حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالكصفحات 764-803
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(وَ) يَجِبُ عَلَى الْعَائِدِ أَنْ (لَا يُقَنِّطَهُ) مِنْ الْعَافِيَةِ إذْ فِيهِ غَايَةُ الْأَذِيَّةِ، وَيُنْدَبُ تَقْلِيلُ السُّؤَالِ عَنْ حَالِهِ، فَكَثْرَتُهُ مَكْرُوهَةٌ، وَقَدْ يَحْرُمُ وَيُنْدَبُ أَنْ يُظْهِرَ لَهُ الشَّفَقَةَ فَعَدَمُ ظُهُورِهَا بِالسُّكُوتِ خِلَافُ الْأَوْلَى وَبِإِظْهَارِ ضِدِّهَا مِنْ التَّشَفِّي فِيهِ حَرَامٌ لِلْأَذِيَّةِ وَيُنْدَبُ الْخُشُوعُ حَالَ الْجُلُوسِ عِنْدَهُ وَأَنْ يُبَشِّرَهُ بِثَوَابِ الْمَرِيضِ وَيَطْلُبَ مِنْ الْمَرِيضِ أَنْ لَا يُضَيِّعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الطَّاعَةِ وَأَنْ يُكْثِرَ الرَّجَاءَ وَعَدَمَ التَّشَكِّي إلَّا لِمَنْ يُرْجَى دُعَاؤُهُ وَلَا يَخْرُجُ فِي كَلَامِهِ وَلَا يَتَوَكَّلُ عَلَى طَبِيبٍ عِنْدَ الدَّوَاءِ.

(وَنُدِبَ لِلْعَاطِسِ) حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي الصَّلَاةِ (حَمْدُ اللَّهِ) : أَيْ قَوْلُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَطْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَقِيلَ: يَزِيدُ " رَبِّ الْعَالَمِينَ " كَفِعْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقِيلَ: يَزِيدُ " عَلَى كُلِّ حَالٍ " كَفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ.
وَقِيلَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَفِعْلِ غَيْرِهِمَا.
(وَ) يَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَ الْعَاطِسَ الْمُسْلِمَ - كِفَايَةً - حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْمُشَمِّتُ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَكُنْ الْعَاطِسُ امْرَأَةً يُخْشَى مِنْ كَلَامِهَا الْفِتْنَةُ وَإِلَّا فَلَا تَشْمِيتَ - (تَشْمِيتُهُ بِيَرْحَمُكَ اللَّهُ) بِدُونِ مِيمِ الْجَمْعِ، فَإِنْ كَانَ الْعَاطِسُ كَافِرًا قَالَ لَهُ هَدَاك اللَّهُ (إنْ سَمِعَهُ) : أَيْ سَمِعَهُ يَحْمَدُ اللَّهَ أَوْ سَمِعَ شَخْصًا يُشَمِّتُهُ، لِكَوْنِ ذَلِكَ الشَّخْصِ سَمِعَ حَمْدَهُ، لَكِنْ يُقَالُ حَيْثُ شَمَّتَهُ الْغَيْرُ سَقَطَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ؟ نَعَمْ، عَلَى قَوْلِ

[حاشية الصاوي]

وَالْأَصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمُ.
قَوْلُهُ: [وَيَطْلُبُ مِنْ الْمَرِيضِ] : أَيْ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ فِي الْوَاجِبِ وَالنَّدْبِ فِي الْمَنْدُوبِ وَيَكُونُ عَلَى حَسْبِ الطَّاقَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَخْرُجُ فِي كَلَامِهِ] : أَيْ عَنْ الْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْكَلِمَاتِ الْمُسْتَقْبَحَةِ شَرْعًا.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَتَوَكَّلُ عَلَى طَبِيبٍ عِنْدَ الدَّوَاءِ] : أَيْ بَلْ يُقْصِرُ تَوَكُّلَهُ عَلَى اللَّهِ وَالتَّدَاوِي لَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.

[مَا يَنْبَغِي لِلْعَاطِسِ]

قَوْلُهُ: [حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي الصَّلَاةِ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ كَانَ فِيهَا فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ مَعَ صِحَّةِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: [حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْمُشَمِّتُ فِي الصَّلَاةِ] : أَيْ فَإِنْ كَانَ فِيهَا وَشَمَّتَ غَيْرَهُ بَطَلَتْ إنْ كَانَ مُتَعَمِّدًا عَالِمًا أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَإِلَّا سَجَدَ لِلسَّهْوِ.
قَوْلُهُ: [تَشْمِيتُهُ] : أَيْ وَلَوْ تَسَبَّبَ فِي الْعُطَاسِ.

صَاحِبِ الْبَيَانِ إنَّ التَّشْمِيتَ فَرْضُ عَيْنٍ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حَقًّا عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُك اللَّهُ» فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ إلَخْ فَلَا يَطْلُبُ التَّشْمِيتَ نَعَمْ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يُذَكِّرَهُ كَمَا قَالَ.
(وَتَذْكِيرُهُ إنْ نَسِيَ) الْعَاطِسُ الْحَمْدَ لِلَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنْ عَطَسَ فَوْقَ ثَلَاثٍ سَقَطَ طَلَبُ التَّشْمِيتِ وَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ مَضْنُوكٌ، أَيْ مَزْكُومٌ عَافَاك اللَّهُ، وَهَذَا إنْ تَوَالَى الزَّائِدُ وَإِلَّا فَيُشَمَّتُ.
(وَيُنْدَبُ) لِلْعَاطِسِ (رَدُّهُ بِيَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ) بِمِيمِ الْجَمْعِ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تُشَمِّتُ (أَوْ) يَرُدُّ بِقَوْلِهِ: (يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) حَالَكُمْ وَالْأَوْلَى الْجَمْعُ.
لَا يُقَالُ الدُّعَاءُ بِالْهِدَايَةِ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ بِالْهِدَايَةِ لِتَفَاصِيلِ الْإِيمَانِ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِطَلَبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6] (اهـ مُلَخَّصًا) شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

(وَنُدِبَ لِمُتَثَائِبٍ) بِالْمُثَلَّثَةِ وَبِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ لَا بِالْوَاوِ أَيْ لِمَنْ فَتَحَ فَاهُ بِسَبَبِ الْبُخَارَاتِ الْمُجْتَمِعَةِ مِنْ الْأَكْلِ الْكَثِيرِ وَمِنْ الشَّيْطَانِ لِلْكَسَلِ وَلِذَا لَمْ يَتَثَاءَبْ نَبِيٌّ.
(وَضْعُ يَدٍ) يُمْنَى أَوْ ظَهْرِ الْيُسْرَى أَوْ أَيِّ شَيْءٍ يَمْنَعُ دُخُولَ الشَّيْطَانِ فِي فِيهِ وَبَعْدَ التَّثَاؤُبِ يَتْفُلُ بِرِيقٍ خَفِيفٍ ثَلَاثًا إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ (وَلَا يَعْوِي كَالْكَلْبِ) لِأَنَّهُ فِعْلٌ قَبِيحٌ عُرْفًا.

(وَنُدِب

َ كَثْرَةُ الِاسْتِغْفَارِ)

لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَتَذْكِيرُهُ إنْ نَسِيَ] : أَيْ بِأَنْ يَقُولَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ يَسْبِقَنَّ عَاطِسًا بِالْحَمْدِ يَأْمَنْ مِنْ ... شَوْصٍ وَلَوْصٍ وَعِلَّوْصٍ كَذَا وَرَدَا عَنَيْت بِالشَّوْصِ دَاءَ الضِّرْسِ ثُمَّ بِمَا ... يَلِيه لِلْأُذُنِ وَالْبَطْنِ اسْتَمَعَ رَشَدَا

[مَا يَنْبَغِي لِلْمُتَثَائِبِ]

قَوْلُهُ: [بِسَبَبِ الْبُخَارَاتِ الْمُجْتَمِعَةِ] : أَيْ وَقَدْ يَكُونُ لِمَرَضٍ.
قَوْلُهُ: [أَوْ ظَهْرِ الْيُسْرَى] : أَيْ لَا بَاطِنَهَا؛ لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِإِزَالَةِ الْأَقْذَارِ.
قَوْلُهُ: [إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ] : أَيْ وَأَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَيُبْطِلُهَا التُّفْلُ إنْ كَانَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا.

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: 10] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: 20] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إلَيْهِ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ» . وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ حَسَنَةً» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الِاسْتِغْفَارُ مِمْحَاةٌ لِلذُّنُوبِ» .

(وَ) يُنْدَبُ (الدُّعَاءُ) قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60] إنْ قُلْت وَعْدُهُ حَقٌّ فَإِذَا طَلَبَ الْعَبْدُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي عِلْمِهِ حُصُولُهُ فَيَلْزَمُ إمَّا إخْلَافُ الْوَعْدِ أَوْ غَيْرُ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْعِلْمُ.
قُلْت أُجِيبَ بِأَنَّ وَعْدَهُ تَعَالَى بِالْإِجَابَةِ لَا بِخُصُوصِ الْمَطْلُوبِ أَوْ أَنَّهُ لَا يُوَفَّقُ لِطَلَبِ مَا لَمْ يَعْلَمْ حُصُولَهُ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الدُّعَاءُ مِفْتَاحُ الرَّحْمَةِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «الدُّعَاءُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ» وَفِي رِوَايَةٍ «الدُّعَاءُ جُنْدٌ مِنْ أَجْنَادِ اللَّهِ» .

[حاشية الصاوي]

[كَثْرَةُ الِاسْتِغْفَارِ]

قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ] : بَالَغَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ

[الدُّعَاء]

قَوْلُهُ: [أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ] إلَخْ: الْأَوَّلُ فِي كُلٍّ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ وَالثَّانِي مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، وَمَعْنَى الْجَمِيعِ ظَاهِرٌ

[التَّعَوُّذُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ] (وَ) يُنْدَب

ُ (التَّعَوُّذُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ)

كَعِنْدِ دُخُولِ الْمَنْزِلِ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَعِنْدَ الْخُرُوجِ كَمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْمَنْزِلِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَذِلَّ أَوْ أُذَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» وَرُوِيَ إذَا قَالَ عِنْدَ خُرُوجِهِ «بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ قَالَ كُفِيت وَهُدِيت وَوُقِيت فَتَنْفِرُ عَنْهُ الشَّيَاطِينُ» الْحَدِيثُ.
(وَأَحْسَنُهُ: مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ) نَحْوُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201] (وَالسُّنَّةِ) كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ» الْحَدِيثَ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ» وَقَدْ عَلَّمَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَجُلٍ أَتْعَبَهُ الدَّيْنُ قَالَ الرَّجُلُ فَبَعْدَ مُدَّةٍ قَلِيلَةٍ فَاضَ خَيْرِي عَلَى الْجِيرَانِ (وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ النَّوْمِ) فَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ النَّوْمِ يَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ بَعْدَ أَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بِاسْمِك وَضَعْت جَنْبِي وَبِاسْمِك أَرْفَعُهُ اللَّهُمَّ إنْ أَمْسَكْت نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا وَإِنْ أَرْسَلْتهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ الصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِك اللَّهُمَّ إنِّي أَسْلَمْت نَفْسِي إلَيْك وَأَلْجَأْت ظَهْرِي إلَيْك وَفَوَّضْت أَمْرِي إلَيْك وَوَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك رَهْبَةً مِنْك وَرَغْبَةً إلَيْك لَا مَنْجَا وَلَا مَلْجَأَ مِنْك إلَّا إلَيْك أَسْتَغْفِرُك وَأَتُوبُ إلَيْك آمَنْت بِكِتَابِك الَّذِي

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [الْحَدِيثُ] : تَمَامُهُ: «وَيَقُولُونَ مَا تَصْنَعُونَ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ كُفِيَ وَهُدِيَ وَرُقِيَ» أَفَادَهُ النَّفْرَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: «لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ الْحَدِيثُ تَمَامُهُ: خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُك وَأَنَا عَلَى عَهْدِك وَوَعْدِك مَا اسْتَطَعْت أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْت أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ» . قَوْلُهُ: [وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ النَّوْمِ وَالْمَوْتِ] : هَكَذَا فِي نُسْخَةٍ وَقَدْ شَرَحَ عَلَيْهَا الشَّارِحُ وَفِي نُسْخَةٍ بِأَيْدِينَا لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ.

أَنْزَلْت وَآمَنْت بِرَسُولِك الَّذِي أَرْسَلْت فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت أَنْتَ إلَهِي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ رَبِّ قِنِي عَذَابَك يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَك» . (وَ) خُصُوصًا يَتَأَكَّدُ الدُّعَاءُ عِنْدَ عَلَامَاتِ (الْمَوْتِ) فَإِنَّهُ وَقْتُ شِدَّةٍ وَحُضُورِ الْفَتَّانَاتِ وَيَدْعُو بِنَحْوِ: «رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْك رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَكَرَاتِ الْمَوْتِ» .

(وَيَجُوزُ الرُّقَى) جَمْعُ رُقْيَةٍ وَتَكُونُ (بِأَسْمَاءِ اللَّهِ) وَبِأَسْمَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّالِحِينَ (وَبِالْقُرْآنِ) وَيَتَحَرَّى مَا يُنَاسِبُ وَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ كُلُّهُ شِفَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 82] لِلْبَيَانِ (وَقَدْ وَرَدَ) الرُّقَى بِأَسْمَاءِ اللَّهِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعَوِّذُ أَهْلَ بَيْتِهِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: «فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت» : تَعْلِيمٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأُمَّتِهِ لِعِصْمَتِهِ مِنْ الذُّنُوبِ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَهَذَا الدُّعَاءُ مَجْمُوعٌ مِنْ عِدَّةِ أَحَادِيثَ مَعَ زِيَادَةٍ وَنَقْصٍ غَيْرِ مُخِلَّيْنِ.

[حُكْم الرقي]

قَوْلُهُ: [وَيَجُوزُ الرُّقَى] : عَبَّرَ بِالْجَوَازِ رَدًّا عَلَى مَنْ تَوَهَّمَ الْمَنْعَ وَاسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا» إلَخْ وَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: [وَيَتَحَرَّى مَا يُنَاسِبُ] : أَيْ وَالْأَوْلَى تَحَرِّي الْآيَاتِ وَالسُّوَرِ الَّتِي وَرَدَ اسْتِعْمَالُهَا فِي التَّعَوُّذَاتِ وَالرُّقَى.
قَوْلُهُ: [عَلَى أَنَّ مَنْ] إلَخْ: أَيْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَأَيُّ آيَةٍ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ شِفَاءٌ وَلَوْ اشْتَمَلَتْ عَلَى ذَمٍّ؛ لِأَنَّ شِفَاءَهَا مِنْ حَيْثُ تَنَزُّلِهَا مِنْ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: [كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ] : أَيْ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْعَاصِ: «أَنَّهُ شَكَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ضَعْ يَدَك عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِك وَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ.
قَالَ فَفَعَلْت ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ مِنْ الْأَلَمِ فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهَا أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ» (اهـ) وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ يَقُولُ هَذَا إذَا رَقَى نَفْسَهُ فَإِنْ رَقَى غَيْرَهُ قَالَ أُعِيذُهُ أَوْ أُعِيذُهَا بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا يَجِدُ وَيُحَاذِرُ.

«اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبْ الْبَاسَ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُك شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» وَأَقَرَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ رَقَى بِالْفَاتِحَةِ وَقَالَ: «أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» «وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ الْإِخْلَاصَ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَيَنْفُثُ فِي يَدَيْهِ وَيَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ» . (وَ) تَجُوزُ (التَّمِيمَةُ) أَيْ الْوَرَقَةُ الْمَشْمُولَةُ (بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَالْقُرْآنِ لِمَرِيضٍ وَصَحِيحٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَبَهِيمَةٍ بَعْدَ جَعْلِهَا فِيمَا يَقِيهَا، وَلَا يُرْقَى بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي لَمْ يُعْرَفْ مَعْنَاهَا قَالَ مَالِكٌ مَا يُدْرِيك لَعَلَّهَا كُفْرٌ،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَقَالَ أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ] : أَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا بِكُمْ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ إنِّي وَاَللَّهِ لَأَرْقِي وَلَكِنْ وَاَللَّهِ لَقَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ فَانْطَلَقَ وَجَعَلَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ قَالَ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ اقْتَسِمُوا فَقَالَ الَّذِي رَقَى لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ وَمَا يُدْرِيك أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ فَقَالَ قَدْ أَصَبْتُمْ اقْتَسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» (اهـ مِنْ مُخْتَصَرِ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ) فَقَوْلُهُ: إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ قَالَهُ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ تِلْكَ الْقِصَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ] : أَيْ وَجُنُبٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يُرْقَى بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي لَمْ يُعْرَفْ مَعْنَاهَا] : أَيْ مَا لَمْ تَكُنْ مَرْوِيَّةً عَنْ ثِقَةٍ كَالْمَأْخُوذَةِ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ كَدَائِرَتِهِ وَالْأَسْمَاءِ الَّتِي فِي أَحْزَابِ السَّيِّدِ الدُّسُوقِيِّ والجلجلوتية.

وَكَرِهَ مَالِكٌ الرُّقْيَةَ بِالْحَدِيدِ وَالْمِلْحِ وَنَحْوِ خَاتَمِ سُلَيْمَانَ وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الْقَدِيمِ.
إنْ قُلْت قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَهُمْ الَّذِينَ يَرْقُونَ وَلَا يَسْتَرِقُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» وَالْجَوَابُ: أَنَّ الِاسْتِرْقَاءَ مَطْلُوبٌ لِمَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى أَلَمِ الْمَرَضِ وَلَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ وَيَكُونُ النَّفْيُ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ إلَخْ.

(وَ) يَجُوزُ (التَّدَاوِي) وَقَدْ يَجِبُ وَسَوَاءٌ كَانَ التَّدَاوِي (ظَاهِرًا) فِي ظَاهِرِ الْجَسَدِ كَوَضْعِ دَوَاءٍ عَلَى جُرْحٍ (وَبَاطِنًا) كَسَفُوفٍ وَشُرْبَةٍ لِوَجَعِ الْبَاطِنِ وَيَكُونُ (مِمَّا عُلِمَ نَفْعُهُ فِي) عِلْمِ (الطِّبِّ) وَأَلَّا يَحْصُلَ ضَرَرٌ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ وَإِذَا عَالَجَ طَبِيبٌ عَارِفٌ وَمَاتَ الْمَرِيضُ مِنْ عِلَاجِهِ الْمَطْلُوبِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَأَفْضَلُ الدَّوَاءِ خِفَّةُ الْمَعِدَةِ إذْ التُّخَمَةُ أَصْلُ كُلِّ دَاءٍ.

(وَ) تَجُوزُ (الْحِجَامَةُ) بِمَعْنَى تُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَقَدْ تَجِبُ وَيَنْبَغِي تَرْكُهَا يَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَرْبِعَاءِ لِمَا وَرَدَ: «مَنْ احْتَجَمَ يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَأَصَابَهُ مَرَضٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» فَقَدْ احْتَجَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَمَرِضَ، فَرَأَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَنَامِهِ فَشَكَا إلَيْهِ مَا بِهِ فَقَالَ: أَمَا سَمِعْت مَنْ احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ؟ إلَخْ فَقَالَ: نَعَمْ وَلَكِنْ لَمْ يَصِحَّ، فَقَالَ: أَمَا يَكْفِيك قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ ، قَالَ الْغَزَالِيُّ:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَالْجَوَابُ أَنَّ الِاسْتِرْقَاءَ] إلَخْ: وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ النَّهْيَ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا اُعْتُقِدَ أَنَّ الرُّؤْيَا تُؤَثِّرُ بِنَفْسِهَا أَوْ بِقُوَّةٍ أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِيهَا، فَإِنَّ الْأَوَّلَ كُفْرٌ وَالثَّانِيَ فِسْقٌ.

[حُكْم التَّدَاوِي]

قَوْلُهُ: [وَأَلَّا يَحْصُلَ ضَرَرٌ] إلَخْ: مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: بِمَا عُلِمَ نَفْعُهُ أَيْ وَإِلَّا بِأَنْ تَدَاوَى بِمَا لَمْ يُعْلَمْ نَفْعُهُ يَحْصُلُ الضَّرَرُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: [وَأَفْضَلُ الدَّوَاءِ] إلَخْ: أَيْ لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ وَالْحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ وَأَصْلُ كُلِّ دَاءٍ الْبَرَدَةُ» .

[حُكْم الْحَجَّامَة]

قَوْلُهُ [وَيَنْبَغِي تَرْكُهَا يَوْمَ السَّبْتِ] : أَيْ لِغَيْرِ قَوِيِّ الْيَقِينِ وَلِغَيْرِ الْمُقْتَدَى بِهِ وَأَمَّا هُمَا فَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا التَّحَرُّزُ مِنْ تِلْكَ الْأَيَّامِ لِقَوْلِ مَالِكٍ: لَا تُعَادِ الْأَيَّامَ فَتُعَادِيَك.

لَا يُنْظَرُ لِلصِّحَّةِ إلَّا فِي بَابِ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْمُرَاعَاةِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ.

(وَ) يَجُوزُ (الْفَصْدُ) قَطْعُ الْعِرْقِ لِاسْتِخْرَاجِ الدَّمِ الَّذِي يُؤْذِي الْجَسَدَ (وَ) يَجُوزُ التَّدَاوِي بِ (الْكَيِّ) الْحَرْقِ بِالنَّارِ وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ وَقِيلَ يُكْرَهُ فَفِي التَّدَاوِي بِالنَّارِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَقَوْلُهُ اُحْتِيجَ لَهُ أَيْ لِلدَّوَاءِ بِمَا تَقَدَّمَ.

(وَجَازَ قَتْلُ كُلِّ مُؤْذٍ) مَا شَأْنُهُ الْإِيذَاءُ وَلَوْ لَمْ يُؤْذِ بِالْفِعْلِ ثُمَّ بَيَّنَ بَعْضَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (مِنْ فَأْرٍ وَغَيْرِهِ) كَابْنِ عِرْسٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَيْتَةَ الثُّعْبَانِ وَالسِّحْلِيَّةِ وَبِنْتِ عِرْسٍ وَالْوَزَغِ نَجِسَةٌ إذْ كُلُّهَا ذُو نَفْسٍ سَائِلَةٍ وَيَجُوزُ أَكْلُ الْجَمِيعِ بِالتَّذْكِيَةِ إلَّا لِضَرَرٍ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ بِحُرْمَةِ أَكْلِ بِنْتِ عِرْسٍ فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُورِثُ الْعَمَى.
(وَكُرِهَ حَرْقُ الْقَمْلِ وَالْبُرْغُوثِ وَنَحْوِهِمَا) كَبَقٍّ وَجَمِيعِ خَشَاشِ الْأَرْضِ بِالنَّارِ وَلَا يُكْرَهُ بِشَمْسٍ وَلَا قَصْعٍ أَوْ فَرْكٍ وَلَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِيهَا الْإِيذَاءَ وَإِنْ لَمْ تُؤْذِ بِالْفِعْلِ كُرِهَ بِالنَّارِ لِمَا فِيهَا مِنْ التَّعْذِيبِ وَلَمْ يَحْرُمْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَتْلَ جَمِيعِ الْحَشَرَاتِ بِالنَّارِ مَكْرُوهٌ وَبِغَيْرِهَا جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ أَذِيَّةٌ بِالْفِعْلِ وَأَمَّا النَّمْلُ بِالنُّونِ وَالنَّحْلُ - بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - وَالْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ فَإِنْ حَصَلَ مِنْهَا أَذِيَّةٌ وَلَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَرْكِهَا فَيَجُوزُ قَتْلُهَا وَلَوْ بِالنَّارِ فَإِنْ لَمْ تُؤْذِ حَرُمَ قَتْلُهَا وَلَوْ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [لَا يُنْظَرُ لِلصِّحَّةِ إلَّا فِي بَابِ الْأَحْكَامِ] : أَيْ التَّكْلِيفِيَّةِ وَالْوَضْعِيَّةِ وَأَمَّا فَضَائِلُ الْأَعْمَالِ وَالْآدَابُ الْحُكْمِيَّةُ فَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ بَلْ يَتَأَنَّسُ لَهَا بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ وَبِالْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ السَّلَفِ.
قَوْلُهُ: [الْأَمْرُ بِمُرَاعَاةِ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ] إلَخْ: أَيْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْحِجَامَةِ فِيهِمَا.

[حُكْم التَّدَاوِي بِالْكَيِّ]

قَوْلُهُ: [فَفِي التَّدَاوِي بِالنَّارِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ] : إنَّمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ: شَرْطَةِ مِحْجَمٍ وَشَرْبَةِ عَسَلٍ وَكَيَّةِ نَارٍ وَلَا أُحِبُّ الِاكْتِوَاءَ» .

[قَتْلُ الْحَيَوَان الْمُؤْذِي]

قَوْلُهُ: [كَابْنِ عِرْسٍ] : أَدْخَلَتْ الْكَافُ بَاقِيَ مَا وَرَدَ إبَاحَةُ قَتْلِهَا فِي الْحِلِّ وَالْحُرُمِ لِلْمُحَرَّمِ وَغَيْرِهِ، بَلْ وَمَا يُؤْذِي مِنْ بَنِي آدَمَ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ وَسَلْبِ الْأَمْوَالِ وَهَتْكِ الْحَرِيمِ.
قَوْلُهُ: [وَبِغَيْرِهَا جَائِزٌ] : ظَاهِرُهُ يَشْمَلُ الْمَاءَ لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ الْمَاءَ كَالنَّارِ فِي الْكَرَاهَةِ.
قَوْلُهُ: [وَالصُّرَدُ] : هَكَذَا بِوَزْنِ زُحَلَ.

بِغَيْرِ النَّارِ فَإِنْ آذَتْ وَقُدِرَ عَلَى تَرْكِهَا فَيُكْرَهُ الْقَتْلُ وَلَوْ بِالنَّارِ وَهَلْ الْمَنْهِيُّ عَنْ قَتْلِهِ مُطْلَقُ النَّمْلِ أَوْ خُصُوصُ الْأَحْمَرِ الطَّوِيلِ الْأَرْجُلِ لِعَدَمِ أَذِيَّتِهِ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ فَشَأْنُهُ الْإِيذَاءُ وَيُسْتَحَبُّ قَتْلُ الْوَزَغِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ أَذِيَّةٌ وَقَدْ رَغَّبَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «مَنْ قَتَلَهَا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعُونَ وَفِي الثَّالِثَةِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ السُّمُومِ» . وَاعْلَمْ أَنَّهَا ذُو نَفْسٍ سَائِلَةٍ فَمَيْتَتُهَا نَجِسَةٌ وَتُنَجِّسُ الْمَائِعَ الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْجَمِيعِ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
وَيُكْرَهُ قَتْلُ الضِّفْدَعِ إنْ لَمْ يُؤْذِ فَإِنْ آذَتْ جَازَ إنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَرْكِهَا وَإِلَّا نُدِبَ عَدَمُ الْقَتْلِ وَيَجُوزُ أَكْلُهَا بِالذَّكَاةِ إنْ كَانَتْ بَرِّيَّةً.

(وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ) الْمُبَشِّرَةُ أَوْ الصَّادِقَةُ (جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ) كَمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهَذَا إذَا كَانَتْ مِنْ شَخْصٍ مُمْتَثِلٍ أَمْرَ اللَّهِ وَإِلَّا فَلَا،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَلَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ] إلَخْ: إنْ قُلْت كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنَّ الْأَجْرَ يَزِيدُ بِتَعَدُّدِ الضَّرَبَاتِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَتْلَ لَهَا فِي مَرَّةٍ يَدُلُّ عَلَى مَزِيدِ اعْتِنَاءِ الْقَاتِلِ بِالْأَمْرِ وَمَزِيدِ الْحَمِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهَا مِنْ ذَوَاتِ السُّمُومِ] : أَيْ وَلِمَا وَرَدَ أَيْضًا أَنَّهَا كَانَتْ تَنْفُخُ النَّارَ عَلَى إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. قَوْلُهُ: [وَاعْلَمْ أَنَّهَا ذُو نَفْسٍ سَائِلَةٍ] إلَخْ: هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: كَرَّرَهُ لِذِكْرِ الْخِلَافِ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَرْكِهَا] : أَيْ إنْ لَمْ يُمْكِنْ الصَّبْرُ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهَا لِمَا قِيلَ إنَّهَا أَكْثَرُ الْحَيَوَانَاتِ تَسْبِيحًا حَتَّى قِيلَ إنَّ صَوْتَهَا جَمِيعَهُ ذِكْرٌ وَلِأَنَّهَا أَطْفَأَتْ مِنْ نَارِ إبْرَاهِيمَ ثُلُثَيْهَا.

[الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ]

قَوْلُهُ: [الْمُبَشِّرَةُ أَوْ الصَّادِقَةُ] : أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى تَنْوِيعِ الْخِلَافِ.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا إذَا كَانَتْ مِنْ شَخْصٍ مُمْتَثِلٍ أَمْرَ اللَّهِ] إلَخْ: هَذَا التَّقْيِيدُ عَلَى حَسْبِ الْغَالِبِ وَإِلَّا فَقَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ مُمْتَثِلٍ بَلْ وَتَكُونُ مِنْ الْكُفَّارِ، وَذَلِكَ كَرُؤْيَا عَزِيزِ مِصْرَ وَرُؤْيَا مَنْ كَانَ مَعَ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي السِّجْنِ.

وَالْأَحْسَنُ عَدَمُ تَحْدِيدِ ذَلِكَ الْجُزْءِ وَأَمَّا تَحْدِيدُهُ بِنِصْفِ سَنَةٍ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُوحِيَ إلَيْهِ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَرَى فِي الْمَنَامِ مَا يُلْقِيه الْمَلَكُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى حَدِيثٍ صَحِيحٍ بِأَنَّهَا سِتَّةٌ وَأَنَّ مَا بَعْدَهَا ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ.
وَلَمْ يَصِحَّ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ، وَالْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهَا جُزْءًا: أَيْ فِي الْجُمْلَةِ إذْ فِيهَا اطِّلَاعٌ عَلَى الْغَيْبِ مِنْ وَجْهٍ أَوْ؛ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ أَنْوَاعٌ؛ لِأَنَّ الْوَحْيَ كَانَ يَأْتِي عَلَى أَنْوَاعٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُصَّهَا) : أَيْ يُخْبِرَ بِهَا وَيَعْرِضَ مَا رَأَى (عَلَى عَالِمٍ صَالِحٍ مُحِبٍّ) ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي لَهُ نُورٌ وَفِرَاسَةٌ.
(وَلَا يَنْبَغِي) أَيْ يَحْرُمُ (تَعْبِيرُهَا لِغَيْرِ عَارِفٍ بِهَا) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] وَالْعِلْمُ بِتَفْسِيرِ الرُّؤْيَا لَيْسَ مِنْ كُتُبٍ كَمَا يَقَعُ لِلنَّاسِ مِنْ التَّعْبِيرِ مِنْ ابْنِ سِيرِينَ فَيَحْرُمُ تَفْسِيرُهَا بِمَا فِيهِ، بَلْ يَكُونُ بِفَهْمِ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ وَفِرَاسَةٍ وَعِلْمٍ بِالْمَعَانِي، وَالْفِرَاسَةُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا: نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ يُدْرِكُ بِهِ الصَّوَابَ وَقِيلَ؛ ظَنٌّ صَائِبٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ حَرُمَ إذَا عَلِمَ أَنَّهَا عَلَى خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ تَفْسِيرُهَا بِالضِّدِّ؛ لِأَنَّهُ كَذِبٌ، بَلْ إنْ كَانَتْ شَرًّا يَقُولُ نَحْوَ: نَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا، أَوْ يَسْكُتُ.
وَإِنْ فَسَّرَ بِالضِّدِّ لَا تَخْرُجُ عَلَى مَا عُبِّرَتْ بِهِ.
وَقِيلَ: الرُّؤْيَا عَلَى مَا عُبِّرَتْ بِهِ، وَلِذَلِكَ يُنْهَى عَنْ قَصِّهَا عَلَى عَدُوٍّ خَوْفَ أَنْ يُخْبِرَ بِسُوءٍ فَتَخْرُجُ عَلَيْهِ (وَمَنْ رَأَى) فِي نَوْمِهِ (مَا يَكْرَهُ) وَاسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ (فَلْيَتْفُلْ) بِضَمِّ الْفَاءِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَأَمَّا تَحْدِيدُهُ] إلَخْ: هَذَا الْكَلَامُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ وَإِنَّمَا الَّذِي قَالَهُ شُرَّاحُ هَذَا الْحَدِيثِ إنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَا يَتِمُّ إلَّا لَوْ لَمْ يُعَارِضْهَا رِوَايَاتٌ أُخَرُ مَعَ أَنَّهُ عَارَضَهَا رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: «جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا» وَمِنْهَا «جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا» وَمِنْهَا «جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ» قَوْلُهُ: [أَوْ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ أَنْوَاعٌ] : أَيْ فَتَارَةً تَكُونُ بِالْمِلْكِ جِهَارًا وَهُوَ أَقْسَامٌ وَبِالْمُكَالَمَةِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ وَبِالْإِلْقَاءِ فِي الرَّوْعِ وَبِالْمَنَامِ.
قَوْلُهُ: [فَيَحْرُمُ تَفْسِيرُهَا بِمَا فِيهِ] : أَيْ إنْ لَمْ يَنْضَمَّ لِذَلِكَ بَصِيرَةٌ مِنْ الْمُعَبِّرِ؛ لِأَنَّ مَا فِي ابْنِ سِيرِينَ وَابْنِ شَاهِينَ صَحِيحٌ قَطْعًا لَكِنْ لَا تَتَّحِدُ النَّاسُ فِيهِ بَلْ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَأَزْمَانِهِمْ وَأَشْغَالِهِمْ.

مِنْ بَابِ قَتَلَ وَبِكَسْرِهَا مِنْ بَابِ ضَرَبَ، وَالتُّفْلُ نَفْثٌ بِرِيقٍ (عَلَى) جِهَةِ (يَسَارِهِ) لِأَنَّهَا جِهَةُ الْأَقْذَارِ وَالشَّيْطَانِ فَكَأَنَّهُ يَطْرُدُهُ بِتَحْقِيرٍ وَيُكَرِّرُ التُّفْلَ (ثَلَاثًا) لِلتَّأْكِيدِ فِي طَرْدِ الشَّيْطَانِ (وَلْيَقُلْ) نَدْبًا: (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْت) فِي مَنَامِي أَنْ يَضُرَّ بِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ (وَلْيَتَحَوَّلْ) نَدْبًا (عَلَى شِقِّهِ الْآخَرِ) تَفَاؤُلًا بِأَنَّ اللَّهَ يُبَدِّلُ الْمَكْرُوهَ بِالْحَسَنِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَنَامَ بَلْ يَقُومَ لِلدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ.
(وَلَا يَنْبَغِي قَصُّهَا) أَيْ الرُّؤْيَةُ الَّتِي فِيهَا مَكْرُوهٌ وَلَوْ عَلَى حَبِيبٍ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [نَفْثٌ بِرِيقٍ] : أَيْ قَلِيلٌ وَقِيلَ بِغَيْرِ رِيقٍ وَاخْتُلِفَ فِي التَّفْلِ وَالنَّفْثِ؛ فَقِيلَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَلَا يَكُونَانِ إلَّا بِرِيقٍ، وَقِيلَ النَّفْثُ بِغَيْرِ رِيقٍ وَعَلَيْهِ فَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ هُنَا لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ طَرْدُ الشَّيْطَانِ وَإِظْهَارُ احْتِقَارِهِ وَاسْتِقْذَارِهِ.
قَوْلُهُ: [وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَنَامَ] : قَالَ فِي حَاشِيَةِ الرِّسَالَةِ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَعُودَ لِمَنَامِهِ بَعْدَ اسْتِيقَاظِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَادَ يَعُودُ لَهُ الشَّيْطَانُ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَنْبَغِي قَصُّهَا] : قَالَ فِي حَاشِيَةِ الرِّسَالَةِ تَنْبِيهٌ: الِاحْتِيَاطُ إذَا رَأَى مَا يُحِبُّ كَتْمَ مَا رَآهُ إلَّا عَنْ حَبِيبٍ يَعْلَمُ بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا.
بِخِلَافِ مَنْ رَأَى الْمَكْرُوهَ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُ بَعْدَ قِيَامِهِ الصَّلَاةُ وَالسُّكُوتُ عَنْ التَّحْدِيثِ بِمَا يَرَاهُ (اهـ) وَعَلَيْهِ بِالتَّضَرُّعِ وَالِالْتِجَاءِ إلَى اللَّهِ؛ لِأَنَّ مَا أَرَاهُ الْمَكْرُوهَ فِي مَنَامِهِ إلَّا لِيَتَحَرَّزَ مِنْهُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَاتَبَهُ فِي مَنَامِهِ» .

خَاتِمَةٌ فِي جَعْلِ آخِرِ كِتَابِه

ِ مَا يَتَعَلَّقُ بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ مِنْ الْبِشَارَةِ وَحُسْنِ الْخَاتِمَةِ

مَا لَا يَخْفَى (كُلُّ كَائِنَةٍ فِي الْوُجُودِ فَهِيَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى) : فَهُوَ الْمُوجِدُ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ الْقَائِلِينَ: إنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ الِاخْتِيَارِيَّةَ.
وَأَنَّ الْقَاتِلَ قَطَعَ أَجَلَ الْمَقْتُولِ، وَهَذَا بَاطِلٌ، بَلْ أَمَاتَهُ اللَّهُ لِانْقِضَاءِ أَجَلِهِ وَلَوْ لَمْ يُقْتَلْ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَحْيَا وَأَنْ يَمُوتَ فَلَا نَجْزِمُ بِوَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ مَغِيبٌ عَنَّا وَتَتَعَلَّقُ الْقُدْرَةُ بِالْمَعْدُومِ أَيْضًا وَبِالْعَدَمِ غَيْرِ الْوَاجِبِ وَمِنْ غَيْرِ الْوَاجِبِ قَطْعُ الْعَدَمِ الْأَزَلِيِّ فِيمَا لَا يُزَالُ.

[حاشية الصاوي]

خَاتِمَة الْكتاب

[مَا يَتَعَلَّقُ بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ مِنْ الْبِشَارَةِ وَحُسْنِ الْخَاتِمَةِ] خَاتِمَةٌ: قَوْلُهُ فِي جَعْلِ آخِرِ كِتَابِهِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَمَا لَا يَخْفَى مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَقَوْلُهُ مِنْ الْبِشَارَةِ وَحُسْنِ الْخَاتِمَةِ بَيَانٌ لِمَا لَا يَخْفَى، وَقَوْلُهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِجَعْلِ وَقَدْ أَضَافَهُ لِمَفْعُولِهِ الْأَوَّلِ وَمُحَصَّلُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ فِيهِ حُسْنَ اخْتِتَامٍ وَهُوَ تَفَاؤُلٌ بِحُسْنِ خَاتِمَةِ الْأُسْتَاذِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَقَدْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ حُسْنِهَا فِي الْخَافِقَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَنَّا بِهِ.
قَوْلُهُ: [وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ] : أَيْ حَيْثُ أَتَى بِكُلٍّ الَّتِي تُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ وَالْعُمُومَ.
قَوْلُهُ: [بَلْ أَمَاتَهُ اللَّهُ لِانْقِضَاءِ أَجَلِهِ] : أَيْ فَالْمَوْتُ مِنْ اللَّهِ حَصَلَ عِنْدَ الْقَتْلِ لَا بِالْقَتْلِ قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَمَيِّتٌ بِعُمُرِهِ مَنْ يَقْتُلُ وَغَيْرُ هَذَا بَاطِلٌ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمْ يُقْتَلْ] : أَيْ عَلَى فَرْضِ الْمُحَالِ.
قَوْلُهُ: [وَتَتَعَلَّقُ الْقُدْرَةُ بِالْمَعْدُومِ] : أَيْ تَعَلُّقًا صُلُوحِيًّا بِأَنْ يُقَالَ: إنَّهَا صَالِحَةٌ لِبَقَائِهِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلِنَقْلِهِ لِلْوُجُودِ، وَتَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا وَهُوَ إبْرَازُهَا مَا كَانَ مَعْدُومًا.
وَقَوْلُهُ: [أَيْضًا] : أَيْ كَمَا تَتَعَلَّقُ بِإِعْدَامِ الْمَوْجُودِ كَالْقَتْلِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ أَمَاتَهُ اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ: [وَبِالْعَدَمِ غَيْرِ الْوَاجِبِ] : الصَّوَابُ حَذْفُ قَوْلِهِ وَبِالْعَدَمِ وَيُجْعَلُ قَوْلُهُ: غَيْرِ الْوَاجِبِ صِفَةً لِلْمَعْدُومِ.
قَوْلُهُ: [قَطْعُ الْعَدَمِ الْأَزَلِيِّ فِيمَا لَا يُزَالُ] : الْمُرَادُ قَطْعُ اسْتِمْرَارِهِ وَإِلَّا فَالْأَعْدَامُ

(وَ) كُلُّ كَائِنَةٍ فَهِيَ (بِإِرَادَتِهِ) فَهُوَ الْمُرِيدُ لِلشُّرُورِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ إذْ الْإِرَادَةُ غَيْرُ الْأَمْرِ (عَلَى وَفْقِ عِلْمِهِ الْقَدِيمِ) بِالنَّظَرِ لِتَعَلُّقِهَا التَّنْجِيزِيِّ أَمَّا الصَّلَاحِيُّ فَهُوَ أَعَمُّ فَتَصْلُحُ لِتَخْصِيصِ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا فِي الْعِلْمِ لَكِنْ لَا نُخَصِّصُهُ بِالْفِعْلِ إلَّا عَلَى وَفْقِ الْعِلْمِ تَأَمَّلْ.
وَالْمَشْهُورُ: أَنَّ لِلْعِلْمِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا قَدِيمًا

[حاشية الصاوي]

الْأَزَلِيَّةُ مِنْ مَوَاقِفِ الْعُقُولِ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِقَطْعٍ، إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالصَّوَابُ حَذْفُ قَوْلِهِ الْأَزَلِيِّ.
قَوْلُهُ: [فَهُوَ الْمُرِيدُ لِلشُّرُورِ] : أَيْ كَمَا هُوَ مُرِيدٌ لِلْخَيْرِ.
وَقَوْلُهُ: [خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ] : أَيْ حَيْثُ قَالُوا إنَّ الْإِرَادَةَ تَابِعَةٌ لِلْأَمْرِ فَلَا يُرِيدُ إلَّا مَا يَأْمُرُ بِهِ.
قَوْلُهُ: [إذْ الْإِرَادَةُ غَيْرُ الْأَمْرِ] : تَعْلِيلٌ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: وَغَايَرَتْ أَمْرًا وَعِلْمًا وَالرِّضَا كَمَا ثَبَتَ وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ إذْ الْإِرَادَةُ غَيْرُ لَازِمَةٍ لِلْأَمْرِ.
قَوْلُهُ: [عَلَى وَفْقِ عِلْمِهِ الْقَدِيمِ] : مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفِ حَالٍ مِنْ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ.
قَوْلُهُ: [بِالنَّظَرِ لِتَعَلُّقِهَا] : أَيْ الْإِرَادَةِ وَكَذَا الْقُدْرَةُ فَقَدْ حَذَفَهُ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ الَّذِي يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِمَا كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: إرَادَةُ اللَّهِ مَعَ التَّعَلُّقِ ... فِي أَزَلٍ قَضَاؤُهُ فَحَقِّقْ وَالْقَدَرُ الْإِيجَادُ لِلْأَشْيَاءِ عَلَى ... وَجْهٍ مُعَيَّنٍ أَرَادَهُ عَلَا وَبَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ مَعْنَى الْأَوَّلِ ... الْعِلْمُ مَعَ تَعَلُّقٍ فِي الْأَزَلِ وَالْقَدَرُ الْإِيجَادُ لِلْأُمُورِ ... عَلَى وِفَاقِ عِلْمِهِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الْمَعْنِيُّ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: «وَأَنْ يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» . قَوْلُهُ: [فَتَصْلُحُ لِتَخْصِيصِ الشَّيْءِ] : أَيْ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْقَابِلِيَّةِ وَالتَّجْوِيزِ الْعَقْلِيِّ.
قَوْلُهُ: [لَكِنْ لَا نُخَصِّصُهُ بِالْفِعْلِ] : أَيْ الَّذِي هُوَ تَعَلُّقُهَا التَّنْجِيزِيُّ.
وَقَوْلُهُ: [إلَّا عَلَى وَفْقِ الْعِلْمِ] : أَيْ وَإِلَّا لَانْقَلَبَ الْعِلْمُ جَهْلًا.
قَوْلُهُ: [وَالْمَشْهُورُ أَنَّ لِلْعِلْمِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا قَدِيمًا] : أَيْ وَهُوَ إحَاطَتُهُ بِالْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ أَزَلًا.

وَحَقَّقَ بَعْضٌ: أَنَّ لَهُ تَنْجِيزِيًّا حَادِثًا وَهُوَ مَقْبُولٌ عَقْلًا وَنَقْلًا كَمَا حَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ فِي حَوَاشِي الْجَوْهَرَةِ.
(وَلَا تَأْثِيرَ لِشَيْءٍ) كَالْأَسْبَابِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ (فِي شَيْءٍ) مِنْ الْمُسَبِّبَاتِ بَلْ هِيَ أُمُورٌ عَادِيَّةٌ يَجُوزُ تَخَلُّفُهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ بِدُونِ أَسْبَابِهَا.
(وَلَا فَاعِلَ) يُؤْثِرُ (غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى) .

(وَكُلُّ بَرَكَةٍ) نِعْمَةٌ ظَاهِرِيَّةٌ أَوْ بَاطِنِيَّةٌ كَالْعَافِيَةِ وَالْأَسْرَارِ وَمَا يَنْشَأُ مِنْ نَفْعٍ إلَخْ (فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَهِيَ مِنْ بَرَكَاتِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) كَمَا وَضَّحَ بَعْضَهُ بَعْدَ (الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ) فَلَا يُسْتَثْنَى أَحَدٌ مِنْ مَلَكٍ أَوْ رَسُولٍ مِنْ الْبَشَرِ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، خِلَافًا لِمَنْ تَوَقَّفَ وَمَزِيدُ الثَّنَاءِ عَلَى جِبْرِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: 40] الْآيَةِ لِكَوْنِ الْقُرْآنِ عَلَى أَعْلَى طَبَقَاتِ الْبَلَاغَةِ تَأَمَّلْ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَحَقَّقَ بَعْضٌ أَنَّ لَهُ تَنْجِيزِيًّا حَادِثًا] : أَيْ وَهُوَ إحَاطَةُ عِلْمِهِ بِالْحَادِثِ بَعْدَ ظُهُورِهِ وَبِهِ بَعْدَ فَنَائِهِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْإِحَاطَةَ عَلَى طِبْقِ الْإِحَاطَةِ الْأَزَلِيَّةِ فَمَنْ نَظَرَ لِتِلْكَ الْمُطَابَقَةِ حَصَرَهُ فِي الْقَدِيمِ، وَأَمَّا الصَّلَاحِيُّ فَلَا يَجُوزُ فِي الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاحِيَّةَ لِلْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ اتِّصَافٍ بِهِ جَهْلٌ.
قَوْلُهُ: [وَغَيْرِ ذَلِكَ] : أَيْ كَالسِّكِّينِ فِي الْقَطْعِ وَالنَّارِ فِي الْحَرْقِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ الْمُسَبِّبَاتِ] : أَيْ الَّتِي هِيَ الشِّبَعُ وَالرِّيُّ وَالْقَطْعُ وَالْحَرْقُ.
قَوْلُهُ: [وَيَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الْأَشْيَاءَ بِدُونِ أَسْبَابِهَا] : أَيْ وَذَلِكَ كَخَلْقِ عِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِدُونِ أَبٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَا فَاعِلَ يُؤَثِّرُ] : الْمُرَادُ بِالتَّأْثِيرِ الْإِيجَادُ وَالْإِعْدَامُ، وَأَمَّا الْفَاعِلُ الْمَجَازِيُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ فِي الْفِعْلِ فَيُسْنَدُ لِغَيْرِهِ تَعَالَى.

[أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ]

قَوْلُهُ: [إلَخْ] : أَيْ أَوْ ضَرٍّ وَالْمُرَادُ ضَرُّ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْعِنَادِ.
قَوْلُهُ: [فَهِيَ مِنْ بَرَكَاتِ نَبِيِّنَا] إلَخْ: أَيْ يَجِبُ عَلَيْنَا اعْتِقَادُ ذَلِكَ وَمُنْكِرُ ذَلِكَ خَاسِرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: [خِلَافًا لِمَنْ تَوَقَّفَ] : أَيْ وَهُوَ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قَوْلُهُ: [لِكَوْنِ الْقُرْآنِ عَلَى أَعْلَى طَبَقَاتِ الْبَلَاغَةِ] : جَوَابٌ عَنْ شُبْهَةِ الزَّمَخْشَرِيِّ

(وَنُورُهُ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَصْلُ الْأَنْوَارِ) وَالْأَجْسَامِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِجَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ نُورَ نَبِيِّك مِنْ نُورِهِ» الْحَدِيثُ

[حاشية الصاوي]

لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ جِبْرِيلَ فَيُقَالُ لَهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ فِي أَعْلَى طَبَقَاتِ الْبَلَاغَةِ وَهِيَ مُطَابَقَةُ الْكَلَامِ لِمُقْتَضَى حَالِ الْمُخَاطَبِينَ وَهِيَ نَزَلَتْ رَدًّا عَلَى مَنْ يَذُمُّ الْوَاسِطَةَ بِقَوْلِهِمْ طَوْرًا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: 103] وَطَوْرًا إنَّمَا الَّذِي يُعَلِّمُهُ جِنِّيٌّ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: 40] الْآيَةَ، وَأَمَّا فَضْلُ نَبِيِّنَا فَهُوَ ثَابِتٌ عِنْدَ أَعْدَائِهِ لَا نِزَاعَ.
فِيهِ فَكَانُوا يُسَمُّونَهُ بِالصَّادِقِ الْأَمِينِ وَلِذَلِكَ وَبَّخَهُمْ اللَّهُ فِي تَكْذِيبِهِمْ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: 69]

[نُوره صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ]

قَوْلُهُ: [الْحَدِيثُ] : أَيْ وَنَصُّهُ: «أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَوَّلِ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ هُوَ نُورُ نَبِيِّك يَا جَابِرُ خَلَقَهُ اللَّهُ ثُمَّ خَلَقَ مِنْهُ كُلَّ خَيْرٍ وَخَلَقَ بَعْدَهُ كُلَّ شَرٍّ، فَحِينَ خَلَقَهُ أَقَامَهُ قُدَّامَهُ فِي مَقَامِ الْقُرْبِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: فَخَلَقَ الْعَرْشَ مِنْ قِسْمٍ، وَالْكُرْسِيَّ مِنْ قِسْمٍ، وَحَمَلَةَ الْعَرْشِ وَخَزَنَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ قِسْمٍ، وَأَقَامَ الْقِسْمَ الرَّابِعَ فِي مَقَامِ الْحُبِّ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: فَخَلَقَ الْقَلَمَ مِنْ قِسْمٍ، وَالرُّوحَ مِنْ قِسْمٍ، وَالْجَنَّةَ مِنْ قِسْمٍ، وَأَقَامَ الْقِسْمَ الرَّابِعَ فِي مَقَامِ الْخَوْفِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ: فَخَلَقَ الْمَلَائِكَةَ مِنْ جُزْءٍ، وَخَلَقَ الشَّمْسَ مِنْ جُزْءٍ، وَخَلَقَ الْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ مِنْ جُزْءٍ، وَأَقَامَ الْجُزْءَ الرَّابِعَ فِي مَقَامِ الرَّجَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ: فَخَلَقَ الْعَقْلَ مِنْ جُزْءٍ، وَالْحِلْمَ وَالْعِلْمَ مِنْ جُزْءٍ، وَالْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ مِنْ جُزْءٍ، وَأَقَامَ الْجُزْءَ الرَّابِعَ فِي مَقَامِ الْحَيَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ نَظَرَ إلَيْهِ فَتَرَشَّحَ ذَلِكَ النُّورُ عَرَقًا، فَقُطِرَتْ مِنْهُ مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، وَأَرْبَعَةُ آلَافِ قَطْرَةٍ فَخَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ رُوحَ نَبِيٍّ أَوْ رَسُولٍ، ثُمَّ تَنَفَّسَتْ أَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ فَخَلَقَ اللَّهُ مِنْ أَنْفَاسِهِمْ نُورَ أَرْوَاحِ الْأَوْلِيَاءِ وَالسُّعَدَاءِ وَالشُّهَدَاءِ وَالْمُطِيعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛

فَهُوَ الْوَاسِطَةُ فِي جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَوْلَاهُ مَا كَانَ شَيْءٌ كَمَا «قَالَ اللَّهُ لِآدَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَلَوْلَاهُ مَا خَلَقْتُك» الْحَدِيثُ إذْ لَوْلَا الْوَاسِطَةُ لَذَهَبَ كَمَا قِيلَ الْمَوْسُوطُ.

(وَالْعِلْمُ بِاَللَّهِ تَعَالَى) : أَيْ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ وَاجِبٍ وَجَائِزٍ وَمُسْتَحِيلٍ

[حاشية الصاوي]

فَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ مِنْ نُورِي، وَالْكَرُوبِيُّونَ وَالرُّوحَانِيُّونَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مِنْ نُورِي، وَمَلَائِكَةُ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ مِنْ نُورِي، وَالْجَنَّةُ وَمَا فِيهَا مِنْ النَّعِيمِ مِنْ نُورِي، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالْكَوَاكِبُ مِنْ نُورِي، وَالْعَقْلُ وَالْعِلْمُ وَالتَّوْفِيقُ مِنْ نُورِي، وَأَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مِنْ نُورِي، وَالشُّهَدَاءُ وَالسُّعَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ مِنْ نَتَائِجِ نُورِي، ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ اثْنَيْ عَشَرَ حِجَابًا فَأَقَامَ النُّورَ وَهُوَ الْجُزْءُ الرَّابِعُ فِي كُلِّ حِجَابٍ أَلْفَ سَنَةٍ وَهِيَ مَقَامَاتُ الْعُبُودِيَّةِ، وَهِيَ حِجَابُ الْكَرَامَةِ وَالسَّعَادَةِ وَالرُّؤْيَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ وَالْحِلْمِ وَالْعِلْمِ وَالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ وَالصَّبْرِ وَالصِّدْقِ وَالْيَقِينِ، فَعَبَّدَ اللَّهُ ذَلِكَ النُّورَ فِي كُلِّ حِجَابٍ أَلْفَ سَنَةٍ، فَلَمَّا خَرَجَ النُّورُ مِنْ الْحُجُبِ رَكَّبَهُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ فَكَانَ يُضِيءُ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ كَالسِّرَاجِ فِي اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ الْأَرْضِ وَرَكَّبَ فِيهِ النُّورَ فِي جَبِينِهِ ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهُ إلَى شِيثٍ وَلَدِهِ، وَكَانَ يَنْتَقِلُ مِنْ طَاهِرٍ إلَى طَيِّبٍ إلَى أَنْ وَصَلَ إلَى صُلْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَمِنْهُ إلَى زَوْجِهِ أُمِّي آمِنَةَ، ثُمَّ أَخْرَجَنِي إلَى الدُّنْيَا فَجَعَلَنِي سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ هَكَذَا كَانَ بَدْءُ خَلْقِ نَبِيِّك يَا جَابِرُ» (اهـ) مِنْ شَرْحِنَا عَلَى صَلَوَاتِ شَيْخِنَا الْمُصَنِّفِ نَقْلًا عَنْ شَيْخِنَا الشَّيْخِ سُلَيْمَانَ الْجَمَلِ فِي أَوَّلِ شَرْحِهِ عَلَى الشَّمَائِلِ عَنْ سَعْدِ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيِّ فِي شَرْحِ بُرْدَةِ الْمَدِيحِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَكُلُّ آيٍ أَتَى الرُّسُلُ الْكِرَامُ بِهَا ... فَإِنَّمَا اتَّصَلَتْ مِنْ نُورِهِ بِهِمْ قَوْلُهُ: [وَلَوْلَاهُ مَا خَلَقْتُك.
. . الْحَدِيثَ] : أَيْ وَنَصُّهُ كَمَا فِي ابْنِ حَجَرٍ: «وَرَأَى أَيْ آدَم نُورَ مُحَمَّدٍ فِي سُرَادِقِ الْعَرْشِ وَاسْمُهُ مَكْتُوبًا عَلَيْهَا مَقْرُونًا بِاسْمِهِ تَعَالَى فَسَأَلَ اللَّهَ عَنْهُ؟ فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: هَذَا النَّبِيُّ مِنْ ذُرِّيَّتِك اسْمُهُ فِي السَّمَاءِ أَحْمَدُ وَفِي الْأَرْضِ مُحَمَّدٌ وَلَوْلَاهُ مَا خَلَقْتُك وَلَا خَلَقْت سَمَاءً وَلَا أَرْضًا، وَسَأَلَهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ مُتَوَسِّلًا إلَيْهِ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَغَفَرَ لَهُ» (اهـ) . قَوْلُهُ: [إذْ لَوْلَا الْوَاسِطَةُ] : عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَلَوْلَاهُ مَا كَانَ شَيْءٌ وَلِقَوْلِهِ وَلَوْلَاهُ مَا خَلَقْتُك وَقَوْلُهُ كَمَا قِيلَ أَيْ قَوْلًا صَحِيحًا فَلَيْسَتْ الصِّيغَةُ لِلتَّضْعِيفِ لِلنِّسْبَةِ.

(وَبِرُسُلِهِ) كَذَلِكَ (وَشَرْعِهِ) : أَيْ الْعِلْمُ بِمَا بَيَّنَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ (أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ) إذْ لَا يَصِحُّ عَمَلٌ بِدُونِ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ وَبَعْدَ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْأَحْكَامَ لَا يَصِحُّ لَهُ عَمَلٌ أَوْ لَا يَتِمُّ إلَى آخِرِ مَا هُوَ مُقَرَّرٌ وَشَرَفُ الْعِلْمِ بِشَرَفِ مُتَعَلَّقِهِ.

(وَأَقْرَبُ الْعُلَمَاءِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى) قُرْبُ رِضًا وَمَحَبَّةٍ بِإِرَادَةِ الْإِنْعَامِ لَهُمْ وَيُقَالُ قُرْبٌ مَعْنَوِيٌّ وَيُقَالُ قُرْبُ مَكَانَةٍ (وَأَوْلَاهُمْ بِهِ) أَيْ بِمَعُونَتِهِ وَنُصْرَتِهِ (أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً) قِيلَ الْخَشْيَةُ وَالْخَوْفُ مُتَرَادِفَانِ وَقِيلَ الْخَشْيَةُ أَخَصُّ فَهِيَ خَوْفٌ مَقْرُونٌ بِمَعْرِفَةٍ فَيَخَافُ عِقَابَهُ مَعَ تَعْظِيمِهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ عَدْلٌ فِي فِعْلِهِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنِّي لَأَعْلَمُكُمْ بِاَللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً» (وَفِيمَا عِنْدَهُ رَغْبَةً) فَتَرَاهُمْ لِاعْتِمَادِهِمْ عَلَيْهِ ظَهَرَتْ فِيهِمْ الصِّفَاتُ الْحَمِيدَةُ مِنْ الزُّهْدِ إلَخْ (الْوَاقِفُ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ) مَا حَدَّهُ

[حاشية الصاوي]

[الْعِلْمُ بِاَللَّهِ تَعَالَى ورسله وشرعه]

قَوْلُهُ: [وَبِرُسُلِهِ كَذَلِكَ] : أَيْ مِنْ وَاجِبٍ وَجَائِزٍ وَمُسْتَحِيلٍ فَالتَّشْبِيهُ فِي مُطْلَقِ الْوَاجِبِ وَالْجَائِزِ وَالْمُسْتَحِيلِ لَا فِي عَيْنِ مَا ذَكَرَ، فَإِنَّ حَقِيقَتَهَا فِي حَقِّ اللَّهِ غَيْرُ حَقِيقَتِهَا فِي حَقِّ الرُّسُلِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ أَصْلِ الدِّينِ.
قَوْلُهُ: [وَشَرْعِهِ] : مَعْطُوفٌ عَلَى لَفْظِ الْجَلَالَةِ.
قَوْلُهُ: [إذْ لَا يَصِحُّ عَمَلٌ بِدُونِ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ] : تَعْلِيلٌ لِأَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَعْمَالِ.
قَوْلُهُ: [لَا يَصِحُّ لَهُ عَمَلٌ أَوْ لَا يَتِمُّ] : أَيْ فَتَتَخَلَّفُ الصِّحَّةُ إنْ تَخَلَّفَ شَرْطُهَا وَيَتَخَلَّفُ التَّمَامُ إنْ تَخَلَّفَ شَرْطُهُ.
قَوْلُهُ: [وَشَرَفُ الْعِلْمِ بِشَرَفِ مُتَعَلَّقِهِ] : أَيْ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْعِلْمُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَوْضُوعِهِ

[أقرب الْعُلَمَاء إلَى اللَّه رِضَا وَمَحَبَّة]

قَوْلُهُ: [أَيْ بِمَعُونَتِهِ وَنُصْرَتِهِ] : مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ أَيْ بِمَعُونَةِ اللَّهِ إيَّاهُمْ وَنُصْرَتِهِ لَهُمْ.
قَوْلُهُ: [أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً] : أَيْ لِمَا فِي الْحَدِيثِ: «مَا فَضَلَكُمْ أَبُو بَكْرٍ بِكَثْرَةِ صَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ وَإِنَّمَا فَضَلَكُمْ بِشَيْءٍ وَقَرَ فِي قَلْبِهِ» . قَوْلُهُ: [وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً] : أَيْ وَفِي رِوَايَةٍ: " وَأَخْوَفُكُمْ مِنْهُ " وَهِيَ تُؤَيِّدُ أَنَّ الْخَشْيَةَ وَالْخَوْفَ مُتَرَادِفَانِ، وَأَعْظَمُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ أَهْلِ الْخَشْيَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28] . قَوْلُهُ: [مِنْ الزُّهْدِ] إلَخْ: أَيْ وَالْوَرَعِ وَالتَّوَاضُعِ وَالْحِلْمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَبَيَّنَهُ (مِنْ الْأَوَامِرِ) بِامْتِثَالِ الْمَأْمُورَاتِ (وَالنَّوَاهِي) بِاجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ (الْمُرَاقِبُ لَهُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ) الظَّاهِرِيَّةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ بِإِجْرَائِهَا عَلَى قَوَانِينِ الشَّرْعِ، فَيُثْمِرُ لَهُ الْيَقِينُ الْقَلْبِيُّ فَيَكُونُ مِنْ الْمُتَّقِينَ الْمَمْدُوحِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي وَصِيَّتِهِ لِأَصْحَابِهِ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ» وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131]

(وَاعْلَمْ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ) مَحَلُّ مُرُورٍ تُوَصِّلُ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لِدَارِ الْقَرَارِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» وَالْغَرِيبُ لَا مَقْصِدَ لَهُ إلَّا مَحَلُّ وَطَنِهِ وَكَذَلِكَ عَابِرُ السَّبِيلِ الْمَارُّ بِالطَّرِيقِ لَا يَعْتَنِي إلَّا بِمَا يُعِينُهُ عَلَى السَّفَرِ فَلَيْسَتْ دَارَ إقَامَةٍ إذْ دَارُ الْإِقَامَةِ الْبَاقِيَةِ هِيَ الْآخِرَةُ كَمَا قَالَ (لَا دَارَ قَرَارٍ) قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: 39] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: 64] الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ.
﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا﴾ [غافر: 43] مَرْجِعَنَا ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: 43] فَيُكْرِمُنَا بِالْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ وَعَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] : أَيْ أَكْثَرُكُمْ لَهُ تَقْوَى وَتَقَدَّمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنِّي لَأَعْلَمُكُمْ بِاَللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً» فَنَبِيُّنَا أَتْقَى الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَحِينَئِذٍ فَالْآيَةُ شَاهِدَةٌ بِأَنَّهُ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ.

[مَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ]

قَوْلُهُ: [مَحَلُّ مُرُورٍ] : تَفْسِيرٌ لِمَعْنَى مَمَرٍّ.
قَوْلُهُ: [إلَى آخِرِ مَا قَالَ] : لَا مَعْنَى لَهُ فَالْمُنَاسِبُ حَذْفُهُ.
قَوْلُهُ: [الْحَيَاةُ الدَّائِمَةُ] : تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَأْتِيَ بِأَيِّ التَّفْسِيرِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَعَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ] : أَيْ مَصْحُوبًا بِعَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ وَالْأَعْمَالَ وَحْدَهُمَا لَا يَكْفِيَانِ الْعَبْدَ فِي النَّجَاةِ بِدُونِ الْعَفْوِ وَالرَّحْمَةِ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَلَا أَنَا إلَّا أَنْ يَتَغَمَّدنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»

﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: 43] : أَيْ الْكَافِرِينَ أَصْحَابُ الْعَذَابِ الْمُؤَبَّدِ.
وَمَنْ أَسْرَفَ بِالذَّنْبِ مَعَ الْإِيمَانِ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَلَا يُؤَبَّدُ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ وَنَتَوَسَّلُ بِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجِيرَنَا مِنْ النَّارِ.
(فَيَنْبَغِي) مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ (لِلْعَاقِلِ) الْمُتَّصِفِ بِالْعَقْلِ نُورٌ إلَى آخِرِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ (أَنْ يَتَجَافَى عَنْ دَارِ الْغُرُورِ) يَتَبَاعَدُ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِمَّا هُوَ زِينَةٌ ظَاهِرِيَّةٌ وَنِقْمَةٌ بَاطِنِيَّةٌ مِمَّا يُخَالِفُ الشَّرْعَ فَلَا يَعْتَنِي بِجَمْعِهَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ» فَيَلْزَمُ تَرْكُ مَا يُشْغِلُ مِنْهَا وَالْغُرُورُ مَا يَغُرُّ ثُمَّ يَزُولُ وَقِيلَ الْبَاطِلُ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185] أَيْ لَذَّاتُهَا وَزَخَارِفُهَا شَيْءٌ يَتَمَتَّعُ بِهِ الْمَغْرُورُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَغْرُورَ مَغْبُونٌ كَمَنْ دَلَّسَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ حَتَّى غَرَّهُ فِي شِرَاءِ مَعِيبٍ وَهَذَا إنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا لِلْآخِرَةِ وَإِلَّا فَهِيَ مَمْدُوحَةٌ (بِتَرْكِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَلَا يُؤَبَّدُ] : أَيْ لَا يَخْلُدُ فِيهَا قَالَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ: وَجَائِزٌ تَعْذِيبُ بَعْضٍ ارْتَكَبَ ... كَبِيرَةً ثُمَّ الْخُلُودُ مُجْتَنَبْ قَوْلُهُ: [مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ] : أَيْ فَالْوُجُوبُ فِي التَّجَافِي عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَالنَّدْبُ فِي التَّجَافِي عَنْ الْمَكْرُوهَاتِ وَخِلَافُ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: [إلَى آخِرِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ] : أَيْ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ، وَلَهُ شُعَاعٌ مُتَّصِلٌ بِالدِّمَاغِ تُدْرِكُ بِهِ النَّفْسُ الْعُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ وَالنَّظَرِيَّةَ هَذَا هُوَ أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ.
قَوْلُهُ: [مَنْ لَا دَارَ لَهُ] : أَيْ فِي الْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: [مَنْ لَا مَالَ لَهُ] : أَيْ فِي الْآخِرَةِ.
وَقَوْلُهُ: [مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ] : أَيْ كَامِلًا.
قَوْلُهُ: [فَيَلْزَمُ تَرْكُ مَا يُشْغِلُ مِنْهَا] : أَيْ يَجِبُ تَرْكُ كُلِّ مُشْغِلٍ عَنْ اللَّهِ حَيْثُ كَانَ فِي الشُّغْلِ بِهِ ضَيَاعُ الْوَاجِبَاتِ وَالْوُقُوعُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ.
قَوْلُهُ: [كَمَنْ دَلَّسَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ] إلَخْ: قَالَ فِي بُرْدَةِ الْمَدِيحِ فِي هَذَا الْمَعْنَى: وَيَا خَسَارَةَ نَفْسٍ فِي تِجَارَتِهَا ... لَمْ تَشْتَرِ الدِّينَ بِالدُّنْيَا وَلَمْ تُسِمْ وَمَنْ يَبِعْ عَاجِلًا مِنْهُ بِآجِلِهِ ... يَبِنْ لَهُ الْغَبْنُ فِي بَيْعٍ وَفِي سَلَمِ قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَهِيَ مَمْدُوحَةٌ] : أَيْ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «نِعْمَ الْمَالُ

الشَّهَوَاتِ) الْمُحَرَّمَةِ وَالْمَكْرُوهَةِ بَلْ وَالْمُبَاحَةِ بِحَيْثُ يَصْرِفُهَا بِالنِّيَّةِ الْحَسَنَةِ لِلطَّاعَةِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» . وَقَدْ وَرَدَ: «أَنَّهُ قُدِّمَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَوِيقُ اللَّوْزِ فَرَدَّهُ وَقَالَ: هَذَا طَعَامُ الْمُتَرَفِّهِينَ فِي الدُّنْيَا» وَقَدْ أَوْحَى اللَّهُ إلَى دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: حَرَامٌ عَلَى قَلْبٍ أَحَبَّ الشَّهَوَاتِ أَنْ أَجْعَلَهُ إمَامًا لِلْمُتَّقِينَ.
وَقَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: إنْ أَرَدْت اللُّحُوقَ بِصَاحِبَيْك فَرَقِّعْ قَمِيصَك وَاخْصَفْ نَعْلَك وَقَصِّرْ أَمَلَكَ وَكُلْ دُونَ الشِّبَعِ.
فَخَطَبَ لِلنَّاسِ وَعَلَيْهِ إزَارٌ فِيهِ ثِنْتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً وَقَدَّمَتْ إلَيْهِ حَفْصَةُ مَرَقًا بَارِدًا وَصَبَّتْ عَلَيْهِ زَيْتًا فَقَالَ: إدَامَانِ فِي إنَاءٍ؟ لَا آكُلُهُ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ (وَالْفُتُورُ) بِالْفَاءِ وَالْمُثَنَّاةِ فَوْقُ: الْكَسَلُ عَمَّا هُوَ مَطْلُوبٌ شَرْعًا وَقَدْ تَعَوَّذَ مِنْ ذَلِكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ دَفْعِ الْفَقْرِ

[حاشية الصاوي]

الصَّالِحُ فِي يَدِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ» . قَوْلُهُ: [حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ] إلَخْ: مِثَالٌ وَكِنَايَةٌ كَأَنَّ الْجَنَّةَ لَمَّا كَانَتْ لَا تُنَالُ إلَّا بِالْخُرُوجِ عَنْ الشَّهَوَاتِ فِي مِرَاضِي الرَّبِّ، مُثِّلَتْ بِمَدِينَةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ التُّحَفِ لَكِنْ حَوْلَهَا آفَاتٌ وَعَقَبَاتٌ فَلَا يَصِلُ إلَيْهَا إلَّا مَنْ تَحَمَّلَ الْمَكَارِهَ، وَلَمَّا كَانَ تَتَبُّعُ الشَّهَوَاتِ مَدْخَلًا لِلنَّارِ مُثِّلَتْ النَّارُ بِمَدِينَةٍ احْتَوَتْ عَلَى جَمِيعِ الْمَكَارِهِ وَحَوْلَهَا زَخَارِفُ وَبَسَاتِينُ فَتَدَبَّرْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ [النازعات: 37] ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات: 38] ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 39] ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: 40] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 41] . قَوْلُهُ: [وَقَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ] إلَخْ: أَيْ عَلَى عَادَةِ وَعْظِ الْعُلَمَاءِ لِلْأُمَرَاءِ.
قَوْلُهُ: [بِصَاحِبَيْك] : يَعْنِي بِهِمَا النَّبِيَّ الْمُصْطَفَى وَأَبَا بَكْرٍ.
قَوْلُهُ: [فَخَطَبَ لِلنَّاسِ] : أَيْ وَهُوَ أَمِيرُهُمْ حِينَئِذٍ وَكَانَ بَعْضُهَا مِنْ آدَمَ كَمَا فِي السِّيَرِ.
قَوْلُهُ: [وَقَدَّمَتْ إلَيْهِ حَفْصَةُ] : أَيْ بِنْتُهُ وَهِيَ إحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ -. قَوْلُهُ: [فِي حَدِيثِ دَفْعِ الْفَقْرِ] : أَيْ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ إلَخْ.

وَوَفَاءِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَّمَهُ لِلرَّجُلِ أَتْعَبَهُ الدَّيْنُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَقْتَصِرُ عَلَى ضَرُورَاتٍ) مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ الضَّرُورِيَّةُ إلَيْهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَبِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ تَارِكًا الْفُضُولَ الْمُبَاحَاتِ خُصُوصًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِاللِّسَانِ وَالْبَطْنِ، أَوْحَى اللَّهُ إلَى سَيِّدِنَا عِيسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ إذَا كُنْت وَحْدَك فَاحْفَظْ قَلْبَك وَإِذَا كُنْت بَيْنَ النَّاسِ فَاحْفَظْ لِسَانَك وَإِذَا كُنْت عَلَى الْمَائِدَةِ فَاحْفَظْ بَطْنَك وَإِذَا كُنْت عَلَى الطَّرِيقِ فَاحْفَظْ عَيْنَك فَهَذِهِ تُورِثُ السَّلَامَةَ وَالصِّحَّةَ.
(شَاكِرًا) لَهُ تَعَالَى بِصَرْفِ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ لِمَا خَلَقَ لَهُ (ذَاكِرًا) لَهُ تَعَالَى بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ (صَابِرًا) عَلَى الْمَكَارِهِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصَّبْرُ ثَلَاثَةٌ صَبْرٌ عَلَى الْمُصِيبَةِ، وَصَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ، وَصَبْرٌ عَنْ الْمَعْصِيَةِ؛ فَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمُصِيبَةِ حَتَّى يَرُدَّهَا بِحُسْنِ عَزَائِهَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلَثَمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ وَالدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [تُورِثُ السَّلَامَةَ] : أَيْ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْآخِرَةِ.
وَقَوْلُهُ: [وَالصِّحَّةَ] : أَيْ فِي الْبَدَنِ وَهِيَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى حِفْظِ الْبَطْنِ.
قَوْلُهُ: [صَابِرًا عَلَى الْمَكَارِهِ] : أَيْ مُتَحَمِّلًا لِلْمَكَارِهِ وَهِيَ كُلُّ مَا لَا يُوَافِقُ الطَّبْعَ.
قَوْلُهُ: [عَلَى الْمُصِيبَةِ] : أَيْ الْمَكَارِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَإِلَّا فَالْمَعْصِيَةُ مِنْ أَكْبَرِ الْمَصَائِبِ وَمَعْنَى الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ تَجَرُّعُ مَرَارَتِهَا مَعَ الِاسْتِرْجَاعِ قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156] الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: [وَصَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ] : أَيْ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا مَعَ عَدَمِ السَّآمَةِ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: [وَصَبْرٌ عَنْ الْمَعْصِيَةِ] : أَيْ وَهُوَ عَدَمُ الْإِلْمَامِ مَعَ الْخُرُوجِ عَنْ شَهْوَتِهَا قَالَ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ: وَصَبْرُنَا عَلَى طَاعَتِك وَعَنْ مَعْصِيَتِك وَعَنْ الشَّهَوَاتِ الْمُوجِبَاتِ لِلنَّقْصِ أَوْ الْبُعْدِ عَنْك.
قَوْلُهُ: [بِحُسْنِ عَزَائِهَا] : أَيْ وَهُوَ اسْتِرْجَاعُهُ إلَى اللَّهِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ.
قَوْلُهُ: [كَتَبَ اللَّهُ لَهُ] إلَخْ: هَذَا كِنَايَةٌ عَنْ سَعَةِ الْمُجَازَاةِ وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ فِي ذَلِكَ: قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10] وَإِنَّمَا تَفَاوَتَتْ تِلْكَ الْمَرَاتِبُ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ تَابِعٌ لِعَظَمِ الْمَشَقَّةِ فَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ الدَّوَامَ عَلَى

وَالْأَرْضِ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الطَّاعَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ سِتَّمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ تُخُومِ الْأَرْضِ إلَى مُنْتَهَى الْعَرْشِ، وَمَنْ صَبَرَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ تِسْعَمِائَةِ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ إلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَيْنَ تُخُومِ الْأَرْضِ إلَى مُنْتَهَى الْعَرْشِ مَرَّتَيْنِ» وَيُعِينُ عَلَى الصَّبْرِ خُصُوصًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّاسِ كَثْرَةُ الْحِلْمِ كَشَيْخِنَا الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ سَحَائِبُ رَحْمَةِ اللَّهِ؛ وَانْظُرْ مَا وَقَعَ مِنْ الْجَارِيَةِ الَّتِي صَبَّتْ الْمَاءَ لِسَيِّدِنَا عَلِيٍّ ابْنِ سَيِّدِنَا الْحُسَيْنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي الْوُضُوءِ لِيَتَهَيَّأَ لِلصَّلَاةِ فَوَقَعَ الْإِبْرِيقُ مِنْ يَدِهَا عَلَى وَجْهِهِ فَشَجَّهُ فَرَفَعَ بَصَرَهُ لَهَا فَقَالَتْ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134] قَالَ: كَظَمْت غَيْظِي فَقَالَتْ: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 134] فَقَالَ: عَفَا اللَّهُ عَنْك فَقَالَتْ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134] فَقَالَ: اذْهَبِي أَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ،

وَالصَّبْرُ: الِاسْتِعَانَةُ بِاَللَّهِ وَالْوُقُوفُ مَعَهُ تَعَالَى بِحَسْبِ الْأَدَبِ وَالصَّبْرُ عَلَى الطَّلَبِ

[حاشية الصاوي]

الطَّاعَةِ أَشَقُّ مِنْ الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ، وَهَجْرُ الْمَعَاصِي دَوَامًا أَشَقُّ مِنْ الدَّوَامِ عَلَى الطَّاعَاتِ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ كَثِيرًا مَنْ يُدِيمُ الذِّكْرَ مَعَ كَوْنِهِ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ فِي هَجْرِ الْمَعَاصِي وَفِي الْحَدِيثِ: «أَفْضَلُ الْهِجْرَةِ أَنْ تَهْجُرَ الْحَرَامَ» ، وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ صَاحِبَ هَذَا الْمَقَامِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: 40] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 41] . قَوْلُهُ: [وَيُعِينُ] : فِعْلٌ مُضَارِعٌ وَكَثْرَةُ الْحِلْمِ فَاعِلُهُ.
قَوْلُهُ: [لِسَيِّدِنَا عَلِيٍّ ابْنِ سَيِّدِنَا الْحُسَيْنِ] : أَيْ وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ الَّذِي قَالَ فِيهِ الشَّاعِرُ: يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ ... فَلَا يُكَلَّمُ إلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ وَهَذِهِ الْوَاقِعَةُ كَمَا تَدُلُّ عَلَى حِلْمِ سَيِّدِ الْجَارِيَةِ وَكَرَمِهِ تَدُلُّ عَلَى حُسْنِ ذَكَائِهَا كَمَا قَالَ فِي الْهَمْزِيَّةِ: وَمَا أَحْسَنَ مَا يَبْلُغُ الْمُنَى الْأَذْكِيَاءُ قَوْلُهُ: [وَالصَّبْرُ] : أَيْ الْكَامِلُ الشَّامِلُ لِلْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ قَوْلُهُ: [وَالْوُقُوفُ مَعَهُ] : أَيْ مَعَ أَحْكَامِهِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا حُلْوِهَا وَمُرِّهَا.
قَوْلُهُ: [عَلَى الطَّلَبِ] : أَيْ عَلَى مَا يُطْلَبُ وَيُقْصَدُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

عُنْوَانُ الظَّفَرِ، وَعَلَى الْمِحَنِ عُنْوَانُ الْفَرَجِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الصَّبْرِ الصَّبْرُ عَلَى مُخَالَفَةِ شَهَوَاتِ النَّفْسِ مِنْ حُبِّ الرِّيَاسَةِ وَالْمَحْمَدَةِ وَالرِّيَاءِ.

(مُسَلِّمًا لِلَّهِ أَمْرَهُ) فَإِنَّ مَنْ سَلَّمَ لِلَّهِ أَمْرَهُ أَرَاحَ قَلْبَهُ وَنَالَ مُرَادَهُ، وَمَنْ لَمْ يُسَلِّمْ لَا يُفِيدُهُ إلَّا الْوَبَالُ وَلَا بُدَّ مِنْ نُفُوذِ مُرَادِهِ تَعَالَى، وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: «يَا عَبْدِي إنْ رَضِيت بِمَا قَسَمْت لَك أَرَحْت بَدَنَك وَقَلْبَك وَكُنْت عِنْدِي مَرْضِيًّا، وَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِمَا قَسَمْت لَك سَلَّطْت عَلَيْهِ الدُّنْيَا تَرْكُضُ فِيهَا كَرَكْضِ الْوَحْشِ فِي الْبَرِّيَّةِ وَأَتْعَبْت بَدَنَك وَقَلْبَك، وَكُنْت عِنْدِي مَذْمُومًا وَلَا يَكُونُ إلَّا مَا قَسَمْت لَك» أَوْ كَمَا قَالَ فَمَنْ سَلَّمَ لِلَّهِ أَمْرَهُ كَانَ مِنْ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَرْزُقُهُمْ اللَّهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ [الطلاق: 2] بِامْتِثَالِ مَأْمُورَاتِهِ وَاجْتِنَابِ مَنْهِيَّاتِهِ، نَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ لِذَلِكَ.
﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا - وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 2 - 3] : فَرَجًا وَخَلَاصًا مِنْ مَضَارِّ الدَّارَيْنِ وَفَوْزًا بِخَيْرِهِمَا.
رُوِيَ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَوْفٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَشَكَا أَبُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

[حاشية الصاوي]

وَقَوْلُهُ: [عُنْوَانُ الظَّفَرِ] : أَيْ عَلَامَةٌ عَلَى حُصُولِهِ وَهُوَ بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ مُحَرَّكًا الْفَوْزُ.
قَوْلُهُ: [وَعَلَى الْمِحَنِ] : أَيْ الْمَكَارِهُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ.

قَوْلُهُ: [أَرَاحَ قَلْبَهُ] : أَيْ مِنْ الْعَنَاءِ وَقَدْ قُلْت فِي هَذَا الْمَعْنَى: أَرِحْ قَلْبَك الْعَانِيَ وَسَلِّمْ لَهُ الْقَضَا ... تَفُزْ بِالرِّضَا فَالْأَصْلُ لَا يَتَحَوَّلُ عَلَامَةُ أَهْلِ اللَّهِ فِينَا ثَلَاثَةٌ ... إيمَانٌ وَتَسْلِيمٌ وَصَبْرٌ مُجَمِّلُ قَوْلُهُ: [مِنْهَا يَا عَبْدِي] إلَخْ: هَذَا حَدِيثٌ قُدْسِيٌّ مَحْكِيٌّ عَنْ اللَّهِ وَمِنْهَا أَيْضًا: «يَا عَبْدِي أَنْتَ تُرِيدُ وَأَنَا أُرِيدُ وَلَا يَكُونُ إلَّا مَا أُرِيدُ، فَإِنْ سَلَّمْت لِي مَا أُرِيدُ أَعْطَيْتُك مَا تُرِيدُ، وَإِنْ لَمْ تُسَلِّمْ لِي مَا أُرِيدُ أَتْعَبْتُك فِيمَا تُرِيدُ وَلَا يَكُونُ إلَّا مَا أُرِيدُ» . قَوْلُهُ: [أَرَحْت بَدَنَك] : يَصِحُّ بِحَسْبِ الْمَعْنَى فِيهِ وَفِي قَوْلِهِ وَأَتْعَبْت فَتْحُ التَّاءِ وَضَمُّهَا وَانْظُرْ الرِّوَايَةَ.
قَوْلُهُ: [كَرَكْضِ الْوَحْشِ فِي الْبَرِّيَّةِ] : كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مُهْمَلًا مَعْدُودًا مِنْ الْأَخْيَارِ.
قَوْلُهُ: [رُوِيَ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَوْفٍ] : أَيْ وَهُوَ أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشِّرِينَ بِالْجَنَّةِ، وَهَذَا شَاهِدٌ عَلَى أَنَّ مَنْ يَتَّقِي اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا

اتَّقِ اللَّهَ، وَأَكْثِرْ قَوْلَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فَفَعَلَ فَبَيْنَمَا هُوَ فِي بَيْتِهِ إذْ قَرَعَ ابْنُهُ الْبَابَ وَمَعَهُ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ غَفَلَ عَنْهَا الْعَدُوُّ فَاسْتَاقَهَا.

(وَالنِّيَّةُ الْحَسَنَةُ رُوحُ الْعَمَلِ وَلَرُبَّمَا قَلَبَتْ الْمَعْصِيَةَ طَاعَةً وَكَثْرَةُ ذِكْرِ اللَّهِ

[حاشية الصاوي]

وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ.

[النِّيَّةُ الْحَسَنَةُ رُوحُ الْعَمَلِ]

قَوْلُهُ: [وَالنِّيَّةُ الْحَسَنَةُ رُوحُ الْعَمَلِ] : أَيْ فَصَوَّرَ الْأَعْمَالَ كَالْأَجْسَادِ وَالنِّيَّةُ الْحَسَنَةُ رُوحُهَا، فَكَمَا أَنَّ الْجِسْمَ لَا قِوَامَ لَهُ بِدُونِ رُوحِهِ كَذَلِكَ لَا قِوَامَ لِصُوَرِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِدُونِ حُسْنِ النِّيَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . قَوْلُهُ: [وَلَرُبَّمَا قَلَبَتْ الْمَعْصِيَةَ طَاعَةً] : كَالدَّلِيلِ لِمَا قَبْلَهُ، وَرُبَّ هُنَا لِلتَّكْثِيرِ أَوْ لِلتَّحْقِيقِ وَذَلِكَ كَالْكَذِبِ، فَإِنَّهُ مَعْصِيَةٌ وَتَقْلِبُهُ النِّيَّةُ الْحَسَنَةُ طَاعَةً.
فَتَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا كَمَا فِي الْكَذِبِ لِلتَّخْلِيصِ مِنْ الْمَهَالِكِ، وَتَارَةً يَكُونُ مَنْدُوبًا كَمَا فِي الْكَذِبِ لِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْمُتَشَاحِنَيْنِ، وَهَذَا قَلْبٌ لِحَقِيقَتِهَا حَالَ وُقُوعِهَا، وَتَارَةً يَكُونُ قَلْبُهَا بَعْدَ وُقُوعِهَا بِوَصْفِ الْعِصْيَانِ كَمَا إذَا أَوْرَثَتْهُ أَحْزَانًا وَإِقْبَالًا وَنَدَمًا وَأَسَفًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ صَاحِبِ الْحِكَمِ: رُبَّ مَعْصِيَةٍ أَوْرَثَتْ ذُلًّا وَانْكِسَارًا خَيْرٌ مِنْ طَاعَةٍ أَوْرَثَتْ عِزًّا وَاسْتِكْبَارًا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: 70] وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَ الشَّيْخِ وُقُوعُ الْمَعَاصِي مِنْ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ الَّذِينَ يُطَالِعُونَ الْغَيْبَ فَيُشَاهِدُونَ الْأَمْرَ مُبْرَمًا بِالْمَعْصِيَةِ فَيُقْدِمُونَ عَلَيْهِ امْتِثَالًا لِلْمُبْرَمِ لِاسْتِحَالَةِ تَخَلُّفِهِ فَقُدُومُهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِالْإِكْرَاهِ كَالسَّاقِطِ مِنْ شَاهِقٍ، فَفِي الصُّورَةِ يُرَى مُخْتَارًا وَهُوَ يُشَاهِدُ سَلْبَ الِاخْتِيَارِ عَنْ نَفْسِهِ وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ شَرَحَهُ الْعَارِفُ الْجِيلِيُّ بِقَوْلِهِ: وَلِيَ نُكْتَةٌ غُرًّا هُنَا سَأَقُولُهَا ... وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَرْعَوِيَهَا الْمَسَامِعُ هِيَ الْفَرْقُ مَا بَيْنَ الْوَلِيِّ وَفَاسِقٍ ... تَنَبَّهْ لَهَا فَالْأَمْرُ فِيهِ بَدَائِعُ وَمَا هُوَ إلَّا أَنَّهُ قَبْلَ وَقْعِهِ ... يُخْبِرُ قَلْبِي بِاَلَّذِي هُوَ وَاقِعُ فَأَجْنِي الَّذِي يَقْضِيهِ فِي مُرَادِهَا ... وَعَيْنِي لَهَا قَبْلَ الْفِعَالِ تُطَالِعُ

تَعَالَى مُوجِبَةٌ لِنُورِ الْبَصِيرَةِ) مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: 35] الْآيَةُ.
وَقَالَ شَيْخُنَا الْأَمِيرُ عَنْ شَيْخِنَا الْمُصَنِّفِ: مَنْ ذَكَرَ ثَلَثَمِائَةٍ يُقَالُ ذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا فَيَدْخُلُ فِي الْآيَةِ.
وَصَلَاةُ التَّسَابِيحِ فِيهَا ثَلَثُمِائَةِ تَسْبِيحَةٍ وَثَلَثُمِائَةِ تَحْمِيدَةٍ إلَخْ.
فَمَنْ فَعَلَهَا كُتِبَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ كَثِيرًا الْحَامِدِينَ كَثِيرًا إلَخْ اهـ

[حاشية الصاوي]

فَكُنْت أَرَى مِنْهَا الْإِرَادَةَ قَبْلَ مَا ... أَرَى الْفِعْلَ مِنِّي وَالْأَسِيرُ مُطَاوِعُ إذَا كُنْت فِي أَمْرِ الشَّرِيعَةِ عَاصِيًا ... فَإِنِّي فِي حُكْمِ الْحَقِيقَةِ طَائِعُ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى تُحْمَلُ الْوَقَائِعُ الْخِضْرِيَّةُ وَوَقَائِعُ إخْوَةِ يُوسُفَ مَعَهُ وَأَكْلُ آدَمَ مِنْ الشَّجَرَةِ فَتَأَمَّلْ إنْ كُنْت مِنْ أَهْلِ النُّورِ وَإِلَّا فَسَلِّمْ لِأَهْلِهِ مَقَالَهُمْ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَإِذَا لَمْ تَرَ الْهِلَالَ فَسَلِّمْ ... لِأُنَاسٍ رَأَوْهُ بِالْأَعْيَانِ قَوْلُهُ: [قَالَ تَعَالَى وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا] : إنْ قُلْت إنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى غُفْرَانِ الذُّنُوبِ وَعِظَمِ الْأَجْرِ وَالْمُصَنِّفُ أَخْبَرَ بِأَنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ تُوجِبُ نُورَ الْبَصِيرَةِ فَلَمْ يَكُنْ الدَّلِيلُ مُطَابِقًا لِلدَّعْوَى؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ غُفْرَانَ الذُّنُوبِ وَعِظَمَ الْأَجْرِ يَسْتَلْزِمُ نُورَ الْبَصِيرَةِ قَالَ الشَّاعِرُ: إنَارَةُ الْعَقْلِ مَكْسُوفٌ بِطَوْعِ هَوًى ... وَعَقْلُ عَاصِي الْهَوَى يَزْدَادُ تَنْوِيرًا قَوْلُهُ: [فَيَدْخُلُ فِي الْآيَةِ] : أَيْ فَيَتَحَقَّقُ لَهُ الْوَعْدُ الَّذِي فِي الْآيَةِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَذْكُرُ ذَلِكَ الْعَدَدَ وَلَوْ فِي الْعُمُرِ مَرَّةً، لَكِنْ الْعَارِفُونَ جَعَلُوا ذَلِكَ الْعَدَدَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَهَذَا أَقَلُّ الذِّكْرِ عِنْدَ الْعَامَّةِ، وَأَمَّا ذِكْرُ الْمُرِيدِينَ فَأَقَلُّهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَأَمَّا ذِكْرُ الْوَاصِلِينَ فَهُوَ عَدَمُ خُطُورِ غَيْرِهِ تَعَالَى بِبَالِهِمْ كَمَا قَالَ الْعَارِفُ ابْنُ الْفَارِضِ وَلَوْ خَطَرَتْ لِي فِي سِوَاك إرَادَةٌ ... عَلَى خَاطِرِي يَوْمًا حَكَمْت بِرِدَّتِي قَوْلُهُ: [وَثَلَثُمِائَةِ تَحْمِيدَةٍ] إلَخْ: أَيْ وَثَلَثُمِائَةِ تَهْلِيلَةٍ وَثَلَثُمِائَةِ تَكْبِيرَةٍ.
قَوْلُهُ: [الْحَامِدِينَ كَثِيرًا] إلَخْ: أَيْ الْمُهَلِّلِينَ كَثِيرًا الْمُكَبِّرِينَ كَثِيرًا.
وَصِفَةُ صَلَاةِ التَّسَابِيحِ الَّتِي عَلَّمَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ وَجَعَلَهَا الصَّالِحُونَ مِنْ أَوْرَادِ طَرِيقِهِمْ وَوَرَدَ فِي فَضْلِهَا أَنَّ مَنْ فَعَلَهَا وَلَوْ مَرَّةً فِي عُمُرِهِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي وَقْتِ حَلِّ النَّافِلَةِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَالْأَفْضَلُ أَنْ

وَقَدْ طَلَبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذِّكْرَ فَقَالَ: «لَا يَجْلِسُ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قَوْلُهُ: " تِرَةً " بِمُثَنَّاةٍ فَوْقُ ثُمَّ رَاءٍ مُهْمَلَةٍ: النَّقْصُ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ذِكْرُ اللَّهِ شِفَاءُ الْقُلُوبِ» قَالَ الشَّعْرَانِيُّ عَنْ

[حاشية الصاوي]

تَكُونَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ خُصُوصًا لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ خُصُوصًا فِي رَمَضَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى أُمَّ الْقُرْآنِ وَشَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ وَيَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ خَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ يَرْكَعُ فَيَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ يَرْفَعُ فَيَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ يَسْجُدُ فَيَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ يَرْفَعُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فَيَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ فَيَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ يَرْفَعُ مِنْ السَّجْدَةِ الْأَخِيرَةِ فَيَقُولُهَا عَشْرًا، إمَّا بَعْدَ الْقِيَامِ وَقَبْلَ الْقِرَاءَةِ أَوْ قَبْلَ الْقِيَامِ ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَقُولُ الْعَشَرَةَ الْأَخِيرَةَ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ التَّشَهُّدِ.
وَالْأَفْضَلُ فِي مَذْهَبِنَا أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَأْتِيَ بِالرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِنِيَّةٍ وَتَكْبِيرٍ وَيَفْعَلَ فِيهِمَا كَمَا فَعَلَ فِي الْأُولَيَيْنِ، ثُمَّ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ الْأَرْبَعِ يَدْعُو بِالدُّعَاءِ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك تَوْفِيقَ أَهْلِ الْهُدَى وَأَعْمَالَ أَهْلِ الْيَقِينِ، وَمُنَاصَحَةَ أَهْلِ التَّوْبَةِ وَعَزْمَ أَهْلِ الصَّبْرِ، وَجَدَّ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَطَلَبَ أَهْلِ الرَّغْبَةِ، وَتَعَبُّدَ أَهْلِ الْوَرَعِ وَعِرْفَانَ أَهْلِ الْعِلْمِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مَخَافَةً تَحْجِزُنِي بِهَا عَنْ مَعَاصِيك حَتَّى أَعْمَلَ بِطَاعَتِك عَمَلًا أَسْتَحِقُّ بِهِ رِضَاك وَحَتَّى أُنَاصِحَكَ فِي التَّوْبَةِ خَوْفًا مِنْك، وَحَتَّى أَتَوَكَّلَ عَلَيْك فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا حُسْنَ ظَنٍّ بِك سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ» (اهـ) وَحِكْمَةُ اخْتِيَارِهِمْ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَرِقِّي الْمَرَاتِبِ إلَى مَقَامِ الْجَمْعِيَّةِ بِاَللَّهِ يَعْرِفُ هَذَا مَنْ فَهِمَ مَعْنَى الْحَدِيثِ، وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ الَّتِي كَانَ يَأْمُرُنَا بِهَا شَيْخُنَا الْمُصَنِّفُ.
قَوْلُهُ: [وَقَدْ طَلَبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] : الطَّلَبُ هُنَا بِطَرِيقِ اللَّازِمِ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ وَعِيدٌ عَلَى تَرْكِ الذِّكْرِ.
قَوْلُهُ: [بِمُثَنَّاةٍ فَوْقَ] : أَيْ مَكْسُورَةٌ.
وَقَوْلُهُ: [النَّقْصُ] : أَيْ الدَّرَجَاتُ عَنْ مَرَاتِبِ الْأَخْيَارِ.
قَوْلُهُ: [شِفَاءُ الْقُلُوبِ] : أَيْ مِنْ الدَّاءِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ.

دَاوُد الطَّائِيِّ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -: كُلُّ نَفْسٍ تَخْرُجُ مِنْ الدُّنْيَا عَطْشَانَةٌ إلَّا نَفْسَ الذَّاكِرِينَ، وَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: إنِّي لَأَعْرِفُ مَتَى يَذْكُرُنِي اللَّهُ تَعَالَى.
قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إذَا ذَكَرْته تَعَالَى ذَكَرَنِي قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152] وَوَرَدَ: «لَيْسَ أَحَدٌ أَبْغَضَ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ كَرِهَ الذِّكْرَ وَالذَّاكِرِينَ» . (وَأَفْضَلُهُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْضَلُ مَا قُلْته أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لِكُلِّ شَيْءٍ مِصْقَلَةٌ، وَمِصْقَلَةُ الْقَلْبِ الذِّكْرُ، وَأَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ فِي رِسَالَةٍ فِي ذَلِكَ: اعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مُرَقَّقَةٌ وَلَا يُفَخَّمُ مِنْهَا إلَّا لَفْظُ الْجَلَالَةِ فَقَطْ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْأَفْصَحِ نَقْصُ الْمَدِّ فِي أَدَاةِ النَّفْيِ الَّتِي بَعْدَهَا الْهَمْزَةُ عَنْ ثَلَاثِ حَرَكَاتٍ، وَتَجُوزُ لِزِيَادَةٍ فِيهِ إلَى سِتِّ حَرَكَاتٍ، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَاسِعٌ، وَالْحَرَكَةُ مِقْدَارُ ضَمِّ الْأُصْبُعِ أَوْ فَتْحِهِ بِسُرْعَةٍ.
وَأَمَّا مَدُّ كَلِمَةِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [إلَّا نَفْسَ الذَّاكِرِينَ] : أَيْ فَإِنَّهُمْ يَمُوتُونَ وَلِسَانُهُمْ رَطْبٌ بِذِكْرِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: [قَالَ تَعَالَى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ] : مَعْنَى ذِكْرِ اللَّهِ لِعَبْدِهِ تَرَادُفُ رَحْمَتِهِ وَإِنْعَامَاتِهِ عَلَيْهِ وَإِشْهَارُ الثَّنَاءِ الْجَمِيلِ عَلَيْهِ فِي الْأَرْضِ وَفِي السَّمَاءِ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْته فِي نَفْسِي وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْته فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ» وَوَرَدَ أَيْضًا: «إنَّ اللَّهَ إذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلُ فَقَالَ إنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ ثُمَّ يُنَادِي جِبْرِيلُ فِي السَّمَاءِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ» . قَوْلُهُ: [مِمَّنْ كَرِهَ الذِّكْرَ وَالذَّاكِرِينَ] : أَيْ وَيُقَالُ: إنْ كَانَتْ تِلْكَ الْكَرَاهَةُ بُغْضًا فِي اللَّهِ وَأَهْلِ الذِّكْرِ فَهُوَ كَافِرٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ إنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَكُونُ مِمَّنْ يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ - فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون: 109 - 110] الْآيَةَ.
وَإِنْ كَانَ لِكَسَلٍ مِنْهُ فَهُوَ عَاصٍ.
قَوْلُهُ: [أَنَّ جَمِيعَ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ] : أَيْ حُرُوفُ كَلِمَتِهَا.
قَوْلُهُ: [عَنْ ثَلَاثِ حَرَكَاتٍ] : أَيْ لِأَنَّهُ مَدٌّ مُنْفَصِلٌ.

الْجَلَالَةِ فَلَا يَجُوزُ نَقْصُهُ عَنْ حَرَكَتَيْنِ؛ وَهُوَ الْمَدُّ الطَّبِيعِيُّ الَّذِي لَا تَتَحَقَّقُ طَبِيعَةُ الْحَرْفِ بِدُونِهِ.
ثُمَّ إنْ اتَّصَلَتْ كَلِمَةُ الْجَلَالَةِ بِشَيْءٍ، نَحْوُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ تَكَرَّرَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ مِرَارًا فَلَا تُزَادُ عَنْ حَرَكَةِ الْمَدِّ الطَّبِيعِيِّ.
وَأَمَّا إذَا سَكَنَتْ هَاءُ الْجَلَالَةِ لِلْوَقْفِ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ وَالْمَدُّ لِسِتِّ حَرَكَاتٍ وَيَجُوزُ التَّوَسُّطُ.
وَأَقْصَى مَا نُقِلَ عَنْ الْقُرَّاءِ الْمَدُّ إلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ حَرَكَةً وَلَوْ فِي الْوُجُوهِ الشَّاذَّةِ وَقَدْ نَهَى الْعُلَمَاءُ عَنْ الْوَقْفِ عَلَى لَا إلَهَ لِمَا فِيهِ مِنْ إيهَامِ التَّعْطِيلِ بَلْ يَصِلُهُ بِقَوْلِهِ: إلَّا اللَّهُ بِسُرْعَةٍ؛ وَلَا تُفَخَّمُ أَدَاةُ النَّفْيِ وَلَا يَضُمُّ الشَّفَتَيْنِ عِنْدَ النُّطْقِ بِهَا وَلَا تُبْدَلُ الْهَمْزَةُ يَاءً وَلَا يَزِيدُ مَدًّا لَهُ عَنْ الطَّبِيعِيِّ وَلْيَحْذَرْ مِنْ مَدِّ هَمْزَةِ اللَّهِ لِئَلَّا يَصِيرَ اسْتِفْهَامًا وَهُوَ وَاقِعٌ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ وَيَدَّعِي مَا لَا يَجُوزُ، وَيَأْكُلُونَ بَعْضَ حُرُوفِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمُشَرَّفَةِ، وَرُبَّمَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُمْ إلَّا أَصْوَاتٌ سَاذَجَةٌ.
وَلَيْسَ كَلَامُنَا مَعَ الْعَارِفِينَ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْوُجُوهَ وَاَلَّذِينَ يَغِيبُونَ؛

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [الَّذِي لَا تَتَحَقَّقُ طَبِيعَةُ الْحَرْفِ بِدُونِهِ] : بَيَانٌ لِوَجْهِ تَسْمِيَتِهِ طَبِيعِيًّا.
قَوْلُهُ: [وَأَقْصَى مَا نُقِلَ عَنْ الْقُرَّاءِ الْمَدُّ إلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ حَرَكَةً] : أَيْ وَعَلَيْهِ يَتَخَرَّجُ مَا وَرَدَ أَنَّ «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ثَلَاثًا بِمَدٍّ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ حَرَكَةً وَلَفْظَ الْجَلَالَةِ سِتًّا كُفِّرَتْ عَنْهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ كَبِيرَةٍ» . قَوْلُهُ: [لِمَا فِيهِ مِنْ إيهَامِ التَّعْطِيلِ] : أَيْ لِأَنَّهُ يُوهِمُ عَدَمَ الْأُلُوهِيَّةِ مِنْ أَصْلِهَا.
قَوْلُهُ: [وَلَا تُفَخَّمُ أَدَاةُ النَّفْيِ] : هَذَا مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ: اعْلَمْ أَنَّ جَمِيعَ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مُرَقَّقَةٌ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَزِيدُ مَدًّا لَهُ عَنْ الطَّبِيعِيِّ] : أَيْ وَلَا يُنْقِصُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: [لِئَلَّا يَصِيرَ اسْتِفْهَامًا] : أَيْ حَيْثُ مَدَّهَا مَفْتُوحَةً وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي ذِكْرِ الْجَلَالَةِ مُفْرَدًا، وَأَمَّا فِي حَالَةِ التَّهْلِيلِ فَقَدْ يَمُدُّونَ الْهَمْزَةَ الدَّاخِلَةَ عَلَى إلَّا اللَّهُ مَكْسُورَةً وَهُوَ أَيْضًا لَحْنٌ فَاحِشٌ.
قَوْلُهُ: [وَيَدَّعِي مَا لَا يَجُوزُ] : أَيْ يَدَّعِي دَلِيلًا لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِهِ كَأَنْ يَقُولَ هَكَذَا طَرِيقَةُ شَيْخِنَا، وَالْحَالُ أَنَّ شَيْخَهُ غَيْرُ عَارِفٍ أَوْ عَارِفٌ أَوْ وَلَمْ يَثْبُتْ النَّقْلُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: [الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْوُجُوهَ] : أَيْ كَمَا نُقِلَ عَنْ سَيِّدِي مُحَمَّدٍ الدِّمِرْدَاشِ

إذْ الْغَائِبُ عَنْ نَفْسِهِ لَا لَوْمَ عَلَيْهِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ يَحْذَرُ مِنْ تَرْكِ الْهَاءِ مِنْ اللَّهِ.
فَإِذَا ذَكَرَ ذِكْرًا شَرْعِيًّا أَوْرَثَ لَهُ الْأَنْوَارَ وَالثَّوَابَ الْأَعْظَمَ.
وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ فَضْلِ الذَّاكِرِ وَالذِّكْرِ وَبُغْضِ اللَّهِ مَنْ يَبْغُضُ الذَّاكِرِينَ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ صَبَاحًا ثُمَّ قَالَهَا مَسَاءً نَادَى مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَلَا أَقْرِنُوا الْأُخْرَى بِالْأُولَى» . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا مِنْ حَافِظَيْنِ رَفَعَا إلَى اللَّهِ مَا حَفِظَا مِنْ عَمَلِ الْعَبْدِ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَيَرَى فِي أَوَّلِ الصَّحِيفَةِ خَيْرًا وَفِي آخِرِهَا خَيْرًا، إلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْت لِعَبْدِي مَا بَيْنَ طَرَفَيْ الصَّحِيفَةِ» . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لِكُلِّ شَيْءٍ مِفْتَاحٌ وَمِفْتَاحُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» أَيْ تُفْتَحُ بَرَكَاتُهُمَا بِهَا وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:

[حاشية الصاوي]

أَنَّهُ يَذْكُرُ اسْمَ الْجَلَالَةِ مَمْدُودَ الْهَمْزَةِ عَلَى صُورَةِ الْمُسْتَفْهِمِ فَمِثْلُ هَذَا لَهُ وَجْهٌ صَحِيحٌ يَقْصِدُهُ وَيُقَلَّدُ فِيهِ، وَقَدْ سُئِلْت عَنْ ذَلِكَ فَأَلْهَمَنِي اللَّهُ أَنَّ الشَّيْخَ يَجْعَلُ الْهَمْزَةَ لِلنِّدَاءِ كَمَا قَالَ ابْنُ مَالِكٍ وَالْهَمْزَةُ لِلدَّانِي.
قَوْلُهُ: [إذْ الْغَائِبُ عَنْ نَفْسِهِ لَا لَوْمَ عَلَيْهِ] : أَيْ كَمَا قَالَ الْعَارِفُ: وَبَعْدَ الْفَنَا فِي اللَّهِ كُنْ كَيْفَمَا تَشَا ... فَعِلْمُك لَا جَهْلٌ وَفِعْلُك لَا وِزْرُ وَقَالَ ابْنُ التِّلْمِسَانِيِّ: فَلَا تَلُمْ السَّكْرَانَ فِي حَالِ سُكْرِهِ ... فَقَدْ رُفِعَ التَّكْلِيفُ فِي سُكْرِنَا عَنَّا فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِآدَابِ الذِّكْرِ وَادَّعَى الْحَالَ نَتْرُكُهُ فَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ.
قَوْلُهُ: [وَبُغْضِ اللَّهِ] : بِالْجَرِّ مَعْطُوفٌ عَلَى عَظِيمِ.
قَوْلُهُ: [أَلَا أَقْرِنُوا الْأُخْرَى بِالْأُولَى] : أَيْ فَالْمُرَادُ مَحْوُ مَا بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ مِنْ الذُّنُوبِ.
قَوْلُهُ: [قَالَ اللَّهُ لِلْمَلَائِكَةِ] : لَعَلَّهُمْ الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِالْأَعْمَالِ.
قَوْلُهُ: [يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ] : أَيْ لَا بِقَصْدِ رِيَاءٍ وَلَا سُمْعَةٍ وَلَا تُقْيَةٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا كَالْمُنَافِقِينَ.
قَوْلُهُ: [أَيْ تُفْتَحُ بَرَكَاتُهُمَا بِهَا] : أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96]

«إذَا قَالَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ خُرِقَتْ السَّمَوَاتُ حَتَّى تَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ فَيَقُولُ: اُسْكُنِي، فَتَقُولُ: كَيْفَ أَسْكُنُ وَلَمْ تَغْفِرْ لِقَائِلِي؟ فَيَقُولُ: مَا أَجْرَيْتُك عَلَى لِسَانِهِ إلَّا وَقَدْ غَفَرْت لَهُ» . وَلَا يَخْفَى عَلَيْك تَنَزُّهُهُ تَعَالَى عَنْ الْمَكَانِ وَالْجَارِحَةِ وَعَدَمِ تَمَثُّلِ الْمَعَانِي وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تَرْفَعُ عَنْ قَائِلِهَا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ بَابًا أَدْنَاهَا الْهَمُّ» وَفِي رِوَايَةٍ: " اللَّمَمُ " وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْلَا مَنْ يَقُولُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَسُلِّطَتْ جَهَنَّمُ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا» . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، كَانَتْ لَهُ كَفَّارَةً لِكُلِّ ذَنْبٍ» وَوَرَدَ: «مَا عَادَانِي أَحَدٌ مِثْلُ مَنْ عَادَى الذَّاكِرِينَ» كَمَا تَقَدَّمَ فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ بُغْضِ أَهْلِ اللَّهِ الْمَشْغُولِينَ بِذِكْرِهِ، وَبِالضَّرُورَةِ مَنْ يَذْكُرُ الْمُنْعِمَ عَلَيْك الرَّءُوفَ الرَّحِيمَ فَإِنَّك تُحِبُّهُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَلَا يَخْفَى عَلَيْك تَنَزُّهُهُ] : جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ: إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُوهِمُ الْمَكَانَ لِلَّهِ وَالْيَدَ لَهُ وَتَصِيرُ الْمَعَانِي أَجْسَامًا.
فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا مُؤَوَّلٌ لِقَوْلِ صَاحِبِ الْجَوْهَرَةِ: وَكُلُّ نَصٍّ أَوْهَمَ التَّشْبِيهَا ... أَوِّلْهُ أَوْ فَوِّضْ وَرُمْ تَنْزِيهَا فَيُؤَوَّلُ قَوْلُهُ حَتَّى تَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ بَيْنَ يَدَيْ الْمَلَائِكَةِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ تَمْثِيلِ الْمَعَانِي عَلَى الصَّحِيحِ أَوْ أَنَّ الَّذِي يَخْرِقُ السَّمَوَاتِ الْمَلَكُ الصَّاعِدُ بِهَا.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَعَدَمُ تَمَثُّلِ الْمَعَانِي صَوَابُهُ حَذْفُ عَدَمٍ وَقَوْلُهُمْ يَسْتَحِيلُ قَلْبُ الْحَقَائِقِ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَقْسَامُ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ بِأَنْ يَصِيرَ الْوَاجِبُ جَائِزًا أَوْ مُسْتَحِيلًا مَثَلًا.
قَوْلُهُ: [تِسْعَةً وَتِسْعِينَ بَابًا] : أَيْ مِنْ الْبَلَايَا كَمَا وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: [وَفِي رِوَايَةٍ اللَّمَمُ] : بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ أَيْ مَا أَلَمَّ بِالشَّخْصِ وَنَزَلَ بِهِ مِنْ حَوَادِثِ الدَّهْرِ.
قَوْلُهُ: [كَانَتْ لَهُ كَفَّارَةً لِكُلِّ ذَنْبٍ] : ظَاهِرُهُ حَتَّى لِلْكَبَائِرِ وَلِذَلِكَ اتَّخَذَهَا الْعَارِفُونَ عَتَاقَةً وَاخْتَارُوا أَنْ تَكُونَ سَبْعِينَ أَلْفًا؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ بِهَا أَثَرٌ كَمَا نُقِلَ عَنْ الشَّيْخِ السُّنُوسِيِّ.
قَوْلُهُ: [كَمَا تَقَدَّمَ] : أَيْ مَا يُفِيدُ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِهِ لَيْسَ أَحَدٌ أَبْغَضَ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ كَرِهَ الذِّكْرَ وَالذَّاكِرِينَ.

وَلَا يَبْغُضُ ذَاكِرَهُ إلَّا لَئِيمٌ شَقِيٌّ وَكَيْفَ يَكْرَهُ مَنْ فِي قَلْبِهِ إيمَانٌ ذِكْرَ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَالْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْقَوْلِ السَّدِيدِ.
وَالْقَوْلِ الصَّوَابِ وَكَلِمَةِ التَّقْوَى وَدَعْوَةِ الْحَقِّ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْحَسَنَةِ وَالْإِحْسَانِ كَمَا فُسِّرَتْ بِهِ الْآيَاتُ قَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: 24] الْآيَةَ، عَلَى أَنَّ الشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ.
وَكَلِمَةُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تُؤْتِي أَسْرَارًا وَأَنْوَارًا وَبَرَكَةً كُلَّ لَحْظَةٍ يُدْرِكُ ذَلِكَ أَهْلُهَا، اللَّهُمَّ أَلْحِقْنَا بِهِمْ وَامْلَأْ قُلُوبَنَا مِنْ حُبِّهِمْ.
(فَعَلَى الْعَاقِلِ) : الْمُتَّصِفِ بِالْعَقْلِ الرَّاجِحِ (الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِهَا) بِدُونِ حَدٍّ (حَتَّى تَمْتَزِجَ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ) : هَذَا مَعْنًى يُدْرِكُهُ أَرْبَابُهُ مِنْ كَثْرَةِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَلَا يَبْغُضُ ذَاكِرَهُ] : أَيْ ذَاكِرُ الْمُنْعِمِ عَلَيْك الرَّءُوفِ.
قَوْلُهُ: [كَمَا فُسِّرَتْ بِهِ الْآيَاتُ] : أَيْ آيَةُ: ﴿مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: 24] وَآيَةُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10] وَآيَةُ: ﴿وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70] وَآيَةُ: ﴿وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: 38] ، وَآيَةُ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: 26] وَآيَةُ: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: 14] وَآيَةُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [النمل: 89] وَآيَةُ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60] . قَوْلُهُ: [فَعَلَى الْعَاقِلِ] : أَيْ يَلْزَمُهُ شَرْعًا وَعَقْلًا وَطَبْعًا كَمَا قَالَ الْعَارِفُ: ثَنَائِي عَلَيْك يَا مَلِيحَةُ وَاجِبٌ ... وَحُبِّي لَك فَرْضٌ عَلَى كُلِّ أَجْزَائِي قَوْلُهُ: [حَتَّى تَمْتَزِجَ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ] : أَيْ يَمْتَزِجُ حُبُّ مَدْلُولِهَا الْمَقْصُودِ وَهُوَ مَا بَعْدَ إلَّا فَيَسْرِي فِي الْبَدَنِ كَسَرَيَانِ الْمَاءِ فِي الْعُودِ الْأَخْضَرِ كَمَا أَفَادَ هَذَا فِي الْحَدِيثِ: «كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا» ، وَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ هِيَ الْمُدَاوَمَةُ الَّتِي قَالَ فِيهَا ابْنُ الْفَارِضِ: شَرِبْنَا عَلَى ذِكْرِ الْحَبِيبِ مُدَامَةً ... سَكِرْنَا بِهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخْلَقَ الْكَرْمُ إلَى آخِرِ مَا قَالَ.

إجْرَائِهَا عَلَى الْأَلْسُنِ وَالتَّفَكُّرِ فِي مَعْنَاهَا وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَى الْمَعْنَى، فَإِنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا إلَهَ غَيْرُهُ تَعَالَى وَأَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْإِيجَادِ وَالْإِحْسَانِ وَالنَّفْعِ وَالضَّرِّ بِلَا غَرَضٍ وَلَا شَرِيكٍ نَشَأَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِ تَعَالَى وَاعْتِمَادٌ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ فَظَهَرَتْ عَلَيْهِ أَنْوَارٌ مَعْنَوِيَّةٌ وَحِسِّيَّةٌ (فَيَتَنَوَّعُ مِنْ مُجْمَلِ نُورِهَا عِنْدَ امْتِزَاجِهَا بِالرُّوحِ وَالْبَدَنِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْأَذْكَارِ الظَّاهِرِيَّةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ الَّتِي مِنْهَا التَّفَكُّرُ فِي دَقَائِقِ الْحِكَمِ الْمُنْتِجَةِ لِدَقَائِقِ الْأَسْرَارِ) فَيَصِيرُ مِنْ أَهْلِ الْحَضْرَةِ الشَّاهِدِينَ الْحَاضِرِينَ مَعَ النَّاسِ بِأَبْدَانِهِمْ الْغَائِبِينَ فِي حُبِّهِ؛ كَشَيْخِنَا الْمُصَنِّفِ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَمَا زَالَ يَتَرَقَّى فِي أَحْوَالٍ لَا تُدْرَكُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَالْعَمَلُ يَقْتَضِي الْمَعْنَى] : أَيْ الْخِدْمَةُ عَلَى حَسْبِ مَا شَاهَدَ مِنْ جَمَالِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ كَمَا قَالَ الْعَارِفُ الدُّسُوقِيُّ: قَدْ كَانَ فِي الْقَلْبِ أَهْوَاءٌ مُفَرَّقَةٌ ... فَاسْتَجْمَعَتْ مُذْ رَأَتْك الْعَيْنُ أَهْوَائِي تَرَكْت لِلنَّاسِ دُنْيَاهُمْ وَدِينَهُمْ ... شُغْلًا بِحُبِّك يَا دِينِي وَدُنْيَائِي قَوْلُهُ: [أَنْوَارٌ مَعْنَوِيَّةٌ] : أَيْ وَهِيَ الْعُلُومُ الرَّبَّانِيَّةُ.
وَقَوْلُهُ: [وَحِسِّيَّةٌ] : أَيْ وَهِيَ صُفْرَتُهُ وَنُحُولَتُهُ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [مِنْ مُجْمَلِ نُورِهَا] : وَهِيَ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ وَالْمُرَادُ بِنُورِهَا الْمُجْمَلِ مَعْنَاهَا الَّذِي يَسْتَحْضِرُهُ التَّالِي.
قَوْلُهُ: [جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْأَذْكَارِ] : أَيْ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْهَمْزِيَّةِ: وَإِذَا حَلَّتْ الْهِدَايَةُ قَلْبًا ... نَشِطَتْ فِي الْعِبَادَةِ الْأَعْضَاءُ قَوْلُهُ: [الَّتِي مِنْهَا التَّفَكُّرُ] : صِفَةٌ لِلْبَاطِنِيَّةِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ التَّفَكُّرُ هُوَ أَفْضَلُ الْأَذْكَارِ؛ لِأَنَّ بِهِ تَنْفَجِرُ يَنَابِيعُ الْحِكَمِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ: ذَرَّةٌ مِنْ عَمَلِ الْقُلُوبِ خَيْرٌ مِنْ مَثَاقِيلِ الْجِبَالِ مِنْ عَمَلِ الْأَبْدَانِ.
قَوْلُهُ: [الْحِكَمِ] : الْمُرَادُ بِهَا صُنْعُهُ تَعَالَى قَالَ فِي الْجَوْهَرَةِ: فَانْظُرْ إلَى نَفْسِك ثُمَّ انْتَقِلْ ... لِلْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ ثُمَّ السُّفْلِيِّ تَجِدْ بِهِ صُنْعًا بَدِيعَ الْحِكَمِ قَوْلُهُ: [وَمَا زَالَ يَتَرَقَّى] : أَيْ صَاحِبُ هَذَا الْمَقَامِ.
قَوْلُهُ: [فِي أَحْوَالٍ لَا تُدْرَكُ] : أَيْ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَذُقْ مَذَاقَهُ كَمَا قَالَ الْعَارِفُ الْبَكْرِيُّ:

وَذَلِكَ سِرٌّ سَرَى لَهُ مِنْ سَيِّدِ الْكَائِنَاتِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا تَرَقَّى لِوَلِيٍّ لِحَالٍ إلَّا رَأَى الْحَالَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ حَسَنًا، إلَّا نَقْصًا؛ وِرَاثَةً مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي حَتَّى أَسْتَغْفِرَ اللَّهَ سَبْعِينَ مَرَّةً» وَهُوَ غَيْنُ أَنْوَارٍ لَا غَيْنُ أَغْيَارٍ فَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَرَقَّى فِي أَحْوَالِ الْمَعَالِي فَمَتَى تَرَقَّى لِحَالٍ رَأَى الْحَالَ الْمَنْقُولَ عَنْهُ نَقْصًا بِالنِّسْبَةِ لِلْحَالِ الْمَنْقُولِ إلَيْهِ، فَيَسْتَغْفِرُ مِنْهُ وَهُوَ مَحْمَلُ قَوْلِهِمْ: حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ.

(وَمِنْهَا التَّفَكُّرُ فِي دَقَائِقِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُوَصِّلُ لِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ) : كَمَا وَقَعَ لِلْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَمَنْ تَبِعَهُمْ (وَمِنْهَا مُرَاقَبَةُ اللَّهِ) التَّفَكُّرُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَجَلَالِهِ (عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى

[حاشية الصاوي]

فَحِمَانَا كَالسَّمَا وَسَمَا ... مَا رَقَاهُ غَيْرَ أَوَّابِ دُونَهُ قَطْعُ الرِّقَابِ فَقُمْ ... أَيُّهَا السَّارِي عَلَى الْبَابِ قَوْلُهُ: [وَذَلِكَ سِرٌّ سَرَى] : أَيْ التَّرَقِّي فِي الْمَقَامَاتِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا نَقْصًا] : الصَّوَابُ حَذْفُ إلَّا.
قَوْلُهُ: [حَتَّى أَسْتَغْفِرَ اللَّهَ] : أَيْ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ كَمَا وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ غَيْنُ أَنْوَارٍ] : أَيْ حَجْبُ أَنْوَارٍ يَزِيدُ بَعْضُهَا فِي النُّورِ عَلَى بَعْضٍ، فَحِينَ يَعْلُو لِمَقَامِ الْأَنْوَارِ يَسْتَغْفِرُ مِنْ الْأَنْقَصِ نُورًا؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ سَبْعِينَ أَلْفَ حِجَابٍ مِنْهَا مَا هُوَ نُورَانِيٌّ وَمِنْهَا مَا هُوَ ظَلْمَانِيٌّ، فالظلمانية هِيَ حَجْبُ الْأَغْيَارِ وَلَيْسَتْ مُرَادَةً؛ لِأَنَّهَا لِغَيْرِ الْوَاصِلِينَ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ الَّذِي قَالَهُ الشَّارِحُ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ نَقْلًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ رَآهُ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُ مَا مَعْنَى قَوْلِك فِي الْحَدِيثِ إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَقَالَ غَيْنُ أَنْوَارٍ لَا غَيْنَ أَغْيَارٍ يَا مُبَارَكُ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ غَيْنُ أَنْوَارٍ] : لَيْسَ مِنْ الْحَدِيثِ بَلْ هُوَ تَفْسِيرٌ لَهُ.

قَوْلُهُ: [وَمِنْهَا] : أَيْ مِنْ الْبَاطِنِيَّةِ قَوْلُهُ: [التَّفَكُّرُ فِي دَقَائِقِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ] إلَخْ: أَيْ عَلَى طِبْقِ الْقَوَاعِدِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَمِنْهَا مُرَاقَبَةُ] : أَيْ مِنْ الْبَاطِنِيَّةِ أَيْضًا.

لَا يَسْتَطِيعَ أَنْ يَفْعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ) حَيَاءً مِنْ اللَّهِ.
(وَمِنْهَا طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ بِكُلِّ مَا وَقَعَ فِي الْعَالَمِ) لِعِلْمِهِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِمُرَادِ مَالِكِهِ، وَهَلْ إرَادَةُ الْعَبْدِ وُقُوعَ شَيْءٍ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ وُقُوعَهُ تُفِيدُ؟ أَوْ إرَادَتُهُ عَدَمَ وُقُوعِ شَيْءٍ أَرَادَ الْمَالِكُ وُقُوعَهُ تُفِيدُ؟ كَلَا وَاَللَّهِ؟ لَا يَكُونُ إلَّا مَا يُرِيدُ جَلَّ وَعَلَا فَحِينَئِذٍ يَرْضَى الْعَبْدُ بِمُرَادِ سَيِّدِهِ فِي مِلْكِهِ (مِنْ غَيْرِ انْزِعَاجٍ وَلَا اعْتِرَاضٍ فَيَتِمُّ لَهُ التَّسْلِيمُ لِلْعَلِيمِ الْحَكِيمِ) : فَيَفُوزُ بِكَوْنِهِ مَحْبُوبًا غَيْرَ مَذْمُومٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّسْلِيمَ وَالِاسْتِسْلَامَ وَالِانْقِيَادَ وَالتَّفْوِيضَ مُتَرَادِفَةٌ، وَهُوَ أَنْ يُفَوِّضَ الْعَبْدُ اخْتِيَارَهُ إلَى اخْتِيَارِ مَوْلَاهُ وَيَرْضَى بِمَا يَخْتَارُهُ مَوْلَاهُ، وَقِيلَ: التَّفْوِيضُ قَبْلَ نُزُولِ الْقَضَاءِ، وَالتَّسْلِيمُ بَعْدَ نُزُولِهِ.
(وَمِنْهَا: وُفُورُ مَحَبَّةِ اللَّهِ) فَيَصِيرُ مِنْ أَهْلِ الْمَحْوِ وَالْإِثْبَاتِ؛ فَيَمْحُو أَوْصَافَ الْعَادَةِ وَيَنْسَلِخُ عَنْ كُلِّ وُجُودٍ غَيْرِ وُجُودِ الْحَقِّ وَتَثْبُتُ لَهُ صِفَاتُ التَّيَقُّظِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [حَيَاءً مِنْ اللَّهِ] : أَيْ فَيَمْنَعُهُ الْحَيَاءُ مِنْ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ خَوْفُ الْعِقَابِ.
قَوْلُهُ: [وَمِنْهَا طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ] : أَيْ مِنْ الْبَاطِنِيَّةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: [وَهَلْ إرَادَةُ الْعَبْدِ وُقُوعَ شَيْءٍ] إلَخْ: كَلَامٌ رَكِيكٌ فَالْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ وَإِنَّ إرَادَةَ الْعَبْدِ لَا تُفِيدُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: [فَيَفُوزُ بِكَوْنِهِ مَحْبُوبًا غَيْرَ مَذْمُومٍ] : أَيْ لِأَنَّهُ وَرَدَ: " مَنْ رَضِيَ لَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ لَهُ السَّخَطُ " قَالَ الْعَارِفُ: فَازَ مَنْ سَلَّمَ الْأُمُورَ إلَيْهِ ... وَشَقِيَ مَنْ غَرَّهُ الْإِنْكَارُ قَوْلُهُ: [وَمِنْهَا وُفُورُ مَحَبَّةِ اللَّهِ] : أَيْ مِنْ الْبَاطِنِيَّةِ أَيْضًا وَإِضَافَةُ وُفُورٍ لِمَا بَعْدَهُ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ أَيْ مَحَبَّةُ اللَّهِ الْوَافِرَةُ الزَّائِدَةُ عَنْ مَحَبَّةِ الْعَوَامّ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ يُحِبُّونَ اللَّهَ، وَإِنَّمَا تَتَمَيَّزُ الْخَوَاصُّ بِالزِّيَادَةِ.
قَوْلُهُ: [فَيَمْحُو أَوْصَافَ الْعَادَةِ] إلَخْ: تَفْسِيرٌ لِمَعْنَى الْمَحْوِ وَالْإِثْبَاتِ.
قَوْلُهُ: [يَنْسَلِخُ عَنْ كُلِّ وُجُودٍ] : أَيْ عَنْ الشُّغْلِ بِوُجُودِ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: اللَّهَ قُلْ وَذَرْ الْوُجُودَ وَمَا حَوَى ... إنْ كُنْت مُرْتَادًا بُلُوغَ كَمَالِ

الْمُوَصِّلَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى (حَتَّى) صَارَتْ نَفْسُهُ مُطْمَئِنَّةً رُوحَانِيَّةً فَيُثْمِرُ لَهَا أَنْ (تَمِيلَ إلَى عَالَمِ) بِفَتْحِ اللَّامِ (الْغَيْبِ وَالْقُدْسِ) عَالَمُ الْغَيْبِ: مَا غَابَ عَنْ الْمُشَاهَدَةِ بِالنَّظَرِ لِلْخَلْقِ؛ فَمِثْلُ الْجَنَّةِ الْمُقَدَّسَةِ عَنْ شَوَائِبِ الْكَدَرِ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ (أَكْثَرَ مِنْ مَيْلِهَا إلَى عَالَمِ الشَّهَادَةِ وَالْحِسِّ) عَطْفُ مُرَادِفٍ.
(فَ) بِسَبَبِ وُفُورِ الْمَحَبَّةِ إلَخْ (تَشْتَاقُ) الِاشْتِيَاقَ مَحَبَّةً خَاصَّةً وُجْدَانِيَّةً (إلَى لِقَائِهَا بَارِيَهَا) وَمُرَبِّيَهَا وَالْمُحْسِنَ إلَيْهَا (أَكْثَرَ مِنْ اشْتِيَاقِهَا لِأُمِّهَا وَأَبِيهَا) لِمَا عَرَفَتْهُ مِنْ الصَّوَابِ وَحَقِيقَةِ الْحَالِ، وَأَنَّهُ النَّافِعُ الْبَاقِي الَّذِي لَا يُعَادِلُ إحْسَانَهُ وَمُشَاهَدَتَهُ شَيْءٌ وَهَذَا فِيهِ عَقِيدَةُ الرُّؤْيَةِ الْمُثْبَتَةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُصَدِّقِينَ بِهَا لِأَدِلَّةٍ قُرْآنِيَّةٍ

[حاشية الصاوي]

فَالْكُلُّ دُونَ اللَّهِ إنْ حَقَّقْته ... عَدَمٌ عَلَى التَّفْصِيلِ وَالْإِجْمَالِ مَنْ لَا وُجُودَ لِذَاتِهِ مِنْ ذَاتِهِ ... فَوُجُودُهُ لَوْلَاهُ عَيْنُ مُحَالِ قَوْلُهُ: [مُطْمَئِنَّةً رُوحَانِيَّةً] : الْمُطْمَئِنَّةُ هِيَ الَّتِي سَكَنَتْ لِلْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالرُّوحَانِيَّةُ هِيَ الَّتِي تَجَرَّدَتْ عَنْ الطِّبَاعِ الشَّهْوَانِيَّةِ وَصَارَ الْحُكْمُ لِمُجَرَّدِ الرُّوحِ.
قَوْلُهُ: [عَطْفُ مُرَادِفٍ] : أَيْ فَالشَّهَادَةُ هِيَ الْحِسُّ؛ لِأَنَّهُ يُشَاهَدُ بِإِحْدَى الْحَوَاسِّ.
قَوْلُهُ: [الِاشْتِيَاقُ مَحَبَّةٌ خَاصَّةٌ وُجْدَانِيَّةٌ] : الْمُنَاسِبُ أَنْ يُفَسِّرَهُ بِتَوَلُّعِ قَلْبِ الْمُحِبِّ بِلِقَاءِ الْمَحْبُوبِ.
قَوْلُهُ: [الَّذِي لَا يُعَادِلُ إحْسَانَهُ] : أَيْ الَّذِي لَا يُمَاثِلُ وَشَيْءٌ فَاعِلُ يُعَادِلُ وَإِحْسَانَهُ وَمُشَاهَدَتَهُ مَفْعُولٌ.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا فِيهِ عَقِيدَةُ الرُّؤْيَةِ] : أَيْ لِأَنَّهُ مَا عَظُمَ اشْتِيَاقُهُمْ إلَّا لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بِعَيْنِ الْبَصَرِ فِي الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوْلَا اعْتِقَادِي أَنِّي أَرَاهُ فِي الْآخِرَةِ مَا عَبَّدْته وَفِي الْحَقِيقَةِ اشْتِيَاقُ أَهْلِ اللَّهِ لِلرُّؤْيَةِ الْمُعَجَّلَةِ فِي الدُّنْيَا وَهِيَ رُؤْيَةُ الْقَلْبِ بِمَعْنَى شُهُودِهِ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ، وَرُؤْيَةِ الْبَصَرِ فِي الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ الْفَارِضِ: فَيَا رَبّ بِالْخِلِّ الْحَبِيبِ مُحَمَّدٍ ... نَبِيِّك وَهُوَ السَّيِّدُ الْمُتَوَاضِعُ أَنِلْنَا مَعَ الْأَحْبَابِ رُؤْيَتَك الَّتِي ... إلَيْهَا قُلُوبُ الْأَوْلِيَاءِ تُسَارِعُ قَوْلُهُ: [لِأَدِلَّةٍ قُرْآنِيَّةٍ] مِنْهَا قَوْله تَعَالَى:

لَا تُصْرَفُ عَنْ ظَاهِرِهَا وَلِأَحَادِيثِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (فَإِذَا تَمَّ أَجَلُهَا) الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ فِي الْأَزَلِ (جَازَاهَا رَبُّهَا بِالْقَبُولِ) وَالرِّضَا وَعَدَمِ الطَّرْدِ وَأَفَاضَ عَلَيْهَا إنْعَامَهُ، فَكَانَ لَهَا الْخِتَامُ الْحَسَنُ لِلْأَجَلِ، كَمَا قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (وَحُسْنُ الْخِتَامِ) . وَفِي هَذَا بَرَاعَةُ التَّمَامِ؛ وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُتَكَلِّمُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ بِمَا يُؤْذِنُ بِانْتِهَائِهِ.
وَحُسْنُ الِانْتِهَاءِ مِمَّا يَنْبَغِي التَّأَنُّقُ فِيهِ عِنْدَ الْبُلَغَاءِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ مَا يَعِيهِ السَّمْعُ وَيُرْسَمُ فِي النَّفْسِ، فَإِذَا كَانَ مُسْتَلَذًّا جَبَرَ مَا قَبْلَهُ مِنْ التَّقْصِيرِ، كَالطَّعَامِ اللَّذِيذِ بَعْدَ غَيْرِهِ، كَمَا يَنْبَغِي فِي الِابْتِدَاءِ لِيَكُونَ أَوَّلُ مَا يَقْرَعُ السَّمْعَ لَذِيذًا فَيُقْبِلُ السَّامِعُ

[حاشية الصاوي]

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: 22] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23] وَمِنْهَا: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين: 22] ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: 23] . قَوْلُهُ: [وَلِأَحَادِيثِهِ] : مِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» قَوْلُهُ: [فَإِذَا تَمَّ أَجَلُهَا] : أَيْ انْقَضَى عُمُرُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ نَفْسٌ مِنْ الدُّنْيَا حَتَّى تَسْتَوْفِيَ أَجَلَهَا وَرِزْقَهَا وَجَمِيعَ مَا قُدِّرَ لَهَا فِيهَا.
قَوْلُهُ: [جَازَاهَا رَبُّهَا بِالْقَبُولِ] : أَيْ أَظْهَرَ لَهَا الْمُجَازَاةَ بِذَلِكَ لِمَا وَرَدَ: «إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَخْرُجُ مِنْ الدُّنْيَا حَتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ فِي الْجَنَّةِ وَمَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لَهُ فِيهَا» فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ تَظْهَرُ الْبُشْرَى فِي وَجْهِهِ.
قَوْلُهُ: [وَحُسْنُ الْخِتَامِ] : أَيْ الْمَوْتُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْقَبُولِ الَّتِي ظَهَرَتْ أَمَارَاتُهُ وَإِنَّمَا خَصَّهُ؛ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ الْعَلَامَاتِ.
قَوْلُهُ: [بِمَا يُؤْذِنُ بِانْتِهَائِهِ] : أَيْ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 88] ؛ ﴿أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: 53] وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ: وَإِنِّي جَدِيرٌ إذْ بَلَغْتُك بِالْمُنَى ... وَأَنْتَ بِمَا أَمَلْت مِنْك جَدِيرُ فَإِنْ تُولِنِي مِنْك الْجَمِيلَ فَأَهْلُهُ ... وَإِلَّا فَإِنِّي عَاذِرٌ وَشَكُورُ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَأَحْسَنُهُ مَا آذَنَ بِانْتِهَاءِ الْكَلَامِ حَتَّى لَا يَبْقَى لِلنَّفْسِ تَشَوُّقٌ إلَى مَا وَرَاءَهُ كَقَوْلِهِ:

عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: بُشْرَى فَقَدْ أَنْجَزَ الْإِقْبَالُ مَا وَعَدَا (وَهَيَّأَ لَهَا دَارَ السَّلَامِ) الدَّارُ: هِيَ الْجَنَّةُ، وَالسَّلَامُ؛ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: أَيْ السَّالِمُ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ.
وَإِضَافَةُ الدَّارِ لَهُ لِلتَّشْرِيفِ، كَقَوْلِهِمْ: بَيْتُ اللَّهِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: عَبْدُ اللَّهِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْإِضَافَةَ مِنْ غَيْرِ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ عَلَى إرَادَةٍ أَنَّهُ صِفَةٌ لِلدَّارِ: أَيْ دَارُ السَّلَامَةِ الدَّائِمَةِ فَلَا تَنْقَطِعُ بِمَوْتٍ وَلَا كَدَرٍ.
(وَنَادَاهَا رَبُّهَا) بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ الْمُنَزَّهِ عَنْ صِفَاتِ الْحَوَادِثِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَادَاهَا مَلَكٌ وَهَذَا النِّدَاءُ عِنْدَ حُضُورِ أَسْبَابِ الْمَوْتِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَقِيلَ عِنْدَ الْبَعْثِ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عَزْرَائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَوْ جَذَبَ الرُّوحَ بِأَلْفِ سَلْسَلَةٍ مَا خَرَجَتْ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: 27] الْآيَةَ

[حاشية الصاوي]

بَقِيت بَقَاءَ الدَّهْرِ يَا كَهْفَ أَهْلِهِ ... وَهَذَا دُعَاءٌ لِلْبَرِيَّةِ شَامِلُ وَجَمِيعُ فَوَاتِحِ السُّوَرِ وَخَوَاتِمِهَا وَارِدَةٌ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ وَأَكْمَلِهَا.
قَوْلُهُ: [كَقَوْلِهِ بُشْرَى] إلَخْ: مِثَالٌ لِحُسْنِ الِابْتِدَاءِ.

قَوْلُهُ: [الدَّارُ هِيَ الْجَنَّةُ] : أَيْ فَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِدَارِ السَّلَامِ الْجَنَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ لِأَنَّهَا كُلَّهَا تُسَمَّى دَارَ سَلَامٍ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى الَّذِي قَالَهُ الشَّارِحُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ دَارِ السَّلَامِ الَّتِي هِيَ إحْدَى الْجِنَانِ السَّبْعِ الْوَارِدِ بِهَا الْحَدِيثُ.
قَوْلُهُ: [كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ] : قَدْ يُقَالُ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّ النِّدَاءَ بَعْدَ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: [حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ] إلَخْ: هَذَا ظَاهِرٌ فِي النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرَةُ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ أَصْلًا؛ لِأَنَّهَا لَا تُنَادَى بِذَلِكَ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَعْسُرُ خُرُوجُهَا وَإِخْرَاجُهَا مِنْ الْبَدَنِ كَإِخْرَاجِ الْمَاءِ الْمُمْتَزِجِ بِالْعُودِ الْأَخْضَرِ فَلِذَلِكَ وَرَدَ: «أَنَّهُ يَرَى أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ انْطَبَقَتْ عَلَيْهِ فَوْقَ الْأَرْضِ عِنْدَ كُلِّ جَذْبَةٍ وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الطَّائِعُ فَيُسَهَّلُ عَلَيْهِ خُرُوجُهَا لِسَمَاعِ النِّدَاءِ فَتَشْتَاقُ» وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُنَا الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ صَلَوَاتِهِ: وَتَوَلَّ قَبْضَ أَرْوَاحِنَا عِنْدَ الْأَجَلِ بِيَدِك مَعَ شِدَّةِ الشَّوْقِ إلَى لِقَائِك يَا رَحْمَنُ.

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «إذَا تُوُفِّيَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ أَرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا بِتُفَّاحَةٍ مِنْ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: اُخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ: اُخْرُجِي إلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ؛ وَرَبُّك عَلَيْك رَاضٍ.
فَتَخْرُجُ كَطِيبِ مِسْكٍ وَالْمَلَائِكَةُ بِأَرْجَاءِ السَّمَاءِ يَقُولُونَ: قَدْ جَاءَ مِنْ الْأَرْضِ رُوحٌ طَيِّبَةٌ فَلَا تَمُرُّ بِبَابٍ إلَّا فُتِحَ لَهَا وَلَا بِمَلَكٍ إلَّا صَلَّى عَلَيْهَا» الْحَدِيثُ.
وَفِيهِ:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ] : هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ الْمُنَادِيَ لَهَا الْمَلَكُ.
قَوْلُهُ: [أَرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا بِتُفَّاحَةٍ] : صَوَابُهُ مَلَكَيْنِ بِتُحْفَةٍ كَمَا فِي الْخَازِنِ وَنَصُّهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: «إذَا تُوُفِّيَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ أَرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَيْهِ مَلَكَيْنِ وَأَرْسَلَ إلَيْهِ بِتُحْفَةٍ مِنْ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ اُخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، اُخْرُجِي إلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبُّك عَلَيْك رَاضٍ.
فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ مِسْكٍ وَجَدَ أَحَدٌ فِي أَنْفِهِ وَالْمَلَائِكَةُ عَلَى أَرْجَاءِ السَّمَاءِ يَقُولُونَ قَدْ جَاءَ مِنْ الْأَرْضِ رِيحٌ طَيِّبَةٌ وَنَسَمَةٌ طَيِّبَةٌ فَلَا تَمُرُّ بِبَابٍ إلَّا فُتِحَ لَهَا، وَلَا بِمَلَكٍ إلَّا صَلَّى عَلَيْهَا حَتَّى يُؤْتَى بِهَا الرَّحْمَنَ جَلَّ جَلَالُهُ فَتَسْجُدُ لَهُ ثُمَّ يُقَالُ لِمِيكَائِيلَ اذْهَبْ بِهَذِهِ النَّفْسِ فَاجْعَلْهَا مَعَ أَنْفُسِ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ يُؤْمَرُ فَيُوَسَّعُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ سَبْعُونَ ذِرَاعًا عَرْضُهُ، وَسَبْعُونَ ذِرَاعًا طُولُهُ، وَيُنْبَذُ لَهُ فِي الرَّوْحِ وَالرَّيْحَانِ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ كَفَاهُ نُورُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُعِلَ لَهُ فِيهِ نُورٌ مِثْلُ نُورِ الشَّمْسِ فِي قَبْرِهِ وَيَكُونُ مِثْلُهُ مِثْلَ الْعَرُوسِ يَنَامُ فَلَا يُوقِظُهُ إلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إلَيْهِ، وَإِذَا تُوُفِّيَ الْكَافِرُ أَرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكَيْنِ وَأَرْسَلَ إلَيْهِ قِطْعَةً مِنْ كِسَاءٍ أَنْتَنَ مِنْ كُلِّ نَتِنٍ وَأَخْشَنَ مِنْ كُلِّ خَشِنٍ فَيُقَالُ لَهَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اُخْرُجِي إلَى جَهَنَّمَ وَعَذَابٍ أَلِيمٍ وَرَبُّك عَلَيْك غَضْبَانُ» (اهـ بِحُرُوفِهِ) ، إذَا عَلِمْت ذَلِكَ تَعْلَمُ النَّقْصَ وَالتَّحْرِيفَ الَّذِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [إلَى رَوْحٍ] : بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُون الْوَاوِ نُورٌ وَرَاحَةٌ.
وَقَوْلُهُ: [وَرَيْحَانٍ] أَيْ رَوَائِحُ طَيِّبَةٌ.
قَوْلُهُ: [بِأَرْجَاءِ السَّمَاءِ] : أَيْ بِجَوَانِبِهَا.
قَوْلُهُ: [قَدْ جَاءَ مِنْ الْأَرْضِ] إلَخْ: أَيْ وَمَجِيئُهَا إلَى السَّمَاءِ يَكُونُ عَلَى الْمِعْرَاجِ الَّذِي عَرَجَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا صَلَّى عَلَيْهَا] : أَيْ دَعَا لَهَا بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ.

«فَيُوَسَّعُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ سَبْعُونَ ذِرَاعًا عَرْضًا وَسَبْعُونَ ذِرَاعًا طُولًا وَيُمْلَأُ رَوْحًا وَرَيْحَانًا فَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ كَفَاهُ نُورُهُ وَإِلَّا جُعِلَ لَهُ نُورٌ كَالشَّمْسِ» ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: 27] : الثَّابِتَةُ عَلَى الْإِيمَانِ الَّتِي أَيْقَنَتْ بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّهَا وَخَضَعَتْ لِأَمْرِهِ، الرَّاضِيَةُ بِقَضَاءِ اللَّهِ الْآمِنَةُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ الْمُطْمَئِنَّةُ بِذِكْرِ اللَّهِ، إذْ الْأَقْوَالُ فِيهَا غَيْرُ مُتَبَايِنَةٍ.
وَجَعَلَ شَيْخُنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَيُوَسَّعُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ سَبْعُونَ ذِرَاعًا] : الْعَدَدُ لَا مَفْهُومَ لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَظِيمِ السَّعَةِ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مَدَّ بَصَرِهِ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَيِّتِ غَرِيبًا وَإِلَّا فَيُوَسَّعُ عَلَيْهِ قَدْرُ بُعْدِهِ عَنْ مَنْزِلِهِ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا جُعِلَ لَهُ نُورٌ كَالشَّمْسِ] : يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الَّذِي مَعَهُ الْقُرْآنُ نُورُهُ أَعْلَى مِنْ الشَّمْسِ وَهَذَا النُّورُ حِسِّيٌّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: 12] الْآيَةُ.
قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ﴾ [الفجر: 27] إلَخْ: هَذِهِ الْجُمَلُ لِصِيغَةِ النِّدَاءِ.
قَوْلُهُ: [إذْ الْأَقْوَالُ فِيهَا غَيْرُ مُتَبَايِنَةٍ] : أَيْ التَّفَاسِيرُ فِيهَا تَرْجِعُ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ لِتَلَازُمِهَا.
وَحَاصِلُ التَّفَاسِيرِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ سِتَّةٌ وَمَسَاقُهَا هَكَذَا الثَّابِتَةُ عَلَى الْإِيمَانِ، أَوْ الَّتِي أَيْقَنَتْ بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّهَا، أَوْ الَّتِي خَضَعَتْ لِأَمْرِهِ، أَوْ الَّتِي رَضِيَتْ بِقَضَائِهِ، أَوْ الْآمِنَةُ مِنْ عَذَابِهِ، أَوْ الْمُطْمَئِنَّةُ بِذِكْرِهِ، فَالْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا.
وَسَبَبُ نُزُولِهَا قِيلَ فِي حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَقِيلَ فِي حَبِيبِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ، وَقِيلَ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ حِينَ اشْتَرَى بِئْرَ رُومَةَ وَسَبَّلَهَا، وَقِيلَ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ مُطْمَئِنَّةٍ.
قَوْلُهُ: [وَجَعَلَ شَيْخُنَا الْمُصَنِّفُ] : كَانَ الْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ لَا يَنْقُلَ هَذَا الْمَبْحَثَ فَإِنَّ هَذَا لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ يَطْلُبُونَهُ بِالْخُصُوصِ لَا لِكُلِّ مَنْ يُحْضِرُ الْأَحْكَامَ الْفِقْهِيَّةَ فَلَا يُؤْخَذُ بِالْقَالِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْحَالِ فَهُوَ مِنْ السِّرِّ الْمَكْتُومِ الَّذِي لَا يَجُوزُ التَّكَلُّمُ فِيهِ إلَّا مِنْ أَهْلِهِ لِأَهْلِهِ وَالْكَلَامُ فِيهِ مَعَ مَنْ يَطْلُبُهُ وَمَنْ لَا يَطْلُبُهُ عَبَثٌ.
قَالَ مُحْيِي الدِّينِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: إنَّ كَلَامَ الْقَوْمِ عَلَيْهِ أَقْفَالٌ لَا تُفْتَحُ إلَّا لِأَهْلِهِ، فَسَوْقُ هَذَا

فِي التُّحْفَةِ فِي مُنَاسَبَةِ اخْتِيَارِ اسْتِعْمَالِ الْأَسْمَاءِ السَّبْعَةِ: النَّفْسَ سَبْعَةَ أَقْسَامٍ، وَأَنَّ صَاحِبَ النَّفْسِ الْمُطْمَئِنَّةِ - الَّتِي مَقَامُهَا مَبْدَأُ الْكَمَالِ - مَتَى وَضَعَ السَّالِكُ قَدَمَهُ فِيهِ عُدَّ مِنْ أَهْلِ الطَّرِيقِ وَاسْتَحَقَّ لُبْسَ

[حاشية الصاوي]

الْكَلَامِ هُنَا كَمَنْ يَبِيعُ الْجَوَاهِرَ فِي سُوقِ الصَّدَفِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَشْرَحَ الْآيَةَ بِكَلَامِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَجَعَلَ الشَّيْخُ النَّفْسَ سَبْعَةً لَيْسَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ كَمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الشَّارِحِ، بَلْ هُوَ تَقْسِيمُ أَهْلِ الطَّرِيقِ قَدِيمًا أَخْذًا مِنْ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ يُؤْخَذُ مِنْهَا الْمُطْمَئِنَّةُ وَالرَّاضِيَةُ وَالْمَرْضِيَّةُ وَالْكَامِلَةُ وَالْمُلْهَمَةُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 8] وَاللَّوَّامَةُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2] وَالْأَمَّارَةُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: 53] كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ كِتَابِ السِّيَرِ وَالسُّلُوكِ.
قَوْلُهُ: [فِي التُّحْفَةِ] : مُتَعَلِّقٌ بِجَعَلَ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ وَهِيَ اسْمُ كِتَابٍ لَهُ فِي التَّصَوُّفِ.
وَقَوْلُهُ: [فِي مُنَاسَبَةِ] : مُتَعَلِّقٌ أَيْضًا بِجَعَلَ وَفِيهِ تَعَلُّقٌ حَرْفِيٌّ جَرَّ مُتَّحِدَيْ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِعَامِلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ مَعِيبٌ.
قَوْلُهُ [عُدَّ مِنْ أَهْلِ الطَّرِيقِ] : أَيْ وَهِيَ الْوُقُوفُ مَعَ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
قَوْلُهُ: [وَاسْتَحَقَّ لُبْسَ خِرْقَتِهِمْ] : أَيْ بِحَسْبِ مَا يَرَاهُ الشَّيْخُ الْعَارِفُ مِنْ حَالِهِ، ثُمَّ هِيَ إمَّا حُجَّةٌ لَهُ إنْ كَانَ عَلَى قَدَمِهِمْ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَإِلَّا فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ.
قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ خِرْقَةُ الْقَوْمِ لِأَهْلِهَا نُورٌ وَزِينَةٌ وَلِغَيْرِهِمْ سَمَاجَةٌ وَظُلْمَةٌ، وَرُبَّمَا دَخَلَ فِي وَعِيدِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 188] . وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الْعَارِفِينَ: فَتَشَبَّهُوا إنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ ... إنَّ التَّشَبُّهَ بِالرِّجَالِ فَلَاحُ فَإِنَّ الْمُرَادَ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي الْعَمَلِ وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ.

فصول الكتاب · 3 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك · 813 صفحة
المقدمة
بَابُ فِي الشُّفْعَةِ وَأَحْكَامِهَا
بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ
جارٍ التحميل