[حاشية الصاوي]
ذَلِكَ فَيَلْزَمُ مَالُ الْقِرَاضِ إنْ كَانَ إقْرَارُهُ قَبْلَ الْمُفَاضَلَةِ لَا بَعْدَهَا فَفِي جُزْئِهِ مَا عَلَيْهِ فَقَطْ.
وَسُئِلَ الْأُجْهُورِيُّ: عَنْ عَامِلِ قِرَاضٍ أَرْسَلَ سِلَعًا لِأَبِيهِ فَأَخَذَهَا رَبُّ الْمَالِ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَ أَنَّهَا مِنْ سِلَعِ الْقِرَاضِ، وَأُسِرَ الْعَامِلُ فَجَاءَ مِنْهُ كِتَابٌ بِأَنَّ مَالَ الْقِرَاضِ عِنْدَهُ، وَأَنَّ السِّلَعَ مِنْ غَيْرِهِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْعَامِلَ يُصَدَّقُ لِكَوْنِهِ أَمِينًا وَلَا يُنْظَرُ لِلتُّهْمَةِ وَإِقْرَارُ أَبِيهِ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَ الْإِنْسَانِ لَا يَسْرِي عَلَى غَيْرِهِ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
[حُكْمُ الْهِبَةِ أَوْ التَّوْلِيَة لِسِلْعَةٍ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ]
قَوْلُهُ: [إنْ كَثُرَ] : أَيْ وَأَمَّا هِبَةُ الْقَلِيلِ - كَدَفْعِ لُقْمَةٍ لِسَائِلٍ وَنَحْوَهَا - فَجَائِزٌ.
كَمَا يَجُوزُ هِبَةُ الثَّوَابِ؛ لِأَنَّهَا بَيْعٌ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّرِيكِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ - حَيْثُ جَازَ لِلْأَوَّلِ هِبَةُ الْكَثِيرِ لِلِاسْتِئْلَافِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ دُونَ الثَّانِي - أَنَّ الْعَامِلَ رُجِّحَ فِيهِ أَنَّهُ أَجِيرٌ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ شَرِيكٌ مَرْجُوحٌ، وَحِينَئِذٍ فَالشَّرِيكُ أَقْوَى مِنْ الْعَامِلِ.
قَوْلُهُ: [مَا لَمْ يَقْصِدْ التَّفْضِيلَ عَلَى غَيْرِهِ] : ظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَهَا بِ " الـ "، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهَا التَّفْضِيلَ الْجَوَازُ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
بَلْ الْمَدَارُ عَلَى زِيَادَةٍ لَا تَسْمَحُ بِهَا النُّفُوسُ عَادَةً.
قَوْلُهُ: [كَافَأَهُ] : أَيْ يُعَوِّضُهُ عَلَى قَدْرِ مَا أَكَلَهُ زِيَادَةً عَلَى حَقِّهِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية الصاوي]
[بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ]
[تَعْرِيف الْمُسَاقَاة]
بَابٌ: هِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ أُصُولٍ أَرْبَعَةٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ:
الْأَوَّلُ: الْإِجَارَةُ بِالْمَجْهُولِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الثَّمَرَةِ مَثَلًا مَجْهُولٌ.
الثَّانِي: كِرَاءُ الْأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا فِيمَا إذَا جُعِلَ لِلْعَامِلِ جُزْءٌ مِنْ الْبَيَاضِ وَالْبَذْرُ عَلَيْهِ.
الثَّالِثُ: بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا بَلْ قَبْلَ وُجُودِهَا.
الرَّابِعُ: الْغَرَرُ لِأَنَّ الْعَامِلَ لَا يَدْرِي أَتَسْلَمُ الثَّمَرَةُ أَمْ لَا وَعَلَى تَقْدِيرِ سَلَامَتِهَا لَا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ مِقْدَارُهَا.
وَبَعْضُهُمْ زَادَ بَيْعَ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسِيئَةً إذَا كَانَ الْعَامِلُ يَغْرَمُ طَعَامَ الدَّوَابِّ وَالْأُجَرَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ عَنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ طَعَامًا بَعْدَ مُدَّةٍ: وَالدَّيْنُ بِالدَّيْنِ: لِأَنَّ الْمَنَافِعَ وَالثِّمَارَ كِلَاهُمَا غَيْرُ مَقْبُوضٍ فَتَكُونُ مُسْتَثْنَاةً مِنْ أُصُولٍ سِتَّةٍ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا مُعَامَلَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْلَ خَيْبَرَ، وَلِدَاعِيَةِ الضَّرُورَةِ إلَى ذَلِكَ.
وَلَفْظُهَا: مُفَاعَلَةٌ إمَّا مِنْ الَّتِي تَكُونُ لِلْوَاحِدِ - وَهُوَ قَلِيلٌ - نَحْوَ سَافَرَ وَعَافَاهُ اللَّهُ، أَوْ يُلَاحَظُ الْعَقْدُ - وَهُوَ مِنْهُمَا - فَيَكُونُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْمُتَعَلَّقِ - بِالْفَتْحِ - وَهُوَ الْمُسَاقَاةُ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ - بِالْكَسْرِ - وَهُوَ الْعَقْدُ، وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ، وَإِلَّا فَهَذِهِ الصِّيغَةُ تَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَامِلِ وَالْمَالِكِ يَسْقِي لِصَاحِبِهِ كَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُقَاتَلَةِ وَنَحْوِهَا.
وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ:
الْأَوَّلُ: مُتَعَلَّقُ الْعَقْدِ وَهُوَ الْأَشْجَارُ وَسَائِرُ الْأُصُولِ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الشُّرُوطِ الْآتِي بَيَانُهَا.
(الْمُسَاقَاةُ) عُرْفًا - وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ سَقْيِ الثَّمَرَةِ - لِأَنَّهُ مُعْظَمُهَا: (عَقْدٌ) مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ أَوْ الزَّرْعِ مَعَ غَيْرِهِ، (عَلَى الْقِيَامِ بِمَؤُونَةِ) أَيْ خِدْمَةِ (شَجَرٍ أَوْ نَبَاتٍ) : مِقْثَأَةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ، أَيْ عَلَى الْتِزَامِ خِدْمَتِهِ مِنْ سَقْيٍ وَتَنْقِيَةٍ وَتَقْلِيمٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي.
(بِجُزْءٍ مِنْ غَلَّتِهِ) لَا مَكِيلَةٍ، وَلَا بِجُزْءٍ مِنْ غَلَّةِ غَيْرِهِ.
هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهَا: لَا بَأْسَ بِالْمُسَاقَاةِ، عَلَى أَنَّ كُلَّ الثَّمَرَةِ لِلْعَامِلِ.
(بِصِيغَةِ: سَاقَيْتُ أَوْ) لَفْظِ (عَامَلْتُ) عِنْدَ سَحْنُونَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بَسَاقَيْتُ (فَقَطْ) أَيْ: لَا بِلَفْظِ إجَارَةٍ أَوْ شَرِكَةٍ أَوْ بَيْعٍ فَلَا تَنْعَقِدُ بِذَلِكَ، أَيْ مِنْ الْبَادِئِ مِنْهُمَا، وَيَكْفِي مِنْ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ: قَبِلْتُ أَوْ رَضِيتُ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
[حاشية الصاوي]
الثَّانِي: الْجُزْءُ الْمُشْتَرَطُ لِلْعَامِلِ مِنْ الثَّمَرَةِ.
الثَّالِثُ: الْعَمَلُ.
الرَّابِعُ: مَا يَنْعَقِدُ بِهِ وَهُوَ الصِّيغَةُ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ مُعْظَمُهَا] : أَيْ مُعْظَمُ عَمَلِهَا وَأَصْلُ مَنْفَعَتِهَا.
قَوْلُهُ: [عَلَى الْقِيَامِ] إلَخْ: أَخْرَجَ بِهِ الْعَقْدَ عَلَى حِفْظِ الْمَالِ وَالتَّجْرِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ نَبَاتٍ] : أَيْ أَيِّ نَبَاتٍ كَانَ سَقْيًا أَوْ بَعْلًا.
قَوْلُهُ: [هَذَا هُوَ الْأَصْلُ] : أَيْ الْغَالِبُ فِي عُقُودِهَا أَنْ تَكُونَ هَكَذَا، وَالتَّعَارِيفُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: [لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِسَاقَيْت] : أَيْ بِلَفْظٍ مِنْ تِلْكَ الْمَادَّةِ.
وَجَمِيعُ الْأَلْفَاظِ الْخَارِجَةِ عَنْهَا لَا تَنْعَقِدُ بِشَيْءٍ مِنْهَا عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: [أَيْ لَا بِلَفْظِ إجَارَةٍ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِجَارَةَ كَالْأَلْفَاظِ.
الَّتِي بَعْدَهَا مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ الِانْعِقَادِ بِهَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، كَلَفْظِ عَامَلْت.
قَالَ (بْن) : وَلَفْظُ ابْنِ رُشْدٍ: وَالْمُسَاقَاةُ أَصْلٌ فِي نَفْسِهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: اسْتَأْجَرْتُك عَلَى عَمَلِ حَائِطِي هَذَا بِنِصْفِ ثَمَرَتِهِ لَمْ تَجُزْ عَلَى مَذْهَبِهِ كَمَا لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عِنْدَهُ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، بِخِلَافِ
(وَهِيَ لَازِمَةٌ) أَيْ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ، فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهَا بَعْدَ الْعَقْدِ دُونَ الْآخَرِ مَا لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَيْهِ - هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ (يَسْتَحِقُّ) الْعَامِلُ (الثِّمَارَ فِيهَا) أَيْ الْمُسَاقَاةِ (بِالظُّهُورِ) : أَيْ ظُهُورِهَا عَلَى الشَّجَرِ أَوْ الزَّرْعِ، فَيَكُونُ شَرِيكًا بِجُزْئِهِ مِنْ حِينِهِ، لَا قَبْلَهُ وَلَا بِالْجُذَاذِ وَلَا بِالطَّيْبِ.
وَإِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ وَهِيَ بَارِزَةٌ اسْتَحَقَّهُ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، فَإِذَا طَرَأَ دَيْنٌ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ فَلَا يُوَفَّى فِيهِ جُزْءُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ لَهُ بِهِ.
(وَشَرْطُ) صِحَّةِ (الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ) مِنْ شَجَرٍ أَوْ زَرْعٍ:
[حاشية الصاوي]
قَوْلِ سَحْنُونَ فَإِنَّهُ يُجِيزُهَا وَيَجْعَلُهَا إجَارَةً، وَكَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصَحُّ.
(اهـ بِاخْتِصَارٍ) قَوْلُهُ: [أَيْ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ] : أَيْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ مَنَعَهَا، وَأَمَّا صَاحِبَاهُ فَقَدْ وَافَقَا الْجُمْهُورَ.
قَوْلُهُ: [فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهَا بَعْدَ الْعَقْدِ] : أَيْ وَقَبْلَ الْعَمَلِ، فَلَيْسَتْ كَالْقِرَاضِ بَلْ كَالْإِجَارَةِ كَمَا فِي (بْن) نَقْلًا عَنْ الْأَبْهَرِيِّ.
قَوْلُهُ: [يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ الثِّمَارَ فِيهَا أَيْ الْمُسَاقَاةِ بِالظُّهُورِ] إلَخْ: عِبَارَةُ الْمَتْنِ هُنَا وَشَرْحُهَا غَيْرُ ظَاهِرَةِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يُوهِمُ أَنَّ الْمُسَاقَى - بِالْفَتْحِ - لَا حَقَّ لَهُ فِي الْبُسْتَانِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ ظُهُورِ الثِّمَارِ، وَأَنَّهُ لَوْ قَامَ أَصْحَابُ الدُّيُونِ عَلَى صَاحِبِهِ يَأْخُذُونَهُ وَيَطْرُدُونَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، وَهَذَا يُنَافِي لُزُومَهَا بِالْعَقْدِ وَخِلَافُ الْمَنْصُوصِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ - قَالَ فِي شَرْحِ خَلِيلٍ: وَلَمْ تَنْفَسِخْ الْمُسَاقَاةُ بِفَلَسِ رَبِّهِ أَيْ الْحَائِطِ الطَّارِئِ عَلَى عَقْدِهَا، وَإِذَا لَمْ تَنْفَسِخْ بِالْفَلَسِ الطَّارِئِ بِيعَ الْحَائِطُ عَلَى أَنَّهُ مُسَاقَى، وَلَوْ كَانَتْ الْمُسَاقَاةُ سِنِينَ، كَمَا تُبَاعُ الدَّارُ عَلَى أَنَّهَا مُسْتَأْجَرَةٌ وَالْمَوْتُ كَالْفَلَسِ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ كَالْكِرَاءِ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُتَكَارِيَيْنِ.
وَأَمَّا لَوْ تَأَخَّرَتْ الْمُسَاقَاةُ عَنْ الْفَلَسِ لَكَانَ لِلْغُرَمَاءِ فَسْخُهَا.
(اهـ) وَمِثْلُهُ فِي الْخَرَشِيِّ.
قَوْلُهُ: [وَلَا بِالْجُذَاذِ وَلَا بِالطَّيْبِ] : هَذَا غَيْرُ ضَرُورِيٍّ؛ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَحَقَّ بِالظُّهُورِ فَلَا يُتَوَهَّمُ تَوَقُّفُهُ عَلَى الْجُذَاذِ وَالطَّيْبِ.
[شَرْطُ صِحَّةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الْمُسَاقَاةِ]
قَوْلُهُ: [الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ] : أَيْ الْأَصْلِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ عَمَّمَ بِقَوْلِهِ: " مِنْ شَجَرٍ أَوْ زَرْعٍ ".
(أَلَّا يُخْلِفَ) بِضَمِّ الْيَاءِ: مِنْ أَخْلَفَ، فَإِنْ كَانَ يُخْلِفُ كَالْمَوْزِ مِمَّا يُخْلِفُ قَبْلَ قَطْعِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ وَلَا يَنْتَهِي، وَكَالْبَقْلِ وَكَالْقَضْبِ - بِسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ - وَالْقُرْطِ - بِضَمِّ الْقَافِ - وَالرِّيحَانِ وَالْكُرَّاثِ، فَلَا تَصِحُّ فِيهِ مُسَاقَاةٌ إلَّا تَبَعًا لِغَيْرِهَا.
(وَأَلَّا يَبْدُوَ صَلَاحُهُ) : أَيْ وَأَلَّا يَكُونَ بَدَا صَلَاحُهُ أَيْ صَلَاحُ ثَمَرِ ذَلِكَ الشَّجَرِ.
فَإِنْ بَدَا صَلَاحُهُ وَهُوَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ لَمْ تَصِحَّ مُسَاقَاتُهُ لِانْتِهَائِهِ وَاسْتِغْنَائِهِ إلَّا تَبَعًا.
(وَكَوْنِ الشَّجَرِ) أَيْ الْمُسَاقَى عَلَيْهِ (ذَا ثَمَرٍ) : أَيْ وَيُثْمِرُ فِي عَامِ الْمُسَاقَاةِ، لَا إنْ كَانَ لَا ثَمَرَ لَهُ كَالْأَثْلِ، أَوْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِثْمَارِ كَالْوَدِيِّ، فَلَا تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ إلَّا تَبَعًا.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [كَالْمَوْزِ] : مِثَالٌ لِلشَّجَرِ الَّذِي يُخْلِفُ وَالْكَافُ فِيهِ اسْتِقْصَائِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ وَكَالْبَقْلِ إلَخْ تَمْثِيلٌ لِلزَّرْعِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا تَصِحُّ فِيهِ] : أَيْ فِيمَا يُخْلِفُ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا تَبَعًا لِغَيْرِهَا] : أَيْ وَإِذَا دَخَلَ تَبَعًا كَانَ لَهُمَا وَلَا يَجُوزُ إبْقَاؤُهُ لِلْعَامِلِ وَلَا لِرَبِّ الْحَائِطِ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ إمَّا عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ أَوْ عَلَى الْعَامِلِ يَنَالُهُ بِسَقْيِهِ مَشَقَّةٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيَاضِ وُرُودُ السَّنَةِ فِي الْبَيَاضِ.
قَوْلُهُ: [وَأَلَّا يَبْدُوَ صَلَاحُهُ] : أَيْ خِلَافًا لِسَحْنُونٍ فَإِنَّهُ أَجَازَ الْمُسَاقَاةَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ عَلَى حُكْمِ الْإِجَارَةِ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ مِنْ انْعِقَادِ الْإِجَارَةِ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، وَإِنَّمَا مُنِعَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورِ - الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ -؛ لِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَةً لِرَبِّ الْحَائِطِ، وَهُوَ سُقُوطُ الْجَائِحَةِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ إذَا أُجِيحَتْ فِي الْمُسَاقَاةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِالْجَائِحَةِ شَيْءٌ، وَكَانَ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ التَّمَادِي أَوْ الْخُرُوجِ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ، فَإِنَّ لِلْأَجِيرِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا إذَا أُجِيحَتْ الثَّمَرَةُ بِإِجَارَةِ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ - (اهـ) مُلَخَّصًا مِنْ (بْن) .
قَوْلُهُ: [وَهُوَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ] ، أَيْ فَفِي الْبَلَحِ بِاحْمِرَارِهِ أَوْ اصْفِرَارِهِ وَفِي غَيْرِهِ بِظُهُورِ الْحَلَاوَةِ فِيهِ وَمِثْلُهُ الْبَلَحُ الْخَضْرَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: [ذَا ثَمَرٍ] : أَيْ شَأْنُهُ الْإِثْمَارُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِثْمَارِ] : الْمَعْنَى أَوْ كَانَ ذَا ثَمَرٍ، وَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِثْمَارِ
ثُمَّ ذَكَرَ مُحْتَرَزَ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ: (لَا) تَصِحُّ مُسَاقَاةٌ (كَقَضْبٍ) : بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ: نَبْتٌ مَعْلُومٌ، (وَ) لَا (قُرْطٍ) بِضَمِّ الْقَافِ (وَ) لَا (مَوْزٍ) ؛ لِأَنَّهَا تُخْلِفُ وَلَا تَنْتَهِي لِأَجَلٍ مَعْلُومٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ مِنْهُ يَنَالُهُ مِنْ سَقْيِ الْعَامِلِ، فَكَأَنَّهُ شَرْطُ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ.
(وَلَا مَا حَلَّ بَيْعُهُ) بِبُدُوِّ صَلَاحِهِ.
(وَ) لَا مَا لَا ثَمَرَ، إمَّا لِكَوْنِهِ لَا يُثْمِرُ أَصْلًا كَالْأَثْلِ وَالطَّرْفَاءِ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِثْمَارِ مِمَّا يُثْمِرُ لِصِغَرِهِ (نَحْوَ وَدِيٍّ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ: صِغَارُ النَّخْلِ (إلَّا تَبَعًا) لِغَيْرِهِ مِمَّا يَصِحُّ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ: وَهَذَا رَاجِعٌ لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ كَمَا أَشَرْنَا لَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَشَرْطُ الْجُزْءِ) الْمُسَاقَى بِهِ أَمْرَانِ: (شُيُوعُهُ) فِي ثَمَرِ الْحَائِطِ، فَلَا يَصِحُّ بِشَجَرٍ مُعَيَّنٍ وَلَا بِكَيْلٍ.
[حاشية الصاوي]
لِأَنَّ الشَّارِحَ أَدْخَلَ تَحْتَ قَوْلِهِ ذَا ثَمَرٍ شَرْطَيْنِ مُحْتَرَزُ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا أَلَّا يَكُونَ شَأْنُهُ الْإِثْمَارَ كَالْأَثْلِ، وَمُحْتَرَزُ الثَّانِي قَوْلُهُ: وَلَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِثْمَارِ كَالْوَدِيِّ أَيْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِثْمَارِ فِي عَامِهِ.
قَوْلُهُ: [مُحْتَرَزُ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ] : بَلْ الْأَرْبَعَةِ كَمَا عَلِمْت وَكَمَا يَأْتِي فِي الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [نَبْتٌ مَعْلُومٌ] : أَيْ يُشْبِهُ الْبِرْسِيمَ.
قَوْلُهُ: [وَلَا قُرْطٍ] : هُوَ نَوْعٌ مِنْ الْمَرْعَى وَمِثْلُ الْقَضْبِ وَالْقُرْطِ الْبِرْسِيمُ وَبَاقِي الْبُقُولِ مِنْ مُلُوخِيَّةٍ وَنَحْوِهَا.
قَوْلُهُ: [مِمَّا يُثْمِرُ] : أَيْ شَأْنُهُ يُثْمِرُ.
وَقَوْلُهُ: [لِصِغَرِهِ] : مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْإِثْمَارِ ".
قَوْلُهُ: [لِجَمِيعِ مَا قَبْلَهُ] : أَيْ مُحْتَرَزَاتِ الشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ.
قَوْلُهُ: [بِشَجَرٍ مُعَيَّنٍ] : أَيْ كَقَوْلِهِ: سَاقَيْتُك عَلَى الْعَمَلِ فِي هَذَا الْحَائِطِ بِثُلُثِ ثَمَرِ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَوْ هَذِهِ النَّخَلَاتِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا بِكَيْلٍ] : إنْ عَيَّنَ قَدْرَهُ سَوَاءٌ كَانَ تَعْيِينُهُ بِاللَّفْظِ أَوْ بِالْعَادَةِ.
(وَعِلْمُهُ) كَرُبْعٍ أَوْ ثُلُثٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ.
(وَإِلَّا) يَكُنْ شَائِعًا وَلَمْ يُعْلَمْ كَمَا لَوْ قَالَ: وَلَك مِنْ الثَّمَرِ جُزْءٌ أَوْ بَعْضٌ (فَسَدَتْ) الْمُسَاقَاةُ، وَشَبَّهَ فِي الْفَسَادِ قَوْلُهُ:
(كَشَرْطِ نَقْصِ) بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: أَيْ إخْرَاجِ (مَا فِي الْحَائِطِ مِنْ نَحْوِ دَوَابَّ) : كَبَقَرٍ وَإِبِلٍ مِمَّا يَحْتَاجُ الْحَالُ إلَيْهَا.
وَشَمَلَ قَوْلُهُ: " نَحْوَ " الْعَبِيدَ وَالْأُجَرَاءَ وَالْآلَةَ الْمَوْجُودَةَ يَوْمَ الْعَقْدِ.
فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فَسَدَتْ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ كَزِيَادَةٍ شَرَطَهَا عَلَى الْعَامِلِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْرَجَهَا قَبْلَ عَقْدِهَا وَلَوْ قَصَدَ الْمُسَاقَاةَ فَلَا يَضُرُّ.
(أَوْ) شَرْطِ (تَجْدِيدٍ) : لِشَيْءٍ فِي الْحَائِطِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا وَقْتَ الْعَقْدِ عَلَى الْعَامِلِ أَوْ رَبِّ الْحَائِطِ مِمَّا تَقَدَّمَ فَتَفْسُدُ.
(أَوْ) شَرْطِ (زِيَادَةِ شَيْءٍ لِأَحَدِهِمَا يَخْتَصُّ بِهِ عَنْ صَاحِبِهِ) : أَيْ خَارِجٍ عَنْ الْحَائِطِ، كَأَنْ يَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا فِي حَائِطٍ أُخْرَى أَوْ يَخِيطَ لَهُ ثَوْبًا أَوْ يَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا أَوْ يَزِيدَهُ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا أَوْ مَنْفَعَةً كَسُكْنَى أَوْ رُكُوبٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَعِلْمُهُ] : أَيْ عِلْمُ نِسْبَتِهِ بِجَمِيعِ الْحَائِطِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْجُزْءِ الْمَأْخُوذِ أَلَّا يَكُونَ مُخْتَلِفًا.
فَلَوْ كَانَ فِي الْحَائِطِ أَصْنَافٌ مِنْ الثَّمَرِ وَشُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ صِنْفٍ مِنْهَا النِّصْفَ وَمِنْ صِنْفٍ آخَرَ الثُّلُثَ لَمْ يَجُزْ.
قَوْلُهُ: [فَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ] : أَيْ وَفِيهَا مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: [كَشَرْطِ نَقْصٍ] : أَيْ فَإِنْ حَصَلَ هَذَا الشَّرْطُ، وَتَمَّ الْعَمَلُ عَلَيْهِ كَانَ لِلْعَامِلِ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ أَيْضًا وَوُقُوعُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ لَا يَضُرُّ كَمَا يُفِيدُهُ الشَّارِحُ فِي آخِرِ الْعِبَارَةِ.
وَأَمَّا لَوْ شَرَطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّهِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا، فَإِنْ وَقَعَ وَنَزَلَ كَانَ لِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَالثَّمَرُ لِرَبِّهِ وَحُصُولُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ لَا يَضُرُّ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ] : أَيْ نَقْصَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: [فَسَدَتْ] : كَلَامٌ مَعْلُومٌ مِنْ سِيَاقِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: [فَتَفْسُدُ] : قَدْ عَلِمْت أَنَّ الزِّيَادَةَ الْمُشْتَرَطَةَ سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ أَوْ عَلَى الْعَامِلِ كَانَ فِيهَا مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ، وَمَحَلُّ الْفَسَادِ بِاشْتِرَاطِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ إنْ كَانَتْ لَهَا بَالٌ وَإِلَّا لَغَتْ كَمَا فِي (بْن) وَغَيْرِهِ.
(أَوْ) شَرْطِ (عَمَلِ شَيْءٍ) مِنْ الْعَامِلِ (يَبْقَى) فِي الْحَائِطِ (بَعْدَ انْقِضَائِهَا) أَيْ الْمُسَاقَاةِ (كَحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ إنْشَاءِ شَجَرٍ) أَوْ بِنَاءِ حَائِطٍ بِهَا أَوْ تَسْوِيَةِ أَرْضٍ.
فَإِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ وَفِعْلُهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ.
(وَعَلَى الْعَامِلِ) وُجُوبًا (جَمِيعُ مَا يَفْتَقِرُ) الْحَائِطُ (إلَيْهِ عُرْفًا كَإِبَارٍ) : وَهُوَ تَعْلِيقُ طَلْعِ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى مِنْ النَّخِيلِ (وَتَنْقِيَةٍ) لِمَنَافِعِ الشَّجَرِ وَتَقْلِيمٍ لِلنَّخْلِ وَإِزَالَةِ مَا يَضُرُّ بِالشَّجَرِ مِنْ نَبَاتٍ وَغَيْرِهِ (وَدَوَابَّ) وَأَحْبَالٍ (وَأُجَرَاءَ) : أَيْ خِدْمَةٌ بِأُجْرَةٍ (وَ) عَلَيْهِ (خَلَفٌ) أَيْ بَدَلُ (مَا رَثَّ) قَالَ فِيهَا: وَعَلَى الْعَامِلِ إقَامَةُ الْأَدَوَاتِ كَالدِّلَاءِ وَالْمَسَاحِي وَالْأُجَرَاءِ وَالدَّوَابِّ، أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذَلِكَ أَوْ بَلِيَ.
(لَا مَا مَاتَ أَوْ مَرِضَ) مِنْ الْحَيَوَانِ الْعَاقِلِ أَوْ غَيْرِهِ (مِمَّا كَانَ) فِي الْحَائِطِ أَوَّلًا قَبْلَ الْعَقْدِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ.
(وَلَا أُجْرَتُهُ وَبَلْ) ذَلِكَ (عَلَى رَبِّهِ) : أَيْ الْحَائِطِ، بِخِلَافِ مَا رَثَّ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَفِعْلُهُ مِنْ الْمَعْرُوفِ] : أَيْ يُثَابُ عَلَيْهِ فَاعِلُهُ.
[مَا عَلَى الْعَامِلِ فِي الْمُسَاقَاةِ]
قَوْلُهُ: [وَهُوَ تَعْلِيقُ طَلْعِ الذَّكَرِ] : أَيْ وَكَذَا مَا يُلَقَّحُ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
قَوْلُهُ: [لِمَنَافِعِ الشَّجَرِ] : أَيْ تَنْقِيَةُ الْحِيَاضِ الَّتِي حَوْلَ الشَّجَرِ، وَأَمَّا تَنْقِيَةُ الْعَيْنِ فَهُوَ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ، وَيَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا عَلَى الْعَامِلِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ، وَكَنْسِ عَيْنٍ - هَكَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
وَعِبَارَةُ (بْن) : سَوَّى فِي الْمُدَوَّنَةِ بَيْنَ تَنْقِيَةِ الْعَيْنِ - أَيْ كَنْسِهَا وَتَنْقِيَةِ مَنَافِعِ الشَّجَرِ - فِي أَنَّهُمَا عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُمَا عَلَى الْعَامِلِ كَمَا فِي نَقْلِ الْمَوَّاقِ.
قَوْلُهُ: [وَالْمَسَاحِي] : جَمْعُ مِسْحَاةٍ وَهِيَ الْفَأْسُ.
قَوْلُهُ: [فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ] : ظَاهِرُهُ: وَلَوْ شَرَطَ رَبُّ الْحَائِطِ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَلَا مَفْهُومَ لِمَا مَاتَ أَوْ مَرِضَ، بَلْ مِثْلُهُ مَنْ غَابَ أَوْ أَبَقَ أَوْ سُرِقَ.
قَوْلُهُ: [بَلْ ذَلِكَ عَلَى رَبِّهِ] : أَيْ تَجْدِيدُ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي وَجَدَهَا الْعَامِلُ فِي الْحَائِطِ عَلَى رَبِّهِ إذَا عُدِمَتْ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ مَا رَثَّ] : إلَخْ: إنَّمَا كَانَ الَّذِي رَثَّ خَلَفُهُ عَلَى الْعَامِلِ دُونَ الْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى انْتِفَاعِهِ بِهَا حَتَّى تَهْلِكَ أَعْيَانُهَا، وَتَجْدِيدُ ذَلِكَ
مِنْ الدِّلَاءِ وَالْحِبَالِ وَنَحْوِهَا كَالْقَوَادِيسِ وَالْمَسَاحِي وَسَائِرِ الْآلَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(بِخِلَافِ نَفَقَتِهِمْ) : أَيْ إجْرَاءِ النَّفَقَةِ عَلَى مَنْ فِي الْحَائِطِ مِنْ عَبِيدٍ وَأُجَرَاءَ وَدَوَابَّ (وَكِسْوَتِهِمْ) : فَعَلَى الْعَامِلِ، كَانُوا لِرَبِّ الْحَائِطِ أَوْ لَهُ.
قَالَ فِيهَا: وَتَلْزَمُهُ نَفَقَةُ نَفْسِهِ وَنَفَقَةُ دَوَابِّ الْحَائِطِ وَرَقِيقِهِ كَانُوا لَهُ أَوْ لِرَبِّ الْحَائِطِ (اهـ) .
ثُمَّ ذَكَرَ مَا هُوَ كَالْمُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: " أَوْ زِيَادَةُ شَيْءٍ لِأَحَدِهِمَا " بِقَوْلِهِ: (وَجَازَ شَرْطُ مَا قَلَّ) : مِنْ الْعَمَلِ عَلَى الْعَامِلِ: (كَإِصْلَاحِ جِدَارٍ) بِالْحَائِطِ، بِخِلَافِ اشْتِرَاطِ بِنَائِهِ مِنْ أَصْلِهِ فَإِنَّهُ مِنْ زِيَادَةِ الْعَمَلِ الَّذِي لَهُ بَالٌ (وَكَنْسِ عَيْنٍ) أَوْ بِئْرٍ لِلْحَائِطِ (وَشَدِّ حَظِيرَةٍ) مِنْ الْحَظْرِ وَهُوَ الْمَنْعُ، وَالْمُرَادُ بِهَا: الْأَعْوَادُ ذَاتُ الشَّوْكِ غَالِبًا تُجْعَلُ فَوْقَ الْحَائِطِ لِمَنْعِ مَنْ يَتَسَوَّرُ عَلَى الْحَائِطِ وَمَعْنَى شَدِّهَا: رَبْطُهَا إذَا وَهَتْ أَوْ وَقَعَ مِنْهَا شَيْءٌ (وَإِصْلَاحِ ضَفِيرَةٍ) وَهِيَ مَجْمَعُ الْمَاءِ الَّذِي يُرْسَلُ عَلَى الْأَشْجَارِ.
فَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ عَلَى الْعَامِلِ فَعَلَى رَبِّهَا إلَّا لِعَادَةٍ فَالْعَادَةُ كَالشَّرْطِ.
(وَ) جَازَ (مُسَاقَاةٌ سِنِينَ) فِي عَقْدٍ وَلَوْ كَثُرَتْ (مَا لَمْ تَكْثُرْ جِدًّا) فَإِنْ كَثُرَتْ جِدًّا (بِلَا حَدٍّ) مَخْصُوصٍ لِلْكَثْرَةِ بَلْ الْمَدَارُ السِّنِينُ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ فِيهَا الْأُصُولُ عَادَةً - وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأُصُولِ وَأَمْكِنَتِهَا وَقِدَمِهَا وَجِدَّتِهَا - لَمْ تَجُزْ، قِيلَ لِمَالِكٍ: الْعَشَرَةُ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي عَشْرَةً وَلَا عِشْرِينَ وَلَا ثَلَاثِينَ (اهـ) (وَ) مَا (لَمْ يَخْتَلِفْ الْجُزْءُ) فِي السِّنِينَ، فَإِنْ اخْتَلَفَ - بِأَنْ كَانَ فِي سَنَةٍ يُخَالِفُ غَيْرَهُ فِي أُخْرَى - لَمْ يَجُزْ.
[حاشية الصاوي]
مَعْلُومٌ بِالْعَادَةِ وَالشَّأْنُ فِيهِ الْخِفَّةُ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ مِنْ زِيَادَةِ الْعَمَلِ الَّذِي لَهُ بَالٌ] : أَيْ فَتَفْسُدُ بِاشْتِرَاطِهِ.
قَوْلُهُ: [وَجَازَ مُسَاقَاةٌ سِنِينَ] : أَيْ أَوْ شُهُورًا.
قَوْلُهُ: [لَمْ تَجُزْ] : جَوَابُ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ: " فَإِنْ كَثُرَتْ ".
قَوْلُهُ: [قِيلَ لِمَالِكٍ] إلَخْ: هَذَا سُؤَالٌ عَنْ الْكَثِيرِ جِدًّا الَّذِي لَمْ يَجُزْ.
قَوْلُهُ: [فَقَالَ لَا أَدْرِي] : الْمَقْصُودُ مِنْ جَوَابِهِ عَدَمُ التَّحْدِيدِ بِعَدَدٍ، وَإِنَّمَا الْمَدَارُ عَلَى تَغَيُّرِ الْأُصُولِ وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْجَارِ وَالْأَمْكِنَةِ.
وَكَذَا يَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ عَلَى حَوَائِطَ مُتَعَدِّدَةٍ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ إنْ اتَّفَقَ الْجُزْءُ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ.
وَأَمَّا فِي عُقُودٍ فَيَجُوزُ مَعَ اخْتِلَافِهِ وَاتِّحَادِهِ.
ثُمَّ إنَّ الْمُسَاقَاةَ إنْ وَقَعَتْ فِي سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَوْقِيتِهَا بِوَقْتٍ يَنْتَهِي بِهِ الْجُذَاذُ سَوَاءٌ وَقَعَ بِلَفْظِ الْجُذَاذِ أَوْ بِشَهْرٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُوَقَّتَ بِزَمَانٍ يَزِيدُ عَلَى الْجُذَاذِ عَادَةً لِمَا فِيهِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الْعَامِلِ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ.
(فَإِنْ لَمْ تُوَقَّتْ) بِوَقْتٍ (فَالْجُذَاذُ) أَيْ فَانْتِهَاؤُهَا الْجُذَاذُ.
فَإِذَا كَانَتْ الْأَنْوَاعُ لَا تَخْتَلِفُ كَالنَّخْلِ وَالرُّمَّانِ فَظَاهِرٌ (وَ) إذَا كَانَتْ تَخْتَلِفُ وَتَتَمَيَّزُ الْبَطْنُ الْأُولَى عَنْ الثَّانِيَةِ (حُمِلَتْ عَلَى أَوَّلِ بَطْنٍ) إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ دُخُولُ الثَّانِيَةِ.
فَإِذَا كَانَتْ بُطُونُهُ لَا تَتَمَيَّزُ - كَالنَّبْقِ وَالْجُمَّيْزِ وَالتُّوتِ - حُمِلَتْ عَلَى آخِرِ بَطْنٍ.
(وَشَرْطُ) صِحَّةِ مُسَاقَاةِ (الزَّرْعِ) زِيَادَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَالْقَصَبِ) الْحُلْوِ بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ (وَالْبَصَلِ وَالْمِقْثَاةِ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْقَافِ وَمِنْهَا الْبَاذِنْجَانُ وَالْقَرْعُ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ: (عَجْزُ رَبِّهِ) عَنْ الْقِيَامِ بِهِ.
(وَ) الثَّانِي: (خَوْفُ هَلَاكِهِ) لَوْ لَمْ يَقُمْ بِشَأْنِهِ مِنْ سَقْيٍ وَعَمَلٍ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَكَذَا يَجُوزُ] : تَشْبِيهٌ فِي قَوْلِهِ: " وَجَازَ مُسَاقَاةٌ سِنِينَ " إلَخْ أَيْ: فَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ السِّنِينَ فِي حَائِطٍ وَاحِدٍ أَوْ حَوَائِطَ بِالشَّرْطَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ.
قَوْلُهُ: [إنْ اتَّفَقَ الْجُزْءُ] : أَيْ وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِي النَّوْعِ وَالصِّفَةِ، وَكَلَامُ الشَّارِحِ صَادِقٌ بِمَا إذَا اتَّحَدَ الْعَامِلُ وَرَبُّ الْحَائِطِ أَوْ تَعَدَّدَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَوْ اتَّحَدَ أَحَدُهُمَا وَتَعَدَّدَ الْآخَرُ، وَهُوَ صَحِيحٌ مُطَابِقٌ لِمَا فِي أَبِي الْحَسَنِ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ.
قَوْلُهُ: [يَنْتَهِي بِهِ الْجُذَاذُ] : مَثَلًا، إلَّا إذَا كَانَتْ الْمُدَّةُ ثَلَاثَ سِنِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ شَهْرًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الِانْتِهَاءُ شَهْرًا يَكُونُ فِيهِ الْجُذَاذُ.
[شَرْطُ صِحَّةِ مُسَاقَاةِ الزُّرُوعِ]
[تَنْبِيه مَا يُجْنَى ثَمَره وَيَبْقَى أصله]
قَوْلُهُ: [عَجْزُ رَبِّهِ] : وَمِنْ الْعَجْزِ اشْتِغَالُهُ عَنْهُ بِالسَّفَرِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْبَاجِيِّ.
قَوْلُهُ: [خَوْفُ هَلَاكِهِ] : أَيْ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَجْزِ رَبِّهِ خَوْفُ هَلَاكِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجَزُ رَبُّهُ وَالسَّمَاءُ تَسْقِي الزَّرْعَ.
وَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ صَرِيحٌ فِي اشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ كَمَا
(وَ) الثَّالِثُ (بُرُوزُهُ) مِنْ أَرْضِهِ لِيُشَابِهَ الشَّجَرَ.
وَأَمَّا إذَا شُرِطَ أَلَّا يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَأَلَّا يَكُونَ مِمَّا لَا يُخْلِفُ احْتِرَازًا عَنْ نَحْوِ الْقَضْبِ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقُرْطِ فَمَعْلُومٌ مِمَّا تَقَدَّمَ فَلَا حَاجَةَ لِزِيَادَتِهِمَا هُنَا.
(وَ) إذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ وَجَازَتْ الْمُسَاقَاةُ عَلَى الزَّرْعِ وَنَحْوِهِ، وَكَانَ فِي الْأَرْضِ شَجَرٌ قَلِيلٌ مُتَفَرِّقٌ (دَخَلَ) فِي الْمُسَاقَاةِ (شَجَرٌ تَبِعَ زَرْعًا) : بِأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ قَدْرَ ثُلُثِ قِيمَةِ الزَّرْعِ فَأَقَلَّ، فَيَدْخُلُ الشَّجَرُ لُزُومًا عَلَى الْجُزْءِ الْمُشْتَرَطِ فِي الزَّرْعِ، وَلَا يَجُوزُ إلْغَاؤُهُ لِلْعَامِلِ أَوْ لِرَبِّهِ، وَعَكْسُهُ كَذَلِكَ: أَيْ يَدْخُلُ لُزُومًا، وَلَا يَجُوزُ إلْغَاؤُهُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا زَرْعٌ تَبَعُ شَجَرٍ.
(وَجَازَ إدْخَالُ بَيَاضِ شَجَرٍ أَوْ) بَيَاضِ (زَرْعٍ) فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ؛ وَالْبَيَاضُ: الْأَرْضُ الْخَالِيَةُ مِنْ الشَّجَرِ أَوْ الزَّرْعِ؛ سُمِّيَ بَيَاضًا لِأَنَّ أَرْضَهُ مُشْرِقَةٌ بِالنَّهَارِ
[حاشية الصاوي]
فِي نَقْلِ الْمَوَّاقِ، فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ الْبِسَاطِيِّ: بِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي كَلَامِهِمْ.
قَوْلُهُ: [بُرُوزُهُ مِنْ أَرْضِهِ] : إنْ قِيلَ: لَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ هَذَا الشَّرْطِ: إذْ لَا يُسَمَّى زَرْعًا أَوْ قَصَبًا أَوْ بَصَلًا مَثَلًا إلَّا بِذَلِكَ، وَقَبْلَهُ لَا يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ حَقِيقَةً؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا الِاسْمَ يُطْلَقُ عَلَى الْبَذْرِ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ، فَاشْتِرَاطُ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّرْعِ وَمَا مَعَهُ مَا يَشْمَلُ الْبَذْرَ.
قَوْلُهُ: [وَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ] : أَيْ الْخَمْسَةُ: الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا وَعَدَمُ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَعَدَمُ الْخَلْفِ - الْمَعْلُومَانِ مِمَّا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [وَجَازَتْ الْمُسَاقَاةُ] : أَيْ بِاسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ.
تَنْبِيهٌ:
هَلْ الْوَرْدُ وَالْيَاسَمِينُ وَالْقُطْنُ وَنَحْوَهُ مِنْ كُلِّ مَا يُجْنَى ثَمَرَتُهُ وَيَبْقَى أَصْلُهُ فَيُثْمِرُ مَرَّةً أُخْرَى كَالزَّرْعِ؟ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ، أَوْ كَالشَّجَرِ فَيَجُوزُ مُسَاقَاتُهُ بِشُرُوطِهِ فَقَطْ؟ قَوْلَانِ فِي خَلِيلٍ، وَذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ: أَنَّ الْوَرْدَ وَالْيَاسَمِينَ كَالشَّجَرِ بِلَا خِلَافٍ، وَأَنَّ الْقُطْنَ، وَمِثْلُهُ الْعُصْفُرُ فِيهِمَا الْخِلَافُ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُمَا كَالزَّرْعِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ.
قَوْلُهُ: [زَرْعٌ] : فَاعِلُ يَدْخُلُ.
بِضَوْءِ الشَّمْسِ وَبِاللَّيْلِ بِضَوْءِ الْكَوَاكِبِ، فَإِذَا اسْتَتَرَتْ بِالزَّرْعِ أَوْ الشَّجَرِ سُمِّيَتْ سَوَادًا: يَعْنِي أَنَّ بَيَاضَ الشَّجَرِ أَوْ بَيَاضَ الزَّرْعِ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ يَجُوزُ إدْخَالُهُ فِي مُسَاقَاةِ مَا ذُكِرَ، بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَشَارَ لِأَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: (إنْ وَافَقَ الْجُزْءُ) فِي الْبَيَاضِ الْجُزْءَ فِي الشَّجَرِ أَوْ الزَّرْعِ، فَإِنْ اخْتَلَفَا لَمْ يَجُزْ وَفَسَدَتْ.
وَلِثَانِيهَا بِقَوْلِهِ: (وَبَذَرَهُ الْعَامِلُ) مِنْ عِنْدِهِ.
فَإِنْ دَخَلَا عَلَى أَنَّ بَذْرَهُ عَلَى رَبِّهِ لَمْ يَجُزْ وَفَسَدَتْ.
وَلِثَالِثِهَا بِقَوْلِهِ: (وَقَلَّ) الْبَيَاضُ أَيْ كَانَ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ لِلشَّجَرِ أَوْ الزَّرْعِ (كَثُلُثٍ) فَدُونَ: أَيْ بِأَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ أَيْ أُجْرَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِقِيمَةِ الثَّمَرَةِ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ (بَعْدَ إسْقَاطِ كُلْفَةِ الثَّمَرَةِ) كَمَا لَوْ كَانَ كِرَاؤُهُ مُفْرَدًا مِائَةً، وَقِيمَةُ الثَّمَرَةِ بَعْدَ إسْقَاطِ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِائَتَانِ، فَيُعْلَمُ أَنَّ كِرَاءَهُ ثُلُثٌ.
فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ وَفَسَدَتْ.
(وَأُلْغِيَ) الْبَيَاضُ الْمَذْكُورُ لِلْعَامِلِ (إنْ سَكَتَا) عِنْدَ عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ (عَنْهُ)
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [سُمِّيَتْ سَوَادًا] : أَيْ لِحَجْبِ مَا ذَكَرَ بَهْجَةَ الْإِشْرَاقِ فَيَصِيرُ مَا تَحْتَهُ سَوَادًا.
قَوْلُهُ: [يَجُوزُ إدْخَالُهُ فِي مُسَاقَاةِ مَا ذُكِرَ] : حَاصِلُهُ أَنَّ لِلْبَيَاضِ أَرْبَعَةَ أَحْوَالٍ: الْأُولَى: إدْخَالُهُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَتَجُوزُ بِالشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَهُ رَبُّ الْحَائِطِ لِنَفْسِهِ، فَيُمْنَعُ إنْ قَلَّ وَيَفْسُدُ الْعَقْدُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُنْعَزِلًا عَلَى حِدَةٍ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَسْكُتَا عَنْهُ، فَبَقِيَ لِلْعَامِلِ إنْ قَلَّ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْعَامِلُ لِنَفْسِهِ، وَهِيَ جَائِزَةٌ أَيْضًا إنْ قَلَّ.
قَوْلُهُ: [إنْ وَافَقَ الْجُزْءُ] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَصْبَغُ مُوَافَقَةَ الْجُزْءِ، وَقَدْ جَرَى الْعُرْفُ عِنْدَنَا أَنَّ الْبَيَاضَ لَا يُعْطَى إلَّا بِجُزْءٍ أَكْثَرَ فَلَهُ مُسْتَنَدٌ فَلَا يُشَوَّشُ عَلَى النَّاسِ إذْ ذَاكَ بِذِكْرِ الْمَشْهُورِ قَالَهُ الْمِسْنَاوِيُّ (اهـ بْن) .
قَوْلُهُ: [وَبَذَرَهُ الْعَامِلُ مِنْ عِنْدِهِ] : أَيْ وَاشْتَرَطَ بَذْرَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ.
بِأَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْمُسَاقَاةِ بِشُرُوطِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَمْ يُجْعَلْ لِرَبِّهِ، فَيَكُونُ لِلْعَامِلِ وَحْدَهُ.
(أَوْ اشْتَرَطَهُ الْعَامِلُ) لِنَفْسِهِ فَيَكُونُ لَهُ أَيْضًا (فَإِنْ اشْتَرَطَهُ رَبُّهُ) لِنَفْسِهِ (فَسَدَ) عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ لِنَيْلِهِ مِنْ سَقْيِ الْعَامِلِ فَيَكُونُ زِيَادَةً اشْتَرَطَهَا عَلَيْهِ.
وَلِذَا لَوْ كَانَ بَعْلًا أَوْ كَانَ لَا يُسْقَى بِمَاءِ الْحَائِطِ بِأَنْ كَانَ مُنْعَزِلًا عَلَى حِدَةٍ لَجَازَ اشْتِرَاطُهُ لِنَفْسِهِ.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْبَيَاضِ الْيَسِيرِ كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ.
وَأَمَّا الْكَثِيرُ الزَّائِدُ قِيمَتُهُ عَلَى الثُّلُثِ فَلَا يَجُوزُ إلْغَاؤُهُ لِلْعَامِلِ وَلَا إدْخَالُهُ فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ، بَلْ يَكُونُ لِرَبِّهِ.
وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
(كَاشْتِرَاطِ الْعَامِلِ مَا) أَيْ بَيَاضًا (كَثُرَ) لِنَفْسِهِ أَوْ إدْخَالِهِ فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الْعَقْدَ.
(وَتُفْسَخُ) الْمُسَاقَاةُ الْفَاسِدَةُ (قَبْلَ الْعَمَلِ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ وَجَبَتْ فِيهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَوْ وَجَبَتْ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ.
(أَوْ) تُفْسَخُ (فِي أَثْنَائِهِ) : أَيْ الْعَمَلِ (إنْ وَجَبَتْ) فِيهَا (أُجْرَةُ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَلَا إدْخَالُهُ فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ] : الْحَاصِلُ: أَنَّ الْبَيَاضَ إنْ كَانَ كَثِيرًا تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لِرَبِّهِ، وَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهُ لِلْعَامِلِ وَلَا إدْخَالُهُ فِي عَقْدِ الْمُسَاقَاةِ وَلَا يُلْغَى لِلْعَامِلِ عِنْدَ السُّكُوتِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَفِيهِ الْأَحْوَالُ الْأَرْبَعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ.
قَوْلُهُ: [بَلْ يَكُونُ لِرَبِّهِ] : ظَاهِرُهُ كَانَ مُنْعَزِلًا عَنْ الشَّجَرِ أَوْ لَا.
إنْ قُلْتَ: إذَا كَانَ كَثِيرًا، وَقُلْتُمْ يُقْضَى بِهِ لِرَبِّ الْحَائِطِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعَامِلِ فِي سَقْيِ مَا لَا يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْهُ مَنْفَعَةٌ إنْ كَانَ غَيْرَ مُنْعَزِلٍ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ زِيَادَةٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ تُفْسِدُ الْعَقْدَ؟ فَلْيُنْظَرْ مَا الْجَوَابُ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ] : أَيْ وَيُرَدُّ الْعَامِلُ إنْ عَمِلَ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ فِي الْحَائِطِ وَإِلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ فِي الْبَيَاضِ.
[فَسْخُ الْمُسَاقَاةِ الْفَاسِدَةِ قَبْلَ الْعَمَلِ مُطْلَقًا]
قَوْلُهُ: [وَتَفْسُدُ الْمُسَاقَاةُ الْفَاسِدَةُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ: أَنَّ الْمُسَاقَاةَ إذَا وَقَعَتْ فَاسِدَةً - لِفَقْدِ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ - فَإِذَا اُطُّلِعَ عَلَيْهَا قَبْلَ الْعَمَلِ فُسِخَتْ وَلَا رَاجِعَ لِأَحَدٍ، سَوَاءٌ كَانَ يَجِبُ فِيهَا بَعْدَ التَّمَادِي أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَوْ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ.
وَإِنْ اُطُّلِعَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْعَمَلِ، فَإِنْ وَجَبَ فِيهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ فُسِخَتْ أَيْضًا وَحَاسَبَ الْعَامِلَ بِأُجْرَةِ مَا عَمِلَ، وَإِنْ كَانَ
الْمِثْلِ) لَا إنْ وَجَبَتْ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ فَلَا تُفْسَخُ إنْ اُطُّلِعَ عَلَيْهَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ.
وَبَيَّنَ مَا يَجِبُ فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ بِقَوْلِهِ:
(بِأَنْ خَرَجَا عَنْهَا) : أَيْ عَنْ الْمُسَاقَاةِ إلَى إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ أَوْ بَيْعٍ فَاسِدٍ كَبَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا.
وَإِنَّمَا فُسِخَتْ فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ لِلْعَامِلِ فِيهَا أَجْرَ مَا عَمِلَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي الْفَسْخِ.
وَأَمَّا مَا تَجِبُ فِيهِ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ فَإِنَّمَا يُفْسَخُ مَا لَمْ يَعْمَلْ، فَإِنْ عَمِلَ فَقَدْ فَاتَتْ بِالْعَمَلِ وَوَجَبَ التَّمَادِي فِيهَا إلَى تَمَامِ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَرُدَّ إلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ لِلْعَامِلِ نَصِيبَهُ إلَّا مِنْ الثَّمَرِ فَلَوْ فُسِخَتْ فِي الْأَثْنَاءِ لَزِمَ أَلَّا يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ وَهُوَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ فِيمَا عَمِلَهُ، وَمَثَّلَ لِمَا فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ بِالْخُرُوجِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: (كَاشْتِرَاطِهِ زِيَادَةَ عَيْنٍ أَوْ عَرْضٍ) مِنْ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ، فَيُوجِبُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِخُرُوجِهِمَا عَنْهَا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إنْ كَانَتْ مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ فَقَدْ خَرَجَا عَنْهَا إلَى الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ فِي حَائِطٍ بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ عَيْنٍ أَوْ عَرْضٍ وَبِجُزْءٍ مِنْ ثَمَرَتِهِ، وَذَلِكَ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ تُوجِبُ الرَّدَّ لِأُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَيَحْسِبُ مِنْهَا تِلْكَ الزِّيَادَةَ، وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الثَّمَرَةِ وَلَوْ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ، وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْعَامِلِ فَقَدْ خَرَجَا عَنْهَا إلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ اشْتَرَى الْجُزْءَ الْمُسَمَّى بِمَا دَفَعَهُ لِرَبِّ الْحَائِطِ وَبِأُجْرَةِ عَمَلِهِ فَوَجَبَ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَيَأْخُذُ مَا دَفَعَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الثَّمَرَةِ.
[حاشية الصاوي]
الْوَاجِبُ فِيهَا مُسَاقَاةَ الْمِثْلِ لَمْ تُفْسَخْ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، وَتَبْقَى لِانْقِضَاءِ أَمَدِهَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْعَامِلِ فِي الثَّمَرَةِ، فَلَوْ فُسِخَ الْعَقْدُ قَبْلَ طَيْبِهَا لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْعَامِلِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ كَالْجُعْلِ لَا تُسْتَحَقُّ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ.
[مَا تَجِبُ فِيهِ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ]
[تَتِمَّة إذَا قَصْر الْعَامِل فِي الْمُسَاقَاة]
قَوْلُهُ: [كَاشْتِرَاطِهِ زِيَادَةَ عَيْنٍ أَوْ عَرْضٍ] : هَذَا إذَا كَانَ لَا ضَرُورَةَ فَإِذَا كَانَتْ ضَرُورَةً - كَأَلَّا يَجِدَ رَبُّهُ عَامِلًا إلَّا مَعَ دَفْعِهِ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى الْجُزْءِ - فَيَجُوزُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سِرَاجٍ - كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [فَقَدْ خَرَجَا عَنْهَا] : أَيْ عَنْ حَقِيقَةِ الْمُسَاقَاةِ.
قَوْلُهُ: [الْجُزْءُ الْمُسَمَّى] : أَيْ الْمُسَمَّى لَهُ مِنْ الثَّمَرَةِ مِنْ ثُلُثٍ أَوْ رُبْعٍ أَوْ نِصْفٍ.
(وَإِلَّا) يَخْرُجَا عَنْهَا، بِأَنْ كَانَ الْفَسَادُ لِضَرَرٍ أَوْ لِفَقْدِ شَرْطٍ غَيْرِ الزِّيَادَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ (مَضَتْ) الْمُسَاقَاةُ بِالْعَمَلِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا (بِمُسَاقَاةِ الْمِثْلِ) ، وَذَكَرَ لِذَلِكَ ثَمَانِيَ مَسَائِلَ فَقَالَ: (كَمُسَاقَاةٍ مَعَ ثَمَرٍ أَطْعَمَ) : أَيْ بَدَا صَلَاحُهُ وَلَمْ يَكُنْ تَبَعًا.
(أَوْ) مَعَ (اشْتِرَاطِ عَمَلِ رَبِّهِ) فِي الْحَائِطِ (مَعَهُ) .
(أَوْ) مَعَ اشْتِرَاطِ (دَابَّةٍ، أَوْ) مَعَ اشْتِرَاطِ، (غُلَامٍ) لِرَبِّ الْحَائِطِ يَعْمَلُ مَعَهُ فِيهَا (وَهُوَ) أَيْ الْحَائِطُ (صَغِيرٌ) فَإِنْ اشْتَرَطَ الدَّابَّةَ أَوْ الْغُلَامَ، وَهُوَ كَبِيرٌ جَازَ وَقَدْ قَدَّمَهُ الشَّيْخُ فِي كَلَامِهِ فِي الْجَائِزَاتِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا يَخْرُجَا عَنْهَا] : أَيْ عَنْ حَقِيقَتِهَا بَلْ حَصَلَ اخْتِلَالُ شَرْطٍ أَوْ وُجِدَ مَانِعٌ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَالْحَقِيقَةُ بَاقِيَةٌ.
قَوْلُهُ: [بِمُسَاقَاةِ الْمِثْلِ] : اعْلَمْ أَنَّ الْعَامِلَ مَتَى وَجَبَتْ لَهُ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ فِي الْفَاسِدَةِ كَانَ حَقُّهُ فِي الْحَائِطِ فِي الْمَوْتِ أَوْ الْفَلَسِ.
بِخِلَافِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَإِنَّهَا فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَكُونُ الْعَامِلُ أَحَقَّ بِهَا فِي مَوْتٍ وَلَا فَلَسٍ.
وَنُقِلَ عَنْ (ح) : أَنَّ الْعَامِلَ أَحَقُّ بِمَا فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي الْفَلَسِ لَا الْمَوْتِ فِي الْمُسَاقَاةِ.
وَأَمَّا فِي الْقِرَاضِ فَلَيْسَ أَحَقَّ بِمَا فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لَا فِي فَلَسٍ وَلَا مَوْتٍ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: [كَمُسَاقَاتِهِ مَعَ ثَمَرٍ أَطْعَمَ] : أَيْ وَالْآخَرُ لَمْ يُطْعِمْ إذْ لَمْ يُطَّلَعْ عَلَى فَسَادِ هَذِهِ الْمُسَاقَاةِ إلَّا بَعْدَ الْعَمَلِ، وَالْعِلَّةُ فِي فَسَادِ هَذِهِ الْمُسَاقَاةِ احْتِوَاؤُهَا عَلَى بَيْعِ ثَمَرٍ مَجْهُولٍ وَهُوَ الْجُزْءُ - الْمُسَمَّى لِلْعَامِلِ بِشَيْءٍ - مَجْهُولٍ وَهُوَ الْعَمَلُ، وَلَا يُقَالُ - أَصْلُ الْمُسَاقَاةِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّنَا نَقُولُ الْمُسَاقَاةُ خَرَجَتْ عَنْ أَصْلٍ فَاسِدٍ، وَلَا يَتَنَاوَلُ خُرُوجُهَا هَذَا الْفَرْعَ لِخُرُوجِهِ عَنْ سُنَّةِ الْمُسَاقَاةِ مِنْ كَوْنِهَا قَبْلَ الْإِطْعَامِ فَبَقِيَ هَذَا الْفَرْعُ عَلَى أَصْلِهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ مَعَ اشْتِرَاطِ عَمَلِ رَبِّهِ فِي الْحَائِطِ] : أَيْ بِجُزْءٍ أَوْ مَجَّانًا.
قَوْلُهُ: [أَوْ مَعَ اشْتِرَاطِ دَابَّةٍ] إلَخْ: قَالَ (عب) : الظَّاهِرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَا بَعْدَهَا الْفَسَادُ وَلَوْ أُسْقِطَ الشَّرْطُ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ] : أَيْ وَالْحَائِطُ صَغِيرٌ أَيْ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَفَاهُ ذَلِكَ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ اشْتَرَطَ جَمِيعَ الْعَمَلِ عَلَى رَبِّهِ.
قَوْلُهُ: [جَازَ] : قَالَ الْخَرَشِيُّ: يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْعَامِلُ عَلَى رَبِّ الْحَائِطِ
(أَوْ) مُسَاقَاةٍ (مَعَ بَيْعٍ) لِسِلْعَةٍ: أَيْ سَاقَاهُ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ، وَبَاعَهُ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ فِي صَفْقَةٍ؛ لِأَنَّ جَمْعَ الْبَيْعِ وَالْمُسَاقَاةِ مَمْنُوعٌ.
وَمِثْلُ الْبَيْعِ: الْإِجَارَةُ وَالْجِعَالَةُ وَالنِّكَاحُ وَالصَّرْفُ وَالشَّرِكَةُ فَتَكُونُ فَاسِدَةً وَفِيهَا مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ.
(أَوْ) مُسَاقَاةٍ مَعَ (اخْتِلَافِ الْجُزْءِ) الَّذِي لِلْعَامِلِ (فِي) مُسَاقَاةِ (سِنِينَ) وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا صَفْقَةً، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ.
وَالْمُرَادُ بِالْجَمْعِ: مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ، فَإِذَا عَاقَدَهُ عَلَى سَنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ صَفْقَةً وَاحِدَةً وَاخْتَلَفَ الْجُزْءُ كَأَنْ يَكُونَ النِّصْفُ فِي سَنَةٍ وَالثُّلُثُ فِي أُخْرَى مَثَلًا - كَانَتْ فَاسِدَةً كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهَا بَعْدَ الْعَمَلِ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ.
(أَوْ) مَعَ اخْتِلَافِ الْجُزْءِ (فِي حَوَائِطَ) مُتَعَدِّدَةٍ سَاقَاهُ عَلَيْهَا (فِي صَفْقَةٍ) وَاحِدَةٍ.
وَالْمُرَادُ بِالْجَمْعِ: مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ أَيْضًا، فَإِذَا سَاقَاهُ عَلَى حَائِطَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي صَفْقَةٍ عَلَى أَنَّ لَهُ فِي أَحَدِهِمَا الثُّلُثَ وَفِي الْأُخْرَى النِّصْفَ مَثَلًا فَسَدَتْ وَرُدَّتْ بَعْدَ الْعَمَلِ لِمُسَاقَاةِ الْمِثْلِ.
(أَوْ) مَعَ اشْتِرَاطِ أَنْ (يَكْفِيَهُ) فَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمُتَقَدِّمِ،
[حاشية الصاوي]
دَابَّةً أَوْ غُلَامًا فِي الْحَائِطِ الْكَبِيرِ، وَحَيْثُ اُشْتُرِطَ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِشَرْطِ الْخَلْفِ حَيْثُ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُعَيَّنًا.
قَوْلُهُ: [أَيْ سَاقَاهُ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ] إلَخْ: أَيْ كَأَنْ يَقُولَ رَبُّ الْحَائِطِ لِلْعَامِلِ: سَاقَيْتُك حَائِطِي وَبِعْتُك سِلْعَةَ كَذَا بِدِينَارٍ وَثُلُثِ الثَّمَرَةِ.
قَوْلُهُ: [وَمِثْلُ الْبَيْعِ الْإِجَارَةُ] إلَخْ: أَيْ وَضَابِطُهُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
نِكَاحٌ شِرْكَةٌ صَرْفٌ وَقَرْضُ ... مُسَاقَاةٌ قِرَاضٌ بَيْعٌ جُعْلُ فَجَمْعُ
اثْنَيْنِ مِنْهَا الْحَظْرُ فِيهِ ... فَكُنْ فِطْنًا فَإِنَّ الْحِفْظَ سَهْلُ
قَوْلُهُ: [كَانَتْ فَاسِدَةً كَمَا تَقَدَّمَ] : أَيْ لِلْغَرَرِ - كَذَا قَرَّرَ فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ مَعَ اخْتِلَافِ الْجُزْءِ فِي حَوَائِطَ] : أَيْ وَأَمَّا مَعَ اتِّفَاقِ الْجُزْءِ بِأَنْ وَقَعَ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ عَلَى حَوَائِطَ بِجُزْءٍ مُتَّفِقٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً أَوْ فِي صَفَقَاتٍ أَوْ عَلَى حَوَائِطَ بِجُزْءٍ مُخْتَلَفٍ فِي صَفَقَاتٍ فَجَائِزٌ.
قَوْلُهُ: [عَلَى الْمَصْدَرِ] : مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أَيْ عَطْفٌ عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ عَطْفِ الْفِعْلِ عَلَى الِاسْمِ الْخَالِصِ لِقَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ:
أَعْنِي عَمِلَ أَيْ إذَا شَرَطَ رَبُّ الْحَائِطِ عَلَى الْعَامِلِ فِي حَائِطٍ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ أَنْ يَكْفِيَهُ (مَئُونَةَ) حَائِطٍ (آخَرَ) بِلَا شَيْءٍ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ، وَفِيهِ بَعْدَ الْعَمَلِ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ.
(وَ) كَمَا وَجَبَ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ - حَيْثُ اُطُّلِعَ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ، وَقُلْنَا بِعَدَمِ الْفَسْخِ - (وَجَبَ) إذَا عُثِرَ عَلَيْهِ (بَعْدَ الْفَرَاغِ) مِنْهُ (مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ) أَيْضًا (فِي هَذَا) : أَيْ الْمَذْكُورِ بَعْدَ إلَّا فِي الثَّمَانِ مَسَائِلَ.
وَهُنَاكَ مَسَائِلُ أُخْرَى، ذَكَرَ مِنْهَا الشَّيْخُ: مَا إذَا اشْتَرَطَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ حَمْلَ نَصِيبِهِ إلَى مَنْزِلِهِ، أَيْ إذَا كَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ، وَإِلَّا فَلَا تَفْسُدُ.
وَشَبَّهَ بِالتِّسْعِ مَسْأَلَةَ مَا إذَا كَانَتْ صَحِيحَةً وَاخْتَلَفَا بَعْدَ الْعَمَلِ فِي الْجُزْءِ وَلَمْ يُشْبِهَا مَعًا
[حاشية الصاوي]
وَإِنْ عَلَى اسْمٍ خَالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ ... تَنْصِبُهُ إنْ ثَابِتًا أَوْ مُنْحَذِفْ
عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾ [الشورى: 51] عَطْفٌ عَلَى (وَحْيًا) .
قَوْلُهُ: [مَئُونَةَ حَائِطٍ آخَرَ] : لَا مَفْهُومَ لِحَائِطٍ بَلْ مَتَى شَرَطَ عَلَيْهِ خِدْمَةً فِي شَيْءٍ آخَرَ حَائِطٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِنْ بِأُجْرَةٍ فَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ وَكَانَ فِيهَا مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ، فَالْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَجْعَلَ آخِرَ صِفَةً لِشَيْءٍ لَا لِحَائِطٍ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [وَفِيهِ بَعْدَ الْعَمَلِ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ] : أَيْ فِي الْحَائِطِ الْأَصْلِيِّ، أَمَّا الْحَائِطُ الْآخَرُ أَوْ الشَّيْءُ الْآخَرُ فَفِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: [وَجَبَ إذَا عُثِرَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ] إلَخْ: أَيْ فَلَا فَرْقَ فِيمَا فِيهِ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ بَيْنَ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ فِي الْأَثْنَاءِ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَلْزَمُ فِيهِ تَمَامُ الْعَمَلِ وَفِيهِ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ.
وَأَمَّا مَا فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فَلَا يُتَمَّمُ فِيهِ الْعَمَلُ إذَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ فِي الْأَثْنَاءِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ الْفَسْخُ مِنْ حِينِ الِاطِّلَاعِ وَفِي الْمَاضِي أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
وَأَمَّا إنْ اُطُّلِعَ عَلَى الْفَاسِدِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ فَيَتَعَيَّنُ رَدُّهُ وَلَا شَيْءَ فِيهِ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا يَمْضِي بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ أَوْ مُسَاقَاةِ الْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: [حَمْلَ نَصِيبِهِ إلَى مَنْزِلِهِ] : وَإِنَّمَا مُنِعَ لِمَا فِيهِ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمُشْتَرَطَةِ عَلَى أَحَدِهِمَا قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وَيَنْبَغِي دَفْعُ أُجْرَةِ الْحَمْلِ لَهُ مَعَ مُسَاقَاةِ مِثْلِ الْحَائِطِ (اهـ) وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مُسَاقَاةُ الْمِثْلِ مُطْلَقًا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْجُزْءِ الَّذِي شُرِطَ لِلْعَامِلِ أَوْ أَقَلَّ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِتَفْصِيلِ الْخَرَشِيِّ.
قَوْلُهُ: [وَشَبَّهَ بِالتِّسْعِ] : أَيْ خَلِيلٌ.
فَيُرَدُّ الْعَامِلُ إلَى مُسَاقَاةِ الْمِثْلِ، فَإِنْ أَشْبَهَ أَحَدُهُمَا فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ أَشْبَهَا مَعًا فَالْقَوْلُ لِلْعَامِلِ بِيَمِينِهِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا قَبْلَ الْعَمَلِ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا وَلَا يُنْظَرُ فِيهِ لِمُشْبِهٍ، وَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِهِمَا، وَيَقْضِي لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ.
فَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا كَالْقِرَاضِ لِلُزُومِ عَقْدِهَا.
(وَأُجْرَتُهُ) : أَيْ الْمِثْلِ: أَيْ وَوَجَبَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ (فِي الْأَوَّلِ) وَهُوَ: مَا قَبْلُ: وَ " إلَّا ": أَيْ كَمَا إذَا وَجَبَتْ فِيمَا إذَا عَثَرَ عَلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ وَفُسِخَتْ.
وَهَذَا زِيَادَةٌ فِي الْإِيضَاحِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ.
(وَالْقَوْلُ) عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا فِيمَا يَقْتَضِي الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ (لِمُدَّعِي الصِّحَّةَ) : أَيْ لِمَنْ ادَّعَى مِنْهُمَا مَا يَقْتَضِي الصِّحَّةَ بِيَمِينِهِ دُونَ مَا يَقْتَضِي دَعْوَاهُ الْفَسَادَ، كَمَا لَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا أَنَّ الْجُزْءَ كَانَ مَعْلُومًا، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ كَانَ مَجْهُولًا، أَوْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا وُقُوعَهَا مَعَ زِيَادَةِ عَيْنٍ أَوْ عَرْضٍ، أَوْ أَنَّهَا وَقَعَتْ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرَةِ وَخَالَفَهُ الثَّانِي، فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الصِّحَّةَ بِيَمِينِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ الْفَسَادُ، فَإِنْ غَلَبَ بَيْنَ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا كَالْقِرَاضِ] : أَيْ لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْقِرَاضِ يَرُدُّ الْمَالَ مِنْ غَيْرِ تَحَالُفٍ حَيْثُ وَقَعَ التَّنَازُعُ قَبْلَ الْعَمَلِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ كَمَا إذَا وَجَبَتْ] : أَيْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَقَوْلُهُ: [وَفُسِخَتْ] : أَيْ تَحَتَّمَ فَسْخُهَا مِنْ حِينِ الْعُثُورِ وَفِي الْمَاضِي أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: [لِمُدَّعِي الصِّحَّةَ] : أَيْ كَانَ التَّنَازُعُ بَعْدَ الْعَمَلِ أَوْ قَبْلَهُ كَمَا جَزَمَ بِذَلِكَ اللَّخْمِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ وَفِي الشَّامِلِ.
وَصُدِّقَ مُدَّعِي الصِّحَّةَ إذَا تَنَازَعَا بَعْدَ الْعَمَلِ وَإِلَّا تَحَالَفَا وَفُسِخَ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ: وَهُوَ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ.
وَاعْتَرَضَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيُّ: بِأَنَّ مَا فِي الشَّامِلِ هُوَ الَّذِي لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَابْنِ يُونُسَ وَالتُّونُسِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ؛ فَهُمَا طَرِيقَتَانِ يُؤْخَذَانِ مِنْ (بْن) . وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ: لِمُدَّعِي الصِّحَّةَ، أَنَّهُمَا لَوْ اخْتَلَفَا فَقَالَ رَبُّ الْحَائِطِ: لَمْ تَدْفَعْ لِي الثَّمَرَةَ، وَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ دَفَعْتهَا لَك، صُدِّقَ الْعَامِلُ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ - ابْنُ الْمَوَّازِ: وَيَحْلِفُ كَانَ التَّنَازُعُ قَبْلَ جُذَاذِ النَّاسِ أَوْ وَقْتَهُ - كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [مَا لَمْ يَغْلِبْ الْفَسَادُ] : أَيْ بِخِلَافِ الْقِرَاضِ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي صِحَّتِهِ، وَلَوْ غَلَبَ الْفَسَادُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
النَّاسِ وُقُوعُهَا فَاسِدَةً فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِيهِ لِشَهَادَةِ الْعُرْفِ لَهُ.
هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: الْقَوْلُ لِمُدَّعِي الصِّحَّةَ مُطْلَقًا، بَلْ الشَّأْنُ فِي الْمُسَاقَاةِ بَيْنَ النَّاسِ وُقُوعُهَا فَاسِدَةً أَكْثَرَ مِنْ الْبَيْعِ لِكَثْرَةِ شُرُوطِهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيَّ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ لِمُدَّعِي الصِّحَّةَ مُطْلَقًا وَالْأَكْثَرُ عَلَى خِلَافِهِمَا وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ] : قَالَ (بْن) وَهُوَ الصَّوَابُ وَتَعْلِيلُ ابْنِ يُونُسَ الْمُتَقَدِّمُ تَرْجِيحُ قَوْلِ مُدَّعِي الصِّحَّةِ بِالْعُرْفِ كَالصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ، أَيْ فَإِذَا انْعَكَسَ الْعُرْفُ عُلِّلَ بِهِ أَيْضًا تَرْجِيحُ قَوْلِ مُدَّعِي الْفَسَادِ.
قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: فَإِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا فَسَادًا صُدِّقَ مُدَّعِي الصِّحَّةَ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ الْفَسَادَ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ مُدَّعِيهِ لِشَهَادَةِ الْعُرْفِ لَهُ كَمَا فِي الْبُيُوعِ (اهـ) .
قَوْلُهُ: [قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ] : أَيْ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْبِيَاعَاتِ يَغْلِبُ فِيهَا الصِّحَّةُ فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْبِيَاعَاتِ يَغْلِبُ فِيهَا الْفَسَادُ - كَالسَّلَمِ وَالصَّرْفِ وَالْمُبَادَلَةِ - فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الْفَسَادَ: تَتِمَّةٌ:
إنْ قَصَّرَ عَامِلُ الْمُسَاقَاةِ فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْعَمَلِ الَّذِي شُرِطَ عَلَيْهِ أَوْ جَرَى بِهِ الْعُرْفُ حُطَّ مِنْ نَصِيبِهِ بِنِسْبَتِهِ فَيُنْظَرُ فِي قِيمَةِ مَا عَمِلَ مَعَ قِيمَةِ مَا تَرَكَ فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ مَا تَرَكَ الثُّلُثَ مَثَلًا حُطَّ مِنْ جُزْئِهِ الْمُشْتَرَطِ لَهُ ثُلُثُهُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُقَصِّرْ بِأَنْ شُرِطَ عَلَيْهِ السَّقْيُ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ فَسَقَى مَرَّتَيْنِ وَأَغْنَاهُ الْمَطَرُ أَوْ السَّيْحُ عَنْ الثَّالِثَةِ لَمْ يُحَطَّ مِنْ حِصَّتِهِ شَيْءٌ، وَكَانَ لَهُ جُزْؤُهُ بِالتَّمَامِ ابْنُ رُشْدٍ بِلَا خِلَافٍ قَالَ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ بِالدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ عَلَى سِقَايَةِ حَائِطِهِ زَمَنَ السَّقْيِ - وَهُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ - فَجَاءَ مَاءُ السَّمَاءِ فَأَقَامَ بِهِ حِينًا حُطَّ مِنْ إجَارَتِهِ بِقَدْرِ إقَامَةِ الْمَاءِ فِيهِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِجَارَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُشَاحَّةِ بِخِلَافِ الْمُسَاقَاةِ كَذَا فِي شَرْحِ خَلِيلٍ.
خَاتِمَةٌ:
إذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: خُذْ هَذِهِ الْأَرْضَ فَاغْرِسْهَا نَوْعًا مُعَيَّنًا فَإِذَا بَلَغَتْ أَوَانَ الْإِثْمَارِ كَانَ الشَّجَرُ وَالْأَرْضُ بَيْنَنَا، صَحَّتْ وَكَانَتْ مُغَارَسَةً شَرْعِيَّةً، فَإِنْ انْخَرَمَ شَرْطٌ مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ: تَعْيِينُ الْأَرْضِ، وَالشَّجَرِ، وَكَوْنُهَا مِلْكًا لَهُمَا مِنْ وَقْتِ الْإِثْمَارِ، بِحَيْثُ لَا يَجْعَلُ لِلْعَامِلِ ثَمَرًا يَسْتَقِلُّ بِهِ بَعْدَ الْإِثْمَارِ فَسَدَتْ.
فَإِنْ اُطُّلِعَ عَلَيْهَا قَبْلَ الْعَمَلِ فُسِخَتْ، وَإِلَّا مَضَتْ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى الْغَارِسِ نِصْفُ قِيمَةِ الْأَرْضِ يَوْمَ
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْبَيْعِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَمَا يُنَاسِبُهُ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْإِجَارَةِ كَذَلِكَ.
وَهُوَ أَوَّلُ الرُّبْعِ الرَّابِعِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فَقَالَ:
[حاشية الصاوي]
الْغَرْسِ بَرَاحًا، وَعَلَى رَبِّ الْأَرْضِ نِصْفُ قِيمَةِ الْغَرْسِ يَوْمَ بَلَغَ وَهُوَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا، وَأَمَّا لَوْ أَعْطَاهُ أَرْضًا لِيَغْرِسَ فِيهَا شَجَرًا مِنْ عِنْدِهِ، فَإِذَا بَلَغَتْ حَدَّ الْإِثْمَارِ كَانَتْ الْحَائِطُ بِيَدِهِ مُسَاقَاةً سِنِينَ سَمَّاهَا لَهُ، ثُمَّ يَكُونُ الْغَرْسُ بَعْدَ الْمُدَّةِ مِلْكًا لِرَبِّ الْأَرْضِ، فَلَا يَجُوزُ وَفُسِخَتْ أَيْضًا مَا لَمْ يُثْمِرْ الشَّجَرُ.
فَإِنْ أَثْمَرَ وَعَمِلَ لَمْ تَنْفَسِخْ الْمُسَاقَاةُ وَيَكُونُ لَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ إجَارَةُ مِثْلِهِ وَفِي سِنِينَ الْمُسَاقَاةِ مُسَاقَاةُ مِثْلِهِ.
قَالَ فَضْلٌ: وَلَهُ قِيمَةُ الْأَشْجَارِ يَوْمَ غَرْسِهَا اهـ. مُلَخَّصًا مِنْ الْخَرَشِيِّ.
قَوْلُهُ: [عَلَى الْبَيْعِ] : أَيْ عَلَى تَعْرِيفِهِ وَأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ وَمَوَانِعِهِ.
وَقَوْلُهُ: [وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ] : أَيْ مِنْ مَسَائِلِهِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ.
وَقَوْلُهُ: [وَمَا يُنَاسِبُهُ] : أَيْ مِنْ بَاقِي الْأَبْوَابِ الَّتِي احْتَوَى عَلَيْهَا ذَلِكَ الرُّبْعُ، فَإِنَّ جَمِيعَهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَيْعِ مُنَاسِبَةٌ.
قَوْلُهُ: [انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْإِجَارَةِ كَذَلِكَ] : أَيْ عَلَى تَعْرِيفِهَا وَأَرْكَانِهَا وَشُرُوطِهَا وَمَوَانِعِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَمَا يُنَاسِبُهَا.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ أَوَّلُ الرُّبْعِ الرَّابِعِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ] : أَيْ مِنْ هَذَا الْمَتْنِ كَخَلِيلٍ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَابٌ فِي الْإِجَارَةِ وَأَحْكَامِهَا (الْإِجَارَةُ) : مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْأُجْرَةِ وَهُوَ الْعِوَضُ، وَهِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَفْصَحُ مِنْ ضَمِّهَا.
وَهِيَ وَالْكِرَاءُ شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى، غَيْرَ أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا عَلَى الْعَقْدِ عَلَى مَنَافِعِ الْآدَمِيِّ وَمَا يُنْقَلُ مِنْ غَيْرِ السُّفُنِ وَالْحَيَوَانِ إجَارَةٌ، وَعَلَى الْعَقْدِ عَلَى مَنَافِعِ مَا لَا يُنْقَلُ
[حاشية الصاوي]
[بَابٌ فِي الْإِجَارَةِ وَأَحْكَامِهَا]
[تَعْرِيف الْإِجَارَة]
الْمُرَادُ بِهَا حَقِيقَتُهَا وَأَرْكَانُهَا وَشُرُوطُهَا وَمَوَانِعُهَا، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " وَأَحْكَامُهَا " مَسَائِلُهَا الْمُتَعَلِّقَةُ بِهَا مِنْ صَحِيحَةٍ وَفَاسِدَةٍ.
قَوْلُهُ: [مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْأَجْرِ] : دَائِرَةُ الْأَخْذِ أَعَمُّ مِنْ دَائِرَةِ الِاشْتِقَاقِ فَلَا يُقَالُ: إنَّ الْأَجْرَ لَيْسَ مَصْدَرًا.
قَوْلُهُ: [أَفْصَحُ مِنْ ضَمِّهَا] : أَيْ وَمِنْ فَتْحِهَا.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِجَارَةَ مُثَلَّثَةُ الْهَمْزَةِ وَالْكَسْرُ أَشْهَرُ وَهِيَ مَصْدَرُ أَجَرَ بِالْقَصْرِ كَكَتَبَ.
وَيُقَالُ: آجَرَ إيجَارًا كَأَكْرَمَ، إكْرَامًا وَيُسْتَعْمَلُ الْمَمْدُودُ أَيْضًا مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ فَيَكُونُ مَصْدَرُهُ الْمُؤَاجَرَةَ وَالْإِجَارَ بِالْقَصْرِ كَالْمُقَاتَلَةِ وَالْقِتَالِ، وَأَمَّا الْإِجَارَةُ مِنْ السُّوءِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ مِنْ أَجَارَ إجَارَةً كَأَعَاذَ إعَاذَةً وَأَقَامَ إقَامَةً.
قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَقَدْ غَلَبَ وَضْعُ الْفِعَالَةِ بِالْكَسْرِ لِلصَّنَائِعِ نَحْوَ الْخِيَاطَةِ وَالنِّجَارَةِ، وَالْفَعَالَةُ بِالْفَتْحِ لِأَخْلَاقِ النُّفُوسِ الْجِبِلِّيَّ نَحْوَ السَّمَاحَةِ وَالْفَصَاحَةِ، وَالْفُعَالَةُ بِالضَّمِّ لِمَا يُطْرَحُ مِنْ الْمُحَقَّرَاتِ نَحْوَ الْكُنَاسَةِ وَالْقُلَامَةِ.
وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]
وقَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّهِ شُعَيْبٍ مَعَ مُوسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27]
كَالْأَرْضِ وَالدُّورِ، وَمَا يُنْقَلُ مِنْ سَفِينَةٍ وَحَيَوَانٍ: كِرَاءٌ غَالِبًا فِيهِمَا.
وَهِيَ عُرْفًا: (عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ) : خَرَجَ الْوَقْفُ وَالْعُمْرَى وَالِاسْتِخْدَامُ وَالْإِيصَاءُ وَالْإِعَارَةُ، (عَلَى تَمْلِيكِ مَنْفَعَةٍ) : خَرَجَ الْبَيْعُ فَإِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ عَلَى تَمْلِيكِ ذَاتٍ، (بِعِوَضٍ) مُتَعَلِّقٍ بِمَنْفَعَةٍ: أَيْ تَمْلِيكٌ لِمَنْفَعَةٍ فِي نَظِيرٍ وَمُقَابَلَةِ عِوَضٍ، وَفِي الْحَقِيقَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِمَنْفَعَةٍ: أَيْ كَائِنَةٍ وَمَجْعُولَةٍ فِي نَظِيرِ الْعِوَضِ، وَقُصِدَ بِذَلِكَ إخْرَاجُ النِّكَاحِ وَالْجَعَالَةِ.
فَالْمَنْفَعَةُ فِي الْإِجَارَةِ تَكُونُ فِي نَظِيرِ الْعِوَضِ حَتَّى لَوْ حَصَلَ مِنْ إتْمَامِهِ رَجَعَ لِلْمُحَاسَبَةِ، وَلَا كَذَلِكَ النِّكَاحُ وَالْجَعَالَةُ،
[حاشية الصاوي]
وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخٌ فَذَكَرَ تَأْجِيلَ الْإِجَارَةِ وَسَمَّى عَرَضَهَا، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ» (اهـ) .
قَوْلُهُ: [غَالِبًا فِيهِمَا] : أَيْ وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ قَدْ يَتَسَمَّحُونَ بِإِطْلَاقِ الْإِجَارَةِ عَلَى الْكِرَاءِ، وَالْكِرَاءُ عَلَى الْإِجَارَةِ فَيُسَمُّونَ الْعَقْدَ عَلَى مَنَافِعِ الْآدَمِيِّ، وَمَنَافِعِ مَا يُنْقَلُ غَيْرَ السُّفُنِ وَالْحَيَوَانِ كِرَاءً وَيُسَمُّونَ الْعَقْدَ عَلَى مَنَافِعِ مَا لَا يُنْقَلُ وَمَنَافِعِ السُّفُنِ وَالرَّوَاحِلِ إجَارَةً.
قَوْلُهُ: [خَرَجَ الْوَقْفُ] إلَخْ: أَيْ بِقَوْلِهِ مُعَاوَضَةً لِأَنَّ الْوَقْفَ وَمَا مَعَهُ لَيْسَ، فِيهِ مُعَاوَضَةٌ.
قَوْلُهُ: [خَرَجَ الْبَيْعُ] : أَيْ وَهِبَةُ الثَّوَابِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا كَذَلِكَ النِّكَاحُ وَالْجَعَالَةُ] : مُحَصَّلُ هَذَا أَنَّ الْإِجَارَةَ هِيَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى تَمْلِيكِ مَنْفَعَةٍ كَائِنَةٍ وَمَجْعُولَةٍ فِي نَظِيرِ عِوَضٍ أَمَدًا مَعْلُومًا أَوْ قَدْرًا مَعْلُومًا، فَإِنْ حَصَلَ مَانِعٌ قَبْلَ تَمَامِ الْأَمَدِ أَوْ الْقَدْرِ رَجَعَ لِلْمُحَاسَبَةِ، وَأَمَّا النِّكَاحُ فَهُوَ التَّمْكِينُ مِنْ الْبُضْعِ شَرْعًا وَالْجَعَالَةُ التَّمْكِينُ مِنْ الْمُجَاعَلِ عَلَيْهِ فِي نَظِيرِ عِوَضٍ فِيهِمَا، وَكُلٌّ مِنْ الْبُضْعِ وَالْمُجَاعَلِ عَلَيْهِ ذُو الْمَنْفَعَةِ تَحَقَّقَتْ الْمَنْفَعَةُ أَمْ لَا اسْتَمَرَّتْ أَمْ لَا فَيَثْبُتُ الْعِوَضُ بِتَمَامِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ شَامِلٌ لِلْكِرَاءِ.
بِخِلَافِ تَعْرِيفِ ابْنِ عَرَفَةَ فَمُخَرِّجٌ لَهُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ بَعْدَ قَوْلِهِ: " بِعِوَضٍ غَيْرِ نَاشِئٍ عَنْهَا " لِيُخْرِجَ الْقِرَاضَ وَالْمُسَاقَاةَ فَإِنَّ الْعِوَضَ نَاشِئٌ عَنْ الْمَنْفَعَةِ وَيَزِيدُ أَيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ الْعِوَضُ يَتَبَعَّضُ بِتَبْعِيضِهَا كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَرَفَةَ لِيُدْخِلَ فِي الْحَدِّ
قَوْله تَعَالَى:
(بِمَا يَدُلُّ) عَلَى تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ: مُتَعَلِّقٌ بِ " عَقَدَ ": أَيْ عَقَدَ عَلَى مَا ذُكِرَ بِمَا يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ مِنْ لَفْظٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(فَرُكْنُهَا) : أَيْ فَعُلِمَ مِنْ التَّعْرِيفِ أَنَّ أَرْكَانَهَا أَرْبَعَةٌ الْأَوَّلُ:
(عَاقِدٌ) مِنْ مُؤَجِّرٍ وَمُسْتَأْجِرٍ، كَالْبَيْعِ، فَشَرْطُ صِحَّتِهِمَا الْعَقْلُ وَالطَّوْعُ.
وَشَرْطُ اللُّزُومِ: التَّكْلِيفُ وَالرُّشْدُ؛ فَالصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ يَتَوَقَّفُ لُزُومُ إجَارَتِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ عَلَى إذْنِ وَلِيِّهِ، وَمِثْلُهُ الْعَبْدُ، وَكَذَا السَّفِيهُ فِي سِلْعَةٍ، فَإِنْ أَجَّرَ نَفْسُهُ فَلَا كَلَامَ لِوَلِيِّهِ إلَّا إذَا حَابَى.
وَلَا تَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ وَمَعْتُوهٍ وَمُكْرَهٍ.
[حاشية الصاوي]
﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: 27] الْآيَةَ لِأَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا إجَارَةٌ عِوَضُهَا الْبُضْعُ وَهُوَ لَا يَتَبَعَّضُ إذَا لَمْ تَتِمَّ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي جُعِلَ الْبُضْعُ فِي نَظِيرِهَا فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ: [مِنْ لَفْظٍ أَوْ غَيْرِهِ] : أَيْ كَالْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ وَالْمُعَاطَاةِ وَالْعُرْفِ الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ، وَذَلِكَ فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي يَعْمَلُهَا الشَّخْصُ لِغَيْرِهِ وَمِثْلُهُ يَأْخُذُ عَلَيْهَا أُجْرَةً كَتَخْلِيصِ دَيْنٍ لِأَنَّ مِنْ قَوَاعِدِ الْفِقْهِ أَنَّ الْعُرْفَ كَالشَّرْطِ وَالْعَادَةُ مُحَكَّمَةَ وَلَا يَدْخُلُ فِي صِيغَةِ الْإِجَارَةِ لَفْظُ الْمُسَاقَاةِ فَلَا تَنْعَقِدُ بِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، لِأَنَّ الْمُسَاقَاةَ رُخْصَةٌ يُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى مَا وَرَدَ وَتَقَدَّمَ أَنَّ سَحْنُونًا يَرَى انْعِقَادَ أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ.
[أَرْكَانُ الْإِجَارَةُ]
قَوْلُهُ: [مِنْ مُؤَجِّرٍ وَمُسْتَأْجِرٍ] : الْمُؤَجِّرُ بَائِعُ الْمَنْفَعَةِ وَالْمُسْتَأْجِرُ مُشْتَرِيهَا.
قَوْلُهُ: [فَشَرْطُ صِحَّتِهِمَا] : أَيْ الْمُؤَجِّرُ وَالْمُسْتَأْجِرُ وَالْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ عَقْدُهُمَا، وَكَذَا يُقَدَّرُ فِي قَوْلِهِ وَشَرْطُ اللُّزُومِ وَالْمُؤَجِّرُ هُوَ مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ، وَالْمُسْتَأْجِرُ هُوَ دَافِعُ الْعِوَضِ، وَيُقَالُ فِي الْأَوَّلِ مُكْرٍ وَالثَّانِي مُكْتَرٍ.
قَوْلُهُ: [الْعَقْلُ وَالطَّوْعُ] : الصَّوَابُ عَدُّ الطَّوْعِ مِنْ شُرُوطِ اللُّزُومِ كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فِي الْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: [التَّكْلِيفُ وَالرُّشْدُ] : كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ وَالطَّوْعُ كَمَا عَلِمْت.
قَوْلُهُ: [فَالصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ] إلَخْ: تَفْرِيعٌ عَلَى شَرْطِ اللُّزُومِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا كَلَامَ لِوَلِيِّهِ] إلَخْ: أَيْ فَالرُّشْدُ شَرْطُ لُزُومٍ فِي الْجُمْلَةِ لِمَا عَلِمْت مِنْ هَذَا التَّفْصِيلِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا تَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ وَمَعْتُوهٍ] : مُحْتَرَزُ شَرْطِ الصِّحَّةِ الَّذِي هُوَ الْعَقْلُ فَفِي الْكَلَامِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ وَهُوَ الْأَوْلَى عِنْدَ الْبُلَغَاءِ، وَقَوْلُهُ وَمُكْرَهٍ قَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ.
(وَ) الثَّانِي: (صِيغَةٌ) كَالْبَيْعِ فَتَنْعَقِدُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَإِنْ مُعَاطَاةً.
(وَ) الثَّالِثُ: (أَجْرٌ؛ كَالْبَيْعِ) مِنْ كَوْنِهِ طَاهِرًا مُنْتَفَعًا بِهِ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ مَعْلُومًا ذَاتًا وَأَجَلًا أَوْ حُلُولًا.
(وَ) الرَّابِعُ: (مَنْفَعَةٌ) ، وَهِيَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا.
وَأَخَّرَهَا عَنْ قَوْلِهِ: " كَالْبَيْعِ " لِأَنَّهَا يُشْتَرَطُ فِيهَا شُرُوطٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ.
أَفَادَ الْجَمِيعُ بِقَوْلِهِ:
(تَتَقَوَّمُ) صِفَةً: ل " مَنْفَعَةٍ ": أَيْ لَهَا قِيمَةٌ بِأَنْ تَكُونَ مَمْلُوكَةً عَلَى وَجْهٍ،
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا] : تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [أَجْرٌ كَالْبَيْعِ] : رَاجِعٌ لِلْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ فَلِذَلِكَ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ أَوَّلًا وَثَانِيًا.
قَوْلُهُ: [مِنْ كَوْنِهِ] : أَيْ الْأَجْرِ أَيْ لِكَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَنِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: [طَاهِرًا] : فَلَا يَصِحُّ بِنَجِسٍ وَلَا مُتَنَجِّسٍ لَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ فَإِنْ قَبِلَهُ صَحَّ وَوَجَبَ الْبَيَانُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: [مُنْتَفَعًا بِهِ] : أَيْ انْتِفَاعًا شَرْعِيًّا فَلَا يَصِحُّ بِمَا لَا نَفْعَ فِيهِ أَصْلًا أَوْ مَنْفَعَةً غَيْرَ شَرْعِيَّةٍ كَآلَةِ اللَّهْوِ إذَا جُعِلَتْ أَجْرًا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا آلَةُ لَهْوٍ.
قَوْلُهُ: [مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ] : فَلَا يَصِحُّ بِعَبْدٍ آبِقٍ وَلَا بَعِيرٍ شَارِدٍ وَلَا طَيْرٍ فِي الْهَوَاءِ أَوْ سَمَكٍ فِي الْمَاءِ أَوْ بِمَا فِيهِ خُصُومَةٌ.
قَوْلُهُ: [مَعْلُومًا ذَاتًا] : أَيْ إمَّا بِرُؤْيَةٍ أَوْ بِوَصْفٍ كَالْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: [وَأَجَلًا] : أَيْ إنْ أُجِّلَ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الْأَجَلِ وَجَهْلُهُ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ حُلُولًا] : أَيْ بِأَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْحُلُولِ أَوْ يَسْكُتَا وَلَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ التَّأْجِيلَ وَسَيَأْتِي التَّفْصِيلُ فِي تَعْجِيلِ الْأَجْرِ وَعَدَمِهِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهَا يُشْتَرَطُ فِيهَا شُرُوطٌ زَائِدَةٌ] : أَيْ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا شُرُوطُ الثَّمَنِ وَيُزَادُ عَلَيْهَا مَا سَيَذْكُرُهُ وَنُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ شُرُوطًا بِالنَّصْبِ وَالْأَوْلَى رَفْعُهُ عَلَى أَنَّهُ نَائِبُ فَاعِلِ يُشْتَرَطُ.
قَوْلُهُ: [أَفَادَ الْجَمِيعَ بِقَوْلِهِ تَتَقَوَّمُ] : أَيْ إلَخْ وَهَذَا الشَّرْطُ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ: " تَتَقَوَّمُ " مِنْ جُمْلَةِ الزَّائِدِ عَلَى شُرُوطِ الثَّمَنِ، لِأَنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ فِي نَظِيرِ ذَاتٍ لَا مَنْفَعَةٍ كَانَتْ
خَاصٍّ، بِحَيْثُ يُمْكِنُ مَنْعُهَا، وَوَهْنُ الذَّاتِ الْمُسْتَوْفَى مِنْهَا، احْتِرَازًا مِنْ اسْتِظْلَالٍ أَوْ تَشَمُّسٍ بِفَلَاةٍ، فَلَا تُقَوَّمُ الْمَنْفَعَةُ لِعَدَمِ مِلْكِهَا، وَمِنْ شَمِّ الرَّيَاحِينِ فَإِنَّ رَبَّ الرَّيَاحِينِ لَا يُمْكِنُهُ مَنْعُ رَائِحَتِهَا، وَكَذَا الِاسْتِضَاءَةُ بِنُورِ مِصْبَاحٍ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ رَبِّهِ، أَوْ اسْتِدْفَاءٌ بِنَارٍ كَذَلِكَ أَوْ زِينَةٌ بِدَنَانِيرَ مَسْكُوكَةٍ، إذْ لَا يَحْصُلُ بِاسْتِيفَائِهَا وَهْنٌ لِذَاتِ الدَّرَاهِمِ، كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
(مَعْلُومَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ " تَتَقَوَّمُ " احْتِرَازًا عَنْ الْمَجْهُولَةِ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ الْأَجَلِ.
(مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهَا) لِلْمُسْتَأْجِرِ احْتِرَازًا مِنْ مَنْفَعَةِ آبِقٍ أَوْ شَارِدٍ أَوْ مَغْصُوبٍ.
[حاشية الصاوي]
تَتَقَوَّمُ أَمْ لَا، وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءَيْنِ مَعًا لِأَنَّ الْفِعْلَ لَازِمٌ لَا يُبْنَى لِلْمَجْهُولِ.
قَوْلُهُ: [وَوَهْنُ الذَّاتِ] : أَيْ ضَعْفُهَا وَتَغَيُّرُهَا كَالدَّابَّةِ الَّتِي تُرْكَبُ.
قَوْلُهُ: [بِفَلَاةٍ] : أَيْ بِمَكَانٍ خَارِج عَنْ مِلْكِ رَبِّهِ وَهُوَ رَاجِعٌ لِلظَّلَالِ وَلِلشَّمْسِ، فَإِنَّ التَّشَمُّسَ وَالِاسْتِظْلَالَ بِالْجِدَارِ لَا يُمْكِنُ رَبَّهُ مَنْعُ الشَّمْسِ وَلَا الظِّلِّ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ وَهْنٌ لِلْجِدَارِ.
قَوْلُهُ: [خَرَجَ عَنْ مِلْكِ رَبِّهِ] : أَيْ مَنْزِلِ رَبِّ الْمِصْبَاحِ وَأَمَّا الْجُلُوسُ فِي مِلْكِهِ الَّذِي فِيهِ الْمِصْبَاحُ فَلَهُ اسْتِئْجَارُهُ وَمِثْلُهُ الْجُلُوسُ دَاخِلَ الْبُسْتَانِ الَّذِي فِيهِ الرَّيَاحِينُ.
قَوْلُهُ: [كَذَلِكَ] : أَيْ إدْفَاؤُهَا خَارِجٌ عَنْ مِلْكِ رَبِّهَا.
قَوْلُهُ: [كَذَا قِيلَ] : رَاجِحٌ لِلتَّعْلِيلِ.
وَقَوْلُهُ: [وَفِيهِ نَظَرٌ] : أَيْ بَلْ رُبَّمَا حَصَلَ لَهَا وَهْنٌ بِالِاسْتِعْمَالِ، فَالْأَحْسَنُ أَنَّ مَنْعَ التَّزَيُّنِ بِالدَّنَانِيرِ الْمَسْكُوكَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ شَرْعِيَّةٌ كَتَزَيُّنِ الْحَوَانِيتِ وَالْجُدَرَانِ بِهَا وَكَذَا آلَاتُ اللَّهْوِ وَتَعْلِيمُ الْأَنْغَامِ إذْ لَا قِيمَةَ لَهَا شَرْعًا فَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ مَا ذُكِرَ، وَتُفْسَخُ إنْ وَقَعَتْ وَلَا أُجْرَةَ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ كِرَاءُ الشَّمْعِ لِلْمَشْيِ بِهِ فِي الزِّفَافِ مِنْ غَيْرِ وَقُودٍ كَالْمُسَمَّى فِي مِصْرَ بِشَمْعِ الْقَاعَةِ، وَقَدْ نَصَّ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ مَنْ قَالَ ارْقَ هَذَا الْجَبَلَ وَلَك كَذَا أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ.
قَوْلُهُ: [احْتِرَازًا مِنْ مَنْفَعَةِ آبِقٍ] : وَمِنْ ذَلِكَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى إخْرَاجِ الْجَانِّ وَحَلِّ الْمَرْبُوطِ وَفِي (ح) عَنْ الْأَبِيِّ لَا يَحِلُّ مَا يَأْخُذُهُ الَّذِي يَكْتُبُ الْبَرَاءَةَ لِرَدِّ الضَّائِعِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ السِّحْرِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَا يُؤْخَذُ عَلَى الْمَعْقُودِ فَإِنْ كَانَ يَرْقِيهِ بِالرُّقَى الْعَرَبِيَّةِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ
(غَيْرَ حَرَامٍ) احْتِرَازًا مِنْ اسْتِئْجَارِ آلَاتِ الْمَلَاهِي وَالْمُغَنِّيَاتِ.
وَمِنْ الْحَرَامِ: الرَّقْصُ وَالْمَشْيُ عَلَى حَبْلٍ أَوْ أَعْوَادٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ اللَّعِبِ الَّذِي يَقَعُ فِي الْأَفْرَاحِ.
(وَلَا مُتَضَمِّنَةً) تِلْكَ الْمَنْفَعَةُ (اسْتِيفَاءَ عَيْنٍ) : أَيْ ذَاتٍ (قَصْدًا) : احْتِرَازًا مِنْ اسْتِئْجَارِ شَاةٍ - مَثَلًا - لِشُرْبِ لَبَنِهَا، أَوْ شَجَرَةٍ لِأَكْلِ ثَمَرِهَا؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ إنَّمَا هُوَ شُرْبُ اللَّبَنِ وَأَكْلُ الثَّمَرِ.
وَاسْتَثْنَوْا الرَّضَاعَ كَمَا يَأْتِي.
(وَلَا مُتَعَيِّنَةً) : عَلَى الْمُؤَجِّرِ كَالصَّلَاةِ، وَحَمْلِ مَيِّتٍ أَوْ دَفْنِهِ عَلَى مَنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ، أَوْ فَتْوَى تَعَيَّنَتْ عَلَى عَالِمٍ: لَا إنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ كَمَا يَأْتِي.
[حاشية الصاوي]
بِالرُّقَى الْعَجَمِيَّةِ امْتَنَعَ وَفِيهِ خِلَافٌ، وَكَانَ الشَّيْخُ يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ يَقُولُ إنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ النَّفْعُ فَذَلِكَ جَائِزٌ (اهـ بْن) .
قَوْلُهُ: [وَمِنْ الْحَرَامِ الرَّقْصُ] : أَيْ حَيْثُ كَانَ حَرَامًا فَالِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ حَرَامٌ وَدَفْعُ الدَّرَاهِمِ لَهُمْ حَرَامٌ.
قَوْلُهُ: [وَلَا مُتَضَمِّنَةً تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ اسْتِيفَاءَ عَيْنٍ] إلَخْ: صَادِقٌ بِأَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ اسْتِيفَاءُ عَيْنٍ أَصْلًا أَوْ كَانَ هُنَاكَ اسْتِيفَاءُ عَيْنٍ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَالْأَوَّلُ كَإِجَارَةِ دَابَّةٍ لِرُكُوبٍ أَوْ حَمْلٍ، وَالثَّانِي كَإِجَارَةِ الشَّجَرِ لِلتَّجْفِيفِ عَلَيْهِ وَالثِّيَابِ لِلُّبْسِ فَإِنَّ فِيهِ اسْتِيفَاءَ عَيْنٍ وَهُوَ ذَهَابُ شَيْءٍ مِنْهَا بِالِاسْتِعْمَالِ لَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْصُودٍ.
قَوْلُهُ: [وَاسْتَثْنَوْا الرَّضَاعَ كَمَا يَأْتِي] : أَيْ وَكَذَلِكَ اسْتَثْنَوْا إيجَارَ أَرْضٍ فِيهَا بِئْرٌ أَوْ عَيْنٌ، وَاسْتِئْجَارَ شَاةٍ لِلَبَنِهَا إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ، فَإِنَّ فِيهَا اسْتِيفَاءَ عَيْنٍ قَصْدًا وَهُوَ الْمَاءُ فِي الْأُولَى وَاللَّبَنُ فِي الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: [كَالصَّلَاةِ] : أَيْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ أُجْرَةٍ عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ مَثَلًا، وَأَمَّا عَلَى كَوْنِهِ إمَامًا فِي مَسْجِدٍ أَوْ مَكَان مَخْصُوصٍ فَجَائِزٌ.
وَقَوْلُهُ: [وَحَمْلُ مَيِّت أَوْ دَفْنُهُ] : أَيْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الْمُتَعَيَّنِ.
وَقَوْلُهُ: [أَوْ فَتْوَى تَعَيَّنَتْ عَلَى عَالِمٍ] : فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ أَيْضًا.
قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَيَجُوزُ لِلْمُفْتِي إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَالْأُجْرَةُ عَلَى الْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ رِشْوَةٌ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ نَقْلِهِ: فِي الْأَجْرِ عَلَى الشَّهَادَةِ خِلَافٌ، وَكَذَا فِي الرِّوَايَةِ وَمَنْ شَغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ جُلِّ تَكَسُّبِهِ فَأَخْذُهُ الْأَجْرَ مِنْ غَيْرِ بَيْتِ الْمَالِ لِتَعَذُّرِهِ عِنْدِي خَفِيفٌ (اهـ) .
وَقَوْلُهُ: [لَا إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ] أَيْ فَيَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَاجٍ.
ثُمَّ بَيَّنَ مُحْتَرَزَ بَعْضِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقُيُودِ بِقَوْلِهِ: (لَا نَحْوِ تُفَّاحَةٍ لِلشَّمِّ) مِنْ سَائِرِ الرَّيَاحِينِ وَهَذَا مُحْتَرَزُ " تَتَقَوَّمُ ". (أَوْ دَنَانِيرَ لِلزِّينَةِ) : إنْ كَانَتْ الزِّينَةُ لِرِجَالٍ، فَالْمَنْعُ لِحُرْمَةِ الْمَنْفَعَةِ.
وَإِنْ كَانَتْ لِنِسَاءٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الدَّنَانِيرِ وَالْحُلِيِّ.
(وَلَا آلَةٌ) لِلَّهْوِ (أَوْ جَارِيَةٌ لِلْغِنَاءِ.
أَوْ) نَحْوُ اسْتِئْجَارِ (حَائِضٍ) أَوْ نُفَسَاءَ (لِكَنْسِ مَسْجِدٍ) ، وَهَذَا مُحْتَرَزٌ " غَيْرُ حَرَامٍ " (وَلَا لِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ) : وَأَوْلَى الْفَرْضُ لِتَعَيُّنِ ذَلِكَ.
(بِخِلَافِ الْكِفَايَةِ) : كَتَغْسِيلِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ حَيْثُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى أَحَدٍ، فَيَجُوزُ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [مِنْ سَائِرِ الرَّيَاحِينِ] : بَيَانٌ لِنَحْوِ التُّفَّاحَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا آلَةٌ لِلَّهْوِ] : أَيْ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ جَوَازُهُ فِي النِّكَاحِ فَكُلُّ مَا جَازَ مِنْ آلَاتِ اللَّهْوِ فِي النِّكَاحِ يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ جَارِيَةٌ لِلْغِنَاءِ] : وَأَمَّا اسْتِئْجَارُ، نَحْوِ الْمُنْشِدِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ الْقَصَائِدَ النَّبَوِيَّةَ وَالْكَلَامَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الْمَعَارِفِ فَلَا شَكَّ فِي جَوَازِهِ، وَتَقَدَّمَ لَنَا مَبْحَثٌ طَوِيلٌ فِي الْوَلِيمَةِ فِي حُكْمِ الْمَلَاهِي فَرَاجِعْهُ إنْ شِئْت.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا مُحْتَرَزٌ غَيْرُ حَرَامٍ] : اسْمُ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ إلَى قَوْلِهِ وَلَا آلَةٌ لِلَّهْوِ إلَى هُنَا.
قَوْلُهُ: [وَلَا لِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ] : أَيْ فَلَا فَرْقَ فِي الْمُتَعَيَّنِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا أَوْ مَنْدُوبًا كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَسَائِرِ الْمَنْدُوبَاتِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَأَمَّا الْمَنْدُوبَاتُ مِنْ غَيْرِهِمَا كَالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهَا، وَذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ أَنَّ جَوَازَ الْإِجَارَةِ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَبْنِيٌّ عَلَى وُصُولِ ثَوَابِ الْقُرْآنِ لِمَنْ قُرِئَ لِأَجْلِهِ كَالْمَيِّتِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرَّاجِحَ وُصُولُ ذَلِكَ بِكَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: [كَتَغْسِيلِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ] : أَيْ وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فَقَدْ نَصَّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ عَلَى مَنْعِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهَا، قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فَإِنْ قُلْت: صَلَاةُ الْجِنَازَةِ عِبَادَةٌ لَا يَتَعَيَّنُ فِعْلُهَا عَلَى أَحَدٍ لِمَ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا؟ قُلْت لَمَّا كَانَتْ عِبَادَةٌ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ الْمُتَمَيِّزَةِ بِصُورَتِهَا لِلْعِبَادَةِ وَالصَّلَاةِ لَا تُفْعَلُ لِغَيْرِ الْعِبَادَةِ مُنِعَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْغُسْلُ فَيَكُونُ لِلْعِبَادَةِ وَالنَّظَافَةِ، وَكَذَا الْحَمْلُ لِلْمَيِّتِ تُشَارِكُهُ فِي الصُّورَةِ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ فَلَمْ يَتَمَحَّضْ بِصُورَتِهِ لِلْعِبَادَةِ (اهـ بْن) .
الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ (وَكَفَتْوَى لَمْ تَتَعَيَّنْ) : فَإِنْ تَعَيَّنَتْ لِعَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ أَوْ لِعَدَمِ قَبُولِهِ لَمْ يَجُزْ، وَهَذَا مُحْتَرَزٌ: " وَلَا مُتَعَيِّنَةٌ ".
وَلَمَّا كَانَتْ قَاعِدَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ الثَّمَنَ فِي الْبَيْعِ الْأَصْلُ فِيهِ الْحُلُولُ وَأَنَّ الْأُجْرَةَ فِي الْإِجَارَةِ الْأَصْلُ فِيهَا التَّأْجِيلُ، إلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ يَجِبُ فِيهَا تَعْجِيلُ الْأُجْرَةِ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ:
(وَعُجِّلَ الْأَجْرُ) وُجُوبًا فِي الْإِجَارَةِ (إنْ شُرِطَ) التَّعْجِيلُ (أَوْ اُعْتِيدَ) . وَلَمْ يَكُنْ الْأَجْرُ مُعَيَّنًا كَ: أَكْرِنِي دَارَك سَنَةً مَثَلًا لِأَسْكُنَهَا، أَوْ: أَرْضَكَ لِأَزْرَعَهَا
أَوْ: دَابَّتَك لِأُسَافِرَ عَلَيْهَا لِمَكَّةَ مَثَلًا بِكَذَا كَعَشَرَةِ دَنَانِيرَ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ عَبْدٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ.
إلَّا أَنَّ وُجُوبَ تَعْجِيلِ الْأَجْرِ فِي هَذَيْنِ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ يُقْضَى بِهِ عِنْدَ التَّنَازُعِ فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى تَأْخِيرِهِ جَازَ وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ (أَوْ عُيِّنَ) الْأَجْرُ كَ: هَذَا الثَّوْبُ أَوْ الْعَبْدُ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَعَيَّنَتْ لِعَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ يَشْغَلْهُ ذَلِكَ عَنْ جُلِّ تَكَسُّبِهِ فَيَأْخُذُهُ بِقَدْرِ ضَرُورَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [أَوْ لِعَدَمِ قَبُولِهِ] : أَيْ لِجَهْلِهِ أَوْ لِعَدَمِ دِيَانَتِهِ.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا مُحْتَرَزٌ وَلَا مُتَعَيِّنَةٌ] : اسْمُ الْإِشَارَةِ يَعُودُ عَلَى قَوْلِهِ " بِخِلَافِ الْكَفَاءَةِ " إلَخْ.
[تأجيل الْأُجْرَة وَتَعْجِيلهَا]
قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَكُنْ الْأَجْرُ مُعَيَّنًا] : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْأَجْرُ مُعَيَّنًا لِأَنَّ الْأَجْرَ الْمُعَيَّنَ سَيَأْتِي بَعْدُ كَانَتْ الْمَنَافِعُ مُعَيَّنَةً أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [فِي هَذَيْنِ] : أَيْ فِي شَرْطِ التَّعْجِيلِ أَوْ اعْتِيَادِهِ وَالْحَالُ أَنَّ الْأَجْرَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا كَانَ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ فَقَطْ لِعَدَمِ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ فِي التَّأْخِيرِ وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَنَافِعِ مُعَيَّنَةً أَوْ مَضْمُونَةً فَصُوَرُهَا أَرْبَعٌ، وَلَكِنْ سَيَأْتِي أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْمَنَافِعُ مَضْمُونَةً وَالْأَجْرُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ يَجِبُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ إمَّا التَّعْجِيلُ أَوْ الشُّرُوعُ، وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ التَّعْجِيلُ وَلَمْ يَتَعَدَّ لِحَقِّ اللَّهِ، وَهُوَ ابْتِدَاءُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا نَفَى الْمَفْهُومُ تَفْصِيلَ الْكُلِّ فِيهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى تَأْخِيرِهِ جَازَ] إلَخْ: أَيْ فِي غَيْرِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي يَلْزَمُ فِيهَا ابْتِدَاءُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ كَمَا عَلِمْت.
فَإِنَّهُ يَجِبُ تَعْجِيلُهُ، أَيْ إنْ شُرِطَ التَّعْجِيلُ أَوْ كَانَ الْعُرْفُ تَعْجِيلَهُ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي: " وَفَسَدَتْ إنْ انْتَفَى عُرْفُ تَعْجِيلِ الْمُعَيَّنِ ". وَالتَّعْجِيلُ فِي هَذِهِ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى تَأْخِيرِهِ بَيْعٌ مُعَيَّنٌ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ، لَا ابْتِدَاءَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ كَالسَّلَمِ كَمَا قِيلَ، لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ لَيْسَ فِي الذِّمَّةِ.
وَإِنَّمَا أَخَّرْنَا قَوْلَهُ: " أَوْ عُيِّنَ " عَنْ قَوْلِهِ: " إنْ شُرِطَ ". . . إلَخْ لِكَوْنِ التَّعْجِيلِ فِيهِ وَفِيمَا يَلِيهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالسَّلَمِ.
وَأَمَّا
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَجِبُ تَعْجِيلُهُ] : أَيْ وَلَوْ حُكْمًا وَيُغْتَفَرُ التَّأْخِيرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَحَاصِلُ مَا فِي الْمَقَامِ أَوَّلًا وَآخِرًا: أَنَّهُ إنْ عُيِّنَ الْأَجْرُ فَلَا بُدَّ مِنْ شَرْطِ التَّعْجِيلِ أَوْ جَرَيَانِ الْعُرْفِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجْرِ عُرْفٌ وَلَمْ يَشْتَرِطْ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا وَلَوْ عَجَّلَ بِالْفِعْلِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَنَافِعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا مُعَيَّنَةً أَوْ مَضْمُونَةً شَرَعَ فِيهَا أَمْ لَا؛ فَهَذِهِ أَرْبَعٌ صَحِيحَةٌ وَأَرْبَعٌ فَاسِدَةٌ، إنْ كَانَ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْبَتِّ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْخِيَارِ فَسَدَ فِي الْجَمِيعِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَإِنَّمَا فَسَدَ فِي الْجَمِيعِ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ؛ فَهَذِهِ سِتَّ عَشْرَةَ صُورَةً، وَإِنْ كَانَ الْأَجْرُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَجَبَ التَّعْجِيلُ إنْ شُرِطَ أَوْ اُعْتِيدَ كَالْمَنَافِعِ مُعَيَّنَةً أَوْ مَضْمُونَةً شَرَعَ أَمْ لَا، فَهَذِهِ أَرْبَعٌ أَيْضًا صَحِيحَةٌ إنْ كَانَ عَلَى الْبَتِّ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْخِيَارِ فَسَدَتْ الْأَرْبَعُ لِلتَّرَدُّدِ فَهَذِهِ ثَمَانٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ وَلَا عَادَةٌ بِالتَّعْجِيلِ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعِ فَإِنْ كَانَتْ الْمَنَافِعُ مَضْمُونَةً لَمْ يَشْرَعْ فِيهَا وَجَبَ التَّعْجِيلُ لِحَقِّ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَنَافِعُ مُعَيَّنَةً شَرَعَ فِيهَا أَمْ لَا أَوْ مَضْمُونَةً، وَشَرَعَ فِيهَا فَلَا يَجِبُ التَّعْجِيلُ لِلْأَجْرِ، بَلْ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ هَذَا إذَا كَانَ عَلَى الْبَتِّ فَإِنْ كَانَتْ عَلَى الْخِيَارِ فَصَحِيحَةٌ أَيْضًا إلَّا فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا تَعْجِيلُ الْأَجْرِ لِحَقِّ اللَّهِ فَجُمْلَةُ الصُّوَرِ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ قَدْ عَلِمْت أَحْكَامَهَا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [وَاَلَّتِي بَعْدَهَا] : أَيْ وَهِيَ قَوْلُهُ أَوْ لَمْ يُعَيَّنْ فِي مَضْمُونَةٍ لَمْ يَشْرَعْ فِيهَا وَهِيَ الَّتِي نَبَّهْنَا عَلَيْهَا أَوَّلًا.
قَوْلُهُ: [بَيْعٌ مُعَيَّنٌ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ] : أَيْ فِي هَذِهِ، وَأَمَّا الَّتِي بَعْدَهَا فَابْتِدَاءُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ كَمَا سَيُنَبَّهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [كَالسَّلَمِ] : مِثَالٌ لِلْمَنْفِيِّ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ لَيْسَ فِي الذِّمَّةِ] : عِلَّةٌ لِلنَّفْيِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالسَّلَمِ] ؛ أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعِلَّةَ فِي الْمَنْعِ إمَّا بَيْعٌ
مَا قَبْلَهُمَا الْحَقُّ فِي تَعْجِيلِهِمَا لِلْآدَمِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَرُدُّ عَلَيْهِ بَحْثُ الْحَطَّابُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: " أَوْ عُيِّنَ " مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: " إنْ شُرِطَ أَوْ اُعْتِيدَ "، أَيْ: عُيِّنَ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ تَعْجِيلُهُ وَلَمْ يُعْتَدْ فَفَاسِدَةٌ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ.
وَيُجَابُ بِأَنْ يُحْمَلَ الْأَوَّلَانِ عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ لِبَيَانِ أَنَّ التَّعْجِيلَ حَقٌّ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَيُفْرَدُ الْمُعَيَّنُ عَمَّا قَبْلَهُ لِبَيَانِ أَنَّهُ وَمَا يَلِيه حَقُّ التَّعْجِيلِ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى، إلَّا أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ إنَّمَا يَظْهَرُ لَوْ أَخَّرَهُ وَضَمَّهُ لِمَا بَعْدَهُ كَمَا فَعَلْنَا.
(أَوْ) لَمْ يُعَيَّنْ (فِي مَضْمُونِهِ) : أَيْ وَيَجِبُ تَعْجِيلُ الْأَجْرِ إذَا لَمْ يُعَيَّنْ إذَا كَانَ فِي مَنَافِعَ مَضْمُونَةٍ فِي ذِمَّةِ الْمُؤَجِّرِ (لَمْ يَشْرَعْ فِيهَا) : أَيْ فِي الْمَنَافِعِ الْمَضْمُونَةِ.
كَ: اسْتَأْجَرْتُك عَلَى فِعْلِ كَذَا فِي ذِمَّتِك، أَيْ بِنَفْسِك أَوْ غَيْرِك، أَوْ: عَلَى أَنْ تَحْمِلَنِي عَلَى دَابَّةٍ مِنْ دَوَابِّك لِبَلَدِ كَذَا بِدَنَانِيرَ مَثَلًا.
فَإِنْ شَرَعَ فَلَا ضَرَرَ، وَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِيهَا - أَيْ تَأَخَّرَ الشُّرُوعُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ - فَلَا يَجُوزُ إلَّا إذَا عَجَّلَ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ، وَإِلَّا لَأَدَّى إلَى ابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ مَشْغُولَةٌ لَك بِمَنَافِعِ الدَّابَّةِ مَثَلًا وَذِمَّتَك مَشْغُولَةٌ بِالدَّرَاهِمِ أَيْ الْأُجْرَةِ.
وَأَمَّا لَوْ شَرَعَ فِي الْعَمَلِ أَوْ السَّيْرِ لَجَازَ تَأْخِيرُ الْأَجْرِ لِانْتِفَاءِ
[حاشية الصاوي]
مُعَيَّنٌ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ أَوْ ابْتِدَاءُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ هَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ مِنْ مَوَانِعِ السَّلَمِ.
قَوْلُهُ: [يُرَدُّ عَلَيْهِ] : أَيْ عَلَى خَلِيلٍ.
قَوْلُهُ: [مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ عُيِّنَ] إلَخْ: لَيْسَ هَذَا لَفْظُ خَلِيلٍ، بَلْ لَفْظُهُ وَعَجَّلَ إنْ عُيِّنَ أَوْ بِشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ يُحْمَلَ الْأَوَّلَانِ] : الْمُنَاسِبُ لِتَرْتِيبِ خَلِيلٍ أَنْ يَقُولَ الْأَخِيرَانِ.
قَوْلُهُ: [وَيُفْرَدُ الْمُعَيَّنُ عَمَّا قَبْلَهُ] : الْمُنَاسِبُ عَمَّا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: [لَوْ أَخَّرَهُ] : هَذَا مِمَّا يُعِينُ أَنَّ كَلَامَهُ أَوَّلًا لَا سَبْقَ قَلَمٍ.
قَوْلُهُ: [أَيْ وَيَجِبُ تَعْجِيلُ الْأَجْرِ إذَا لَمْ يُعَيَّنْ] : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ عُرْفٌ بِالتَّعْجِيلِ وَلَا اُشْتُرِطَ.
قَوْلُهُ: [فِي ذِمَّتِك] إلَخْ: لَيْسَ هَذَا التَّصْرِيحُ لَازِمًا، بَلْ إنْ حَصَلَ الْعَقْدُ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَالْمَنَافِعُ مَضْمُونَةٌ فِي الذِّمَّةِ سَوَاءٌ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا لَأَدَّى إلَى ابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ] : أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْمِيرِ الذِّمَّتَيْنِ بِدَلِيلِ تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ مَشْغُولَةٌ إلَخْ.
الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَبْضَ الْأَوَائِلِ قَبْضُ الْأَوَاخِرِ.
وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيلِ جَمِيعِ الْأُجْرَةِ وَلَوْ شَرَعَ، لِأَنَّ قَبْضَ الْأَوَائِلِ لَيْسَ قَبْضًا لِلْأَوَاخِرِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: " لَمْ يَشْرَعْ ": أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيلِ جَمِيعِ الْأُجْرَةِ سَوَاءٌ كَانَ السَّفَرُ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا، وَقَعَ عَقْدُ الْإِجَارَةِ فِي إبَّانِ السَّفَرِ أَوْ فِي غَيْرِهِ، فَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةً بِقَوْلِهِ:
(إلَّا لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ) : أَيْ مَسَافَةِ السَّفَرِ، حَجًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ (فِي غَيْرِ الْإِبَّانِ) : أَيْ وَقْتِ سَفَرِ النَّاسِ عَادَةً، كَمَا لَوْ وَقَعَ عَقْدُ الْكِرَاءِ لِحَاجٍّ مَعَ جَمَّالٍ فِي مِصْرَ فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي أَوَائِلِ شَوَّالٍ، فَإِنَّ شَأْنَ الْمِصْرِيِّ إنَّمَا يَسِيرُ فِي آخِرِ شَوَّالٍ (فَالْيَسِيرُ) : أَيْ فَيَكْفِي تَعْجِيلُ الْيَسِيرِ مِنْ الْأَجْرِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ تَعْجِيلُ الْجَمِيعِ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ تَعْجِيلَ جَمِيعِ الْأُجْرَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ
يُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِسَبَبِ هُرُوبِ الْجَمَّالِينَ إذَا قَبَضُوا الْأُجْرَةَ
. فَعُلِمَ أَنَّهُ إنْ تَأَخَّرَ الشُّرُوعُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ وَإِلَّا فَسَدَتْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا فَيَكْفِي، تَعْجِيلُ الْيَسِيرِ مِنْهُ لِلضَّرُورَةِ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ الشُّرُوعُ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الْأُجْرَةِ.
لَكِنْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ كَانَ الْعَمَلُ يَسِيرًا فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْجِيلِ، وَأَقَرَّهُ فِي التَّوْضِيحِ.
وَعَلَيْهِ: فَلَا يَكُونُ قَبْضُ الْأَوَائِلِ كَقَبْضِ الْأَوَاخِرِ إلَّا فِي الْيَسِيرِ (انْتَهَى - ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ) .
(وَإِلَّا) يَكُنْ الْأَجْرُ مُعَيَّنًا وَلَا شُرِطَ تَعْجِيلُهُ وَلَا الْعَادَةُ تَعْجِيلُهُ وَلَا الْمَنَافِعُ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [قَبْضٌ، لِلْأَوَاخِرِ] : هَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيلِ جَمِيعِ الْأُجْرَةِ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ قَبْضَ الْأَوَائِلِ لَيْسَ قَبْضًا لِلْأَوَاخِرِ، فَيَجِبُ تَعْجِيلُ النَّقْدِ فِي الْمَنَافِعِ الْمَضْمُونَةِ شَرَعَ فِيهَا أَمْ لَا، وَالْأَوَّلُ مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَتَعَيَّنُ تَعْجِيلُ الْجَمِيعِ] : أَيْ إذَا كَانَتْ الْأُجْرَةُ فَيَكْفِي تَعْجِيلُ الدِّينَارِ وَالدِّينَارَيْنِ.
فَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً فِي نَفْسِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيلِهَا كُلِّهَا كَمَا قَالَ.
قَوْلُهُ: [ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ] : مُرَادٌ بِهِ (بْن) .
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا يَكُنْ الْأَجْرُ مُعَيَّنًا] : مَفْهُومُ قَوْلِهِ أَوْ عُيِّنَ.
وَقَوْلُهُ: [وَلَا شُرِطَ تَعْجِيلُهُ وَلَا الْعَادَةُ تَعْجِيلُهُ] : مَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ شُرِطَ أَوْ اُعْتِيدَ.
وَقَوْلُهُ: [وَلَا الْمَنَافِعُ] : مَضْمُونَةٌ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ أَوْ فِي مَضْمُونَةٍ لَمْ يَشْرَعْ فِيهَا فَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُخَلْبَطٌ.
مَضْمُونَةٌ، فَإِنْ انْتَفَتْ الْأَرْبَعَةُ فَلَا يَجِبُ تَعْجِيلُ الْأَجْرِ.
وَإِذَا لَمْ يَجِبْ التَّعْجِيلُ (فَمُيَاوَمَةً) : أَيْ كُلَّمَا اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ يَوْمٍ أَوْ تَمَكَّنَ مِنْ اسْتِيفَائِهَا لَزِمَهُ أُجْرَتُهُ.
وَالْمُرَادُ بِالْيَوْمِ: الْقِطْعَةُ مِنْ الزَّمَنِ مُصَادَقَةً بِالْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِّ، وَهَذَا عِنْدَ الْمُشَاحَّةِ فِي نَحْوِ أَكْرِيَةِ الدُّورِ أَوْ إجَارَةِ بَيْعِ سِلْعَةٍ أَوْ بِنَاءٍ (أَوْ بَعْدَ) تَمَامِ (الْعَمَلِ) كَمَا لَوْ أَجَّرَهُ بِشَيْءٍ عَلَى بَيْعِ جَمِيعِ السِّلَعِ أَوْ عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ خَرْزِ نَعْلٍ أَوْ حَمْلِ شَيْءٍ بِسَفِينَةٍ.
وَجَازَ عِنْدَ عَدَمِ الْمُشَاحَّةِ التَّعْجِيلُ وَالتَّأْخِيرُ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْإِجَارَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَفَسَدَتْ) الْإِجَارَةُ (إنْ) وَقَعَتْ بِأَجْرٍ مُعَيَّنٍ وَ (انْتَفَى عُرْفُ تَعْجِيلِ الْمُعَيَّنِ) وَانْتِفَاؤُهُ صَادِقٌ بِجَرَيَانِ عُرْفِهِمْ بِتَأْخِيرِهِ وَبِعَدَمِ عُرْفِهِمْ بِتَعْجِيلٍ أَوْ تَأْخِيرٍ.
وَعِلَّةُ الْفَسَادِ أَنَّ فِيهِ بَيْعَ مُعَيَّنٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِلُزُومِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ كَالسَّلَمِ فَلَا يَصِحُّ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُعَيَّنَاتِ لَا تَقْبَلُهَا الذِّمَمُ، وَمِثْلُ هَذَا فِي الْفَسَادِ مَا اُشْتُرِطَ تَأْخِيرُهُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَمَفْهُومٌ: " انْتَفَى عُرْفٌ " إلَخْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْعُرْفُ تَعْجِيلَهُمْ الْمُعَيَّنَ صَحَّتْ وَوَجَبَ التَّعْجِيلُ أَوْ اشْتِرَاطُ التَّعْجِيلِ كَمَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ: " أَوْ عُيِّنَ "، فَإِنَّ مَعْنَاهُ عُيِّنَ وَكَانَ الْعُرْفُ تَعْجِيلَهُ أَوْ شُرِطَ تَعْجِيلُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْعُرْفِ بِشَيْءٍ أَوْ عُرْف التَّأْخِيرِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَإِنْ انْتَفَتْ الْأَرْبَعَةُ] : أَيْ الَّتِي هِيَ تَعْيِينُ الْأَجْرِ أَوْ شَرْطُ تَعْجِيلِهِ أَوْ الْعَادَةُ بِتَعْجِيلِهِ أَوْ الْمَنَافِعُ مَضْمُونَةٌ وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهَا.
[الْإِجَارَةُ إنْ وَقَعَتْ بِأَجْرٍ مُعَيَّنٍ وَانْتَفَى عُرْفُ تَعْجِيلِ الْمُعَيَّنِ]
قَوْلُهُ: [وَعِلَّةُ الْفَسَادِ أَنَّ فِيهِ بَيْعَ مُعَيَّنٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ] : مُقْتَضَاهُ أَنَّ مَحَلَّ الْفَسَادِ إذَا كَانَ تَأْخِيرُهُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَيَّامٍ إنْ كَانَ الْمُعَيَّنُ حَيَوَانًا وَأَكْثَرَ مِنْ عَامٍ إنْ كَانَ الْمُعَيَّنُ دَارًا وَأَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَعْوَامٍ إنْ كَانَ الْمُعَيَّنُ أَرْضًا، فَإِنْ كَانَ عُرْفُهُمْ تَأْخِيرَهُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ لَا مَنْعَ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ فِي الْجَائِزَاتِ وَبَيْعُ دَارٍ لِتُقْبَضَ بَعْدَ عَامٍ وَأَرْضٍ بَعْدَ عَشْرٍ وَحَيَوَانٍ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا عَشْرٍ، وَكُرِهَ الْمُتَوَسِّطُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُعَيَّنَ إنْ كَانَ كَثَوْبٍ أَوْ نُحَاسٍ يُمْنَعُ التَّأْخِيرُ فِيهِ نِصْفَ شَهْرٍ لِتَأْدِيَتِهِ لِلسَّلَمِ فِي مُعَيَّنٍ، وَأَمَّا دُونَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ لِعَدَمِ التَّغَيُّرِ عَادَةً فَتَدَبَّرْ.
قَوْلُهُ: [لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ] : أَيْ وَهُوَ السَّلَمُ فِي مُعَيَّنٍ.
قَوْلُهُ: [تَعْجِيلُهُمْ الْمُعَيَّنَ] : أَيْ بِأَنْ كَانَ يُقْبَضُ فِي أَمَدِهِ الَّذِي يَسُوغُ تَأْخِيرُهُ إلَيْهِ عَلَى مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [عِنْدَ عَدَمِ الْعُرْفِ بِشَيْءٍ] إلَخْ: أَيْ فَمَحَلُّ اشْتِرَاطِ التَّعْجِيلِ إنْ لَمْ يَكُنْ
فَإِذَا انْتَفَى الْعُرْفُ بِتَعْجِيلِهِ فَسَدَتْ (وَلَوْ عُجِّلَ) بِالْفِعْلِ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَلَا تَصِحُّ إلَّا إذَا شُرِطَ تَعْجِيلُهُ وَعُجِّلَ.
ثُمَّ شَبَّهَ فِي الْفَسَادِ قَوْلَهُ: (كَمَعَ جُعْلٍ) : أَيْ كَمَا تَفْسُدُ الْإِجَارَةُ إذَا وَقَعَتْ مَعَ جُعْلِ صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، كَأَجِّرْنِي دَابَّتَك وَائْتِنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ بِكَذَا؛ فَيَفْسُدَانِ مَعًا لِتَنَافُرِهِمَا؛ لِأَنَّ الْجَعَالَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ بِالْعَقْدِ وَلِجَوَازِ الْغَرَرِ فِيهَا وَعَدَمِ الْأَجَلِ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ.
وَكَذَا لَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُ بَيْعٍ مَعَ جَعْلٍ فِي صَفْقَةٍ.
(لَا) إجَارَةٍ مَعَ (بَيْعِ) : صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلَا تَفْسُدُ بَلْ يَصِحَّانِ مَعًا سَوَاءٌ كَانَتْ
[حاشية الصاوي]
عُرِفَ بِشَيْءٍ أَوْ الْعُرْفُ التَّأْخِيرُ.
قَوْلُهُ: [فَإِذَا انْتَفَى الْعُرْفُ بِتَعْجِيلِهِ] إلَخْ: تَوْطِئَةً لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا تَصِحُّ إلَّا إذَا شُرِطَ تَعْجِيلُهُ] : أَيْ قَبْلَ مُضِيِّ نِصْفِ شَهْرٍ، وَمِثْلُهُ اشْتِرَاطُ الْخَلَفِ فِي الدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ لِأَنَّ شَرْطَ الْخَلَفِ يَقُومُ مَقَامَ التَّعْجِيلِ كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَهُ عَلَى شَيْءٍ بِالدَّرَاهِمِ الْمُعَيَّنَةِ الْمَوْضُوعَةِ تَحْتَ يَدِ فُلَانٍ فِي الْمَوْضِعِ الْفُلَانِيِّ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِشَرْطِ التَّعْجِيلِ، أَوْ الْعُرْفُ التَّعْجِيلُ، أَوْ بِشَرْطِ الْخَلَفِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ.
[الْإِجَارَةُ إذَا وَقَعَتْ مَعَ جُعْلِ صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ]
قَوْلُهُ: [أَيْ كَمَا تَفْسُدُ الْإِجَارَةُ] إلَخْ: فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: أَيْ وَكَمَا تَفْسُدُ الْإِجَارَةُ إنْ انْتَفَى عُرْفُ تَعْجِيلِ الْمُعَيَّنِ تَفْسُدُ الْإِجَارَةُ إذَا وَقَعَتْ إلَخْ، وَالْكَافُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ يُدْخِلُونَهَا عَلَى الْمُشَبَّهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إلْحَاقُ الْحُكْمِ اللَّاحِقِ بِالْحُكْمِ السَّابِقِ لَا تَشْبِيهُ الْمُتَقَدِّمِ بِالْمُتَأَخِّرِ.
قَوْلُهُ: [لِتَنَافُرِهِمَا] : أَيْ لِتَنَافِي أَحْكَامِهِمَا.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ] : أَيْ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ، وَيَجُوزُ فِيهَا الْأَجَلُ وَلَا يَجُوزُ فِيهَا الْغَرَرُ.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا لَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُ بَيْعٍ مَعَ جُعْلٍ] : أَيْ لِتَنَافِي أَحْكَامِهِمَا فَالتَّعْلِيلُ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ مَعَ الْجُعْلِ يَأْتِي هُنَا.
قَوْلُهُ: [بَلْ يَصِحَّانِ مَعًا] : أَيْ لِتَوَافُقِ أَحْكَامِ الْبَيْعِ مَعَ أَحْكَامِ الْإِجَارَةِ فِي الْأَرْكَانِ وَالشُّرُوطِ غَالِبًا.
الْإِجَارَةُ فِي نَفْسِ الْمَبِيعِ؛ كَشِرَائِهِ ثَوْبًا أَوْ جُلُودًا عَلَى أَنْ يَخِيطَهُ أَوْ يَخْرِزَهَا الْبَائِعُ بِكَذَا، أَوْ فِي غَيْرِهِ كَشِرَائِهِ ثَوْبًا بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ عَلَى أَنْ يَنْسِجَ لَهُ ثَوْبًا آخَرَ.
ثُمَّ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ: " كَمَعَ جُعْلٍ " مَسَائِلَ تَفْسُدُ فِيهَا الْإِجَارَةُ لِلْغَرَرِ بِقَوْلِهِ: (وَكَجِلْدٍ) : جُعِلَ أُجْرَةً (لِسَلَّاخٍ) : وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ: اللَّحْمُ كُلًّا أَوْ بَعْضًا؛ فَالْإِجَارَةُ فَاسِدَةٌ وَقَعَتْ قَبْلَ الذَّبْحِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ جِلْدَهَا إلَّا بَعْدَ السَّلْخِ.
وَلَا يَدْرِي هَلْ يَخْرُجُ سَلِيمًا أَوْ مُقَطَّعًا؛ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقِيلَ بِالْجَوَازِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [كَشِرَائِهِ وَثَوْبًا أَوْ جُلُودًا] إلَخْ: أَيْ وَيُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ شُرُوعُهُ وَضَرْبُ أَجَلِ الْإِجَارَةِ وَمَعْرِفَةُ خُرُوجِهِ عَيَّنَ عَامِلُهُ أَمْ لَا، أَوْ إمْكَانُ إعَادَتِهِ كَالنُّحَاسِ عَلَى أَنْ يَصْنَعَهُ قَدَحًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّلَمِ، فَإِنْ انْتَفَى الْأَمْرَانِ كَالزَّيْتُونِ عَلَى أَنْ يَعْصِرَهُ فَلَا، وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَتَجُوزُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ.
قَوْلُهُ: [عَلَى أَنْ يَنْسِجَ لَهُ ثَوْبًا آخَرَ] : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْغَزْلَ مِنْ عِنْدِ الْمُشْتَرِي كَمَا إذَا قَالَ لَهُ آخُذُ مِنْك هَذَا الْمَقْطَعَ وَانْسِجْ لِي هَذَا الْغَزْلَ مَقْطَعًا آخَرَ بِهَذَيْنِ الدِّينَارَيْنِ.
[مَسَائِلَ تَفْسُدُ فِيهَا الْإِجَارَةُ لِلْغَرَرِ]
قَوْلُهُ: [ثُمَّ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ كَمَعَ جُعْلٍ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا بَيْعٌ فَهُوَ مُعْتَرَضٌ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [كُلًّا أَوْ بَعْضًا] : مِنْ ذَلِكَ الْأَكَارِعِ وَظَاهِرُهُ كَانَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى السَّلْخِ وَحْدَهُ أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى الذَّبْحِ، لَكِنْ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى السَّلْخِ بِالْأَكَارِعِ مِثْلُ الرَّأْسِ إنْ كَانَ قَبْلَ الذَّبْحِ لَا يَجُوزُ وَبَعْدَهُ يَجُوزُ.
بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ بِجِلْدِهَا أَوْ قِطْعَةٍ مِنْ لَحْمِهَا عَلَى سَلْخِهَا فَلَا يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الذَّبْحِ أَوْ بَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى ذَبْحِهَا بِقِطْعَةٍ مِنْ لَحْمِهَا (اهـ) .
فَائِدَةٌ: يَجُوزُ بَيْعُ جُلُودِ نَحْوِ السِّبَاعِ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ أَكْلُهُ عَلَى ظَهْرِهَا قَبْلَ ذَبْحِهَا وَسَلْخِهَا.
بِخِلَافِ جُلُودِ نَحْوِ الْغَنَمِ فَلَا يَجُوزُ قَبْلَ ذَبْحِهَا وَسَلْخِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يُحْتَاطُ فِي حِفْظِ الْجِلْدِ.
بِخِلَافِ مَا يُكْرَهُ أَكْلُهُ فَيُحْتَاطُ فِي حِفْظِ الْجِلْدِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْخَرَشِيِّ وَالْحَاشِيَةِ.
وَمُقْتَضَى هَذَا الْفَرْقِ جَوَازُ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى ذَبْحِ السَّبُعِ لِجَلْدِهِ كَمَا فِي (عب) .
(وَنُخَالَةٍ) جُعِلَتْ أُجْرَةً (لِطَحَّانٍ) لِجَهْلِ قَدْرِهَا، فَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ مِنْ نُخَالَةٍ جَازَ، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ بِجِلْدٍ مَسْلُوخٍ مَعْلُومٍ عَلَى أَنْ يَسْلُخَ لَهُ شَاةً.
فَلَوْ قَالَ: " لِسَالِخِهِ وَطَاحِنِهِ " لَكَانَ أَبْيَنَ.
(أَوْ جُزْءِ ثَوْبٍ أَوْ) جُزْءِ (جِلْدٍ) كَرُبْعٍ وَثُلُثٍ جُعِلَ أُجْرَةً (لِنَسَّاجٍ) : أَيْ لِنَاسِجِ ذَلِكَ الثَّوْبِ (أَوْ دَبَّاغٍ) : أَيْ لِدَابِغِ ذَلِكَ الْجِلْدِ، فَفِي كَلَامِهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ؛ أَيْ: فَيُمْنَعُ وَيُفْسَخُ لِجَهْلِ صِفَةِ خُرُوجِهِ.
(وَلَهُ) أَيْ لِلْأَجِيرِ الْمُتَقَدِّمِ (أَجْرُ مِثْلِهِ إنْ عَمِلَ) بِأَنْ سَلَخَ الْجِلْدَ أَوْ طَحَنَ الْقَمْحَ أَوْ نَسَجَ الثَّوْبَ أَوْ دَبَغَ الْجِلْدَ، وَلَيْسَ لَهُ الْجِلْدُ الَّذِي سَلَخَهُ.
وَكَذَا مَا بَعْدَهُ،
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَنُخَالَةٍ جُعِلَتْ أُجْرَةً لِطَحَّانٍ] : قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ الْأَصْلُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا يَقَعُ فِي بِلَادِ الرِّيفِ مِنْ دَفْعِ الزَّرْعِ لِمَنْ يَدْرُسُهُ بِنَوْرَجِهِ وَبَهَائِمِهِ وَيَأْخُذُ تِبْنَهُ فِي مُقَابَلَةِ دَرْسِهِ فَهِيَ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ، وَأَمَّا لَوْ قَالَ اُدْرُسْهُ وَلَك حِمْلَانِ تِبْنًا مِنْ تِبْنِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ تِبْنِهِ جَازَ ذَلِكَ كَذَا كَتَبَ (بْن.
عب اهـ) .
قَوْلُهُ: [فَلَوْ قَالَ لِسَالِخِهِ وَطَاحِنِهِ] إلَخْ: أَيْ وَيَصِيرُ الْمَعْنَى وَلَا يَجُوزُ الْإِجَارَةُ بِجِلْدِ الْمَسْلُوخِ لِسَالِخِهِ وَالْمَطْحُونِ لِطَاحِنِهِ.
قَوْلُهُ: [أَجْرُ مِثْلِهِ إنْ عَمِلَ] : أَيْ وَالْمَصْنُوعُ لِرَبِّهِ مَا لَمْ يَفُتْ بِيَدِ الصَّانِعِ، فَإِنْ فَاتَ بِيَدِ الصَّانِعِ بَعْدَ الدَّبْغِ أَوْ النَّسْجِ بِبَيْعٍ أَوْ تَلَفٍ أَوْ حَوَالَةِ سَرَقٍ لَزِمَ صَاحِبَ الْجِلْدِ أَوْ الْغَزْلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي دِبَاغِ جَمِيعِ الْجِلْدِ وَنَسْجُ كُلِّ الْغَزْلِ لِلصَّانِعِ، وَيَغْرَمُ الصَّانِعُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ أَوْ الْجِلْدِ قِيمَةَ النِّصْفِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ لِوُقُوعِ الْبَيْعِ فِيهِ فَاسِدًا وَقَدْ فَاتَ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ مَدْبُوغًا وَالنِّصْفُ الْآخَرُ مِلْكٌ لِرَبِّهِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا جُعِلَ لَهُ النِّصْفُ بَعْدَ الْعَمَلِ وَأَمَّا لَوْ جُعِلَ لَهُ النِّصْفُ فِي الْغَزْلِ أَوْ فِي الْجِلْدِ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْبُغَهُ أَوْ يَنْسِجَهُ مُجْتَمِعًا فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا لِأَنَّهُ حَجَرَ عَلَيْهِ وَمَنَعَهُ مِنْ أَخْذِ مَا جُعِلَ لَهُ إلَّا بَعْدَ الدَّبْغِ أَوْ النَّسْجِ، فَإِنْ أَفَاتَهَا بِالشُّرُوعِ فِي الدَّبْغِ أَوْ النَّسْجِ فَعَلَى الصَّانِعِ قِيمَةُ النِّصْفِ يَوْمَ الْقَبْضِ لِأَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ، وَقَدْ فَاتَ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لِرَبِّهِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ فِيهِ، وَأَمَّا إنْ جُعِلَ لَهُ النِّصْفُ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ يَفْعَلُ بِهِ مَا شَاءَ بِلَا حَجْرٍ عَلَيْهِ فِي دَبْغِهِ أَوْ نَسْجِهِ فَجَائِزٌ فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ وَالْخَرَشِيِّ.
وَلَا شَيْءَ لَهُ إنْ فَسَخَ قَبْلَ الْعَمَلِ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ وَاجَرَهُ عَلَى دَبْغِ جُلُودٍ أَوْ عَمَلِهَا أَوْ نَسْجِ ثَوْبٍ عَلَى أَنَّ لَهُ نِصْفَهَا إذَا فَرَغَ لَمْ يَجُزْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي كَيْفَ تَخْرُجُ؛ وَلِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَأْجَرَ بِهِ.
أَصْبَغُ؛ فَإِنْ نَزَلَ فَلَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ وَالثَّوْبُ وَالْجُلُودُ لِرَبِّهَا.
(أَوْ جُزْءٍ رَضِيعٍ) : آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ جُعِلَ أَجْرًا لِمَنْ يُرْضِعَهُ عَلَى أَنْ يَمْلِكَهُ بَعْدَ الرَّضَاعِ بَلْ (وَإِنْ) كَانَ يَمْلِكُهُ (مِنْ الْآنَ) : لِأَنَّ الرَّضِيعَ قَدْ يَتَغَيَّرُ وَقَدْ يَتَعَذَّرُ رَضَاعُهُ لِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ خَلْفُهُ فَيَصِيرُ نَقْدُ الْأُجْرَةِ فِيهَا كَالنَّقْدِ فِي الْأُمُورِ الْمُحْتَمَلَةِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
(وك: اُحْصُدْهُ وَادْرُسْهُ وَلَك نِصْفُهُ) ، أَوْ ثُلُثُهُ: فَفَاسِدٌ وَكَذَا اُدْرُسْهُ فَقَطْ وَلَهُ أُجْرَةُ عَمَلِهِ إنْ عَمِلَ.
وَأَمَّا اُحْصُدْهُ فَقَطْ فَصَحِيحٌ وَسَيَأْتِي.
(وَكِرَاءُ الْأَرْضِ) : أَيْ لِلزِّرَاعَةِ (بِطَعَامٍ) أَنْبَتَتْهُ كَقَمْحٍ أَوْ لَمْ تُنْبِتْهُ كَلَبَنٍ وَسَمْنٍ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الرَّضِيعَ قَدْ يَتَغَيَّرُ] إلَخْ: قَالَ (شب) فَإِنْ مَاتَ الرَّضِيعُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ فَإِنْ مَلَكَهُ مِنْ الْآنَ فَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبَضَهُ يَدْفَعُهَا لِرَبِّهِ وَلَهُ أُجْرَةُ رَضَاعِ نِصْفِهِ أَيْ لَهُ نِصْفُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي رَضَعَهَا، وَإِنْ مَلَّكَهُ لَهُ بَعْدَ الْفِطَامِ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِيمَا أَرْضَعَهُ وَمُصِيبَتُهُ مِنْ رَبِّهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَجِيرِ لِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِ رَبِّهِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَهَذَا وَاضِحٌ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْفِطَامِ، وَأَمَّا إنْ مَاتَ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْفِطَامِ وَلَهُ أُجْرَةُ رَضَاعِ مِثْلِهِ كَذَا يُفِيدُهُ كَلَامُ بْن (اهـ) .
قَوْلُهُ: [فَيَصِيرُ نَقْدُ الْأُجْرَةِ فِيهَا] : أَيْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي هِيَ جُعِلَ لَهُ فِيهَا الْجُزْءُ مِنْ الْآنَ.
وَقَوْلُهُ: [كَالنَّقْدِ فِي الْأُمُورِ الْمُحْتَمَلَةِ] : أَيْ لِلسَّلَامَةِ وَعَدَمِهَا.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ مُمْتَنِعٌ] : أَيْ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ وَلِلْغَرَرِ فِي الْمُقَوَّمَاتِ.
[كِرَاءُ الْأَرْضِ]
قَوْلُهُ: [فَفَاسِدٌ] : أَيْ لِلْجَهْلِ بِمَا يَخْرُجُ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِنِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَبِّ وَهُوَ مَغِيبٌ لَا يَدْرِي كَمْ يَخْرُجُ وَكَيْفَ يَخْرُجُ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا اُحْصُدْهُ فَقَطْ فَصَحِيحٌ] : أَيْ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِنِصْفِ الزَّرْعِ وَهُوَ مَرْئِيٌّ.
قَوْلُهُ: [أَيْ لِلزِّرَاعَةِ] : سَيَأْتِي مَفْهُومُهُ وَمِنْ كِرَاءِ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ بِالطَّعَامِ الْغِلَالِ الَّتِي يَأْخُذُهَا الْمُلْتَزِمُونَ خَرَاجًا عَنْ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ سَوَاءٌ كَانَ جَاعِلًا عَلَيْهَا غِلَالًا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ أَمْ لَا، بَلْ وَلَوْ أُخِذَتْ بَدَلًا عَنْ الدَّرَاهِمِ الْمَجْعُولَةِ خَرَاجًا كَمَا يُفِيدُهُ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ لَمْ تُنْبِتْهُ كَلَبَنٍ] إلَخْ: أَيْ وَكَذَلِكَ الشَّاةُ الْمَذْبُوحَةُ وَالْحَيَوَانُ الَّذِي لَا يُرَادُ
وَعَسَلٍ (أَوْ بِمَا أَنْبَتَتْهُ) مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ وَعُصْفُرٍ وَزَعْفَرَانٍ وَتِبْنٍ وَبُوصٍ (إلَّا كَخَشَبٍ) مِمَّا يَطُولُ مُكْثُهُ حَتَّى يُعَدَّ كَأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْهَا؛ كَالْعُودِ الْهِنْدِيِّ وَالصَّنْدَلِ وَالْحَطَبِ وَالْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ فَيَجُوزُ.
كَمَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا لِغَيْرِ الزِّرَاعَةِ بِطَعَامٍ وَبِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَبَيْعُهَا بِهِ.
وَعِلَّةُ الْمَنْعِ فِي كِرَائِهَا بِطَعَامٍ: أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ الطَّعَامِ بِطَعَامٍ إلَى أَجَلٍ.
وَعِلَّتُهُ فِي كِرَائِهَا بِمَا تُنْبِتُهُ: الْمُزَابَنَةُ؛ إذْ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَهِيَ عِلَّةٌ ضَعِيفَةٌ.
[حاشية الصاوي]
إلَّا لِلذَّبْحِ كَخَصِيِّ الْمَعْزِ وَالسَّمَكِ وَطَيْرِ الْمَاءِ، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ الَّذِي يُرَادُ لِلَّبَنِ بِخِلَافِ كِرَائِهَا بِالْحَيَوَانِ الَّذِي يُرَادُ لِلْقُنْيَةِ لِغَيْرِ اللَّبَنِ فَيَجُوزُ كَجَوَازِهَا بِالْمَاءِ وَلَوْ مَاءِ زَمْزَمَ.
قَوْلُهُ: [كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ] : الْمُرَادُ شَعْرُهُمَا وَأَمَّا ثِيَابُهُمَا فَجَائِزٌ كَمَا فِي (ح) وَمُقْتَضَى آخِرِ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا بِالْغَزْلِ وَلَعَلَّهُ لِكَوْنِهِ هَيِّنَ الصَّنْعَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يَعُودُ (اهـ عب) .
قَوْلُهُ: [وَبُوص] : الْمُرَادُ بِهِ حَطَبُ الذُّرَةِ، وَأَمَّا الْبُوصُ الْفَارِسِيُّ فَسَيَأْتِي أَنَّهُ كَالْخَشَبِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا كَخَشَبٍ] : شَمَلَ كِرَاءَهَا بِشَجَرٍ لَيْسَ بِهِ ثَمَرٌ أَوْ بِهِ وَهُوَ مُؤَبَّرٌ لِأَنَّهُ يَبْقَى لِرَبِّهِ لَا بِهِ غَيْرَ مُؤَبَّرٍ.
قَوْلُهُ: [مِمَّا يَطُولُ مُكْثُهُ] : يَتَنَاوَلُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَالرَّصَاصَ وَالنُّحَاسَ وَالْكِبْرِيتَ وَالْمَغْرَةَ وَنَحْوَهَا مِنْ سَائِرِ الْمَعَادِنِ، لِأَنَّ شَأْنَهَا تُنْبِتُ بِنَفْسِهَا فِي الْأَرْضِ وَيَطُولُ مُكْثُهَا فِيهَا وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمِلْحُ فَلَا يَجُوزُ كِرَاءُ أَرْضِ الزِّرَاعَةِ بِهِ وَيَجُوزُ كِرَاءُ أَرْضِ الْمِلَاحَةِ بِهِ كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [كَمَا يَجُوزُ كِرَاؤُهَا لِغَيْرِ الزِّرَاعَةِ] : أَيْ وَإِنْ كَانَ شَأْنُهَا أَنْ تُزْرَعَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ خِلَافًا لِمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ شُيُوخِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيُّ مِنْ الْمَنْعِ كَذَا فِي (بْن) .
قَوْلُهُ: [وَبَيْعُهَا بِهِ] : أَيْ يَجُوزُ بَيْعُ الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ وَبِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَعَامًا فَالنَّهْيُ قَاصِرٌ عَلَى الْكِرَاءِ لَا عَلَى الْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: [الْمُزَابَنَةُ] : أَيْ حَيْثُ بَاعَ الْمُسْتَأْجِرُ مَعْلُومًا وَهُوَ الْأَجْرُ الَّذِي يَدْفَعُهُ بِمَجْهُولٍ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَوَجْهُ ضَعْفِهِ أَنَّ هَذَا لَا يَتَّجِهُ إلَّا إذَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
(وَحَمْلُ شَيْءٍ) : طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ (لِبَلَدٍ) بَعِيدٍ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ قَبْضِ الْمُعَيَّنِ إلَيْهِ (بِنِصْفِهِ) مَثَلًا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيْعِ مُعَيَّنٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ؛ فَإِنْ وَقَعَ فَأَجْرُ مِثْلِهِ وَالطَّعَامُ كُلُّهُ لِرَبِّهِ، قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ.
(إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ) : أَيْ الْجُزْءَ الْمُسْتَأْجَرَ بِهِ (الْآنَ) : أَيْ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ أَيْ وَقَعَ بِشَرْطِ تَعْجِيلِهِ، أَوْ كَانَ الْعُرْفُ تَعْجِيلَهُ فَيَجُوزُ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ التَّعْجِيلَ وَلَمْ يُشْتَرَطْ التَّعْجِيلُ فَسَدَتْ وَلَوْ عُجِّلَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ أَفْرَادِ قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ: " أَوْ عُيِّنَ " وَأَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ مَا فِيهِ مِنْ بَيْعِ مُعَيَّنٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ فَيَجْرِي فِيهَا التَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ، فَيَكُونُ مَعْنَى: إلَّا أَنْ يَقْبِضَهُ الْآنَ أَيْ بِشَرْطٍ أَوْ عُرْفٍ.
(وك: إنْ خِطْته) مَثَلًا أَيْ خَرَزْته أَوْ نَجَرْته أَوْ كَتَبْته (الْيَوْمَ) مَثَلًا أَوْ فِي هَذِهِ الْجُمُعَةِ أَوْ هَذَا الشَّهْرِ (فَلَكَ كَذَا) : أَيْ مِنْ الْأَجْرِ كَعَشَرَةٍ وَإِلَّا تَخِطْهُ الْيَوْمَ، بَلْ أَزْيَدُ (فَكَذَا) مِنْ الْأَجْرِ أَيْ أَقَلَّ كَثَمَانِيَةٍ؛ فَفَاسِدَةٌ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِ الْأُجْرَةِ.
فَإِنْ وَقَعَ
[حاشية الصاوي]
وَقَوْلُهُ: [لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ قَبْضِ الْمُعَيَّنِ إلَيْهِ] : أَيْ بِأَنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ يَمْنَعُ تَأْخِيرَ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ لَهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.
قَوْلُهُ: [وَالطَّعَامُ كُلُّهُ لِرَبِّهِ] : هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ، وَقِيلَ: نِصْفُهُ لِلْجَمَّالِ وَيَضْمَنُ مِثْلَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حُمِلَ مِنْهُ وَلَهُ كِرَاءُ مِثْلِهِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي دَبْغِ الْجُلُودِ إذَا اسْتَأْجَرَهُ بِشَيْءٍ مِنْهَا عِنْدَ الْفَرَاغِ، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَبُو الْحَسَنِ (اهـ بْن مُلَخَّصًا) .
قَوْلُهُ: [أَيْ بِشَرْطٍ أَوْ عُرْفٍ] : أَيْ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ بِالْفِعْلِ قَالَ (بْن) حِكَايَةً عَنْ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيُّ حَيْثُ وَقَعَ الشَّرْطُ أَوْ كَانَ الْعُرْفُ النَّقْدَ فَالْجَوَازُ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ (اهـ) ، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ حُرْمَةَ بَيْعِ مُعَيَّنٍ يَتَأَخَّرُ قَبْضُهُ إنْ دَخَلَا عَلَى ذَلِكَ أَوْ كَانَ الْعُرْفُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ التَّأْخِيرُ غَيْرَ مَدْخُولٍ عَلَيْهِ فَجَائِزٌ خِلَافًا لِمَنْ يَفْهَمُ غَيْرَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا تَخِطْهُ] إلَخْ: وَيُقَالُ فِي الْخَرْزِ وَالنِّجَارَةِ وَالْكِتَابَةِ مَا قِيلَ فِي الْخِيَاطَةِ.
قَوْلُهُ: [فَفَاسِدَةٌ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِ الْأُجْرَةِ] : اعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ فَسَادِ هَذِهِ الصُّورَةِ إذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى الْإِلْزَامِ وَلَوْ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا جَازَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَرَرَ لَا يُعْتَبَرُ مَعَ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ إذَا اخْتَارَ أَمْرًا فَكَأَنَّهُ مَا عَقَدَ إلَّا عَلَيْهِ لِأَنَّ عَقْدَ الْخِيَارِ مُنْحَلٌّ، وَأَمَّا دَفْعُ دَرَاهِمَ بَعْدَ الْعَقْدِ زِيَادَةً عَلَى الْأُجْرَةِ لِيُسْرِعَ لَهُ بِالْعَمَلِ فَذَلِكَ
فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ وَلَوْ زَادَ عَلَى الْمُسَمَّى خَاطَهُ فِي الْيَوْمِ أَوْ أَكْثَرَ.
وَ (اعْمَلْ عَلَى دَابَّتِي) وَلَمْ يُقَيِّدْ بِاحْتِطَابٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ) اعْمَلْ (فِي حَانُوتِي) أَوْ فِي حَمَّامِي أَوْ سَفِينَتِي، وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَمَا تَحَصَّلَ) مِنْ ثَمَنٍ أَوْ أُجْرَةٍ (فَلَكَ نِصْفُهُ) مَثَلًا فَفَاسِدَةٌ لِلْجَهْلِ بِقَدْرِ الْأُجْرَةِ فَتُفْسَخُ.
(فَإِنْ عَمِلَ فَلِلْعَامِلِ) : أَيْ فَجَمِيعُ مَا تَحَصَّلَ يَكُونُ لَهُ (وَعَلَيْهِ) لِرَبِّهَا (أُجْرَةُ مِثْلِهَا) : ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا عَامٌّ فِي الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ مَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الشُّرَّاحِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: " فَإِنْ عَمِلَ " إلَخْ خَاصٌّ بِالدَّابَّةِ وَالسَّفِينَةِ، وَأَمَّا الْحَمَّامُ وَالدَّارُ وَالْحَانُوتُ فَمَا حَصَلَ مِنْ الْأُجْرَةِ يَكُونُ لِلْأَجِيرِ، وَعَلَيْهِ لِرَبِّ الْحَانُوتِ أَوْ الدَّارِ أَوْ الْحَمَّامِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، مِثْلَ " لِتُكْرِيهَا " الْآتِي.
قَالَ عِيَاضٌ: لِأَنَّ مَا لَا يَذْهَبُ فِيهِ وَلَا عَمَلَ فِيهِ لِمُتَوَلِّيهِ كَالرِّبَاعِ فَهُوَ فِيهِ أَجِيرٌ وَالْكَسْبُ لِرَبِّهِ وَيَسْتَوِي فِيهِ اعْمَلْ وَوَاجِرْ.
وَنَقَلَهُ لَهُ أَبُو الْحَسَنِ وَقَبِلَهُ، وَقَالَهُ اللَّخْمِيُّ.
اُنْظُرْ الْمُحَشِّي.
(عَكْسَ) قَوْلِهِ: (أَكْرِهَا) : أَيْ الدَّابَّةَ لِمَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهَا (وَلَك) مِنْ الْكِرَاءِ
[حاشية الصاوي]
جَائِزٌ كَمَا فِي (ح) ، وَيُقَالُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ أَسْرَعَ فَازَ بِالزِّيَادَةِ وَإِلَّا فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يَتِمَّ.
قَوْلُهُ: [وَلَمْ يُقَيِّدْ بِاحْتِطَابٍ أَوْ غَيْرِهِ] : بَلْ وَلَوْ قَيَّدَ إنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ الْآتِي.
بِخِلَافٍ نَحْوِ: احْتَطِبْ وَلَك نِصْفُهُ، أَنَّ مَا هُنَا أُرِيدَ بِهِ قِسْمَةُ الْأَثْمَانِ وَمَا يَأْتِي أُرِيدَ بِهِ قِسْمَةُ نَفْسِ الْحَطَبِ كَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ.
قَوْلُهُ: [وَعَلَيْهِ لِرَبِّهَا أُجْرَةُ مِثْلِهَا] : أَيْ لِأَنَّ الْعَامِلَ كَأَنَّهُ اكْتَرَى ذَلِكَ كِرَاءً فَاسِدًا ابْنُ يُونُسَ وَلَوْ عَمِلَ وَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا كَانَ مُطَالَبًا بِالْكِرَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ، وَخَالَفَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، فَقَالَ إنْ عَاقَهُ عَنْ الْعَمَلِ عَائِقٌ وَعَرَفَ ذَلِكَ الْعَائِقَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ مَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الشُّرَّاحِ] : مِنْهُمْ الشَّيْخُ (عب) ، وَالْخَرَشِيُّ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [يَكُونُ لِلْأَجِيرِ] : صَوَابُهُ لِرَبِّهَا كَمَا يَأْتِي فِي آخِرِ السِّوَادَةِ.
وَقَوْلُهُ: [وَعَلَيْهِ لِرَبِّ الْحَانُوتِ] إلَخْ: صَوَابُهُ لِلْأَجِيرِ كَمَا يَأْتِي أَيْضًا.
قَوْلُهُ: [اُنْظُرْ الْمُحَشِّيَ] : الْمُرَادُ بِهِ (بْن) .
قَوْلُهُ: [عَكْسُ قَوْلِهِ أَكْرِهَا] : الْمُرَادُ الْعَكْسُ فِي الْحُكْمِ بَعْدَ الْوُقُوعِ لِأَنَّ فِي الْأُولَى
(النِّصْفُ)
فَإِنَّهُ يُفْسَخُ، فَإِنْ أَكْرَاهَا وَعَمِلَ الْعَامِلُ عَلَيْهَا فَمَا حَصَلَ مِنْ الْأَجْرِ فَهُوَ لِرَبِّهَا وَعَلَيْهِ لِمَنْ أَكْرَاهَا أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِي تَوْلِيَةِ مَا ذُكِرَ وَإِنْ قَالَ رَبُّهَا: اعْمَلْ عَلَيْهَا وَلَك نِصْفُهُ فَأَكْرَاهَا، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا أُكْرِيَتْ بِهِ لِلْأَجِيرِ وَلِرَبِّهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ (انْتَهَى) ، فَيَكُونُ لِرَبِّهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَمَا حَصَلَ فَلِلْأَجِيرِ سَوَاءٌ عَمِلَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَكْرَاهَا.
وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ: أَكْرِهَا، فَأَكْرَاهَا فَالْعَكْسُ وَهُوَ أَنَّ مَا حَصَلَ مِنْ الْأَجْرِ فَلِرَبِّهَا وَعَلَيْهِ لِلْأَجِيرِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ، وَبَقِيَ مَا إذَا قَالَ: أَكْرِهَا، فَعَمِلَ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ، فَهُوَ مِثْلُ: اعْمَلْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ فَاسِدَةٌ وَقَدْ عَمِلَ عَلَيْهَا، فَمَا حَصَلَ فَهُوَ لَهُ، وَعَلَيْهِ لِرَبِّهَا أُجْرَةُ مِثْلِهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي الدَّابَّةِ، وَمِثْلُهَا السَّفِينَةُ.
وَأَمَّا الْحَانُوتُ وَالرِّبَاعُ وَالْحَمَّامُ، فَهَلْ هِيَ مِثْلُ الدَّابَّةِ فِي التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ؟ وَعَلَيْهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ كَالْخَرَشِيِّ وَالزَّرْقَانِيِّ أَمْ لَا؛ بَلْ مَا حَصَلَ مِنْهَا لِرَبِّهَا مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ لِلْأَجِيرِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ؟ مِثْلَ: لِتُكْرِيهَا، فَأَكْرَاهَا؛ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي عَنْ الْحَطَّابِ نَاقِلًا لَهُ عَنْ عِيَاضٍ وَاللَّخْمِيِّ، وَنَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاعْتَرَضَ بِهِ عَلَى الشُّرَّاحِ فَانْظُرْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(بِخِلَافِ نَحْوِ) قَوْلِ رَبِّهَا: (احْتَطِبْ) عَلَيْهَا (وَلَك نِصْفُهُ) : أَيْ الْحَطَبِ،
[حاشية الصاوي]
مَا حَصَلَ يَكُونُ لِلْعَامِلِ وَهَذِهِ لِرَبِّهَا.
قَوْلُهُ: [مَا أَكْرَيْت بِهِ لِلْأَجِيرِ] : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ دَفَعْت إلَيْهِ دَابَّةً أَوْ ابْنًا أَوْ دَارًا أَوْ سَفِينَةً أَوْ حَمَّامًا عَلَى أَنْ يُكْرِيَ ذَلِكَ وَلَهُ نِصْفُ الْكِرَاءِ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ نَزَلَ كَانَ لَك جَمِيعُ الْكِرَاءِ وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ كَمَا لَوْ قُلْت لَهُ بِعْ سِلْعَتِي فَمَا بِعْت بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنِي وَبَيْنَك، أَوْ قُلْت لَهُ فَمَا زَادَ عَلَى مِائَةٍ فَبَيْنَنَا فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَالثَّمَنُ لَك وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ.
قَوْلُهُ: [فَيَكُونُ لِرَبِّهَا] إلَخْ: هَذَا شُرُوعٌ فِي حَاصِلِ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ.
قَوْلُهُ: [وَبَقِيَ مَا إذَا قَالَ لَهُ أَكْرِهَا] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ؛ لِأَنَّ رَبَّ الدَّابَّةِ إمَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ: اعْمَلْ عَلَى دَابَّتِي وَلَك نِصْفُ مَا عَمِلْت بِهِ أَوْ يَقُولُ لَهُ: خُذْ دَابَّتِي أَكْرِهَا وَلَك نِصْفُ كِرَائِهَا وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ أَوْ يُكْرِيهَا لِمَنْ يَعْمَلُ عَلَيْهَا، وَكُلُّهَا فَاسِدَةٌ وَالْحُكْمُ فِيهَا كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَهُوَ أَنَّ ثَلَاثَ صُوَرٍ جَمِيعُ مَا جَاءَ فِيهَا لِلْعَامِلِ، وَعَلَيْهِ لِرَبِّهَا أُجْرَةُ مِثْلِهَا، وَصُورَةُ جَمِيعِ مَا جَاءَ فِيهَا لِرَبِّهَا، وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ.