حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالكصفحات 479-518
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بِجَمِيعِهِ إنْ كَانَتْ غَائِبَةً عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ.
وَعَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا إنْ زَوَّجَهَا بِحُضُورِهَا كَاتِمَيْنِ.
(وَحَلَّفَهُ الزَّوْجُ) أَيْ: حَلَّفَ الزَّوْجُ الْوَلِيَّ الْبَعِيدَ (إنْ ادَّعَى) عَلَيْهِ (عِلْمَهُ) بِالْعَيْبِ، (فَإِنْ نَكَلَ) الْوَلِيُّ (حَلَفَ) الزَّوْجُ (أَنَّهُ غَرَّهُ، وَرَجَعَ عَلَيْهِ.
وَإِلَّا) يَحْلِفْ (فَلَا شَيْءَ لَهُ) ، فَلَوْ حَلَفَ الْوَلِيُّ بِأَنَّهُ: لَا عِلْمَ عِنْدِي، رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا.
هَذَا مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَبِهِ تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّيْخِ مِنْ النَّظَرِ، وَنَصُّ اللَّخْمِيِّ فِي التَّبْصِرَةِ: وَاخْتُلِفَ أَيْضًا إذَا كَانَ الْوَلِيُّ عَمًّا أَوْ ابْنَ عَمٍّ أَوْ مِنْ الْعَشِيرَةِ أَوْ السُّلْطَانِ، فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ عَلِمَ وَغَرَّهُ وَأَنْكَرَ الْوَلِيُّ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: يَحْلِفُ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الزَّوْجُ أَنَّهُ عَلِمَ وَغَرَّهُ، فَإِنْ نَكَلَ الزَّوْجُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَلِيِّ وَلَا عَلَى الزَّوْجَةِ، وَقَدْ سَقَطَتْ تِبَاعَتُهُ عَلَى الزَّوْجَةِ بِدَعْوَاهُ عَلَى الْوَلِيِّ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ حَلَفَ الْوَلِيُّ رَجَعَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَهُوَ أَصْوَبُ (اهـ) . (وَ) رَجَعَ الزَّوْجُ (عَلَى غَارٍّ) لَهُ بِأَنَّهَا سَلِيمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ (غَيْرِ وَلِيٍّ) خَاصٍّ (إنْ تَوَلَّى) ذَلِكَ الْغَارُّ (الْعَقْدَ) بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ أَوْ بِتَوْكِيلٍ مِنْ الْخَاصِّ (وَلَمْ يُخْبِرْ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَلِيٍّ) - وَلَمْ يَعْلَمْ الزَّوْجُ - بِذَلِكَ بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ فَإِنْ أَخْبَرَهُ الْغَارُّ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَلِيٍّ لَمْ يَكُنْ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَبِهِ تَعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّيْخِ] إلَخْ: أَيْ حَيْثُ قَالَ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ أَنَّهُ غَرَّهُ وَرَجَعَ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ رَجَعَ عَلَى الزَّوْجَةِ عَلَى الْمُخْتَارِ (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَهُوَ أَصْوَبُ] : أَيْ فَهَذَا مَصَبُّ اخْتِيَارِ اللَّخْمِيِّ وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْوَلِيَّ الْبَعِيدَ إذْ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَغُرَّ الزَّوْجَ لَمْ يَرْجِعْ الزَّوْجُ عَلَى الزَّوْجَةِ لِإِقْرَارِهِ أَنَّ الْوَلِيَّ غَرَّهُ، وَلَا عَلَى الْوَلِيِّ لِحَلِفِهِ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى حَلَفَ الْوَلِيُّ أَوْ نَكَلَ الزَّوْجُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ لَا غُرْمَ عَلَى أَحَدٍ لَا عَلَى الْوَلِيِّ وَلَا عَلَى الزَّوْجَةِ، وَإِنَّمَا الرُّجُوعُ فِي صُورَتَيْنِ عَلَى الْوَلِيِّ إحْدَاهُمَا أَنْ يَنْكُلَ، وَالدَّعْوَى دَعْوَى اتِّهَامٍ يَغْرَمُ فِيهَا بِمُجَرَّدِ النُّكُولِ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَحْلِفَ الزَّوْجُ بَعْدَ نُكُولِ الْوَلِيِّ فِي دَعْوَى التَّحْقِيقِ فَيَغْرَمَ الْوَلِيُّ أَيْضًا (اهـ) . قَوْلُهُ: [إنْ تَوَلَّى ذَلِكَ الْغَارُّ الْعَقْدَ] : أَيْ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَتَوَلَّ الْعَقْدَ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّهُ غُرُورٌ قَوْلِيٌّ.
قَوْلُهُ: [بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ] : مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ رَجَعَ.

لَهُ عَلَيْهِ رُجُوعٌ وَلَا عَلَى الزَّوْجَةِ أَيْضًا، وَكَذَا إنْ عَلِمَ الزَّوْجُ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَلِيٍّ لِتَفْرِيطِهِ.

وَلَوْ غَرَّهُ غَيْرُ الْوَلِيِّ بِأَنَّهَا حُرَّةٌ فَتَزَوَّجَهَا، فَإِذَا هِيَ أَمَةٌ فَرَدَّهَا لِذَلِكَ غَرِمَ لِلسَّيِّدِ الْمُسَمَّى وَقِيمَةَ وَلَدِهِ مِنْهَا، لِأَنَّهُ حُرٌّ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِرِقِّهَا حِينَ الْوَطْءِ، وَرَجَعَ عَلَى الْغَارِّ بِالْمُسَمَّى الَّذِي غَرِمَهُ لِسَيِّدِهَا (لَا بِقِيمَةِ الْوَلَدِ) لِأَنَّ الْغُرُورَ سَبَبٌ فِي إتْلَافِ الصَّدَاقِ فَقَطْ وَهُوَ - وَإِنْ كَانَ سَبَبًا لِلْوَطْءِ - إلَّا أَنَّ الْوَطْءَ قَدْ لَا يَنْشَأُ عَنْهُ وَلَدٌ، فَإِنْ أَخْبَرَ الْغَارُّ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَلِيٍّ أَوْ لَمْ يَتَوَلَّ الْعَقْدَ فَلَا رُجُوعَ لِلزَّوْجِ بِشَيْءٍ.
(وَوَلَدُ) الزَّوْجِ (الْمَغْرُورِ بِحُرِّيَّتِهَا - الْحُرِّ فَقَطْ) - لَا غَيْرِ الْمَغْرُورِ، وَلَا مَغْرُورِ عَبْدٍ (حُرٌّ) بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ كَالْمُسْتَثْنَى مِنْ قَاعِدَةِ " كُلُّ وَلَدٍ فَهُوَ تَابِعٌ لِأُمِّهِ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ ". (وَعَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الْمَغْرُورِ (إنْ رَدَّهَا) بِالْغُرُورِ مِنْهَا أَوْ مِنْ سَيِّدِهَا (الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى وَصَدَاقِ الْمِثْلِ) ، فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهَا بَلْ تَمَسَّكَ بِهَا فَصَدَاقُ الْمِثْلِ.
(وَ) عَلَيْهِ أَيْضًا (قِيمَةُ الْوَلَدِ مُطْلَقًا) رَدَّهَا أَوْ أَمْسَكَهَا كَانَ الْغُرُورُ مِنْهَا أَوْ مِنْ سَيِّدِهَا أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ لِأَنَّهُ حُرٌّ كَمَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَغْرُورِ فَوَلَدُهُ رِقٌّ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [لِتَفْرِيطِهِ] : عِلَّةٌ لِعَدَمِ رُجُوعِهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.

[غره غَيْر الْوَلِيّ بِأَنَّهَا حرة فتزوجها]

قَوْلُهُ: [وَرَجَعَ عَلَى الْغَارِّ بِالْمُسَمَّى] : أَيْ بِشَرْطَيْنِ وَهُمَا إنْ تَوَلَّى الْعَقْدَ وَلَمْ يُخْبِرْ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَلِيٍّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا رُجُوعَ لِلزَّوْجِ بِشَيْءٍ] : أَيْ لِتَفْرِيطِهِ.
قَوْلُهُ: [الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ مِنْ حُجَّةِ الزَّوْجِ أَنْ يَقُولَ إذَا كَانَ الْمُسَمَّى أَقَلَّ قَدْ رَضِيت بِهِ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَرِضَاهَا بِهِ عَلَى أَنَّهَا رِقٌّ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ صَدَاقُ الْمِثْلِ أَقَلَّ فَمَنْ حُجَّتُهُ أَنْ يَقُولَ لَمْ أَدْفَعْ الْمُسَمَّى إلَّا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ؛ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُرَّةِ الْغَارَّةِ وَالْأَمَةِ الْغَارَّةِ، أَنَّ الْأَمَةَ الْغَارَّةَ قَدْ حَدَثَ فِيهَا عَيْبٌ يَعُودُ ضَرَرُهُ عَلَى السَّيِّدِ فَلَزِمَ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى وَصَدَاقِ الْمِثْلِ، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ الْغَارَّةِ فَلِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ إلَّا رُبْعُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ: [فَصَدَاقُ الْمِثْلِ] : أَيْ إذَا أَرَادَ إبْقَاءَهَا فِي عِصْمَتِهِ لَزِمَهُ صَدَاقُ الْمِثْلِ كَذَا قَالَ الشَّارِحُ، وَاَلَّذِي فِي (عب) وَالْمَجْمُوعِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ إبْقَاءَهَا فِي عِصْمَتِهِ لَزِمَهُ الْمُسَمَّى كَاسْتِحْقَاقِ مَا لَيْسَ وَجْهَ الصَّفْقَةِ كَمَا أَفَادَهُ الْقَرَافِيُّ.

(دُونَ مَالِهِ) : أَيْ الْوَلَدِ فَلَا يَكُونُ لِسَيِّدِ أُمِّهِ.
وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ (يَوْمَ الْحُكْمِ) لَا يَوْمَ الْوِلَادَةِ، (إلَّا أَنْ يُعْتَقَ) الْوَلَدُ (عَلَى سَيِّدِ أُمِّهِ) بِأَنْ يَكُونَ سَيِّدُ أُمِّهِ جَدًّا أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا لِلْمَغْرُورِ فَلَا يَغْرَمُ قِيمَتَهُ لِعِتْقِهِ عَلَى سَيِّدِ الْأُمِّ، وَلَا وَلَاءَ لَهُ عَلَيْهِ لِتَخَلُّقِهِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ.
(وَلِعَدَمِهِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ: أَيْ وَعِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ بِعُسْرٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ فَقْدٍ (تُؤْخَذُ) الْقِيمَةُ (مِنْ) نَفْسِ (الْوَلَدِ) إنْ أَيْسَرَ، وَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى أَبِيهِ كَمَا لَا يَرْجِعُ أَبُوهُ بِهَا عَلَيْهِ إنْ غَرِمَهَا، فَإِنْ أَعْسَرَ أُخِذَتْ مِنْ أَوَّلِهِمَا يَسَارًا وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْآخَرِ.
(وَ) لَوْ عَدِمَ الْأَبُ وَقُلْنَا تُؤْخَذُ مِنْ الْوَلَدِ وَكَانَ الْوَلَدُ مُتَعَدِّدًا (لَا يُؤْخَذُ) مِنْ كُلِّ (وَلَدٍ إلَّا قِسْطُهُ) : أَيْ قِيمَتُهُ فَقَطْ، وَلَا يُؤْخَذُ مَلِيءٌ عَنْ مُعْدِمٍ، وَلَا حَاضِرٌ عَنْ غَائِبٍ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يُعْتَقَ الْوَلَدُ عَلَى سَيِّدِ أُمِّهِ] : أَيْ فَإِذَا غَرَّتْهُ أَمَةٌ كَأَبِيهِ بِالْحُرِّيَّةِ فَتَزَوَّجَهَا وَأَوْلَدَهَا ثُمَّ عَلِمَ بِرِقِّهَا، فَإِنَّ الْوَلَدَ يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِ أُمِّهِ وَلَا قِيمَةَ فِيهِ، وَيَلْزَمُ الزَّوْجَ لِلْأَمَةِ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى وَصَدَاقِ الْمِثْلِ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [لِتَخَلُّقِهِ عَلَى الْحُرِّيَّةِ] : أَيْ فَلَيْسَ لِسَيِّدِ أُمِّهِ فِيهِ إنْشَاءُ عِتْقٍ حَتَّى يَكُونَ لَهُ الْوَلَاءُ.
قَوْلُهُ: [إلَّا قِسْطَهُ] : اعْتَرَضَ بِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِقِيمَتِهِ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَظْهَرُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا عَبَّرَ بِقِسْطِهِ لِأَجْلِ أَنْ يَشْمَلَ مَا إذَا دَفَعَ الْأَبُ بَعْضًا مِنْ قِيمَتِهِمْ وَأَعْسَرَ بِالْبَاقِي فَلَا إشْكَالَ أَنَّ الْبَاقِيَ يُقَسَّطُ عَلَى كُلٍّ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ.
تَنْبِيهٌ: إذَا كَانَتْ الْغَارَّةُ أُمَّ وَلَدٍ يَلْزَمُ الزَّوْجَ قِيمَةُ وَلَدِهَا عَلَى الْغَرَرِ، فَيَقُومُ يَوْمَ الْحُكْمِ عَلَى غَرَرِهِ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِ أُمِّهِ، فَيَكُونُ رَقِيقًا أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَكُونُ حُرًّا، وَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ يَقُومُ عَلَى غَرَرِهِ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ فَيَكُونُ رَقِيقًا أَوْ بَعْدَهُ فَيَحْمِلُهُ الثُّلُثُ فَحُرٌّ، أَوْ يَحْمِلُ بَعْضَهُ أَوْ لَا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا فَيَرِقُّ مَا لَا يَحْمِلُهُ، فَاحْتِمَالُ الرِّقِّ فِي وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَلَوْ قُتِلَ وَلَدُ الْأَمَةِ الْغَارَّةِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِتَقْوِيمِهِ وَأَخْذِ الْأَبِ دِيَتَهُ لَزِمَ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَدِيَتُهُ لِسَيِّدِ أُمِّهِ.
فَإِنْ اُقْتُصَّ أَوْ هَرَبَ الْقَاتِلُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَبِ كَمَوْتِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ تَعُودُ عَلَى أَبِيهِ، وَكَذَا لَوْ ضَرَبَ شَخْصٌ بَطْنَ الْأَمَةِ وَهِيَ

(وَقُبِلَ قَوْلُ الزَّوْجِ إنَّهُ غُرَّ بِيَمِينٍ) إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ الْعِلْمَ فَلَهُ الرَّدُّ قَبْلَ الْبِنَاءِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَبَعْدَهُ وَيَغْرَمُ قِيمَةَ الْوَلَدِ عَلَى مَا مَرَّ.

(وَلَوْ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَا) مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا (فَاطُّلِعَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (عَلَى مُوجِبِ خِيَارٍ) مِنْ جُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فِي أَحَدِهِمَا، (فَكَالْعَدَمِ) فَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا فِي الْمَوْتِ مُطْلَقًا وَفِي الطَّلَاقِ إنْ دَخَلَ وَنِصْفُهُ إنْ لَمْ يَدْخُلْ وَالْإِرْثُ ثَابِتٌ بَيْنَهُمَا.

(وَلِلْوَلِيِّ كَتْمُ الْعَمَى وَنَحْوِهِ) مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَا يُوجِبُ الْخِيَارَ إلَّا بِشَرْطٍ، أَيْ إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الزَّوْجُ السَّلَامَةَ مِنْهُ، لِأَنَّ النِّكَاحَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُكَارَمَةِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ بَيَانُ كُلِّ مَا يَكْرَهُهُ الْمُشْتَرِي، وَأَمَّا مَا يُوجِبُ الْخِيَارَ فَعَلَيْهِ بَيَانُهُ.

[حاشية الصاوي]

حَامِلٌ فَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا، وَأَخَذَ الْأَبُ عُشْرَ دِيَةِ حُرَّةٍ فَيَلْزَمُهُ لِسَيِّدِ الْأُمِّ الْأَقَلُّ مِنْ عُشْرِ دِيَةِ الْحُرَّةِ، وَمِنْ قِيمَةِ الْأُمِّ يَوْمَ الضَّرْبِ، وَكَذَا لَوْ جَرَحَ الْوَلَدَ شَخْصٌ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْقِيمَةِ فَيَلْزَمُ أَبَاهُ لِسَيِّدِ أُمِّهِ الْأَقَلُّ مِمَّا نَقَصَتْهُ قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا عَنْ قِيمَتِهِ سَالِمًا يَوْمَ الْجَرْحِ، وَمِمَّا أَخَذَهُ مِنْ الْجَانِي فِي نَظِيرِ الْجُرْحِ، ثُمَّ يَوْمَ الْحُكْمِ يَدْفَعُ لَهُ قِيمَتَهُ نَاقِصًا كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ فَتَدَبَّرْ.
قَوْلُهُ: [وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ] : أَيْ حَيْثُ حَلَفَ.

قَوْلُهُ: [وَلَوْ طَلَّقَهَا] إلَخْ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ أَخَذَهُ مِنْهَا وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَلَى أَنَّ كُلَّ نِكَاحٍ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إمْضَاؤُهُ وَفَسْخُهُ إذَا خَالَعَهَا الزَّوْجُ عَلَى مَالٍ أَخَذَهُ مِنْهَا، فَالطَّلَاقُ يَلْزَمُهُ وَيَحِلُّ لَهُ مَا أَخَذَهُ مِنْهَا وَلَا عِبْرَةَ بِمَا ظَهَرَ بِهِ مِنْ الْعَيْبِ بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ ظُهُورِ الْعَيْبِ بِالزَّوْجَةِ أَوْ بِالزَّوْجِ، فَالْخُلْعُ مَاضٍ عَلَى كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إذَا ظَهَرَ الْعَيْبُ بِالزَّوْجِ رَدَّ مَا أَخَذَهُ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَالِكَةً لِفِرَاقِهِ، وَقَدْ اقْتَصَرَ خَلِيلٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فِي بَابِ الْخُلْعِ وَاعْتَمَدَهُ الْأُجْهُورِيُّ، وَصَوَّبَ بَعْضُهُمْ كَمَا قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا.

قَوْلُهُ: [وَنَحْوِهِ] : أَيْ كَالْقَرَعِ وَالسَّوَادِ وَالشَّلَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ تَكْرَهُهُ النُّفُوسُ غَيْرِ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ عَيْبًا قَوْلُهُ: [وَأَمَّا مَا يُوجِبُ الْخِيَارَ] : أَيْ بِغَيْرِ شَرْطٍ.

(وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِ كَتْمُ الْخَنَى) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ الْفَوَاحِشِ الَّتِي تُوجِبُ الْعَارَ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ.

(وَمُنِعَ أَجْذَمُ وَأَبْرَصُ مِنْ وَطْءِ إمَائِهِ) لِأَنَّهُ ضَرَرٌ، فَالزَّوْجَةُ أَوْلَى، لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِي الرَّقِيقِ أَقْوَى مِنْ تَصَرُّفِهِ فِي الزَّوْجَةِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَمُنِعَ أَجْذَمُ] إلَخْ: الْمُرَادُ بِالْمَنْعِ الْحَيْلُولَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ مِنْ الْوَطْءِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِهِنَّ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ.

فَصْلٌ فِي خِيَارِ مَنْ تُعْتَقُ وَهِيَ فِي عِصْمَةِ عَبْدٍ (لِمَنْ كَمُلَ عِتْقُهَا) مِنْ الْإِمَاءِ وَهِيَ (تَحْتَ عَبْدٍ) وَلَوْ بِشَائِبَةٍ (فِرَاقُهُ) فَيُحَالُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ حَتَّى تَخْتَارَ (بِطَلْقَةٍ) ، وَقَوْلُهُ: (فَقَطْ) رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ أَيْ كَمُلَ عِتْقُهَا لَا إنْ لَمْ يَكْمُلْ تَحْتَ عَبْدٍ لَا حُرٍّ بِطَلْقَةٍ لَا أَكْثَرَ، سَوَاءٌ بَيَّنَتْ أَوْ أَبْهَمَتْ؛ كَأَنْ قَالَتْ: طَلَّقْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي، (بَائِنَةٍ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَهِيَ بَائِنَةٌ، وَبِالْجَرِّ عَلَى النَّعْتِ، وَالْمَعْنَى صِفَتُهَا الْبَيْنُونَةُ وَلَا إيهَامَ فِيهِ، فَإِنْ أَوْقَعَتْ

[حاشية الصاوي]

[فَصْلٌ فِي خِيَارِ مَنْ تُعْتَقُ وَهِيَ فِي عِصْمَةِ عَبْدٍ]

فَصْلٌ قَوْلُهُ: [لِمَنْ كَمُلَ عِتْقُهَا] : أَيْ فِي مَرَّةٍ أَوْ مَرَّاتٍ بِأَنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ جَمِيعَهَا إنْ كَانَتْ كَامِلَةَ الرِّقِّ أَوْ بَاقِيهَا إنْ كَانَتْ مُبَعَّضَةً، أَوْ عَتَقَتْ بِأَدَاءِ كِتَابَتِهَا، أَوْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً وَعَتَقَتْ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ عَتَقَتْ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ تَحْتَ عَبْدٍ] : قَالَ ابْنُ رُشْدٍ عِلَّةُ تَخْيِيرِهَا نَقْصُ زَوْجِهَا لَا جَبْرُهَا عَلَى النِّكَاحِ، وَلِذَا قُلْنَا لَا خِيَارَ لَهَا إذَا كَمُلَ عِتْقُهَا وَهِيَ تَحْتَ الْحُرِّ، وَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ أَنَّ عِلَّتَهُ جَبْرُهَا عَلَى النِّكَاحِ لَهَا الْخِيَارُ إذَا كَمُلَ عِتْقُهَا تَحْتَ الْحُرِّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: [لَا إنْ لَمْ يَكْمُلْ] : أَيْ كَمَا إذَا حَصَلَ لَهَا شَائِبَةُ حُرِّيَّةٍ كَتَدْبِيرٍ أَوْ عِتْقٍ لِأَجَلٍ أَوْ عِتْقِ بَعْضٍ أَوْ إيلَادٍ مِنْ سَيِّدٍ، كَمَا لَوْ غَابَ الزَّوْجُ فَاسْتَبْرَأَهَا السَّيِّدُ مِنْ مَاءِ الزَّوْجِ، وَارْتَكَبَ الْمَحْظُورَ وَوَطِئَهَا فَوَلَدَتْ فَلَا يَحْصُلُ لَهَا الْخِيَارُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ] إلَخْ: قَالَ (بْن) فِيهِ نَظَرٌ إذْ قَطْعُ النَّعْتِ هُنَا عَنْ التَّبَعِيَّةِ لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِمْ إنَّ نَعْتَ النَّكِرَةِ لَا يُقْطَعُ إلَّا إذَا وُصِفَتْ بِنَعْتٍ آخَرَ، وَذَلِكَ مَفْقُودٌ هُنَا وَزَعْمُهُمْ أَنَّ فِي الْجَرِّ إيهَامًا غَيْرُ صَحِيحٍ تَأَمَّلْ (اهـ) . فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الثَّانِي.

طَلْقَتَيْنِ فَلَهُ رَدُّ الثَّانِيَةِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ.
(وَلَا شَيْءَ لَهَا) مِنْ الصَّدَاقِ إنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا (قَبْلَ الْبِنَاءِ) . (وَلَهَا) بَعْدَهُ أَيْ الْبِنَاءِ (الْمُسَمَّى) ، لِأَنَّهُ تَقَرَّرَ لَهَا بِالْوَطْءِ (إلَّا أَنْ تُعْتَقَ قَبْلَهُ) أَيْ الْبِنَاءِ، وَلَمْ تَعْلَمْ بِعِتْقِهَا (فَيَطَؤُهَا غَيْرَ عَالِمَةٍ، فَالْأَكْثَرُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُسَمَّى (وَمِنْ صَدَاقِ) الْمِثْلِ.
(وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُهُ) أَيْ الصَّدَاقِ (إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ) السَّيِّدُ لِنَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ قَبَضَتْهُ مِنْ زَوْجِهَا، (أَوْ يَأْخُذَهُ) السَّيِّدُ مِنْ الزَّوْجِ (قَبْلَ الْعِتْقِ) فَيَكُونَ لِلسَّيِّدِ فِي الصُّورَتَيْنِ.

وَاسْتُثْنِيَ مِنْ قَوْلِهِ " لِمَنْ كَمُلَ عِتْقُهَا " إلَخْ، قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ تُسْقِطَهُ) : أَيْ إلَّا أَنْ تُسْقِطَ خِيَارَهَا بِقَوْلِهَا: اخْتَرْت زَوْجِي وَنَحْوَهُ، أَوْ تَقُولُ: أَسْقَطْت خِيَارِي فَلَا خِيَارَ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
(أَوْ تُمَكِّنُهُ) مِنْ نَفْسِهَا (طَائِعَةً) وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا بِالْفِعْلِ (بَعْدَ الْعِلْمِ) مِنْهَا

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَلَهُ رَدُّ الثَّانِيَةِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ] : أَيْ لِقَوْلِ مَالِكٍ لَا تُخْتَارُ إلَّا وَاحِدَةً بَائِنَةً، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ وَلِلْأَمَةِ إذَا عَتَقَتْ أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا بِالْبَتَاتِ وَبَتَاتُهَا اثْنَتَانِ إذْ هُمَا بَتَاتُ الْعَبْدِ.
قَوْلُهُ: [فَالْأَكْثَرُ مِنْهُ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَكْثَرَ فَقَدْ رَضِيَ بِهِ عَلَى أَنَّهَا أَمَةٌ فَرِضَاهُ بِهِ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ صَدَاقُ مِثْلِهَا أَكْثَرَ دَفَعَهُ لَهُ وُجُوبًا لِأَنَّهُ قِيمَةُ بُضْعِهَا، وَمَحَلُّ لُزُومِهِ الْأَكْثَرُ مِنْهُمَا إذَا كَانَ نِكَاحُهُ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا لِعَقْدِهِ، فَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لِصَدَاقِهِ وَجَبَ لَهَا بِالدُّخُولِ مَهْرُ الْمِثْلِ اتِّفَاقًا قَالَهُ (ح) .

قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ تُسْقِطَهُ] : أَيْ وَلَوْ صَغِيرَةً أَوْ سَفِيهَةً إذَا كَانَ الْإِسْقَاطُ حَسَنٌ نُظِرَ لَهَا، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَنَظَرَ لَهَا السُّلْطَانُ، خِلَافًا لِقَوْلِ أَشْهَبَ يَلْزَمُهَا الْإِسْقَاطُ مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَسَنٌ نُظِرَ.
قَوْلُهُ: [أَوْ تُمَكِّنُهُ مِنْ نَفْسِهَا] : يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا إذَا تَلَذَّذَتْ بِالزَّوْجِ لِأَنَّ تَلَذُّذَهُ بِهَا مَعَ مُحَاوَلَتِهِ لَهَا يَكُونُ مُسْقِطًا فَأَحْرَى إذَا تَلَذَّذَتْ بِهِ دُونَ مُحَاوَلَةٍ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: [بَعْدَ الْعِلْمِ مِنْهَا بِعِتْقِهَا] : فَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهَا الْعِلْمَ وَخَالَفَتْهُ كَانَ الْقَوْلُ

بِعِتْقِهَا، فَلَا خِيَارَ لَهَا، (وَلَوْ جَهِلَتْ الْحُكْمَ بِأَنَّ لَهَا الْخِيَارَ) أَوْ بِأَنَّ تَمْكِينَهَا طَائِعَةً مُسْقِطٌ لِخِيَارِهَا.
(أَوْ يُبِينَهَا) : أَيْ يُطَلِّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا فَلَا خِيَارَ لَهَا لِفَوَاتِهِ بِفَوَاتِ مَحَلِّ الطَّلَاقِ.

(أَوْ يَعْتِقَ) زَوْجُهَا (قَبْلَ اخْتِيَارِهَا) فَلَا خِيَارَ لَهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ حُرَّةً تَحْتَ حُرٍّ، (إلَّا) أَنْ يَحْصُلَ عِتْقُهُ قَبْلَ اخْتِيَارِهَا (لِتَأْخِيرٍ) لِلِاخْتِيَارِ مِنْهَا (لِحَيْضٍ) ، فَلَا يَسْقُطُ اخْتِيَارُهَا لِجَبْرِهَا شَرْعًا عَلَى التَّأْخِيرِ إذْ لَا يَجُوزُ طَلَاقٌ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، فَإِنْ أَوْقَعَتْ الطَّلَاقَ زَمَنَهُ لَزِمَ.
(وَلَهَا) أَوْ لِمَنْ كَمُلَ عِتْقُهَا (إنْ أَوْقَفَهَا) زَوْجُهَا عِنْدَ حَاكِمٍ بِحَضْرَةِ عِتْقِهَا، وَقَالَ لَهَا: إمَّا أَنْ تَخْتَارِي الْفِرَاقَ أَوْ تَخْتَارِي الْبَقَاءَ مَعِي، (تَأْخِيرٌ) إنْ طَلَبَتْهُ تَتَرَوَّى

[حاشية الصاوي]

قَوْلَهَا بِلَا يَمِينٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ جَهِلَتْ الْحُكْمَ] إلَخْ: هَذَا الْإِطْلَاقُ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ شَهَرَهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْقَرَافِيُّ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: إنَّمَا أَسْقَطَ مَالِكٌ خِيَارَهَا حَيْثُ اُشْتُهِرَ الْحُكْمُ وَلَمْ يُمْكِنْ جَهْلُ الْأَمَةِ بِهِ، وَأَمَّا إذَا أَمْكَنَهُ جَهْلُهَا فَلَا.

[لَا خِيَار لِلزَّوْجَةِ إذَا عِتْق زَوْجهَا وَلَمْ تَعْلَم]

قَوْلُهُ: [فَلَا خِيَارَ لَهَا] : أَيْ وَلَوْ كَانَ تَأْخِيرُهَا الِاخْتِيَارَ لِحَيْضٍ، فَقَوْلُهُ الْآتِي: إلَّا لِتَأْخِيرٍ لِحَيْضٍ مَحَلَّهُ حَيْثُ لَمْ يُبِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أَبَانَهَا قَبْلَ اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَلَا يَدْخُلُ هَذَا تَحْتَ قَوْلِهِ وَلَا شَيْءَ لَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ لِأَنَّ ذَاكَ فِيمَا إذَا اخْتَارَتْ فِرَاقَهُ قَبْلَ طَلَاقِهَا.
قَوْلُهُ: [بِفَوَاتِ مَحَلِّ الطَّلَاقِ] : أَيْ وَهُوَ الْعِصْمَةُ، فَإِذَا أَبَانَهَا وَاخْتَارَتْ الطَّلَاقَ بَعْدَهُ كَانَ ذَلِكَ الطَّلَاقُ لَا مَحَلَّ لَهُ لِزَوَالِ مَحَلِّهِ بِالْبَيْنُونَةِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَسْقُطُ اخْتِيَارُهَا] : مَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ تَمْضِ مُدَّةٌ يُمْكِنُهَا أَنْ تَخْتَارَ فِيهَا فَلَمْ تَخْتَرْ حَتَّى جَاءَ الْحَيْضُ وَإِلَّا فَلَا خِيَارَ لَهَا.
قَوْلُهُ: [إنْ أَوْقَفَهَا زَوْجُهَا] إلَخْ: فَلَوْ عَتَقَ فِي زَمَنِ الْإِيقَافِ بَطَلَ خِيَارُهَا وَرَجَعَتْ زَوْجَةً وَلَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَ عِتْقِهِ فِي زَمَنِ تَأْخِيرِهَا لِأَجْلِ حَيْضٍ.
قَوْلُهُ: [إنْ طَلَبَتْهُ] : أَيْ بِأَنْ قَالَتْ أَمْهِلُونِي أَنْظُرُ وَأَسْتَشِيرُ فِي ذَلِكَ،

فِيهِ (بِالنَّظَرِ) مِنْ الْحَاكِمِ أَيْ بِالِاجْتِهَادِ مِنْهُ (تَنْظُرُ) أَيْ تَتَرَوَّى (فِيهِ وَإِلَّا) تُوقَفُ بِأَنْ غَفَلَ عَنْهَا أَوْ غَابَ زَوْجُهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْحُكْمَ (صُدِّقَتْ أَنَّهَا مَا رَضِيَتْ بِهِ) أَيْ بِزَوْجِهَا أَيْ بِالْمُقَامِ مَعَهُ إذَا لَمْ تُمَكِّنْهُ طَائِعَةً (وَإِنْ بَعْدَ سَنَةٍ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[حاشية الصاوي]

وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا فِي مُدَّةِ التَّأْخِيرِ لِأَنَّ الْمَنْعَ جَاءَ مِنْهَا.
تَتِمَّةٌ: إنْ اخْتَارَتْ الْفِرَاقَ مَنْ عَتَقَ زَوْجُهَا بَعْدَ عِتْقِهَا وَلَمْ تَعْلَمْ بِعِتْقِهِ حَتَّى تَزَوَّجَتْ بِثَانٍ، فَأَتَتْ بِدُخُولِ ذَلِكَ الثَّانِي إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِعِتْقِ الْأَوَّلِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا ذَلِكَ الْأَوَّلُ أَمْ لَا كَذَا فِي الْأَصْلِ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ (إنْ تَنَازَعَا فِي الزَّوْجِيَّةِ) بِأَنْ ادَّعَاهَا أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَهَا الْآخَرُ (ثَبَتَتْ وَلَوْ بِبَيِّنَةِ سَمَاعٍ) تَشْهَدُ بِأَنَّا لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ مِنْ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ فُلَانًا زَوْجٌ لِفُلَانَةَ أَوْ تَزَوَّجَ بِفُلَانَةَ، وَلَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِمَا بَعْدَ التَّنَازُعِ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَثْبُتْ بِبَيِّنَةِ قَطْعٍ أَوْ سَمَاعٍ (فَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ) لِلزَّوْجِيَّةِ مِنْهُمَا، لِأَنَّ كُلَّ دَعْوَى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِعَدْلَيْنِ فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا عَلَى الْمُنْكِرِ

[حاشية الصاوي]

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ]

[إنْكَار الزَّوْجِيَّة]

فَصْلٌ ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ حُكْمَ تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ فِي أَصْلِ النِّكَاحِ أَوْ الصَّدَاقِ قَدْرًا أَوْ جِنْسًا أَوْ صِفَةً أَوْ اقْتِضَاءً أَوْ مَتَاعَ الْبَيْتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِبَيِّنَةِ سَمَاعٍ] : اعْلَمْ أَنَّ بَيِّنَةَ السَّمَاعِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُفَصَّلَةً كَبَيِّنَةِ الْقَطْعِ بِأَنْ تَقُولَ: سَمَّى لَهَا كَذَا النَّقْدُ مِنْهُ كَذَا وَالْمُؤَجَّلُ كَذَا، وَعَقَدَ لَهَا وَلِيُّهَا فُلَانٌ كَمَا فِي عِبَارَةِ الْمُتَيْطِيِّ فَلَا يَكْفِي الْإِجْمَالُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ ذَلِكَ، وَرَدَّ الْمُصَنِّفُ بِلَوْ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ، إنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ إذَا اتَّفَقَا عَلَى الزَّوْجِيَّةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا إذْ تَنَازَعَا فِي أَصْلِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِالْبَيِّنَةِ الْمُعَايَنَةُ لِلْعَقْدِ إذَا فَصَّلَتْ اتِّفَاقًا، وَهَلْ يَثْبُتُ بِبَيِّنَةِ السَّمَاعِ أَوْ لَا؟ فَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ لَا يَثْبُتُ، وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ يَثْبُتُ بِبَيِّنَةِ السَّمَاعِ بِالدُّفِّ وَالدُّخَانِ، وَعَلَى هَذَا مَشَى الْمُصَنِّفُ كَخَلِيلٍ، وَرَدَّ بِلَوْ عَلَى أَبِي عِمْرَانَ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِمَا بَعْدَ التَّنَازُعِ] : أَيْ وَلَوْ كَانَا طَارِئَيْنِ عَلَى الرَّاجِحِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ لِلزَّوْجِيَّةِ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ كَانَا طَارِئَيْنِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقِيلَ يَلْزَمُهُ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ، وَنَصَّ ابْنُ رُشْدٍ لَوْ لَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ تَحْتَ زَوْجٍ، وَادَّعَى رَجُلٌ نِكَاحَهَا وَهُمَا طَارِئَانِ، وَعَجَزَ عَنْ إثْبَاتِ ذَلِكَ لَزِمَهَا الْيَمِينُ، لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ النِّكَاحِ كَانَا زَوْجَيْنِ، وَقِيلَ لَا يَمِينَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا لَوْ

الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، بَلْ (وَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا) يَشْهَدُ لَهُ؛ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي تَوَجُّهِهَا عَلَى الْمُنْكِرِ لِأَنَّهُ لَوْ نَكَلَ لَمْ يُقْضَ بِالشَّاهِدِ وَالنُّكُولِ، (لَكِنْ يَحْلِفُ مَعَهُ) أَيْ مَعَ شَاهِدِهِ إذَا مَاتَ الْمُنْكِرُ.
(وَيَرِثُ) : لِأَنَّ الدَّعْوَى آلَتْ إلَى مَالٍ.
(وَلَا صَدَاقَ) لَهَا، لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْحَيَاةِ.
(وَأُمِرَتْ) الْمَرْأَةُ الْمُنْكِرَةُ (بِانْتِظَارِهِ) : أَيْ الزَّوْجِ الْمُدَّعِي (لِبَيِّنَةٍ ادَّعَى قُرْبَهَا) لَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فِي انْتِظَارِهَا، فَلَا تَتَزَوَّجُ، فَإِنْ أَتَى بِهَا قُضِيَ لَهُ بِهَا، (ثُمَّ) إذَا أُمِرَتْ بِالِانْتِظَارِ وَلَمْ يَأْتِ بِهَا، أَوْ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ بَعِيدَةً (لَمْ تُسْمَعْ لَهُ بَيِّنَةٌ) بَعْدَ ذَلِكَ (إنْ عَجَّزَهُ) أَيْ حَكَمَ بِعَجْزِهِ (الْحَاكِمُ) ، لَا إنْ لَمْ يَحْكُمْ بِذَلِكَ فَتُسْمَعُ.

[حاشية الصاوي]

نَكَلَتْ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يَلْزَمْهَا النِّكَاحُ (اهـ) . وَعَزَا الثَّانِيَ ابْنُ عَرَفَةَ لِمَعْرُوفِ الْمَذْهَبِ وَالْأَوَّلُ لِسَحْنُونٍ كَذَا فِي (بْن) ، وَمَا قَالَهُ سَحْنُونَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الطَّارِئَيْنِ يَثْبُتُ نِكَاحُهُمَا بِإِقْرَارِهِمَا بِالزَّوْجِيَّةِ مُطْلَقًا وَالْمَشْهُورُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِمَا إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ نِزَاعٌ فِي أَصْلِ الزَّوْجِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [بَلْ وَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا] : أَيْ خِلَافًا لِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ الْمُنْكِرُ لِرَدِّ شَهَادَةِ ذَلِكَ الشَّاهِدِ.
قَوْلُهُ: [وَيَرِثُ] : أَيْ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِأَنَّ دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا إلَّا الْمَالُ، وَكُلُّ دَعْوَى مَالٍ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا مِيرَاثَ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ فَرْعُ الزَّوْجِيَّةِ وَهِيَ لَا تَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْحَيَاةِ] : أَيْ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ التَّمَتُّعِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ وَلَمْ تَثْبُتْ الزَّوْجِيَّةُ حَالَ الْحَيَاةِ.
قَوْلُهُ: [لَمْ تُسْمَعْ لَهُ بَيِّنَةٌ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا أَنْظَرَهُ الْحَاكِمُ لِيَأْتِيَ بِالْبَيِّنَةِ الَّتِي ادَّعَى قُرْبَهَا ثُمَّ لَمْ يَأْتِ بِهَا تَارَةً وَيَعْتَرِفُ بِالْعَجْزِ، وَتَارَةً يَقُولُ لِي بَيِّنَةٌ وَسَآتِي بِهَا، فَإِنْ عَجَّزَهُ الْقَاضِي ثُمَّ أَتَى بِهَا لَمْ تُقْبَلْ، وَهَذَا هُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ لَمْ تُسْمَعْ لَهُ بَيِّنَةٌ إلَخْ، أَيْ فِي حَالِ كَوْنِهِ مُدَّعِيًا حُجَّةً وَإِنْ لَمْ يُعَجِّزْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَأَتَى بِهَا قُبِلَتْ، وَالْمُعْتَرِفُ بِالْعَجْزِ إذَا عَجَّزَهُ وَأَتَى بِهَا فَقَوْلَانِ بِقَبُولِهَا وَعَدَمِهِ

(وَلَيْسَ إنْكَارُهُ) لِلزَّوْجِيَّةِ (طَلَاقًا) ، فَإِذَا أَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ وَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَا فَيَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ وَيَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا، (إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ) : أَيْ الطَّلَاقَ (بِهِ) أَيْ بِالْإِنْكَارِ فَيَكُونَ طَلَاقًا.
(وَلَوْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِهَا) : أَيْ بِالزَّوْجِيَّةِ حِينَ أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ (جَدَّدَ عَقْدًا) لِتَحِلَّ لَهُ (إنْ عَلِمَ) مِنْ نَفْسِهِ (أَنَّهَا غَيْرُ زَوْجَةٍ) فِي الْوَاقِعِ، وَأَنَّ الْبَيِّنَةَ زُورٌ.

(وَلَوْ ادَّعَاهَا) أَيْ الْمَرْأَةَ (رَجُلَانِ) فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: هِيَ زَوْجَتِي (أَقَامَ كُلٌّ) مِنْهُمَا (بَيِّنَةً) تَشْهَدُ لَهُ، وَسَوَاءٌ صَدَّقَتْهُمَا أَوْ كَذَّبَتْهُمَا أَوْ صَدَّقَتْ أَحَدَهُمَا (فَسَخَا) : أَيْ نِكَاحَهُمَا بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ، لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِمَا مَعَ عَدَمِ عِلْمِ السَّابِقِ مِنْهُمَا (كَذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ) إذَا جُهِلَ زَمَنُ الْعَقْدَيْنِ، وَلَا يُنْظَرُ لِدُخُولِ أَحَدِهِمَا بِهَا، وَلَا يُنْظَرُ لِأَعْدَلِيَّةِ إحْدَاهُمَا وَلَا لِغَيْرِهَا مِنْ الْمُرَجَّحَاتِ إلَّا التَّارِيخَ، فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِالسَّابِقَةِ فِي التَّارِيخِ، وَلَوْ أَرَّخَتْ إحْدَاهُمَا فَقَطْ بَطَلَتْ كَعَدَمِ التَّأْرِيخِ بِالْمَرَّةِ عَلَى الْأَرْجَحِ.

[حاشية الصاوي]

وَالرَّاجِحُ عَدَمُ الْقَبُولِ.

قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ إنْكَارُهُ لِلزَّوْجَةِ طَلَاقًا] : وَذَلِكَ لِأَنَّ إنْكَارَهُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً، فَحَيْثُ أَثْبَتَتْهَا لَزِمَهُ الْبِنَاءُ وَالنَّفَقَةُ، وَلَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ أَيْ الطَّلَاقَ] إلَخْ: أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهَا قَدْ أَثْبَتَتْ الزَّوْجِيَّةَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ تُثْبِتْ الزَّوْجِيَّةَ فَلَا يَكُونُ طَلَاقًا، وَلَوْ قَصَدَهُ، لِأَنَّهُ طَلَاقٌ فِي أَجْنَبِيَّةٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ إنْكَارَهُ إنَّمَا يَكُونُ طَلَاقًا إذَا نَوَى ذَلِكَ وَأَثْبَتَتْ الزَّوْجِيَّةَ عَلَيْهِ، فَإِذَا وُجِدَ الْأَمْرَانِ لَزِمَتْهُ طَلْقَةٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَكْثَرَ.

[ادَّعَى الزَّوْجِيَّة رَجُلَانِ]

قَوْلُهُ: [وَلَا يُنْظَرُ لِدُخُولِ أَحَدِهِمَا بِهَا] : أَيْ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ الدَّاخِلُ أَوْلَى، وَلَا بُدَّ مِنْ الْفَسْخِ كَذَا قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ، خِلَافًا لِابْنِ لُبَابَةَ وَابْنِ غَالِبٍ حَيْثُ قَالَا إنْ دَخَلَ بِهَا أَحَدُهُمَا كَانَتْ لَهُ كَذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ إذَا اخْتَلَفَ زَمَنُ عَقْدِهِمَا وَعُلِمَ السَّابِقُ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِالسَّابِقَةِ] : أَيْ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ بِالْعَقْدِ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: [كَعَدَمِ التَّأْرِيخِ بِالْمَرَّةِ] : وَكَذَا إنْ لَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ أَوْ أُرِّخَتَا مَعًا فِي

(وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا) أَيْ بِالزَّوْجِيَّةِ (طَارِئَانِ) عَلَى مَحَلِّهِ (تَوَارَثَا لِثُبُوتِ النِّكَاحِ) بِإِقْرَارِهِمَا وَهُمْ طَارِئَانِ، (كَأَبَوَيْ صَبِيَّيْنِ) أَقَرَّا بِنِكَاحِ وَلَدَيْهِمَا، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ التَّوَارُثُ، (وَإِلَّا) يَكُونَا طَارِئَيْنِ وَلَا أَبَوَيْ صَبِيَّيْنِ، بِأَنْ كَانَا بَلَدِيَّيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَأَقَرَّا بِالزَّوْجِيَّةِ أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ غَيْرِ ثُبُوتٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِقْرَارُ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ (فَخِلَافٌ) فِي التَّوَارُثِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا.

(وَ) إنْ تَنَازَعَا (فِي قَدْرِ الْمَهْرِ) كَأَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ: عَشَرَةٌ وَتَقُولَ هِيَ: بَلْ خَمْسَةَ عَشَرَ، (أَوْ) فِي (صِفَتِهِ) بِأَنْ قَالَتْ: بِدَنَانِيرَ مُحَمَّدِيَّةٍ، وَقَالَ: بَلْ يَزِيدِيَّةٍ وَكَانَ اخْتِلَافُهُمَا (قَبْلَ الْبِنَاءِ، فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الْأَشْبَهِ بِيَمِينِهِ) ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْآخَرُ وَثَبَتَ النِّكَاحُ وَلَا فَسْخَ.
(وَإِلَّا) يُشْبِهَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَوْ أَشْبَهَا مَعًا (حَلَفَا) إنْ كَانَا رَشِيدَيْنِ، وَإِلَّا

[حاشية الصاوي]

وَقْتٍ وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ: [وَإِلَّا يَكُونَا طَارِئَيْنِ إلَخْ] : حَاصِلُهُ أَنَّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ إذَا كَانَا بَلَدِيَّيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا بَلَدِيًّا وَالْآخَرُ طَارِئًا وَأَقَرَّا بِأَنَّهُمَا زَوْجَانِ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَهَلْ يَرِثُهُ الْآخَرُ أَوْ لَا يَرِثُهُ؟ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَتَوَارَثَانِ لِمُؤَاخَذَةِ الْمُكَلَّفِ الرَّشِيدِ بِإِقْرَارِهِ بِالْمَالِ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَتَوَارَثَانِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الزَّوْجِيَّةِ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ لَا تَثْبُتُ بَتَقَارُرِ غَيْرِ الطَّارِئَيْنِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ طَالَ زَمَنُ الْإِقْرَارِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَارِثٌ ثَابِتُ النَّسَبِ حَائِزٌ لِجَمِيعِ الْمَالِ، وَإِلَّا لَمْ يَثْبُتْ التَّوَارُثُ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: [وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِقْرَارُ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ] : أَيْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِقْرَارِ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ، فَقَدْ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ وَمَنْ اُحْتُضِرَ فَقَالَ لِي امْرَأَةٌ بِمَكَّةَ سَمَّاهَا ثُمَّ مَاتَ، فَطَلَبَتْ مِيرَاثَهَا مِنْهُ فَذَلِكَ لَهَا، وَلَوْ قَالَتْ زَوْجِي فُلَانٌ بِمَكَّةَ فَأَتَى بَعْدَ مَوْتِهَا وَرِثَهَا بِإِقْرَارِهَا بِذَلِكَ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ، قَالَ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا وَقَعَ الْإِقْرَارُ فِي الصِّحَّةِ وَإِلَّا فَلَا إرْثَ اتِّفَاقًا، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ فِي الْمَرَضِ كَإِنْشَائِهِ فِيهِ، وَإِنْشَاؤُهُ فِيهِ وَلَوْ بَيْنَ الطَّارِئَيْنِ مَانِعٌ مِنْ الْمِيرَاثِ (اهـ) وَرَدَّهُ بِالنَّقْلِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ الْجَوَاهِرِ.

[تُنَازِع الزَّوْجَانِ فِي قَدْرَ الْمَهْر]

قَوْلُهُ: [وَكَانَ اخْتِلَافُهُمَا قَبْلَ الْبِنَاءِ] أَيْ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى ثُبُوتِ الزَّوْجِيَّةِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مَوْتٌ وَلَا طَلَاقٌ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَفُسِخَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا] : أَيْ وَيَتَوَقَّفُ الْفَسْخُ عَلَى الْحُكْمِ وَيَقَعُ الْفَسْخُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا كَمَا يَأْتِي

فَوَلِيُّ غَيْرِ الرَّشِيدِ كُلٌّ عَلَى طِبْقِ دَعْوَاهُ، وَنَفْي دَعْوَى الْآخَرِ، وَفُسِخَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا وَنُكُولُهُمَا كَحَلِفِهِمَا، (وَبَدَأَتْ) الزَّوْجَةُ بِالْحَلِفِ لِأَنَّهَا كَالْبَائِعِ، (وَقُضِيَ لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ) .

(وَفُسِخَ) إنْ اخْتَلَفَا (فِي الْجِنْسِ) قَبْلَ الْبِنَاءِ، كَذَهَبٍ وَثَوْبٍ وَكَعَبْدٍ وَفَرَسٍ أَوْ بَعِيرٍ (مُطْلَقًا) أَشْبَهَا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ لَمْ يُشْبِهَا، (إنْ لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ الْآخَرِ) ، وَإِلَّا فَلَا فَسْخَ.
(وَ) إنْ اخْتَلَفَا (بَعْدَ الْبِنَاءِ فَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ: لِلزَّوْجِ (بِيَمِينٍ) ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ وَكَانَ الْقَوْلُ لَهَا (فِي الْقَدْرِ أَوْ الصِّفَةِ، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ) كَمَا لَوْ أَشْبَهَ بِالْأَوْلَى (كَالطَّلَاقِ) أَيْ: كَمَا أَنَّ الْقَوْلَ لِلزَّوْجِ بِيَمِينٍ إنْ اخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ أَوْ الصِّفَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ بَعْدَ الطَّلَاقِ، (وَالْمَوْتِ) أَشْبَهَ أَوْ لَمْ يُشْبِهْ؛ فَلَا يُرَاعَى الشَّبَهُ وَعَدَمُهُ إلَّا قَبْلَ الْبِنَاءِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ وَمَوْتٍ.
(فَإِنْ نَكَلَ) الزَّوْجُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ (حَلَفَتْ) الزَّوْجَةُ وَكَانَ الْقَوْلُ لَهَا فِيمَا إذَا تَنَازَعَا بَعْدَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَ الطَّلَاقِ، (أَوْ) تَحْلِفُ (وَرَثَتُهَا) فِيمَا إذَا مَاتَتْ لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالْمَوْتَ وَالْبِنَاءَ بِمَنْزِلَةِ فَوَاتِ السِّلْعَةِ فِي الْبَيْعِ، فَالْقَوْلُ فِيهِ بَعْدَ الْفَوَاتِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [مُطْلَقًا] : أَيْ كَمَا هُوَ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَالْمُتَيْطِيِّ وَغَيْرِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا] إلَخْ: حَاصِلُ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمَا إذَا تَنَازَعَا فِي جِنْسِ الصَّدَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ فُسِخَ مُطْلَقًا حَلَفَا أَوْ أَحَدُهُمَا أَوْ نَكَلَا أَشْبَهَا أَوْ لَمْ يُشْبِهَا، أَوْ أَشْبَهَ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ تَنَازَعَا فِيهِ بَعْدَ الْبِنَاءِ رُدَّ الزَّوْجُ لِصَدَاقِ الْمِثْلِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى دَعْوَاهَا أَوْ يَنْقُصُ عَنْ دَعْوَاهُ وَإِنْ تَنَازَعَا فِي قَدْرِهِ أَوْ فِي صِفَتِهِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْبِنَاءِ صُدِّقَ بِيَمِينٍ مِنْ انْفِرَادٍ بِالشَّبَهِ وَإِنْ أَشْبَهَا أَوْ لَمْ يُشْبِهَا، فَإِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا فُسِخَ النِّكَاحُ مَا لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ التَّنَازُعُ فِيهِمَا بَعْدَ الْبِنَاءِ صُدِّقَ الزَّوْجُ بِيَمِينٍ، وَقَدْ فَصَّلَ الشَّارِحُ ذَلِكَ وَأَوْضَحَهُ غَايَةَ الْإِيضَاحِ.

لِلْمُشْتَرِي إنْ أَشْبَهَ، وَهُنَا الْقَوْلُ لِلزَّوْجِ مُطْلَقًا أَشْبَهَ أَمْ لَا.
وَأَمَّا قَبْلَ الْبِنَاءِ فَيُرَاعَى قَوْلُ مَنْ أَشْبَهَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قِيَامِ السِّلْعَةِ فِي الْبَيْعِ، يُرَاعَى فِيهِ قَوْلُ مَنْ أَشْبَهَ وَيَبْدَأُ الْبَائِعُ بِالْيَمِينِ، وَالْمَرْأَةُ هُنَا كَالْبَائِعِ هَذَا فِي الِاخْتِلَافِ فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ.
وَأَمَّا فِي الْجِنْسِ فَأَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: (وَرُدَّ) الزَّوْجُ (لِصَدَاقِ الْمِثْلِ) إنْ تَنَازَعَا بَعْدَ الْبِنَاءِ (فِي الْجِنْسِ) ، وَالْمُرَادُ بِهِ: مَا يَشْمَلُ النَّوْعَ كَعَبْدٍ وَفَرَسٍ أَوْ بَعِيرٍ، إذْ الْمُرَادُ الْجِنْسُ اللُّغَوِيُّ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ إنْ كَانَ التَّنَازُعُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَلَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِمَا ادَّعَاهُ الْآخَرُ فَلَا بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ، أَيْ بَعْدَ حَلِفِهِمَا أَوْ نُكُولِهِمَا مَعًا، وَلَا شَيْءَ فِيهِ لِلْمَرْأَةِ.
فَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يُرَدُّ لِصَدَاقِ الْمِثْلِ (مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا ادَّعَتْهُ) الْمَرْأَةُ، فَإِنْ زَادَ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا مَا ادَّعَتْهُ إذْ لَا يُعْطَى مُدَّعٍ أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَى (أَوْ يَنْقُصُ عَنْ دَعْوَاهُ) ، فَإِنْ نَقَصَ صَدَاقُ الْمِثْلِ عَنْ دَعْوَاهُ؛ كَمَا لَوْ قَالَ: أَصْدَقْتهَا بَقَرَةً، وَكَانَ صَدَاقُ مِثْلِهَا شَاةً فَإِنَّهَا تُعْطَى الْبَقَرَةَ، إذْ مَنْ أَقَرَّ بِشَاةٍ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِأَقَلَّ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ، وَمَتَى قُلْنَا هُنَا بِالْفَسْخِ احْتَاجَ لِحُكْمٍ وَكَانَ بِطَلَاقٍ.
وَقَوْلُهُ: (وَثَبَتَ النِّكَاحُ وَلَا فَسْخَ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: " وَبَعْدَ الْبِنَاءِ " إلَخْ، وَلِقَوْلِهِ: " فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي " إلَخْ، وَلِقَوْلِهِ: " وَقُضِيَ لِلْحَالِفِ ". وَلِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: " إنْ لَمْ يَرْضَ "، فَتَحَصَّلَ أَنَّهُ إنْ كَانَ تَنَازَعَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَلَمْ يَحْصُلْ طَلَاقٌ وَلَا مَوْتٌ فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الْأَشْبَهِ بِيَمِينِهِ، وَلَا فَسْخَ فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ.
فَإِنْ أَشْبَهَا مَعًا أَوْ لَمْ يُشْبِهَا تَحَالَفَا وَفُسِخَ إنْ لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ التَّنَازُعُ قَبْلَهُ فِي الْجِنْسِ حَلَفَا وَفُسِخَ مُطْلَقًا وَلَا يُنْظَرُ لِشَبَهٍ وَلَا عَدَمِهِ مَا لَمْ يَرْضَ أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ الْآخَرِ.
وَإِنْ حَصَلَ التَّنَازُعُ بَعْدَ الْبِنَاءِ أَوْ قَبْلَهُ بَعْدَ طَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ فَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ بِيَمِينِهِ وَلَا فَسْخَ فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ، وَأَمَّا فِي الْجِنْسِ فَيُرَدُّ لِصَدَاقِ الْمِثْلِ بَعْدَ حَلِفِهِمَا أَوْ نُكُولِهِمَا مَعًا وَلَا سَبِيلَ لِلْفَسْخِ وَلَا يُرَاعَى شَبَهٌ لَهُمَا وَلَا لِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ قُضِيَ لَهُ بِمَا ادَّعَى، وَلَا فَسْخَ أَيْضًا.
وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ بِنَاءٌ فَلَا فَسْخَ مُطْلَقًا كَانَ التَّنَازُعُ فِي الْقَدْرِ أَوْ الصِّفَةِ أَوْ الْجِنْسِ أَشْبَهَا أَوْ لَمْ يُشْبِهَا، أَوْ أَشْبَهَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، إلَّا أَنَّهُ فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ إنْ حَلَفَ، وَإِلَّا حَلَفَتْ وَكَانَ الْقَوْلُ لَهَا، وَفِي الْجِنْسِ يُرَدُّ لِصَدَاقِ

[حاشية الصاوي]

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

الْمِثْلِ إنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا، فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا فَالْقَوْلُ لَهُ وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْصُلْ بِنَاءٌ فَتَارَةً يُفْسَخُ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا تَحَالَفَا أَوْ تَنَاكَلَا مَعًا فِي اخْتِلَافِهِمَا فِي الْجِنْسِ مُطْلَقًا أَوْ فِي الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ، إذَا لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا بِالشَّبَهِ.
وَصُوَرُ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ؛ لِأَنَّ التَّنَازُعَ إمَّا فِي الْقَدْرِ أَوْ الصِّفَةِ أَوْ الْجِنْسِ، وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يُشْبِهَا مَعًا أَوْ لَمْ يَحْصُلْ شَبَهٌ أَوْ يُشْبِهُ الزَّوْجُ فَقَطْ أَوْ هِيَ فَقَطْ، وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَبْنِيَ بِهَا أَوْ لَا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الِاخْتِلَافِ فِي الْجِنْسِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَرَّرَهُ فِي تَوْضِيحِهِ، وَنَقَلَهُ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَالْمُتَيْطِيِّ وَغَيْرِهِمْ.

(وَلَوْ ادَّعَى) الزَّوْجُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا (تَفْوِيضًا عِنْدَ مُعْتَادِيهِ) : أَيْ التَّفْوِيضِ، وَادَّعَتْ هِيَ تَسْمِيَةً (فَكَذَلِكَ) : أَيْ فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ، وَلَوْ بَعْدَ الْفَوَاتِ بِدُخُولٍ أَوْ مَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا صَدَاقَ الْمِثْلِ بَعْدَ الْبِنَاءِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الطَّلَاقِ أَوْ الْمَوْتِ قَبْلَ الْبِنَاءِ، فَإِنْ اعْتَادُوا التَّسْمِيَةَ خَاصَّةً فَالْقَوْلُ لَهَا بِيَمِينٍ وَثَبَتَ النِّكَاحُ.
(وَلَا كَلَامَ لِمَحْجُورٍ) : لِسَفَهٍ أَوْ صِبًا مِنْ زَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ فِي التَّنَازُعِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، بَلْ الْكَلَامُ لِوَلِيِّهِ وَالْيَمِينُ عَلَيْهِ.

(وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ) لَهَا: (أَصْدَقْتُك أَبَاك) : أَوْ غَيْرَهُ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهَا

[حاشية الصاوي]

[ادَّعَى الزَّوْج أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا تَفْوِيضًا]

قَوْلُهُ: [عِنْدَ مُعْتَادِيهِ] : أَيْ إذَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ يَتَنَاكَحُونَ عَلَى التَّفْوِيضِ فَقَطْ، أَوْ هُوَ الْغَالِبُ عِنْدَهُمْ أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى التَّسْمِيَةِ سَوِيَّةً لِصِدْقِ الِاعْتِيَادِ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ اعْتَادُوا التَّسْمِيَةَ خَاصَّةً] : أَيْ أَوَّلًا عَادَةً لَهُمْ بِشَيْءٍ، أَوْ كَانَتْ هِيَ الْغَالِبَةُ فَيُقْبَلُ قَوْلُ كُلٍّ فِي ثَلَاثِ حَالَاتٍ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا مَرَّتَيْنِ بِصَدَاقَيْنِ، وَأَكْذَبَهَا الرَّجُلُ وَأَقَامَتْ بِكُلٍّ بَيِّنَةً لَزِمَهُ نِصْفُهُمَا وَقُدِّرَ طَلَاقٌ بَيْنَهُمَا، لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُنْكِرَ الرَّجُلُ النِّكَاحَ رَأْسًا أَوْ يُنْكِرَ أَحَدُهُمَا، وَكُلِّفَتْ بَيِّنَةَ أَنَّ الطَّلَاقَ بَعْدَ الْبِنَاءِ لِيَتَكَمَّلَ الصَّدَاقُ الْأَوَّلُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَيُنْظَرُ فِيهِ لِحَالَتِهِ الْحَاصِلَةِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ لَزِمَهُ جَمِيعُهُ وَإِلَّا فَنِصْفُهُ إنْ طَلَّقَ.

(فَقَالَتْ) : بَلْ أَصَدَقْتنِي (أُمِّي) وَغَيْرَهَا مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهَا أَيْضًا، وَكَانَ التَّنَازُعُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِدَلِيلِ التَّفْصِيلِ الْآتِي فَصُوَرُهَا أَرْبَعٌ: إمَّا أَنْ يَحْلِفَا أَوْ يَنْكُلَا، أَوْ يَحْلِفَ الزَّوْجُ دُونَهَا أَوْ عَكْسُهُ أَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ: (حَلَفَتْ) أَيْ ابْتَدَأَتْ بِالْيَمِينِ بِأَنَّهُ أَصْدَقَهَا أُمَّهَا لَا أَبَاهَا، ثُمَّ قِيلَ لَهُ احْلِفْ لِرَدِّ دَعْوَاهَا، (فَإِنْ حَلَفَ) كَمَا حَلَفَتْ بِأَنَّهُ مَا أَصْدَقَهَا إلَّا أَبَاهَا لَا أُمَّهَا (فُسِخَ) النِّكَاحُ بِطَلَاقٍ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّزَاعَ قَبْلَ الْبِنَاءِ إذْ بَعْدَهُ لَا يَتَأَتَّى فَسْخٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الصِّفَةِ.
(وَعَتَقَ الْأَبُ) لِإِقْرَارِهِ بِحُرِّيَّتِهِ وَوَلَاؤُهُ لَهَا كَمَا يَأْتِي، (كَأَنْ نَكَلَا) مَعًا فَإِنَّهُ يُفْسَخُ وَيُعْتَقُ الْأَبُ فَقَطْ، (وَإِنْ نَكَلَ) بَعْدَ حَلِفِهَا (عَتَقَا مَعًا) : الْأَبُ لِإِقْرَارِهِ بِحُرِّيَّتِهِ وَالْأُمُّ لِحَلِفِهَا وَنُكُولِهِ، (وَثَبَتَ) النِّكَاحُ (بِهَا) أَيْ بِالْأُمِّ، فَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا (وَوَلَاؤُهُمَا لَهَا، وَإِنْ حَلَفَ فَقَطْ) دُونَهَا (ثَبَتَ) النِّكَاحُ (بِهِ) أَيْ بِالْأَبِ وَالْأُمُّ رَقِيقَةٌ.
فَفِي الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ يُعْتَقُ الْأَبُ، وَفِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ تُعْتَقُ الْأُمُّ مَعَهُ، وَهِيَ صُورَةُ نُكُولِهِ وَحَلِفِهَا وَهِيَ الَّتِي يَثْبُتُ النِّكَاحُ بِهَا وَتَرِقُّ فِي الثَّلَاثَةِ وَالْوَلَاءُ لَهَا فِي الْأَرْبَعِ صُوَرٍ اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا، فَلَوْ كَانَ النِّزَاعُ بَعْدَ الْبِنَاءِ لَثَبَتَ النِّكَاحُ فِي الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ، وَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ بِيَمِينٍ،

[حاشية الصاوي]

[ادَّعَى الزَّوْج أَنَّهُ جَعَلَ حرية أَبَاهَا صَدَاقًا]

قَوْلُهُ: [مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهَا] : أَيْ وَهُمْ الْأُصُولُ وَالْفُصُولُ وَالْحَوَاشِي الْقَرِيبَةُ قَوْلُهُ: [وَهَذَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الصِّفَةِ] : أَيْ وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ تَارَةً يُعْتَقُ الْأَبُ وَتَارَةً يُعْتَقَانِ مَعًا.
قَوْلُهُ: [وَوَلَاؤُهُ لَهَا] : أَيْ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُ صَدَاقُهَا فَيَكْمُلُ الْعِتْقُ خُصُوصًا، وَقَدْ قِيلَ إنَّهَا تَمْلِكُ بِالْعَقْدِ الْكُلَّ وَلَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِنْ قِيمَتِهِ.
قَوْلُهُ: [اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا] : فَالِاجْتِمَاعُ عِتْقُهُمَا مَعًا وَهُوَ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ، وَالِانْفِرَادُ عِتْقُ الْأَبِ فَقَطْ وَهُوَ فِي ثَلَاثٍ.
قَوْلُهُ: [فِي الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ] : الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ لَا بَعْدَ الْبِنَاءِ لَا يَتَأَتَّى إلَّا ثَلَاثُ صُوَرٍ: حَلِفُهُ.
حَلِفُهَا بَعْدَ نُكُولِهِ.
نُكُولُهُمَا مَعًا وَلَا يَتَأَتَّى حَلِفُهُمَا مَعًا لِقَوْلِ الشَّارِحِ، وَالْقَوْلُ لِلزَّوْجِ بِيَمِينٍ فَتَكُونُ الصُّوَرُ سَبْعًا أَرْبَعًا قَبْلَ الدُّخُولِ وَثَلَاثًا بَعْدَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَبَ إذَا مَاتَ بَعْدَ عِتْقِهِ لِإِقْرَارِ الزَّوْجِ وَتَرَكَ مَالًا فَإِنَّ الزَّوْجَ يَأْخُذُ

فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ وَعَتَقَا مَعًا، فَإِنْ نَكَلَتْ أَيْضًا عَتَقَ الْأَبُ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِهِ النِّكَاحُ وَلَا رُجُوعَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ.

(وَ) إنْ تَنَازَعَا (فِي قَبْضِ مَا حَلَّ) مِنْ الصَّدَاقِ فَقَالَ الزَّوْجُ: دَفَعْته لَك، وَقَالَتْ: لَمْ تَدْفَعْهُ بَلْ هُوَ بَاقٍ عِنْدَك، (فَقَبْلَ الْبِنَاءِ) الْقَوْلُ (قَوْلُهَا، وَ) إنْ كَانَ التَّنَازُعُ (بَعْدَهُ) فَالْقَوْلُ (قَوْلُهُ بِيَمِينٍ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، لَكِنْ بِأَرْبَعَةِ شُرُوطٍ فِي الثَّانِيَةِ، أَفَادَ الْأَوَّلُ بِقَوْلِهِ: (إنْ لَمْ يَكُنْ الْعُرْفُ تَأْخِيرَهُ) : أَيْ تَأْخِيرَ مَا حَلَّ مِنْ الصَّدَاقِ، بِأَنْ كَانَ عُرْفُهُمْ تَقْدِيمَهُ أَوْ لَا عُرْفَ لَهُمْ، فَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ تَأْخِيرَهُ فَلَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ بَلْ قَوْلَهَا، وَالثَّانِي بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا رَهْنٌ) وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لَهَا لَا لَهُ، وَالثَّالِثُ بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يَكُنْ) الصَّدَاقُ مَكْتُوبًا (بِكِتَابٍ) أَيْ وَثِيقَةٍ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لَهَا، وَالرَّابِعُ بِقَوْلِهِ: (وَادَّعَى) بَعْدَ الْبِنَاءِ (دَفْعَهُ) لَهَا (قَبْلَ الْبِنَاءِ) فَإِنْ ادَّعَى دَفْعَهُ بَعْدَهُ فَقَوْلُهَا وَعَلَيْهِ الْبَيَانُ.
وَأَمَّا التَّنَازُعُ فِي مُؤَجَّلِ الصَّدَاقِ فَالْقَوْلُ لَهَا كَسَائِرِ الدُّيُونِ مِنْ أَنَّ مَنْ ادَّعَى الدَّفْعَ فَلَا يُبَرِّئُهُ إلَّا الْبَيِّنَةُ أَوْ اعْتِرَافٌ مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ.

(وَ) إنْ تَنَازَعَا (فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ) : أَيْ مَا فِيهِ (فَلِلْمَرْأَةِ الْمُعْتَادُ لِلنِّسَاءِ فَقَطْ)

[حاشية الصاوي]

مِنْهُ قِيمَتَهُ نَظَرًا لِإِقْرَارِ الزَّوْجَةِ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَالْبَاقِي لِلزَّوْجَةِ نِصْفُهُ بِالْإِرْثِ وَنِصْفُهُ بِالْوَلَاءِ، لَا كُلُّهُ بِالْوَلَاءِ كَمَا قِيلَ اُنْظُرْ (عب) .

[التَّنَازُع فِي قبض الْمَهْر]

قَوْلُهُ: [الْقَوْلُ قَوْلُهَا] : أَيْ أَنَّهَا لَمْ تَقْبِضْ إنْ كَانَتْ رَشِيدَةً وَإِلَّا فَوَلِيُّهَا هُوَ الَّذِي يَحْلِفُ، فَإِنْ نَكَلَ وَلِيُّهَا غَرِمَ لَهَا لِإِضَاعَتِهِ بِنُكُولِهِ مَا حَلَّ مِنْ الصَّدَاقِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ لَا عُرْفَ لَهُمْ] : أَيْ كَمَا إذَا اسْتَوَى الْحَالُ.
قَوْلُهُ: [بَلْ قَوْلُهَا] : أَيْ بِيَمِينٍ أَيْضًا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا التَّنَازُعُ فِي مُؤَجَّلِ الصَّدَاقِ] إلَخْ: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ التَّنَازُعُ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بَعْدَهُ كَمَا فِي (بْن) .

[التَّنَازُع فِي مَتَاع الْبَيْت]

قَوْلُهُ: [وَإِنْ تَنَازَعَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ مَثَلَ الزَّوْجَيْنِ الْقَرِيبَانِ

كَالْحُلِيِّ وَالْأَخْمِرَةِ وَمَا يُنَاسِبُ النِّسَاءَ مِنْ الْمَلَابِسِ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي حَوْزِهِ الْخَاصِّ بِهِ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ وَلَمْ تَكُنْ الْمَرْأَةُ مَعْرُوفَةً بِالْفَقْرِ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لَهُ.
إلَّا مَا يُنَاسِبُ جِهَازَهَا.
(وَإِلَّا) يَكُنْ مَا فِي الْبَيْتِ مُعْتَادًا لِلنِّسَاءِ فَقَطْ بَلْ لِلرِّجَالِ فَقَطْ كَالسَّيْفِ وَنَحْوِهِ وَالْفَرَسِ وَنَحْوِهَا، وَالْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الْعِلْمِ وَسِلَعِ التِّجَارَةِ، أَوْ مُعْتَادًا لَهُمَا كَالْأَوَانِي (فَلَهُ) الْقَوْلُ (بِيَمِينٍ) لِأَنَّ الشَّأْنَ أَنَّ مَا فِي الْبُيُوتِ لِلرِّجَالِ.
(وَلَهَا الْغَزْلُ) إذَا تَنَازَعَا فِيهِ (إلَّا أَنْ يُثْبِتَ) الزَّوْجُ (أَنَّ الْكَتَّانَ لَهُ فَشَرِيكَانِ) هُوَ بِقِيمَةِ كَتَّانِهِ وَهِيَ بِقِيمَةِ غَزْلِهَا.
(وَإِنْ نَسَجَتْ) الْمَرْأَةُ شُقَّةً وَادَّعَاهَا الزَّوْجُ (كُلِّفَتْ) هِيَ (بَيَانَ أَنَّ الْغَزْلَ لَهَا) وَاخْتُصَّتْ بِهِ، قَالَهُ مَالِكٌ، (وَإِلَّا) تُبَيِّنَ أَنَّ لَهَا الْغَزْلَ (لَزِمَهُ) لَهَا (الْأُجْرَةُ) وَاخْتُصَّ بِهَا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: النَّسْجُ لِلْمَرْأَةِ وَعَلَى الزَّوْجِ بَيَانُ أَنَّ الْكَتَّانَ وَالْغَزْلَ لَهُ، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ كَانَتْ شَرِيكَةً لَهُ فِيهَا بِقَدْرِ قِيمَةِ نَسْجِهَا وَهُوَ بِقِيمَةِ كَتَّانِهِ وَغَزْلِهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ مَسْأَلَةِ كَوْنِ الْغَزْلِ لَهَا.

(وَإِنْ اشْتَرَى) الزَّوْجُ (مَا هُوَ) : أَيْ شَيْئًا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ (لَهَا) كَالْحُلِيِّ (فَادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ) ، وَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ لَهَا مِنْ مَالِهَا، وَادَّعَى هُوَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ مِنْ

[حاشية الصاوي]

كَرَجُلٍ سَاكِنٍ مَعَ مَحْرَمِهِ أَوْ مَعَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، وَتَنَازَعَ مَعَهَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الزَّوْجَيْنِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [فَلَهُ الْقَوْلُ بِيَمِينٍ] : أَيْ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَوْزِهَا الْخَاصِّ بِهَا، أَوْ يَكُونُ فَقِيرًا لَا يُشْبِهُهُ لِفَقْرِهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَهَا الْغَزْلُ] : أَيْ بِيَمِينِهَا إذَا تَنَازَعَا فِيهِ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لِأَحَدِهِمَا، وَإِنَّمَا قُضِيَ لَهَا بِهِ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ النِّسَاءِ غَالِبًا وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ يُشْبِهُهُ أَيْضًا كَكَوْنِهِ مِنْ الْحَاكَّةِ، وَإِلَّا كَانَ لَهُ خَاصَّةً بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ فِيهِ يُغَلَّبُ جَانِبُ الرَّجُلِ وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي حَوْزِ أَحَدِهِمَا الْخَاصِّ بِهِ.
قَوْلُهُ: [كُلِّفَتْ هِيَ بَيَانَ أَنَّ الْغَزْلَ لَهَا] : اُعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ قَوْلَهُ كُلِّفَتْ هِيَ بَيَانَ إلَخْ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ قَبْلُ وَلَهَا الْغَزْلُ لِأَنَّهُ فِيمَا مَرَّ ادَّعَتْ أَنَّ الْغَزْلَ

مَالِهِ (حَلَفَ وَقُضِيَ لَهُ بِهِ) ، فَإِنْ حَلَفَتْ وَقُضِيَ لَهَا بِهِ (كَالْعَكْسِ) ، وَهُوَ أَنَّهَا اشْتَرَتْ شَيْئًا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لِلرِّجَالِ كَالسَّيْفِ وَادَّعَتْ أَنَّهَا اشْتَرَتْهُ مِنْ مَالِهَا، وَقَالَ هُوَ: بَلْ مِنْ مَالِي اشْتَرَتْهُ لِي حَلَفَتْ وَقَضَى لَهَا بِهِ، فَإِنْ نَكَلَتْ حَلَفَ وَأَخَذَهُ وَقِيلَ: لَا يَمِينَ عَلَيْهَا أَيْ يُقْضَى لَهَا بِهِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ.

[حاشية الصاوي]

الَّذِي فِي الْبَيْتِ لَهَا فَقُبِلَ قَوْلُهَا، وَهُنَا ادَّعَتْ ذَلِكَ فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَنْ صَنْعَتُهَا الْغَزْلُ وَهُنَا عَلَى مَنْ صَنْعَتُهَا النَّسْجُ فَقَطْ.
وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ مَا مَرَّ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَا هُنَا قَوْلُ مَالِكٍ.

قَوْلُهُ: [حَلَفَ] إلَخْ: مَحَلُّ حَلِفِهِ إذَا كَانَ اشْتَرَاهُ مِنْ غَيْرِهَا كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ لَا مِنْهَا، وَإِلَّا فَلَا يَمِينَ وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَمِينَ أَيْضًا، وَمَا قِيلَ فِيمَا اشْتَرَاهُ الرَّجُلُ يُقَالُ فِيمَا اشْتَرَتْهُ الْمَرْأَةُ.

فَصْلٌ فِي الْوَلِيمَةِ وَأَحْكَامِهَا (الْوَلِيمَةُ وَهِيَ طَعَامُ الْعُرْسِ) - بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ (مَنْدُوبَةٌ) لِلْقَادِرِ عَلَيْهَا وَلَوْ قَبْلَ الْبِنَاءِ سَفَرًا وَحَضَرًا فَلَا يُقْضَى بِهَا، وَقِيلَ: وَاجِبَةٌ فَيُقْضَى بِهَا (كَكَوْنِهَا) : أَيْ كَمَا يُنْدَبُ كَوْنُهَا (بَعْدَ الْبِنَاءِ) فَهُوَ مَنْدُوبٌ ثَانٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَقِيلَ: إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْبِنَاءِ، فَإِنْ قَدَّمَهَا لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالْمَنْدُوبِ.

[حاشية الصاوي]

[فَصْلٌ فِي الْوَلِيمَةِ وَأَحْكَامِهَا]

فَصْلٌ الْوَلِيمَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْوَلْمِ: وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ لِاجْتِمَاعِ الزَّوْجَيْنِ وَالنَّاسِ فِيهَا، وَمِنْهَا أَوْلَمَ الْغُلَامُ إذَا اجْتَمَعَ عَقْلُهُ وَخُلُقُهُ.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ طَعَامُ الْعُرْسِ] : أَيْ خَاصَّةً وَلَا تَقَعُ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا بِقَيْدٍ، بِأَنْ تَقُولَ وَلِيمَةُ الْخِتَانِ مَثَلًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ طَعَامَ الْخِتَانِ يُقَالُ لَهُ إعْذَارٌ، وَطَعَامُ الْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ يُقَالُ لَهُ نَقِيعَةٌ، وَطَعَامُ النِّفَاسِ يُقَالُ لَهُ خُرْسٌ بِضَمِّ الْخَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَالطَّعَامُ الَّذِي يَعْمَلُهُ الْجِيرَانُ وَالْأَصْحَابُ لِأَجْلِ الْمَوَدَّةِ يُقَالُ لَهُ مَأْدُبَةٌ بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا، وَطَعَامُ بِنَاءِ الدُّورِ يُقَالُ لَهُ وَكِيرَةٌ، وَالطَّعَامُ الَّذِي يُصْنَعُ فِي سَابِعِ الْوِلَادَةِ يُقَالُ لَهُ عَقِيقَةٌ، وَالطَّعَامُ الَّذِي يُصْنَعُ عِنْدَ حِفْظِ الْقُرْآنِ يُقَالُ لَهُ حَذَاقَةٌ، وَوُجُوبُ إجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَالْحُضُورِ إنَّمَا هُوَ لِوَلِيمَةِ الْعُرْسِ، وَأَمَّا مَا عَدَاهَا فَحُضُورُهُ مَكْرُوهٌ إلَّا الْعَقِيقَةَ فَمَنْدُوبٌ كَذَا فِي الشَّامِلِ، وَاَلَّذِي لِابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: أَنَّ حُضُورَ الْكُلِّ مُبَاحٌ إلَّا وَلِيمَةَ الْعُرْسِ فَوَاجِبٌ، وَإِلَّا الْعَقِيقَةَ فَمَنْدُوبٌ، وَالْمَأْدُبَةُ إذَا فُعِلَتْ لِإِينَاسِ الْجَارِ وَمَوَدَّتِهِ فَمَنْدُوبَةٌ أَيْضًا، وَأَمَّا إذَا فُعِلَتْ لِلْفَخَارِ وَالْمَحْمَدَةِ فَحُضُورُهَا مَكْرُوهٌ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْبِنَاءِ] : أَيْ وَقِيلَ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَفْضَلُ، وَكَلَامُ مَالِكٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ لِأَنَّ الْوَلِيمَةَ لِإِشْهَارِ النِّكَاحِ، وَإِشْهَارُهُ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَفْضَلُ كَذَا فِي (بْن) ، قَالَ الْبَدْرِيُّ: الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّ غَايَتَهَا لِلسَّابِعِ بَعْدَ الْبِنَاءِ، فَمَنْ أَخَّرَهَا لِلسَّابِعِ كَانَتْ الْإِجَابَةُ مَنْدُوبَةً

(تَجِبُ إجَابَةُ مَنْ عُيِّنَ لَهَا) بِالشَّخْصِ صَرِيحًا أَوْ ضِمْنًا وَلَوْ بِكِتَابٍ أَوْ رَسُولٍ ثِقَةٍ، يَقُولُ لَهُ رَبُّهَا: اُدْعُ فُلَانًا وَفُلَانًا وَكَذَا اُدْعُ مَحَلَّةَ كَذَا أَوْ الْعُلَمَاءَ أَوْ الْمُدَرِّسِينَ وَهُمْ مَحْصُورُونَ، لَا إنْ لَمْ يُحْصَرُوا، وَلَا إنْ قَالَ لَهُ: اُدْعُ مَنْ لَقِيتَهُ؛ فَلَا تَجِبُ.
كَمَا لَا تَجِبُ دَعْوَةٌ لِطَعَامِ خِتَانٍ، أَوْ قُدُومٍ مِنْ سَفَرٍ، أَوْ لِبِنَاءِ دَارٍ، أَوْ لِصِرْفَةِ صَبِيٍّ، أَوْ لِخَتْمِ كِتَابٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

(وَإِنْ) كَانَ الْمَدْعُوّ (صَائِمًا) فَيُجِبْ (لَا الْأَكْلَ) وَإِنْ لِمُفْطِرٍ فَلَا يُجِبْ

[حاشية الصاوي]

لَا وَاجِبَةً.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِكِتَابٍ] : أَيْ هَذَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَةُ مُبَاشَرَةً بِأَنْ خَاطَبَهُ صَاحِبُ الْعُرْسِ بِنَفْسِهِ، بَلْ وَإِنْ أَرْسَلَ لَهُ كِتَابًا.
قَوْلُهُ: [وَنَحْوِ ذَلِكَ] : أَيْ مِنْ بَاقِي السَّبْعَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا لَك.

[كَانَ المدعو لِلْوَلِيمَةِ صَائِمًا]

قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ الْمَدْعُوُّ صَائِمًا] : مَحَلُّ وُجُوبِ إجَابَةِ الصَّائِمِ مَا لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ وَقْتَ الدَّعْوَةِ أَنَّهُ صَائِمٌ، وَكَانَ وَقْتُ الِاجْتِمَاعِ وَالِانْصِرَافِ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَإِلَّا فَلَا تَجِبُ إجَابَتُهُ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ لِمُفْطِرٍ فَلَا يُجِبْ] : أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ لِرِوَايَةِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُجِيبُ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ، وَلِقَوْلِ الرِّسَالَةِ وَأَنْتَ فِي الْكُلِّ بِالْخِيَارِ وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ دُعِيَ فَلْيُجِبْ فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ» ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْأَكْلُ مُسْتَحَبٌّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَأْكُلْ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» ، أَيْ يَدْعُ، فَحَمَلَ مَالِكٌ الْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، لِأَنَّ إعْمَالَ الْحَدِيثَيْنِ أَوْلَى مِنْ طَرْحِ أَحَدِهِمَا.

(إنْ لَمْ يَكُنْ) فِي الْمَجْلِسِ (مَنْ يُتَأَذَّى) مِنْهُ لِأَمْرٍ دِينِيٍّ، كَمَنْ شَأْنُهُ الْخَوْضُ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ أَوْ مَنْ يُؤْذِيهِ (أَوْ مُنْكَرٌ كَفُرُشِ حَرِيرٍ) يَجْلِسُ عَلَيْهِ، هُوَ أَوْ غَيْرُهُ بِحَضْرَتِهِ (وَآنِيَةِ نَقْدٍ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ تَبْخِيرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَعْمِلُ غَيْرَهُ بِحَضْرَتِهِ، (وَسَمَاعِ غَانِيَةٍ) وَرَقْصِ نِسَاءٍ (وَآلَةِ لَهْوٍ) غَيْرِ دُفٍّ وَزَمَّارَةٍ وَبُوقٍ، (وَصُوَرِ حَيَوَانٍ) كَامِلَةٍ (لَهَا ظِلٌّ) لَا مَنْقُوشَةٍ بِحَائِطٍ أَوْ فُرُشٍ، إذَا كَانَتْ تَدُومُ كَخَشَبٍ وَطِينٍ، بَلْ (وَإِنْ لَمْ تَدُمْ) كَمَا لَوْ كَانَتْ مِنْ نَحْوِ قِشْرِ بِطِّيخٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَصَاوِيرَ الْحَيَوَانَاتِ تَحْرُمُ إجْمَاعًا إنْ كَانَتْ كَامِلَةً لَهَا ظِلٌّ مِمَّا يَطُولُ اسْتِمْرَارُهُ، بِخِلَافِ نَاقِصِ عُضْوٍ لَا يَعِيشُ بِهِ لَوْ كَانَ حَيَوَانًا، وَبِخِلَافِ مَا لَا ظِلَّ لَهُ كَنَقْشٍ فِي وَرَقٍ أَوْ جِدَارٍ.
وَفِيمَا لَا يَطُولُ اسْتِمْرَارُهُ خِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ حُرْمَتُهُ وَالنَّظَرُ إلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ، وَمَا تَصْوِيرُ غَيْرِ الْحَيَوَانِ كَالسُّفُنِ وَالْأَشْجَارِ فَلَا حُرْمَةَ فِيهِ،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَسَمَاعِ غَانِيَّةٍ] : بِمَعْنَى مُغَنِّيَةٍ إذَا كَانَ غِنَاؤُهَا يُثِيرُ شَهْوَةً، أَوْ كَانَ بِكَلَامٍ قَبِيحٍ، أَوْ كَانَ بِآلَةٍ مِنْ ذَوَاتِ الْأَوْتَارِ، لِأَنَّ سَمَاعَ الْغِنَاءِ إنَّمَا يَحْرُمُ إذَا وُجِدَ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَإِلَّا كَانَ مَكْرُوهًا إنْ كَانَ مِنْ النِّسَاءِ لَا مِنْ الرِّجَالِ فَلَا كَرَاهَةَ مَا لَمْ يَكُونُوا مُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ، وَإِلَّا كَانَ حَرَامًا.
قَوْلُهُ: [وَصُوَرِ حَيَوَانٍ] : فِي عب نَقْلًا عَنْ (ح) أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ الْمُحَرَّمِ تَصْوِيرُ لُعْبَةٍ عَلَى هَيْئَةِ بِنْتٍ صَغِيرَةٍ تَلْعَبُ بِهَا الْبَنَاتُ الصِّغَارُ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَيَجُوزُ بَيْعُهَا وَشِرَاؤُهَا لِتَدْرِيبِ الْبَنَاتِ عَلَى تَرْبِيَةِ الْأَوْلَادِ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَجُوزُ تَصْوِيرُهَا وَاللَّعِبُ بِهَا لِلْبَنَاتِ، وَبَيْعُهَا وَشِرَاؤُهَا وَإِنْ كَانَتْ كَامِلَةَ الْخِلْقَةِ فَانْظُرْهُ، مَعَ قَوْلِ الشَّارِحِ تَحْرُمُ إجْمَاعًا إنْ كَانَتْ كَامِلَةً.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ نَاقِصِ عُضْوٍ] : مِثْلُهُ مَا إذَا كَانَ مَخْرُوقَ الْبَطْنِ، وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ الصُّوَرُ لِمَا ثَبَتَ أَنَّ الْمُصَوِّرِينَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا كُنْتُمْ تُصَوِّرُونَ.
قَوْلُهُ: [وَالنَّظَرُ إلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ] : أَيْ كَمَشْيٍ عَلَى حَبْلٍ وَكَالنَّطِّ مِنْ الطَّارَّةِ وَاللَّعِبِ بِالسَّيْفِ لِلْخَطَرِ وَالْغَرَرِ فِي السَّلَامَةِ، وَفِي (بْن) عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ عَمَلَ ذَلِكَ وَحُضُورَهُ جَائِزٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ،

وَلَيْسَ مِنْ الْمُنْكَرِ سَتْرُ الْجُدْرَانِ بِحَرِيرٍ إذَا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَيْهِ.
(أَوْ كَثْرَةُ زِحَامٍ) فَإِنَّهَا مُسْقِطَةٌ لِوُجُوبِ الدَّعْوَةِ (أَوْ إغْلَاقُ) بَابٍ دُونَهُ (إذَا قَدِمَ، وَإِنْ لِمُشَاوَرَةٍ أَوْ) لَمْ يَكُنْ (عُذْرٌ يُبِيحُ الْجُمُعَةَ) أَيْ التَّخَلُّفَ عَنْهَا مِنْ كَثْرَةِ مَطَرٍ أَوْ وَحْلٍ أَوْ خَوْفٍ عَلَى مَالٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ تَمْرِيضِ قَرِيبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

(وَحَرُمَ ذَهَابُ غَيْرِ) مَدْعُوٍّ (وَ) حَرُمَ (أَكْلُهُ) إنْ ذَهَبَ وَيُسَمَّى الطُّفَيْلِيَّ (إلَّا بِإِذْنٍ) مِنْ رَبِّ الطَّعَامِ فَيَجُوزُ أَكْلُهُ.

(وَكُرِهَ نَثْرُ اللَّوْزِ وَالسُّكَّرِ) وَنَحْوِهِمَا فِي الْمَجْلِسِ (لِلنُّهْبَةِ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ النَّاسِ.
وَأَمَّا وَضْعُ ذَلِكَ لِلْأَكْلِ عَلَى الْعَادَةِ فَجَائِزٌ.

(وَ) كُرِهَ (الزَّمَّارَةُ وَالْبُوقُ) الْمُسَمَّى عِنْدَنَا بِالنَّفِيرِ إذَا لَمْ يَكْثُرْ جِدًّا حَتَّى يُلْهِيَ كُلَّ اللَّهْوِ، وَإِلَّا حَرُمَ كَآلَاتِ الْمَلَاهِي ذَوَاتِ الْأَوْتَارِ، وَالْغِنَاءِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى فُحْشِ الْقَوْلِ أَوْ الْهَذَيَانِ (لَا الْغِرْبَالِ) ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: هُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَنَا بِالْبَنْدِيرِ، وَيُسَمَّى فِي عُرْفِ مِصْرَ بِالطَّارِ، أَيْ فَلَا يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ

[حاشية الصاوي]

غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِذِي الْهَيْئَةِ أَنْ يَحْضُرَ اللَّعِبَ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [أَوْ كَثْرَةُ زِحَامٍ] : مِثْلُهُ مَا إذَا كَانَ الدَّاعِي امْرَأَةً غَيْرَ مَحْرَمٍ، أَوْ كَانَتْ الْوَلِيمَةُ لِغَيْرِ مُسْلِمٍ، وَلَوْ كَانَ الدَّاعِي مُسْلِمًا وَكَذَا إنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ عَقُورٌ، أَوْ كَانَ فِي الطَّعَامِ شُبْهَةٌ كَطَعَامِ الْمِكَاسِ، أَوْ خُصَّ بِالدَّعْوَةِ الْأَغْنِيَاءُ، أَوْ كَانَتْ الطَّرِيقُ فِيهَا نِسَاءٌ وَاقِفَاتٌ يَتَعَرَّضْنَ لِلدَّاخِلِ.
قَوْلُهُ: [وَنَحْوُ ذَلِكَ] : أَيْ مِنْ بَاقِي أَعْذَارِ الْجُمُعَةِ الْمَشْهُورَةِ.

[مَا يحرم وَمَا يَكْرَه فِي الْوَلِيمَة]

قَوْلُهُ: [إلَّا بِإِذْنٍ مِنْ رَبِّ الطَّعَامِ] : أَيْ فِي الدُّخُولِ، وَالْأَكْلِ وَجَوَازُ الْأَكْلِ حِينَئِذٍ لَا يُنَافِي حُرْمَةَ الذَّهَابِ ابْتِدَاءً، وَمَحَلُّ حُرْمَةِ مَجِيئِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ مَا لَمْ يَكُنْ تَابِعًا لِذِي قَدْرٍ مَعْرُوفٍ بِعَدَمِ مَجِيئِهِ وَحْدَهُ، فَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ.

قَوْلُهُ: [لِلنُّهْبَةِ] : أَيْ لِأَجَلِ الِانْتِهَابِ، فَإِنْ صَارَ أَحَدُهُمْ يَأْخُذُ مَا بِيَدِ صَاحِبِهِ فَحَرَامٌ.

قَوْلُهُ: [ذَوَاتِ الْأَوْتَارِ] : أَيْ الْخُيُوطِ كَالرَّبَابَةِ وَالْعُودِ وَالْقَانُونِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ فَلَا يُكْرَهُ] : أَيْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ

فِيهِ صَرَاصِيرُ، وَإِلَّا حَرُمَ.
(وَالْكَبَرُ) فَلَا يُكْرَهُ: وَهُوَ الطَّبْلُ الْكَبِيرُ الْمُدَوَّرُ الْمُغَشَّى مِنْ الْجِهَتَيْنِ.

[حاشية الصاوي]

وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ» (اهـ) . وَأَمَّا غَيْرُ النِّكَاحِ كَالْخِتَانِ وَالْوِلَادَةِ فَالْمَشْهُورُ عَدَمُ جَوَازِ ضَرْبِهِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ جَوَازُهُ فِي كُلِّ فَرَحٍ لِلْمُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ الطَّبْلُ الْكَبِيرُ] : وَقِيلَ طَبْلٌ صَغِيرٌ طَوِيلُ الْعُنُقِ مُجَلَّدٌ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِالدَّرَبُكَّةِ، وَفِي تَقْرِيرٍ لِشَيْخِ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيِّ أَنَّ الطَّبْلَ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ يَجُوزُ فِي النِّكَاحِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ صَرَاصِيرُ فَفِيهِ خِلَافٌ.
تَتِمَّةٌ: قَالَ الْإِمَامُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ هَوًى مِنْ مُبَاحٍ كَعِشْقِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ فَسَمَاعُهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَمَنْ قَالَ: لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا فَالسَّمَاعُ فِي حَقِّهِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وَقَالَ السُّهْرَوَرْدِيّ: الْمُنْكِرُ لِلسَّمَاعِ إمَّا جَاهِلٌ بِالسُّنَنِ وَالْآثَارِ، وَإِمَّا مُغْتَرٌّ بِمَا حُرِمَهُ مِنْ أَحْوَالِ الْأَخْيَارِ، وَإِمَّا جَامِدُ الطَّبْعِ لَا ذَوْقَ لَهُ فَيُصِرُّ عَلَى الْإِنْكَارِ.
قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: السَّمَاعُ لِمَا سُمِعَ لَهُ؛ كَمَاءِ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْعُودِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ مِنْ الْآلَاتِ الْمَعْرُوفَةِ ذَوَاتِ الْأَوْتَارِ؛ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّ الضَّرْبَ بِهِ وَسَمَاعَهُ حَرَامٌ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى جَوَازِهِ وَنُقِلَ سَمَاعُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَغَيْرِهِمْ وَعَنْ جُمْلَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَمِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلَى تَحْرِيمِهِ، فَقِيلَ: كَبِيرَةٌ وَقِيلَ: صَغِيرَةٌ، وَالْأَصَحُّ الثَّانِي، وَحَكَى الْمَازِرِيُّ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَ فِي عُرْسٍ أَوْ صَنِيعٍ فَلَا تُرَدُّ بِهِ شَهَادَةٌ.
وَأَمَّا الرَّقْصُ فَاخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ، فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى الْكَرَاهَةِ، وَطَائِفَةٌ إلَى الْإِبَاحَةِ، وَطَائِفَةٌ إلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ وَغَيْرِهِمْ فَيَجُوزُ لِأَرْبَابِ الْأَحْوَالِ، وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِمْ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمُرْتَضَى، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ الْمُسَوِّغِينَ لِسَمَاعِ الْغِنَاءِ، وَهُوَ مَذْهَبُ السَّادَةِ الصُّوفِيَّةِ، قَالَ الْإِمَامُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[حاشية الصاوي]

مَنْ ارْتَكَبَ أَمْرًا فِيهِ خِلَافٌ لَا يُعَزَّرُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» ، وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بُعِثْت بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] أَيْ ضِيقٍ، وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ، فَإِنْ أَرَدْت الزِّيَادَةَ مِنْ ذَلِكَ فَانْظُرْ حَاشِيَةَ شَيْخِنَا الْأَمِيرِ عَلَى (عب) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَإِنَّ فِيهَا الْعَجَبَ الْعُجَابَ.

فَصْلٌ فِي الْقَسْمُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَمَا يَلْحَقُ بِهِ (إنَّمَا يَجِبُ الْقَسْمُ) عَلَى الزَّوْجِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَلَوْ مَجْبُوبًا أَوْ مَرِيضًا مَرَضًا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَيْهِ، (لِلزَّوْجَاتِ) لَا لِلْإِمَاءِ، وَلَا لِزَوْجَةٍ مَعَ أَمَةٍ (فِي الْمَبِيتِ) لَا فِي غَيْرِهِ كَالْوَطْءِ وَالْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ، (وَإِنْ) كَانَتْ الزَّوْجَاتُ (إمَاءً) كُلَّهُنَّ أَوْ بَعْضَهُنَّ، أَوْ كِتَابِيَّاتٍ كَذَلِكَ.
(أَوْ) وَإِنْ (امْتَنَعَ الْوَطْءُ شَرْعًا أَوْ عَادَةً أَوْ طَبْعًا؛ كَمُحْرِمَةٍ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، (أَوْ مُظَاهَرٍ مِنْهَا) مِثَالَانِ لِلْمُمْتَنِعِ شَرْعًا، وَالِامْتِنَاعُ فِي الْأَوَّلِ مِنْ جِهَتِهَا، وَالثَّانِي مِنْ جِهَتِهِ، (وَرَتْقَاءَ) مِثَالٌ لِلْمُمْتَنِعِ عَادَةً، (وَجَذْمَاءَ) مِثَالٌ لِلْمُمْتَنِعِ طَبْعًا.

(لَا) يَجِبُ الْقَسْمُ (فِي الْوَطْءِ إلَّا لِضَرَرٍ) ، أَيْ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِتَرْكِهِ ضَرَرًا فَيُمْنَعَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الضَّرَرِ (كَكَفِّهِ) عَنْ وَطْءِ وَاحِدَةٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، (لِتَتَوَفَّرَ لَذَّتُهُ

[حاشية الصاوي]

[فَصْلٌ فِي الْقَسْمُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَمَا يَلْحَقُ بِهِ]

[وُجُوب الْقَسْم بَيْنَ الزَّوْجَاتِ]

فَصْلٌ قَوْلُهُ: [وَمَا يَلْحَقُ بِهِ] : أَيْ وَهِيَ أَحْكَامُ النُّشُوزِ.
قَوْلُهُ: [لِلزَّوْجَاتِ] : هَذَا هُوَ الْمَحْصُورُ فِيهِ، فَالْمَعْنَى لَا يَجِبُ الْقَسْمُ لِأَحَدٍ فِي شَيْءٍ إلَّا لِلزَّوْجَاتِ فِي الْمَبِيتِ عَلَى حَدِّ لَا مَحَبَّةَ لِي فِي شَيْءٍ إلَّا فِي اللَّهِ.
قَوْلُهُ: [لَا لِلْإِمَاءِ] إلَخْ: أَيْ كَمَا قَالَ ابْنُ شَاسٍ لَا يَجِبُ الْقَسْمُ بَيْنَ الْمُسْتَوْلَدَاتِ وَبَيْنَ الْإِمَاءِ، وَلَا بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الْمَنْكُوحَاتِ (اهـ) . قَوْلُهُ: [كَالْوَطْءِ] إلَخْ: أَدْخَلَتْ الْكَافُ الْمَيْلَ الْقَلْبِيَّ، بَلْ سَيَأْتِي أَنَّ الْوَطْءَ يُوَكَّلُ فِيهِ لِطَبِيعَتِهِ مَا لَمْ يَمْتَنِعْ لِتَوْفِيرِ لَذَّتِهِ لِأُخْرَى فَيَحْرُمُ، وَنَفَقَةُ كُلٍّ وَكِسْوَتُهَا عَلَى قَدْرِ حَالِهَا، وَلَهُ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ زِيَادَةً عَلَى مَا يَلِيقُ بِمِثْلِهَا، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: ابْنُ رُشْدٍ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، أَنَّهُ إنْ قَامَ لِكُلٍّ بِمَا يَجِبُ لَهَا بِقَدْرِ حَالِهَا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ بِمَا شَاءَ.
قَوْلُهُ: [وَالِامْتِنَاعُ فِي الْأَوَّلِ] إلَخْ: أَيْ فَلِذَلِكَ عَدَّدَ الْمِثَالَ.

لِلْأُخْرَى) ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ.
(وَفَاتَ) الْقَسْمُ (بِفَوَاتِ زَمَنِهِ) ، سَوَاءٌ فَاتَهُ لِعُذْرٍ أَمْ لَا فَلَا يُقْضَى، فَلَيْسَ لِلَّتِي فَاتَتْ لَيْلَتُهَا لَيْلَةٌ بَدَلَهَا.

(وَإِنْ ظَلَمَ) فَلَا مُحَاسَبَةَ لِلْمَظْلُومَةِ بِمَا مَكَّنَهُ عِنْدَ ضَرَّتِهَا لِفَوَاتِ زَمَنِهِ، (كَخِدْمَةِ) عَبْدٍ (مُعْتَقٍ بَعْضُهُ) يَأْبَقُ زَمَنَ نَوْبَةِ سَيِّدِ بَعْضِهِ، (أَوْ) عَبْدٍ (مُشْتَرَكٍ) بَيْنَ اثْنَيْنِ مَثَلًا، (يَأْبَقُ) ، فَإِذَا رَجَعَ بَعْدَ شَهْرٍ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَفُوتُ عَلَى مَالِكِ بَعْضِهِ، أَوْ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مَا أَبَقَ فِي زَمَنِهِ، وَلَا يُحَاسَبُ الْعَبْدُ بِمَا أَبَقَ زَمَنَهُ، وَلَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ صَاحِبَهُ إلَّا أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ شَخْصٌ أَيَّامَ إبَاقِهِ، فَلِسَيِّدِ بَعْضِهِ وَلِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الرُّجُوعُ عَلَى مَنْ اسْتَخْدَمَهُ بِمَنَابِهِ.
(يَوْمًا وَلَيْلَةً) مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: " يَجِبُ الْقَسْمُ ": أَيْ إذَا لَمْ يَرْضَيْنَ بِشَيْءٍ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ كَمَا سَيَأْتِي.

وَنُدِبَ الِابْتِدَاءُ بِاللَّيْلِ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْإِيوَاءِ، (كَالْبَيَاتِ عِنْدَ) الزَّوْجَةِ (الْوَاحِدَةِ) الَّتِي لَا ضَرَّةَ لَهَا، فَإِنَّهُ يُنْدَبُ لِمَا فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ مَا لَمْ تَقْتَضِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ] : رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ إلَّا لِضَرَرٍ، وَضَابِطُ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ صِحَّةُ حُلُولِ لَكِنْ مَحَلَّهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ، لَكِنْ مَحَلُّ عَدَمِ وُجُوبِ الْقَسْمِ فِي الْوَطْءِ إنْ لَمْ يَكُنْ ضَرَرٌ، وَإِلَّا فَيَجِبُ وَمَا قِيلَ فِي الْوَطْءِ يُقَالُ فِي الْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ.

قَوْلُهُ: [وَإِنْ ظَلَمَ] : أَيْ بِأَنْ بَاتَ عِنْدَ إحْدَى الضَّرَّتَيْنِ لَيْلَتَيْنِ لَيْلَتَهُ وَلَيْلَةَ ضَرَّتِهَا، وَكَذَا إذَا بَاتَ عِنْدَ إحْدَى الضَّرَّتَيْنِ لَيْلَتَهَا وَبَاتَ لَيْلَةَ الْأُخْرَى فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ.
قَوْلُهُ: [فَلَا مُحَاسَبَةَ لِلْمَظْلُومَةِ] : أَيْ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْقَسْمِ دَفْعُ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ فِي الْحَالِ، وَذَلِكَ يَفُوتُ بِفَوَاتِ زَمَنِهِ، وَلَوْ قُلْنَا بِالْقَضَاءِ لِظُلْمِ صَاحِبَةِ اللَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ فَتَدَبَّرْ.
قَوْلُهُ: [كَخِدْمَةِ عَبْدٍ مُعْتَقٍ بَعْضُهُ] إلَخْ: أَيْ وَكَانَتْ خِدْمَتُهُ مَقْسُومَةً بِالْجُمُعَةِ مَثَلًا.

[مَا يَنْدُب فِي الْقَسْم بَيْن الزَّوْجَات]

قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ الِابْتِدَاءُ بِاللَّيْلِ] : أَيْ مَا لَمْ يَقْدَمْ مِنْ سَفَرٍ، فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فِي النُّزُولِ عِنْدَ أَيَّتِهِمَا شَاءَ فِي وَقْتِ قُدُومِهِ وَلَا يَتَعَيَّنُ النُّزُولُ عِنْدَ مَنْ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ فَقَطْ لِأَجْلِ أَنْ يُكْمِلَ لَهَا يَوْمَهَا.

الْحَاجَةُ خِلَافَهُ فَإِنْ شَكَتْ الْوَحْدَةَ ضُمَّتْ لِمَنْ يُؤَانِسُهَا أَوْ أَتَى لَهَا بِمَنْ يُؤَانِسُهَا.

(وَجَازَ بِرِضَاهُنَّ الزِّيَادَةُ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَالنَّقْصُ) لِأَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ لَهُنَّ.
(وَ) جَازَ (اسْتِدْعَاؤُهُنَّ لِمَحَلِّهِ) بِأَنْ يَكُونَ لَهُ مَحَلٌّ بِخُصُوصِهِ يَدْعُو كُلَّ مَنْ كَانَتْ نَوْبَتُهَا أَنْ تَأْتِيَ إلَيْهِ فِيهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَذْهَبَ إلَيْهَا بِمَحَلِّهَا لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. (كَجَمْعِهِمَا بِمَنْزِلَيْنِ بِدَارٍ) وَاحِدَةٍ فَيَجُوزُ، (وَلَوْ) جَبْرًا (بِغَيْرِ رِضَاهُمَا) ، وَاعْتَرَضَ سَيِّدِي أَحْمَدُ بَابَا عَلَى الشَّيْخِ: بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّقْيِيدِ فِيهَا بِالرِّضَا فَلَا نَصَّ فِي كَلَامِهِمْ يُوَافِقُهُ، بَلْ نُصُوصُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ جَبْرَهُنَّ عَلَى ذَلِكَ.

(وَ) جَازَ (الْأَثَرَةُ) - بِفَتَحَاتٍ كَدَرَجَةٍ، وَبِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ كَجُحْفَةٍ - أَيْ أَنْ يُؤْثِرَ ضَرَّتَهَا (عَلَيْهَا بِرِضَاهَا بِشَيْءٍ) : أَيْ فِي نَظِيرِ شَيْءٍ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَإِنْ شَكَتْ الْوَحْدَةَ] : أَيْ فِي اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ وُجُوبُ الْبَيَاتِ عِنْدَ الْوَاحِدَةِ، أَوْ يَأْتِي لَهَا بِامْرَأَةٍ تَرْضَى بِبَيَاتِهَا عِنْدَهَا لِأَنَّ تَرْكَهَا وَحْدَهَا ضَرَرٌ، وَرُبَّمَا تَعَيَّنَ زَمَنَ خَوْفِ الْمُحَارِبِ، قَالَ بَعْضُهُمْ وَالْأَظْهَرُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا ثَبَاتٌ بِحَيْثُ لَا يُخْشَى عَلَيْهَا فِي بَيَاتِهَا وَحْدَهَا فَلَا يَجِبُ الْبَيَاتُ وَلَا الْأَنِيسَةُ، وَإِلَّا فَيَجِبُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ.

[مَا يَجُوز فِي الْقَسْم بَيْن الزَّوْجَات]

قَوْلُهُ: [وَجَازَ بِرِضَاهُنَّ الزِّيَادَةُ] إلَخْ: أَيْ فَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا وَجَبَ الْقَسْمُ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَمَحَلُّ هَذَا إذَا كَانَتَا بِبَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي بَلَدَيْنِ فِي حُكْمِ الْوَاحِدِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتَا بِبَلَدَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِالْقَسْمِ بِالْجُمُعَةِ أَوْ الشَّهْرِ مِمَّا لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [بَلْ نُصُوصُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ] إلَخْ: أَيْ حَيْثُ كَانَ كُلُّ مَنْزِلٍ مُسْتَقِلًّا بِمَنَافِعِهِ، وَالْجَوَازُ بِالرِّضَا إنَّمَا هُوَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ كُلُّ مَنْزِلٍ مُسْتَقِلًّا بِأَنْ كَانَ الْمَنْزِلَانِ بِمِرْحَاضٍ وَاحِدٍ وَمَطْبَخٍ وَاحِدٍ، بَقِيَ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ مَا إذَا أَرَادَ سُكْنَاهُمَا بِمَنْزِلٍ وَاحِدٍ وَقَدْ ذَكَرَ فِي التَّوْضِيحِ أَنْ لَا يَجُوزَ، وَإِنْ رَضِيَتَا وَاعْتَرَضَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بَابَا، أَيْضًا بِأَنَّ النُّصُوصَ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ سُكْنَاهُمَا بِمَنْزِلٍ وَاحِدٍ إنْ رَضِيَتَا، وَلَا يُقَالُ جَمْعُهُمَا فِي مَنْزِلٍ يَسْتَلْزِمُ وَطْءَ إحْدَاهُمَا بِحَضْرَةِ الْأُخْرَى، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَطَأَهَا فِي غَيْبَةِ الْأُخْرَى قَالَهُ (بْن) . تَنْبِيهٌ: ذَكَرَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ أَنَّهَا لَا تُجَابُ بَعْدَ رِضَاهَا بِسُكْنَاهَا مَعَ

تَأْخُذُهُ مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ (وَبِغَيْرِهِ) أَيْ بِغَيْرِ شَيْءٍ بَلْ مَجَّانًا، وَفِيهِ نَوْعُ تَكْرَارٍ مَعَ قَوْلِهِ: " وَجَازَ بِرِضَاهُنَّ الزِّيَادَةُ " إلَخْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَثَرَةِ التَّفْضِيلُ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ إذْ لَا يَجِبُ قَسْمٌ فِي ذَلِكَ.
(كَعَطِيَّةٍ) مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا لِزَوْجِهَا - كَانَتْ ضَرَّةً أَوْ لَا - (عَلَى إمْسَاكِهَا) فِي عِصْمَتِهِ وَعَدَمِ طَلَاقِهَا فَيَجُوزُ، وَلَيْسَ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.

(وَ) جَازَ (شِرَاءُ يَوْمِهَا) مِنْهَا بِمَالٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ، وَهَذَا مِنْ بَابِ إسْقَاطِ حَقٍّ وَجَبَ فِي نَظِيرِ شَيْءٍ لَا بَيْعٍ حَقِيقِيٍّ.
(وَ) جَازَ (وَطْءُ ضَرَّتِهَا) فِي يَوْمِهَا (بِإِذْنِهَا) لَا بِغَيْرِهِ.
(وَ) جَازَ لَهُ (سَلَامُهُ عَلَيْهَا) ، وَسُؤَالُهُ عَنْ حَالِهَا (بِالْبَابِ) مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ عَلَيْهَا وَإِلَّا مُنِعَ.

(وَجَازَ لَهُ الْبَيَاتُ عِنْدَ ضَرَّتِهَا إنْ أَغْلَقَتْ الْبَابَ دُونَهُ) حَالَ دُخُولِهِ لَهَا أَوْ قَبْلَهُ وَلَمْ تَفْتَحْ لَهُ (إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْبَيَاتِ بِحُجْرَتِهَا) لِخَوْفٍ مِنْ لِصٍّ أَوْ غَيْرِهِ،

[حاشية الصاوي]

ضَرَّتِهَا أَوْ مَعَ أَهْلِهِ فِي دَارٍ لِسُكْنَاهَا وَحْدَهَا (اهـ) . وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُحْدِثْ مُقْتَضٍ.

قَوْلُهُ: [وَفِيهِ نَوْعُ تَكْرَارٍ] : أَيْ لِعُمُومِ قَوْلِهِ الزِّيَادَةُ، فَإِنَّهَا صَادِقَةٌ وَلَوْ لِبَعْضِهِنَّ، وَلَكِنَّ الْمُتَبَادَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ الزِّيَادَةُ عَنْ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَعَ التَّسْوِيَةِ لِلْكُلِّ، أَوْ النَّقْصُ مَعَ التَّسْوِيَةِ لِكُلٍّ فَلَا تَكْرَارَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [لِزَوْجِهَا] : أَيْ وَيَجُوزُ الْعَكْسُ بِأَنْ يُعْطِيَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ شَيْئًا عَلَى أَنْ تُحْسِنَ عِشْرَتَهُ.

قَوْلُهُ: [وَجَازَ شِرَاءُ يَوْمِهَا مِنْهَا] : أَيْ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: اُخْتُلِفَ فِي بَيْعِهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ، وَالْأَقْرَبُ الْجَوَازُ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ الْكَرَاهَةُ قَوْلُهُ: [لَا بَيْعٍ حَقِيقِيٍّ] : أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُتَمَوَّلًا.

قَوْلُهُ: [وَجَازَ لَهُ الْبَيَاتُ عِنْدَ ضَرَّتِهَا] إلَخْ: وَهَلْ يَجُوزُ وَطْءُ مَنْ بَاتَ عِنْدَهَا حِينَئِذٍ؟ وَهُوَ مَا اعْتَمَدَهُ الْأُجْهُورِيُّ أَوْ لَا يَجُوزُ اقْتِصَارًا عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ وَهُوَ مَا لِغَيْرِهِ.

فَإِنْ قَدَرَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْبَيَاتُ عِنْدَ ضَرَّتِهَا.

(وَإِنْ وَهَبَتْ) امْرَأَةٌ (نَوْبَتَهَا مِنْ ضَرَّةٍ) : أَيْ وَهَبَتْهَا لِضَرَّتِهَا هِنْدٍ (فَالْكَلَامُ لَهُ) : أَيْ لِلزَّوْجِ (لَا لَهَا) : أَيْ هِنْدٍ الْمَوْهُوبَةِ، فَلَهُ أَنْ يَرْضَى وَأَنْ لَا يَرْضَى إذْ قَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي الْوَاهِبَةِ دُونَ هِنْدٍ الْمَوْهُوبَةِ، (فَإِنْ رَضِيَ اخْتَصَّتْ الْمَوْهُوبَةُ) وَهِيَ هِنْدٌ بِتِلْكَ اللَّيْلَةِ، (بِخِلَافِ هِبَتِهَا) لَيْلَتَهَا (لَهُ) أَيْ لِلزَّوْجِ (فَتُقَدَّرُ الْوَاهِبَةُ عَدَمًا) : أَيْ كَأَنَّهَا مَعْدُومَةٌ فَيَسْتَحِقُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَنْ يَلِيهَا فِي الْقَسْمِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهَا لِمَنْ يَشَاءُ (لَا إنْ اشْتَرَى) الزَّوْجُ لَيْلَةً مِنْ ضَرَّةٍ، (فَيَخُصُّ) بِهَا (مَنْ يَشَاءُ.
وَلَهَا) : أَيْ لِلْوَاهِبَةِ لِزَوْجِهَا أَوْ لِضَرَّتِهَا لَيْلَتَهَا (الرُّجُوعُ) فِيمَا وَهَبَتْ لِمَا يَلْحَقُهَا مِنْ الْغَيْرَةِ فَلَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى الْوَفَاءِ.

(وَمُنِعَ) أَيْ حَرُمَ عَلَيْهِ (دُخُولُهُ) أَيْ الزَّوْجِ (عَلَى ضَرَّتِهَا فِي يَوْمِهَا) بِلَا إذْنِهَا (إلَّا لِحَاجَةٍ) ، فَيَجُوزُ الدُّخُولُ بِقَدْرِ زَمَنِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (بِلَا مُكْثٍ) بَعْدَ تَمَامِهَا.
(وَ) مُنِعَ دُخُولُهُ (حَمَّامًا بِهِمَا) مَعًا وَلَوْ بِرِضَاهُمَا لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ كَشْفِ الْعَوْرَةِ،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَإِنْ قَدَرَ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْبَيَاتُ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ كَانَتْ ظَالِمَةً أَوْ مَظْلُومَةً وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.

قَوْلُهُ: [فَلَهُ أَنْ يَرْضَى وَأَنْ لَا يَرْضَى] : قَالَ (عب) : اُنْظُرْ مَفْهُومَ الْهِبَةِ كَالشِّرَاءِ، هَلْ هُوَ كَذَلِكَ لَهُ الْمَنْعُ أَوْ لَا لِضَرُورَةِ الْعِوَضِيَّةِ؟ قَالَ (بْن) وَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ الْمَنْعَ فِي الشِّرَاءِ كَالْهِبَةِ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ: [فَيَخُصُّ بِهَا مَنْ يَشَاءُ] : أَيْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ.
قَوْلُهُ: [الرُّجُوعُ فِيمَا وَهَبَتْ] : أَيْ سَوَاءٌ قَيَّدَتْ بِوَقْتٍ أَوْ لَا، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَتْ نَوْبَتَهَا لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ.

[مَا يَمْنَع فِي الْقَسْم بَيْن الزَّوْجَات]

قَوْلُهُ: [لِأَنَّ مَظِنَّةَ كَشْفِ الْعَوْرَةِ] : لَا يُقَالُ هَذَا يَقْتَضِي مَنْعَ دُخُولِ النِّسَاءِ الْحَمَّامَ مُؤْتَزِرَاتٍ بَعْضُهُنَّ مَعَ بَعْضٍ، لِأَنَّهُ يُقَالُ الْمَرْأَةُ يَحْصُلُ مِنْهَا التَّسَاهُلُ فِي كَشْفِ عَوْرَتِهَا إذَا كَانَ زَوْجُهَا حَاضِرًا، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا فَلَا يَحْصُلُ عِنْدَهَا التَّسَاهُلُ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: ثُمَّ إنَّ مُقْتَضَى الْعِلَّةِ جَوَازُ الدُّخُولِ بِالزَّوْجَاتِ وَكَذَا الْإِمَاءُ إذَا اتَّصَفَ كُلٌّ بِالْعَمَى (اهـ) .

وَكَذَا جَمْعُ الْإِمَاءِ فِيهِ بِخِلَافِ دُخُولِهِ بِوَاحِدَةٍ فَيَجُوزُ.
(وَ) مُنِعَ (جَمْعُهُمَا مَعَهُ فِي فِرَاشٍ) وَاحِدٍ (وَإِنْ بِلَا وَطْءٍ، كَأَمَتَيْنِ) يَحْرُمُ جَمْعُهُمَا فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ وَإِنْ بِلَا وَطْءٍ، لَكِنْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ وَطْءٌ.

(وَ) لَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ بِضَرَّةٍ (قُضِيَ) عَلَيْهِ (لِلْبِكْرِ بِسَبْعٍ) مِنْ اللَّيَالِي مُتَوَالِيَاتٍ تَخْتَصُّ بِهَا عَنْهُنَّ، (وَلِلثَّيِّبِ بِثَلَاثٍ) ، ثُمَّ يَقْسِمُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْبُدَاءَةِ بِمَا شَاءَ.
(وَلَا تُجَابُ) الْبِكْرُ أَوْ الثَّيِّبُ (لِأَكْثَرَ) مِمَّا جَعَلَهُ لَهَا الشَّرْعُ إنْ طَلَبَتْهُ.
(وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ مَرِيضٌ) عَلَى الْقَسْمِ لِشِدَّةِ مَرَضِهِ، (فَعِنْدَ مَنْ شَاءَ) مِنْهُنَّ بِلَا تَعْيِينٍ.

(وَإِنْ سَافَرَ) زَوْجُ ضَرَائِرَ أَيْ أَرَادَ سَفَرًا (اخْتَارَ) مِنْهُنَّ لِلسَّفَرِ مَعَهُ مَنْ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [لَكِنْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ] : أَيْ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ يُكْرَهُ فِي الزَّوْجَاتِ، وَيُبَاحُ فِي الْإِمَاءِ وَهُوَ ضَعِيفٌ.

قَوْلُهُ: [قُضِيَ عَلَيْهِ لِلْبِكْرِ بِسَبْعٍ] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الْبِكْرَ يُقْضَى لَهَا بِسَبْعٍ وَلِلثَّيِّبِ بِثَلَاثٍ مُطْلَقًا تَزَوَّجَهَا عَلَى غَيْرِهَا أَمْ لَا، وَإِنَّمَا قُضِيَ لِلْبِكْرِ بِسَبْعٍ إزَالَةً لِلْوَحْشَةِ فَتَحْتَاجُ لِإِمْهَالٍ وَتَأَنٍّ، وَالثَّيِّبُ قَدْ جَرَّبَتْ الرِّجَالَ إلَّا أَنَّهَا اسْتَحْدَثَتْ الصُّحْبَةَ فَأُكْرِمَتْ بِزِيَادَةِ الْوَصْلَةِ وَهِيَ الثَّلَاثَةُ، فَلَوْ زُفَّتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فِي لَيْلَةٍ فَقَالَ اللَّخْمِيُّ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ الْحَقُّ لِلزَّوْجِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ دُونَ قُرْعَةٍ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ سَبَقَتْ إحْدَاهُمَا بِالدُّعَاءِ لِلْبِنَاءِ قُدِّمَتْ وَإِلَّا فَسَابِقَةُ الْعَقْدِ، وَإِنْ عَقَدَتَا مَعًا فَالْقُرْعَةُ، وَإِذَا أَوْجَبَتْ الْقُرْعَةُ تَقْدِيمَ إحْدَاهُمَا فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ بِمَا يُقْضَى لَهَا بِهِ مِنْ سَبْعٍ إنْ كَانَتْ بِكْرًا، أَوْ ثَلَاثٍ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، ثُمَّ يُقْضَى لِلْأُخْرَى.
قَوْلُهُ: [بِمَا شَاءَ] : أَوْقَعَ مَا عَلَى مَنْ يَعْقِلُ اقْتِدَاءً بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] ، وَلِمَا فِيهِنَّ مِنْ نَقْصِ الْعَقْلِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا تُجَابُ الْبِكْرُ أَوْ الثَّيِّبُ لِأَكْثَرَ] : ظَاهِرُهُ وَلَوْ شَرَطَتْ ذَلِكَ عِنْدَ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ.

شَاءَ (إلَّا) إذَا أَرَادَ السَّفَرَ (فِي قُرْبَةٍ) أَيْ لِعِبَادَةٍ كَحَجٍّ وَغَزْوٍ (فَيُقْرِعُ) بَيْنَهُمَا أَوْ بَيْنَهُنَّ، فَمَنْ خَرَجَ سَهْمُهَا أَخَذَهَا مَعَهُ لِأَنَّ الرَّغَبَاتِ تَعْظُمُ فِي الْعِبَادَاتِ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى أَحْكَامِ الْقَسْمِ، أَخَذَ يَتَكَلَّمُ عَلَى أَحْكَامِ النُّشُوزِ فَقَالَ: (وَوَعَظَ) الزَّوْجُ (مَنْ نَشَزَتْ) : أَيْ خَرَجَتْ عَنْ طَاعَتِهِ بِمَنْعِهَا التَّمَتُّعَ بِهَا أَوْ خُرُوجِهَا بِلَا إذْنٍ لِمَكَانٍ لَا يَجِبُ خُرُوجُهَا لَهُ، أَوْ تَرَكَتْ حُقُوقَ اللَّهِ كَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ، أَوْ أَغْلَقَتْ الْبَابَ دُونَهُ أَوْ خَانَتْهُ فِي نَفْسِهَا أَوْ مَالِهِ.
الْوَعْظُ: ذِكْرُ مَا يَقْتَضِي رُجُوعَهَا عَمَّا ارْتَكَبَتْهُ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِرِفْقٍ.
وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ النَّاشِزِ: وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْمُتَيْطِيُّ وَوَقَعَ بِهِ الْحُكْمُ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - أَنَّ الزَّوْجَ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى رَدِّهَا وَلَوْ بِالْحُكْمِ مِنْ الْحَاكِمِ، وَلَمْ يَفْعَلْ فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَإِنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ لِحَمِيَّةِ قَوْمِهَا، وَكَانَتْ مِمَّنْ لَا تَنْفُذُ فِيهِمْ الْأَحْكَامُ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا.
(ثُمَّ) إنْ لَمْ يُفِدْ فِيهَا الْوَعْظُ (هَجَرَهَا) فِي الْمَضَاجِعِ فَلَا يَنَامُ مَعَهَا فِي فُرُشٍ، وَلَا يُبَاشِرُهَا لَعَلَّهَا تَرْجِعُ عَنْ نُشُوزِهَا.
(ثُمَّ) إنْ لَمْ يُفِدْ الْهَجْرُ (ضَرَبَهَا) ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ.
وَلَا يَجُوزُ الضَّرْبُ

[حاشية الصاوي]

[السَّفَرُ بِالزَّوْجَاتِ]

قَوْلُهُ: [إلَّا إذَا أَرَادَ السَّفَرَ فِي قُرْبَةٍ] : أَيْ وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ، وَهِيَ الِاخْتِيَارُ مُطْلَقًا، الْقُرْعَةُ مُطْلَقًا، الْقُرْعَةُ فِي الْحَجِّ وَالْغَزْوِ فَقَطْ، الْقُرْعَةُ فِي الْغَزْوِ فَقَطْ.

[أَحْكَامِ النُّشُوزِ]

قَوْلُهُ: [وَوَعَظَ الزَّوْجُ مَنْ نَشَزَتْ] : أَيْ إذَا لَمْ يَبْلُغْ نُشُوزُهَا الْإِمَامَ أَوْ بَلَغَهُ وَرُجِيَ صَلَاحُهَا عَلَى يَدِ زَوْجِهَا وَإِلَّا وَعَظَهَا الْإِمَامُ.
قَوْلُهُ: [ذَكَرَ مَا يَقْتَضِي رُجُوعَهَا] : أَيْ بِمَا يُلَيِّنُ الْقَلْبَ مِنْ الْوَعْدِ بِالثَّوَابِ وَالتَّخْوِيفِ بِالْعِقَابِ، الْمُتَرَتِّبَيْنِ عَلَى طَاعَةِ الزَّوْجِ وَمُخَالَفَتِهِ.
قَوْلُهُ: [هَجَرَهَا فِي الْمَضَاجِعِ] : وَغَايَةُ الْهَجْرِ الْمُسْتَحْسَنِ شَهْرٌ وَلَا يَبْلُغُ بِهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
قَوْلُهُ: [غَيْرَ مُبَرِّحٍ] بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ.
اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ بَرَّحَ بِهِ الضَّرْبُ تَبْرِيحًا: شَقَّ عَلَيْهِ، فَالْمُبَرِّحُ هُوَ الشَّاقُّ، وَإِنْ ضَرَبَهُ فَادَّعَتْ الْعَدَاءَ وَادَّعَى الْأَدَبَ، فَإِنَّهَا تُصَدَّقُ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِالصَّلَاحِ وَإِلَّا قُبِلَ قَوْلُهُ.

الْمُبَرِّحُ وَهُوَ الَّذِي يَكْسِرُ عَظْمًا أَوْ يَشِينُ لَحْمًا، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَرْجِعُ عَمَّا هِيَ فِيهِ إلَّا بِهِ، فَإِنْ وَقَعَ فَهُوَ جَانٍ فَلَهَا التَّطْلِيقُ وَالْقِصَاصُ.
وَمَحَلُّ جَوَازِ الضَّرْبِ (إنْ ظَنَّ إفَادَتَهُ) وَإِلَّا فَلَا يَضْرِبُ، فَهَذَا قَيْدٌ فِي الضَّرْبِ دُونَ مَا قَبْلَهُ لِشِدَّتِهِ.

(وَبِتَعَدِّيهِ) أَيْ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ بِضَرْبٍ لِغَيْرِ مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ، أَوْ سَبٍّ كَلَعْنٍ وَنَحْوِهِ، وَثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ (زَجَرَهُ الْحَاكِمُ بِوَعْظٍ فَتَهْدِيدٍ) إنْ لَمْ يَنْزَجِرْ بِالْوَعْظِ، (فَضَرْبٍ إنْ أَفَادَ) الضَّرْبُ أَيْ ظَنَّ إفَادَتَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا إنْ اخْتَارَتْ الْبَقَاءَ مَعَهُ.
(وَلَهَا التَّطْلِيقُ) بِالتَّعَدِّي إذَا ثَبَتَ (وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ) التَّعَدِّي مِنْهُ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ مِنْ الضَّرَرِ مَنْعُهَا مِنْ الْحَمَّامِ وَالنَّزَاهَةِ وَضَرْبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، بِخِلَافِ الْمُبَرِّحِ كَمَا تَقَدَّمَ، (وَإِنْ) كَانَتْ (صَغِيرَةً وَسَفِيهَةً) وَلَا كَلَامَ لِوَلِيِّهَا فِي ذَلِكَ.

(وَإِنْ أَشْكَلَ) الْأَمْرُ - فَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ الضَّرَرُ مِنْهَا أَوْ مِنْهُ - بِأَنْ ادَّعَتْ الضَّرَرَ وَتَكَرَّرَتْ شَكْوَاهَا، وَلَمْ تُثْبِتْ ذَلِكَ أَوْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا الضَّرَرَ، وَتَكَرَّرَتْ مِنْهُ الشَّكْوَى وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ (أَسْكَنَهَا) الْحَاكِمُ: أَيْ أَمَرَ بِسُكْنَاهَا (بَيْنَ)

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [دُونَ مَا قَبْلَهُ] : أَيْ وَهُوَ الْوَعْظُ وَالْهَجْرُ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُهُ وَلَوْ لَمْ يَظُنَّ الْإِفَادَةَ، وَلَا يُقَالُ هُمَا مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا ظَنُّ الْإِفَادَةِ، لِأَنَّهُ يُقَالُ بَلْ هُمَا مِنْ بَابِ رَفْعِ الشَّخْصِ الضَّرَرَ عَنْ نَفْسِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ فِي الْآيَةِ تَقْدِيرُ مُضَافٍ وَهُوَ: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: 34] ، أَيْ ضَرَرَ نُشُوزِهِنَّ، وَالْخَوْفُ يَصْدُقُ وَلَوْ بِالشَّكِّ.

قَوْلُهُ: [فَضَرْبٌ إنْ أَفَادَ] : أَيْ عَلَى طِبْقِ مَا تَقَدَّمَ فِي وَعَظَ الزَّوْجِ لَهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَعِظُهُ أَوَّلًا إذَا جَزَمَ بِالْإِفَادَةِ أَوْ ظَنَّهَا، أَوْ شَكَّ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ هَدَّدَهُ بِالضَّرْبِ، فَإِنْ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ ضَرَبَهُ إنْ جَزَمَ بِالْإِفَادَةِ أَوْ ظَنَّهَا.
قَوْلُهُ: [وَلَا كَلَامَ لِوَلِيِّهَا] : قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي تَقْرِيرِهِ: هَذَا ظَاهِرٌ فِي السَّفِيهَةِ فَهُوَ رَاجِعٌ لَهَا دُونَ الصَّغِيرَةِ فَالْكَلَامُ لِوَلِيِّهَا (اهـ) .

قَوْمٍ (صَالِحِينَ إنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمْ) لِيَظْهَرَ لَهُمْ الْحَالُ، فَيُخْبِرُوا الْحَاكِمَ بِذِي الضَّرَرِ.
(ثُمَّ) إنْ اسْتَمَرَّ الْإِشْكَالُ وَالنِّزَاعُ (بَعَثَ) الْحَاكِمُ (حَكَمَيْنِ مِنْ أَهْلِهِمَا) : أَيْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا (إنْ أَمْكَنَ) ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَأَجْنَبِيَّيْنِ.
(وَنُدِبَ كَوْنُهُمَا جَارَيْنِ) لِأَنَّ الْجَارَ أَدْرَى بِحَالِ الْجَارِ.
(وَصِحَّتَهُمَا) أَيْ الْحَكَمَيْنِ: أَيْ شُرِطَ صِحَّتُهُمَا (بِالْعَدَالَةِ) فَلَا يَصِحُّ حُكْمُ غَيْرِ الْعَدْلِ، سَوَاءٌ حَكَمَ بِطَلَاقٍ أَوْ إبْقَاءٍ أَوْ بِمَالٍ، وَغَيْرُ الْعَدْلِ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ فَاسِقٌ، (وَالذُّكُورَةِ) فَلَا يَصِحُّ حُكْمُ النِّسَاءِ (وَالرُّشْدِ) فَلَا يَصِحُّ حُكْمُ سَفِيهٍ، (وَالْفِقْهِ بِذَلِكَ) فَلَا يَصِحُّ حُكْمُ جَاهِلٍ بِمَا وُلِّيَ فِيهِ.

[حاشية الصاوي]

[بَعَثَ حكمين مِنْ أَهْل الزَّوْجَيْنِ]

قَوْلُهُ: [حَكَمَيْنِ مِنْ أَهْلِهِمَا] : أَيْ لِأَنَّ الْأَقَارِبَ أَعْرَفُ بِبَوَاطِنِ الْأَحْوَالِ، وَأَطْيَبُ لِلْإِصْلَاحِ، وَنُفُوسُ الزَّوْجَيْنِ أَسْكَنُ إلَيْهِمَا، فَيُبْرِزَانِ مَا فِي ضَمَائِرِهِمَا مِنْ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ، وَإِرَادَةِ الْفُرْقَةِ أَوْ الصُّحْبَةِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَأَجْنَبِيَّيْنِ] : فَإِنْ بَعَثَ أَجْنَبِيَّيْنِ مَعَ الْإِمْكَانِ فَفِي نَقْضِ حُكْمِهِمَا تَرَدُّدٌ، وَالظَّاهِرُ نَقْضُهُ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ أَنَّ كَوْنَهُمَا مِنْ أَهْلِهِمَا وَاجِبٌ شُرِطَ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ.
قَوْلُهُ: [سَوَاءٌ حَكَمَ بِطَلَاقٍ] : أَيْ بِغَيْرِ مَالٍ، وَقَوْلُهُ: أَوْ بِمَالٍ أَيْ فِي خُلْعٍ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ حُكْمُ النِّسَاءِ] : لِأَنَّ الْحَكَمَ حَاكِمٌ وَإِمَامٌ مُقْتَدًى بِهِ، وَلَا يَصِحُّ الْحُكْمُ مِنْ النِّسَاءِ وَلَا الِاقْتِدَاءُ بِهِنَّ لِنَقْصِهِنَّ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ حُكْمُ سَفِيهٍ] : اعْلَمْ أَنَّ السَّفِيهَ إذَا كَانَ مُوَلًّى عَلَيْهِ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ، وَإِنْ كَانَ أَصْلَحَ أَهْلِ زَمَانِهِ لِأَنَّ شَرْطَ الْعَدْلِ أَنْ لَا يَكُونَ مُوَلًّى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُهْمَلًا فَإِنْ اتَّصَفَ بِمَا اُعْتُبِرَ فِي الْعَدْلِ فَعَدْلٌ وَإِلَّا فَلَا؛ فَقَوْلُ الشَّارِحِ فَلَا يَصِحُّ حُكْمُ سَفِيهٍ أَيْ حَيْثُ كَانَ مُوَلًّى عَلَيْهِ أَوْ مُهْمَلًا غَيْرَ عَدْلٍ.
قَوْلُهُ: [وَالْفِقْهُ بِذَلِكَ] : أَيْ فَغَيْرُ الْفَقِيهِ لَا يَصِحُّ حُكْمُهُ مَا لَمْ يُشَاوِرْ الْعُلَمَاءَ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ، فَإِنْ حَكَمَ بِمَا أَشَارُوا عَلَيْهِ بِهِ كَانَ حُكْمُهُ نَافِذًا.

(وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِمَا الْإِصْلَاحُ) مَا اسْتَطَاعَا: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35] ، (فَإِنْ تَعَذَّرَ) الْإِصْلَاحُ (طَلَّقَا) أَيْ حَكَمَا بِالطَّلَاقِ، (وَنَفَذَ) حُكْمُهُمَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، (وَإِنْ لَمْ يَرْضَيَا) : أَيْ الزَّوْجَانِ بِحُكْمِهِمَا، (أَوْ) لَمْ يَرْضَ (الْحَاكِمُ بِهِ) .

(وَلَوْ كَانَا) أَيْ الْحَكَمَانِ مُقَامَيْنِ (مِنْ جِهَتِهِمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ فَهُوَ نَافِذٌ، وَلَوْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الزَّوْجَانِ أَوْ الْحَاكِمُ فَأَوْلَى إذَا أَقَامَهُمَا الْحَاكِمُ، (بِوَاحِدَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِطَلَّقَا.
(وَلَا يَلْزَمُ) الزَّوْجَ (مَا زَادَ) عَلَى الْوَاحِدَةِ (إنْ أَوْقَعَا أَكْثَرَ) مِنْ وَاحِدَةٍ.
(وَطَلَّقَا) بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ فَيُطَلَّقَانِ (بِلَا خُلْعٍ) ، أَيْ بِلَا مَالٍ يَأْخُذَانِهِ مِنْهَا لِلزَّوْجِ (إنْ أَسَاءَ) الزَّوْجُ، أَيْ إنْ كَانَتْ الْإِسَاءَةُ مِنْهُ، (وَبِهِ) أَيْ بِالْخُلْعِ (إنْ أَسَاءَتْ) أَيْ كَانَتْ الْإِسَاءَةُ مِنْهَا، (أَوْ يَأْتَمِنَاهُ عَلَيْهَا) بِلَا طَلَاقٍ، بِأَنْ يَأْمُرَاهُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهَا وَعَدَمِ مُعَامَلَتِهَا بِالضَّرَرِ الْوَاقِعِ مِنْهَا إنْ اقْتَضَى النَّظَرُ وَالْمَصْلَحَةُ ذَلِكَ.
(وَإِنْ أَسَاءَا مَعًا) أَيْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَضُرُّ بِصَاحِبِهِ (تَعَيَّنَ) الطَّلَاقُ بِلَا خُلْعٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ إذَا لَمْ تَرْضَ بِالْمُقَامِ مَعَهُ.
(وَجَازَ) الطَّلَاقُ (بِهِ) أَيْ بِالْخُلْعِ (بِالنَّظَرِ عِنْدَ غَيْرِهِمْ) أَيْ الْأَكْثَرِ وَهُمْ الْأَقَلُّ هَكَذَا نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ.
وَاعْتُرِضَ عَلَى كَلَامِ الشَّيْخِ الَّذِي مُقْتَضَاهُ عَكْسُ ذَلِكَ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الزَّوْجَانِ أَوْ الْحَاكِمُ] : أَيْ أَوْ كَانَ الْحُكْمُ الَّذِي أَوْقَعَاهُ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِهِ، إذْ لَا يُشْتَرَطُ مُوَافَقَتُهُمَا لَهُ فِي الْمَذْهَبِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ مَا زَادَ] : حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمَا ابْتِدَاءُ إيقَاعِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا أَوْقَعَاهُ فَلَا يَنْعَقِدُ مِنْهُ إلَّا وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ الزَّائِدَ خَارِجٌ عَنْ مَعْنَى الْإِصْلَاحِ.
قَوْلُهُ: [وَطَلَّقَا بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ] : إنْ قُلْت إنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يُفِيدُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَكَمَيْنِ الطَّلَاقُ ابْتِدَاءً وَهُوَ يُعَارِضُ مَا يَأْتِي لَهُ فِي بَابِ الْقَضَاءِ مِنْ أَنَّ الْمُحَكَّمَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِي الطَّلَاقِ ابْتِدَاءً، فَإِنْ حَكَمَ مَضَى حُكْمُهُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ مَا هُنَا الطَّلَاقُ لَيْسَ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ مِنْ التَّحْكِيمِ، بَلْ أَمْرٌ جَرَّ إلَيْهِ الْحَالُ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ الْإِصْلَاحُ، فَلِذَا جَازَ لَهُمْ ابْتِدَاءُ الطَّلَاقِ، وَمَا يَأْتِي

اُنْظُرْ شَرْحَ الشَّبْرَخِيتِيِّ.
(وَأَتَيَا الْحَاكِمَ) بَعْدَ حُكْمِهِمَا بِمَا اقْتَضَاهُ النَّظَرُ (فَأَخْبَرَاهُ وَنَفَّذَهُ) أَيْ نَفَّذَ حُكْمَهُمَا وُجُوبًا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَعَقُّبُهُ وَلَا نَقْضُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ خَالَفَ مَذْهَبَهُ، وَفَائِدَتُهُ جَمْعُ الْكَلِمَةِ وَعَدَمُ الِاخْتِلَافِ.

(وَلِلزَّوْجَيْنِ إقَامَةُ) حَكَمٍ (وَاحِدٍ) يَرْضَيَانِهِ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ لِلْحَاكِمِ (عَلَى الصِّفَةِ) الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ كَوْنِهِ عَدْلًا رَشِيدًا ذَكَرًا عَالِمًا بِذَلِكَ، وَيَنْفُذُ حُكْمُهُ وَلَوْ لَمْ يَرْضَيَا بِهِ فَأَوْلَى أَنَّ لَهُمَا إقَامَةَ حَكَمَيْنِ، بِخِلَافِ الْحَاكِمِ إذَا رَفَعَا إلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَعْثِ حَكَمَيْنِ إذَا كَانَ لِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ قَرِيبٌ مِنْ أَهْلِهِ، وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُفِيدُ ذَلِكَ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: [فَابْعَثُوا] إلَخْ يُفِيدُ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الرَّفْعِ، وَأَنَّهُمَا إذَا رَضِيَا بِإِقَامَةِ وَاحِدٍ بِلَا رَفْعٍ كَفَى.
(كَالْحَاكِمِ) لَهُ إقَامَةُ الْوَاحِدِ (وَالْوَلِيَّيْنِ) أَيْ وَلِيِّ الزَّوْجِ وَوَلِيِّ الزَّوْجَةِ حَيْثُ كَانَ الزَّوْجَانِ مَحْجُورَيْنِ لَهُمَا إقَامَةُ الْوَاحِدِ بِلَا رَفْعٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، (إنْ كَانَ) الْمُقَامُ (أَجْنَبِيًّا) مِنْ الزَّوْجَيْنِ، وَمِثْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ إذَا كَانَ قَرِيبًا لَهُمَا مَعًا قَرَابَةً مُسْتَوِيَةً،

[حاشية الصاوي]

الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ مِنْ التَّحْكِيمِ الطَّلَاقُ، فَلِذَا لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِ الْقَاضِي الْحُكْمُ فِيهِ ابْتِدَاءً.
قَوْلُهُ: [اُنْظُرْ شَرْحَ الشَّبْرَخِيتِيِّ] : أَيْ فَإِنَّهُ قَالَ عِنْدَ قَوْلِ خَلِيلٍ: وَإِنْ أَسَاءَ فَهَلْ يَتَعَيَّنُ الطَّلَاقُ بِلَا خُلْعٍ أَوْ لَهُمَا أَنْ يُخَالِعَا بِالنَّظَرِ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ؟ تَأْوِيلَانِ لَمْ نَرَ فِي كَلَامِهِمْ رُجُوعًا، قَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ لِلثَّانِي فَعَلَى الْمُصَنِّفِ تَقْدِيمُهُ لِأَوَّلِ التَّأْوِيلَيْنِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ نَفَّذَ حُكْمَهُمَا] بِأَنْ يَقُولَ حَكَمْت بِمَا حَكَمْتُمَا بِهِ، وَأَمَّا إنْ قَالَ نَفَّذْت مَا حَكَمْتُمَا بِهِ، فَلَا يُرْفَعُ الْخِلَافُ.

قَوْلُهُ: [إقَامَةُ حَكَمٍ وَاحِدٍ] : أَيْ إنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُمَا مُسْتَوِي الْقَرَابَةِ أَوْ أَجْنَبِيًّا مِنْهُمَا كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ] : ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي إقَامَةِ الْوَلِيَّيْنِ وَالْحَاكِمِ، وَأَمَّا إقَامَةُ الزَّوْجَيْنِ مُحَكَّمًا فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ فِيهِ الْخِلَافُ أَيْضًا كَمَا فِي الْبَدْرِ الْقَرَافِيِّ، وَلَكِنْ عَدَمُ الْجَوَازِ بِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجَيْنِ ضَعِيفٌ رَأَى الْمُصَنِّفُ ضَعْفَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ لَهُ.

كَابْنِ عَمٍّ لَهُمَا أَوْ عَمٍّ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ وَلَا لِلْوَلِيَّيْنِ إقَامَةُ الْوَاحِدِ مُطْلَقًا.

(وَلَهُمَا) أَيْ لِلزَّوْجَيْنِ (الْإِقْلَاعُ عَنْهُمَا) أَيْ عَنْ الْحَكَمَيْنِ، وَعَدَمُ الرِّضَا بِحُكْمِهِمَا، إنْ أَقَامَا حَكَمَيْنِ، أَوْ الْإِقْلَاعُ عَنْ الْوَاحِدِ إنْ أَقَامَا وَاحِدًا وَمَحَلُّ جَوَازِ الْإِقْلَاعِ (إنْ أَقَامَاهُمَا) مِنْ أَنْفُسِهِمَا بِلَا رَفْعٍ لِلْحَاكِمِ، (مَا لَمْ) : أَيْ مُدَّةَ كَوْنِ الْحَكَمَيْنِ الْمُقَامَيْنِ مِنْهُمَا لَمْ (يَسْتَوْعِبَا الْكَشْفَ) عَنْ حَالِهِمَا، (وَيَعْزِمَا عَلَى الْحُكْمِ) وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُمَا الْإِقْلَاعُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ رَضِيَا بَعْدَ الْعَزْمِ عَلَى الْحُكْمِ بِالطَّلَاقِ بِالْبَقَاءِ وَالصُّلْحِ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: يَنْبَغِي إذَا رَضِيَا مَعًا بِالْبَقَاءِ أَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَمَفْهُومُ إنْ أَقَامَاهُمَا أَنَّهُمَا لَوْ كَانَا مُوَجَّهَيْنِ مِنْ الْحَاكِمِ فَلَيْسَ لَهُمَا الْإِقْلَاعُ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَوْعِبَا الْكَشْفَ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِعَدَمِ اخْتِيَارِهِمَا فِي إقَامَتِهِمَا.

(وَإِنْ) حَكَمَا بِالطَّلَاقِ وَ (اخْتَلَفَا) أَيْ الْحَكَمَانِ (فِي الْمَالِ) أَيْ الْعِوَضِ.
فَقَالَ أَحَدُهُمَا: بِعِوَضٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: مَجَّانًا (فَإِنْ الْتَزَمَتْهُ) الْمَرْأَةُ فَظَاهِرٌ (وَإِلَّا) تَلْتَزِمَهُ (فَلَا طَلَاقَ) يَلْزَمُ الزَّوْجَ وَيَرْجِعُ الْحَالُ لِمَا كَانَ، لِأَنَّ الزَّوْجَ يَدَّعِي أَنَّ الطَّلَاقَ مُعَلَّقٌ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَتِمَّ لِأَنَّ مَجْمُوعَ الْحَكَمَيْنِ بِمَنْزِلَةِ حَاكِمٍ وَاحِدٍ، وَلَا وُجُودَ لِلْمَجْمُوعِ عِنْدَ انْتِفَاءِ بَعْضِهِ فَقَوْلُهُ وَاخْتَلَفَا فِي الْمَالِ أَيْ فِي أَصْلِهِ، وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ أَوْ صِفَتِهِ أَوْ نَوْعِهِ فَيَنْبَغِي الرُّجُوعُ إلَى خُلْعِ الْمِثْلِ، وَقَدْ تَمَّ الْخُلْعُ مَا لَمْ يَزِدْ خُلْعُ الْمِثْلِ عَلَى دَعْوَاهُمَا جَمِيعًا أَوْ يَنْقُصْ عَنْ دَعْوَى أَقَلِّهِمَا ذَكَرَهُ الْأُجْهُورِيُّ.

وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى النِّكَاحِ، شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الطَّلَاقِ، وَبَدَأَ بِالْخُلْعِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ فِي النُّشُوزِ وَلِأَنَّ لَهُ أَحْكَامًا تَخُصُّهُ وَهِيَ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِأَحْكَامِ غَيْرِهِ مِنْ الطَّلَاقِ، فَقَدَّمَهَا لِيَتَفَرَّغَ مِنْهَا لِذِكْرِ أَحْكَامِ غَيْرِهِ فَقَالَ:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ] إلَخْ: قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وَمُفَادُ بَعْضِ الشُّرَّاحِ اعْتِمَادُهُ.

قَوْلُهُ: [وَأَمَّا لَوْ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ] إلَخْ: أَيْ بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: طَلَّقْت بِعَشَرَةٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: بِثَمَانِيَةٍ، وَقَوْلُهُ أَوْ صِفَتُهُ، أَيْ بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: بِمَقْطَعٍ هِنْدِيٍّ، وَقَالَ الْآخَرُ: بِبَلَدِيٍّ، وَقَوْلُهُ أَوْ نَوْعُهُ أَيْ بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: بِفَرَسٍ وَالْآخَرُ: بِبَعِيرٍ فَالْحُكْمُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.

فَصْلٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْخُلْعِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَمَعْنَاهُ لُغَةً الْإِزَالَةُ وَالْإِعَانَةُ مِنْ خَلَعَ الرَّجُلُ ثَوْبَهُ أَزَالَهُ وَأَبَانَهُ، وَالزَّوْجَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا لِبَاسٌ لِصَاحِبِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187] فَإِذَا فَارَقَهَا كَأَنَّهُ نَزَعَهَا مِنْهُ، وَلَمَّا كَانَ فِي نَظِيرِ عِوَضٍ نَاسَبَهُ أَنْ يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ.

وَحُكْمُهُ الْأَصْلِيُّ الْجَوَازُ كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ: (وَيَجُوزُ الْخُلْعُ؛

[حاشية الصاوي]

[فَصْلٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْخُلْعِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ]

[مَعْنَى الخلع]

فَصْلٌ وَأَرْكَانُهُ خَمْسَةٌ: الْقَابِلُ، وَالْمُوجِبُ، وَالْعِوَضُ، وَالْمُعَوَّضُ، وَالصِّيغَةُ؛ فَالْقَابِلُ: الْمُلْتَزَمُ لِلْعِوَضِ.
وَالْمُوجِبُ: الزَّوْجُ أَوْ وَلِيُّهُ، وَالْعِوَضُ: الشَّيْءُ الْمُخَالَعُ بِهِ، وَالْمُعَوَّضُ: بُضْعُ الزَّوْجَةِ، وَالصِّيغَةُ: كَاخْتَلَعَتْ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ، فَالْمُرَادُ مِنْ الْخُلْعِ حَقِيقَتُهُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِتِلْكَ الْأَرْكَانِ.
قَوْلُهُ: [وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ] : أَيْ وَهِيَ فُرُوعُهُ الْآتِيَةُ.
قَوْلُهُ: قَالَ تَعَالَى ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 187] : تَسْمِيَةُ كُلٍّ لِبَاسًا لِصَاحِبِهِ فِيهِ اسْتِعَارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، بِأَنْ شَبَّهَ السَّاتِرَ الْمَعْنَوِيَّ بِالسَّاتِرِ الْحِسِّيِّ، وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ وَهُوَ اللِّبَاسُ، لِلْمُشَبَّهِ وَهُوَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ الْمُصَرِّحَةِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مَانِعٌ لِلْقُبْحِ أَوْ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ الْمَلْزُومِ وَهُوَ اللِّبَاسُ، وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ وَهُوَ السِّتْرُ.

[حُكْمُ الْخُلْع]

قَوْلُهُ: [يَجُوزُ الْخُلْعُ] : أَيْ جَوَازًا مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ يُكْرَهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَصَّارِ، وَالْخِلَافُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْمُعَاوَضَةِ عَلَى الْعِصْمَةِ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ طَلَاقًا فَهُوَ مَكْرُوهٌ بِالنَّظَرِ لِأَصْلِهِ، أَوْ خِلَافِ الْأَوْلَى لِقَوْلِهِ

وَهُوَ الطَّلَاقُ بِعِوَضٍ) : أَيْ فِي نَظِيرِ عِوَضٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَلَوْ زَادَ عَلَى الصَّدَاقِ بِأَضْعَافٍ إنْ كَانَ الْعِوَضُ مِنْهَا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (مِنْ غَيْرِهَا) مِنْ وَلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ.

(أَوْ بِلَفْظِهِ) أَيْ الْخُلْعِ، وَ " أَوْ " لِلتَّنْوِيعِ: أَيْ أَنَّهُ نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ وَهُوَ الْغَالِبُ مَا كَانَ فِي نَظِيرِ عِوَضٍ.
وَالثَّانِي: مَا وَقَعَ بِلَفْظِ الْخُلْعِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي نَظِيرِ شَيْءٍ، كَأَنْ يَقُولَ لَهَا: خَالَعْتُكِ، أَوْ أَنْتِ مُخَالَعَةٌ.

(وَهُوَ) : أَيْ الْخُلْعُ بِنَوْعَيْهِ طَلَاقٌ (بَائِنٌ لَا رَجْعَةَ فِيهِ) ، بَلْ لَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ بِشُرُوطِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، (وَإِنْ قَالَ) الزَّوْجُ حِينَ دَفَعَ الْعِوَضَ أَوْ حِينَ تَلَفَّظَ بِالْخُلْعِ طَلَّقْتُك طَلْقَةً (رَجْعِيَّةً) فَلَا يُفِيدُهُ وَيَقَعُ بَائِنًا، وَمِنْ لَوَازِمِ الْبَيْنُونَةِ سُقُوطُ النَّفَقَةِ وَالْإِرْثِ.

[حاشية الصاوي]

  • عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» ، كَمَا يَأْتِي.
    قَوْلُهُ: [وَهُوَ الطَّلَاقُ بِعِوَضٍ] : يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ بِعِوَضٍ أَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ فَلَا يَحْتَاجُ لِحَوْزٍ كَالْعَطَايَا فَلَوْ أَحَالَ عَلَيْهَا الزَّوْجُ فَمَاتَتْ أَوْ فَلَّسَتْ أَخَذَ مِنْ تَرِكَتِهَا وَأُتْبِعَتْ بِهِ.
    قَوْلُهُ: [بَلْ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهَا] : ظَاهِرُهُ جَوَازُهُ بِعِوَضٍ مِنْ غَيْرِهَا وَلَوْ قَصَدَ ذَلِكَ الْغَيْرُ إسْقَاطَ نَفَقَتِهَا عَنْ الزَّوْجِ فِي الْعِدَّةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَرُدُّ الْعِوَضَ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بَائِنًا، وَتَسْقُطُ نَفَقَةُ الْعِدَّةِ، وَقِيلَ يُعَامَلُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ فَيُرَدُّ الْعِوَضُ وَيَقَعُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا وَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا.
    تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: طَلِّقْ امْرَأَتَك وَلَك أَلْفُ دِرْهَمٍ فَفَعَلَ لَزِمَ الْأَلْفُ ذَلِكَ الرَّجُلَ.

[أَنْوَاع الْخُلْع]

قَوْلُهُ: [بِشُرُوطِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ] : أَيْ وَأَرْكَانِهِ وَالْمُرَادُ شُرُوطُ النِّكَاحِ وَأَرْكَانُهُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.

فصول الكتاب · 3 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك · 813 صفحة
المقدمة
بَابُ فِي الشُّفْعَةِ وَأَحْكَامِهَا
بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ
جارٍ التحميل