زَادَتْهُ عَلَى الْوَاحِدَةِ، لِأَنَّ التَّكْرِيرَ يَقْتَضِي إرَادَةَ التَّكْثِيرِ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ) بِتَكْرِيرِهِ (التَّأْكِيدَ) ، فَلَهُ الْمُنَاكَرَةُ (كَتَكْرِيرِهَا هِيَ) حَيْثُ مَلَّكَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ، فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي وَكَرَّرَتْ نَسَقًا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا كَرَّرَتْ إلَّا لِنِيَّتِهَا التَّأْكِيدَ.
وَكَذَا بَعْدَ الْبِنَاءِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نَسَقًا (وَ) إنْ (لَمْ يَشْتَرِطْ) التَّفْوِيضَ لَهَا (فِي) حَالِ.
(الْعَقْدِ) أَيْ عَقْدِ نِكَاحِهَا فَإِنْ اشْتَرَطَ فِيهِ فَلَا مُنَاكَرَةَ لَهُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ.
(وَلَوْ قَيَّدَ) الزَّوْجُ فِي تَخْيِيرِهِ أَوْ تَمْلِيكِهِ (بِشَيْءٍ) مِنْ الْعَدَدِ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ (لَمْ تَقْضِ) الزَّوْجَةُ (إلَّا بِمَا قَيَّدَ بِهِ) ، وَلَيْسَ لَهَا الزِّيَادَةُ وَلَا النُّقْصَانُ عَمَّا جَعَلَهُ لَهَا.
(فَإِنْ زَادَتْ) عَلَى مَا عَيَّنَهُ لَهَا (لَزِمَ مَا قَيَّدَ بِهِ) وَلَهُ رَدُّ الزَّائِدِ، (وَإِنْ نَقَصَتْ) عَنْهُ بِأَنْ جَعَلَ لَهَا الثَّلَاثَ أَوْ اثْنَتَيْنِ فَقَضَتْ بِوَاحِدَةٍ (بَطَلَ مَا قَضَتْ بِهِ فَقَطْ فِي التَّخْيِيرِ) مَعَ اسْتِمْرَارِ مَا جَعَلَهُ لَهَا بِيَدِهَا، (وَصَحَّ فِي التَّمْلِيكِ) بِأَنْ قَالَ لَهَا: مَلَّكْتُكِ طَلْقَتَيْنِ فَقَضَتْ بِوَاحِدَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
(وَإِنْ أَطْلَقَ) فِي التَّخْيِيرِ أَوْ التَّمْلِيكِ، بِأَنْ قَالَ لَهَا: اخْتَارِينِي أَوْ اخْتَارِي نَفْسَك، أَوْ قَالَ: مَلَّكْتُك طَلَاقَكَ أَوْ أَمْرَ نَفْسِك، (فَقَضَتْ بِدُونِ الثَّلَاثِ)
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِتَكْرِيرِهِ التَّأْكِيدَ] : وَهَذِهِ النِّيَّةُ لَا تُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا بَعْدَ الْبِنَاءِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نَسَقًا] : أَيْ لِأَنَّهُ رَجْعِيٌّ فَيَلْحَقُ فِيهِ الطَّلَاقُ مَا دَامَتْ الْعِدَّةُ، وَلَوْ طَالَ فَطَلَاقُهَا كَطَلَاقِهِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ الطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّفْوِيضَ] : هَذَا هُوَ الشَّرْطُ السَّادِسُ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْعَقْدِ سَوَاءً كَانَ مُشْتَرِطًا أَوْ مُتَبَرِّعًا بِهِ حُكْمُهُ وَاحِدٌ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ الْمُنَاكَرَةِ، فَالْأُولَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ تَبَرَّعَ بِهَذَا بَعْدَ الْعَقْدِ فَلَهُ أَنْ يُنَاكِرَهَا فِيمَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ التَّبَرُّعَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ كَالشَّرْطِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ انْتَهَى.
[قَيَّدَ الزَّوْجُ فِي تَخْيِيرِهِ أَوْ تَمْلِيكِهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَدَدِ وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ]
قَوْلُهُ [مَعَ اسْتِمْرَارِ مَا جَعَلَ لَهَا] : أَيْ وَهُوَ التَّخْيِيرُ فَلَهَا أَنْ تَقْضِيَ ثَانِيًا بِالثَّلَاثِ.
وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ (بَطَلَ التَّخْيِيرُ) مِنْ أَصْلِهِ، لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَمَّا خَيَّرَهَا فِيهِ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ تَبِينَ، وَأَرَادَتْ هِيَ أَنْ تَبْقَى فِي عِصْمَتِهِ، وَهَذَا (فِي الْمَدْخُولِ بِهَا) وَلَزِمَ فِي غَيْرِهَا كَالْمُمَلَّكَةِ مُطْلَقًا هَذَا إذَا أَفْصَحَتْ بِمَا دُونَ الثَّلَاثِ.
(وَلَوْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي أَوْ اخْتَرْتُ الطَّلَاقَ) ، وَلَمْ تُفْصِحْ عَنْ عَدَدٍ، (سُئِلَتْ) عَمَّا أَرَادَتْ مِنْ الْعَدَدِ؛ (فَإِنْ قَالَتْ: أَرَدْت الثَّلَاثَ لَزِمَتْ) الثَّلَاثُ (فِي التَّخْيِيرِ بِمَدْخُولٍ بِهَا) ، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّخْيِيرِ الثَّلَاثُ، (وَنَاكَرَ فِي غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا (كَالتَّمْلِيكِ) مُطْلَقًا لَهُ الْمُنَاكَرَةُ فِيهِ عَلَى نَهْجِ مَا تَقَدَّمَ، (وَإِنْ قَالَتْ:) أَرَدْتُ (وَاحِدَةً بَطَلَ التَّخْيِيرُ) فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، (وَلَزِمَتْ) الْوَاحِدَةُ (فِي التَّمْلِيكِ، وَ) فِي (تَخْيِيرِ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا، وَإِنْ قَالَتْ: لَمْ أَقْصِدْ شَيْئًا) مِنْ الْعَدَدِ (حُمِلَ عَلَى الثَّلَاثِ) فِي الْجَمِيعِ (عَلَى الْأَرْجَحِ) ، وَلَهُ مُنَاكَرَةُ مُمَلَّكَةٍ أَوْ غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(وَشَرْطُ التَّفْوِيضِ) تَوْكِيلًا أَوْ تَخْيِيرًا أَوْ تَمْلِيكًا (لِغَيْرِهَا) أَيْ لِغَيْرِ الزَّوْجَةِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَلَوْ ذِمِّيًّا لَيْسَ مِنْ شَرْعِهِ طَلَاقٌ (حُضُورُهُ) بِالْبَلَدِ، (أَوْ قُرْبُ غَيْبَتِهِ؛ كَالْيَوْمَيْنِ) لَا أَكْثَرَ كَمَا فِي الْمُصَنَّفِ، (فَيُرْسَلُ إلَيْهِ) : إمَّا أَنْ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بَطَلَ التَّخْيِيرُ مِنْ أَصْلِهِ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: إنْ كَانَ تَخْيِيرُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ، وَأَنْ لَا يَرْضَى الزَّوْجُ بِمَا قَضَتْ بِهِ، وَأَنْ لَا يَتَقَدَّمَ لَهَا مَا يُتَمِّمُ الثَّلَاثَ، فَإِنْ كَانَ التَّخْيِيرُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَضَتْ بِوَاحِدَةٍ لَزِمَتْ، أَوْ كَانَ بَعْدَهُ رَضِيَ بِمَا قَضَتْ، أَوْ تَقَدَّمَ لَهَا مَا يُكْمِلُ الثَّلَاثَ لَزِمَ مَا قَضَتْ بِهِ
قَوْلُهُ: [عَلَى نَهْجِ مَا تَقَدَّمَ] : أَيْ حَيْثُ اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ.
قَوْلُهُ: [بَطَلَ التَّخْيِيرُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا] : أَيْ لِأَنَّهُ لَا يُقْضَى فِيهِ إلَّا بِالثَّلَاثِ، وَلَا مُنَاكَرَةَ فِيهَا بَلْ يَبْطُلُ التَّخْيِيرُ مِنْ أَصْلِهِ إذَا أَوْقَعَتْ أَقَلَّ.
قَوْلُهُ: [وَلَهُ مُنَاكَرَةُ مُمَلَّكَةٍ] : أَيْ مُطْلَقًا
[شُرُوط التَّفْوِيض فِي الطَّلَاق]
قَوْلُهُ: [لَا أَكْثَرَ] : أَيْ فَالْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: [فَيُرْسَلُ إلَيْهِ] إلَخْ: هَذَا فِي الْغَائِبِ قَبْلَ التَّفْوِيضِ، أَمَّا إنْ غَابَ بَعْدَهُ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ وَلَا يَنْتَقِلُ إلَيْهَا النَّظَرُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا غَابَ بَعْدَ التَّفْوِيضِ لَهُ كَانَ ظَالِمًا فَيَسْقُطُ حَقُّهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ غَائِبًا حَالَ التَّفْوِيضِ فَإِنَّهُ
يَحْضُرَ، وَإِمَّا أَنْ يُعْلِمَنَا بِبَيِّنَةٍ بِمَا أَرَادَ.
(وَإِلَّا) يَكُنْ حَاضِرًا وَلَا قَرِيبَ الْغَيْبَةِ (انْتَقَلَ) التَّفْوِيضُ (لَهَا) ، وَجَرَى فِيهِ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ.
(وَعَلَيْهِ) : أَيْ الْمُفَوَّضُ لَهُ (النَّظَرُ) فِي أَمْرِ الزَّوْجَةِ فَلَا يَفْعَلُ إلَّا مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ وَإِلَّا نَظَرَ الْحَاكِمُ (وَصَارَ كَهِيَ) : أَيْ كَالزَّوْجَةِ فِي التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ وَالتَّوْكِيلِ، فَيَجْرِي فِيهِ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِيهَا مِنْ حَيْلُولَةٍ وَإِيقَافٍ وَمُنَاكَرَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
[تفويض الزَّوْج فِي الطَّلَاق لأكثر مِنْ وَاحِد]
(وَإِنْ فَوَّضَ) الزَّوْجُ (لِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ) كَأَنْ يُفَوِّضُ طَلَاقَهَا لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (لَمْ تُطْلَقْ) عَلَيْهِ (إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا) : أَيْ الِاثْنَيْنِ الدَّاخِلَيْنِ تَحْتَ قَوْلِهِ لِأَكْثَرَ، أَيْ: أَوْ بِاجْتِمَاعِهِمْ إنْ زَادُوا عَلَى اثْنَيْنِ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ الْوَاحِدِ، كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ.
فَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَحَدُهُمَا فِي وَطْئِهَا زَالَ مَا بِيَدِهِمَا جَمِيعًا، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ غَابَ فَلَيْسَ لِلْآخَرِ كَلَامٌ لِانْعِدَامِ الْمَجْمُوعِ بِانْعِدَامِ بَعْضِ أَجْزَائِهِ.
(إلَّا أَنْ يَقُولَ) لَهُمَا - مُجْتَمِعَيْنِ أَوْ مُتَفَرِّقَيْنِ: (جَعَلْتُ لِكُلٍّ مِنْكُمَا) ، أَوْ: فَوَّضْتُ لِكُلٍّ مِنْكُمَا (طَلَاقَهَا) ، فَلِكُلٍّ الِاسْتِقْلَالُ.
وَلَوْ قَالَ: أَعْلِمَاهَا بِأَنِّي طَلَّقْتُهَا، فَالطَّلَاقُ لَازِمٌ وَإِنْ لَمْ يُعْلِمَاهَا، وَيُسَمَّى
[حاشية الصاوي]
لَا ظُلْمَ عِنْدَهُ فَلَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ، وَيَفْصِلُ فِيهِ بَيْنَ قَرِيبِ الْغَيْبَةِ وَبَعِيدِهَا، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ، وَأَجْرَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْغَيْبَةَ بَعْدَ التَّفْوِيضِ عَلَى الْغَيْبَةِ قَبْلَهُ فِي التَّفْصِيلِ بَيْنَ قُرْبِ الْغَيْبَةِ وَبُعْدِهَا، وَاخْتَارَهُ فِي التَّوْضِيحِ، فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّرْحِ إجْمَالٌ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا يَكُنْ حَاضِرًا وَلَا قَرِيبَ الْغَيْبَةِ] : أَيْ بِأَنْ كَانَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ قَوْلُهُ: [انْتَقَلَ التَّفْوِيضُ لَهَا] : أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقِيلَ: يَنْتَقِلُ مَا جَعَلَ لَهُ لِلزَّوْجَةِ فِي الْغَيْبَةِ الْقَرِيبَةِ وَالْبَعِيدَةِ مَعًا.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ فَوَّضَ الزَّوْجُ لِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ] : ظَاهِرُهُ كَانَ التَّفْوِيضُ تَخْيِيرًا أَوْ تَمْلِيكًا أَوْ تَوْكِيلًا.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَحَدُهُمَا] إلَخْ: مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِمْ لَمْ تَطْلُقْ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا.
قَوْلُهُ: [مُجْتَمِعَيْنِ أَوْ مُتَفَرِّقَيْنِ] : إمَّا صِيغَةُ تَثْنِيَةٍ أَوْ جَمْعٍ.
رِسَالَةً فِي عُرْفِهِمْ، وَلَوْ قَالَ: طَلِّقَاهَا احْتَمَلَ الرِّسَالَةَ وَالتَّمْلِيكَ وَالتَّوْكِيلَ، فَعَلَى الرِّسَالَةِ: يَلْزَمُ إنْ لَمْ يُبْلِغَاهَا، وَعَلَى التَّمْلِيكِ: لَا يَلْزَمُ وَلَا يَقَعُ إلَّا بِهِمَا، وَعَلَى التَّوْكِيلِ: يَلْزَمُ بِتَبْلِيغِ أَحَدِهِمَا وَلَهُ عَزْلُهُ؛ وَهِيَ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ، الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، أَيْ أَنَّهُ رِسَالَةٌ فَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ، وَقَوْلُنَا: " إلَّا أَنْ يَقُولَ " إلَخْ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الشَّيْخِ: " إلَّا أَنْ يَكُونَا رَسُولَيْنِ "، لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالرَّسُولَيْنِ فِيمَا إذَا قَالَ: أَعْلِمَاهَا بِطَلَاقِهَا أَوْ قَالَ: طَلِّقَاهَا، وَالْأَوَّلُ يَلْزَمُ الطَّلَاقُ بِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ - وَإِنْ لَمْ يُعْلِمَاهَا اتِّفَاقًا - وَالثَّانِي يَلْزَمُ الطَّلَاقُ بِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي كَلَامِهِ مُنْقَطِعٌ إذْ لَمْ تَدْخُلْ صُورَةٌ مِنْ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فِي التَّمْلِيكِ قَبْلَهُ، وَتَسْمِيَتُهُمَا رِسَالَةً اصْطِلَاحٌ.
فَالْمَعْنَى عَلَى كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ مَنْ مَلَّكَ رَجُلَيْنِ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الْقَضَاءُ بِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا، إلَّا أَنْ يَقُولَ: أَعْلِمَاهَا أَوْ أَخْبِرَاهَا بِطَلَاقِهَا، فَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ لَهُمَا ذَلِكَ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إخْبَارِهَا، أَوْ يَقُولُ: طَلِّقَاهَا وَلَا نِيَّةَ لَهُ، فَكَذَلِكَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ: مَحْمَلُهُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ عَلَى
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فِي عُرْفِهِمْ] : بَلْ وَفِي الْعُرْفِ الْعَامِّ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الرَّسُولِ هُوَ الْمَأْمُورُ بِالْإِعْلَامِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ قَالَ طَلِّقَاهَا] : أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ لَا نِيَّةَ لَهُ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَعَلَى التَّوْكِيلِ يَلْزَمُ بِتَبْلِيغِ أَحَدِهِمَا] : أَيْ احْتِيَاطًا لِعَدَمِ النِّيَّةِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ] : الْأَوَّلُ لِلْمُدَوَّنَةِ، وَالثَّانِي لِسَمَاعِ عِيسَى، وَالثَّالِثُ لِأَصْبَغَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ هُوَ الصَّحِيحُ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْفُرُوجِ.
قَوْلُهُ: [وَالثَّانِي يَلْزَمُ] إلَخْ: أَيْ مِنْ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
قَوْلُهُ: [إذَا لَمْ تَدْخُلْ صُورَةٌ] إلَخْ: أَمَّا الصُّورَةُ الْأُولَى فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ وَهِيَ طَلِّقَاهَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: [وَتَسْمِيَتُهَا رِسَالَةً اصْطِلَاحٌ] : أَمَّا الصُّورَةُ الْأُولَى فَالِاصْطِلَاحُ فِيهَا مُوَافِقٌ لِلُّغَةِ وَالْعُرْفِ الْعَامِّ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَمُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ لِلْفُقَهَاءِ فَقَطْ.
التَّوْكِيلِ بِمَعْنَى أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى تَبْلِيغِهَا وَلَوْ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَهُ مَنْعُهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فِي غَيْرِهَا، وَقِيلَ: مَحْمَلُهُ التَّمْلِيكُ فَلَا يَقَعُ إلَّا بِهِمَا مَعًا، فَإِنْ نَوَى بِهِ وَاحِدًا مِنْهُمَا عُمِلَ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ] إلَخْ: أَيْ فَيُحْمَلُ عَلَى التَّوْكِيلِ الَّذِي جُعِلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا الِاسْتِقْلَالُ بِهِ احْتِيَاطًا فِي الْفُرُوجِ، وَتَوَسُّطًا بَيْنَ الرِّسَالَةِ وَالتَّمْلِيكِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ نَوَى بِهِ وَاحِدًا مِنْهُمَا] : أَيْ الرِّسَالَةَ وَالتَّمْلِيكَ أَوْ التَّوْكِيلَ، وَقَوْلُهُ عُمِلَ بِهِ أَيْ عُمِلَ عَلَى مُقْتَضَاهُ.
فَصْلٌ فِي الرَّجْعَةِ وَلَمَّا كَانَتْ الرَّجْعَةُ مِنْ تَوَابِعِ الطَّلَاقِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامٌ بَيْنَ حَقِيقَتِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ عَقِبَهُ بِقَوْلِهِ: (الرَّجْعَةُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَقَدْ تُكْسَرُ: (عَوْدُ الزَّوْجَةِ) : أَيْ إعَادَتُهَا (الْمُطَلَّقَةِ) طَلَاقًا (غَيْرَ بَائِنٍ) بِخُلْعٍ أَوْ بَتٍّ، أَوْ بِكَوْنِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنْ كَانَ بَائِنًا فَلَا رَجْعَةَ (لِلْعِصْمَةِ) : أَيْ لِعِصْمَةِ زَوْجِهَا (بِلَا تَجْدِيدِ عَقْدٍ) : بَلْ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ نِيَّةٍ كَمَا يَأْتِي وَالْأَصْلُ فِيهَا الْجَوَازُ كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ:
[حاشية الصاوي]
[فَصْلٌ فِي الرَّجْعَةِ]
[تَعْرِيف الرَّجْعَةِ وَشُرُوطهَا]
فَصْلٌ فَصْلٌ لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الطَّلَاقِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَقَسَّمَهُ إلَى وَاقِعٍ مِنْ الزَّوْجِ، وَمِنْ مُفَوَّضٍ إلَيْهِ ذَكَرَ مَا قَدْ يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَهُوَ الرَّجْعَةُ، وَهُوَ لُغَةً الْمَرَّةُ مِنْ الرُّجُوعِ وَشَرْعًا مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
قَوْلُهُ: [بَيْنَ حَقِيقَتِهَا] : أَيْ تَعْرِيفِهَا.
قَوْلُهُ: [طَلَاقًا أَيْ غَيْرَ بَائِنٍ] : يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ عَوْدَ الْبَائِنِ لِلْعِصْمَةِ لَا يُسَمَّى رَجْعَةً وَهُوَ كَذَلِكَ، بَلْ يُسَمَّى مُرَاجَعَةً لِتَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلَى رِضَا الزَّوْجَيْنِ، لِأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ تَقْتَضِي الْحُصُولَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَالْمُعْتَبَرُ تَحَقُّقُ الطَّلَاقِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا فِي اعْتِقَادِ الْمُرْتَجِعِ، فَمَنْ ارْتَجَعَ زَوْجَتَهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ أَوْقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقَ لِشَكِّهِ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا؟ فَإِنَّ رَجْعَتَهُ غَيْرُ مُعْتَدٍ بِهَا، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ الرَّجْعَةِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ فَلَا بُدَّ مِنْ رَجْعَةٍ غَيْرِ الَّتِي وَقَعَتْ مِنْهُ، لِأَنَّهَا مُسْتَنِدَةٌ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ بِالشَّكِّ وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ، وَلَيْسَتْ مُسْتَنِدَةً لِلطَّلَاقِ الَّذِي تَبَيَّنَ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ، هَكَذَا يَنْبَغِي كَمَا فِي شب انْتَهَى مِنْ الْحَاشِيَة
قَوْلُهُ: [بِخُلْعٍ] إلَخْ: تَفْصِيلٌ لِلْبَائِنِ، وَقَوْلُهُ لِلْعِصْمَةِ مُتَعَلِّقٌ بِعَوْدٍ وَبِلَا تَجْدِيدِ عَقْدٍ حَالٌ مِنْ عَوْدٍ.
قَوْلُهُ: [وَالْأَصْلُ فِيهَا الْجَوَازُ] : الْمُنَاسِبُ النَّدْبُ فَإِنَّ أَحْكَامَ النِّكَاحِ
(وَلِلْمُكَلَّفِ) : أَيْ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ (وَلَوْ) كَانَ (مُحْرِمًا) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، (أَوْ مَرِيضًا أَوْ) عَبْدًا أَوْ سَفِيهًا (لَمْ يَأْذَنْ لَهُ) فِي الرَّجْعَةِ (وَلِيُّ) السَّيِّدِ فِي الْعَبْدِ أَوْ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي السَّفِيهِ، (ارْتِجَاعُهَا) أَيْ الْمُطَلَّقَةُ غَيْرُ الْبَائِنِ (فِي عِدَّةِ نِكَاحٍ صَحِيحٍ) لَا إنْ خَرَجَتْ مِنْ الْعِدَّةِ، وَلَا إنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ يُفْسَخُ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَسَوَاءٌ فَسَخَ بَعْدَهُ أَوْ طَلَّقَ فَلَا رَجْعَةَ كَخَامِسَةٍ وَجَمْعٍ كَأُخْتٍ مَعَ أُخْتِهَا، وَلَوْ مَاتَتْ الْأُولَى أَوْ طَلُقَتْ لِعَدَمِ صِحَّةِ النِّكَاحِ (حَلَّ وَطْؤُهُ) : احْتَرَزَ بِهِ عَنْ صَحِيحٍ وَطِئَ فِيهِ وَطْئًا حَرَامًا، إمَّا لِعَدَمِ لُزُومِهِ؛ كَوَطْءِ عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؛ وَإِمَّا لِعُرُوضِ حُرْمَتِهِ كَحَائِضٍ وَمُحْرِمَةٍ بِحَجٍّ فَلَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ فِي عِدَّةِ مَنْ ذَكَرَ
(بِقَوْلٍ) مُتَعَلِّقٌ " بِارْتِجَاعِهَا ": أَيْ إمَّا بِقَوْلِ وَلَوْ لَمْ يَطَأْ، صَرِيحٌ (كَ رَجَعْتُ) لِزَوْجَتِي، (وَارْتَجَعْتُ) زَوْجَتِي، وَحَذْفُ الْمَعْمُولِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَدَارَ عَلَى نِيَّتِهِ ذَكَرَهُ أَوْ حَذَفَهُ، وَيَكُونُ مَعَ النِّيَّةِ رَجْعَةٌ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، بِخِلَافِ الْهَزْلِ فَإِنَّهُ رَجْعَةٌ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ كَمَا يَأْتِي، وَكَذَا رَاجَعْتُهَا وَرَدَدْتُهَا لِعِصْمَتِي أَوْ لِنِكَاحِي.
أَوْ غَيْرُ
[حاشية الصاوي]
تَعْتَرِيهَا كَمَا وَجَدَهُ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ بِخَطِّ بَعْضِ أَقَارِبِهِ اسْتِظْهَارًا كَمَا فِي الَأُجْهُورِيُّ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ
قَوْلُهُ: [وَلِلْمُكَلَّفِ] : خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَارْتِجَاعُهَا مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ قُصِدَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ وَالرَّدُّ عَلَى الْمُخَالِفِ.
وَالْمُكَلَّفُ مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الطَّلَاقِ فَيَخْرُجُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ، وَيَدْخُلُ الْمُحْرِمُ وَالْمَرِيضُ، فَالْمَجْنُونُ يَرْتَجِعُ لَهُ وَلِيُّهُ أَوْ الْحَاكِمُ، وَالصَّبِيُّ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ رَجْعَةٌ، لِأَنَّ طَلَاقَ وَلِيِّهِ عَنْهُ بِعِوَضٍ أَوْ بِدُونِهِ بَائِنٌ، لِأَنَّ وَطْأَهُ كَلَا وَطْءٍ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ الرَّجْعَةُ فِي عِدَّةِ مَنْ ذَكَرَ] : أَيْ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا قَوْلُهُ: [كَمَا يَأْتِي] : أَيْ مِنْ أَنَّ الْحَاكِمَ يُلْزِمُهُ بِالنَّفَقَةِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ لَا الْبَاطِن فَلَا يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَلَا مُعَاشَرَتُهَا مُعَاشَرَةَ الْأَزْوَاجِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: [وَرَدَدْتهَا لِعِصْمَتِي أَوْ لِنِكَاحِي] : أَيْ فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا إلَّا بِذِكْرِ الْمُتَعَلِّقِ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ لِعِصْمَتِي أَوْ لِنِكَاحِي، كَمَا يُشِيرُ لَهُ الشَّارِحُ وَإِلَّا كَانَ
صَرِيحٍ كَمَسَكْتُهَا (وَأَمْسَكْتُهَا) إذْ يَحْتَمِلُ أَمْسَكْتُهَا تَعْذِيبًا، (أَوْ بِفِعْلٍ) كَوَطْءٍ وَمُقَدِّمَاتِهِ (مَعَ نِيَّةٍ) ، أَيْ قَصَدَ لِرَجْعَتِهَا (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لِتَكُونَ رَجْعَةً حَقِيقِيَّةً أَيْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَإِنْ تَجَرَّدَا عَنْ النِّيَّةِ فَفِي صَرِيحِ الْقَوْلِ رَجْعَةٌ فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ، وَفِي مُحْتَمِلِهِ وَفِي الْفِعْلِ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ أَصْلًا كَمَا سَيُصَرِّحُ بِالْجَمِيعِ.
(أَوْ بِنِيَّةٍ فَقَطْ) الْمُرَادُ بِهَا حَدِيثُ النَّفْسِ أَيْ قَوْلُهُ فِي نَفْسِهِ: رَاجَعْتُهَا.
وَأَمَّا مُجَرَّدُ قَصْدِ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَلَا يَكُونُ رَجْعَةً اتِّفَاقًا، وَهِيَ بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ: رَجْعَةٌ فِي الْبَاطِنِ فَقَطْ، يَجُوزُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَتَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا لَا فِي الظَّاهِرِ، أَيْ عِنْدَ الْحَاكِمِ إذَا رَفَعَ لِيُمْنَعَ مِنْهَا فَادَّعَى بَعْدَ الْعِدَّةِ أَنَّهُ كَانَ رَاجَعَهَا بِالنِّيَّةِ فَلَا يُحْكَمُ بِالرَّجْعَةِ، لِخَفَاءِ النِّيَّةِ فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا وَلَا يُصَدَّقُ، فِي دَعْوَاهُ (عَلَى الْأَظْهَرِ) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ؛ قَاسَاهُ عَلَى اعْتِبَارِ لُزُومِ الطَّلَاقِ بِالنِّيَّةِ عَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِهِ بِهَا، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: أَنَّهُ لَا رَجْعَةَ بِالنِّيَّةِ؛ وَصَحَّحَهُ ابْنُ بَشِيرٍ وَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ: " وَصَحَّحَ خِلَافَهُ ".
(أَوْ بِقَوْلٍ صَرِيحٍ وَلَوْ هَزْلًا) لِأَنَّ الرَّجْعَةَ هَزْلُهَا جَدٌّ، لَكِنَّ الْهَزْلَ رَجْعَةٌ (فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ) ، لِعَدَمِ النِّيَّةِ فَيُلْزِمُهُ الْحَاكِمُ بِالنَّفَقَةِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا.
[حاشية الصاوي]
مِنْ الْمُحْتَمَلِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ قَصْدٍ لِرَجْعَتِهَا] : أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ النِّيَّةِ حَدِيثُ النَّفْسِ الْآتِي لِأَنَّهُ يَكْفِي وَحْدَهُ عَلَى الْأَظْهَرِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَكُونُ رَجْعَةً اتِّفَاقًا] : أَيْ بِاتِّفَاقِ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ مَا لَمْ يَصْحَبْهَا قَوْلٌ كَرَاجَعْتُ أَوْ فِعْلٌ كَوَطْءٍ.
قَوْلُهُ: [وَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ وَصَحَّحَ خِلَافَهُ] : قَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَالْأَوَّلُ صَحَّحَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَهُوَ مُخَرَّجٌ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ وَاللَّخْمِيِّ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ مَالِكٍ بِلُزُومِ الطَّلَاقِ وَالْيَمِينِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَرَدَّهُ ابْنُ بَشِيرٍ
قَوْلُهُ: [فَلَا يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا] : أَيْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَيْضًا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مِيرَاثِهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ حَيْثُ قُلْتُمْ إنَّ النِّكَاحَ
(لَا) تَصِحُّ لَهُ الرَّجْعَةُ (بِمُحْتَمَلٍ) مِنْ الْقَوْلِ (بِلَا نِيَّةٍ) أَيْ قَصْدٍ لَا فِي الظَّاهِرِ وَلَا فِي الْبَاطِنِ، (كَ أَعَدْتُ الْحِلَّ وَرَفَعْتُ التَّحْرِيمَ) ، إذْ يَحْتَمِلُ الْأَوَّلُ لِي وَلِغَيْرِي، وَيَحْتَمِلُ الثَّانِي عَنِّي وَعَنْ غَيْرِي (أَوْ فَعَلَ) بِلَا نِيَّةٍ لَا تَصِحُّ بِهِ الرَّجْعَةُ،.
(كَوَطْءٍ) وَأَوْلَى غَيْرُهُ.
(وَلَا صَدَاقَ فِيهِ) : أَيْ فِي هَذَا الْوَطْءِ الْخَالِي عَنْ نِيَّةِ الرَّجْعَةِ، لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ.
(إنْ عُلِمَ دُخُولٌ) شَرْطٌ فِي قَوْلِهِ: " وَلِلْمُكَلَّفِ ارْتِجَاعُهَا "
[حاشية الصاوي]
يَصِحُّ بِالْهَزْلِ ظَاهِرًا أَوْ بَاطِنًا، وَالرَّجْعَةُ تَصِحُّ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا أَنَّ النِّكَاحَ لَهُ صِيغَةٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، فَكَانَ الْهَزْلُ فِيهِ كَالْعَدَمِ، وَلَمَّا ضَعُفَ أَمْرُ الرَّجْعَةِ لِكَوْنِ صِيغَتِهَا مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ فَقَطْ أَثَّرَ هَزْلُهُ فِيهَا فِي الْبَاطِنِ فَتَدَبَّرْ.
قَوْلُهُ: [بِمُحْتَمَلٍ مِنْ الْقَوْلِ] : أَيْ وَإِمَّا بِقَوْلٍ غَيْرِ مُحْتَمَلٍ لَهَا أَصْلًا مَعَ نِيَّةٍ كَاسْقِنِي الْمَاءَ وَشِبْهِهِ، فَهَلْ تَحْصُلُ الرَّجْعَةُ أَوْ لَا؟ تَرَدَّدَ فِيهِ الْأُجْهُورِيُّ وَغَيْرُهُ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي كَمَا يُفِيدُهُ ابْنُ عَرَفَةَ، لِأَنَّ إلْحَاقَ الرَّجْعَةِ بِالنِّكَاحِ أَوْلَى مِنْ إلْحَاقِهَا بِالطَّلَاقِ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ يُحَرِّمُ وَالرَّجْعَةُ تُحَلِّلُ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ فِعْلٍ بِلَا نِيَّةٍ] : حَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّ الْفِعْلَ مَعَ النِّيَّةِ تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ، وَكَذَا الْقَوْلُ مَعَ النِّيَّةِ، سَوَاءً كَانَ الْقَوْلُ صَرِيحًا أَوْ مُحْتَمَلًا، وَأَمَّا الْفِعْلُ وَحْدَهُ أَوْ الْقَوْلُ الْمُحْتَمِلُ وَحْدَهُ فَلَا تَحْصُلُ بِهِمَا رَجْعَةٌ أَصْلًا، وَالْقَوْلُ الصَّرِيحُ وَحْدَهُ تَحْصُلُ بِهِ الرَّجْعَةُ فِي الظَّاهِرِ لَا الْبَاطِنِ، وَأَمَّا النِّيَّةُ وَحْدَهَا فَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْقَصْدِ فَلَا تَحْصُلُ بِهَا رَجْعَةٌ اتِّفَاقًا وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ فَقِيلَ تَحْصُلُ بِهَا الرَّجْعَةُ فِي الْبَاطِنِ لَا الظَّاهِرِ، وَقِيلَ لَا تَحْصُلُ بِهَا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: [وَلَا صَدَاقَ فِيهِ] : أَيْ وَإِنْ كَانَ وَطْؤُهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ رَجْعَةٍ حَرَامًا، وَيَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَلَا حَدَّ وَيَسْتَبْرِئُهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ إذَا ارْتَجَعَهَا وَلَا يَرْتَجِعُهَا فِي زَمَنِ الِاسْتِبْرَاءِ بِالْوَطْءِ بَلْ بِغَيْرِهِ، وَمَحَلُّ ارْتِجَاعِهَا فِي زَمَنِ الِاسْتِبْرَاءِ بِغَيْرِ الْوَطْءِ إذَا كَانَتْ الْعِدَّةُ الْأُولَى بَاقِيَةً، فَإِنْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ الْأُولَى فَلَا يَنْكِحُهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ بِالْعَقْدِ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ الِاسْتِبْرَاءِ، فَإِنْ عَقَدَ عَلَيْهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الِاسْتِبْرَاءِ فُسِخَ وَلَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ بِالْوَطْءِ الْحَاصِلِ فِي زَمَنِ الِاسْتِبْرَاءِ لِلُحُوقِ الْوَلَدِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا، وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَانِيَةً بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْ الْعِدَّةِ لَحِقَهَا طَلَاقُهُ نَظَرًا
(وَلَوْ بِامْرَأَتَيْنِ، وَإِلَّا) يُعْلَمُ الدُّخُولُ بِأَنْ عُلِمَ عَدَمُ الدُّخُولِ، أَوْ لَمْ يُعْلَمْ شَيْءٌ (فَلَا) تَصِحُّ الرَّجْعَةُ، (وَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى الْوَطْءِ قَبْلَ الطَّلَاقِ) فَأَوْلَى عَدَمُ الصِّحَّةِ إنْ لَمْ يَتَصَادَقَا أَوْ تَصَادَقَا بَعْدَهُ (إلَّا أَنْ يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ لَمْ يَنْفِهِ) بِلِعَانٍ فَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا مَا دَامَتْ حَامِلًا.
(وَأُخِذَا) : أَيْ الزَّوْجَانِ الْمُتَصَادِقَانِ عَلَى الْوَطْءِ قَبْلَ الطَّلَاقِ (بِإِقْرَارِهِمَا) : أَيْ أُخِذَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الِارْتِجَاعِ، فَيَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ،
[حاشية الصاوي]
لِقَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ: إنَّ الْوَطْءَ مُجَرَّدًا عَنْ نِيَّةِ رَجْعَةٍ، فَهُوَ كَمَنْ طَلَّقَ فِي مُخْتَلِفٍ فِيهِ كَمَا فِي عب، قَالَ: وَهَلْ هُوَ رَجْعِيٌّ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ رَجْعَةٌ؟ وَفَائِدَةُ لُزُومِ الطَّلَاقِ بَعْدَهُ وَتَأْتَنِفُ لَهُ عِدَّةً، فَيَلْغُزُ بِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: رَجْعِيٌّ يُؤْتَنَفُ لَهُ عِدَّةٌ وَلَا رَجْعَةَ مَعَهُ، أَوْ بَائِنٌ انْتَهَى وَجَزَمَ (بْن) بِالثَّانِي كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا يُعْلَمُ الدُّخُولُ] : حَاصِلُهُ أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا إذَا ثَبَتَ النِّكَاحُ بِشَاهِدَيْنِ، وَثَبَتَتْ الْخَلْوَةُ وَلَوْ بِامْرَأَتَيْنِ، وَتَقَارَرَ الزَّوْجَانِ بِالْإِصَابَةِ، فَإِذَا طَلَّقَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ وَلَمْ تُعْلَمْ الْخَلْوَةُ بَيْنَهُمَا وَأَرَادَ رَجْعَتَهَا فَلَا يُمْكِنُ مِنْهَا لِعَدَمِ صِحَّةِ الرَّجْعَةِ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الرَّجْعَةِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بَعْدَ الْوَطْءِ لِلزَّوْجَةِ، وَإِذَا لَمْ تُعْلَمْ الْخَلْوَةُ فَلَا وَطْءَ وَلَا رَجْعَةَ، وَلَوْ تَصَادَقَ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْوَطْءِ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَأَوْلَى إذَا تَصَادَقَا بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ الْوَطْءُ قَبْلَ الطَّلَاقِ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْصُلْ وَطْءٌ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا فَلَوْ ارْتَجَعَهَا لَأَدَّى إلَى ابْتِدَاءِ نِكَاحٍ بِلَا عَقْدٍ وَلَا وَلِيَّ وَلَا صَدَاقَ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ عُلِمَ عَدَمُ الدُّخُولِ] : أَيْ كَمَا إذَا عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ وَطَلَّقَهَا، وَعُلِمَ عَدَمُ دُخُولِهِ بِهَا لِكَوْنِهَا لَمْ تَأْتِ بَلَدَهُ وَلَمْ يَذْهَبْ هُوَ لِبَلَدِهَا
قَوْلُهُ: [أَوْ لَمْ يُعْلَمْ شَيْءٌ] : أَيْ كَمَا إذَا عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ فِي بَلَدِهَا، وَطَلَّقَهَا وَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ دَخَلَ بِهَا أَمْ لَا
قَوْلُهُ: [وَأُخِذَا] إلَخْ: يَعْنِي إذَا قُلْنَا بِعَدَمِ تَصْدِيقِهِمَا فِي دَعْوَى الْوَطْءِ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُؤَاخَذُ بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِ بِالْوَطْءِ، وَسَوَاءٌ إقْرَارُهُمَا بِالْوَطْءِ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَهُ قَوْلُهُ: [فَيَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ] إلَخْ: هَذَا مُرَتَّبٌ عَلَى إقْرَارِهِ، وَقَوْلُهُ: وَيَلْزَمُهَا الْعِدَّةُ
وَالْكِسْوَةُ، وَالسُّكْنَى مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَتَكْمِيلُ الصَّدَاقِ، وَيَلْزَمُهَا الْعِدَّةُ وَعَدَمُ حِلِّهَا لِغَيْرِهِ، وَلَا يَتَزَوَّجُ بِأُخْتِهَا، وَلَا بِخَامِسَةٍ بِالنِّسْبَةِ لَهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ وَشَبَّهَ فِي الْحُكْمَيْنِ - أَيْ عَدَمَ صِحَّةِ الرَّجْعَةِ وَالْأَخْذَ بِالْإِقْرَارِ - قَوْلَهُ: (كَدَعْوَاهُ) أَيْ الزَّوْجِ (لَهَا) أَيْ لِلرَّجْعَةِ (بَعْدَهَا) أَيْ الْعِدَّةِ، أَيْ ادَّعَى بَعْدَ الْعِدَّةِ أَنَّهُ قَدْ كَانَ رَاجَعَهَا فِيهَا، فَلَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْهَا، وَأُخِذَا بِإِقْرَارِهِمَا فَيَلْزَمُهُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ دَائِمًا، (إنْ تَمَادَيَا عَلَى التَّصْدِيقِ) : شَرْطٌ فِي الْأَخْذِ بِالْإِقْرَارِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَإِنْ رَجَعَا أَوْ أَحَدُهُمَا عَنْ الْإِقْرَارِ سَقَطَ مُؤَاخَذَةُ الرَّاجِعِ.
[حاشية الصاوي]
إلَخْ مُرَتَّبٌ عَلَى إقْرَارِهَا، وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ أَقَرَّ مِنْهَا بِالْوَطْءِ أُخِذَ بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِ، سَوَاءً صَدَّقَهُ الْآخَرُ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: [كَدَعْوَاهُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا ادَّعَى بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَنَّهُ كَانَ رَاجَعَ زَوْجَتَهُ فِي الْعِدَّةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا مُصَدِّقٍ مِمَّا يَأْتِي، فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ وَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ صَدَّقَتْهُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ الْخَلْوَةَ عُلِمَتْ بَيْنَهُمَا لَكِنْ يُؤَاخَذُ بِمُقْتَضَى دَعْوَاهُ، وَهِيَ أَنَّهَا زَوْجَةٌ عَلَى الدَّوَامِ فَيَجِبُ لَهَا مَا يَجِبُ لِلزَّوْجَةِ، وَكَذَا تُؤَاخَذُ بِمُقْتَضَى إقْرَارِهَا إنْ صَدَّقَتْهُ، وَلَا يُمَكَّنُ وَاحِدٌ مِنْهَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقْهُ فَلَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ لِأَنَّ لُزُومَ مَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ مَشْرُوطٌ بِتَصْدِيقِهَا كَمَا يَأْتِي، فَإِنْ كَذَّبَتْهُ لَمْ يُؤَاخَذْ بِذَلِكَ لِإِقْرَارِهَا بِسُقُوطِ ذَلِكَ عَنْهُ، وَأَمَّا زَوَاجُ رَابِعَةٍ بَدَلَهَا أَوْ كَأُخْتِهَا فَلَا يَجُوزُ مَا دَامَ مُقِرًّا وَإِنْ كَذَّبَتْهُ
قَوْلُهُ: [شَرْطٌ فِي الْأَخْذِ بِالْإِقْرَارِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ] : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إذَا لَمْ تُعْلَمْ بَيْنَهُمَا خَلْوَةٌ وَتَصَادَقَا عَلَى الْوَطْءِ قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مَا إذَا ادَّعَى بَعْدَ الْعِدَّةِ الرَّجْعَةَ فِيهَا وَحَاصِلُ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يُؤَاخَذَانِ بِإِقْرَارِهِمَا عِنْدَ الْأُجْهُورِيِّ تَمَادَيَا عَلَى التَّصْدِيقِ أَوْ لَا إنْ اسْتَمَرَّتْ الْعِدَّةُ، فَإِنْ انْقَضَتْ فَلَا يُؤَاخَذَانِ بِإِقْرَارِهِمَا إلَّا إذَا تَمَادَيَا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ يُؤَاخَذَانِ بِإِقْرَارِهِمَا أَبَدًا إذَا تَمَادَيَا عَلَى الْإِقْرَارِ، فَإِنْ رَجَعَا أَوْ أَحَدُهُمَا سَقَطَتْ مُؤَاخَذَةُ الرَّاجِعِ، وَقَالَ الطِّخِّيخِيُّ وَالشَّيْخُ سَالِمٌ: إنَّ التَّمَادِيَ شَرْطٌ فِيهِمَا.
(وَلَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ الْمُقِرِّ بِالرَّجْعَةِ (جَبْرُهَا) : أَيْ جَبْرُ الْمُصَدَّقَةِ لَهُ، أَوْ جَبْرُ وَلِيِّهَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ رَشِيدَةٍ (عَلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ بِرُبُعِ دِينَارٍ) : أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ مُقَوَّمٍ بِهِمَا لِتَعُودَ لَهُ، لِأَنَّهَا بِاعْتِبَارِ دَعْوَاهُمَا فِي عِصْمَتِهِ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا، وَيَلْزَمُهَا عَدَمُ الزَّوَاجِ بِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا مَنَعْنَاهُ مِنْهَا وَمَنَعْنَاهَا مِنْهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الظَّاهِرِ.
(وَلَمْ تُنْكِرْ الْوَطْءَ) : عَطْفٌ عَلَى " عُلِمَ الدُّخُولُ ": أَيْ شَرْطُ صِحَّةِ ارْتِجَاعِهَا: عِلْمُ الدُّخُولِ وَعَدَمُ إنْكَارِ الْوَطْءِ، فَإِنْ أَنْكَرَتْهُ لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ وَظَاهِرُهُ، سَوَاءً اخْتَلَى بِهَا فِي زِيَارَةٍ أَوْ خَلْوَةِ اهْتِدَاءٍ وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ.
الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ فِي خَلْوَةِ الزِّيَارَةِ، أَمَّا خَلْوَةُ الِاهْتِدَاءِ فَلَا عِبْرَةَ بِإِنْكَارِهَا وَتَصِحُّ الرَّجْعَةُ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: " وَلَا إنْ أَقَرَّ بِهِ فَقَطْ فِي زِيَارَةٍ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ ". الثَّالِثُ: أَنَّهَا إنْ كَانَتْ الزَّائِرَةُ صُدِّقَ فِي دَعْوَاهُ الْوَطْءَ فَتَصِحُّ الرَّجْعَةُ كَخَلْوَةِ الْبِنَاءِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الزَّائِرُ فَلَا يُصَدَّقُ وَلَا تَصِحُّ رَجْعَتُهُ.
(وَصَحَّتْ رَجْعَتُهُ) : أَيْ الْمُطَلِّقِ بَعْدَ الْبِنَاءِ (إنْ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَهَا) : أَيْ
[حاشية الصاوي]
وَحَاصِلُ كَلَامِهِمَا أَنَّهُمَا لَا يُؤَاخَذَانِ بِإِقْرَارِهِمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ إلَّا مُدَّةَ دَوَامِهَا عَلَى التَّصْدِيقِ، وَكَذَلِكَ فِي الْأُولَى كَانَ الْإِقْرَارُ فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، فَإِنْ رَجَعَا أَوْ أَحَدُهُمَا سَقَطَتْ مُؤَاخَذَةُ الرَّاجِعِ، وَفِي الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُجْهُورِيِّ وَالشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيِّ: إنَّهُمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يُؤَاخَذَانِ بِإِقْرَارِهِمَا فِي الْعِدَّةِ مُطْلَقًا تَمَادَيَا عَلَى التَّصْدِيقِ أَوْ لَا، وَأَمَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَلَا يُؤَاخَذَانِ بِإِقْرَارِهِمَا إلَّا مُدَّةَ دَوَامِهِمَا عَلَى التَّصْدِيقِ، فَإِنْ حَصَلَ رُجُوعٌ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا سَقَطَتْ مُؤَاخَذَةُ الرَّاجِعِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الْمُوَافِقَةُ لِلنَّقْلِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَلَكِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ عِبَارَةِ شَارِحِنَا كَلَامُ الطِّخِّيخِيِّ وَالشَّيْخِ سَالِمٍ.
قَوْلُهُ: [أَيْ جَبْرُ الصَّدَقَةِ لَهُ] : أَيْ عَلَى الْوَطْءِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، أَوْ عَلَى الرَّجْعَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ
قَوْلُهُ: [أَوْ جَبْرُ وَلِيِّهَا] : فَإِنْ أَبَى الْوَلِيُّ عَقَدَ الْحَاكِمُ وَإِنْ لَمْ تَرْضَ، وَانْظُرْ هَلْ لَهَا جَبْرُهُ عَلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» أَوْ لَا؟ تَأَمَّلْ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ] : أَيْ ثَلَاثَةٍ، وَذَكَرَ فِي الشَّامِلِ أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْخَلْوَتَيْنِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَبِذَلِكَ صَدَّرَ بِهِ شَارِحُنَا.
1 -
بَعْدَ الْعِدَّةِ، (عَلَى إقْرَارِهِ) أَيْ بِالْوَطْءِ فِي الْعِدَّةِ أَوْ بِمُقَدِّمَاتِهِ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ نَوَى بِهِ الرَّجْعَةَ فَيُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ وَتَصِحُّ رَجْعَتُهُ، (أَوْ) قَامَتْ لَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مُعَايَنَةِ (تَصَرُّفِهِ) أَيْ الزَّوْجِ (لَهَا) فِي الْعِدَّةِ؛ بِالدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَالْإِتْيَانِ بِحَاجَةِ الْمَنْزِلِ، (أَوْ) أَشْهَدَتْ عَلَى (مَبِيتِهِ عِنْدَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ وَادَّعَى رَجْعَتَهَا (فِيهَا) أَيْ فِي الْعِدَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنْ إقْرَارِهِ وَتَصَرُّفِهِ وَمَبِيتِهِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إنْ ادَّعَى بَعْدَهَا مُرَاجَعَتَهَا فِي الْعِدَّةِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ أَقَرَّ فِي الْعِدَّةِ بِوَطْئِهَا أَوْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَتَصَرَّفُ لَهَا التَّصَرُّفَ الْخَاصَّ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَبِيتُ عِنْدَهَا فِي الْعِدَّةِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ وَيُحْكَمُ لَهُ بِصِحَّةِ الرَّجْعَةِ.
(أَوْ قَالَ) : أَيْ وَصَحَّتْ رَجْعَتُهُ إنْ قَالَ لَهَا: (ارْتَجَعْتُك) إنْشَاءً لَا إخْبَارًا، (فَقَالَتْ) لَهُ: قَدْ (انْقَضَتْ الْعِدَّةُ) بِرُؤْيَتِي الْحَيْضَةَ الثَّالِثَةَ، أَيْ فَلَمْ تُصَادِفْ رَجْعَتَك مَحَلًّا، (فَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى مَا) : أَيْ عَلَى قَوْلٍ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ (يُكَذِّبُهَا) فِي قَوْلِهَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ، بِأَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ أَنَّهَا قَالَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِنَحْوِ يَوْمَيْنِ أَوْ عَشْرَةِ أَيَّامٍ أَنَّهَا لَمْ تَرَ إلَّا حَيْضَةً فَقَطْ أَوْ حَيْضَتَيْنِ، وَلَمْ يَمْضِ زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ رُؤْيَةُ الثَّالِثَةِ، (أَوْ) أَنَّهُ لَمَّا رَاجَعَهَا (سَكَتَتْ) زَمَنًا (طَوِيلًا) كَالْيَوْمِ أَوْ بَعْضِهِ (ثُمَّ قَالَتْ: كَانَتْ انْقَضَتْ) الْعِدَّةُ قَبْلَ الْمُرَاجَعَةِ فَلَا يُفِيدُهَا، وَصَحَّتْ الرَّجْعَةُ وَيُعَدُّ ذَلِكَ مِنْهَا نَدَمًا وَمَفْهُومُ: " سَكَتَتْ "، أَنَّهَا لَوْ بَادَرَتْ لَأَفَادَهَا
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [إنْ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَهَا] حَاصِلُ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرَّجُلَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ادَّعَى أَنَّهُ رَاجَعَ زَوْجَتَهُ فِيهَا، وَأَقَامَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْوَطْءِ أَوْ التَّلَذُّذِ بِهَا فِي الْعِدَّةِ، وَادَّعَى أَنَّهُ نَوَى بِهِ الرَّجْعَةَ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ وَتَصِحُّ رَجْعَتُهُ، وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ الْخَلْوَةَ بِهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ قَدْ عُلِمَتْ وَلَوْ بِامْرَأَتَيْنِ، وَحَيْثُ كَانَ تَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْوَطْءِ، فِي الْعِدَّةِ مَعَ دَعْوَاهُ أَنَّهُ نَوَى بِهِ الرَّجْعَةَ، فَلَوْ دَخَلَ عَلَى مُطَلَّقَةٍ وَبَاتَ عِنْدَهَا فِي الْعِدَّةِ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ الْعِدَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ ارْتَجَعَهَا فَلَا تَثْبُتُ بِذَلِكَ الرَّجْعَةُ، وَلَا تَرِثُهُ وَلَا يَلْزَمُهَا عِدَّةُ وَفَاةٍ فَتَدَبَّرْ.
قَوْلُهُ: [فَأَقَامَ بَيِّنَةً] : أَيْ مِنْ الرِّجَالِ لَا مِنْ النِّسَاءِ لِأَنَّ شَهَادَتَهَا عَلَى إقْرَارِهَا بِعَدَمِ الْحَيْضِ لَا عَلَى رُؤْيَةِ الدَّمِ الَّتِي يَكْفِي فِيهَا النِّسَاءُ.
وَلَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
أَيْ إذَا لَمْ تُقِمْ بَيِّنَةً بِمَا.
يُكَذِّبُهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
(لَا) تَصِحُّ الرَّجْعَةُ (إنْ قَالَ مَنْ يَغِيبُ) : أَيْ مَنْ أَرَادَ الْغَيْبَةَ أَيْ السَّفَرَ، وَكَانَ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَخَافَ أَنْ تَدْخُلَهَا فِي غَيْبَتِهِ فَيَحْنَثُ فَقَالَ: (إنْ حَنَّثَتْنِي) بِدُخُولِ الدَّارِ فِي سَفَرِي (فَقَدْ ارْتَجَعْتهَا) وَلَا يُفِيدُهُ هَذَا التَّعْلِيقُ، لِأَنَّ الرَّجْعَةَ تَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ بَعْدَ الطَّلَاقِ، (كَأَنْ) قَالَ: إنْ (جَاءَ الْغَدُ فَقَدْ ارْتَجَعْتهَا) فَلَا يُفِيدُهُ، وَلَا تَصِحُّ رَجْعَتُهُ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ ضَرْبٌ مِنْ النِّكَاحِ، فَلَا تَكُونُ لَأَجَلٍ وَلِأَنَّهَا تَحْتَاجُ لِمُقَارَنَةِ نِيَّةٍ.
نَعَمْ إنْ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ الْغَدِ، مُعْتَمِدًا عَلَى تَعْلِيقِهِ الْمُتَقَدِّمِ، صَحَّتْ رَجْعَتُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فِعْلٌ قَارَنَهُ نِيَّةٌ لَا بِالتَّعْلِيقِ الْمُتَقَدِّمِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَلَا تَكُونُ لِأَجَلٍ] : أَيْ فَكَمَا لَا يَجُوزُ التَّأْجِيلُ فِي النِّكَاحِ كَأَنْ يَقُولَ أَعْقِدُ لَك عَلَى ابْنَتِي الْآنَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَك إلَّا فِي الْغَدِ، لَا يَجُوزُ التَّأْجِيلُ فِي الرَّجْعَةِ.
قَوْلُهُ: [بَعْدَ الْغَدِ] : لَا مَفْهُومَ لَهُ (بْن) كَذَلِكَ، لَوْ وَطِئَهَا قَبْلَهُ تَصِحُّ رَجْعَتُهُ إنْ قَارَنَ الْوَطْءَ نِيَّتُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ صِحَّةِ الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ كَمَا إذَا قَالَ إنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ، وَبَيْنَ عَدَمِ صِحَّةِ الرَّجْعَةِ قَبْلَ الطَّلَاقِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ أَرَادَ السَّفَرَ أَنَّ الطَّلَاقَ حَقٌّ عَلَى الرَّجُلِ يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ، وَالرَّجْعَةُ حَقٌّ لَهُ وَلِحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ يَلْزَمُ بِالْتِزَامِهِ، وَالْحَقُّ الَّذِي لَهُ لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ وَلَوْ أَشْهَدَ بِهِ فَتَأَمَّلْ.
تَنْبِيهٌ:
مِثْلُ قَوْلِ: " مَنْ يُغَيِّبُ الْمَذْكُورَ: اخْتِيَارُ الْأَمَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ بِعَبْدِ نَفْسِهَا، أَوْ زَوْجِهَا بِتَقْدِيرِ عِتْقِهَا كَأَنْ تَقُولَ: إنْ عَتَقْتُ فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْتُ زَوْجِي فَإِنَّهُ لَغْوٌ وَلَوْ أَشْهَدَتْ عَلَى ذَلِكَ وَلَهَا اخْتِيَارُ خِلَافِهِ إنْ عَتَقَتْ، بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ الَّتِي شَرَطَ لَهَا الزَّوْجُ عِنْدَ الْعَقْدِ أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا إنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ تَسَرَّى أَوْ أَخْرَجَهَا مِنْ بَلَدِهَا أَوْ بَيْتِ أَبِيهَا، تَقُولُ قَبْلَ حُصُولِ مَا ذُكِرَ: إنْ فَعَلَهُ زَوْجِي فَقَدْ فَارَقْتُهُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهَا وَلَيْسَ لَهَا الِانْتِقَالُ إلَى غَيْرِهِ لِأَنَّ الزَّوْجَ أَقَامَهَا مَقَامَهُ فِي تَمْلِيكِهِ إيَّاهَا مَا يَمْلِكُهُ، وَهُوَ يَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَهُ، نَحْوَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَكَذَلِكَ هِيَ وَهَذَا يُفِيدُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لُزُومُ مَا أَوْقَعَهُ مِنْ الطَّلَاقِ
(وَصُدِّقَتْ) الْمُطَلَّقَةُ (فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِلَا يَمِينٍ مَا أَمْكَنَ) الِانْقِضَاءُ، كَثَلَاثِينَ يَوْمًا: أَيْ مُدَّةِ الْإِمْكَانِ، وَلَوْ خَالَفَتْ عَادَتَهَا أَوْ خَالَفَهَا الزَّوْجُ، وَشَمَلَ كَلَامُهُ انْقِضَاءَهَا بِالْأَقْرَاءِ أَوْ الْوَضْعِ فَلَا تَصِحُّ رَجْعَتُهَا وَقَدْ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ، (وَ) صُدِّقَتْ (فِي أَنَّهَا رَأَتْ أَوَّلَ الدَّمِ) مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، (وَانْقَطَعَ) قَبْلَ اسْتِمْرَارِهِ الْمُعْتَبَرِ وَهُوَ يَوْمٌ أَوْ بَعْضُهُ، فَهِيَ فِي عِدَّتِهَا لَمْ تَخْرُجْ، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يُفِيدُهَا ذَلِكَ وَلَا تُصَدَّقُ، وَقَدْ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ وَتَبِعَهُ الشَّيْخُ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْمَذْهَبُ كُلُّهُ عَلَى قَبُولِ قَوْلِهَا أَيْ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ أَنْ قَالُوا
[حاشية الصاوي]
لَا مَا أَوْقَعَتْهُ بِاخْتِيَارِ زَوْجِهَا، وَقِيلَ إنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ مُسْتَوِيَتَانِ فِي لُزُومِ مَا أَوْقَعَتَاهُ قَبْلَ حُصُولِ سَبَبِ خِيَارِهِمَا، وَهُوَ لِابْنِ حَارِثٍ عَنْ أَصْبَغَ مَعَ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ، وَقِيلَ: مُسْتَوِيَتَانِ فِي عَدَمِ لُزُومِ مَا أَوْقَعَتَاهُ وَهُوَ لِلْبَاجِيِّ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ الْأَوَّلُ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ الَّتِي تُحْكَى عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ سَأَلَ مَالِكًا عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُرَّةِ ذَاتِ الشَّرْطِ وَالْأَمَةِ؟ فَقَالَ لَهُ الْفَرْقُ دَارٌ قُدَامَةَ وَكَانَتْ دَارًا يَلْعَبُ فِيهَا الْأَحْدَاثُ بِالْحَمَّامِ مُعَرِّضًا لَهُ بِقِلَّةِ التَّحْصِيلِ، فِيمَا سَأَلَهُ عَنْهُ وَتَوْبِيخًا لَهُ عَلَى تَرْكِ إعْمَالِ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ حَتَّى إنَّهُ سَأَلَ عَنْ أَمْرٍ غَيْرِ مُشْكِلٍ (اهـ) . وَحَاصِلُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ اخْتِيَارَ الْأَمَةِ قَبْلَ الْعِتْقِ فِعْلٌ لِلشَّيْءِ قَبْلَ وُجُوبِهِ لَهَا بِالشَّرْعِ، وَأَمَّا ذَاتُ الشَّرْطِ فَاخْتِيَارُهَا فِعْلٌ لِلشَّيْءِ بَعْدَ وُجُوبِهِ لَهَا بِالتَّمْلِيكِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [بِلَا يَمِينٍ] : وَقِيلَ بِيَمِينٍ.
قَوْلُهُ: [انْقِضَاءَهَا بِالْأَقْرَاءِ] : أَيْ فَإِنْ شَهِدَتْ لَهَا النِّسَاءُ أَنَّهَا تَحِيضُ لِمِثْلِ هَذَا فَإِنَّهَا تُصَدَّقُ، وَوَجْهُ تَصْدِيقِهَا فِي كَالشَّهْرِ جَوَازُ أَنْ يُطَلِّقَهَا أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ وَهِيَ طَاهِرٌ فَيَأْتِيهَا الْحَيْضُ وَيَنْقَطِعُ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَأْتِيهَا لَيْلَةَ السَّادِسَ عَشَرَ وَيَنْقَطِعُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَيْضًا، ثُمَّ يَأْتِيهَا آخِرُ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ بَعْدَ الْغُرُوبِ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالطُّهْرِ فِي الْأَيَّامِ.
وَلَك أَنْ تُلْغِزَ فَتَقُولَ: مَا امْرَأَةٌ مَدْخُولٌ بِهَا غَيْرُ حَامِلٍ طَلُقَتْ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَحَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ وَلَمْ يَفُتْهَا صَوْمٌ وَلَا صَلَاةٌ مِنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذَا اللُّغْزِ فِي بَابِ الْحَيْضِ.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ اخْتَلَفُوا] إلَخْ: وَنَصِّ أَبِي الْحَسَنِ عِيَاضٍ وَاخْتَلَفُوا إذَا رَاجَعَهَا عِنْدَ
بِتَصْدِيقِهَا فِيمَا لَوْ رَاجَعَهَا بَعْدَ قَوْلِهَا: قَدْ انْقَطَعَ فَعَاوَدَهَا الدَّمُ عَنْ قُرْبٍ قَبْلَ تَمَامِ طُهْرٍ، حَتَّى لَفَّقَتْ عَادَتَهَا، هَلْ هَذِهِ الرَّجْعَةُ فَاسِدَةٌ؟ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا حَيْضَةٌ ثَالِثَةٌ صَحِيحَةٌ وَقَعَتْ فِيهَا الرَّجْعَةُ فَتَكُونُ بَاطِلَةً وَهُوَ الصَّحِيحُ أَوْ لَيْسَتْ بِفَاسِدَةٍ بَلْ صَحِيحَةٍ؟ وَعَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ حَمَلَ بَعْضُهُمْ كَلَامَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالشَّيْخِ، أَيْ فَقَوْلُهُمَا لَا يُفِيدُهَا قَوْلُهَا قَدْ انْقَطَعَ أَيْ فِي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ، أَيْ إنَّا وَإِنْ صَدَّقْنَاهَا فَرَاجَعَهَا فَعَاوَدَهَا الدَّمُ حَتَّى لَفَّقَتْ عَادَتَهَا إلَّا أَنَّهُ لَا يُفِيدُ فِي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ، بَلْ الرَّجْعَةُ فَاسِدَةٌ.
(وَلَا يُلْتَفَتُ لِتَكْذِيبِهَا نَفْسَهَا) حَيْثُ قَالَتْ: كَذَبْتُ فِي قَوْلِي قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي فَلَا تَحِلُّ لِمُطَلِّقِهَا إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وَلَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا (وَلَوْ صَدَّقَهَا النِّسَاءُ) فِي تَكْذِيبِهَا نَفْسَهَا؛ بِأَنْ قُلْنَ: نَظَرْنَاهَا حِينَ قَالَتْ قَدْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِنُزُولِ الْحَيْضِ أَوْ الْوَضْعِ فَلَمْ نَرَ بِهَا أَثَرَ حَيْضٍ وَلَا وَضْعٍ، فَلَا يُلْتَفَتُ لِذَلِكَ وَقَدْ بَانَتْ بِقَوْلِهَا: قَدْ انْقَضَتْ.
حَيْثُ أَمْكَنَ الِانْقِضَاءُ.
(وَ) الزَّوْجَةُ (الرَّجْعِيَّةُ) أَيْ الْمُطَلَّقَةُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا (كَالزَّوْجَةِ) الَّتِي فِي الْعِصْمَةِ فِي لُزُومِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالسُّكْنَى وَلُحُوقِ الطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ، (إلَّا فِي الِاسْتِمْتَاعِ وَالْخَلْوَةِ) بِهَا، (وَالْأَكْلِ مَعَهَا) بِلَا نِيَّةِ مُرَاجَعَتِهَا بِذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ،
[حاشية الصاوي]
انْقِطَاعِ هَذَا الدَّمِ وَعَدَمِ تَمَادِيهِ، ثُمَّ رَجَعَ هَذَا الدَّمُ بِقُرْبٍ هَلْ هِيَ رَجْعَةٌ فَاسِدَةٌ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَبَانَ أَنَّهَا حَيْضَةٌ ثَالِثَةٌ صَحِيحَةٌ وَقَعَتْ الرَّجْعَةُ فِيهَا فَتَبْطُلُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ لَا تَبْطُلُ رَجَعَ الدَّمُ عَنْ قُرْبٍ أَوْ بُعْدٍ (اهـ) ، ثُمَّ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ فِي النُّكَتِ أَنَّهُ حَكَى الْقَوْلَيْنِ، وَقَالَ بَعْدَهُمَا وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَعْنِي التَّفْصِيلَ عِنْدِي أَصْوَبُ (اهـ) ، وَالْقُرْبُ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ طُهْرٌ تَامٌّ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يُلْتَفَتُ لِتَكْذِيبِهَا نَفْسَهَا] : الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا حَيْثُ قُلْتُمْ الْمَذْهَبُ قَبُولُ قَبُولِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ دُونَ هَذِهِ أَنَّهَا فِي هَذِهِ صَرَّحَتْ بِتَكْذِيبِ نَفْسِهَا وَلَمْ تَسْتَنِدْ لِمَا تَعَذَّرَ بِهِ بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا.
(وَلَوْ مَاتَ زَوْجُهَا) الْمُطَلِّقُ لَهَا (بَعْدَ سَنَةٍ) مِنْ يَوْمِ طَلَاقِهَا (فَقَالَتْ: لَمْ تَنْقَضِ) ، فَأَنَا أَرِثُ (وَهِيَ غَيْرُ مُرْضِعٍ، وَ) غَيْرُ (مَرِيضَةٍ، لَمْ تُصَدَّقْ) فَلَا إرْثَ لَهَا مِنْهُ (إلَّا إذَا كَانَتْ تُظْهِرُهُ) : أَيْ تُظْهِرُ عَدَمَ انْقِضَائِهَا قَبْلَ مَوْتِهِ فَتُصَدَّقُ وَتَرِثُ بِيَمِينٍ إنْ ظَهَرَ لِلنَّاسِ لِضَعْفِ التُّهْمَةِ حِينَئِذٍ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَتْ مُرْضِعًا أَوْ مَرِيضَةً (صُدِّقَتْ) لِأَنَّ شَأْنَ الْمُرْضِعِ وَالْمَرِيضَةِ عَدَمُ الْحَيْضِ،
[حاشية الصاوي]
[نَفَقَة الزَّوْجَةُ الرَّجْعِيَّةُ]
قَوْلُهُ: [بِذَلِكَ] : اسْمُ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، أَيْ فَإِنْ نَوَى رَجْعَتَهَا بِأَحَدِ هَذِهِ الْأُمُورِ صَحَّتْ قَوْلُهُ: [بَعْدَ سَنَةٍ] إلَخْ: حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ، فَقَالَتْ: لَمْ أَحِضْ مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ إلَى الْآنَ أَصْلًا، أَوْ لَمْ أَحِضْ إلَّا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ، وَلَمْ أَدْخُلْ فِي الثَّالِثَةِ فَلَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ أَمْرَيْنِ: تَارَةً يَظْهَرُ فِي حَالِ حَيَاةِ مُطَلِّقِهَا احْتِبَاسُ دَمِهَا لِلنَّاسِ، وَيَتَكَرَّرُ قَوْلُهَا لِلنَّاسِ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُقْبَلُ قَوْلُهَا بِيَمِينٍ وَتَرِثُ لِضَعْفِ التُّهْمَةِ حِينَئِذٍ، وَتَارَةً لَمْ تَكُنْ تُظْهِرُهُ فِي حَالِ حَيَاةِ مُطَلِّقِهَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا، وَلَا تَرِثُ لِدَعْوَاهَا أَمْرًا نَادِرًا، وَالتُّهْمَةُ حِينَئِذٍ قَوِيَّةٌ، وَمَا ذَكَرَهُ شَارِحُنَا مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ مَنْ تُظْهِرُهُ وَاَلَّتِي لَمْ تَكُنْ تُظْهِرُهُ هُوَ قَوْلُ الْمَوَّازِيَّةِ، وَقَالَ فِي سَمَاعِ عِيسَى إنَّهَا تُصَدَّقُ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا كَانَتْ تُظْهِرُهُ أَمْ لَا، وَهَذَا الْخِلَافُ حَكَاهُ ابْنُ رُشْدٍ فِيمَا إذَا ادَّعَتْ ذَلِكَ بَعْدَ السَّنَةِ أَوْ بِقُرْبِ انْسِلَاخِهَا، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَتْ ذَلِكَ بَعْدَ أَكْثَرِ مِنْ الْعَامِ أَوْ الْعَامَيْنِ لَا يَنْبَغِي أَنَّهَا تُصَدَّقُ إلَّا أَنْ تَكُونَ تُظْهِرُ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ قَوْلًا وَاحِدًا.
قَوْلُهُ: [صُدِّقَتْ] : أَيْ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ شَأْنَ الْمُرْضِعِ وَالْمَرِيضَةِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَرِيضَةً أَوْ مُرْضِعَةً فِي كُلِّ الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ فَإِنَّهَا تُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَدَمِ انْقِضَاءِ هَذِهِ الْعِدَّةِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَلَوْ كَانَتْ الْمُدَّةُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ مَرِيضَةً أَوْ مُرْضِعَةً بَعْدَ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَادَّعَتْ عَدَمَ الِانْقِضَاءِ بَعْدَ الْفِطَامِ أَوْ بَعْدَ زَوَالِ الْمَرَضِ، فَفِي الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ حُكْمَ الْمُرْضِعِ بَعْدَ الْفِطَامِ كَاَلَّتِي لَا تُرْضِعُ مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ، لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْحَيْضِ مَعَ الرَّضَاعِ لَيْسَ بِرِيبَةٍ اتِّفَاقًا، وَحِينَئِذٍ فَتُصَدَّقُ بِيَمِينٍ بَعْدَ الْفِطَامِ بِسَنَةٍ فَأَكْثَرَ إذَا كَانَتْ تُظْهِرُهُ فِي حَيَاةِ مُطَلِّقِهَا، وَمِثْلُهَا الْمَرِيضَةُ فَإِنْ كَانَتْ لَا تُظْهِرُهُ فَلَا تُصَدَّقُ وَلَوْ بِيَمِينٍ، وَأَمَّا لَوْ ادَّعَتْ ذَلِكَ بَعْدَ الْفِطَامِ فِي أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ فَإِنَّهَا تُصَدَّقُ بِيَمِينٍ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
(وَحَلَفَتْ) إنَّهَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا (فِيمَا دُونَ الْعَامِ) كَالْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَأَكْثَرَ (إنْ اُتُّهِمَتْ) وَإِلَّا فَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا.
(وَنُدِبَ) لِمَنْ رَاجَعَهَا (الْإِشْهَادُ) عَلَى الرَّجْعَةِ لِدَفْعِ إيهَامِ الزِّنَا، وَلَا يَجِبُ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ (وَأَصَابَتْ مَنْ مَنَعَتْ) نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا (لَهُ) أَيْ لِأَجْلِ الْإِشْهَادِ عَلَى مُرَاجَعَتِهَا، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ رُشْدِهَا، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْإِشْهَادِ غَيْرُ الْوَلِيِّ.
(وَشَهَادَةُ الْوَلِيِّ) مِنْ سَيِّدٍ أَوْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ (عَدَمٌ) ، لَا تُفِيدُ وَلَا يَحْصُلُ بِهَا النَّدْبُ.
(وَ) نَدْبُ (الْمُتْعَةِ) : وَهِيَ مَا يُعْطِيهِ الزَّوْجُ لِمَنْ طَلَّقَهَا زِيَادَةً عَلَى الصَّدَاقِ لِجَبْرِ خَاطِرِهَا الْمُنْكَسِرِ بِأَلَمِ الْفِرَاقِ، (بِقَدْرِ حَالِهِ) : أَيْ الزَّوْجِ مِنْ فَقْرٍ وَغِنًى بِالْمَعْرُوفِ عَلَى الْمُوسِرِ قَدْرُهُ، وَعَلَى الْمُقَتِّرِ قَدْرُهُ، وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ النَّدْبُ وَقِيلَ بِوُجُوبِهَا، وَالْقُرْآنُ أَظْهَرُ فِي الْوُجُوبِ مِنْ النَّدْبِ، وَلَكِنْ صَرَفَهُ عَنْهُ صَارِفٌ عِنْدَ الْإِمَامِ.
وَتَكُونُ الْمُتْعَةُ (بَعْدَ) تَمَامِ (الْعِدَّةِ لِلرَّجْعِيَّةِ) ، لِأَنَّهَا مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ تَرْجُو الْمُرَاجَعَةَ فَلَمْ يَنْكَسِرْ قَلْبُهَا بِأَلَمِ الْفِرَاقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَانَتْ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا كَكُلِّ بَائِنَةٍ، (أَوْ) تُدْفَعُ إلَى (وَرَثَتِهَا) إنْ مَاتَتْ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ بَعْدَ الْعِدَّةِ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَحَلَفَتْ إنَّهَا] إلَخْ: الْحَلِفُ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الْمُرْضِعِ وَالْمَرِيضَةِ كَمَا عَلِمْتَ.
قَوْلُهُ: [عَدَمٌ] : أَيْ لِاتِّهَامِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَلِيِّ الْمُجْبَرِ وَغَيْرِهِ.
[الْمُتْعَةِ هِيَ مَا يُعْطِيهِ الزَّوْجُ لِمَنْ طَلَّقَهَا زِيَادَةً عَلَى الصَّدَاقِ]
قَوْلُهُ: [لِجَبْرِ خَاطِرِهَا] إلَخْ: هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّدْبَ مُعَلَّلٌ بِمَا ذُكِرَ، وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ الْمُتْعَةَ قَدْ تَزِيدُهَا أَسَفًا عَلَى زَوْجِهَا لِتَذَكُّرِهَا حُسْنَ عِشْرَتِهِ وَكَرِيمَ صُحْبَتِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ لَمْ يُمَتِّعْهَا حَتَّى مَاتَتْ وَرِثَتْ عَنْهَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ بِوُجُوبِهَا] : وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ.
قَوْلُهُ: [أَظْهَرُ فِي الْوُجُوبِ] إلَخْ: أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 236] وَقَالَ أَيْضًا: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241] وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ الْوُجُوبُ خُصُوصًا مَعَ اقْتِرَانِهِ بِحَقِّنَا، قُلْنَا: صَرَفَهُ عَنْهُ قَوْلُهُ: " عَلَى الْمُحْسِنِينَ " وَ " الْمُتَّقِينَ "، لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتَقَيَّدُ بِهِمَا
وَإِلَّا فَلَا، لِمَوْتِهَا قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَا مُتْعَةَ لَهَا إنْ مَاتَ أَوْ رَدَّهَا لِعِصْمَتِهِ قَبْلَ دَفْعِهَا لَهَا، رَجْعِيَّةً كَانَتْ أَوْ بَائِنَةً.
وَشَبَّهَ فِي الْحُكْمَيْنِ - أَيْ الدَّفْعِ لَهَا أَوْ لِوَرَثَتِهَا عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ - قَوْلَهُ:
(كَكُلِّ مُطَلَّقَةٍ فِي نِكَاحٍ لَازِمٍ) : وَيَلْزَمُ مِنْ اللُّزُومِ الصِّحَّةُ وَالْمُرَادُ اللُّزُومُ وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ وَالطَّوْلِ (لَا فَسْخٍ) مُحْتَرَزٌ " مُطَلَّقَةٍ ": أَيْ فِي كُلِّ طَلَاقٍ لَا فَسْخٍ، فَلَا مُتْعَةَ فِيهِ بَعْدَ الْبِنَاءِ، وَأَوْلَى قَبْلَهُ إذَا كَانَ فَسَخَهُ (لِغَيْرِ رَضَاعٍ) ، وَأَمَّا فَسْخُهُ لِرَضَاعٍ فَتُمَتَّعُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، وَاسْتَثْنَى مِنْ كُلِّ مُطَلَّقَةٍ قَوْلَهُ: (إلَّا الْمُخْتَلِعَةَ) فَلَا مُتْعَةَ لَهَا، لِأَنَّ الطَّلَاقَ جَاءَ مِنْ جِهَتِهَا فَلَا كَسْرَ عِنْدَهَا، وَهَذَا إذَا كَانَ الْخُلْعُ بِعِوَضٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا بِرِضَاهَا، لَا إنْ كَانَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ بِلَا عِوَضٍ أَوْ بِعِوَضٍ
[حاشية الصاوي]
وَالْمُرَادُ بِالْحَقِّ الثَّابِتِ الْمُقَابِلُ لِلْبَاطِلِ، فَيَشْمَلُ الْمَنْدُوبَ بِقَرِينَةِ التَّقْيِيدِ بِالْمُحْسِنِينَ وَالْمُتَّقِينَ كَمَا عَلِمْت، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُقْضَى بِهَا وَلَا تَحَاصَصَ بِهَا الْغُرَمَاءُ، إذْ لَا يُقْضَى بِمَنْدُوبٍ وَلَا يُحَاصِصُ بِهِ الْغُرَمَاءُ.
قَوْلُهُ: [وَلَا مُتْعَةَ لَهَا إنْ مَاتَ] : أَيْ فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا، لِأَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ التَّرِكَةِ إلَّا الْحُقُوقُ الْوَاجِبَةُ.
قَوْلُهُ: [كَكُلِّ مُطَلَّقَةٍ] إلَخْ: أَيْ فَتُدْفَعُ لَهَا إنْ كَانَتْ حَيَّةً، أَوْ لِوَرَثَتِهَا إنْ مَاتَتْ، وَالْمُرَادُ كُلُّ مُطَلَّقَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا أَوْ حَكَمَ الشَّرْعُ بِطَلَاقِهَا، إلَّا مَا اسْتَثْنَى فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ، كُلُّ مُطَلَّقَةٍ أَيْ طَلَاقًا بَائِنًا فَلَمْ يَتَّحِدْ الْمُشَبَّهُ مَعَ الْمُشَبَّهِ بِهِ.
قَوْلُهُ: [فِي نِكَاحٍ لَازِمٍ] : احْتَرَزَ بِهِ عَنْ غَيْرِ اللَّازِمِ وَهُوَ شَيْئَانِ، الْفَاسِدُ الَّذِي لَمْ يَمْضِ بِالدُّخُولِ، وَالصَّحِيحُ الْغَيْرُ اللَّازِمِ كَنِكَاحِ ذَاتِ الْعَيْبِ، فَإِنْ رَدَّتْهُ لِعَيْبِهِ أَوْ رَدَّهَا لِعَيْبِهَا فَلَا مُتْعَةَ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [فَتُمَتَّعُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ] : أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ الْفَسْخَ بَعْدَ الْبِنَاءِ أَوْ قَبْلَهُ وَلَمْ تَأْخُذْ نِصْفَ الصَّدَاقِ لِكَوْنِهَا صَدَّقَتْهُ أَوْ ثَبَتَ الرَّضَاعُ بِبَيِّنَةٍ.
قَوْلُهُ: [إلَّا الْمُخْتَلِعَةَ] إلَخْ: يَلْحَقُ بِتِلْكَ الْمُسْتَثْنَيَاتِ الْمُرْتَدَّةِ، وَلَوْ عَادَتْ لِلْإِسْلَامِ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْمُتْعَةِ أَيْضًا إذَا ارْتَدَّ الزَّوْجُ عَادَ لِلْإِسْلَامِ أَمْ لَا كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
مِنْ غَيْرِهَا بِلَا رِضًا مِنْهَا فَتُمَتَّعُ.
(وَ) إلَّا (مَنْ طَلُقَتْ قَبْلَ الْبِنَاءِ فِي) نِكَاحٍ (التَّسْمِيَةِ) فَلَا مُتْعَةَ لَهَا، لِأَخْذِهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ مَعَ بَقَاءِ سِلْعَتِهَا، بِخِلَافِ التَّفْوِيضِ فَتُمَتَّعُ.
(وَ) إلَّا (الْمُفَوَّضُ لَهَا) طَلَاقُهَا تَخْيِيرًا أَوْ تَمْلِيكًا أَوْ تَوْكِيلًا فَلَا مُتْعَةَ لَهَا،
(وَ) إلَّا (الْمُخْتَارَةُ) لِنَفْسِهَا (لِعِتْقِهَا) تَحْتَ عَبْدٍ فَلَا مُتْعَةَ، (أَوْ) الْمُخْتَارَةُ لِنَفْسِهَا (لِعَيْبِهِ) بِبَرَصٍ أَوْ جُذَامٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلَا مُتْعَةَ لَهَا وَلَمَّا كَانَ الْإِيلَاءُ قَدْ يَنْشَأُ عَنْهَا الطَّلَاقُ الرَّجْعِيِّ نَاسَبَ ذِكْرَهَا عَقِبَ الرَّجْعَةِ فَقَالَ:
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا الْمُفَوَّضَ لَهَا] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا لَوْ كَانَ التَّفْوِيضُ لِغَيْرِهَا فَلَهَا الْمُتْعَةُ.
قَوْلُهُ: [لِعَيْبِهِ] : مِثْلُهُ مَا إذَا رَدَّهَا لِعَيْبِهَا لِأَنَّهَا غَارَّةٌ قَوْلُهُ: [نَاسَبَ ذِكْرَهَا عَقِبَ الرَّجْعَةِ] : بَحْثٌ فِيهِ بِأَنَّ تَسَبُّبَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ عَنْهَا يَقْتَضِي تَقَدُّمَهُ عَلَى الرَّجْعَةِ، لِأَنَّ السَّبَبَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْمُسَبَّبِ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ نَاسَبَ جَمْعَهُ مَعَ الرَّجْعَةِ، وَبَعْضُهُمْ وَجَّهَ جَمْعَهُمَا بِقَوْلِهِ: إنَّ كُلًّا مِنْ الْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ طَلَاقًا بَائِنًا، وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ كَذَلِكَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا؟ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَلِذَا جَمَعَهُمَا مَعًا وَأَتَى بِهِمَا عَقِبَ الطَّلَاقِ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الرَّجْعَةَ مِنْ تَوَابِعِ الطَّلَاقِ.:
فَصْلٌ فِي الْإِيلَاءِ وَأَحْكَامِهَا (الْإِيلَاءُ) شَرْعًا الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226] الْآيَةَ: (حَلِفُ الزَّوْجِ) لَا السَّيِّدِ (الْمُسْلِمِ) لَا الْكَافِرِ (الْمُكَلَّفِ) لَا الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ (الْمُمْكِنِ وَطْؤُهُ) ، خَرَجَ الْمَجْبُوبُ وَالْخَصِيُّ: أَيْ مَقْطُوعُ الذَّكَرِ، وَالشَّيْخُ الْفَانِي، فَلَا يَنْعَقِدُ لَهُمْ إيلَاءٌ، وَدَخَلَ فِي الزَّوْجِ الْمَذْكُورِ الْعَبْدُ وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْوِقَاعِ وَالسَّكْرَانُ (بِمَا) : مُتَعَلِّقٌ (بِحَلِفُ) أَيْ حَلِفُهُ بِكُلِّ مَا (يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ وَطْءِ زَوْجَتِهِ) الْحُرَّةِ أَوْ الْأَمَةِ،
[حاشية الصاوي]
[فَصْلٌ فِي الْإِيلَاءِ وَأَحْكَامِهِ]
[تَعْرِيف الْإِيلَاء وَمَا يَنْعَقِد بِهِ]
فَصْلٌ هِيَ لُغَةً الِامْتِنَاعُ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَتْ فِيمَا كَانَ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ بِيَمِينٍ، وَشَرْعًا عَرَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: حَلِفُ الزَّوْجِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: [حَلِفُ الزَّوْجِ] : أَيْ بِأَيِّ يَمِينٍ كَانَتْ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [لَا الْكَافِرِ] : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَنْعَقِدُ الْإِيلَاءُ مِنْ الْكَافِرِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: 226] الْآيَةَ فَإِنَّ الْمَوْصُولَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، وَجَوَابَهُ مَنْعُ بَقَاءِ الْمَوْصُولِ عَلَى عُمُومِهِ بِدَلِيلِ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226] فَإِنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَالْمَرِيضُ الَّذِي لَهُ قُدْرَةُ] إلَخْ: أَيْ فَإِنْ مَنَعَهُ فَلَا إيلَاءَ كَمَا فِي عب، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ مَذْهَبَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ كَالصَّحِيحِ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُمْكِنْ وِقَاعُهُ حَالًا يُمْكِنُ مَآلًا كَمَا نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَمَحَلُّ هَذَا مَا لَمْ يُقَيَّدْ بِمُدَّةِ مَرَضِهِ وَإِلَّا فَلَا إيلَاءَ عَلَيْهِ، سَوَاءً كَانَ الْمَرَضُ مَانِعًا مِنْ الْوَطْءِ أَوْ لَا، وَلَوْ طَالَ الْمَرِيضُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الضَّرَرَ فَيُطَلَّقُ عَلَيْهِ حَالًا لِأَجْلِ قَصْدِ الضَّرَرِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [وَالسَّكْرَانُ] : أَيْ بِحَرَامٍ، وَأَمَّا بِحَلَالٍ فَلَا إيلَاءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَالْمَجْنُونِ.
سَوَاءً كَانَ حَلِفُهُ بِاَللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، أَوْ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِالْعِتْقِ، أَوْ بِمَشْيٍ لِمَكَّةَ أَوْ بِالْتِزَامِ قُرْبَةٍ، (غَيْرِ الْمُرْضِعِ) فَلَا إيلَاءَ فِي مُرْضِعٍ لِمَا فِي تَرْكِ وَطْئِهَا مِنْ إصْلَاحِ الْوَلَدِ، (أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) لِلْحُرِّ، (أَوْ) أَكْثَرَ مِنْ (شَهْرَيْنِ لِلْعَبْدِ) وَلَوْ بِشَائِبَةٍ، وَلَا يَنْتَقِلُ لِأَجَلِ الْحُرِّ إنْ عَتَقَ فِي الْأَجَلِ، (تَصْرِيحًا) بِالْأَكْثَرِ (أَوْ احْتِمَالًا) لَهُ وَلِلْأَقَلِّ؛ (قَيَّدَ) بِشَيْءٍ فِي يَمِينِهِ، نَحْوَ: لَا أَطَؤُك فِي هَذِهِ الدَّارِ أَوْ حَتَّى تَسْأَلِينِي، (أَوْ أَطْلَقَ) كَ: وَاَللَّهِ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَلَا إيلَاءَ فِي مُرْضِعٍ] : أَيْ فَإِذَا حَلَفَ لَا يَطَأُ زَوْجَتَهُ مَا دَامَتْ تُرْضِعُ، أَوْ حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهَا، أَوْ مُدَّةَ الرَّضَاعِ فَلَا إيلَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَقَالَ أَصْبَغُ: يَكُونُ مُولِيًا، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَقَوْلُ أَصْبَغَ أَوْفَقُ بِالْقِيَاسِ، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ قَوْلُ مَالِكٍ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا قَصَدَ بِالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ إصْلَاحَ الْوَلَدِ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا وَإِلَّا فَمُولٍ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: [أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ] : وَأَمَّا لَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَقَطْ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا، وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ أَنَّهُ مُولٍ بِذَلِكَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُنْشَأُ الْخِلَافِ الِاخْتِلَافُ فِي فَهْمِ قَوْله تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226] هَلْ الْفَيْئَةُ مَطْلُوبَةٌ خَارِجَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ أَوْ فِيهَا، فَعَلَى الْمَشْهُورِ لَا يُطْلَبُ بِالْفَيْئَةِ إلَّا بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ إلَّا بَعْدَهَا، وَحَيْثُ كَانَتْ الْفَيْئَةُ مَطْلُوبَةً بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَلَا يَكُونُ مُولِيًا، بِالْحَلِفِ بِهَا، وَعَلَى مُقَابِلِهِ يُطْلَبُ بِالْفَيْئَةِ فِيهَا، وَيُطَلَّقُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ مُرُورِهَا، وَتَمَسَّكَ مَنْ قَالَ بِالْمَشْهُورِ بِمَا تُعْطِيهِ الْفَاءُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: 226] ، فَإِنَّهَا تَسْتَلْزِمُ تَأَخُّرَ مَا بَعْدَهَا عَمَّا قَبْلَهَا؛ فَتَكُونُ الْفَيْئَةُ مَطْلُوبَةً بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، وَلِأَنَّ إنْ الشَّرْطِيَّةَ يَصِيرُ الْمَاضِي بَعْدَهَا مُسْتَقْبِلًا، فَلَوْ كَانَتْ مَطْلُوبَةً فِي الْأَرْبَعَةِ لَبَقِيَ مَعْنَى الْمَاضِي بَعْدَهَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ دُخُولِهَا وَهُوَ بَاطِلٌ تَأَمَّلْهُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ لِلْعَبْدِ] : أَيْ لِأَنَّهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ فِي الْحُدُودِ وَهَذَا مِنْهَا.
قَوْله: [فِي هَذِهِ الدَّارِ] : أَيْ فَذِكْرُهُ الدَّارَ قَيْدٌ لِلْحَلِفِ عَلَى عَدَمِ الْوَطْءِ،
لَا يَطَؤُهَا، (وَإِنْ تَعْلِيقًا) كَمَا يَكُونُ تَنْجِيزًا، وَمَثَّلَ لِلتَّعْلِيقِ بِقَوْلِهِ: (كَ: إنْ وَطِئْتُهَا فَعَلَيَّ صَوْمٌ) أَوْ صَوْمُ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ، أَوْ عِتْقُ عَبْدٍ أَوْ عَبْدَيْ فُلَانٍ وَمِثَالُ التَّصْرِيحِ بِالْأَكْثَرِ: وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُك حَتَّى تَمْضِيَ خَمْسَةُ أَشْهُرٍ، أَوْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَمِثَالُ الْمُحْتَمِلِ لِلْأَكْثَرِ: لَا أَطَؤُك حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ مِنْ سَفَرِهِ
(أَوْ) قَالَ: (وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُك حَتَّى تَسْأَلِينِي) وَطْأَكِ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لُزُومًا عُرْفِيًّا إذْ شَأْنُ النِّسَاءِ لَا يَسْأَلْنَ الْأَزْوَاجَ الْوَطْءَ لِمَعَرَّةِ ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ، وَمَشَقَّتِهِ عَلَيْهِنَّ، وَفِيهِ تَقْيِيدُ التَّرْكِ بِسُؤَالِهَا،
(أَوْ) قَالَ: وَاَللَّهِ (لَا أَلْتَقِي مَعَهَا أَوْ لَا أَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ لُزُومًا عَقْلِيًّا فِي الْأَوَّلِ،
[حاشية الصاوي]
وَقَوْلُهُ أَوْ حَتَّى تَسْأَلِينِي سُؤَالُهَا قَيْدٌ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ تَعْلِيقًا] : مُبَالَغَةٌ فِي قَوْلِهِ حَلِفُ الزَّوْجِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُبَالَغَةً فِي زَوْجَتِهِ أَوْ فِي تَرْكِ الْوَطْءِ، لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي لُزُومِ الْإِيلَاءِ بَيْنَ كَوْنِ الْيَمِينِ مُنْجِزَةً أَوْ مُعَلِّقَةً، وَلَا بَيْنَ كَوْنِ تَرْكِ الْوَطْءِ مُنْجَزًا أَوْ مُعَلَّقًا.
قَوْلُهُ: [أَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُكِ حَتَّى تَسْأَلِينِي] : حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهَا: وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُك حَتَّى تَسْأَلِينِي الْوَطْءَ، أَوْ حَتَّى تَسْأَلِينِي لِلْوَطْءِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا وَيُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ، فَإِنْ فَاءَ فِي الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ بِدُونِ سُؤَالٍ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ وَإِلَّا طَلُقَتْ عَلَيْهِ، وَمَحَلُّ كَوْنِهِ مُولِيًا مَا لَمْ يَقَعْ مِنْهَا سُؤَالٌ لِلْوَطْءِ، وَإِلَّا فَتَنْحَلُّ الْإِيلَاءُ بِمُجَرَّدِ سُؤَالِهَا إيَّاهُ، سَوَاءً كَانَ سُؤَالُهَا فِي الْأَجَلِ أَوْ بَعْدَهُ، وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ كَوْنِ مُولِيًا بِحَلِفِهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا حَتَّى تَسْأَلَهُ، هُوَ قَوْلُ ابْنِ سَحْنُونَ وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ وَالِدِهِ بِمُولٍ، وَعَابَ قَوْلَ وَلَدِهِ حِينَ عَرَضَهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا دَرَجَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ ابْنَ رُشْدٍ قَالَ لَا وَجْهَ لِقَوْلِ سَحْنُونَ، وَاسْتَصْوَبَ مَا قَالَهُ وَلَدُهُ نَظَرًا لِمَشَقَّةِ سُؤَالِ الْوَطْءِ عَلَى النِّسَاءِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَلْتَقِي مَعَهَا] : أَيْ مَا لَمْ يَقْصِدْ نَفْيَ الِالْتِقَاءِ فِي مَكَان مُعَيَّنٍ، فَلَيْسَ بِمُولٍ وَيُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا، سَوَاءً رَفَعَتْهُ الْبَيِّنَةُ أَوْ لَا كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلُهُ: [أَوْ لَا أَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ] : اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَغْتَسِلُ مِنْهَا مِنْ جَنَابَةٍ إنْ قَصَدَ مَعْنَاهُ الصَّرِيحَ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِالْغُسْلِ، وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ
وَشَرْعِيًّا فِي الثَّانِي،
(أَوْ) قَالَ: (إنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ) فَهُوَ مُولٍ، وَيَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ مَغِيبِ الْحَشَفَةِ، أَيْ يَلْزَمُهُ طَلَاقُهَا بِهِ فَالنَّزْعُ حَرَامٌ (وَ) الْمُخَلِّصُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ غَيَّبَهَا (نَوَى بِبَقِيَّةِ وَطْئِهِ الرَّجْعَةَ، وَإِنْ) كَانَتْ (غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا) لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ مَغِيبِ الْحَشَفَةِ صَارَتْ مَدْخُولًا بِهَا فَتَصِحُّ رَجْعَتُهَا بِمَا ذَكَرَ فَلَوْ كَانَتْ الْأَدَاةُ تَقْتَضِي التَّكْرَارَ نَحْو: كُلَّمَا وَطِئْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ وَطْئِهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ الثَّلَاثُ أَوْ أَلْبَتَّةَ نَحْوَ: إنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ بِالثَّلَاثِ أَوْ أَلْبَتَّةَ، وَهَلْ يَكُونُ مُولِيًا فَيُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ - فَلَعَلَّهَا أَنْ تَرْضَى بِالْمَقَامِ مَعَهُ بِلَا وَطْءٍ - أَوْ يُنْجِزُ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ حَيْثُ قَامَتْ بِحَقِّهَا فِي الْوَطْءِ؟ قَالَ
[حاشية الصاوي]
خَوْفًا مِنْ الْغُسْلِ الْمُوجِبِ لِحِنْثِهِ كَانَ مُولِيًا وَضُرِبَ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ وَالْحُكْمِ، لَا مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ، وَإِنْ أَرَادَ مَعْنَاهُ اللَّازِمَ وَهُوَ عَدَمُ وَطْئِهَا فَالْحِنْثُ بِالْوَطْءِ، وَيَكُونُ مُولِيًا وَيُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْيَمِينِ الصَّرِيحَةِ فِي تَرْكِ الْوَطْءِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى الصَّرِيحِ أَوْ عَلَى الِالْتِزَامِ؟ احْتِمَالَانِ، وَاسْتَصْوَبَ ابْنُ عَرَفَةَ الثَّانِيَ مِنْهُمَا كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ قَالَ إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ] : حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهَا إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ وَامْتَنَعَ مِنْ وَطْئِهَا خَوْفًا مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا وَيُضْرَبُ لَهُ الْأَجَلُ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ، وَيُمَكَّنُ مِنْ وَطْئِهَا، فَإِنْ اسْتَمَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ وَطْئِهَا حَتَّى انْقَضَى الْأَجَلُ طَلُقَتْ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى الْإِيلَاءِ، وَإِنْ وَطِئَهَا طَلُقَتْ عَلَيْهِ بِمُقْتَضَى التَّعْلِيقِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ، وَحِينَئِذٍ فَالنَّزْعُ حَرَامٌ وَالِاسْتِمْرَارُ حَرَامٌ، فَالْمُخَلِّصُ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ الرَّجْعَةَ بِبَقِيَّةِ وَطْئِهَا، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَمَحَلُّ تَمْكِينِهِ مِنْ وَطْئِهَا إنْ نَوَى بِبَقِيَّةِ وَطْئِهِ الرَّجْعَةَ، وَإِلَّا فَلَا يُمَكَّنُ ابْتِدَاءً مِنْ وَطْئِهَا، لِأَنَّ نَزْعَهُ حَرَامٌ وَالْوَسِيلَةُ لِلْحَرَامِ حَرَامٌ كَمَا قَالَ بْن خِلَافًا لِتَعْمِيمِ عب.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا] : قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ قِيلٌ مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ مِنْ عَدَمِ الْحِنْثِ بِالْبَعْضِ، وَإِلَّا بَانَتْ لِأَنَّ الدُّخُولَ بِجَمِيعِ مَغِيبِ الْحَشَفَةِ.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا لَوْ كَانَ الثَّلَاثُ] إلَخْ: لَا مَفْهُومَ لَهُ، بَلْ الْمَدَارُ عَلَى كَوْنِهِ بَائِنًا.
الْمُصَنِّفُ: وَهُوَ الْأَحْسَنُ، قَوْلَانِ، (وَكَإِنْ) أَيْ وَكَقَوْلِهِ: إنْ (لَمْ أَدْخُلْ) الدَّارَ (فَأَنْتِ طَالِقٌ) فَامْتَنَعَ مِنْ وَطْئِهَا لِيَبَرَّ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا
(لَا) يَكُونُ مُولِيًا (فِي) قَوْلِهِ: (إنْ لَمْ أَطَأْك) ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، لِأَنَّ بِرَّهُ فِي وَطْئِهَا، فَإِنْ امْتَنَعَ وَعَزَمَ عَلَى الضِّدِّ طَلُقَتْ وَإِلَيْهِ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَصُوِّبَ، وَكَانَ أَوَّلًا لَا يَقُولُ بِأَنَّهُ مُولٍ حَيْثُ وَقَفَ عَنْهَا وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ وَضُعِّفَ بِأَنَّ يَمِينَهُ لَيْسَتْ مَانِعَةً لَهُ مِنْ الْوَطْءِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا
(وَلَا) إيلَاءَ (فِي) قَوْلِهِ: (لَأَهْجُرَنَّهَا أَوْ لَا كَلَّمْتهَا) لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْهَجْرِ وَلَا مِنْ عَدَمِ الْكَلَامِ تَرْكُ الْوَطْءِ، إذْ يَطَؤُهَا وَلَا يُكَلِّمُهَا وَيَطَؤُهَا مَعَ الْهَجْرِ فِي مَضْجَعِهَا وَالْمُكُوثِ مَعَهَا، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَلَكِنَّهُ مِنْ الضَّرَرِ الَّذِي لَهَا الْقِيَامُ بِهِ وَالتَّطْلِيقُ عَلَيْهِ بِلَا أَجَلٍ،
(وَلَا) إيلَاءَ (فِي) حَلِفِهِ (لَأَعْزِلَنَّ) عَنْهَا بِأَنْ يُمْنِي خَارِجَ الْفَرْجِ،
(أَوْ) حَلِفِهِ (لَا أَبِيتُ مَعَهَا) فَلَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ، (وَطُلِّقَ عَلَيْهِ) لِأَجْلِ الضَّرَرِ بِذَلِكَ (بِالِاجْتِهَادِ) مِنْ الْحَاكِمِ (بِلَا أَجَلٍ) ، يُضْرَبُ حَيْثُ قَامَتْ بِحَقِّهَا وَشَكَتْ ضَرَرَ الْعَزْلِ أَوْ الْبَيَاتِ مَعَهَا، (كَمَا) يَجْتَهِدُ وَيُطَلِّقُ عَلَيْهِ (لَوْ تَرَكَ الْوَطْءَ) هَذَا إنْ كَانَ حَاضِرًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (غَائِبًا) وَيَكْتُبُ لَهُ: إمَّا أَنْ يَحْضُرَ وَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ وَلَمْ يُطَلِّقْ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ إلَّا أَنْ تَرْضَى بِذَلِكَ كَمَا قَالَ أَصْبَغُ، وَمَعْنَى الِاجْتِهَادِ بِلَا أَجَلٍ: أَنْ يُطَلِّقَ عَلَيْهِ فَوْرًا إنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ مِنْهُ الْعِنَادَ وَالضَّرَرَ، أَوْ يَتَلَوَّمُ لَهُ إنْ رَجَا مِنْهُ تَرْكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ
(أَوْ سَرْمَدَ الْعِبَادَةَ) : أَيْ دَاوَمَهَا
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [قَالَ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ الْأَحْسَنُ] : أَيْ لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ يُنْجَزُ عَلَيْهِ الثَّلَاثُ مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ، وَلَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ، وَاسْتَحْسَنَهُ سَحْنُونَ وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي ضَرْبِ الْأَجَلِ لِحِنْثِهِ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ وَبَاقِي الْوَطْءِ حَرَامٌ.
قَوْلُهُ: [أَوْ الْبَيَاتِ مَعَهَا] : الْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ عَدَمَ الْبَيَاتِ قَوْلُهُ: [بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ] : أَيْ وَلَوْ زَادَ عَلَى أَجَلِ الْإِيلَاءِ.
تَنْبِيهٌ:
لَا يَلْزَمُ الرَّجُلَ إيلَاءٌ إنْ لَمْ يُلْزِمُهُ بِيَمِينِهِ حُكْمٌ كَقَوْلِهِ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ حُرٌّ إنْ وَطِئْتُكِ، أَوْ كُلُّ دِرْهَمٍ أَمْلِكُهُ صَدَقَةً، أَوْ خَصَّ بَلَدًا قُبِلَ مِلْكُهُ مِنْهَا كَقَوْلِهِ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ مِنْ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ حُرٌّ إنْ وَطِئْتُك، وَلَا يَكُونُ مُولِيًا
بِقِيَامِ اللَّيْلِ وَصَوْمِ النَّهَارِ، وَتَرْكِ زَوْجَتِهِ بِلَا وَطْءٍ فَيُقَالُ لَهُ: إمَّا أَنْ تَأْتِيَهَا أَوْ تُطَلِّقَهَا، أَوْ يُطَلَّقُ عَلَيْك بِلَا ضَرْبِ أَجَلِ إيلَاءٍ،
ثُمَّ إنْ ضَرَبَ الْأَجَلَ لِلْمُولِي حَيْثُ قَامَتْ الْمَرْأَةُ بِحَقِّهَا فِي تَرْكِ الْوَطْءِ وَرَفَعَتْهُ لِلْحَاكِمِ
(فَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى زَوْجِهَا وَرَفَعَتْهُ (تُرُبِّصَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) إنْ كَانَ حُرًّا، (أَوْ شَهْرَيْنِ) إنْ كَانَ عَبْدًا وَهَذَا هُوَ الْأَجَلُ.
فَالْيَمِينُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ الَّذِي يُضْرَبُ لَهَا الْأَجَلُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ بِتَرْكِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَوْ بِقَلِيلٍ فِي الْحُرِّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ فِي الْعَبْدِ، وَالْأَجَلُ الْمَضْرُوبُ أَرْبَعَةٌ فَقَطْ فِي الْأَوَّلِ وَشَهْرَانِ فَقَطْ فِي الثَّانِي.
(وَالْأَجَلُ) الْمَذْكُورُ ابْتِدَاؤُهُ (مِنْ يَوْمِ الْيَمِينِ إنْ دَلَّتْ) يَمِينُهُ (عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ) صَرِيحًا إنْ كَانَتْ صَرِيحَةً فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُهَا أَكْثَرَ
[حاشية الصاوي]
فِي هَذَا الْأَخِيرِ إلَّا إذَا مَلَكَ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ بِالْفِعْلِ قَبْلَ الْوَطْءِ، وَإِلَّا فَبِالْوَطْءِ يَنْحَلُّ الْإِيلَاءُ، وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ مَا مَلَكَهُ مِنْهَا، أَوْ حَلَفَ لَا أَطَؤُك فِي هَذِهِ السَّنَةِ إلَّا مَرَّتَيْنِ فَلَا يَلْزَمُهُ إيلَاءٌ، لِأَنَّهُ يَتْرُكُ وَطْأَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ يَتْرُكُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ يَطَأُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَهِيَ دُونَ أَجَلِ الْإِيلَاءِ، أَوْ حَلَفَ لَا يَطَأُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً فَلَا يَلْزَمُهُ إيلَاءٌ حَتَّى يَطَأَ، وَتَبْقَى مُدَّةً أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لِلْحُرِّ وَشَهْرَيْنِ لِلْعَبْدِ كَذَا فِي الْأَصْلِ
قَوْلُهُ: [ثُمَّ إنْ ضَرَبَ الْأَجَلَ] إلَخْ: هَذَا دُخُولٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ، وَلَكِنَّهُ نَاقِصٌ فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَرَفَعَتْهُ لِلْحَاكِمِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ قَامَتْ إلَخْ.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا هُوَ الْأَجَلُ] : أَيْ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْآيَةِ بِطَرِيقِ النَّصِّ وَالْقِيَاسِ، فَالنَّصُّ: الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرُ لِلْحُرِّ، وَالْقِيَاسُ: الشَّهْرَانِ لِلْعَبْدِ.
قَوْلُهُ: [ابْتِدَاؤُهُ مِنْ يَوْمِ الْيَمِينِ] : هَذَا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا مُطِيقَةً، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُطِيقَةِ فَالْأَجَلُ فِيهَا مِنْ يَوْمِ الْإِطَاقَةِ.
قَوْلُهُ: [إنْ دَلَّتْ يَمِينُهُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ صَرِيحًا] : مِنْ هَذَا إلَى قَوْلِهِ وَلَمْ تَحْتَمِلْ أَقَلَّ، وَلَمْ تَكُنْ عَلَى حِنْثٍ هُوَ الْقَسَمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ الْآتِيَةِ، وَتَحْتَهُ صُورَتَانِ: الصَّرَاحَةُ وَالِالْتِزَامُ، وَقَوْلُهُ وَإِنْ احْتَمَلَتْ يَمِينُهُ أَقَلَّ هَذَا هُوَ الْقَسَمُ
مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ مُدَّةَ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ، أَوْ لَا أَطَؤُهَا أَبَدًا أَوْ حَتَّى أَمُوتَ أَوْ تَمُوتِي، أَوْ أَطْلَقَ كَ: وَاَللَّهِ لَا أَطَؤُك أَيْ لِأَنَّ الْأَبَدِيَّةَ تُلْزِمُهُ الْأَكْثَرِيَّةَ، أَوْ الْتِزَامًا كَ: لَا أَلْتَقِي مَعَهَا أَوْ لَا أَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَمْ تَحْتَمِلْ أَقَلَّ وَلَمْ تَكُنْ عَلَى حِنْثٍ، بَلْ (وَإِنْ احْتَمَلَتْ) (أَقَلَّ) مِنْ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَأَكْثَرَ نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَا يَطَؤُهَا حَتَّى يَقْدَمَ زَيْدٌ مِنْ سَفَرِهِ وَلَا يُعْلَمُ وَقْتُ قُدُومِهِ، أَوْ حَتَّى يَمُوتَ زَيْدٌ فَإِنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ لِلْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ، فَالْأَجَلُ وَقْتُ الْيَمِينِ (أَوْ كَانَتْ عَلَى حِنْثٍ) نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَا يَطَؤُهَا إنْ لَمْ أَدْخُلْ الدَّارَ.
فَإِنْ لَمْ تَدُلَّ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ، وَإِنَّمَا اسْتَلْزَمَتْهُ، وَذَلِكَ فِي يَمِينِ الْحِنْثِ، فَالْأَجَلُ مِنْ يَوْمِ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
(إلَّا أَنْ تَسْتَلْزِمَهُ) : أَيْ لَكِنْ إنْ اسْتَلْزَمَتْ يَمِينُهُ تَرْكَ الْوَطْءِ، (وَهِيَ) أَيْ يَمِينُهُ مُنْعَقِدَةٌ (عَلَى حِنْثٍ، فَمِنْ) يَوْمِ (الْحُكْمِ) عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مُولٍ يُضْرَبُ لَهُ الْأَجَلُ أَيْ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لِلْحُرِّ، أَوْ الشَّهْرَانِ لِلْعَبْدِ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ: (كَ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ) كَذَا نَحْوَ إنْ لَمْ أَدْخُلْ الدَّارَ (فَأَنْتِ طَالِقٌ) فَهَذِهِ يَمِينُ حِنْثٍ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ تَرْكِ الْوَطْءِ، بَلْ عَلَّقَ فِيهَا الطَّلَاقَ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ، (فَامْتَنَعَ عَنْهَا) أَيْ عَنْ زَوْجَتِهِ أَيْ عَنْ وَطْئِهَا (حَتَّى يَفْعَلَ) الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، بِأَنْ يَدْخُلَ الدَّارَ لِيَبَرَّ فَرَفَعَتْهُ لِلْحَاكِمِ فَأَمَرَهُ لِيَبَرَّ فَلَمْ يُعَجِّلْ الدُّخُولَ، فَيُضْرَبُ لَهُ الْأَجَلُ مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، بِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَدْخُلْ يَكُونُ مُولِيًا، وَفَائِدَةُ كَوْنِ ضَرْبِ الْأَجَلِ فِي الصَّرِيحِ مِنْ وَقْتِ الْيَمِينِ، وَفِي الْمُسْتَلْزِمَةِ مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ، أَنَّهَا إنْ رَفَعَتْهُ فِي
[حاشية الصاوي]
الثَّانِي مِنْ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ، وَتَحْتَهُ صُورَتَانِ أَيْضًا: وَهُوَ كَوْنُ الْيَمِينِ صَرِيحَةً فِي تَرْكِ الْوَطْءِ، أَوْ مُسْتَلْزِمَةً وَقَوْلُهُ: أَوْ كَانَتْ عَلَى حِنْثٍ هَذَا هُوَ الْقَسَمُ الثَّالِثُ، وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ تَسْتَلْزِمَهُ وَهِيَ عَلَى حِنْثٍ هَذَا هُوَ الْقَسَمُ الرَّابِعُ وَسَيَأْتِي إيضَاحُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [بَلْ وَإِنْ احْتَمَلَتْ يَمِينُهُ أَقَلَّ] : رَدٌّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى مَنْ يَقُولُ إنَّ الْأَجَلَ فِي هَذِهِ مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ، فَأَفَادَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْأَجَلَ فِيهَا مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ كَمَا هُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ
قَوْلُهُ: [أَوْ كَانَتْ عَلَى حِنْثٍ] : أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي تَرْكِ الْوَطْءِ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَفَائِدَةُ كَوْنِ ضَرْبِ الْأَجَلِ فِي الصَّرِيحِ] : أَيْ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ وَقَوْلُهُ وَفِي
الدَّالَّةِ عَلَى التَّرْكِ صَرِيحًا أَوْ الْتِزَامًا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ لِلْعَبْدِ، لَمْ يَضْرِبْ لَهُ الْأَجَلَ وَإِنَّمَا يَأْمُرُهُ بِالْفَيْئَةِ، أَوْ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ وَإِنْ رَفَعَتْهُ بَعْدَ شَهْرَيْنِ لِلْحُرِّ أَوْ شَهْرٍ لِلْعَبْدِ ضَرَبَ لَهُ شَهْرَيْنِ، فِي الْحُرِّ وَشَهْرًا لِلْعَبْدِ وَهَكَذَا، وَإِنْ رَفَعَتْهُ فِي الْمُسْتَلْزِمَةِ فَمِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ وَلَوْ تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ وَقْتِ التَّعْلِيقِ زَمَنٌ كَثِيرٌ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْحَالِفَ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ يُسَمَّى مُولِيًا مِنْ وَقْتِ يَمِينِهِ، وَالْحَلِفُ عَلَى شَيْءٍ اقْتَضَى التَّرْكَ، فَإِنَّمَا يَكُونُ مُولِيًا مِنْ وَقْتِ الرَّفْعِ أَيْ الْحُكْمِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ هُوَ الْمَنْقُولُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخِ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.
[حاشية الصاوي]
الْمُسْتَلْزِمَةِ الَّتِي عَلَى حِنْثٍ.
قَوْلُهُ: [وَالْحَلِفُ عَلَى شَيْءٍ اقْتَضَى التَّرْكَ] : أَيْ فِي مَوْضُوعِ صِيغَةِ الْحِنْثِ.
قَوْلُهُ: [وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ] : أَيْ الَّتِي أَفَادَهَا مِنْ قَوْلِهِ وَالْأَجَلُ مِنْ يَوْمِ الْيَمِينِ إلَى هُنَا، فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ: هُوَ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ صَرِيحًا أَوْ الْتِزَامًا، وَالْمُدَّةُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ صَرَاحَةً.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: هُوَ الْحَلِفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ صَرِيحًا أَوْ الْتِزَامًا، وَالْمُدَّةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِّ مَوْضُوعُ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ الْبِرُّ، بِخِلَافِ الْأَخِيرَيْنِ فَمَوْضُوعُهُمَا الْحِنْثُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ يَمِينُهُ عَلَى حِنْثٍ وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي تَرْكِ الْوَطْءِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ وَكَوْنُهَا عَلَى حِنْثٍ وَلَمْ تَكُنْ صَرِيحَةً فِي تَرْكِ الْوَطْءِ، وَإِنَّمَا اسْتَلْزَمَتْهُ فَأَفَادَك أَنَّ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ الْأَجَلُ فِيهَا مِنْ يَوْمِ الْيَمِينِ، وَفِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ مِنْ يَوْمِ حَكَمَ الْحَاكِمُ، وَإِذَا تَأَمَّلْت تَجِدَ الْأَقْسَامَ الْأَرْبَعَةَ تَرْجِعُ إلَى صُوَرٍ سِتٍّ، لِأَنَّ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مُشْتَمِلَانِ عَلَى صُوَرٍ أَرْبَعٍ، لِأَنَّ الْيَمِينَ إمَّا صَرِيحَةً فِي تَرْكِ الْوَطْءِ أَوْ مُسْتَلْزِمَةً، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ الْمَحْلُوفُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ صَرَاحَةً أَوْ احْتِمَالًا، وَيُضَمُّ لِتِلْكَ الْأَرْبَعِ الْحِنْثُ بِقِسْمَيْهِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخِ] : أَيْ لِقَوْلِهِ: " لَا إنْ احْتَمَلَتْ مُدَّةُ يَمِينِهِ أَقَلَّ " فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمُحْتَمِلَةَ الْمُدَّةُ الْيَمِينُ فِيهَا مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يَفْصِلْ فِيهَا بَيْنَ بِرٍّ وَحِنْثٍ وَقَدْ عَلِمْت التَّفْصِيلَ فِيهَا
وَبَقِيَ مَنْ ظَاهَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ بِأَنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَامْتَنَعَ مِنْ وَطْئِهَا حَتَّى يُكَفِّرَ، فَرَفَعَتْهُ، هَلْ يُضْرَبُ لَهُ الْأَجَلُ مِنْ يَوْمِ الْيَمِينِ أَيْ الظِّهَارِ؟ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ الْأَرْجَحُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَتْ الْمُدَوَّنَةُ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ، وَلِذَا اقْتَصَرْنَا عَلَيْهِ بِقَوْلِنَا:
(وَالْمُظَاهِرُ - إنْ قَدَرَ عَلَى التَّكْفِيرِ وَامْتَنَعَ) مِنْهُ فَلَمْ يُكَفِّرْ (كَالْأَوَّلِ) : أَيْ كَاَلَّذِي يَمِينُهُ صَرِيحَةٌ فِي تَرْكِ الْوَطْءِ يُضْرَبُ لَهُ الْأَجَلُ مِنْ وَقْتِ الظِّهَارِ أَوْ كَانَ الثَّانِي يُضْرَبُ لَهُ الْأَجَلُ مِنْ يَوْمِ الْحُكْمِ أَوْ مِنْ يَوْمِ تَبَيَّنَ ضَرَرُهُ وَهُوَ يَوْمُ الِامْتِنَاعِ مِنْ التَّكْفِيرِ، وَعَلَيْهِ تُؤُوِّلَتْ أَقْوَالٌ، وَقَوْلُهُ: " إنْ قَدَرَ " إلَخْ مَفْهُومُهُ إنْ عَجَزَ عَنْ التَّكْفِيرِ لَا يَكُونُ مُولِيًا وَهُوَ كَذَلِكَ لِعُذْرِهِ بِالْعَجْزِ، فَيُطَلَّقُ عَلَيْهِ إنْ أَرَادَتْ لِلضَّرَرِ بِلَا ضَرْبِ أَجَلٍ بَلْ الِاجْتِهَادِ.
(كَالْعَبْدِ) يُظَاهِرُ مِنْ زَوْجَتِهِ، وَكَفَّارَتِهِ بِالصَّوْمِ فَقَطْ (أَبَى) : أَيْ امْتَنَعَ مِنْ (أَنْ يَصُومَ) وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، (أَوْ مُنِعَ مِنْهُ) : أَيْ مَنَعَهُ السَّيِّدُ مِنْ الصَّوْمِ (بِوَجْهٍ جَائِزٍ) ، بِأَنْ كَانَ صَوْمُهُ يَضُرُّ بِسَيِّدِهِ فِي خِدْمَتِهِ أَوْ خَرَاجِهِ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَقْوَالٌ] : أَيْ ثَلَاثَةٌ مَحَلُّهَا مَا لَمْ يُعَلِّقْ ظِهَارَهُ عَلَى وَطْئِهَا، وَأَمَّا لَوْ عَلَّقَ ظِهَارَهُ عَلَى وَطْئِهَا بِأَنْ قَالَ لَهَا: إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا وَالْأَجَلُ مِنْ يَوْمِ الْيَمِينِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِذَا تَمَّ الْأَجَلُ فَلَا تُطَالِبُهُ بِالْفَيْئَةِ وَإِنَّمَا يُطْلَبُ مِنْهُ الطَّلَاقُ، أَوْ تَبْقَى بِلَا وَطْءٍ، فَإِنْ تَجَرَّأَ وَوَطِئَ انْحَلَّتْ عَنْهُ الْإِيلَاءُ وَلَزِمَهُ الظِّهَارُ.
قَوْلُهُ: [لَا يَكُونُ مُولِيًا] : قَيَّدَهُ اللَّخْمِيُّ بِمَا إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ الْعَجْزُ بَعْدَ عَقْدِ الظِّهَارِ، أَمَّا إنْ عَقَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِالْعَجْزِ فَاخْتُلِفَ، هَلْ يُطَلَّقُ عَلَيْهِ حَالًا لِقَصْدِ الضَّرَرِ بِالظِّهَارِ، أَوْ بَعْدَ ضَرْبِ أَجَلِ الْإِيلَاءِ وَانْقِضَائِهِ رَجَاءَ أَنْ يُحْدِثَ اللَّهُ لَهُ قُدْرَةً عَلَى التَّكْفِيرِ، أَوْ يُحْدِثَ لَهَا رَأْيًا بِالْإِقَامَةِ مَعَهُ بِلَا وَطْءٍ.
قَوْلُهُ: [أَيْ امْتَنَعَ مِنْ أَنْ يَصُومَ] إلَخْ: فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ فَكَالْحُرِّ لَا يَدْخُلُهُ إيلَاءٌ وَلَا حُجَّةَ لِزَوْجَتِهِ.
قَوْلُهُ: [بِوَجْهٍ جَائِزٍ] إلَخْ: مَفْهُومُهُ لَوْ مَعَهُ بِوَجْهٍ غَيْرِ جَائِزٍ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَرُدُّهُ عَنْهُ.
عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ إنْ رَفَعَتْهُ، لَكِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ: " إنْ رَفَعَتْهُ " أَنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْإِيلَاءُ وَمَا لَا تَنْعَقِدُ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا تَنْحَلُّ بِهِ إذَا انْعَقَدَتْ فَقَالَ:
(وَانْحَلَّ الْإِيلَاءُ بِزَوَالِ مِلْكِ مَنْ حَلَفَ) عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ (بِعِتْقِهِ) ، بِأَنْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى الْوَطْءِ، فَإِذَا قَالَ: إنْ وَطِئْتُكِ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَإِنَّهُ إنْ امْتَنَعَ مِنْ وَطْئِهَا يَكُونُ مُولِيًا وَالْأَجَلُ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ لِدَلَالَتِهَا عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ، فَإِذَا زَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْعَبْدِ بِمَوْتِهِ أَوْ تَنْجِيزِ عِتْقِهِ أَوْ هِبَتِهِ أَوْ بَيْعِهِ، فَإِنَّ الْإِيلَاءَ تَنْحَلُّ عَنْهُ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ وَطْئِهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَمُضَارِرٌ، يُطَلَّقُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَتْ لِلضَّرَرِ بِلَا ضَرْبِ أَجَلٍ (إلَّا أَنْ يَعُودَ) الْعَبْدُ (لَهُ) أَيْ لِمِلْكِهِ (بِغَيْرِ إرْثٍ) ، فَيَعُودُ عَلَيْهِ الْإِيلَاءُ إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ مُطْلَقَةً أَوْ مُقَيَّدَةً بِزَمَنٍ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَلَوْ عَادَ الْعَبْدُ إلَيْهِ بِإِرْثٍ فَلَا تَعُودُ عَلَيْهِ الْإِيلَاءُ، لِأَنَّ الْإِرْثَ يَدْخُلُ بِهِ الْعَبْدُ فِي مِلْكِ الْوَارِثِ بِالْجَبْرِ.
(وَ) انْحَلَّ الْإِيلَاءُ (بِتَعْجِيلِ) مُقْتَضَى (الْحِنْثِ) كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ وَطِئْتُكِ فَزَوْجَتِي فُلَانَةَ طَالِقٌ، أَوْ فَعَلَيَّ عِتْقُ عَبْدِي فُلَانٍ، أَوْ التَّصَدُّقُ بِهَذَا الدِّرْهَمِ، أَوْ هَذَا الْعَبْدِ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ عَجَّلَ طَلَاقَ الزَّوْجَةِ الْمَذْكُورَةِ بَائِنًا، أَوْ الصَّدَقَةَ بِالشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ، أَوْ عِتْقَ الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ، فَإِنَّهَا تَنْحَلُّ يَمِينُهُ، فَقَوْلُهُ: " وَبِتَعْجِيلِ الْحِنْثِ " أَيْ تَعْجِيلِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحِنْثُ لَوْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ إذْ لَيْسَ فِي تَعْجِيلِ مَا ذَكَرَ حِنْثٌ
[حاشية الصاوي]
[مَا يَنْحَلُّ الْإِيلَاء بِهِ إذَا انْعَقَدَ]
قَوْلُهُ: [بِزَوَالِ مِلْكٍ] : وَسَوَاءً كَانَ زَوَالُهُ اخْتِيَارِيًّا لِلْحَالِفِ أَمْ لَا كَبَيْعِ السُّلْطَانِ لَهُ فِي فَلَسِهِ.
قَوْلُهُ: [بِمَوْتِهِ] إلَخْ: مِثْلُهُ الْبَيْعُ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى زَوَالِ الْمِلْكِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: [فَيَعُودُ عَلَيْهِ الْإِيلَاءُ] : أَيْ سَوَاءً كَانَتْ يَمِينُهُ صَرِيحَةً أَوْ مُحْتَمِلَةً عَلَى الْمَذْهَبِ، وَسَوَاءً عَادَ لِمِلْكِهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، فَلَوْ عَادَ مِلْكُهُ لِبَعْضِهِ وَقُلْتُمْ بِعَوْدِ الْإِيلَاءِ وَطُولِبَ بِالْفَيْئَةِ، وَوَطِئَ عَتَقَ عَلَيْهِ مَا مَلَكَهُ مِنْهُ وَقُوِّمَ عَلَيْهِ بَاقِيهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا.
قَوْلُهُ: [فَلَوْ عَادَ الْعَبْدُ إلَيْهِ بِإِرْثٍ] : أَيْ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ بِالْإِرْثِ فَقَطْ، وَأَمَّا عَوْدٌ بِالْإِرْثِ وَبَعْضُهُ بِغَيْرِهِ فَكَعَوْدِهِ كُلِّهِ بِغَيْرِ إرْثٍ فَيَعُودُ الْإِيلَاءُ.
قَوْلُهُ: [أَيْ تَعْجِيلِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحِنْثُ] : أَوَ يُرَادُ بِالْحِنْثِ هُنَا
لِأَنَّ الْحِنْثَ مُخَالَفَةُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ.
(وَ) انْحَلَّ الْإِيلَاءُ (بِتَكْفِيرِ مَا يُكَفَّرُ) مِنْ الْأَيْمَانِ وَهُوَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ أَوْ صِفَاتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا يَطَؤُهَا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ فَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ قَبْلَ وَطْئِهِ.
(وَإِلَّا) تَنْحَلُّ إيلَاؤُهُ بِوَجْهٍ مِمَّا سَبَقَ بِأَنْ اسْتَمَرَّتْ مُنْعَقِدَةً عَلَيْهِ، (فَلَهَا) : أَيْ الزَّوْجَةِ إنْ كَانَتْ حُرَّةً وَلَوْ صَغِيرَةً مُطِيقَةً لَا لِوَلِيِّهَا، (وَلِسَيِّدِهَا) إنْ كَانَتْ أَمَةً لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْوَلَدِ (الْمُطَالَبَةُ بَعْدَ) مُضِيِّ (الْأَجَلِ بِالْفَيْئَةِ: وَهِيَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي قُبُلٍ) وَلَمَّا كَانَ تَغْيِيبُهَا قَدْ لَا يُزِيلُ الْبَكَارَةَ فِي الْبِكْرِ وَهُوَ غَيْرُ كَافٍ قَالَ: (وَافْتِضَاضُ الْبِكْرِ) فَلَا فَيْئَةَ بِدُونِهِ، وَإِنْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ (إنْ حَلَّ) تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ: أَيْ أَنَّ شَرْطَ الْوَطْءِ الْكَافِي أَنْ يَكُونَ حَلَالًا
[حاشية الصاوي]
مَا يُوجِبُهُ الْحِنْثُ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ] : أَيْ مِثْلُهُ النَّذْرُ الْمُبْهَمُ كَقَوْلِهِ إنْ وَطِئْتُك فَعَلَيَّ نَذْرٌ.
[الْمُطَالَبَةُ بِالْفَيْئَةِ بَعْدَ مُضِيِّ أَجَلِ الْإِيلَاء]
قَوْلُهُ: [وَلَوْ صَغِيرَةً] : أَيْ أَوْ سَفِيهَةً أَوْ مَجْنُونَةً فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ حَالَ إفَاقَتِهَا، وَلَا يَثْبُتُ لَهَا طَلَبٌ فِي حَالِ جُنُونِهَا، وَمِثْلُهَا الْمُغْمَى عَلَيْهَا وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِمَا كَلَامٌ حَالَ الْإِغْمَاءِ أَوْ الْجُنُونِ، بَلْ تَنْتَظِرُ إفَاقَتَهُمَا.
قَوْلُهُ: [وَلِسَيِّدِهَا] : أَيْ وَكَذَا لَهَا لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْوَطْءِ لَهَا وَفِي الْوَلَدِ لِلسَّيِّدِ لِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ الْبَاجِيِّ عَنْ أَصْبَغَ: فَلَوْ تَرَكَ سَيِّدُهَا وَقْفَهُ، فَهَلْ لَهَا وَقْفُهُ؟ وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ لَوْ تَرَكَتْ الْأَمَةُ وَقْفَ زَوْجِهَا الْمَوْلَى كَانَ لِسَيِّدِهَا وَقْفُهُ (اهـ) . وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ يُرْجَى مِنْهَا وَلَدٌ، أَمَّا إنْ كَانَ لَا يُرْجَى كَانَ لَهَا الْحَقُّ خَاصَّةً.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ] : أَيْ كُلِّهَا أَوْ قَدْرِهَا مِمَّنْ لَا حَشَفَةَ لَهُ، وَقَوْلُهُ فِي الْقُبُلِ أَيْ فِي مَحَلِّ الْبَكَارَةِ لَا مَحَلِّ الْبَوْلِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ الِانْتِشَارُ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ؟ الْمَأْخُوذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ، قَالَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ: يَنْبَغِي اشْتِرَاطُهُ كَالتَّحْلِيلِ لِعَدَمِ حُصُولِ مَقْصُودِهَا الَّذِي هُوَ إزَالَةُ الضَّرَرِ بِدُونِهِ، وَالظَّاهِرُ الِاكْتِفَاءُ بِالِانْتِشَارِ وَلَوْ دَخَلَ الْفَرْجَ، وَعَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِتَغْيِيبِهَا مَعَ لَفِّ خِرْقَةٍ تَمْنَعُ اللَّذَّةَ أَوْ كَمَالَهَا.
قَوْلُهُ: [فِي قُبُلٍ] : أَيْ لَا فِي الدُّبُرِ وَلَا بَيْنَ الْفَخْذَيْنِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ] : أَيْ لِأَنَّ الْحِنْثَ يَحْصُلُ بِأَدْنَى سَبَبٍ.
فَلَا يَكْفِي الْحَرَامُ كَمَا فِي الْحَيْضِ وَالْإِحْرَامِ، فَيُطْلَبُ بِالْفَيْئَةِ بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ، وَإِنْ حَنِثَ بِالْحَرَامِ فَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَلَا تَنْحَلُّ الْإِيلَاءُ، (وَلَوْ) كَانَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْقُبُلِ وَافْتِضَاضُ الْبِكْرِ (مِنْ مَجْنُونٍ) فَإِنَّهُ كَافٍ فِي انْحِلَالِ الْإِيلَاءِ، بِخِلَافِ جُنُونِهَا.
(فَإِنْ امْتَنَعَ) مِنْ وَطْئِهَا بَعْد أَنْ طَلَبَتْهُ هِيَ أَوْ سَيِّدُهَا (طُلِّقَ عَلَيْهِ بِلَا تَلَوُّمٍ) ، بَعْدَ أَنْ يَأْمُرَهُ الْحَاكِمُ بِالطَّلَاقِ فَيَمْتَنِعَ، (وَإِلَّا) يَمْتَنِعَ بِأَنْ وَعَدَ بِالْفَيْئَةِ أَيْ وَلَمْ يَفِ (اُخْتُبِرَ الْمَرَّةَ فَالْمَرَّةَ) إلَى ثَلَاثٍ، (فَإِنْ لَمْ يَفِ أُمِرَ بِالطَّلَاقِ) فَإِنْ طَلَّقَ فَوَاضِحٌ (وَإِلَّا) يُطَلِّقْ (طُلِّقَ عَلَيْهِ) . (وَصُدِّقَ) فِي الْوَطْءِ (إنْ ادَّعَاهُ) وَخَالَفَتْهُ (بِيَمِينٍ) (فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ) أَنَّهُ لَمْ يَفِ (وَبَقِيَتْ عَلَى حَقِّهَا) مِنْ الطَّلَبِ، فَإِنْ لَمْ تَحْلِفْ بَقِيَتْ زَوْجَةً كَمَا لَوْ حَلَفَ، وَمَحَلُّ كَوْنِ الْفَيْئَةِ مَغِيبَ الْحَشَفَةِ فِي الْقُبُلِ مَعَ الِافْتِضَاضِ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَلَا تَنْحَلُّ الْإِيلَاءُ] : أَيْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حِنْثِهِ وَلُزُومُ الْكَفَّارَةِ لَهُ انْحِلَالُ يَمِينِهِ، لِأَنَّ حِلَّ الْإِيلَاءِ بِالْوَطْءِ شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا، فَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ حَرَامًا حَصَلَ الْحِنْثُ وَلَا تَنْحَلُّ الْإِيلَاءُ، لِأَنَّ الْمَعْدُومَ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا فَمَا هُنَا يُقَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَتَكْفِيرُ مَا يُكَفَّرُ.
قَوْلُهُ: [مِنْ مَجْنُونٍ] : مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ وَطْءَ الْمَجْنُونِ فِي حَالِ جُنُونِهِ فَيْئَةٌ تَنْحَلُّ بِهِ الْإِيلَاءُ هُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَأَصْبَغُ وَابْنُ رُشْدٍ، وَاللَّخْمِيُّ وَعَبْدُ الْحَقِّ خِلَافًا لِابْنِ شَاسٍ ابْنِ الْحَاجِبِ
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ جُنُونِهَا] : أَيْ فَإِنَّ وَطْأَهَا فِي حَالَتِهِ لَغْوٌ لَا تَنْحَلُّ بِهِ الْإِيلَاءُ وَإِنْ حَنِثَ فِي الْيَمِينِ.
قَوْلُهُ: [طُلِّقَ عَلَيْهِ بِلَا تَلَوُّمٍ] : أَيْ وَيَجْرِي هُنَا الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ فِي امْرَأَةِ الْمُعْتَرِضِ مِنْ كَوْنِهِ يُطَلِّقُ الْحَاكِمُ أَوْ يَأْمُرُهَا بِهِ، ثُمَّ يَحْكُمُ.
قَوْلُهُ: [اُخْتُبِرَ] : أَيْ يُؤَخِّرُهُ الْحَاكِمُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ وَيَكُونُ اخْتِبَارُ الْمَرَّاتِ الثَّلَاثِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ: [حَلَفَتْ] : أَيْ إنْ كَانَتْ بَالِغَةً عَاقِلَةً، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ مَجْنُونَةً أَوْ صَغِيرَةً سَقَطَتْ عَنْهَا الْيَمِينُ وَطَلُقَتْ عَلَيْهِ حَالًا.
فِي الْبِكْرِ، إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْمَرِيضِ وَالْمَحْبُوسِ وَالْغَائِبِ، وَمَنْ يَمْتَنِعُ وَطْؤُهَا شَرْعًا لِحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَنَحْوِهِمَا.
(وَفَيْئَةُ الْمَرِيضِ وَالْمَحْبُوسِ وَنَحْوِهِمَا) إنَّمَا تَكُونُ (بِمَا تَنْحَلُّ بِهِ) الْإِيلَاءُ مِنْ زَوَالِ مِلْكٍ وَتَكْفِيرٍ مَا يُكَفَّرُ، وَتَعْجِيلِ مُقْتَضَى الْحِنْثِ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنُ انْحِلَالُهَا) بِمَا ذَكَرَ (كَطَلَاقٍ فِيهِ رَجْعَةٌ) وَهُوَ غَيْرُ الْبَائِنِ - (فِيهَا) : أَيْ فِي الْمُولِي مِنْهَا (أَوْ فِي غَيْرِهَا) - كَقَوْلِهِ: إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ، أَوْ إنْ وَطِئْتُكِ فَفُلَانَةُ طَالِقٌ كَذَلِكَ، فَلَا يُمْكِنُ انْحِلَالُهَا بِطَلَاقِهَا رَجْعِيًّا، لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا كَذَلِكَ فَالْيَمِينُ مُنْعَقِدَةٌ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ يَلْزَمُهُ طَلَاقُهَا طَلْقَةً أُخْرَى فَلَا فَائِدَةَ فِي تَعْجِيلِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَكَذَا إنْ طَلَّقَ ضَرَّتَهَا طَلَاقًا رَجْعِيًّا ثُمَّ وَطِئَهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي ضَرَّتِهَا طَلْقَةٌ ثَانِيَةٌ، وَمِثْلُ ذَلِكَ أَوْ قَالَ إنْ وَطِئْتُك فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ أَوْ صَدَقَةٌ بِدِينَارٍ، فَلَا يُمْكِنُ انْحِلَالُهَا بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ بِدِينَارٍ قَبْلَ الْحِنْثِ، إذْ لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا أَوْ تَصَدَّقَ بِدِينَارٍ ثُمَّ وَطِئَ لَزِمَهُ عِتْقُ رَقَبَةٍ أُخْرَى وَصَدَقَةٌ بِدِينَارٍ آخَرَ، فَالْفَيْئَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ تَكُونُ بِالْوَعْدِ بِالْوَطْءِ إذَا زَالَ مَانِعُ الْمَرَضِ أَوْ السَّجْنِ أَوْ نَحْوِهِمَا، لَا بِالْوَطْءِ لِتَعَذُّرِهِ بِالْمَرَضِ أَوْ السَّجْنِ، وَلَا بِالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ، وَلَا عِتْقِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَلَا الصَّدَقَةِ بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ إذْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَلَزِمَهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَا فَائِدَةَ فِي فِعْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا صَوْمٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ أَوْ صَوْمُ زَمَنٍ مُعَيَّنٍ كَرَجَبٍ وَلَمْ يَأْتِ زَمَنُهُ، فَإِنَّهُ إنْ صَامَ قَبْلَ مَجِيءِ زَمَنِهِ ثُمَّ وَطِئَ لَزِمَهُ صَوْمُهُ إذَا جَاءَ زَمَنُهُ، وَإِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَ) مِثْلُ (صَوْمٍ) مُعَيَّنٍ (لَمْ يَأْتِ زَمَنُهُ، وَعِتْقٍ أَوْ نَحْوِهِ) كَصَدَقَةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ (غَيْرِ مُعَيَّنٍ) رَاجِعٍ لِعِتْقٍ وَمَا بَعْدَهُ، وَقَوْلُهُ: (فَالْوَعْدُ) جَوَابُ الشَّرْطِ: أَيْ فَالْفَيْئَةُ فِي ذَلِكَ الْوَعْدِ لَا الْوَطْءُ لِتَعَذُّرِهِ، وَلَا الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ وَمَا بَعْدَهُ لِلُزُومِ آخَرَ، إنْ فَعَلَ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (الْقِيَامُ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى زَوْجِهَا، وَطَلَبُ الْفَيْئَةِ أَوْ الطَّلَاقِ إنْ لَمْ يَفِ (إنْ رَضِيَتْ بِهِ) أَيْ بِزَوْجِهَا، أَيْ بِالْمُقَامِ مَعَهُ بِلَا وَطْءٍ بَعْدَ أَنْ حَلَّ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَيْ بِالْمُقَامِ مَعَهُ بِلَا وَطْءٍ] : أَيْ حَيْثُ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا مِنْ الْفَيْئَةِ إسْقَاطًا مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِزَمَنٍ، ثُمَّ رَجَعَتْ عَنْ ذَلِكَ الرِّضَا وَطَلَبَتْ الْقِيَامَ بِالْفَيْئَةِ
أَجَلُ الْإِيلَاءِ، ثُمَّ رَجَعَتْ عَنْ ذَلِكَ الرِّضَا وَطَلَبَتْ الْفِرَاقَ أَوْ الْفَيْئَةَ فَلَهَا ذَلِكَ، (بِلَا اسْتِئْنَافِ أَجَلٍ) آخَرَ غَيْرِ الْأَوَّلِ.
وَلَا يَلْزَمُهَا الرِّضَا بِهِ أَوَّلًا، لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا صَبْرَ لِلنِّسَاءِ عَلَيْهِ.
(وَتَصِحُّ رَجْعَتُهُ) : أَيْ الْمُولِي بَعْدَ أَنْ طُلِّقَ عَلَيْهِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، (إنْ انْحَلَّ) الْإِيلَاءُ عَنْهُ بِوَطْئِهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ بِتَكْفِيرِ مَا يُكَفَّرُ فِي الْعِدَّةِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ أَوْ بِتَعْجِيلِ مُقْتَضَى الْحِنْثِ فِي الْعِدَّةِ، كَعِتْقِ الْمُعَيَّنِ وَطَلَاقِ بَائِنٍ وَشِبْهِ ذَلِكَ.
(وَإِلَّا) يَنْحَلَّ الْإِيلَاءُ بِوَجْهٍ مِمَّا ذَكَرَ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِوَضْعٍ أَوْ رُؤْيَةِ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، (لَغَتْ) : أَيْ بَطَلَتْ رَجْعَتُهُ الصَّادِرَةُ مِنْهُ فِي الْعِدَّةِ وَحَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ.
[حاشية الصاوي]
فَلَهَا أَنْ تُوقِفَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ غَيْرِ ضَرْبِ أَجَلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَلَوُّمٍ، فَإِمَّا فَاءَ وَإِمَّا طَلَّقَ، وَأَمَّا لَوْ أَسْقَطَتْ حَقَّهَا إسْقَاطًا مُقَيَّدًا بِمُدَّةٍ، بِأَنْ قَالَتْ بَعْدَ الْأَجَلِ أُقِيمُ مَعَهُ سَنَةً لَعَلَّهُ أَنْ يَفِئْ فَلَيْسَ لَهَا الْعَوْدُ إلَّا بَعْدَ تِلْكَ الْمُدَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَشِبْهِ ذَلِكَ] : أَيْ كَصَوْمِ مُعَيَّنٍ حَضَرَ وَقْتُهُ أَوْ حَجٍّ مُعَيَّنٍ حَضَرَ وَقْتُهُ.
تَتِمَّةٌ:
إنْ أَبَى الْفَيْئَةَ فِي قَوْلِهِ لِزَوْجَتَيْهِ: إنْ وَطِئْت إحْدَاكُمَا فَالْأُخْرَى طَالِقٌ، طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ إحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ التَّوْضِيحِ، وَيُجْبَرُ عَلَى طَلَاقِ أَيَّتُهُمَا أَحَبَّ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَالْمَذْهَبُ مَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مِنْ أَنَّهُ مُولٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ رَفَعَتْهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا أَوْ هُمَا ضُرِبَ لَهُ الْأَجَلُ مِنْ يَوْمِ الْيَمِينِ، ثُمَّ إنْ فَاءَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا طَلُقَتْ عَلَيْهِ الْأُخْرَى وَإِلَّا طَلُقَتَا مَعًا مَا لَمْ يَرْضَيَا بِالْمُقَامِ مَعَهُ بِلَا وَطْءٍ كَذَا فِي الْأَصْلِ
بَابٌ فِي الظِّهَارِ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: 3] إلَخْ.
[حاشية الصاوي]
[بَابٌ فِي الظِّهَارِ]
[تَعْرِيف الظِّهَار وَمَا يَنْعَقِد بِهِ]
بَابٌ لَمَّا كَانَ الظِّهَارُ شَبِيهًا بِالْإِيلَاءِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَمِينٌ تَمْنَعُ الْوَطْءَ، وَيَرْفَعُ ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ - وَإِنْ تَفَارَقَا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ - ذَكَرَهُ عَقِبَ الْإِيلَاءِ وَالظِّهَارُ مَأْخُوذٌ مِنْ الظَّهْرِ، لِأَنَّ الْوَطْءَ: رُكُوبٌ، وَالرُّكُوبُ غَالِبًا إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الظَّهْرِ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا كَرِهَ أَحَدُهُمْ امْرَأَةً وَلَمْ يُرِدْ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِغَيْرِهِ آلَى مِنْهَا، أَوْ ظَاهَرَ فَتَصِيرُ لَا ذَاتَ زَوْجٍ وَلَا خَلِيَّةً فَتَنْكِحُ غَيْرَهُ، وَكَانَ طَلَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَوَّلِ الْإِسْلَامِ، حَتَّى «ظَاهَرَ أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ مِنْ امْرَأَتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وَنَزَلَتْ سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ حِينَ جَادَلَتْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَاخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي نَصِّ مُجَادَلَتِهَا فَفِي بَعْضِهَا: إنَّهُ أَكَلَ شَبَابِي وَفَرَشْتُ لَهُ بَطْنِي فَلَمَّا كَبُرَ سِنِّي ظَاهَرَ مِنِّي وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ، إنْ ضَمَمْتُهُمْ إلَيْهِ ضَاعُوا وَإِنْ ضَمَمْتُهُمْ إلَيَّ جَاعُوا، وَهُوَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَقُولُ لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّك، فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: 1] إلَخْ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: لِيَعْتِقَ رَقَبَةً، قَالَتْ لَا يَجِدُ، قَالَ: فَيَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ، قَالَ: فَيُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا قَالَتْ: فَمَا عِنْدَهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ، قَالَ: فَإِنِّي سَأُعِينُهُ بِفَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ،
وَبَيَّنَ حَقِيقَتَهُ بِقَوْلِهِ: (الظِّهَارُ تَشْبِيهُ الْمُسْلِمِ) زَوْجًا أَوْ سَيِّدًا فَلَا ظِهَارَ لِكَافِرٍ، وَلَوْ أَسْلَمَ (الْمُكَلَّفُ) خَرَجَ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْمُكْرَهُ (مَنْ تَحِلُّ) مَعْمُولُ تَشْبِيهِ الْمُضَافِ بَيَانٌ لِفَاعِلِهِ (مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ) : لِمَنْ تَحِلُّ؛ وَمُرَادُهُ بِالتَّشْبِيهِ:
[حاشية الصاوي]
قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنِّي سَأُعِينُهُ بِفَرَقٍ آخَرَ، قَالَ: قَدْ أَحْسَنْتِ فَاذْهَبِي وَأَطْعِمِي سِتِّينَ مِسْكِينًا وَارْجِعِي إلَى ابْنِ عَمِّك» وَالْفَرَقُ بِالتَّحْرِيكِ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، وَبِالتَّسْكِينِ سَبْعُمِائَةٍ وَعِشْرِينَ رِطْلًا (اهـ) . خَرَشِي، وَهُوَ حَرَامٌ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزُورٌ حَتَّى صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ، فَمَنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِالْكَرَاهَةِ فَمُرَادُهُ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ.
قَوْلُهُ: [زَوْجًا أَوْ سَيِّدًا] : قَالَ ح: وَهَلْ يَلْزَمُ ظِهَارُ الْفُضُولِيِّ إذَا أَمْضَاهُ الزَّوْجُ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَالظَّاهِرُ لُزُومُهُ كَالطَّلَاقِ (اهـ) . وَإِتْيَانُ الْمُصَنِّفِ بِالْوَصْفِ مُذَكَّرًا مُخْرِجٌ لِلنِّسَاءِ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ تَظَاهَرَتْ امْرَأَةٌ مِنْ زَوْجِهَا لَمْ يَلْزَمْهَا شَيْءٌ، لَا كَفَّارَةُ ظِهَارٍ وَلَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا فَقَالَتْ: أَنَا عَلَيْكَ كَظَهْرِ أُمِّي لَمْ يَلْزَمْهُ ظِهَارٌ كَمَا فِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ، لِأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَ لَهَا الْفِرَاقَ أَوْ الْبَقَاءَ بِلَا غُرْمٍ، فَإِنْ قَالَتْ: نَوَيْت بِهِ الطَّلَاقَ لَمْ يُعْمَلْ بِنِيَّتِهَا، وَيَبْطُلُ مَا بِيَدِهَا كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ، خِلَافًا لِلشَّيْخِ سَالِمٍ الْقَائِلِ إذَا قَالَتْ أَرَدْت بِهِ الطَّلَاقَ يَكُونُ ثَلَاثًا إلَّا أَنْ يُنَاكِرَهَا الزَّوْجُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا ظِهَارَ لِكَافِرٍ] : فَلَوْ تَظَاهَرَ الْكُفَّارُ وَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا فِي حَالِ كُفْرِهِمْ فَالظَّاهِرُ أَنَّنَا نَطْرُدُهُمْ وَلَا نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 2] فَالْخِطَابُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
قَوْلُهُ: [أَوْ أَمَةٍ] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّ الظِّهَارَ لَا يَلْزَمُ فِي الْإِمَاءِ وَلَا يُعَكَّرُ عَلَى الْمَشْهُورِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 3] فَإِنَّهُ لَا يَشْمَلُ الْإِمَاءَ لِخُرُوجِهَا مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 3] .
مَا يَشْمَلُ التَّشْبِيهَ الْبَلِيغَ وَهُوَ مَا حُذِفَتْ أَدَاتُهُ نَحْوَ: أَنْتِ أُمِّي كَمَا يَأْتِي، (أَوْ جُزْأَهَا) : عَطْفٌ عَلَى: " مَنْ "، أَيْ كَيَدِهَا وَرِجْلِهَا، وَشَمَلَ الْجُزْءَ الْحَقِيقِيَّ وَالْحُكْمِيَّ كَالشَّعْرِ (بِمُحَرَّمَةٍ) عَلَيْهِ أَصَالَةً، سَوَاءً كَانَتْ مَحْرَمًا أَوْ لَا، فَلَا ظِهَارَ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ زَوْجَتِي النُّفَسَاءِ أَوْ الْمُحْرِمَةِ بِحَجٍّ، وَشَمَلَ الْمُحَرَّمَةَ أَصَالَةً: أَمَتَهُ الْمُبَعَّضَةَ وَالْمُكَاتَبَةَ، فَالتَّشْبِيهُ بِهِمَا ظِهَارٌ كَالدَّابَّةِ، (أَوْ ظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ) " أَوْ " لِلتَّنْوِيعِ، وَلَوْ قَالَ: " أَوْ ظَهْرِهَا " كَانَ أَخْصَرَ، وَشَمَلَ قَوْلُهُ: " بِمُحَرَّمَةٍ " الْكُلَّ وَالْجُزْءَ نَحْوَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي، أَوْ كَيَدِ أُمِّي، وَيَدُكِ عَلَيَّ كَيَدِ أُمِّي أَوْ كَأُمِّي (وَإِنْ تَعْلِيقًا) نَحْوَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَإِنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، (فَإِنْ عَلَّقَهُ بِمُحَقَّقٍ) نَحْوَ: إنْ جَاءَ رَمَضَانُ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ فُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ، أَوْ إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ فِي غَدٍ فَأَنْتِ إلَخْ (تَنَجَّزَ) مِنْ الْآنَ وَمُنِعَ مِنْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [مَا يَشْمَلُ التَّشْبِيهَ الْبَلِيغَ] : أَيْ عَلَى مَا قَالَ مُحَمَّدٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ كَلَفْظِ مِثْلَ أَوْ الْكَافِ، وَأَمَّا لَوْ حَذَفَهَا وَقَالَ أَنْتِ أُمِّي لَكَانَ خَارِجًا عَنْ الظِّهَارِ، وَيُرْجَعُ لِكِنَايَتِهِ فِي الطَّلَاقِ، وَسَيَأْتِي إيضَاحُ.
ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَالْحُكْمِيُّ كَالشَّعْرِ] : أَمَّا الْحَقِيقِيُّ كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى اللُّزُومِ، وَأَمَّا فِي الْحُكْمِيِّ فَاخْتُلِفَ فِيهِ كَالشَّعْرِ وَالْكَلَامِ، وَكُلُّ هَذَا فِي الْأَجْزَاءِ الْمُتَّصِلَةِ، وَأَمَّا الْمُنْفَصِلَةُ كَالْبُصَاقِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [كَظَهْرِ زَوْجَتِي النُّفَسَاءِ] : أَيْ أَوْ الْمُطَلَّقَةِ طَلَاقًا رَجْعِيًّا.
قَوْلُهُ: [كَالدَّابَّةِ] : أَيْ كَتَحْرِيمِ ظَهْرِ الدَّابَّةِ، وَيُكْنَى بِظَهْرِهَا عَنْ الْفَرْجِ وَإِلَّا فَظَهْرُ الدَّابَّةِ لَيْسَ بِحَرَامٍ.
قَوْلُهُ: [وَشَمَلَ قَوْلُهُ بِمُحَرَّمَةٍ] إلَخْ: أَيْ فَالْأَقْسَامُ أَرْبَعَةٌ تَشْبِيهُ كُلٍّ بِكُلٍّ، أَوْ جُزْءٍ بِجُزْءٍ، أَوْ عَكْسُهُ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ تَعْلِيقًا] : أَيْ بِإِنْ أَوْ إذَا أَوْ مَهْمَا أَوْ مَتَى.
قَوْلُهُ: [نَحْوَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ] : بِضَمِّ التَّاءِ أَوْ كَسْرِهَا خِطَابٌ لَهَا أَوْ تَكَلُّمٌ مِنْهُ.
(وَ) إنْ قَيَّدَهُ (بِوَقْتٍ تَأَبَّدَ) كَالطَّلَاقِ نَحْوَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فِي هَذَا الْيَوْمِ أَوْ الشَّهْرِ فَلَا يَنْحَلُّ إلَّا بِالْكَفَّارَةِ.
(وَمُنِعَ) مِنْهَا (فِي) صِيغَةِ (الْحِنْثِ) نَحْوَ: إنْ لَمْ أَدْخُلْ الدَّارَ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، (حَتَّى يَفْعَلَ) بِأَنْ يَدْخُلَ، فَإِنْ عَزَمَ عَلَى الضِّدِّ أَوْ فَاتَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فَمُظَاهِرٌ لَا يَقْرَبُهَا بِهَا حَتَّى يُكَفِّرَ، (وَ) إذَا مُنِعَ مِنْهَا حَتَّى يَفْعَلَ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَانَتْ يَمِينُهُ مُطْلَقَةً (ضُرِبَ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ) مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ، (كَ: إنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) هَذِهِ صِيغَةُ بِرٍّ إلَّا أَنَّهُ عَلَّقَ الظِّهَارَ فِيهَا عَلَى الْوَطْءِ، فَإِذَا غَيَّبَ الْحَشَفَةَ صَارَ مُظَاهِرًا مِنْهَا وَلَا يَجُوزُ لَهُ النَّزْعُ إذْ هُوَ وَطِئَ، وَقَدْ صَارَ مُظَاهِرًا فَيُمْنَعُ مِنْهَا، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْهَا، وَيُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ مِنْ يَوْمِ الْيَمِينِ، فَقَوْلُهُ: " كَ: إنْ وَطِئْتُك " تَشْبِيهٌ فِي الْمَنْعِ مِنْهَا، وَضُرِبَ أَجَلُ الْإِيلَاءِ وَلَا يُمْكِنُهُ هُنَا تَكْفِيرٌ، لِأَنَّ الظِّهَارَ لَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ إلَّا بِالْوَطْءِ وَهُوَ لَا يُمَكَّنُ، كَمَا عَلِمْت فَلَا تَكْفِيرَ قَبْلَ ثُبُوتِهِ، نَعَمْ إنْ تَجَرَّأَ وَوَطِئَ كَانَ مُظَاهِرًا وَطُلِبَتْ مِنْهُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنَّمَا ضُرِبَ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ لَعَلَّهَا أَنْ تَرْضَى بِالْمُقَامِ مَعَهُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ، وَهَذَا أَحَدُ أَقْوَالٍ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَالثَّانِي لِعَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ يُغَيِّبُ ثُمَّ يَنْزِعُ فَيَصِيرُ مُظَاهِرًا، وَالنَّزْعُ لَا يُعَدُّ وَطْئًا، وَإِنَّمَا هُوَ تَخَلُّصٌ مِنْ حُرْمَةٍ، وَالثَّالِثُ يَطَأُ وَلَا يُنْزِلُ، وَالرَّابِعُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ أَنْزَلَ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْهَا جُمْلَةً، فَهَلْ يُعَجَّلُ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [كَالطَّلَاقِ] : أَيْ يَجْرِي فِي تَعْلِيقِهِ مَا جَرَى فِي الطَّلَاقِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي مَا دُمْتُ مُحْرِمًا أَوْ صَائِمًا أَوْ مُعْتَكِفًا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ظِهَارٌ لِأَنَّهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَظَهْرِ أُمِّهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ ظَاهَرَ ثُمَّ ظَاهَرَ؛ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى قَيَّدَ الظِّهَارَ بِمُدَّةِ الْمَانِعِ مِنْ الْوَطْءِ، سَوَاءً كَانَ الْمَانِعُ قَائِمًا بِهَا أَوْ بِهِ كَالْإِحْرَامِ وَالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ.
قَوْلُهُ: [فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ] : أَيْ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِأَجَلٍ مُعَيَّنٍ.
قَوْلُهُ: [مِنْ يَوْمِ الْيَمِينِ] : أَيْ لِكَوْنِهَا صَرِيحَةً فِي تَرْكِ الْوَطْءِ.
قَوْلُهُ: [نَعَمْ إنْ تَجَرَّأَ وَوَطِئَ] : أَيْ وَلَا يَجِبُ اسْتِبْرَاءٌ لِهَذَا الْوَطْءِ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ: [أَنَّهُ يُغَيِّبُ] : أَيْ لِتَنْحَلَّ الْإِيلَاءُ.
قَوْلُهُ: [وَالرَّابِعُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ] إلَخْ: الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ
عَلَيْهِ الطَّلَاقُ - إذْ لَا فَائِدَةَ فِي ضَرْبِ الْأَجَلِ - أَوْ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ لِمَا قَدَّمْنَا؟ وَهُوَ مَا اقْتَصَرْنَا عَلَيْهِ، فَإِنْ ضُرِبَ لَهُ الْأَجَلُ وَرَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَهُ بِلَا وَطْءٍ، فَلَهَا تَرْكُ الرِّضَا وَالْقِيَامُ بِحَقِّهَا فِي الطَّلَاقِ بِلَا أَجَلٍ، هَذَا حَاصِلُ مَا فِي كَلَامِهِمْ؛
ثُمَّ إنَّ أَرْكَانَ الظِّهَارِ أَرْبَعَةٌ:
مُظَاهِرٌ: وَهُوَ الزَّوْجُ أَوْ السَّيِّدُ، وَشَرْطُهُ الْإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ.
وَمُظَاهَرٌ مِنْهُ: وَهُوَ الزَّوْجَةُ وَالْأَمَةُ وَلَوْ مُدَبَّرَةً.
وَمُشَبَّهٌ بِهِ: وَهُوَ مَنْ حَرُمَ وَطْؤُهُ أَصَالَةً مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ.
وَصِيغَةٌ دَالَّةٌ عَلَيْهِ: وَهِيَ إمَّا صَرِيحَةٌ فِيهِ، وَإِمَّا كِنَايَةٌ، وَالْكِنَايَةُ إمَّا ظَاهِرَةٌ لَا تَنْصَرِفُ عَنْهُ إلَّا بِنِيَّةٍ، وَإِمَّا خَفِيَّةٌ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ إلَّا بِنِيَّةٍ.
وَإِلَى أَقْسَامِ الصِّيغَةِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَصَرِيحُهُ) : أَيْ الظِّهَارِ، أَيْ صَرِيحُ اللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ بِلَا احْتِمَالِ غَيْرِهِ (بِظَهْرٍ مُؤَبَّدٍ) بِالْإِضَافَةِ: أَيْ بِلَفْظِ ظَهْرِ امْرَأَةٍ مُؤَبَّدٍ، (تَحْرِيمُهَا) بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ، فَلَا بُدَّ فِي الصَّرِيحِ مِنْ الْأَمْرَيْنِ: أَيْ ذِكْرِ الظَّهْرِ وَمُؤَبَّدَةِ
[حاشية الصاوي]
أَنَّ قَوْلَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ لِحُكْمِ الْإِنْزَالِ بِخِلَافِ هَذَا
قَوْلُهُ: [لِمَا قَدَّمْنَا] : أَيْ مِنْ التَّعْلِيلِ وَهُوَ قَوْلُهُ: لَعَلَّهَا أَنْ تَرْضَى بِالْمُقَامِ مَعَهُ عَلَى تَرْكِ الْوَطْءِ.
قَوْلُهُ: [فَلَهَا تَرْكُ الرِّضَا وَالْقِيَامُ] إلَخْ: أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ رِضَاهَا بِالْمُقَامِ فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ كَسَنَةٍ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهَا تَرْكُ الرِّضَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا، وَقَوْلُهُ بِلَا أَجَلٍ أَيْ لَا يُسْتَأْنَفُ لَهَا أَجَلٌ آخَرُ
[أَرْكَانَ الظِّهَارِ]
قَوْلُهُ: [وَهُوَ الزَّوْجَةُ] : أَيْ وَلَوْ مُطَلَّقَةً طَلَاقًا رَجْعِيًّا، وَقَوْلُهُ: وَالْأَمَةُ أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ مُدَبَّرَةً] : أَيْ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا فَيَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْهَا، بِخِلَافِ الْمُبَعَّضَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُعْتَقَةِ لِأَجَلٍ، فَلَا يَصِحُّ فِيهِنَّ ظِهَارٌ لِحُرْمَةِ وَطْئِهِنَّ بِالْأَصَالَةِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ آدَمِيٍّ] : أَيْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَقَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِهِ أَيْ كَالْبَهِيمَةِ.
[أَقْسَامُ صِيغَةِ الظِّهَارِ]
[بَيَان الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ فِي الظِّهَارِ]
قَوْلُهُ: [بِنَسَبٍ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا تَشْبِيهُهَا بِظَهْرِ مُؤَبَّدٍ تَحْرِيمُهَا بِلِعَانٍ أَوْ بِنِكَاحٍ
التَّحْرِيمِ كَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّيِّ أَوْ أُخْتِي مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ أُمِّك.
(وَلَا يَنْصَرِفُ) صَرِيحُهُ (لِلطَّلَاقِ إنْ نَوَاهُ بِهِ) : أَيْ إنْ نَوَى الطَّلَاقَ بِصَرِيحِ الظِّهَارِ، لِأَنَّ صَرِيحَ كُلِّ بَابٍ لَا يَنْصَرِفُ لِغَيْرِهِ، وَلَا يُؤَاخَذُ بِالطَّلَاقِ مَعَ الظِّهَارِ لَا فِي الْفَتْوَى وَلَا الْقَضَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
(وَكِنَايَتُهُ) الظَّاهِرَةُ: وَهِيَ مَا سَقَطَ فِيهِ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ؛ أَيْ لَفْظُ ظَهْرٍ أَوْ لَفْظُ مُؤَبَّدَةِ التَّحْرِيمِ؛ فَالْأَوَّلُ: نَحْوَ (أَنْتِ كَأُمِّي، أَوْ) أَنْتِ (أُمِّي) بِحَذْفِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ فَهُوَ ظِهَارٌ (إلَّا لِقَصْدِ كَرَامَةٍ) : أَيْ أَنْتِ مِثْلُهَا فِي الْمَنْزِلَةِ وَالتَّكْرِيمِ عِنْدِي (وَنَحْوِهَا) كَالشَّفَقَةِ وَالْحَنَانِ مِنْهَا، وَكَذَا إنْ كَنَى بِهِ عَنِيَ الْإِهَانَةَ وَالتَّوْبِيخَ فَلَا يَكُونُ ظِهَارًا.
الثَّانِي: كَقَوْلِهِ (أَوْ: أَنْتِ كَظَهْرِ ذَكَرٍ) كَزَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو أَوْ كَظَهْرِ أَبِي أَوْ ابْنِي (أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ) يَحِلُّ وَطْؤُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ، فَالْمُرَادُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ غَيْرُ الْمَحْرَمِ وَالزَّوْجَةُ وَالْأَمَةُ، كَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ فُلَانَةَ وَلَيْسَتْ مَحْرَمًا وَلَا حَلِيلَةً لَهُ.
(أَوْ) عَبَّرَ بِجُزْءٍ كَقَوْلِهِ: (يَدُكِ) أَوْ رَأْسُك أَوْ شَعْرُك (كَأُمِّي، أَوْ) مِثْلَ
[حاشية الصاوي]
فِي الْعِدَّةِ، فَهُوَ كَالتَّشْبِيهِ بِظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ فِي كَوْنِهِ مِنْ الْكِنَايَةِ، لَا مِنْ الصَّرِيحِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ التَّوْضِيحِ وَابْنِ رُشْدٍ، خِلَافًا لِقَوْلِ عب: بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ لِعَانٍ كَذَا فِي بْن.
قَوْلُهُ: [كَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي] إلَخْ: أَيْ مِنْ النَّسَبِ، فَفِي الْأَمْثِلَةِ الثَّلَاثَةِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ] : قَالَ النَّاصِرُ: حَاصِلُهُ أَنَّ رِوَايَةَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ صَرِيحَ الظِّهَارِ إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ يَنْصَرِفُ لِلطَّلَاقِ فِي الْفَتْوَى، وَأَنَّهُ يُؤْخَذُ بِهِمَا مَعًا فِي الْقَضَاءِ، وَأَنَّ رِوَايَةَ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ ظِهَارٌ فِيهِمَا فَقَطْ، وَأَمَّا الْمُدَوَّنَةُ فَمُؤَوَّلَةٌ عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ بِرِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعِنْدَ بَعْضِ الشُّيُوخِ بِرِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ، فَإِذَا الشَّرْح ذَلِكَ فَمُرَادُ الشَّارِحِ بِمَشْهُورِ الْمَذْهَبِ رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ
قَوْلُهُ: [أَوْ أَنْتِ أُمِّي] إلَخْ: قَدْ نَقَلَ ح أَنَّ رِوَايَةَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَنْتِ أُمِّي يَلْزَمُ بِهِ الطَّلَاقُ إنْ نَوَاهُ، وَإِلَّا فَظِهَارٌ، وَذَكَرَ الشَّرْح فِيهَا