بَابُ فِي الشُّفْعَةِ وَأَحْكَامِهَا
(وَ) الْقَوْلُ لَهُ (فِي جُزْءِ الرِّبْحِ) بِأَنْ ادَّعَى النِّصْفَ فِيهِ، وَادَّعَى رَبُّهُ الثُّلُثَ مَثَلًا فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ (إنْ أَشْبَهَ) ، أَشْبَهَ رَبُّهُ أَمْ لَا.
(وَالْمَالُ) : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي يَدَّعِيهِ - وَلَوْ ذَلِكَ الْجُزْءَ خَاصَّةً - (بِيَدِهِ أَوْ وَدِيعَةٌ) عِنْدَ أَجْنَبِيٍّ بَلْ (وَإِنْ عِنْدَ رَبِّهِ) ثَبَتَ إيدَاعُهُ عِنْدَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ مِنْهُ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَلَا بَيِّنَةَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَالِ.
وَهَذَانِ الشَّرْطَانِ يَرْجِعَانِ لِمَسْأَلَةِ الْإِنْفَاقِ أَيْضًا.
(وَ) الْقَوْلُ (لِرَبِّهِ) : أَيْ الْمَالِ (إنْ انْفَرَدَ) فِي دَعْوَى جُزْءِ الرِّبْحِ (بِالشَّبَهِ) . وَتَقَدَّمَ أَنَّهُمَا إذَا لَمْ يُشْبِهَا مَعًا فَفِيهِ قِرَاضُ الْمِثْلِ (أَوْ قَالَ) رَبُّ الْمَالِ: إنَّهُ (قَرْضٌ) : أَيْ سَلَفٌ عِنْدَك (فِي) ادِّعَاءِ (قِرَاضٍ أَوْ وَدِيعَةٍ) مِنْ الْآخَرِ، فَالْقَوْلُ لِرَبِّهِ بِيَمِينٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَصْدِيقُ الْمَالِكِ فِي كَيْفِيَّةِ خُرُوجِ مَالِهِ مِنْ يَدِهِ.
(أَوْ) تَنَازَعَا (فِي جُزْءٍ) مِنْ الرِّبْحِ (قَبْلَ الْعَمَلِ) الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ اللُّزُومُ.
فَالْقَوْلُ لِرَبِّهِ بِلَا يَمِينٍ؛ لِأَنَّ لَهُ فَسْخَهُ عَنْ نَفْسِهِ (مُطْلَقًا) أَشْبَهَ أَمْ لَا.
(وَ) الْقَوْلُ (لِمُدَّعِي الصِّحَّةِ) مِنْهُمَا: أَيْ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى مَا يَقْتَضِي صِحَّةَ الْعَقْدِ، إذْ هُوَ الْأَصْلُ.
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ غَلَبَ الْفَسَادُ - وَقِيلَ: إنْ غَلَبَ الْفَسَادُ فَالْقَوْلُ لِمَنْ ادَّعَى الْفَسَادَ: فَإِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا: كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عَرْضًا.
أَوْ: شَرَطْنَا مَا يَقِلُّ وُجُودُهُ، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ كَانَ نَقْدًا، أَوْ: مَا يَكْثُرُ وُجُودُهُ.
[حاشية الصاوي]
جُزْءُ الرِّبْحِ عَلَى أُجْرَةِ الْبِضَاعَةِ، وَإِنَّمَا قُبِلَ قَوْلُ الْعَامِلِ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّ الْمَالِ يَرْجِعُ لِلِاخْتِلَافِ فِي جُزْءِ الرِّبْحِ، وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْعَامِلِ إذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا بَعْدَ الْعَمَلِ.
قَوْلُهُ: [وَالْقَوْلُ لَهُ فِي جُزْءِ الرِّبْحِ] : أَيْ إنْ كَانَ التَّنَازُعُ بَعْدَ الْعَمَلِ لَا قَبْلَهُ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ تَصْدِيقُ الْمَالِكِ] : أَيْ وَلِأَنَّ الْعَامِلَ يَدَّعِي عَدَمَ ضَمَانِ مَا وَضَعَ عَلَيْهِ يَدَهُ، وَالْأَصْلُ فِي وَضْعِ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ الضَّمَانُ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى الْقَرْضَ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: [وَظَاهِرُهُ وَلَوْ غَلَبَ الْفَسَادُ] : أَيْ؛ لِأَنَّ هَذَا الْبَابَ لَيْسَ مِنْ الْأَبْوَابِ الَّتِي يَغْلِبُ فِيهَا الْفَسَادُ وَهَذَا هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
فَالْقَوْلُ لَهُ دُونَ الْآخَرِ وَهَكَذَا فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الشُّرُوطِ.
(وَمَنْ مَاتَ وَقِبَلَهُ) : أَيْ جِهَتَهُ وَعِنْدَهُ (قِرَاضٌ أَوْ وَدِيعَةٌ) : أَوْ بِضَاعَةٌ، فَإِنْ وُجِدَ فِي تَرِكَتِهِ بِعَيْنِهِ وَثَبَتَ أُخِذَ بِعَيْنِهِ وَ (أُخِذَ مِنْ تَرِكَتِهِ) الْمِثْلُ أَوْ الْقِيمَةُ (إنْ لَمْ يُوجَدْ) بِعَيْنِهِ، لِاحْتِمَالِ إنْفَاقِهِ أَوْ تَلَفِهِ بِتَفْرِيطِهِ.
فَإِنْ ادَّعَى وَارِثُهُ أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ رَدَّهُ أَوْ تَلِفَ بِسَمَاوِيٍّ أَوْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ: فَقَالَ الْعَوْفِيُّ: قُبِلَ قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: هَذَا خَطَأٌ، وَمُجَرَّدُ قَوْلِ الْوَارِثِ مَا ذُكِرَ لَا يُقْبَلُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْقَوْلِ.
(وَتَعَيَّنَ بِوَصِيَّةٍ) بِأَنْ أَفْرَزَهُ، وَقَالَ: هَذَا قِرَاضُ فُلَانٍ، أَوْ وَدِيعَةٌ.
(وَقُدِّمَ) إذَا أَوْصَى بِهِ (عَلَى الْغُرَمَاءِ) أَيْ عَلَى دُيُونِهِمْ الثَّابِتَةِ (فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ) بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ فَقَوْلُهُ: " فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: تَقْدِيرُهُ: الثَّابِتَةُ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي التَّوْضِيحِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الشُّرُوطِ] : أَيْ فَمَتَى ادَّعَى أَحَدُهُمَا مَسْأَلَةً مُسْتَوْفِيَةً لِلشُّرُوطِ وَادَّعَى الْآخَرُ اخْتِلَالَ بَعْضِ الشُّرُوطِ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مُدَّعِي الصِّحَّةَ إلَّا لِبَيِّنَةٍ مِنْ الْآخَرِ عَلَى دَعْوَاهُ.
[مَاتَ وَعِنْدَهُ قِرَاضٌ]
قَوْلُهُ: [وَمَنْ مَاتَ] : أَيْ أَوْ أُسِرَ أَوْ فُقِدَ وَمَضَتْ عَلَيْهِ مُدَّةُ التَّعْمِيرِ.
قَوْلُهُ: [قُبِلَ قَوْلُهُ] : أَيْ لِأَنَّهُ نَزَلَ مَنْزِلَةَ مُوَرِّثِهِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إنْ ادَّعَى أَنَّ مُوَرِّثَهُ رَدَّهَا، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى الْوَارِثُ أَنَّ الرَّدَّ مِنْهُ فَلَا يُقْبَلُ اتِّفَاقًا، وَتَقَدَّمَ فِي الْوَدِيعَةِ زِيَادَةُ بَيَانٍ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ قَوْلُ الْعَوْفِيِّ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي تَقَدَّمَ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ أَفْرَزَهُ] : أَيْ عَيَّنَهُ، فَقَوْلُهُ: " وَقَالَ هَذَا قِرَاضُ فُلَانٍ " بَيَانٌ لِمَعْنَى الْإِفْرَازِ.
قَوْلُهُ: [وَقُدِّمَ إذَا أَوْصَى بِهِ] إلَخْ: هَذَا إذَا وُجِدَ ذَلِكَ الْمَالُ الْمُفْرَزُ وَكَانَ الْمَيِّتُ الَّذِي عَيَّنَهُ غَيْرَ مُفْلِسٍ، كَانَ التَّعْيِينُ فِي الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَصْلِهِ أَمْ لَا.
وَأَمَّا إنْ كَانَ مُفْلِسًا قُبِلَ تَعْيِينُهُ لَهُ إنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَصْلِهِ سَوَاءٌ عَيَّنَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ أَوْ الْمَرَضِ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بِأَصْلِهِ لَا يُقْبَلُ تَعْيِينُهُ كَانَ صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا.
وَأَمَّا إنْ عَيَّنَهُ بِالْوَصِيَّةِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ الَّذِي عَيَّنَهُ، فَلَا شَيْءَ لِرَبِّهِ؛ بِخِلَافِ مَا أَوْصَى بِهِ مُجْمَلًا، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ فَإِنَّهُ إنْ وَجَدَهُ رَبُّهُ أَخَذَهُ وَإِلَّا حَاصَصَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ.
وَفِي الْأُجْهُورِيِّ: لَوْ أَقَرَّ الْعَامِلُ بِكِرَاءِ حَانُوتٍ أَوْ أُجْرَةِ أَجِيرٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ بِبَقِيَّةِ ثَمَنٍ أَوْ نَحْوَ
(وَلَيْسَ لِعَامِلٍ) : أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ (هِبَةٌ) لِغَيْرِ ثَوَابٍ، وَلَوْ لِاسْتِئْلَافٍ إنْ كَثُرَ (أَوْ تَوْلِيَةٌ) لِسِلْعَةٍ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، بِأَنْ يُعْطِيَهَا لِغَيْرِهِ بِمِثْلِ مَا اشْتَرَى إذَا لَمْ يَخَفْ رُخْصَهَا، وَإِلَّا جَازَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْتِيَ بِطَعَامٍ كَغَيْرِهِ لِلْأَكْلِ مَا لَمْ يَقْصِدْ التَّفْضِيلَ عَلَى غَيْرِهِ بِزِيَادَةٍ لَهَا بَالٌ، وَإِلَّا مُنِعَ وَتَحَلَّلَ رَبَّ الْقِرَاضِ.
فَإِنْ لَمْ يُسَامِحْهُ كَافَأَهُ وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.