حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالكصفحات 270-309
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الزَّوْجَ سَبَقَ مَوْتُهُ الزَّوْجَةَ أَوْ الْعَكْسُ، فَيَكْفِي الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، فَيَرِثُ الْمُتَأَخِّرُ مَوْتًا صَاحِبَهُ.
(أَوْ مَوْتٍ) لِرَجُلٍ (وَلَا زَوْجَةَ) لَهُ (وَلَا مُدَبَّرَ) لَهُ (وَنَحْوُهُ) : كَمُوصًى بِعِتْقِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مَعَ الْيَمِينِ، إذْ لَيْسَ حِينَئِذٍ إلَّا مُجَرَّدُ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ.
وَأَشَارَ بِهَذَا الْفَرْعِ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إذَا مَاتَ رَجُلٌ فَشَهِدَ بِمَوْتِهِ امْرَأَتَانِ وَرَجُلٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ وَلَا أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ وَلَيْسَ لَهُ مُدَبَّرٌ وَلَيْسَ إلَّا قِسْمَةُ التَّرِكَةِ فَشَهَادَتُهُنَّ جَائِزَةٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا تَجُوزُ (وَكَتَقَدُّمِ دَيْنٍ عِتْقًا) : ادَّعَاهُ الْغَرِيمُ، وَقَالَ الْمَدِينُ: بَلْ عِتْقِي لِلْعَبْدِ سَابِقٌ عَلَى الدَّيْنِ؛ فَلَا يَبْطُلُ الْعِتْقُ فَيَكْفِي رَبَّ الدَّيْنِ الشَّاهِدُ أَوْ الْمَرْأَتَانِ مَعَ يَمِينِهِ وَيَبْطُلُ الْعِتْقُ وَيُبَاعُ الْعَبْدُ فِي الدَّيْنِ.
(وَقِصَاصٍ فِي جُرْحٍ) : يَكْفِي فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْمَرْأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا عَلَى يَمِينِ الْمَجْرُوحِ.
وَيُقْتَصُّ مِنْ الْجَارِحِ؛ وَهَذِهِ إحْدَى الْمُسْتَحْسَنَاتِ الْأَرْبَعِ إذْ لَيْسَتْ بِمَالٍ وَلَا آيِلَةٍ لَهُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَيَرِثُ الْمُتَأَخِّرُ مَوْتًا صَاحِبَهُ] : مَعْنَاهُ وَرَثَةُ الْمُتَأَخِّرِ مَوْتًا يَرِثُونَ مَا كَانَ يَرِثُهُ مُوَرِّثُهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ أَنَّ كُلًّا مَاتَ وَالِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي السَّابِقِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا زَوْجَةَ لَهُ وَلَا مُدَبَّرَ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا لَوْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ أَوْ مُدَبَّرٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ أَوْ أَوْصَى بِعِتْقٍ فَلَا يَثْبُتُ مَوْتُهُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ اتِّفَاقًا لِمَا يَلْزَمُ عَلَى مَوْتِهِ مِنْ ثُبُوتِ الْعِدَّةِ لِلزَّوْجَةِ وَإِبَاحَتِهَا بَعْدَهَا لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَزْوَاجِ، وَخُرُوجُ الْمُدَبَّرِ مِنْ الثُّلُثِ وَأُمِّ الْوَلَدِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَتَنْجِيزُ عِتْقِ الْمُوصَى بِهِ مِنْ الثُّلُثِ، وَهَذِهِ إنَّمَا تَكُونُ بِشَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ.
قَوْلُهُ: [قِصَاصٌ فِي جُرْحٍ] : أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ عَمْدٌ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَكُونُ إلَّا فِيهِ فَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ هُنَا، وَمِمَّا مَرَّ أَنَّ الْجُرْحَ سَوَاءٌ كَانَ خَطَأً أَوْ عَمْدًا فِيهِ مَالٌ كَاَلَّذِي فِيهِ الْمَتَالِفُ أَوْ عَمْدًا فِيهِ قِصَاصٌ يَثْبُتُ بِالْعَدْلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ أَوْ بِأَحَدِهِمَا مَعَ يَمِينٍ.
قَوْلُهُ: [وَهَذِهِ إحْدَى الْمُسْتَحْسَنَاتِ الْأَرْبَعِ] : أَيْ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا مَالِكٌ وَتَقَدَّمَ بَسْطُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ نَظْمًا وَنَثْرًا فِي بَابِ الشُّفْعَةِ فَانْظُرْهُ إنْ شِئْت.
فَرْعٌ: لَوْ قَامَ شَاهِدٌ لِشَخْصٍ أَصَمَّ أَبْكَمَ بِدَيْنٍ وَرِثَهُ عَنْ أَبِيهِ فَهَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَحِينَئِذٍ فَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الدَّيْنَ وَيَبْقَى بِيَدِ ذَلِكَ الْمُدَّعِي.

وَإِذَا ادَّعَى مُدَّعٍ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ سَرَقَ لَهُ مَالًا أَوْ أَنَّهُ حَارَبَ وَأَخَذَ مِنْهُ مَالًا وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدًا وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا (وَ) حَلَفَ (ثَبَتَ الْمَالُ) بِذَلِكَ (دُونَ الْحَدِّ) : مِنْ قَطْعٍ أَوْ غَيْرِهِ (بِسَرِقَةٍ وَحِرَابَةٍ) : لِأَنَّ الْحَدَّ يَثْبُتُ بِالْعَدْلَيْنِ بِخِلَافِ الْمَالِ.

ثُمَّ ذَكَرَ الْمَرْتَبَةَ الرَّابِعَةَ بِقَوْلِهِ: (وَلَمَّا لَمْ يَظْهَرْ لِلرِّجَالِ: امْرَأَتَانِ) عَدْلَتَانِ.
(كَعَيْبِ فَرْجٍ) لِامْرَأَةٍ حُرَّةٍ ادَّعَاهُ الزَّوْجُ وَأَنْكَرَتْ وَرَضِيَتْ أَنْ يَنْظُرَهَا النِّسَاءُ، أَوْ أَمَةٍ، ادَّعَاهُ مُشْتَرِيهَا وَأَنْكَرَهُ الْبَائِعُ.
(وَاسْتِهْلَالٍ) لِمَوْلُودٍ أَوْ عَدَمِهِ، وَكَذَا ذُكُورَتُهُ وَأُنُوثَتُهُ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْإِرْثُ وَعَدَمُهُ.
(وَحَيْضٍ) لِأَمَةٍ فِي مُوَاضَعَةٍ أَوْ مُجَرَّدِ اسْتِبْرَاءٍ عِنْدَ مُنَازَعَةِ الْمُتَبَايِعَيْنِ.

[حاشية الصاوي]

عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَزُولَ الْمَانِعُ فَيَحْلِفَ، فَإِنْ لَمْ يَزُلْ حَتَّى مَاتَ انْتَقَلَ الْحَقُّ لِوَارِثِهِ مَعَ الشَّاهِدِ وَلَوْ عَلَى وَارِثِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَذَا يَظْهَرُ، فَإِنْ مَاتَ الشَّاهِدُ فَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُ كُتِبَتْ أَوْ أَدَّاهَا أَوْ شَهِدَ بِهَا عَدْلَانِ عُمِلَ بِهَا وَإِلَّا فَلَا (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

[الْمَرْتَبَة الرَّابِعَة مَا يُطْلَبُ فِيهِ امْرَأَتَانِ]

قَوْلُهُ: [وَرَضِيَتْ أَنْ يَنْظُرَهَا النِّسَاءُ] : فَإِنْ لَمْ تَرْضَ فَلَا تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ وَتُصَدَّقُ بِيَمِينِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ عَيْبَ الْحُرَّةِ إنْ كَانَ قَائِمًا بِوَجْهِهَا وَيَدَيْهَا فَلَا بُدَّ مِنْ رَجُلَيْنِ، وَمَا كَانَ بِفَرْجِهَا فَهِيَ مُصَدَّقَةٌ فِيهِ وَإِنْ رَضِيَتْ بِرُؤْيَةِ النِّسَاءِ لَهُ كَفَى فِيهِ امْرَأَتَانِ، وَمَا كَانَ بِغَيْرِ فَرْجِهَا وَأَطْرَافِهَا مِنْ بَقِيَّةِ جَسَدِهَا فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَاسْتِهْلَالِ الْمَوْلُودِ] إلَخْ: أَيْ لِمَوْلُودِ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ نُزُولُ الْوَلَدِ غَيْرَ مُسْتَهِلٍّ فَمُدَّعِي عَدَمَ الِاسْتِهْلَالِ لَا يَحْتَاجُ لِإِثْبَاتِ وَمُدَّعِيهِ يَحْتَاجُ لِإِثْبَاتٍ وَيَكْفِي فِيهِ الْمَرْأَتَانِ إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْأَوْلَى لِلشَّارِحِ حَذْفُ قَوْلِهِ أَوْ عَدَمِهِ.
قَوْلُهُ: [وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْإِرْثُ] : أَيْ عِنْدَ ثُبُوتِ الِاسْتِهْلَالِ يَثْبُتُ الْإِرْثُ، وَثُبُوتُ الذُّكُورِيَّةِ لَهَا حُكْمٌ فِي الْمِيرَاثِ غَيْرُ حُكْمِ الْأُنُوثَةِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْفَرَائِضِ.
قَوْلُهُ: [حَيْضٍ لِأَمَةٍ] : أَيْ فَلَا يُصَدَّقُ السَّيِّدُ فِي حَيْضِهَا إلَّا بِشَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ

(وَوِلَادَةٍ) ادَّعَتْهَا الْمَرْأَةُ وَلَمْ يَحْضُرْ شَخْصٌ فَيَكْفِي الْمَرْأَتَانِ.
(وَثَبَتَ النَّسَبُ وَالْإِرْثُ) بِشَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ عَلَى الْوِلَادَةِ أَوْ الِاسْتِهْلَالِ فَتَكُونُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ حَيْثُ أَقَرَّ سَيِّدُهَا بِوَطْئِهَا وَأَنْكَرَ الْوِلَادَةَ (لَهُ) : أَيْ لِلْوَلَدِ؛ فَيَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا نِسْبَةٌ إذَا كَانَ مَوْجُودًا مَعَهَا وَارِثُهُ إنْ اسْتَهَلَّ فَيَرِثُ مَنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ: " لَهُ " رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ النَّسَبِ وَالْإِرْثِ، وَقَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ) : خَاصٌّ بِالْإِرْثِ، يَعْنِي: إذَا اسْتَهَلَّ وَمَاتَ عَنْ مَالٍ ثَبَتَ الْإِرْثُ عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ فَيَرِثُهُ الْحَيُّ بَعْدَهُ (بِلَا يَمِينٍ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: " امْرَأَتَانِ " أَيْ: يَكْفِي امْرَأَتَانِ بِلَا يَمِينٍ مِنْ الْمُدَّعِي فِيمَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ.
(وَجَازَتْ) الشَّهَادَةُ: أَيْ أَدَاؤُهَا (عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ) : أَيْ بِأَنَّ هَذَا خَطُّ فُلَانٍ.
وَفِي خَطِّهِ: أَقَرَّ فُلَانٌ بِأَنَّ فِي ذِمَّتِهِ كَذَا لِفُلَانٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْوَثِيقَةُ كُلُّهَا بِخَطِّهِ؛ أَوْ الَّذِي بِخَطِّهِ مَا يُفِيدُ الْإِقْرَارَ، أَوْ أَنَّهُ كَتَبَ بَعْدَ تَمَامِهِ: الْمَنْسُوبُ إلَيَّ فِيهِ صَحِيحٌ وَلَا بُدَّ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ مِنْ عَدْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مِمَّا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْخَطِّ كَالنَّقْلِ، وَلَا يَنْقُلُ عَنْ الْوَاحِدِ الِاثْنَانِ وَلَوْ فِي الْمَالِ عَلَى الرَّاجِحِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ الرَّاجِحُ وَالْمُعْتَمَدُ ثُبُوتُهَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَقَوْلُهُ:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَوِلَادَةٍ ادَّعَتْهَا الْمَرْأَةُ] : أَيْ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً.
قَوْلُهُ: [حَيْثُ أَقَرَّ سَيِّدُهَا] : أَيْ الْحُرُّ.
قَوْلُهُ: [فَيَرِثُ مَنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ] : أَيْ وَيَأْخُذُ الْمِيرَاثَ وَارِثُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ.
قَوْلُهُ: [بِلَا يَمِينٍ مِنْ الْمُدَّعِي] : أَيْ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا تَظْهَرُ لِلرِّجَالِ.
قَوْلُهُ: [عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا وَأَنْكَرَ، أَوْ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَثِيقَةِ الَّتِي فِيهَا خَطُّ الْمُقِرِّ شُهُودٌ أَوْ كَانَتْ مُجَرَّدَةً عَنْ الشُّهُودِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ أَنَّهُ كُتِبَ بَعْدَ تَمَامِهِ] : أَيْ بِيَدِهِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مِمَّا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ] : مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ الْعَمَلِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ فِي الْمَالِيَّاتِ تَبِعَ فِيهِ (عب) وَالْخَرَشِيَّ.
قَوْلُهُ: [وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ الرَّاجِحُ] إلَخْ: مُرَادُهُ بِهِ (بْن)

(بِلَا يَمِينٍ) : أَيْ مِنْ الْمُدَّعِي مَعَ الْبَيِّنَةِ الشَّاهِدَةِ عَلَى الْخَطِّ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ كَالشَّهَادَةِ عَلَى اللَّفْظِ.
وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ وَاحِدًا حَلَفَ مَعَهُ الْمُدَّعِي وَيَثْبُتُ الْحَقُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْمَوَّاقُ.
وَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ حُضُورِ الْخَطِّ عِنْدَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، فَلَا تَصِحُّ فِي غَيْبَتِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي بِهِ الْعَمَلُ.
(وَ) جَازَتْ (عَلَى خَطِّ شَاهِدٍ مَاتَ أَوْ) عَلَى خَطِّ (غَائِبٍ بَعُدَ) وَجَهْلُ الْمَكَانِ كَبُعْدِهِ.
وَالْمَرْأَةُ الْمَشْهُودُ عَلَى خَطِّهَا بِشَهَادَتِهَا بِشَيْءٍ كَالرَّجُلِ؛ لَا بُدَّ مِنْ مَوْتِهَا أَوْ بُعْدِ غَيْبَتِهَا.
وَلَيْسَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّهَا كَالنَّقْلِ عَنْهَا يَجُوزُ وَلَوْ لَمْ تَغِبْ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ ضَعِيفَةٌ لَا يُصَارُ إلَيْهَا مَعَ إمْكَانِ غَيْرِهَا.
وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ وَعَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ الْغَائِبِ أَوْ الْمَيِّتِ (وَإِنْ بِغَيْرِ مَالٍ) :

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِلَا يَمِينٍ] : أَيْ اسْتِظْهَارًا لِأَجْلِ الْخَطِّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ خَطٌّ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ قَدْ يَحْلِفُ يَمِينَ الْقَضَاءِ أَنَّهُ مَا وَهَبَ وَمَا أَبْرَأَ وَنَحْوَ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُقِرُّ بِخَطِّهِ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ مَوْجُودًا وَأَنْكَرَ كَوْنَهُ خَطَّهُ فَلَا يَحْتَاجُ مَعَ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى خَطِّهِ لِيَمِينِ الْقَضَاءِ وَلَا مَعَ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ حُضُورِ الْخَطِّ] : أَيْ فَإِذَا نَظَرَ شَاهِدَانِ وَثِيقَةً بِيَدِ رَجُلٍ بِخَطِّ مُقِرٍّ بِدَيْنٍ وَحَفِظَاهُ وَتَحَقَّقَا فِيهَا ثُمَّ ضَاعَتْ الْوَثِيقَةُ فَشَهِدَ الشَّاهِدَانِ بِمَا فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِشَهَادَةِ تِلْكَ الْبَيِّنَةِ فِي غَيْبَةِ تِلْكَ الْوَثِيقَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْمُتَيْطِيُّ، وَمُقَابِلُهُ مَا لِأَبِي الْحَسَنِ مِنْ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ إذْ لَا فَرْقَ عِنْدَ الْقَاضِي بَيْنَ غَيْبَةِ الْوَثِيقَةِ وَحُضُورِهَا حَيْثُ اسْتَوْفَى الشَّاهِدَانِ جَمِيعَ مَا فِيهَا أَفَادَهُ (بْن) . قَوْلُهُ: [أَوْ عَلَى خَطِّ غَائِبٍ] : الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَعَلَى خَطِّ شَاهِدٍ غَائِبٍ بَعْدُ لِيُفِيدَ أَنَّ قَوْلَ الْمَتْنِ أَوْ غَائِبٍ مَعْطُوفٌ عَلَى مَاتَ لِأَنَّهُ تَنْوِيعٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ كَمَا يُفِيدُهُ آخِرُ الْعِبَارَةِ.
قَوْلُهُ: [وَالْمَرْأَةُ الْمَشْهُودُ عَلَى خَطِّهَا] إلَخْ: أَيْ وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ شَهَادَةُ الرِّجَالِ عَلَى خَطِّ النِّسَاءِ وَلَوْ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِنَّ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى خَطِّ رِجَالٍ وَلَا نِسَاءٍ وَلَوْ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِنَّ كَمَا يُفِيدُهُ (عب)

كَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ (فِيهِمَا) : أَيْ فِي الْمُقِرِّ وَالشَّاهِدِ بِنَوْعَيْهِ.

وَأَشَارَ إلَى شُرُوطِ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ: الْأَوَّلُ مِنْهَا: عَامٌّ، وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ: خَاصَّانِ بِالْقِسْمِ الثَّانِي بِنَوْعَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إنْ عَرَفَتْهُ) الْبَيِّنَةُ مَعْرِفَةً تَامَّةً (كَالْمُعَيَّنِ) : أَيْ كَمَعْرِفَةِ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ خَطُّ فُلَانٍ.
وَأَشَارَ لِلشَّرْطَيْنِ الْمُخْتَصَّيْنِ بِخَطِّ الشَّاهِدِ بِنَوْعَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَ) عَرَفَتْ (أَنَّهُ) : أَيْ الشَّاهِدَ الَّذِي كَتَبَ خَطَّهُ وَمَاتَ أَوْ غَابَ (كَانَ يَعْرِفُ مُشْهَدَهُ) : أَيْ مَنْ أَشْهَدَهُ بِنَسَبِهِ أَوْ عَيْنِهِ وَإِلَّا لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّهِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فِيهِمَا] : تَبِعَ فِيهِ خَلِيلًا وَضَعَّفَ هَذَا التَّعْمِيمَ فِي الْمَجْمُوعِ تَبَعًا لِمَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَقَالَ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ الْغَائِبِ أَوْ الْمَيِّتِ مَخْصُوصَةٌ بِالْمَالِ قَوْلُهُ: [وَالشَّاهِدُ بِنَوْعَيْهِ] : أَيْ الْغَائِبِ وَالْمَيِّتِ

[الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ]

[شُرُوط الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ]

. قَوْلُهُ: [الْأَوَّلُ مِنْهَا عَامٌّ] : أَيْ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ، وَعَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ بِنَوْعَيْهِ.
قَوْلُهُ: [إنْ عَرَفَتْهُ الْبَيِّنَةُ مَعْرِفَةً تَامَّةً] : أَيْ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الْفَطِنِ الْعَارِفِ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ صَاحِبَ الْخَطِّ وَإِنَّمَا عَرَفَ الْخَطَّ بِالتَّوَاتُرِ كَالْأَشْيَاخِ الْمُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ اُشْتُهِرَ خَطُّهُمْ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ.
قَوْلُهُ: [كَانَ يَعْرِفُ مُشْهَدَهُ] إلَخْ: أَوْرَدَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى مَنْ لَا يُعْرَفُ مِنْ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ الْكَاتِبَ عَدْلٌ وَالْعَدْلُ لَا يَشْهَدُ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: الصَّوَابُ إسْقَاطُ هَذَا الشَّرْطِ لِأَنَّهُ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ مَاهِيَّةِ الْعَدْلِ، فَاشْتِرَاطُهُ يُشْبِهُ اشْتِرَاطَ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ وَقَدْ جَرَى الْعَمَلُ بِقَفِصَةِ عَلَى خِلَافِهِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ مَنْ أَشْهَدَهُ] : الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ أَيْ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ الْبَيِّنَةُ ذَلِكَ لَمْ تَشْهَدْ عَلَى خَطِّهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ شَهِدَ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ

(وَ) عَرَفَتْ أَنَّهُ (تَحَمَّلَهَا عَدْلًا) : أَيْ كَتَبَ خَطَّهُ بِالشَّهَادَةِ وَهُوَ عَدْلٌ.
وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُذْكَرَ ذَلِكَ فِي شَهَادَتِهِ، بَلْ شَرْطُ جَوَازِ الْإِقْدَامِ عَلَى الشَّهَادَةِ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ وَضَعَ خَطَّهُ وَهُوَ عَدْلٌ وَاسْتَمَرَّ عَدْلًا حَتَّى مَاتَ أَوْ غَابَ.
(لَا) يَشْهَدُ شَاهِدٌ (عَلَى خَطِّ نَفْسِهِ) بِقَضِيَّةٍ (حَتَّى يَتَذَكَّرَهَا) فَيَشْهَدَ حِينَئِذٍ بِمَا عَلِمَ، لَا عَلَى خَطِّ نَفْسِهِ.
(وَ) إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ (أَدَّى) الشَّهَادَةَ عَلَى أَنَّ هَذَا خَطِّي وَلَكِنِّي لَمْ أَذْكُرْ الْقَضِيَّةَ (بِلَا نَفْعٍ) لِلطَّالِبِ.
وَفَائِدَةُ الْأَدَاءِ: لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْحَاكِمَ يَرَى نَفْعَهَا، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ.
وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ أَوَّلًا: إنْ عَرَفَ خَطَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ وَلَا شَيْئًا مِنْهَا - وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ مَحْوٌ وَلَا رِيبَةٌ - فَلْيَشْهَدْ، وَبِهِ أَخَذَ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ: مُطَرِّفٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَالْمُغِيرَةُ وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَابْنُ دِينَارٍ وَابْنُ وَهْبٍ وَسَحْنُونٌ وَابْنُ حَبِيبٍ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: صَوَّبَ جَمَاعَةٌ أَنْ يَشْهَدَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَحْوٌ وَلَا رِيبَةٌ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ، وَلِكَثْرَةِ نِسْيَانِ الشَّاهِدِ الْمُنْتَصِبِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ يَشْهَدُ حَتَّى يَذْكُرَهَا لَمْ يَكُنْ لِوَضْعِ خَطِّهِ فَائِدَةٌ (اهـ) .

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَيْ كَتَبَ خَطَّهُ بِالشَّهَادَةِ وَهُوَ عَدْلٌ] : أَيْ لِأَنَّ كَتْبَهُ لَهَا بِمَنْزِلَةِ أَدَائِهَا فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عِنْدَنَا الْعَدَالَةُ فِي التَّحَمُّلِ بَلْ فِي الْأَدَاءِ، ثُمَّ إنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ أَنْ تَكُونَ لِنَفْسِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الْخَطِّ بَلْ بِهِمْ أَوْ بِغَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ: [حَتَّى يَتَذَكَّرَهَا] : أَيْ بِتَمَامِهَا وَأَمَّا إذَا تَذَكَّرَ بَعْضَهَا فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ شَيْئًا مِنْهَا وَحِينَئِذٍ فَيُؤَدِّي بِلَا نَفْعٍ خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ.
قَوْلُهُ: [بِلَا نَفْعٍ لِلطَّالِبِ] : أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا عِنْدَ الشَّاهِدِ عَلَى خَطِّ نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: [لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْحَاكِمَ يَرَى نَفْعَهَا] : مُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ جَزَمَ بِعَدَمِ نَفْعِهَا عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُؤَدِّيهَا.
قَوْلُهُ: [صَوَّبَ جَمَاعَةٌ أَنْ يَشْهَدَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَحْوٌ] إلَخْ: مَحَلُّ ضَرَرِ الْمَحْوِ مَا لَمْ يَكُنْ مُبَدَّلًا مِنْ خَطِّ الْأَصْلِ وَإِلَّا لَمْ يَضُرَّ كَمَا فِي (بْن) . قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ] : أَيْ وَلِذَلِكَ نُقِلَ عَنْ شَيْخِ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَتَى وَجَدْت خَطِّي شَهِدْت عَلَيْهِ، لِأَنِّي لَا أَكْتُبُ إلَّا عَلَى يَقِينٍ مِنْ نَفْسِي

(وَلَا) يَشْهَدُ (عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ) الشَّاهِدُ (نَسَبَهُ) حِينَ التَّحَمُّلِ أَوْ الْأَدَاءِ، أَوْ عَرَفَ نَسَبَهُ وَتَعَدَّدَ (إلَّا عَلَى شَخْصِهِ وَسَجَّلَ) الْقَاضِي: أَيْ كَتَبَ فِي سِجِلِّهِ - إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَاتِ شَخْصٍ بِدَيْنٍ وَلَمْ تَعْلَمْ نَسَبَهُ أَوْ أَقَرَّ بِأَنَّ فِي ذِمَّتِهِ دَيْنًا لِفُلَانٍ وَلَمْ يَعْلَمْ نَسَبَهُ، فَأَخْبَرَ بِأَنَّ اسْمَهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ - فَلْيُكْتَبْ فِي الْوَثِيقَةِ: (مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ) : لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ اسْمِهِ وَاسْمَ أَبِيهِ لِلْجَحْدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
(لَا) يَشْهَدُ (عَلَى) امْرَأَةٍ (مُنْتَقِبَةٍ) : أَيْ لَا يَجُوزُ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا حَتَّى تَكْشِفَ عَنْ وَجْهِهَا لِتَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِهَا وَشَخْصِهَا، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْإِشْهَادُ عَلَيْهَا وَهِيَ مُنْتَقِبَةٌ (لِتَتَعَيَّنَ لِلْأَدَاءِ) : أَيْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا.
فَقَوْلُهُ:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ عَرَفَ نَسَبَهُ وَتَعَدَّدَ] : أَيْ كَمَا إذَا تَعَدَّدَ الْمَنْسُوبُ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ كَمَنْ لَهُ بِنْتَانِ فَاطِمَةُ وَزَيْنَبُ وَأَرَادَ الشَّاهِدُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى فَاطِمَةَ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ عَيْنَ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ فَلَا يَشْهَدُ إلَّا عَلَى عَيْنِهَا مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِلْمُ بِهَا وَإِنْ بِامْرَأَةٍ.
وَإِمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُعَيَّنِ إلَّا بِنْتٌ وَاحِدَةٌ وَكَانَ الشَّاهِدُ يَعْلَمُ ذَلِكَ فَلَا تَتَوَقَّفُ الشَّهَادَةُ عَلَى عَيْنِهَا.
قَوْلُهُ: [إلَّا عَلَى شَخْصِهِ] : اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ مِنْ عُمُومِ الْأَحْوَالِ، أَيْ لَا يَشْهَدُ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ نَسَبَهُ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إلَّا فِي حَالِ تَعْيِينِ شَخْصِهِ وَحِلْيَتِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الْأَوْصَافُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَضَعَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ اسْمَ غَيْرِهِ عَلَى نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: [لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ] إلَخْ: أَيْ فَائِدَةُ التَّسْجِيلِ بَيَانُ عَدَمِ ثُبُوتِ النَّسَبِ الْمَذْكُورِ عِنْدَ الشُّهُودِ وَالْقَاضِي.
قَوْلُهُ: [وَشَخْصِهَا] : عَطْفُ تَفْسِيرٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْمُنْتَقِبَةِ تَحَمُّلًا أَوْ أَدَاءً، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ كَشْفِ وَجْهِهَا فِيهِمَا لِأَجْلِ الشَّهَادَةِ عَلَى عَيْنِهَا وَصِفَتِهَا وَهَذَا فِي غَيْرِ مَعْرُوفَةٍ لِلنَّسَبِ، وَفِي مَعْرِفَتِهِ الَّتِي تَخْتَلِطُ بِغَيْرِهَا، وَأَمَّا مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ الْمُنْفَرِدَةِ أَوْ الْمُتَمَيِّزَةِ عِنْدَ الشَّاهِدِ عَنْ الْمُشَارِكَةِ فَلَهُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا مُنْتَقِبَةً فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ.

لِتَتَعَيَّنَ " عِلَّةً لِلنَّفْيِ - أَيْ عَدَمِ الْجَوَازِ لَا لِلْمَنْفِيِّ - أَيْ مُنْتَقِبَةٍ

(وَ) جَازَتْ الشَّهَادَةُ مِنْ عَدْلَيْنِ عِنْدَ حَاكِمٍ (بِسَمَاعٍ فَشَا) بَيْنَ النَّاسِ أَيْ اشْتَهَرَ بَيْنَهُمْ وَتُسَمَّى

شَهَادَةَ السَّمَاعِ.

قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ لَقَبٌ لِمَا يُصَرِّحُ الشَّاهِدُ فِيهِ بِاسْتِنَادِ شَهَادَتِهِ لِسَمَاعٍ مِنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَتَخْرُجُ شَهَادَةُ الْبَتِّ وَالنَّقْلِ (عَنْ ثِقَاتٍ وَغَيْرِهِمْ) فَتَعْتَمِدُ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ (بِمِلْكٍ) مُتَعَلِّقٍ بِ " سَمَاعٍ " أَيْ تَشْهَدُ بِسَمَاعِهِمْ بِمِلْكِ الشَّيْءِ مِنْ عَقَارٍ أَوْ غَيْرِهِ (لِحَائِزٍ) لَهُ، لَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَوْزِهِ.
فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَشْهَدَ بِهِ لِغَيْرِ حَائِزِهِ (بِ: لَمْ) أَيْ بِقَوْلِهِمْ لِلْحَاكِمِ: لَمْ (نَزَلْ نَسْمَعُ مِمَّنْ ذُكِرَ) أَيْ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ (أَنَّهُ) أَيْ هَذَا الشَّيْءُ الَّذِي فِي حَوْزِهِ (لَهُ) أَيْ لِهَذَا الْحَائِزِ.
ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي شَهَادَةِ الْبَيِّنَةِ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ الَّذِي بِهِ الْعَمَلُ وَعَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ وَالْبَاجِيُّ وَالْمُتَيْطِيُّ وَابْنُ فَتُّوحٍ وَغَيْرُهُمْ،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [عِلَّةً لِلنَّفْيِ] : فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ قَدَّرَهُ بِقَوْلِهِ: لِتَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِهَا وَشَخْصِهَا قَوْلُهُ: [لَا لِلْمَنْفِيِّ] : إلَخْ: أَيْ لِفَسَادِ الْمَعْنَى 1 - تَنْبِيهٌ: إنْ طَلَبَ الشُّهُودُ لِلشَّهَادَةِ عَلَى امْرَأَةٍ فَقَالُوا: أَشْهَدَتْنَا مُنْتَقِبَةٌ وَنَحْنُ نَعْرِفُهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ وَإِنْ كَشَفَتْ وَجْهَهَا لَا نَعْرِفُهَا قَلَّدُوا وَعُمِلَ بِجَوَابِهِمْ فِي تَعْيِينِهَا، إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُمْ عُدُولٌ لَا يُتَّهَمُونَ.
فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُفِيدُ أَنَّ مَحَلَّ مَنْعِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُنْتَقِبَةِ غَيْرِ الْمَعْرُوفَةِ النَّسَبِ إذَا كَانُوا لَا يَعْرِفُونَهَا مُنْتَقِبَةً وَإِلَّا جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهَا وَقَلَّدُوا، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَتْ الشُّهُودَ عَلَى ذَاتِ امْرَأَةٍ فَأَنْكَرَتْ نَفْسَهَا وَقَالَتْ: لَا يَعْرِفُونَ ذَاتِي خُلِطَتْ بِنِسَاءٍ وَقِيلَ لَهُمْ عَيِّنُوهَا، فَإِنْ عَيَّنُوهَا عُمِلَ بِشَهَادَتِهِمْ.
وَالدَّابَّةُ وَالرَّقِيقُ كَالْمَرْأَةِ فَإِذَا شَهِدُوا بِدَابَّةٍ أَوْ رَقِيقٍ بِعَيْنِهِ لِشَخْصٍ خُلِطَ بِغَيْرِهِ مِنْ جِنْسِهِ وَعَلَيْهِمْ إخْرَاجُ مَا شَهِدُوا بِهِ حَيْثُ غَلَّطَهُمْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ كَمَا فِي الْأَصْلِ وَ (بْن) خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّهُ خَطَأٌ مِمَّنْ فَعَلَ.

[الشَّهَادَة بِفَشْوِ السَّمَاع]

قَوْلُهُ: [فَتَخْرُجُ شَهَادَةُ الْبَتِّ وَالنَّقْلِ] : أَمَّا خُرُوجُ شَهَادَةِ الْبَتِّ فَلِعَدَمِ اسْتِنَادِهِ لِشَيْءٍ أَصْلًا، وَأَمَّا شَهَادَةُ النَّقْلِ فَبِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لِأَنَّهَا سَمَاعٌ مِنْ مُعَيَّنٍ.
قَوْلُهُ: [عَلَى ذَلِكَ] : أَيْ السَّمَاعِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: [بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ] : أَيْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ.

قَالَ ابْنُ فَتُّوحٍ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ لَا تَكْمُلُ إلَّا أَنْ يَنْضَمَّ فِيهَا أَهْلُ الْعَدْلِ وَغَيْرُهُمْ، عَلَى هَذَا مَضَى عَمَلُ النَّاسِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَأَقَرَّهُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَجَمَاعَةٌ: يَكْفِي أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ، وَشَهَرَ أَيْضًا وَاعْلَمْ أَنَّ بَيِّنَةَ السَّمَاعِ إنَّمَا جَازَتْ لِلضَّرُورَةِ لِأَنَّهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ؛ إذْ الْأَصْلُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَشْهَدُ إلَّا بِمَا عَلِمَ مِمَّا تُدْرِكُهُ حَوَاسُّهُ كَمَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ.
وَإِذَا شَهِدَتْ بِسَمَاعِ الْمِلْكِ لِحَائِزٍ لَمْ يُنْزَعْ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنْ يَدِ حَائِزِهِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ سَمَاعُهُمْ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ وَلَا طُولَ الْحِيَازَةِ - خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ - فَإِنَّهُ لَا قَائِلَ بِهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا سَبَقَ فَهْمُهُ لَهُ مِنْ كَلَامِ الْجَوَاهِرِ بِلَا تَأَمُّلٍ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْجَوَاهِرِ فِي بَيِّنَةِ الْبَتِّ بِالْمِلْكِ، وَسَتَأْتِي لَهُ فِي الْحِيَازَةِ بِقَوْلِهِ: " وَصِحَّةُ الْمِلْكِ بِالتَّصَرُّفِ " إلَخْ - ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي.
(وَقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْبَتِّ) بِالْمِلْكِ عَلَى بَيِّنَةِ السَّمَاعِ؛ فَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّا لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ هَذَا الْعَبْدَ لِهَذَا الْحَائِزِ، وَشَهِدَتْ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَشَهَرَ أَيْضًا] : اعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ الثَّابِتَ فِي نُطْقِ الشُّهُودِ كَمَا عَلِمْت، وَأَمَّا اعْتِمَادُهُمْ فَفِيهِ طَرِيقَتَانِ: الْأُولَى تَحْكِي الْخِلَافَ أَيْضًا فَقِيلَ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ إلَّا إذَا اعْتَمَدَ الشُّهُودُ عَلَى سَمَاعٍ فَاشٍ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: يَكْفِي فِي قَبُولِهَا اعْتِمَادُهُمْ عَلَى سَمَاعٍ فَاشٍ مِنْ الثِّقَاتِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ تَقُولُ: الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي نُطْقِ الشُّهُودِ، أَمَّا الِاعْتِمَادُ فَلَا بُدَّ مِنْ السَّمَاعِ الْفَاشِيِّ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ قَوْلًا وَاحِدًا، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الَّتِي مَالَ إلَيْهَا (بْن) حَيْثُ قَالَ: الَّذِي يُفِيدُهُ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي التَّعَلُّقِ لَا فِي الِاعْتِمَادِ (اهـ) . قَوْلُهُ: [مِمَّا تُدْرِكُهُ حَوَاسُّهُ] : أَيْ بِلَا وَاسِطَةٍ.
قَوْلُهُ: [خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ] : يَعْنِي خَلِيلًا حَيْثُ قَالَ: " وَجَازَتْ بِسَمَاعٍ فَشَا عَنْ ثِقَاتٍ وَغَيْرِهِمْ بِمِلْكِ الْحَائِزِ وَتَصَرُّفٍ طَوِيلٍ " (اهـ) . قَوْلُهُ: [ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي] : مُرَادُهُ بِهِ (بْن) نَقْلًا عَنْ (ر) . قَوْلُهُ: [أَوْ أَهَذَا الْعَبْدُ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ بِهَمْزَةٍ قَبْلَ هَذَا وَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ حَذْفُ تِلْكَ الْهَمْزَةِ

أُخْرَى بَتًّا بِأَنَّهُ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يَدَّعِيهِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْبَتِّ وَنُزِعَ مِنْ يَدِ الْحَائِزِ، وَأُعْطِيَ لِمَنْ ادَّعَاهُ وَأَقَامَ بِبَيِّنَةِ الْبَتِّ.
(إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةُ السَّمَاعِ بِنَقْلِ الْمِلْكِ) لِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى بِهِ (مِنْ كَأَبِي الْقَائِمِ) الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَهُ، وَأَقَامَ بَيِّنَةَ الْبَتِّ فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ السَّمَاعِ: يَعْنِي أَنَّ مَحَلَّ تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الْبَتِّ مَا لَمْ تَشْهَدْ بَيِّنَةُ السَّمَاعِ بِأَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ قَدْ انْتَقَلَ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ مِنْ أَبِي الْقَائِمِ أَوْ جَدِّهِ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ.
وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ صَاحِبَ بَيِّنَةِ السَّمَاعِ حَائِزٌ لِلشَّيْءِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَإِلَّا قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْبَتِّ.
وَالْكَلَامُ فِي حِيَازَةٍ لَا يَثْبُتُ بِهَا الْمِلْكُ، إمَّا لِقَصْرِهَا، وَإِمَّا لِكَوْنِ الْمُدَّعِي الْقَائِمِ عَلَى الْحَائِزِ كَانَ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا قَامَ بِهِ مَانِعٌ.
وَأَمَّا الْحَاضِرُ الَّذِي لَا مَانِعَ لَهُ إذَا سَكَتَ الْعَشْرَ سِنِينَ فَلَا تُسْمَعُ لَهُ دَعْوَى وَلَا بَيِّنَةٌ فِي الْعَقَارِ.
وَكَذَا غَيْرُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَهَاهُنَا بَحْثٌ قَوِيٌّ: وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ دَعْوَى الْقَائِمِ عَلَى الْحَائِزِ مُجَرَّدَةً فَالْحَوْزُ كَافٍ فِي دَفْعِهَا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى بَيِّنَةٍ بِسَمَاعٍ، وَكَذَا إذَا كَانَ مَعَ دَعْوَى الْقَائِمِ بَيِّنَةُ سَمَاعٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْزَعُ بِهَا مِنْ يَدِ حَائِزٍ، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا بَيِّنَةُ قَطْعٍ فَبَيِّنَةُ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَنُزِعَ مِنْ يَدِ الْحَائِزِ] : أَيْ وَالْكَلَامُ فِي حِيَازَةٍ لَا يَثْبُتُ بِهَا الْمِلْكُ وَإِلَّا لَمْ يُنْزَعْ مِنْ يَدِ الْحَائِزِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةُ السَّمَاعِ] إلَخْ: نَحْصُلُ أَنَّهُ لَا تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ عَلَى بَيِّنَةِ السَّمَاعِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَلَّا تَمْضِيَ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ الَّتِي ثَبَتَ بِهَا الْمِلْكُ، وَأَلَّا تَشْهَدَ بَيِّنَةُ السَّمَاعِ بِنَقْلِ الْمِلْكِ مِنْ كَأَبِي الْقَائِمِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ حَاضِرًا قَامَ بِهِ مَانِعٌ] : أَيْ كَالْخَوْفِ مِنْ الْحَائِزِ.
قَوْلُهُ: [إذَا سَكَتَ الْعَشْرَ سِنِينَ] : أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَجَانِبِ غَيْرِ الشُّرَكَاءِ، وَأَمَّا الْأَقَارِبُ فَمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ.
وَسَيَأْتِي إيضَاحُ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: [مُجَرَّدَةً] : أَيْ عَنْ بَيِّنَةِ الْبَتِّ أَوْ السَّمَاعِ.
قَوْلُهُ: [فِي دَفْعِهَا] : الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الدَّعْوَى.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ كَانَ مَعَهَا] : أَيْ مَعَ دَعْوَاهُ

السَّمَاعِ لِلْحَائِزِ لَا تَنْفَعُهُ إلَّا بِسَمَاعٍ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ كَ: أَبِي الْقَائِمِ فَلَمْ يَبْقَ لِقَوْلِكُمْ بِمِلْكٍ لِحَائِزٍ مَحَلٌّ.
(وَبِمَوْتِ غَائِبٍ) عَطْفٌ عَلَى " بِمِلْكٍ لِحَائِزٍ ": أَيْ وَجَازَتْ بِسَمَاعٍ فَشَا بِمَوْتِ غَائِبٍ (بَعُدَ) كَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأُلْحِقَ بِهَا الشَّهْرُ فَيَثْبُتُ مَوْتُهُ بِبَيِّنَةِ السَّمَاعِ (أَوْ) لَمْ يَطُلْ، وَ (طَالَ زَمَنُ سَمَاعِهِ) : أَيْ الْمَوْتِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَطُلْ الزَّمَنُ فَلَا يَثْبُتُ بِالسَّمَاعِ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةِ الْقَطْعِ كَالْحَاضِرِ لِسُهُولَةِ الْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ.
(أَوْ بِوَقْفٍ) فَيَثْبُتُ بِبَيِّنَةِ السَّمَاعِ؛ فَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةُ سَمَاعٍ بِأَنَّ هَذَا وَقْفٌ عَلَى فُلَانٍ الْحَائِزِ لَهُ أَوْ عَلَى فُلَانٍ - وَلَيْسَتْ الذَّاتُ بِيَدِ أَحَدٍ - ثَبَتَ بِهَا الْوَقْفُ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ بِيَدِ حَائِزٍ يَدَّعِي مِلْكَهَا فَفِيهِ خِلَافٌ؛ قِيلَ: لَا يُنْزَعُ بِهَا مِنْ يَدِ الْحَائِزِ كَالْمِلْكِ، وَقِيلَ: يُنْزَعُ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الْوَقْفِ، وَرُجِّحَ.

ثُمَّ أَشَارَ إلَى شُرُوطِ إفَادَةِ بَيِّنَةِ السَّمَاعِ بِقَوْلِهِ: (إنْ طَالَ الزَّمَنُ) : أَيْ زَمَنُ السَّمَاعِ كَعِشْرِينَ سَنَةً فَأَقَلَّ مِنْهَا لَا يَكْفِي، وَلَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ الْبَتِّ.
وَهَذَا الشَّرْطُ اعْتَبَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَغَيْرِهَا.
وَقَالَ ابْنُ هَارُونَ: طُولُ الزَّمَانِ لَيْسَ شَرْطًا فِي جَمِيعِهَا بَلْ فِي الْأَمْلَاكِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [لَا تَنْفَعُهُ] : أَيْ لَا تُثْبِتُ لَهُ مِلْكًا.
قَوْلُهُ: [إلَّا بِسَمَاعٍ] : أَيْ أَوْ بِالْحِيَازَةِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [بَعُدَ] : أَيْ بِبَلَدٍ بَعِيدَةٍ.
وَجَهِلَ الْمَكَانَ كَبُعْدِهِ فِيمَا يَظْهَرُ قَوْلُهُ: [أَوْ لَمْ يَطُلْ] : أَيْ لَمْ يَبْعُدْ الْبَلَدُ.
وَقَوْلُهُ: [وَطَالَ زَمَنُ سَمَاعِهِ] : أَيْ كَعِشْرِينَ سَنَةً كَمَا يَأْتِي بَعْدُ فِي ذِكْرِ شُرُوطِ بَيِّنَةِ السَّمَاعِ.
قَوْلُهُ: [قِيلَ لَا يُنْزَعُ بِهَا مِنْ يَدِ الْحَائِزِ] : أَيْ وَهُوَ قَوْلُ اللَّخْمِيِّ وَالتَّوْضِيحِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَهْرَامُ وَالْبِسَاطِيُّ.
وَقَوْلُهُ: [وَقِيلَ يُنْزَعُ] : وَهُوَ مَا لِابْنِ عَرَفَةَ وَبِهِ أَفْتَى الْأُجْهُورِيُّ فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ الْوَقْفُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ لَا يُنْزَعُ بِبَيِّنَةِ السَّمَاعِ مِنْ يَدِ حَائِزٍ.

[شَهَادَةِ السَّمَاعِ]

[مَا يَقْبَل فِيهِ شَهَادَةِ السَّمَاعِ]

قَوْلُهُ: [كَعِشْرِينَ سَنَةً] : هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَبِهِ الْعَمَلُ بِقُرْطُبَةَ وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَرْبَعُونَ سَنَةً

وَالشِّرَاءِ وَالْأَحْبَاسِ وَالْأَنْكِحَةِ وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ وَالْحِيَازَةِ، وَأَمَّا مَوْتُ الْغَائِبِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ تَنَائِي الْبُلْدَانِ أَوْ طُولُ الزَّمَانِ، وَاعْتُمِدَ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَرَفَةَ: أَنَّهُ فِي الْمَوْتِ مَعَ الطُّولِ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةِ الْقَطْعِ وَلَوْ بِالنَّقْلِ إذْ يَبْعُدُ عَادَةُ مَوْتِهِ مَعَ عَدَمِ مَنْ يَأْتِي مِنْ هَذَا الْبَلَدِ يُخْبِرُ بِمَوْتِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ.
(بِلَا رِيبَةٍ) فِي بَيِّنَةِ السَّمَاعِ فَإِنْ وُجِدَتْ رِيبَةٌ لَمْ يُعْمَلْ بِهَا، كَمَا إذَا لَمْ يَسْمَعْ بِذَلِكَ غَيْرُهُمَا مِنْ ذَوِي أَسْنَانِهِمَا.
(وَشَهِدَ) بِهِ (عَدْلَانِ) فَلَا يَكْفِي الْوَاحِدُ فِيهَا مَعَ الْيَمِينِ.
(وَحَلَفَ) الْمُدَّعِي الَّذِي أَقَامَهُمَا مَعَ الْعَدْلَيْنِ لِضَعْفِهَا؛ لِأَنَّهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَأَمَّا مَوْتُ الْغَائِبِ] : حَاصِلُهُ أَنَّ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ بِالْمَوْتِ طُرُقًا ثَلَاثَةً: طَرِيقَةُ ابْنِ عَرَفَةَ: اشْتِرَاطُ تَنَائِي الْبَلَدَيْنِ وَقِصَرِ الزَّمَانِ، وَطَرِيقَةُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: اشْتِرَاطُ تَنَائِي الْبَلَدَيْنِ وَطُولِ الزَّمَانِ، وَطَرِيقَةُ ابْنِ هَارُونَ: اشْتِرَاطُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إمَّا تَنَائِي الْبَلَدَيْنِ أَوْ طُولِ الزَّمَانِ.
وَاعْتَمَدَ شَارِحُنَا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ وَاعْتَمَدَ مُحَشِّي الْأَصْلِ الطَّرِيقَةَ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: [كَمَا إذَا لَمْ يَسْمَعْ بِذَلِكَ غَيْرُهُمَا] : أَيْ كَمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ فَقَطْ بِمَوْتِ رَجُلٍ وَفِيهَا عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنْ ذَوِي أَسْنَانِهِمَا لَمْ يَعْلَمُوا بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَشَهِدَ بِهِ عَدْلَانِ] : أَيْ فَيُكْتَفَى بِهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَكْفِي الْوَاحِدُ فِيهَا مَعَ الْيَمِينِ] : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى السَّمَاعِ لَمْ يُقْضَ لَهُ بِالْمَالِ وَإِنْ حَلَفَ؛ لِأَنَّ السَّمَاعَ نَقْلُ شَهَادَةٍ وَلَا يَكْفِي شَهَادَةُ وَاحِدٍ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ، وَيُشْكَلُ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْخُلْعِ مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَرْجِعُ فِي الْعِوَضِ مَتَى أَقَامَتْ عَلَى الضَّرَرِ شَاهِدًا وَلَوْ شَاهِدَ سَمَاعٍ وَحَلَفَتْ مَعَهُ، وَلَكِنْ فِي الشَّامِلِ أَنَّ فِي رَدِّ الْمَالِ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ بِالسَّمَاعِ مَعَ الْيَمِينِ قَوْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ فَيَكُونُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْخُلْعِ مَاشِيًا عَلَى قَوْلٍ، وَمَا هُنَا عَلَى قَوْلٍ.
قَوْلُهُ: [مَعَ الْعَدْلَيْنِ] : الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّهُمَا يَحْلِفَانِ أَيْضًا

ثُمَّ شَبَّهَ مَسَائِلَ بِالثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِيهَا فَقَالَ: (كَتَوْلِيَةٍ) تُقْبَلُ فِيهَا بَيِّنَةُ السَّمَاعِ: أَيْ تَوْلِيَةُ قَاضٍ أَوْ وَالٍ أَوْ وَكِيلٍ.
(وَتَعْدِيلٍ) لِبَيِّنَةٍ، نَحْوُ: لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ عَدْلٌ رِضًا.
(وَإِسْلَامٍ) لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ نَحْوُ، لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ إلَخْ أَنَّهُ مُسْلِمٌ أَوْ: أَنَّهُ أَسْلَمَ.
(وَرُشْدٍ) كَذَلِكَ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [ثُمَّ شَبَّهَ مَسَائِلَ] : أَيْ عِشْرِينَ عَلَى مُقْتَضَى حِلِّ الشَّارِحِ.
وَقَوْلُهُ: [بِالثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ] : أَعْنِي قَوْلَهُ: بِمِلْكٍ لِحَائِزٍ وَمَوْتِ الْغَائِبِ الْبَعِيدِ إلَخْ وَالْوَقْفُ.
فَالْجُمْلَةُ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ وَبَعْضُهُمْ أَنْهَاهَا لِاثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَقَدْ جُمِعَتْ فِي أَبْيَاتٍ وَنَصُّهَا: أَيَا سَائِلِي عَمَّا يَنْفُذُ حُكْمُهُ ... وَيَثْبُتُ سَمْعًا دُونَ عِلْمٍ بِأَصْلِهِ فَفِي الْعَزْلِ وَالتَّجْرِيحِ وَالْكُفْرِ ... بَعْدَهُ وَفِي سَفَهٍ أَوْ ضِدِّ ذَلِكَ كُلِّهِ وَفِي الْبَيْعِ وَالْإِحْبَاسِ وَالصَّدَقَاتِ ... وَالرَّضَاعِ وَخُلْعٍ وَالنِّكَاحِ وَحَلِّهِ وَفِي قِسْمَةٍ أَوْ نِسْبَةٍ وَوِلَايَةٍ ... وَمَوْتٍ وَحَمْلٍ وَالْمُضِرِّ بِأَهْلِهِ وَمِنْهَا الْهِبَاتُ وَالْوَصِيَّةُ فَاعْلَمَنْ ... وَمِلْكٌ قَدِيمٌ قَدْ يُضَنُّ بِمِثْلِهِ وَمِنْهَا وِلَادَاتٌ وَمِنْهَا حِرَابَةٌ ... وَمِنْهَا الْإِبَاقُ فَلْيُضَمَّ لِشَكْلِهِ وَقَدْ زِيدَ فِيهَا الْأَسْرُ وَالْفَقْدُ ... وَالْمَلَا وَلَوْثٌ وَعِتْقٌ فَاظْفَرْنَ بِنَقْلِهِ فَصَارَتْ لَدَيَّ عَدَّ ثَلَاثِينَ أُتْبِعَتْ ... بِثِنْتَيْنِ فَاطْلُبْ نَصَّهَا فِي مَحَلِّهِ (انْتَهَى عب) . وَقَوْلُهُ: مِلْكٌ قَدِيمٌ: أَيْ مَحُوزٌ لَهُ مِنْ زَمَانٍ سَابِقٍ.
وَقَوْلُهُ: قَدْ يُضَنُّ بِمِثْلِهِ: أَيْ يَعِزُّ أَنْ يَكُونَ لِمِثْلِ هَذَا الْحَائِزِ بَلْ هُوَ لَهُ فَالْبَاءُ بِمَعْنَى اللَّامِ هَذَا مَا ظَهَرَ.
قَوْلُهُ: [أَيْ تَوْلِيَةِ قَاضٍ أَوْ وَالٍ] إلَخْ: وَيَنْفُذُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ حُكْمُ الْقَاضِي وَالْوَالِي وَتَصَرُّفُ الْوَكِيلِ.
قَوْلُهُ: [وَتَعْدِيلٍ] : أَيْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُعَدَّلِ.
قَوْلُهُ: [وَإِسْلَامٍ] : أَيْ وَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ.
قَوْلُهُ: [وَرُشْدٍ] : أَيْ حَيْثُ قَالُوا لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ أَنَّ وَلِيَّ السَّفِيهِ الْفُلَانِيِّ أُطْلِقَ لَهُ التَّصَرُّفُ وَرُشْدُهُ فَتُقْبَلُ تِلْكَ الشَّهَادَةُ وَيَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ.

(وَنِكَاحٍ) ادَّعَاهُ الْحَيُّ مِنْهُمَا عَلَى الْمَيِّتِ لِيَرِثَهُ أَوْ ادَّعَاهُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْحَيَّيْنِ وَلَمْ يُنْكِرْ الْآخَرُ، وَكَانَتْ الزَّوْجَةُ تَحْتَهُ.
وَأَمَّا لَوْ ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ فَلَا يَثْبُتُ بِهَا النِّكَاحُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: قَالَ أَبُو عِمْرَانَ: يُشْتَرَطُ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ عَلَى النِّكَاحِ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا أَنْكَرَ أَحَدُهُمَا فَلَا (اهـ) . لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: تَكُونُ حَتَّى فِيمَا إذَا ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ.
(وَضِدُّهَا) : أَيْ الْخَمْسَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ الْعَزْلُ وَالْجُرْحُ وَالْكُفْرُ وَالسَّفَهُ وَالطَّلَاقُ، وَإِنْ خُلْعًا.
وَيَثْبُتُ بِهَا الطَّلَاقُ لَا دَفْعُ الْعِوَضِ فَهَذِهِ عَشْرُ مَسَائِلَ.
(وَضَرَرِ زَوْجٍ) لِزَوْجَتِهِ نَحْوُ: لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ يُضَارِرْهَا فَيُطَلِّقُهَا عَلَيْهِ الْحَاكِمُ.
(وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ) : أَيْ أَنَّهُ وَهَبَ لِفُلَانٍ كَذَا، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ.
(وَوَصِيَّةٍ) كَ: لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ إلَخْ أَنَّ فُلَانًا أَقَامَ فُلَانًا وَصِيًّا عَنْهُ فِي مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ أَنَّ فُلَانًا تَحْتَ وِلَايَةِ فُلَانٍ يَتَوَلَّى النَّظَرَ لَهُ وَالْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ بِإِيصَاءِ أَبِيهِ أَوْ بِتَقْدِيمِ قَاضٍ لَهُ عَلَيْهِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَأَمَّا لَوْ ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا] : إلَخْ: أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ كُلًّا حَيٌّ.
قَوْلُهُ: [أَنْ يَكُونَ الزَّوْجَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَيْهِ] : الْفَصِيحُ مُتَّفِقَيْنِ.
قَوْلُهُ: [لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ] : هُوَ ابْنُ رَحَّالٍ فِي حَاشِيَةِ قَائِلًا هُوَ ظَاهِرُ النَّقْلِ قَالَ (بْن) : وَهُوَ فِي عُهْدَتِهِ.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ الْعَزْلُ] : أَيْ فِي الْقَاضِي وَالْوَالِي أَوْ الْوَكِيلِ وَحَيْثُ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ الْعَزْلُ فَلَا يَمْضِي حُكْمٌ لِقَاضٍ وَلَا وَالٍ وَلَا تَصَرُّفٌ لِوَكِيلٍ.
قَوْلُهُ: [وَالْجُرْحُ] : أَيْ فَلَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَةٌ.
قَوْلُهُ: [وَالْكُفْرُ] : أَيْ وَيَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ.
وَقَوْلُهُ: [وَالسَّفَهُ] : أَيْ فَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ.
قَوْلُهُ: [لَا دَفْعُ الْعِوَضِ] : أَيْ وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي جُعِلَ فِي نَظِيرِ الطَّلَاقِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ بَتًّا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [وَصَدَقَةٍ] : الْأَوْلَى حَذْفُهَا مِنْ هُنَا لِأَنَّهُ سَيَأْتِي يُدْخِلُهَا تَحْتَ النَّحْوِ

(وَنَحْوِهَا) : أَيْ الْمَذْكُورَاتِ كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْوِلَادَةِ وَالْحِرَابَةِ وَالْإِبَاقِ وَالْعُسْرِ وَالْيُسْرِ.
وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ تَثْبُتُ بِبَيِّنَةِ السَّمَاعِ لَا بِقَيْدِ الطُّولِ، فَلِذَا قَرَنَهَا بِكَافِ التَّشْبِيهِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
(وَالتَّحَمُّلِ) لِلشَّهَادَةِ - (إنْ افْتَقَرَ إلَيْهِ) - بِأَنْ خِيفَ بِتَرْكِهِ ضَيَاعُ الْحَقِّ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ - (فَرْضُ كِفَايَةٍ) وَيَتَعَيَّنُ بِمَا يَتَعَيَّنُ بِهِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا وَقْتَ التَّحَمُّلِ أَوْ مَجْرُوحًا بِشَيْءٍ آخَرَ لِجَوَازِ زَوَالِ الْمَانِعِ وَقْتَ الْأَدَاءِ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ الْخَصْمُ.
وَمَفْهُومُ: " افْتَقَرَ إلَيْهِ " أَنَّهُ إنْ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَيْهِ لَا يَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ بَلْ تَجُوزُ.
وَقَدْ لَا تَجُوزُ كَشَهَادَةٍ عَلَى زِنًا مِنْ دُونِ أَرْبَعَةِ عُدُولٍ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَالْوِلَادَةِ] : أَيْ بِأَنْ تَقُولَ الْبَيِّنَةُ لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ أَنَّ هَذِهِ الْأَمَةَ وَلَدَتْ مِنْ فُلَانٍ، أَوْ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ قَدْ وَلَدَتْ لِأَجْلِ خُرُوجِهَا مِنْ الْعِدَّةِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: [وَالْحِرَابَةِ] : أَيْ بِأَنْ يَقُولُوا: لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةَ هُمْ الْمُحَارِبُونَ أَوْ الْآخِذُونَ لِمَالِ فُلَانٍ حِرَابَةً فَيُحْكَمُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَالْإِبَاقِ] : أَيْ بِأَنْ يَقُولُوا لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ أَنَّ فُلَانًا أَبَقَ لَهُ عَبْدٌ صِفَتُهُ كَذَا فَيَعْتَمِدُ الْحَاكِمُ عَلَى كَلَامِهِمْ وَيَحْكُمُ لَهُ لِصَاحِبِهِ.
قَوْلُهُ: [لَا بِقَيْدِ الطُّولِ] : أَيْ وَلَا الْقِصَرِ.
قَوْلُهُ: [وَالتَّحَمُّلِ لِلشَّهَادَةِ] : هُوَ لُغَةً الِالْتِزَامُ، فَإِذَا الْتَزَمَ دَفْعَ مَا عَلَى الْمَدِينِ، يُقَالُ: إنَّهُ تَحَمَّلَ بِالدَّيْنِ.
وَأَمَّا فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ فَهُوَ عِلْمُ مَا يَشْهَدُ بِهِ بِسَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ؛ فَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: بِسَبَبٍ اخْتِيَارِيٍّ عِلْمُهُ لِمَا يَشْهَدُ بِهِ بِدُونِ اخْتِيَارٍ كَمَا إذَا كَانَ مَارًّا فَسَمِعَ مَنْ يَقُولُ لِزَوْجَتِهِ هِيَ طَالِقٌ فَلَا يُسَمَّى تَحَمُّلًا.
قَوْلُهُ: [وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا] إلَخْ: قَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ تَحَمُّلَهُ لِلشَّهَادَةِ فِيهِ تَعْرِيصٌ لِضَيَاعِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ رَدُّ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ.
نَعَمْ إنْ لَمْ يُوجَدْ سِوَاهُ ظَهَرَ تَحَمُّلُهَا اُنْظُرْ (بْن) . قَوْلُهُ: [كَشَهَادَةٍ عَلَى زِنًا] إلَخْ: إنَّمَا مُنِعَتْ الشَّهَادَةُ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَهَادَةٌ.
بَلْ قَذْفٌ وَيُحَدُّ لَهُ إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَفِيفًا

(وَتَعَيَّنَ الْأَدَاءُ) عَلَى الْمُتَحَمِّلِ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يُقِرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (مِنْ) مَسَافَةٍ (كَبَرِيدَيْنِ) وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الْبَرِيدَ الثَّالِثَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: " لَا مِنْ أَرْبَعَةٍ ". (وَ) تَعَيَّنَ الْأَدَاءُ (عَلَى) شَاهِدٍ (ثَالِثٍ) بَلْ وَرَابِعٍ وَخَامِسٍ (إنْ لَمْ يَجْتَزْ بِهِمَا) : أَيْ بِالشَّاهِدَيْنِ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِاتِّهَامِهِمَا بِأَمْرٍ مِمَّا مَرَّ حَتَّى تَتِمَّ الشَّهَادَةُ.
(وَإِنْ انْتَفَعَ) مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ: بِأَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْأَدَاءِ إلَّا بِمُقَابَلَةِ شَيْءٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ غَيْرِهَا يُنْتَفَعُ بِهِ (فَجَرْحٌ) قَادِحٌ فِي الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ رِشْوَةٌ فِي نَظِيرِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ سَقَطَ لِشَهَادَتِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283] وَهَذَا قَدْ كَتَمَهَا حَتَّى يَأْخُذَ رِشْوَةً.
(إلَّا رُكُوبُهُ) لِدَابَّةٍ لِمَجْلِسِ الْحُكْمِ (لِعُسْرِ مَشْيِهِ، وَلَا دَابَّةَ لَهُ) : فَيَجُوزُ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَتَعَيَّنَ الْأَدَاءُ] إلَخْ: قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُكْتَفَى فِي الْأَدَاءِ بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ وَقَدْ عَرَّفَ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَدَاءَ بِقَوْلِهِ: الْأَدَاءُ عُرْفًا إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ بِشَهَادَةٍ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ بِمَا شَهِدَ بِهِ، فَقَوْلُهُ: بِشَهَادَةٍ مُتَعَلِّقٌ بِإِعْلَامٍ وَالْبَاءُ لِلتَّعَدِّيَةِ.
وَقَوْلُهُ: بِمَا يَحْصُلُ إلَخْ: بَيَانٌ لِمَا قَبْلَهُ وَمَعْنَاهُ إعْلَامُ الشَّاهِدِ الْحَاكِمَ بِشَهَادَتِهِ بِشَيْءٍ يَحْصُلُ الْعِلْمُ لِلْحَاكِمِ بِمَا شَهِدَ بِهِ وَالضَّمِيرُ فِي لَهُ يَتَعَيَّنُ عَوْدُهُ عَلَى الْحَاكِمِ (اهـ) . قَوْلُهُ: [بِأَمْرٍ مِمَّا مَرَّ] : أَيْ كَتَأَكُّدِ الْقَرَابَةِ لِلْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ الْعَدَاوَةِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ جُرْحٍ بِوَجْهٍ مِمَّا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْأَدَاءِ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ أَنَّ انْتِفَاعَهُ مِنْ غَيْرِ امْتِنَاعٍ مِنْ الْأَدَاءِ لَيْسَ بِجُرْحَةٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ انْتِفَاعُ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ جُرْحَةً امْتَنَعَ أَوْ لَا كَمَا فِي (ر) . قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ] : إسْنَادُ الْإِثْمِ لِلْقَلْبِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ لِأَنَّ أَثَرَ الْعِصْيَانِ يَظْهَرُ فِيهِ فَهُوَ مِنْ إسْنَادِ الشَّيْءِ إلَى مَكَانِ ظُهُورِ أَثَرِهِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا رُكُوبُهُ] : أَيْ إذَا دَفَعَ الْمَشْهُودُ لَهُ لِلشَّاهِدِ أُجْرَةَ رُكُوبِهِ أَوْ أَرْكَبَهُ دَابَّتَهُ فَلَيْسَ بِجُرْحٍ، فَإِنْ دَفَعَ الْمَشْهُودُ لَهُ لِلشَّاهِدِ أُجْرَةَ الرُّكُوبِ فَأَخَذَهَا وَمَشَى

وَلَيْسَ بِجَرْحٍ.
وَأَمَّا الِانْتِفَاعُ عَلَى التَّحَمُّلِ - إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ - فَيَجُوزُ، فَإِنْ تَعَيَّنَ لَمْ يَجُزْ، وَقِيلَ بِالْجَوَازِ إنْ كَانَ يَكْتُبُهَا فِي وَثِيقَةٍ مِمَّنْ انْتَصَبَ لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَنْتَصِبْ فِي نَظِيرِ كِتَابَتِهِ، وَكَذَا الْمُفْتِي.
(لَا أَرْبَعَةً) مِنْ الْبُرُدِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ السَّفَرُ لِلْأَدَاءِ لِأَنَّ مَسَافَةَ الْقَصْرِ شَأْنُهَا الْمَشَقَّةُ وَلِذَا قَصُرَتْ فِيهَا الصَّلَاةُ وَجَازَ فِيهَا الْفِطْرُ بِرَمَضَانَ.
(وَلَهُ) أَيْ لِمَنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ الِانْتِفَاعُ (مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ إذْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ لِعَدَمِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ (وَلَوْ بِنَفَقَةٍ) يَأْخُذُهَا فِي نَظِيرِ سَفَرِهِ ذَهَابًا وَإِيَابًا.
فَأَوْلَى الِانْتِفَاعُ بِدَابَّةٍ يَرْكَبُهَا.

وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّعْوَى لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى حُرِّيَّةٍ وَلَا بُلُوغٍ وَلَا رُشْدٍ فَإِذَا ادَّعَى وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِحَقٍّ وَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا قُبِلَتْ مِنْهُ الدَّعْوَى.

[حاشية الصاوي]

فَانْظُرْ هَلْ يَكُونُ جُرْحَةً أَمْ لَا وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ وَلَعَلَّهُ مَا لَمْ تَشْتَدَّ الْحَاجَةُ، وَانْظُرْ إذَا عَسُرَ مَشْيُهُ وَعُدِمَتْ دَابَّتُهُ وَلَكِنَّهُ مُوسِرٌ هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُكْرِيَ لِنَفْسِهِ دَابَّةً يَرْكَبُهَا وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الدَّابَّةِ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُكْرِيَ لِنَفْسِهِ دَابَّةً وَيَجُوزُ لَهُ أَخْذُ أُجْرَتِهَا مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ يُرْكِبُهُ دَابَّةً وَاسْتَظْهَرَ الْأَوَّلَ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ بِالْجَوَازِ إنْ كَانَ يَكْتُبُهَا فِي وَثِيقَةٍ] : قَالَ (بْن) لَكِنْ بِشَرْطٍ أَلَّا يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا الْمُفْتِي] : تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مَبْسُوطًا فِي الْإِجَارَةِ.
قَوْلُهُ: [الِانْتِفَاعُ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ] : أَيْ فِي نَظِيرِ السَّفَرِ لَا فِي نَظِيرِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَلَا يَجُوزُ حَيْثُ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [لِعَدَمِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ] : أَيْ السَّفَرِ لِلْأَدَاءِ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا عِنْدَ قَاضِي بَلَدِهِ، وَيَكْتُبُ بِهَا إنْهَاءً لِلْقَاضِي الَّذِي عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ تُنْقَلَ تِلْكَ الشَّهَادَةُ عَنْ هَذَا الشَّاهِدِ بِأَنْ يُؤَدِّيَهَا عِنْدَ رَجُلَيْنِ يَنْقُلَانِهَا عَنْهُ وَيُؤَدِّيَانِهَا عِنْدَ الْقَاضِي الَّذِي عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ

[دعوى الْعَبْد وَغَيْر الرَّشِيد وَالصَّبِيّ]

قَوْلُهُ: [وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّعْوَى] إلَخْ: دُخُولٌ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: [فَإِذَا ادَّعَى وَاحِدٌ مِنْهُمْ] : الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى مَنْ عُدِمَ مِنْهُ أَحَدُ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ

(وَحَلَفَ عَبْدٌ وَسَفِيهٌ مَعَ شَاهِدِهِ) الَّذِي أَقَامَهُ وَاسْتَحَقَّ مَا ادَّعَى بِهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، أَوْ بِامْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ، وَلَا يُؤَخَّرُ الْعَبْدُ لِلْعِتْقِ وَلَا السَّفِيهُ لِلرُّشْدِ، وَلَا يَحْلِفُ وَلِيُّهُمَا عَنْهُمَا.
فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَرِئَ وَإِلَّا غَرِمَ.
(لَا) يَحْلِفُ (صَبِيٌّ) مَعَ شَاهِدِهِ الَّذِي أَقَامَهُ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا تَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ يَمِينٌ.
(وَ) لَا (وَلِيُّهُ) عَنْهُ وَلَوْ كَانَ أَبًا يُنْفِقُ عَلَيْهِ.
وَهَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يَلِ الْأَبُ وَلَا وَصِيُّهُ الْمُعَامَلَةَ لِلصَّبِيِّ، فَإِنْ وَلِيَهَا حَلَفَ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْلِفْ غَرِمَ، وَكَذَا وَلِيُّ السَّفِيهِ إنْ تَوَلَّى مُعَامَلَتَهُ حَلَفَ وَإِلَّا غَرِمَ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَحَلَفَ عَبْدٌ] إلَخْ: حَاصِلُ فِقْهِ هَذَا الْمَبْحَثِ أَنَّ الْعَبْدَ سَوَاءٌ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ لَا إذَا أَقَامَ شَاهِدًا بِحَقٍّ مَالِيٍّ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ الْمَالَ وَيَأْخُذُهُ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ نَكَلَ الْعَبْدُ عَنْ الْيَمِينِ فَإِذَا كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ حَلَفَ سَيِّدُهُ وَاسْتَحَقَّ وَإِلَّا رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ السَّفِيهُ إذَا ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ بِحَقٍّ مَالِيٍّ وَأَقَامَ بِذَلِكَ شَاهِدًا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ الْمَالَ لَكِنْ يَقْبِضُهُ وَلِيُّهُ، فَإِنْ نَكَلَ السَّفِيهُ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِرَدِّ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَبَرِئَ.
وَمَحَلُّ حَلِفِ السَّفِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ وَلِيُّهُ تَوَلَّى الْمُبَايَعَةَ وَإِلَّا فَهُوَ الَّذِي يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ قَالَهُ (ر) وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ السَّفِيهَ أَوْ الْعَبْدَ مُدَّعٍ مَعَ الشَّاهِدِ، وَأَمَّا إذَا ادَّعَى أَحَدٌ عَلَى عَبْدٍ أَوْ سَفِيهٍ فَأَنْكَرَ وَلَمْ يُقِمْ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً فَلَا يَمِينَ عَلَى ذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، إذْ لَا فَائِدَةَ لِلْيَمِينِ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَتَوَجَّهُ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُؤَاخَذُ بِالْإِقْرَارِ فِي الْمَالِ وَهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَحْلِفُ وَلِيُّهُمَا عَنْهُمَا] : أَيْ مَا لَمْ تَكُنْ الْمُعَامَلَةُ بِيَدِ الْوَلِيِّ أَوْ تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْعَبْدِ، وَنَكَلَ وَهُوَ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ فَإِنَّهُ يُحَلَّفُ كُلٌّ مِنْ الْوَلِيِّ وَالسَّيِّدِ وَيَسْتَحِقُّ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْقَيْدُ فِي الْوَلِيِّ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَ أَبًا يُنْفِقُ عَلَيْهِ] : رَدَّ بِلَوْ عَلَى ابْنِ كِنَانَةَ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْأَبَ يَحْلِفُ إذَا كَانَ يُنْفِقُ عَلَى الْوَلَدِ إنْفَاقًا وَاجِبًا، لِأَنَّ لِيَمِينِهِ فَائِدَةً وَهُوَ سُقُوطُ النَّفَقَةِ عَنْهُ لَكِنْ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ وَلِيَهَا حَلَفَ] : أَيْ كَمَا لَوْ بَاعَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ أَوْ مُقَدَّمُ الْقَاضِي سِلْعَةَ الصَّبِيِّ لِإِنْسَانٍ بِثَمَنٍ ثُمَّ طُولِبَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ فَأَنْكَرَهُ وَوَجَدَ.

(وَ) إذَا لَمْ يَحْلِفْ الصَّبِيُّ وَلَا وَلِيُّهُ مَعَ الشَّاهِدِ (حَلَفَ الْمَطْلُوبُ) : أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الصَّبِيَّ لَا يَسْتَحِقُّ عِنْدِي شَيْءٌ أَوْ لَيْسَ هَذَا الْمُدَّعَى بِهِ لَهُ (لِيُتْرَكَ) الْمُتَنَازَعُ فِيهِ (بِيَدِهِ) : أَيْ يَدِ الْمَطْلُوبِ حَوْزًا لَا مِلْكًا إلَى بُلُوغِ الصَّبِيِّ.
(وَأُسْجِلَ) : الْمُدَّعَى بِهِ أَيْ أَسْجَلَهُ الْحَاكِمُ عَلَى طِبْقِ مَا وَقَعَ مِنْ الدَّعْوَى وَالشَّاهِدِ، وَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ صَوْنًا لِمَالِ الصَّبِيِّ وَخَوْفًا مِنْ مَوْتِ الشَّاهِدِ أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (لِيَحْلِفَ) الصَّبِيُّ (إذَا بَلَغَ) : عِلَّةً لِلْإِسْجَالِ.
(فَإِنْ نَكَلَ) الْمَطْلُوبُ عَنْ الْيَمِينِ حِينَ الدَّعْوَى (أَخَذَهُ الصَّبِيُّ) لِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ قِيَامِ الشَّاهِدِ بِهِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ) حَلَفَ فَتَرَكَ الْمُدَّعَى بِهِ بِيَدِهِ لِبُلُوغِ الصَّبِيِّ لِيَحْلِفَ وَ (نَكَلَ)

[حاشية الصاوي]

شَاهِدًا يَشْهَدُ لَهُ، فَإِنَّ الْأَبَ وَمَنْ مَعَهُ يَحْلِفُ مَعَ ذَلِكَ الشَّاهِدِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْلِفْ غَرِمَ.
قَوْلُهُ: [لَا يَسْتَحِقُّ عِنْدِي شَيْءٌ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ بِرَفْعِ شَيْءٌ وَالْإِعْرَابُ يَقْتَضِي نَصْبَهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِيَسْتَحِقَّ.
قَوْلُهُ: [لِيُتْرَكَ] : بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ عِلَّةٌ لِلْحَلِفِ، وَهَذَا إنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَإِنْ كَانَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ دَيْنًا بَقِيَ بِذِمَّتِهِ، وَإِذَا كَانَ مُعَيَّنًا وَبَقِيَ بِيَدِهِ فَغَلَّتُهُ لَهُ وَالنَّفَقَةُ عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ بِهِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَرْكِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ يَمِينِهِ إنْ كَانَ مُعَيَّنًا هُوَ قَوْلُ الْأَخَوَيْنِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ، وَقِيلَ: إنَّهُ يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ وَيُوقَفُ ذَلِكَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ الْمُعَيَّنُ تَحْتَ يَدِ عَدْلٍ لِبُلُوغِ الصَّبِيِّ وَنَسَبَهُ فِي التَّوْضِيحِ لِظَاهِرِ الْمَوَّازِيَّةِ كَذَا فِي (بْن) . قَوْلُهُ: [أَيْ أَسْجَلَهُ الْحَاكِمُ] : أَيْ يَكْتُبُ فِي سِجِلِّهِ الْحَادِثَةَ وَشَهَادَةَ الْعَدْلِ وَمَا حَصَلَ عَلَيْهِ الِانْفِصَالُ لِلْخُصُومَةِ.
قَوْلُهُ: [عِلَّةً لِلْإِسْجَالِ] : أَيْ كَذَا وَقَوْلُ الشَّارِحِ صَوْتًا وَخَوْفًا فَإِنَّهُمَا عِلَّتَانِ لِلْإِسْجَالِ أَيْضًا فَإِذَا حَصَلَ التَّسْجِيلُ وَتَغَيَّرَ حَالُهُ عَنْ الْعَدَالَةِ فَلَا يَضُرُّ لِأَنَّ فِسْقَهُ بَعْدَ الْإِسْجَالِ بِمَنْزِلَةِ طُرُوُّ فِسْقِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ وَهُوَ لَا يَضُرُّ فَلَا يُعَارِضُ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ طُرُوُّ الْفِسْقِ بَعْدَ الْأَدَاءِ مُضِرٌّ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ نَكَلَ الْمَطْلُوبُ] : مُقَابِلُ قَوْلِهِ وَحَلَفَ الْمَطْلُوبُ.
قَوْلُهُ: [فَتُرِكَ الْمُدَّعَى بِهِ] : أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا أَعَادَهُ تَمْهِيدًا لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ

الصَّبِيُّ (بَعْدَ بُلُوغِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ) . (وَحَلَفَ وَارِثُهُ) : أَيْ وَارِثُ الصَّبِيِّ (إنْ مَاتَ) الصَّبِيُّ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَاسْتَحَقَّ الْمُدَّعَى بِهِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَحَلَفَ وَارِثُهُ] : مَحَلُّ حَلِفِ الْوَارِثِ وَاسْتِحْقَاقِهِ مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْوَارِثُ بَيْتَ الْمَالِ أَوْ مَجْنُونًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ غَيْرَ مَرْجُوِّ الْإِفَاقَةِ، وَإِلَّا فَلَا يَحْلِفُ وَتُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَيَسْتَحِقُّ وَلَا حَقَّ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَا لِلْوَارِثِ الْمَجْنُونِ أَوْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَمَحَلُّ رَدِّهَا عَلَى الْمَطْلُوبِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَا لَمْ يَكُنْ حَلَفَ أَوَّلًا وَإِلَّا فَلَا تُعَادُ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ مَجْنُونًا أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ مَرْجُوًّا كُلُّ الْإِفَاقَةِ اُنْتُظِرَ وَلَا يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ وَيُوضَعُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بِيَدِ أَمِينٍ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
تَنْبِيهٌ إنْ تَعَذَّرَ يَمِينُ بَعْضٍ أَوْ كُلٍّ فَالْأَوَّلُ كَمَنْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى بَنِيهِ وَعَقِبِهِ وَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَإِنَّ الْيَمِينَ مُتَعَذِّرَةٌ مِنْ الْعَقِبِ لِعَدَمِ وُجُودِهِ، وَالثَّانِي كَمَنْ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَقَامَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ، فَالْيَمِينُ مُتَعَذِّرَةٌ مِنْ جَمِيعِهِمْ حَلَفَ مَنْ يُخَاطَبُ بِالْيَمِينِ وَهُوَ الْبَعْضُ الْمَوْجُودُ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فِي الْأَوَّلِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الثَّانِي، فَإِنْ حَلَفَ الْمَوْجُودُ مَعَ الشَّاهِدِ ثَبَتَ الْوَقْفُ، وَإِنْ حَلَفَ بَعْضُ الْمَوْجُودِينَ دُونَ بَعْضٍ ثَبَتَ نَصِيبُ مَنْ حَلَفَ دُونَ غَيْرِهِ، فَإِنْ نَكَلَ الْجَمِيعُ بَطَلَ الْوَقْفُ إنْ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ نَكَلَ فَحُبِسَ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَنُكُولِهِ، فَإِنْ مَاتَ الْبَعْضُ الْحَالِفُ مُتَّحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا وَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَنَاكِلُ، فَهَلْ يَسْتَحِقُّ نَصِيبَ الْمَيِّتِ الْحَالِفِ أَهْلُ طَبَقَتِهِ النَّاكِلُونَ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُمْ عَنْ الْحَلِفِ أَوَّلًا عَنْ نَصِيبِهِمْ لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَ نَصِيبِ الْحَالِفِ الْمَيِّتِ؟ أَوْ يَسْتَحِقُّهُ أَهْلُ الْبَطْنِ الثَّانِي لِبُطْلَانِ حَقِّ بَقِيَّةِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ بِنُكُولِهِمْ وَأَهْلُ الْبَطْنِ الثَّانِي إنَّمَا تَلْقَوْهُ عَنْ جَدِّهِمْ الْمُحْبِسِ فَلَا يَضُرُّهُمْ نُكُولُ أَبِيهِمْ إنْ كَانَ هُوَ النَّاكِلُ؟ تَرَدَّدَ، الرَّاجِحُ الثَّانِي وَكُلُّ مَنْ اسْتَحَقَّ لَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ لِأَنَّ أَصْلَ الْوَقْفِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ غَيْرُ وَلَدِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ وَلَدَهُ يَأْخُذُ بِالْوِرَاثَةِ عَنْ أَبِيهِ وَمَحَلُّ التَّرَدُّدِ الْمَذْكُورِ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْوَاقِفُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَطْنِ الثَّانِي شَيْئًا إلَّا بَعْدَ انْقِرَاضِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا كَانَ لِأَهْلِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ اتِّفَاقًا، وَمَوْضُوعُ التَّرَدُّدِ أَيْضًا فِي مَوْتِ الْبَعْضِ الْحَالِفِ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا النَّاكِلُ، وَأَمَّا إذَا بَقِيَ بَعْضُ مَنْ حَلَفَ مَعَ الْبَعْضِ النَّاكِلِينَ فَلَا شَيْءَ لِلنَّاكِلِينَ، وَيَسْتَحِقُّ نَصِيبَ الْمَيِّتِ الْحَالِفِ.

(وَجَازَ نَقْلُهَا) : أَيْ الشَّهَادَةِ عَنْ الشَّاهِدِ الْأَصْلِيِّ، وَتُسَمَّى: شَهَادَةَ النَّقْلِ.
وَإِنَّمَا تَصِحُّ بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ.
أَشَارَ لِأَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: (إنْ قَالَ) الشَّاهِدُ الْأَصْلِيُّ لِلنَّاقِلِ عَنْهُ: (اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي) - أَوْ نَحْوَهُ مِمَّا يُرَادِفُهُ كَمَا نَقَلَهَا عَنِّي أَوْ مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ: (أَوْ سَمِعَهُ يُؤَدِّيهَا عِنْدَ حَاكِمٍ) إذْ سَمَاعُهُ يُؤَدِّيهَا عِنْدَ حَاكِمٍ بِمَنْزِلَةِ.
قَوْلِهِ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي.
وَأَمَّا إذَا سَمِعَهُ يُخْبِرُ غَيْرَهُ بِأَنِّي قَدْ شَهِدْت عَلَى كَذَا فَلَا يَنْقُلُ عَنْهُ.
نَعَمْ إذَا سَمِعَهُ يَقُولُ لِغَيْرِهِ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي فَهَلْ لِلسَّامِعِ النَّقْلُ؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي كَلَامِنَا لِأَنَّ الْمَعْنَى: وَقَالَ لِغَيْرِهِ: اشْهَدْ إلَخْ، فَيَجُوزُ وَلَوْ لِغَيْرِ الْمُخَاطَبِ مِنْ السَّامِعِينَ.
وَشَمَلَ كَلَامُهُ نَقْلَ النَّقْلِ لِأَنَّ الْمُرَادَ وَلَوْ تَسَلْسَلَ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: النَّقْلُ عُرْفًا إخْبَارُ الشَّاهِدِ عَنْ سَمَاعِهِ شَهَادَةَ غَيْرِهِ أَوْ سَمَاعُهُ إيَّاهُ لِقَاضٍ، فَيَدْخُلُ نَقْلُ النَّقْلِ وَيَخْرُجُ الْإِخْبَارُ بِذَلِكَ لِغَيْرِ قَاضٍ (اهـ) . وَلِثَانِيهَا بِقَوْلِهِ: (وَغَابَ الْأَصْلُ وَهُوَ رَجُلٌ) الْوَاوُ لِلْحَالِ، فَلَا يَصِحُّ

[حاشية الصاوي]

بَقِيَّةُ الْحَالِفِينَ، وَهَلْ يَحْلِفُونَ أَيْضًا أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ (اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْأَصْلِ وَحَاشِيَتِهِ)

[نَقْلُ الشَّهَادَةِ]

قَوْلُهُ: [وَجَازَ نَقْلُهَا] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ شَهَادَةَ النَّقْلِ تَجُوزُ فِي الْحُدُودِ وَالطَّلَاقِ وَالْوَلَاءِ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ كَمَا أَفَادَهُ (بْن) . قَوْلُهُ: [وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ] : قَالَ الْمَوَّاقُ ابْنُ رُشْدٍ: إنْ سَمِعَهُ يُؤَدِّيهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ سَمِعَهُ يُشْهِدُ غَيْرَهُ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْهُ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا جَائِزَةٌ (اهـ بْن) . وَقَوْلُهُ: [لِقَاضٍ] : مُتَعَلِّقٌ بِإِخْبَارٍ.
قَوْلُهُ: [فَيَدْخُلُ نَقْلُ النَّقْلِ] : أَيْ فِي قَوْلِهِ أَوْ سَمَاعِهِ إيَّاهُ.
وَحَاصِلُ هَذَا التَّعْرِيفِ أَنَّ قَوْلَهُ إخْبَارُ الشَّاهِدِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَشَهَادَةَ مَفْعُولٌ لِسَمَاعِهِ.
بِمَعْنَى أَنَّ الشَّاهِدَ يُخْبِرُ الْقَاضِيَ أَنَّهُ سَمِعَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ مِنْ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ قَالَ لَهُ: اُنْقُلْهَا عَنِّي أَوْ سَمِعَهُ يُؤَدِّيهَا عِنْدَ حَاكِمٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ سَمَاعُهُ إيَّاهُ الضَّمِيرُ فِي إيَّاهُ يَعُودُ عَلَى الْإِخْبَارِ بِمَعْنَى الشَّهَادَةِ أَيْ سَمِعَ الشَّهَادَةَ عَنْ نَاقِلٍ غَيْرِ صَاحِبِهَا الْأَصْلِيِّ فَلِذَلِكَ قُلْنَا يَدْخُلُ فِيهِ نَقْلُ النَّقْلِ

النَّقْلُ مَعَ حُضُورِ الْأَصْلِ إذَا كَانَ رَجُلًا.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَصِحُّ مَعَ حُضُورٍ، لِأَنَّ شَأْنَ النِّسَاءِ عَدَمُ الْخُرُوجِ فِي الدَّعَاوَى.
وَلِثَالِثِهَا بِقَوْلِهِ: (بِمَكَانٍ) : أَيْ إنْ غَابَ بِمَكَانٍ (لَا يَلْزَمُ) الْأَصْلِيَّ (الْأَدَاءُ مِنْهُ) : كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ.
وَظَاهِرُهُ فِي الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ مَذْهَبُ سَحْنُونَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: لَا يَكْفِي الْغَيْبَةُ فِي الْحُدُودِ ثَلَاثَةَ الْأَيَّامِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: " وَلَا يَكْفِي فِي الْحُدُودِ الثَّلَاثَةُ الْأَيَّامُ " وَفِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَلَمْ يَبْعُدْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَلْزَمْ الْأَصْلِيَّ الْإِتْيَانُ لِمَحَلِّ الْحُكْمِ كَمَا مَرَّ، فَلِمَ لَمْ يَجُزْ النَّقْلُ عَنْهُ؟ وَعَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ " أَوْ غَابَ " قَوْلَهُ: (أَوْ مَاتَ) الْأَصْلُ (أَوْ مَرِضَ) مَرَضًا يَعْسُرُ مَعَهُ الْحُضُورُ عِنْدَ الْحَاكِمِ.
وَلِرَابِعِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يَطْرَا) لِلْأَصِيلِ (فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةٌ) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْأَدَاءِ.
(بِخِلَافِ) طُرُوُّ (جِنٍّ) : أَيْ جُنُونٍ لِلْأَصْلِ بَعْدَ تَحَمُّلِ الْأَدَاءِ فَلَا يَضُرُّ فِي النَّقْلِ عَنْهُ كَالْمَوْتِ وَالْمَرَضِ.
وَلِخَامِسِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يُكَذِّبْهُ) أَيْ النَّاقِلَ (أَصْلُهُ) : فَإِنْ كَذَّبَهُ حَقِيقَةً.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [مَعَ حُضُورٍ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ وَالْمُنَاسِبُ مَعَ حُضُورِهَا، وَالْمُرَادُ بِحُضُورِهَا كَوْنُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ بُرُدٍ فَأَقَلَّ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حُضُورَهَا فِي الْمَجْلِسِ وَإِلَّا كَانَ النَّقْلُ عَنْهَا عَبَثًا.
قَوْلُهُ: [وَفِيهَا إشْكَالٌ] : وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الشَّاهِدُ بِمُوجِبِ حَدٍّ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ يَرْفَعُ شَهَادَتَهُ إلَى قَاضِي بَلَدِهِ وَيُخَاطِبُ الْقَاضِي بِهِ قَاضِي الْمِصْرِ الَّذِي يُرَادُ نَقْلُ الشَّهَادَةِ إلَيْهِ قَالَ ابْنُ عَاشِرٍ: وَانْظُرْ لِمَ لَمْ يَكْتَفِ بِنَقْلِ الشَّهَادَةِ هُنَا وَاكْتَفَوْا بِالْخِطَابِ إلَى قَاضِي بَلَدِ الْخُصُومَةِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ النُّفُوسَ تَثِقُ بِنَقْلِ الْقَاضِي عَنْ الشُّهُودِ أَعْظَمَ مِنْ وُثُوقِهَا بِنَفْسِ الشُّهُودِ.
قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَطْرَا] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ بِالْأَلِفِ وَالْفَصِيحُ حَذْفُهَا لِلْجَازِمِ.
قَوْلُهُ: [قَبْلَ الْأَدَاءِ] : أَيْ وَأَمَّا طُرُّوهُ لِلْمَنْقُولِ عَنْهُ بَعْدَ أَدَاءِ النَّاقِلِ فَلَا يَضُرُّ ظَاهِرُهُ وَلَوْ قَبْلَ الْحُكْمِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ (بْن) وَالْحَاشِيَةِ.

أَوْ حُكْمًا - كَشَكِّهِ فِي أَصْلِ شَهَادَتِهِ - لَمْ يَصِحَّ النَّقْلُ عَنْهُ (قَبْلَ الْحُكْمِ) بِشَهَادَةِ النَّقْلِ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ كَذَّبَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا (مَضَى) الْحُكْمُ (وَلَا غُرْمَ) عَلَى النَّاقِلِ وَلَا عَلَى الْأَصْلِ الْمُكَذِّبِ لَهُ.
وَلِسَادِسِهَا بِقَوْلِهِ: (وَنَقَلَ) عَطْفٌ عَلَى " غَابَ " (عَنْ كُلٍّ) : أَيْ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ شَاهِدِي الْأَصْلِ (اثْنَانِ) : وَهُوَ صَادِقٌ بِأَرْبَعَةٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ مُتَغَايِرَانِ.
وَبِاثْنَيْنِ نَقْلًا عَنْ هَذَا وَعَنْ الْآخَرِ، وَبِثَلَاثَةٍ نَقَلَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَنْ زَيْدٍ وَأَحَدِهِمَا مَعَ الثَّالِثِ عَنْ عَمْرٍو.
(لَيْسَ أَحَدُهُمَا) : أَيْ النَّاقِلِينَ (أَصْلًا) أَدَّى شَهَادَتَهُ بِلَا نَقْلٍ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَصْلًا لَزِمَ ثُبُوتُ الْحَقِّ بِشَاهِدٍ فَقَطْ لِأَنَّ النَّاقِلَ الْمُنْفَرِدَ كَالْعَدَمِ.
(وَ) نَقَلَ (فِي الزِّنَا أَرْبَعَةٌ عَنْ كُلٍّ) مِنْ الْأَرْبَعَةِ، صَادِقٌ بِسِتَّةَ عَشَرَ وَبِأَرْبَعَةٍ فَقَطْ، نُقِلَتْ عَنْ كُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [قَبْلَ الْحُكْمِ] : قَيْدٌ فِي عَدَمِ التَّكْذِيبِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفِسْقَ وَالْعَدَاوَةَ لَا يَضُرُّ طُرُّوهُمَا بَعْدَ الْأَدَاءِ وَلَوْ قَبْلَ الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا يَضُرُّ طُرُوُّهُمَا قَبْلَ الْأَدَاءِ وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ.
وَتَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ أَنَّ حُدُوثَ الْفِسْقِ يَضُرُّ بَعْدَ الْأَدَاءِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ، بِخِلَافِ حُدُوثِ الْعَدَاوَةِ فَلَا يَضُرُّوهُمَا طَرِيقَتَانِ، وَأَمَّا تَكْذِيبُ الْأَصْلِ لِفَرْعِهِ أَوْ شَكُّهُ فَمُضِرٌّ إذَا كَانَ قَبْلَ الْأَدَاءِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْحُكْمِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يَضُرَّ.
قَوْلُهُ: [بِأَرْبَعَةٍ] : أَيْ كَوْنُ النَّاقِلِ أَرْبَعَةً.
قَوْلُهُ: [وَبِاثْنَيْنِ] : مَعْطُوفٌ عَلَى بِأَرْبَعَةٍ وَكَذَا قَوْلُهُ وَبِثَلَاثَةٍ.
قَوْلُهُ: [أَيْ النَّاقِلَيْنِ] : بِالْجَرِّ تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْإِضَافَةِ.
قَوْلُهُ: [صَادِقٌ بِسِتَّةَ عَشَرَ] : أَيْ مِنْ ضَرْبِ أَرْبَعَةٍ فِي أَرْبَعَةٍ.
قَوْلُهُ: [نُقِلَتْ عَنْ كُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ] : رَاجِعٌ لِلثَّانِيَةِ، وَأَمَّا الْأُولَى فَكُلُّ أَرْبَعَةٍ تُنْقَلُ عَنْ وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ: [وَبِغَيْرِ ذَلِكَ] : أَيْ كَثَمَانِيَةٍ يَنْقُلُ كُلُّ أَرْبَعَةٍ مِنْهُمْ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ اثْنَيْنِ مِنْ الْأُصُولِ، وَاثْنَيْ عَشَرَ تَنْقُلُ كُلُّ أَرْبَعَةٍ مِنْهَا عَنْ وَاحِدٍ مِنْ اثْنَيْنِ مِنْ

(أَوْ) نَقَلَ أَرْبَعَةٌ فِي الزِّنَا (اثْنَانِ) مِنْهُمْ (عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ) مِنْ الْأَصْلِ كَأَنْ نَقَلَا عَنْ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَنَقَلَ الْآخَرَانِ عَنْ بَكْرٍ وَخَالِدٍ، فَيَكْفِي، فَإِنْ نَقَلَ اثْنَانِ عَنْ ثَلَاثَةٍ وَعَنْ الرَّابِعِ اثْنَانِ آخَرَانِ لَمْ تَصِحَّ - خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ - لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَرْعِ لَا تَصِحُّ إلَّا إذَا صَحَّتْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ لَوْ حَضَرَ وَالرَّابِعُ لَوْ حَضَرَ مَعَ الِاثْنَيْنِ النَّاقِلَيْنِ لَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُ مَعَهُمَا لِنَقْصِ الْعَدَدِ.
(وَ) جَازَ (تَلْفِيقُ نَاقِلٍ بِأَصْلٍ) : أَيْ مَعَهُ فِي الزِّنَا وَغَيْرِهِ كَأَنْ يَنْقُلَ اثْنَانِ عَنْ اثْنَيْنِ فِي الزِّنَا مَعَ أَصْلَيْنِ.
(وَ) جَازَ (تَزْكِيَةُ نَاقِلٍ أَصْلَهُ) النَّاقِلُ هُوَ عَنْهُ.

[حاشية الصاوي]

الْأُصُولِ وَتَزِيدُ أَرْبَعَةً مِنْهَا بِالنَّقْلِ عَنْ الرَّابِعِ.
قَوْلُهُ: [كَأَنْ نَقَلَا] : أَيْ الِاثْنَانِ مَعًا بِأَنْ سَمِعَاهَا مِنْ زَيْدٍ ثُمَّ سَمِعَاهَا مِنْ عَمْرٍو.
قَوْلُهُ: [وَنَقَلَ الْآخَرَانِ] : أَيْ الِاثْنَانِ الْآخَرَانِ أَيْ سَمِعَاهَا مِنْ بَكْرٍ ثُمَّ سَمِعَاهَا مِنْ خَالِدٍ فَهَذِهِ صُورَةٌ خَامِسَةٌ.
قَوْلُهُ: [لِنَقْصِ الْعَدَدِ] : أَيْ لِأَنَّ النَّاقِلَ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْأَصْلِيِّ وَيُلْغَى الْأَصْلِيُّ.
وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ النَّاقِلَ عَنْ الثَّلَاثَةِ اثْنَانِ فَإِذَا حَضَرَ مَعَهُمَا الرَّابِعُ الْأَصْلِيُّ كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ ثَالِثًا وَكَذَلِكَ لَا تَصِحُّ لَوْ نَقَلَ ثَلَاثَةٌ عَنْ ثَلَاثَةٍ وَوَاحِدٌ عَنْ الْأَرْبَعَةِ، لِأَنَّهَا آلَتْ إلَى أَنَّ الْأَرْبَعَةَ نَقَلُوا عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَنَقَلَ عَنْ الرَّابِعِ وَاحِدٌ فَقَطْ.
وَأَمَّا لَوْ نَقَلَ ثَلَاثَةٌ عَنْ ثَلَاثَةٍ وَاثْنَانِ عَنْ وَاحِدٍ لَكَفَى كَمَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ كَذَا فِي بْن.
تَنْبِيهٌ: يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ شَهَادَةِ النَّقْلِ فِي الزِّنَا أَنْ يَقُولَ الشُّهُودُ لِمَنْ يَنْقُلُ عَنْهُمْ: اشْهَدُوا عَنَّا أَنَّنَا رَأَيْنَا فُلَانًا يَزْنِي وَهُوَ كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَلَا يَجِبُ الِاجْتِمَاعُ وَقْتَ النَّقْلِ وَلَا تَفْرِيقُ النَّاقِلِينَ وَقْتَ شَهَادَتِهِمْ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِخِلَافِ الْأُصُولِ.
قَوْلُهُ: [كَأَنْ يَنْقُلَ اثْنَانِ عَنْ اثْنَيْنِ] : أَيْ وَكَأَنْ يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ بِالرُّؤْيَةِ وَيَنْقُلُ اثْنَانِ عَنْ رَابِعٍ.
وَمَحَلُّ جَوَازِ التَّلْفِيقِ إذَا كَانَ النَّقْلُ صَحِيحًا كَمَا ذُكِرَ فِي الْمِثَالَيْنِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا نُقِلَ عَنْ ثَلَاثَةٍ وَشَهِدَ الرَّابِعُ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [وَجَازَ تَزْكِيَةُ نَاقِلٍ أَصْلَهُ] : أَيْ بَعْدَ أَنْ يَنْقُلَ عَنْ شَهَادَتِهِ وَكُلُّهُمْ لَمْ يَنْظُرُوا إلَى التُّهْمَةِ فِي تَرْوِيجِ نَقْلِهِ؛ لِأَنَّهُ خُفِّفَ فِي شَهَادَةِ النَّقْلِ مَا لَمْ يُخَفَّفْ فِي.

(وَ) جَازَ (نَقْلُ امْرَأَتَيْنِ) : عَنْ رَجُلٍ أَوْ عَنْ امْرَأَةٍ (مَعَ رَجُلٍ) نَاقِلٍ مَعَهُمَا عَمَّنْ ذُكِرَ لَا مَعَ رَجُلٍ أَصْلِيٍّ، لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَلَا نَقْلُ لِوَاحِدٍ إذْ هُوَ كَالْعَدَمِ كَمَا مَرَّ (فِيمَا يَشْهَدْنَ فِيهِ) : وَهِيَ الْأَمْوَالُ وَمَا آلَ إلَيْهَا وَمَا لَا يَظْهَرُ إلَّا لِلنِّسَاءِ كَالْوِلَادَةِ وَعَيْبِ الْفَرْجِ، لَا فِي نَحْوِ طَلَاقٍ وَقِصَاصٍ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ رُجُوعِ الشَّاهِدَيْنِ عَنْ شَهَادَتِهِمَا فَقَالَ: (وَبَطَلَتْ) الشَّهَادَةُ (إنْ رَجَعَ) الشَّاهِدُ أَيْ جِنْسُهُ الصَّادِقُ بِالْمُتَعَدِّدِ (قَبْلَ الْحُكْمِ) وَبَعْدَ الْأَدَاءِ فَأَوْلَى قَبْلَهُ.
(لَا) إنْ رَجَعَ (بَعْدَهُ) أَيْ الْحُكْمِ فَلَا تَبْطُلُ وَقَدْ تَمَّ الْحُكْمُ وَمَضَى فِي الْمَالِ فَيَغْرَمُهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي بِمُقْتَضَى شَهَادَتِهِمَا.
(وَغَرِمَ) الشَّاهِدُ (الْمَالَ وَالدِّيَةَ) لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ غَرِمَهُ لِلْمُدَّعِي

[حاشية الصاوي]

الْأَصْلِيَّةِ وَلِذَا لَا يَجُوزُ تَزْكِيَةُ الْأَصْلِ لِلنَّاقِلِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: [مَعَ رَجُلٍ نَاقِلٍ مَعَهُمَا] : فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا رَجُلٌ فَلَا يَجْتَزِئُ بِنَقْلِ الْمَرْأَتَيْنِ وَلَوْ فِيمَا لَا يَظْهَرُ لِلرِّجَالِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا يُفِيدُهُ ابْنُ عَرَفَةَ (اهـ بْن) . قَوْلُهُ: [لَا مَعَ رَجُلٍ أَصْلِيٍّ] : أَيْ خِلَافًا لِلتَّتَّائِيِّ حَيْثُ اجْتَرَأَ بِهِ.
قَوْلُهُ: [لَا فِي نَحْوِ طَلَاقٍ وَقِصَاصٍ] : أَيْ مِنْ كُلِّ مَا لَا تَصِحُّ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ اسْتِقْلَالًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ يَمِينٍ أَوْ مَعَ رَجُلٍ وَهُوَ الْمَالُ وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ، وَكَذَا مَا يَخْتَصُّ بِشَهَادَتِهِنَّ كَالْوِلَادَةِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَعَيْبِ الْفَرْجِ يَجُوزُ نَقْلُ النِّسَاءِ فِيهِ إذَا تَعَدَّدْنَ مَعَ رَجُلٍ نَاقِلٍ مَعَهُنَّ، سَوَاءٌ نَقَلْنَ عَنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، فَإِنْ نَقَلْنَ لَا مَعَ رَجُلٍ أَصْلًا أَوْ مَعَ رَجُلٍ أَصْلِيٍّ لَمْ يَقْبَلْ النَّقْلَ وَلَوْ كَثُرْنَ جِدًّا، وَمَا لَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ أَصْلًا لَا يُقْبَلُ فِيهِ نَقْلُهُنَّ وَلَوْ صَاحَبَهُنَّ رَجُلٌ نَاقِلٌ

[كَذَبَ الشُّهُود وَأَثَره]

قَوْلُهُ: [إنْ رَجَعَ الشَّاهِدُ] إلَخْ: مَحَلُّ الْبُطْلَانِ مَا لَمْ يَبْقَ مِنْ الشُّهُودِ مَا يَسْتَقِلَّ بِهِ الْحُكْمُ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ وَإِلَّا فَلَا يُعْتَدُّ بِالرَّاجِعِ، فَلَوْ بَقِيَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فِي الْأَمْوَالِ، وَمَا يَئُولُ إلَيْهَا وَحَلَفَ مَعَهُ الْمُدَّعِي كَفَى.
قَوْلُهُ: [فَأَوْلَى قَبْلَهُ] : أَيْ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَفِي الْحَقِيقَةِ قَبْلَ الْأَدَاءِ لَمْ تُوجَدْ صُورَتُهَا فَلَا يُتَوَهَّمُ قَبُولُهَا

الْمَشْهُودِ لَهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا رَجَعَا فِي طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُمَا يَضْمَنَانِ قِيمَةَ الْمُعْتَقِ، وَفِي الطَّلَاقِ إنْ دَخَلَ بِالزَّوْجَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ ضَمِنَا نِصْفَ الصَّدَاقِ لِلزَّوْجِ، وَيَضْمَنَانِ الدَّيْنَ وَالْعَقْلَ فِي الْقِصَاصِ فِي أَمْوَالِهِمَا (اهـ) وَقَالَ أَشْهَبُ: يُقْتَصُّ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ فِي الْعَمْدِ: أَيْ لِأَنَّهُمْ تَسَبَّبُوا فِي قَتْلِ نَفْسٍ بِلَا شُبْهَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَهَذَا إنْ رَجَعُوا بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ فِي الْقَتْلِ وَمِثْلُهُ الرَّجْمُ.
(وَنُقِضَ) الْحُكْمُ (وَإِنْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ) بَعْدَ الْحُكْمِ وَ (قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ) فِي الْقَتْلِ وَالْقَطْعِ وَالْحَدِّ (لِحَيَاةِ مَنْ شَهِدُوا بِقَتْلِهِ، أَوْ جَبِّهِ قَبْلَ الزِّنَا) : أَيْ جَبِّ مَنْ شَهِدُوا بِزِنَاهُ: أَيْ ثَبَتَ أَنَّهُ مَجْبُوبٌ قَبْلَ شَهَادَتِهِمْ بِالزِّنَا أَيْ قَبْلَ الزِّنَا الَّذِي شَهِدُوا بِهِ.
وَلَا يَلْزَمُهُمْ حَدُّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ مَنْ رَمَى الْمَجْبُوبَ بِالزِّنَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(وَإِلَّا) يَثْبُتْ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ - بَلْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ بَعْدَهُ - (غَرِمُوا) الدِّيَةَ:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ] : هَذَا دَلِيلٌ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْهُ وَلَا مَحْظُورَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [وَفِي الطَّلَاقِ إنْ دَخَلَ بِالزَّوْجَةِ] : أَيْ لِأَنَّهُ بَعْدَ الدُّخُولِ اسْتَحَقَّتْ عَلَيْهِ جَمِيعَ الصَّدَاقِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ طَلَاقٌ فَلَمْ يَفُوتَاهُ إلَّا التَّمَتُّعَ بِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ لَا قِيمَةَ لَهُ وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: [ضَمِنَا نِصْفَ الصَّدَاقِ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ بِالْعَقْدِ شَيْئًا وَهُوَ مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ.
قَوْلُهُ: [وَيَضْمَنَانِ الدَّيْنَ وَالْعَقْلَ] : إلَخْ: ظَاهِرُهُ تَعَمَّدَا الزُّورَ ابْتِدَاءً أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [وَقَالَ أَشْهَبُ: يُقْتَصُّ] إلَخْ: أَيْ وَيَغْرَمَانِ الدِّيَةَ إذَا لَمْ يَتَعَمَّدَا.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا] : أَيْ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [وَنُقِضَ الْحُكْمُ] إلَخْ: أَيْ لِحُرْمَةِ الدَّمِ وَحِينَئِذٍ فَلَا غُرْمَ عَلَى الشُّهُودِ وَهُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَقِيلَ: لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ وَهُوَ الَّذِي رَجَعَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ.
قَوْلُهُ: [غَرِمُوا الدِّيَةَ] إلَخْ: أَيْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَمَّا أَشْهَبُ فَإِنَّهُ يَقُولُ

أَيْ دِيَةَ مَنْ قُتِلَ قِصَاصًا أَوْ رَجْمًا بِشَهَادَتِهِمْ.
(وَلَا يُشَارِكُمْ) فِي الْغُرْمِ (شَاهِدَا الْإِحْصَانِ) : أَيْ إذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنَا شَخْصٍ وَشَهِدَ اثْنَانِ بِإِحْصَانِهِ فَرُجِمَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَجْبُوبًا قَبْلَ الزِّنَا فَالدِّيَةُ عَلَى شَاهِدِي الزِّنَا فَقَطْ وَلَا يُشَارِكُهُمْ فِيهَا شَاهِدَا الْإِحْصَانِ، لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا فِي نَفْسِهَا لَا تُوجِبُ حَدًّا، هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ الرَّاجِحُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يُشَارِكُهُمْ فِي الْغُرْمِ بَيِّنَةُ الْإِحْصَانِ إذْ لَوْلَاهَا مَا رُجِمَ.
(وَأُدِّبَا) : أَيْ الشَّاهِدَانِ إذَا رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِالْحَدِّ (فِي كَقَذْفٍ) : أَدْخَلَ بِالْكَافِ: شُرْبَ الْخَمْرِ وَالشَّتْمَ وَاللَّطْمَ وَضَرْبَ السَّوْطِ.
وَأَمَّا شُهُودُ الزِّنَا إذَا رَجَعُوا قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِمْ حَدُّ الْقَذْفِ وَعَلَيْهِمْ أَيْضًا غُرْمُ الدِّيَةِ إنْ رُجِمَ كَمَا تَقَدَّمَ، مَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِهِ كَانَ مَجْبُوبًا أَوْ غَيْرَ عَفِيفٍ فَلَا حَدَّ قَذْفٍ عَلَى، الرَّاجِحِ.
وَالْمَسْأَلَةُ اسْتَوْفَاهَا الشَّيْخُ - عَمَّتْ بَرَكَاتُهُ

[حاشية الصاوي]

بِالْقِصَاصِ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: [وَلَا يُشَارِكُهُمْ فِي الْغُرْمِ] : الضَّمِيرُ الْبَارِزُ فِي يُشَارِكُهُمْ يَعُودُ عَلَى شُهُودِ الزِّنَا الْمَفْهُومِينَ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ جَبَّهُ قَبْلَ الزِّنَا.
قَوْلُهُ: [عَلَى شَاهِدِي الزِّنَا] : بِكَسْرِ الدَّالِ جَمْعُ شَاهِدٍ.
قَوْلُهُ: [وَقَالَ أَشْهَبُ يُشَارِكُهُمْ] إلَخْ: اُخْتُلِفَ عَلَى قَوْلِهِ هَلْ السِّتَّةُ يَسْتَوُونَ فِي الْغُرْمِ أَوْ عَلَى شَاهِدِي الْإِحْصَانِ نِصْفُهَا لِأَنَّ الشَّهَادَةَ نَوْعَانِ فَيَكُونُ عَلَى كُلٍّ نِصْفُهَا، قَوْلَانِ كَمَا فِي (بْن) وَلَا يَقُولُ أَشْهَبُ فِي هَذِهِ بِالْقِصَاصِ عَلَى مُتَعَمِّدِ الزُّورِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا تَسْتَلْزِمُ قَتْلَهُمْ لِكَوْنِهِمْ لَا يَشْهَدُونَ بِإِحْصَانِهِ.
قَوْلُهُ: [وَأُدِّبَا] إلَخْ: مَحَلُّ أَدَبِهِمَا حَيْثُ تَبَيَّنَ كَذِبُهُمَا عَمْدًا فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِمَا فَلَا أَدَبَ وَإِنْ أُشْكِلَ الْأَمْرُ فَقَوْلَانِ بِالتَّأْدِيبِ وَعَدَمِهِ قَوْلُهُ: [وَاللَّطْمَ] : أَيْ الضَّرْبَ بِالْكَفِّ.
قَوْلُهُ: [فَلَا حَدَّ قَذْفٍ عَلَى الرَّاجِعِ] : أَيْ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْذُوفُ عَفِيفًا ذَا آلَةٍ.
قَوْلُهُ: [وَالْمَسْأَلَةُ اسْتَوْفَاهَا الشَّيْخُ] : حَاصِلُ مَا بَقِيَ مِنْ الَّذِي اسْتَوْفَاهُ الشَّيْخُ أَنَّ شُهُودَ الزِّنَا الرَّاجِعِينَ يُحَدُّونَ حَدَّ الْقَذْفِ مُطْلَقًا رَجَعُوا قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ.

(وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمَا عَنْ الرُّجُوعِ) عَنْ الشَّهَادَةِ، فَإِذَا شَهِدَا بِحَقٍّ ثُمَّ رَجَعَا قَبْلَ الْحُكْمِ بَطَلَ شَهَادَتُهُمَا.
فَإِنْ رَجَعَا عَنْ الرُّجُوعِ إلَى الشَّهَادَةِ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُمْ، وَإِذَا رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ عَنْ الشَّهَادَةِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهَا لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُمْ وَيَغْرَمَانِ.
مَا أَتْلَفَاهُ بِشَهَادَتِهِمَا؛ كَالرَّاجِعِ الْمُتَمَادِي؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُمَا عَنْ الرُّجُوعِ يُعَدُّ نَدَمًا

[حاشية الصاوي]

الِاسْتِيفَاءِ أَوْ بَعْدَهُ مَعَ غُرْمِ الدِّيَةِ فِي الرَّجْمِ كَرُجُوعِ أَحَدِ الْأَرْبَعَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَهُ حُدَّ الرَّاجِعُ فَقَطْ.
وَأَمَّا إنْ ظَهَرَ أَنَّ أَحَدَ الْأَرْبَعَةِ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ حُدَّ الْجَمِيعُ وَإِنْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْ سِتَّةٍ فَلَا غُرْمَ وَإِلَّا حُدَّ، وَإِنَّمَا يُؤَدَّبَانِ بِالِاجْتِهَادِ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَ الْأَرْبَعَةِ عَبْدٌ أَوْ كَافِرٌ فَيُحَدُّ الرَّاجِعَانِ وَالْعَبْدُ وَلَا حَدَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْبَاقِينَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَهِدَ مَعَهُمْ اثْنَانِ وَلَا عِبْرَةَ بِرُجُوعِهِمَا فِي حَقِّهِمْ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا مَعْمُولٌ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ وَغَرِمَ الرَّاجِعَانِ فَقَطْ دُونَ الْعَبْدِ رُبْعَ الدِّيَةِ ثُمَّ إنْ رَجَعَ ثَالِثٌ مِنْ السِّتَّةِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَبْدٌ حُدَّ هُوَ وَالسَّابِقَانِ وَغَرِمُوا رُبْعَ الدِّيَةِ، وَإِنْ رَجَعَ رَابِعٌ غَرِمُوا نِصْفَهَا أَرْبَاعًا بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ مَعَ حَدِّ الرَّابِعِ أَيْضًا وَخَامِسٍ فَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا بَيْنَهُمْ أَخْمَاسًا وَسَادِسٌ فَجَمِيعُهَا أَسْدَاسًا مَعَ حَدِّهِ أَيْضًا، وَإِنْ شَهِدَ سِتَّةٌ بِزِنَا مُحْصَنٍ وَرَجَعَ أَحَدُهُمْ بَعْدَ فَقْءِ عَيْنِهِ وَثَانِيهِمْ بَعْدَ مُوضِحَتِهِ وَثَالِثُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ سُدُسُ دِيَةِ الْعَيْنِ لِذَهَابِهَا بِشَهَادَتِهِ وَعَلَى الثَّانِي سُدُسُ دِيَةِ الْعَيْنِ وَخُمُسُ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ وَعَلَى الثَّالِثِ رُبْعُ دِيَةِ النَّفْسِ لِأَنَّهَا ذَهَبَتْ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ هُوَ أَحَدُهُمْ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ دِيَةِ الْعَيْنِ وَالْمُوضِحَةِ لِانْدِرَاجِهِمَا فِي النَّفْسِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْمَوَّازِ مِنْ أَنَّ الرُّجُوعَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الرَّاجِعِينَ رُبْعُ دِيَةِ النَّفْسِ دُونَ الْعَيْنِ وَالْمُوضِحَةِ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ بِشَهَادَةِ السِّتَّةِ وَدِيَةُ الْأَعْضَاءِ تَنْدَرِجُ فِيهَا (اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا] : أَيْ وَلَا يَحْكُمُ الْقَاضِي عَلَى الْخَصْمِ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ.
قَوْلُهُ: [لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُمْ] : أَيْ لِجُرْحَتِهِمْ بِذَلِكَ فَلَا يُعْتَدُّ بِشَهَادَتِهِمْ مُطْلَقًا رَجَعَا لَهَا أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [رَجَعَا] : فَلَا يُعْتَدُّ بِرُجُوعِهِمَا وَالْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمَا مَاضٍ.
قَوْلُهُ: [عَنْ الشَّهَادَةِ] : مُتَعَلِّقٌ بِرَجَعَا أَيْ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا.
قَوْلُهُ: [وَيَغْرَمَانِ مَا أَتْلَفَاهُ] : أَيْ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ، وَرُجُوعُهُمَا.

وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَقَرَّ وَرَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ.
(وَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ بِكَذِبِهِمْ) فِي شَهَادَتِهِمْ (وَحَكَمَ) بِمَا شَهِدُوا بِهِ مِنْ قَتْلٍ أَوْ رَجْمٍ أَوْ قَطْعٍ (فَالْقِصَاصُ) عَلَيْهِ دُونَ الشُّهُودِ وَسَوَاءٌ بَاشَرَ الْقَتْلَ أَوْ لَا.
(كَوَلِيِّ الدَّمِ) : إذَا عَلِمَ بِكَذِبِهِمْ وَأَقَامَهُمْ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِهِمْ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ، فَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ وَالْوَلِيُّ اقْتَصَّ مِنْهُمَا.
وَمَفْهُومُ: " عَلِمَ بِكَذِبِهِمْ " أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ فَلَا قِصَاصَ وَإِنْ عَلِمَ بِقَادِحٍ فِيهِمْ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَإِنَّمَا عَلَى الْحَاكِمِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ.
(وَإِنْ رَجَعَا عَنْ طَلَاقٍ) : أَيْ عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِطَلَاقٍ بَعْدَ الْحُكْمِ (فَلَا غُرْمَ) عَلَيْهِمَا (إنْ دَخَلَ) الزَّوْجُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ بِزَوْجَتِهِ الْمَشْهُودِ بِطَلَاقِهَا؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتْلَفَا عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمَا مَالًا وَإِنَّمَا فَوَّتَاهُ الِاسْتِمْتَاعَ وَلَا قِيمَةَ لَهُ وَقَدْ اسْتَحَقَّتْ جَمِيعَ الصَّدَاقِ بِالدُّخُولِ.
(وَإِلَّا) يَدْخُلْ الزَّوْجُ بِهَا (فَنِصْفُ الصَّدَاقِ) يَغْرَمَانِهِ لَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ بِالْعَقْدِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَجِبُ لَهَا النِّصْفُ بِالطَّلَاقِ.

[حاشية الصاوي]

لِلشَّهَادَةِ ثَانِيًا لَا يَدْفَعُ عَنْهُمَا غُرْمًا لِأَنَّهُ يُعَدُّ نَدَمًا كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَقَرَّ] : أَيْ بِحَقٍّ مَالِيٍّ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ مَا يُؤْخَذُ فِيهِ بِالْإِقْرَارِ.
قَوْلُهُ [وَإِنْ عَلِمَ] إلَخْ: أَيْ ثَبَتَ عِلْمُهُ بِذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ لَا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِعِلْمِهِ فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ إنْ كَانَ مُنْكِرًا لِلْعِلْمِ، وَذَلِكَ لِفِسْقِهِمْ بِكَتْمِهِمْ الشَّهَادَةَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ هَكَذَا قَالُوا، وَلَكِنْ هَذَا ظَاهِرٌ إنْ لَمْ تَتَعَذَّرْ الْبَيِّنَةُ وَقْتَ الِاسْتِيفَاءِ بِغَيْبَةٍ مَثَلًا، وَإِلَّا كَانَ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِ.
قَوْلُهُ: [وَسَوَاءٌ بَاشَرَ الْقَتْلَ أَوْ لَا] : أَيْ فَالْمُبَاشِرُ لِلْقَتْلِ بِأَمْرِهِ كَالْجَلَّادِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ بِكَذِبِ الشُّهُودِ أَيْضًا وَإِلَّا اُقْتُصَّ مِنْهُ كَالْحَاكِمِ وَالْوَلِيِّ لِتَمَالُئِهِمْ عَلَى الْقَتْلِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ عَلِمَ بِقَادِحٍ فِيهِمْ] : أَيْ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْقَادِحِ فِي الشَّاهِدِ كَذِبُهُ.
قَوْلُهُ: [وَإِنَّمَا عَلَى الْحَاكِمِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ] : أَيْ وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهَا الْمُدَّعِي إنْ كَانَ يَعْلَمُ الْقَادِحَ كَالْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ الْبَحْثَ عَنْ الْقَادِحِ مِنْ وَظِيفَةِ الْقَاضِي لَا الْمُدَّعِي.
قَوْلُهُ [بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ بِالْعَقْدِ شَيْئًا] : أَيْ فَهُوَ مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعْفٍ

ثُمَّ شَبَّهَ فِي غُرْمِهِمَا نِصْفَ الصَّدَاقِ بِقَوْلِهِ: (كَرُجُوعِهِمَا) : أَيْ الشَّاهِدَيْنِ (عَنْ دُخُولٍ) أَيْ شَهَادَتِهِمَا بِدُخُولِ (ثَابِتَةِ الطَّلَاقِ) بِإِقْرَارِ زَوْجِهَا بِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ عَلَيْهِ بِهِ وَأَنْكَرَ الدُّخُولَ بِهَا فَشَهِدَا عَلَيْهِ بِهِ، فَغَرِمَ لَهَا جَمِيعَ الصَّدَاقِ ثُمَّ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِالدُّخُولِ، فَيَغْرَمَانِ لَهُ نِصْفَهُ.
فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا غَرِمَ لَهُ الرُّبْعَ.
وَهَذَا فِي نِكَاحِ التَّسْمِيَةِ.
وَأَمَّا فِي التَّفْوِيضِ فَيَغْرَمَانِ لَهُ جَمِيعَ صَدَاقِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ بِالدُّخُولِ لَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَهُ.
(وَاخْتَصَّ بِهِ) أَيْ بِغُرْمِ نِصْفِ الصَّدَاقِ (الرَّاجِعَانِ عَنْ) شَهَادَةِ (الدُّخُولِ عَنْ الرَّاجِعَيْنِ عَنْ) شَهَادَةِ (طَلَاقٍ) : أَيْ إذَا شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِأَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَنَّهُ دَخَلَ بِهَا، فَحَكَمَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِالطَّلَاقِ وَجَمِيعِ الصَّدَاقِ، ثُمَّ رَجَعَ الْأَرْبَعَةُ عَنْ شَهَادَتِهِمْ، فَقَدْ تَمَّ الْحُكْمُ وَلَا يُنْقَضُ، وَاخْتَصَّ شَاهِدَا الدُّخُولِ؛ بِغُرْمِ نِصْفِ الصَّدَاقِ لِلزَّوْجِ دُونَ بَيِّنَةِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهَا بِمَنْزِلَةِ رُجُوعِ شَهَادَةِ طَلَاقِ مَدْخُولٍ بِهَا وَلَا غُرْمَ عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَأَمَّا فِي التَّفْوِيضِ] : أَيْ كَمَا إذَا عَقَدَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ صَدَاقٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَادَّعَى عَدَمَ الدُّخُولِ وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَشَهِدَا عَلَيْهِ بِالدُّخُولِ غَرِمَ جَمِيعَ الصَّدَاقِ لَهَا، فَإِذَا رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ غَرِمَا لَهُ كُلَّ الصَّدَاقِ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّهُ فِي نِكَاحِ التَّفْوِيضِ إلَّا بِالدُّخُولِ وَلَمْ يَحْصُلْ.
قَوْلُهُ: [وَاخْتَصَّ شَاهِدَا الدُّخُولِ بِغُرْمِ نِصْفِ الصَّدَاقِ] : مَا ذَكَرَ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ شَاهِدِي الدُّخُولِ إذَا رَجَعَا يَغْرَمَانِ نِصْفَ الصَّدَاقِ لِلزَّوْجِ هُوَ مَا فِي التَّتَّائِيِّ وَحُلُولُو وَابْنِ مَرْزُوقٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَمْلِكُ بِالْعَقْدِ النِّصْفَ وَالنِّصْفُ الثَّانِي مَا أَوْجَبَهُ إلَّا شَاهِدَا الدُّخُولِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ وَبَهْرَامُ يَغْرَمَانِ كُلَّ الصَّدَاقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا تَمْلِكُ بِالْعَقْدِ شَيْئًا وَالدُّخُولُ الَّذِي شَهِدَا بِهِ أَوْجَبَ كُلَّ الصَّدَاقِ فَإِذَا رَجَعَا عَنْ الشَّهَادَةِ غَرِمَا مَا أَتْلَفَاهُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ.
قَوْلُهُ: [رُجُوعُ شَهَادَةٍ] : الْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ أَصْحَابِ شَهَادَةٍ هَكَذَا عَلَّلَ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلْبُنَانِيِّ.
تَتِمَّةٌ إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ فِي مَسْأَلَةِ رُجُوعِ شَاهِدِي الطَّلَاقِ وَالدُّخُولِ، وَاسْتَمَرَّ الزَّوْجُ عَلَى إنْكَارِهِ لِلطَّلَاقِ فَإِنَّ شَاهِدِي الدُّخُولِ يَرْجِعَانِ عَلَيْهِ بِمَا غَرِمَاهُ لَهُ، لِأَنَّ مَوْتَهَا

(وَ) إنْ رَجَعَا (عَنْ عِتْقٍ) أَيْ عَنْ شَهَادَتِهِمَا بِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِ (غَرِمَا) لِسَيِّدِ الْعَبْدِ (قِيمَتَهُ يَوْمَ الْحُكْمِ، وَوَلَاؤُهُ لَهُ) : أَيْ لِسَيِّدِهِ دُونَ الشَّاهِدَيْنِ (فَإِنْ كَانَ) الْعِتْقُ الَّذِي شَهِدَا بِهِ ثُمَّ رَجَعَا (لِأَجَلٍ) غَرِمَا قِيمَتَهُ يَوْمَ الْحُكْمِ لِسَيِّدِهِ.
وَإِذَا غَرِمَاهَا (فَمَنْفَعَتُهُ) : أَيْ الْعَبْدِ (لَهُمَا) : أَيْ الشَّاهِدَيْنِ الرَّاجِعَيْنِ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْأَجَلِ يَسْتَوْفِيَانِ مِنْهَا الْقِيمَةَ الَّتِي غَرِمَاهَا لِسَيِّدِهِ.
(إلَّا أَنْ يَسْتَوْفِيَاهَا قَبْلَهُ) : أَيْ قَبْلَ تَمَامِ الْأَجَلِ فَيَرْجِعُ الْبَاقِي مِنْ الْمَنْفَعَةِ لِلسَّيِّدِ.
وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا ضَاعَ الْبَاقِي عَلَيْهِمَا.
وَهَذَا قَوْلُ سَحْنُونَ، وَهُوَ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ.
الثَّانِي: يَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ بَعْدَ أَنْ يَسْقُطَ مِنْهَا قِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ مُدَّةَ الْأَجَلِ عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ.
الثَّالِثُ: يُخَيَّرُ السَّيِّدُ بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَنْفَعَةَ لَهُمَا بَعْدَ أَخْذِ الْقِيمَةِ مِنْهُمَا وَبَيْنَ أَنْ يُبْقِيَهَا تَحْتَ يَدِهِ وَيَدْفَعَ لَهُمَا قِيمَتَهَا شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى التَّقَضِّي حَتَّى يَتِمَّ الْأَجَلُ.
(وَ) إنْ رَجَعَا (عَنْ مِائَةٍ) شَهِدَا بِهَا (لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو) مَعًا عَلَى السَّوِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا لَهُمَا وَ (قَالَا: بَلْ هِيَ) أَيْ الْمِائَةُ كُلُّهَا (لِزَيْدٍ) وَلَا شَيْءَ مِنْهُمَا لِعَمْرٍو (اقْتَسَمَاهَا) : أَيْ زَيْدٌ وَعَمْرٌو؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِهَا لَهُمَا لَا يُنْقَضُ.

[حاشية الصاوي]

فِي عِصْمَتِهِ يُكْمِلُ عَلَيْهِ الصَّدَاقَ وَرَجَعَ الزَّوْجُ عَلَى شَاهِدِي الطَّلَاقِ بِمَا فَوَّتَاهُ مِنْ إرْثِهِ مِنْهَا إذْ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا لَوَرِثَهَا، وَإِنْ مَاتَ هُوَ رَجَعَتْ عَلَى شَاهِدِي الطَّلَاقِ بِمَا فَوَّتَاهُ مِنْ الْإِرْثِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ: [وَوَلَاؤُهُ لَهُ] : أَيْ فَإِذَا مَاتَ الْعَبْدُ وَلَا وَارِثَ لَهُ أَخَذَ سَيِّدُهُ مَالَهُ، وَانْظُرْ لَوْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ هَلْ يَرْجِعُ السَّيِّدُ عَلَى الشُّهُودِ بِمَا أَخَذَهُ الْوَارِثُ لِأَنَّهُ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا لَأَخَذَ مَالَهُ بِالرِّقِّ أَوَّلًا لِأَنَّهُمَا غَرِمَا لَهُ قِيمَتَهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ (اهـ عب) . قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَسْتَوْفِيَاهَا] : اسْتِثْنَاءٌ مِنْ اسْتِمْرَارِ الْمَنْفَعَةِ لِلْأَجَلِ.
قَوْلُهُ: [الثَّانِي يَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ] : هُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
قَوْلُهُ: [الثَّالِثُ يُخَيَّرُ السَّيِّدُ] : هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ.
قَوْلُهُ: [شَهِدَا بِهَا لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو] : أَيْ عَلَى بَكْرٍ مَثَلًا

(وَغَرِمَا لِلْمَدِينِ خَمْسِينَ فَقَطْ) عِوَضًا عَنْ الْخَمْسِينَ الَّتِي أَخَذَهَا عَمْرٌو مِنْهُ وَلَا يَغْرَمَانِ لَهُ جَمِيعَ الْمِائَةِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى زَيْدٍ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ عَنْهُ وَلَيْسَ لِزَيْدٍ سِوَى الْخَمْسِينَ الَّتِي تَخُصُّهُ مِنْ الْمِائَةِ.

(وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا) : أَيْ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الرُّجُوعِ دُونَ الْآخَرِ (غَرِمَ) الرَّاجِعُ (النِّصْفَ) : أَيْ نِصْفَ الْحَقِّ فَيَغْرَمُ نِصْفَ الدِّيَةِ فِي الْقَتْلِ وَنِصْفَ الْمَالِ فِي غَيْرِهِ، فَيَغْرَمُ لِلْمَدِينِ فِي مَسْأَلَةِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو خَمْسًا وَعِشْرِينَ.
وَاخْتُلِفَ: إذَا ثَبَتَ الْحَقُّ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدُ بَعْدَ الْحُكْمِ هَلْ يَغْرَمُ جَمِيعَ الْحَقِّ؟ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، أَوْ يَغْرَمَ نِصْفَهُ لِأَنَّ الْيَمِينَ مَعَهُ كَشَاهِدٍ؟ (كَرَجُلٍ) شَهِدَ (مَعَ نِسَاءٍ) ثُمَّ رَجَعَ فَيَغْرَمُ نِصْفَ الْحَقِّ.
(وَعَلَيْهِنَّ) - إنْ رَجَعْنَ - (وَإِنْ كَثُرْنَ النِّصْفَ) : لِأَنَّهُنَّ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ وَلَوْ كُنَّ أَلْفًا أَوْ أَكْثَرَ (إلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْهُنَّ اثْنَتَانِ) : فَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّاجِعَاتِ لِتَمَامِ الشَّهَادَةِ بِالِاثْنَتَيْنِ (فَإِنْ بَقِيَتْ) مِنْهُنَّ (وَاحِدَةٌ) فَقَطْ (فَالرُّبْعُ) : يَلْزَمُ جَمِيعَ الرَّاجِعَاتِ بِالسَّوِيَّةِ وَلَوْ تَرَتَّبُوا فِي رُجُوعِهِنَّ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَغَرِمَا لِلْمَدِينِ] : أَيْ الَّذِي هُوَ بَكْرٌ.
قَوْلُهُ: [عِوَضًا عَنْ الْخَمْسِينَ الَّتِي أَخَذَهَا عَمْرٌو] : أَيْ لِإِتْلَافِهِمَا تِلْكَ الْخَمْسِينَ عَلَى الْمَدِينِ الَّذِي هُوَ بَكْرٌ لَيْسَ بِشَهَادَتِهِمَا.
قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ لِزَيْدٍ سِوَى الْخَمْسِينَ الَّتِي تَخُصُّهُ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ يَدَّعِي الْمِائَةَ بِتَمَامِهَا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالشَّهَادَةِ الْأُولَى الَّتِي ثَبَتَ بِهَا الْحُكْمُ

[رجع أَحَد الشَّاهِدين عَنْ شَهَادَته وَلَمْ يرجع الْأُخَر]

قَوْلُهُ: [غَرِمَ الرَّاجِعُ النِّصْفَ] : أَيْ إنْ كَانَ رُجُوعُهُ عَنْ جَمِيعِ الْحَقِّ الَّذِي شَهِدَ بِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ رُجُوعُهُ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ فَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ الْمَشْهُورُ] : أَيْ وَإِنْ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى ضَعِيفٍ مِنْ أَنَّ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ اسْتِظْهَارٌ أَيْ مُقَوِّيَةٌ لِلشَّاهِدِ فَقَطْ وَالْحَقُّ ثَابِتٌ بِالشَّاهِدِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْيَمِينَ مَعَهُ كَشَاهِدٍ] : أَيْ مُكَمِّلَةٌ لِنِصَابِ الشَّهَادَةِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ بَقِيَتْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ] : إلَخْ: فَإِنْ رَجَعَتْ تِلْكَ الْوَاحِدَةُ غَرِمَ الْجَمِيعُ النِّصْفَ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ تَرَتَّبُوا] : الْمُنَاسِبُ تُرَتَّبْنَ

(وَهُوَ) أَيْ الرَّجُلُ (مَعَهُنَّ فِي) مَا يُقْبَلُ فِيهِ الْمَرْأَتَانِ (كَرَضَاعٍ) وَوِلَادَةٍ، (كَامْرَأَةٍ) فَقَطْ لَا كَاثْنَتَيْنِ بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ؛ فَإِنَّهُ مَعَهُنَّ كَامْرَأَتَيْنِ.
فَإِذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَمِائَةُ امْرَأَةٍ بِمَالٍ وَرَجَعَ الرَّجُلُ بَعْدَ الْحُكْمِ فَعَلَيْهِ نِصْفُهُ، وَكَذَا إنْ رَجَعَ مَعَهُ مَا عَدَا امْرَأَتَيْنِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّاجِعَاتِ إذْ لَا تُضَمُّ النِّسَاءُ لِلرَّجُلِ فِي الْأَمْوَالِ.
فَإِذَا رَجَعَتْ الْبَاقِيَتَانِ كَانَ عَلَى جَمِيعِهِنَّ النِّصْفُ وَعَلَى الرَّجُلِ النِّصْفُ.
وَأَمَّا فِي الرَّضَاعِ وَنَحْوِهِ فَكَامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِذَا شَهِدَ بِرَضَاعٍ مَعَ مِائَةِ امْرَأَةٍ ثُمَّ رَجَعَ مَعَ ثَمَانِيَةٍ وَتِسْعِينَ مِنْهُنَّ فَلَا غُرْمَ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِالْحُكْمِ.
فَإِنْ رَجَعَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْبَاقِيَتَيْنِ كَانَ نِصْفُ الْغَرَامَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى الرَّاجِعَاتِ، فَإِنْ رَجَعَتْ الْبَاقِيَةُ كَانَ الْغُرْمُ بِجَمِيعِ الْحَقِّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِنَّ وَهُوَ كَامْرَأَةٍ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ قَوْلُ الشَّيْخِ فِي بَابِ الرَّضَاعِ: " وَثَبَتَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَبِامْرَأَتَيْنِ " فَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: " وَبِامْرَأَتَيْنِ " أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ امْرَأَةٍ فِي الرَّضَاعِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ هُنَا " كَاثْنَتَيْنِ " فَخِلَافُ الْمَذْهَبِ.
فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْغُرْمُ فِي الرَّضَاعِ عَلَى شَاهِدِي الرُّجُوعِ فِيهِ لِأَنَّهُمَا - إنْ شَهِدَا بِالرَّضَاعِ قَبْلَ الدُّخُولِ - فُسِخَ النِّكَاحُ بِلَا مَهْرٍ، وَإِنْ شَهِدَا بِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ فَالْمَهْرُ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ لِلْوَطْءِ، وَإِنَّمَا فَوَّتَا عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمَا الْعِصْمَةَ وَهِيَ لَا قِيمَةَ لَهَا؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ إذَا مَاتَ الزَّوْجُ أَوْ الزَّوْجَةُ فَيَغْرَمُ الرَّاجِعُ لِلْحَيِّ مِنْهُمَا مَا فَوَّتَهُ مِنْ الْإِرْثِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [كَرَضَاعٍ وَوِلَادَةٍ] : أَيْ وَاسْتِهْلَالٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ.
وَقَوْلُهُ: [كَامْرَأَةٍ] أَيْ فِي الْغُرْمِ عِنْدَ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
قَوْلُهُ: [مَا عَدَا امْرَأَتَيْنِ] : أَيْ بِأَنْ رَجَعَ مَعَهُ ثَمَانٍ وَتِسْعُونَ.
قَوْلُهُ: [إذْ لَا تُضَمُّ النِّسَاءُ لِلرَّجُلِ فِي الْأَمْوَالِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ يُعَدُّ شَطْرًا مُسْتَقِلًّا وَالشَّطْرُ الْآخَرُ إمَّا امْرَأَتَانِ أَوْ الْيَمِينُ.
قَوْلُهُ: [كَانَ عَلَى جَمِيعِهِنَّ النِّصْفُ] : أَيْ عَلَى الصَّوَابِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّ النِّصْفَ يَلْزَمُ الْبَاقِيَتَيْنِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [عَلَيْهِ وَعَلَى الرَّاجِعَاتِ] : أَيْ وَيُعَدُّ رَأْسًا مَعَهُنَّ.
قَوْلُهُ: [وَثَبَتَ بِرَجُلٍ] إلَخْ: مَقُولُ قَوْلِ الشَّيْخِ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا قَوْلُهُ هُنَا كَاثْنَتَيْنِ] : أَيْ حَيْثُ قَالَ وَهُوَ مَعَهُنَّ فِي الرَّضَاعِ كَاثْنَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: [مَا فَوَّتَهُ مِنْ الْإِرْثِ] : أَيْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ

وَيَغْرَمُ لِلْمَرْأَةِ مَا فَوَّتَاهَا مِنْ الصَّدَاقِ إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ وَالرُّجُوعُ عَنْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ.
(وَإِنْ رَجَعَ) الشَّاهِدُ عَنْ بَعْضِ مَا شَهِدَ بِهِ غَرِمَ نِصْفَهُ - أَيْ نِصْفَ الْبَعْضِ - فَإِنْ رَجَعَ عَنْ نِصْفِ مَا شَهِدَ بِهِ غَرِمَ رُبْعَ الْحَقِّ، وَإِنْ رَجَعَ عَنْ ثُلُثِهِ غَرِمَ سُدُسَ الْحَقِّ.
(وَإِنْ رَجَعَ) بَعْدَ الْحُكْمِ مِنْ الشُّهُودِ (مَنْ يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِدُونِهِ) - كَوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَكَاثْنَيْنِ مِنْ أَرْبَعَةٍ - (فَلَا غُرْمَ) عَلَى الرَّاجِعِ لِاسْتِقْلَالِ الْحُكْمِ بِالْبَاقِي.
(فَإِنْ رَجَعَ) بَعْدَهُ (غَيْرُهُ) مِمَّنْ يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِهِ (فَالْجَمِيعُ) : أَيْ جَمِيعُ الرَّاجِعِينَ يَغْرَمُونَ مَا رَجَعُوا عَنْهُ فَإِنْ رَجَعَ مَا عَدَا وَاحِدٍ فَالنِّصْفُ عَلَى الْجَمِيعِ سَوِيَّةً.
فَإِنْ رَجَعَ الْأَخِيرُ فَالْحَقُّ كُلُّهُ عَلَى الْجَمِيعِ.

ثُمَّ ذَكَرَ مَسْأَلَةً تَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ، تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ غَرِيمِ الْغَرِيمِ بِقَوْلِهِ: (وَلِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ) بِالْحَقِّ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ الرَّاجِعَيْنِ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ دَفْعِهِ الْحَقَّ لِلْمُدَّعِي (مُطَالَبَتُهُمَا) : أَيْ الشَّاهِدَيْنِ الرَّاجِعَيْنِ (بِالدَّفْعِ) : أَيْ دَفْعِ الْحَقِّ (لِلْمَقْضِيِّ لَهُ) : وَهُوَ الْمُدَّعِي بِأَنْ يَقُولَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَهُمَا: ادْفَعَا الْحَقَّ الَّذِي رَجَعْتُمْ عَنْ شَهَادَتِكُمَا بِهِ لِلْمُدَّعِي.
(وَلِلْمَقْضِيِّ لَهُ) بِالْحَقِّ وَهُوَ الْمُدَّعِي (الْمُطَالَبَةُ) لَهُمَا أَيْضًا وَذَلِكَ (إذَا

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَيَغْرَمُ لِلْمَرْأَةِ مَا فَوَّتَاهَا مِنْ الصَّدَاقِ] : أَيْ مَعَ الْإِرْثِ.
لَا يُقَالُ إنَّهُ سَبَقَ فِي النِّكَاحِ أَنَّ الْفَسْخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا فِي نِكَاحِ الدِّرْهَمَيْنِ وَفُرْقَةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ وَالْمُتَرَاضَعِينَ فَإِنَّ فِيهِ نِصْفَ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّنَا نَقُولُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا ادَّعَى الزَّوْجُ الرَّضَاعَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَهِيَ تُنْكِرُهُ وَلَا بَيِّنَةَ، أَمَّا لَوْ كَانَ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ شَهِدَتْ بِهِ كَمَا هُنَا فَالْفَسْخُ مِنْ غَيْرِ لُزُومِ شَيْءٍ أَصْلًا.
قَوْلُهُ: [مَا عَدَا وَاحِدٍ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ وَالْمُنَاسِبُ النَّصْبُ.

قَوْلُهُ: [الَّذِي رَجَعْتُمْ] : الْمُنَاسِبُ رَجَعْتُمَا قَوْلُهُ: [وَلِلْمَقْضِيِّ لَهُ] إلَخْ: أَيْ خِلَافًا لِابْنِ الْمَوَّازِ الْقَائِلِ: لَا يَلْزَمُ الشَّاهِدَيْنِ غُرْمٌ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ إذَا طَالَبَهُمَا لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ لَوْ حَضَرَ مِنْ غَيْبَتِهِ لَأَقَرَّ بِالْحَقِّ فَلَا يَغْرَمَانِ كَذَا وَجَّهَ بِهِ كَلَامَ الْمَوَّازِيَّةِ وَهُوَ لَا يَظْهَرُ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ مَعَ جَعْلِ التَّعَذُّرِ شَامِلًا لَهُمَا، وَنَصُّ الْمَوَّازِيَّةِ إذَا حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا ثُمَّ رَجَعَ فَهَرَبَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ فَطَلَبَ الْمَقْضِيُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الشَّاهِدَيْنِ بِمَا كَانَ يَغْرَمَانِ لِغَرِيمِهِ لَوْ غَرِمَ لَمْ يَلْزَمْهُمَا غُرْمٌ حَتَّى

تَعَذَّرَ) الطَّلَبُ (مِنْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ) لِمَوْتِهِ أَوْ عُسْرِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ لَا إنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ وَإِنَّمَا يُطَالَبُ غَرِيمُهُ وَهُوَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى رُجُوعِ الشَّاهِدِينَ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى حُكْمِ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ فَقَالَ: (وَإِنْ تَعَارَضَ بَيِّنَتَانِ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ) بَيْنَهُمَا (جُمِعَ) : وَلَا تَسْقُطُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا؛ كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ إرْدَبًّا مِنْ قَمْحٍ وَأَقَامَ عَلَيْهِ بِهِ بَيِّنَةً ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ بِإِرْدَبٍّ وَأَقَامَ عَلَيْهِ أُخْرَى، أَوْ ادَّعَى بِأَنَّهُ أَسْلَمَهُ ثَوْبًا فِي مِائَةِ إرْدَبِّ

[حاشية الصاوي]

يَغْرَمَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ فَيَغْرَمَانِ لَهُ حِينَئِذٍ، وَلَكِنْ يَنْفُذُ الْحُكْمُ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ عَلَى الرَّاجِعَيْنِ بِالْغُرْمِ هَرَبَ أَوْ لَمْ يَهْرُبْ.
فَإِنْ أَغْرَمَ أَغْرَمَهُمَا.
قَوْلُهُ: [فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ] : الْمُنَاسِبُ مُطَالَبَتُهُمَا.

[حُكْمِ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ]

قَوْلُهُ: [عَلَى رُجُوعِ الشَّاهِدِينَ] : يُقْرَأُ بِكَسْرِ الدَّالِ جَمْعُ شَاهِدٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ الصَّادِقُ بِالْوَاحِدِ وَالْمُتَعَدِّدِ قَوْلُهُ: [وَإِنْ تَعَارَضَ بَيِّنَتَانِ] : عَرَّفَ التَّعَارُضَ بِأَنَّهُ اشْتِمَالُ كُلٍّ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى مَا يُنَافِي الْأُخْرَى.
قَوْلُهُ: [وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ] : أَيْ عَقْلًا.
قَوْلُهُ: [جُمِعَ] : أَيْ بِالْفِعْلِ أَيْ عُمِلَ بِهِ وَصُيِّرَ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ] : الْأَظْهَرُ بِنَاؤُهُ لِلْفَاعِلِ وَالضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْمُدَّعِي الْمَعْلُومِ مِنْ الْمَقَامِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: [بِأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ إرْدَبًّا مِنْ قَمْحٍ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي هَذَا الْمِثَالِ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْإِرْدَبَّيْنِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تُقَدَّمُ فِي الْإِقْرَارِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ فِي ذِكْرٍ بِمِائَةٍ وَفِي آخَرَ بِمِائَةٍ فَالْمِائَتَانِ لِأَنَّ الْأَذْكَارَ أَمْوَالٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ.
بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْكِتَابَةِ فَمَالٌ وَاحِدٌ عَلَى التَّحْقِيقِ.
كَمَا إذَا أَقَرَّ عِنْدَ جَمَاعَةٍ بِأَنَّ عَلَيْهِ لِفُلَانٍ مِائَةً، ثُمَّ أَقَرَّ عِنْدَ أُخْرَى بِأَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ مِائَةً فَمِائَةٌ فَقَطْ وَهَذَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ اخْتِلَافَ السَّبَبِ وَاتَّفَقَا صِفَةً وَقَدْرًا وَإِلَّا فَالْمِائَتَانِ نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ مِنْ بَيْعٍ ثُمَّ لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ مِنْ قَرْضٍ أَوْ قَالَ: مِائَةٌ مُحَمَّدِيَّةٌ، ثُمَّ مِائَةٌ يَزِيدِيَّةٌ (اهـ) فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِرْدَبَّانِ فِي مِثَالِ الشَّارِحِ إلَّا إذَا اخْتَلَفَ سَبَبُهُمَا أَوْ صِفَتُهُمَا وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا وَاحِدٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمِثَالَ لَيْسَ مِنْ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي شَيْءٍ

حِنْطَةٍ بِبَيِّنَةٍ، ثُمَّ ادَّعَى بِأَنَّهُ أَسْلَمَهُ ثَوْبَيْنِ فِي مِائَةٍ، أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فُلَانَ وَأُخْرَى بِأَنَّهُ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ.
(وَإِلَّا) يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (رُجِّحَ) : أَيْ وَجَبَ التَّرْجِيحُ (بِبَيَانِ السَّبَبِ) لِلْمِلْكِ؛ فَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ هَذَا مِلْكٌ لِزَيْدٍ وَأَطْلَقَتْ، وَشَهِدَتْ أُخْرَى بِأَنَّهُ مِلْكُ عَمْرٍو وَبَيَّنَتْ سَبَبَ الْمِلْكِ - (كَنَسْجٍ وَنَتَاجٍ) بِأَنْ قَالَ: نَسَجَهُ أَوْ كَتَبَهُ أَوْ وَرِثَهُ أَوْ نَتَجَ عِنْدَهُ أَوْ اصْطَادَهُ - فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى مَنْ أَطْلَقَتْ لِزِيَادَتِهَا بَيَانَ سَبَبِ الْمِلْكِ.
(أَوْ) بِسَبَبِ ذِكْرِ (تَأْرِيخٍ) فَتُقَدَّمُ عَلَى مَنْ لَمْ تُؤَرِّخْ (أَوْ تَقَدُّمِهِ) : أَيْ التَّأْرِيخِ، فَتُقَدَّمُ عَلَى الْمُتَأَخِّرَةِ بِهِ وَلَوْ كَانَتْ الْمُتَأَخِّرَةُ أَعْدَلَ، وَكَذَا مَنْ بَيَّنَتْ السَّبَبَ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [ثُمَّ ادَّعَى بِأَنَّهُ أَسْلَمَهُ ثَوْبَيْنِ] : الْمُنَاسِبُ ثُمَّ أَنْكَرَ الْخَصْمُ وَادَّعَى أَنَّهُ تَعَاقَدَ مَعَهُ عَلَى ثَوْبَيْنِ فِي الْمِائَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ وَالْخَرَشِيِّ لِصِحَّةِ التَّعَارُضِ، وَإِلَّا فَلَوْ بَقِيَ الْمِثَالُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ لَجَرَى عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُقَدَّمِ الْمَأْخُوذِ مِنْ بَابِ الْإِقْرَارِ وَلَيْسَ فِيهِ تَعَارُضُ الْبَيِّنَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: [عَبْدَهُ فُلَانَ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ بِصُورَةِ الْمَرْفُوعِ وَالْمُنَاسِبُ النَّصْبُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ وَهُوَ مَنْصُوبُ مَفْعُولٍ لِلْفِعْلِ قَبْلَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ الْجَمْعُ جُمِعَ كَانَتْ الْبَيِّنَتَانِ بِمَجْلِسٍ أَوْ مَجْلِسَيْنِ قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَجْلِسَيْنِ وَالْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ أَثْبَتَتْ حُكْمًا غَيْرَ مَا أَثْبَتَهُ صَاحِبَتُهَا وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بِلَا تَنَاقُضٍ، وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ مِنْ الْعَمَلِ بِالْبَيِّنَتَيْنِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ طَرِيقَةُ الْمَدَنِيِّينَ.
وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ وَبَاقِي الْمِصْرِيِّينَ فَيُقَدِّمُونَ الْأَعْدَلَ، فَإِنْ تَكَافَأَتَا سَقَطَتَا، وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ اتِّحَادُ الْوَقْتِ الَّذِي تَسْتَنِدُ إلَيْهِ كُلٌّ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ مَعَ نَفْيِ مَا قَالَتْهُ الْأُخْرَى حَتَّى يَأْتِيَ التَّعَارُضُ.
قَوْلُهُ: [بِبَيَانِ السَّبَبِ] : أَيْ بِسَبَبِ ذِكْرِ سَبَبِ الْمِلْكِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى مَنْ أَطْلَقَتْ] : أَيْ شَهِدَتْ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا مَنْ بَيَّنَتْ السَّبَبَ] : أَيْ فَتُقَدَّمُ وَلَوْ كَانَتْ مَنْ لَمْ تُبَيِّنْهُ أَعْدَلَ.

(أَوْ) بِسَبَبِ (مَزِيدِ) أَيْ زِيَادَةِ (عَدَالَةٍ) فِي إحْدَاهُمَا فَتُقَدَّمُ عَلَى الْأُخْرَى.
(لَا) بِمَزِيدِ (عَدَدٍ) وَلَوْ كَثُرَ، مَا لَمْ تُفِدْ الْكَثْرَةُ الْعِلْمَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ التَّرْجِيحَ بِمَا مَرَّ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَمْوَالِ وَمَا آلَ إلَيْهَا خَاصَّةً، وَهُوَ مَا يَثْبُتُ الْحَقُّ فِيهِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَأَمَّا غَيْرُهَا - مِمَّا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ - كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْحُدُودِ - فَلَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ لَا يُفِيدُ فِي غَيْرِ الْأَمْوَالِ.
وَلِذَا كَانَ يَحْلِفُ مُقِيمُهَا فِي الْأَمْوَالِ مَعَهَا عَلَى الرَّاجِحِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: اُخْتُلِفَ إذَا كَانَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ أَعْدَلَ هَلْ يَحْلِفُ صَاحِبُ الْأَعْدَلِ؟ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَحْلِفُ (اهـ) وَقِيلَ: زِيَادَةُ الْعَدَالَةِ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدَيْنِ فَيَثْبُتُ التَّرْجِيحُ بِهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ.
(وَ) رَجَحَ (بِشَاهِدَيْنِ) مِنْ جَانِبٍ (عَلَى شَاهِدٍ وَيَمِينٍ) مِنْ آخَرَ (أَوْ) عَلَى شَاهِدٍ وَ (امْرَأَتَيْنِ) .

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَيْ زِيَادَةِ عَدَالَةٍ] : أَيْ فِي الْبَيِّنَةِ الْأَصْلِيَّةِ لَا فِي الْمُزَكِّيَةِ.
قَوْلُهُ: [مَا لَمْ تُفِدْ الْكَثْرَةُ الْعِلْمَ] : أَيْ بِحَيْثُ يَكُونُ جَمْعًا يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ زِيَادَةَ الْعَدَدِ لَا تُعَدُّ مُرَجِّحًا إلَّا إذَا أَفَادَتْ الْعِلْمَ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُرَجَّحُ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ كَزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ وَفَرَّقَ لِلْمَشْهُورِ بِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْقَضَاءِ قَطْعُ النِّزَاعِ وَمَزِيدَ الْعَدَالَةِ أَقْوَى فِي التَّعَدُّدِ مِنْ زِيَادَةِ الْعَدَدِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ يُمْكِنُهُ زِيَادَةُ عَدَدِ الشُّهُودِ بِخِلَافِ الْعَدَالَةِ.
قَوْلُهُ: [مِمَّا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ] : أَيْ وَكَذَا مَا يَثْبُتُ بِامْرَأَةٍ أَوْ امْرَأَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ] : هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَعَلَيْهِ مَشَى خَلِيلٌ فِي بَابِ النِّكَاحِ حَيْثُ قَالَ: وَأَعْدَلِيَّةُ إحْدَى بَيِّنَتَيْنِ مُتَنَاقِضَتَيْنِ مُلْغَاةٌ وَلَوْ صَدَّقَتْهُمَا الْمَرْأَةُ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ زِيَادَةُ الْعَدَالَةِ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدَيْنِ] : أَيْ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي سَمَاعِ يَحْيَى وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: [عَلَى شَاهِدٍ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ أَعْدَلَ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ عَلَى شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ] : مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَرْجِيحِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الشَّاهِدِ

(وَ) رَجَحَ (بِيَدٍ) : أَيْ بِوَضْعِ الْيَدِ، بِأَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى بِهِ مِنْ عَقَارٍ أَوْ عَرْضٍ فِي حَوْزِ أَحَدِهِمَا مَعَ تَسَاوِي الْبَيِّنَتَيْنِ؛ فَالْحَوْزُ مِنْ الْمُرَجَّحَاتِ عِنْدَ التَّسَاوِي، وَلِذَا قَالَ: (إنْ لَمْ تُرَجَّحْ بَيِّنَةُ مُقَابِلِهِ) بِمُرَجَّحٍ مِنْ الْمُرَجَّحَاتِ وَإِلَّا قُدِّمَتْ وَنُزِعَ مِنْ ذِي الْيَدِ (فَيَحْلِفُ) مَنْ قُضِيَ لَهُ بِهِ، وَهُوَ ذُو الْيَدِ عِنْدَ عَدَمِ التَّرْجِيحِ وَمُقَابِلُهُ عِنْدَ تَرْجِيحِ بَيِّنَتِهِ بِمُرَجَّحٍ فَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى مَنْطُوقٍ " بِيَدٍ " وَمَفْهُومُ " إنْ لَمْ تُرَجَّحْ ". (وَ) رَجَحَ (بِالْمِلْكِ عَلَى الْحَوْزِ) : فَمَنْ شَهِدَتْ بِالْمِلْكِ قُدِّمَتْ عَلَى مَنْ شَهِدَتْ بِالْحَوْزِ وَلَوْ تَقَدَّمَ تَارِيخُ الْحَوْزِ عَلَى تَارِيخِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْحَوْزَ قَدْ يَكُونُ عَنْ مِلْكٍ وَغَيْرِهِ.
(وَ) رَجَحَ (بِنَقْلٍ عَنْ أَصْلٍ عَلَى مُسْتَصْحَبَةٍ) لَهُ فَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ

[حاشية الصاوي]

وَالْمَرْأَتَيْنِ هُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَرْجُوعُ إلَيْهِ.
وَالْمَرْجُوعُ عَنْهُ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَا يُقَدَّمَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُمْ مُسْتَوُونَ فِي الْعَدَالَةِ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ الشَّاهِدُ الَّذِي مَعَهُمَا أَعْدَلَ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: [فِي حَوْزِ أَحَدِهِمَا] : أَيْ أَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَصْلَهُ وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا لَمْ يَعْرِفْ أَصْلَهُ عَمَّا لَوْ مَاتَ شَخْصٌ وَأَخَذَ مَالَهُ إنْسَانٌ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَارِثُهُ أَوْ مَوْلَاهُ وَأَقَامَ غَيْرُهُ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَارِثُهُ أَوْ مَوْلَاهُ وَتَعَادَلَتَا فَإِنَّهُ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يُعْتَبَرُ وَضْعُ الْيَدِ.
قَوْلُهُ: [مَعَ تَسَاوِي الْبَيِّنَتَيْنِ] : أَيْ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ بِأَنْ تَشْهَدَ إحْدَاهُمَا أَنَّ هَذَا الْمُتَنَازَعَ فِيهِ لِزَيْدٍ مِلْكٌ وَالْأُخْرَى لِعَمْرٍو مِلْكٌ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ سَبَبِ الْمِلْكِ.
قَوْلُهُ: [وَرَجَحَ بِالْمِلْكِ عَلَى الْحَوْزِ] : اعْلَمْ أَنَّ مَوْضُوعَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْبَيِّنَةَ الشَّاهِدَةَ بِالْحَوْزِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْمِلْكِ أُقِيمَتْ قَبْلَ الْحِيَازَةِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا وَهِيَ عَشْرُ سِنِينَ بِقُيُودِهَا الْآتِيَةِ فَلَا يُنَافِي قَوْلَ الْمُصَنِّفِ الْآتِي وَإِنْ حَازَ أَجْنَبِيٌّ غَيْرُ شَرِيكٍ إلَخْ.
قَوْلَهُ: [وَرَجَحَ بِنَقْلٍ عَنْ أَصْلٍ] : أَيْ وَلَوْ كَانَتْ النَّاقِلَةُ تَشْهَدُ بِالسَّمَاعِ.
وَقَوْلُهُ: [عَلَى مُسْتَصْحَبَةٍ لَهُ] : أَيْ وَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْمُسْتَصْحَبَةُ بَيَّنَتْ الْمِلْكَ وَسَبَبَهُ كَمِثَالِ الشَّارِحِ

لِزَيْدٍ أَنَّ هَذِهِ السِّلْعَةَ لَهُ لِكَوْنِهِ نَسَجَهَا أَوْ كَتَبَهَا أَوْ اصْطَادَهَا أَوْ بَنَاهَا، وَشَهِدَتْ أُخْرَى أَنَّهَا لِعَمْرٍو اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ أَوْ وَرِثَهَا مِنْهُ أَوْ وَهَبَهَا لَهُ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ النَّقْلِ عَلَى بَيِّنَةِ الِاسْتِصْحَابِ.
(وَاعْتُمِدَتْ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ) : أَيْ الشَّاهِدَةُ بِهِ لِحَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ عَلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ تَشْهَدَ بِمِلْكِ شَيْءٍ لِإِنْسَانٍ إلَّا إذَا اعْتَمَدَتْ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ تَعْتَمِدَ (عَلَى) أُصُولِ (التَّصَرُّفِ) مِنْ وَاضِعِ الْيَدِ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ مِنْ رُكُوبٍ أَوْ سُكْنَى أَوْ لُبْسٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
(وَ) الثَّانِي: أَنْ تَعْتَمِدَ عَلَى (حَوْزٍ طَالَ) لِذَلِكَ الشَّيْءِ (كَعَشَرَةِ أَشْهُرٍ) فَأَكْثَرَ لَا أَقَلَّ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَعْتَمِدَ عَلَى (عَدَمِ مُنَازِعٍ) لَهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ.
وَأَشَارَ لِلرَّابِعِ بِقَوْلِهِ: (مَعَ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ) : أَيْ إلَى وَاضِعِ الْيَدِ وَإِنْ لَمْ تُصَرِّحْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فِي شَهَادَتِهَا.
وَيُشْتَرَطُ صِحَّةُ شَهَادَتِهَا بِالْمِلْكِ أَيْضًا أَنْ تَقُولَ فِي شَهَادَتِهَا: وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِنَا، وَقَدْ أَشَارَ لِذَلِكَ بِالْعَطْفِ عَلَى: " اعْتَمَدَتْ " بِقَوْلِهِ: (وَقَالَتْ) فِي شَهَادَتِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ (وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِنَا) بِنَاقِلٍ شَرْعِيٍّ.
فَإِنْ قَطَعُوا بِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ، فَإِنْ أَطْلَقُوا فَفِي بُطْلَانِهَا خِلَافٌ.
فَعُلِمَ أَنَّ شُرُوطَ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ بَتًّا خَمْسَةٌ: الِاعْتِمَادُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ - وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوهَا فِي الشَّهَادَةِ - وَالْخَامِسُ: عَدَمُ عِلْمِهِمْ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ النَّقْلِ] : مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا تَقْدِيمُ الْبَيِّنَةِ بِالتَّنَصُّرِ لِلْأَسِيرِ كُرْهًا عَلَى الْبَيِّنَةِ بِالطَّوْعِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي تَنَصُّرِ الْأَسِيرِ الطَّوْعُ.
تَنْبِيهٌ.
إذَا تَعَارَضَتْ الْأَصَالَةُ وَالْفَرْعِيَّةُ قُدِّمَتْ الْأَصَالَةُ كَبَيِّنَةِ السَّفَهِ وَالرُّشْدِ وَالْعُسْرِ وَالْيَسَارِ وَالْجُرْحَةِ وَالْعَدَالَةِ وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ فَإِنَّ بَيِّنَةَ السَّفَهِ تُقَدَّمُ وَكَذَا بَيِّنَةُ الْعُسْرِ وَالْجُرْحَةِ وَالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ هِيَ الْأَصْلُ وَأَضْدَادُهَا فُرُوعٌ كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ (بْن) نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [الِاعْتِمَادُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ] : أَيْ الَّتِي هِيَ التَّصَرُّفُ

بِالْخُرُوجِ عَنْ يَدِ ذَلِكَ الْمُتَصَرِّفِ مَعَ ذِكْرِهِمْ لَهُ فِي أَدَائِهَا: إنْ كَانَ الشَّاهِدُ يَعْرِفُ مَا تَصِحُّ بِهِ الشَّهَادَةُ قُبِلَ مِنْهُ إطْلَاقُ مَعْرِفَةِ الْمِلْكِ، وَإِلَّا فَلَا، حَتَّى يُفَسِّرَ الْخَمْسَةَ الْأَشْيَاءَ بِأَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ أَنَّ يَدَهُ عَلَى مَا يَدَّعِي، وَأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ مُدَّةً طَوِيلَةً عَشْرَةَ أَشْهُرٍ أَوْ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ، وَأَنَّهُ يَنْسُبُهُ لِنَفْسِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُنَازِعْهُ فِيهِ مُنَازِعٌ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِي.
أَوْ يَقُولَ: وَمَا عَلِمْتُهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ.
وَقِيلَ: ذِكْرُ الْخَامِسِ فِي الشَّهَادَةِ شَرْطُ كَمَالٍ، وَقَدْ أَشَارَ لَهُ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: " وَتُؤُوِّلَتْ عَلَى الْكَمَالِ فِي الْأَخِيرِ ". وَعَلَيْهِ: فَيَحْلِفُ الْمَشْهُودُ لَهُ أَنَّهَا فِي مِلْكِي وَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِي بِنَاقِلٍ شَرْعِيٍّ بَتًّا، وَيَحْلِفُ وَارِثُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ.
(وَإِنْ شَهِدَتْ) الْبَيِّنَةُ عَلَى مُكَلَّفٍ غَيْرِ مَحْجُورٍ (بِإِقْرَارٍ مِنْ أَحَدِهِمَا) : أَيْ مِنْ أَحَدِ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِي الشَّيْءِ لِلْآخَرِ بِأَنْ تَقُولَ الْبَيِّنَةُ: نَشْهَدُ بِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ سَابِقًا بِأَنَّ هَذَا الشَّيْءَ لِفُلَانٍ وَهُوَ الْآنَ يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ (اُسْتُصْحِبَ) إقْرَارُهُ وَقَضَى بِهِ لِفُلَانٍ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَحْجُورِ مُؤَاخَذٌ بِإِقْرَارِهِ، فَلَا يَصِحُّ لَهُ دَعْوَى الْمِلْكِ فِيهِ لِنَفْسِهِ إلَّا بِإِثْبَاتِ انْتِقَالِهِ إلَيْهِ.

(وَإِنْ تَعَذَّرَ تَرْجِيحٌ) لِإِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بِوَجْهٍ مِنْ الْمُرَجَّحَاتِ (وَهُوَ) : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ (بِيَدِ غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الْمُتَنَازِعَيْنِ (سَقَطَتَا) لِتَعَارُضِهِمَا (وَبَقِيَ) الْمُتَنَازَعُ فِيهِ (بِيَدِ حَائِزِهِ) : وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا لَكَانَ التَّرْجِيحُ بِالْيَدِ.

[حاشية الصاوي]

وَطُولُ الْحَوْزِ وَعَدَمُ الْمُنَازَعِ وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [وَعَلَيْهِ فَيُحَلَّفُ الْمَشْهُودُ لَهُ] : أَيْ بِالْقَوْلِ بِأَنَّ الْخَامِسَ شَرْطُ كَمَالٍ

[الْمُرَجَّحَاتِ عِنْد تَنَازَعَ بَيِّنَتَانِ]

قَوْلُهُ: [بِوَجْهٍ مِنْ الْمُرَجَّحَاتِ] : أَيْ مِنْ قَوْلِهِ بِبَيَانِ السَّبَبِ إلَى هُنَا.
قَوْلُهُ: [أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْمُتَنَازَعَ فِيهِ بِيَدِ غَيْرِهِمَا] : حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ أَنَّ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ ثَمَانِي صُوَرٍ: لِأَنَّ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ تَارَةً يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ وَتَارَةً يُقَرِّبُهُ لِأَحَدِهِمَا، وَتَارَةً لِغَيْرِهِمَا، وَتَارَةً لَا يَدَّعِيهِ لِأَحَدٍ.
وَفِي الْأَرْبَعِ: تَارَةً يَكُونُ لِكُلٍّ مِنْ الْمُتَنَازِعَيْنِ بَيِّنَةٌ وَتَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ بِعَدَمِ التَّرْجِيحِ، وَتَارَةً تَنْعَدِمُ بَيِّنَةُ كُلٍّ؛ فَهَذِهِ ثَمَانِ صُوَرٍ.
فَفِي صُوَرِ الْبَيِّنَةِ إذَا ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ وَسَقَطَتْ الْبَيِّنَتَانِ بَقِيَ بِيَدِهِ حَوْزًا وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِأَحَدِهِمَا فَهُوَ لِلْمُقَرِّ لَهُ بِيَمِينٍ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِغَيْرِهِمَا، أَوْ قَالَ: لَا أَدْرِي لِمَنْ هُوَ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ وَيُقْسَمُ

فصول الكتاب · 3 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك · 813 صفحة
المقدمة
بَابُ فِي الشُّفْعَةِ وَأَحْكَامِهَا
بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ
جارٍ التحميل