حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالكصفحات 729-30
أهل الأثرالأرشيف العلمي

عَنْ كَوْنِهَا مُعْتَكِفَةً فَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهَا، وَتَبْتَدِيهِ، فَأَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا أَوْ مِنْهَا عَمْدًا.

(وَلَزِمَ) الْمُعْتَكِفَ (يَوْمٌ بِلَيْلَتِهِ) الْمَنْذُورَةِ (وَإِنْ نَذَرَ لَيْلَةً) فَقَطْ.
فَإِنْ نَذَرَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لَزِمَهُ لَيْلَتُهُ وَصَبِيحَتُهَا: وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ لَزِمَهُ لَيْلَةٌ مَعَ صَبِيحَتِهَا؛ أَيُّ لَيْلَةٍ كَانَتْ لِأَنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَلَا يَتَحَقَّقُ الصَّوْمُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَرْكَانِهِ إلَّا بِالْيَوْمِ.
وَأَوْلَى إذَا نَذَرَ يَوْمًا (لَا) إنْ نَذَرَ (بَعْضَ يَوْمٍ) فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إذْ لَا يُصَامُ بَعْضُ يَوْمٍ.

(وَ) لَزِمَ (تَتَابُعُهُ) أَيْ الِاعْتِكَافِ (فِي) نَذْرِ (مُطْلِقِهِ) : أَيْ الَّذِي لَمْ يُقَيِّدْهُ بِتَتَابُعٍ وَلَا عَدَمِهِ، فَإِنْ قَيَّدَ بِشَيْءٍ عَمِلَ بِهِ؛ وَهَذَا فِي الْمَنْذُورِ.
(وَ) أَمَّا غَيْرُهُ فَيَلْزَمُهُ (مَا نَوَاهُ) قَلَّ أَوْ كَثُرَ (بِدُخُولِهِ) مُعْتَكَفِهِ.

[حاشية الصاوي]

كَالْعِيدِ، أَوْ مِنْ الصَّوْمِ وَالْمَسْجِدِ، فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَإِنْ مَنْ كَحَائِضٍ، كَانَ أَوْلَى.

[مَا يَلْزَم الْمُعْتَكِف]

قَوْلُهُ: [وَأَوْلَى إذَا نَذَرَ يَوْمًا] : فَمَنْ نَذَرَ يَوْمًا مَا لَزِمَهُ لَيْلَةً زِيَادَةً عَلَى الْيَوْمِ الَّذِي نَذَرَهُ، وَاللَّيْلَةُ الَّتِي تَلْزَمُهُ هِيَ لَيْلَةُ الْيَوْمِ الَّذِي نَذَرَهُ لَا اللَّيْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَا لِابْنِ يُونُسَ وَغَيْرِهِ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ دُخُولُهُ الْمُعْتَكَفَ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَوْ مَعَهُ، وَكَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ] : أَيْ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَمَحَلُّ عَدَمِ اللُّزُومِ مَا لَمْ يَنْوِ الْجَوَازَ، وَإِلَّا لَزِمَهُ مَا نَذَرَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ لُزُومِ شَيْءٍ هُوَ مَحَلُّ اتِّفَاقٍ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ.
وَاخْتَلَفَا فِيمَنْ نَذَرَ طَاعَةً نَاقِصَةً غَيْرَ اعْتِكَافٍ؛ كَصَلَاةِ رَكْعَةٍ وَصَوْمِ بَعْضِ يَوْمٍ، فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ النَّذْرُ صَحِيحٌ، وَيَلْزَمُهُ كَمَالُهُ، وَعِنْدَ سَحْنُونَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاعْتِكَافِ وَغَيْرِهِ ضَعْفُ أَمْرِ الِاعْتِكَافِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَإِنَّهُمَا مِنْ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ.

قَوْلُهُ: [وَلَزِمَ تَتَابُعُهُ] إلَخْ: أَيْ فَإِنْ نَذْر اعْتِكَافَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمُتَابَعَةٍ وَلَا تَفَرُّقٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ تَتَابُعُهَا، لِأَنَّ طَرِيقَةَ الِاعْتِكَافِ وَشَأْنَهُ التَّتَابُعُ.
قَوْلُهُ: [بِدُخُولِهِ مُعْتَكَفَهُ] : أَيْ لِأَنَّ النَّفَلَ يَلْزَمُ كَمَالُهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، فَإِنْ

(وَ) لَزِمَ (دُخُولُهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَوْ مَعَهُ) لِيَتَحَقَّقَ لَهُ كَمَالُ اللَّيْلَةِ.
(وَ) لَزِمَ (خُرُوجُهُ) مِنْ مُعْتَكَفِهِ (بَعْدَهُ) ، أَيْ بَعْدَ الْغُرُوبِ لِيَتَحَقَّقَ لَهُ كَمَالُ النَّهَارِ.

(وَنُدِبَ مُكْثُهُ) أَيْ الْمُعْتَكِفِ (لَيْلَةَ الْعِيدِ) إذَا اتَّصَلَ اعْتِكَافُهُ بِهَا، لِيَخْرُجَ مِنْهُ إلَى الْمُصَلَّى فَيُوصِلَ عِبَادَةً بِعِبَادَةٍ.

(وَ) نُدِبَ مُكْثُهُ (بِآخِرِ الْمَسْجِدِ) لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ النَّاسِ.

(وَ) نُدِبَ اعْتِكَافُهُ (بِرَمَضَانَ) لِأَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِ الشُّهُورِ، وَفِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ

[حاشية الصاوي]

لَمْ يَدْخُلْ مُعْتَكَفَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ.

قَوْلُهُ: [وَلَزِمَ دُخُولُهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ] : قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَمَنْ دَخَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ اعْتَدَّ بِيَوْمِهِ، وَبَعْدَ الْفَجْرِ لَا يَعْتَدُّ بِهِ، وَفِيمَا بَيْنَهُمَا قَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ الِاعْتِدَادُ، وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَعْتَدُّ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ سَحْنُونَ عَلَى النَّذْرِ، وَالْقَوْلَيْنِ بِالِاعْتِدَادِ عَلَى النَّفْلِ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ الِاعْتِدَادُ مُطْلَقًا نَفْلًا أَوْ نَذْرًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَبْنَى الْقَوْلَيْنِ الْخِلَافُ فِي أَقَلِّ مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الِاعْتِكَافُ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ إذَا دَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ لَا يُجْزِي مَا لَمْ يَضُمَّ لَهُ لَيْلَةً فِي الْمُسْتَقْبَلِ، سَوَاءٌ كَانَ مَنْوِيًّا أَوْ مَنْذُورًا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ أَقَلَّهُ يَوْمٌ فَقَطْ إذَا دَخَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ مَعَهُ، أَجْزَأَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَوْ كَانَ نَذْرًا.

[مَنْدُوبَات الِاعْتِكَافِ]

قَوْلُهُ: [إذَا اتَّصَلَ اعْتِكَافُهُ بِهَا] : أَشْعَرَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ اعْتِكَافُهُ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ أَوْ الْأَوْسَطِ لَمْ يُنْدَبْ لَهُ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَلِي ذَلِكَ، وَهُوَ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: [بِآخِرِ الْمَسْجِدِ] : أَيْ عَجُزِهِ الْمُقَابِلِ لِصَدْرِهِ.

[تَنْبِيه الْتِمَاس لَيْلَة الْقَدْر]

قَوْلُهُ: [وَفِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ] : أَيْ غَالِبًا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ هَلْ هِيَ دَائِرَةٌ بِالْعَامِ، وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ حَيْثُ قَالَ: وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ أَوْلَى الْأَقَاوِيلِ، أَوْ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ الَّذِي شَهَرَهُ ابْنُ غَلَّابٍ، وَعَلَى كُلٍّ فَالْغَالِبُ كَوْنُهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، سَوَاءٌ عَلِمَ الْقَائِمُ لَهَا بِأَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ أَوْ لَا.
وَلَهَا عَلَامَاتٌ ذَكَرَهَا الْعُلَمَاءُ مِنْهَا: طُلُوعُ الشَّمْسِ صَبِيحَةَ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا، وَلَيْلَتُهَا تَكُونُ السَّمَاءُ صَحْوًا لَا غَيْمَ فِيهَا، وَالْوَقْتُ لَا حَارٌّ وَلَا بَارِدٌ، قَالَ شَيْخُنَا الْمُؤَلِّفُ وَمَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا يَرَى كُلَّ شَيْءٍ

الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.

[حاشية الصاوي]

سَاجِدًا لِلَّهِ، يَسْمَعُ مِنْهُ الذِّكْرَ بِلِسَانِ الْمَقَالِ، وَيُشَاهِدُ أُمُورًا لَا تُحِيطُ بِهَا الْعِبَارَةُ، وَيُنْدَبُ لِمَنْ رَآهَا أَنْ يَكْتُمَهَا فَلَا يُحَدِّثَ بِهَا، لِأَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهَا مِنْ السِّرِّ الْمَكْتُومِ، وَمَنْ بَاحَ بِالسِّرِّ ضَيَّعَهُ؛ وَلِمُحْيِي الدِّينِ بْنِ الْعَرَبِيِّ قَاعِدَةٌ لِإِدْرَاكِهَا حَاصِلُهَا: أَنَّهُ إنْ كَانَ مَبْدَأُ الشَّهْرِ الْجُمُعَةَ كَانَتْ لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَإِنْ كَانَ السَّبْتُ كَانَتْ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَإِنْ كَانَ الْأَحَدُ كَانَتْ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَإِنْ كَانَ الِاثْنَيْنِ كَانَتْ لَيْلَةَ تَاسِعَ عَشْرَةَ، وَإِنْ كَانَ الثُّلَاثَاءُ كَانَتْ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَإِنْ كَانَ الْأَرْبِعَاءُ كَانَتْ لَيْلَةَ سَابِعَ عَشْرَةَ، وَإِنْ كَانَ الْخَمِيسُ كَانَتْ لَيْلَةً عَشْرِيَّةً فَاحْفَظْ تِلْكَ الْقَاعِدَةَ.
وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ إمَّا لِتَقْدِيرِ الْبَرَكَاتِ وَالْخَيْرَاتِ فِيهَا لِأَنَّ جَمِيعَ مُكَوَّنَاتِ الْعَالَمِ تُقَدَّرُ فِيهَا، أَيْ تَظْهَرُ لِلْمَلَائِكَةِ، أَوْ لِعِظَمِ قَدْرِهَا.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ أَوْ السَّابِعَةِ أَوْ الْخَامِسَةِ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» ، مَا بَقِيَ مِنْ الْعَشْرِ لَا مَا مَضَى، فَالتَّاسِعَةُ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَالسَّابِعَةُ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَالْخَامِسَةُ لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، إنْ كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا وَإِلَّا فَالتَّاسِعَةُ لَيْلَةُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَالسَّابِعَةُ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَالْخَامِسَةُ لَيْلَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ فَتَأَمَّلْ، وَقِيلَ الْعَدَدُ مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ، فَالتَّاسِعَةُ لَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَالسَّابِعَةُ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَالْخَامِسَةُ لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَيُحْتَاطُ فِي الْعَشْرِ كَمَا قَالُوا لِاحْتِمَالِ كَمَالِ الشَّهْرِ وَنُقْصَانِهِ.
قَوْلُهُ: [الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ] : أَيْ كَمَا نَطَقَتْ بِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ.

(وَ) نُدِبَ كَوْنُهُ (بِالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ) لِأَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِيهِ أَرْجَى.

(وَ) نُدِبَ (إعْدَادُهُ ثَوْبًا آخَرَ) غَيْرَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُصِيبَ مَا عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ أَوْ وَسَخٌ أَوْ قَمْلٌ، فَيَلْبَسَ مَا أَعَدَّهُ.

(وَ) نُدِبَ (اشْتِغَالُهُ) حَالَ اعْتِكَافِهِ (بِذِكْرٍ) نَحْوِ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " وَمِنْهُ الِاسْتِغْفَارُ، (وَتِلَاوَةِ) الْقُرْآنِ (وَصَلَاةٍ) وَهِيَ مَجْمَعُ الذِّكْرِ وَالْخَيْرِ.

(وَكُرِهَ أَكْلُهُ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَوْ رَحْبَتِهِ) : الَّتِي زِيدَتْ لِتَوْسِعَتِهِ، فَإِنْ أَكَلَ خَارِجَ ذَلِكَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَالْمَطْلُوبُ أَنْ يَأْكُلَ فِيهِ عَلَى حِدَةٍ.

(وَ) كُرِهَ لِقَادِرٍ عَلَى الْكِفَايَةِ (اعْتِكَافُهُ غَيْرَ مَكْفِيٍّ) - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ - اسْمُ مَفْعُولٍ كَمَرْمِيٍّ أَصْلُهُ مَرْمَوِيٌّ، لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ لِخُرُوجِهِ إلَى شِرَاءِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، فَيَنْدُبُ أَنْ يَعْتَكِفَ مُحَصِّلًا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ وَمَلْبَسٍ،

[حاشية الصاوي]

وَسَبَبُهَا أَنَّهُ «ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل حَمَلَ السِّلَاحَ عَلَى عَاتِقِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى أَلْفَ شَهْرٍ، وَهِيَ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَتَعَجَّبَ لِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَجَبًا شَدِيدًا، وَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي أُمَّتِهِ، فَقَالَ يَا رَبِّ جَعَلْت أُمَّتِي أَقْصَرَ الْأُمَمِ أَعْمَارًا وَأَقَلَّهَا أَعْمَالًا، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَقَالَ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 3] » ، أَيْ الَّتِي حَمَلَ فِيهَا الْإِسْرَائِيلِيُّ السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، لَك وَلِأُمَّتِك مِنْ بَعْدِك إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ رَمَضَانَ.

قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ اشْتِغَالُهُ] : أَيْ فَالْأَفْضَلُ فِي عِبَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِغَيْرِهَا مَكْرُوهٌ وَإِنْ كَانَ عِلْمًا، كَمَا يَأْتِي، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَا يُسْرِعُ بِهَضْمِ النَّفْسِ.

قَوْلُهُ: [أَصْلُهُ مَرْمَوِيٌّ] : اجْتَمَعَتْ الْوَاوُ وَالْيَاءُ وَسُبِقَتْ إحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ، قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ الْيَاءُ فِي الْيَاءِ، وَقُلِبَتْ الضَّمَّةُ كَسْرَةً وَمَكْفِيٌّ يُقَالُ فِيهِ هَكَذَا.

فَإِنْ اعْتَكَفَ غَيْرَ مَكْفِيٍّ، جَازَ لَهُ الْخُرُوجُ لِشِرَاءِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلَا يَتَجَاوَزُ أَقْرَبَ مَكَان أَمْكَنَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَسَدَ اعْتِكَافُهُ.

(وَ) كُرِهَ لَهُ - إذَا خَرَجَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ - (دُخُولُهُ بِمَنْزِلٍ بِهِ أَهْلُهُ) أَيْ زَوْجَتُهُ أَوْ سُرِّيَّتُهُ لِئَلَّا يَطْرَأَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا مَا يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ.

(وَ) كُرِهَ (اشْتِغَالُهُ) أَيْ الْمُعْتَكِفُ (بِعِلْمٍ) وَلَوْ شَرْعِيًّا تَعْلِيمًا أَوْ تَعَلُّمًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الِاعْتِكَافِ صَفَاءُ الْقَلْبِ بِمُرَاقَبَةِ الرَّبِّ، وَهُوَ إنَّمَا يَحْصُلُ غَالِبًا بِالذِّكْرِ وَعَدَمِ الِاشْتِغَالِ بِالنَّاسِ، (وَكِتَابَةٍ، وَإِنْ) كَانَ الْمَكْتُوبُ (مُصْحَفًا) لِمَا فِيهَا مِنْ نَوْعِ اشْتِغَالٍ عَنْ مُلَاحَظَةِ الرَّبِّ تَعَالَى.
وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ الِاعْتِكَافِ كَثْرَةُ الثَّوَابِ، بَلْ صَفَاءُ مِرْآةِ الْقَلْبِ الَّذِي بِهِ سَعَادَةُ الدَّارَيْنِ.
وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ وَالْكِتَابَةِ، (إنْ كَثُرَ) لَا إنْ قَلَّ

وَعَطَفَ عَامًّا عَلَى خَاصٍّ بِقَوْلِهِ: (وَ) كُرِهَ اشْتِغَالُهُ بِكُلِّ (فِعْلٍ غَيْرِ ذِكْرٍ وَتِلَاوَةٍ وَصَلَاةٍ) : وَأَمَّا فِعْلُ هَذِهِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَإِنْ اعْتَكَفَ غَيْرَ مَكْفِيٍّ] : أَيْ مُرْتَكِبًا لِلْكَرَاهَةِ.

قَوْلُهُ: [دُخُولُهُ بِمَنْزِلٍ بِهِ أَهْلُهُ] إلَخْ: أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ الْكَرَاهَةَ مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِ الْمَنْزِلِ فِيهِ أَهْلُهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِهِمْ عَنْ اعْتِكَافِهِ.
وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ جَوَازُ مَجِيءِ زَوْجَتِهِ إلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَانِعٌ مِنْ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَنْزِلُ قَرِيبًا فَلَوْ كَانَ بَعِيدًا وَذَهَبَ إلَيْهِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْمَنْزِلِ أَهْلُهُ فَلَا كَرَاهَةَ، أَوْ بِأَنْ دَخَلَ فِي أَسْفَلِ الْبَيْتِ وَأَهْلُهُ بِأَعْلَاهُ.

قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ اشْتِغَالُهُ بِعِلْمٍ] إلَخْ: أَيْ غَيْرِ عَيْنِيٍّ وَإِلَّا لَمْ يُكْرَهْ، وَكَرَاهَةُ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ الْغَيْرِ الْعَيْنِيِّ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّ الِاعْتِكَافَ يَخْتَصُّ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالصَّلَاةِ وَأَمَّا عَنْ مَذْهَبِ ابْنِ وَهْبٍ مِنْ أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمُعْتَكِفِ جَمِيعُ أَعْمَالِ الْبِرِّ فَيَجُوزُ لَهُ مُدَارَسَةُ الْعِلْمِ وَكِتَابَتُهُ.
قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ الِاعْتِكَافِ] إلَخْ: فِيهِ رَدٌّ عَلَى ابْنِ وَهْبٍ.
قَوْلُهُ: [الَّذِي بِهِ] : أَيْ بِالصَّفَاءِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى اعْتَنَتْ الصُّوفِيَّةُ بِالْخَلْوَةِ الْمَشْهُورَةِ بِشُرُوطِهَا، فَإِنَّ فِيهِ تَشْدِيدًا أَكْثَرَ مِنْ الِاعْتِكَافِ، وَلِذَلِكَ لَا يُحْسِنُهَا إلَّا مَنْ سَبَقَتْ لَهُمْ الْعِنَايَةُ.

الثَّلَاثَةِ فَمَنْدُوبٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْ الذِّكْرِ: الْفِكْرُ الْقَلْبِيُّ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَدَقَائِقِ الْحُكْمِ، وَالِاسْتِغْفَارُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ.
وَمَثَّلَ لِفِعْلِ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ بِقَوْلِهِ: (كَعِيَادَةِ مَرِيضٍ) : بِالْمَسْجِدِ إنْ انْتَقَلَ لَهُ فِيهِ، لَا إنْ كَانَ بِلَصْقِهِ.
(وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ وَلَوْ لَاصَقَتْ) الْمُعْتَكَفَ، بِأَنْ وُضِعَتْ بِقُرْبِهِ وَانْتَهَى زِحَامُهَا إلَيْهِ.
(وَصُعُودِهِ لِأَذَانٍ بِمَنَارٍ أَوْ سَطْحٍ) لِلْمَسْجِدِ لَا بِمَكَانِهِ أَوْ صَحْنِهِ.
(وَإِقَامَتِهِ) لِلصَّلَاةِ.
وَالسَّلَامِ عَلَى الْغَيْرِ إنْ بَعُدَ.
(وَجَازَ سَلَامُهُ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِ) .

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [الْفِكْرُ الْقَلْبِيُّ] : بَلْ هُوَ أَعْظَمُ الذِّكْرِ لِقَوْلِ أَبِي الْحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ: ذَرَّةٌ مِنْ عَمَلِ الْقُلُوبِ خَيْرٌ مِنْ مَثَاقِيلِ الْجِبَالِ مِنْ عَمَلِ الْأَبَدَانِ، وَقَالَ الْعَارِفُونَ: إنَّ تَفْجِيرَ يَنَابِعِ الْحِكَمِ مِنْ الْقَلْبِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْفِكْرِ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ عِبَادَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ الْبَعْثَةِ الْفِكْرَ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ.
قَوْلُهُ: [وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ] : أَيْ لِأَنَّ فِيهِمَا ذِكْرٌ وَزِيَادَةٌ، وَهُوَ الْقِيَامُ بِبَعْضِ حُقُوقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِذَلِكَ قَالُوا: هِيَ شَيْخُ مَنْ لَا شَيْخَ لَهُ.
قَوْلُهُ: [لَا إنْ كَانَ بِلَصْقِهِ] : أَيْ فَلَا كَرَاهَةَ بَلْ هُوَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ وَفِيهِ الثَّوَابُ.
قَوْلُهُ: [وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمُصَلَّى عَلَيْهِ جَارًا أَوْ صَالِحًا مَا لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [وَإِقَامَتُهُ لِلصَّلَاةِ] : أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ، وَأَمَّا إمَامَتُهُ فَلَا بَأْسَ بِهَا بَلْ مُسْتَحَبَّةٌ وَلَوْ مُرَتَّبًا، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْتَكِفُ وَيُصَلِّي إمَامًا خِلَافًا لِعَدِّ خَلِيلٍ لَهَا فِي الْمَكْرُوهَاتِ.
قَوْلُهُ: [وَجَازَ سَلَامُهُ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِ] : الْمُرَادُ سُؤَالُهُ عَنْ حَالِهِ كَقَوْلِهِ: كَيْفَ حَالُك، كَيْفَ أَصْبَحْت مَثَلًا، مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ عَنْ مَجْلِسِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الذِّكْرِ، كَذَا فِي الْأَصْلِ.

(وَ) جَازَ (تَطَيُّبُهُ) بِأَنْوَاعِ الطِّيبِ وَإِنْ كُرِهَ لِلصَّائِمِ غَيْرِ الْمُعْتَكِفِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَكِفَ مَعَهُ مَانِعٌ يَمْنَعُهُ مِمَّا يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ بِخِلَافِ الصَّائِمِ.

(وَ) جَازَ لَهُ (أَنْ: يَنْكِحَ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ: أَيْ يَعْقِدَ لِنَفْسِهِ، (وَ) أَنْ (يُنْكِحَ) بِضَمِّهَا أَيْ يُزَوِّجَ مَنْ لَهُ عَلَيْهَا وِلَايَةٌ إذَا لَمْ يَنْتَقِلْ مِنْ مَجْلِسِهِ وَلَمْ يَطُلْ الزَّمَنُ، وَإِلَّا كُرِهَ.

(وَ) جَازَ (أَخْذُهُ إذَا خَرَجَ) مِنْ الْمَسْجِدِ (لِكَغُسْلٍ) لِجَنَابَةٍ أَوْ جُمُعَةٍ أَوْ عِيدٍ (ظُفْرًا أَوْ شَارِبًا أَوْ عَانَةً) . (وَ) وَكُرِهَ حَلْقُ الرَّأْسِ.

(وَ) جَازَ إذَا خَرَجَ لِغَسْلِ ثَوْبِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ (انْتِظَارُ غَسْلِ ثَوْبِهِ وَتَجْفِيفِهِ) إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ وَإِلَّا كُرِهَ.

(وَمُطْلَقُ الْجِوَارِ) مُبْتَدَأٌ (اعْتِكَافٌ) خَبَرُهُ: يَعْنِي أَنَّ مَنْ نَذَرَ جِوَارًا بِمَسْجِدٍ مُبَاحٍ أَوْ نَوَاهُ، وَأَطْلَقَ بِأَنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِلَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ، وَلَا فِطْرٍ كَأَنْ

[حاشية الصاوي]

[مَا يَجُوز فِي الِاعْتِكَاف]

قَوْلُهُ: [وَجَازَ تَطَيُّبُهُ] : أَيْ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، خِلَافًا لِحَمْدِيسٍ الْقَائِلِ بِكَرَاهَتِهِ لِلصَّائِمِ وَلَوْ مُعْتَكِفًا.

قَوْلُهُ: [وَإِلَّا كُرِهَ] : أَيْ حَيْثُ حَصَلَ انْتِقَالٌ أَوْ طُولٌ، وَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ لَبَطَلَ اعْتِكَافُهُ.

قَوْلُهُ: [لِكَغُسْلٍ لِجَنَابَةٍ] إلَخْ: وَلَوْ لِحَرٍّ أَصَابَهُ، وَمِثْلُهُ لَوْ خَرَجَ لِضَرُورَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْغُسْلِ.
قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ حَلْقُ الرَّأْسِ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ خَارِجَهُ، خِلَافًا لِمَا فِي الْخَرَشِيِّ مِنْ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ لِكَغُسْلٍ الْجُمُعَةِ جَازَ لَهُ حَلْقُ الرَّأْسِ، وَلَا يَخْرُجُ لِحَلْقِهِ اسْتِقْلَالًا، لَكِنْ وَافَقَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَلَى ذَلِكَ، وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ حَلْقِهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ عَلَى الْقَوْلِ بِمَا لَمْ يَتَضَرَّرْ لِذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا.

قَوْلُهُ: [إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُ] : أَيْ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَنِيبُهُ فَالْجَوَازُ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ.

قَوْلُهُ: [بِمَسْجِدٍ مُبَاحٍ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ نَذَرَ جِوَارًا بِغَيْرِ مَسْجِدٍ، أَوْ مَسْجِدٍ غَيْرِ مُبَاحٍ كَمَسَاجِدِ الْبُيُوتِ الْمَحْجُورَةِ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.

قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ مُجَاوَرَةُ هَذَا الْمَسْجِدِ، أَوْ نَوَيْت الْجِوَارَ بِهِ، فَهُوَ اعْتِكَافٌ بِلَفْظِ جِوَارٍ، فَيَجْرِي فِيهِ جَمِيعُ أَحْكَامِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ صِحَّةِ بُطْلَانٍ وَجَوَازٍ وَنَدْبٍ وَكَرَاهَةٍ.
وَيَلْزَمُهُ فِي النَّذْرِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافٌ.
وَإِذَا لَمْ يَنْذُرْهُ يَلْزَمُهُ بِالدُّخُولِ مَا ذُكِرَ، وَأَمَّا إذْ قَيَّدَ بِشَيْءٍ فَإِنْ قَيَّدَ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَأَكْثَرَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِفِطْرٍ، فَظَاهِرٌ أَنَّهُ اعْتِكَافٌ وَيَلْزَمُهُ مَا نَذَرَ وَبِالدُّخُولِ مَا نَوَاهُ.
(فَإِنْ قَيَّدَهُ بِنَهَارٍ) فَقَطْ كَهَذَا النَّهَارِ أَوْ نَهَارِ الْخَمِيسِ، (أَوْ لَيْلٍ) فَقَطْ (لَزِمَ مَا نَذَرَهُ لَا مَا نَوَاهُ) فَلَهُ الْخُرُوجُ مَتَى شَاءَ، (وَلَا صَوْمَ) عَلَيْهِ فِيهِمَا (كَأَنْ قَيَّدَ بِالْفِطْرِ) فَلَا يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ بِالدُّخُولِ وَلَا الصَّوْمِ، (فَلَهُ الْخُرُوجُ) مِنْ الْمَسْجِدِ (إنْ نَوَى شَيْئًا) مِنْ الْيَوْمِ أَوْ الْأَيَّامِ (مَتَى شَاءَ وَلَوْ أَوَّلَ يَوْمٍ) فِيمَا إذَا نَوَى أَيَّامًا أَوْ أَوَّلَ سَاعَةٍ مِنْ الْيَوْمِ، فِيمَا إذَا نَوَى يَوْمًا أَوْ بَعْضَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَذَرَ فَيَلْزَمُهُ مَا نَذَرَهُ وَلَا صَوْمَ لِالْتِزَامِهِ الْفِطْرَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْجِوَارِ الْمُقَيَّدِ بِزَمَنٍ وَلَوْ قَلَّ - كَيَوْمٍ أَوْ بَعْضِهِ - وَلَوْ سَاعَةً لَطِيفَةً أَوْ بِفِطْرٍ فَضْلًا كَثِيرًا؛ فَمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا لِأَمْرٍ مَا، وَنَوَى الْجِوَارَ بِهِ أَثَابَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ مَا دَامَ مَاكِثًا بِهِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَإِنْ قَيَّدَهُ بِنَهَارٍ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ الْجِوَارَ إمَّا مُطْلَقٌ أَوْ مُقَيَّدٌ بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، فَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا وَلَمْ يَنْوِ فِيهِ فِطْرًا لَزِمَ بِالنَّذْرِ إذَا نَذَرَهُ، وَبِالدُّخُولِ إذَا نَوَاهُ، وَإِنْ قَيَّدَهُ بِالْفِطْرِ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً فَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِالنَّذْرِ وَلَا يَلْزَمُ بِالدُّخُولِ إذَا نَوَاهُ، وَأَمَّا الْمُقَيَّدُ بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِالنَّذْرِ، وَلَا يَلْزَمُ بِالدُّخُولِ كَالْمُقَيَّدِ بِالْفِطْرِ.
قَوْلُهُ: [كَأَنْ قَيَّدَ بِالْفِطْرِ] : أَيْ لَفْظًا أَوْ نِيَّةً.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ أَوَّلَ يَوْمٍ] : أَيْ وَهُوَ الْأَرْجَحُ مِنْ تَأْوِيلَيْنِ ذَكَرَهُمَا خَلِيلٌ.
قَوْلُهُ: [فَضْلًا كَثِيرًا] : أَيْ وَلِذَلِكَ يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ.
قَوْلُهُ: [مَا دَامَ مَاكِثًا بِهِ] : لِمَا وَرَدَ: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ، تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ» ، وَوَرَدَ أَيْضًا: «إنَّهُ فِي صَلَاةٍ

وَلَمَّا كَانَتْ مُبْطِلَاتُ الِاعْتِكَافِ قِسْمَيْنِ.
الْأَوَّلُ: مَا يَبْطُلُ مَا فَعَلَ مِنْهُ، وَيُوجِبُ اسْتِئْنَافَهُ - وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: " وَإِلَّا خَرَجَ وَبَطَلَ " إلَخْ - وَالثَّانِي: مَا يَخُصُّ زَمَنَهُ وَلَا يَبْطُلُ مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِمُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ؛ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مَا يَمْنَعُ الصَّوْمَ فَقَطْ، وَمَا يَمْنَعُ الْمُكْثَ بِالْمَسْجِدِ فَقَطْ، وَمَا يَمْنَعُهَا مَعًا، أَشَارَ لِأَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَخْرُجُ) الْمُعْتَكِفُ: أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ (لِمَانِعٍ مِنْ الصَّوْمِ فَقَطْ) دُونَ الْمَسْجِدِ، (كَالْعِيدِ وَمَرَضٍ خَفِيفٍ) يَسْتَطِيعُ الْمُكْثَ مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ دُونَ الصَّوْمِ، كَمَنْ نَذَرَ شَهْرَ ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ نَوَاهُ عِنْدَ دُخُولِهِ فَلَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَإِلَّا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَكَذَا الْمَرَضُ الْخَفِيفُ، نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَالْخُرُوجُ - أَيْ جَوَازُهُ - مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ.

[حاشية الصاوي]

مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ» ، وَوَرَدَ أَيْضًا: «إنَّهُ فِي ضَمَانِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ لِمَنْزِلِهِ» ، وَكَفَانَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 18] الْآيَةَ.

قَوْلُهُ: [فَلَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى] إلَخْ: أَيْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ كَمَا فِي الرَّجْرَاجِيِّ وَالْمَوَّاقِ، وَقِيلَ إنَّهُ يَجُوزُ الْخُرُوجُ وَمِثْلُ يَوْمِ الْأَضْحَى تَالِيَاهُ لِأَنَّهُمَا مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي جَوَازِ الْخُرُوجِ لِلْعُذْرِ الْمَانِعِ مِنْ الصَّوْمِ فَقَطْ وَعَدَمِ جَوَازِهِ قَوْلَيْنِ، فَرُوِيَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: يَخْرُجُ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: لَا يَخْرُجُ، هَكَذَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ نَاجِي وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَالْخُرُوجُ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَكَذَا عَزَاهُ اللَّخْمِيُّ أَيْضًا لِظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا نَقَلَهُ (ح) . وَأَمَّا مَا قَرَّرَ الْأُجْهُورِيُّ مِنْ وُجُوبِ الْبَقَاءِ فِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ الَّذِي شَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَصَوَّبَهُ اللَّخْمِيُّ كَمَا فِي (ح) اُنْظُرْ (بْن) كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْأُجْهُورِيُّ الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ لَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ الْآتِي: " إلَّا لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ "، لِأَنَّهُ كَلَامٌ عَلَى عَدَمِ بُطْلَانِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ الْوَاجِبِ لِعُذْرٍ مَانِعٍ لَهُ مِنْ الصَّوْمِ وَالْمَسْجِدِ، فَلَا يُنَافِي وُجُوبَ بَقَائِهِ هُنَا لِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعِ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ مِنْ أَصْلِهِ] : أَيْ وَيَبْتَدِئُهُ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ.

وَأَشَارَ لِلثَّانِي وَالثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: (بِخِلَافِ الْمَانِعِ مِنْ الْمَسْجِدِ) سَوَاءٌ مَنَعَ الصَّوْمَ أَيْضًا - (كَالْحَيْضِ) وَالنِّفَاسِ - أَوْ لَا؛ كَسَلَسِ بَوْلٍ وَإِسَالَةِ جُرْحٍ أَوْ دُمَّلٍ يُخْشَى مَعَهُ تَلَوُّثُ الْمَسْجِدِ (فَيَخْرُجُ) مِنْهُ وُجُوبًا (وَعَلَيْهِ حُرْمَتُهُ) أَيْ الِاعْتِكَافِ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ، فَلَا يَفْعَلُ مَا لَا يَفْعَلُهُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ جِمَاعٍ وَمُقَدِّمَاتِهِ.
وَتَعَاطِي مُسْكِرٍ.
وَإِلَّا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ مِنْ أَصْلِهِ.
(وَبَنَى) وُجُوبًا (فَوْرًا بِزَوَالِهِ) : أَيْ بِمُجَرَّدِ زَوَالِ عُذْرِهِ الْمَانِعِ مِنْ الْمَسْجِدِ كَالْحَيْضِ وَالْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ وَالْمَرَضِ الشَّدِيدِ وَالسَّلَسِ، بِأَنْ يَرْجِعَ لِلْمَسْجِدِ لِقَضَاءِ مَا حَصَلَ فِيهِ الْمَانِعُ، وَتَكْمِيلِ مَا نَذَرَهُ.
وَلَوْ انْقَضَى زَمَنُهُ إذَا كَانَ مُعَيِّنًا كَالْعَشَرَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ رَمَضَانَ، فَيَقْضِي مَا فَاتَهُ أَيَّامَ الْعُذْرِ.
وَيَأْتِي بِمَا أَدْرَكَهُ مِنْهَا وَلَوْ بَعْدَ الْعِيدِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَيِّنِ فَيَأْتِي بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا نَوَاهُ بِدُخُولِهِ تَطَوُّعًا فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ أَتَى بِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَلَا قَضَاءَ لِمَا فَاتَهُ بِالْعُذْرِ.
(فَإِنْ أَخَّرَهُ) : أَيْ الرُّجُوعَ لِلْمَسْجِدِ - وَلَوْ لِنِسْيَانٍ أَوْ إكْرَاهٍ - (بَطَلَ)

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَبَنَى وُجُوبًا فَوْرًا بِزَوَالِهِ] : قَدْ أَجْمَلَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْمَقَامِ.
وَحَاصِلُ إيضَاحِهِ أَنْ تَقُولَ: الْعُذْرُ: إمَّا إغْمَاءٌ، أَوْ جُنُونٌ، أَوْ حَيْضٌ، أَوْ نِفَاسٌ، أَوْ مَرَضٌ، وَالِاعْتِكَافُ: إمَّا نَذْرٌ مُعَيَّنٌ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ نَذْرٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، أَوْ تَطَوُّعٌ مُعَيَّنٌ بِالْمُلَاحَظَةِ، أَوْ غَيْرُهُ؛ فَهَذِهِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْ ضَرْبِ خَمْسَةٍ فِي مِثْلِهَا.
وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَطْرَأَ الْعُذْرُ قَبْلَ الِاعْتِكَافِ، أَوْ مُقَارِنًا لَهُ، أَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ؛ فَصَارَ خَمْسًا وَسَبْعِينَ.
فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَوَانِعُ فِي الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ الْمُطْلَقِ أَوْ الْمُعَيَّنِ مِنْ رَمَضَانَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبِنَاءِ بَعْدَ زَوَالِهَا، سَوَاءٌ طَرَأَتْ قَبْلَ الِاعْتِكَافِ وَقَارَنَتْ، أَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَهَذِهِ ثَلَاثُونَ.
وَإِنْ كَانَ نَذْرًا مُعَيَّنًا مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ، فَإِنْ طَرَأَتْ خَمْسَةُ الْأَعْذَارِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الِاعْتِكَافِ، أَوْ مُقَارَنَةً فَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَإِنْ طَرَأَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ فَالْقَضَاءُ مُتَّصِلًا؛ فَصُوَرُهُ خَمْسَةَ عَشْرَ: خَمْسَةٌ يَقْضِي فِيهَا، وَعَشْرَةٌ لَا قَضَاءَ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَلَا قَضَاءَ، سَوَاءٌ طَرَأَتْ خَمْسَةُ الْأَعْذَارِ قَبْلَ الشُّرُوعِ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ مُقَارِنَةً لَهُ، فَصُوَرُهُ ثَلَاثُونَ فَالْجُمْلَةُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ صُورَةً.
وَبَقِيَ حُكْمُ مَا إذَا أَفْطَرَ نَاسِيًا؛ وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يَقْضِي سَوَاءٌ كَانَ الِاعْتِكَافُ نَذْرًا مُعَيَّنًا مِنْ رَمَضَانَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ كَانَ نَذْرًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، أَوْ كَانَ

اعْتِكَافُهُ وَاسْتَأْنَفَهُ (إلَّا) إذَا أَخَّرَهُ (لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ) فَلَا يَبْطُلُ لِعَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِهِ لِأَحَدٍ، بِخِلَافِ حَائِضٍ طَهُرَتْ أَوْ مَرِيضٍ صَحَّ لِصِحَّةِ الصَّوْمِ مِنْ غَيْرِهِمَا فِي غَيْرِ الْعِيدِ، (أَوْ) لِلتَّأَخُّرِ (لِخَوْفٍ مِنْ كَلِصٍّ) وَسَبُعٍ فِي طَرِيقِهِ.

(وَ) لَوْ شَرَطَ الْمُعْتَكِفُ لِنَفْسِهِ سُقُوطَ الْقَضَاءِ عَنْهُ عَلَى فَرْضِ حُصُولِ عُذْرٍ أَوْ مُبْطِلٍ (لَا يَنْفَعُهُ اشْتِرَاطُ سُقُوطِ الْقَضَاءِ) : وَشَرْطُهُ لَغْوٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إنْ حَصَلَ مُوجِبُهُ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[حاشية الصاوي]

تَطَوُّعًا مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعِينٍ فَصُوَرُهُ خَمْسٌ فَجُمْلَةُ الصُّوَرِ ثَمَانُونَ.
قَوْلُهُ: [بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَاسْتَأْنَفَهُ] : أَيْ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ الَّتِي يُؤْمَرُ فِيهَا بِالْبِنَاءِ الْمَعْلُومَةِ مِمَّا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [لِعَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِهِ لِأَحَدٍ] : جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِيدِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ؟ مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الصَّوْمُ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي طَهُرَتْ فِيهِ الْحَائِضُ، وَصَحَّ فِيهِ الْمَرِيضُ، يَصِحُّ صَوْمُهُ لِغَيْرِهِمَا، بِخِلَافِ يَوْمِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ لِأَحَدٍ.

[تَنْبِيه الْمُعْتَكِف إذَا اجتمعت عَلَيْهِ عِبَادَات مُتَضَادَّة الْأُمَّاكُنَّ]

قَوْلُهُ: [وَلَوْ شَرَطَ الْمُعْتَكِفُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ: أَنَّ الْمُعْتَكِفَ إذَا شَرَطَ أَيْ عَزَمَ فِي نَفْسِهِ - سَوَاءٌ كَانَ عَزْمُهُ قَبْلَ دُخُولِ الْمُعْتَكَفِ أَوْ بَعْدَهُ - عَلَى أَنَّهُ إنْ حَصَلَ لَهُ مُوجِبٌ لِلْقَضَاءِ لَا يَقْضِي، أَوْ أَنَّهُ يُجَامِعُ زَوْجَتَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، أَوْ أَنَّهُ لَا يَصُومُ، لَمْ يُفْدِهِ شَرْطُهُ، أَيْ فَشَرْطُهُ بَاطِلٌ، وَاعْتِكَافُهُ صَحِيحٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ عَلَى مُقْتَضَى مَا أَمَرَ الشَّارِعُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ اعْتِكَافٌ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ الشَّرْطُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الِاعْتِكَافِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ بَطَلَ الشَّرْطُ.
تَنْبِيهٌ: إنْ اجْتَمَعَ عَلَى امْرَأَةٍ عِبَادَاتٌ مُتَضَادَّةُ الْأَمْكِنَةِ: كَعِدَّةٍ وَإِحْرَامٍ وَاعْتِكَافٍ فَإِنْ سَبَقَ الِاعْتِكَافُ الْعِدَّةَ - كَمَا لَوْ طَلُقَتْ أَوْ مَاتَ عَنْهَا وَهِيَ مُعْتَكِفَةٌ - أَوْ عَكْسُهُ، أَتَمَّتْ السَّابِقَ فَتَسْتَمِرُّ فِي مُعْتَكَفِهَا فِي الْأَوَّلِ، وَفِي مَنْزِلِ عِدَّتِهَا فِي الثَّانِي حَتَّى تُتِمَّهَا، ثُمَّ تَفْعَلَ الِاعْتِكَافَ إنْ كَانَ مَضْمُونًا أَوْ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُعَيَّنِ إنْ بَقِيَ مِنْ زَمَنِهِ شَيْءٌ.
وَأَمَّا إنْ تَعَارَضَ إحْرَامٌ وَعِدَّةٌ فَتُتِمُّ الْإِحْرَامَ، تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، وَيَبْطُلُ مَبِيتُهَا فِي

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[حاشية الصاوي]

الْعِدَّةِ فَهَذِهِ أَرْبَعٌ، وَبَقِيَ صُورَتَانِ طُرُوُّ اعْتِكَافٍ عَلَى إحْرَامٍ وَعَكْسُهُ، فَتُتِمُّ السَّابِقَ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ تَخْشَى فِي الثَّانِيَةِ " فَوَاتَ الْحَجِّ فَتُقَدِّمَهُ إنْ كَانَا فَرْضَيْنِ أَوْ نَفَلَيْنِ، أَوْ الْإِحْرَامُ فَرْضًا وَالِاعْتِكَافُ نَفْلًا، فَإِنْ كَانَ الِاعْتِكَافُ فَرْضًا وَالْإِحْرَامُ نَفْلًا أَتَمَّتْ الِاعْتِكَافَ، وَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ لَا تَخُصَّانِ الْمَرْأَةَ.
خَاتِمَةٌ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلِلْمُكَاتَبِ اعْتِكَافُ الْيَسِيرِ، وَلِلْمُبَعَّضِ مُطْلَقُهُ وَلَوْ كَثِيرًا فِي زَمَنِ نَفْسِهِ، وَلِلسَّيِّدِ مَنْعُ غَيْرِ ذَلِكَ؛ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ فِي نَذْرٍ مُعَيَّنٍ فَيُنْذَرَ، أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ تَطَوُّعًا فَيَدْخُلَ.
فَإِنْ نَذَرَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَمُنِعَ فَعَلَيْهِ إنْ عَتَقَ، وَقِيَاسُهُ إذَا تَأَيَّمَتْ الْمَرْأَةُ؛ عَلَيْهَا حَيْثُ مُنِعَتْ مَا لَمْ يَفُتْ زَمَنُ الْمُعَيَّنِ (اهـ) وَالتَّفْصِيلُ الَّذِي قِيلَ فِي الِاعْتِكَافِ يُقَالُ فِي الصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَأَرْكَانِهِمَا، وَوَاجِبَاتِهِمَا وَسُنَنِهِمَا، وَمُبْطِلَاتِهِمَا، وَمُهِمَّاتِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ.

[حاشية الصاوي]

[بَابُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ]

[فرضية الْحَجّ وَحَقِيقَته وَسُنِّيَّة الْعُمْرَة]

بَابْ: لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ: الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ

(فُرِضَ الْحَجُّ) عَيْنًا (وَسُنَّتْ الْعُمْرَةُ) كَذَلِكَ (فَوْرًا) : إذَا تَوَفَّرَتْ الشُّرُوطُ

[حاشية الصاوي]

وَمَا يَلْحَقُ بِهَا، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الدِّعَامَةِ الرَّابِعَةِ وَهِيَ الْحَجُّ: بِفَتْحِ الْحَاءِ - وَهُوَ الْقِيَاسُ - وَالْكَسْرُ أَكْثَرُ سَمَاعًا، وَكَذَا اللُّغَتَانِ فِي الْحَجَّةِ، وَقِيلَ: الْحَجُّ بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ، وَبِالْكَسْرِ، الِاسْمُ، وَقِيلَ: الِاسْمُ بِهِمَا.
الْجَوْهَرِيُّ: الْحَجُّ الْقَصْدُ وَرَجُلٌ مَحْجُوجٌ: أَيْ مَقْصُودٌ، وَهَذَا الْأَصْلُ.
ثُمَّ تُعُورِفَ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي الْقَصْدِ إلَى مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ لِلنُّسُكِ تَقُولُ: حَجَجْت الْبَيْتَ أَحُجُّهُ حَجًّا فَأَنَا حَاجٌّ.
وَرُبَّمَا أَظْهَرُوا التَّضْعِيفَ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ قَالَ الرَّاجِزُ بِكُلِّ شَيْخٍ عَامِرٍ أَوْ حَاجِجْ وَإِنَّمَا أُضِيفَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ لِلَّهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] وَلَمْ تُضَفْ بَقِيَّةُ الْعِبَادَةِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَكْثُرُ الرِّيَاءُ فِيهَا جِدًّا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِقْرَاءُ، حَتَّى إنَّ كَثِيرًا مِنْ الْحُجَّاجِ لَا يَكَادُ يَسْمَعُ حَدِيثًا فِي شَيْءٍ إلَّا ذَكَرَ مَا اتَّفَقَ لَهُ فِي حَجِّهِ، فَلَمَّا كَانَ مَظِنَّةَ الرِّيَاءِ قِيلَ فِيهِمَا: " لِلَّهِ " اعْتِنَاءً بِالْإِخْلَاصِ (اهـ خَرَشِيٌّ) . وَمَعْنَى الْحَجِّ اصْطِلَاحًا سَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ.
وَمَعْنَى الْعُمْرَةِ لُغَةً: الزِّيَارَةُ، وَاصْطِلَاحًا سَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: [فُرِضَ الْحَجُّ] : أَيْ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ.
قَوْلُهُ: [وَسُنَّتْ الْعُمْرَةُ] : أَيْ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ أَيْضًا، وَسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وَمَا زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ فِي كُلٍّ مَنْدُوبٍ.
وَيُنْدَبُ لِلْحَاجِّ أَنْ يَقْصِدَ إقَامَةَ الْمَوْسِمِ لِيَقَعَ الْحَجُّ

الْآتِيَةُ عَلَى أَرْجَحِ الْقَوْلَيْنِ، وَالثَّانِي: يَجِبُ، وَتُسَنُّ عَلَى التَّرَاخِي إلَى ظَنِّ الْفَوَاتِ.

[حاشية الصاوي]

فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَالْعُمْرَةُ سُنَّةُ كِفَايَةٍ، وَهِيَ آكَدُ مِنْ الْوِتْرِ، وَقِيلَ هِيَ فَرْضٌ كَالْحَجِّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقِيلَ: فَرْضٌ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ.
وَهَلْ فَرْضٌ قَبْلَ الْهِجْرَةِ أَوْ بَعْدَهَا سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ؟ وَصَحَّحَهُ الشَّافِعِيُّ، أَوْ ثَمَانً أَوْ تِسْعٍ وَصَحَّحَهُ فِي الْإِكْمَالِ؛ أَقْوَالٌ، وَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: 97] سَنَةَ سَبْعٍ، وَقِيلَ سَنَةَ عَشْرٍ فَتَكُونُ مُؤَكَّدَةً عَلَى أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ.
«وَحَجَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - حَجَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ، وَاعْتَمَرَ أَرْبَعًا: عُمْرَتُهُ الَّتِي صَدَّهُ فِيهَا الْمُشْرِكُونَ عَنْ الْبَيْتِ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَتُهُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ حِينَ صَالَحُوهُ، وَعُمْرَتُهُ حِينَ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ مِنْ الْجِعْرَانَةِ - وَكُلٌّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَقِيلَ إنَّ عُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ كَانَتْ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ شَوَّالٍ - وَعُمْرَتُهُ مَعَ حَجِّهِ» . قَوْلُهُ: [عَلَى أَرْجَحِ الْقَوْلَيْنِ] : وَهُوَ رِوَايَةُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالْقَوْلُ بِالتَّرَاخِي لِخَوْفِ الْفَوَاتِ رِوَايَةُ الْمَغَارِبَةِ، وَالْغَالِبُ تَقْدِيمُهُمْ بَعْدَ الْمِصْرِيِّينَ كَابْنِ الْقَاسِم، لَكِنْ هُنَا رَجَحَتْ رِوَايَةُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَمَحِلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ الْمُفْسِدِ، وَأَمَّا هُوَ فَاتُّفِقَ عَلَى فَوْرِيَّةِ الْقَضَاءِ فِيهِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ (ح) : وَانْظُرْ هَلْ يَجْرِي الْخِلَافُ فِي الْعُمْرَةِ؟ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ (اهـ) . وَلَكِنْ صَرِيحُ شَارِحِنَا أَنَّهَا مِثْلُهُ وَهُوَ مُفَادُ الْجَلَّابِ وَابْنِ شَاسٍ.
قَوْلُهُ: [إلَى ظَنِّ الْفَوَاتِ] : أَيْ إلَى وَقْتٍ يَخَافُ فِيهِ فَوَاتَهُ: بِالتَّأْخِيرِ إلَيْهِ،

(عَلَى الْحُرِّ) : فَلَا يَجِبُ حَجٌّ وَلَا تُسَنُّ عُمْرَةٌ عَلَى رَقِيقٍ وَلَوْ بِشَائِبَةِ حُرِّيَّةٍ.
(الْمُكَلَّفِ) لَا عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ.
(الْمُسْتَطِيعِ) أَيْ الْقَادِرِ عَلَى الْوُصُولِ لَا عَلَى غَيْرِهِ؛ مِنْ مُكْرَهٍ وَفَقِيرٍ وَخَائِفٍ مِنْ كَلِصٍّ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
(مَرَّةً) فِي الْعُمْرِ.
فَشُرُوطُ وُجُوبِهِ أَرْبَعَةٌ: الْحُرِّيَّةُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالِاسْتِطَاعَةُ.
وَسَيَأْتِي أَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطُ صِحَّةٍ.
(وَهُوَ) : أَيْ الْحَجُّ؛ أَيْ حَقِيقَتُهُ (حُضُورُ جُزْءٍ) : أَيَّ جُزْءٍ كَانَ (بِعَرَفَةَ) : أَيْ فِيهَا.
وَالتَّعْبِيرُ بِ " حُضُورُ " أَعَمُّ مِنْ الْوُقُوفِ لِشُمُولِهِ الْمَارَّ وَالْجَالِسَ وَالْمُضْطَجِعَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، (سَاعَةً) زَمَانِيَّةً - وَلَوْ كَالْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ - لَا فَلَكِيَّةً، (مِنْ) سَاعَاتِ (لَيْلَةِ) يَوْمِ (النَّحْرِ، وَطَوَافٌ بِالْبَيْتِ) الْعَتِيقِ (سَبْعًا) أَيْ سَبْعَ مَرَّاتٍ.

[حاشية الصاوي]

وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالْأَزْمَانِ.
قَوْلُهُ: [لَا عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ] : أَيْ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا كَالرَّقِيقِ، وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ مِنْ الْجَمِيعِ، وَالْعِبْرَةُ بِكَوْنِهِ حُرًّا مُكَلَّفًا وَقْتَ الْإِحْرَامِ كَمَا يَأْتِي؛ فَمَنْ يَكُنْ حُرًّا أَوْ مُكَلَّفًا وَقْتَهُ لَمْ يَقَعْ فَرْضًا، وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْفَرْضُ إذَا عَتَقَ أَوْ بَلَغَ أَوْ أَفَاقَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بِحَجَّةٍ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: [عَلَى غَيْرِهِ] : أَيْ لَا عَلَى غَيْرِ الْقَادِرِ، فَإِنْ تَكَلَّفَهُ سَقَطَ الْفَرْضُ.
قَوْلُهُ: [فَشُرُوطُ وُجُوبِهِ أَرْبَعَةٌ] : لَكِنْ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ - كَمَا أَنَّهَا شُرُوطٌ فِي الْوُجُوبِ - شُرُوطٌ فِي وُقُوعِهِ فَرْضًا، وَالرَّابِعُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ.
وَلِذَلِكَ لَوْ تَكَلَّفَهُ غَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ سَقَطَ الْفَرْضُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَسَيَأْتِي إيضَاحُ ذَلِكَ فِي الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [وَسَيَأْتِي أَنَّ الْإِسْلَامَ شَرْطُ صِحَّةٍ] : فَشَرْطُ الصِّحَّةِ وَاحِدٌ الَّذِي هُوَ الْإِسْلَامُ.
قَوْلُهُ: [مِنْ سَاعَاتِ لَيْلَةِ يَوْمِ النَّحْرِ] : وَيُجْتَزَأُ بِهَا فِي أَيْ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ، وَأَمَّا الْوُقُوفُ نَهَارًا فَوَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ أَعْتَقَهُ مِنْ يَدِ الْجَبَابِرَةِ، فَلَا يَصُولُ عَلَيْهِ جَبَّارٌ إلَّا وَيُهْلِكُهُ اللَّهُ، أَوْ لِكَوْنِهِ قَدِيمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 96]

(وَسَعْيٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كَذَلِكَ) أَيْ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
(بِإِحْرَامٍ) . أَيْ حَالَ كَوْنِ الْحُضُورِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مُتَلَبِّسًا بِإِحْرَامٍ؛ أَيْ نِيَّةٍ.
فَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ كَمَا يَأْتِي، وَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانُهَا وَبَيَانُ مَا يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا.
(وَهِيَ) : أَيْ الْعُمْرَةُ؛ أَيْ حَقِيقَتُهَا (طَوَافٌ وَسَعْيٌ كَذَلِكَ) : رَاجِعٌ لَهُمَا؛ أَيْ طَوَافٌ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَسَعْيٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا (بِإِحْرَامٍ) . فَأَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ كَمَا سَيَأْتِي مَعَ بَيَانِهَا وَبَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا، فَالْعُمْرَةُ لَا وُقُوفَ فِيهَا بِعَرَفَةَ.

(وَصِحَّتُهُمَا) : أَيْ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ: (بِإِسْلَامٍ) : فَلَا يَصِحُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنْ كَافِرٍ يَصِحُّ مِنْ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
(فَيُحْرِمُ الْوَلِيُّ) : أَيْ وَلِيُّ الصَّبِيِّ أَوْ الْمَجْنُونِ؛ أَبٌ أَوْ غَيْرُهُ نَدْبًا إذَا كَانَ مَعَهُ (عَنْ كَرَضِيعٍ) أَيْ رَضِيعٍ وَنَحْوِهِ مِنْ فَطِيمٍ لَمْ يَبْلُغْ التَّمْيِيزَ، فَزِيَادَتُنَا الْكَافَ لِيَشْمَلَهُ، (وَ) عَنْ مَجْنُونٍ (مُطْبَقٍ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ: وَهُوَ مَنْ لَا يَفْهَمُ الْخِطَابَ، وَلَا يُحْسِنُ رَدَّ الْجَوَابِ.

[حاشية الصاوي]

الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: [مَعَ بَيَانِهَا] : أَيْ الْأَرْكَانِ؛ أَيْ التَّصْرِيحِ بِهَا.
وَقَوْلُهُ: [وَبَيَانِ مَا تَعَلَّقَ بِكُلِّ رُكْنٍ] : أَيْ مِنْ جِهَةِ شُرُوطِهِ.
قَوْلُهُ: [لَا وُقُوفَ فِيهَا بِعَرَفَةَ] : وَلِذَلِكَ كَانَ وَقْتُهَا السَّنَةُ كُلُّهَا مَا لَمْ يَكُنْ مُتَلَبِّسًا بِحَجٍّ كَمَا يَأْتِي.

[شُرُوط صِحَّة الْحَجّ وَالْعُمْرَة]

[تَنْبِيه مَا يَتَرَتَّب عَلَى الصَّبِيّ مِنْ هَدْي وفدية]

قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرُهُ نَدْبًا] : أَيْ لَا وُجُوبًا لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ يَجُوزُ إدْخَالُهُ الْحَرَمَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ.
وَغَيْرُ الْأَبِ يَشْمَلُ الْوَصِيَّ وَمُقَدَّمَ الْقَاضِي وَالْأُمَّ وَالْعَاصِبَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَظَرٌ فِي الْمَالِ كَمَا نَقَلَهُ الْأَبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ، وَمَعْنَى إحْرَامِهِ عَنْهُ نِيَّةُ إدْخَالِهِ فِي الْإِحْرَامِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيُّ مُتَلَبِّسًا بِالْإِحْرَامِ عَنْ نَفْسِهِ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [وَعَنْ مَجْنُونٍ مُطْبَقٍ] : وَهُوَ مَنْ لَا تُرْجَى إفَاقَتُهُ أَصْلًا.

(وَ) إذَا أَحْرَمَ الْوَلِيُّ عَنْهُمَا (جُرِّدَا) أَيْ جَرَّدَهُمَا عَنْ الْمِخْيَطِ وُجُوبًا (قُرْبَ الْحَرَمِ) تَنَازَعَهُ كُلٌّ مِنْ " يُحْرِمُ " " وَجُرِّدَا "؛ فَلَا يُحْرِمُ عَنْهُمَا مِنْ الْمِيقَاتِ وَيُؤَخِّرُ التَّجْرِيدَ لِقُرْبِ الْحَرَمِ، كَمَا قِيلَ.
فَالذَّاهِبُ مِنْ جِهَةِ رَابِغٍ يُؤَخِّرُ مَا ذُكِرَ لِقُرْبِ التَّنْعِيمِ؛ أَيْ مَسَاجِدِ عَائِشَةَ: وَلَا دَمَ بِتَعْدِيَتِهِمَا لِلْمِيقَاتِ.
(وَانْتُظِرَ مَنْ) : أَيْ مَجْنُونٌ (تُرْجَى إفَاقَتُهُ) وُجُوبًا، وَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ إحْرَامُ وَلِيِّهِ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ الْفَوَاتَ، (فَإِنْ خِيفَ) عَلَيْهِ (الْفَوَاتُ) بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ - وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِعَادَتِهِ أَوْ بِإِخْبَارِ طَبِيبٍ عَارِفٍ - (فَكَالْمُطْبَقِ) يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ نَدْبًا.
فَإِنْ أَفَاقَ فِي زَمَنٍ يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ أَحْرَمَ لِنَفْسِهِ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي تَعَدِّي الْمِيقَاتِ لِعُذْرِهِ.
(لَا مُغْمًى) : عَلَيْهِ (فَلَا يَصِحُّ إحْرَامٌ) مِنْ أَحَدٍ (عَنْهُ وَلَوْ خِيفَ الْفَوَاتُ) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ عَدَمِ الطَّوْلِ، بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ.
(وَأَحْرَمَ) صَبِيٌّ (مُمَيِّزٌ بِإِذْنِهِ) أَيْ الْوَلِيِّ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [قُرْبَ الْحَرَمِ] : أَيْ إنْ لَمْ يَخْشَ عَلَيْهِمَا ضَرَرًا، وَإِلَّا فَالْفِدْيَةُ وَلَا يُجَرِّدُهُمَا.
قَوْلُهُ: [كَمَا قِيلَ] : قَائِلُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَوَافَقَهُ الْبِسَاطِيُّ وَهُوَ غَيْرُ صَوَابٍ - قَالَهُ الْبُنَانِيُّ.
قَوْلُهُ: [لِقُرْبِ التَّنْعِيمِ] : كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَرَمِ حَقِيقَتُهُ.
وَلَكِنْ فِي الْأَصْلِ فَسَّرَ الْحَرَمَ بِمَكَّةَ نَفْسِهَا فَقَطْ.
وَفِي الْمَجْمُوعِ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَرَمِ مَكَّةُ وَكَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
تَنْبِيهٌ: كُلُّ مَا تَرَتَّبَ عَلَى الصَّبِيِّ بِالْإِحْرَامِ مِنْ هَدْيٍ وَفِدْيَةٍ وَجَزَاءِ صَيْدٍ فَعَلَى وَلِيِّهِ مُطْلَقًا، خَشِيَ عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ أَمْ لَا، إذْ لَا ضَرُورَةَ فِي إدْخَالِهِ فِي الْإِحْرَامِ، كَزِيَادَةِ نَفَقَةِ السَّفَرِ، وَجَزَاءِ صَيْدٍ صَادَهُ فِي الْحَرَمِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُحْرِمٍ إنْ لَمْ يَخَفْ ضَيَاعَهُ بِعَدَمِ سَفَرِهِ مَعَهُ، فَإِنْ خَافَ ضَيَاعَهُ فَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ فِي السَّفَرِ.
وَجَزَاءُ صَيْدِ الْحَرَمِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ كَأَصْلِ النَّفَقَةِ الْمُسَاوِي لِنَفَقَةِ الْحَضَرِيِّ، فَإِنَّهُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: [مَغْمِيٌّ عَلَيْهِ] إلَخْ: ثُمَّ إنْ أَفَاقَ هُوَ فِي زَمَنٍ يُدْرِكُ الْوُقُوفَ فِيهِ أَحْرَمَ وَأَدْرَكَهُ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي تَعَدِّي الْمِيقَاتِ لِعُذْرِهِ، كَالْمَجْنُونِ الَّذِي تُرْجَى إفَاقَتُهُ،

(كَعَبْدٍ) أَيْ رَقِيقٍ (وَامْرَأَةٍ) ذَاتِ زَوْجٍ، فَلَا تُحْرِمُ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا.
(وَإِلَّا) - بِأَنْ أَحْرَمَ الْمُمَيِّزُ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ، أَوْ الرَّقِيقِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، أَوْ الزَّوْجَةِ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا - (فَلَهُ) : أَيْ لِمَنْ ذُكِرَ (التَّحْلِيلُ) لِمَنْ ذُكِرَ بِالنِّيَّةِ، وَالْحِلَاقِ أَوْ التَّقْصِيرِ إذَا لَمْ تُحْرِمْ الزَّوْجَةُ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَيْضًا.
(وَلَا قَضَاءَ) عَلَى الْمُمَيِّزِ إذَا بَلَغَ.
(بِخِلَافِ الْعَبْدِ) إذَا عَتَقَ (وَالْمَرْأَةِ) إذَا تَأَيَّمَتْ فَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ إذَا حَلَّلَا، وَعَلَيْهِمَا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا.

[حاشية الصاوي]

وَإِنْ لَمْ يُفِقْ مِنْ إغْمَائِهِ إلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، وَلَا عِبْرَةَ بِإِحْرَامِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ وَوُقُوفِهِمْ بِهِ فِي عَرَفَةَ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ الْفَوَاتِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِحْرَامِ.
قَوْلُهُ: [بِإِذْنِ زَوْجِهَا] إلَخْ: فَإِنْ أَذِنَ لِمَنْ ذُكِرَ وَأَرَادَ الْمَنْعَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْإِحْرَامِ، فَفِي الشَّامِلِ لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ، وَلِأَبِي الْحَسَنِ لَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لَا بَعْدَهُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ - كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
وَمِثْلُ الْمُمَيِّزِ فِي كَوْنِ لَا يَحْرُمُ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِ: السَّفِيهُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْحَجُّ وَاجِبًا عَلَيْهِ - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [فَلَهُ أَيْ لِمَنْ ذُكِرَ التَّحْلِيلُ] : أَيْ إنْ رَآهُ مَصْلَحَةً، وَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي إبْقَائِهِ أَبْقَاهُ عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ اسْتَوَتْ خُيِّرَ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّحْلِيلَ وَاجِبٌ عِنْدَ تَعَيُّنِ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ، وَفِي ضِدِّهِ يَحْرُمُ.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ: " فَلَهُ التَّحْلِيلُ " لِلِاخْتِصَاصِ.
وَمِثْلُ الصَّبِيِّ الْمُحْرِمُ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ: السَّفِيهُ الْبَالِغُ إذَا أَحْرَمَ بِغَيْرِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَلَهُ تَحْلِيلُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إذَا حَلَّلَهُ.
قَوْلُهُ: [بِالنِّيَّةِ] : أَيْ بِأَنْ يَنْوِيَ إخْرَاجَهُ مِنْ حُرُمَاتِ الْحَجِّ، وَتَصْيِيرَهُ حَلَالًا، ثُمَّ يَحْلِقُ لَهُ رَأْسَهُ وَلَا يَكْفِي فِي إحْلَالِهِ رَفْضُهُ نِيَّةَ الْحَجِّ بَلْ لَا بُدَّ مِمَّا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ [فَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ] : وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْحَجْرُ عَلَى الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ لِحَقِّ أَنْفُسِهِمَا سَقَطَ الْقَضَاءُ، وَأَمَّا الْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ فَلِحَقِّ السَّيِّدِ وَالزَّوْجِ، فَلَمْ يَسْقُطْ الْقَضَاءُ لِضَعْفِهِ.
قَوْلُهُ: [وَعَلَيْهِمَا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا] : أَيْ وَيُقَدِّمَانِ الْقَضَاءَ عَلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ قَدَّمَا حَجَّةَ الْإِسْلَامِ صَحَّتْ.

(وَأَمَرَهُ) الْوَلِيُّ (مَقْدُورَهُ) : أَيْ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الصَّبِيُّ مِنْ أَقْوَالِ الْحَجِّ وَأَفْعَالِهِ؛ فَيُلَقِّنُهُ التَّلْبِيَةَ إنْ قَبِلَهَا، (وَإِلَّا) يَقْدِرَ - بِأَنْ عَجَزَ عَنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ عَنْ الْجَمِيعِ؛ كَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَالْمُطْبَقِ - (نَابَ) الْوَلِيُّ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْعَاجِزِ (إنْ قَبِلَهَا) أَيْ قَبِلَ الْمَعْجُوزُ عَنْهُ النِّيَابَةَ، وَلَا يَكُونُ إلَّا فِعْلًا (كَرَمْيٍ) لِجِمَارٍ، (وَذَبْحٍ) لِهَدْيٍ أَوْ فِدْيَةٍ، وَمَشْيٍ فِي طَوَافٍ وَسَعْيٍ، (لَا) إنْ لَمْ يَقْبَلْ النِّيَابَةَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ (كَتَلْبِيَةٍ وَرُكُوعٍ) : أَيْ صَلَاةٍ وَغُسْلٍ، فَتَسْقُطُ حَيْثُ عَجَزَ.
(وَأَحْضَرَهُمْ) : أَيْ أَحْضَرَ الْوَلِيُّ الرَّضِيعَ وَالْمُطْبَقَ وَالصَّبِيَّ الْمُمَيِّزَ (الْمَشَاهِدَ) الْمَطْلُوبَ حُضُورُهَا شَرْعًا؛ وَهِيَ عَرَفَةُ وَمُزْدَلِفَةُ وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ وَمِنًى.
(وَإِنَّمَا يَقَعُ) الْحَجُّ (فَرْضًا، إذَا كَانَ) الْمُحْرِمُ بِهِ (وَقْتَ الْإِحْرَامِ حُرًّا مُكَلَّفًا) : أَيْ بَالِغًا عَاقِلًا، (وَلَمْ يَنْوِ) الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ بِحَجِّهِ (نَفْلًا) الْوَاوُ لِلْحَالِ: أَيْ حَالَ كَوْنِهِ غَيْرَنَا وَبِحَجِّهِ نَفْلًا، بِأَنْ نَوَى بِهِ الْفَرْضَ، أَوْ أَطْلَقَ فَيَنْصَرِفُ لِلْفَرْضِ.
فَإِنْ كَانَ وَقْتَ الْإِحْرَامِ بِهِ رَقِيقًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا نَوَى عَنْهُ وَلِيُّهُ، أَوْ حُرًّا مُكَلَّفًا وَنَوَى بِهِ النَّفَلَ، لَمْ يَقَعْ فَرْضًا وَلَوْ عَتَقَ الرَّقِيقُ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ إثْرَ ذَلِكَ وَلَا يُرْتَفَضُ إحْرَامُهُ وَلَا يُرْدَفُ عَلَيْهِ آخَرُ، وَحَجَّةُ الْإِسْلَامِ بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ.

(وَالِاسْتِطَاعَةُ) - الَّتِي هِيَ أَحَدُ شُرُوطِ الْوُجُوبِ - أَمْرَانِ:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَأَمَرَهُ] : أَيْ الْوَلِيُّ مَقْدُورَهُ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: [وَأَحْرَمَ صَبِيٌّ مُمَيِّزٌ بِإِذْنِهِ] . قَوْلُهُ: [فَتَسْقُطُ حَيْثُ عَجَزَ] : أَيْ وَلَا دَمَ.
قَوْلُهُ: [وَأَحْضَرَهُمْ] : أَيْ وُجُوبًا فِي الْوَاجِبِ وَنَدْبًا فِي الْمَنْدُوبِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ مَجْنُونًا نَوَى عَنْهُ وَلِيُّهُ] : أَيْ مُطْبَقًا.
قَوْلُهُ: [لَمْ يَقَعْ فَرْضًا] : أَيْ وَإِنَّمَا يَقَعُ نَفْلًا وَلَوْ نَوَى بِهِ الْفَرْضَ، بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ لَكِنْ لَوْ صَلَّوْهَا وَقَعَتْ مِنْهُمْ فَرْضًا.
وَالْعِبْرَةُ بِكَوْنِهِ وَقْتَ الْإِحْرَامِ حُرًّا مُكَلَّفًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَمَنْ ظَهَرَ لَهُ حُرِّيَّتُهُ أَوْ تَكْلِيفُهُ وَقْتَ الْإِحْرَامِ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ، إنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى النَّفْلِيَّةَ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يُرْتَفَضُ إحْرَامَهُ] . . . إلَخْ أَيْ لَوْ رَفَضَ ذَلِكَ الْإِحْرَامَ الْحَاصِلَ قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَأَحْرَمَ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ، كَانَ إحْرَامُهُ الثَّانِي بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ.

الْأَوَّلُ: (إمْكَانُ الْوُصُولِ) لِمَكَّةَ إمْكَانًا عَادِيًّا بِمَشْيٍ أَوْ رُكُوبٍ بِبَرٍّ أَوْ بَحْرٍ (بِلَا مَشَقَّةٍ فَادِحَةٍ) أَيْ عَظِيمَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ الْعَادَةِ، وَإِلَّا فَالْمَشَقَّةُ لَا بُدَّ مِنْهَا؛ إذَا السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ.
(وَ) الثَّانِي: (أَمِنَ عَلَى نَفْسٍ وَمَالٍ) : مِنْ مُحَارِبٍ وَغَاصِبٍ لَا سَارِقٍ (لَهُ بَالٌ) : بِالنِّسْبَةِ لِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ؛ فَقَدْ يَكُونُ الدِّينَارُ لَهُ بَالٌ بِالنِّسْبَةِ لِشَخْصٍ، وَلَا بَالَ لَهُ بِالنِّسْبَةِ لِآخَرَ (لَا إنْ قَلَّ) الْمَالُ الْمَأْخُوذُ، بِأَنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِصَاحِبِهِ فَلَا يَسْقُطُ الْحَجُّ بِخَوْفِ أَخْذِهِ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ، وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَنْكُثَ ظَالِمٌ) : أَيْ يَرْجِعَ لِلْأَخْذِ ثَانِيًا بَعْدَ الْأَوَّلِ؛ فَإِنْ خِيفَ مِنْهُ ذَلِكَ سَقَطَ وُجُوبُهُ بِاتِّفَاقِ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ قَلَّ الْمَجْمُوعُ.
فَإِذَا أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ وَجَبَ الْحَجُّ (وَلَوْ بِلَا زَادٍ وَ) بِلَا (رَاحِلَةٍ) يَرْكَبُهَا (لِذِي صَنْعَةٍ تَقُومُ بِهِ وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ) : يَعْنِي أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى زَادٍ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [إمْكَانًا عَادِيًّا] : فَلَا يَجِبُ بِنَحْوِ طَيَرَانٍ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنْ إنْ وَقَعَ أَجْزَأَ.
وَتَرَدَّدَ زَرُّوقٌ فِي الْوُجُوبِ بِذَلِكَ، وَمُقْتَضَى شَارِحِنَا: عَدَمُ الْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَالْمَشَقَّةُ لَا بُدَّ مِنْهَا] . . . إلَخْ وَالْمَشَقَّةُ الْمُسْقِطَةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ.
وَفِي (ح) التَّشْنِيعِ عَلَى مَنْ أَطْلَقَ فِي سُقُوطِ الْحَجِّ عَنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ، بَلْ النَّظَرُ بِحَسَبِ الْحَالِ وَالزَّمَانِ فِي أَهْلِ الْمَغْرِبِ وَغَيْرِهِمْ.
وَمَنْ عَدِمَ الِاسْتِطَاعَةَ: سُلْطَانٌ يَخْشَى مِنْ سَفَرِهِ الْعَدُوَّ أَوْ اخْتِلَالَ الرَّعِيَّةِ أَوْ ضَرَرًا عَظِيمًا يَلْحَقُهُ بِعَزْلِهِ مَثَلًا لَا مُجَرَّدُ الْعَزْلِ فِيمَا يَظْهَرُ - كَذَا قَالَ الْأَشْيَاخُ.
قَوْلُهُ: [مِنْ مُحَارِبٍ وَغَاصِبٍ] : يُحْتَرَزُ بِذَلِكَ عَنْ أَخْذِ الدَّالِّ عَلَى الطَّرِيقِ أُجْرَةً مِنْ الْمُسَافِرِينَ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَلَيْسَ فِيهِ تَفْصِيلُ الظَّالِمِ، وَيَكُونُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِ الْمُسَافِرِينَ دُونَ أَمْتِعَتِهِمْ، إذْ مَنْ مَعَهُ دَوَابُّ وَلَوْ كَثُرَتْ كَالْمُتَجَرِّدِ فِي انْتِفَاعِهِمَا بِهِ.
وَالظَّاهِرُ اعْتِبَارُ عَدَدِ رُءُوسٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَالْمَتْبُوعِينَ فَقَطْ، وَإِذَا جَرَى عُرْفٌ بِشَيْءٍ عُمِلَ بِهِ لِأَنَّهُ كَالشَّرْطِ - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ (عب) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِلَا زَادٍ] : رَدَّ: ب (لَوْ) عَلَى سَحْنُونَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِمَّنْ قَالَ بِاشْتِرَاطِ مُصَاحَبَةِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لَهُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ صَنْعَةٌ أَوْ قُدْرَةٌ عَلَى الْمَشْيِ.
قَوْلُهُ: [وَقَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ] : ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمَشْيُ غَيْرَ مُعْتَادٍ لَهُ، وَاشْتَرَطَ

وَلَا مَرْكُوبٍ؛ بَلْ يَقُومُ مَقَامَ الزَّادِ الصَّنْعَةُ الْكَافِيَةُ، كَبَيْطَرَةٍ وَحِلَاقَةٍ وَخِيَاطَةٍ وَخِدْمَةٍ بِأُجْرَةٍ، وَيَقُومُ مَقَامَ الرَّاحِلَةِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَشْيِ اجْتِمَاعًا أَمْ انْفِرَادًا.
(وَلَوْ) كَانَ الْقَادِرُ عَلَى الْمَشْيِ (أَعْمَى) يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ أَوْ بِقَائِدٍ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ قَدَرَ عَلَيْهَا.
(أَوْ) قَدَرَ عَلَى الْوُصُولِ (بِمَا) أَيْ بِثَمَنِ شَيْءٍ (يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ) : مِنْ مَاشِيَةٍ وَعَقَارٍ وَثِيَابٍ وَكُتُبِ عِلْمٍ يَحْتَاجُ لَهَا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ (أَوْ بِافْتِقَارِهِ) : أَيْ وَلَوْ مَعَ افْتِقَارِهِ أَيْ صَيْرُورَتِهِ فَقِيرًا بَعْدَ حَجِّهِ.
(وَ) مَعَ (تَرْكِ وَلَدِهِ) وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ (لِلصَّدَقَةِ) مِنْ النَّاسِ (إنْ لَمْ يَخْشَ) عَلَيْهِمْ (ضَيَاعًا) ، وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْهَلَاكِ، بِأَنْ كَانَ الشَّأْنُ عَدَمَ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ أَوْ عَدَمَ مَنْ يَحْفَظُهُمْ.
(أَوْ) قَدَرَ عَلَى الْوُصُولِ (بِسُؤَالٍ) مِنْ النَّاسِ، لَكِنْ بِشَرْطَيْنِ: أَفَادَهُمَا بِقَوْلِهِ:

[حاشية الصاوي]

الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْبَاجِيُّ اعْتِيَادَهُ، لَا إنْ كَانَ غَيْرَ مُعْتَادٍ لَهُ وَيَزْرِي بِهِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ.
الْحَجُّ وَمَا قِيلَ فِيهِ يُقَالُ فِي الصَّنْعَةِ.
قَوْلُهُ: [يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ] : أَيْ وَكَانَ مَعَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يُوَصِّلُهُ.
قَوْلُهُ: [قَدَرَ عَلَيْهَا] : أَيْ وَجَدَهَا وَلَا تُجْحِفُ بِهِ وَمَحِلُّ الْوُجُوبِ عَلَى الْأَعْمَى إذَا اهْتَدَى أَوْ وَجَدَ قَائِدًا، إذَا كَانَ رَجُلًا لَا امْرَأَةً، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهَا وَلَوْ قَدَرَتْ عَلَى الْمَشْيِ مَعَ قَائِدٍ بَلْ يُكْرَهُ لَهَا ذَلِكَ.
كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [يُبَاعُ عَلَى الْمُفْلِسِ] : أَيْ وَلَوْ ثَمَنُ وَلَدِ زِنًا، قَالَ (ح) : ثَمَنُ وَلَدِ الزِّنَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَإِثْمُ وَلَدِ الزِّنَا عَلَى أَبَوَيْهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ بِافْتِقَارِهِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَوْلَادِهِ إلَّا مِقْدَارُ مَا يُوَصِّلُهُ فَقَطْ، وَلَا يُرَاعَى مَا يَئُولُ أَمْرُهُ وَأَمْرُ أَوْلَادِهِ إلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ لِلَّهِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى فَوْرِيَّةِ الْحَجِّ.
وَأَمَّا عَلَى التَّرَاخِي فَلَا إشْكَالَ فِي تَبْدِئَةِ نَفَقَةِ الْأَوْلَادِ وَالْأَبَوَيْنِ وَالزَّوْجَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الشَّخْصَ التَّكَسُّبُ وَجَمْعُ الْمَالِ لِأَجْلِ أَنْ يَحْصُلَ مَا يَحُجُّ بِهِ، وَلَا أَنْ يَجْمَعَ مَا فَضَلَ عَنْ كَسْبِهِ مَثَلًا كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى يَصِيرَ مُسْتَطِيعًا، بَلْ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ وَالْمُعْتَبَرُ الِاسْتِطَاعَةُ الْحَالِيَّةُ - كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.

(إنْ كَانَ عَادَتُهُ) السُّؤَالَ، (وَظَنَّ الْإِعْطَاءَ) وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ.
(وَاعْتُبِرَ) فِي الِاسْتِطَاعَةِ زِيَادَةٌ عَلَى إمْكَانِ الْوُصُولِ (مَا يُرَدُّ بِهِ) مِنْ الْمَالِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ إلَى وَطَنِهِ، أَوْ أَقْرَبِ مَكَان يَعِيشُ بِهِ إذَا لَمْ تُمْكِنْهُ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ وَإِلَّا فَلَا.
(وَزِيدَ) عَلَى الْأَمْنِ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ (فِي) حَقِّ (الْمَرْأَةِ: زَوْجٌ) يُسَافِرُ مَعَهَا، (أَوْ مَحْرَمٌ) بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، (أَوْ رُفْقَةٍ أُمِنَتْ) وَلَوْ رِجَالًا فَقَطْ، أَوْ نِسَاءً فَقَطْ، كَانَ الْحَجُّ عَلَيْهَا فَرْضًا؛ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ الْمَحْرَمِ، وَإِلَّا سَقَطَ بَلْ يُمْنَعُ عَلَيْهَا.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [إنْ كَانَ عَادَتُهُ السُّؤَالَ] : أَيْ فِي الْحَضَرِ، وَأَمَّا فَقِيرٌ غَيْرُ سَائِلٍ فِي الْحَضَرِ، وَقَادِرٌ عَلَى سُؤَالِ كِفَايَتِهِ فِي السَّفَرِ، فَلَا يَجِبُ.
وَفِي إبَاحَتِهِ أَوْ كَرَاهَتِهِ رِوَايَتَا ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْقَاسِمِ.
قَوْلُهُ: [وَزِيدَ عَلَى الْأَمْنِ] : حَاصِلُهُ: أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ - الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ عِبَارَةٌ عَنْ إمْكَانِ الْوُصُولِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ عَظُمَتْ مَعَ الْأَمْنِ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَيُزَادُ عَلَى ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ أَنْ تَجِدَ مَحْرَمًا مِنْ مَحَارِمِهَا يُسَافِرُ مَعَهَا، أَوْ زَوْجًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ يَوْمًا وَلَيْلَةً إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» ، وَأَطْلَقَ فِي الْمَحْرَمِ فَيَعُمُّ الَّذِي مِنْ النَّسَبِ وَالصِّهْرِ وَالرَّضَاعِ.
وَقَوْلُهُ: " لِامْرَأَةٍ " نَكِرَةٍ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ؛ فَيَعُمُّ الْمُتَجَالَّةَ وَالشَّابَّةَ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ هِيَ وَالْمَحْرَمُ مُتَرَافِقَيْنِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا فِي أَوَّلِ الْمَرْكَبِ وَالثَّانِي فِي آخِرِهِ بِحَيْثُ إذَا احْتَاجَتْ إلَيْهِ أَمْكَنَهَا الْوُصُولُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ كَفَى عَلَى الظَّاهِرِ - كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَحْرَمِ الْبُلُوغُ، بَلْ الْمَدَارُ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَوُجُودُ الْكِفَايَةِ.

(وَلَا تَصِحُّ نِيَابَةٌ) مِنْ أَحَدٍ (عَنْ) شَخْصٍ (مُسْتَطِيعٍ فِي) حَجِّ (فَرْضٍ) :

[حاشية الصاوي]

وَهَلْ عَبْدُ الْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ مُطْلَقًا نَظَرًا لِكَوْنِهِ لَا يَتَزَوَّجُهَا فَتُسَافِرُ مَعَهُ؟ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ أَوَّلًا مُطْلَقًا؟ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْفُرَاتِ، أَوْ إنْ كَانَ وَغْدًا فَمَحْرَمٌ تُسَافِرُ مَعَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَعَزَاهُ ابْنُ الْقَطَّانِ لِمَالِكٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ الْقَصَّارِ، وَيَقُومُ مَقَامَ الرُّفْقَةِ الْمَأْمُونَةِ فِي سَفَرِ الْفَرْضِ فَقَطْ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِحِ.
تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ: يُزَادُ فِي الْمَرْأَةِ أَنَّهَا لَا يَلْزَمُهَا الْمَشْيُ الْبَعِيدُ.
وَيَخْتَلِفُ الْبُعْدُ بِأَحْوَالِ النِّسَاءِ، وَلَا تَرْكَبُ صَغِيرَ السُّفُنِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهَا الْمُبَالَغَةُ فِي السِّتْرِ عِنْدَ كَالنَّوْمِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَحَيْثُ وَجَدَتْ الِاسْتِطَاعَةَ بِشُرُوطِهَا، فَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ إنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ لَا إنْ سَاوَتْ الْعَطَبَ، وَقِيلَ لَا يَجِبُ بِالْبَحْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: 27] وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَحْرَ، فَرَدَّ بِأَنَّ الِانْتِهَاءَ لِمَكَّةَ لَا يَكُونُ إلَّا بِرًّا لِبُعْدِ الْبَحْرِ مِنْهَا.
وَمَحِلُّ الْوُجُوبِ بِالْبَحْرِ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَضِيعَ رُكْنُ صَلَاةٍ لِكَدَوْخَةٍ.
وَأَمَّا عَدَمُ مَاءِ الْوُضُوءِ فَسَبَقَ جَوَازُ السَّفَرِ مَعَ التَّيَمُّمِ، نَعَمْ لَا بُدَّ مِنْ مَاءِ الشُّرْبِ حَيْثُ تَضُرُّ بِهِمْ قِلَّتُهُ، وَفِي الْخَرَشِيِّ وَغَيْرِهِ لَا يَحُجُّ إنْ لَزِمَ صَلَاتُهُ بِالنَّجَاسَةِ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَقَدْ يُنَاقَشُ بِالْخِلَافِ فِيهَا.
الثَّانِي: لَا يَجِبُ الْحَجُّ بِاسْتِطَاعَتِهِ بِالدَّيْنِ وَلَوْ مِنْ وَلَدِهِ إذَا لَمْ يَرْجُ الْوَفَاءَ، أَوْ بِعَطِيَّةٍ مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ إنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا لِذَلِكَ، وَيَصِحُّ بِالْمَالِ الْحَرَامِ مَعَ الْعِصْيَانِ.
فَائِدَةٌ: الْحَجُّ وَلَوْ تَطَوُّعًا أَفْضَلُ مِنْ الْغَزْوِ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ لِفَجْءِ الْعَدُوِّ، أَوْ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ، أَوْ بِكَثْرَةِ الْخَوْفِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْحَجِّ وَلَوْ فَرْضًا وَالْأَفْضَلُ فِي سَفَرِ الْحَجِّ الرُّكُوبُ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقَتَبِ رَحْلٌ صَغِيرٌ لِلسُّنَّةِ وَالْبُعْدِ عَنْ الْكِبْرِ.
قَوْلُهُ: [عَنْ شَخْصٍ مُسْتَطِيعٍ] إلَخْ: لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ " مُسْتَطِيعٍ فِي فَرْضٍ "، بَلْ الِاسْتِنَابَةُ فَاسِدَةٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْمَحْجُوجُ عَنْهُ مُسْتَطِيعًا أَوْ لَا، فِي فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ إنْ كَانَ حَيًّا كَمَا سَيَأْتِي اعْتِمَادُهُ فِي الشَّارِحِ.

بِأُجْرَةٍ أَوْ لَا؛ فَالْإِجَارَةُ فِيهِ فَاسِدَةٌ.
لِأَنَّهُ عَمَلٌ بَدَنِيٌّ لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، فَالْفَرْضُ بَاقٍ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ.
(وَإِلَّا) تَكُنْ فِي فَرْضٍ - بَلْ فِي نَفْلٍ أَوْ فِي عُمْرَةٍ كُرِهَتْ النِّيَابَةُ، وَصَحَّتْ الْإِجَارَةُ فِيمَا ذُكِرَ، وَلِلْمُسْتَنِيبِ أَجْرُ الدُّعَاءِ وَالنَّفَقَةِ، وَحَمْلُ النَّائِبِ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ.
هَذَا هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّيْخُ فِي التَّوْضِيحِ، وَفِي الْمُخْتَصَرِ، وَضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ: وَقَالَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ النِّيَابَةَ عَنْ الْحَيِّ لَا تَجُوزُ، وَلَا تَصِحُّ مُطْلَقًا إلَّا عَنْ مَيِّتٍ أَوْصَى بِهِ فَتَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
وَشُبِّهَ فِي الْكَرَاهَةِ قَوْلُهُ: (كَبَدْءٍ لِلْمُسْتَطِيعِ) : أَيْ كَمَا يُكْرَهُ لِلْمُسْتَطِيعِ الَّذِي عَلَيْهِ حَجَّةُ الْفَرْضِ أَنْ يَبْدَأَ (بِهِ) : أَيْ بِالْحَجِّ (عَنْ غَيْرِهِ) قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى التَّرَاخِي، وَإِلَّا مُنِعَ.
وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اعْتِمَادِ بَعْضِهِمْ يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا حَجَّ عَنْ مَيِّتٍ أَوْصَى بِهِ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ.
(وَ) كَكَرَاهَةِ (إجَارَةِ نَفْسِهِ) : أَيْ الْإِنْسَانِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (فِي عَمَلٍ لِلَّهِ)

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ] : أَيْ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: فَائِدَةٌ - مِنْ الْعِبَادَةِ مَا لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ بِإِجْمَاعٍ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ، وَمِنْهَا مَا يَقْبَلُهَا إجْمَاعًا كَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَرَدِّ الدُّيُونِ وَالْوَدَائِعِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُمَا لَا يَقْبَلَانِ النِّيَابَةَ (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ] : الْمُرَادُ بِهِ (ر) قَائِلًا الْمُعْتَمَدُ مَنْعُ النِّيَابَةِ عَنْ الْحَيِّ مُطْلَقًا صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا كَانَتْ النِّيَابَةُ فِي فَرْضٍ أَوْ فِي نَفْلٍ كَانَتْ بِأُجْرَةٍ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: [عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اعْتِمَادِ بَعْضِهِمْ] : الَّذِي هُوَ (ر) كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ] : أَيْ مُطْلَقًا كَانَتْ النِّيَابَةُ فِي فَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ حَيْثُ كَانَتْ عَنْ حَيٍّ.
قَوْلُهُ: [وَكَكَرَاهَةِ إجَارَةِ نَفْسِهِ] إلَخْ: أَيْ لِقَوْلِ مَالِكٍ: لَأَنْ يُؤَاجِرَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ فِي عَمَلِ اللَّبِنِ وَقَطْعِ الْحَطَبِ وَسَوْقِ الْإِبِلِ، أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا لِلَّهِ بِأُجْرَةٍ.

تَعَالَى؛ حَجًّا أَوْ غَيْرَهُ، كَقِرَاءَةٍ وَإِمَامَةٍ وَتَعْلِيمِ عِلْمٍ إلَّا تَعْلِيمَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
(وَنَفَذَتْ) إنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ، أَيْ صَحَّتْ.
وَمَحِلُّ الْكَرَاهَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ الْأُجْرَةُ مِنْ وَقْفٍ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا كَرَاهَةَ.

(وَأَرْكَانُهُ) أَيْ الْحَجِّ (أَرْبَعَةٌ) أَوَّلُهَا: (الْإِحْرَامُ) وَهُوَ نِيَّةٌ مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ؛ كَالتَّلْبِيَةِ وَالتَّجَرُّدِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَتَعْلِيمِ عِلْمٍ] : قَالَ الشَّيْخُ فِي تَقْرِيرَةِ: يُسْتَثْنَى مِنْهُ عِلْمُ الْحِسَابِ، فَإِنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي تَعْلِيمِهِ بِأُجْرَةٍ، لِأَنَّهُ صَنْعَةٌ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا تَعْلِيمَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى] : أَيْ وَمِثْلُهُ الْأَذَانُ وَإِنْ مَعَ الصَّلَاةِ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأُجْرَةُ مِنْ وَقْفٍ، وَلَا مِنْ بَيْتِ مَالٍ، وَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى» ، وَذَكَرَ الْأَشْيَاخُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْقُرْآنِ أَنَّ الْعِلْمَ لَوْ جَازَتْ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ لَأَدَّى لِضَيَاعِ الشَّرِيعَةِ مَعَ أَنَّ مَعْرِفَةَ أَحْكَامِ الدِّينِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ فَرْضُ عَيْنٍ سِوَى الْفَاتِحَةِ؛ فَلِذَلِكَ رُخِّصَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ فِيهِ دُونَ الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ: [وَنَفَذَتْ إنْ آجَرَ نَفْسَهُ] إلَخْ: أَيْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا، وَإِنَّمَا نَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ، مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ النِّيَابَةِ، وَهُنَا كَلَامٌ طَوِيلٌ فِي خَلِيلٍ وَشُرَّاحِهِ تَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ اتِّكَالًا عَلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ وَالْوَصَايَا، وَلِكَوْنِ إجَارَةِ الْحَجِّ مَكْرُوهَةً فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، وَفَاسِدَةٌ فِي بَعْضِهَا، لَمْ يَعْتَنِ بِتَفْصِيلِهَا وَقَدْ أَجَابَ بِذَلِكَ هُوَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.

[أَرْكَان الْحَجّ]

[الرُّكْن الْأَوَّل الْإِحْرَام]

قَوْلُهُ: [وَأَرْكَانُهُ أَيْ الْحَجِّ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الرُّكْنَ هُوَ مَا لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ،

فَلَا يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَالْأَرْجَحُ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِهَا.
(وَوَقْتُهُ) الْمَأْذُونُ فِيهِ شَرْعًا (لِلْحَجِّ) إظْهَارٌ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ: أَيْ ابْتِدَاءُ وَقْتِهِ لَهُ: (شَوَّالٌ) مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةِ عِيدِ الْفِطْرِ، وَيَمْتَدُّ (لِفَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) بِإِخْرَاجِ الْغَايَةِ؛ فَمَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ فَجْرِهِ بِلَحْظَةٍ وَهُوَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ الْإِفَاضَةُ وَالسَّعْيُ بَعْدَهَا لِأَنَّ الرُّكْنَ عِنْدَنَا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لَيْلًا، وَقَدْ حَصَلَ.

[حاشية الصاوي]

وَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ دَمٌ وَلَا غَيْرُهُ وَهِيَ: الْإِحْرَامُ، وَالطَّوَافُ، وَالسَّعْيُ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ.
وَهَذِهِ الْأَرْكَانُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ يَفُوتُ الْحَجُّ بِتَرْكِهِ وَلَا يُؤْمَرُ بِشَيْءٍ: وَهُوَ الْإِحْرَامُ.
وَقِسْمٌ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ وَيُؤْمَرُ بِالتَّحَلُّلِ بِعُمْرَةٍ وَبِالْقَضَاءِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ وَهُوَ الْوُقُوفُ، وَقِسْمٌ لَا يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ وَلَا يَتَحَلَّلُ مِنْ الْإِحْرَامِ وَلَوْ وَصَلَ لِأَقْصَى الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ رَجَعَ لِمَكَّةَ لِيَفْعَلَ: وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ وَالثَّلَاثَةُ غَيْرُ السَّعْيِ مُتَّفَقٌ عَلَى رُكْنِيَّتِهَا، وَأَمَّا السَّعْيُ فَقِيلَ بِعَدَمِ رُكْنِيَّتِهِ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَزَادَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْأَرْكَانِ: الْوُقُوفَ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَرَمْيَ الْعَقَبَةِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا غَيْرُ رُكْنَيْنِ، بَلْ الْأَوَّلُ مُسْتَحَبٌّ وَالثَّانِي وَاجِبٌ يُجْبَرُ بِالدَّمِ.
وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلًا بِرُكْنِيَّةِ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ وَاجِبٌ يُجْبَرُ بِالدَّمِ.
وَاخْتُلِفَ فِي اثْنَيْنِ خَارِجِ الْمَذْهَبِ وَهُمَا: النُّزُولُ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَالْحِلَاقِ.
وَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ يُجْبَرَانِ بِالدَّمِ فَهِيَ تِسْعَةٌ بَيْنَ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٍ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ وَخَارِجِهِ.
قَالَ (ح) : يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ إذَا أَتَى بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَنْ يَنْوِيَ الرُّكْنِيَّةَ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ، وَلِيَكْثُرَ الثَّوَابُ - أَشَارَ لَهُ الشَّبِيبِيُّ (اهـ بْن نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَالْأَرْجَحُ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِهَا] : أَيْ وَيَلْزَمُهُ دَمٌ فِي تَرْكِ التَّلْبِيَةِ وَالتَّجَرُّدِ حِينَ النِّيَّةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ.
قَوْلُهُ: [وَوَقْتُهُ الْمَأْذُونُ فِيهِ] : أَيْ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [فَمَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ فَجْرِهِ بِلَحْظَةٍ] : أَيْ فَالْمُرَادُ أَنَّ الزَّمَنَ الَّذِي ذَكَرَهُ ظَرْفٌ مُتَّسَعٌ لِلْإِحْرَامِ فِيهِ إلَى أَنْ يَبْقَى عَلَى فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لَحْظَةٌ يُدْرِكُ بِهَا الْإِحْرَامَ فَيَصِيرُ مَضِيقًا.

(وَكُرِهَ) الْإِحْرَامُ لَهُ (قَبْلَهُ) : أَيْ قَبْلَ شَوَّالٍ، وَانْعَقَدَ.
(كَمَكَانِهِ) أَيْ كَمَا يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ قَبْلَ مَكَانِهِ الْآتِي بَيَانُهُ.
(وَ) وَقْتُ الْإِحْرَامِ (لِلْعُمْرَةِ أَبَدًا) أَيْ فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ الْعَامِ (إلَّا لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ) : فَلَا يَصِحُّ إحْرَامُهُ بِعُمْرَةٍ، إلَّا إذَا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ أَفْعَالِهِ مِنْ طَوَافٍ وَسَعْيٍ وَرَمْيٍ لِجَمِيعِ الْجَمَرَاتِ إنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ، وَبِقَدْرِ رَمْيِهَا مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ بَعْدَ الزَّوَالِ إنْ تَعَجَّلَ.
فَقَوْلُهُ: (فَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ رَمْيِ) الْيَوْمِ (الرَّابِعِ) بِالْفِعْلِ إنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ أَوْ بِقَدْرِهِ إذَا تَعَجَّلَ مَعْنَاهُ إذَا كَانَ قَدَّمَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ.
(وَكُرِهَ) الْإِحْرَامُ بِهَا (بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ رَمْيِهِ الْيَوْمَ الرَّابِعَ (لِلْغُرُوبِ) مِنْهُ، (فَإِنْ أَحْرَمَ) بِهَا بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ صَحَّ إحْرَامُهُ (وَأَخَّرَ) وُجُوبًا (طَوَافَهَا) وَسَعْيَهَا (بَعْدَهُ) : أَيْ الْغُرُوبِ، وَإِلَّا لَمْ يُعْتَدَّ بِفِعْلِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَأَعَادَهُمَا بَعْدَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ أَبَدًا.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ لِلْإِحْرَامِ بِقَوْلِهِ: (وَمَكَانُهُ) : أَيْ الْإِحْرَامُ (لَهُ) : أَيْ لِلْحَجِّ غَيْرِ الْقِرَانِ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي، يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْحَاجِّينَ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَانْعَقَدَ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ وَقْتُ كَمَالٍ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا تَفْسُدُ قَبْلَ وَقْتِهَا، لِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلصِّحَّةِ وَالْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: [كَمَكَانِهِ] : أَيْ وَلَكِنْ يَنْعَقِدُ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: [إلَّا لِمُحْرِمٍ بِحَجٍّ] : أَيْ وَمِثْلُهُ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ فَلَا تَنْعَقِدُ عُمْرَةٌ عَلَى حَجٍّ، وَلَا عَلَى عُمْرَةِ الْمُحْرِمِ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ فَلَوْ قَالَ إلَّا لِمُحْرِمٍ بِنُسْكٍ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا لَمْ يُعْتَدَّ بِفِعْلِهِ] : أَيْ إنْ فَعَلَ بِهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ شَيْئًا مِنْ طَوَافٍ أَوْ سَعْيٍ - وَمِنْهُ الدُّخُولُ لِلْحَرَمِ بِسَبَبِهَا - فَيُعِيدُ جَمِيعَ مَا فَعَلَهُ.
فَإِنْ تَحَلَّلَ مِنْهَا بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ قَبْلَ غُرُوبِ الرَّابِعِ، وَوَطِئَ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ فَيُتِمُّهَا وُجُوبًا وَيَقْضِيهَا وَيُهْدِي وَيَفْتَدِي لِكَالْحَلْقِ.

[بَيَان الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ لِلْإِحْرَامِ]

قَوْلُهُ: [غَيْرُ الْقِرَانِ] : شَمِلَ كَلَامُهُ الْمُفْرِدَ الَّذِي لَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَالْمُتَمَتِّعَ الَّذِي تَحَلَّلَ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَأَحْرَمَ بِحَجٍّ مُفْرِدًا.

فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ (لِمَنْ بِمَكَّةَ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَمْ لَا، وَلَوْ أَقَامَ بِهَا إقَامَةً لَا تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ (مَكَّةَ) أَيْ: الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مَكَّةَ فِي أَيِّ مَكَان مِنْهَا، وَمِثْلُهَا مِنْ مَنْزِلِهِ فِي الْحَرَمِ خَارِجَهَا.
(وَنُدِبَ) إحْرَامُهُ (بِالْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ أَيْ فِيهِ مَوْضِعُ صَلَاتِهِ، وَيُلَبِّي وَهُوَ جَالِسٌ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ مِنْ مُصَلَّاهُ وَلَا أَنْ يَتَقَدَّمَ جِهَةَ الْبَيْتِ.
(وَ) نُدِبَ خُرُوجُ الْآفَاقِيِّ الْمُقِيمِ بِهَا (ذِي النَّفْسِ) : أَيْ الَّذِي مَعَهُ نَفْسٌ: أَيْ سَعَةُ زَمَنٍ يُمْكِنُ الْخُرُوجُ فِيهِ لِمِيقَاتِهِ، وَإِدْرَاكُ الْحَجِّ (لِمِيقَاتِهِ) لِيُحْرِمَ مِنْهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَ) مَكَانُهُ (لَهَا) : أَيْ لِلْعُمْرَةِ لِمَنْ بِمَكَّةَ (وَلِلْقِرَانِ) أَيْ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا (الْحِلُّ) لِيَجْمَعَ فِي إحْرَامِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ إذْ هُوَ شَرْطٌ فِي كُلِّ إحْرَامٍ، (وَصَحَّ) الْإِحْرَامُ لَهَا وَلِلْقِرَانِ (بِالْحَرَمِ) وَإِنْ لَمْ يَجُزْ ابْتِدَاءً، (وَخَرَجَ) وُجُوبًا لِلْحِلِّ لِلْجَمْعِ فِي إحْرَامِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، (وَإِلَّا) يَخْرُجْ لِلْحِلِّ - وَقَدْ طَافَ لَهَا وَسَعَى (أَعَادَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ) لِفَسَادِهِمَا (بَعْدَهُ) ، أَيْ بَعْدَ الْخُرُوجِ لِلْحِلِّ، وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَلَقَ قَبْلَ خُرُوجِهِ، (وَافْتَدَى إنْ حَلَقَ قَبْلَهُ) : أَيْ الْخُرُوجِ لِأَنَّ حَلْقَهُ وَقَعَ حَالَ إحْرَامِهِ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ قَبْلَ الْخُرُوجِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدَّمَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ قَبْلَ خُرُوجِهِ طَافَ وَسَعَى لِلْعُمْرَةِ بَعْدَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَقَوْلُهُ: " وَإِلَّا أَعَادَ " إلَخْ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَمِثْلُهُ مِنْ مَنْزِلِهِ فِي الْحَرَمِ خَارِجَهَا] : أَيْ كَأَهْلِ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ.
قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ مِنْ مُصَلَّاهُ] : أَيْ ثُمَّ يُلَبِّي بَعْدَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ خُرُوجُ الْآفَاقِيِّ] إلَخْ: أَيْ كَمِصْرِيٍّ مُجَاوِرٍ بِمَكَّةَ فَيُنْدَبُ لَهُ إنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ وَمَعَهُ سَعَةٌ مِنْ الزَّمَنِ؛ إذَا وَصَلَ لِمِيقَاتِهِ الْجُحْفَةِ وَرَجَعَ، يُدْرِكُ الْوُقُوفَ.
وَيُشْتَرَطُ الْأَمْنُ أَيْضًا وَإِلَّا فَلَا يُنْدَبُ لَهُ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ رُجُوعُهُ لِمِيقَاتِهِ حَرَامًا.
قَوْلُهُ: [فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ] : أَيْ لِأَنَّ مُخَالَفَةَ الْمَنْدُوبِ لَا تُوجِبُ شَيْئًا كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَمَكَانُهُ لَهَا] إلَخْ: وَالْجِعْرَانَةُ أَوْلَى ثُمَّ التَّنْعِيمُ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْعُمْرَةِ.
وَأَمَّا الْقِرَانُ فَلَا يُطْلَبُ لَهُ مَكَانٌ مُعَيَّنٌ مِنْ الْحِلِّ بَلْ الْحِلُّ فِيهِ مُسْتَوٍ.
قَوْلُهُ: [وَافْتَدَى إنْ حَلَقَ قَبْلَهُ] : فَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ الْحِلَاقِ فَسَدَتْ وَلَزِمَهُ

ظَاهِرٌ فِي الْعُمْرَةِ فَقَطْ، وَأَمَّا الْقَارِنُ فَلَا يُعِيدُ بَعْدَ خُرُوجِهِ لِأَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ بَعْدَ الْوُقُوفِ يَنْدَرِجُ فِيهَا طَوَافُ وَسَعْيُ الْعُمْرَةِ.
(وَ) مَكَانُهُ (لِغَيْرِهِ) : أَيْ لِغَيْرِ مَنْ بِمَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ (لَهُمَا) أَيْ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ: (ذُو الْحُلَيْفَةِ) تَصْغِيرُ حَلْفَةٍ - بِالنِّسْبَةِ (لِمَدَنِيٍّ) ، وَمَنْ وَرَاءَهُ مِمَّنْ يَأْتِي عَلَى الْمَدِينَةِ، (وَالْجُحْفَةِ لِكَالْمَصْرِيِّ) : كَأَهْلِ الْمَغْرِبِ وَالسُّودَانِ وَالرُّومِ

[حاشية الصاوي]

إتْمَامُهَا، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا الْقَارِنُ فَلَا يُعِيدُ] إلَخْ: أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَوْ طَافَ وَسَعَى، وَإِنْ كَانَ لَغْوًا كَمَا قَرَّرَهُ مُؤَلِّفُهُ.
وَقَوْلُهُ: بَعْدَ خُرُوجِهِ أَيْ لِلْحِلِّ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ لِلْحِلِّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ الْخُرُوجِ لِعَرَفَةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ حَصَلَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ بِخُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ، غَايَةُ مَا هُنَاكَ خَالَفَ الْوَاجِبَ، وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ (شب) لَا دَمَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [ذُو الْحُلَيْفَةِ] إلَخْ: وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ تِلْكَ الْمَوَاقِيتَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْآفَاقِيِّ فِي قَوْلِهِ: عِرْقُ الْعِرَاقِ يَلَمْلَمُ الْيَمَنُ ... وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ يُحْرِمُ الْمَدَنِيُّ وَالشَّامُ جُحْفَةٌ إنْ مَرَرْت بِهَا ... وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ فَاسْتَبِنْ وَذُو الْحُلَيْفَةِ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ عَلَى عَشْرِ أَوْ تِسْعِ مَرَاحِلَ مِنْهَا، وَمِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَوْ سِتَّةِ أَوْ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ، وَبِهَا بِئْرٌ يُسَمِّيهَا الْعَوَامُّ بِئْرَ عَلِيٍّ تَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتَلَ بِهَا الْجِنَّ، قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَهَذِهِ النِّسْبَةُ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ.
وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحْرِمُ مِنْ مَسْجِدِهَا.
قَوْلُهُ: [مِمَّنْ يَأْتِي عَلَى الْمَدِينَةِ] : أَيْ كَأَهْلِ الشَّامِ الْآنَ فَإِنَّهُمْ يَمُرُّونَ بِهَا ذَهَابًا وَإِيَابًا.
قَوْلُهُ: [وَالْجُحْفَةُ لِكَالْمَصْرِيِّ] : هِيَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْفَاءِ: قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ أَصْلُهَا لِلْيَهُودِ عَلَى خَمْسِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ، وَثَمَانٍ مِنْ الْمَدِينَةِ.
قَالَ بَعْضٌ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ السَّيْلَ أَجْحَفَهَا وَسَبَّبَ خَرَابَهَا،

وَالشَّامِ، (وَيَلَمْلَمُ لِلْيَمَنِ وَالْهِنْدِ، وَقَرْنٌ) - بِسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ (لِنَجْدٍ، وَذَاتُ عِرْقٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ - (لِلْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَنَحْوِهِمَا) كَفَارِسَ وَالْمَشْرِقِ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ أَيْ لِأَهْلِ مَا ذُكِرَ.
(وَ) مَكَانُهُ لَهُمَا (مَسْكَنٌ) مِنْ أَيِّ جِهَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِسَاكِنٍ، (دُونَهَا) : أَيْ دُونَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ؛ بِأَنْ كَانَ الْمَسْكَنُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ، وَكَانَ خَارِجَ الْحَرَمِ أَوْ فِي

[حاشية الصاوي]

نُقِلَ حِمَى الْمَدِينَةِ إلَيْهَا بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَمِنْ حُكْمِ الْجُحْفَةِ رَابِغٌ الَّذِي يُحْرِمُونَ مِنْهُ الْآنَ عَلَى الرَّاجِحِ.
قَوْلُهُ: [وَالشَّامُ] : أَيْ إنْ أَتَوْا عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: [وَيَلَمْلَمُ لِلْيَمَنِ] : هِيَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَاللَّامِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَبَيْنَهُمَا مِيمٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ مِيمٌ، وَيُقَالُ بِهَمْزَةٍ بَدَلِ الْيَاءِ وَبِرَاءَيْنِ بَدَلِ اللَّامَيْنِ: جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: إنْ أُرِيدَ بِهَا الْجَبَلَ فَمُنْصَرِفَةٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا الْبُقْعَةَ فَغَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ، بِخِلَافِ قَرْنٍ فَإِنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ إرَادَةِ الْبُقْعَةِ يَجُوزُ صَرْفُهُ لِأَجْلِ سُكُونِ وَسَطِهِ.
قَوْلُهُ: [وَقَرْنٌ] إلَخْ: وَيُقَالُ قَرْنُ الْمَنَازِلِ وَهِيَ تِلْقَاءَ مَكَّةَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ قَالُوا وَهِيَ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ لِمَكَّةَ.
قَوْلُهُ: [وَذَاتُ عِرْقٍ] : هِيَ قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، يُقَالُ إنَّ بِنَاءَهَا تَحَوَّلَ إلَى جِهَةِ مَكَّةَ، فَتُتَحَرَّى الْقَرْيَةُ الْقَدِيمَةُ.
وَعَنْ الشَّافِعِيِّ: مِنْ عَلَامَاتِهَا الْمَقَابِرُ الْقَدِيمَةُ.
قَوْلُهُ: [وَكَانَ خَارِجَ الْحَرَمِ] : أَيْ كَقُدَيْدٍ وَعُسْفَانَ وَمَرِّ الظَّهْرَانِ الْمُسَمَّى الْآنَ بِوَادِي فَاطِمَةَ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: فَإِنْ سَافَرَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ مِنْ مَسْكَنِهِ دُونَهَا إلَى وَرَاءِ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ رَجَعَ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ فَكَمِصْرِيٍّ يَمُرُّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ

الْحَرَمِ وَأَفْرَدَ.
فَإِنْ قَرَنَ أَوْ اعْتَمَرَ خَرَجَ مِنْهُ إلَى الْحِلِّ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ كُلَّ إحْرَامٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَالْمُفْرِدُ يَقِفُ بِعَرَفَةَ وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ.
(وَ) مَكَانُهُ لَهُمَا أَيْضًا (حَيْثُ حَاذَى) أَيْ قَابَلَ الْمَارُّ (وَاحِدًا مِنْهَا) ، أَيْ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ كَرَابِغٍ فَإِنَّهَا تُحَاذِي الْجُحْفَةَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ (أَوْ مَرَّ بِهِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ؛ (وَلَوْ) كَانَ الْمُحَاذِي (بِبَحْرٍ) كَالْمُسَافِرِ مِنْ جِهَةِ مِصْرَ بِبَحْرِ السُّوَيْسِ؛ فَإِنَّهُ يُحَاذِي

[حاشية الصاوي]

لِمَنْزِلِهِ وَيُحْرِمُ مِنْهُ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ إحْرَامُهُ مِنْ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَ الْمُحَاذِي بِبَحْرٍ] : قَيَّدَهُ سَنَدٌ بِالْقُلْزُمِ وَهُوَ بَحْرُ السُّوَيْسِ.
أَمَّا عَيْذَابُ وَهُوَ بَحْرُ الْيَمَنِ وَالْهِنْدِ - فَلَا يُحْرِمُ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْبَرِّ، لِأَنَّ الرِّيحَ تَرِدُ فِيهِ كَثِيرًا، وَرَجَحَ بِخِلَافِ بَحْرِ السُّوَيْسِ فَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ إذَا رَدَّتْهُ الرِّيحُ، لِأَنَّ السَّيْرَ فِيهِ مَعَ السَّاحِلِ فَيُمْكِنُهُ إذَا خَرَجَتْ عَلَيْهِ الرِّيحُ النُّزُولُ إلَى الْبَرِّ، فَلِذَا تَعَيَّنَ إحْرَامُهُ

الْجُحْفَةَ قَبْلَ وُصُولِهِ جُدَّةَ فَيُحْرِمُ فِي الْبَحْرِ حِينَ الْمُحَاذَاةِ، (إلَّا كَمِصْرِيٍّ) مِنْ كُلِّ مَنْ مِيقَاتُهُ الْجُحْفَةُ (يَمُرُّ) ابْتِدَاءً (بِالْحُلَيْفَةِ) مِيقَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (فَيُنْدَبُ) لَهُ الْإِحْرَامُ (مِنْهَا) ، وَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ يَمُرُّ عَلَى مِيقَاتِهِ الْجُحْفَةِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
وَلِذَا لَوْ أَرَادَ الْمِصْرِيُّ أَنْ يَمُرَّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى غَيْرِ طَرِيقِ الْجُحْفَةِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ كَغَيْرِهِ.
(وَإِنْ) كَانَ الْمِصْرِيُّ الَّذِي مَرَّ بِالْحُلَيْفَةِ (حَائِضًا) أَوْ نُفَسَاءَ وَظَنَّتْ الطُّهْرَ قَبْلَ الْوُصُولِ لِلْجُحْفَةِ، فَيُنْدَبُ لَهَا الْإِحْرَامُ مِنْ الْحُلَيْفَةِ، وَلَا تُؤَخِّرُ لِلْجُحْفَةِ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى إحْرَامِهَا بِلَا صَلَاةٍ لِأَنَّ إقَامَتَهَا بِالْعِبَادَةِ أَيَّامًا قَبْلَ الْجُحْفَةِ أَفْضَلُ مِنْ تَأْخِيرِهَا لِأَجْلِ الصَّلَاةِ.
(وَمَنْ مَرَّ) بِمِيقَاتٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ، أَوْ حَاذَاهُ حَالَ كَوْنِهِ (غَيْرَ قَاصِدٍ مَكَّةَ) أَيْ دُخُولَهَا، بِأَنْ قَصَدَ مَكَانًا دُونَهَا أَوْ فِي جِهَةٍ أُخْرَى، وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ يُخَاطَبُ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ، (أَوْ) قَاصِدًا مَكَّةَ وَكَانَ (غَيْرَ مُخَاطَبٍ بِهِ) أَيْ بِالْإِحْرَامِ - كَعَبْدٍ وَصَبِيٍّ، (أَوْ قَصَدَهَا) عَطْفٌ عَلَى مَرَّ، فَهُوَ فِي غَيْرِ الْمَارِّ (مُتَرَدِّدًا) : أَيْ مُقَدِّرًا التَّرَدُّدَ لِدُخُولِهَا

[حاشية الصاوي]

مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي يُحَاذِي فِيهِ الْمِيقَاتَ، قَالَ مُحَشِّي الْأَصْلِ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ وَإِنْ أَمْكَنَهُ النُّزُولُ إلَى الْبَرِّ، لَكِنْ فِيهِ مَضَرَّةٌ بِمُفَارَقَةِ رَحْلِهِ، فَلِذَا قِيلَ إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي حَاذَى فِيهِ الْمِيقَاتَ، بَلْ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ إحْرَامَهُ حَتَّى يَصِلَ لِلْبَرِّ فَتَأَمَّلْهُ (اهـ) . وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي إذَا خَرَجَ فِيهِ إلَى الْبَرِّ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسٍ وَلَا عَلَى مَالٍ.
قَوْلُهُ: [إلَّا كَمِصْرِيٍّ] إلَخْ: قَالَ الْخَرَشِيُّ لَمَّا أَوْجَبَ الْجُمْهُورُ إحْرَامَ مَنْ مَرَّ بِغَيْرِ مِيقَاتِهِ مِنْهُ عُمُومًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» اسْتَثْنَى أَهْلُ الْمَذْهَبِ مَنْ مِيقَاتُهُ الْجُحْفَةِ يَمُرُّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَلَا يَجِبُ إحْرَامُهُ مِنْهَا لِمُرُورِهِ عَلَى مِيقَاتِهِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ مُقَدِّرًا التَّرَدُّدَ] : إشَارَةٌ إلَى أَنَّ (مُتَرَدِّدًا) حَالٌ مَنْوِيَّةٌ؛ عَلَى

كَالْمُتَرَدِّدِينَ لَهَا لِبَيْعِ الْفَوَاكِهِ وَالْحَطَبِ وَنَحْوِهِمَا (أَوْ عَادَ لَهَا) أَيْ لِمَكَّةَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا (مِنْ) مَكَان (قَرِيبٍ) دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، (فَلَا إحْرَامَ عَلَيْهِ) ، أَيْ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إحْرَامٌ فِي الْأَرْبَعِ صُوَرٍ.
(وَإِلَّا) - بِأَنْ قَصَدَ دُخُولَ مَكَّةَ لِنُسُكٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَكَانَ مِمَّنْ يُخَاطَبُ بِالْإِحْرَامِ وُجُوبًا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُتَرَدِّدِينَ لِنَحْوِ بَيْعِ الْفَوَاكِهِ، أَوْ عَادَ لَهَا مِنْ بَعِيدٍ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ (وَجَبَ) عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ.
وَضَابِطُ ذَلِكَ: أَنَّ كُلَّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ فَلَا يَدْخُلُهَا إلَّا بِإِحْرَامٍ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ وُجُوبًا وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَعَدِّي الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُتَرَدِّدِينَ، أَوْ يَعُودُ لَهَا بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا مِنْ مَكَان قَرِيبٍ لَمْ يَمْكُثْ فِيهِ كَثِيرًا فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ وَغَيْرِ الْمُكَلَّفِ كَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ.

(وَ) مَتَى تَعَدَّى الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ (رَجَعَ لَهُ) : أَيْ لِلْمِيقَاتِ وُجُوبًا لِيُحْرِمَ مِنْهُ (وَإِنْ دَخَلَ مَكَّةَ مَا لَمْ يُحْرِمْ) بَعْدَ تَعَدِّي الْمِيقَاتِ.
فَإِنْ أَحْرَمَ لَمْ يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ وَعَلَيْهِ الدَّمُ لِتَعَدِّيهِ الْمِيقَاتَ حَلَالًا وَلَا يُسْقِطُهُ عَنْهُ رُجُوعُهُ لَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ كَمَا يَأْتِي

[حاشية الصاوي]

حَدِّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: 73] . قَوْلُهُ: [كَالْمُتَرَدَّدِينَ لَهَا] إلَخْ: كَانُوا مُخَاطَبِينَ بِالْحَجِّ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [مِنْ مَكَان قَرِيبٍ] : أَيْ لَمْ يَمْكُثْ فِيهِ كَثِيرًا بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي، وَسَوَاءٌ كَانَ مُخَاطَبًا أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [فِي الْأَرْبَعِ صُوَرٍ] : أَيْ إجْمَالًا وَإِلَّا فَهِيَ سَبْعٌ تَفْصِيلًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " وَمَنْ مَرَّ غَيْرَ قَاصِدٍ مَكَّةَ " تَحْتَهُ صُورَتَانِ: وَهُمَا مُخَاطَبٌ، أَمْ لَا.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ غَيْرَ مُخَاطَبٍ بِهِ " صُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ قَصَدَهَا مُتَرَدِّدًا ": صُورَتَانِ: مُخَاطَبٌ، أَمْ لَا، وَقَوْلُهُ: (أَوْ عَادَ لَهَا - مِنْ قَرِيبٍ) صُورَتَانِ أَيْضًا: مُخَاطَبٌ، أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [كَالْعَبْدِ] : تَشْبِيهٌ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَجَمِيعُ الَّتِي لَا يَجِبُ فِيهَا الْإِحْرَامُ لَا دَمَ عَلَيْهِ فِيهَا بِمُجَاوَزَتِهِ الْمِيقَاتَ حَلَالًا وَلَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ضَرُورَةً مُسْتَطِيعًا عَلَى الرَّاجِحِ.

قَرِيبًا.
(وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) إذَا رَجَعَ لِلْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ إذَا لَمْ يُحْرِمْ بَعْدَ تَعَدِّيهِ، فَقَوْلُهُ: " وَلَا دَمَ " مُرْتَبِطٌ بِالْمَنْطُوقِ: أَيْ وَرَجَعَ الْمُتَعَدِّي لِلْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ مُدَّةَ كَوْنِهِ لَمْ يُحْرِمْ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَحْرَمَ فَالدَّمُ، وَلَا يَنْفَعُهُ رُجُوعُهُ (إلَّا لِعُذْرٍ) مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ " وَرَجَعَ "، أَيْ وَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَّا لِعُذْرٍ (كَخَوْفِ فَوَاتٍ) لِحَجِّهِ لَوْ رَجَعَ، أَوْ فَوَاتِ رُفْقَةٍ أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ عَدَمِ قُدْرَةٍ عَلَى الرُّجُوعِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ (فَالدَّمُ) وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِتَعَدِّيهِ الْمِيقَاتَ حَلَالًا، (كَرَاجِعٍ) لَهُ (بَعْدَ إحْرَامِهِ) عَلَيْهِ الدَّمُ، وَلَا يَنْفَعُهُ الرُّجُوعُ بَعْدَهُ فَأَوْلَى إذَا لَمْ يَرْجِعْ.
فَمُتَعَدِّي الْمِيقَاتِ حَلَالًا إذَا لَمْ يَرْجِعْ لَهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ يَلْزَمُهُ الدَّمُ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ؛ وَلَوْ فَسَدَ حَجُّهُ أَوْ كَانَ عَدَمُ الرُّجُوعِ لِعُذْرٍ.
(إلَّا أَنْ يَفُوتَهُ) الْحَجُّ بِطُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ قَبْلَ وُصُولٍ بِعَرَفَةَ، (فَتَحَلَّلَ) مِنْهُ (بِعُمْرَةٍ) بِأَنْ نَوَى التَّحَلُّلَ مِنْهُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ، وَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ بِنِيَّتِهَا، فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِلتَّعَدِّي، فَإِنْ لَمْ يَتَحَلَّلْ بِالْعُمْرَةِ وَبَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ لِقَابِلٍ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ.

(وَهُوَ) : أَيْ الْإِحْرَامُ (نِيَّةُ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ) : أَيْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَأَصْلُ النُّسُكُ: الْعِبَادَةُ (أَوْ هُمَا) أَيْ نِيَّتُهُمَا مَعًا، فَإِنْ نَوَى الْحَجَّ فَمُفْرِدٌ، وَإِنْ نَوَى الْعُمْرَةَ فَمُعْتَمِرٌ.
وَإِنْ نَوَاهُمَا فَقَارِنٌ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى ضَمِيمَةِ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ كَتَلْبِيَةٍ وَتَجَرُّدٍ عَلَى الْأَرْجَحِ.
(أَوْ أَبْهَمَ) عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ: أَيْ عَيَّنَ نِيَّتَهُ فِي أَحَدِهِمَا أَوْ فِيهِمَا أَوْ أَبْهَمَ فِي إحْرَامِهِ أَيْ نِيَّتَهُ، بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا - بِأَنْ نَوَى النُّسُكَ لِلَّهِ تَعَالَى

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَإِنْ أَحْرَمَ فَالدَّمُ] : أَيْ وَلَوْ أَفْسَدَهُ لِوُجُوبِ إتْمَامِهِ.
قَوْلُهُ: [فَالدَّمُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ] : أَيْ وَيُحْرِمُ مِنْ مَكَانِهِ.

[نِيَّة الْإِحْرَام]

قَوْلُهُ: [وَأَصِلُ النُّسُكُ الْعِبَادَةِ] : أَيْ مُطْلَقًا حَجًّا أَوْ غَيْرَهُ، ثُمَّ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى ضَمِيمَةِ قَوْلٍ] إلَخْ: أَيْ افْتِقَارًا تَتَوَقَّفُ الصِّحَّةُ عَلَيْهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ غَيْرُ شَرْطٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.

مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ هُمَا، فَيَنْعَقِدُ وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ بَعْدُ.
(وَنُدِبَ) إنْ أَبْهَمَ (صَرْفُهُ) : أَيْ تَعَيُّنُهُ (لِحَجٍّ) فَيَكُونُ مُفْرِدًا.
(وَالْقِيَاسُ) صَرْفُهُ (لِقِرَانٍ) : لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى النُّسُكَيْنِ كَالنَّاسِي.
(وَإِنْ نَسِيَ) مَا عَيَّنَهُ؛ أَهُوَ حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ أَوْهَمَا (فَقِرَانٌ) فَيُهْدِي لَهُ، (وَنَوَى الْحَجَّ) : أَيْ جَدَّدَ نِيَّتَهُ وُجُوبًا لِأَنَّهُ إنْ كَانَ نَوَاهُ أَوَّلًا فَهَذَا تَأْكِيدٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ نَوَى الْعُمْرَةَ فَقَدْ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ قَارِنًا وَإِنْ كَانَ نَوَى الْقِرَانَ لَمْ يَضُرَّهُ تَجْدِيدُ نِيَّةِ الْحَجِّ؛ فَعَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ قَارِنٌ أَيْ يَعْمَلُ عَمَلَهُ وَيُهْدِي لَهُ.
(وَبَرِئَ مِنْهُ فَقَطْ) لَا مِنْ الْعُمْرَةِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نَوَى أَوَّلًا الْحَجَّ، وَالثَّانِيَةُ تَأْكِيدٌ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ حَجٍّ] إلَخْ: أَيْ بِأَنْ يَقُولَ: " أَحْرَمْت لِلَّهِ، فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ بَعْدُ] : وَحِينَئِذٍ فَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا إلَّا بَعْدَ التَّعْيِينِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ تَعْيِينَهُ لِحَجٍّ] : أَيْ إنْ وَقَعَ الصَّرْفُ قَبْلَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَقَدْ أَحْرَمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا صَرَفَهُ نَدْبًا لِعُمْرَةٍ، وَكُرِهَ لِحَجٍّ.
فَإِنْ طَافَ صَرَفَهُ لِلْإِفْرَادِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَمْ لَا.
قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ وَلَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا وَلَمْ يُعَيِّنْ حَتَّى طَافَ، فَالصَّوَابُ أَنْ يَجْعَلَهُ حَجًّا وَيَكُونَ هَذَا طَوَافَ الْقُدُومِ لِأَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَيْسَ رُكْنًا فِي الْحَجِّ، وَالطَّوَافُ رُكْنٌ فِي الْعُمْرَةِ، وَقَدْ وَقَعَ قَبْلَ تَعْيِينِهِمَا (اهـ بْن نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَالْقِيَاسُ صَرْفُهُ لِقِرَانٍ] إلَخْ: أَيْ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلنَّصِّ.
قَوْلُهُ: [وَنَوَى الْحَجَّ] إلَخْ: قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّ مَنْ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ لَزِمَهُ عَمَلُ الْقِرَانِ؛ سَوَاءٌ نَوَى الْحَجَّ - أَيْ أَحْدَثَ نِيَّتَهُ - أَمْ لَا.
وَبَرَاءَتُهُ مِنْ الْحَجِّ إنَّمَا تَكُونُ إذَا أَحْدَثَ نِيَّتَهُ؛ فَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْ عُهْدَةِ الْحَجِّ، وَلَا مِنْ الْعُمْرَةِ إذْ لَيْسَ مُحَقَّقًا عِنْدَهُ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ.
وَمَحِلُّ نِيَّةِ الْحَجِّ إذَا حَصَلَ شَكُّهُ فِي وَقْتٍ يَصِحُّ فِيهِ الْإِرْدَافُ؛ كَمَا لَوْ وَقَعَ قَبْلَ الطَّوَافِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ.
وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ بَعْدَ الرُّكُوعِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ السَّعْيِ فَلَا يَنْوِي الْحَجَّ، إذَا لَا يَصِحُّ إرْدَافُهُ عَلَى الْعُمْرَةِ حِينَئِذٍ، بَلْ يَلْزَمُهُ عُمْرَةٌ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى مَا هُوَ

(وَلَا يَضُرُّهُ) : أَيْ النَّاوِيَ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ (مُخَالَفَةُ لَفْظِهِ) لِنِيَّتِهِ - كَأَنْ نَوَى الْحَجَّ فَتَلَفَّظَ بِالْعُمْرَةِ إذْ الْعِبْرَةُ بِالْقَصْدِ لَا اللَّفْظِ، (وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ) : أَيْ اللَّفْظِ بِأَنْ يَقْتَصِر عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ؛ (كَالصَّلَاةِ) لَا يَضُرُّهَا مُخَالَفَةُ اللَّفْظِ لِمَا نَوَاهُ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ.
(وَلَا) يَضُرُّ (رَفْضُهُ) : أَيْ رَفْضُ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ، وَإِنْ رَفَضَهُ - أَيْ أَلْغَاهُ - بِخِلَافِ رَفْضِ الصَّلَاةِ أَوْ الصَّوْمِ فَمُبْطِلٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِيهِمَا.

[حاشية الصاوي]

عَلَيْهِ.
فَإِذَا فَرَغَ مِنْ السَّعْيِ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَكَانَ مُتَمَتِّعًا إنْ كَانَتْ الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (اهـ) . وَلَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ حَتَّى يُتِمَّ أَفْعَالَ الْحَجِّ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَنْسِيَّ حَجٌّ وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَأْخِيرِ الْحِلَاقِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَنْوِيَّ ابْتِدَاءُ عُمْرَةٍ - تَأَمَّلْ.
قَوْلَهُ: [مُخَالَفَةُ لَفْظِهِ] : أَيْ وَلَوْ عَمْدًا فَلَيْسَ كَالصَّلَاةِ، وَلَا دَمَ لِهَذِهِ الْمُخَالَفَةِ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ.
وَالْمَرْجُوعُ إلَيْهِ: أَنَّ عَلَيْهِ الدَّمَ وَوَافَقَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، لَكِنْ خَلِيلٌ فِي مَنْسَكِهِ الْأَوَّلِ أَقْيَسُ.
قَوْلُهُ: [كَالصَّلَاةِ] : تَشْبِيهٌ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ، وَلَيْسَ بِتَامٍّ لِأَنَّ تَعَمُّدَ الْمُخَالَفَةِ فِي الصَّلَاةِ مُبْطِلٌ لَهَا بِخِلَافِ الْحَجِّ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَضُرُّ رَفْضُهُ] : أَيْ وَلَوْ حَصَلَ فِي أَثْنَاءِ أَفْعَالِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ، فَإِذَا رَفَضَ إحْرَامَهُ فِي أَثْنَائِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِبَاقِي أَفْعَالِهِ الْمَطْلُوبَةِ كَالسَّعْيِ وَالطَّوَافِ ثُمَّ أَتَى بِهَا، فَصَحِيحَةٌ.
بِخِلَافِ رَفْضِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ إذَا وَقَعَ فِي أَثْنَائِهِمَا، فَيُرْتَفَضُ كُلٌّ، وَيَكُونُ كَالتَّارِكِ لَهُ فَيُطْلَبُ بِغَيْرِهِ وَأَصْلُ الْإِحْرَامِ لَمْ يُرْتَفَضْ، وَنَصُّ عَبْدِ الْحَقِّ: فَإِذَا رَفَضَ إحْرَامَهُ ثُمَّ عَادَ لِلْمَوَاضِعِ الَّتِي يُخَاطَبُ بِهَا فَفَعَلَهَا لَمْ يَحْصُلْ لِرَفْضِهِ حُكْمٌ، وَأَمَّا إنْ كَانَ فِي حِينِ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَجِبُ عَلَيْهِ نَوَى الرَّفْضَ وَفَعَلَهَا بِغَيْرِ نِيَّةٍ - كَالطَّوَافِ وَنَحْوِهِ - فَإِنَّهُ يُعَدُّ كَالتَّارِكِ لِذَلِكَ - كَذَا فِي (بْن) . (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . تَنْبِيهٌ: فِي جَوَازِ إحْرَامِ الشَّخْصِ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ وَعَدَمِهِ قَوْلَانِ: فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يُحْرِمْ لَزِمَهُ هُوَ الْإِحْرَامُ وَيَكُونُ مُطْلَقًا يُخَيَّرُ فِي صَرْفِهِ لِمَا شَاءَ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ زَيْدٌ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ مَا أَحْرَمَ بِهِ أَوْ وَجَدَهُ مُحْرِمًا بِالْإِطْلَاقِ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ كَذَا فِي الْأَصْلِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ وَاجِبَاتِ الْإِحْرَامِ وَسُنَنِهِ وَمَنْدُوبَاتِهِ فَقَالَ: (وَوَجَبَ) بِالْإِحْرَامِ (تَجَرُّدُ ذَكَرٍ مِنْ مُخَيَّطٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الذَّكَرُ مُكَلَّفًا أَمْ لَا.
وَالْخِطَابُ يَتَعَلَّقُ بِوَلِيِّ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُخَيَّطُ بِخِيَاطَةٍ كَالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ أَمْ لَا كَنَسْجٍ أَوْ صِبَاغَةٍ، أَوْ بِنَفْسِهِ كَجِلْدٍ سُلِخَ بِلَا شَقٍّ.
وَمَفْهُومُ " ذَكَرٍ " أَنَّ الْأُنْثَى لَا يَجِبُ عَلَيْهَا التَّجَرُّدُ وَهُوَ كَذَلِكَ، إلَّا فِي نَحْوِ أَسَاوِرَ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ مُفَصَّلَةٌ إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي فَصْلِ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاجِبَ - فِي بَابِ الْحَجِّ - غَيْرُ الْفَرْضِ؛ إذْ الْفَرْضُ هُنَا هُوَ الرُّكْنُ وَهُوَ: مَا لَا تَحْصُلُ حَقِيقَةُ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ إلَّا بِهِ، وَالْوَاجِبُ: مَا يَحْرُمُ تَرْكُهُ اخْتِيَارًا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلَا يَفْسُدُ النُّسْكُ: بِتَرْكِهِ وَيَنْجَبِرُ بِالدَّمِ.
(وَ) وَجَبَ عَلَى الْمُحْرِمِ الْمُكَلَّفِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى: (تَلْبِيَةٌ) .

[حاشية الصاوي]

[وَاجِبَات الْإِحْرَام]

قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ بِالْإِحْرَامِ تَجَرُّدُ ذَكَرٍ] : ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هُنَا رَدًّا عَلَى الْقَائِلِ بِأَنَّ التَّجَرُّدَ مِمَّا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ كَالتَّلْبِيَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: [مُكَلَّفًا أَمْ لَا] : لَكِنْ مَحَلُّ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِتَجَرُّدِ الصَّغِيرِ إنْ كَانَ مُطِيقًا لِذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا يُؤْمَرُ وَلِيُّهُ بِتَجْرِيدِهِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فَيُحْرِمُ الْوَلِيُّ عَنْ كَرَضِيعٍ وَمُطِيقٍ وَجُرِّدَا قُرْبَ الْحَرَمِ.
قَوْلُهُ: [وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاجِبَ] إلَخْ: هَذَا اصْطِلَاحٌ لِلْفُقَهَاءِ مَخْصُوصٌ بِبَابِ الْحَجِّ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَالْوَاجِبُ وَالْفَرْضُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ.
قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ عَلَى الْمُحْرِمِ الْمُكَلَّفِ] : أَيْ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَلَا يُطَالَبُ بِهَا وَلِيُّهُ إنْ عَجَزَ عَنْهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهَا الصَّبِيُّ لَا يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ أَمْرُهُ بِهَا، وَلَا يَكُونُ فِي تَرْكِهَا دَمٌ، مَعَ أَنَّ الْأَصِيلِيَّ.
قَالَ عِنْدَ قَوْلِ خَلِيلٍ: " وَأَمْرُهُ مَقْدُورُهُ " أَيْ وُجُوبًا، لِأَنَّهُ كَأَرْكَانِ النَّافِلَةِ تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ تَرَكَ الصَّبِيُّ التَّلْبِيَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ يَكُونُ عَلَيْهِ الدَّمُ، فَلَا يَظْهَرُ تَقْيِيدُهُ بِالْمُكَلَّفِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعَمَّمَ هُنَا كَمَا عُمِّمَ فِي التَّجَرُّدِ.

(وَ) وَجَبَ (وَصْلُهَا بِهِ) : أَيْ بِالْإِحْرَامِ، فَمَنْ تَرَكَهَا رَأْسًا أَوْ فَصَلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ بِفَصْلٍ طَوِيلٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَبَقِيَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ كَشْفُ الرَّأْسِ لِلذَّكَرِ.

(وَسُنَّ) لِلْإِحْرَامِ (غُسْلٌ مُتَّصِلٌ) بِهِ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ كَالْجُمُعَةِ.
فَإِنْ تَأَخَّرَ إحْرَامُهُ كَثِيرًا أَعَادَ، وَلَا يَضُرُّ فَصْلٌ بِشَدِّ رِحَالِهِ، وَإِصْلَاحِ حَالٍ.
(وَ) سُنَّ (لُبْسُ إزَارٍ) بِوَسَطِهِ، (وَرِدَاءٍ) عَلَى كَتِفَيْهِ، (وَنَعْلَيْنِ) فِي رِجْلَيْهِ كَنِعَالِ التَّكْرُورِ، وَغَالِبِ أَهْلِ الْحِجَازِ أَيْ إنَّ السُّنَّةَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ التَّجَرُّدَ مِنْ الْمُخَيَّطِ وَاجِبٌ، فَلَوْ الْتَحَفَ بِرِدَاءٍ أَوْ كِسَاءٍ أَجْزَأَ وَخَالَفَ السُّنَّةَ.
(وَ) سُنَّ (رَكْعَتَانِ) بَعْدَ الْغُسْلِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ، (وَأَجْزَأَ) عَنْهُمَا (الْفَرْضُ) وَحَصَلَ بِهِ السُّنَّةُ، وَفَاتَهُ الْأَفْضَلُ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ فَصَلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ بِفَصْلٍ طَوِيلٍ] : أَيْ وَأَمَّا اتِّصَالُهَا بِالْإِحْرَامِ حَقِيقَةً فَسُنَّةٌ لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ عَطْفُ خَلِيلٍ لَهَا عَلَى السُّنَنِ.

قَوْلُهُ: [مُتَّصِلٌ بِهِ] : وَاخْتُلِفَ هَلْ هَذَا الِاتِّصَالُ مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ؟ فَإِذَا اغْتَسَلَ غَدْوَةَ وَأَخَّرَ الْإِحْرَامَ لِلظُّهْرِ لَمْ يُجْزِهِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: الِاتِّصَالُ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَلَوْ تَرَكَهُ أَتَى بِسُنَّةِ الْغُسْلِ وَفَاتَتْهُ سُنَّةُ الِاتِّصَالِ.
قَوْلُهُ: [أَعَادَهُ] : أَيْ عَلَى قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ طَلَبِ الِاتِّصَالِ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَيُرِيدُ الْإِحْرَامَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ الْغُسْلُ بِالْمَدِينَةِ، وَيَأْتِي لَابِسًا لِثِيَابِهِ، فَإِذَا وَصَلَ لِذِي الْحُلَيْفَةِ تَجَرَّدَ وَأَحْرَمَ.
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ: " وَنُدِبَ بِالْمَدِينَةِ لِلْحُلَيْفَى ". قَوْلُهُ: [وَسُنَّ رَكْعَتَانِ] : أَيْ فَأَكْثَرُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ ظَاهِرَهُ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ رَكْعَتَانِ فَقَطْ، بَلْ بَيَانٌ لِأَقَلَّ مَا تَحْصُلُ بِهِ السُّنَّةُ.
ثُمَّ مَحَلُّ سُنِّيَّتِهِمَا إنْ كَانَ وَقْتَ جَوَازٍ وَإِلَّا انْتَظَرَهُ بِالْإِحْرَامِ مَا لَمْ يَكُنْ مُرَاهِقًا، وَإِلَّا أَحْرَمَ وَتَرَكَهُمَا، كَمَا أَنَّ الْمَعْذُورَ مِثْلَ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ يَتْرُكُهُمَا.
قَوْلُهُ: [وَحَصَلَ بِهِ السُّنَّةُ] : الْحَاصِلُ أَنَّ السُّنَّةَ تَحْصُلُ بِإِيقَاعِ الْإِحْرَامِ عَقِبَ

وَلَا دَمَ فِي تَرْكِ السُّنَنِ، وَبِخِلَافِ الْوَاجِبِ، فَإِذَا اغْتَسَلَ وَلَبِسَ مَا ذُكِرَ وَصَلَّى.

(يُحْرِمُ الرَّاكِبُ) نَدْبًا (إذَا اسْتَوَى) عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ.
(وَ) يُحْرِمُ (الْمَاشِي إذَا مَشَى) أَيْ شَرَعَ فِيهِ.
(وَنُدِبَ) لِلْمُحْرِمِ (إزَالَةُ شَعَثِهِ) قَبْلَ الْغُسْلِ؛ بِأَنْ يَقُصَّ أَظْفَارَهُ وَشَارِبَهُ وَيَحْلِقَ عَانَتَهُ؛ وَيَنْتِفَ شَعْرَ إبِطِهِ، وَيُرَجِّلَ شَعْرَ رَأْسِهِ أَوْ يَحْلِقَهُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحِلَاقِ لِيَسْتَرِيحَ بِذَلِكَ مِنْ ضَرَرِهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ.
(وَ) نُدِبَ (الِاقْتِصَارُ عَلَى تَلْبِيَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -) وَهِيَ: " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ

[حاشية الصاوي]

صَلَاةٍ وَلَوْ فَرْضًا، لَكِنْ إنْ كَانَتْ نَفْلًا فَقَدْ أَتَى بِسُنَّةٍ وَمَنْدُوبٍ، وَإِنْ فَعَلَهُ بَعْدَ فَرْضٍ فَقَدْ أَتَى بِسُنَّةٍ فَقَطْ.
وَانْظُرْ هَلْ أَرَادَ بِالْفَرْضِ خُصُوصَ الْعَيْنِيِّ؟ أَوْ وَلَوْ جِنَازَةً وَهُوَ مَنْذُورُ النَّوَافِلِ، كَالْفَرْضِ الْأَصْلِيِّ أَمْ لَا؟ وَبَقِيَ مِنْ سُنَنِ الْإِحْرَامِ الْإِشْعَارُ وَالتَّقْلِيدُ لِلْهَدْيِ إنْ كَانَ مَعَهُ، وَيَكُونَانِ بَعْدَ الرُّكُوعِ.
قَوْلُهُ: [وَصَلَّى] : أَيْ وَأَشْعَرَ وَقَلَّدَ إنْ كَانَ مَعَهُ مَا يُشْعَرُ أَوْ يُقَلَّدُ.

قَوْلُهُ: [إذَا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ] : أَيْ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَشْيِهَا وَإِحْرَامُ الرَّاكِبِ إذَا اسْتَوَى، وَالْمَاشِي إذَا مَشَى عَلَى جِهَةِ الْأَوْلَوِيَّةِ، فَلَوْ أَحْرَمَ الرَّاكِبُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى دَابَّتِهِ، وَالْمَاشِي قَبْلَ مَشْيِهِ كَفَاهُ ذَلِكَ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
قَوْلُهُ: [وَيُرَجِّلُ شَعْرَ رَأْسِهِ] إلَخْ: هَذَا خِلَافُ مَا قَالَهُ الْخَرَشِيُّ وَالْمَجْمُوعُ، فَإِنَّ الْخَرَشِيَّ قَالَ فِي حِلِّ قَوْلِ خَلِيلٍ " وَإِزَالَةُ شَعَثِهِ ": أَيْ مَا عَدَا الرَّأْسَ، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ بَقَاءُ شَعَثِهِ فِي الْحَجِّ - ابْنُ بَشِيرٍ - وَيُلَبِّدُهُ بِصَمْغٍ أَوْ غَاسُولٍ لِيَلْتَصِقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَيَقِلُّ دَوَابَّهُ (اهـ) . قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: قَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالْعَسَلِ كَمَا فِي أَبِي دَاوُد، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْعَسَلُ بِمُهْمَلَتَيْنِ صَمْغُ الْعُرْفُطِ بِالضَّمِّ: شَجَرُ الْعِضَاهِ.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ لَبَّيْكَ] : مَعْنَاهُ إجَابَةٌ بَعْدَ إجَابَةٍ، أَيْ أَجَبْتُك الْآنَ كَمَا أَجَبْتُك

فصول الكتاب · 3 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك · 813 صفحة
المقدمة
بَابُ فِي الشُّفْعَةِ وَأَحْكَامِهَا
بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ
جارٍ التحميل