حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالكصفحات 42-81
أهل الأثرالأرشيف العلمي

بِحُلُولِ نَجَاسَةٍ فِيهِ ثُمَّ زَالَ تَغَيُّرُهُ لَا بِصَبِّ شَيْءٍ طَاهِرٍ فِيهِ بَلْ بِنَفْسِهِ - فَإِنَّهُ يَكُونُ بَاقِيًا عَلَى تَنَجُّسِهِ.
وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي عِبَادَةٍ أَوْ عَادَةٍ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهُ إذَا زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ طَهُرَ لِأَنَّ عِلَّةَ تَنْجِيسِهِ تَغَيُّرُهُ وَقَدْ زَالَتْ.
وَأَمَّا لَوْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِصَبِّ مَاءٍ مُطْلَقٍ فِيهِ وَلَوْ قَلَّ لَعَادَتْ لَهُ الطَّهُورِيَّةُ.
وَكَذَا إذَا زَالَ بِسُقُوطِ شَيْءٍ طَاهِرٍ فِيهِ كَتُرَابٍ أَوْ طِينٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ طَهُورًا إذَا زَالَ أَثَرُ مَا سَقَطَ فِيهِ.
وَمَفْهُومُ مُتَنَجِّسٍ: أَنَّهُ لَوْ زَالَ تَغَيُّرُ الطَّاهِرِ بِنَفْسِهِ لَكَانَ طَهُورًا.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [لَعَادَتْ لَهُ الطَّهُورِيَّةُ] : أَيْ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَكُونُ طَهُورًا] : قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: حَاصِلُ مَا أَفَادَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَتَلَامِذَتُهُ وَالزَّرْقَانِيُّ وَابْنُ الْإِمَامِ التِّلْمِسَانِيُّ: إذَا زَالَ تَغَيُّرُ النَّجِسِ بِنَحْوِ تُرَابٍ، فَإِنْ ظُنَّ زَوَالُ أَوْصَافِ النَّجَاسَةِ طَهُرَ، وَإِنْ اُحْتُمِلَ بَقَاؤُهَا، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهَا خَفِيَتْ بِالْمُخَالِطِ فَنَجِسٌ.
وَبَعْدُ، فَالْقِيَاسُ فِي غَيْرِ صَبِّ الْمُطْلَقِ تَخْرِيجُ الْفَرْعِ مِنْ أَصْلِهِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ.
وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْأَظْهَرَ فِيهِ الضَّرَرُ، فَلِذَا اعْتَمَدْنَا هُنَا بَقَاءَ النَّجَاسَةِ تَبَعًا لِلْأُجْهُورِيِّ وَ (عب) وَ (شب) وَ (خش) وَإِنْ اعْتَمَدَ ب ن الطَّهُورِيَّةَ (اهـ) . قَوْلُهُ: [لَكَانَ طَهُورًا] : أَيْ اتِّفَاقًا وَمَفْهُومُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ زَالَ تَغَيُّرُ نَفْسِ النَّجَاسَةِ كَالْبَوْلِ فَنَجِسٌ جَزْمًا؛ لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ لِبَوْلِيَّتِهِ لَا لِتَغَيُّرِهِ، وَلَا وَجْهَ لِمَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ مِنْ الْخِلَافِ فِيهِ كَمَا فِي شب اهـ. شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ.

فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَعْيَانِ الطَّاهِرَةِ وَالنَّجِسَةِ (الطَّاهِرُ: الْحَيُّ، وَعَرَقُهُ، وَدَمْعُهُ وَمُخَاطُهُ، وَلُعَابُهُ، وَبَيْضُهُ، إلَّا الْمَذِرَ وَمَا خَرَجَ بَعْدَ مَوْتِهِ) : الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الطَّهَارَةُ.
فَجَمِيعُ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهَا طَاهِرٌ، وَالنَّجَاسَةُ عَارِضَةٌ.
فَكُلُّ حَيٍّ - وَلَوْ كَلْبًا وَخِنْزِيرًا - طَاهِرٌ، وَكَذَا عَرَقُهُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ،

[حاشية الصاوي]

[فَصْلٌ بَيَانِ الْأَعْيَانِ الطَّاهِرَةِ وَالنَّجِسَةِ]

[تَنْبِيه غَسَلَ الثَّوْب مِنْ فَضَلَات الْمُبَاح]

فَصْلٌ: هُوَ لُغَةً الْحَاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَاصْطِلَاحًا اسْمٌ لِطَائِفَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْفَنِّ مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ بَابٍ أَوْ كِتَابٍ غَالِبًا.
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ بِالطَّاهِرِ طَاهِرٌ.
وَبِالنَّجِسِ نَجِسٌ نَاسَبَ أَنْ يُبَيِّنَ الْأَعْيَانَ الطَّاهِرَةَ وَالنَّجِسَةَ فِي هَذَا الْفَصْلِ.
قَوْلُهُ: [الطَّاهِرُ] : بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُبَاحِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، فَيَجْتَمِعَانِ فِي الْخُبْزِ مَثَلًا، وَيَنْفَرِدُ الطَّاهِرُ فِي السُّمِّ، وَيَنْفَرِدُ الْمُبَاحُ فِي الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ.
كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
وَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ بَيْنَ النَّجِسِ وَالْمَمْنُوعِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ أَيْضًا؛ فَيَجْتَمِعَانِ فِي الْخَمْرِ مَثَلًا، وَيَنْفَرِدُ الْمَمْنُوعُ فِي السُّمِّ وَالنَّجِسُ فِي الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ.
قَوْلُهُ: [الْحَيُّ] : أَيْ مَنْ قَامَتْ بِهِ الْحَيَاةُ وَهِيَ ضِدُّ الْمَوْتِ، فَهِيَ صِفَةٌ تُصَحَّحُ لِمَنْ قَامَتْ بِهِ الْحَرَكَةُ الْإِرَادِيَّةُ.
قَوْلُهُ: [وَبَيْضُهُ] : أَيْ وَلَوْ مِنْ حَشَرَاتٍ.
قَوْلُهُ: [فَجَمِيعُ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ] : أَيْ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْجَمَادِ.
وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ: [وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهَا] : أَيْ كَالنَّبَاتَاتِ لِأَنَّهَا مِنْ الْجَمَادِ أَيْضًا، وَجَمِيعُ الْحَيَوَانَاتِ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَنِيِّ، وَهُوَ نَاشِئٌ مِنْ الْغِذَاءِ، وَهُوَ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ فَلِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ " فَكُلُّ حَيٍّ " إلَخْ.
قَوْلُهُ: [فَكُلُّ حَيٍّ] : أَيْ وَلَوْ كَافِرًا أَوْ شَيْطَانًا وَنَجَاسَتُهُمَا مَعْنَوِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا عَرَقُهُ] : وَلَوْ شَارِبَ خَمْرٍ.
قَوْلُهُ: [وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ] : الَّذِي هُوَ دَمْعُهُ وَمُخَاطُهُ وَلُعَابُهُ وَبَيْضُهُ.
وَهِيَ طَاهِرَةٌ وَلَوْ أَكَلَ نَجِسًا، وَمَحَلُّ كَوْنِ اللُّعَابِ طَاهِرًا إنْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ الْمَعِدَةِ.
وَأَمَّا الْخَارِجُ مِنْ الْمَعِدَةِ فَنَجِسٌ وَعَلَامَتُهُ أَنْ يَكُونَ أَصْفَرَ مُنْتِنًا.

إلَّا الْبَيْضَ الْمَذِرَ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ بِعُفُونَةٍ أَوْ زُرْقَةٍ، أَوْ صَارَ دَمًا؛ فَإِنَّهُ نَجِسٌ بِخِلَافِ الْمَمْرُوقِ: وَهُوَ مَا اخْتَلَطَ بَيَاضُهُ بِصِفَارِهِ مِنْ غَيْرِ نُتُونَةٍ وَإِلَّا مَا خَرَجَ مِنْ الْحَيَوَانِ مِنْ بَيْضٍ أَوْ مُخَاطٍ أَوْ دَمْعٍ أَوْ لُعَابٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِلَا ذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا.
فَهَذَا فِي الْحَيَوَانِ الَّذِي مَيْتَتُهُ نَجِسَةٌ.
(وَبَلْغَمٌ، وَصَفْرَاءُ، وَمَيِّتُ الْآدَمِيِّ، وَمَا لَا دَمَ لَهُ، وَالْبَحْرِيِّ، وَمَا ذُكِّيَ مِنْ غَيْرِ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ، وَالشَّعْرُ، وَزَغَبُ الرِّيشِ) : الْبَلْغَمُ: وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الصَّدْرِ مُنْعَقِدًا كَالْمُخَاطِ، وَكَذَا مَا يَسْقُطُ مِنْ الدِّمَاغِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، طَاهِرٌ.
وَكَذَا الصَّفْرَاءُ: وَهِيَ مَاءٌ أَصْفَرُ مُلْتَحِمٌ يَخْرُجُ مِنْ الْمَعِدَةِ يُشْبِهُ الصِّبْغَ الزَّعْفَرَانِيَّ؛ لِأَنَّ الْمَعِدَةَ عِنْدَنَا طَاهِرَةٌ فَمَا خَرَجَ مِنْهَا طَاهِرٌ، مَا لَمْ يَسْتَحِلْ إلَى فَسَادٍ كَالْقَيْءِ الْمُتَغَيِّرِ.
وَمِنْ الطَّاهِرِ: مَيْتَةُ الْآدَمِيِّ وَلَوْ كَافِرًا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَمَيْتَةُ مَا لَا دَمَ لَهُ مِنْ جَمِيعِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ صَارَ دَمًا] : وَأَوْلَى مَا صَارَ مُضْغَةً أَوْ فَرْخًا مَيِّتًا، وَأَمَّا وُجُودُ نُقْطَةِ دَمٍ غَيْرِ مَسْفُوحٍ فِيهِ فَلَا تَضُرُّ.
قَوْلُهُ: [مِنْ بَيْضٍ] : أَيْ وَلَوْ يَابِسًا.
قَوْلُهُ: [فَهَذَا فِي الْحَيَوَانِ الَّذِي مَيْتَتُهُ نَجِسَةٌ] : وَأَمَّا الْخَارِجُ مِمَّا مَيْتَتُهُ طَاهِرَةٌ - كَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ - وَالْخَارِجُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِذَكَاةٍ شَرْعِيَّةٍ، فَجَمِيعُهُ طَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: [وَمَيِّتُ الْآدَمِيِّ] : بِسُكُونِ الْيَاءِ وَالْمُشَدَّدِ لِلْحَيِّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر: 30] قِيلَ: أَيَا سَائِلِي تَفْسِيرَ مَيْتٍ وَمَيِّتٍ ... فَدُونَك قَدْ فَسَّرْت مَا عَنْهُ تَسْأَلُ فَمَا كَانَ ذَا رُوحٍ فَذَلِكَ مَيِّتٌ ... وَمَا الْمَيْتُ إلَّا مَنْ إلَى الْقَبْرِ يُحْمَلُ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْغَالِبُ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَلَا يَكَادُونَ يَسْتَعْمِلُونَ " مَيْتَةً " بِالتَّاءِ إلَّا مُخَفَّفًا (اهـ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [الْآدَمِيِّ] : إنَّمَا كَانَ طَاهِرًا لِتَكْرِيمِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] . قَوْلُهُ: [كَالْقَيْءِ الْمُتَغَيِّرِ] : وَمِثْلُهُ الصَّفْرَاءُ الْمُنْتِنَةُ.
قَوْلُهُ: [مَا لَا دَمَ لَهُ] : هُوَ مَعْنَى قَوْلِ غَيْرِهِ: لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ أَيْ لَا دَمَ ذَاتِيٌّ لَهُ، بَلْ إنْ وُجِدَ فِيهِ دَمٌ يَكُونُ مَنْقُولًا وَيُحْكَمُ.
بِنَجَاسَةِ الدَّمِ فَقَطْ، فَلِذَلِكَ قَالَ: [لَا دَمَ لَهُ] وَلَمْ يَقُلْ: لَا دَمَ فِيهِ.

خَشَاشِ الْأَرْضِ؛ كَعَقْرَبٍ، وَجُنْدُبٍ وَخُنْفُسٍ.
وَمِنْهُ الْبُرْغُوثُ، بِخِلَافِ الْقَمْلِ، وَكَذَا مَيْتَةُ الْبَحْرِيِّ مِنْ السَّمَكِ وَغَيْرِهِ وَلَوْ طَالَتْ حَيَاتُهُ بِالْبَرِّ.
وَجَمِيعُ مَا ذُكِّيَ بِذَبْحٍ أَوْ نَحْرٍ أَوْ عَقْرٍ مِنْ غَيْرِ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ، بِخِلَافِ مُحَرَّمِهِ؛ كَالْحَمِيرِ وَالْبِغَالِ وَالْخَيْلِ، فَإِنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِيهِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [خَشَاشِ الْأَرْضِ] : أَيْ وَلَيْسَ مِنْهُ مَا هُوَ كَالْوَزَغِ وَالسَّحَالِي مِنْ كُلِّ مَا لَهُ لَحْمٌ وَدَمٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ بِطَهَارَةِ مَيْتَةِ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، أَنَّهُ يُؤْكَلُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ؛ لِقَوْلِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ: وَافْتَقَرَ نَحْوُ الْجَرَادِ لَهَا بِمَا يَمُوتُ بِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخَشَاشَ الْمُتَوَلِّدَ مِنْ الطَّعَامِ، كَدُودِ الْفَاكِهَةِ وَالْمِشِّ يُؤْكَلُ مُطْلَقًا.
وَغَيْرُ الْمُتَوَلِّدِ إذَا كَانَ حَيًّا وَجَبَ نِيَّةُ ذَكَاتِهِ بِمَا يَمُوتُ بِهِ.
وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَإِنْ تَمَيَّزَ أُخْرِجَ وَلَوْ وَاحِدَةٌ، وَإِلَّا أُكِلَ إنْ غَلَبَ الطَّعَامُ لَا إنْ قَلَّ أَوْ سَاوَى عَلَى الرَّاجِحِ.
فَإِنْ شَكَّ هَلْ غَلَبَ الطَّعَامُ أَوْ لَا فَلَا يُطْرَحُ بِالشَّكِّ.
وَلَيْسَ كَضُفْدَعَةٍ شَكَّ أَبَرِّيَّةٌ أَمْ بَحْرِيَّةٌ؛ فَلَا تُؤْكَلُ كَمَا فِي عب لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِإِبَاحَتِهَا (اهـ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ بِالْمَعْنَى) . قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْقَمْلِ] : أَيْ فَمَيْتَتُهَا نَجِسَةٌ.
خِلَافًا لِسَحْنُونٍ مِنْ أَنَّهَا لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ.
فَهِيَ كَالْبُرْغُوثِ عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا مَيْتَةُ الْبَحْرِيِّ] إلَخْ: وَفِي الْحَدِيثِ «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ» . فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِ تَغْلِيبُ السَّمَكِ عَلَى الْجَرَادِ لِكَوْنِ ذَكَاتِهِ بِمَا يَمُوتُ بِهِ مُطْلَقًا (اهـ مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [وَلَوْ طَالَتْ حَيَاتُهُ بِالْبَرِّ] : أَيْ وَلَوْ مَاتَ بِهِ عَلَى أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ، وَلَوْ عَلَى صُورَةِ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ، وَلَا يَجُوزُ وَطْؤُهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَهَائِمِ، وَيُعَزَّرُ وَاطِئُهُ.
قَوْلُهُ: [وَجَمِيعُ مَا ذُكِّيَ] إلَخْ: لَمْ يَقُلْ وَجُزْؤُهُ كَمَا قَالَ خَلِيلٌ لِأَنَّ حُكْمَهُ كَالْكُلِّ فِي مِثْلِ هَذَا.
قَوْلُهُ: [مِنْ غَيْرِ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ] : أَيْ فَيَشْمَلُ مَكْرُوهَهُ كَسَبُعٍ وَهِرٍّ، فَإِنْ ذُكِّيَ لِأَكْلِ لَحْمِهِ طَهُرَ جِلْدُهُ تَبَعًا لَهُ، لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ كَاللَّحْمِ، وَإِنْ ذُكِّيَ بِقَصْدِ أَخْذِ جِلْدِهِ فَقَطْ جَازَ أَيْضًا أَكْلُ لَحْمِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَتَبَعَّضُ وَهُوَ الْأَرْجَحُ.
قَوْلُهُ: [لَا تَعْمَلُ فِيهِ] : أَيْ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا فِي الثَّلَاثَةِ، وَمُقَابِلُهُ مَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ كَرَاهَةِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ فِي الْخَيْلِ.

وَكَذَا الْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ لَا تَعْمَلُ فِيهِمَا الذَّكَاةُ.
فَمَيْتَةُ مَا ذُكِرَ نَجِسَةٌ وَلَوْ ذُكِّيَ.
وَمِنْ الطَّاهِرِ: الشَّعْرُ وَلَوْ مِنْ خِنْزِيرٍ.
وَكَذَا زَغَبُ الرِّيشِ وَهُوَ مَا اكْتَنَفَ الْقَصَبَةَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَأَرَادَ بِالشَّعْرِ مَا يَعُمُّ الْوَبَرَ وَالصُّوفَ.
(وَالْجَمَادُ إلَّا الْمُسْكِرَ، وَلَبَنُ آدَمِيٍّ، وَغَيْرِ الْمُحَرَّمِ، وَفَضْلَةُ الْمُبَاحِ، إنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ النَّجَاسَةَ، وَمَرَارَتُهُ، وَالْقَلَسُ، وَالْقَيْءُ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالَةِ الطَّعَامِ، وَمَسْكٌ، وَفَأْرَتُهُ، وَخَمْرٌ خُلِّلَ أَوْ حُجِّرَ، وَرَمَادُ نَجِسٍ وَدُخَانُهُ، وَدَمٌ لَمْ يُسْفَحْ مِنْ مُذَكًّى) أَيْ مِنْ الْأَعْيَانِ الطَّاهِرَةِ الْجَمَادُ وَهُوَ جِسْمٌ لَيْسَ بِحَيٍّ أَيْ لَمْ تَحُلَّهُ الْحَيَاةُ، وَلَا مُنْفَصِلٍ عَنْ حَيٍّ.
فَشَمِلَ النَّبَاتَ بِأَنْوَاعِهِ وَجَمِيعَ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَجَمِيعَ الْمَائِعَاتِ؛ كَالْمَاءِ وَالزَّيْتِ لَا اللَّبَنِ وَالسَّمْنِ وَعَسَلِ النَّحْلِ؛ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِجَمَادٍ لِانْفِصَالِهَا عَنْ الْحَيَوَانِ كَالْبَيْضِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْجَمَادِ: الْمُسْكِرُ.
وَلَا يَكُونُ إلَّا مَائِعًا، كَالْمُتَّخَذِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَهُوَ الْخَمْرُ.
أَوْ مِنْ نَقِيعِ الزَّبِيبِ أَوْ التَّمْرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ نَجِسٌ، وَيُحَدُّ شَارِبُهُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَكَذَا الْكَلْبُ] : أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِحُرْمَةِ أَكْلِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِكَرَاهَتِهِ فَتَعْمَلُ فِيهِ وَسَيَأْتِي الْقَوْلَانِ فِي بَابِ الْمُبَاحِ.
وَأَمَّا الْخِنْزِيرُ فَلَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهِ إجْمَاعًا.
قَوْلُهُ [وَلَوْ مِنْ خِنْزِيرٍ] : أَيْ لَا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ وَأَمَّا أُصُولُ الشَّعْرِ فَكَالْجِلْدِ.
قَوْلُهُ: [وَالْجَمَادُ] : مَعْطُوفٌ عَلَى الْحَيِّ.
قَوْلُهُ: [وَلَبَنُ آدَمِيٍّ] : ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَلَوْ كَافِرًا مَيِّتًا سَكْرَانَ.
لِاسْتِحَالَتِهِ إلَى صَلَاحٍ.
قَوْلُهُ: [وَغَيْرُ الْمُحَرَّمِ] : أَيْ فَلَبَنُهُ طَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: [فَشَمِلَ النَّبَاتَ] : مِنْ ذَلِكَ الْبُنُّ وَالدُّخَانُ، فَالْقَهْوَةُ فِي ذَاتِهَا مُبَاحَةٌ وَيَعْرِضُ لَهَا حُكْمُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا.
هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي ح هُنَا وَمِثْلُهَا الدُّخَانُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَكَثْرَتُهُ لَهْوٌ (اهـ مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [وَهُوَ الْخَمْرُ] : أَيْ فَهُوَ عِنْدَهُمْ الْمُتَّخَذُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ مِنْ نَقِيعِ الزَّبِيبِ أَوْ التَّمْرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ] : أَيْ كَالْمُسْتَخْرَجِ مِنْ دَقِيقِ الشَّعِيرِ وَيُسَمَّى بِالنَّبِيذِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ نَجِسٌ وَيُحَدُّ شَارِبُهُ] : أَيْ فَحَقِيقَةُ الْمُسْكِرِ هُوَ مَا كَانَ مَائِعًا مُغَيِّبًا لِلْعَقْلِ مَعَ شِدَّةٍ وَفَرَحٍ - سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ وَهُوَ الْخَمْرُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ النَّبِيذُ - فَمُوجِبٌ لِلْحَدِّ وَالْحُرْمَةِ فِي قَلِيلِهِ كَكَثِيرِهِ وَإِنْ لَمْ يَغِبْ عَقْلُهُ بِالْفِعْلِ.

بِخِلَافِ نَحْوِ الْحَشِيشَةِ وَالْأَفْيُونِ وَالسَّيْكَرَانِ فَطَاهِرَةٌ لِأَنَّهَا مِنْ الْجَمَادِ.
وَيَحْرُمُ تَعَاطِيهَا لِتَغْيِيبِهَا الْعَقْلَ، وَلَا يَحْرُمُ التَّدَاوِي بِهَا فِي ظَاهِرِ الْجَسَدِ.
وَمِنْ الطَّاهِرِ لَبَنُ الْآدَمِيِّ وَلَوْ كَافِرًا.
وَلَبَنُ غَيْرِ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ وَلَوْ مَكْرُوهًا كَالْهِرِّ وَالسَّبُعِ.
بِخِلَافِ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ، كَالْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ فَلَبَنُهُ نَجِسٌ.
وَمِنْ الطَّاهِرِ: فَضْلَةُ الْمُبَاحِ، مِنْ رَوْثٍ وَبَعْرٍ وَبَوْلٍ وَزِبْلِ دَجَاجٍ وَحَمَامٍ وَجَمِيعِ الطُّيُورِ، مَا لَمْ يَسْتَعْمِلْ النَّجَاسَةَ.
فَإِنْ اسْتَعْمَلَهَا أَكْلًا أَوْ شُرْبًا فَفَضْلَتُهُ نَجِسَةٌ.
وَالْفَأْرَةُ مِنْ الْمُبَاحِ؛ فَفَضْلَتُهَا طَاهِرَةٌ إنْ لَمْ تَصِلْ لِلنَّجَاسَةِ وَلَوْ شَكًّا لِأَنَّ شَأْنَهَا اسْتِعْمَالُ النَّجَاسَةِ كَالدَّجَاجِ.
بِخِلَافِ نَحْوِ الْحَمَامِ فَلَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ فَضْلَتِهِ إلَّا إذَا تُحُقِّقَ أَوْ ظُنَّ اسْتِعْمَالُهَا لِلنَّجَاسَةِ.
وَمِنْ الطَّاهِرِ مَرَارَةُ غَيْرِ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ مِنْ مُبَاحٍ أَوْ مَكْرُوهٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْمَاءُ الْأَصْفَرُ الْكَائِنُ فِي الْجِلْدَةِ الْمَعْلُومَةِ لِلْحَيَوَانِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ نَحْوِ الْحَشِيشَةِ وَالْأَفْيُونِ] : أَيْ فَلَيْسَتْ مِنْ الْمُسْكِرِ وَلَا مِنْ النَّجِسِ وَلَا تُوجِبُ حَدًّا، وَإِنَّمَا فِيهَا الْأَدَبُ إنْ تَعَاطَى مِنْهَا مَا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُسْكِرَ هُوَ مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ مَعَ نَشْوَةٍ وَطَرَبٍ.
وَالْمُخَدِّرُ - وَيُقَالُ لَهُ الْمُفْسِدُ - مَا غَيَّبَ الْعَقْلَ دُونَ الْحَوَاسِّ لَا مَعَ نَشْوَةٍ وَطَرَبٍ، وَالْمُرَقِّدُ مَا غَيَّبَهُمَا مَعًا كَالدَّاتُورَةِ.
فَالْأَوَّلُ نَجِسٌ وَالْآخَرَانِ طَاهِرَانِ وَلَا يَحْرُمُ مِنْهُمَا إلَّا مَا أَثَّرَ فِي الْعَقْلِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ شَكًّا] : عَلَى مَا لِلْأُجْهُورِيِّ وَ (عب) . وَجَعَلَهُ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ: شَكًّا فِي الْمَانِعِ، أَيْ فَلَا يَضُرُّ، فَإِنْ تَوَلَّدَ الْحَيَوَانُ مِنْ مُبَاحٍ وَغَيْرِهِ فَكَذَاتِ الرَّحِمِ، مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى صُورَةِ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ كَخِنْزِيرَةٍ مِنْ شَاةٍ فَهِيَ نَجِسَةٌ كَفَضْلَتِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ مِنْ فَضَلَاتِ الْمُبَاحِ وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةً، إمَّا لِاسْتِقْذَارِهِ أَوْ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَقُولُونَ بِنَجَاسَتِهَا.
وَذَكَرَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: لَيْسَ مِنْ التَّلْفِيقِ الَّذِي قِيلَ بِجَوَازِهِ مُرَاعَاةُ الشَّافِعِيِّ فِي إبَاحَةِ الْخَيْلِ، وَمَالِكٍ فِي طَهَارَةِ رَجِيعِهَا، لِأَنَّ مَالِكًا عَيَّنَ لِلْإِبَاحَةِ أَشْيَاءَ فَتَأَمَّلْ (اهـ) ، وَذَكَرَ فِي مَجْمُوعِهِ أَيْضًا: أَنَّ فَضَلَاتِ الْأَنْبِيَاءِ طَاهِرَةٌ حَتَّى بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مَتَى ثَبَتَتْ لِذَاتٍ فَهِيَ مُطْلَقَةٌ.
وَاسْتِنْجَاؤُهُمْ تَنْزِيهٌ وَتَشْرِيعٌ وَلَوْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَا حُكْمَ إذْ ذَاكَ كَالْعِصْمَةِ لِاصْطِفَائِهِمْ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ.
وَأَنَّ الْمَنِيَّ الَّذِي خُلِقَتْ مِنْهُ الْأَنْبِيَاءُ طَاهِرٌ بِلَا خِلَافٍ، بَلْ جَمِيعُ مَا تَكُونُ مِنْهُ أُصُولُ الْمُصْطَفَى طَاهِرٌ أَيْضًا (اهـ) .

وَمِنْ الطَّاهِرِ الْقَلَسُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ، وَهُوَ مَا تَقْذِفُهُ الْمَعِدَةُ مِنْ الْمَاءِ عِنْدَ امْتِلَائِهَا.
وَكَذَا الْقَيْءُ طَاهِرٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالَةِ الطَّعَامِ بِحُمُوضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنْ تَغَيَّرَ فَنَجِسٌ.
وَمِنْ الطَّاهِرِ الْمَسْكُ وَفَأْرَتُهُ وَهُوَ الْجِلْدَةُ الْمُتَكَوِّنُ فِيهَا.
وَكَذَا الْخَمْرُ، إذَا خُلِّلَ بِفِعْلِ فَاعِلٍ أَوْ حُجِّرَ، أَيْ صَارَ كَالْحَجَرِ فِي الْيُبْسِ بِفِعْلِ فَاعِلٍ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ طَاهِرًا.
وَأَوْلَى لَوْ تَخَلَّلَ بِنَفْسِهِ أَوْ تَحَجَّرَ بِنَفْسِهِ.
وَمِنْ الطَّاهِرِ رَمَادُ النَّجِسِ، كَالزِّبْلِ وَالرَّوْثِ النَّجِسَيْنِ.
وَأَوْلَى؛ الْوَقُودُ الْمُتَنَجِّسُ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ بِالنَّارِ.
وَكَذَا دُخَانُ النَّجِسِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ.
وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ ضَعِيفٌ.
نَعَمْ.
قَيَّدَ بَعْضُهُمْ طَهَارَةَ رَمَادِ النَّجِسِ بِمَا إذَا أَكَلَتْهُ النَّارُ وَانْمَحَقَ مَعَهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ رَمَادُهُ لَهُ نَوْعُ صَلَابَةٍ فَبَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَمِنْ الطَّاهِرِ: الدَّمُ غَيْرُ الْمَسْفُوحِ، أَيْ الْجَارِي مِنْ الْمُذَكَّى، وَهُوَ الْبَاقِي بِالْعُرُوقِ، أَوْ فِي قَلْبِ الْحَيَوَانِ أَوْ مَا يُرَشَّحُ مِنْ اللَّحْمِ لِأَنَّهُ كَجُزْءِ الْمُذَكَّى.
وَكُلُّ مُذَكًّى وَجُزْؤُهُ طَاهِرٌ، بِخِلَافِ مَا بَقِيَ عَلَى مَحَلِّ الذَّبْحِ فَإِنَّهُ مِنْ بَاقِي الْمَسْفُوحِ فَنَجِسٌ.
وَكَذَا مَا يُوجَدُ فِي بَطْنِهَا بَعْدَ السَّلْخِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ لِأَنَّهُ جَرَى مِنْ مَحَلِّ الذَّبْحِ إلَى الْبَطْنِ، فَهُوَ مِنْ الْمَسْفُوحِ.
وَقَوْلِي: (مِنْ مُذَكًّى) : قَيْدٌ مُعْتَبَرٌ أَهْمَلَهُ الشَّيْخُ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: (وَمِنْ الطَّاهِرِ الْقَلَسُ) : أَيْ مَا لَمْ يُشَابِهْ فِي التَّغَيُّرِ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةِ.
فَلَا تَضُرُّ حُمُوضَتُهُ لِخِفَّتِهِ وَتَكَرُّرِهِ.
(اهـ. مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [بِحُمُوضَةٍ أَوْ غَيْرِهَا] إلَخْ: وَقِيلَ مَا لَمْ يُشَابِهْ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةِ.
وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
وَفِي الْحَاشِيَةِ: طَهَارَةُ الْقَيْءِ تَقْتَضِي طَهَارَةَ مَا وَصَلَ لِلْمَعِدَةِ مِنْ خَيْطٍ أَوْ دِرْهَمٍ.
وَقَالُوا بِنَجَاسَتِهِ كَمَا فِي كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ.
وَأَمَّا الَّذِي أُدْخِلَ فِي الدُّبُرِ فَنَجِسٌ قَطْعًا كَمَا فِي ح. قَوْلُهُ: [وَمِنْ الطَّاهِرِ الْمَسْكُ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ لِشِدَّةِ الِاسْتِحَالَةِ إلَى صَلَاحٍ.
بِخِلَافِ الْبَيْضِ فَانْدَفَعَ مَا فِي الْحَاشِيَةِ (اهـ مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [إذَا خُلِّلَ] إلَخْ: أَيْ إلَّا لِنَجَاسَةٍ بِهِ قَبْلُ.
قَوْلِهِ: [أَوْ حُجِّرَ] : قَيَّدَهُ ح بِمَا إذَا لَمْ يُعَدَّ إسْكَارُهُ بِالْبَلِّ، وَرَدَّهُ الْأُجْهُورِيُّ.
وَفِي عب: يَطْهُرُ بِالتَّحْجِيرِ وَالتَّخْلِيلِ وَلَوْ عَلَى ثَوْبٍ، تَابِعًا فِي ذَلِكَ لِلْأُجْهُورِيِّ.
وَاسْتَظْهَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ.
وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ لِأَنَّهُ أَصَابَ حَالَ نَجَاسَتِهِ، وَهُوَ مَا فِي شب.
وَحَيْثُ طَهُرَ الْخَمْرُ بِالتَّخْلِيلِ وَالتَّحْجِيرِ طَهُرَ إنَاؤُهُ، فَيُسْتَثْنَى مِمَّا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: [وَفَخَّارٌ بِغَوَّاصٍ] . وَاخْتَلَفُوا فِي تَخْلِيلِهَا بِالْحُرْمَةِ لِوُجُوبِ إرَاقَتِهَا وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ ظَاهِرٌ] : وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ الطَّهَارَةُ مُطْلَقًا، وَهَذَا ضَعِيفٌ كَمَا قَرَّرَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَشْيَاخِنَا.

(وَالنَّجَسُ: مَيْتٌ غَيْرُ مَا ذُكِرَ، وَمَا خَرَجَ مِنْهُ، وَمَا انْفَصَلَ مِنْهُ أَوْ مِنْ حَيٍّ مِمَّا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ، كَقَرْنٍ وَظُفْرٍ، وَظِلْفٍ، وَحَافِرٍ، وَسِنٍّ، وَقَصَبِ رِيشٍ، وَجِلْدٍ، وَلَوْ دُبِغَ) : يَعْنِي أَنَّ النَّجَسَ بِفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ الْأَعْيَانُ النَّجِسَةُ الذَّاتِ: مَيْتُ غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَغَيْرُهُ: كُلُّ بَرِّيٍّ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، مِنْ غَنَمٍ وَبَقَرٍ وَحِمَارٍ وَلَوْ قَمْلَةً.
وَقِيلَ، بِطَهَارَةِ مَيْتَتِهَا؛ لِأَنَّ دَمَهَا مُكْتَسَبٌ لَا ذَاتِيٌّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
نَعَمْ يُعْفَى عَمَّا قَلَّ

[حاشية الصاوي]

[الْأَعْيَان النَّجِسَة]

[تَنْبِيه ميتة الْجِنّ]

قَوْلُهُ: [وَالنَّجِسُ: مَيْتٌ] إلَخْ: عَطْفٌ عَلَى الطَّاهِرِ إلَخْ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْأَعْيَانَ الطَّاهِرَةَ وَاسْتَشْعَرَ أَضْدَادَهَا، فَشَرَعَ يُتَمِّمُ الْكَلَامَ عَلَيْهَا صَرَاحَةً، وَإِنْ تَقَدَّمَ لَهُ بَعْضُهَا صَرَاحَةً وَضِمْنًا كَقَوْلِهِ: [إلَّا الْمَذَرُ وَمَا خَرَجَ بَعْدَ الْمَوْتِ] . وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ [مِنْ غَيْرِ مُحَرَّمٍ] وَ [إلَّا الْمُسْكِرَ] ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ النَّجَاسَةَ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَلَى حَالِ الطَّعَامِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ خُلِّلَ أَوْ حُجِّرَ وَمَفْهُومُ لَمْ يُسْفَحْ.
قَوْلُهُ: [غَيْرِ الْآدَمِيِّ] : وَأَمَّا هُوَ فَمَيْتَتُهُ طَاهِرَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا تَقَدَّمَ خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ شَعْبَانَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَالْقَائِلُ بِالطَّهَارَةِ ابْنُ رُشْدٍ نَقْلًا عَنْ سَحْنُونَ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ فِي مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ الْخِلَافُ.
وَأَمَّا مَيْتَةُ الْجِنِّ فَنَجِسَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ الْآدَمِيَّ فِي الشَّرَفِ وَإِنْ اقْتَضَى عُمُومُ «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» أَنَّ لَهُ مَا لِلْآدَمِيِّ.
وَلَوْ قِيلَ بِطَهَارَةِ الْمُسْلِمِ مِنْهُمْ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ وَلَيْسَ الْفَرْعُ نَصًّا قَدِيمًا (اهـ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَالَ عِيَاضٌ الْأَمْرُ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ وَإِكْرَامِهِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ يَأْبَى تَنْجِيسَهُ.
إذْ لَا مَعْنَى لِغُسْلِ الْمَيْتَةِ الَّتِي هِيَ مِثْلُ الْعَذِرَةِ وَصَلَاتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى سَهْلِ ابْنِ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ، وَتَقْبِيلِهِ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا مَا فَعَلَ النَّبِيُّ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ قَمْلَةً] : مُبَالَغَةٌ فِي قَوْلِهِ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ إلَخْ] : هُوَ قَوْلُ سَحْنُونَ.
قَوْلُهُ: [نَعَمْ يُعْفَى إلَخْ] : فَيُسْتَخَفُّ مِنْهَا ثَلَاثٌ فِي الصَّلَاةِ قَتْلًا وَحَمْلًا بَعْدَهُ.
وَنَقَلَ ابْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ إنْ احْتَاجَ لِقَتْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ يَنْوِي ذَكَاتَهَا قَالَ ح:

لِلْمَشَقَّةِ.
وَكَذَا كُلُّ مَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ بَوْلٍ وَدَمْعٍ وَمُخَاطٍ وَبَيْضٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ نَجِسٌ.
وَكَذَا كُلُّ مَا انْفَصَلَ مِنْهُ مِمَّا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ أَوْ انْفَصَلَ مِنْ حَيٍّ مِمَّا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ، كَاللَّحْمِ وَالْعَظْمِ وَالْعَصَبِ وَالْقَرْنِ وَالظِّلْفِ وَهُوَ لِلْبَقَرِ وَالشَّاةِ وَالْحَافِرِ، وَهُوَ لِلْفَرَسِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ.
فَأَرَادَ بِالظِّلْفِ مَا يَعُمُّ الْحَافِرَ مَجَازًا، وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْكَافِ.
وَالظُّفْرُ وَهُوَ لِلْبَعِيرِ وَالنَّعَامِ وَالْإِوَزِّ وَالدَّجَاجِ.
وَالسِّنِّ مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ.
وَمِنْهُ نَابُ الْفِيلِ الْمُسَمَّى بِالْعَاجِ، وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ كَرَاهَتَهُ تَنْزِيهًا.
وَكَذَا قَصَبُ الرِّيشِ مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ وَهُوَ الَّذِي يَكْتَنِفُهُ الزَّغَبُ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ الزَّغَبَ طَاهِرٌ كَالشَّعْرِ لِأَنَّهُ

[حاشية الصاوي]

كَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ شَاسٍ مِنْ عَمَلِهَا فِي الْمُحَرَّمِ؛ فَإِنَّ فِي " حَيَاةِ الْحَيَوَانِ " تَحْرِيمُ أَكْلِهَا إجْمَاعًا.
وَإِنْ بَنَى عَلَى قَوْلِ سَحْنُونَ إنَّ الْقَمْلَةَ لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ لَمْ يَحْتَجْ لِتَذْكِيَةٍ إلَّا زِيَادَةَ احْتِيَاطٍ.
تَنْبِيهٌ: إذَا صَارَتْ الْقَمْلَةُ عَقْرَبًا، فَالظَّاهِرُ النَّظَرُ لِتِلْكَ الْعَقْرَبِ.
فَإِنْ كَانَ لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ طَهُرَتْ لِاسْتِحَالَةِ الْحَالِ كَدُودِ الْعَذِرَةِ وَالْحُكْمُ يَتْبَعُ الْعِلَّةَ (اهـ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [وَكَذَا كُلُّ مَا انْفَصَلَ] : أَيْ أَوْ تَعَلَّقَ بِيَسِيرِ جِلْدٍ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: [وَالْعَظْمِ] : أَيْ فَتَحُلُّهُ الْحَيَاةُ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ﴾ [يس: 78] . قَوْلُهُ: [وَالدَّجَاجِ] : وَمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ الدَّجَاجَ لَيْسَ مِنْ ذِي الظُّفْرِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْجِلْدَةُ بَيْنَ الْأَصَابِعِ وَالظُّفْرِ هُنَا مَا يُقَصُّ.
قَوْلُهُ: [وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ] إلَخْ: أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّ الْفِيلَ غَيْرُ مُذَكًّى، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ اتِّفَاقًا.
وَسَبَبُ هَذِهِ الْكَرَاهَةِ أَنَّ الْعَاجَ - وَإِنْ كَانَ مِنْ مَيْتَةٍ لَكِنَّهُ أُلْحِقَ بِالْجَوَاهِرِ النَّفْسِيَّةِ فِي التَّزَيُّنِ، فَأُعْطِيَ حُكْمًا وَسَطًا وَهُوَ كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ.
قَوْلُهُ: [كَالشَّعْرِ] : خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِنَجَاسَةِ شَعْرِ الْمَيْتَةِ وَلَوْ دُبِغَ جِلْدُهَا.

لَا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ.
وَالْجِلْدُ مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ كَذَلِكَ نَجِسٌ وَلَوْ دُبِغَ، فَلَا يُصَلَّى بِهِ أَوْ عَلَيْهِ لِنَجَاسَتِهِ.
وَمَا وَرَدَ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَيُّمَا إهَابٍ أَيْ جِلْدٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» فَمَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ اللُّغَوِيَّةِ لَا الشَّرْعِيَّةِ فِي مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ؛ وَبَعْضُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ حَمَلَهُ عَلَى الطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ حَمْلًا لِأَلْفَاظِ الشَّارِعِ عَلَى الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ عِنْدَنَا.
وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ فِي الْكِيمَخْتِ، وَهُوَ جِلْدُ الْحِمَارِ أَوْ الْفَرَسِ أَوْ الْبَغْلِ الْمَدْبُوغِ.
وَرَجَّحَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ طَهَارَتَهُ فَيُسْتَعْمَلُ فِي الْمَائِعَاتِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَالْجِلْدُ] إلَخْ: مِنْ ذَلِكَ ثَوْبُ الثُّعْبَانِ إذَا ذُكِّيَ بَعْدَ تَمَامِ مَا تَحْتَهُ لَا يَطْهُرُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَكَذَا إذَا سَلَتَهُ وَهُوَ حَيٌّ وَمِنْهُ أَيْضًا مَا يُنْحَتُ مِنْ الرِّجْلِ بِالْحَجَرِ بِخِلَافِ مَا نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ عِنْدَ حَلْقِهِ فَوَسَخٌ مُنْعَقِدٌ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ يَكُونُ نَجِسًا، وَعَلَى الْمُعْتَمَدِ يَكُونُ طَاهِرًا.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ دُبِغَ] : أَيْ بِمَا يُزِيلُ الرِّيحَ وَالرُّطُوبَةَ وَيَحْفَظُهُ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ.
وَلَا يَفْتَقِرُ الدَّبْغُ إلَى فِعْلِ فَاعِلٍ، بَلْ إنْ وَقَعَ فِي مَدْبَغَةٍ طَهُرَ لُغَةً.
وَلَا يُشْتَرَطُ إزَالَةُ الشَّعْرِ عِنْدَنَا وَإِنَّمَا يَلْزَمُ إزَالَتُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ إنَّهُ نَجِسٌ.
وَإِنَّ طَهَارَةَ الْجِلْدِ بِالدَّبْغِ لَا تَتَعَدَّى إلَى طَهَارَةِ الشَّعْرِ، لِأَنَّهُ تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالشَّعْرُ طَاهِرٌ لِذَاتِهِ لَا تَحُلُّهُ الْحَيَاةُ.
فَالْفَرْوُ إنْ كَانَ مُذَكَّى مَجُوسِيٍّ أَوْ مَصِيدَ كَافِرٍ، قُلِّدَ فِي لُبْسِهِ فِي الصَّلَاةِ أَبُو حَنِيفَةَ، لِأَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ عِنْدَهُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَالشَّعْرُ عِنْدَهُ طَاهِرٌ.
وَالشَّافِعِيُّ - وَإِنْ قَالَ بِطَهَارَةِ الْجِلْدِ بِالدِّبَاغِ - فَالشَّعْرُ بَاقٍ عَلَى تَنْجِيسِهِ وَمَالِكٌ.
إنْ قَالَ بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ فَالْجِلْدُ بَاقٍ عَلَى تَنْجِيسِهِ.
فَإِنْ أَرَادَ تَقْلِيدَ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لَفَّقَ.
قَوْلُهُ: [اللُّغَوِيَّةِ] : أَيْ وَهِيَ النَّظَافَةُ.
قَوْلُهُ: [وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ فِي الْكِيمَخْتِ] إلَخْ: أَيْ فِي الْجَوَابِ عَنْ حُكْمِ الْكِيمَخْتِ هَلْ هُوَ الطَّهَارَةُ أَوْ النَّجَاسَةُ لِقَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا أَدْرِي؟ وَاخْتُلِفَ فِي تَوَقُّفِهِ هَلْ يُعَدُّ قَوْلًا أَوْ لَا؟ وَالرَّاجِحُ الثَّانِي.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي اسْتِعْمَالِهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: الْجَوَازُ مُطْلَقًا فِي السُّيُوفِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ لِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَالْجَوَازُ فِي السُّيُوفِ فَقَطْ وَهُوَ لِابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ حَبِيبٍ، وَكَرَاهَةُ اسْتِعْمَالِهِ مُطْلَقًا؛ قِيلَ هَذَا هُوَ الرَّاجِحُ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ، وَلَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ طَاهِرٌ وَأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ جَائِزٌ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ فِي السُّيُوفِ لَا مَكْرُوهٌ.

كَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ، وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ مِنْ نَجَاسَةِ الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ الْمَائِعَاتِ كَالْحُبُوبِ وَالدَّقِيقِ وَالْخُبْزِ الْغَيْرِ الْمَبْلُولِ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ بِأَنْ يُوضَعَ الْمَاءُ فِيهِ سَفَرًا وَحَضَرًا، لِأَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يَضُرُّهُ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ.
وَأَمَّا الْمَائِعَاتُ كَالسَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَالزَّيْتِ وَسَائِرِ الْأَدْهَانِ، وَالْمَاءُ الْغَيْرُ الْمُطْلَقِ - كَمَاءِ الْوَرْدِ - وَمِنْ ذَلِكَ الْخُبْزُ الْمَبْلُولُ قَبْلَ جَفَافِهِ، وَالْجُبْنُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَضْعُهُ فِيهِ، وَيَتَنَجَّسُ بِوَضْعِهِ فِيهِ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: (وَجَازَ اسْتِعْمَالُهُ بَعْدَ الدَّبْغِ فِي يَابِسٍ وَمَائِعٍ) : أَيْ وَأَمَّا قَبْلَ الدَّبْغِ فَلَا يَجُوزُ وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ جِلْدَ الْخِنْزِيرِ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا دُبِغَ أَوْ لَا فِي مَائِعٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَكَذَا جِلْدُ الْآدَمِيِّ لِشَرَفِهِ وَكَرَامَتِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ وُجُوبِ دَفْنِهِ.

[حاشية الصاوي]

قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَجْهُ التَّوَقُّفِ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي نَجَاسَتَهُ لَا سِيَّمَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ، وَعَمَلُ السَّلَفِ فِي صَلَاتِهِمْ بِسُيُوفِهِمْ وَجَفِيرِهَا مِنْهُ يَقْتَضِي طَهَارَتَهُ.
وَالْمُعْتَمَدُ - كَمَا قَالُوا - إنَّهُ طَاهِرٌ لِلْعَمَلِ لَا نَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ: جِلْدُ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ وَلَوْ دُبِغَ.
وَانْظُرْ مَا عِلَّةُ طَهَارَتِهِ، فَإِنْ قَالُوا: الدَّبْغُ، قُلْنَا: يَلْزَمُ طَهَارَةُ كُلِّ مَدْبُوغٍ، وَإِنْ قَالُوا: الضَّرُورَةُ، قُلْنَا: إنْ سَلِمَ فَهِيَ لَا تَقْتَضِي الطَّهَارَةَ بَلْ الْعَفْوَ.
وَحَمْلُ الطَّهَارَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ فِي غَيْرِ الْكِيمَخْتِ وَعَلَى الْحَقِيقَةِ فِي الْكِيمَخْتِ تَحَكُّمٌ، وَعَمَلُ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِمْ الرِّضَا فِي جُزْئِيٍّ يُحَقِّقُ الْعَمَلَ فِي الْبَاقِي (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَهُوَ مُشْكِلٌ] إلَخْ: تَقَدَّمَ لَك تَقْرِيرُ الْإِشْكَالِ عَنْ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ نَجَاسَةِ الْجِلْدِ] : أَيْ غَيْرِ الْكِيمَخْتِ.
قَوْلُهُ: [فِي غَيْرِ الْمَائِعَاتِ] : مِنْ ذَلِكَ لُبْسُهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَالْجُلُوسُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ لَا فِيهِ، لِأَنَّهُ يُمْنَعُ دُخُولُ النَّجِسِ فِيهِ وَلَوْ مَعْفُوًّا عَنْهُ.
قَوْلُهُ: [وَالدَّقِيقِ] : أَيْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُوضَعَ الرَّحَا عَنْهُ.
قَوْلُهُ: [فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ] إلَخْ: وَلَيْسَ مِنْهُ لُبْسُ الرَّجُلِ الْمَبْلُولَةَ لَهُ وِفَاقًا لِلْحَطَّابِ ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَجُوزُ] إلَخْ: وَمُقَابِلُهُ مَا شَهَرَهُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنُ الْفَرَسِ - بِالْفَاءِ وَالرَّاءِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ - مِنْ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْيَابِسَاتِ وَالْمَاءِ بَعْدَ دَبْغِهِ.
قَوْلُهُ: [جِلْدُ الْآدَمِيِّ] إلَخْ: أَيْ إجْمَاعًا.

(وَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ وَالسَّوْدَاءُ، وَفَضْلَةُ الْآدَمِيِّ وَغَيْرُ الْمُبَاحِ وَمُسْتَعْمَلُ النَّجَاسَةِ) : أَيْ أَنَّ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ - وَهُوَ الَّذِي يَسِيلُ عِنْدَ مُوجِبِهِ مِنْ ذَبْحٍ أَوْ فَصْدٍ أَوْ جُرْحٍ - نَجِسٌ.
وَكَذَا السَّوْدَاءُ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعِدَةِ كَالدَّمِ الْخَالِصِ بِخِلَافِ الصَّفْرَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْ النَّجِسِ: فَضْلَةُ الْآدَمِيِّ مِنْ بَوْلٍ وَعَذِرَةٍ، وَفَضْلَةُ غَيْرِ مُبَاحِ الْأَكْلِ وَهُوَ مُحَرَّمُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [الْمَسْفُوحُ] : أَيْ الْجَارِي وَلَوْ مِنْ سَمَكٍ وَذُبَابٍ وَقُرَادٍ وَحِلْمٍ وَبَقٍّ وَبَرَاغِيثَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهِ مِنْهَا.
وَنَظَرَ بَعْضُهُمْ فِي الدَّمِ الْمَسْفُوحِ مِنْ السَّمَكِ، هَلْ هُوَ الْخَارِجُ عِنْدَ التَّقْطِيعِ الْأَوَّلِ لَا مَا خَرَجَ عِنْدَ التَّقْطِيعِ الثَّانِي؟ أَوْ الْجَارِي عِنْدَ جَمِيعِ التَّقْطِيعَاتِ؟ وَاسْتُظْهِرَ الْأَوَّلُ.
وَبَعْضُهُمْ قَالَ بِطَهَارَةِ دَمِ السَّمَكِ مُطْلَقًا، وَهُوَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِلَافِ جَوَازُ أَكْلِ السَّمَكِ الَّذِي يُرْضَخُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَيَسِيلُ دَمُهُ مِنْ بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ، وَعَدَمُ جَوَازِ ذَلِكَ.
فَعَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ إلَّا الصَّفُّ الْأَوَّلُ.
وَعَلَى كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ يُؤْكَلُ كُلُّهُ.
وَقَدْ كَانَ الشَّارِحُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ الَّذِي أَدِينُ اللَّهَ بِهِ أَنَّ الْفَسِيخَ طَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَا يُمَلَّحُ وَلَا يُرْضَخُ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالدَّمُ الْمَسْفُوحُ لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ وَبَعْدَ مَوْتِ السَّمَكِ إنْ وُجِدَ فِيهِ دَمٌ يَكُونُ كَالْبَاقِي فِي الْعُرُوقِ بَعْدَ الذَّكَاةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَالرُّطُوبَاتُ الْخَارِجَةُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ طَاهِرَةٌ لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ (اهـ) . وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ السَّمَكِ لَيْسَ بِدَمٍ لِأَنَّهُ لَا دَمَ لَهُ عِنْدَهُمْ، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ طَاهِرٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَعَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ فِيهِ إذَا شُكَّ هَلْ هَذَا السَّمَكُ مِنْ الصَّفِّ الْأَعْلَى أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، أُكِلَ لِأَنَّ الطَّعَامَ لَا يُطْرَحُ بِالشَّكِّ.
قَوْلُهُ: وَكَذَا السَّوْدَاءُ: أَيْ الَّتِي هِيَ أَحَدُ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ: الصَّفْرَاءُ وَالدَّمُ وَالسَّوْدَاءُ وَالْبَلْغَمُ، وَلَا بُدَّ فِي كُلِّ إنْسَانٍ مِنْ وُجُودِ الْأَخْلَاطِ، فَالسَّوْدَاءُ وَالدَّمُ نَجِسَانِ، وَالصَّفْرَاءُ وَالْبَلْغَمُ طَاهِرَانِ.
قَوْلُهُ: [الْخَالِصُ] : أَيْ الَّذِي لَا خَلْطَ فِيهِ.
وَمِنْ السَّوْدَاءِ أَيْضًا الدَّمُ الْكَدِرُ أَوْ

الْأَكْلِ كَالْحِمَارِ، أَوْ مَكْرُوهُهُ كَالْهِرِّ وَالسَّبُعِ، وَفَضْلَةُ مُسْتَعْمِلِ النَّجَاسَةِ مِنْ الطُّيُورِ كَالدَّجَاجِ وَغَيْرِهِ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا.
فَإِذَا شَرِبَتْ الْبَهَائِمُ مِنْ الْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ أَوْ أَكَلَتْ نَجَاسَةً فَفَضْلَتُهَا مِنْ بَوْلٍ أَوْ رَوْثٍ نَجِسَةٌ.
وَهَذَا إذَا تُحُقِّقَ أَوْ ظُنَّ.
وَأَمَّا لَوْ شُكَّ فِي اسْتِعْمَالِهَا فَإِنْ كَانَ شَأْنُهَا اسْتِعْمَالَ النَّجَاسَةِ كَالدَّجَاجِ وَالْفَأْرَةِ وَالْبَقَرَةِ الْجَلَّالَةِ حُمِلَتْ فَضْلَتُهَا عَلَى النَّجَاسَةِ.
وَإِنْ كَانَ شَأْنُهَا عَدَمَ اسْتِعْمَالِهَا كَالْحَمَامِ وَالْغَنَمِ حُمِلَتْ عَلَى الطَّهَارَةِ.
وَالتَّعْبِيرُ (بِفَضْلَةٍ) أَوْلَى وَأَخْصَرُ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِبَوْلٍ وَعَذِرَةٍ (وَالْقَيْءُ الْمُتَغَيِّرُ، وَالْمَنِيُّ، وَالْمَذْيُ، وَالْوَدْيُ وَلَوْ مِنْ مُبَاحٍ) الْقَيْءُ مَا تَقْذِفُهُ الْمَعِدَةُ مِنْ الطَّعَامِ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْمِزَاجِ، فَهُوَ نَجِسٌ إنْ تَغَيَّرَ عَنْ حَالِ الطَّعَامِ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا، وَإِلَّا فَطَاهِرٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْ النَّجِسِ: الْمَنِيُّ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ عِنْدَ اللَّذَّةِ الْكُبْرَى عِنْدَ الْجِمَاعِ وَنَحْوِهِ.
وَالْمَذْيُ: وَهُوَ الْمَاءُ الرَّقِيقُ الْخَارِجُ مِنْ الذَّكَرِ أَوْ فَرْجِ

[حاشية الصاوي]

الْأَحْمَرُ الْغَيْرُ الْقَانِي، أَيْ شَدِيدُ الْحُمْرَةِ.
قَوْلُهُ: [فَضْلَةُ الْآدَمِيِّ] : أَيْ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَجَمِيعُ مَا يَنْفَصِلُ مِنْهُمْ طَاهِرٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [كَالْهِرِّ] : أَدْخَلَتْ الْكَافُ نَحْوَ الْوَطْوَاطِ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهِ الْأَكْلِ، فَمَكْرُوهُ الْأَكْلِ وَمُحَرَّمُهُ فَضْلَتُهُ نَجِسَةٌ وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ النَّجَاسَةَ.
قَوْلُهُ: [وَفَضْلَةُ مُسْتَعْمِلِ النَّجَاسَةِ] إلَخْ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمَ الْأَكْلِ وَلَا مَكْرُوهَهُ.
قَوْلُهُ: [حُمِلَتْ عَلَى الطَّهَارَةِ] : أَيْ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ، وَمِنْ قَوَاعِدِنَا اسْتِصْحَابُ الْأَصْلِ إنْ لَمْ يَغِبْ الْعَارِضُ.
قَوْلُهُ: [أَوْلَى وَأَخْصَرُ] : وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ اسْمَ الْعَذِرَةِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَا خَرَجَ مِنْ الْآدَمِيِّ خَاصَّةً، بِخِلَافِ الْفَضْلَةِ فَإِنَّهُ شَامِلٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَالْأَخْصَرِيَّةُ ظَاهِرَةٌ.
قَوْلُهُ: [عَنْ حَالِ الطَّعَامِ] : وَإِنْ لَمْ يُشَابِهْ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُعْتَمَدِ.
بِخِلَافِ الْقَلَسِ فَلَا تَضُرُّ فِيهِ الْحُمُوضَةُ لِتَكَرُّرِهِ.
قَوْلُهُ: [الْمَنِيُّ] : هُوَ وَمَذْيٌ وَوَدْيٌ بِوَزْنِ ظَبْيٍ وَصَبِيٍّ.

الْأُنْثَى عِنْدَ تَذَكُّرِ الْجِمَاعِ.
وَالْوَدْيُ: وَهُوَ مَاءٌ خَاثِرٌ يَخْرُجُ مِنْ الذَّكَرِ بِلَا لَذَّةٍ بَلْ لِنَحْوِ مَرَضٍ أَوْ يُبْسِ طَبِيعَةٍ وَغَالِبًا يَكُونُ خُرُوجُهُ عَقِبَ الْبَوْلِ؛ وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مِنْ مُبَاحِ الْأَكْلِ.
وَلَا تُقَاسُ عَلَى بَوْلِهِ.
(وَالْقَيْحُ، وَالصَّدِيدُ، وَمَا يَسِيلُ مِنْ الْجَسَدِ مِنْ نَحْوِ جَرَبٍ) : مِنْ النَّجِسِ الْقَيْحُ بِفَتْحِ الْقَافِ: وَهُوَ الْمِدَّةُ الْخَاثِرَةُ تَخْرُجُ مِنْ الدُّمَّلِ.
وَالصَّدِيدُ وَهُوَ الْمَاءُ الرَّقِيقُ مِنْ الْمِدَّةِ قَدْ يُخَالِطُهُ دَمٌ.
وَمِنْ النَّجِسِ: كُلُّ مَا سَالَ مِنْ الْجَسَدِ مِنْ نَفْطِ نَارٍ أَوْ جَرَبٍ أَوْ حَكَّةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [مِنْ مُبَاحِ الْأَكْلِ] : أَيْ وَإِنَّمَا حُكِمَ بِنَجَاسَتِهَا لِلِاسْتِقْذَارِ وَالِاسْتِحَالَةِ إلَى فَسَادٍ، وَلِأَنَّ أَصْلَهَا دَمٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْعَفْوِ عَنْ أَصْلِهَا الْعَفْوُ عَنْهَا.

[حُلُول النَّجَاسَة فِي الْمَائِع وَالْجَامِد و

َالِانْتِفَاع بِالْمُتَنَجِّسِ]

قَوْلُهُ: [فِي مَائِعٍ تَنَجَّسَ] إلَخْ: أَيْ مِنْ طَعَامٍ أَوْ مَاءٍ مُضَافٍ حَلَّتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ بَعْدَ مَا صَارَ مُضَافًا.
وَأَمَّا لَوْ حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ قَبْلَ الْإِضَافَةِ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ، ثُمَّ أُضِيفَ بِطَاهِرٍ كَلَبَنٍ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ.
وَقَدْ أَلْغَزَ فِي هَذَا شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ بِقَوْلِهِ: قُلْ لِلْفَقِيهِ إمَامِ الْعَصْرِ قَدْ مُزِجَتْ ... ثَلَاثَةٌ بِإِنَاءٍ وَاحِدٍ نَسَبُوا لَهَا الطَّهَارَةُ حَيْثُ الْبَعْضُ قُدِّمَ أَوْ ... إنْ قُدِّمَ الْبَعْضُ فَالتَّنْجِيسُ مَا السَّبَبُ وَفِيهِ أَيْضًا: هَلْ الْقَمْلَةُ تُنَجِّسُ الْعَجِينَ الْكَثِيرَ؟ وَهُوَ الْأَقْوَى حَيْثُ لَمْ تُحْصَرْ فِي مَحَلٍّ، أَوْ يُقَاسُ عَلَى مُحَرَّمٍ جُهِلَ عَيْنُهَا بِبَادِيَةٍ؟ وَلَوْ قِيلَ بِالْعَفْوِ عَمَّا يَعْسُرُ، لَحَسُنَ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَرَفَةَ فِي رَوْثِ فَأْرَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ مَنْ فَرَّغَ عَشْرَ قِلَالِ سَمْنٍ فِي زِقَاقٍ ثُمَّ وَجَدَ فِي قُلَّةٍ فَأْرَةً وَلَا يَدْرِي فِي أَيِّ زِقَاقٍ فَرَّغَهَا تَنَجَّسَ الْجَمِيعُ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الطَّعَامِ لَا يُطْرَحُ بِالشَّكِّ، لِأَنَّ ذَاكَ فِي طُرُوُّ النَّجَاسَةِ، وَهِيَ هُنَا مُحَقَّقَةٌ وَلَمَّا لَمْ تَتَعَيَّنْ تَعَلَّقَ حُكْمُهَا بِالْكُلِّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي أَوَانِي زَيْتٍ ثُمَّ وَجَدَ فِي الْأُولَى فَأْرَةً فَالثَّلَاثَةُ نَجِسَةٌ - ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَكَذَا الْبَاقِي وَلَوْ مِائَةٌ وَهُوَ وَجِيهٌ، وَقَالَ أَصْبَغُ: مَا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ طَاهِرٌ.
قَالَ ح: وَالظَّاهِرُ الطَّهَارَةُ إنْ ظُنَّ زَوَالُ النَّجَاسَةِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِنْ زَالَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمُطْلَقِ لَمْ يَتَنَجَّسْ مُلَاقِي مَحَلِّهَا.
وَفِي الْحَاشِيَةِ: الطَّعَامُ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ قَمْلَةٌ يُؤْكَلُ لِقِلَّتِهَا وَكَثْرَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ يُونُسَ.
قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَرْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ سَحْنُونَ مِنْ أَنَّهَا لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ (اهـ)

(فَإِنْ حَلَّتْ فِي مَائِعٍ تَنَجَّسَ وَلَوْ كَثُرَ، كَجَامِدٍ إنْ ظُنَّ سَرَيَانُهَا فِيهِ وَإِلَّا فَقَدْرُ مَا ظُنَّ) : إذَا حَلَّتْ النَّجَاسَةُ فِي مَائِعٍ - كَزَيْتٍ وَعَسَلٍ وَلَبَنٍ وَمَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ - تَنَجَّسَ.
وَلَوْ كَثُرَ الْمَائِعُ وَقَلَّتْ النَّجَاسَةُ، كَنُقْطَةٍ مِنْ بَوْلٍ فِي قَنَاطِيرَ مِمَّا ذُكِرَ.
كَمَا يَتَنَجَّسُ الْجَامِدُ - كَسَمْنٍ جَامِدٍ أَوْ ثَرِيدٍ أَوْ عَسَلٍ جَامِدٍ - وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ أَوْ مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ إنْ ظَلَّ سَرَيَانُهَا فِي جَمِيعِهِ بِأَنْ طَالَ مُكْثُهَا فِيهِ.
وَإِلَّا، بِأَنْ لَمْ يُظَنَّ سَرَيَانُهَا فِي جَمِيعِهِ، فَيَتَنَجَّسُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا ظُنَّ سَرَيَانَ النَّجَاسَةِ فِيهِ.
وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ مِنْ مَيَعَانِ النَّجَاسَةِ وَجُمُودِهَا، وَطُولِ الزَّمَنِ وَقِصَرِهِ؛ فَيُرْفَعُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا ظُنَّ سَرَيَانُهَا فِيهِ، وَيُسْتَعْمَلُ الْبَاقِي - وَلَوْ شُكَّ فِي سَرَيَانِهَا فِيهِ - لِأَنَّ الطَّعَامَ لَا يُطْرَحُ بِالشَّكِّ.
وَالْكَلَامُ فِي نَجَاسَةٍ مَائِعَةٍ أَوْ جَامِدَةٍ يَتَحَلَّلُ مِنْهَا شَيْءٌ بِخِلَافِ نَجَاسَةٍ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهَا شَيْءٌ، كَعَظْمٍ وَسِنٍّ، فَلَا يَتَنَجَّسُ مَا ذُكِرَ مِنْ سُقُوطِهَا فِيهِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَنَا لَا يَنْتَقِلُ.
وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ أَشْمَلُ وَأَوْضَحُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّيْخِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. (وَلَا يُقْبَلُ التَّطْهِيرُ؛ كَلَحْمٍ طُبِخَ، وَزَيْتُونٍ مُلِحَ وَبَيْضٍ صُلِقَ بِهَا

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [إنْ ظُنَّ سَرَيَانُهَا فِيهِ] : إمَّا بِسَبَبِ كَوْنِهَا مَائِعَةً، أَوْ بِطُولِ مُكْثِهَا، وَكَانَ يَتَحَلَّلُ مِنْهَا شَيْءٌ كَمَا يَأْتِي لِلشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [كَنُقْطَةٍ مِنْ بَوْلٍ] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ يَقُولُ: إنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ لَا يَضُرُّ كَثِيرَ الطَّعَامِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ] : أَيْ مَثَلًا مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ مَيْتَتُهُ نَجِسَةٌ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ شُكَّ فِي سَرَيَانِهَا] إلَخْ: مُبَالَغَةٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ.
وَقَوْلُهُ: [لِأَنَّ الطَّعَامَ] إلَخْ: عِلَّةُ الْمُبَالَغَةِ.
قَوْلُهُ: [وَالْكَلَامُ] : أَيْ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ السَّرَيَانِ فِي جَمِيعِهِ أَوْ بِقَدْرِهِ.
قَوْلُهُ: [كَعَظْمٍ وَسِنٍّ] : وَمِنْهُ الْعَاجُ الَّذِي تَلْبَسُهُ النِّسَاءُ وَيُبَاشِرْنَ بِهِ نَحْوَ الْعَجِينِ.
قَوْلُهُ: [أَشْمَلُ] : أَيْ لِشُمُولِهَا الْمَاءَ الْمُضَافَ.
قَوْلُهُ: [كَلَحْمٍ طُبِخَ] : اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ صَلْقِ نَحْوِ الدَّجَاجِ لِأَخْذِ رِيشِهِ، وَفِي بَاطِنِهِ النَّجَاسَةُ فَلَا يَضُرُّ.
قَوْلُهُ: [وَزَيْتُونٍ] إلَخْ: وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَاطُ النَّجَاسَةِ بِالزَّيْتِ نَفْسِهِ فَلَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ

وَفَخَّارٍ بِغَوَّاصٍ) : يَعْنِي أَنَّ الْمَائِعَاتِ - كَالزَّيْتِ وَاللَّبَنِ وَالسَّمْنِ وَنَحْوِهَا - إذَا حَلَّتْ فِيهَا نَجَاسَةٌ فَإِنَّهَا تُنَجَّسُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا تَقْبَلُ التَّطْهِيرَ بِحَالٍ.
كَمَا لَا يَقْبَلُهُ لَحْمٌ طُبِخَ بِالنَّجَاسَةِ، وَزَيْتُونٌ مُلِحَ - بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ اللَّامِ مُخَفَّفًا - بِالنَّجَاسَةِ، وَلَا بَيْضٌ صُلِقَ بِهَا.
وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ فَخَّارٌ تَنَجَّسَ بِشَيْءٍ غَوَّاصٍ: أَيْ كَثِيرُ الْغَوْصِ، أَيْ النُّفُوذِ فِي أَجْزَاءِ الْفَخَّارِ، بِأَنْ كَانَ النَّجِسُ مَائِعًا كَالْبَوْلِ وَالْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ وَالدَّمِ، إذَا

[حاشية الصاوي]

خِلَافًا لِابْنِ اللَّبَّادِ، فَإِنَّهُ قَالَ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَخَضْخَضَتِهِ وَثَقْبِ الْإِنَاءِ مِنْ أَسْفَلِهِ، وَصَبِّ الْمَاءِ مِنْهُ وَيُكَرَّرُ ذَلِكَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ زَوَالُ النَّجَاسَةِ.
قَوْلُهُ: [وَبَيْضٍ صُلِقَ] : وَمِنْهُ إذَا وُجِدَتْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مَذِرَةٌ فَرَشَحَتْ فِي الْمَاءِ وَشَرِبَ مِنْهُ غَيْرُهَا حَيْثُ لَمْ يَبْقَ الْمَاءُ مُطْلَقًا.
وَشَمِلَ بَيْضَ النَّعَامِ، وَغِلَظُ قِشْرِهِ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ لَهُ مَسَامُّ يَسْرِي مِنْهَا الْمَاءُ.
وَقَوْلُهُ: [وَفَخَّارٍ بِغَوَّاصٍ] : قَالَ ب ن: أُطْلِقَ فِي الْفَخَّارِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْفَخَّارَ الْبَالِيَ إذَا حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةُ غَوَّاصَةٍ يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ، فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى فَخَّارٍ لَمْ يُسْتَعْمَلْ قَبْلَ حُلُولِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، أَوْ اُسْتُعْمِلَ قَلِيلًا.
وَهَذَا خِلَافُ مَا فِي الْحَاشِيَةِ حَيْثُ قَالَ وَفَخَّارٍ بِغَوَّاصٍ وَلَوْ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ، لِأَنَّ الْفَخَّارَ يَقْبَلُ الْغَوْصَ دَائِمًا كَمَا فِي كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ نَقْلًا عَنْ اللَّقَانِيِّ.
وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ.
ثُمَّ إنَّ عَدَمَ قَبُولِ الْإِنَاءِ لِلتَّطْهِيرِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى بِهِ مَثَلًا.
وَأَمَّا الطَّعَامُ يُوضَعُ فِيهِ بَعْدَ غَسْلِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ أَجْزَاءٌ لِلنَّجَاسَةِ كَمَا قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْمِسْنَاوِيُّ نَقْلًا عَنْ ب ن. وَمِثْلُ الْفَخَّارِ أَوَانِي الْخَشَبِ الَّتِي يُمْكِنُ سَرَيَانُ النَّجَاسَةِ إلَى دَاخِلِهَا (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [يَعْنِي أَنَّ الْمَائِعَاتِ] إلَخْ: التَّعْمِيمُ هَذَا أَدْخَلَتْهُ الْكَافُ.
قَوْلُهُ: [وَنَحْوِهَا] : مِنْ كُلِّ طَعَامٍ مَائِعٍ وَمَاءِ زَهْرٍ وَوَرْدٍ.
قَوْلُهُ: [بِحَالٍ] : خِلَافًا لِابْنِ اللَّبَّادِ.
قَوْلُهُ: [بِشَيْءٍ غَوَّاصٍ] : مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ إذَا تَحَجَّرَ أَوْ تَخَلَّلَ، فَإِنَّ إنَاءَهُ يَطْهُرُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمَحَلُّهُ أَيْضًا مَا لَمْ يُحْرَقْ الْفَخَّارُ بِالنَّارِ، فَإِنَّهُ يَطْهُرُ لِكَوْنِهَا مُطَهَّرَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ.

مَكَثَ مُدَّةً يُظَنُّ سَرَيَانُ مَا ذُكِرَ فِي أَجْزَائِهِ.
وَخَرَجَ بِالْفَخَّارِ: النُّحَاسُ وَالزُّجَاجُ وَنَحْوُهُمَا.
وَبِالْغَوَّاصِ النَّجَاسَةُ الْجَامِدَةُ إذَا حَلَّتْ بِالْفَخَّارِ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ.

(وَجَازَ انْتِفَاعٌ بِمُتَنَجِّسٍ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ وَآدَمِيٍّ) : يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِالشَّيْءِ الْمُتَنَجِّسِ مِنْ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ بِأَنْ يُسْقَى بِهِ الدَّوَابُّ وَالزَّرْعُ وَيُدْهَنَ بِهِ نَحْوُ عَجَلَةٍ.
وَيُعْمَلُ مِنْ الزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ صَابُونٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ تَطْهِيرِهِ - بِخِلَافِ نَحْوِ الثَّوْبِ - لَكِنْ إذَا بِيعَ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ إلَّا الْآدَمِيَّ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَكْلًا أَوْ شُرْبًا، وَلَا يُدْهَنُ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّلْطِيخَ بِالْمُتَنَجِّسِ حَرَامٌ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَيَجِبُ إزَالَتُهُ لِلصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَإِلَّا الْمَسْجِدُ فَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهِ، فَلَا يُسْتَصْبَحُ فِيهِ بِالزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ، نَعَمْ إذَا كَانَ الْمِصْبَاحُ خَارِجَهُ وَالضَّوْءُ فِيهِ جَازَ، وَأَمَّا نَجِسُ الذَّاتِ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِحَالٍ إلَّا جِلْدَ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغَ عَلَى مَا مَرَّ، وَإِلَّا لَحْمَ الْمَيِّتِ لِمُضْطَرٍّ، وَإِلَّا الْخَمْرَ لِإِسَاغَةِ غُصَّةٍ، إذْ الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَنَحْوُهُمَا] : كَالْحَدِيدِ يُحْمَى وَيُطْفَأُ فِي النَّجَاسَةِ، فَلَا غَوْصَ لَهَا فِيهِ لِدَفْعِهَا الْحَرَارَةَ.
وَأَمَّا الْمَصْبُوغُ بِنَجِسٍ فَيَطْهُرُ بِإِزَالَةِ الطَّعْمِ، وَلَا يَضُرُّ اللَّوْنُ وَالرِّيحُ إذَا عَسِرَا كَمَا يَأْتِي.

[الِانْتِفَاع بِالْمُتَنَجِّسِ]

قَوْلُهُ: [وَجَازَ انْتِفَاعٌ بِمُتَنَجِّسٍ] : أَيْ وَهُوَ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْأَصْلِ، وَطَرَأَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ وَالنَّجِسُ مَا كَانَتْ ذَاتُهُ نَجِسَةً كَالْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ] إلَخْ: خِلَافًا لِابْنِ وَهْبٍ.
قَوْلُهُ: [إلَّا الْآدَمِيَّ] : وَلَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، وَيَتَعَلَّقُ الْخِطَابُ بِوَلِيِّهِ.
قَوْلُهُ: [وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ] : أَيْ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ، وَأَمَّا هُوَ فَيَحْرُمُ التَّلَطُّخُ بِهِ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: [فَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِيهِ] إلَخْ: فَإِنْ بُنِيَ بِالْمُتَنَجِّسِ مَسْجِدٌ فَلَيْسَ بِطَاهِرٍ، وَلَا يُهْدَمُ وَأَمَّا لَوْ كُتِبَ الْمُصْحَفُ بِنَجِسٍ فَإِنَّهُ يُبَلُّ.
قَوْلُهُ: [لِإِسَاغَةِ غُصَّةٍ] : أَيْ فَقَطْ، فَلَا يَجُوزُ الدَّوَاءُ بِهِ وَلَوْ تَعَيَّنَ.
وَفِي غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ خِلَافٌ إنْ تَعَيَّنَ.
وَلَا شُرْبُهُ لِدَفْعِ الْعَطَشِ لِأَنَّهُ يَزِيدُهُ.
وَأَجَازَ لَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لِدَفْعِ الْهَلَاكِ بِعَدَمِ الرُّطُوبَةِ لَا لِلْعَطَشِ نَفْسِهِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ.
(اهـ. شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ) .

وَيَجُوزُ طَرْحُ الْمَيْتَةِ لِلْكِلَابِ وَأَنْ تُوقَدَ بِعَظْمِهَا عَلَى طُوبٍ أَوْ حِجَارَةٍ.

(وَحَرُمَ عَلَى الذَّكَرِ الْمُكَلَّفِ اسْتِعْمَالُ حَرِيرٍ، وَمُحَلًّى بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ وَلَوْ آلَةُ حَرْبٍ، إلَّا السَّيْفَ وَالْمُصْحَفَ وَالسِّنَّ وَالْأَنْفَ وَخَاتَمَ الْفِضَّةِ إنْ كَانَ دِرْهَمَيْنِ وَاتَّحَدَ) : لَمَّا كَانَ مُحَرَّمَ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ الطَّاهِرَاتِ يُشْبِهُ اسْتِعْمَالَ الْمُتَنَجِّسِ فِي الْمَنْعِ، ذَكَرُوهُ هُنَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الذَّكَرِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ لُبْسًا وَفَرْشًا وَغِطَاءً.
وَأَمَّا الْخَزُّ وَهُوَ مَا كَانَ سُدَاهُ مِنْ حَرِيرٍ وَلُحْمَتُهُ مِنْ قُطْنٍ أَوْ كَتَّانٍ فَقِيلَ بِحُرْمَتِهِ، وَقِيلَ بِجَوَازِهِ، وَقِيلَ بِكَرَاهَتِهِ؛ وَهُوَ الْأَرْجَحُ.
وَجَازَ سِتَارَةٌ مِنْ حَرِيرٍ إذَا لَمْ يَسْتَنِدْ الْمُكَلَّفُ إلَيْهَا، وَكَذَا بُشْخَانَةٌ؛ أَيْ نَامُوسِيَّةٌ.
وَحَرُمَ عَلَيْهِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَيَجُوزُ طَرْحُ الْمَيْتَةِ] إلَخْ: وَيَجُوزُ أَيْضًا وَضْعُ النَّجَاسَةِ فِي الزَّرْعِ لِنَفْعِهِ، كَإِطْعَامِ الْبِطِّيخِ بِهِ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَيَانُ عِنْدَ الْبَيْعِ.

[اسْتِعْمَال الْحَرِير وَالذَّهَب وَالْفِضَّة ونقش الْخَوَاتِيم]

قَوْلُهُ: [عَلَى الذَّكَرِ الْمُكَلَّفِ] : خَرَجَ الْأُنْثَى وَالصَّبِيُّ.
فَيَجُوزُ لِلْأُنْثَى اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ بِأَيِّ وَجْهٍ، وَلُبْسُ النَّقْدَيْنِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: [وَجَازَ لِلْمَرْأَةِ الْمَلْبُوسُ] إلَخْ، وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَيَجُوزُ لِلْوَلِيِّ إلْبَاسُهُ الْفِضَّةَ وَيُكْرَهُ لَهُ الْحَرِيرُ وَالذَّهَبُ كَمَا يُفِيدُهُ ح وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: [بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ] : وَأَوْلَى بِهِمَا مَعًا.
قَوْلُهُ: [وَفَرْشًا] : وَلَوْ مَعَ كَثِيفِ حَائِلٍ كَمَا قَالَ الْمَازِرِيُّ.
وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ فَرْشَهُ وَتَوَسُّدَهُ وَوَافَقَهُمْ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَأَجَازَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ تَبَعًا لِامْرَأَتِهِ.
وَأَجَازَهُ ابْنُ حَبِيبٍ لِلْحَكَّةِ وَأَجَازَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لِلْجِهَادِ.
وَالْمُعْتَمَدُ الْحُرْمَةُ فِي الْجَمِيعِ، إلَّا الْعَلَمَ إذَا كَانَ أَرْبَعَةَ أَصَابِعَ مُتَّصِلًا بِالثَّوْبِ كَشَرِيطِ الْحَبْكَةِ، وَأَمَّا قَلَمٌ مِنْ حَرِيرٍ فِي أَثْنَاءِ الثَّوْبِ فَمِمَّا نُسِجَ بِحَرِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُ مَا شُغِلَ بِحَرِيرٍ عَلَى الطَّارَّةِ مَثَلًا، فَكَالْخَزِّ، وَيَجُوزُ الْقِيطَانُ وَالزِّرُّ لِثَوْبٍ أَوْ سُبْحَةٍ، وَالْخِيَاطَةُ بِهِ.
(اهـ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ بِالْمَعْنَى) . قَوْلُهُ: [وَهُوَ الْأَرْجَحُ] : وَلَكِنَّ الْوَرَعَ تَرْكُهُ لِأَنَّهُ مِنْ الشُّبُهَاتِ، «وَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» . قَوْلُهُ: [وَكَذَا بُشْخَانَةٌ] : وَمِثْلُهَا الرَّايَةُ لِخُصُوصِ الْجِهَادِ لِأَوْلَى.
وَالسِّجَافُ اللَّائِقُ بِاللَّابِسِ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيَّةِ.
(اهـ. شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَوْلُهُ: [إلَّا السَّيْفُ] : قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ الْعَلَّامَةِ الْعَدَوِيِّ: إذَا كَانَ اتِّخَاذُهُ لِأَجْلِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ لِحَمْلِهِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَلَا

أَيْضًا اسْتِعْمَالُ الْمُحَلَّى بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ: الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ نَسْجًا أَوْ طِرَازًا أَوْ زِرًّا.
وَأَوْلَى فِي الْحُرْمَةِ الْحُلِيُّ نَفْسُهُ - كَأَسَاوِرَ وَحِزَامٍ - وَلَوْ آلَةُ حَرْبٍ كَخَنْجَرٍ وَسِكِّينٍ وَحَرْبَةٍ.
إلَّا السَّيْفَ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَحْلِيَتُهُ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ فِي قَبْضَتِهِ أَوْ جَفِيرِهِ وَإِلَّا الْمُصْحَفَ؛ فَيَجُوزُ تَحْلِيَتُهُ بِهِمَا لِلتَّشْرِيفِ.
إلَّا أَنَّ كِتَابَتَهُ أَوْ كِتَابَةَ أَعْشَارِهِ أَوْ أَحْزَابِهِ بِذَلِكَ مَكْرُوهَةٌ، لِأَنَّهَا تَشْغَلُ الْقَارِئَ عَنْ التَّدَبُّرِ.
وَأَمَّا كُتُبُ الْعِلْمِ وَالْحَدِيثِ فَلَا يَجُوزُ تَحْلِيَتُهَا بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ.
وَإِلَّا السِّنَّ؛ وَمُرَادُهُ بِهِ؛ مَا يَشْمَلُ الضِّرْسَ إذَا تَخَلْخَلَ، فَيَجُوزُ رَبْطُهُ بِشَرِيطٍ مِنْهُمَا.
وَكَذَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ أَنْفٍ مِنْ أَحَدِهِمَا إذَا قُطِعَ الْأَنْفُ.
وَكَذَا يَجُوزُ اتِّخَاذُ خَاتَمٍ - بَلْ يُنْدَبُ - مِنْ الْفِضَّةِ فَقَطْ إذَا كَانَ دِرْهَمَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ فَأَقَلَّ لَا أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمَيْنِ.
وَكَانَ مُتَّحِدًا لَا إنْ تَعَدَّدَ.
وَلَوْ كَانَ الْمُتَعَدِّدُ دِرْهَمَيْنِ فَأَقَلَّ فَيَحْرُمُ كَمَا لَوْ كَانَ ذَهَبًا أَوْ بَعْضُهُ ذَهَبًا،

[حاشية الصاوي]

يَجُوزُ تَحْلِيَتُهُ.
قَوْلُهُ: [بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ] : أَيْ أَوْ بِهِمَا.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا كُتُبُ الْعِلْمِ] إلَخْ: أَجَازَ الْبُرْزُلِيُّ تَحْلِيَةَ الدَّوَاةِ لِكِتَابَةِ الْمُصْحَفِ وَتَحْلِيَةَ الْإِجَازَةِ.
قَوْلُهُ: [قَوْلُهُ فَيَجُوزُ رَبْطُهُ] : أَيْ وَلَهُ اتِّخَاذُ الْأَنْفِ وَرَبْطُ السِّنِّ مَعًا: وَالْمُرَادُ بِالسِّنِّ: الْجِنْسُ الصَّادِقُ بِالْوَاحِدِ وَالْمُتَعَدِّدِ.
وَمِثْلُ الرَّبْطِ عِنْدَ التَّخَلْخُلِ رَدُّهَا إذَا سَقَطَتْ وَرَبْطُهَا بِمَا ذُكِرَ.
وَإِنَّمَا جَازَ رَدُّهَا لِأَنَّ مَيْتَةَ الْآدَمِيِّ طَاهِرَةٌ.
وَكَذَا يَجُوزُ بَدَلُهَا مِنْ طَاهِرٍ.
وَأَمَّا مِنْ مَيْتَةٍ فَقَوْلَانِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ.
وَعَلَى الثَّانِي، فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَلْعُهَا عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ مَا لَمْ يَتَعَذَّرْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [اتِّخَاذُ أَنْفٍ] : وَانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ تَعْوِيضُ عُضْوٍ سَقَطَ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الْأَنْفِ؟ قَوْلُهُ: [بَلْ يُنْدَبُ] إلَخْ: وَكَذَا يُنْدَبُ كَوْنُهُ بِالْيُسْرَى لِأَنَّهُ آخِرُ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِلتَّيَامُنِ فِي تَنَاوُلِهِ فَيُحَوِّلُهُ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ.
وَيَنْدُبُ جَعْلُ فَصِّهِ لِلْكَفِّ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الْعُجْبِ.

إلَّا أَنْ يَقِلَّ الذَّهَبُ عَنْ الْفِضَّةِ فَلَا يَحْرُمُ بَلْ يُكْرَهُ وَلَوْ تَمَيَّزَ عَنْ الْفِضَّةِ.
وَكَذَا لَوْ طُلِيَ بِالذَّهَبِ فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّهُ تَابِعٌ.
وَيُكْرَهُ التَّخَتُّمُ بِالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَنَحْوِهِمَا، وَقَوْلُنَا: إنْ كَانَ إلَخْ زِيَادَةٌ عَلَى كَلَامِ الشَّيْخِ لَا بُدَّ مِنْهَا.

(وَعَلَى الْمُكَلَّفِ مُطْلَقًا اتِّخَاذُ إنَاءٍ مِنْهُمَا وَلَوْ لِلْقِنْيَةِ أَوْ غُشِّيَ، وَتَضْبِيبُهُ، وَفِي الْمُمَوَّهِ قَوْلَانِ) : يَعْنِي أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُكَلَّفِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى اتِّخَاذُ إنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَلَوْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ بِالْفِعْلِ، لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ لِلِاسْتِعْمَالِ.
وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ سَدَّ الذَّرَائِعِ وَاجِبٌ عِنْدَ الْإِمَامِ، فَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ لِلِادِّخَارِ أَوْ لِعَاقِبَةِ الدَّهْرِ، وَلَا التَّزَيُّنُ بِهِ عَلَى رَفٍّ وَنَحْوِهِ.
بِخِلَافِ الْحُلِيِّ يَتَّخِذُهُ الرَّجُلُ لِعَاقِبَةِ الدَّهْرِ فَجَائِزٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ، إذْ الْحُلِيُّ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِلنِّسَاءِ وَالْإِنَاءُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ لِرِجَالٍ وَلَا نِسَاءٍ.
فَقَوْلُهُ: [وَلَوْ لِلْقِنْيَةِ] : رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ اتِّخَاذِهِ لِلْقِنْيَةِ.
وَقَوْلُهُ: [أَوْ غُشِّيَ] : فِي حَيِّزِ الْمُبَالَغَةِ؛ أَيْ يَحْرُمُ الْإِنَاءُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ وَلَوْ غُشِّيَ ظَاهِرُهُ بِنُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ قَصْدِيرٍ نَظَرًا لِبَاطِنِهِ.
خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ بِجَوَازِهِ نَظَرًا لِظَاهِرِهِ.

وَقَوْلُهُ:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَقِلَّ] إلَخْ: أَيْ بِأَنْ كَانَ الثُّلُثَ فَأَقَلَّ.
فَرْعٌ: يَجُوزُ نَقْشُ الْخَوَاتِمِ وَنَقْشُ أَصْحَابِهَا وَأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا.
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ «وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فِي ثَلَاثَةِ أَسْطُرٍ» . قَوْلُهُ: [وَيُكْرَهُ التَّخَتُّمُ] إلَخْ: أَيْ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا لِتَحَفُّظٍ كَمَنْعِ النُّحَاسِ الْأَصْفَرِ وَالرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ الْجِنَّ.
وَلَا يَتَقَيَّدُ بِدِرْهَمَيْنِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَجَازَ التَّخَتُّمُ بِجِلْدٍ وَخَشَبٍ كَعَقِيقٍ.

قَوْلُهُ: [فَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ لِلصِّبْيَانِ وَالنَّهْيُ يَتَعَلَّقُ بِالْأَوْلِيَاءِ.
قَوْلُهُ: [لِعَاقِبَةِ الدَّهْرِ] إلَخْ: أَيْ أَوْ لِلْكِرَاءِ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: [رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ] إلَخْ: أَيْ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ اقْتِنَاءَهُ إنْ كَانَ بِقَصْدِ الِاسْتِعْمَالِ فَهُوَ حَرَامٌ بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ كَانَ لِقَصْدِ الْعَاقِبَةِ أَوْ التَّجَمُّلِ بِهِ أَوْ لَا لِقَصْدِ شَيْءٍ، فَفِي كُلٍّ قَوْلَانِ.
وَالْمُعْتَمَدُ الْمَنْعُ.
وَأَمَّا إنْ اقْتَنَاهُ لِأَجْلِ كَسْرِهِ أَوْ لِفَكِّ أَسِيرٍ بِهِ فَجَائِزٌ.
هَذَا مُحَصَّلُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ، وَارْتَضَاهُ (ب ن) رَادٌّ لِغَيْرِهِ.
وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى صِيَاغَتِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ كَسَرَهُ وَأَتْلَفَ

(وَتَضْبِيبُهُ) عَطْفٌ عَلَى اتِّخَاذُ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْإِنَاءِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مِنْهُمَا.
أَيْ يَحْرُمُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الذَّكَرِ أَوْ الْأُنْثَى أَنْ يُضَبِّبَ الْإِنَاءَ الْخَشَبَ أَوْ الْفَخَّارَ - كَالصِّينِيِّ - بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ؛ أَيْ رَبْطُ كَسْرِهِ أَوْ شِقَّهُ بِهِمَا.
وَأَمَّا الْإِنَاءُ إذَا كَانَ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ حَدِيدٍ - كَالْقُدُورِ وَالصُّحُونِ وَالْمَبَاخِرِ وَالْقَمَاقِمِ مِنْ ذَلِكَ - وَمُوِّهَتْ؛ أَيْ طُلِيَتْ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ.
وَمِنْ ذَلِكَ الرِّكَابُ يُطْلَى بِأَحَدِهِمَا، فَفِيهِ قَوْلَانِ: بِالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ.
وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ الْقَوْلَ بِالْجَوَازِ نَظَرًا لِبَاطِنِهِ وَالطَّلَى تَبَعٌ.
وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي كَلَامِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ إطْلَاقِهِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْجَمِيعِ بِلَا تَرْجِيحٍ

(لَا جَوْهَرٌ.
وَجَازَ لِلْمَرْأَةِ الْمَلْبُوسُ وَنَحْوُهُ، وَلَوْ نَعْلًا لَا كَمِرْوَدٍ وَسَرِيرٍ) جَوْهَرٌ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى اسْتِعْمَالُ أَوْ اتِّخَاذُ.
أَيْ لَا يَحْرُمُ جَوْهَرٌ - أَيْ اسْتِعْمَالُهُ أَوْ اتِّخَاذُهُ - فَهُوَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ.
وَيَجُوزُ جَرُّهُ عَطْفًا عَلَى حَرِيرٍ أَوْ إنَاءٍ فَلَا حَذْفَ فِي الْكَلَامِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْجَوْهَرَ - كَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ - وَالْبَلُّورَ أَوَانَيْهِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ أَوَانَيْهِ فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، مَا كَانَ يَنْبَغِي لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَذْكُرَ فِيهِ الْقَوْلَيْنِ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفَاسَتِهِ حُرْمَةُ اسْتِعْمَالِهِ.
وَكَذَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْمَلْبُوسُ مِنْ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْمُحَلَّى بِهِمَا وَلَوْ نَعْلًا أَوْ قَبْقَابًا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْمَلْبُوسِ وَيَلْحَقُ بِالْمَلْبُوسِ.
مَا شَابَهَهُ مِنْ فُرُشٍ وَمَسَانِدَ وَزِرٍّ،

[حاشية الصاوي]

تِلْكَ الصِّيَاغَةِ.
وَيَجُوزُ بَيْعُهَا لِأَنَّ عَيْنَهَا تُمْلَكُ إجْمَاعًا (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

قَوْلُهُ: [لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مِنْهُمَا] : أَيْ فَفِيهِ اسْتِخْدَامٌ.
قَوْلُهُ: [فِي الْجَمِيعِ] : أَيْ جَمِيعِ الْمَسَائِلِ الْخَمْسَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ فِيهَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ مُرَجَّحٌ عَلَى الْآخَرِ.
فَالْمُرَجَّحُ فِي الْمُغَشَّى وَالْمُضَبَّبِ وَذِي الْحَلْقَةِ الْمَنْعُ.
وَالْمُرَجَّحُ فِي الْمُمَوَّهِ وَإِنَاءِ الْجَوْهَرِ الْجَوَازُ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: تَزْوِيقُ الْحِيطَانِ وَالسَّقْفِ وَالْخَشَبِ وَالسَّاتِرِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ جَائِزٌ فِي الْبُيُوتِ، وَفِي الْمَسَاجِدِ مَكْرُوهٌ إذَا كَانَ يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ، وَإِلَّا فَلَا.

قَوْلُهُ: [وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفَاسَتِهِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ عِلَّةَ حُرْمَةِ النَّقْدَيْنِ تَضْيِيقُ الْمُعَامَلَةِ عَلَى الْعِبَادِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِمَا الْجَوَاهِرُ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ نَعْلًا] : فِي ح أَنَّهُ لِرَدِّ الْخِلَافِ الْوَاقِعِ فِي الْمَذْهَبِ الْقَائِلِ بِالْمَنْعِ.

وَمَا عُلِّقَ بِشَعْرٍ.
وَلَا يَجُوزُ لَهَا مَا لَمْ يَكُنْ مَلْبُوسًا وَلَا مُلْحَقًا بِهِ كَالْمِرْوَدِ - بِكَسْرِ الْمِيمِ - وَكَالسَّرِيرِ وَالْأَوَانِي مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْمُشْطِ وَالْمُكْحُلَةِ وَالْمُدْيَةِ.
وَكَذَا لَا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ مَا ذُكِرَ بِهِمَا وَلَا تَحْلِيَةُ سَيْفِهَا إنْ كَانَ لَهَا سَيْفٌ بِذَلِكَ.
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَتْ تُقَاتِلُ بِهِ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَعَلَى مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ تَغَيُّرٍ بِنَجِسٍ أَوْ طَاهِرٍ وَعَلَى الْأَعْيَانِ الطَّاهِرَةِ وَالنَّجِسَةِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ مِنْ طَهَارَةِ خَبَثٍ وَحَدَثٍ وَاسْتِقْبَالٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ.
وَبَدَأَ بِطَهَارَةِ الْخَبَثِ لِقِلَّةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ فَقَالَ:

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَلَا يَجُوزُ لَهَا] إلَخْ: فَكُلُّ مَا كَانَ خَارِجًا عَنْ جَسَدِهَا لَا يَجُوزُ لَهَا اتِّخَاذُهُ مِنْ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ وَلَا مِنْ الْمُحَلَّى بِهِ، وَإِنَّمَا حَرُمَ عَلَيْهَا تَحْلِيَةُ السَّيْفِ لِأَنَّهُ مِنْ زِينَةِ الرِّجَالِ وَجَازَ لَهَا اتِّخَاذُ شَرِيطِ السَّرِيرِ مِنْ حَرِيرٍ، لِأَنَّهُ تَوَسُّعٌ فِي الْحَرِيرِ أَكْثَرُ مِنْ النَّقْدَيْنِ.

فَصْلٌ: فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ (تَجِبُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ عَنْ مَحْمُولِ الْمُصَلِّي وَبَدَنِهِ وَمَكَانِهِ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ، وَإِلَّا أَعَادَ بِوَقْتٍ) : يَجِبُ شَرْطًا إزَالَةُ حُكْمِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ عَنْ كُلِّ مَحْمُولِ الْمُصَلِّي؛

[حاشية الصاوي]

[فَصْلٌ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ]

[تَنْبِيه صَلَاة النَّافِلَة بِالنَّجَاسَةِ]

فَصْلٌ: قَوْلُهُ: [تَجِبُ إزَالَةُ] إلَخْ: أَيْ وُجُوبَ شَرْطٍ كَمَا يَأْتِي، وَكَذَا يَجِبُ تَقْلِيلُهَا كَتَطْهِيرِ أَحَدِ كُمَّيْهِ حَيْثُ لَمْ يَكْفِهِمَا الْمَاءُ.
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَلَا يَلْزَمُ غَسْلُ الْبَعْضِ إنْ لَمْ يُقَدَّمْ عَلَى الْكُلِّ، لِأَنَّهُ يَزِيدُهَا انْتِشَارًا كَمَا فِي (شب) وَ (ح) . قَوْلُهُ: [الْمُصَلِّي] : الْمُرَادُ بِهِ مُرِيدُ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُرِدْهَا فَلَا تَجِبُ إزَالَتُهَا بَلْ تُنْدَبُ إذَا لَمْ تَكُنْ خَمْرًا، وَأَرَادَ بِالْمُصَلِّي مَا يَشْمَلُ الصَّبِيَّ، وَالْخِطَابُ بِالنِّسْبَةِ لِوَلِيِّهِ خِطَابُ تَكْلِيفٍ، وَبِالنِّسْبَةِ لَهُ خِطَابُ وَضْعٍ.
تَنْبِيهٌ: تَعَمُّدُ صَلَاةِ النَّافِلَةِ بِالنَّجَاسَةِ مَمْنُوعٌ مَانِعٌ مِنْ صِحَّتِهَا، وَلَا تُقْضَى لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ فَأَشْبَهَ مَنْ افْتَتَحَهَا مُحْدِثًا كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَبَدَنِهِ] : أَيْ ظَاهِرِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ دَاخِلُ أَنْفِهِ وَأُذُنِهِ وَعَيْنِهِ فَهِيَ مِنْ الظَّاهِرِ فِي طَهَارَةِ الْخَبَثِ، وَمِنْ الْبَاطِنِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ.
وَلَمْ يَجْعَلُوهَا مِنْ الظَّاهِرِ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ لِمَشَقَّةِ التَّكَرُّرِ.
قَوْلُهُ: [إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ] وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ أَقْوَالٍ أَرْبَعَةٍ الَّذِي انْبَنَتْ عَلَيْهِ فُرُوعُ الْمَذْهَبِ.
وَالْمَشْهُورُ الثَّانِي: السُّنِّيَّةُ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ، وَسَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُعْتَمَدًا إلَّا أَنَّ فُرُوعَ الْمَذْهَبِ بُنِيَتْ عَلَى الْأَوَّلِ.
وَالثَّالِثُ: الْوُجُوبُ مُطْلَقًا كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَهُوَ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ.
وَالرَّابِعُ: النَّدْبُ، لَكِنْ هَذَانِ الْقَوْلَانِ ضَعِيفَانِ فِي الْمَذْهَبِ.
قَوْلُهُ: [عَنْ كُلِّ مَحْمُولِ الْمُصَلِّي] إلَخْ: مِنْ ذَلِكَ لَوْ وَضَعَ حَبْلَ سَفِينَةٍ فِي وَسَطِهِ

مِنْ ثَوْبٍ أَوْ عِمَامَةٍ أَوْ نَعْلٍ أَوْ حِزَامٍ أَوْ مِنْدِيلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ عَنْ بَدَنِهِ وَعَنْ مَكَانِهِ، وَهُوَ مَا تَمَسُّهُ أَعْضَاؤُهُ مِنْ قَدَمَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَيَدَيْهِ وَجَبْهَتِهِ.
فَلَا يَضُرُّ نَجَاسَةُ مَا تَحْتَ صَدْرِهِ وَمَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَلَوْ تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ.
وَلَا مَا تَحْتَ حَصِيرِهِ وَلَوْ اتَّصَلَ بِهَا كَفَرْوَةِ مَيْتَةٍ صَلَّى عَلَى صُوفِهَا.
بِخِلَافِ طَرَفِ عِمَامَتِهِ الْمُلْقَى بِالْأَرْضِ أَوْ طَرَفِ رِدَائِهِ الْمُلْقَى وَبِهِ نَجَاسَةٌ، فَإِنَّهُ يَضُرُّ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَحْمُولِ لِلْمُصَلِّي.
وَمَحَلُّ كَوْنِهَا شَرْطَ صِحَّةٍ لِلصَّلَاةِ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ عَلَى إزَالَتِهَا.

فَإِنْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ نَاسِيًا لَهَا حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَيُنْدَبُ لَهُ إعَادَتُهَا فِي الْوَقْتِ.

وَكَذَا مَنْ عَجَزَ عَنْ إزَالَتِهَا لِعَدَمِ مَاءٍ طَهُورٍ أَوْ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إزَالَتِهَا بِهِ، وَلَمْ يَجِدْ ثَوْبًا غَيْرَ الْمُتَنَجِّسِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِالنَّجَاسَةِ وَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ.
وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَأْخِيرُهَا حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ.
وَيُصَلِّي أَوَّلَ الْوَقْتِ إنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مَاءً وَلَا ثَوْبًا آخَرَ فِي الْوَقْتِ.
وَإِنْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى إزَالَتِهَا آخِرَ الْوَقْتِ، أَخَّرَ لِآخِرِهِ

[حاشية الصاوي]

وَكَانَ بِهَا نَجَاسَةٌ وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَرَّك بِحَرَكَتِهِ لِصِغَرِهَا.
بِخِلَافِ مِقْوَدِ الدَّابَّةِ حَيْثُ كَانَ طَاهِرًا فَلَا يَضُرُّ حَمْلُهَا لِلنَّجَاسَةِ، أَوْ ثَوْبِ شَخْصٍ جَاءَ عَلَى كَتِفِ الْمُصَلِّي مَثَلًا مَا لَمْ يَصِرْ مَحْمُولًا لَهُ.
قَوْلُهُ: [وَنَحْوِ ذَلِكَ] : كَمَوْضِعِ السُّجُودِ لِلْمُومِئِ فَلَا يُشْتَرَطُ طَهَارَتُهُ كَمَا فِي (شب) وَ (عب) . بِخِلَافِ حَسْرِ عِمَامَتِهِ عَنْ جَبْهَتِهِ فَيُشْتَرَطُ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى رُكْنِيَّةِ السُّجُودِ.
وَالِاخْتِلَافِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَقَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَالظَّاهِرُ اعْتِبَارُ الْمَسِّ بِزَائِدٍ لَا يُحَسُّ.
وَقَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: الشَّعْرُ كَطَرَفِ الثَّوْبِ، أَيْ لَا يَضُرُّ مَسُّهُ لِلنَّجَاسَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا مَا تَحْتَ حَصِيرِهِ] : لِمَا سَيَأْتِي فِي الْفَوَائِتِ فِي قَوْلِ خَلِيلٍ: وَلِمَرِيضٍ سَتَرَهُ نَجِسٌ بِطَاهِرٍ.
قَالُوا: لَا مَفْهُومَ لِمَرِيضٍ، إنَّمَا يُشْتَرَطُ انْفِصَالُ السَّاتِرِ عَنْ مَحْمُولِ الْمُصَلِّي.
فَلَا يَكْفِي سَتْرُ نَجَاسَةِ الْمَكَانِ بِبَعْضِ ثَوْبِهِ اللَّابِسِ لَهُ وَلَوْ طَالَ جِدًّا.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَحْمُولِ] : وَمِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْوَسَطُ عَلَى الْأَرْضِ نَجِسًا وَأَخَذَ كُلٌّ طَرَفًا طَاهِرًا، بَطَلَتْ عَلَيْهِمَا.

قَوْلُهُ: [أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا] : أَيْ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ.
فَمُرَادُهُ بِالنَّاسِي مَنْ سَبَقَ لَهُ عِلْمٌ بِهَا، ثُمَّ دَخَلَ الصَّلَاةَ نَاسِيًا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: [فِي الْوَقْتِ] : أَيْ إنْ كَانَ لَهَا وَقْتٌ تُعَادُ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا تُعَادُ كَالْفَائِتَةِ

قِيَاسًا عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي التَّيَمُّمِ، ثُمَّ إنَّهُ إنْ وَجَدَ مَا يُزِيلُهَا بِهِ فِي الْوَقْتِ، أَوْ ثَوْبًا آخَرَ نُدِبَ لَهُ الْإِعَادَةُ مَا دَامَ الْوَقْتُ.
فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا إعَادَةَ، وَالْوَقْتُ فِي الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ، وَفِي الْعِشَاءَيْنِ لِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَفِي الصُّبْحِ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ.

وَمَا مَشَيْنَا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ وَاجِبَةٌ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ هُوَ أَحَدُ الْمَشْهُورَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ.
وَعَلَيْهِ فَإِنْ صَلَّى بِهَا عَامِدًا قَادِرًا عَلَى إزَالَتِهَا أَعَادَ صَلَاتَهُ أَبَدًا وُجُوبًا لِبُطْلَانِهَا.
وَالْمَشْهُورُ الثَّانِي أَنَّ إزَالَتَهَا سُنَّةٌ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ أَيْضًا، فَإِنْ

[حاشية الصاوي]

وَالنَّفَلِ الْمُطْلَقِ إلَّا مَا سَيَأْتِي مِنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ.

قَوْلُهُ: [عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي التَّيَمُّمِ] : فِي قَوْلِهِ فَالْآيِسُ أَوَّلُ الْمُخْتَارِ وَالْمُتَرَدِّدُ وَسَطُهُ وَالرَّاجِي آخِرُهُ، فَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ يُؤَخَّرُ فِيهِ الِاخْتِيَارِيُّ وَأَمَّا الضَّرُورِيُّ فَلَا تَفْصِيلَ فِيهِ بَلْ يُقَدَّمُ وَلَوْ كَانَ رَاجِيًا.
قَوْلُهُ: [مَا دَامَ الْوَقْتُ] : أَيْ الْآتِي فِي الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [لِلِاصْفِرَارِ] : بِإِخْرَاجِ الْغَايَةِ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَبُحِثَ فِيهِ بِأَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ الظُّهْرَيْنِ لِلْغُرُوبِ، وَالْعِشَاءَيْنِ لِلثُّلُثِ وَالصُّبْحَ لِلْإِسْفَارِ.
وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْإِعَادَةَ كَالتَّنَفُّلِ، فَكَمَا لَا يُتَنَفَّلُ فِي الِاصْفِرَارِ لَا يُعَادُ فِيهِ وَيُتَنَفَّلُ فِي اللَّيْلِ كُلِّهِ، وَالنَّافِلَةُ وَإِنْ كُرِهَتْ بَعْدَ الْإِسْفَارِ لِمَنْ نَامَ عَنْ وِرْدِهِ إلَّا أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَا ضَرُورِيَّ لِلصُّبْحِ قَوِيٌّ (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) .

قَوْلُهُ: [إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ أَيْضًا] : أَيْ فَهُوَ قَيْدٌ فِي الْوُجُوبِ وَالسُّنِّيَّةِ مَعًا، وَقَدْ تَبِعَ شَارِحُنَا (عب) وَالْأُجْهُورِيَّ.
وَفِي ابْنِ مَرْزُوقٍ وَ (ح) أَنَّهُ قَيْدٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ، وَأَمَّا السُّنِّيَّةُ فَهُوَ مُطْلَقٌ، سَوَاءٌ كَانَ ذَاكِرًا قَادِرًا أَمْ لَا.
فَإِنْ قُلْت: جَعْلُ الْقَوْلِ بِالسُّنِّيَّةِ مُطْلَقًا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَاجِزَ وَالنَّاسِيَ مُطَالَبَانِ بِالْإِزَالَةِ عَلَى سَبِيلِ السُّنِّيَّةِ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ امْتِنَاعُ تَكْلِيفِهِمَا، قُلْت: مَنْ قَالَ بِالسُّنِّيَّةِ حَالَةَ الْعَجْزِ وَالنِّسْيَانِ أَرَادَ ثَمَرَتَهَا مِنْ نَدْبِ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ طَلَبَ الْإِزَالَةِ لِعَدَمِ إمْكَانِهَا.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْأُجْهُورِيَّ نَظَرَ إلَى رَفْعِ الطَّلَبِ عَنْهُمَا حَالَةَ الْعُذْرِ فَقَالَ: إنَّهُ قَيْدٌ فِيهِمَا، وَغَيْرُهُ نَظَرَ إلَى طَلَبِ الْإِعَادَةِ مِنْهُمَا فِي الْوَقْتِ، فَقَالَ: إنَّهُ قَيْدٌ فِي الْوُجُوبِ فَقَطْ، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَعَادَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ لِكَوْنِ الْخِلَافِ لَفْظِيًّا.
(اُنْظُرْ " ب ن " اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

لَمْ يَذْكُرْهَا أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إزَالَتِهَا أَعَادَ بِوَقْتٍ كَالْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا الْعَامِدُ الْقَادِرُ فَيُعِيدُ أَبَدًا، لَكِنْ نَدَبًا.
فَعُلِمَ أَنَّهُمَا يَتَّفِقَانِ عَلَى الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ نَدْبًا فِي النَّاسِ وَغَيْرِ الْعَالِمِ، وَفِي الْعَاجِزِ، وَيَتَّفِقَانِ عَلَى الْإِعَادَةِ أَبَدًا فِي الْعَامِدِ الذَّاكِرِ لَكِنْ وُجُوبًا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَنَدْبًا عَلَى الثَّانِي.
وَقَوْلُنَا (عَنْ مَحْمُولِ الْمُصَلِّي) أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ: ثَوْبٌ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الثَّوْبَ أَيْ الْمَلْبُوسَ وَغَيْرَهُ، وَيَشْمَلُ مَا اسْتَقَرَّ بِبَطْنِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ؛ كَأَنْ شَرِبَ خَمْرًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَقَيَّأَهَا إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا كَانَ عَاجِزًا.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَنَدْبًا عَلَى الثَّانِي] : أَيْ وَلَا غَرَابَةَ فِي النَّدْبِيَّةِ وَالْأَبَدِيَّةِ، فَقَدْ قَالُوهُ فِي الصَّلَاةِ بِمَعْطِنِ الْإِبِلِ.
وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ حَقِيقِيٌّ وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ التَّشْهِيرُ وَالِاسْتِدْلَالُ وَاخْتِلَافُ التَّفَارِيعِ.
وَرَجَّحَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ كَ (عب) . وَعَلَيْهِ، فَمَا وَرَدَ مِنْ التَّعْذِيبِ فِي الْبَوْلِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مَحْمُولٌ عَلَى إبْقَائِهِ بِالْقَصَبَةِ بِحَيْثُ يُبْطِلُ الْوُضُوءَ، فَإِنَّ الِاسْتِبْرَاءَ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا وَمَالَ (ح) وَ (ر) إلَى أَنَّهُ لَفْظِيٌّ.
قَالَا: وَعُهِدَتْ الْإِعَادَةُ أَبَدًا وُجُوبًا لِتَرْكِ السُّنَّةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَبَحَثَ فِيهِ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ بِأَنَّ هَذَا اعْتِرَافٌ بِأَنَّهُ حَقِيقِيٌّ لَهُ ثَمَرَةٌ؛ فَإِنَّ الْوَاجِبَ يَبْطُلُ تَرْكُهُ اتِّفَاقًا أَيْ لَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْنَا أَنَّ السُّنَّةَ إذْ اُشْتُهِرَتْ فَرْضِيَّتُهَا أُبْطِلَ تَرْكُهَا قَطْعًا، لَكِنَّهُ يُجْعَلُ كُلُّ خِلَافٍ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَفْظِيًّا، وَهُوَ بَعِيدٌ مُضَيِّعٌ لِثَمَرَةِ التَّشْهِيرِ أَوْ لِصِحَّتِهِ.
وَمِمَّا يُبْعِدُ كَوْنَهُ لَفْظِيًّا مَا ارْتَضَاهُ (ر) نَفْسُهُ مِنْ عَدَمِ تَقْيِيدِ السُّنِّيَّةِ بِالذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، وَالْوُجُوبُ مُقَيَّدٌ.
وَقَالَ فِي الْأَصْلِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " خِلَافٌ لَفْظِيٌّ "، لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى إعَادَةِ الذَّاكِرِ الْقَادِرِ أَبَدًا، وَالْعَاجِزِ وَالنَّاسِي فِي الْوَقْتِ.
قَالَهُ (ح) . وَرَدَّ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَى الْوُجُوبِ وَنَدْبِهَا عَلَى السُّنِّيَّةِ، وَبِأَنَّ الْقَائِلَ بِأَحَدِهِمَا يَرُدُّ مَا تَمَسَّكَ بِهِ الْآخَرُ فَالْخِلَافُ مَعْنَوِيٌّ.
قَوْلُهُ: [وَغَيْرَهُ] أَيْ مِنْ سَائِرِ مَا نَبَّهَ الشَّارِحُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [فَيَجِبُ عَلَيْهِ] إلَخْ: هَذَا رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ.
وَقَالَ التُّونُسِيُّ: ذَلِكَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ لَغْوٌ فَلَا يُؤْمَرُ بِتَقَايُؤٍ وَلَا بِإِعَادَةٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
إنْ قُلْت: حِينَئِذٍ صَارَتْ الْمَعِدَةُ نَجِسَةً بِمُجَرَّدِ الشُّرْبِ.
قُلْت: إنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ تَطْهِيرِ نَفْسِ الْمَعِدَةِ، فَأَمَرْنَاهُ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ التَّقَيُّؤِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى الْبَعْضِ وَجَبَ، لِأَنَّ تَقْلِيلَ النَّجَاسَةِ وَاجِبٌ

(فَسُقُوطُهَا عَلَيْهِ فِيهَا أَوْ ذِكْرُهَا مُبْطِلٌ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَوَجَدَ مَا تُزَالُ بِهِ) : الْفَاءُ فَاءُ التَّفْرِيغِ فَذِكْرُهَا أَوْلَى مِنْ ذِكْرِ الْوَاوِ.
يَعْنِي إذَا عَلِمْت أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ وَاجِبَةٌ فَسُقُوطُهَا عَلَى الْمُصَلِّي مُبْطِلٌ لِصَلَاتِهِ وَلَوْ قَبْلَ تَمَامِ التَّلَفُّظِ بِالسَّلَامِ، إنْ اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ بِأَنْ كَانَتْ رَطْبَةً أَوْ يَابِسَةً وَلَمْ تَنْحَدِرْ حَالَ سُقُوطِهَا.
وَإِلَّا لَمْ تَبْطُلْ وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ لِإِزَالَتِهَا وَإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَوَجَدَ مَا تُزَالُ بِهِ مِنْ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ أَوْ ثَوْبًا غَيْرَ الْمُتَنَجِّسِ.

وَكَذَا تَبْطُلُ إذَا ذَكَرَ النَّجَاسَةَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ عَلِمَهَا وَهُوَ فِيهَا، فَإِنَّهَا تَبْطُلُ إذَا

[حاشية الصاوي]

اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَمَحَلُّ وُجُوبِ التَّقَايُؤِ الْمَذْكُورِ مُدَّةُ مَا يَرَى بَقَاءَ النَّجَاسَةِ فِي بَطْنِهِ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا لَا شَكًّا؛ فَإِذَا كَانَتْ خَمْرًا وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ مُدَّةَ مَا يُظَنُّ بَقَاؤُهَا خَمْرًا، فَإِنْ تَحَوَّلَتْ لِلْعَذِرَةِ فَهِيَ بِمَثَابَتِهَا.

[تَنْبِيه مَوْت الدَّابَّة وحبلها بوسطه]

قَوْلُهُ: [قَوْلُهُ فَسُقُوطُهَا عَلَيْهِ] إلَخْ: أَيْ عَلَى الْمُصَلِّي وَلَوْ صَبِيًّا أَوْ بَالِغًا فِي نَفْلٍ - مَأْمُومًا أَوْ إمَامًا أَوْ فَذًّا - مُبْطِلٌ لَهَا بِالشُّرُوطِ الْآتِيَةِ.
وَلَوْ جُمُعَةً عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَقَدْ تَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبُطْلَانِ خَلِيلًا التَّابِعَ لِابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَإِنْ سَقَطَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي صَلَاةٍ قَطَعَهَا، وَالْقَطْعُ يُؤْذَنُ بِالِانْعِقَادِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ الْقَطْعُ وُجُوبًا أَوْ اسْتِحْبَابًا؟ اُنْظُرْ (ب ن) . تَنْبِيهٌ: مَوْتُ الدَّابَّةِ وَحَبْلُهَا بِوَسَطِهِ كَسُقُوطِ النَّجَاسَةِ عَلَى الظَّاهِرِ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَقَوْلُنَا أَوْ إمَامًا: أَيْ وَيَسْتَخْلِفُ؛ فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِلِ الِاسْتِخْلَافِ.
وَإِنْ عَلِمَهَا مَأْمُومٌ بِإِمَامِهِ أَرَاهُ إيَّاهَا، وَلَا يَمَسُّهَا.
فَإِنْ بَعُدَ فَوْقَ الثَّلَاثِ صُفُوفٍ كَلَّمَهُ، وَيَسْتَخْلِفُ الْإِمَامُ وَلَا تَبْطُلُ عَلَى الْمَأْمُومِينَ.
قَوْلُهُ: [أَوْ ذَكَرَهَا] : أَيْ عَلِمَ بِهَا فِيهَا، سَوَاءٌ كَانَ نَاسِيًا لَهَا ابْتِدَاءً أَمْ لَا، لَا إنْ ذَكَرَهَا قَبْلَهَا ثُمَّ نَسِيَهَا عِنْدَ الدُّخُولِ فِيهَا، وَاسْتَمَرَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا فَلَا تَبْطُلُ.
وَلَوْ تَكَرَّرَ الذِّكْرُ وَالنِّسْيَانُ قَبْلَهَا وَإِنَّمَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ (اهـ مِنْ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [أَوْلَى مِنْ ذِكْرِ الْوَاوِ] : أَيْ الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا خَلِيلٌ.
قَوْلُهُ: [وَاجِبَةٌ] : وَأَمَّا عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ فَلَا تَبْطُلُ بِالسُّقُوطِ أَوْ الذِّكْرِ فِيهَا، وَكَلَامُ ابْنِ مَرْزُوقٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الرَّاجِحُ.
قَوْلُهُ: [إنْ اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ] : أَيْ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا.

اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَوَجَدَ ثَوْبًا أَوْ مَا يُزِيلُهَا بِهِ.
وَهَذَانِ الْقَيْدَانِ زِدْنَاهُمَا عَلَى الشَّيْخِ.
وَبَقِيَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ مِمَّا لَا يُعْفَى عَنْهَا كَالْبَوْلِ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُعْفَى عَنْهَا كَدِرْهَمِ دَمٍ لَمْ تَبْطُلْ.
فَالْقُيُودُ أَرْبَعَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِسُقُوطِهَا، وَثَلَاثَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِذِكْرِهَا.
وَقَوْلُنَا: (وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ) ، أَيْ لِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ بِسَجْدَتَيْهَا فَأَكْثَرَ لَا أَقَلَّ.
وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَقْتُ اخْتِيَارِيًّا أَوْ ضَرُورِيًّا.
فَإِذَا لَمْ يَسَعْ الْوَقْتُ رَكْعَةً كَمَّلَهَا.
ثُمَّ إنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَرُورِيًّا فَلَا إعَادَةَ، وَإِنْ كَانَ اخْتِيَارِيًّا أَعَادَهَا فِي الضَّرُورِيِّ نَدْبًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

(لَا إنْ تَعَلَّقَتْ بِأَسْفَلِ نَعْلٍ فَسَلَّ رِجْلَهُ إلَّا أَنْ يَرْفَعَهَا بِهَا) : لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُتَعَلِّقَةً بِأَسْفَلِ النَّعْلِ ثُمَّ سَلَّ رِجْلَهُ مِنْ نَعْلِهِ أَيْ: أَخْرَجَهَا بِلُطْفٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْفَعَ رِجْلَهُ بِالنَّعْلِ الْمُتَنَجِّسَةِ.
فَإِنْ رَفَعَ رِجْلَهُ بِهَا بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُ صَارَ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ فَوْقَ حَمْلِهِ، وَكَانَ ذَاكِرًا لَهَا وَلَوْ لَمْ يَرْفَعْهَا؛ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لَهَا.
فَقَوْلُ الشَّيْخِ: " أَوْ كَانَتْ أَسْفَلَ نَعْلٍ " يَعْنِي: وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنَّعْلِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ وَاقِفٌ عَلَيْهَا بِالنَّعْلِ الطَّاهِرِ، إذْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمْ تَبْطُلْ إذَا رَفَعَ نَعْلَهُ عِنْدَ التَّذَكُّرِ، أَوْ الْعِلْمِ وَوَضَعَهَا عَلَى أَرْضٍ طَاهِرَةٍ وَلَا يَحْتَاجُ لِخَلْعِهَا.
فَعُلِمَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي النَّعْلِ الْمُتَنَجِّسِ أَسْفَلُهُ لَا الْوَاقِفِ بِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ جَافَّةٍ، فَعِبَارَتُنَا أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَتِهِ إذْ عِبَارَتُهُ تُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ.
وَالتَّعْبِيرُ بِسَلَّ أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِخَلَعَ؛ لِأَنَّ السَّلَّ يُفِيدُ الْخِفَّةَ وَالْخَلْعَ يَصْدُقُ وَلَوْ مَعَ الرَّفْعِ بِهَا.
وَمَفْهُومُ (سَلَّ رِجْلَهُ) أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُخْرِجْ رِجْلَهُ مِنْ نَعْلِهِ لَبَطَلَتْ، لَكِنْ حَيْثُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَامِلٌ لِلنَّجَاسَةِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَرْبَعَةٌ] إلَخْ: وَهِيَ: إنْ اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ، وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ، وَوُجِدَ مَا تُزَالُ بِهِ، وَلَمْ تَكُنْ مَعْفُوًّا عَنْهَا، وَقَوْلُهُ وَثَلَاثٌ إلَخْ: أَيْ بِإِسْقَاطِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ الْمَوْضُوعُ.
قَوْلُهُ: [عَلَى مَا تَقَدَّمَ] : أَيْ مِنْ أَنَّ الظُّهْرَيْنِ لِلِاصْفِرَارِ، وَالْعِشَاءَيْنِ لِلْفَجْرِ، وَالصُّبْحَ لِلطُّلُوعِ.

قَوْلُهُ: [بِأَسْفَلِ نَعْلٍ] : وَأَمَّا لَوْ تَعَلَّقَتْ بِأَسْفَلِ خُفٍّ فَتَذَّكَّرَهَا فَتَبْطُلَ بِهَا الصَّلَاةُ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِكَوْنِهِ كَثَوْبِ الْعُضْوِ فِي شِدَّةِ الِالْتِصَاقِ بِالرَّجُلِ، بِخِلَافِ النَّعْلِ فَهُوَ كَالْحَصِيرِ.
هَكَذَا فَرَّقَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ.
قَوْلُهُ: [لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ تَحَرَّكَ النَّعْلُ بِحَرَكَتِهِ حِينَ سَلَّ رِجْلَهُ لِأَنَّهَا كَالْحَصِيرِ.
خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إذَا تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ تَبْطُلُ.

وَذَلِكَ حَالَ السُّجُودِ أَوْ حَالَ رَفْعِهِ لِرِجْلِهِ بِالنَّعْلِ، وَعُلِمَ أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَهُوَ لَابِسٌ لِنَعْلِهِ الْمُتَنَجِّسِ أَسْفَلُهُ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ.

(وَلَا يُصَلَّى بِمَا غَلَبَتْ عَلَيْهِ كَثَوْبِ كَافِرٍ وَسِكِّيرٍ وَكَنَّافٍ وَغَيْرِ مُصَلٍّ، وَمَا يَنَامُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَنَّ مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ] إلَخْ: أَيْ أَوْ إيمَاءً مِنْ قِيَامٍ أَوْ كَانَ يَخْلَعُ رِجْلَهُ مِنْهَا عِنْدَ السُّجُودِ.
قَالَ ابْنُ نَاجِي: وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّعْلِ يَنْزِعُهُ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَالثَّوْبِ تَبْطُلُ وَلَوْ طَرَحَهُ، أَنَّ الثَّوْبَ حَامِلٌ لَهُ وَالنَّعْلَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ وَالنَّجَاسَةَ فِي أَسْفَلِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَسَطَ عَلَى النَّجَاسَةِ حَائِلًا كَثِيفًا.

[مَا لَا تَجُوزُ الصَّلَاة بِهِ]

[تَنْبِيه ثِيَاب الرأس لِلسِّكِّيرِ وَنَحْوه]

قَوْلُهُ: [وَلَا يُصَلَّى] : بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ يَحْرُمُ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ.
قَوْلُهُ: [كَثَوْبِ كَافِرٍ] : الْمُرَادُ بِالثَّوْبِ مَحْمُولُهُ، كَانَ الْكَافِرُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، كِتَابِيًّا أَوْ غَيْرَهُ بَاشَرَ جِلْدَهُ أَوْ لَا، كَانَ مِمَّا يَسْتَعْمِلُ النَّجَاسَةَ أَوْ لَا.
ثُمَّ مَحَلُّ الْحُرْمَةِ إذَا جَزَمَ بِعَدَمِ الطَّهَارَةِ أَوْ ظَنَّ عَدَمَهَا أَوْ شَكَّ.
أَمَّا لَوْ تَحَقَّقَتْ الطَّهَارَةُ أَوْ ظُنَّتْ، فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ بِهِ.
وَهَذَا فِي الْكَافِرِ بِخِلَافِ ثِيَابِ شَارِبِ الْخَمْرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُ فِي حَالَةِ الشَّكِّ يُحْمَلُ عَلَى الطَّهَارَةِ تَقْدِيمًا لِلْأَصْلِ عَلَى الْغَالِبِ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا مَتَى حَصَلَ شَكٌّ قُدِّمَ الْغَالِبُ، لِأَنَّ ثَمَرَةَ تَقْدِيمِ الْغَالِبِ لَا تَظْهَرُ إلَّا عِنْدَ الشَّكِّ فِي الْجَمِيعِ.
فَالتَّفْرِقَةُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ لَا وَجْهَ لَهَا وَلَا مُسْتَنَدَ لَهُ فِي التَّفْرِقَةِ.
قَوْلُهُ: [وَكَنَّاف] : وَيَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى فِيهِ السِّكِّيرُ.
قَوْلُهُ: [وَمَا يَنَامُ فِيهِ غَيْرُهُ] : أَيْ تَحْرُمُ الصَّلَاةُ بِثَوْبٍ يَنَامُ فِيهِ غَيْرُ الْمُصَلِّي إذَا تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهَا أَوْ ظُنَّتْ أَوْ شُكَّ فِيهَا.
وَأَمَّا لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ يَحْتَاطُ فِي طَهَارَتِهَا، أَوْ ظَنَّ ذَلِكَ.
جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهَا.
وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا يُفْرَشُ فِي الْمَضَايِفِ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ النَّائِمَ عَلَيْهَا يَلْتَفُّ فِي شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ ذَلِكَ الْفَرْشِ هَكَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
وَلَكِنْ كَانَ شَيْخُنَا الْمُؤَلِّفُ يُفَصِّلُ وَيَقُولُ: أَمَّا مَضَايِفُ الرِّيفِ فَشَأْنُهَا النَّجَاسَةُ.
وَأَمَّا مَقَاعِدُ مِصْرَ وَقِيعَانُهَا فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى فِرَاشِهَا لِأَنَّ الْغَالِبَ التَّحَفُّظُ.
وَهُوَ وَجِيهٌ مَعْلُومٌ بِالْمُشَاهَدَةِ.
تَنْبِيهٌ: عَمَّمَ الْمُصَنِّفِ هُنَا فِي ثِيَابِ النَّوْمِ وَغَيْرِ الْمُصَلِّي وَجَعَلَهَا كَثِيَابِ السِّكِّيرِ وَالْكَافِرِ لَا فَرْقَ بَيْنَ ثِيَابِ الرَّأْسِ وَغَيْرِهَا، مُوَافَقَةً فِي ذَلِكَ لِابْنِ مَرْزُوقٍ وَقَدْ أَيَّدَهُ

فِيهِ غَيْرُهُ، وَمَا حَاذَى فَرْجَ غَيْرِ عَالِمٍ) هَذِهِ الْأَحْكَامُ هِيَ الَّتِي أَشَارَ لَهَا الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ بِقَوْلِهِ: " وَلَا يُصَلَّى بِلِبَاسِ كَافِرٍ إلَخْ "، أَخَّرْتهَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّهَا وَتَقْدِيمُهَا فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ ذِكْرٌ لَهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا.
وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ قُدِّمَ الْغَالِبُ، فَإِنَّ الْأَصْلَ - فِيمَا ذُكِرَ - الطَّهَارَةُ، وَالْغَالِبُ النَّجَاسَةُ، وَقَوْلِي: (وَلَا يُصَلَّى بِمَا غَلَبَتْ أَيْ: النَّجَاسَةُ عَلَيْهِ) إشَارَةٌ لِقَاعِدَةٍ هِيَ: كُلُّ مَا غَلَبَتْ النَّجَاسَةُ عَلَيْهِ فَلَا يُصَلَّى بِهِ.
وَقَوْلُهُ: (كَثَوْبِ كَافِرٍ) إلَخْ أَمْثِلَةٌ لِبَعْضِ مَا صَدَقَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ.
وَالشَّيْخُ إنَّمَا ذَكَرَ بَعْضَ الْأَمْثِلَةِ دُونَ الْقَاعِدَةِ فَلِبَاسُ الْكَافِرِ لَا يُصَلَّى بِهِ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْكَافِرِ عَدَمُ تَوَقِّي النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ نَسْجِهِ، فَإِنَّ الشَّأْنَ فِيهِ تَوَقِّي النَّجَاسَةِ.
وَالسِّكِّيرُ - أَيْ: كَثِيرُ السُّكْرِ - كَالْكَافِرِ.
وَ (الْكَنَّافِ) : الَّذِي شَأْنُهُ نَزْحُ الْأَكْنِفَةِ.
وَ (غَيْرِ الْمُصَلِّي) : يَشْمَلُ الصِّبْيَانَ وَالنِّسَاءَ وَالرِّجَالَ الَّذِينَ لَا اعْتِنَاءَ لَهُمْ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُمْ عَدَمُ التَّحَرُّزِ مِنْ النَّجَاسَةِ " وَالثَّوْبُ الَّذِي يَنَامُ فِيهِ غَيْرُ مُرِيدِ الصَّلَاةِ لَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُ مَا ذُكِرَ.
وَأَمَّا مَا يَنَامُ فِيهِ هُوَ فَهُوَ أَعْلَمُ بِحَالِهِ.
وَكَذَا مَا حَاذَى فَرْجَ غَيْرِ الْعَالِمِ بِأَحْكَامِ الطَّهَارَةِ كَالْإِزَارِ وَالسَّرَاوِيلِ لَا يُصَلَّى بِهِ، بِخِلَافِ نَحْوِ عِمَامَتِهِ وَرِدَائِهِ، وَبِخِلَافِ مُحَاذِي فَرْجِ الْعَالِمِ بِالِاسْتِبْرَاءِ وَأَحْكَامِ الطَّهَارَةِ.

وَلَمَّا كَانَ بَعْضُ النَّجَاسَةِ يُعْفَى عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَعُفِيَ عَمَّا يَعْسُرُ كَسَلَسٍ

[حاشية الصاوي]

ب ن) . وَهُوَ خِلَافُ مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٍ مِنْ اسْتِثْنَائِهِ ثِيَابَ الرَّأْسِ وَمَا قَارَبَهَا.
قَوْلُهُ: [وَمَا حَاذَى فَرْجَ غَيْرِ عَالِمٍ] : مِنْ ذَلِكَ فُوَطُ الْحَمَّامِ إذَا كَانَ يَدْخُلُهُ عُمُومُ النَّاسِ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ غَسْلُ الْجَسَدِ مِنْهَا لِلْحَرَجِ نَعَمْ هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَحْوَطُ، ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَدْخُلُهُ إلَّا الْمُسْلِمُونَ الْمُتَحَفِّظُونَ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ نَسْجِهِ] : وَكَذَا سَائِرُ صَنَائِعِهِ فَيُحْمَلُونَ فِيهَا عَلَى الطَّهَارَةِ عِنْدَ الشَّكِّ، وَلَوْ صَنَعَهَا بِبَيْتِ نَفْسِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا صَنَعَهُ لِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ كَمَا يُفِيدُهُ الْبُرْزُلِيُّ.
قَوْلُهُ: [كَالْكَافِرِ] إلَخْ: هَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ الرَّدَّ عَلَى مُحَشِّي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [غَيْرُ مُرِيدِ الصَّلَاةِ] : أَيْ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ، بِأَنْ أَرَادَ شَخْصٌ الصَّلَاةَ فِي فِرَاشِ نَوْمِ غَيْرِهِ.

[المعفو عَنْهُ مِنْ النَّجَاسَة]

[تَنْبِيه سَبَب الْعَفْو عَنْ الدَّم وقيد لِلْعَفْوِ عَنْ الطِّين]

قَوْلُهُ

لَازِمٍ) يُعْفَى عَنْ كُلِّ مَا يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؛ لِأَنَّ مَا يُعْفَى عَنْهُ إذَا حَلَّ بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ نَجَّسَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ.
وَلَمَّا كَانَ أَخْذُ الْجُزْئِيَّاتِ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ قَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِ الْأَذْهَانِ، صَرَّحَ بِبَعْضِ جُزْئِيَّاتٍ لِلْإِيضَاحِ بِقَوْلِهِ: (كَسَلَسٍ إلَخْ.) وَالْمُرَادُ بِالسَّلَسِ: مَا خَرَجَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْ الْأَحْدَاثِ كَالْبَوْلِ وَالْمَذْيِ

[حاشية الصاوي]

يُعْفَى عَنْ كُلِّ مَا يَعْسُرُ] : أَخَذَ الْكُلِّيَّةَ مِنْ لَفْظِ [مَا] لِأَنَّهَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ.
وَمَعْنَى يَعْسُرُ: يَشُقُّ.
قَوْلُهُ: [إذَا حَلَّ بِطَعَامٍ] إلَخْ: أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الطَّعَامَ الْمَائِعَ وَمَا فِي حُكْمِهِ يَنْجُسُ إذَا حَلَّتْهُ نَجَاسَةٌ؛ أَيُّ نَجَاسَةٍ كَانَتْ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ لِلدَّوَاءِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
قَوْلُهُ: [وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ] : اسْمُ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: [وَعُفِيَ عَمَّا يَعْسُرُ] . وَمَعْنَى الْقَاعِدَةِ الضَّابِطُ الْكُلِّيُّ الَّذِي انْدَرَجَ تَحْتَهُ الْجُزْئِيَّاتُ، وَقَالُوا فِي تَعْرِيفِهَا: قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ يُتَعَرَّفُ مِنْهَا أَحْكَامُ جُزْئِيَّاتِ مَوْضُوعِهَا، فَالْقَضِيَّةُ الْكُلِّيَّةُ هُنَا هِيَ: " كُلُّ مَا يَعْسُرُ يُعْفَى عَنْهُ ". فَيَنْدَرِجُ تَحْتَ " كُلُّ " جَمِيعُ الْجُزْئِيَّاتِ الْآتِيَةِ وَغَيْرُهَا.
وَضَابِطُ اسْتِخْرَاجِهَا أَنْ يُؤْتَى بِقِيَاسٍ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ يَجْعَلُ مَوْضُوعَ صُغْرَاهُ جُزْئِيًّا مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْقَاعِدَةِ، وَمَحْمُولَهَا مَوْضُوعُ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ وَتَجْعَلُهُ الْحَدَّ الْمُكَرَّرَ، وَتَجْعَلُ مَحْمُولَ كُبْرَاهُ مَحْمُولَ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ، وَتَحْذِفُ الْحَدَّ الْمُكَرَّرَ يَنْتُجُ الْمَقْصُودُ وَمَسَاقُهُ هَكَذَا: السَّلَسُ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، وَكُلُّ مَا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، فَيَنْتُجُ: السَّلَسُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ " إذَا ضَاقَ الْأَمْرُ اتَّسَعَ "، " وَعِنْدَ الضَّرُورَاتِ تُبَاحُ الْمَحْظُورَاتُ ". قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] . فَرْعٌ: قَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: إذَا عُفِيَ عَنْ الْأَحْدَاثِ فِي حَقِّ صَاحِبِهَا عُفِيَ عَنْهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِهَا شَرْعًا، وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِأَنَّ سَبَبَ الْعَفْوِ الضَّرُورَةُ وَلَمْ تُوجَدْ فِي غَيْرِهِ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي جَوَازِ صَلَاةِ صَاحِبِهَا إمَامًا بِغَيْرِهِ، وَعَدَمُ الْجَوَازِ فَعَلَى الْأَوَّلِ تَجُوزُ، وَعَلَى الثَّانِي تُكْرَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ بِالْبُطْلَانِ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّ صَاحِبَ السَّلَسِ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ لِلْعَفْوِ عَنْ النَّجَاسَةِ فِي حَقِّهِ، وَصَحَّتْ صَلَاةُ

وَالْمَنِيِّ وَالْغَائِطِ يَسِيلُ مِنْ الْمَخْرَجِ بِنَفْسِهِ، فَيُعْفَى عَنْهُ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ لِلضَّرُورَةِ إذَا لَازَمَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُلَازَمَةِ هُنَا مَا يَأْتِي فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ.
(وَبَلَلِ بَاسُورٍ وَثَوْبٍ كَمُرْضِعٍ تَجْتَهِدُ) أَيْ: يُعْفَى عَنْ بَلَلِ الْبَاسُورِ يُصِيبُ الْبَدَنَ أَوْ الثَّوْبَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً.
وَأَمَّا الْيَدُ فَلَا يُعْفَى عَنْ غَسْلِهَا إلَّا إذَا كَثُرَ الرَّدُّ بِهَا، بِأَنْ يَزِيدَ عَلَى الْمَرَّتَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ وَإِلَّا وَجَبَ غَسْلُهَا؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَا يَشُقُّ غَسْلُهَا كَالثَّوْبِ وَالْبَدَنِ.
وَيُعْفَى عَنْ ثَوْبِ الْمُرْضِعَةِ أَوْ جَسَدِهَا يُصِيبُهُ بَوْلٌ أَوْ غَائِطٌ مِنْ الطِّفْلِ سَوَاءٌ كَانَتْ أُمًّا أَوْ غَيْرَهَا، إذَا كَانَتْ تَجْتَهِدُ فِي دَرْءِ النَّجَاسَةِ عَنْهَا حَالَ نُزُولِهَا، بِخِلَافِ

[حاشية الصاوي]

مَنْ ائْتَمَّ بِهِ لِأَنَّ صَلَاتَهُ مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاتِهِ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ] : أَيْ وَلَا يُسَنُّ.
مِمَّا أَصَابَ الثَّوْبَ وَالْبَدَنَ وَالْمَكَانَ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ التَّحَوُّلُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ الْمُرَادُ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ مَا هُنَا مِنْ بَابِ الْأَخْبَاثِ وَذَاكَ مِنْ بَابِ الْأَحْدَاثِ.
وَالْأَخْبَاثُ أَسْهَلُ مِنْ الْأَحْدَاثِ فَلِذَلِكَ شُدِّدَ فِي الْأَحْدَاثِ فِيمَا يَأْتِي، فَقَالُوا: لَا يُعْفَى عَنْهُ إلَّا إذَا لَازَمَ كُلَّ الزَّمَانِ أَوْ جُلَّهُ أَوْ نِصْفَهُ فَلَا يُنْقَضُ الْوُضُوءُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ وَلَا يُوجِبُ غَسْلًا لِلنَّجَاسَةِ، وَإِنْ لَازَمَ أَقَلَّ الزَّمَانِ نُقِضَ مَعَ الْعَفْوِ عَنْ النَّجَاسَةِ إنْ لَازَمَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً.
قَوْلُهُ: وَبَلَلِ بَاسُورٍ: جَمْعُهُ بَوَاسِيرُ وَالْمُرَادُ بِهِ النَّابِتُ دَاخِلَ مَخْرَجِ الْغَائِطِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ مِنْهُ وَعَلَيْهِ بُلُولَةُ النَّجَاسَةِ، وَفِي عب الظَّاهِرُ أَنَّ خُرُوجَ الصَّرْمِ كَالْبَاسُورِ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ يَزِيدَ عَلَى الْمَرَّتَيْنِ إلَخْ] : وَقِيلَ بَلْ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ وَمِثْلُ الْيَدِ الْخِرْقَةُ الَّتِي يَرُدُّ بِهَا.
قَوْلُهُ: [كَالثَّوْبِ] : أَيْ الْمَلْبُوسِ لَا الَّتِي يَرُدُّ بِهَا فَإِنَّهَا كَالْيَدِ كَمَا عَلِمْت.
قَوْلُهُ: [عَنْ ثَوْبِ الْمُرْضِعَةِ] إلَخْ: أَيْ لِإِمْكَانِهَا فَلَا يُعْفَى عَمَّا أَصَابَهُ إنْ أَمْكَنَهَا التَّحَوُّلُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرُهَا] : أَيْ إنْ احْتَاجَتْ لِلْإِرْضَاعِ لِفَقْرِهَا أَوْ لَمْ يَقْبَلْ الْوَلَدُ غَيْرَهَا، وَإِلَّا فَلَا يُعْفَى عَمَّا أَصَابَهَا خِلَافًا لِلْمَشَذَّالِيِّ فِي جَعْلِهَا كَالْأُمِّ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: [تَجْتَهِدُ] قَيْدٌ فِي الْمُرْضِعَةِ مُطْلَقًا أُمًّا أَوْ غَيْرَهَا، فَإِذَا اجْتَهَدَتْ وَأَصَابَهَا شَيْءٌ عُفِيَ عَنْهُ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُنْدَبُ لَهَا غَسْلُهُ إنْ تَفَاحَشَ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا غَسْلُ

الْمُفَرِّطَةِ.
وَدَخَلَ الْجَزَّارُ وَالْكَنَّافُ وَالطَّبِيبُ الَّذِي يُزَاوِلُ الْجُرُوحَ تَحْتَ الْكَافِ.
وَنُدِبَ لَهَا وَلِمَنْ أُلْحِقَ بِهَا اسْتِعْدَادُ ثَوْبٍ لِلصَّلَاةِ.
(وَقَدْرِ دِرْهَمٍ مِنْ دَمٍ وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ) : أَيْ: يُعْفَى عَنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ وَهُوَ الدَّائِرَةُ السَّوْدَاءُ الْكَائِنَةُ فِي ذِرَاعِ الْبَغْلِ فَدُونَ.
وَقَوْلُ الشَّيْخِ: وَ " دُونَ دِرْهَمٍ " الْمُفِيدُ أَنَّ مَا كَانَ قَدْرَ

[حاشية الصاوي]

مَا أَصَابَهَا مِنْ بَوْلِهِ أَوْ عَذِرَتِهِ وَلَوْ رَأَتْهُ، خِلَافًا لِابْنِ فَرْحُونٍ الْقَائِلِ بِأَنَّ مَا رَأَتْهُ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ.
قَوْلُهُ: [وَدَخَلَ الْجَزَّارُ] إلَخْ: أَيْ فَيُعْفَى عَنْهُمْ إنْ اجْتَهَدُوا كَالْمُرْضِعَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلِمَنْ أُلْحِقَ بِهَا] : أَيْ مِمَّنْ دَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ.
وَأَمَّا صَاحِبُ السَّلَسِ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ إعْدَادُ ثَوْبٍ لِعَدَمِ ضَبْطِهِ.
قَوْلُهُ: [وَقَدْرُ دِرْهَمٍ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ مَخْلُوطًا بِمَاءٍ حَيْثُ كَانَ طَاهِرًا.
نَعَمْ إنْ خَالَطَهُ نَجِسٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ انْتَفَى الْعَفْوُ.
وَخَالَفَتْ الشَّافِعِيَّةُ؛ فَعِنْدَهُمْ نِصْفُ دِرْهَمٍ مَثَلًا مِنْ دَمٍ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ قَدْرُ نِصْفِهِ مَاءً طَهُورًا لَا يُعْفَى عَنْهُ لِأَنَّ الدَّمَ نَجَّسَ الْمَاءَ، وَإِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِ عَيْنِ الدَّمِ النَّجِسِ مَا زَالَ مَعْفُوًّا عَنْهُ وَهَذَا مِمَّا يُسْتَغْرَبُ.
وَقَدْ يُلْغَزُ بِهِ، وَقَدْ قُلْت فِي ذَلِكَ: حَيِّ الْفَقِيهَ الشَّافِعِيَّ وَقُلْ لَهُ ... مَا ذَلِكَ الْحُكْمُ الَّذِي يُسْتَغْرَبُ نَجِسٌ عَفُوًّا عَنْهُ فَلَوْ خَالَطَهُ ... نَجِسٌ طَرَا فَالْعَفْوُ بَاقٍ يَصْحَبُ وَإِذَا طَرَا بَدَلَ النَّجَاسَةِ طَاهِرٌ ... لَا عَفْوَ يَا أَهْلَ الذَّكَاءِ تَعْجَبُوا ، (شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) . وَأَمَّا لَوْ صَارَ بِسَبَبِ الْمَائِعِ زَائِدًا عَلَى دِرْهَمٍ فَلَا عَفْوَ.
وَالْعَفْوُ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ وَالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ.
وَقِيلَ اغْتِفَارُهُ مَقْصُورٌ عَلَى الصَّلَاةِ؛ فَلَا تُقْطَعُ لِأَجْلِهِ إذَا ذَكَرَهُ فِيهَا، وَلَا يُعِيدُ.
وَأَمَّا إذَا رَآهُ خَارِجَهَا فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ.
هَكَذَا حُكِيَ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَمْرِ بِالْغَسْلِ، فَقِيلَ: نَدْبًا، وَقِيلَ: وُجُوبًا وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْعِرَاقِيِّينَ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ الدَّائِرَةُ] : أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْمِسَاحَةُ لَا الْكَمِّيَّةَ، أَيْ فَالْعِبْرَةُ بِقَدْرِهِ فِي الْمِسَاحَةِ وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ فِي الْكَمِّيَّةِ كَنُقْطَةٍ مِنْ الدَّمِ ثَخِينَةٍ.
(اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

الدِّرْهَمِ لَا يُعْفَى عَنْهُ، ضَعِيفٌ.
وَسَوَاءٌ كَانَ مَا ذُكِرَ مِنْ الدَّمِ وَمَا بَعْدَهُ أَصَابَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ - وَلَوْ مِنْ خِنْزِيرٍ - بِثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ مَكَان، كَمَا يُفِيدُهُ إطْلَاقُ عِبَارَتِهِ.
وَصَرَّحَ الشَّيْخُ بِالْإِطْلَاقِ لَكِنْ قَدَّمَهُ عَلَى الْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ وَالْأَوْلَى لَهُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُمَا.
(وَفَضْلَةِ دَوَابَّ لِمَنْ يُزَاوِلُهَا) أَيْ: أَنَّ فَضْلَةَ الدَّوَابِّ مِنْ بَوْلٍ أَوْ رَوْثٍ - سَوَاءٌ كَانَتْ الدَّوَابُّ خَيْلًا أَوْ حَمِيرًا أَوْ بِغَالًا - إذَا أَصَابَتْ ثَوْبًا أَوْ بَدَنًا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُزَاوِلَهَا بِالرَّعْيِ أَوْ الْعَلَفِ أَوْ الرَّبْطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ - يُعْفَى عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْمَشَقَّةِ وَهِيَ حَاصِلَةٌ لِمَنْ شَأْنُهُ مُزَاوَلَتُهَا.
لَوْ أُمِرَ بِالْغَسْلِ كُلَّمَا أَصَابَتْهُ فَلَا مَفْهُومَ لِلْقُيُودِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: " وَبَوْلِ فَرَسٍ لِغَازٍ بِأَرْضِ حَرْبٍ ".

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [ضَعِيفٌ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِيهَا ثَلَاثُ طُرُقٍ، الْأُولَى: أَنَّ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا، وَمَا فَوْقَهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا، وَفِي الدِّرْهَمِ رِوَايَتَانِ: وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْعَفْوِ.
وَالثَّانِيَةُ: مَا دُونَ الدِّرْهَمِ يُعْفَى عَنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالدِّرْهَمُ وَمَا فَوْقَهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا.
وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ الدِّرْهَمَ مِنْ حَيِّزِ الْيَسِيرِ وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ مُصَنِّفُنَا تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَصَاحِبِ الْإِرْشَادِ.
تَنْبِيهٌ: إنَّمَا اخْتَصَّ الْعَفْوُ بِالدَّمِ وَمَا مَعَهُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْلُو عَنْهُ، فَهُوَ كَالْقِرْبَةِ الْمَمْلُوءَةِ بِالدَّمِ وَالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ، فَالِاحْتِرَازُ عَنْ يَسِيرِهِ عُسْرٌ، دُونَ غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ.
وَمَا نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ اغْتِفَارِ مِثْلِ رُءُوسِ الْإِبَرِ مِنْ الْبَوْلِ ضَعِيفٌ.
نَعَمْ أَلْحَقَ بَعْضُهُمْ بِالْمَعْفُوَّاتِ الْمَذْكُورَةِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ بَوْلِ الطَّرَقَاتِ إذَا لَمْ يُتَبَيَّنْ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ جَسَدٍ، أَوْ خُفٍّ مِثْلِ أَنْ تَزِلَّ الرِّجْلُ مِنْ النَّعْلِ وَهِيَ مَبْلُولَةٌ فَيُصِيبَهَا مِنْ الْغُبَارِ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مُخَالَطَةُ الْبَوْلِ لَهُ إذْ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ.
(انْتَهَى بِالْمَعْنَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [فَلَا مَفْهُومَ لِلْقُيُودِ] : أَيْ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ: بَوْلٌ وَفَرْثٌ وَغَازٌ وَأَرْضُ الْحَرْبِ.
لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى مَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ.
وَحَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَانَى الدَّوَابَّ يُعْفَى عَمَّا أَصَابَهُ مِنْ بَوْلِهَا وَأَرْوَاثِهَا، كَانَ فِي الْحَضَرِ أَوْ فِي السَّفَرِ بِأَرْضِ حَرْبٍ أَوْ غَيْرِهَا.
غَايَةُ

(وَأَثَرِ ذُبَابٍ مِنْ نَجَاسَةٍ وَدَمِ حِجَامَةٍ مُسِحَ حَتَّى يَبْرَأَ) أَيْ: يُعْفَى عَنْ أَثَرِ الذُّبَابِ يَقَعُ عَلَى الْعَذِرَةِ أَوْ الْبَوْلِ أَوْ الدَّمِ بِأَرْجُلِهِ أَوْ فَمِهِ، ثُمَّ يَطِيرُ وَيَحُطُّ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ.
فَقَوْلُنَا: (مِنْ نَجَاسَةٍ) بَيَانٌ لِأَثَرٍ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ " مِنْ عَذِرَةٍ " إذْ لَا مَفْهُومَ لَهَا.
وَمِثْلُ الذُّبَابِ النَّامُوسُ، أَوْ أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ النَّامُوسَ.
وَالْعَامَّةُ تَقْلِبُ الْبَاءَ الْأَخِيرَةَ نُونًا وَيُشَدِّدُونَ الْأُولَى، وَكَذَلِكَ يُعْفَى عَنْ أَثَرِ الْحِجَامَةِ إذَا مُسِحَ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا إلَى أَنْ يَبْرَأَ الْمُحَالُ لِمَشَقَّةِ غَسْلِهِ قَبْلَ بُرْءِ الْجُرْحِ.
فَإِذَا بَرَأَ غُسِلَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ، أَيْ وُجُوبًا أَوْ اسْتِنَانًا عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ الْخِلَافِ.
(وَطِينٍ كَمَطَرٍ وَمَائِهِ مُخْتَلِطًا بِنَجَاسَةٍ مَا دَامَ طَرِيًّا فِي الطُّرُقِ وَلَوْ بَعْدَ انْقِطَاعِ نُزُولِهِ، إلَّا أَنْ تَغْلِبَ عَلَيْهِ أَوْ تُصِيبَ عَيْنُهَا) : يُعْفَى عَنْ طِينِ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ كَطِينِ الرَّشِّ وَمُسْتَنْقَعِ الطُّرُقِ.
وَكَذَا يُعْفَى عَنْ مَاءِ الْمَطَرِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ حَالَ كَوْنِ مَا ذُكِرَ مِنْ الطِّينِ أَوْ الْمَاءِ مُخْتَلِفًا بِنَجَاسَةٍ، وَإِلَّا فَلَا مَحَلَّ لِلْعَفْوِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَذِرَةً أَوْ

[حاشية الصاوي]

مَا هُنَاكَ أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ الْقُيُودُ الْأَرْبَعَةُ فَلَا يُعْتَبَرُ اجْتِهَادُهُ، بَلْ الْعَفْوُ مُطْلَقٌ لِتَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَّ قَيْدٌ مِنْ الْأَرْبَعَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ اجْتِهَادِهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [وَمِثْلُ الذُّبَابِ] إلَخْ: أَيْ فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ النَّامُوسُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ أَرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ] إلَخْ: أَيْ فَفِيهِ مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ الْخَاصِّ وَإِرَادَةِ الْعَامِّ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ النَّمْلُ الصَّغِيرُ.
وَأَمَّا الْكَبِيرُ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ لِأَنَّ وُقُوعَهُ عَلَى الْإِنْسَانِ نَادِرٌ.
قَوْلُهُ: [إلَى أَنْ يَبْرَأَ] : فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ [حَتَّى] فِي الْمَتْنِ بِمَعْنَى إلَى.
قَوْلُهُ: [أَيْ وُجُوبًا] إلَخْ: مَحَلُّ ذَلِكَ إذَا كَانَ أَثَرُ الدَّمِ أَكْثَرَ مِنْ دِرْهَمٍ، وَإِلَّا فَلَا مَحَلَّ لِوُجُوبِ الْغَسْلِ وَلَا لِاسْتِنَانِهِ.
وَمِثْلُ أَثَرِ الْحِجَامَةِ أَثَرُ الْفَصْدِ فَإِذَا بَرَأَ أُمِرَ بِالْغَسْلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصَلَّى مُتَعَمِّدًا وَلَمْ يَغْسِلْ، أَعَادَ فِي الْوَقْتِ عَلَى الرَّاجِحِ مِمَّا فِي خَلِيلٍ لِيَسَارَةِ الدَّمِ، لِكَوْنِهِ أَثَرًا لَا عَيْنًا.
وَمُرَاعَاةً لِمَنْ لَا يَأْمُرُهُ بِغَسْلِهِ.
قَوْلُهُ: [وَنَحْوِهِ] وَقَوْلُهُ فِيمَا يَأْتِي [وَكَذَا] إلَخْ إشَارَةٌ لِمَا أَدْخَلَتْهُ الْكَافُ.
قَوْلُهُ: [سَوَاءٌ كَانَتْ النَّجَاسَةُ] إلَخْ: أَيْ وَكَانَ الطِّينُ أَكْثَرَ مِنْهَا تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا أَوْ تَسَاوِيًا بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي.

غَيْرَهَا مَا دَامَ الطِّينُ طَرِيًّا فِي الطُّرُقِ يُخْشَى مِنْهُ الْإِصَابَةُ ثَانِيًا، وَلَوْ بَعْدَ انْقِطَاعِ نُزُولِ الْمَطَرِ.
وَمَحَلُّ الْعَفْوِ مَا لَمْ تَغْلِبْ النَّجَاسَةُ عَلَى الطِّينِ بِأَنْ تَكُونَ أَكْثَرَ مِنْهُ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا كَنُزُولِ الْمَطَرِ عَلَى مُطْرَحِ النَّجَاسَاتِ، أَوْ مَا لَمْ تُصِبْ الْإِنْسَانَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ الْغَيْرِ الْمُخْتَلِطَةِ بِغَيْرِهَا، وَإِلَّا فَلَا عَفْوَ وَيَجِبُ الْغَسْلُ.
كَمَا لَا عَفْوَ بَعْدَ جَفَافِ الطُّرُقِ، فَيَجِبُ غَسْلُ مَا أَصَابَ أَيَّامَ النُّزُولِ، وَطَرَاوَةُ الطِّينِ لِزَوَالِ الْمَشَقَّةِ.
وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ عِبَارَتَنَا أَوْضَحُ وَأَشْمَلُ مِنْ عِبَارَتِهِ وَقَوْلُنَا: [عَيْنُهَا] فَاعِلُ تُصِيبَ، وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ تُصِيبُهُ عَيْنُهَا.
(وَأَثَرِ دُمَّلٍ سَالَ بِنَفْسِهِ أَوْ احْتَاجَ لِعَصْرِهِ أَوْ كَثُرَتْ) : يُعْفَى عَنْ أَثَرِ الدُّمَّلِ مِنْ الْمِدَّةِ السَّائِلَةِ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ عَصْرِهِ، فَإِنْ عَصَرَهُ لَمْ يُعْفَ عَمَّا زَادَ عَلَى الدِّرْهَمِ إلَّا أَنْ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِأَنْ تَكُونَ] إلَخْ: أَيْ فَلَا عَفْوَ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عَلَى ظَاهِرِهَا.
قَوْلُهُ: [كَنُزُولِ الْمَطَرِ] إلَخْ: مِثَالٌ لِمَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْمُدَوَّنَةُ مَعَ غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: [أَوْ مَا لَمْ تُصِبْ الْإِنْسَانَ] إلَخْ: أَيْ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَحْوَالَ أَرْبَعَةٌ: الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ: كَوْنُ الطِّينِ أَكْثَرَ مِنْ النَّجَاسَةِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهَا تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا وَلَا إشْكَالَ فِي الْعَفْوِ فِيهِمَا، وَالثَّالِثَةُ: غَلَبَةُ النَّجَاسَةِ عَلَى الطِّينِ تَحْقِيقًا أَوْ ظَنًّا وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَيَجِبُ غَسْلُهُ عَلَى مَا مَشَى عَلَيْهِ شَارِحُنَا تَبَعًا لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ.
وَالرَّابِعَةُ: أَنْ تَكُونَ عَيْنُهَا قَائِمَةً وَهِيَ لَا عَفْوَ فِيهَا اتِّفَاقًا.
تَنْبِيهٌ: قَيَّدَ بَعْضُهُمْ الْعَفْوَ عَنْ طِينِ الْمَطَرِ بِمَا إذَا لَمْ يُدْخِلْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِلَّا فَلَا عَفْوَ؛ وَذَلِكَ كَأَنْ يَعْدِلَ عَنْ الطَّرِيقِ السَّالِمَةِ لِلَّتِي فِيهَا طِينٌ بِلَا عُذْرٍ.
قَوْلُهُ: [أَوْ احْتَاجَ لِعَصْرِهِ] : أَشَارَ بِهَذَا إلَى مَا فِي أَبِي الْحَسَنِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّ الدُّمَّلَ الْوَاحِدَةَ إنْ اُضْطُرَّ إلَى إنْكَائِهَا وَشَقَّ عَلَيْهِ تَرْكُهَا فَإِنَّهُ يُعْفَى عَمَّا سَالَ مِنْهَا.
قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْ الِاضْطِرَارِ إلَى إنْكَائِهَا وَضْعَ الدَّوَاءِ عَلَيْهَا فَتَسِيلُ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ عَصَرَهُ] إلَخْ: مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَسِلْ مِنْهُ شَيْءٌ بِنَفْسِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ عِنْدَ الْعَصْرِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَالَ بِنَفْسِهِ وَمَحَلُّ الْعَفْوِ إنْ دَامَ

يَضْطَرَّ لِعَصْرِهِ.
فَإِنْ اُضْطُرَّ عُفِيَ عَمَّا زَادَ عَلَى الدِّرْهَمِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا سَالَ بِنَفْسِهِ.
وَكَذَا إنْ كَثُرَتْ الدَّمَامِلُ فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْ أَثَرِهَا، وَلَوْ عَصَرَهَا لِأَنَّ كَثْرَتَهَا مَظِنَّةُ الِاضْطِرَارِ كَالْحَكَّةِ وَالْجَرَبِ.
(وَذَيْلِ امْرَأَةٍ أُطِيلَ لِسَتْرٍ، وَرِجْلٍ بُلَّتْ مَرَّا بِنَجَسٍ يَابِسٍ) : يُعْفَى عَنْ ذَيْلِ ثَوْبِ الْمَرْأَةِ يُجَرُّ عَلَى الْأَرْضِ الْمُتَنَجِّسَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْغُبَارُ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ إطَالَتُهُ لِلسَّتْرِ لَا لِلْخُيَلَاءِ وَيُعْفَى عَمَّا تَعَلَّقَ بِرِجْلٍ مَبْلُولَةٍ مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا بِنَجَاسَةٍ يَابِسَةٍ فَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ وَذِي الرِّجْلِ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْغَسْلُ وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ: " يَطْهُرَانِ بِمَا بَعْدَهُ ". (وَخُفٍّ وَنَعْلٍ مِنْ رَوْثِ دَوَابِّ وَبَوْلِهَا إنْ دُلِكَا وَأُلْحِقَتْ بِهِمَا رِجْلُ الْفَقِيرِ) : يُعْفَى عَمَّا أَصَابَ الْخُفَّ وَالنَّعْلَ مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا فِي الطُّرُقِ وَالْأَمَاكِنِ الَّتِي تَطْرُقُهَا الدَّوَابُّ كَثِيرًا لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ مِنْ ذَلِكَ.
بِخِلَافِ غَيْرِ الدَّوَابِّ كَالْآدَمِيِّ وَالْكَلْبِ

[حاشية الصاوي]

سَيَلَانُهُ أَوْ لَمْ يَنْضَبِطْ، أَوْ يَأْتِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ مَرَّةً.
فَإِنْ انْضَبَطَ وَفَارَقَ يَوْمًا وَأَتَى آخَرُ فَلَا عَفْوَ عَمَّا زَادَ عَلَى الدِّرْهَمِ، وَلَوْ مَصَلَ بِنَفْسِهِ.
كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا إنْ كَثُرَتْ] : أَيْ بِأَنْ زَادَتْ عَلَى الْوَاحِدَةِ.
قَوْلُهُ: [وَذَيْلِ الْمَرْأَةِ] : أَيْ غَيْرِ مُبْتَلٍّ كَمَا قَيَّدَهُ فِي الْأَصْلِ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ.
وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ حَيْثُ خَصَّهُ بِالْحُرَّةِ لِكَوْنِ السَّاقِ فِي حَقِّهَا عَوْرَةً وَغَيْرُهُ رَاعَى جَوَازَ السَّتْرِ فَعَمَّمَ.
قَوْلُهُ: [أُطِيلَ لِسَتْرٍ] : مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهَا لَا تُطِيلُهُ لِلسَّتْرِ إلَّا إذَا كَانَتْ غَيْرَ لَابِسَةٍ الْخُفَّ.
فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ لَابِسَةً الْخُفَّ فَلَا عَفْوَ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ زِيِّهَا أَمْ لَا كَمَا نَقَلَهُ (ح) عَنْ الْبَاجِيِّ (اهـ مَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) قَوْلُهُ: [يَابِسٍ] : اسْمُ فَاعِلٍ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ: يَبَسَ بِفَتْحِ الْبَاءِ فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ وَبِكَسْرِهَا عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ [قَوْلُهُ يُعْفَى إلَخْ] إنْ قُلْت إذَا كَانَ الذَّيْلُ يَابِسًا وَالنَّجِسُ كَذَلِكَ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالذَّيْلِ شَيْءٌ فَلَا مَحَلَّ لِلْعَفْوِ قُلْت قَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغُبَارُ وَهُوَ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [الَّتِي تَطْرُقُهَا الدَّوَابُّ كَثِيرًا] : هَذَا الْقَيْدُ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ سَحْنُونَ.

وَالْهِرِّ وَنَحْوِهَا، فَلَا يُعْفَى عَمَّا أَصَابَ مِنْ فَضَلَاتِهَا.
وَبِخِلَافِ مَا أَصَابَ غَيْرَ الْخُفِّ وَالنَّعْلِ كَالثَّوْبِ وَالْبَدَنِ فَلَا عَفْوَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ: " لَا غَيْرَهُ ". وَأَلْحَقَ اللَّخْمِيُّ رِجْلَ الْمُكَلَّفِ الْفَقِيرِ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى تَحْصِيلِ خُفٍّ أَوْ نَعْلٍ فِي الْعَفْوِ بِالْخُفِّ وَالنَّعْلِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْفَقِيرِ فَلَا يُعْفَى عَمَّا أَصَابَ رِجْلَهُ مِنْهُمَا لِعَدَمِ عُذْرِهِ.
وَبَعْضُهُمْ أَلْحَقَهَا بِهِمَا أَيْضًا.
وَشَرْطُ الْعَفْوِ إنْ دُلِكَ كُلٌّ مِنْ الْخُفِّ أَوْ النَّعْلِ أَوْ الرِّجْلِ بِخِرْقَةٍ أَوْ تُرَابٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ دَلْكًا لَا يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْعَيْنِ.
(وَمَا تَفَاحَشَ نُدِبَ غَسْلُهُ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ) : أَيْ أَنَّ مَا تَفَاحَشَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمَعْفُوَّاتِ بِأَنْ خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ حَتَّى صَارَ يُسْتَقْبَحُ النَّظَرُ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُنْدَبُ غَسْلُهُ.
كَمَا أَنَّهُ يُنْدَبُ غَسْلُ دَمِ الْبَرَاغِيثِ إذَا تَفَاحَشَ لَا إنْ لَمْ يَتَفَاحَشْ.

(وَمَا سَقَطَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَارٍّ حُمِلَ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَإِنْ سَأَلَ صَدَّقَ الْعَدْلَ) :

[حاشية الصاوي]

وَعَلَى هَذَا فَلَا يُعْفَى عَمَّا أَصَابَ الْخُفَّ وَالنَّعْلَ مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا بِمَوْضِعٍ لَا يَطْرُقُهُ الدَّوَابُّ كَثِيرًا وَلَوْ دَلْكًا.
قَوْلُهُ: [وَأَلْحَقَ اللَّخْمِيُّ] إلَخْ: وَمِثْلُهُ غَنِيٌّ لَمْ يَجِدْ مَا ذُكِرَ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اللُّبْسِ لِمَرَضٍ.
قَوْلُهُ: [لَا يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ] إلَخْ: وَلَا يُعْتَبَرُ بَقَاءُ الرِّيحِ وَاللَّوْنِ.
قَوْلُهُ: [مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ] إلَخْ: يُحْتَرَزُ عَمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ كَالسَّيْفِ الصَّقِيلِ وَالْمِرْآةِ فَلَا يُنْدَبُ غَسْلُهُ لِلْإِفْسَادِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ الْمَعْفُوَّاتِ] : فِي الْحَاشِيَةِ أَنَّ مَا دُونَ الدِّرْهَمِ مِنْ الدَّمِ وَمَا مَعَهُ يُنْدَبُ غَسْلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَفَاحَشْ وَعَلَيْهِ فَلَا وَجْهَ لِلتَّقْيِيدِ بِالتَّفَاحُشِ.
قَوْلُهُ: [دَمِ الْبَرَاغِيثِ] إلَخْ: فَسَّرَهُ فِي الْأَصْلِ - تَبَعًا لِلْخَرَشِيِّ وَغَيْرِهِ - بِالْخَرْءِ، قَائِلًا: وَأَمَّا دَمُهَا الْحَقِيقِيُّ فَدَاخِلٌ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَدُونَ دِرْهَمٍ.
قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَقَدْ يُقَالُ هُوَ كَدُمَّلٍ زَادَ عَلَى وَاحِدَةٍ أَيْ فَيُعْفَى عَنْهُ وَلَوْ زَادَ عَلَى دِرْهَمٍ، غَايَةُ مَا هُنَاكَ يُنْدَبُ غَسْلُهُ عِنْدَ التَّفَاحُشِ فَتَعْمِيمُ شَارِحِنَا صَوَابٌ.

[كيف تزال النَّجَاسَة]

قَوْلُهُ: [مَا سَقَطَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ] إلَخْ: حَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّ الشَّخْصَ السَّاقِطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، إمَّا أَنْ يَكُونَ مَارًّا أَوْ جَالِسًا تَحْتَ سَقَائِفِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كُفَّارٍ أَوْ مَشْكُوكٍ فِيهِمْ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ طَهَارَةَ الْوَاقِعِ، أَوْ يَظُنَّهَا، أَوْ يَتَحَقَّقَ النَّجَاسَةَ، أَوْ يَظُنَّهَا أَوْ يَشُكَّ.

الْوَاوُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ، وَمَا مُبْتَدَأٌ، وَحُمِلَ خَبَرُهُ؛ يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَسْقُطُ عَلَى شَخْصٍ مَارٍّ أَوْ جَالِسٍ فِي طَرِيقٍ مِنْ سَقْفٍ وَنَحْوِهِ وَلَمْ تَقُمْ أَمَارَةٌ عَلَى طَهَارَتِهِ وَلَا نَجَاسَتِهِ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الطَّهَارَةِ فَلَا يُطْلَبُ غَسْلُهُ إنْ كَانَ الْمَاءُ السَّاقِطُ مِنْ قَوْمٍ مُسْلِمِينَ، لِأَنَّ شَأْنَهُمْ الطَّهَارَةُ.
وَإِنْ شَكَّ فِي إسْلَامِهِمْ أَوْ كُفْرِهِمْ حُمِلُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ طَهَارَتِهِ أَوْ نَجَاسَتِهِ لَكِنَّهُ إنْ سَأَلَ صَدَّقَ الْمُجِيبَ إنْ كَانَ عَدْلَ رِوَايَةٍ بِأَنْ كَانَ مُسْلِمًا صَالِحًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى حُرًّا أَوْ عَبْدًا.
فَإِنْ أَخْبَرَ بِالنَّجَاسَةِ وَجَبَ الْغَسْلُ، أَيْ إنْ بَيَّنَ وَجْهَهَا أَوْ اتَّفَقَا مَذْهَبًا، وَإِلَّا نُدِبَ.
وَلَا عِبْرَةَ بِإِخْبَارِ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ، وَيَنْبَغِي نَدْبُ الْغَسْلِ إنْ أَخْبَرَ بِالنَّجَاسَةِ.
وَأَمَّا مَا سَقَطَ مِنْ بُيُوتِ الْكُفَّارِ فَمَحْمُولٌ عِنْدَ الشَّكِّ عَلَى النَّجَاسَةِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ، إلَّا أَنْ يُخْبِرَ عَدْلٌ حَاضِرٌ مَعَهُمْ بِأَنَّهُ طَاهِرٌ.
وَعِبَارَتُنَا أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّيْخِ مِنْ وُجُوهٍ كَمَا يُعْلَمُ بِالتَّأَمُّلِ.
(وَإِنَّمَا يَجِبُ الْغَسْلُ إنْ ظَنَّ إصَابَتَهَا فَإِنْ عَلِمَ مَحَلَّهَا؛ وَإِلَّا فَجَمِيعُ الْمَشْكُوكِ) : لَا يَجِبُ غَسْلُ الْمَحَلِّ الْمُصَابِ بِالنَّجَاسَةِ مِنْ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ مَكَان أَوْ إنَاءٍ إلَّا إذَا

[حاشية الصاوي]

فَهَذِهِ خَمْسَةَ عَشْرَ؛ فَإِنْ تَحَقَّقَتْ طَهَارَةُ الْوَاقِعِ أَوْ ظُنَّتْ أَوْ تُحُقِّقَتْ نَجَاسَتُهَا أَوْ ظُنَّتْ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَ صُورَةً.
وَأَمَّا إذَا شَكَّ، فَإِنْ كَانَ مَارًّا أَوْ جَالِسًا تَحْتَ سَقَائِفِ مُسْلِمِينَ أَوْ مَشْكُوكٍ فِيهِمْ حُمِلَ عَلَى الطَّهَارَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ سُؤَالٌ.
فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ رِوَايَةً بِالنَّجَاسَةِ عَمِلَ عَلَيْهَا إنْ بَيَّنَ وَجْهَهَا أَوْ اتَّفَقَا مَذْهَبًا، فَهَاتَانِ صُورَتَانِ.
وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا فَإِنَّهُ يَكُونُ نَجِسًا مَا لَمْ يُخْبِرْهُ عَدْلٌ رِوَايَةً بِالطَّهَارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ مَعَهُ فِي الْمَذْهَبِ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهَا.
قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ عَلَيْهِ] : أَيْ وُجُوبًا فَلَا يُنَافِي النَّدْبَ.
قَوْلُهُ: [لَكِنَّهُ إنْ سَأَلَ] : أَيْ كَمَا هُوَ الْمَنْدُوبُ.
قَوْلُهُ: [إنْ أُخْبِرَ بِالنَّجَاسَةِ] : أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يُخْبِرَ عَدْلٌ] : أَيْ فَيُصَدَّقُ وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ مَعَهُ فِي الْمَذْهَبِ وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
بِخِلَافِ الْإِخْبَارِ فِيمَا يُحْمَلُ عَلَى الطَّهَارَةِ فَلَا بُدَّ مَعَ الْعَدَالَةِ مِنْ اتِّفَاقِ الْمَذْهَبِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [كَمَا يُعْلَمُ بِالتَّأَمُّلِ] : أَيْ فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ وَجَدَ فِيهَا إجْمَالًا مِنْ وُجُوهٍ وَإِيهَامِ خِلَافِ الْمُرَادِ.

ظَنَّ إصَابَةَ النَّجَاسَةِ لَهُ.
وَأَوْلَى إنْ عَلِمَ.
فَإِنْ عَلِمَ الْمَحَلَّ الْمُصَابَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ بِعَيْنِهِ بِأَنْ حَصَلَ شَكٌّ؛ هَلْ أَصَابَتْ النَّجَاسَةُ الْمُحَقَّقَةُ أَوْ الْمَظْنُونَةُ هَذِهِ النَّاحِيَةَ أَوْ هَذِهِ أَوْ هَذَا الْكُمَّ أَوْ الْكُمَّ الْآخَرَ، أَوْ فَرْدَةَ الْخُفِّ هَذِهِ أَوْ الْأُخْرَى، تَعَيَّنَ غَسْلُ جَمِيعِ مَا شَكَّ فِيهِ، وَلَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَا ثَوْبَيْنِ كَفَى غَسْلُ أَحَدِهِمَا لِلصَّلَاةِ فِيهِ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَوَجَدَ مَا يُزِيلُهَا بِهِ، وَإِلَّا صَلَّى بِإِحْدَاهُمَا وَاجْتَهَدَ.
(وَيَطْهُرُ إنْ انْفَصَلَ الْمَاءُ طَاهِرًا

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ الْمَظْنُونَةُ] : أَيْ فَالْمَشْكُوكَةُ وَالْمُتَوَهَّمَةُ لَا تُعَدُّ.
قَوْلُهُ: [مَا شَكَّ فِيهِ] : أَيْ تَرَدَّدَ فِي مَحَلَّيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مَعَ تَحَقُّقِ الْإِصَابَةِ أَوْ ظَنِّهَا.
قَوْلُهُ: [عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ] : أَيْ حَيْثُ كَانَا مُتَّصِلَيْنِ أَوْ فِي حُكْمِهِمَا كَالْخُفَّيْنِ، فَيَجِبُ غَسْلُهُمَا مَعًا وَلَا يَتَحَرَّى وَاحِدًا بِالْغَسْلِ فَقَطْ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إنَّهُ يَتَحَرَّى فِي الْكُمَّيْنِ وَاحِدًا يَغْسِلُهُ كَالثَّوْبَيْنِ.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِغَسْلِ الْكُمَّيْنِ وَوَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَغْسِلُهُمَا مَعًا، فَإِنْ لَمْ يَسَعْ الْوَقْتُ إلَّا غَسْلَ وَاحِدٍ أَوْ لَمْ يَجِدْ مِنْ الْمَاءِ إلَّا مَا يَغْسِلُ وَاحِدًا تَحَرَّى وَاحِدًا يَغْسِلُهُ فَقَطْ اتِّفَاقًا، ثُمَّ يَغْسِلُ الثَّانِيَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي الْفَرْعِ الْأَوَّلِ، وَبَعْدَ وُجُودِهِ فِي الْفَرْعِ الثَّانِي.
فَإِنْ لَمْ يَسَعْ الْوَقْتُ غَسْلَ وَاحِدٍ، صَلَّى بِدُونِ غَسْلٍ لِأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الْوَقْتِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى طَهَارَةِ الْخَبَثِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ كَانَا ثَوْبَيْنِ] : الْمُرَادُ شَيْئَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ، بِحَيْثُ يُصَلَّى بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: [إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ] إلَخْ: أَيْ وَالثَّوْبُ الْبَاقِي لَمْ يُغْسَلْ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ.
قَوْلُهُ: [وَاجْتَهَدَ] : أَيْ تَحَرَّى طَهَارَةَ ثَوْبٍ وَصَلَّى بِهِ إنْ وَجَدَ سَعَةً مِنْ الْوَقْتِ لِتَحَرِّيهِ، وَإِلَّا صَلَّى بِأَيِّهِمَا.
وَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلشَّيْخِ خَلِيلٍ هُوَ الْمُعَوَّلُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إذَا أَصَابَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ أَوْ الْأَثْوَابِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُعْلَمْ عَيْنُهَا صَلَّى بِعَدَدِ النَّجِسِ، وَزِيَادَةِ ثَوْبٍ كَالْأَوَانِي.
وَفَرَّقَ لِلْمُعْتَمَدِ بَيْنَ الْأَوَانِي وَالْأَثْوَابِ بِخِفَّةِ الْأَخْبَاثِ عَنْ الْأَحْدَاثِ.
قَوْلُهُ: [إنْ انْفَصَلَ الْمَاءُ طَاهِرًا] : أَيْ وَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرُهُ بِالْأَوْسَاخِ، وَذَلِكَ كَثَوْبِ الْبَقَّالِ

فصول الكتاب · 3 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك · 813 صفحة
المقدمة
بَابُ فِي الشُّفْعَةِ وَأَحْكَامِهَا
بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ
جارٍ التحميل