصْدُهُ) : لِلْمُتَبَايِعَيْنِ وَلَوْ لَمْ يُقْصَدْ بِالْفِعْلِ.
(كَسَلَفٍ بِمَنْفَعَةٍ) : أَيْ كَبَيْعٍ أَدَّى إلَى ذَلِكَ؛ كَبَيْعِهِ سِلْعَةً بِعَشْرَةٍ لِأَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِخَمْسٍ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ أَقَلَّ فَقَدْ آلَ الْأَمْرُ إلَى رُجُوعِ السِّلْعَةِ لِرَبِّهَا وَقَدْ دَفَعَ قَلِيلًا عَادَ إلَيْهِ كَثِيرًا.
[حاشية الصاوي]
ذَلِكَ مِنْ عِلَلِ الْمَنْعِ الْآتِيَةِ.
قَوْلُهُ: [يَكْثُرُ قَصْدُهُ] : أَيْ لَا مَا قَلَّ قَصْدُهُ فَلَا يُمْنَعُ لِضَعْفِ التُّهْمَةِ كَتُهْمَةِ ضَمَانٍ بِجُعْلٍ وَتُهْمَةِ: أَسْلِفْنِي وَأُسْلِفْكَ.
فَمِثَالُ الْأَوَّلِ: أَنْ يَبِيعَهُ ثَوْبَيْنِ بِدِينَارٍ لِشَهْرٍ ثُمَّ يَشْتَرِي مِنْهُ عِنْدَ الْأَجَلِ أَوْ دُونَهُ أَحَدَهُمَا بِدِينَارٍ، فَيَجُوزُ وَلَا يُنْظَرُ لِكَوْنِهِ دَفَعَ لَهُ ثَوْبَيْنِ لِيَضْمَنَ لَهُ أَحَدَهُمَا وَهُوَ الثَّوْبُ الَّذِي اشْتَرَاهُ مُدَّةَ بَقَائِهِ عِنْدَهُ بِالْآخَرِ لِضَعْفِ تُهْمَةِ ذَلِكَ وَلِقِلَّةِ قَصْدِ النَّاسِ إلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا صَرِيحُ ضَمَانٍ بِجُعْلٍ فَلَا خِلَافَ فِي مَنْعِهِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الضَّمَانَ وَالْجَاهَ وَالْقَرْضَ لَا يُفْعَلُ إلَّا لِلَّهِ.
وَمِثَالُ الثَّانِي: أَنْ تَبِيعَهُ ثَوْبًا بِدِينَارَيْنِ إلَى شَهْرٍ تَشْتَرِيهِ مِنْهُ بِدِينَارٍ نَقْدًا أَوْ دِينَارٍ إلَى شَهْرَيْنِ، فَآلَ أَمْرُ الْبَائِعِ إلَى أَنَّهُ دَفَعَ الْآنَ دِينَارًا سَلَفًا لِلْمُشْتَرِي وَيَأْخُذُ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ دِينَارَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا عَنْ دِينَارِهِ، وَالثَّانِي: سَلَفٌ مِنْهُ يَدْفَعُ لَهُ مُقَابِلَهُ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ الثَّانِي، فَلَا يُمْنَعُ أَيْضًا لِضَعْفِ التُّهْمَةِ.
لِأَنَّ النَّاسَ فِي الْغَالِبِ لَا يَقْصِدُونَ إلَى السَّلَفِ لَا نَاجِزًا لِأَبْعَدَ مُدَّةٍ كَذَا فِي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ بِالْفِعْلِ] : فِي الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَى فَاعِلِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ الْأَمْرَ الْمَمْنُوعَ.
قَوْلُهُ: [كَسَلَفٍ بِمَنْفَعَةٍ] : أَدْخَلَتْ الْكَافُ بَاقِيَ الْعِلَلِ الْمُحَرَّمَةِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ كَبَيْعٍ أَدَّى إلَى ذَلِكَ] : أَيْ فَفِي الظَّاهِرِ جَائِزٌ وَبِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ حَرَامٌ.
قَوْلُهُ: [بِخَمْسَةٍ نَقْدًا] إلَخْ: وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي النَّهْيِ مَا إذَا اشْتَرَاهَا بِأَكْثَرَ لِأَبْعَدَ كَمَا يَأْتِي.
(وَدَيْنٍ بِدَيْنٍ) : أَيْ وَكَبَيْعٍ أَدَّى إلَى ذَلِكَ كَمَا لَوْ بَاعَهَا بِعَشْرَةٍ لِأَجَلٍ وَاشْتَرَاهَا بِمِثْلِهَا لِلْأَجَلِ، وَشَرَطَا نَفْيَ الْمُقَاصَّةِ؛ فَالسِّلْعَةُ رَجَعَتْ لِرَبِّهَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا ابْتَدَأَ فِي ذِمَّةِ صَاحِبِهِ دَيْنًا.
وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
(وَصَرْفٍ مُؤَخَّرٍ) : أَيْ وَكَبَيْعٍ أَدَّى لِذَلِكَ، كَمَا لَوْ بَاعَهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ لِأَجَلٍ وَاشْتَرَاهَا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ حَالَّةٍ أَيْ وَلِأَجَلٍ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ.
وَأَصْلُ صُوَرِ هَذَا الْبَابِ اثْنَتَا عَشَرَةَ صُورَةً يُمْنَعُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَيَجُوزُ الْبَاقِيَ.
وَقَدْ أَشَارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (فَمَنْ بَاعَ) شَيْئًا (لِأَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ) هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ وَكِيلِهِ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَاشْتَرَاهَا بِمِثْلِهَا لِلْأَجَلِ] : لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: " بِمِثْلِهَا " بَلْ لَوْ اخْتَلَفَ الثَّمَنُ كَمَا يَأْتِي: وَالْمَدَارُ فِي الْحُرْمَةِ عَلَى شَرْطِ عَدَمِ الْمُقَاصَّةِ سَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ الثَّانِي مُسَاوِيًا لِلْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ.
قَوْلُهُ: [وَصَرْفٍ مُؤَخَّرٍ] : مِثْلُهُ الْبَدَلُ الْمُؤَخَّرُ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [أَوْ لِأَجَلٍ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ] : لَا مَفْهُومَ لِذَلِكَ بَلْ مِثْلُهَا لِلْأَجَلِ نَفْسِهِ لِأَنَّ جَمِيعَ صُوَرِ الصَّرْفِ مَمْنُوعَةٌ كَمَا يَأْتِي.
[مَا يَمْنَع وَمَا يَجُوز مِنْ بَيْع الْآجَال]
قَوْلُهُ: [يُمْنَعُ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ وَيَجُوزُ الْبَاقِي] : أَيْ عِنْدَ وُجُودِ الشُّرُوطِ الْآتِيَةِ وَإِلَّا فَتَارَةً يُمْنَعُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [فَمَنْ بَاعَ شَيْئًا لِأَجَلٍ] : تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ شُرُوطَ بُيُوعِ الْآجَالِ الْخَمْسَةِ: وَهِيَ أَنْ تَكُونَ الْبَيْعَةُ الْأُولَى لِأَجَلٍ وَالْمُشْتَرِي ثَانِيًا هُوَ الْبَائِعَ أَوَّلًا أَوْ وَكِيلَهُ، وَالْمُبَاعُ ثَانِيًا هُوَ الْمُبَاعَ أَوَّلًا، وَالْبَائِعُ الثَّانِي هُوَ الْمُشْتَرِي أَوَّلًا أَوْ وَكِيلَهُ، وَالثَّمَنُ الثَّانِي بِصِفَةِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، وَتَعْجِيلُ الثَّمَنِ الثَّانِي كُلِّهِ أَوْ تَأْجِيلُ كُلِّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِ الْمَتْنِ الْآتِي: " وَلَوْ عُجِّلَ بَعْضُهُ امْتَنَعَ " إلَخْ؛ فَتَكُونُ الشُّرُوطُ سِتَّةً.
وَقَوْلُهُ: [شَيْئًا] : أَيْ مُقَوَّمًا.
وَأَمَّا الْمِثْلِيُّ فَلَهُ مَزِيدُ أَحْكَامٍ سَتَأْتِي فِي قَوْلِهِ: " وَالْمِثْلِيُّ صِفَةً وَقَدْرًا كَعَيْنِهِ " إلَخْ.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ اشْتَرَاهُ] : لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ ثُمَّ التَّرَاخِي بَلْ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّرَاخِي وَغَيْرِهِ وَفَاعِلُ " اشْتَرَاهُ " هُوَ فَاعِلُ " بَاعَ " وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ عَائِدٌ عَلَى الشَّيْءِ الْمُشْتَرَى.
وَالْمُرَادُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا لَوْ اشْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ كَمَحْجُورِهِ مَثَلًا فَهُوَ مَكْرُوهٌ فَقَطْ.
(بِجِنْسِ ثَمَنِهِ) الَّذِي بَاعَهُ بِهِ (مِنْ عَيْنٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ عَرْضٍ) بَيَانٌ لِلثَّمَنِ؛ (فَإِمَّا) أَنْ يَشْتَرِيَهُ (نَقْدًا أَوْ لِلْأَجَلِ) الْأَوَّلِ، (أَوْ أَقَلَّ) مِنْهُ (أَوْ أَكْثَرَ) مِنْهُ؛ فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَجَلِ الْأَوَّلِ وَفِي كُلٍّ مِنْهَا؛ إمَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ (بِمِثْلِ الثَّمَنِ) الْأَوَّلِ قَدْرًا (أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ) فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً (يُمْنَعُ مِنْهَا ثَلَاثٌ وَهِيَ) ، أَيْ الثَّلَاثُ: (مَا تَعَجَّلَ فِيهِ) الثَّمَنَ (الْأَقَلَّ) : كَأَنْ يَبِيعَهَا بِعَشْرَةٍ لِرَجَبٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِثَمَانِيَةٍ نَقْدًا، أَوْ لِدُونِ رَجَبٍ.
أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ الْعَشَرَةِ لِأَبْعَدَ مِنْ رَجَبٍ كَشَعْبَانَ لِمَا فِيهِ مِنْ السَّلَفِ بِمَنْفَعَةٍ وَتَجُوزُ التِّسْعَةُ الْبَاقِيَةُ.
(فَيَجُوزُ تَسَاوِي الْأَجَلَيْنِ) سَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ مُسَاوِيًا لِلْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ (أَوْ) تَسَاوِي (الثَّمَنَيْنِ) سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْأَجَلَانِ أَوْ اخْتَلَفَا
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بِجِنْسِ ثَمَنِهِ] : الْمُرَادُ بِالْجِنْسِ الِاتِّحَادُ مَعَهُ فِي الصِّفَةِ، بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي مِنْ مَنْعِ الْبَيْعِ بِذَهَبٍ وَشِرَائِهِ بِفِضَّةٍ وَعَكْسِهِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ وَمَنْعِهِ بِسِكَّتَيْنِ إلَى أَجَلٍ.
وَحُكْمِ مَا إذَا اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ مُخَالِفٍ فَإِنَّ لِهَذِهِ أَحْكَامًا تَخُصُّهَا غَيْرَ مَا هُنَا.
قَوْلُهُ: [فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً] : أَيْ مِنْ ضَرْبِ أَحْوَالِ الثَّمَنِ الثَّلَاثَةِ فِي أَحْوَالِ الْأَجَلِ وَالنَّقْدِ وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: وَفِي كُلٍّ مِنْ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ: إمَّا أَنْ تَكُونَ الْعُقْدَةُ الثَّانِيَةُ فِي مَجْلِسِ الْعُقْدَةِ الْأُولَى أَوْ لَا، وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ قَدْ قَبَضَهَا الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ أَوْ لَا؛ فَهَذِهِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعُونَ.
وَإِنْ شِئْت قُلْت: وَفِي كُلٍّ إمَّا: أَنْ يَكُونَ الثَّمَنَانِ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا.
وَمُرَادُهُمْ بِالْعَرْضِ: مَا يَشْمَلُ الْحَيَوَانَ وَطَعَامًا؛ فَتَبْلُغُ الصُّوَرُ مِائَةً وَأَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: [لِمَا فِيهِ مِنْ السَّلَفِ بِمَنْفَعَةٍ] : أَيْ وَالْمُسَلِّفُ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ.
وَفِي الثَّالِثَةِ الْبَائِعُ الثَّانِي، وَمَحَلُّ مَنْعِ الثَّالِثَةِ مَا لَمْ يَدْخُلَا عَلَى الْمُقَاصَّةِ وَإِلَّا فَلَا تَحْرُمُ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ تَسَاوِي الْأَجَلَيْنِ] : أَيْ إنْ لَمْ يَشْتَرِطَا نَفْيَ الْمُقَاصَّةِ وَإِلَّا مُنِعَ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْأَجَلَانِ] : لَا حَاجَةَ لَهُ لِأَنَّهَا إحْدَى صُوَرِ تَسَاوِي
(كَاخْتِلَافِهِمَا) أَيْ الْأَجَلَيْنِ وَالثَّمَنَيْنِ بِالْقِلَّةِ أَوْ الْكَثْرَةِ (إذَا لَمْ يَرْجِعْ لِلْيَدِ السَّابِقَةِ بِالْعَطَاءِ أَكْثَرُ) فَإِنْ رَجَعَ لَهَا أَكْثَرُ مُنِعَ، وَهِيَ الثَّلَاثَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ؛ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: إنْ تَسَاوَى الْأَجَلَانِ أَوْ الثَّمَنَانِ فَالْجَوَازُ.
وَإِلَّا فَانْظُرْ لِلْيَدِ السَّابِقَةِ بِالْعَطَاءِ فَإِنْ دَفَعَتْ قَلِيلًا عَادَ إلَيْهَا كَثِيرٌ مُنِعَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَهَذَا إنْ عَجَّلَ الثَّمَنَ الثَّانِيَ كُلَّهُ أَوْ أَجَّلَهُ كُلَّهُ.
وَأَمَّا لَوْ نَقَدَ بَعْضَهُ وَأَجَّلَ بَعْضَهُ فَأَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَوْ أَجَّلَ بَعْضَهُ) : أَيْ الثَّمَنَ الثَّانِيَ وَنَقَدَ بَعْضَهُ (امْتَنَعَ) مِنْ الصُّوَرِ (مَا تَعَجَّلَ فِيهِ الْأَقَلُّ بَعْضُهُ) : أَيْ بَعْضُ الْأَقَلِّ وَسَوَاءٌ فِيهِمَا تَعَجَّلَ عَلَى جَمِيعِ الْأَكْثَرِ أَوْ بَعْضِهِ؛ فَالصُّوَرُ أَرْبَعَةٌ.
مِثَالُ مَا تَعَجَّلَ فِيهِ الْأَقَلُّ عَلَى كُلِّ الْأَكْثَرِ: أَنْ يَبِيعَ السِّلْعَةَ بِعَشْرَةٍ لِأَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِثَمَانِيَةٍ أَرْبَعَةٍ نَقْدًا وَأَرْبَعَةٍ لِدُونِ الْأَجَلِ، فَآلَ أَمْرُهُ إلَى أَنَّهُ دَفَعَ ثَمَانِيَةً أَخَذَ عَنْهَا عِنْدَ الْأَجَلِ عَشْرَةً.
وَمِثَالُ مَا تَعَجَّلَ فِيهِ الْأَقَلُّ عَلَى بَعْضِ الْأَكْثَرِ: أَنْ يَبِيعَهَا بِعَشْرَةٍ لِأَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ خَمْسَةٍ نَقْدًا وَالسَّبْعَةِ لِأَجَلٍ
[حاشية الصاوي]
الْأَجَلَيْنِ فَهُوَ مُكَرَّرٌ فَيَتَعَيَّنُ فَرْضُ مَا هُنَا فِي تَسَاوِي الثَّمَنَيْنِ وَاخْتِلَافِ الْأَجَلَيْنِ أَوْ كَوْنِ الثَّانِي نَقْدًا.
قَوْلُهُ: [كَاخْتِلَافِهِمَا] إلَخْ: أَيْ وَتَحْتَهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ، وَهِيَ: كَوْنُ الثَّمَنِ الثَّانِي بِأَكْثَرَ نَقْدًا، أَوْ لِدُونِ الْأَجَلِ، أَوْ بِأَقَلَّ لِأَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ.
فَتَحْصُلُ مِنْ تَسَاوِي الْأَجَلَيْنِ ثَلَاثٌ، وَمِنْ تَسَاوِي الثَّمَنَيْنِ مِثْلُهَا، وَمِنْ اخْتِلَافِ الثَّمَنَيْنِ وَالْأَجَلَيْنِ سِتٌّ، ثَلَاثٌ مَمْنُوعَةٌ وَثَلَاثٌ جَائِزَةٌ، تُضَمُّ لِصُوَرِ اتِّحَادِ الثَّمَنِ وَاتِّحَادِ الْأَجَلِ وَأَمْثِلَتُهَا وَاضِحَةٌ.
قَوْلُهُ: [فَالصُّوَرُ أَرْبَعَةٌ] : أَيْ فَالْمَمْنُوعُ أَرْبَعٌ مِنْ تِسْعٍ لِسُقُوطِ صُوَرِ النَّقْدِ الثَّلَاثِ مِنْ الِاثْنَتَيْ عَشَرَةَ الَّتِي بُنِيَ الْبَابُ عَلَيْهَا، وَالْجَائِزُ خَمْسٌ وَهِيَ: أَنْ يَشْتَرِيَ السِّلْعَةَ الَّتِي بَاعَهَا لِأَجَلٍ بِعَشْرَةٍ مِثْلَ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، لَكِنْ خَمْسَةٌ مِنْهَا نَقْدًا، وَخَمْسَةٌ لِدُونِ الْأَجَلِ أَوْ لِلْأَجَلِ أَوْ لِأَبْعَدَ أَوْ يَشْتَرِيهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ خَمْسَةٍ نَقْدًا.
وَسَبْعٍ لِدُونِ الْأَجَلِ أَوْ لِلْأَجَلِ نَفْسِهِ.
وَحَاصِلُ هَذِهِ الصُّوَرِ التِّسْعِ أَنْ تَقُولَ: إذَا كَانَ الثَّمَنُ الثَّانِي أَقَلَّ مُنِعَ مُطْلَقًا كَانَ الْبَعْضُ الْمُؤَجَّلُ أَجَلُهُ أَبْعَدَ مِنْ
أَبْعَدَ، فَآلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ تَعَجَّلَ الْأَقَلَّ وَهِيَ الْعَشَرَةُ عِنْدَ أَجَلِهَا خَمْسَةٌ مِنْهَا فِي نَظِيرِ الْخَمْسَةِ الَّتِي نَقَدَهَا وَخَمْسَةٌ يَدْفَعُ عَنْهَا سَبْعَةً عِنْدَ أَجَلِهَا وَصَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَعَجَّلَ الْأَقَلَّ عَلَى بَعْضِ الْأَكْثَرِ.
وَمِثَالُ مَا تَعَجَّلَ فِيهِ بَعْضَ الْأَقَلِّ عَلَى جَمِيعِ الْأَكْثَرِ: أَنْ يَبِيعَهَا بِالْعَشَرَةِ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا بِثَمَانِيَةٍ، أَرْبَعَةٍ مِنْهَا نَقْدًا وَأَرْبَعَةٍ لِلْأَجَلِ نَفْسِهِ، فَآلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّهُ عِنْدَ الْأَجَلِ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ فِي أَرْبَعَةٍ، وَيَأْخُذُ عَنْ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي نَقَدَهَا سِتَّةً.
وَمِثَالُ مَا عَجَّلَ فِيهِ بَعْضَ الْأَقَلِّ عَلَى بَعْضِ الْأَكْثَرِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا فِي الْفَرْضِ الْمَذْكُورِ بِثَمَانِيَةٍ، أَرْبَعَةٍ نَقْدًا وَأَرْبَعَةٍ لِأَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ، فَرَجَعَ الْحَالُ إلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ الْأَوَّلَ دَفَعَ عَشْرَةً عِنْدَ أَجَلِهَا، سِتَّةٌ مِنْهَا فِي نَظِيرِ الْأَرْبَعَةِ، وَالْأَرْبَعَةُ الْأُخْرَى يَأْخُذُ عَنْهَا أَرْبَعَةً عِنْدَ أَجَلِهَا.
وَلَمَّا كَانَ قَدْ يَعْرِضُ الْمَنْعُ لِلْجَائِزِ فِي الْأَصْلِ، وَالْجَوَازُ لِلْمُمْتَنِعِ؛ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ - مُشْبِهًا فِي الْمَنْعِ - قَوْلُهُ: (كَتَسَاوِي الْأَجَلَيْنِ) فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ (إنْ شَرَطَا) عِنْدَ الشِّرَاءِ (نَفْيَ الْمُقَاصَّةِ) وَسَوَاءٌ كَانَ الثَّمَنُ الثَّانِي مُسَاوِيًا لِلْأَوَّلِ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ (لِلدَّيْنِ بِالدَّيْنِ) : أَيْ لِابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ أَشْغَلَ ذِمَّةَ صَاحِبِهِ بِمَالِهِ عَلَيْهِ.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُمَا لَوْ شَرْطَاهَا أَوْ سَكَتَا جَازَ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ.
(وَلِذَا) : أَيْ وَلِأَنَّ لِلشَّرْطِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمُقَاصَّةِ تَأْثِيرًا ثُبُوتًا أَوْ نَفْيًا (صَحَّ) الْبَيْعُ (فِي أَكْثَرَ) مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ (لِأَبْعَدَ) مِنْ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ (إذَا شَرَطَاهَا)
[حاشية الصاوي]
الْأَجَلِ الْأَوَّلِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ أَوْ دُونَهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ الثَّانِي قَدْرَ الْأَوَّلِ جَازَ مُطْلَقًا فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مُنِعَتْ وَاحِدَةٌ وَهِيَ مَا إذَا كَانَ الْبَعْضُ مُؤَجَّلًا لِأَبْعَدَ.
قَوْلُهُ: [إنْ شَرَطَا] : هَكَذَا بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ مَعَ ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: إنْ شُرِطَ - بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ - كَانَ الشَّرْطُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا.
قَوْلُهُ: [صَحَّ الْبَيْعُ فِي أَكْثَرَ] : لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: " فِي أَكْثَرَ " لِأَبْعَدَ إذْ بَاقِي الصُّوَرِ الْمَمْنُوعَةِ كَذَلِكَ وَهِيَ شِرَاؤُهَا ثَانِيًا بِأَقَلَّ نَقْدًا أَوْ لِدُونِ الْأَجَلِ كَمَا فِي (ح) وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الدَّمْجِ.
لِلسَّلَامَةِ مِنْ دَفْعِ قَلِيلٍ فِي كَثِيرٍ، فَلَوْ سَكَتَا عَنْ شَرْطِهِمَا بَقِيَ الْمَنْعُ عَلَى أَصْلِهِ.
(وَمُنِعَ) الْبَيْعُ (بِذَهَبٍ) مُؤَجَّلٍ (وَ) شِرَاؤُهَا (بِفِضَّةٍ) وَعَكْسُهُ فِي الصُّوَرِ الِاثْنَتَيْ عَشَرَةَ - تَقَدَّمَتْ الْفِضَّةُ عَلَى الذَّهَبِ أَوْ تَأَخَّرَتْ - فَقَدْ صَارَتْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ صُورَةً (لِلصَّرْفِ الْمُؤَخَّرِ) : أَيْ تُهْمَةُ ذَلِكَ.
(وَلِذَا) أَيْ وَلِأَجْلِ أَنَّ تُهْمَةَ الصَّرْفِ الْمُؤَخَّرِ تُوجِبُ الْمَنْعَ لَوْ انْتَفَتْ التُّهْمَةُ كَمَا (لَوْ عَجَّلَ) مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ (أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمُتَأَخِّرِ جِدًّا) بِأَنْ تَبْلُغَ الْكَثْرَةُ النِّصْفَ فَأَكْثَرَ - كَبَيْعِ ثَوْبٍ بِدِينَارٍ أَوْ دِينَارَيْنِ لِشَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِسِتِّينَ دِرْهَمًا نَقْدًا وَصَرَفَ الدِّينَارَ عَشْرَةً.
(جَازَ) لِنَفْيِ التُّهْمَةِ إذْ الْعَاقِلُ لَا يُعَجِّلُ سِتِّينَ لِيَأْخُذَ مَا قِيمَتُهُ عَشْرَةٌ أَوْ عِشْرُونَ إلَّا لِقَصْدِ الْمَعْرُوفِ.
وَكَذَا إذَا بَاعَهُ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا لِشَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِسِتَّةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا فَأَكْثَرَ.
(وَ) مُنِعَ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ (بِسِكَّتَيْنِ إلَى أَجَلٍ) فِيهِمَا، وَسَوَاءٌ اتَّفَقَ الْأَجَلُ أَوْ اخْتَلَفَ - كَبَيْعِهِ بِعَشْرَةٍ يَزِيدِيَّةٍ لِشَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِمُحَمَّدِيَّةٍ لِذَلِكَ الشَّهْرِ أَوْ دُونَهُ أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُ (لِلدَّيْنِ بِالدَّيْنِ) تَسَاوَى الْعَدَدُ أَوْ اخْتَلَفَ.
وَلَا يُمْكِنُ هُنَا شَرْطُ الْمُقَاصَّةِ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بَقِيَ الْمَنْعُ عَلَى أَصْلِهِ] : أَيْ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَهِيَ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا، فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الَّتِي أَصْلُهَا الْمَنْعُ وَاَلَّتِي أَصْلُهَا الْجَوَازُ فَاَلَّتِي أَصْلُهَا الْجَوَازُ لَا يُفْسِدُهَا إلَّا شَرْطُ نَفْيِ الْمُقَاصَّةِ لَا السُّكُوتُ فَإِنَّ التُّهْمَةَ فِيهَا ضَعِيفَةٌ فَإِذَا شُرِطَ نَفْيُهَا تَحَقَّقَتْ التُّهْمَةُ، وَأَمَّا مَا أَصْلُهَا الْمَنْعُ فَلَا يَجُوزُ إلَّا إذَا شَرَطَاهَا لِأَنَّ التُّهْمَةَ فِيهَا قَوِيَّةٌ فَإِذَا شَرَطَاهَا بَعُدَتْ وَالسُّكُوتُ عَنْهَا لَا يَنْفِي الْمَنْعَ.
قَوْلُهُ: [فِي الصُّوَرِ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ] : حَاصِلُهَا أَنَّهُ إذَا بَاعَ فِضَّةً لِأَجَلٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِذَهَبٍ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الذَّهَبُ قِيمَةَ الْفِضَّةِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ الثَّانِي نَقْدًا أَوْ لِدُونِ الْأَجَلِ أَوْ لَهُ أَوْ لِأَبْعَدَ مِنْهُ فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً وَمِثْلُهَا يُقَالُ فِيمَا إذَا بَاعَ أَوَّلًا بِذَهَبٍ ثُمَّ اشْتَرَى بِفِضَّةٍ فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ كُلُّهَا مَمْنُوعَةٌ لِتُهْمَةِ الصَّرْفِ الْمُؤَخَّرِ، وَلِذَا لَوْ انْتَفَتْ التُّهْمَةُ جَازَ كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ وَلِذَا لَوْ عَجَّلَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمُتَأَخِّرِ جِدًّا جَازَ.
قَوْلُهُ: [أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْمُتَأَخِّرِ] : الْعِبْرَةُ بِالْكَثْرَةِ بِاعْتِبَارِ صَرْفِ الْمِثْلِ لَا بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ لِأَنَّ الْقِلَّةَ وَالْمُسَاوَاةَ وَالْكَثْرَةَ بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ إنَّمَا تَتَأَتَّى فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ.
إذْ شَرْطُهَا تَسَاوِي الدَّيْنَيْنِ قَدْرًا وَصِفَةً، مَفْهُومُ الْأَجَلِ جَوَازُ صُوَرِ النَّقْدِ مُطْلَقًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ صُوَرَ الْأَجَلِ كُلَّهَا مَمْنُوعَةٌ - وَهِيَ ثَمَانِي عَشْرَةَ - لِأَنَّ الثُّمُنَ الثَّانِيَ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِمِثْلِ أَجَلِ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يُسَاوِيَهُ فِي الْقَدْرِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَهَذِهِ تِسْعَةٌ وَفِي كُلٍّ مِنْهَا: إمَّا أَنْ يَبِيعَ بِالْجَيِّدِ وَيَشْتَرِيَ بِالرَّدِيءِ أَوْ عَكْسُهُ، وَصُوَرُ النَّقْدِ سِتَّةٌ لِأَنَّهُ: إمَّا مِثْلُ الْمُؤَجَّلِ قَدْرًا، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ.
وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَبِيعَ بِالْجَيِّدِ وَيَشْتَرِيَ بِالْأَدْنَى أَوْ عَكْسُهُ.
وَكُلُّهَا جَائِزَةٌ لِعَدَمِ شُغْلِ الذِّمَّتَيْنِ، فَمَجْمُوعُ الصُّوَرِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ، كَصُوَرِ الصَّرْفِ.
إلَّا أَنَّ صُوَرَهُ كُلَّهَا مَمْنُوعَةٌ لِلصَّرْفِ الْمُؤَخَّرِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِعَرَضٍ مُخَالِفٍ) لِمَا بَاعَهُ بِهِ فِي الْجِنْسِ - كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِدِينَارٍ أَوْ ثَوْبٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِشَاةٍ أَوْ ثَوْبٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَوَّلِ - (جَازَتْ) مِنْ الِاثْنَتَيْ عَشَرَةَ (ثَلَاثَةُ النَّقْدِ فَقَطْ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَرْضُ الْمَنْقُودُ قِيمَتُهُ قَدْرَ قِيمَةِ السِّلْعَةِ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَكُلُّهَا جَائِزَةٌ لِعَدَمِ شُغْلِ الذِّمَّتَيْنِ] : إلَخْ: فِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الْجَائِزُ مِنْهَا اثْنَتَانِ، وَهُمَا: مَا إذَا اشْتَرَى بِأَجْوَدَ أَكْثَرَ أَوْ مُسَاوِيًا.
وَالْأَرْبَعَةُ مَمْنُوعَةٌ وَهِيَ: مَا إذَا اشْتَرَى بِأَدْنَى أَكْثَرَ، أَوْ مُسَاوِيًا، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ بِأَجْوَدَ أَقَلَّ؛ لِأَنَّهُ - وَإِنْ انْتَفَى فِيهِ عِمَارَةُ الذِّمَّتَيْنِ - لَكِنْ وُجِدَ فِيهِ عِلَّةُ سَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا.
فَإِنْ قُلْتَ: إذَا كَانَ الْمَنْقُودُ أَدْنَى وَهُوَ مُسَاوٍ لِلْمُؤَجَّلِ فِي الْقَدْرِ كَيْفَ يُمْنَعُ مَعَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ جَوَازُ قَضَاءِ الْقَرْضِ بِالْأَفْضَلِ صِفَةً؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ مَحَلَّ جَوَازِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَدْخُولًا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَيُمْنَعُ وَمَا هُنَا مَدْخُولٌ عَلَيْهِ فَلْيُتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [إنْ اشْتَرَاهُ بِعَرْضٍ مُخَالِفٍ] : الْمُرَادُ بِالْعَرْضِ: مَا قَابَلَ الْعَيْنَ، فَيَشْمَلُ الطَّعَامَ وَالْحَيَوَانَ.
وَقَوْلُهُ مُخَالِفٍ لِمَا بَاعَهُ بِهِ فِي الْجِنْسِ، الْمُرَادُ بِالْجِنْسِ الصِّنْفُ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ مُخَالِفٍ: أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ بِمُوَافِقٍ لَهُ فِي الصِّنْفِ كَمَا لَوْ بَاعَ سِلْعَةً بِثَوْبٍ لِشَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ بِثَوْبٍ مِنْ صِنْفِهَا فَالشِّرَاءُ إمَّا نَقْدًا أَوْ لِدُونِ الْأَجَلِ أَوْ لِلْأَجَلِ لِأَبْعَدَ، وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الثَّوْبِ الثَّانِي مُسَاوِيَةً لِقِيمَةِ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً يُمْنَعُ مِنْهَا مَا عُجِّلَ فِيهِ الْأَقَلُّ وَهُوَ ثَلَاثُ صُوَرٍ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ
الَّتِي بَاعَ بِهَا أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ (وَمُنِعَتْ التِّسْعَةُ) الْبَاقِيَةُ (لِلدَّيْنِ بِالدَّيْنِ) .
(وَلَوْ اشْتَرَى) مَا بَاعَهُ (بِأَقَلَّ) مِمَّا بَاعَهُ بِهِ (لِلْأَجَلِ) نَفْسِهِ (أَوْ لِأَبْعَدَ) مِنْهُ - وَقُلْنَا بِالْجَوَازِ - (ثُمَّ رَضِيَ) الْمُشْتَرِي الثَّانِي (بِالتَّعْجِيلِ) : أَيْ تَعْجِيلِ الْأَقَلِّ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ (فَالْأَرْجَحُ) مِنْ الْقَوْلَيْنِ (الْمَنْعُ) نَظَرًا لِمَا آلَ إلَيْهِ الْأَمْرُ مِنْ أَنَّهُ دَفَعَ قَلِيلًا عَادَ إلَيْهِ كَثِيرًا، وَقِيلَ بِالْجَوَازِ نَظَرًا إلَى حَالِ الْعَقْدِ.
(وَالْمِثْلِيُّ) مِنْ مَكِيلٍ - كَبُرٍّ أَوْ مَوْزُونٍ كَسَمْنٍ وَنُحَاسٍ، أَوْ مَعْدُودٍ كَبِيضٍ - (الْمُوَافِقُ لِمَا بَاعَهُ لِأَجَلٍ) كَشَهْرٍ (صِفَةً وَقَدْرًا كَعَيْنِهِ) : أَيْ كَعَيْنِ مَا بَاعَهُ.
فَمَنْ بَاعَ إرْدَبَّ قَمْحٍ أَوْ قِنْطَارَيْنِ بِعَشْرَةٍ لِشَهْرٍ ثُمَّ اشْتَرَى مِنْ الْمُشْتَرِي مِثْلَهُ فَفِيهِ اثْنَتَا عَشَرَةَ صُورَةً، لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ اشْتَرَى عَيْنَ مَا بَاعَهُ، فَإِمَّا نَقْدًا أَوْ لِأَجَلٍ أَوْ لِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ (فَيُمْنَعُ) مِنْهَا الصُّوَرُ الثَّلَاثُ وَهِيَ:
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَمُنِعَتْ التِّسْعَةُ الْبَاقِيَةُ] : أَيْ وَهِيَ مَا أُجِّلَ فِيهِ الثَّمَنَانِ سَوَاءٌ كَانَ أَجَلُ الثَّانِي مُسَاوِيًا لِلْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَبْعَدَ، كَانَتْ قِيمَةُ الْعَرْضِ الْمُشْتَرَى بِهِ قَدْرَ قِيمَةِ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ.
قَوْلُهُ: [لِلدَّيْنِ بِالدَّيْنِ] : أَيْ لِابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَلَا يَتَأَتَّى هُنَا اشْتِرَاطُ الْمُقَاصَّةِ لِاخْتِلَافِ الدَّيْنَيْنِ وَشَرْطُهَا اتِّحَادُهُمَا جِنْسًا وَصِفَةً كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [فَالْأَرْجَحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ الْمَنْعُ] : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ هُوَ الرَّاجِحَ لِعِلَّتِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ إذَا اشْتَرَى بِأَكْثَرَ لِلْأَجَلِ ثُمَّ تَرَاضَيَا عَلَى التَّأْخِيرِ أَوْ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ نَقْدًا أَوْ لِدُونِ الْأَجَلِ ثُمَّ رَضِيَ بِالتَّأْخِيرِ لِأَبْعَدَ، فَالْمَدَارُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى كَوْنِهِ وَقَعَ جَائِزًا ثُمَّ آلَ لِلْمَنْعِ فَهَلْ يَجُوزُ نَظَرًا لِلْعَقْدِ أَوْ يُمْنَعُ نَظَرًا لِمَا آلَ إلَيْهِ الْأَمْرُ قَوْلَانِ.
وَيَجْرِي هَذَانِ الْقَوْلَانِ فِيمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِعَشْرَةٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ أَتْلَفَهَا عَلَى الْمُشْتَرِي وَكَانَتْ قِيمَتُهَا حِينَ الْإِتْلَافِ ثَمَانِيَةً وَغَرِمَهَا لِلْمُشْتَرِي حَالًا، فَإِذَا جَاءَ الْأَجَلُ هَلْ يُمَكَّنُ الْبَائِعُ مِنْ أَخْذِهِ مِنْ الْمُشْتَرِي مَا زَادَهُ الثَّمَنُ عَلَى الْقِيمَةِ وَهُوَ الدِّرْهَمَانِ فَيَأْخُذُ الْعَشَرَةَ بِتَمَامِهَا أَوْ لَا يُمَكَّنُ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ الثَّمَانِيَةَ الَّتِي دَفَعَهَا وَيَسْقُطُ عَنْ الْمُشْتَرِي الدِّرْهَمَانِ؟ وَالظَّاهِرُ مِنْهُمَا الْأَوَّلُ لِبُعْدِ التُّهْمَةِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ قِنْطَارَيْنِ] : أَيْ فَلَا فَرْقَ فِي الْمِثْلِيِّ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ رِبَوِيًّا كَإِرْدَبِّ قَمْحٍ أَوْ غَيْرِهِ كَقِنْطَارَيْنِ.
(مَا عُجِّلَ فِيهِ الْأَقَلُّ) بِأَنْ اشْتَرَاهُ بِثَمَانِيَةٍ نَقْدًا أَوْ لِأَجَلٍ أَقْرَبَ أَوْ اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا بَاعَ بِهِ لِأَبْعَدَ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ غَابَ مُشْتَرِيهِ) : أَيْ مُشْتَرِي الْمِثْلِيِّ الْأَوَّلِ (بِهِ) غَيْبَةً يُمْكِنُهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ (مُنِعَ أَيْضًا) : صُورَتَانِ بَقِيَّةُ صُوَرِ الْأَقَلِّ وَهُوَ مَا إذَا اشْتَرَاهُ (بِأَقَلَّ) مِمَّا بَاعَ بِهِ (لِأَجَلِهِ أَوْ لِأَبْعَدَ) : لِأَنَّ الْغَيْبَةَ عَلَى الْمِثْلِيِّ تُعَدُّ سَلَفًا لِكَوْنِهِ لَا يُعْلَمُ بِعَيْنِهِ فَكَأَنَّهُ تَسَلَّفَ وَرَدَّهُ لِرَبِّهِ وَأَعْطَاهُ عِنْدَ الْأَجَلِ دِرْهَمَيْنِ فِي نَظِيرِ تَسَلُّفِهِ وَالثَّمَانِيَةُ فِي نَظِيرِ الثَّمَانِيَةِ.
فَعُلِمَ أَنَّهُ إذَا بَاعَ مِثْلِيًّا وَغَابَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ يَمْتَنِعُ خَمْسُ صُوَرٍ: أَرْبَعٌ صُوَرُ الْأَقَلِّ، وَمَا إذَا اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ لِأَبْعَدَ.
(وَ) أَمَّا (إنْ بَاعَ مُقَوَّمًا) كَثَوْبٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ أَرْضٍ وَاشْتَرَى مِثْلَهُ (فَمِثْلُهُ كَغَيْرِهِ) فَتَجُوزُ الصُّوَرُ كُلُّهَا.
(كَتَغَيُّرِهَا) : أَيْ السِّلْعَةِ الَّتِي بَاعَهَا تَغَيُّرًا (كَثِيرًا) عِنْدَ مُشْتَرِيهَا مِنْهُ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بَائِعُهَا مِنْهُ فَتَجُوزُ الصُّوَرُ كُلُّهَا.
وَكُلُّ مَا تَقَدَّمَ إذَا اشْتَرَى كُلَّ مَا بَاعَ.
(وَإِنْ اشْتَرَى بَعْضَ مَا بَاعَ) كَمَا لَوْ بَاعَ ثَوْبَيْنِ بِعِشْرِينَ لِشَهْرٍ فَاشْتَرَى أَحَدَهُمَا بِثَمَنٍ (لِأَبْعَدَ) مِنْ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ (مُطْلَقًا) بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ (أَوْ بِأَقَلَّ) مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ (نَقْدًا، أَوْ لِدُونِ الْأَجَلِ، امْتَنَعَ) فِي الْخَمْسِ صُوَرٍ؛ لِمَا فِي الْمُسَاوِي وَالْأَكْثَرِ مِنْ سَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا، وَلِمَا فِي الْأَقَلِّ نَقْدًا أَوْ لِدُونِ الْأَجَلِ أَوْ لِأَبْعَدَ.
مِنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ.
وَإِذَا اشْتَرَاهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ بِأَكْثَرَ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْغَيْبَةَ عَلَى الْمِثْلِيِّ تُعَدُّ سَلَفًا] : أَيْ وَالْمُسَلَّفُ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ الْمَمْنُوعَةِ الْمُشْتَرِي إلَّا فِيمَا اشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ لِأَبْعَدَ فَإِنَّ الْمُسَلَّفَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ يَدْفَعُ ثَمَانِيَةً مَثَلًا عَنْ الْأَجَلِ يَأْخُذُ بَعْدَ شَهْرٍ عَشْرَةً.
(3) قَوْلُهُ: [لِمَا فِي الْمُسَاوِي وَالْأَكْثَرُ مِنْ سَلَفٍ جَرَّ نَفْعًا] : أَيْ وَالْمُسَلَّفُ فِيهِمَا هُوَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ، فَالسِّلْعَةُ الَّتِي رَجَعَتْ لِلْبَائِعِ الْأَوَّلِ كَأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ وَصَارَ الثَّمَنُ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ سَلَفًا يَأْخُذُ عَنْهُ بَعْدَ شَهْرٍ مِثْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ فَقَدْ انْتَفَعَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ بِالسِّلْعَةِ الَّتِي بَقِيَتْ عِنْدَهُ فِيمَا إذَا عَادَ إلَيْهِ مِثْلُ دَرَاهِمِهِ، أَوْ بِهَا وَبِالزِّيَادَةِ إنْ عَادَ إلَيْهِ أَكْثَرُ:
قَوْلُهُ: [مِنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ] : أَمَّا إذَا كَانَ الشِّرَاءُ نَقْدًا أَوْ لِدُونِ الْأَجَلِ،