(وَأَعَادَ بِوَقْتٍ) عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الْإِعَادَةِ (كَأَنْ نَوَى) الْمُسَافِرُ (الْإِتْمَامَ وَلَوْ سَهْوًا) عَنْ كَوْنِهِ مُسَافِرًا فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لَهُ الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ سَفَرِيَّةً.
(وَأَتَمَّ) وُجُوبًا بِالدُّخُولِ عَلَى الْإِتْمَامِ (فَإِنْ قَصَرَ) بَعْدَ نِيَّةِ الْإِتْمَامِ (عَمْدًا أَوْ تَأْوِيلًا بَطَلَتْ وَ) إنْ قَصَرَ (سَهْوًا فَكَأَحْكَامِ السَّهْوِ) . فَإِنْ تَذَكَّرَ بِالْقُرْبِ أَتَمَّ وَسَجَدَ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَإِنْ طَالَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ بَطَلَتْ.
(وَإِنْ نَوَى الْقَصْرَ فَأَتَمَّ عَمْدًا بَطَلَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى مَأْمُومِهِ) أَتَمَّ مَعَهُ أَوْ لَا، لِأَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ بَطَلَتْ عَلَى الْإِمَامِ بَطَلَتْ عَلَى الْمَأْمُومِ إلَّا فِيمَا اُسْتُثْنِيَ.
(وَ) إنْ أَتَمَّ (سَهْوًا أَوْ تَأْوِيلًا) بِأَنْ يَرَى أَنَّ الْقَصْرَ لَا يَجُوزُ أَوْ أَنَّ الْإِتْمَامَ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَأَعَادَ بِوَقْتٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ] : أَيْ لِكَوْنِهِ مَذْهَبَ الْمُدَوَّنَةِ، وَعَدَمُ الْإِعَادَةِ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ سَهْوًا] : مَا قَبْلَ الْمُبَالَغَاتِ ثَلَاثُ صُوَرٍ: وَهِيَ نِيَّةُ الْإِتْمَامِ عَمْدًا، أَوْ جَهْلًا، أَوْ تَأْوِيلًا.
وَالرَّابِعَةُ الْمُبَالَغُ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: " وَأَتَمَّ ": أَيْ كَمَا نَوَى.
فَفِي الْإِتْمَامِ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا مَضْرُوبَةٌ فِي أَرْبَعَةٍ، تَكُونُ الصُّوَرُ سِتَّ عَشْرَةَ صُورَةً.
كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ: يُنْدَبُ لَهُ فِي جَمِيعِهَا الْإِعَادَةُ فِي الْوَقْتِ؛ سَفَرِيَّةً إنْ لَمْ يَحْضُرْ، وَحَضَرِيَّةً إنْ حَضَرَ.
وَمَأْمُومُهُ تَبَعٌ لَهُ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ قَصَرَ بَعْدَ نِيَّةِ الْإِتْمَامِ] إلَخْ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سِتَّ عَشْرَةَ صُورَةً أَيْضًا لِأَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ نِيَّةِ الْإِتْمَامِ صَادِقٌ بِأَرْبَعِ صُوَرٍ: الْعَمْدِ، وَالْجَهْلِ، وَالتَّأْوِيلِ، وَالسَّهْوِ.
وَفِي كُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعِ: إمَّا أَنْ يَقْصُرَ عَمْدًا - وَمِثْلُهُ الْجَهْلُ - أَوْ تَأْوِيلًا.
فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ فِي الْأَرْبَعَةِ أَجَابَ عَنْهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: " بَطَلَتْ "، وَبَقِيَ مَا إذَا قَصَرَ سَهْوًا فِي الْأَرْبَعَةِ، أَجَابَ عَنْهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: " فَكَأَحْكَامِ السَّهْوِ " إلَخْ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ نَوَى الْقَصْرَ] إلَخْ: لَا يَتَأَتَّى هُنَا تَعْدَادُ الصُّوَرِ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ.
فَفِي هَذَا الْقِسْمِ أَرْبَعُ صُوَرٍ فَقَطْ أَفَادَهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: " فَأَتَمَّ عَمْدًا بَطَلَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى مَأْمُومِهِ، وَسَهْوًا أَوْ تَأْوِيلًا أَوْ جَهْلًا فَفِي الْوَقْتِ " فَجُمْلَةُ صُوَرِ هَذَا الْمَبْحَثِ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ صُورَةً.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ يَرَى أَنَّ الْقَصْرَ لَا يَجُوزُ] إلَخْ: أَرَادَ مُرَاعَاةَ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ
أَفْضَلُ (أَوْ جَهْلًا؛ فَفِي الْوَقْتِ) الضَّرُورِيِّ يُعِيدُ، (وَصَحَّتْ لِمَأْمُومِهِ) أَيْضًا (بِلَا إعَادَةٍ) عَلَيْهِ (إنْ لَمْ يَتْبَعْهُ) فِي الْإِتْمَامِ.
بَلْ جَلَسَ حَتَّى سَلَّمَ، فَإِنْ تَبِعَهُ بَطَلَتْ.
(وَ) إذَا قَامَ الْإِمَامُ لِلْإِتْمَامِ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا بَعْدَ نِيَّةِ الْقَصْرِ (سَبَّحَ لَهُ) الْمَأْمُومُ بِأَنْ يَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَإِنْ رَجَعَ سَجَدَ لِسَهْوِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَلَا يَتْبَعُهُ بَلْ يَجْلِسُ حَتَّى يُسَلِّمَ إمَامُهُ.
(وَسَلَّمَ الْمُسَافِرُ بِسَلَامِهِ، وَأَتَمَّ غَيْرُهُ) : أَيْ غَيْرُ الْمُسَافِرِ صَلَاتَهُ (بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ سَلَامِهِ، فَإِنْ سَلَّمَ الْمُسَافِرُ قَبْلَهُ أَوْ قَامَ غَيْرُهُ لِلْإِتْمَامِ قَبْلَهُ بَطَلَتْ عَلَيْهِمْ كَمَا لَوْ تَبِعُوهُ فِي الْإِتْمَامِ عَمْدًا لِتَعَمُّدِهِمْ الزِّيَادَةَ دُونَهُ، وَلَمْ يَجْعَلُوا الْجَاهِلَ هُنَا الْمُتَأَوِّلَ كَالْعَامِدِ فِي الْبُطْلَانِ حَيْثُ نَوَى الْقَصْرَ وَهُوَ مُشْكِلٌ.
[حاشية الصاوي]
وَلَوْ خَارِجَ الْمَذْهَبِ، فَفِي كُتُبِ الْحَدِيثِ بَعْضُ السَّلَفِ كَانَ يَرَى أَنَّ الْقَصْرَ مُقَيَّدٌ بِالْخَوْفِ مِنْ الْكُفَّارِ كَمَا فِي آيَةِ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [النساء: 101] الْآيَةَ وَكَانَتْ عَائِشَةُ لَا تَقْصُرُ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَبِعَهُ بَطَلَتْ] : أَيْ حَيْثُ كَانَ مُتَيَقِّنًا انْتِفَاءَ الْمُوجِبِ وَإِلَّا فَيَأْمُرُ بِالِاتِّبَاعِ لِجَرَيَانِهَا عَلَى مَسْأَلَةِ قِيَامِ الْإِمَامِ لِزَائِدَةٍ قَوْلُهُ: [بَلْ يَجْلِسُ] : أَيْ حَيْثُ كَانَ مُتَيَقِّنًا انْتِفَاءَ الْمُوجِبِ
قَوْلُهُ: [وَهُوَ مُشْكِلٌ] : وَلَعَلَّهُ خَفَّفَ الْأَمْرَ فِي الْجَاهِلِ وَالْمُتَأَوِّلِ الْقَوْلَ
(وَإِنْ ظَنَّ) شَخْصٌ (الْإِمَامَ مُسَافِرًا) فَاقْتَدَى بِهِ (فَظَهَرَ خِلَافُهُ) وَأَنَّهُ مُقِيمٌ (أَعَادَ) الْمَأْمُومُ صَلَاتَهُ (أَبَدًا) لِبُطْلَانِهَا (كَعَكْسِهِ) ، بِأَنْ ظَنَّ أَنَّ إمَامَهُ مُقِيمٌ، فَإِذَا هُوَ مُسَافِرٌ؛ فَيُعِيدُ أَبَدًا (إنْ كَانَ) الْمَأْمُومُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (مُسَافِرًا) ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ وَإِمَامُهُ نَوَى الْإِتْمَامَ فِي الْأُولَى، وَإِنْ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَقَدْ خَالَفَ إمَامَهُ نِيَّةً وَفِعْلًا، وَإِنْ أَتَمَّ مَعَهُ فَقَدْ خَالَفَ فِعْلُهُ نِيَّتَهُ.
وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَهُوَ قَدْ نَوَى الْإِتْمَامَ لِظَنِّهِ أَنَّ إمَامَهُ مُقِيمٌ، وَالْإِمَامُ قَدْ نَوَى الْقَصْرَ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ؛ فَإِنْ قَصَرَ مَعَهُ فَقَدْ خَالَفَ فِعْلُهُ نِيَّتَهُ.
وَإِنْ أَتَمَّ بِمُقْتَضَى نِيَّتِهِ فَقَدْ خَالَفَ إمَامَهُ نِيَّةً وَفِعْلًا.
وَاعْتَرَضَ بِاقْتِدَاءِ الْمُقِيمِ بِمُسَافِرٍ؛ وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْمُقِيمَ دَخَلَ عَلَى مُخَالَفَةِ إمَامِهِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ فَاغْتُفِرَ، وَهَذَا دَخَلَ عَلَى مُوَافَقَتِهِ فَأَخْطَأَ ظَنُّهُ فَلَمْ يُغْتَفَرْ.
وَمَفْهُومُ " إنْ كَانَ مُسَافِرًا " أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُقِيمًا صَحَّتْ فِيهِمَا، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَى الثَّانِيَةِ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ عَلَى الْمُوَافَقَةِ لِإِمَامِهِ فَتَبَيَّنَ خَطَأُ ظَنِّهِ.
(وَإِنْ لَمْ يَنْوِ) الْمُسَافِرُ (قَصْرًا وَلَا إتْمَامًا) بِأَنْ نَوَى الظُّهْرَ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (فَفِي صِحَّتِهَا) وَعَدَمِهَا (قَوْلَانِ) ، وَعَلَى الصِّحَّةِ (فَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (أَوْ يُخَيَّرُ) فِي الْإِتْمَامِ وَالْقَصْرِ؟ لِأَنَّ شَأْنَ الْمُسَافِرِ
[حاشية الصاوي]
بِعَدَمِ جَوَازِ الْقَصْرِ أَوْ أَنَّ الْإِتْمَامَ أَفْضَلُ.
قَوْلُهُ: [فَظَهَرَ خِلَافُهُ] : أَيْ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ بَلْ وَافَقَ ظَنَّهُ فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ فَبَاطِلَةٌ أَيْضًا كَمَا فِي النَّقْلِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ، فَالْمَفْهُومُ فِيهِ تَفْصِيلٌ.
قَوْلُهُ: [نِيَّةً وَفِعْلًا] : أَيْ لِأَنَّ هَذَا الدَّاخِلَ نَوَى الْقَصْرَ وَسَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَالْإِمَامُ نَوَى الْإِتْمَامَ وَسَلَّمَ مِنْ أَرْبَعٍ.
قَوْلُهُ: [فَقَدْ خَالَفَ فِعْلُهُ نِيَّتَهُ] : أَيْ فَهُوَ كَمَنْ نَوَى الْقَصْرَ وَأَتَمَّ عَمْدًا.
قَوْلُهُ: [وَفَرَّقَ] إلَخْ: حَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمَأْمُومَ هُنَا لَمَّا خَالَفَ سُنَّةً - وَهِيَ الْقَصْرُ - وَعَدَلَ إلَى الْإِتْمَامِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْإِمَامَ الْمُقِيمَ كَانَتْ نِيَّتُهُ مُعَلَّقَةً، فَكَأَنَّهُ نَوَى الْإِتْمَامَ إنْ كَانَ الْإِمَامُ مُتِمًّا، وَقَدْ ظَهَرَ بُطْلَانُ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ وَحِينَئِذٍ فَيَبْطُلُ الْمُعَلَّقُ وَهُوَ الْإِتْمَامُ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى، فَإِنَّهُ نَاوٍ الْإِتْمَامَ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
(اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ)
الْقَصْرُ: (قَوْلَانِ) .
(وَلَا تَجِبُ) عَلَى الْمُسَافِرِ (نِيَّةُ الْقَصْرِ عِنْدَ السَّفَرِ) بَلْ عِنْدَ الصَّلَاةِ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُتِمُّ إلَى أَنْ بَقِيَ مِنْ الْمَسَافَةِ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَطُلِبَ مِنْهُ الْقَصْرُ.
[بَعْض آدَاب السَّفَر]
(وَنُدِبَ) لِلْمُسَافِرِ (تَعْجِيلُ الْأَوْبَةِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ الرُّجُوعِ لِوَطَنِهِ بَعْدَ قَضَاءِ وَطَرِهِ.
(وَ) نُدِبَ لَهُ (الدُّخُولُ نَهَارًا) - لَا خُصُوصُ الضُّحَى - وَكُرِهَ الطُّرُوقُ لَيْلًا
[حاشية الصاوي]
[النِّيَّة فِي قَصْر الصَّلَاة]
قَوْلُهُ: [قَوْلَانِ] : أَيْ سَوَاءٌ صَلَّاهَا حَضَرِيَّةً أَوْ سَفَرِيَّةً.
هَذَا هُوَ الصَّوَابُ خِلَافًا لِ (عب) حَيْثُ قَالَ: مَحَلُّ التَّرَدُّدِ إنْ صَلَّاهَا سَفَرِيَّةً، وَإِلَّا صَحَّتْ اتِّفَاقًا قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ التَّرَدُّدِ فِي أَوَّلِ صَلَاةٍ صَلَّاهَا فِي السَّفَرِ؛ فَإِنْ كَانَ قَدْ سَبَقَ لَهُ نِيَّةُ الْقَصْرِ، فَإِنَّهُ يَتَّفِقُ عَلَى الصِّحَّةِ فِيمَا بَعْدُ إذَا قَصَرَ لِأَنَّ نِيَّةَ الْقَصْرِ قَدْ انْسَحَبَتْ عَلَيْهِ فَهِيَ مَوْجُودَةٌ حُكْمًا.
وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا إذَا نَوَى الْإِتْمَامَ فِي أَوَّلِ صَلَاةٍ ثُمَّ تَرَكَ نِيَّةَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ فِيمَا بَعْدَهَا وَأَتَمَّ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ لِلْمُسَافِرِ تَعْجِيلُ الْأَوْبَةِ] إلَخْ: أَيْ فَمُكْثُهُ بَعْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ خِلَافُ الْأَوْلَى، لِأَنَّهُ مِنْ ضَيَاعِ الزَّمَنِ فِيمَا لَا يَعْنِي، وَالْوَطَرُ هُوَ الْحَاجَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب: 37] أَيْ حَاجَةً.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ لَهُ الدُّخُولُ نَهَارًا] : أَيْ وَيُكْرَهُ لَيْلًا فِي حَقِّ ذِي زَوْجَةٍ، فَفِي مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَطْلُبُ عَثَرَاتِهِمْ» (اهـ) وَالطُّرُوقُ: هُوَ الدُّخُولُ مِنْ بُعْدٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ لِلسَّفَرِ أَنْ يَذْهَبَ لِإِخْوَانِهِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ
(وَ) نُدِبَ لَهُ (اسْتِصْحَابُ هَدِيَّةٍ) لِعِيَالِهِ وَجِيرَانِهِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي السُّرُورِ.
وَلَمَّا كَانَ السَّفَرُ مِنْ أَسْبَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ مُشْتَرَكَتَيْ الْوَقْتِ، شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى جَمْعِهِمَا فِيهِ، وَأَتْبَعَهُمَا بِالْكَلَامِ عَلَى جَمْعِهِمَا فِي غَيْرِهِ.
وَأَسْبَابُهُ سِتَّةٌ: السَّفَرُ، وَالْمَطَرُ، وَالْوَحْلُ مَعَ الظُّلْمَةِ، وَنَحْوَ الْإِغْمَاءِ، وَعَرَفَةَ، وَمُزْدَلِفَةَ - إلَّا أَنَّهُ أَخَّرَ الْأَخِيرَيْنِ لِمَحَلِّهِمَا - فَقَالَ:
(وَرُخِّصَ) جَوَازًا (لَهُ) : أَيْ لِلْمُسَافِرِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً (فِي جَمْعِ الظُّهْرَيْنِ) وَالْعِشَاءَيْنِ كَمَا يَأْتِي (بِبَرٍّ) : أَيْ فِيهِ لَا فِي بَحْرٍ؛ قَصْرًا لِلرُّخْصَةِ عَلَى مَوْرِدِهَا،
[حاشية الصاوي]
وَيُوَدِّعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ الدُّعَاءَ، وَأَنْ يُوَدِّعُوهُ وَيَدْعُوا لَهُ بِمَا دَعَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ جَاءَ يُرِيدُ سَفَرًا، وَيَلْتَمِسُ أَنْ يُزَوِّدَهُ فَقَالَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «زَوَّدَك اللَّهُ التَّقْوَى، وَوَقَاك الرَّدَى، وَغَفَرَ ذَنْبَك، وَيَسَّرَكَ لِلْخَيْرِ حَيْثُمَا كُنْتَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ.
وَأَمَّا إذَا قَدِمَ مِنْ السَّفَرِ فَالْمُسْتَحَبُّ لِإِخْوَانِهِ أَنْ يَأْتُوا إلَيْهِ وَيُسَلِّمُوا عَلَيْهِ، وَمَا يَقَعُ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عِنْدَ الْوَدَاعِ فَأَنْكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ التَّاجُورِيُّ، وَقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي السُّنَّةِ.
وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ: بَلْ وَرَدَ فِيهَا مَا يَدُلُّ لِجَوَازِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُنْكَرٍ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ كَرَاهَةِ الْقُدُومِ لَيْلًا - فِي حَقِّ ذِي الزَّوْجَةِ - كَانَتْ الْغَيْبَةُ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ، خِلَافًا لِمَا يُفِيدُهُ (عب) مِنْ اخْتِصَاصِ الْكَرَاهَةِ بِطُولِ الْغَيْبَةِ.
وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ الْمَذْكُورَةِ لِغَيْرِ مَعْلُومِ الْقُدُومِ، وَأَمَّا مَنْ عَلِمَ أَهْلُهُ بِوَقْتِ قُدُومِهِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ الطُّرُوقُ لَيْلًا، وَيُسْتَحَبُّ ابْتِدَاءُ دُخُولِهِ بِالْمَسْجِدِ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ لَهُ اسْتِصْحَابُ هَدِيَّةٍ] إلَخْ: أَيْ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهَا فِي الْأَحَادِيثِ.
[جَمْعِ الصَّلَاة]
قَوْلُهُ: [لِمَحَلِّهِمَا] : أَيْ وَهُوَ بَابُ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: [رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً] : أَيْ وَسَوَاءٌ كَانَ رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا عَلَى مَا فِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِالرَّاكِبِ.
قَوْلُهُ: [بِبَرٍّ] إلَخْ: وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِالْبَحْرِ أَيْضًا.
(وَإِنْ قَصَرَ) السَّفَرَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ (أَوْ لَمْ يَجِدَّ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ وَلَمْ يَكُنْ حَثِيثًا (إنْ زَالَتْ الشَّمْسُ) عَلَى الْمُسَافِرِ حَالَ كَوْنِهِ (نَازِلًا) بِمَكَانٍ - مَنْهَلًا أَوْ غَيْرَهُ - (وَنَوَى) عِنْدَ الرَّحِيلِ قَبْلَ وَقْتِ الْقَصْرِ (النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ) ، فَيَجْمَعُهُمَا جَمْعَ تَقْدِيمٍ؛ بِأَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ فِي وَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ، وَيُقَدِّمَ الْعَصْرَ فَيُصَلِّيهَا مَعَهَا قَبْلَ رَحِيلِهِ لِأَنَّهُ وَقْتُ ضَرُورَةٍ لَهَا، اُغْتُفِرَ لِلْمَشَقَّةِ.
(فَإِنْ نَوَاهُ) أَيْ النُّزُولَ (قَبْلَ) دُخُولِ (الِاصْفِرَارِ أَخَّرَ الْعَصْرَ) وُجُوبًا لِوَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ، فَإِنْ قَدَّمَهَا أَجْزَأَتْهُ (وَ) إنْ نَوَى النُّزُولَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ دُخُولِ الِاصْفِرَارِ (خُيِّرَ فِيهَا) : أَيْ الْعَصْرِ إنْ شَاءَ قَدَّمَهَا وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهَا وَهُوَ الْأَوْلَى.
(وَإِنْ زَالَتْ) الشَّمْسُ عَلَيْهِ (سَائِرًا، أَخَّرَهُمَا إنْ نَوَى الِاصْفِرَارَ) : أَيْ النُّزُولَ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَإِنْ قَصَرَ السَّفَرَ] إلَخْ: أَيْ وَلَكِنْ لَا بُدَّ فِي الْجَوَازِ مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ عَاصٍ بِهِ وَلَاهٍ جَمْعًا فَلَا إعَادَةَ بِالْأُولَى مِنْ الْقَصْرِ.
كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ لَمْ يَجِدْ] إلَخْ: أَيْ فَقَوْلُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَفِيهَا شَرْطُ الْجِدِّ بِالْكَسْرِ أَيْ الِاجْتِهَادِ فِي السَّيْرِ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: [بِمَكَانٍ مَنْهَلًا أَوْ غَيْرَهُ] : أَيْ فَقَوْلُ خَلِيلٍ بِمَنْهَلٍ مُرَادُهُ مَكَانُ النُّزُولِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ مَاءٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَنْهَلُ فِي الْأَصْلِ مَكَانَ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: [فَيَجْمَعُهُمَا جَمْعَ تَقْدِيمٍ] : أَيْ وَيُؤَذِّنُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ وَقْتُ ضَرُورَةٍ لَهَا] إلَخْ: أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسَافِرِ.
قَوْلُهُ: [أَخَّرَ الْعَصْرَ وُجُوبًا] : أَيْ غَيْرَ شَرْطٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَإِنْ قَدَّمَهَا أَجْزَأَتْ أَيْ وَتُنْدَبُ إعَادَتُهَا بِالْوَقْتِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهَا وَهُوَ الْأَوْلَى] : أَيْ لِأَنَّهُ ضَرُورِيُّهَا الْأَصْلِيُّ، وَلَا يُؤَذِّنُ لَهَا حِينَئِذٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْأَذَانِ مِنْ كَرَاهَتِهِ فِي الْوَقْتِ الضَّرُورِيِّ.
قَوْلُهُ: [أَخَّرَهُمَا] : قِيلَ وُجُوبًا كَمَا فِي الْأَصْلِ.
وَفِيهِ شَيْءٌ؛ إذْ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ جَوَازُ تَأْخِيرِهِمَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَتَأْخِيرُ الصَّلَاةِ الْأُولَى جَائِزٌ وَالثَّانِيَةِ وَاجِبٌ لِنُزُولِهِ بِوَقْتِهَا الِاخْتِيَارِيِّ، كَذَا كَتَبَ وَالِدُ (عب) . وَلِلَّخْمِيِّ: أَنَّ تَأْخِيرَهُمَا
فِيهِ (أَوْ قَبْلَهُ، وَإِلَّا) - بِأَنْ نَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الْغُرُوبِ - (فَفِي وَقْتَيْهِمَا) الِاخْتِيَارِيِّ؛ هَذِهِ فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَهَذِهِ أَوَّلُ وَقْتِهَا جَمْعًا صُورِيًّا، (كَمَنْ) زَالَتْ عَلَيْهِ سَائِرًا، وَلَكِنْ (لَا يَضْبِطُ نُزُولَهُ) : هَلْ يَنْزِلُ بَعْدَ الْغُرُوبِ أَوْ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ جَمْعًا صُورِيًّا.
(وَكَالْمَرِيضِ) - مَبْطُونًا أَوْ غَيْرَهُ - يَجْمَعُ جَمْعًا صُورِيًّا.
(وَلِلصَّحِيحِ فِعْلُهُ) : أَيْ الْجَمْعِ الصُّورِيِّ بِكَرَاهَةٍ.
(وَالْعِشَاءَانِ كَالظُّهْرَيْنِ) فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ عَلَى الرَّاجِحِ بِتَنْزِيلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَنْزِلَةَ الْغُرُوبِ، وَالثُّلُثَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مَنْزِلَةَ الِاصْفِرَارِ، وَمَا قَبْلَهُمَا مَنْزِلَةَ مَا قَبْلَ الِاصْفِرَارِ.
وَأَشَارَ لِلْجَمْعِ بِسَبَبِ الْإِغْمَاءِ وَنَحْوِهِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ خَافَ إغْمَاءً أَوْ) حُمَّى (نَافِضًا أَوْ مَيْدًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ: أَيْ دَوْخَةٍ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ) الصَّلَاةِ (الثَّانِيَةِ) الْعَصْرِ أَوْ الْعِشَاءِ (قَدَّمَهَا)
[حاشية الصاوي]
جَائِزٌ أَيْ وَيَجُوزُ إيقَاعُ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا وَلَوْ جَمْعًا صُورِيًّا، وَلَا يَجُوزُ جَمْعُهُمَا جَمْعَ تَقْدِيمٍ لَكِنْ إنْ وَقَعَ فَالظَّاهِرُ الْإِجْزَاءُ، وَنُدِبَ إعَادَةُ الثَّانِيَةِ فِي الْوَقْتِ.
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ تَأْخِيرِهِمَا مُرَادُهُ عَدَمُ جَوَازِ تَقْدِيمِهِمَا مَعًا فَلَا يُنَافِي جَوَازَ إيقَاعِ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا، وَالْجَوَازُ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ بِهَذَا الْمَعْنَى فَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [جَمْعًا صُورِيًّا] : أَيْ وَيَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ.
قَوْلُهُ: [وَلِلصَّحِيحِ فِعْلُهُ] : أَيْ وَلَكِنْ تَفُوتُهُ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ.
قَوْلُهُ: [وَالْعِشَاءَانِ كَالظُّهْرَيْنِ] إلَخْ: وَعَلَيْهِ إذَا غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ نَازِلٌ وَنَوَى الِارْتِحَالَ وَالنُّزُولَ بَعْدَ الْفَجْرِ جَمَعَهُمَا جَمْعَ تَقْدِيمٍ قَبْلَ ارْتِحَالِهِ، وَإِنْ نَوَى النُّزُولَ فِي الثُّلُثِ الْأَوَّلِ أَخَّرَ الْعِشَاءَ وُجُوبًا، وَإِنْ نَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الثُّلُثِ وَقَبْلَ الْفَجْرِ خُيِّرَ فِي الْعِشَاءِ، وَالْأَوْلَى تَأْخِيرُهَا لِأَنَّهُ ضَرُورِيُّهَا الْأَصْلِيُّ، وَأَنَّ مَنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ سَائِرٌ وَنَوَى النُّزُولَ فِي الثُّلُثِ الْأَوَّلِ أَوْ بَعْدَهُ، وَقَبْلَ الْفَجْرِ أَخَّرَهُمَا جَوَازًا عَلَى مَا مَرَّ، وَإِنْ نَوَى النُّزُولَ بَعْدَ الْفَجْرِ جَمَعَ جَمْعًا صُورِيًّا بِنَاءً عَلَى امْتِدَادِ مُخْتَارِ الْمَغْرِبِ لِلشَّفَقِ.
أَيْ الثَّانِيَةَ عِنْدَ الْأَوْلَى جَوَازًا عَلَى الرَّاجِحِ، (فَإِنْ سَلِمَ) مِنْ الْإِغْمَاءِ وَمَا بَعْدَهُ - وَقَدْ كَانَ قَدَّمَ الثَّانِيَةَ (أَعَادَ الثَّانِيَةَ بِوَقْتٍ) ضَرُورِيٍّ، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ إذَا قَدِمَ وَلَمْ يَرْتَحِلْ فَلَا يُعِيدُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
ثُمَّ أَشَارَ لِجَمْعِ الْعِشَاءَيْنِ خَاصَّةً لِأَحَدِ سَبَبَيْنِ بِقَوْلِهِ: (وَ) رُخِّصَ (فِي جَمْعِ الْعِشَاءَيْنِ) فَقَطْ جَمْعُ تَقْدِيمٍ (بِكُلِّ مَسْجِدٍ) تُقَامُ بِهِ الصَّلَاةُ وَلَوْ غَيْرَ مَسْجِدِ الْجُمُعَةِ (لِمَطَرٍ) وَاقِعٍ أَوْ مُتَوَقَّعٍ (أَوْ طِينٍ مَعَ ظُلْمَةٍ) لِآخِرِ الشَّهْرِ لَا لِغَيْمٍ وَلَا لِأَحَدِهِمَا فَقَطْ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [جَوَازًا عَلَى الرَّاجِحِ] : أَيْ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَنَدْبًا عِنْدَ ابْنِ يُونُسَ وَفِي (بْن) مَا يُفِيدُ اعْتِمَادَ الْأَوَّلِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: بِمَنْعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَيُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ بِوَقْتِهَا بِقَدْرِ الطَّاقَةِ وَلَوْ بِالْإِيمَاءِ فَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ حَتَّى ذَهَبَ وَقْتُهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا.
وَاسْتَظْهَرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ اسْتِغْرَاقِ الْإِغْمَاءِ لِلْوَقْتِ، فَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَى الْجَمْعِ، وَكَمَا إذَا خَافَتْ الْمَرْأَةُ أَنْ تَمُوتَ أَوْ تَحِيضَ فَإِنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَهَا الْجَمْعُ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْإِغْمَاءِ وَالْحَيْضِ، بِأَنَّ الْحَيْضَ يُسْقِطُ الصَّلَاةَ قَطْعًا بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا، وَبِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْحَيْضِ أَنْ يَعُمَّ الْوَقْتَ بِخِلَافِ الْإِغْمَاءِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ كَبِيرٍ الْخَرَشِيِّ) .
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ] إلَخْ: أَيْ حَيْثُ جَمَعَ وَهُوَ نَاوٍ لِلِارْتِحَالِ ثُمَّ طَرَأَ لَهُ عَدَمُهُ، وَأَمَّا لَوْ جَمَعَ وَهُوَ غَيْرُ نَاوٍ الِارْتِحَالَ فَيُعِيدُهَا فِي الْوَقْتِ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: [لِمَطَرٍ] : أَوْ بَرَدٍ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ.
وَأَمَّا الثَّلْجُ فَذُكِرَ فِي الْمِيعَادِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ ابْنُ سِرَاجٍ فَأَجَابَ بِأَنِّي لَا أَعْرِفُ فِيهِ نَصًّا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ كَثُرَ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ نَفْضُهُ جَازَ الْجَمْعُ وَإِلَّا فَلَا.
كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ (بْن) .
قَوْلُهُ: [أَوْ مُتَوَقَّعٍ] : إنْ قُلْت الْمَطَرُ إنَّمَا يُبِيحُ الْجَمْعَ إذَا كَثُرَ، وَالْمُتَوَقَّعُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ؟ وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ عُلِمَ كَثْرَتُهُ بِالْقَرِينَةِ فَإِنْ تَخَلَّفَ وَلَمْ يَحْصُلْ فَيَنْبَغِي إعَادَةُ الثَّانِيَةِ فِي الْوَقْتِ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ سَلَامَةِ الْمُغْمَى - كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ.
قَوْلُهُ: [أَوْ طِينٍ مَعَ ظُلْمَةٍ] : أَيْ بِشَرْطِ كَوْنِ الطِّينِ كَثِيرًا يَمْنَعُ أَوَاسِطَ النَّاسِ مِنْ لُبْسِ الْمَدَاسِ.
وَذَكَرَ صِفَةَ الْجَمْعِ بِقَوْلِهِ:
(يُؤَذَّنُ لِلْمَغْرِبِ) عَلَى الْمَنَارِ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ (كَالْعَادَةِ وَتُؤَخَّرُ) الصَّلَاةُ تَأْخِيرًا (قَلِيلًا) بِقَدْرِ مَا يَدْخُلُ وَقْتُ الِاشْتِرَاكِ لِاخْتِصَاصِ الْأُولَى بِقَدْرِ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الْغُرُوبِ (ثُمَّ صُلِّيَا) أَيْ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ (بِلَا فَصْلٍ) بَيْنَهُمَا بِنَفْلٍ أَوْ غَيْرِهِ (إلَّا) فَصْلًا (بِأَذَانٍ لِلْعِشَاءِ مُنْخَفِضٍ) لَا يُرْفَعُ صَوْتٌ (فِي الْمَسْجِدِ) لَا عَلَى الْمَنَارِ (ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ) لِمَنَازِلِهِمْ (مِنْ غَيْرِ تَنَفُّلٍ) فِي الْمَسْجِدِ: أَيْ يُكْرَهُ بِحَمْلِ الْمَنْعِ فِي النَّفْلِ عَلَى الْكَرَاهَةِ.
وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ جَمَاعَةٍ (وَوَجَبَ نِيَّتُهُ) عِنْدَ الْأُولَى كَنِيَّةِ الْإِمَامَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) جَازَ الْجَمْعُ (لِمُنْفَرِدٍ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى (بِالْمَغْرِبِ) : أَيْ عَنْ جَمَاعَةِ الْجَمْعِ وَلَوْ صَلَّاهَا فِي جَمَاعَةٍ (يَجِدُهُمْ) فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي صَلَّى بِهِ الْمَغْرِبَ أَوْ غَيْرَهُ (بِالْعِشَاءِ) فَيَدْخُلُ مَعَهُمْ فِيهَا، وَيُغْتَفَرُ لَهُ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ صَلَاتِهِ الْمَغْرِبَ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُمْ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَتُؤَخَّرُ قَلِيلًا] : وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: لَا يُؤَخَّرُ الْمَغْرِبُ أَصْلًا.
قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ: وَهُوَ الصَّوَابُ إذْ لَا مَعْنَى لِتَأْخِيرِهَا قَلِيلًا إذْ فِي ذَلِكَ خُرُوجُ الصَّلَاتَيْنِ مَعًا عَنْ وَقْتِهِمَا الْمُخْتَارِ.
اُنْظُرْ: بْن (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَلَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ: لَمْ يَلْزَمْ مِنْ تَأْخِيرِهَا بِقَدْرِهَا إيقَاعُهَا فِي وَقْتِهَا الضَّرُورِيِّ.
قَوْلُهُ: [بِأَذَانٍ لِلْعِشَاءِ] : اعْلَمْ أَنَّ الْأَذَانَ لِلْعِشَاءِ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مُسْتَحَبٌّ وَلِذَا جَرَى قَوْلَانِ فِي إعَادَتِهِ عِنْدَ غَيْبَةِ الشَّفَقِ.
وَالْمُعْتَمَدُ إعَادَتُهُ لِأَجْلِ السُّنَّةِ.
قَوْلُهُ: [فِي الْمَسْجِدِ] : أَيْ عِنْدَ مِحْرَابِهِ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ بِصِحَّتِهِ لَا فَوْقَ الْمَنَارِ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِئَلَّا يَلْبِسَ عَلَى النَّاسِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ غَيْرِ تَنَفُّلٍ] : أَيْ فَالْمُعْتَمَدُ كَرَاهَةُ النَّفْلِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَبَعْدَهُمَا وَلَوْ اسْتَمَرَّ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ، فَهَلْ يُطْلَبُ بِإِعَادَةِ الْعِشَاءِ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ.
وَقِيلَ: إنْ قَعَدَ الْكُلُّ أَوْ الْجُلُّ أَعَادُوا، وَإِلَّا فَلَا.
وَاسْتَظْهَرَ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا.
كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَجَازَ الْجَمْعُ لِمُنْفَرِدٍ بِالْمَغْرِبِ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ نِيَّةَ الْجَمْعِ تُجْزِي عِنْدَ الثَّانِيَةِ، وَلِكَوْنِهِ تَابِعًا لَهُمْ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ فَلَا يُنَافِي مَنْعَ الْجَمْعِ لَوْ حَدَثَ السَّبَبُ بَعْدَ الْأُولَى.
(وَ) جَازَ الْجَمْعُ (لِمُقِيمٍ بِمَسْجِدٍ) لِأَجْلِ اعْتِكَافٍ أَوْ مُجَاوَرَةٍ (تَبَعًا) لِلْجَمَاعَةِ (لَا اسْتِقْلَالًا) إذْ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي إيقَاعِ الْعِشَاءِ بِوَقْتِهَا، (وَلَا لِجَارِ الْمَسْجِدِ وَلَوْ) كَانَ مَرِيضًا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِلْمَسْجِدِ (أَوْ) كَانَ (امْرَأَةً) وَلَا يُخْشَى مِنْهَا الْفِتْنَةُ: أَيْ لَا يَجُوزُ لِجَارِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَجْمَعَ بِبَيْتِهِ تَبَعًا لِجَمَاعَةِ الْمَسْجِدِ، بَلْ إمَّا أَنْ يَذْهَبَ لِلْمَسْجِدِ فَيَجْمَعُ مَعَهُمْ أَوْ يُصَلِّي كُلَّ صَلَاةٍ بِوَقْتِهَا.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَجَازَ الْجَمْعُ لِمُقِيمٍ بِمَسْجِدٍ] : مُرَادُهُ بِالْجَوَازِ فِي هَذَا وَمَا قَبْلَهُ: الْإِذْنُ الصَّادِقُ بِالنَّدْبِ لِأَنَّهُ لِتَحْصِيلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ.
حَيْثُ كَانَ إمَامُ الْمَسْجِدِ مُعْتَكِفًا لَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ إلَّا تَبَعًا، فَلِذَلِكَ يَلْزَمُهُ اسْتِخْلَافُ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ وَيُصَلِّي هُوَ مَأْمُومًا، وَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ.
وَلَا يَصِحُّ الْجَمْعُ بِمَسْجِدٍ لِشَخْصٍ مُنْفَرِدٍ غَيْرِ رَاتِبٍ إلَّا بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثِ إذَا دَخَلَهَا فَوَجَدَ إمَامَهَا قَدْ جَمَعَ، صَلَّى الْمَغْرِبَ مَعَ الْعِشَاءِ جَمْعًا.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَدْخُلْ وَعَلِمَ أَنَّ إمَامَهَا قَدْ جَمَعَ فَلَا يُطَالَبُ بِدُخُولِهَا، وَيُبْقِي الْعِشَاءَ لِلشَّفَقِ.
هَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا مَرَّ كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ.
(اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
فَصْلٌ: فِي شُرُوطِ الْجُمُعَةِ وَآدَابِهَا وَمَكْرُوهَاتِهَا وَمَوَانِعهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وَلَهَا شُرُوطُ وُجُوبٍ وَهِيَ مَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهَا عَلَيْهَا، وَشُرُوطُ صِحَّةٍ وَهِيَ مَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهَا عَلَيْهَا.
وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ:
(الْجُمُعَةُ فَرْضُ عَيْنٍ) لَا كِفَايَةٍ
[حاشية الصاوي]
[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْجُمُعَةِ]
[حُكْم الْجُمُعَةِ وَشَرْط وُجُوبهَا وفضل الْعَمَل فِيهَا]
فَصْلٌ سُمِّيَتْ الْجُمُعَةُ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ آدَمَ وَحَوَّاءَ بِالْأَرْضِ فِيهِ، وَقِيلَ: لِمَا جُمِعَ فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ، وَقِيلَ: لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ فِيهِ.
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
فَائِدَةٌ: لَا شَكَّ أَنَّ الْعَمَلَ فِيهَا لَهُ مَزِيَّةٌ عَنْ الْعَمَلِ فِي غَيْرِهَا، وَلِذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ لِتِلْكَ الْحِجَّةِ فَضْلٌ عَلَى غَيْرِهَا.
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ رَزِينٍ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حِجَّةً فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَفِيهِ وَقْفَةٌ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمُنَاوِيُّ - ذَكَرَهُ (شب) فِي شَرْحِهِ.
(اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) .
قَوْلُهُ: [وَآدَابِهَا] : مُرَادُهُ مَا يَشْمَلُ السُّنَنَ.
قَوْلُهُ: [وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] : أَيْ مِنْ تَفَاصِيلِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ.
وَأَعْقَبَهَا لِصَلَاةِ الْقَصْرِ لِكَوْنِهَا شِبْهَ ظُهْرٍ مَقْصُورَةً.
قَوْلُهُ: [الْجُمُعَةُ فَرْضُ عَيْنٍ] : الْأَشْهَرُ فِيهَا ضَمُّ الْمِيمِ وَبِهِ قَرَأَ جَمَاعَةٌ، وَحُكِيَ إسْكَانُهَا وَفَتْحُهَا وَكَسْرُهَا وَبِهِنَّ قُرِئَ شَاذًّا وَهِيَ بَدَلٌ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ مِنْهَا فِي الْفِعْلِ.
وَمَعْنَى كَوْنِهَا بَدَلًا فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ: أَنَّ الظُّهْرَ شُرِعَتْ ابْتِدَاءً ثُمَّ شُرِعَتْ الْجُمُعَةُ بَدَلًا عَنْهَا، وَمَعْنَى كَوْنِهَا بَدَلًا عَنْهَا فِي الْفِعْلِ أَنَّهَا إذَا تَعَذَّرَ فِعْلُهَا أَجْزَأَتْ عَنْهَا الظُّهْرُ.
(اهـ. خَرَشِيٌّ) . وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ يَمْنَعَانِ وُجُوبَ الظُّهْرِ عَلَى رَأْيٍ، وَعَلَيْهِ فَهِيَ فَرْضُ يَوْمِهَا، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ عَنْهَا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الظُّهْرِ شَاذٌّ إذْ لَوْ كَانَتْ بَدَلًا عَنْ الظُّهْرِ لَمْ يَصِحَّ فِعْلُهَا مَعَ إمْكَانِ فِعْلِهِ.
وَلَا تَتَوَقَّفُ إقَامَتُهَا ابْتِدَاءً عَلَى إذْنِ الْإِمَامِ خِلَافًا لِمَنْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ.
(عَلَى الذَّكَرِ الْحُرِّ) : أَيْ عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ حُرٍّ لَا عَلَى امْرَأَةٍ أَوْ رَقِيقٍ (غَيْرِ الْمَعْذُورِ) لَا عَلَى مَعْذُورٍ بِعُذْرٍ مِمَّا يَأْتِي، (الْمُقِيمِ بِبَلَدِهَا) : أَيْ بَلَدِ، الْجُمُعَةِ الْآتِي بَيَانُهُ (أَوْ) الْمُقِيمِ (بِقَرْيَةٍ) أَوْ خَيْمٍ فَلَا مَفْهُومَ لِقَرْيَةٍ (نَائِيَةٍ) : أَيْ خَارِجَةٍ وَمُنْفَصِلَةٍ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ (بِكَفَرْسَخٍ) ، ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ ثُلُثَ الْمِيلِ لَا أَكْثَرَ مُعْتَبَرًا (مِنْ الْمَنَارِ) ، فَتَجِبُ عَلَى الْمُقِيمِ الْمَذْكُورِ (وَإِنْ) كَانَ (غَيْرَ مُسْتَوْطِنٍ) ، بِبَلَدِهَا بِأَنْ كَانَ مُقِيمًا بِهِ لِمُجَاوَرَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إقَامَةً تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ وَإِنْ لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ.
فَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ إذَا لَمْ يَنْوِ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ صِحَاحٍ.
[حاشية الصاوي]
وَحِينَئِذٍ فَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ وَقْتَ سَعْيِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَإِنَّ صَلَاتَهُ بَاطِلَةٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعَادَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الشَّاذِّ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ.
(اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) .
قَوْلُهُ: [وَلَا تَتَوَقَّفُ إقَامَتُهَا] إلَخْ: أَيْ وَإِنَّمَا يُنْدَبُ الِاسْتِئْذَانُ فَقَطْ.
وَوَجَبَتْ عَلَيْهِمْ إنْ مُنِعَ وَأَمِنُوا ضَرَرَهُ، وَإِلَّا لَمْ تُجِزْهُمْ لِأَنَّهَا مَحَلُّ اجْتِهَادٍ، وَلَا سِيَّمَا فِي شُرُوطِهَا.
وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ الصِّحَّةَ.
كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: [لَا عَلَى امْرَأَةٍ أَوْ رَقِيقٍ] : فَالْمَرْأَةُ لَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْجُمُعَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُسِنَّةً لَا أَرَبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا.
وَلَا تَجِبُ عَلَى عَبْدٍ وَلَوْ كَانَ فِيهِ شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ] : الْحَاصِلُ أَنَّ اشْتِرَاطَ هَذِهِ الشُّرُوطِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِأَضْدَادِهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ الظُّهْرُ، فَإِذَا حَضَرَهَا وَصَلَّاهَا حَصَلَ لَهُ ثَوَابُهَا مِنْ حَيْثُ الْحُضُورُ وَسَقَطَ عَنْهُ الظُّهْرُ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ عَلَى التَّخْيِيرِ، إذْ لَوْ كَانَ حُضُورُهَا مَنْدُوبًا فَقَطْ لَوَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَنْدُوبَ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْوَاجِبِ.
وَرُدَّ: بِأَنَّ الْوَاجِبَ الْمُخَيَّرَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ أُمُورٍ مُتَسَاوِيَةٍ؛ بِأَنْ يُقَالَ: الْوَاجِبُ إمَّا هَذَا وَإِمَّا هَذَا.
وَالشَّارِعُ إنَّمَا أَوْجَبَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَوْفِ شُرُوطَ الْجُمُعَةِ الظُّهْرَ ابْتِدَاءً.
لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْجُمُعَةُ فِيهَا الْوَاجِبُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا صَلَاةٌ، وَزِيَادَةٌ مِنْ حَيْثُ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ وَالْخُطْبَةُ،
فَعُلِمَ أَنَّ شُرُوطَ وُجُوبِهَا: الذُّكُورِيَّةُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالسَّلَامَةُ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لَهَا، وَالْإِقَامَةُ.
وَلَا يُعَدُّ مِنْ شُرُوطِهَا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ لِأَنَّهُمَا لَا يَخْتَصَّانِ بِهَا؛ لِأَنَّهُمَا شَرْطَانِ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا، وَلَا يُعَدُّ الشَّيْءُ شَرْطًا فِي شَيْءٍ إلَّا إذَا كَانَ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ الشَّيْءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوُضُوءَ وَسِتْرَ الْعَوْرَةِ لَا يُعَدَّانِ مِنْ شُرُوطِهِمَا؛ لِكَوْنِهِمَا لَا يَخْتَصَّانِ بِهَا.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ شُرُوطِ الْوُجُوبِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ صِحَّتِهَا؛ وَهِيَ خَمْسَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ، إذًا كُلُّ شَرْطٍ مِنْهَا لَهُ شُرُوطٌ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ شَرْطَ الشَّرْطِ شُرُوطٌ.
فَقَالَ:
(وَصِحَّتُهَا) : أَيْ وَشُرُوطُ صِحَّتِهَا خَمْسَةٌ: أَوَّلُهَا: الِاسْتِيطَانُ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْإِقَامَةِ لِأَنَّهُ الْإِقَامَةُ بِقَصْدِ التَّأْبِيدِ؛ الْإِقَامَةُ
[حاشية الصاوي]
كَفَتْ عَنْ الظُّهْرِ.
قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةٍ مَجْمُوعِهِ: لَا يَلْزَمُ هَذَا التَّعَبُ مِنْ أَصْلِهِ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَنْوِي إذَا أَحْرَمَ بِالْجُمُعَةِ الْفَرْضِيَّةَ فَلَمْ يَنُبْ عَنْ الْوَاجِبِ إلَّا وَاجِبٌ، فَالنَّدْبُ مِنْ حَيْثُ سَعْيُهُ لِحُضُورِهَا فَقَطْ.
(اهـ) .
[شُرُوط صِحَّة الْجُمُعَةِ]
قَوْلُهُ: [إذْ كُلُّ شَرْطٍ مِنْهَا لَهُ شُرُوطٌ] : عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: (خَمْسَةٌ) إجْمَالًا.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ شُرُوطَ الصِّحَّةِ إجْمَالًا خَمْسَةٌ: أَوَّلُهَا الِاسْتِيطَانُ وَلَهُ شَرْطَانِ: أَنْ يَكُونَ بِبَلَدٍ أَوْ أَخْصَاصٍ، وَأَنْ يَكُونَ بِجَمَاعَةٍ تَتَقَرَّى بِهِمْ تِلْكَ الْقَرْيَةُ عَادَةً بِالْأَمْنِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَالِاسْتِغْنَاءِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ الشَّارِحُ.
وَالشَّرْطُ الثَّانِي: حُضُورُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا؛ وَلَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: الْأَوَّلُ: كَوْنُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ.
الثَّانِي: بَقَاؤُهُمْ مِنْ أَوَّلِ الْخُطْبَتَيْنِ لِلسَّلَامِ.
الثَّالِثُ: كَوْنُهُمْ مَالِكِيِّينَ أَوْ حَنَفِيِّينَ أَوْ شَافِعِيِّينَ مُقَلِّدِينَ لِمَالِكٍ أَوْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى هَذَا الشَّارِحُ، وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْإِمَامُ.
وَلَهُ شَرْطَانِ: كَوْنُهُ مُقِيمًا إنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْخَلِيفَةُ.
وَكَوْنُهُ الْخَاطِبَ إلَّا لِعُذْرٍ؛ وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: الْخُطْبَتَانِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ لَهُمَا شُرُوطًا ثَمَانِيَةً، وَيُزَادُ تَاسِعٌ: وَهُوَ اتِّصَالُهُمَا بِالصَّلَاةِ.
وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ: الْجَامِعُ وَلَهُ شُرُوطٌ أَرْبَعٌ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
فَتَكَامَلَ تَفْصِيلُ شُرُوطِ الصِّحَّةِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ الْإِقَامَةُ بِقَصْدِ التَّأْبِيدِ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ نَزَلَ جَمَاعَةٌ فِي بَلَدٍ خَرَابٍ مَثَلًا، وَنَوَوْا الْإِقَامَةَ فِيهِ مُدَّةً ثُمَّ يَرْتَحِلُونَ فَأَرَادُوا صَلَاةَ الْجُمُعَةِ فِيهِ فَلَا تَصِحُّ مِنْهُمْ،
أَعَمُّ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (بِاسْتِيطَانِ بَلَدٍ) : مَبْنِيَّةٍ بِطُوبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (أَوْ) اسْتِيطَانِ (أَخْصَاصٍ) مِنْ قَصَبٍ أَوْ أَعْوَادٍ تُرَمُّ بِحَشِيشٍ، (لَا خِيَمٍ) مِنْ شَعْرٍ أَوْ قُمَاشٍ، لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِهَا الِارْتِحَالُ فَأَشْبَهُوا الْمُسَافِرِينَ، نَعَمْ إنْ أَقَامُوا عَلَى كَفَرْسَخٍ مِنْ بَلَدِهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا تَبَعًا لِأَهْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَعْنَى كَوْنِ الِاسْتِيطَانِ شَرْطُ صِحَّةٍ أَنَّهُ لَوْلَاهُ مَا صَحَّتْ جُمُعَةٌ لِأَحَدٍ؛ وَكَمَا أَنَّهُ شَرْطُ صِحَّةٍ هُوَ شَرْطُ وُجُوبٍ، أَيْضًا؛ إذْ لَوْلَاهُ مَا وَجَبَتْ عَلَى أَحَدٍ جُمُعَةٌ.
وَيُشْتَرَطُ لِهَذَا الشَّرْطِ شَرْطَانِ: الْأَوَّلُ كَوْنُهُ بِبَلَدٍ أَوْ خِصَاصٍ كَمَا قَدَّمْنَا.
الثَّانِي: كَوْنُهُ (بِجَمَاعَةٍ تَتَقَرَّى) أَيْ تُقَامُ وَتَسْتَغْنِي (بِهِمْ الْقَرْيَةُ) عَادَةً بِالْأَمْنِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَالِاسْتِغْنَاءِ فِي مَعَاشِهِمْ الْعُرْفِيِّ عَنْ غَيْرِهِمْ.
وَلَا يُحَدُّونَ بِحَدٍّ؛ كَمِائَةٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَلَوْ كَانُوا لَا تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ بِأَنْ كَانُوا مُسْتَنِدِينَ فِي مَعَاشِهِمْ لِغَيْرِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا عَلَى كَفَرْسَخٍ مِنْ قَرْيَةِ الْجُمُعَةِ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ تَبَعًا لَهُمْ،
[حاشية الصاوي]
بَلْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ إلَّا تَبَعًا لِمَنْ اسْتَوْفَى شُرُوطَ الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: [وَمَعْنَى كَوْنِ الِاسْتِيطَانِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ كَوْنَ الْبَلَدِ مُسْتَوْطَنًا أَيْ: مَنْوِيًّا الْإِقَامَةُ فِيهِ عَلَى التَّأْبِيدِ شَرْطُ صِحَّةٍ، وَاسْتِيطَانُ الشَّخْصِ فِي نَفْسِهِ شَرْطُ وُجُوبٍ.
فَمَتَى كَانَ الْبَلَدُ مُسْتَوْطَنًا وَالْجَمَاعَةُ مُتَوَطِّنَةٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ، وَصَحَّتْ مِنْهُمْ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ الْبَلَدُ تَحْتَ حُكْمِ الْكُفَّارِ؛ كَمَا لَوْ تَغَلَّبُوا عَلَى بَلَدٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَأَخَذُوهُ وَلَمْ يَمْنَعُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ التَّوَطُّنِ وَلَا مِنْ إقَامَةِ الشَّعَائِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِيهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِهِمْ.
(اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [كَوْنُهُ بِبَلَدٍ أَوْ أَخْصَاصٍ] : أَيْ لَا خِيَمٍ فَلَا تَجِبُ إلَّا تَبَعًا.
قَوْلُهُ: [بِجَمَاعَةٍ تَتَقَرَّى] إلَخْ: أَيْ قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ: بِأَنْ يَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ الْأُمُورَ الْغَالِبَةَ، وَلَا يَضُرُّ خَوْفُهُمْ مِنْ الْجُيُوشِ الْكَثِيرَةِ لِأَنَّ هَذَا يُوجَدُ فِي الْمُدُنِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْأَمْنُ بِنَفْسِ الْعَدَدِ فَلَا يُعْتَبَرُ جَاهٌ وَلَا اعْتِقَادُ وِلَايَةٍ مَثَلًا لِأَنَّ الْأَمْنَ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مَعَ قِلَّةِ الْعَدَدِ جِدًّا.
(اهـ) .
وَإِنْ كَانُوا خَارِجِينَ عَنْ كَفَرْسَخٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ كَأَهْلِ الْخِيَمِ، وَلَوْ أَحْدَثَ جَمَاعَةٌ تَتَقَرَّى بِهِمْ قَرْيَةٌ بَلَدًا عَلَى كَفَرْسَخٍ مِنْ بَلَدِ الْجُمُعَةِ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ اسْتِقْلَالًا.
الشَّرْطُ الثَّانِي: حُضُورُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا لِصَلَاتِهَا وَسَمَاعِ الْخُطْبَتَيْنِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
(وَحُضُورُ اثْنَيْ عَشَرَ) رَجُلًا لِلصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ، وَيُشْتَرَطُ لِهَذَا الشَّرْطِ شَرْطَانِ أَيْضًا: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونُوا (مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ فَلَا تَصِحُّ مِنْ الْمُقِيمِينَ بِهِ لِنَحْوِ تِجَارَةٍ إذَا لَمْ يَحْضُرْهَا الْعَدَدُ الْمَذْكُورُ مِنْ الْمُسْتَوْطِنِينَ بِالْبَلَدِ.
الثَّانِي أَنْ يَكُونُوا (بَاقِينَ) مَعَ الْإِمَامِ مِنْ أَوَّلِ الْخُطْبَةِ (لِسَلَامِهَا) أَيْ إلَى السَّلَامِ مِنْ صَلَاتِهَا، أَيْ سَلَامِ جَمِيعِهِمْ، فَلَوْ فَسَدَتْ صَلَاةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَوْ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ بَطَلَتْ الْجُمُعَةُ، وَحُضُورُ مَنْ ذُكِرَ شَرْطُ صِحَّةٍ (وَإِنْ) كَانَ (فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ) أُقِيمَتْ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [كَأَهْلِ الْخِيَمِ] : تَشْبِيهٌ تَامٌّ فِي التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ أَحْدَثَ جَمَاعَةٌ] إلَخْ: فَعَلَى هَذَا يُسَوَّغُ لِلْكُفُورِ الَّتِي تَحْدُثُ بِجَانِبِ الْقُرَى إحْدَاثُ جُمُعَةٍ اسْتِقْلَالًا.
قَوْلُهُ: [وَحُضُورُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا] : أَيْ غَيْرِ الْإِمَامِ، وَأَنْ يَكُونُوا مَالِكِيِّينَ أَوْ حَنَفِيِّينَ أَوْ شَافِعِيِّينَ قَلَّدُوا وَاحِدًا مِنْهُمَا، لَا إنْ لَمْ يُقَلِّدُوا.
فَلَا تَصِحُّ جُمُعَةُ الْمَالِكِيِّ مَعَ اثْنَيْ عَشَرَ شَافِعِيِّينَ لَمْ يُقَلِّدُوا.
لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا عِنْدَهُمْ أَرْبَعُونَ يَحْفَظُونَ الْفَاتِحَةَ بِشَدَّاتِهَا.
قَوْلُهُ: [بَطَلَتْ الْجُمُعَةُ] : أَيْ وَلَوْ دَخَلَ بَدَلَهُ مَسْبُوقٌ فَاتَتْهُ الْخُطْبَةُ.
بِهَذَا الْبَلَدِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ حُضُورُ جَمِيعِ أَهْلِ الْبَلَدِ جَزْمًا هَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْإِمَامُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
(وَإِمَامٌ مُقِيمٌ) فَلَا تَصِحُّ أَفْذَاذًا.
وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِقَامَةُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَطِّنًا كَمَا أَشَرْنَا لَهُ بِالْوَصْفِ وَأَنْ يَكُونَ هُوَ الْخَاطِبُ، فَلَوْ صَلَّى بِهِمْ غَيْرُ الْخَاطِبِ لَمْ تَصِحَّ إلَّا لِعُذْرٍ يُبِيحُ الِاسْتِخْلَافَ كَرُعَافٍ وَنَقْضِ وُضُوءٍ، وَجَبَ انْتِظَارُهُ إنْ قَرُبَ زَوَالُ الْعُذْرِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (وَكَوْنُهُ الْخَاطِبَ، إلَّا لِعُذْرٍ) .
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [هَذَا هُوَ الصَّوَابُ] : أَيْ وَهُوَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ وُجُودُهُمْ فِيهَا شَرْطُ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا الْجُمُعَةَ بِالْفِعْلِ.
وَالِاثْنَا عَشَرَ حُضُورُهُمْ شَرْطُ صِحَّةٍ تَتَوَقَّفُ الصِّحَّةُ عَلَى حُضُورِهِمْ بِالْفِعْلِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأُولَى أَوْ غَيْرِهَا.
فَلَوْ تَفَرَّقَ مَنْ تَتَقَرَّى بِهِمْ الْقَرْيَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي أَشْغَالِهِمْ - وَلَمْ يَبْقَ إلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا وَالْإِمَامُ - جَمَعُوا، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
وَمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: [وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِقَامَةُ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ ابْنُ غَلَّابٍ وَالشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، فَلَوْ اجْتَمَعَ شَخْصٌ مُقِيمٌ وَاثْنَا عَشَرَ مُتَوَطِّنُونَ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ إمَامًا لَهُمْ.
وَيُلْغَزُ بِهَا فَيُقَالُ: شَخْصٌ إنْ صَلَّى إمَامًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ مَأْمُومِيهِ، وَإِنْ صَلَّى مَأْمُومًا فَسَدَتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ (اُنْظُرْ المج) .
قَوْلُهُ: [وَجَبَ انْتِظَارُهُ] : أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّ ذَلِكَ الْعُذْرَ طَرَأَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ، سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ تَمَامِهَا أَوْ بَعْدَهُ، أَمَّا لَوْ حَصَلَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الِاخْتِيَارِيِّ مَا يَسَعُ الْخُطْبَةَ وَالْجُمُعَةَ، ثُمَّ يُصَلُّونَهَا إذَا أَمْكَنَهُمْ الْجُمُعَةُ دُونَهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُهُمْ الْجُمُعَةُ دُونَهُ فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ إلَى أَنْ يَبْقَى مِقْدَارُ مَا يَسَعُ الظُّهْرَ ثُمَّ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ أَفْذَاذًا فِي آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ.
(اهـ. مِنْ الْحَاشِيَةِ) .
قَوْلُهُ: [إنْ قَرُبَ زَوَالُ الْعُذْرِ] : وَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْعُرْفُ، وَقَالَ الْبِسَاطِيُّ: بِقَدْرِ أُولَتَيْ الرُّبَاعِيَّةِ، وَالْقِرَاءَةُ فِيهِمَا بِالْفَاتِحَةِ وَمَا تَحْصُلُ بِهِ السُّنَّةُ مِنْ السُّورَةِ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ الْخُطْبَتَانِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
(وَبِخُطْبَتَيْنِ) بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ.
أَشَارَ لِأَوَّلِهَا بِقَوْلِهِ: (مِنْ قِيَامٍ) ، وَقِيلَ الْقِيَامُ فِيهِمَا سُنَّةٌ وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ، فَإِنْ جَلَسَ أَتَمَّ وَصَحَّتْ.
وَثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَا (بَعْدَ الزَّوَالِ) فَإِنْ تَقَدَّمَتَا عَلَيْهِ لَمْ تَجُزْ.
وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَا (مِمَّا تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ خُطْبَةً) وَلَوْ سَجْعَتَيْنِ نَحْوَ: اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَ، وَانْتَهُوا عَمَّا عَنْهُ نَهَى وَزَجَرَ.
فَإِنْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ كَبَّرَ لَمْ يُجْزِهِ.
وَرَابِعُهَا: (دَاخِلُ الْمَسْجِدِ) فَلَوْ خَطَبَهُمَا خَارِجَهُ لَمْ يَصِحَّا.
وَخَامِسُهَا: أَنْ يَكُونَا (قَبْلَ الصَّلَاةِ) فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ قَبْلَهُمَا (فَإِنْ أَخَّرَهُمَا) عَنْهُمَا (أُعِيدَتْ) الصَّلَاةُ (إنْ قَرُبَ) الزَّمَنُ عُرْفًا وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ فَإِنْ طَالَ أُعِيدَتَا لِأَنَّهُمَا مِنْ الصَّلَاةِ كَرَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ، فَالطُّولُ وَالْقُرْبُ كَالْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْبِنَاءِ.
وَسَادِسُهَا، أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (يَحْضُرُهُمَا الْجَمَاعَةُ) الِاثْنَا عَشَرَ؛ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرُوا مِنْ أَوَّلِهِمَا لَمْ يُجْزِيَا لِأَنَّهُمَا كَرَكْعَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَبَقِيَ شَرْطَانِ: أَنْ يَجْهَرَ بِهِمَا وَأَنْ يَكُونَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَوْ لِأَعْجَمِيِّينَ.
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: الْجَامِعُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَإِنْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّلَ] إلَخْ: أَيْ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِإِجْزَاءِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [كَالْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْبِنَاءِ] : أَيْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَهُوَ الْعُرْفُ، أَوْ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ.
قَوْلُهُ: [يَحْضُرُهُمَا الْجَمَاعَةُ] : أَيْ سَوَاءٌ حَصَلَ مِنْهُمْ إصْغَاءٌ أَمْ لَا، فَاَلَّذِي هُوَ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ الْحُضُورُ لَا الِاسْتِمَاعُ وَالْإِصْغَاءُ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ حُضُورَ الْخُطْبَةِ فَرْضُ عَيْنٍ وَلَوْ كَثُرَ الْعَدَدُ جِدًّا، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَيْنِيَّةَ إذَا كَانَ الْعَدَدُ اثْنَيْ عَشَرَ، فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حُضُورُ الْخُطْبَةِ.
قَوْلُهُ: [أَنْ يَجْهَرَ بِهَا] أَيْ وَلَوْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ صُمًّا.
قَوْلُهُ: [وَأَنْ يَكُونَا بِالْعَرَبِيَّةِ] : فَلَوْ كَانَ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُحْسِنُ الْإِتْيَانَ بِالْخُطْبَةِ
(وَبِجَامِعٍ) فَلَا تَصِحُّ فِي الْبُيُوتِ، وَلَا فِي بَرَاحٍ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَا فِي خَانٍ، وَلَا فِي رَحْبَةِ دَارٍ.
وَلَهُ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ: أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا، وَأَنْ يَكُونَ بِنَاؤُهُ عَلَى عَادَتِهِمْ، وَأَنْ يَكُونَ مُتَّحِدًا، وَمُتَّصِلًا بِالْبَلَدِ.
وَإِلَيْهِمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ (مَبْنِيٍّ) فَلَا تَصِحُّ فِيمَا حُوِّطَ عَلَيْهِ بِزَرْبٍ أَوْ أَحْجَارٍ أَوْ طُوبٍ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ (عَلَى عَادَتِهِمْ) أَيْ أَهْلِ الْبَلَدِ فَيَشْمَلُ بِنَاءَهُ مِنْ بُوصٍ لِأَهْلِ الْأَخْصَاصِ لَا لِغَيْرِهِمْ (مُتَّحِدٍ) بِالْبَلَدِ.
(فَإِنْ تَعَدَّدَ فَالْعَتِيقُ) : هُوَ الَّذِي تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَالْمُرَادُ بِالْعَتِيقِ مَا أُقِيمَتْ فِيهِ الْجُمُعَةُ ابْتِدَاءً وَلَوْ تَأَخَّرَ بِنَاؤُهُ عَنْ غَيْرِهِ فَالْجُمُعَةُ لَهُ، (وَإِنْ تَأَخَّرَ أَدَاءٌ) أَيْ وَإِنْ تَأَخَّرَ أَدَاءُ الْجُمُعَةِ فِيهِ عَنْ الْجَدِيدِ فَالصَّلَاةُ فِي الْجَدِيدِ، وَإِنْ سَبَقَتْ فَاسِدَةً مَا لَمْ يُهْجَرْ الْعَتِيقُ، فَالْجُمُعَةُ لَا تَكُونُ إلَّا مُتَّحِدَةً فِي الْبَلَدِ مَتَى
[حاشية الصاوي]
لَمْ يَلْزَمْهُمْ جُمُعَةٌ.
[شُرُوط الْجَامِع فِي صَلَاة الْجُمُعَةِ]
قَوْلُهُ: [فَلَا تَصِحُّ فِي الْبُيُوتِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَسْجِدًا إلَّا إذَا كَانَ ذَا بِنَاءٍ مُعْتَادٍ خَارِجًا لِلَّهِ لِخُصُوصِ الصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18] .
قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَعَدَّدَ فَالْعَتِيقُ] : أَيْ وَلَا تَصِحُّ فِي الْجَدِيدِ، وَلَوْ صَلَّى فِيهِ السُّلْطَانُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَتِيقٌ بِأَنْ بُنِيَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يُصَلِّ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَحَّتْ الْجُمُعَةُ فِيمَا أُقِيمَتْ فِيهِ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ، فَإِنْ أُقِيمَتْ فِيهِمَا بِغَيْرِ إذْنِهِ صَحَّتْ لِلسَّابِقِ بِالْإِحْرَامِ إنْ عَلِمَ وَإِلَّا حُكِمَ بِفَسَادِهَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا كَذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ، وَوَجَبَ إعَادَتُهَا لِلشَّكِّ فِي السَّبْقِ جُمُعَةً إنْ كَانَ وَقْتُهَا بَاقِيًا وَإِلَّا ظُهْرًا.
قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ بِالْعَتِيقِ] إلَخْ: أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْعَتَاقَةَ تُعْتَبَرُ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلْبِنَاءِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ تَأَخَّرَ أَدَاءُ] : أَيْ فِي غَيْرِ الْمَرَّةِ الْأُولَى الَّتِي صَارَ بِهَا عَتِيقًا.
قَوْلُهُ: [مَا لَمْ يُهْجَرْ الْعَتِيقُ] : أَيْ وَيَنْقُلُونَهَا لِلْجَدِيدِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْهَجْرُ لِلْعَتِيقِ لِمُوجِبٍ أَوْ لِغَيْرِهِ.
وَظَاهِرُهُ: دَخَلُوا عَلَى دَوَامِ هِجْرَانِ الْعَتِيقِ أَوْ عَلَى عَدَمِ دَوَامِ ذَلِكَ، فَإِنْ رَجَعُوا لِلْعَتِيقِ مَعَ الْجَدِيدِ فَالْجُمُعَةُ لِلْعَتِيقِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُتَنَاسَى الْأَوَّلُ
أُقِيمَتْ لَا تُصَلَّى بِجَمَاعَةٍ بَعْدُ لَا فِي الْعَتِيقِ وَلَا غَيْرِهِ، وَإِنْ صُلِّيَتْ فِي غَيْرِهِ قَبْلَهُ فَبَاطِلَةٌ (مُتَّصِلٌ بِبَلَدِهَا) حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ انْفَصَلَ عَنْهَا انْفِصَالًا يَسِيرًا عُرْفًا (لَا إنْ انْفَصَلَ كَثِيرًا) فَلَا تَصِحُّ بِهِ الْجُمُعَةُ (أَوْ خَفَّ بِنَاؤُهُ) عَنْ عَادَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ فَلَا تَصِحُّ فِيهِ، وَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ: [عَلَى عَادَاتِهِمْ] . ثُمَّ أَشَارَ لِنَفْيِ أُمُورٍ قِيلَ بِشَرْطِيَّتِهَا، وَالرَّاجِحُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهَا بِقَوْلِهِ:
[حاشية الصاوي]
بِالْمَرَّةِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ لِلثَّانِي.
قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْقَوْمِ - إذَا اجْتَمَعُوا فِي مَسْجِدٍ - تُبِيحُ التَّعَدُّدَ كَالضِّيقِ، وَأَمَّا خَوْفُ شَخْصٍ وَحْدَهُ فَهُوَ مِنْ الْأَعْذَارِ الْآتِيَةِ، وَلَا يُحْدِثُ لَهُ مَسْجِدًا أَوْ يَأْخُذُ مَعَهُ جَمَاعَةً.
وَالضِّيقُ عَلَى مَنْ يُخَاطَبُ بِهَا شَرْعًا وَلَعَلَّهُ إنْ خَشِيَ مِنْ التَّوْسِعَةِ التَّخْلِيطَ وَإِلَّا فَيُجْبَرُ الْمُلَّاكُ عَلَى التَّوْسِعَةِ.
(اهـ.) وَمِثْلُ هَجْرِ الْعَتِيقِ حُكْمُ حَاكِمٍ بِصِحَّتِهَا فِي الْجَدِيدِ تَبَعًا لِحُكْمِهِ بِصِحَّةِ عِتْقِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ مَثَلًا عَلَّقَ سَيِّدُهُ عِتْقَهُ عَلَى صِحَّةِ الْجُمُعَةِ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ، بِأَنْ يَقُولَ بَانِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرُهُ لِعَبْدٍ مُعَيَّنٍ مَمْلُوكٍ لَهُ: إنْ صَحَّتْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فَأَنْتَ حُرٌّ فَبَعْدَ الصَّلَاةِ فِيهِ يَذْهَبُ ذَلِكَ الْعَبْدُ إلَى الْقَاضِي الْحَنَفِيِّ فَيَقُولُ ادَّعَى عَلَيَّ سَيِّدِي أَنَّهُ عَلَّقَ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ عِتْقِي، وَقَدْ صَلَّيْت الْجُمُعَةَ فِيهِ، فَيَقُولُ ذَلِكَ الْقَاضِي حَكَمْت بِعِتْقِك فَيَسْرِي حُكْمُهُ بِالْعِتْقِ إلَى صِحَّةِ الْجُمُعَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا، لَا فَرْقَ بَيْنَ السَّابِقَةِ عَلَى الْحُكْمِ وَالْمُتَأَخِّرَةِ عَنْهُ، فَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ تَابِعٌ لِلْحُكْمِ بِالْعِتْقِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُعَلَّقِ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِحُصُولِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُحْكَمُ بِالصِّحَّةِ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْحَاكِمَ لَا يُدْخِلُ الْعِبَادَاتِ اسْتِقْلَالًا، بَلْ تَبَعًا كَمَا لِلْقَرَافِيِّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، خِلَافًا لِابْنِ رُشْدٍ حَيْثُ قَالَ: حُكْمُ الْحَاكِمِ يُدْخِلُهَا اسْتِقْلَالًا كَالْمُعَامَلَاتِ قَوْلُهُ: [حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا] إلَخْ: وَلَا يَضُرُّ خَرَابُ مَا حَوْلَهُ، وَفِي الْحَطَّابِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ: أَنَّ الِانْفِصَالَ الْيَسِيرَ هُوَ أَنْ يَنْعَكِسَ عَلَيْهِ دُخَانُهَا، وَحَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَرْبَعِينَ ذِرَاعًا أَوْ بَاعًا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ خَفَّ بِنَاؤُهُ] : أَيْ بِأَنْ كَانَ أَهْلُ الْبَلَدِ يَبْنُونَ بِالْأَحْجَارِ أَوْ بِالطُّوبِ الْمَحْرُوقِ وَبِنَاؤُهُ بِالنِّيءِ، أَوْ كَانَ أَهْلُ الْبَلَدِ يَبْنُونَ بِالنِّيءِ وَبِنَاؤُهُ بِالْبُوصِ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ سَقْفُهُ) عَلَى الرَّاجِحِ (وَلَا قَصْدُ تَأْبِيدِهَا) : أَيْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ (بِهِ) : أَيْ فِيهِ، فَتَصِحُّ فِي مَسْجِدٍ قَصَدُوا بَعْدَ مُدَّةٍ الِانْتِقَالَ لِغَيْرِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، (أَوْ إقَامَةُ) الصَّلَوَاتِ (الْخَمْسِ) فِيهِ لَا يُشْتَرَطُ فَتَصِحُّ فِي جَامِعٍ لَمْ يُصَلَّ فِيهِ إلَّا الْجُمُعَةُ.
(وَصَحَّتْ) الْجُمُعَةُ (بِرَحْبَتِهِ) وَهِيَ مَا زِيدَ خَارِجَ مُحِيطِهِ لِتَوْسِعَتِهِ (وَطُرُقِهِ الْمُتَّصِلَةِ) بِهِ مِنْ غَيْرِ فَصْلِ بُيُوتٍ أَوْ حَوَانِيتَ أَوْ أَشْيَاءَ مَحْجُورَةٍ (مُطْلَقًا) ضَاقَ الْمَسْجِدُ أَوْ اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ أَمْ لَا.
(وَمُنِعَتْ) الْجُمُعَةُ (بِهِمَا) أَيْ بِالرَّحْبَةِ وَالطُّرُقِ الْمُتَّصِلَةِ - وَإِنْ صَحَّتْ - (إنْ انْتَفَى الضِّيقُ وَ) انْتَفَى (اتِّصَالُ الصُّفُوفِ) . وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ ضَعِيفٌ.
(لَا) تَصِحُّ (بِسَطْحِهِ) ، وَلَوْ ضَاقَ بِالنَّاسِ.
(وَلَا بِمَا) أَيْ بِكُلِّ مَكَان (حِجْرٍ) أَيْ كَانَ مَحْجُورًا (كَبَيْتِ قَنَادِيلِهِ) أَوْ حُصْرِهِ أَوْ خُلُوِّهِ لِخَادِمٍ مِنْ خَدَمَتِهِ كَمُؤَذِّنٍ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ السُّنَنِ وَالْمَنْدُوبَاتِ فَقَالَ:
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَلَا يُشْتَرَطُ سَقْفُهُ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: [مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِبُيُوتٍ] إلَخْ: أَيْ فَلَوْ فُصِلَ بَيْنَ حِيطَانِهِ وَالطُّرُقِ بِحَوَانِيتَ كَالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ بِمِصْرَ، فَظَاهِرُهُ يَضُرُّ وَهُوَ مَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الشَّيْخِ سَالِمٍ وَاسْتَظْهَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ
قَوْلُهُ: [مُنِعَتْ الْجُمُعَةُ] إلَخْ: أَيْ كُرِهَتْ كَرَاهَةً شَدِيدَةً كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَمِمَّا يَلْحَقُ بِالطُّرُقِ الْمُتَّصِلَةِ الْمَدَارِسُ الَّتِي حَوْلَ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ، وَأَمَّا الْأَرْوِقَةُ الَّتِي فِيهِ فَهِيَ مِنْهُ فَتُصْبِحُ الْجُمُعَةُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ مَا لَمْ تَكُنْ مَحْجُورَةً، وَإِلَّا كَانَتْ كَبَيْتِ الْقَنَادِيلِ وَمَقَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ الَّتِي فِي الْمَسْجِدِ كَمَقَامِ أَبِي مَحْمُودٍ الْحَنَفِيِّ أَوْ الْحُسَيْنِ أَوْ السَّيِّدَةِ مِنْ قَبِيلِ الطُّرُقِ الْمُتَّصِلَةِ، فَتَصِحُّ فِيهَا الْجُمُعَةُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمَقَامُ لَا يُفْتَحُ إلَّا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ.
قَوْلُهُ: [لَا تَصِحُّ بِسَطْحِهِ] إلَخْ: أَفْهَمَ كَلَامُهُ صِحَّتَهَا بِدَكَّةِ الْمُبَلِّغِينَ وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ لَمْ تَكُنْ مَحْجُورَةً فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ سَطْحِهِ وَالطُّرُقِ أَنَّ الطُّرُقَ مُتَّصِلَةٌ بِأَرْضِهِ، فَتَصِحُّ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ أَعْلَى مِنْ السَّطْحِ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ صِحَّتِهَا
(وَسُنَّ) حَالَ الْخُطْبَةِ (اسْتِقْبَالُ الْخَطِيبِ) بِذَاتِهِ لَا اسْتِقْبَالُ جِهَتِهِ فَقَطْ.
وَقِيلَ: يَجِبُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ.
وَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ قَطْعُ الْكَلَامِ وَاسْتِقْبَالُهُ وَالْإِنْصَاتُ إلَيْهِ.
وَهَذَا لَا يُمْكِنُ لِجَمِيعِ النَّاسِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَا الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ؛ أَمَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَلِأَنَّ الْمِنْبَرَ بِجَانِبِ الْمَقَامِ وَالْمَطَافُ حَائِلٌ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ فَإِذَا رَقَى الْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ وَبَاقِيهِمْ فِي الْمَطَافِ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَأَكْثَرُهُمْ خَلْفَ الْبَيْتِ وَجَوَانِبِهِ.
وَأَمَّا الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ فَإِنَّ زِيَادَةَ عُثْمَانَ خَلْفَ الْمِنْبَرِ النَّبَوِيِّ وَخَلْفَ الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ مِنْ الْجِهَةِ الْقِبْلِيَّةِ، فَالْجَالِسُ فِيهَا يَكُونُ خَلْفَ ظَهْرِ الْخَطِيبِ.
فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْخُطْبَةِ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ نَزَلَ وَتَخَطَّى الصُّفُوفَ حَتَّى يَصِلَ لِلْمِحْرَابِ الَّذِي فِي الزِّيَادَةِ
(وَ) سُنَّ (جُلُوسُهُ) أَيْ الْخَطِيبِ (أَوَّلَ كُلِّ خُطْبَةٍ) أَيْ فِي أَوَّلِ الْأُولَى وَأَوَّلِ الثَّانِيَةِ.
(وَ) سُنَّ (غُسْلٌ لِكُلِّ مُصَلٍّ وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ) الْجُمُعَةُ كَالْمُسَافِرِينَ وَالْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ.
[حاشية الصاوي]
عَلَى السَّطْحِ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ بِصِحَّتِهَا عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَهُوَ لِمَالِكٍ وَأَشْهَبَ وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، قَالُوا وَإِنَّمَا يُكْرَهُ ابْتِدَاءً وَقِيلَ بِصِحَّتِهَا عَلَيْهِ لِلْمُؤَذِّنِ لَا غَيْرِهِ وَقِيلَ إنْ ضَاقَ الْمَسْجِدُ جَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَى سَطْحِهِ.
[سُنَن الْجُمُعَةِ وَمَنْدُوبَاتهَا]
قَوْلُهُ: [وَسُنَّ حَالَ الْخُطْبَةِ] إلَخْ: أَيْ لِقَوْلِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذَا قَعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاسْتَقْبِلُوهُ بِوُجُوهِكُمْ وَارْمُقُوهُ بِأَجْفَانِكُمْ» وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ طَلَبُ اسْتِقْبَالِهِ بِمُجَرَّدِ قُعُودِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَلَوْ لَمْ يَنْطِقْ، لَكِنَّ الَّذِي فِي (عب) أَنَّ طَلَبَ اسْتِقْبَالِهِ عِنْدَ نُطِقْهُ لَا قَبْلَهُ وَلَوْ كَانَ قَبْلَ النُّطْقِ جَالِسًا عَلَى الْمِنْبَرِ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يَجِبُ] إلَخْ: أَيْ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ (ح) وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ السُّنِّيَّةُ.
وَقِيلَ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ فِي شَرْحِ الْمُدَوَّنَةِ، وَظَاهِرُهُ طَلَبُ الِاسْتِقْبَالِ حَتَّى لِلصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ تَبَعًا لِابْنِ الْحَاجِبِ، فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: [وَالْمَطَافُ حَائِلٌ] : الْمُنَاسِبُ طَرِيقٌ.
قَوْلُهُ: [وَسُنَّ جُلُوسُهُ] : قَالَ ابْنُ عَاتٍ قَدْرَ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) .
قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمْ تَلْزَمْهُ] : وَلَا يُشْكِلُ كَوْنُ الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ
(وَصِحَّتُهُ) : أَيْ الْغُسْلِ: (بِطُلُوعِ الْفَجْرِ) فَلَا يَصِحُّ قَبْلَهُ (وَاتِّصَالُهُ بِالرَّوَاحِ) إلَى الْمَسْجِدِ، وَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ (فَإِنْ فَصَلَ كَثِيرًا أَوْ تَغَذَّى) خَارِجَهُ (أَوْ نَامَ خَارِجَهُ اخْتِيَارًا) أَوْ اضْطِرَارًا وَطَالَ (أَعَادَهُ) لِبُطْلَانِهِ.
(وَنُدِبَ) لِمُرِيدِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ (تَحْسِينُ هَيْئَةٍ) : مِنْ قَصِّ شَارِبٍ، وَأَظْفَارٍ، وَحَلْقِ عَانَةٍ، وَنَتْفِ إبْطٍ - إنْ احْتَاجَ لِذَلِكَ - وَسِوَاكٍ؛ وَقَدْ يَجِبُ لِإِزَالَةِ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ كَبَصَلٍ.
(وَجَمِيلُ ثِيَابٍ) وَأَفْضَلُهَا الْأَبْيَضُ.
[حاشية الصاوي]
سُنَّةً مَعَ أَنَّ نَفْسَ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّهِ مَنْدُوبَةٌ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ لَهَا وَاجِبٌ وَإِنْ شِئْت فَانْظُرْ إلَى السُّورَةِ وَنَحْوِهَا فِي صَلَاةِ الصَّبِيِّ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: [وَاتِّصَالُهُ بِالرَّوَاحِ] : اسْتَعْمَلَ الرَّوَاحَ فِيمَا قَارَبَ الزَّوَالَ، وَإِلَّا فَالرَّوَاحُ فِي الْأَصْلِ السَّيْرُ بَعْدَ الزَّوَالِ هَكَذَا قِيلَ، وَلَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ: التَّحْقِيقُ أَنَّ الرَّوَاحَ هُوَ الذَّهَابُ مُطْلَقًا لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ خِلَافًا لِجَمْعٍ.
فَالْمَطْلُوبُ عِنْدَنَا هُوَ وَقْتُ الْهَاجِرَةِ فَلَوْ رَاحَ قَبْلَهُ مُتَّصِلًا بِغُسْلِهِ - قَالَ ابْنُ وَهْبٍ - يُجْزِيهِ وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ.
قَوْلُهُ: [أَوْ تَغَذَّى خَارِجَهُ] إلَخْ: وَأَمَّا إنْ تَغَذَّى أَوْ نَامَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي ذَهَابِهِ إلَيْهِ فَلَا يَضُرُّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: [اخْتِيَارًا] : رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الْأَكْلِ وَالنَّوْمِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لَا لِلنَّوْمِ فَقَطْ كَمَا قِيلَ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ لِمُرِيدِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] : الْمُرَادُ التَّأَكُّدُ، وَإِلَّا فَتَحْسِينُهَا مَنْدُوبٌ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: [وَأَفْضَلُهَا الْأَبْيَضُ] : اعْلَمْ أَنَّ لُبْسَ الثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَنْدُوبٌ لَا لِأَجْلِ الْيَوْمِ بَلْ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ، فَيَجُوزُ لُبْسُ الْبَيَاضِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَيُلْبَسُ الْأَبْيَضُ فِيهَا.
بِخِلَافِ الْعِيدِ فَإِنَّ لُبْسَ الْجَدِيدِ فِيهِ مَنْدُوبٌ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ.
فَإِنْ كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عِيدٍ لَبِسَ الْجَدِيدَ غَيْرَ الْأَبْيَضِ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَالْأَبْيَضَ عِنْدَ حُضُورِهَا.
(وَتَطْيِيبٌ لِغَيْرِ نِسَاءٍ) وَيَحْرُمُ التَّجْمِيلُ بِالثِّيَابِ وَالطِّيبِ عَلَيْهِنَّ لِتَعَلُّقِ الرِّجَالِ بِهِنَّ.
(وَمَشْيٌ) فِي الذَّهَابِ فَقَطْ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ.
(وَتَهْجِيرٌ) أَيْ ذَهَابٌ فِي الْهَاجِرَةِ وَالْمُرَادُ بِهَا السَّاعَةُ السَّادِسَةُ الَّتِي يَلِيهَا الزَّوَالُ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَتَطْيِيبٌ] : إنَّمَا نُدِبَ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ يَوْمَهَا لِأَجْلِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَقِفُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَرُبَّمَا صَافَحُوهُ أَوْ لَمَسُوهُ.
قَوْلُهُ: [وَمَشَى فِي الذَّهَابِ] : أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِأَنَّهُ عَبْدٌ ذَاهِبٌ لِمَوْلَاهُ فَيُطْلَبُ مِنْهُ التَّوَاضُعُ لَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا فِي إقْبَالِهِ عَلَيْهِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ اغْبَرَّتْ قَدِمَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيْ فِي طَاعَتِهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» وَشَأْنُ الْمَاشِي الِاغْبِرَارُ وَإِنْ اتَّفَقَ عَدَمُ الِاغْبِرَارِ فِيمَنْ مَنْزِلُهُ قَرِيبٌ، وَاغْبِرَارُ قَدَمَيْ الرَّاكِبِ نَادِرٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاغْبِرَارَ لَازِمٌ لِلْمَشْيِ عَادَةً فَأُطْلِقَ اسْمُ اللَّازِمِ وَأُرِيدَ الْمَلْزُومُ الَّذِي هُوَ الْمَشْيُ عَلَى طَرِيقِ الْكِنَايَةِ.
قَوْلُهُ: [فَقَطْ] : أَيْ وَأَمَّا فِي رُجُوعِهِ فَلَا يُنْدَبُ الْمَشْيُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ قَدْ حَصَلَ.
قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ بِهَا السَّاعَةُ السَّادِسَةُ] : أَيْ وَهِيَ الْمُقَسَّمَةُ إلَى السَّاعَاتِ أَيْ الْأَجْزَاءِ فِي حَدِيثِ الْمُوَطَّأِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ» . وَمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ
(وَتَقْصِيرُ الْخُطْبَتَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ أَقْصَرُ) مِنْ الْأُولَى، أَيْ يُنْدَبُ كَوْنُهَا أَقْصَرَ.
(وَ) نُدِبَ (رَفْعُ صَوْتِهِ بِهِمَا) زِيَادَةً عَلَى أَصْلِ الْجَهْرِ الْوَاجِبِ.
(وَبَدْؤُهُمَا بِالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ، وَأَوْجَبَهُمَا الشَّافِعِيُّ كَمَا أَوْجَبَ الِاسْتِغْفَارَ وَأَمَرَ بِالتَّقْوَى وَلَوْ فِي أَحَدِهِمَا.
(وَخَتَمَ الثَّانِيَةَ بِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ) .
(وَأَجْزَأَ) فِي النَّدْبِ (اُذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ) . (وَ) نُدِبَ (قِرَاءَةٌ فِيهِمَا) وَلَوْ آيَةً وَالْأُولَى سُورَةٌ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَرُوِيَ: " أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِيهَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 71] ، وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ الْقِرَاءَةَ وَجَعَلَ أَرْكَانَهَا خَمْسَةً الْأَرْبَعَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ وَالْقِرَاءَةَ؛ فَيَكْفِي عِنْدَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ
[حاشية الصاوي]
تِلْكَ السَّاعَاتِ أَجْزَاءٌ لِلسَّادِسَةِ الَّتِي يَلِيهَا الزَّوَالُ هُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَاجِيُّ وَشَهَّرَهُ الرَّجْرَاجِيُّ خِلَافًا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ الْقَائِلِ: إنَّهُ تَقْسِيمٌ لِلسَّاعَةِ السَّابِعَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُطْلَبُ خُرُوجُهُ فِي أَوَّلِهَا وَبِخُرُوجِهِ تَحْضُرُ الْمَلَائِكَةُ لِسَمَاعِ الذِّكْرِ.
قَوْلُهُ: [وَالثَّانِيَةُ أَقْصَرُ] : أَيْ وَكَذَا يُنْدَبُ تَقْصِيرُ الصَّلَاةِ لِمَا مَرَّ أَنَّ التَّخْفِيفَ لِكُلِّ إمَامٍ مَطْلُوبٌ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ رَفْعُ صَوْتِهِ بِهِمَا] إلَخْ: وَلِذَلِكَ نُدِبَ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَكُونَ مُرْتَفِعًا عَلَى مِنْبَرٍ.
قَوْلُهُ: [وَأَجْزَأَ فِي النَّدْبِ: اُذْكُرُوا اللَّهَ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا خَتْمُهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90] الْآيَةَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ غَيْرُ مَطْلُوبٍ فِي خَتْمِهَا وَأَوَّلُ مَنْ قَرَأَ فِي آخِرِهَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90] عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَإِنَّهُ أَحْدَثَ ذَلِكَ بَدَلًا عَمَّا كَانَ يَخْتِمُ بِهِ بَنُو أُمَيَّةَ خُطْبَتَهُمْ مِنْ سَبِّهِمْ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لَكِنْ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهِ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ قِرَاءَةٌ فِيهِمَا] : أَيْ فِي مَجْمُوعِهِمَا لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ إنَّمَا تُنْدَبُ فِي الْأُولَى كَمَا فِي (شب) .
قَوْلُهُ: [يَقْرَأُ فِيهَا] : أَيْ فِي خُطْبَتِهِ الْأُولَى.
وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة: 7] إلَخْ، غَفَرَ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَكَذَا عِنْدَنَا لِأَنَّهُ مِمَّا تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ خُطْبَةً، وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِنَدْبِ قِرَاءَةِ حَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَعَلَّهُ مِنْ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ.
(وَ) نُدِبَ لِلْإِمَامِ (تَوَكُّؤٌ) حَالَ الْخُطْبَةِ (عَلَى عَصَا) وَأَجْزَأَ قَوْسٌ وَسَيْفٌ.
(وَ) نُدِبَ (قِرَاءَةُ) سُورَةِ (الْجُمُعَةِ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى، (وَهَلْ أَتَاك أَوْ سَبِّحْ) بَعْدَهَا فِي الثَّانِيَةِ.
(وَ) نُدِبَ (حُضُورُ صَبِيٍّ وَ) امْرَأَةٍ (مُتَجَالَّةٍ) أَيْ عَجُوزٌ لَا أَرَبَ لِلرِّجَالِ فِيهَا، (وَمُكَاتَبٍ) وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ (وَ) حُضُورُ (قِنٍّ) أَوْ مُدَبَّرٍ (أَذِنَ سَيِّدُهُ) لَهُ فِي الْحُضُورِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَهَلْ أَتَاك أَوْ سَبِّحْ] إلَخْ: أَيْ فَيَكُونُ الْخَطِيبُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فِي الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ] : أَيْ لِسُقُوطِ تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِالْكِتَابَةِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ مُدَبَّرٍ أَذِنَ سَيِّدُهُ] إلَخْ: أَنَّهُ يُنْدَبُ لِلسَّيِّدِ الْإِذْنُ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِلْمَنْدُوبِ.
قَالَ الْأُجْهُورِيُّ:
مَنْ يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ مِنْ ذِي الْعُذْرِ ... عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ فَادْرِ
وَمَا عَلَى أُنْثَى وَلَا أَهْلِ السَّفَرْ ... وَالْعَبْدِ فِعْلُهَا وَإِنْ لَهَا حَضَرْ
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَقَدْ نَازَعَ (ر) وَ (بْن) فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَى ذِي الرِّقِّ بَعْدَ الْحُضُورِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ مُقْتَضَى بِحَثِّ الْقَرَافِيُّ الْمَشْهُورِ فِي إجْزَائِهَا عَنْ الظُّهْرِ.
(اهـ.) قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ: لَكِنَّ مُنَازَعَتَهُمَا فِي عَدَمِ وُجُوبِ الدُّخُولِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأُجْهُورِيَّ قَالَ بِهِ وَخَصَّ وُجُوبَ الدُّخُولِ بِالْإِقَامَةِ بِمَا إذَا كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ، فَقَالَ (ر) : الصَّوَابُ أَنَّ الْوُجُوبَ عَامٌّ، وَأَنَّ مَعْنَى كَلَامِ الْأَشْيَاخِ: أَنَّ الْمَرِيضَ وَالْمَعْذُورَ بِخَوْفٍ أَوْ وَحَلٍ أَوْ مَطَرٍ مَثَلًا - إذَا حَضَرَ فِي الْمَسْجِدِ، وَتَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ - وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ لِارْتِفَاعِ عُذْرِهِمْ لَمَّا حَضَرُوا، فَارْتَفَعَ الْمَانِعُ الْمُسْقِطُ لِلْوُجُوبِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ وَمَنْ مَعَهُ فَعُذْرُهُمْ قَائِمٌ بِهِمْ حَالَ حُضُورِهِمْ فَلَهُمْ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا اللُّزُومُ فَالْإِقَامَةُ فَقَدْرٌ مُشْتَرَكٌ.
(اهـ) .
(وَ) نُدِبَ (تَأْخِيرُ مَعْذُورٍ) كَمَحْبُوسٍ وَمُكْرَهٍ وَمَرِيضٍ وَعُرْيَانَ وَخَائِفٍ مِنْ الذَّهَابِ لِأَمْرِ (الظُّهْرِ) : أَيْ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَى أَنْ تُصَلَّى الْجُمُعَةُ، وَلَا يَسْتَعْجِلُ بِصَلَاتِهَا (إنْ ظَنَّ زَوَالَ عُذْرِهِ) قَبْلَ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ وَإِدْرَاكِهَا فَإِنْ قَدِمَ صَحَّتْ وَأَعَادَهَا جُمُعَةً وُجُوبًا إنْ أَمْكَنَ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ " وَأَخَّرَ الظُّهْرَ " إلَخْ الْوُجُوبِ (وَإِلَّا) يَظُنَّ زَوَالَ عُذْرَهُ بَلْ شَكَّ أَوْ ظَنَّ عَدَمَهُ (فَلَهُ التَّقْدِيمُ) لِصَلَاةِ الظُّهْرِ أَوَّلَ الْوَقْتِ قَبْلَ إقَامَتِهِمْ الْجُمُعَةَ؛ كَالنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ (وَغَيْرِ الْمَعْذُورِ) مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَلَوْ لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ؛ كَالْمُقِيمِ بِبَلَدِهَا (إنْ صَلَّاهُ) : أَيْ الظُّهْرَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ (مُدْرِكًا) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ ظَانًّا الْإِدْرَاكَ (لِرَكْعَةٍ) مِنْ الْجُمُعَةِ (لَوْ سَعَى) لَهَا (لَمْ يُجْزِهِ) أَيْ الظُّهْرَ الَّذِي صَلَّاهُ، وَيُعِيدُهُ - إنْ لَمْ تُمْكِنْهُ الْجُمُعَةُ أَبَدًا (كَمَعْذُورٍ) صَلَّى الظُّهْرَ لِعُذْرِهِ ثُمَّ (زَالَ عُذْرُهُ) : كَأَنْ قَدِمَ مِنْ السَّفَرِ أَوْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ أَوْ انْفَكَّ
[حاشية الصاوي]
[تَنْبِيه صَلَاة الظُّهْر جَمَاعَة يَوْم الْجُمُعَةَ]
قَوْلُهُ: [لَمْ يُجْزِهِ] : أَيْ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ جُمُعَةٌ وَلَمْ يَأْتِ بِهَا.
وَسَوَاءٌ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ عَازِمًا عَلَى عَدَمِ الْجُمُعَةِ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ إحْرَامِهِ بِالظُّهْرِ مُدْرِكًا لِرَكْعَةٍ مِنْ الْجُمُعَةِ لَوْ سَعَى إلَيْهَا أَجْزَأَتْهُ ظُهْرُهُ.
وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ مَا فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ: أَنَّ غَيْرَ الْمَعْذُورِ إذَا صَلَّى الظُّهْرَ مُدْرِكًا لِرَكْعَةٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ، قَالَ: إذْ كَيْفَ يُعِيدُهَا أَرْبَعًا وَقَدْ صَلَّى أَرْبَعًا؟ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْأَصْلِ وَهُوَ الظُّهْرُ.
وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّ الْمَازِرِيَّ بَنَى هَذَا الْفَرْعَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْجُمُعَةِ هَلْ هِيَ فَرْضُ يَوْمِهَا أَوْ بَدَلٌ عَنْ الظُّهْرِ.
(اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . تَنْبِيهٌ:
تُكْرَهُ صَلَاةُ الظُّهْرِ جَمَاعَةً يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِغَيْرِ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ الْكَثِيرَةِ الْوُقُوعِ، وَأَمَّا عَنْ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ الْكَثِيرَةِ الْوُقُوعِ فَالْأَوْلَى لَهُمْ الْجَمْعُ، وَيُنْدَبُ صَبْرُهُمْ إلَى فَرَاغِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَإِخْفَاءُ جَمَاعَتِهِمْ لِئَلَّا يُتَّهَمُوا بِالرَّغْبَةِ عَنْ الْجُمُعَةِ.
وَاحْتَرَزْنَا بِكَثْرَةِ الْوُقُوعِ عَنْ نَادِرَةِ الْوُقُوعِ كَخَوْفِ بَيْعَةِ الْأَمِيرِ الظَّالِمِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لِلْخَائِفِ الْجَمْعُ، وَإِذَا جَمَعُوا لَمْ يُعِيدُوا عَلَى الْأَظْهَرِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِإِعَادَتِهِمْ إذَا جَمَعُوا.
وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَتَخَلَّفَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَجْمَعْ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ وَجَمَعَ ابْنُ وَهْبٍ بِالْقَوْمِ وَقَاسَهَا عَلَى الْمُسَافِرِ، ثُمَّ قَدِمَا عَلَى مَالِكٍ فَسَأَلَاهُ؟ فَقَالَ: لَا تَجْمَعُوا وَلَا يَجْمَعْ إلَّا أَهْلُ السِّجْنِ وَالْمَرَضِ وَالْمُسَافِرُ.
مِنْ وِثَاقِهِ قَبْلَ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ بِحَيْثُ لَوْ سَعَى لَأَدْرَكَ مِنْهَا وَلَوْ رَكْعَةً، فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، فَإِذَا لَمْ يُصَلِّهَا مَعَ الْإِمْكَانِ فَهَلْ يُعِيدُ الظُّهْرَ أَوْ لَا؟ وَلِأَنَّهُ قَدْ صَلَّاهَا حَالَ الْعُذْرِ وَهُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ صَدْرُ الْمَبْحَثِ (أَوْ صَبِيٍّ بَلَغَ) بَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ وَقَبْلَ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، فَإِنْ لَمْ يُصَلِّهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ أَعَادَ الظُّهْرَ أَبَدًا، لِأَنَّ فِعْلَهُ الْأَوَّلَ وَقَعَ نَافِلَةً وَقَدْ بَلَغَ فِي الْوَقْتِ.
(وَ) نُدِبَ (حَمْدُ عَاطِسٍ سِرًّا حَالَ الْخُطْبَةِ) . وَكُرِهَ جَهْرًا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّشْمِيتِ وَالرَّدِّ وَهُوَ مِنْ اللَّغْوِ الْمَمْنُوعِ (كَتَأْمِينٍ) تَشْبِيهٌ فِي النَّدْبِ أَيْ فِي قَوْلِهِ آمِينَ (وَتَعَوُّذٍ وَاسْتِغْفَارٍ عِنْدَ ذِكْرِ السَّبَبِ) فِي الْجَمِيعِ بِأَنْ يَشْرَعَ فِي دُعَاءٍ أَوْ ذِكْرِ جَهَنَّمَ أَوْ اسْتِغْفَارٍ، فَيُنْدَبُ بِشَرْطِ السِّرِّ بِهِ وَيُكْرَهُ الْجَهْرُ.
[مَا يَجُوز فِي صَلَاة الْجُمُعَةَ]
ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَجُوزُ بِقَوْلِهِ:
(وَجَازَ) بِمَعْنًى خِلَافَ الْأُولَى لِدَاخِلٍ (تَخَطٍّ) لِرِقَابِ الْجَالِسِينَ (قَبْلَ جُلُوسِ الْخَطِيبِ) عَلَى الْمِنْبَرِ (لِفُرْجَةٍ) يَجْلِسُ فِيهَا وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهَا كَمَا يَأْتِي فِي الْمَكْرُوهَاتِ، وَيَحْرُمُ حَالَ الْجُلُوسِ كَمَا يَأْتِي أَيْضًا.
(وَ) جَازَ التَّخَطِّي (بَعْدَهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ (وَقَبْلَ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا) أَيْ لِفُرْجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، (كَمَشْيٍ بَيْنَ الصُّفُوفِ) يَجُوزُ مُطْلَقًا وَلَوْ حَالَ الْخُطْبَةِ.
(وَ) جَازَ (كَلَامٌ بَعْدَهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ (لِلصَّلَاةِ) : أَيْ لِلْأَخْذِ فِي إقَامَتِهَا إذْ الْكَلَامُ حَالَ الْإِقَامَةِ مَكْرُوهٌ، وَيَحْرُمُ بَعْدَ إحْرَامِ الْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، لَكِنَّ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَنَصَّ غَيْرُهُ عَلَى جَوَازِهِ حَالَ الْإِقَامَةِ.
(وَ) جَازَ (ذِكْرٌ) كَتَسْبِيحٍ وَتَهْلِيلٍ (قَلَّ سِرًّا) حَالَ الْخُطْبَةِ وَمُنِعَ الْكَثِيرُ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَيَحْرُمُ حَالَ الْجُلُوسِ] : أَيْ وَلَوْ لِفُرْجَةٍ.
قَوْلُهُ: [وَجَازَ التَّخَطِّي] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْخُطْبَةِ بِخِلَافِ الْجُلُوسِ قَبْلَهَا فَإِنَّهُ تَأَهُّلٌ لَهَا.
قَوْلُهُ: [وَنَصَّ، غَيْرُهُ] إلَخْ: وَهُوَ (بْن) تَبَعًا لِلْمَوَّاقِ وَالْحَطَّابِ.
قَوْلُهُ: [وَجَازَ ذِكْرٌ] : أَيْ بِمَرْجُوحِيَّةٍ خِلَافًا لِقَوْلِ (عب) إنَّهُ مَنْدُوبٌ، فَالْأَوْلَى الْإِنْصَاتُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
جَهْرًا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ وَاجِبٍ وَهُوَ الِاسْتِمَاعُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَهْرَ بِالْيَسِيرِ مَكْرُوهٌ.
وَمِنْ الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ مَا يَقَعُ بِدَكَّةِ الْمُبَلِّغِينَ بِالْقُطْرِ الْمِصْرِيِّ مِنْ الصَّرِيخِ عَلَى صُورَةِ الْغِنَاءِ وَالتَّرَنُّمِ، وَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ أَنْ يَقُولَ الْخَطِيبُ الْجَهُولُ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ الْأُولَى: اُدْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَتَسْمَعُ مِنْ الْجَالِسِينَ ضَجَّةً عَظِيمَةً يَسْتَمِرُّونَ فِيهَا حَتَّى يَكَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَخْتِمَ الثَّانِيَةَ، وَعَلَى دَكَّةِ التَّبْلِيغِ جَمَاعَةٌ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ جِدًّا بِقَوْلِهِمْ آمِينَ آمِينَ يَا مُجِيبَ السَّائِلِينَ إلَى آخِرِ كَلَامٍ طَوِيلٍ، وَهَكَذَا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.
(وَ) جَازَ (نَهْيُ خَطِيبٍ) حَالَ الْخُطْبَةِ (أَوْ أَمْرُهُ) إنْسَانًا لَغَى أَوْ وَقَعَ مِنْهُ مَا لَا يَلِيقُ كَأَنْ يَقُولَ: أَنْصِتْ أَوْ لَا تَتَكَلَّمْ، أَوْ لَا تَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
(وَ) جَازَ لِلْمَأْمُورِ (إجَابَتُهُ) فِيمَا يَجُوزُ إظْهَارًا لِعُذْرِهِ، كَأَنَا فَعَلْتُ كَذَا خَوْفًا عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ كُلٌّ مِنْ الْخَطِيبِ وَالْمُجِيبِ لَاغِيًا.
[مَكْرُوهَات الْجُمُعَةَ]
ثُمَّ شَرَعَ فِي ذِكْرِ الْمَكْرُوهَاتِ فَقَالَ:
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَهْرَ] إلَخْ: أَيْ فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْأَقْسَامَ أَرْبَعَةٌ: مَنْدُوبٌ وَهُوَ الذِّكْرُ سِرًّا عِنْدَ السَّبَبِ، وَخِلَافُ الْأَوْلَى وَهُوَ الذِّكْرُ الْقَلِيلُ سِرًّا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، وَمَكْرُوهٌ وَهُوَ الذِّكْرُ الْقَلِيلُ جَهْرًا، وَحَرَامٌ وَهُوَ كَثْرَةُ الذِّكْرِ جَهْرًا كَالْوَاقِعِ بِدَكَّةِ الْمُبَلِّغِينَ.
قَوْلُهُ: [عَلَى صُورَةِ الْغِنَاءِ] : بِالْمَدِّ مَعَ كَسْرِ الْغَيْنِ: وَهُوَ تَطْرِيبُ الصَّوْتِ.
قَوْلُهُ: [أَنْ يَقُولَ الْخَطِيبُ الْجَهُولُ] : صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ لِأَنَّ جَهْلَهُ مُرَكَّبٌ لِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ يَأْمُرُ بِالْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ قِرَاءَةِ الْحَدِيثِ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهَا فِي الْخُطْبَةِ أَصْلًا فَهُوَ مِنْ الْبِدَعِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْإِنْصَاتُ وَلَوْ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَاجِبٌ، وَرَفْعُ الْأَصْوَاتِ الْكَثِيرَةِ وَلَوْ بِالذِّكْرِ حَرَامٌ، فَهَذَا الْخَطِيبُ ضَلَّ فِي نَفْسِهِ وَأَضَلَّ غَيْرَهُ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ] : إنَّمَا اسْتَرْجَعَ لِكَوْنِهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ حَيْثُ جَعَلُوا شَعِيرَةَ الْإِسْلَامِ مُلْحَقَةً بِالْمَلَاهِي بِحُضُورِ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ وَالْخَلْقُ مُجْمِعُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُوجَدْ لَهَا مُغَيِّرٌ.
(وَكُرِهَ تَخَطٍّ قَبْلَ الْجُلُوسِ) : أَيْ جُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ (لِغَيْرِ فُرْجَةٍ) لِأَنَّهُ يُؤْذِي الْجَالِسِينَ.
(وَ) كُرِهَ (تَرْكُ طُهْرٍ) بِأَنْ يَخْطُبُ وَهُوَ مُحْدِثٌ (فِيهِمَا) أَيْ الْخُطْبَتَيْنِ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِمَا الطَّهَارَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَ) كُرِهَ تَرْكُ (الْعَمَلِ يَوْمَهَا) : أَيْ الْجُمُعَةِ لِأَجْلِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي السَّبْتِ وَالْأَحَدِ.
(وَ) كُرِهَ (تَنَفُّلٌ عِنْدَ الْأَذَانِ) الْأَوَّلِ لَا قَبْلَهُ (لِجَالِسٍ) فِي الْمَسْجِدِ، لَا دَاخِلٍ (يُقْتَدَى بِهِ) مِنْ عَالَمٍ أَوْ سُلْطَانٍ أَوْ إمَامٍ لَا لِغَيْرِهِمْ؛ خَوْفَ اعْتِقَادِ الْعَامَّةِ وُجُوبَهُ.
وَيُكْرَهُ التَّنَفُّلُ بَعْدَ صَلَاتِهَا أَيْضًا إلَى أَنْ يَنْصَرِفَ النَّاسُ مِنْ الْمَسْجِدِ.
(وَ) كُرِهَ (حُضُورُ شَابَّةٍ غَيْرِ مُفْتِنَةٍ) لِصَلَاتِهَا وَحَرُمَ لِمُفْتِنَةٍ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَلَيْسَ مِنْ شُرُوطِهِمَا الطَّهَارَةُ] إلَخْ: أَيْ وَلَكِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي الْكُبْرَى مِنْ حَيْثُ الْمُكْثُ بِالْجَنَابَةِ فِي الْمَسْجِدِ.
(قَالَ) ابْنُ يُونُسَ عَنْ سَحْنُونَ: إنْ ذَكَرَ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّهُ جُنُبٌ نَزَلَ لِلْغُسْلِ وَانْتَظَرُوهُ إنْ قَرُبَ وَبَنَى - أَيْ عَلَى مَا قَرَأَهُ مِنْ الْخُطْبَةِ.
قَالَ غَيْرُهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَمَادَى فِي الْخُطْبَةِ وَاسْتَخْلَفَ فِي الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ.
قَوْلُهُ: [فِي السَّبْتِ وَالْأَحَدِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ] : وَهَذَا حَيْثُ تَرَكَهُ تَعْظِيمًا كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ لِسَبْتِهِمْ وَأَحَدِهِمْ.
وَأَمَّا تَرْكُهُ لِاسْتِرَاحَةٍ فَمُبَاحٌ، وَتَرْكُهُ لِاشْتِغَالِهِ بِأَمْرِ الْجُمُعَةِ مِنْ تَنْظِيفٍ وَنَحْوِهِ فَحَسَنٌ يُثَابُ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ يُكْرَهُ اشْتِغَالُهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِأَمْرٍ يَشْغَلُهُ عَنْ وَظَائِفِ الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: [عِنْدَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ] : أَيْ وَأَمَّا عِنْدَ الْأَذَانِ الثَّانِي فَحَرَامٌ فَلَا يُعَارِضُهُ حُرْمَةُ الصَّلَاةِ عِنْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ لِلْمِنْبَرِ، قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَكَذَا يُكْرَهُ لِلْجَالِسِ التَّنَفُّلُ وَقْتَ كُلِّ أَذَانٍ لِلصَّلَوَاتِ غَيْرِ الْجُمُعَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ، فَقَالَ: وَيُكْرَهُ قِيَامُ النَّاسِ لِلرُّكُوعِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنَيْنِ مِنْ الْأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا.
(اهـ. كَلَامُ مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ) . وَلَكِنْ قَيَّدَ فِي الْمَجْمُوعِ الْكَرَاهَةَ، كَمَا قَيَّدَهَا شَارِحُنَا بِقَوْلِهِ: إلَّا لِغَيْرِ مُقْتَدَى بِهِ وَكَذَا الدَّاخِلُ أَوْ مَنْ اسْتَمَرَّ يَتَنَفَّلُ حَتَّى أُذِّنَ.
قَوْلُهُ: [إلَى أَنْ يَنْصَرِفَ النَّاسُ] : أَيْ أَوْ يَأْتِيَ وَقْتُ انْصِرَافِهِمْ.
(وَ) كُرِهَ (سَفَرٌ بَعْدَ الْفَجْرِ) إلَى الزَّوَالِ لَا قَبْلَهُ، (وَحُرِّمَ) السَّفَرُ (بِالزَّوَالِ) لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِهِ.
(كَتَخَطٍّ) لِرِقَابِ الْجَالِسِينَ (أَوْ كَلَامٍ) مِنْ الْجَالِسِينَ بِالْمَسْجِدِ (فِي) حَالِ (خُطْبَتَيْهِ) لَا قَبْلَهُمَا، وَلَوْ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ الْجِلْسَةَ الْأُولَى (وَبَيْنَهُمَا) فِي الْجِلْسَةِ الثَّانِيَةِ (وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْ) الْخُطْبَةَ لِبُعْدِهِ أَوْ صَمَمِهِ (إلَّا أَنْ يَلْغُوَ) فِي خُطْبَتِهِ: أَيْ يَأْتِيَ بِكَلَامِ لَغْوٍ أَيْ سَاقِطٍ كَأَنْ يَسُبَّ مَنْ لَا يَجُوزُ سَبُّهُ، أَوْ يَمْدَحَ مَنْ لَا يَجُوزُ مَدْحُهُ، أَوْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَارِجٍ عَنْ قَانُونِ الْخُطْبَةِ فَيَجُوزُ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ.
(وَ) حُرِّمَ (سَلَامٌ) مِنْ دَاخِلٍ أَوْ جَالِسٍ عَلَى أَحَدٍ فَهُوَ الرَّفْعُ عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي حُرِّمَ لِوُجُودِ الْفَصْلِ، وَيَجُوزُ جَرُّهُ عَطْفًا عَلَى تَخَطٍّ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بَعْدَ الْفَجْرِ] : أَيْ لِمَنْ لَا يُدْرِكُهَا أَمَامَهُ.
قَوْلُهُ: [وَحُرِّمَ السَّفَرُ بِالزَّوَالِ] : أَيْ لِضَرُورَةٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْ الْخُطْبَةَ] : إنَّمَا مُنِعَ الْكَلَامُ لِغَيْرِ السَّامِعِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يَسْتَرْسِلَ النَّاسُ عَلَى الْكَلَامِ حَتَّى يَتَكَلَّمَ مَنْ يَسْمَعُ الْإِمَامَ، وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِ " لَوْ " لِرَدِّ مَا نَقَلَهُ ابْنُ زَرْقُونٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ مِنْ جَوَازِ الْكَلَامِ لِغَيْرِ السَّامِعِ وَلَوْ لِدَاخِلِ الْمَسْجِدِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: [مِنْ الْجَالِسِينَ بِالْمَسْجِدِ] أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ فِي الطُّرُقِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْمَسْجِدِ وَلَوْ سَمِعَ الْخُطْبَةَ، وَكَذَلِكَ رَحْبَتُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ حُرْمَةَ الْكَلَامِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ، قِيلَ: خَاصَّةٌ بِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ.
وَقِيلَ بِمَنْ فِيهِ وَالرِّحَابِ، وَقِيلَ: بِمَنْ فِيهِمَا أَوْ فِي الطُّرُقِ، وَلَكِنَّ الْمُؤَلِّفَ عَوَّلَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَلْغُوَ] إلَخْ: مِنْ جُمْلَةِ اللَّغْوِ: الدُّعَاءُ لِلسُّلْطَانِ، وَكَذَا التَّرَضِّي عَنْ الصَّحْبِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ، لَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ نَقْلًا عَنْ الْبُنَانِيِّ: إنَّ التَّرَضِّيَ عَنْ الصَّحْبِ وَالدُّعَاءَ لِلسُّلْطَانِ لَيْسَ مِنْ اللَّغْوِ، بَلْ مِنْ تَوَابِعِ الْخُطْبَةِ فَحِينَئِذٍ يَحْرُمُ الْكَلَامُ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لعب (اهـ) .
قَوْلُهُ: [عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي حُرِّمَ] : أَيْ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَحُرِّمَ بِالزَّوَالِ.
(وَ) حُرِّمَ (رَدُّهُ) أَيْ السَّلَامِ وَلَوْ بِالْإِشَارَةِ بِخِلَافِ رَدِّهِ بِالْإِشَارَةِ مِنْ الْمُصَلِّي فَيَجِبُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) حُرِّمَ (تَشْمِيتُ عَاطِسٍ) فَأَوْلَى الرَّدُّ عَلَيْهِ.
(وَ) حُرِّمَ (نَهْيُ لَاغٍ) بِأَنْ يَقُولَ كُفَّ عَنْ هَذَا اللَّغْوِ، أَوْ نَحْوَهُ (أَوْ إشَارَةٌ لَهُ) : أَيْ لِلَّاغِي بِأَنْ يَنْكَفَّ.
(وَأَكْلٌ أَوْ شُرْبٌ) .
(وَابْتِدَاءُ صَلَاةٍ) نَفْلًا (بِخُرُوجِهِ) أَيْ الْخَطِيبِ لِلْخُطْبَةِ لِجَالِسٍ بَلْ (وَإِنْ لِدَاخِلٍ) . وَقَطَعَ وَلَوْ عَقَدَ رَكْعَةً وَلَوْ لَمْ يَتَعَمَّدْ إنْ.
كَانَ جَالِسًا، (وَلَا يَقْطَعُ الدَّاخِلُ إلَّا إنْ تَعَمَّدَ) النَّفَلَ، بِأَنْ عَلِمَ بِخُرُوجِ الْخَطِيبِ وَأَحْرَمَ عَمْدًا فَيَقْطَعُ، وَلَوْ عَقَدَ رَكْعَةً، لَا إنْ جَهِلَ خُرُوجَهُ أَوْ نَاسِيًا فَلَا يَقْطَعُ وَلَوْ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً لَكِنْ يُخَفِّفُ بِأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْأَرْكَانِ وَالسُّنَنِ، وَمَفْهُومُ (ابْتِدَاءُ.
. . إلَخْ) أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِنَفْلٍ قَبْلَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ، أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ مُطْلَقًا، وَهُوَ كَذَلِكَ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِالْإِشَارَةِ] : نَقَلَ ابْنُ هَارُونَ عَنْ مَالِكٍ جَوَازَ الرَّدِّ بِالْإِشَارَةِ، وَأَنْكَرَهُ فِي التَّوْضِيحِ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ رَدِّهِ] إلَخْ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَمُسْتَمِعِ الْخُطْبَةِ عِظَمُ هَيْبَةِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مَانِعٌ مِنْ كَوْنِ الْإِشَارَةِ ذَرِيعَةً لِلْكَلَامِ.
قَوْلُهُ: [وَابْتِدَاءُ صَلَاةٍ بِخُرُوجِهِ] : حَاصِلُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَتْنِ وَالشَّارِحِ أَنَّ الصُّوَرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ: إمَّا أَنْ يَبْتَدِئَ صَلَاةَ النَّفْلِ بَعْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ، أَوْ قَبْلَهُ.
فَإِنْ ابْتَدَأَهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ فَلَا يَقْطَعُ مُطْلَقًا عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا، عَامِدًا، أَوْ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا؛ فَهَذِهِ سِتٌّ تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: وَمَفْهُومُ " ابْتِدَاءُ " إلَخْ، وَإِنْ ابْتَدَأَهَا بَعْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ وَكَانَ جَالِسًا قَطَعَ مُطْلَقًا عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا، عَامِدًا، أَوْ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا.
وَإِنْ ابْتَدَأَهَا بَعْدَ خُرُوجِ الْخَطِيبِ وَكَانَ دَاخِلًا قَطَعَ إنْ تَعَمَّدَ، عَقَدَ رَكْعَةٍ أَمْ لَا، فَهَاتَانِ صُورَتَانِ تُضَمُّ لِلسِّتِّ قَبْلَهَا يَقْطَعُ فِيهَا.
وَأَمَّا إنْ ابْتَدَأَهَا جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا - سَوَاءٌ عَقَدَ رَكْعَةً أَمْ لَا - فَلَا يَقْطَعُ وَلَكِنَّهُ يُخَفِّفُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَيُتِمُّهَا جَالِسًا فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ تُضَمُّ لِلسِّتِّ الْأُوَلِ لَا يَقْطَعُ فِيهَا.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ لِدَاخِلٍ] : رَدَّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى السُّيُورِيِّ الْقَائِلِ بِجَوَازِهِ لِلدَّاخِلِ حَالَ
(وَفَسْخُ بَيْعٍ وَنَحْوَهُ) مِنْ إجَارَةٍ وَتَوْلِيَةٍ وَشَرِكَةٍ وَشُفْعَةٍ وَإِقَالَةٍ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ (بِأَذَانٍ ثَانٍ) إلَى الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى حُرْمَةِ مَا ذُكِرَ وَإِلَّا لَمْ يَفْسَخْ لَا قَبْلَهُ وَلَوْ حَالَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ إلَّا إذَا بَعُدَتْ دَارُهُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ قَبْلَهُ فَاشْتَغَلَ بِهِ عَنْ السَّعْيِ فَيَفْسَخُ وَتُرَدُّ السَّلَّةُ لِرَبِّهَا إنْ لَمْ تَفُتْ (فَإِنْ فَاتَ) الْبَيْعُ وَلَوْ بِتَغَيُّرِ سُوقِهِ (فَالْقِيمَةُ) لَازِمَةٌ (حِينَ الْقَبْضِ) لَا حِينَ الْعَقْدِ وَلَا الْفَوَاتِ وَمَفْهُومُ بَيْعٍ وَنَحْوَهُ أَنَّ النِّكَاحَ وَالْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ وَالْكِتَابَةَ لَا تُفْسَخُ إنْ وَقَعَتْ عِنْدَ الْأَذَانِ الثَّانِي وَإِنْ حُرِّمَ.
ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْأَعْذَارِ الْمُسْقِطَةِ لَهَا فَقَالَ: (وَعُذْرُ تَرْكِهَا) أَيْ الْمُوجِبُ لِتَرْكِهَا أَيْ السَّبَبُ فِيهِ (كَالْجَمَاعَةِ)
[حاشية الصاوي]
خُرُوجِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
قَوْلُهُ: [وَفَسْخُ بَيْعٍ] إلَخْ: وَهُوَ مَا حَصَلَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ وَلَوْ مَعَ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ.
وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ تَبَايَعَ اثْنَانِ تُلْزِمُهُمَا الْجُمُعَةُ أَوْ أَحَدَهُمَا فَسْخَ الْبَيْعِ، وَإِنْ كَانَا مِمَّنْ لَا تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمْ يُفْسَخْ.
(اهـ.) وَالْحُرْمَةُ وَالْفَسْخُ وَلَوْ فِي حَالِ السَّعْيِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ وَ (عب) عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَيُسْتَثْنَى مَنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَلَا يَجِدُ الْمَاءَ إلَّا بِالشِّرَاءِ فَلَا حُرْمَةَ عَلَى بَائِعٍ وَلَا مُشْتَرٍ.
قَوْلُهُ: [مِنْ إجَارَةٍ] : وَهِيَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ.
وَالتَّوْلِيَةُ: أَنْ يُوَلِّيَ غَيْرَهُ مَا اشْتَرَاهُ بِمَا اشْتَرَاهُ.
وَالشَّرِكَةُ: أَنْ يَبِيعَهُ بَعْضَ مَا اشْتَرَاهُ، وَالشُّفْعَةُ: هِيَ أَخْذُ الشَّرِيكِ الشِّقْصَ مِنْ مُشْتَرِيهِ بِثَمَنِهِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ، وَالْإِقَالَةُ: هِيَ قَبُولُ رَدِّ السِّلْعَةِ لِرَبِّهَا بَعْدَ لُزُومِهَا.
وَهَذَا الْحُكْمُ وَهُوَ الْفَسْخُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمُعَوَّلِ عَلَيْهِ؛ فَلَا يُفْسَخُ بَيْعُ مَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ وَقْتُ غَيْرِهَا لِأَنَّ السَّعْيَ لِلْجَمَاعَةِ هُنَا مَقْصُودٌ، وَإِلَّا لَزِمَ فَسْخُ بَيْعِ مَنْ عَلَيْهِ فَوَائِتُ، بَلْ الْغُصَّابُ لِوُجُودِ اشْتِغَالِهِمْ بِرَدِّ مَا عَلَيْهِمْ - كَمَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ اُنْظُرْ (ح) كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: [فَالْقِيمَةُ لَازِمَةٌ] إلَخْ: أَيْ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ فَوَاتِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِالثَّمَنِ.
قَوْلُهُ: [لَا تُفْسَخُ] : أَيْ إمَّا لِعَدَمِ الْعِوَضِ أَوْ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْعِبَادَاتِ.
وَاسْتَظْهَرَ فِي الْمَجْمُوعِ إلْحَاقَ الْخُلْعِ بِالنِّكَاحِ، وَهِبَةُ الثَّوَابِ كَالْبَيْعِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ
أَيْ كَعُذْرِ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ (شِدَّةُ وَحَلٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَهُوَ مَا يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى خَلْعِ الْمَدَاسِ.
(وَ) شِدَّةُ (مَطَرٍ) وَهُوَ مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ.
(وَجُذَامٌ) تَضُرُّ رَائِحَتُهُ بِالنَّاسِ (وَمَرَضٌ) يَشُقُّ مَعَهُ الذَّهَابُ (وَتَمْرِيضٌ) لِقَرِيبٍ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يُمَرِّضُهُ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ أَوْ بَعِيدِ الْقَرَابَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ يَقُومُ بِهِ غَيْرُهُ.
(وَشِدَّةُ مَرَضِ قَرِيبٍ وَنَحْوَهُ) كَصَدِيقٍ مُلَاطِفٍ وَزَوْجَةٍ وَسُرِّيَّةٍ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يَعُولُهُ، وَأَوْلَى إشْرَافُ مَنْ ذُكِرَ عَلَى الْمَوْتِ وَأَوْلَى مَوْتُهُ بِالْفِعْلِ.
[حاشية الصاوي]
وَالْهِبَةُ ": أَيْ لِغَيْرِ الثَّوَابِ.
[الْأَعْذَار الْمُسْقِطَة لِلْجُمُعَةِ]
قَوْلُهُ: [بِفَتْحِ الْحَاءِ] : أَيْ عَلَى الْأَفْصَحِ.
وَيُجْمَعُ عَلَى أَوْحَالٍ كَسَبَبٍ وَأَسْبَابٍ، وَمُقَابِلُ الْأَفْصَحِ: السُّكُونُ، كَفَلْسٍ وَيُجْمَعُ عَلَى أَوْحُلَ كَأَفْلُسَ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ مَا يَحْمِلُ النَّاسَ] : أَيْ أَوْسَطَهُمْ.
قَوْلُهُ: [تَضُرُّ رَائِحَتُهُ بِالنَّاسِ] : وَأَمَّا مَنْ لَا تَضُرُّ فَلَيْسَ بِعُذْرٍ، وَمِثْلُ الْجُذَامِ الْبَرَصُ وَكُلُّ بَلَاءٍ مُنَفِّرٍ، وَمَحَلُّ كَوْنِ مَا ذَكَرَ مُسْقِطًا إذَا كَانَ الْمَجْذُومُ وَنَحْوَهُ لَا يَجِدُ مَوْضِعًا يَتَمَيَّزُ فِيهِ، أَمَّا لَوْ وَجَدَ مَوْضِعًا تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَلَا يَضُرُّ بِالنَّاسِ فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: [وَمَرَضٌ يَشُقُّ] إلَخْ: أَيْ وَمِنْهُ كِبَرُ السِّنِّ يَشُقُّ مَعَهُ الْإِتْيَانُ إلَيْهَا رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا.
قَوْلُهُ: [وَتَمْرِيضٌ لِقَرِيبٍ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ وَالْقَرِيبَ الْغَيْرَ الْخَاصِّ لَا يُبَاحُ التَّخَلُّفُ عِنْدَهُ إلَّا بِقَيْدَيْنِ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَنْ يَقُومُ بِهِ، وَأَنْ يَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ لَوْ تَرَكَهُ.
وَأَمَّا الصَّدِيقُ الْمُلَاطِفُ وَشَدِيدُ الْقَرَابَةِ فَيُبَاحُ عِنْدَهُ التَّخَلُّفُ.
وَلَوْ وَجَدَ مَنْ يَعُولُهُ وَإِنْ لَمْ يَخْشَ عَلَيْهِ ضَيْعَةً؛ لِأَنَّ تَخَلُّفَهُ عِنْدَهُ لَيْسَ لِأَجْلِ تَمْرِيضِهِ بَلْ لِمَا دَهَمَهُ مِنْ شِدَّةِ الْمُصِيبَةِ.
قَوْلُهُ: [وَأَوْلَى مَوْتُهُ بِالْفِعْلِ] : نَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَجُوزُ التَّخَلُّفُ لِأَجْلِ النَّظَرِ فِي أَمْرِ الْمَيِّتِ مِنْ إخْوَانِهِ مِنْ مُؤَنِ تَجْهِيزِهِ.
وَفِي الْمَدْخَلِ جَوَازُ التَّخَلُّفِ لِلنَّظَرِ فِي شَأْنِهِ مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ ضَيْعَةً وَلَا تَغَيُّرًا.
كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ.
(وَخَوْفٌ عَلَى مَالٍ) لَهُ بَالٌ (وَلَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ حَبْسٌ أَوْ ضَرْبٌ) أَيْ خَوْفُهُمَا وَأَوْلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمَا كَقَتْلٍ وَقَطْعٍ وَجُرْحٍ.
(وَعُرْيٌ) بِأَنْ لَا يَجِدَ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ (وَرَائِحَةٌ) كَرِيهَةٌ تُؤْذِي الْجَمَاعَةَ (كَرَائِحَةِ ثُومٍ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَقَدْ تُبَدَّلُ فَاءً كَمَا فِي الْآيَةِ: [وَفُومِهَا] ، وَدِبَاغٍ وَبَصَلٍ وَكُرَّاثٍ، وَيَجِبُ تَرْكُ أَكْلِ ذَلِكَ يَوْمَهَا وَكَذَا فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ (فَيَجِبُ) عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِرَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ (إزَالَتُهَا) بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ (إنْ أَمْكَنَ) .
(وَ) مِنْ الْأَعْذَارِ (عَدَمُ وُجُودِ قَائِدٍ لِأَعْمَى) إنْ كَانَ (لَا يَهْتَدِي بِنَفْسِهِ) ، وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَخَافَ عَلَى مَالٍ] : أَيْ مِنْ ظَالِمٍ أَوْ لِصٍّ أَوْ نَارٍ.
وَقَوْلُهُ: [لَهُ بَالٌ] : أَيْ وَهُوَ الَّذِي يَجْحَفُ بِصَاحِبِهِ.
وَمِثْلُ الْخَوْفِ عَلَى الْمَالِ: الْخَوْفُ عَلَى الْعِرْضِ أَوْ الدِّينِ كَأَنْ يَخَافَ قَذْفَ أَحَدٍ مِنْ السُّفَهَاءِ لَهُ أَوْ إلْزَامَ قَتْلِ شَخْصٍ أَوْ ضَرْبِهِ ظُلْمًا أَوْ إلْزَامَ بَيْعَةِ ظَالِمٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ لَا يَجِدَ] إلَخْ: كَذَا نَقَلَ (ح) عَنْ بَهْرَامَ وَالْبِسَاطِيِّ، ابْنُ عَاشِرٍ: وَلَا يُقَيَّدُ بِمَا يَلِيقُ بِأَهْلِ الْمُرُوءَاتِ (اهـ. بْن) ، فَعَلَى هَذَا: إذَا وَجَدَ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّخَلُّفُ وَلَوْ كَانَ مِنْ ذَوِي الْمُرُوءَاتِ.
وَهُنَاكَ طَرِيقَةٌ أُخْرَى حَاصِلُهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُرْيِ أَنْ لَا يَجِدَ مَا يَلِيقُ بِأَمْثَالِهِ وَلَا يُزْرِي بِهِ وَإِلَّا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الْأَلْيَقُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَاءِ.
كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ لَهَا بِالنَّجَسِ لِأَنَّ لَهَا بَدَلًا.
كَمَا قَالُوا: لَا يَتَيَمَّمُ لَهَا.
قَوْلُهُ: [وَيَجِبُ تَرْكُ أَكْلِ ذَلِكَ يَوْمَهَا] : أَيْ حَيْثُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ لَهُ عَلَى مُزِيلٍ وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ فِي أَكْلِهِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ.
وَسَمِعْت عَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ أَنَّ مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَنَحْوَهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَهَا لَا يَمُوتُ حَتَّى يُبْتَلَى بِتُهْمَةٍ بَاطِلَةٍ وَلَمْ تَظْهَرْ لَهُ بَرَاءَةٌ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ السَّعْيُ] : أَيْ حَيْثُ اهْتَدَى بِنَفْسِهِ أَوْ وَجَدَ قَائِدًا وَلَوْ بِأُجْرَةٍ حَيْثُ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَكَانَتْ لَا تُجْحِفُ بِهِ.
خَاتِمَةٌ: مِنْ أَعْذَارِ الْجَمَاعَةِ شِدَّةُ الرِّيحِ بِاللَّيْلِ لَا بِالنَّهَارِ.
وَلَيْسَ الْعُرْسُ مِنْ الْأَعْذَارِ وَلَا شُهُودُ الْعِيدِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُمْ الْإِمَامُ فِي التَّخَلُّفِ عَلَى الْمَشْهُورِ، إذْ لَيْسَ حَقًّا لَهُ.
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَكَيْفِيَّتِهَا (سُنَّ لِقِتَالٍ جَائِزٍ) أَيْ مَأْذُونٌ فِيهِ؛ وَاجِبًا كَانَ كَقِتَالِ الْحَرْبِيِّينَ وَالْبُغَاةِ الْقَاصِدِينَ الدَّمَ وَهَتْكَ الْحَرِيمِ، أَوْ جَائِزًا كَقِتَالِ مُرِيدِ الْمَالِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
[حاشية الصاوي]
[فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَكَيْفِيَّتِهَا]
[حُكْم صَلَاةِ الْخَوْفِ]
فَصْلٌ:
قَوْلُهُ: [وَكَيْفِيَّتِهَا] : أَيْ الْكَيْفِيَّةِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي تُفْعَلُ حَالَ الْخَوْفِ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: ذَاتِ الرِّقَاعِ وَذَاتِ النَّخِيلِ وَعُسْفَانَ» ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ صَلَّاهَا فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ.
قَوْلُهُ: [سُنَّ لِقِتَالٍ] : أَيْ وَهُوَ الَّذِي فِي الرِّسَالَةِ وَنَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي عَنْ ابْنِ يُونُسَ وَقِيلَ إنَّهَا مَنْدُوبَةٌ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ سَنَدٌ عَنْ الْمَوَّازِ، وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: [كَقِتَالِ مُرِيدِ الْمَالِ] : إنْ قُلْت إنَّ حِفْظَ الْمَالِ وَاجِبٌ وَحِينَئِذٍ فَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ قِتَالُ مُرِيدِ أَخْذِهِ وَاجِبًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْحِفْظُ الْوَاجِبُ.
قُلْت مَعْنَى وُجُوبِ حِفْظِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إتْلَافُهُ بِنَحْوِ إحْرَاقٍ أَوْ تَغْرِيقٍ مَثَلًا، وَهَذَا لَا يُنَافِي جَوَازَ تَمْكِينِ الْغَيْرِ مِنْ أَخْذِهِ لَهُ مَا لَمْ يَحْصُلُ مُوجِبٌ لِتَحْرِيمِهِ؛ كَأَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ التَّلَفَ إنْ أَمْكَنَ غَيْرَهُ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ: [مِنْ الْمُسْلِمِينَ] : حَالٌ مِنْ مُرِيدِ الْمَالِ.
(إنْ أَمْكَنَ تَرْكُهُ) أَيْ الْقِتَالِ (لِبَعْضٍ) مِنْ الْقَوْمِ وَالْبَعْضِ الْآخَرِ فِيهِ مُقَاوَمَةٌ لِلْعَدُوِّ أَيْضًا (قَسْمُهُمْ) أَيْ الْقَوْمَ (قِسْمَيْنِ وَعَلَّمَهُمْ) الْإِمَامُ كَيْفِيَّتَهَا وُجُوبًا إنْ جَهِلُوا وَنَدْبًا إنْ كَانُوا عَارِفِينَ، حَذَرًا مِنْ تَطَرُّقِ الْخَلَلِ (وَصَلَّى بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ بِالْأُولَى) مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ (رَكْعَةً فِي) الصَّلَاةِ (الثُّنَائِيَّةِ) كَالصُّبْحِ وَالْمَقْصُورَةِ
[حاشية الصاوي]
وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: " جَائِزًا ": لَوْ كَانَ الْقِتَالُ حَرَامًا كَقِتَالِ الْبُغَاةِ لِلْإِمَامِ الْعَدْلِ وَكَقِتَالِ أَهْلِ الْفُسُوقِ الَّذِينَ اشْتَهَرُوا بِسَعْدٍ وَحَرَامٍ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ.
[كَيْفِيَّة صَلَاةِ الْخَوْفِ إنْ أَمْكَنَ لِلْبَعْضِ تَرْكُ الْقِتَالِ]
قَوْلُهُ: [قَسْمُهُمْ] : نَائِبُ فَاعِلٍ سُنَّ، أَيْ فَيُقَسِّمُهُمْ وَيُصَلِّي بِهِمْ فِي الْوَقْتِ.
فَالْآيِسُونَ مِنْ انْكِشَافِ الْعَدُوِّ يُصَلُّونَ أَوَّلَ الْمُخْتَارِ، وَالْمُتَرَدَّدُونَ وَسَطَهُ وَالرَّاجُونَ آخِرَهُ.
وَفِي (بْن) طَرِيقَةٌ بِعَدَمِ هَذَا التَّفْصِيلِ وَأَنَّهُمْ يُصَلُّونَ أَوَّلَ الْمُخْتَارِ مُطْلَقًا.
وَإِذَا قَسَّمَهُمْ فَلَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي الطَّائِفَتَيْنِ؛ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى أَنَّ الْأُخْرَى تُنَاوِئُ الْعَدُوَّ.
وَيُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ الْقِسْمَةِ وَإِنْ كَانُوا مُتَوَجِّهِينَ جِهَةَ الْقِبْلَةِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْقَسْمِ حِينَئِذٍ، بَلْ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً وَاحِدَةً.
بَلْ وَإِنْ كَانُوا عَلَى دَوَابِّهِمْ يُصَلُّونَ بِالْإِيمَاءِ، وَكَذَلِكَ إمَامُهُمْ يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ.
وَهَذِهِ مُسْتَثْنَاةٌ مِمَّا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِمْ: الْمُومِئُ؛ لَا يَؤُمُّ الْمُومِئَ لِأَنَّ الْمَحَلَّ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ هُنَا يُصَلُّونَ عَلَى الدَّوَابِّ إيمَاءً مَعَ الْقَسْمِ لِإِمْكَانِهِ، بِخِلَافِ مَا يَأْتِي فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ عَلَى دَوَابِّهِمْ أَفْذَاذًا لِعَدَمِ إمْكَانِ الْقَسْمِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَصَلَّى بِأَذَانٍ] إلَخْ: إمَّا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: " وَعَلَّمَهُمْ ": أَيْ وَالْحُكْمُ أَنَّهُ يُصَلِّي بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا كَأَنَّ قَائِلًا قَالَ لَهُ إذَا قَسَمَهُمْ فَمَا كَيْفِيَّةُ مَا يَفْعَلُ؟ فَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ: وَصَلَّى إلَخْ، وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: " بِأَذَانٍ ": بِمَعْنَى مَعَ، وَفِي قَوْلِهِ: " بِالْأُولَى ": لِلْمُلَابَسَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِصَلَّى.
فَلَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ مُتَّحِدَيْ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِعَامِلٍ وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ: [كَالصُّبْحِ وَالْمَقْصُورَةِ] : أَيْ وَكَالْجُمُعَةِ؛ فَإِنَّهَا مِنْ الثُّنَائِيَّةِ، لَكِنْ لَا يُقَسِّمُهُمْ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَسْمَعَ كُلُّ طَائِفَةٍ الْخُطْبَةَ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ كُلُّ طَائِفَةٍ اثْنَيْ عَشَرَ فَإِنْ كَانَ كُلُّ طَائِفَةٍ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ لِاثْنَيْ عَشَرَ مِنْ كُلٍّ، ثُمَّ إنَّهُ يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَةً وَتَقُومُ فَتُكْمِلُ صَلَاتَهَا وَتُسَلِّمُ أَفْذَاذًا،
(وَ) صَلَّى بِهِمْ (رَكْعَتَيْنِ بِغَيْرِهَا) : أَيْ الثُّنَائِيَّةِ وَهِيَ الرُّبَاعِيَّةُ بِأَنْ كَانُوا يَحْضُرُونَ الثُّلَاثِيَّةَ، (ثُمَّ قَامَ) بَعْدَ التَّشَهُّدِ فِي غَيْرِ الثُّنَائِيَّةِ وَلَا تَشَهُّدَ فِي الثُّنَائِيَّةِ (دَاعِيًا أَوْ سَاكِتًا مُطْلَقًا) فِي الثُّنَائِيَّةِ وَغَيْرِهَا (أَوْ قَارِئًا فِي الثُّنَائِيَّةِ) فَقَطْ؛ فَفِي الثُّنَائِيَّةِ يُخَيَّرُ بَيْنَ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: الدُّعَاءِ بِالنَّصْرِ وَالْفَرَجِ وَرَفْعِ الْكَرْبِ، وَالسُّكُوتِ وَالْقِرَاءَةِ لِأَنَّهُ يُعَقِّبُ الْفَاتِحَةَ فِيهَا السُّورَةُ فَلَهُ أَنْ يُطَوِّلَ مَا شَاءَ، وَيُخَيَّرُ فِي غَيْرِ الثُّنَائِيَّةِ وَهِيَ الرُّبَاعِيَّةُ وَالثُّلَاثِيَّةُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ الدُّعَاءِ وَالسُّكُوتِ، إذْ لَا قِرَاءَةَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (فَأَتَمَّتْ) الطَّائِفَةُ الْأُولَى حَالَ قِيَامِهِ صَلَاتَهَا (أَفْذَاذًا وَانْصَرَفَتْ) بَعْدَ سَلَامِهَا تُجَاهَ الْعَدُوِّ لِلْقِتَالِ (فَتَأْتِي) الطَّائِفَةُ (الثَّانِيَةُ) الَّتِي كَانَتْ تُجَاهَ الْعَدُوِّ فَتُحْرِمُ خَلْفَهُ (فَيُصَلِّي بِهَا مَا بَقِيَ) لَهُ (فَإِذَا سَلَّمَ) الْإِمَامُ (قَضَوْا مَا فَاتَهُمْ) مِنْ الصَّلَاةِ مِنْ رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ بِفَاتِحَةٍ
[حاشية الصاوي]
ثُمَّ تَأْتِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ تُدْرِكُ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الْبَاقِيَةَ وَيُسَلِّمُونَ بَعْدَ إكْمَالِ صَلَاتِهِمْ، وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا بُدَّ مِنْ بَقَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ لِسَلَامِهَا لِأَنَّ الْمَحَلَّ ضَرُورَةٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ - فَيُلْغِزُ مِنْ جِهَتَيْنِ: جُمُعَةٌ لَا يَكْفِي فِيهَا اثْنَا عَشَرَ يَسْمَعُونَ الْخُطْبَةَ، وَجُمُعَةٌ صَحَّتْ مِنْ غَيْرِ بَقَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ لِسَلَامِ الْإِمَامِ.
(اهـ) قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ: وَمُقَابِلُ هَذَا يَخْطُبُ لِاثْنَيْ عَشَرَ يَسْتَمِرُّونَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الطَّائِفَتَيْنِ لَكِنْ يَلْزَمُهُ أَنَّهُمْ قُسِّمُوا أَثْلَاثًا.
(اهـ.)
قَوْلُهُ: [وَالْقِرَاءَةُ] : أَيْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُتِمُّهَا حَتَّى تَفْرُغَ الْأُولَى مِنْ صَلَاتِهَا وَتَدْخُلَ مَعَهُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ.
قَوْلُهُ: [فَأَتَمَّتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى] : وَهَلْ يُسَلِّمُونَ عَلَى الْإِمَامِ كَالْمَسْبُوقِ؟ ذَكَرَ شَيْخُ الْمَشَايِخِ فِي حَاشِيَةِ أَبِي الْحَسَنِ عَدَمَهُ، وَيَرُدُّونَ عَلَى مَنْ بِالْيَسَارِ.
وَإِذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِمْ لَمْ تَبْطُلْ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: [أَفْذَاذًا] : فَإِنْ أَمَّهُمْ أَحَدُهُمْ سَوَاءٌ كَانَ بِاسْتِخْلَافِهِمْ لَهُ أَمْ لَا فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَإِنْ نَوَى الْإِمَامَةَ، إلَّا لِتَلَاعُبٍ، وَصَلَاتُهُمْ فَاسِدَةٌ كَمَا فِي الطِّرَازِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ.
وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ.
وَإِنَّمَا فَسَدَتْ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى بِإِمَامَيْنِ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فِي غَيْرِ الِاسْتِخْلَافِ.
قَوْلُهُ: [قَضَوْا مَا فَاتَهُمْ] : عَبَّرَ فِي الْأُولَى بِقَوْلِهِ: " فَأَتَمَّتْ " وَهُنَا بِقَوْلِهِ: " قَضَوْا " إشَارَةً إلَى أَنَّ الْأُولَى بَانِيَةٌ وَالثَّانِيَةَ قَاضِيَةٌ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.
وَسُورَةٍ جَهْرًا فِي الْجَهْرِيَّةِ (وَإِنْ سَهَا مَعَ الْأُولَى سَجَدَتْ) الْأُولَى (بَعْدَ إكْمَالِهَا) صَلَاتَهَا السُّجُودَ (الْقَبْلِيَّ قَبْلَ السَّلَامِ) ، أَيْ سَلَامِهَا وَالْبَعْدِيَّ بَعْدَهُ (وَسَجَدَتْ الثَّانِيَةَ) السُّجُودَ (الْقَبْلِيَّ مَعَهُ) ، فَإِذَا سَلَّمَ قَامَتْ لِقَضَاءِ مَا عَلَيْهَا (وَ) سَجَدَتْ (الْبَعْدِيَّ بَعْدَ الْقَضَاءِ)
وَذَكَرَ مَفْهُومَ قَوْلِهِ أَمْكَنَ إلَخْ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَرْكُهُ) أَيْ الْقِتَالِ (لِبَعْضٍ صَلَّوْا آخِرَ) الْوَقْتِ (الْمُخْتَارِ إيمَاءً) أَيْ بِالْإِيمَاءِ بِخَفْضٍ لِلسُّجُودِ أَكْثَرَ مِنْ الرُّكُوعِ (أَفْذَاذًا إنْ لَمْ يُمْكِنْ رُكُوعٌ وَسُجُودٌ) ،
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَإِنْ سَهَا مَعَ الْأُولَى] إلَخْ: وَأَمَّا لَوْ سَهَا بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْأُولَى فَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ إنَّمَا يَلْزَمُ الثَّانِيَةَ.
قَوْلُهُ: [الْقَبْلِيَّ مَعَهُ] : وَانْظُرْ لَوْ أَخَّرَتْ لِإِكْمَالِ صَلَاتِهَا وَسَجَدَتْهُ قَبْلَ سَلَامِهَا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى مِنْ الْمَسْبُوقِ الْمُتَقَدِّمِ فِي سُجُودِ السَّهْوِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْبُطْلَانَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَنَّ الصِّحَّةَ قَوْلُ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ، وَاخْتَارَهُ (بْن) . ثُمَّ إنَّهَا تَسْجُدُ الْقَبْلِيَّ وَلَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ مُتَرَتِّبًا عَنْ ثَلَاثِ سُنَنٍ، وَطَالَ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَسَجَدَتْ الْبَعْدِيَّ بَعْدَ الْقَضَاءِ] : فَإِنْ سَجَدَتْهُ مَعَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهَا كَمَا مَرَّ فِي الْمَسْبُوقِ.
[كَيْفِيَّة صَلَاةِ الْخَوْفِ إنْ لَمْ يَمْكَن تَرْكُ الْقِتَالِ وَصَلَاة الِالْتِحَام]
قَوْلُهُ: (آخِرَ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ) إلَخْ: هَذَا إذَا رَجَوْا الِانْكِشَافَ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ يُدْرِكُونَ الصَّلَاةَ فِيهِ.
وَأَمَّا إنْ أَيِسُوا مِنْ انْكِشَافِهِ فِي الْوَقْتِ صَلَّوْا صَلَاةَ مُسَايَقَةٍ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، فَإِنْ تَرَدَّدُوا أَخَّرُوا الصَّلَاةَ لِوَسَطِهِ، كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
كَأَنْ دَهَمَهُمْ عَدُوٌّ بِهَا فَيُصَلُّونَ كَيْفَمَا تَيَسَّرَ، قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَسُئِلْت إنْ دَهَمَهُمْ الْعَدُوُّ فِي الْجُمُعَةِ، فَقُلْت: الظَّاهِرُ إنْ دَهَمَهُمْ بَعْدَ رَكْعَةٍ حَصَلَتْ الْجَمَاعَةُ وَأَتَمُّوا جُمُعَةً حَيْثُ أَمْكَنَ الْمَسْجِدُ كَالْمَسْبُوقِ، وَإِلَّا أَتَمُّوا ظُهْرًا وَتَكْفِي نِيَّةُ الْجُمُعَةِ كَمَا سَبَقَ وَانْظُرْ النَّصَّ (اهـ) .
قَوْلُهُ: [أَفْذَاذًا] : أَيْ لِأَنَّ مَشَقَّةَ الِاقْتِدَاءِ هُنَا أَشَدُّ مِنْ مَشَقَّتِهِ فِيمَا إذَا أَمْكَنَ الْقَسْمُ، وَلِذَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ الْقَسْمُ فَإِنَّ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا وَلَوْ عَلَى دَوَابِّهِمْ إيمَاءً.
فَإِنْ أَمْكَنَ صَلَّوْهَا تَامَّةً.
(وَحَلَّ) لِلْمُصَلِّي صَلَاةُ الِالْتِحَامِ (لِلضَّرُورَةِ) أَيْ لِأَجْلِهَا (مَشْيٌ) وَهَرْوَلَةٌ وَجَرْيٌ وَرَكْضٌ (وَضَرْبٌ وَطَعْنٌ) لِلْعَدُوِّ (وَكَلَامٌ) مِنْ تَحْذِيرٍ وَإِغْرَاءٍ وَأَمْرٍ وَنَهْيٍ، (وَعَدَمِ تَوَجُّهٍ) لِلْقِبْلَةِ (وَمَسْكُ) سِلَاحٍ (مُلَطَّخٍ) بِدَمٍ
(وَإِنْ أَمِنُوا) أَيْ حَصَلَ لَهُمْ الْأَمَانُ (بِهَا) أَيْ فِيهَا أَيْ فِي صَلَاةِ الِالْتِحَامِ (أَتَمَّتْ صَلَاةَ أَمْنٍ) بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ - وَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الْوِتْرِ وَأَنَّهُ آكَدُهَا
[حاشية الصاوي]
[تَنْبِيه صَلَاة الْخَوْفِ بِأَكْثَر مِنْ إمَام]
قَوْلُهُ: [وَحَلَّ لِلْمُصَلِّي] إلَخْ: أَيْ فِي صَلَاةِ الْمُسَايَفَةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ: [وَكَلَامٌ] : أَيْ لِغَيْرِ إصْلَاحِهَا وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا إنْ احْتَاجَ لَهُ فِي أَمْرِ الْقِتَالِ.
قَوْلُهُ: [وَمَسْكُ سِلَاحٍ مُلَطَّخٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُحْتَاجًا لِمَسْكِهِ أَوْ فِي غُنْيَةٍ عَنْهُ لِأَنَّهُ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَ مُحْتَاجًا لَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ
قَوْلُهُ: [أَيْ فِيهَا] : الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِصَلَاةِ الْخَوْفِ مُطْلَقًا؛ كَانَتْ مُسَايَفَةً أَوْ قَسْمًا وَقَوْلُهُ: [أَتَمَّتْ] : أَيْ إنْ كَانَتْ سَفَرِيَّةً فَسَفَرِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَتْ حَضَرِيَّةً فَحَضَرِيَّةٌ.
وَقَوْلُهُ: [صَلَاةَ أَمْنٍ] : حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ " أَتَمَّتْ " فَإِنْ حَصَلَ الْأَمْنُ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى فَمَنْ فَعَلَ مِنْهُمْ فِعْلًا أُمْهِلَ حَتَّى يَأْتِيَ الْإِمَامُ لِيَقْتَدِيَ بِهِ وَلَوْ فِي السَّلَامِ، فَإِنْ أَلْغَى
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية الصاوي]
مَا فَعَلَ وَرَجَعَ بَطَلَتْ عَلَى غَيْرِ السَّاهِي وَهُوَ الْعَامِدُ وَالْجَاهِلُ بِخِلَافِ جَمَاعَةِ السُّفُنِ؛ فَمَنْ فَعَلَ مِنْهُمْ فِعْلًا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ لَا يَعُودُ لِلْإِمَامِ أَصْلًا لِعَدَمِ أَمْنِهِمْ مِنْ التَّفْرِيقِ ثَانِيًا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ (المج) .
تَنْبِيهٌ: لَوْ صَلَّوْا فِي الْخَوْفِ بِإِمَامَيْنِ فَأَكْثَرَ أَوْ بَعْضٌ فَذًّا، جَازَ: أَيْ مَضَى ذَلِكَ بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَإِنْ كَانَ الدُّخُولُ عَلَى ذَلِكَ مَكْرُوهًا لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ أَوْ الْمَنْدُوبِ.
خَاتِمَةٌ: إنْ صَلَّى فِي ثُلَاثِيَّةٍ أَوْ رُبَاعِيَّةٍ بِكُلٍّ رَكْعَةً، بَطَلَتْ عَلَى الْأُولَى كَثَالِثَةِ الرُّبَاعِيَّةِ لِمُفَارَقَتِهَا قَبْلَ مَحَلِّ الْمُفَارَقَةِ، وَصَحَّتْ لِغَيْرِهِمَا.
وَيُقَدَّمُ الْبِنَاءُ كَمَا سَبَقَ فِي الرُّعَافِ.
(اهـ. مِنْ الْمَجْمُوعِ) .