ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْوَلِيِّ الْغَيْرِ الْمُجْبِرِ، وَمَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ عِنْدَ وُجُودِ مُتَعَدِّدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فَقَالَ:
(وَالْأَوْلَى) عِنْدَ وُجُودِ مُتَعَدِّدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (تَقْدِيمُ ابْنٍ) لِلْمَرْأَةِ فِي الْعَقْدِ عَلَيْهَا بِرِضَاهَا، (فَابْنِهِ) عَلَى الْأَبِ، فَلَوْ عَقَدَ الْأَبُ مَعَ وُجُودِ الِابْنِ أَوْ ابْنِهِ جَازَ عَلَى الِابْنِ، وَلَا ضَرَرَ كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ.
(فَأَبٌ) لِلْمَرْأَةِ فَمَرْتَبَتُهُ بَعْدَ الِابْنِ وَابْنِهِ، (فَأَخٌ) لِلْأَبِ (فَابْنُهُ) وَإِنْ سَفَلَ، (فَجَدٌّ) لِأَبٍ فَمَرْتَبَتُهُ بَعْدَ الْأَخِ وَابْنِهِ، كَالْوَلَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ، بِخِلَافِ الْفَرَائِضِ (فَعَمٌّ) لِأَبٍ (فَابْنُهُ، فَجَدُّ أَبٍ فَعَمُّهُ) : أَيْ عَمُّ الْأَبِ
[حاشية الصاوي]
الْفَسْخِ أَصْلًا.
[الْوَلِيِّ الْغَيْرِ الْمُجْبِرِ فِي النِّكَاح]
قَوْلُهُ: [وَالْأَوْلَى عِنْدَ وُجُودِ مُتَعَدِّدٍ] إلَخْ: الرَّاجِحُ أَنَّ هَذَا التَّقْدِيمَ وَاجِبٌ غَيْرُ شَرْطٍ، وَقِيلَ مَنْدُوبٌ وَهُوَ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [تَقْدِيمُ ابْنِ] : أَيْ وَلَوْ مِنْ زِنًا كَمَا إذَا ثُيِّبَتْ بِنِكَاحٍ ثُمَّ زَنَتْ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ، وَأَمَّا إذَا ثُيِّبَتْ بِزِنًا وَأَتَتْ مِنْهُ بِوَلَدٍ فَإِنَّ الْأَبَ يُقَدَّمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مُجْبَرَةٌ لِلْأَبِ كَمَا يُفْهَمُ مِمَّا مَرَّ.
قَوْلُهُ: [فَأَبٌ] : أَيْ شَرْعِيٌّ، وَأَمَّا أَبُو الزِّنَا فَلَا عِبْرَةَ بِهِ.
قَوْلُهُ: [فَأَخٌ لِلْأَبِ] : صَادِقٌ بِأَنْ يَكُونَ شَقِيقًا أَوْ لِأَبٍ فَقَطْ وَخَرَجَ الْأَخُ لِلْأُمِّ فَإِنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَ لَهُ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ.
قَوْلُهُ: [فَابْنُهُ] : مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَخِ وَابْنِهِ عَلَى الْجَدِّ هُنَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الْجَدَّ وَإِنْ عَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْأَخِ وَابْنِهِ.
قَوْلُهُ: [كَالْوَلَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ] : أَيْ وَالْغُسْلِ وَالْإِيصَاءِ وَالْعَقْلِ كَمَا قَالَ الْأُجْهُورِيُّ:
بِغُسْلٍ وَإِيصَاءٍ وَلَاءٍ جِنَازَةٍ ... نِكَاحٍ أَخًا وَابْنًا عَلَى الْجَدِّ قَدِّمْ
وَعَقْلٍ وَوَسِّطْهُ بِبَابِ حَضَانَةٍ ... وَسَوِّهِ مَعَ الْآبَاءِ فِي الْإِرْثِ وَالدَّمِ
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْفَرَائِضِ] : أَيْ الْمَوَارِيثِ فَإِنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى ابْنِ الْأَخِ.
قَوْلُهُ: [فَجَدُّ أَبٍ] : أَيْ وَهَكَذَا يُقَدَّمُ الْأَصْلُ عَلَى فَرْعِهِ، وَفَرْعُهُ عَلَى أَصْلِ أَصْلِهِ، وَقِيلَ إنَّ الْجَدَّ وَإِنْ عَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الْعَمِّ.
(فَابْنُهُ) . (وَ) الْأَوْلَى (تَقْدِيمُ الشَّقِيقِ) مِنْ كُلِّ صِنْفٍ عَلَى الَّذِي لِلْأَبِ، (وَ) الْأَوْلَى تَقْدِيمُ (الْأَفْضَلِ) عِنْدَ التَّسَاوِي فِي الرُّتْبَةِ.
(وَإِنْ تَنَازَعَ مُتَسَاوُونَ) فِي الرُّتْبَةِ وَالْفَضْلِ كَإِخْوَةٍ كُلُّهُمْ عُلَمَاءُ (نَظَرَ الْحَاكِمُ) فِيمَنْ يُقَدِّمُهُ (إنْ كَانَ) حَاكِمٌ، (وَإِلَّا) يَكُنْ (أُقْرِعَ) بَيْنَهُمْ.
(فَمَوْلَى أَعْلَى) وَهُوَ مَنْ أَعْتَقَ الْمَرْأَةَ؛ يَلِي مَرْتَبَةَ عَصَبَةِ النَّسَبِ (فَعُصْبَتُهُ، فَمَوْلَاهُ) وَهُوَ مَنْ أَعْتَقَ مُعْتِقَهَا وَإِنْ عَلَا.
(فَمَوْلَى أَبِيهَا) كَذَلِكَ (فَمَوْلَى جَدِّهَا كَذَلِكَ) وَإِنْ عَلَا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: " فَمَوْلَاهُ " وَلَا حَقَّ لِلْمَوْلَى الْأَسْفَلِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: لِأَنَّهَا إنَّمَا تَسْتَحِقُّ بِالتَّعْصِيبِ.
(فَكَافِلٌ) لَهَا غَيْرُ عَاصِبٍ: أَيْ قَائِمٍ بِتَرْبِيَتِهَا حَتَّى بَلَغَتْ عِنْدَهُ، أَوْ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ الشَّقِيقِ] : أَيْ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ ابْنِ بَشِيرٍ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ اللَّخْمِيِّ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ، وَمُقَابِلُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الشَّقِيقَ وَغَيْرَهُ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ فَيَقْتَرِعَانِ عِنْدَ التَّنَازُعِ.
قَوْلُهُ: [أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ] : وَقِيلَ يَعْقِدُونَ مَعًا.
قَوْلُهُ: [فَعَصَبَتُهُ] : أَيْ الْمُتَعَصِّبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَنْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقَهَا، أَوْ أَعْتَقَ أَبَاهَا لِأَنَّ الْكُلَّ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَوْلًى أَعْلَى، وَتَرْتِيبُ عُصْبَةِ كُلِّ الْمُتَعَصِّبِينَ بِأَنْفُسِهِمْ كَتَرْتِيبِ عُصْبَتِهَا.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهَا إنَّمَا تَسْتَحِقُّ بِالتَّعْصِيبِ] أَيْ وَالْعَتِيقُ لَيْسَ مِنْ عَصَبَتِهَا.
قَوْلُهُ: [فَكَافِلٌ لَهَا] : حَاصِلُهُ أَنَّ الْبِنْتَ إذَا مَاتَ أَبُوهَا أَوْ غَابَ وَكَفَلَهَا رَجُلٌ - أَيْ قَامَ بِأُمُورِهَا حَتَّى بَلَغَتْ عِنْدَهُ - أَوْ خِيفَ عَلَيْهَا الْفَسَادُ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِحَضَانَتِهَا شَرْعًا، أَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا وَيُزَوِّجُهَا بِإِذْنِهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَصَبَةٌ، وَهَلْ ذَاكَ خَاصٌّ بِالدَّنِيئَةِ؟ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، فَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ، أَوْ حَتَّى فِي الشَّرِيفَةِ؟ خِلَافٌ.
فَإِنْ زَوَّجَهَا أَوَّلًا ثُمَّ مَاتَ الزَّوْجُ فَهَلْ تَعُودُ الْوِلَايَةُ لَهُ أَوْ لَا؟ ثَالِثُهَا: تَعُودُ إنْ كَانَ فَاضِلًا، رَابِعُهَا: تَعُودُ إنْ عَادَتْ الْمَرْأَةُ لِكَفَالَتِهِ، وَأَشْعَرَ إتْيَانُ الْمُصَنِّفِ بِالْوَصْفِ مُذَكَّرًا أَنَّ الْمَرْأَةَ الْكَافِلَةَ لَا وِلَايَةَ لَهَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: لَهَا وِلَايَةٌ وَلَكِنَّهَا لَا تُبَاشِرُ الْعَقْدَ بَلْ تُوَكِّلُ كَالْمُعْتَقَةِ.
بَلَغَتْ عَشْرًا بِشُرُوطِهَا (إنْ كَانَتْ) الْمَكْفُولَةُ (دَنِيئَةً) لَا شَرِيفَةً كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَإِلَّا فَوَلِيُّهَا الْحَاكِمُ، (وَكَفَلَ مَا) : أَيْ زَمَنًا (يُشْفِقُ فِيهِ) : أَيْ تَحْصُلُ فِيهِ الشَّفَقَةُ وَالْحَنَانُ عَلَيْهَا عَادَةً، وَلَا يُحَدُّ بِأَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ وَلَا بِعَشَرَةٍ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَلَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهَا مِنْهُ بِالْفِعْلِ، وَإِلَّا فَالْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِهَا.
(فَالْحَاكِمُ) يَلِي مَنْ ذُكِرَ.
(فَعَامَّةُ مُسْلِمٍ) : أَيْ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِمَّنْ ذُكِرَ تَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِهَا أَيُّ رَجُلٍ مِنْ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ الْخَالُ وَالْجَدُّ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ وَالْأَخُ لِأُمٍّ، فَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ بِإِذْنِهَا وَرِضَاهَا.
(وَصَحَّ) النِّكَاحُ (بِالْعَامَّةِ) أَيْ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ (فِي) امْرَأَةٍ (دَنِيئَةٍ مَعَ وُجُودِ) وَلِيٍّ (خَاصٍّ) كَأَبٍ وَابْنٍ وَعَمٍّ، (لَمْ يَجْبُرْ) لِكَوْنِهَا بَالِغًا ثَيِّبًا أَوْ بِكْرًا لَا أَبَ لَهَا وَلَا وَصِيَّ لَهَا، وَلَا يُفْسَخُ بِحَالٍ طَالَ زَمَنُ الْعَقْدِ أَوْ لَا دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، لِكَوْنِهَا - لِدَنَاءَتِهَا وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إلَيْهَا - لَا يَلْحَقُهَا بِذَلِكَ مَعَرَّةٌ.
وَالدَّنِيئَةُ: هِيَ الْخَالِيَةُ مِنْ الْجَمَالِ وَالْمَالِ وَالْحَسَبِ وَالنَّسَبِ؛ فَالْخَالِيَةُ مِنْ النَّسَبِ: بِنْتُ الزِّنَا أَوْ الشُّبْهَةِ أَوْ الْمَعْتُوقَةُ مِنْ الْجَوَارِي، وَالْحَسَبُ: هُوَ الْأَخْلَاقُ الْكَرِيمَةُ كَالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكَرَمِ وَنَحْوِهَا مِنْ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ، فَالْغَنِيَّةُ ذَاتُ الْجَمَالِ لَيْسَتْ بِدَنِيئَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَسَبٌ وَلَا نَسَبٌ،
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَوْ بَلَغَتْ عَشْرًا بِشُرُوطِهَا] : قَدْ عَلِمْت الشُّرُوطَ الْمُتَقَدِّمَةَ فِي الْيَتِيمَةِ وَتَحْقِيقَهَا فَلَا حَاجَةَ لِلْإِعَادَةِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِمَّنْ ذُكِرَ] : أَيْ لَمْ يُوجَدْ لَهَا عَاصِبٌ وَلَا مَوْلًى أَعْلَى وَلَا كَافِلٌ وَلَا حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ قَوْلُهُ: [وَصَحَّ النِّكَاحُ] إلَخْ أَيْ وَأَمَّا الْجَوَازُ ابْتِدَاءً فَسَيَأْتِي أَنَّ فِيهِ خِلَافًا وَالْحَقُّ الْجَوَازُ، لِأَنَّهُ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ.
[النِّكَاح بِالْوِلَايَةِ العامة]
قَوْلُهُ: [لَمْ يُجْبِرْ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ عَقَدَ النِّكَاحَ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ مَعَ وُجُودِ الْمُجْبِرِ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا، وَيُفْسَخُ أَبَدًا وَلَوْ أَجَازَهُ الْمُجْبِرُ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَسَبٌ وَلَا نَسَبٌ] : أَيْ كَالْمَعْتُوقَةِ الْبَيْضَاءِ الْجَمِيلَةِ.
وَالنَّسِيبَةُ - وَإِنْ كَانَتْ فَقِيرَةً أَوْ قَبِيحَةً - لَيْسَتْ بِدَنِيئَةٍ بَلْ كُلُّ مَنْ اتَّصَفَتْ بِصِفَتَيْنِ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْأَرْبَعِ فَشَرِيفَةٌ، بَلْ وَبِصِفَةٍ فَقَطْ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ.
نَعَمْ الْوَقْفَةُ فِي قَوْمٍ فُقَرَاءَ شَأْنُهُمْ أَنْ يَكُونُوا خِدْمَةً لِلنَّاسِ وَلَا دِيَانَةَ عِنْدَهُمْ وَلَا صِيَانَةَ، فَهُمْ - وَإِنْ عُرِفَ نَسَبُهُمْ - إلَّا أَنَّهُمْ لِعَدَمِ دِيَانَتِهِمْ وَصِيَانَتِهِمْ وَكَوْنِهِمْ مُسَخَّرِينَ تَحْتَ أَيْدِي النَّاسِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ، وَالظَّاهِرُ دَنَاءَتُهُمْ.
وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي الْجَوَازِ: هَلْ لَا يَجُوزُ لِمُطْلَقِ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِ الدَّنِيئَةِ مَعَ وُجُودِ كَأَبِيهَا؟ وَنَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَرَجَّحَ قَوْلَ الشَّيْخِ وَلَمْ يَجُزْ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا، أَوْ يَجُوزُ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ فَتُّوحٍ وَغَيْرِهِمْ، وَجَعَلَهُ الْمَذْهَبَ.
ثُمَّ شَبَّهَ فِي الصِّحَّةِ قَوْلَهُ: (كَشَرِيفَةٍ) : أَيْ كَمَا يَصِحُّ نِكَاحُ شَرِيفَةٍ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ مَعَ وُجُودِ خَاصٍّ غَيْرِ مُجْبِرٍ، (إنْ دَخَلَ) الزَّوْجُ بِهَا (وَطَالَ) طُولًا (كَالْمُتَقَدِّمِ) : أَيْ كَالطُّولِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا إذَا زُوِّجَتْ مَعَ فَقْدِ الشُّرُوطِ أَوْ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَالنَّسِيبَةُ] أَيْ ذَاتُ النَّسَبِ الْعَالِي وَهِيَ الَّتِي اتَّصَفَتْ بِالْحَسَبِ وَالنَّسَبِ لَا ذَاتِ النَّسَبِ فَقَطْ، بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: [بَلْ وَبِصِفَةٍ فَقَطْ] إلَخْ: الظَّاهِرُ أَنَّ الصِّفَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَكْفِي بِدَلِيلِ اسْتِظْهَارِهِ الْآتِي.
قَوْلُهُ: [فَهُمْ وَإِنْ عُرِفَ نَسَبُهُمْ] : أَيْ عُرِفَ أُصُولُهَا وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ زِنًا وَلَا مَجْهُولَةَ النَّسَبِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّسَبِ عُلُوُّهُ لِأَنَّ النَّسَبَ يَرْجِعُ لِمَعْنَى الْحَسَبِ.
قَوْلُهُ: [وَالظَّاهِرُ دَنَاءَتُهُمْ] : وَحَيْثُ كَانَ انْفِرَادُ النَّسَبِ لَا يَكْفِي فِي الشَّرَفِ فَأَوْلَى انْفِرَادُ غَيْرِهِ مِنْ الصِّفَاتِ.
قَوْلُهُ: [كَشَرِيفَةٍ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا عَقَدَ لِلشَّرِيفَةِ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ مَعَ وُجُودِ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ غَيْرِ الْمُجْبِرِ، وَطَالَ الزَّمَانُ بَعْدَ الدُّخُولِ - وَالطُّولُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ - فَإِنَّهُ يَمْضِي اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَأَمَّا إنْ طَالَ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ يَتَحَتَّمُ الْفَسْخُ أَوْ لَا يَتَحَتَّمُ، وَيُخَيَّرُ الْوَلِيُّ بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِتَحَتُّمِ الْفَسْخِ هَلْ بِطَلَاقٍ وَهُوَ الْقِيَاسُ أَوْ بِغَيْرِهِ خِلَافٌ، أَمَّا إنْ لَمْ يَحْصُلْ طُولٌ فَيُخَيَّرُ الْوَلِيُّ بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ اتِّفَاقًا حَصَلَ دُخُولٌ أَمْ لَا.
بَعْضِهَا، وَهُوَ أَنْ يَمْضِيَ زَمَنٌ تَلِدُ فِيهِ الْأَوْلَادَ كَثَلَاثٍ سِنِينَ.
(وَلَمْ يَجُزْ) لِمَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ الْعَامَّةُ أَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِ امْرَأَةٍ شَرِيفَةٍ مَعَ وُجُودِ خَاصٍّ فَقَوْلُهُ: " وَلَمْ يَجُزْ " رَاجِعٌ لِمَا بَعْدَ الْكَافِ.
وَأَمَّا الدَّنِيئَةُ فَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَذْهَبَ الْجَوَازُ، وَلِذَا لَمْ يُفْسَخْ بِحَالٍ فِيهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذِكْرُهُ هُنَا.
(وَإِلَّا) بِأَنْ دَخَلَ وَلَمْ يُطِلْ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ - طَالَ أَمْ لَا (فَلِلْأَقْرَبِ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ عِنْدَ وُجُودِ أَقْرَبُ وَأَبْعَدُ لِلْبَعِيدِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِيبِ (أَوْ الْحَاكِمِ - إنْ غَابَ) الْأَقْرَبُ غَيْبَةً بَعِيدَةً عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ - (الرَّدُّ) لِلنِّكَاحِ، وَلَهُ الْإِمْضَاءُ؛ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الثَّلَاثِ صُوَرٍ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ.
فَإِنْ أَجَازَهُ ثَبَتَ.
وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ الْفَسْخُ إذَا لَمْ يَدْخُلْ، وَطَالَ الزَّمَنُ وَهُوَ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ فِي كَلَامِهِ.
وَعَلَيْهِ فَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ إنْ طَالَ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ إنْ طَالَ، فَإِنْ قَرُبَ فِيهِمَا خُيِّرَ الْوَلِيُّ الْخَاصُّ فِي فَسْخِهِ وَإِمْضَائِهِ، فَالتَّخْيِيرُ فِي صُورَتَيْنِ.
(وَ) صَحَّ النِّكَاحُ (بِأَبْعَدَ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ كَعَمٍّ وَابْنِهِ (مَعَ) وُجُودِ (أَقْرَبَ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَطَالَ الزَّمَنُ] : أَيْ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ مِنْهُ دُخُولٌ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ بِتَحَتُّمِ الْفَسْخِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْقَوْلُ الْفَسْخُ جَارٍ فِيمَا إذَا حَصَلَ طُولٌ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَوْ حَصَلَ دُخُولٌ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [فَالتَّخْيِيرُ فِي صُورَتَيْنِ] : أَيْ اتِّفَاقًا وَتَحَتَّمَ الْفَسْخُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي صُورَةٍ وَوُجُوبُ الْإِمْضَاءِ فِي صُورَةٍ.
قَوْلُهُ: [وَصَحَّ النِّكَاحُ] : أَيْ مُرَاعَاةً لِلْقَوْلِ بِنَدْبِ التَّرْتِيبِ الْمُتَقَدِّمِ، أَوْ أَنَّ الْوُجُوبَ غَيْرُ شَرْطِيٍّ.
وَقَوْلُهُ: [بِأَبْعَدَ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ الْأَبْعَدُ الْحَاكِمَ مَعَ وُجُودِ أَخَصِّ الْأَوْلِيَاءِ، فَإِذَا لَمْ تَرْضَ الْمَرْأَةُ بِحُضُورِ أَحَدٍ مِنْ أَقَارِبِهَا وَزَوَّجَهَا الْحَاكِمُ كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا، وَأَمَّا لَوْ وَكَّلَتْ أَجْنَبِيًّا غَيْرَ الْحَاكِمِ مَعَ حُضُورِ أَحَدٍ مِنْ أَقَارِبِهَا جَرَى فِيهَا قَوْلُهُ السَّابِقُ: " وَصَحَّ بِالْعَامَّةِ فِي دَنِيئَةٍ " إلَخْ، ثُمَّ إنَّ الْمُرَادَ بِالْأَبْعَدِ: الْمُؤَخَّرُ فِي الْمَرْتَبَةِ، وَبِالْأَقْرَبِ الْمُتَقَدِّمُ فِيهَا وَلَوْ كَانَتْ جِهَتُهُمَا مُتَّحِدَةً فَيَشْمَلُ
لَا يُجْبِرُ) كَأَبٍ وَابْنٍ فِي شَرِيفَةٍ وَغَيْرِهَا فَلَا يُفْسَخُ بِحَالٍ، (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ الْوَلِيُّ مُجْبِرًا - كَسَيِّدٍ وَكَأَبٍ أَوْ وَصِيِّهِ فِي بِكْرٍ أَوْ صَغِيرَةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ - (فَلَا) يَصِحُّ النِّكَاحُ بِالْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِهِ فِي شَرِيفَةٍ لَا دَنِيئَةٍ.
(وَفُسِخَ أَبَدًا) مَتَى اُطُّلِعَ عَلَيْهِ وَلَوْ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ.
وَبَقِيَ الْكَلَامُ فِي تُوَلِّي الْأَبْعَدِ الْعَقْدَ مَعَ وُجُودِ أَقْرَبَ غَيْرِ مُجْبِرٍ، هَلْ يَجُوزُ أَوْ لَا؟ قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: " وَلَمْ يَجُزْ " وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: " وَقُدِّمَ ابْنُ فَابْنُهُ " إلَخْ؛ مَعْنَاهُ: عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ الْغَيْرِ الشَّرْطِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَجُوزُ ابْتِدَاءً غَايَتُهُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَرُجِّحَ.
وَهُوَ الَّذِي دَرَجْنَا عَلَيْهِ بِقَوْلِنَا: " وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ ابْنٍ " إلَخْ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: " وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ " قَوْلَهُ: (إلَّا أَنْ يُجِيزَ) : الْمُجْبِرُ (عَقْدَ مَنْ فَوَّضَ) الْمُجْبِرُ (لَهُ أُمُورَهُ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ كَابْنٍ وَأَخٍ وَجَدٍّ وَغَيْرِهِمْ وَثَبَتَ التَّفْوِيضُ لَهُ، (بِبَيِّنَةٍ) لَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَى وَلَا بِإِقْرَارٍ مِنْ الْمُجْبِرِ بَعْدَ الْعَقْدِ، (فَيُمْضِيَ) ذَلِكَ الْعَقْدَ وَلَا يُفْسَخُ (إنْ لَمْ يَبْعُدْ) بِأَنْ قَرُبَ مَا بَيْنَ الْعَقْدِ مِنْ الْمُفَوَّضِ لَهُ وَالْإِجَازَةُ مِنْ الْمُجْبِرِ (عَلَى الْأَوْجَهِ) مِنْ التَّأْوِيلَيْنِ، لِأَنَّ عَقْدَ الْمُفَوَّضِ مَعَ وُجُودِ الْمُجْبِرِ خِلَافُ الْأَصْلِ.
وَالطُّولُ مِمَّا يَزِيدُ ضَعْفًا فَلَا يَمْضِي مَعَهُ وَيَمْضِي مَعَ الْقُرْبِ، وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: يَمْضِي مُطْلَقًا.
(فَإِنْ فُقِدَ) الْمُجْبِرُ (أَوْ أُسِرَ، فَكَمَوْتِهِ) يُنْقَلُ الْحَقُّ لِلْوَلِيِّ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ
[حاشية الصاوي]
تَزْوِيجَ الْأَخِ لِلْأَبِ مَعَ وُجُودِ الشَّقِيقِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقُرْبِ وَالْبَعْدِ فِي خُصُوصِ الْجِهَةِ.
قَوْلُهُ: [وَفُسِخَ أَبَدًا] : أَيْ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّتِهِ حَاكِمٌ كَالْحَنَفِيِّ.
قَوْلُهُ: [وَغَيْرُهُمْ] : أَيْ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَدْخُلُ سَائِرُ الْأَوْلِيَاءِ إذَا قَامُوا هَذَا الْمَقَامَ، قَالَ الْأَبْهَرِيُّ وَابْنُ مُحْرِزٍ: وَكَذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ تَفْوِيضَ الْمُجْبِرِ فَلَا فَرْقَ.
قَوْلُهُ: [وَثَبَتَ التَّفْوِيضُ لَهُ بِبَيِّنَةٍ] : أَيْ تَشْهَدُ عَلَى أَنَّ الْمُجْبِرَ نَصَّ لَهُ عَلَى التَّفْوِيضِ، بِأَنْ قَالَ لَهُ فَوَّضْت لَك جَمِيعَ أُمُورِي، أَوْ أَقَمْتُك مَقَامِي فِي جَمِيعِ أُمُورِي، أَوْ تَشْهَدُ أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الْوَكِيلِ الْمُفَوَّضِ لَهُ.
دُونَ الْحَاكِمِ، أَيْ فَلَا كَلَامَ لِلْحَاكِمِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ.
وَقَدْ تَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْمُتَيْطِيَّ، وَحَكَى ابْنُ رُشْدٍ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ كَذِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ دُونَ غَيْرِهِ فَيَكُونُ هُوَ الْمَذْهَبَ.
(وَإِنْ غَابَ) الْمُجْبِرُ (غَيْبَةً بَعِيدَةً - كَإِفْرِيقِيَّةَ مِنْ مِصْرَ) - وَلَمْ يُرْجَ قُدُومُهُ، (فَالْحَاكِمُ) هُوَ الَّذِي يُزَوِّجُهَا بِإِذْنِهَا - وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا - دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْطِنْ) : أَيْ لَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ الِاسْتِيطَانَ بِهَا (عَلَى الْأَصَحِّ) وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى الِاسْتِيطَانِ.
وَإِنَّمَا كَانَ الْأَمْرُ لِلْحَاكِمِ دُونَ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ وَلِيُّ الْغَائِبِ وَهُوَ مُجْبِرٌ لَا كَلَامَ لِغَيْرِهِ مَعَهُ.
[حاشية الصاوي]
[فَقَدْ وغيبة الْوَلِيّ المجبر]
قَوْلُهُ: [وَقَدْ تَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْمُتَيْطِيَّ] : قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: الْمَشْهُورُ مَا قَالَهُ الْمُتَيْطِيُّ وَذَلِكَ لِتَنْزِيلِ الْأَسْرِ وَالْفَقْدِ مَنْزِلَةَ الْمَوْتِ، بِخِلَافِ بَعِيدِ الْغَيْبَةِ فَإِنَّ حَيَاتَهُ مَعْلُومَةٌ.
قَوْلُهُ: [فَيَكُونُ هُوَ الْمَذْهَبَ] : أَيْ وَلِذَلِكَ صَوَّبَهُ بَعْضُ الْمُوَثِّقِينَ قَائِلًا: أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْفَقْدِ وَالْأَسْرِ وَبُعْدِ الْغَيْبَةِ؟
قَوْلُهُ: [مِنْ مِصْرَ] : أَيْ مَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ كَانَ بِهَا وَبَيْنَهُمَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ مِنْ الْمَدِينَةِ لِأَنَّ مَالِكًا كَانَ بِهَا وَبَيْنَهُمَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَمْ يُرْجَ قُدُومُهُ] : أَيْ عَنْ قُرْبٍ.
قَوْلُهُ: [فَالْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي يُزَوِّجُهَا] : أَيْ إذَا كَانَتْ بَالِغًا أَوْ خِيفَ عَلَيْهَا الْفَسَادُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى الِاسْتِيطَانِ] : أَيْ بِالْفِعْلِ لَا يَكْفِي مَظِنَّتُهُ.
فَعَلَيْهِ مَنْ خَرَجَ لِتِجَارَةٍ وَنَحْوِهَا وَنِيَّتُهُ الْعَوْدُ فَلَا يُزَوِّجُ الْحَاكِمُ ابْنَتَهُ، وَلَوْ طَالَتْ إقَامَتُهُ إلَّا إذَا خِيفَ فَسَادُهَا أَوْ قَصَدَ بِغَيْبَتِهِ الْإِضْرَارَ بِهَا، فَإِنْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ كَتَبَ لَهُ الْحَاكِمُ، إمَّا أَنْ تَحْضُرَ تُزَوِّجَهَا أَوْ تُوَكِّلَ وَكِيلًا يُزَوِّجُهَا وَإِلَّا زَوَّجْنَاهَا عَلَيْك، فَإِنْ لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ وَلَا فَسْخَ كَمَا قَالَ الرَّجْرَاجِيُّ.
فَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الْقُدُومِ كَالتُّجَّارِ فَلَا يُزَوِّجُهَا حَاكِمٌ وَلَا غَيْرُهُ (كَغَيْبَةِ) الْوَلِيِّ (الْأَقْرَبِ) غَيْرِ الْمُجْبِرِ (الثَّلَاثَ) فَفَوْقَ، فَيُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ دُونَ الْأَبْعَدِ الْحَاضِرِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْأَقَلِّ مِنْ الثَّلَاثِ كَتَبَ لَهُ؛ إمَّا أَنْ يَحْضُرَ أَوْ يُوَكِّلَ، وَإِلَّا زَوَّجَ الْحَاكِمُ لِأَنَّهُ وَكِيلُ الْغَائِبِ، فَإِنْ زَوَّجَ الْأَبْعَدُ صَحَّ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُجْبَرَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَإِنْ غَابَ) الْمُجْبِرُ غَيْبَةً قَرِيبَةً (كَعَشْرٍ) أَوْ عِشْرِينَ يَوْمًا مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ وَسُلُوكِهَا (لَمْ يُزَوِّجْ) الْمُجْبَرَةَ (حَاكِمٌ أَوْ غَيْرُهُ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، لِإِمْكَانِ إيصَالِ الْخَبَرِ إلَيْهِ بِلَا كَبِيرِ مَشَقَّةٍ (وَفُسِخَ) أَبَدًا إنْ وَقَعَ.
(إلَّا إذَا خِيفَتْ الطَّرِيقُ) بِأَنْ كَانَ لَا يُمْكِنُ سُلُوكُهَا لِعَدَمِ الْأَمْنِ (وَخِيفَ عَلَيْهَا) ضَيَاعٌ أَوْ فَسَادٌ (فَكَالْبَعِيدَةِ) ، يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ دُونَ غَيْرِهِ وَإِلَّا فُسِخَ.
[إِذْن الْبِكْر وَالثَّيِّب وَالِافْتِيَات عَلَيْهِمَا]
(وَإِذْنُ الْبِكْرِ) الْغَيْرِ الْمُجْبَرَةِ (صَمْتُهَا) أَيْ إنَّ صَمْتَهَا إذَا سُئِلَتْ: هَلْ تَرْضَيْنَ بِأَنْ نُزَوِّجُك مِنْ فُلَانٍ عَلَى مَهْرٍ قَدْرُهُ كَذَا، عَلَى أَنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى الْعَقْدَ فُلَانٌ؟ رِضًا مِنْهَا وَإِذْنٌ فِي ذَلِكَ فَلَا تُكَلَّفُ النُّطْقَ بِذَلِكَ.
(وَنُدِبَ إعْلَامُهَا بِهِ) أَيْ بِأَنَّ سُكُوتَهَا رِضًا وَإِذْنٌ مِنْهَا، (فَلَا تُزَوَّجُ إنْ مَنَعَتْ) بِأَنْ قَالَتْ: لَا أَتَزَوَّجُ أَوْ لَا أَرْضَى أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، (أَوْ نَفَرَتْ) :
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [كَغَيْبَةِ الْوَلِيِّ الْأَقْرَبِ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْوَلِيَّ الْأَقْرَبَ غَيْرُ الْمُجْبِرِ إذَا غَابَ غَيْبَةً مَسَافَتُهَا مِنْ بَلَدِ الْمَرْأَةِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَنَحْوُهَا، وَأَرَادَتْ التَّزْوِيجَ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُزَوِّجُهَا لَا الْأَبْعَدَ، وَلَوْ زَوَّجَهَا الْأَبْعَدُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَحَّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَبِأَبْعَدَ مَعَ أَقْرَبَ.
قَوْلُهُ: [فَلَا تُكَلَّفُ النُّطْقَ بِذَلِكَ] : أَيْ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الرِّضَا بِالزَّوْجِ وَالْمَهْرِ وَالْوَلِيِّ وَظَاهِرُهُ كَانَتْ حَاضِرَةً أَوْ غَائِبَةً.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ إعْلَامُهَا بِهِ] : فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِذَلِكَ وَادَّعَتْ الْجَهْلَ فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهَا، وَتَمَّ النِّكَاحُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَقَالَ الْأَقَلُّ تُقْبَلُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ إعْلَامِهَا بِهِ، وَقَالَ حَمْدِيسٌ: إنْ عُرِفَتْ بِالْبَلَهِ وَقِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ قُبِلَتْ دَعْوَاهَا الْجَهْلَ وَإِلَّا فَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهَا، فَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ.
قَوْلُهُ: [فَلَا تُزَوَّجُ إنْ مَنَعَتْ] إلَخْ: فَإِنْ زُوِّجَتْ فُسِخَ نِكَاحُهَا أَبَدًا وَلَوْ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَالطُّولِ، وَلَوْ أَجَازَتْهُ وَهِيَ أَوْلَى مِنْ الْمُفْتَاتِ عَلَيْهَا.
لِأَنَّ النُّفُورَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا، (لَا إنْ ضَحِكَتْ أَوْ بَكَتْ) فَتَزْوِيجٌ لِأَنَّ بُكَاءَهَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِفَقْدِ أَبِيهَا الَّذِي يَتَوَلَّى عَقْدَهَا.
(وَالثَّيِّبُ) وَلَوْ سَفِيهَةً (تُعْرِبُ) عَمَّا فِي ضَمِيرِهَا مِنْ رِضًا أَوْ مَنْعٍ، وَلَا يَكْتَفِي مِنْهَا بِالصَّمْتِ.
وَيُشَارِكُهَا فِي ذَلِكَ أَبْكَارٌ سِتَّةٌ لَا يَكْتَفِي مِنْهُنَّ بِالصَّمْتِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ بِالْقَوْلِ كَالثَّيِّبِ أَشَارَ لَهُنَّ مُشَبِّهًا لَهُنَّ بِالثَّيِّبِ فَقَالَ: (كَبِكْرٍ رُشِّدَتْ) : أَيْ رَشَّدَهَا أَبُوهَا بِأَنْ أَطْلَقَ الْحَجْرَ عَنْهَا فِي التَّصَرُّفِ الْمَالِيِّ وَهِيَ بَالِغٌ فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِهَا بِالْقَوْلِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا جَبْرَ لِأَبِيهَا عَلَيْهَا، وَذَكَرَ هُنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا عِنْدَ اسْتِئْذَانِهَا.
(أَوْ) بِكْرٍ (عُضِلَتْ) : أَيْ مُنِعَتْ أَيْ مَنَعَهَا وَلِيُّهَا مِنْ النِّكَاحِ، فَرَفَعَتْ أَمْرَهَا أَمَرَهَا لِلْحَاكِمِ فَزَوَّجَهَا الْحَاكِمُ فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِهَا بِالْقَوْلِ.
فَإِنْ أَمَرَ أَبَاهَا بِالْعَقْدِ، فَأَجَابَ وَزَوَّجَهَا لَمْ يَحْتَجَّ لِإِذْنٍ لِأَنَّهُ مُجْبِرٌ.
(أَوْ) بِكْرٍ مُهْمَلَةٍ لَا أَبَ لَهَا وَلَا وَصِيَّ (زُوِّجَتْ بِعَرْضٍ) وَهِيَ مِنْ قَوْمٍ لَا يُزَوِّجُونَ بِالْعُرُوضِ، أَوْ يُزَوِّجُونَ بِعَرْضٍ مَعْلُومٍ فَزَوَّجَهَا وَلِيُّهَا بِغَيْرِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا بِأَنْ تَقُولَ: رَضِيت بِهِ، وَلَا تَكْفِي الْإِشَارَةُ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [لَا إنْ ضَحِكَتْ أَوْ بَكَتْ] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ تَقُمْ الْقَرَائِنُ عَلَى أَنَّ ضَحِكَهَا اسْتِهْزَاءٌ أَوْ بُكَاهَا امْتِنَاعٌ وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ رِضًا.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَكْتَفِي مِنْهَا بِالصَّمْتِ] : ظَاهِرُهُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَكْفِي صَمْتُ الثَّيِّبِ فِي الْإِذْنِ لِلْوَلِيِّ حَضَرَتْ أَوْ غَابَتْ، فَهِيَ كَالْبِكْرِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي تَعْيِينِ الزَّوْجِ وَالصَّدَاقِ، فَفِي الْبِكْرِ يَكْفِي الصَّمْتُ، وَالثَّيِّبِ لَا بُدَّ مِنْ النُّطْقِ.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ بَالِغٌ] : أَيْ لِأَنَّ الرُّشْدَ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: [زُوِّجَتْ بِعَرْضٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ كُلَّ الصَّدَاقِ أَوْ بَعْضَهُ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ تَقُولَ رَضِيت بِهِ] : أَيْ بِذَلِكَ الْمَهْرِ الْعَرْضِ، وَأَمَّا الزَّوْجُ فَيَكْفِي فِي الرِّضَا بِهِ صَمْتُهَا كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ.
(أَوْ) بِكْرٍ وَلَوْ مُجْبَرَةٍ زُوِّجَتْ (بِرِقٍّ) : أَيْ رَقِيقٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِهَا بِالْقَوْلِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِلْحُرَّةِ.
(أَوْ) زُوِّجَتْ (لِذِي عَيْبٍ) كَجُذَامٍ وَبَرَصٍ وَجُنُونٍ وَخِصَاءٍ فَلَا بُدَّ مِنْ نُطْقِهَا بِأَنْ تَقُولَ: رَضِيت بِهِ مَثَلًا.
(أَوْ) بِكْرٍ غَيْرِ مُجْبَرَةٍ (اُفْتِيتَ عَلَيْهَا) ، الِافْتِيَاتُ: التَّعَدِّي، أَيْ تَعَدَّى عَلَيْهَا وَلِيُّهَا غَيْرُ الْمُجْبِرِ، فَعَقَدَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا ثُمَّ أَنْهَى إلَيْهَا الْخَبَرَ، فَرَضِيَتْ فَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهَا بِالْقَوْلِ، فَهَذِهِ سِتَّةُ أَبْكَارٍ.
وَأَمَّا الْيَتِيمَةُ الَّتِي بَلَغَتْ عَشْرًا وَخِيفَ عَلَيْهَا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكْفِي صَمْتُهَا.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ الِافْتِيَاتَ مُطْلَقًا يَصِحُّ إنْ وَقَعَ بِشُرُوطٍ بِقَوْلِهِ: (وَصَحَّ الِافْتِيَاتُ) عَلَى الْمَرْأَةِ مُطْلَقًا بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا، بَلْ (وَلَوْ عَلَى الزَّوْجِ) بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ أَفَادَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ:
(إنْ قَرُبَ الرِّضَا) مِنْ الْعَقْدِ كَأَنْ يَكُونَ بِالْمَسْجِدِ مَثَلًا، وَيُنْهِي إلَيْهَا الْخَبَرَ مِنْ وَقْتِهِ.
وَالْيَوْمُ بُعْدٌ لَا يَصِحُّ مَعَهُ الرِّضَا، وَقِيلَ الْيَوْمَانِ قُرْبٌ وَقِيلَ الْبُعْدُ مَا فَوْقَ الثَّلَاثَةِ.
وَالثَّانِي بِقَوْلِهِ: وَكَانَ الرِّضَا (بِالْقَوْلِ) فَلَا يَكْفِي الصَّمْتُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبِكْرِ، وَكَذَا غَيْرُهَا بِالْأَوْلَى.
وَالثَّالِثُ بِقَوْلِهِ: (بِلَا رَدٍّ) لِلنِّكَاحِ (قَبْلَهُ) : أَيْ قَبْلَ الرِّضَا مِمَّنْ اُفْتِيتَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا، فَإِنْ رَدَّ مَنْ اُفْتِيتَ عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ رِضًا بَعْدَ ذَلِكَ.
وَالرَّابِعُ بِقَوْلِهِ: (وَبِالْبَلَدِ) : أَيْ وَأَنْ يَكُونَ مَنْ اُفْتِيتَ عَلَيْهَا بِالْبَلَدِ حَالَ الِافْتِيَاتِ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [زُوِّجَتْ بِرِقٍّ] : أَيْ أَرَادَ وَلِيُّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا لِرَقِيقٍ فَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهَا بِهِ بِالْقَوْلِ، وَلَوْ كَانَ عَبْدَ أَبِيهَا وَالْمُزَوِّجَ لَهَا أَبُوهَا لِمَا فِي تَزْوِيجِهَا بِهِ مِنْ زِيَادَةِ الْمَعَرَّةِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِلْحُرَّةِ] : ظَاهِرُهُ وَلَوْ أَبْيَضَ.
قَوْلُهُ: [فَعَقَدَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا] : أَيْ وَلَوْ رَضِيَتْ بِهِ وَقْتَ الْخِطْبَةِ فَلَا بُدَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ اسْتِئْذَانِهَا فِي الْعَقْدِ، لِأَنَّ الْخِطْبَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ فَلَا تُغْنِي عَنْ اسْتِئْذَانِهَا فِي الْعَقْدِ وَتَعْيِينِ الصَّدَاقِ.
قَوْلُهُ: [وَبِالْبَلَدِ] : أَيْ وَلَوْ بَعُدَ طَرَفَاهُ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ وَاحِدًا نَزَلَ بُعْدُ
وَالرِّضَا، فَإِنْ كَانَ بِآخَرَ لَمْ يَصِحَّ وَلَوْ قَرُبَتَا وَأَنْهَى الْخَبَرَ مِنْ سَاعَتِهِ.
وَالْخَامِسُ بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يُقِرَّ) الْوَلِيُّ (بِهِ) : أَيْ بِالِافْتِيَاتِ (حَالَ الْعَقْدِ) بِأَنْ سَكَتَ أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ مَأْذُونٌ، فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لَمْ يَصِحَّ.
وَأَفَادَ السَّادِسَ بِقَوْلِهِ: (وَلَمْ يَكُنْ) الِافْتِيَاتُ (عَلَيْهِمَا مَعًا) فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمَا مَعًا لَمْ يَصِحَّ، وَلَا بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ.
وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْوَلِيِّ وَتَقْسِيمِهِ إلَى مُجْبِرٍ وَغَيْرِهِ، وَغَيْرِ الْمُجْبِرِ إلَى خَاصٍّ وَعَامٍّ، وَعَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِهِ فَقَالَ:
(وَشَرْطُهُ) أَيْ شَرْطُ صِحَّةِ الْوَلِيِّ الَّذِي يَتَوَلَّى الْعَقْدَ لِلزَّوْجَةِ سِتَّةٌ: (الذُّكُورَةُ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ أُنْثَى وَلَوْ مَالِكَةً.
(وَالْحُرِّيَّةُ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ عَبْدٍ وَلَوْ بِشَائِبَةٍ.
(وَوَكَّلَتْ مَالِكَةٌ) لِأَمَةٍ، (وَوَصِيَّةٍ) عَلَى أُنْثَى، (وَمُعْتِقَةٍ) لِأَمَةٍ لَمْ يُوجَدْ مَعَهَا عَاصِبُ نَسَبٍ مَنْ يَتَوَلَّى الْعَقْدَ عَنْهُنَّ مِنْ الذُّكُورَةِ الْمُسْتَوْفِيَةِ لِلشُّرُوطِ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ أُنْثَى، (وَإِنْ) كَانَ وَكِيلُ كُلٍّ (أَجْنَبِيًّا) مِنْهَا فِي الثَّلَاثَةِ مَعَ حُضُورِ وَلِيِّهَا، (كَعَبْدٍ أَوْ صَبِيٍّ) عَلَى نِكَاحِ أُنْثَى فَإِنَّهُ يُوَكِّلُ مَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَهَا، وَلَوْ أَجْنَبِيًّا لِمَا
[حاشية الصاوي]
الطَّرَفَيْنِ مَنْزِلَةَ الْقُرْبِ، بِخِلَافِ الْبَلَدَيْنِ وَلَوْ تَقَارَبَا فَإِنَّ شَأْنَهُمَا بُعْدُ الْمَسَافَةِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
[شُرُوط صِحَّة الْوَلِيّ]
قَوْلُهُ: [وَوَكَّلَتْ مَالِكَةً لِأَمَةٍ] : أَيْ وَلَوْ وُجِدَ مَعَهَا عَاصِبُ نَسَبٍ وَمِثْلُهَا الْوَصِيَّةُ.
قَوْلُهُ: [لَمْ يُوجَدْ مَعَهَا عَاصِبُ نَسَبٍ] : رَاجِعٌ لِخُصُوصِ الْمُعْتِقَةِ.
قَوْلُهُ: [أَجْنَبِيًّا مِنْهَا فِي الثَّلَاثَةِ] : أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُوَكِّلَةِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمُوَكَّلِ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ الْمُعْتِقَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ أَجْنَبِيًّا] : أَيْ مِنْهَا أَوْ مِنْهُ، وَمِثْلُ كَوْنِهِ مُوصٍ الْمُكَاتَبُ فِي أَمَتِهِ إذَا طَلَبَ فَضْلًا فِي مَهْرِهَا، بِأَنْ كَانَ يَزِيدُ عَلَى مَا يُجِيزُ عَيْبُ التَّزْوِيجِ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا فِي تَزْوِيجِهَا، وَيُوَكِّلُ حُرًّا مُسْتَوْفِيًا لِلشُّرُوطِ، وَإِنْ كَرِهَ سَيِّدُهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ مَعَ عَدَمِ تَبْذِيرِهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي تَزْوِيجِهَا فَضْلٌ فَالْأَمْرُ لِسَيِّدِهِ وَتَوْكِيلُهُ بِدُونِ إذْنِهِ بَاطِلٌ، فَلَوْ جَهِلَ الْأَمْرَ وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ
عَلِمْت أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ عَبْدٍ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُوَكِّلْ كُلٌّ مِمَّنْ ذُكِرَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ، وَتَوَلَّى الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ (فُسِخَ أَبَدًا) قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ.
(وَالْبُلُوغُ) عَطْفٌ عَلَى الذُّكُورَةِ فَهُوَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ مِنْ صَبِيٍّ.
(وَالْعَقْلُ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ وَمَعْتُوهٍ وَسَكَرَانٍ.
(وَالْإِسْلَامُ فِي) الْمَرْأَةِ (الْمُسْلِمَةِ) فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِهَا كَافِرٌ وَلَوْ كَانَ أَبَاهَا، وَأَمَّا الْكَافِرَةُ الْكِتَابِيَّةُ يَتَزَوَّجُهَا مُسْلِمٌ فَيَجُوزُ لِأَبِيهَا الْكَافِرِ أَنْ يَعْقِدَ لَهَا عَلَيْهِ.
(وَالْخُلُوُّ) أَيْ خُلُوُّ الْوَلِيِّ (مِنْ الْإِحْرَامِ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَالْمُحْرِمُ بِأَحَدِهِمَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ تُوَلِّي عَقْدِ النِّكَاحِ.
وَبَقِيَ شَرْطٌ سَابِعٌ: وَهُوَ عَدَمُ الْإِكْرَاهِ فَلَا يَصِحُّ مِنْ مُكْرَهٍ إلَّا أَنَّ عَدَمَ
[حاشية الصاوي]
طَلَبَ بِزَوَاجِهَا فَضْلًا أَمْ لَا؟ حَمَلَ عَلَى طَالِبِ الْفَضْلِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ.
قَوْلُهُ: [قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ] : أَيْ وَلَوْ وَلَدَتْ الْأَوْلَادَ لَكِنْ لَا يَتَأَبَّدُ بِهِ التَّحْرِيمُ وَفَسْخُهُ بِطَلَاقٍ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِهَا كَافِرٌ] : أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: 141] .
قَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ لِأَبِيهَا الْكَافِرِ] إلَخْ: أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 73] . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُمْنَعُ تَوْلِيَةُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمَةِ وَعَكْسُهُ، فَلَا يَكُونُ الْمُسْلِمُ وَلِيًّا لِلْكَافِرَةِ إلَّا لِأَمَةٍ لَهُ كَافِرَةٍ فَيُزَوِّجُهَا لِكَافِرٍ فَقَطْ، أَوْ مَعْتُوقَتُهُ الْكَافِرَةُ إنْ أَعْتَقَهَا وَهُوَ مُسْلِمٌ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَيُزَوِّجُهَا، وَلَوْ لِمُسْلِمٍ حَيْثُ كَانَتْ كِتَابِيَّةً.
قَوْلُهُ: [فَالْمُحْرِمُ بِأَحَدِهِمَا لَا يَصِحُّ] إلَخْ: فَإِنْ عَقَدَ فُسِخَ أَبَدًا وَمِثْلُهُ إحْرَامُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ.
الْإِكْرَاهِ، لَا يَخْتَصُّ بِوَلِيِّ عَقْدِ النِّكَاحِ، بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ.
(لَا الْعَدَالَةُ) : فَلَا تُشْتَرَطُ فِي الْوَلِيِّ إذْ فِسْقُهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْوِلَايَةِ، فَيَتَوَلَّى غَيْرُ الْعَدْلِ عَقْدَ نِكَاحِ ابْنَتِهِ أَوْ ابْنَةِ أَخِيهِ أَوْ مَعْتُوقَتِهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ لَهَا عَاصِبُ نَسَبٍ.
(وَ) لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ (الرُّشْدُ، فَيُزَوِّجُ السَّفِيهُ ذُو الرَّأْيِ) احْتِرَازًا مِنْ الْمَعْتُوهِ (مُجْبَرَتَهُ) وَغَيْرَهَا بِإِذْنِهَا (بِإِذْنِ وَلِيِّهِ) اسْتِحْبَابًا لَا شَرْطًا (وَإِلَّا) بِأَنْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ مَثَلًا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ (نَظَرَ الْوَلِيُّ) نَدْبًا لِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، فَإِنْ كَانَ صَوَابًا أَبْقَاهُ وَإِلَّا رَدَّهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْظُرْ فَهُوَ مَاضٍ.
(بِخِلَافِ) السَّفِيهِ (الْمَعْتُوهِ) أَيْ ضَعِيفِ الْعَقْلِ، فَلَا يَصِحُّ عَقْدُهُ وَيُفْسَخُ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْمَجْنُونِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ السَّفَهَ لَا يَمْنَعُ الْوِلَايَةَ، وَالْعَتَهُ مَانِعٌ مِنْهَا، فَقَوْلُهُمْ: ذُو الرَّأْيِ، لَيْسَ فِي ذِكْرِهِ كَبِيرُ فَائِدَةٍ، لِأَنَّ الْمَعْتُوهَ غَيْرَ السَّفِيهِ فَتَقْيِيدُهُ بِذِي الرَّأْيِ لِإِخْرَاجِ الْمَعْتُوهِ لَا حَاجَةَ لَهُ.
(وَ) يُزَوِّجُ (الْكَافِرُ) فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى السَّفِيهِ إلَّا أَنَّ التَّفْرِيعَ الْمُسْتَفَادَ مِنْ الْعَطْفِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: " وَالْإِسْلَامُ فِي الْمُسْلِمَةِ "، أَيْ إنَّ الْإِسْلَامَ إذَا كَانَ شَرْطًا فِي تَزْوِيجِ الْمُسْلِمَةِ فَقَطْ، فَالْكَافِرُ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ الْكَافِرَةَ (لِمُسْلِمٍ) كَمَا أَشَرْنَا لَهُ سَابِقًا بِقَوْلِنَا: " وَأَمَّا الْكَافِرَةُ الْكِتَابِيَّةُ يَتَزَوَّجُهَا مُسْلِمٌ فَيَجُوزُ " إلَخْ.
(وَإِنْ زَوَّجَ مُسْلِمٌ) ابْنَتَهُ (الْكَافِرَةَ) مَثَلًا أَيْ عَقَدَ عَلَيْهَا (لِكَافِرٍ، تُرِكَ) : أَيْ لَا نَتَعَرَّضُ لِفَسْخِهِ وَقَدْ ظَلَمَ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [لَا يَخْتَصُّ بِوَلِيٍّ عَقَدَ النِّكَاحَ] : أَيْ وَلَا يُعَدُّ مِنْ شُرُوطِ الشَّيْءِ إلَّا مَا كَانَ خَاصًّا بِهِ هَكَذَا أَجَابَ الشَّارِحُ، وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَا عَدَا الْخُلُوَّ مِنْ الْإِحْرَامِ لَيْسَ خَاصًّا بِالنِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: [ذُو الرَّأْيِ] : أَيْ الْعَقْلِ وَالْفِطْنَةِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْمَعْتُوهَ غَيْرُ السَّفِيهِ] : أَيْ وَلَيْسَ السَّفِيهُ أَعَمُّ كَمَا تُوهِمُ عِبَارَتُهُمْ، فَعَلَى كَلَامِ شَارِحِنَا السَّفِيهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَا رَأْيٍ، وَالْمَعْتُوهُ مُبَايِنٌ لَهُ فَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ السَّفِيهَ لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُ.
قَوْلُهُ: [أَيْ لَا نَتَعَرَّضُ لِفَسْخِهِ] إلَخْ: أَيْ كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَمَّا لَوْ
وَلَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا فَقَدَ الذُّكُورَةَ أَوْ الْحُرِّيَّةَ، كَالْمَالِكَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَالْعَبْدِ الْمُوصَى عَلَى أُنْثَى لَا بُدَّ أَنْ يُوَكِّلَ ذَكَرًا حُرًّا مُسْتَوْفِيًا لِلشُّرُوطِ، بَيَّنَ أَنَّهُ يَصِحُّ لِلزَّوْجِ إذَا وَكَّلَ مَنْ يَعْقِدُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ جَمِيعَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَحُرٍّ وَرَقِيقٍ وَبَالِغٍ وَصَبِيٍّ وَمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ بِقَوْلِهِ: (وَصَحَّ تَوْكِيلُ زَوْجٍ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ، وَقَوْلُهُ (الْجَمِيعَ) مَفْعُولُهُ، أَيْ جَمِيعَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهَذِهِ عِبَارَةُ الشَّيْخِ بِلَفْظِهَا، لَكِنَّهَا عَامَّةٌ فَتَشْمَلُ الْمُحْرِمَ وَالْمَعْتُوهَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلزَّوْجِ تَوْكِيلُهُمَا فَاسْتَثْنَاهُمَا بِقَوْلِهِ: (إلَّا الْمُحْرِمَ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، (وَ) إلَّا (الْمَعْتُوهَ) : أَيْ ضَعِيفَ الْعَقْلِ، فَأَوْلَى الْمَجْنُونُ فَلَا يَصِحُّ لِلزَّوْجِ تَوْكِيلُهُمَا لِمَانِعٍ الْإِحْرَامِ وَعَدَمِ الْعَقْلِ.
(لَا) يَصِحُّ (تَوْكِيلُ وَلِيِّ امْرَأَةٍ) لِمَنْ يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِهَا نِيَابَةً عَنْهُ (إلَّا مِثْلَهُ) فِي اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
[الرُّكْن الثَّالِث مِنْ أَرْكَان النِّكَاح المحل وَشُرُوطه وَأَحْكَامه]
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الرُّكْنِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْمَحَلُّ وَشُرُوطُهُ وَأَحْكَامُهُ بِقَوْلِهِ: (وَالْمَحَلُّ) هُوَ (الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ) مَعًا.
وَلَهُ شُرُوطٌ تَكُونُ فِيهِمَا مَعًا، وَشُرُوطٌ تَخُصُّ الزَّوْجَ، وَشُرُوطٌ تَخُصُّ الزَّوْجَةَ.
أَشَارَ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ:
(وَشَرْطُهُمَا) أَيْ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ مَعًا أَيْ شَرْطُ صِحَّةِ نِكَاحِهِمَا: (عَدَمُ الْإِكْرَاهِ) ، فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ مُكْرَهٍ أَوْ مُكْرَهَةٍ
[حاشية الصاوي]
عَقَدَ لِكِتَابِيَّةٍ عَلَى مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ أَبَدًا.
[التوكيل فِي النِّكَاح]
قَوْلُهُ: [وَصَحَّ تَوْكِيلُ زَوْجٍ] : أَيْ وَيَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالصِّحَّةِ لِأَجْلِ الْإِخْرَاجِ بِقَوْلِهِ: لَا تَوْكِيلُ وَلِيِّ امْرَأَةٍ.
قَوْلُهُ: [وَشُرُوطُهُ] : جَمِيعُ تِلْكَ الشُّرُوطِ مِمَّا زَادَهُ عَلَى خَلِيلٍ فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ وَلَا مِنْ شُرَّاحِهِ إلَّا مُفَرَّقَةً فَجَزَاهُ اللَّهُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا.
قَوْلُهُ: [تَكُونُ فِيهِمَا مَعًا] : سَيَأْتِي يُصَرِّحُ بِأَنَّهَا خَمْسَةً.
قَوْلُهُ: [تَخُصُّ الزَّوْجَ] : سَيَأْتِي أَنَّهَا اثْنَانِ فَمُرَادُهُ بِالْجَمْعِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ أَوْ الْمُرَادُ جِنْسُ الشُّرُوطِ.
قَوْلُهُ: [تَخُصُّ الزَّوْجَةَ] : سَيَأْتِي أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ مُكْرَهٍ] إلَخْ: أَيْ إنْ كَانَ الْإِكْرَاهُ غَيْرَ شَرْعِيٍّ
وَيُفْسَخُ أَبَدًا.
(وَ) عَدَمُ (الْمَرَضِ) فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ مَرِيضٍ أَوْ مَرِيضَةٍ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ الْفَسْخِ وَغَيْرِهِ.
(وَ) عَدَمُ (الْمَحْرَمِيَّةِ) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمَحْرَمِ.
(وَ) عَدَمُ (الْإِشْكَالِ) فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ عَلَى أَنَّهُ زَوْجٌ أَوْ زَوْجَةٌ.
(وَ) عَدَمُ (الْإِحْرَامِ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ؛ فَلَا يَصِحُّ مِنْ الزَّوْجِ الْمُحْرِمِ وَلَا مِنْ الزَّوْجَةِ الْمُحْرِمَةِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ الْوَلِيِّ أَنْ لَا يَكُونَ مُحْرِمًا أَيْضًا وَحِينَئِذٍ (فَهُوَ) أَيْ الْإِحْرَامُ (مَانِعٌ) لِلنِّكَاحِ (مِنْ أَحَدِ الثَّلَاثَةِ) : الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَوَلِيِّهَا، لِأَنَّ الشَّرْطَ عَدَمُهُ فِيهِمْ وَضِدُّ الشَّرْطِ مَانِعٌ.
[حاشية الصاوي]
وَهُوَ يَكُونُ بِخَوْفِ مُؤْلِمٍ مِنْ قَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ سَجْنٍ أَوْ صَفْعٍ لِذِي مُرُوءَةٍ بِمَلَإٍ، أَوْ خَوْفِ قَتْلِ وَلَدٍ أَوْ أَخْذِهِ مَالَهُ مِنْ كُلِّ مَا يُعَدُّ إكْرَاهًا فِي الطَّلَاقِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَيُفْسَخُ أَبَدًا] : أَيْ وَلَوْ أُجِيزَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ عَقْدٍ وَاسْتِبْرَاءٍ مِنْ الْمَاءِ الْفَاسِدِ إنْ حَصَلَ دُخُولٌ.
قَوْلُهُ: [مِنْ الْفَسْخِ وَغَيْرِهِ] : أَيْ كَالصَّدَاقِ وَالْمِيرَاثِ فَسَيَأْتِي أَنَّهُ يُفْسَخُ مَا لَمْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ مِنْهُمَا، وَلَا مِيرَاثَ إنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْفَسْخِ، وَلِلْمَرِيضَةِ بِالدُّخُولِ أَوْ الْمَوْتِ الْمُسَمَّى، وَعَلَى الْمَرِيضِ إنْ مَاتَ قَبْلَ الْفَسْخِ الْأَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ وَالْمُسَمَّى، وَصَدَاقِ الْمِثْلِ وَلَهَا بِالدُّخُولِ الْمُسَمَّى مِنْ الثُّلُثِ مُبْتَدَأً.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمَحْرَمِ] : أَيْ بِالْإِجْمَاعِ وَيُفْسَخُ أَبَدًا وَيُحَدَّانِ إنْ عَلِمَا وَلَا يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ] : لِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي آخِرِ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ زَوْجًا وَلَا زَوْجَةً وَلَا أَبًا وَلَا أُمًّا وَلَا جَدًّا وَلَا جَدَّةً.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ مِنْ الزَّوْجِ الْمُحْرِمِ] إلَخْ: أَيْ وَيُفْسَخُ أَبَدًا إلَّا فِيمَنْ قَدَّمَ سَعْيَهُ وَأَفَاضَ وَنَسِيَ الرَّكْعَتَيْنِ وَتَزَوَّجَ، فَإِنْ كَانَ بِالْقُرْبِ فُسِخَ وَإِنْ تَبَاعَدَ جَازَ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَقَالَ الْقُرْبُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيَبْتَدِئَ طَوَافَهُ.
قَوْلُهُ: [وَوَلِيُّهَا] : أَيْ الزَّوْجَةِ وَكَذَا وَلِيُّهُ أَيْضًا لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَرْكَانِ انْتَهَى
ثُمَّ شَرَعَ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ الزَّوْجُ مِنْ الشُّرُوطِ بِقَوْلِهِ: (وَشَرْطُهُ) : أَيْ الزَّوْجِ (الْإِسْلَامُ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ كِتَابِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَخُلُوٌّ) لَهُ (مِنْ أَرْبَعٍ) مِنْ الزَّوْجَاتِ فَلَا يَصِحُّ مِنْ ذِي أَرْبَعٍ نِكَاحٌ.
(وَشَرْطُهَا) : أَيْ الزَّوْجَةِ (الْخُلُوُّ) لَهَا (مِنْ زَوْجٍ) فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى مُتَزَوِّجَةٍ.
(وَ) خُلُوٍّ (مِنْ عِدَّةِ غَيْرِهِ) : فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى مُعْتَدَّةٍ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ، وَأَمَّا مُعْتَدَّةٌ مِنْهُ فَيَصِحُّ إذَا لَمْ تَكُنْ مَبْتُوتَةً.
(وَ) أَنْ تَكُونَ (غَيْرَ مَجُوسِيَّةٍ) فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى مَجُوسِيَّةٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا: غَيْرُ الْكِتَابِيَّةِ.
(وَ) غَيْرُ (أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ) : فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِرْقَاقِ وَلَدِهَا لِسَيِّدِهَا الْكَافِرِ.
[حاشية الصاوي]
تَقْرِيرُ مُؤَلِّفِهِ قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ كَافِرَةً لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ أَنْكِحَتَهُمْ فَاسِدَةٌ، وَإِنَّمَا أُقِرُّوا عَلَيْهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ تَأْلِيفًا لَهُمْ، وَأَمَّا الْأُنْثَى فَلَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ نِكَاحِهَا إسْلَامُهَا، بَلْ مَتَى كَانَتْ حُرَّةً كِتَابِيَّةً صَحَّ نِكَاحُهَا لِلْمُسْلِمِ.
[شُرُوط الزَّوْج وَالزَّوْجَة]
قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ مِنْ ذِي أَرْبَعٍ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ كَانَتْ إحْدَى الْأَرْبَعِ مُطَلَّقَةً طَلَاقًا رَجْعِيًّا، فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى غَيْرِهَا حَتَّى يَبِينَهَا، أَوْ تَخْرُجُ مِنْ الْعِدَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى مُتَزَوِّجَةٍ] : أَيْ إلَّا فِي بَعْضِ مَسَائِلَ سَيَأْتِي بَيَانُهَا مِنْهَا: ذَاتُ الْوَلِيَّيْنِ، وَالْمَنْعِيُّ لَهَا زَوْجُهَا فِي الْمَفْقُودِ وَنَحْوِهَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ عَقَدَ عَلَى مُتَزَوِّجَةٍ أَوْ مُطَلَّقَةٍ طَلَاقًا رَجْعِيًّا يُفْسَخُ وَلَا يَتَأَبَّدُ بِهِ التَّحْرِيمُ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى مُعْتَدَّةٍ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ] إلَخْ: تَقَدَّمَتْ أَحْكَامُ ذَلِكَ مُفَصَّلَةً.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى مَجُوسِيَّةٍ] : أَيْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ عَلَى أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ] : أَيْ وَإِنَّمَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِالْمِلْكِ لَا غَيْرُ.
قَوْله: [لِمَا يَلْزَمُ] إلَخْ: ظَاهِرٌ فِي الْكَافِرِ، وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا لِكَافِرٍ فَهُوَ مُعَرَّضٌ لِاسْتِرْقَاقِ وَلَدِهِ لِلْكَافِرِ.
فَالشُّرُوطُ إحْدَى عَشْرَةَ: خَمْسَةٌ مِنْهَا عَامَّةٌ فِيهِمَا، وَيَخْتَصُّ الزَّوْجُ بِشَرْطَيْنِ، وَالزَّوْجَةُ بِأَرْبَعَةٍ.
وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَنْ لَا يَتَّفِقَا عَلَى كِتْمَانِهِ، وَأَنْ لَا تَكُونَ مَبْتُوتَةً لِلزَّوْجِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَهُ مَا يَحْرُمُ جَمْعُهَا مَعَهَا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا وَعَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهَا مِنْ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ مُفَصَّلًا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا اخْتَلَّ شَرْطٌ فَتَارَةً يَكُونُ مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ، وَتَارَةً يَكُونُ مُخْتَلَفًا فِيهِ.
وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ تَارَةً يُفْسَخُ أَبَدًا وَتَارَةً يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَطْ، وَتَارَةً يُفْسَخُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ مَا لَمْ يَطُلْ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَعَلَى الْوَلِيِّ) وُجُوبًا (الْإِجَابَةُ لِكُفْءٍ رَضِيَتْ بِهِ) الزَّوْجَةُ الْغَيْرُ الْمُجْبَرَةِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ] إلَخْ: الْأَوَّلُ مِنْهَا عَامٌّ فِيهِمَا، وَالثَّانِي خَاصٌّ بِالزَّوْجَةِ، وَالثَّالِثُ خَاصٌّ بِالزَّوْجِ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ الشُّرُوطِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، سِتَّةٌ عَامَّةٌ، وَثَلَاثَةٌ خَاصَّةٌ بِالزَّوْجِ، وَخَمْسَةٌ خَاصَّةٌ بِالزَّوْجَةِ.
قَوْلُهُ: [أَنْ لَا يَتَّفِقَا عَلَى كِتْمَانِهِ] : أَيْ لِمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَفُسِخَ نِكَاحُ السِّرِّ إنْ لَمْ يَدْخُلْ وَبَطَلَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: [وَأَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَهُ مَا يَحْرُمُ جَمْعُهَا] إلَخْ: أَيْ كَالْمَرْأَةِ وَأُخْتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ كُلَّ اثْنَتَيْنِ لَوْ قُدِّرَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا ذَكَرًا وَالْأُخْرَى أُنْثَى حَرُمَ وَطْؤُهَا لَهَا يَحْرُمُ جَمِيعُهُمَا فِي عِصْمَةٍ.
قَوْلُهُ: [مُجْمَعًا عَلَى فَسَادِهِ] : أَيْ كَنِكَاحِ الْخَامِسَةِ وَالْمَحْرَمِ.
قَوْلُهُ: [مُخْتَلِفًا فِيهِ] : أَيْ كَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَالْمَرِيضِ إنْ تَحَصَّلَ صِحَّةٌ.
قَوْلُهُ: [يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَطْ] : وَهُوَ كُلُّ نِكَاحٍ فَسَدَ لِصَدَاقِهِ.
قَوْلُهُ: [مَا لَمْ يَطُلْ] : أَيْ وَهُوَ نِكَاحُ السِّرِّ.
قَوْلُهُ: [وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ] : أَيْ الشُّرُوطِ وَمُحْتَرِزَاتِهَا مَعَ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ.
[عضل الْوَلِيّ]
قَوْلُهُ: [رَضِيَتْ بِهِ] إلَخْ: أَيْ سَوَاءٌ طَلَبَتْهُ لِلتَّزَوُّجِ بِهِ أَوْ لَمْ تَطْلُبْهُ، بِأَنْ خَطَبَهَا وَرَضِيَتْ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهَا مُتَوَقِّفَةً عَلَى عَقْدِهِ، كَانَ ذَلِكَ ضَرَرًا لَهَا، وَمَفْهُومُ غَيْرِ الْمُجْبَرَةِ أَنَّ الْمُجْبَرَةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ لِكُفْئِهَا لِأَنَّهُ يُجْبِرُهَا
(وَإِلَّا) بِأَنْ امْتَنَعَ مِنْ كُفْءٍ رَضِيَتْ الزَّوْجَةُ بِهِ (كَانَ عَاضِلًا) بِمُجَرَّدِ الِامْتِنَاعِ، (فَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ) إنْ رَفَعَتْ لَهُ بِتَزْوِيجِهَا، (ثُمَّ) - إنْ امْتَنَعَ - (زَوَّجَ) الْحَاكِمُ، وَلَا يَنْتَقِلُ الْحَقُّ لِمَنْ بَعْدَ الْعَاضِلِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ.
(إلَّا) أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُهُ (لِوَجْهٍ) صَحِيحٍ، فَلَا يُزَوِّجُ الْحَاكِمُ وَلَا يَكُونُ الْوَلِيُّ عَاضِلًا.
(وَلَا يَعْضُلُ أَبٌ) لِمُجْبَرَةٍ أَيْ لَا يَكُونُ عَاضِلًا (أَوْ وَصِيٌّ) لَهُ بِالْإِجْبَارِ (بِرَدٍّ) لِلْأَزْوَاجِ (مُتَكَرِّرٍ) : لِأَنَّ الْأَبَ الْمُجْبِرَ - وَكَذَا وَصِيُّهُ - أَدْرَى بِأَحْوَالِ الْمُجْبَرَةِ مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا، (حَتَّى يَتَحَقَّقَ) ، الْعَضْلُ، فَيَأْمُرَهُ الْحَاكِمُ حِينَئِذٍ بِتَزْوِيجِهَا، فَإِنْ أَجَابَ؛ وَإِلَّا زَوَّجَ الْحَاكِمُ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِهَا بِالْقَوْلِ.
(وَإِنْ وَكَّلَتْهُ) الْمَرْأَةُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهَا (مِمَّنْ أَحَبَّ) الْوَكِيلُ، وَأَحَبَّ إنْسَانًا (عَيَّنَ) لَهَا قَبْلَ الْعَقْدِ وُجُوبًا مَنْ أَحَبَّهُ لَهَا لِاخْتِلَافِ أَغْرَاضِ النِّسَاءِ فِي الرِّجَالِ،
[حاشية الصاوي]
وَلَوْ لِغَيْرِ كُفْءٍ إلَّا لِمَا فِيهِ ضَرَرٌ كَخَصِيٍّ، وَمَحَلُّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا لَمْ تَكُنْ كِتَابِيَّةً وَتَدْعُو الْمُسْلِمَ، وَيَمْتَنِعُ وَلِيُّهَا الْكَافِرُ، وَإِلَّا فَلَا تُجَابُ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ غَيْرُ كُفْءٍ لَهَا عِنْدَهُمْ، فَلَا يُجْبَرُونَ عَلَى تَزْوِيجِهَا لَهُ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ إنْ امْتَنَعَ زَوَّجَ الْحَاكِمُ] إلَخْ: حَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ الْوَلِيُّ غَيْرُ الْمُجْبِرِ مِنْ تَزْوِيجِهَا بِالْكُفْءِ الَّذِي رَضِيَتْ بِهِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَسْأَلُهُ عَنْ وَجْهِ امْتِنَاعِهِ، فَإِنْ أَبْدَى وَجْهًا وَرَآهُ صَوَابًا رَدَّهَا إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُبْدِ وَجْهًا صَحِيحًا أَمَرَهُ بِتَزْوِيجِهَا، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِهَا زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ، وَلَا يَنْتَقِلُ الْحَقُّ لِلْأَبْعَدِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمُتَيْطِيُّ وَغَيْرُهُ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَقَالَ: إنَّمَا يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَلِيِّ غَيْرِ الْعَاضِلِ، وَأَمَّا عِنْدَ وُجُودِهِ فَيَنْتَقِلُ الْحَقُّ لَهُ، لِأَنَّ عَضْلَ الْأَقْرَبِ صَيَّرَهُ بِمَنْزِلِهِ الْعَدَمِ، فَيَنْتَقِلُ الْحَقُّ لِلْأَبْعَدِ، وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَلَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ وَكِيلًا لَهُ إلَّا إذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ امْتِنَاعٌ كَمَا لَوْ كَانَ غَائِبًا مَثَلًا، إذَا عَلِمَتْ ذَلِكَ فَمَا قَالَهُ شَارِحُنَا تَابَعَ فِيهِ التَّوْضِيحَ، وَاسْتَصْوَبَهُ بْن وَاسْتَصْوَبَ فِي الْحَاشِيَةِ مَا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ.
قَوْلُهُ: [حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْعَضْلُ] : أَيْ وَلَوْ بِمَرَّةٍ.
قَوْلُهُ: [عَيَّنَ لَهَا] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ ثَيِّبًا أَوْ بِكْرًا.
(وَإِلَّا) يُعَيِّنْ لَهَا وَزَوَّجَهَا مِمَّنْ أَحَبَّ (فَلَهَا الرَّدُّ) أَيْ رَدُّ النِّكَاحِ (وَلَوْ بَعُدَ) مَا بَيْنَ الْعَقْدِ وَاطِّلَاعِهَا عَلَيْهِ، (بِخِلَافِ الزَّوْجِ) يُوَكِّلُ مَنْ يُزَوِّجُهُ مِمَّنْ أَحَبَّ فَزَوَّجَهُ (فَيَلْزَمُهُ) وَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ.
فَإِنْ طَلَّقَ لَزِمَهُ نِصْفُ الْمَهْرِ.
(وَلَهُ) : أَيْ لِلْوَلِيِّ - وَلَوْ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ - إذَا طَلَبَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِمَنْ لَهُ عَلَيْهَا الْوِلَايَةُ (تَزْوِيجُهَا مِنْ نَفْسِهِ إنْ عَيَّنَ) لَهَا أَنَّهُ الزَّوْجُ (وَرَضِيَتْ) بِهِ، وَإِذْنُهَا صَمْتُهَا
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَلَهَا الرَّدُّ] : أَيْ وَالْإِجَازَةُ وَسَوَاءٌ زَوَّجَهَا مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَفِيهَا لِابْنِ قَاسِمٍ إنْ زَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِهِ لَزِمَهَا وَمِنْ نَفْسِهِ خُيِّرَتْ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ بَعُدَ] : ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُبَالَغَةَ رَاجِعَةٌ لِلرَّدِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هِيَ رَاجِعَةٌ لِلْإِجَازَةِ الَّتِي طَوَاهَا فَقَطْ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِيهَا وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْبُعْدُ جِدًّا، وَقَدْ رَدَّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى ابْنِ حَبِيبٍ الْقَائِلِ إنَّهُ يَتَحَتَّمُ الرَّدُّ فِي حَالَةِ الْبُعْدِ إنَّمَا كَانَ لَهَا الْإِجَازَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي حَالَةِ الْبُعْدِ، لِأَنَّهَا وَكَّلَتْ بِخِلَافِ الْمُفْتَاتِ عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا لَمَّا لَمْ تُوَكِّلْ اُشْتُرِطَ قُرْبُ رِضَاهَا وَإِجَازَتِهَا.
تَنْبِيهٌ:
تَكَلَّمَ الْمُصَنِّفُ عَلَى حُكْمِ مَا إذَا وَكَّلَتْهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهَا مِمَّنْ أَحَبَّ، وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِ مَا إذَا وَكَّلَتْهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهَا مِمَّنْ أَحَبَّتْ، فَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ مِنْهَا لَهُ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَالْحُكْمُ أَنَّهَا كَالْمُفْتَاتِ عَلَيْهَا فَيَصِحُّ النِّكَاحُ إنْ قَرُبَ رِضَاهَا بِالْبَلَدِ وَلَمْ يُقِرَّ بِهِ حَالَ الْعَقْدَ إلَى آخِرِ الشُّرُوطِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ كَالْمُفْتَاتِ عَلَيْهَا لِاسْتِنَادِهَا لِمَحَبَّتِهَا لَهُ وَهِيَ خَفِيَّةٌ عَلَى الْوَكِيلِ مَعَ كَوْنِهَا لَمْ تُعَيِّنْهُ.
قَوْلُهُ: [فَيَلْزَمُهُ وَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ] : ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ لَائِقَةٍ بِهِ، وَلَكِنْ قَالَ فِي الْأَصْلِ إذَا كَانَتْ مِمَّنْ تَلِيقُ بِهِ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ لِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا كَرِهَ النِّكَاحَ قَدَرَ عَلَى حَلِّهِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِهِ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِضَيَاعِ الْمَالِ انْتَهَى.
قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَلِيقُ بِهِ أَنَّهُ إنْ زَوَّجَهُ مَنْ لَا تَلِيقُ بِهِ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْهَا لَهُ قَبْلَ الْعَقْدِ فَإِنَّ النِّكَاحَ لَا يَلْزَمُ.
قَوْلُهُ: [إنْ عَيَّنَ لَهَا] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ الْوَكِيلَ عَلَى شَيْءٍ لَا يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَ نَفْسِهِ إلَّا بِإِذْنٍ خَاصٍّ، فَلَيْسَ لِمَنْ وُكِّلَ عَلَى بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ إلَّا بِتَعْيِينٍ فَالنِّكَاحُ أَوْلَى.
إنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ النُّطْقِ (وَتَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ) الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ وَهُوَ بِكَسْرِ اللَّامِ، أَيْ وَلَهُ تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ، فَلَا يَحْتَاجُ لِوَلِيٍّ غَيْرِهِ يَتَوَلَّى مَعَهُ الْعَقْدَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ وَلِيٍّ غَيْرِهِ مَعَهُ.
وَأَشَارَ لِتَصْوِيرِ التَّزْوِيجِ لِنَفْسِهِ وَتَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ بِقَوْلِهِ: (بِتَزَوَّجْتُكِ بِكَذَا) مِنْ الْمَهْرِ، وَلَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَمَّا كَانَ مِنْ تَعَلُّقَاتِ هَذَا الْمَبْحَثِ مَسْأَلَةُ ذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أَذِنَتْ) غَيْرُ الْمُجْبَرَةِ فِي تَزْوِيجِهَا (لِوَلِيَّيْنِ) مَعًا أَوْ مُرَتَّبِينَ بِأَنْ قَالَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا:
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بِتَزَوَّجْتُكِ بِكَذَا] : أَيْ وَلَا يَحْتَاجُ لِقَوْلِهِ: قَبِلْت نِكَاحَك لِنَفْسِي بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ: تَزَوَّجْتُك مُتَضَمِّنٌ لِلْقَبُولِ، كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ سَالِمٌ وَبَهْرَامُ فِي كَبِيرِهِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ] إلَخْ: أَيْ يَحْضُرَانِ الْعَقْدَ أَوْ يُشْهِدُهُمَا بَعْدَهُ وَقَبْلَ الدُّخُولِ.
تَنْبِيهٌ:
إنْ أَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ الْعَقْدَ بَعْدَ التَّوْكِيلِ بِأَنْ قَالَتْ لِوَلِيِّهَا: لَمْ يَحْصُلْ مِنْك عَقْدٌ، وَقَالَ: بَلْ عَقَدْتُ صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ إنْ ادَّعَاهُ الزَّوْجُ، لِأَنَّهَا مُقَرِّرَةٌ بِالْإِذْنِ وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَهَا، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ الزَّوْجُ صُدِّقَتْ، فَلَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ إنْ شَاءَتْ، وَإِنْ تَنَازَعَ الْأَوْلِيَاءُ الْمُتَسَاوُونَ فِي تَعْيِينِ الزَّوْجِ بِأَنْ يُرِيدَ كُلٌّ مِنْهُمْ تَزْوِيجَهَا لِغَيْرِ مَا يُرِيدُهُ الْآخَرُ، وَلَمْ تُعَيِّنْ الْمَرْأَةُ وَاحِدًا نَظَرَ الْحَاكِمُ فِيمَنْ يُزَوِّجُهَا لَهُ، وَاَلَّذِي يُبَاشِرُ الْعَقْدَ أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ.
[ذَات الْوَلِيَّيْنِ فِي النِّكَاح]
قَوْلُهُ: [لِوَلِيَّيْنِ] : هَذَا فَرْضُ مِثَالٍ إذْ لَوْ أَذِنَتْ لِأَكْثَرَ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا لَوْ أَذِنَتْ لِوَلِيٍّ وَاحِدٍ فِي أَنْ يُزَوِّجَهَا فَعَقَدَ لَهَا عَلَى اثْنَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ فَسْخِ نِكَاحِ الثَّانِي، وَلَوْ دَخَلَ بِهَا غَيْرَ عَالِمٍ، وَكَلَامُ الْمُؤَلِّفِ شَامِلٌ لِمَا إذَا أَذِنَتْ لَهُمَا مَعًا أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَوْ يُحْمَلُ هَذَا التَّفْصِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَمَّا عَيَّنَ لَهَا الثَّانِيَ كَانَتْ نَاسِيَةً لِلْأَوَّلِ، أَوْ اتَّحَدَ اسْمُ الزَّوْجَيْنِ أَوْ اعْتَقَدَتْ أَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْأَوَّلُ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يُتَصَوَّرُ لِأَنَّ أَشْهَرَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعَيِّنَ لَهَا الزَّوْجَ، وَإِلَّا فَلَهَا الْخِيَارُ، فَإِنْ عَيَّنَ كُلٌّ مِنْ الْوَلِيَّيْنِ الزَّوْجَ فَلَا يُتَصَوَّرُ هَذَا التَّفْصِيلُ، وَتَكُونُ لِلْأَوَّلِ مُطْلَقًا لِعِلْمِهَا بِالثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ كُلٌّ مِنْهُمَا الزَّوْجَ فَلَهَا الْبَقَاءُ عَلَى مَنْ
وَكَّلْتُك فِي أَنْ تُزَوِّجَنِي أَوْ قَالَتْ لَهُمَا مَعًا: وَكَّلْتُكُمَا فِي تَزْوِيجِي (فَعَقَدَا) لَهَا بِأَنْ عَقَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى رَجُلٍ مَعَ التَّرْتِيبِ، وَعَلِمَ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا وَالثَّانِي أَخَذَا مِمَّا سَيَأْتِي (فَلِلْأَوَّلِ) مِنْهُمَا يَقْضِي لَهُ بِهَا، وَإِنْ تَأَخَّرَ فِي الْإِذْنِ لَهُ دُونَ الثَّانِي فِي الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ذَاتَ زَوْجٍ.
وَمَحَلُّ كَوْنِهَا لِلْأَوَّلِ (إنْ لَمْ يَتَلَذَّذْ بِهَا الثَّانِي) حَالَ كَوْنِهِ (غَيْرَ عَالِمٍ) بِعَقْدِ غَيْرِهِ عَلَيْهَا قَبْلَهُ، وَهَذَا صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ: أَنْ لَا يَحْصُلَ مِنْ الثَّانِي تَلَذُّذٌ أَصْلًا أَوْ حَصَلَ مِنْهُ تَلَذُّذٌ بِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ ثَانٍ؛ تَكُونُ لِلْأَوَّلِ فِيهِمَا، وَيُفْسَخُ الثَّانِي بِلَا طَلَاقٍ.
(وَإِلَّا؛ بِأَنْ تَلَذَّذَ الثَّانِي بِوَطْءٍ) أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ بِلَا عِلْمٍ مِنْهُ بِأَنَّهُ ثَانٍ، (فَهِيَ لَهُ) : أَيْ لِلثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
وَمَحَلُّ كَوْنِهَا لِلثَّانِي: (إنْ لَمْ يَكُنْ) عَقْدُهُ عَلَيْهَا، (فِي عِدَّةِ وَفَاةِ الْأَوَّلِ) بِأَنْ عَقَدَ عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، (وَلَمْ يَتَلَذَّذْ بِهَا الْأَوَّلُ قَبْلَهُ) : أَيْ قَبْلَ تَلَذُّذِ الثَّانِي
[حاشية الصاوي]
اخْتَارَتْ الْبَقَاءَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْأَوَّلَ أَوْ الثَّانِيَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ فَتَدَبَّرْهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ ذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَعْقِدَا لَهَا بِزَمَنَيْنِ وَيُعْلَمَ السَّابِقُ أَوْ يُجْهَلَ، أَوْ بِزَمَنٍ وَاحِدٍ، فَفِي الْأَوَّلِ تَكُونُ لِلْأَوَّلِ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَيُفْسَخُ نِكَاحُ الِاثْنَيْنِ مَعًا فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ] : أَيْ لِأَنَّ السَّالِبَةَ تَصْدُقُ بِنَفْيِ الْمَوْضُوعِ.
قَوْلُهُ: [بِلَا طَلَاقٍ] : وَقَالَ الْقُورِيُّ: بِطَلَاقٍ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ الْقُورِيِّ هُوَ الظَّاهِرُ، وَعَلَيْهِ فَلَا حَدَّ بِدُخُولِهِ عَالِمًا بِالْأَوَّلِ كَمَا فِي الْمِعْيَارِ انْتَهَى.
قَوْلُهُ: [تَلَذَّذَ] : الْمُرَادُ بِالتَّلَذُّذِ إرْخَاءُ السُّتُورِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلُ مُقَدِّمَاتٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِهِمْ، خِلَافًا لِلشَّارِحِ التَّابِعِ لِلْخَرَشِيِّ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ لِلثَّانِي] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ طَلَّقَهَا، وَيَلْزَمُهُ مَا أَوْقَعَهُ مِنْ الطَّلَاقِ وَيُفْسَخُ نِكَاحُ الْأَوَّلِ بِطَلَاقٍ، لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ يَقُولُ: لَا تَفُوتُ عَلَى الْأَوَّلِ بِحَالٍ.
قَوْلُهُ: [فِي عِدَّةِ وَفَاةِ الْأَوَّلِ] : بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ لَا لِلِاحْتِرَازِ، إذْ لَا تَكُونُ الْعِدَّةُ هُنَا إلَّا مِنْ وَفَاةٍ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْوَاقِعَ مِنْ الْأَوَّلِ إنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْمُطَلَّقَةُ قَبْلَهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَلَا يُتَصَوَّرُ دُخُولُ الْأَوَّلِ بِهَا وَتَكُونُ لِلثَّانِي فَتَأَمَّلْ.
فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهَا فِي عِدَّةِ الْأَوَّلِ كَانَتْ لِلْأَوَّلِ جَزْمًا فَتُرَدُّ لِعِدَّتِهَا مِنْهُ وَتَرِثُهُ، وَتَأْخُذُ الصَّدَاقَ.
وَكَذَا إنْ ثَبَتَ تَلَذُّذُ الْأَوَّلِ بِهَا قَبْلَ تَلَذُّذِ الثَّانِي كَانَتْ لِلْأَوَّلِ بِلَا رَيْبٍ، سَوَاءٌ مَاتَ أَوْ كَانَ حَيًّا.
فَتَحَصَّلَ أَنَّ شُرُوطَ كَوْنِهَا لِلثَّانِي ثَلَاثَةٌ: أَنْ يَتَلَذَّذَ بِهَا غَيْرَ عَالِمٍ بِأَنَّهُ ثَانٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ عَقْدُ الثَّانِي فِي عِدَّةِ الْأَوَّلِ، وَأَنْ لَا يَسْبِقَهُ الْأَوَّلُ بِالتَّلَذُّذِ بِهَا، وَقَوْلُنَا: " عَقَدَ عَلَيْهَا فِي عِدَّةِ الْأَوَّلِ " قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَكَذَا إنْ عَقَدَ عَلَيْهَا فِي حَيَاةِ الْأَوَّلِ وَدَخَلَ بِهَا غَيْرَ عَالِمٍ فِي عِدَّتِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: " وَلَوْ تَقَدَّمَ الْعَقْدُ عَلَى الْأَظْهَرِ "، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُقَرُّ الثَّانِي عَلَى نِكَاحِهَا، ثُمَّ إنْ حَصَلَ الْعَقْدُ فِي الْعِدَّةِ وَتَلَذُّذُ الثَّانِي بِهَا فِيهَا، أَوْ حَصَلَ مِنْهُ وَطْءٌ وَلَوْ بَعْدَهَا تَأَبَّدَ تَحْرِيمُهَا عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ قَبْلَهَا وَتَلَذَّذَ بِهَا فِيهَا فَعَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا دُونَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
(وَفُسِخَ) نِكَاحُهُمَا مَعًا (بِلَا طَلَاقٍ إنْ عَقَدَا بِزَمَنٍ) وَاحِدٍ تَحْقِيقًا أَوْ شَكَّا دَخَلَا أَحَدُهُمَا أَوَّلًا، (كَنِكَاحِ الثَّانِي) تَشْبِيهٌ فِي الْفَسْخِ بِلَا طَلَاقٍ: أَيْ كَمَا يُفْسَخُ نِكَاحُ الثَّانِي بِلَا طَلَاقٍ، (بِبَيِّنَةٍ) شَهِدَتْ (عَلَى إقْرَارِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ) بِهَا (أَنَّهُ ثَانٍ) : أَيْ إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى الثَّانِي أَنَّهُ قَبْلَ دُخُولِهِ عَلَيْهَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ ثَانٍ؛ فَإِنَّ نِكَاحَهُ يُفْسَخُ بِلَا طَلَاقٍ وَتَكُونُ لِلْأَوَّلِ كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ تَلَذَّذَ بِهَا عَالِمًا.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَتَرِثُهُ] إلَخْ: قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ تَتَزَوَّجُ بَعْدَ ضَرْبِ الْأَجَلِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَيَدْخُلُ بِهَا زَوْجُهَا فَيَنْكَشِفُ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ قَبْلَ وَفَاةِ الْمَفْقُودِ وَدَخَلَ بِهَا فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَقَدْ جَزَمُوا بِتَأْبِيدِ حُرْمَتِهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ انْتَهَى.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا بَعْدَ الْوَفَاةِ فَتَأْبِيدُ حُرْمَتِهَا بِاتِّفَاقٍ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ وَفَاةِ الْأَوَّلِ فَتَأْبِيدُ حُرْمَتِهَا عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ نَظَرًا لِوُقُوعِ الْوَطْءِ فِي الْعِدَّةِ، لَا عِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ زَوْجٍ كَمَا يَأْتِي فِي الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [كَنِكَاحِ الثَّانِي] إلَخْ: أَيْ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ بِلَا طَلَاقٍ وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: إنَّهَا لِلثَّانِي وَلَوْ مَعَ عِلْمِهِ بِالْأَوَّلِ فَقَضِيَّةُ
(لَا) إنْ أَقَرَّ (بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ الدُّخُولِ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا عَالِمًا بِأَنَّهُ ثَانٍ، (فَبِطَلَاقٍ) : أَيْ فَيُفْسَخُ بِطَلَاقٍ (كَجَهْلِ الزَّمَنِ) مَعَ الْعِلْمِ بِوُقُوعِهِمَا فِي زَمَنَيْنِ وَجَهِلَ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا فَيُفْسَخُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِطَلَاقٍ إنْ لَمْ يَدْخُلَا، أَوْ دَخَلَا مَعًا وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُتَقَدِّمُ مِنْهُمَا فِي الدُّخُولِ أَيْضًا.
فَإِنْ دَخَلَ أَحَدُهُمَا فَهِيَ لَهُ، كَمَا لَوْ دَخَلَا وَعُلِمَ الْمُتَقَدِّمُ.
وَلَوْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهُ الْأَحَقُّ بِهَا لِسَبْقِيَّةِ نِكَاحِهِ لِلْآخَرِ، تَسَاقَطَا لِتَعَارُضِهِمَا، وَلَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَعْدَلُ مِنْ الْأُخْرَى.
(وَأَعْدَلِيَّةُ) بَيِّنَتَيْنِ (مُتَنَاقِضَتَيْنِ) مُلْغَاةٌ هُنَا أَيْ فِي النِّكَاحِ (وَإِنْ صَدَّقَتْهَا هِيَ) أَيْ الْمَرْأَةُ لِتَنْزِيلِ الزِّيَادَةِ مَنْزِلَةَ شَاهِدٍ وَهُوَ سَاقِطٌ فِي النِّكَاحِ، بِخِلَافِ
[حاشية الصاوي]
ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْفَسْخُ بِطَلَاقٍ.
قَوْلُهُ: [لَا إنْ أَقَرَّ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْإِقْرَارَ بَعْدَ الدُّخُولِ وَتَحْتَهُ صُورَتَانِ: الْأُولَى أَنْ يُقِرَّ فَيَقُولَ عَقَدْت وَأَنَا عَالِمٌ بِالْأَوَّلِ ثُمَّ دَخَلْت، الثَّانِيَةُ أَنْ يَقُولَ دَخَلْت وَأَنَا عَالِمٌ بِالْأَوَّلِ، وَحُكْمُهَا وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: [فَيُفْسَخُ بِطَلَاقٍ] : أَيْ لِاحْتِمَالِ كَذِبِهِ فِي دَعْوَاهُ الْعِلْمَ بِالْأَوَّلِ وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ كَامِلًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا ادَّعَى كُلٌّ مِنْ الزَّوْجِ الثَّانِي أَوْ الزَّوْجَةِ أَوْ الْوَلِيِّ بَعْدَ التَّلَذُّذِ أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ قَبْلَهُ بِأَنَّهُ ثَانٍ، فَإِنَّهُ يُفْسَخُ النِّكَاحُ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ، وَتَكُونُ لِلْأَوَّلِ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ الْعِلْمُ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى مِنْ الزَّوْجَةِ أَوْ الْوَلِيِّ فَلَا أَثَرَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الزَّوْجِ فَيُفْسَخُ نِكَاحُ كُلٍّ بِطَلَاقٍ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِاحْتِمَالِ كَذِبِ الثَّانِي، وَأَمَّا الثَّانِي فَعَمَلًا بِإِقْرَارِهِ.
قَوْلُهُ: [مَعَ الْعِلْمِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا مَعَ اتِّحَادِ زَمَنِهِمَا فَهُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: " إنْ عَقَدَا بِزَمَنٍ " فَالْفَسْخُ لِلنِّكَاحَيْنِ بِلَا طَلَاقٍ.
قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَدْخُلَا] إلَخْ: هَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الشَّيْخِ سَالِمٍ وَ (شب) وَ (ح) ، خِلَافًا لِ (عب) مِنْ فَسْخِ النِّكَاحَيْنِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَعْدَلَ مِنْ الْأُخْرَى] : أَيْ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْعَدَالَةِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْمُرَجِّحَاتِ الْآتِيَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ هُنَا.
وَقَوْلُهُ: [وَإِنْ صَدَّقَتْهَا هِيَ] : رَدَّ بِالْمُبَالَغَةِ قَوْلَ أَشْهَبَ مِنْ اعْتِبَارِهَا إذَا
غَيْرِهِ كَالْبَيْعِ وَالْوَلَاءِ.
(وَفُسِخَ نِكَاحُ السِّرِّ) : أَيْ الِاسْتِكْتَامُ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: نِكَاحُ السِّرِّ بَاطِلٌ، وَالْمَشْهُورُ: أَنَّهُ مَا أُمِرَ الشُّهُودُ حِينَ الْعَقْدِ بِكَتْمِهِ (اهـ.) (إنْ لَمْ يَدْخُلْ) الزَّوْجُ.
(وَبَطَلَ) صَادِقٌ بِمَا إذَا لَمْ يَدْخُلْ طَالَ أَمْ لَا، وَبِمَا إذَا دَخَلَ وَلَمْ يَطُلْ فَإِنْ
[حاشية الصاوي]
صَدَّقَتْهَا الْمَرْأَةُ، وَإِنَّمَا أُلْغِيَتْ زِيَادَةُ الْعَدَالَةِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ شَاهِدٍ وَهُوَ سَاقِطٌ فِي النِّكَاحِ دُونَ غَيْرِهِ، فَلِذَلِكَ تَسْقُطُ الْبَيِّنَتَانِ لِتَنَاقُضِهِمَا وَعَدَمِ اعْتِبَارِ الْمُرَجِّحِ، وَحِينَئِذٍ فَيُقَيِّدُ مَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ اعْتِبَارِ الْمُرَجِّحَاتِ بِغَيْرِ النِّكَاحِ.
تَنْبِيهٌ:
إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ وَجُهِلَ الْأَحَقُّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فَالْأَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا إرْثَ وَعَلَى كُلٍّ مِنْ الصَّدَاقِ مَا زَادَ عَلَى إرْثِهِ، عَلَى فَرْضِ لَوْ وَرِثَ، وَقِيلَ يَشْتَرِكَانِ فِي نَصِيبِ زَوْجٍ وَاحِدٍ، فَعَلَى كُلٍّ الصَّدَاقُ كَامِلًا، وَأَمَّا إنْ مَاتَ الزَّوْجَانِ فَلَا إرْثَ وَلَا صَدَاقَ لَهَا عَلَى وَاحِدٍ، وَاعْتَدَّتْ عِدَّةَ وَفَاةٍ إنْ كَانَ يُفْسَخُ بِطَلَاقٍ لَا بِغَيْرِهِ فَتَسْتَبْرِئُ بِالدُّخُولِ حَصَلَ مَوْتٌ أَمْ لَا كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.
[نِكَاحُ السِّرِّ]
قَوْلُهُ: [وَفُسِخَ نِكَاحُ السِّرِّ] إلَخْ: مَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ خَوْفِ ظَالِمٍ أَوْ سَاحِرٍ وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ وَلَا فَسْخَ.
قَوْلُهُ: [وَالْمَشْهُورُ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ فِي نِكَاحِ السِّرِّ طَرِيقَتَيْنِ: طَرِيقَةُ الْبَاجِيِّ تَقُولُ: اسْتِكْتَامُ غَيْرِ الشُّهُودِ نِكَاحُ سِرٍّ أَيْضًا، كَمَا لَوْ تَوَاصَى الزَّوْجَانِ وَالْوَلِيُّ عَلَى كَتْمِهِ وَلَمْ يُوصُوا الشُّهُودَ بِذَلِكَ وَرَجَّحَهَا الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ و (بْن) ، وَطَرِيقَةُ ابْنِ عَرَفَةَ، وَرَجَّحَهَا الْمُؤَلِّفُ تَبَعًا لِ (ح) : أَنَّ نِكَاحَ السِّرِّ مَا أُوصِيَ الشُّهُودُ عَلَى كَتْمِهِ، أُوصِيَ غَيْرُهُمْ أَيْضًا عَلَى كَتْمِهِ أَمْ لَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي الزَّوْجَ انْضَمَّ لَهُ أَيْضًا غَيْرُهُ كَالزَّوْجَةِ أَوْ وَلِيِّهَا أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [حِينَ الْعَقْدِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا لَوْ وَقَعَ الْإِيصَاءُ بَعْدَهُ فَلَا يَضُرُّ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ.
قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَدْخُلْ وَبَطَلَ] : أَيْ فَفِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ يُفْسَخُ بِطَلَاقٍ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ يَرَيَانِ جَوَازَهُ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
طَالَ بَعْدَ الدُّخُولِ لَمْ يُفْسَخْ.
وَالطُّولُ فِيهِ (بِالْعُرْفِ) لَا بِوِلَادَةٍ الْأَوْلَادِ كَمَا فِي الْيَتِيمَةِ، وَكَمَا فِي الشَّرِيفَةِ يُزَوِّجُهَا وَلِيٌّ عَامٌّ مَعَ وُجُودِ خَاصٍّ لَمْ يُجْبِرْ، وَالْعُرْفُ بِاشْتِهَارِهِ بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ.
(وَهُوَ مَا أَوْصَى الزَّوْجُ فِيهِ الشُّهُودَ بِكَتْمِهِ) وَأَوْلَى: إنْ تَوَافَقَ مَعَهُ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجَةُ، بَلْ نَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْبَاجِيِّ: إنْ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى كَتْمِهِ وَلَمْ يَعْلَمُوا الْبَيِّنَةَ بِذَلِكَ فَهُوَ نِكَاحُ سِرٍّ، وَالْإِيصَاءُ بِالْكَتْمِ عَنْ جَمَاعَةٍ أَوْ عَنْ رَجُلٍ، بَلْ (وَإِنْ) أَوْصَى بِكَتْمِهِ (مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ أَيَّامًا) مُعَيَّنَةٍ كَثَلَاثَةٍ فَأَكْثَرَ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ الْيَوْمَانِ كَالْأَيَّامِ.
(وَعُوقِبَا) أَيْ الزَّوْجَانِ إذَا تَوَاطَآ عَلَى الْكَتْمِ (وَالشُّهُودُ) يُعَاقَبَانِ مَا لَمْ يَجْهَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُعَاقَبُ الشَّاهِدَانِ إنْ جَهِلَا، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: رُوِيَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ يُعَاقَبُ عَامِدٌ فَعَلَهُ مِنْهُمْ (إنْ دَخَلَا) ، فَإِنْ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [لَمْ يُفْسَخْ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ حَيْثُ قَالَ: يُفْسَخُ بَعْدَ الْبِنَاءِ وَلَوْ طَالَ.
قَوْلُهُ: [كَمَا فِي الْيَتِيمَةِ] إلَخْ: رَاجِعٌ لِلْمَنْفِيِّ فَإِنَّ الْيَتِيمَةَ وَمَنْ مَعَهَا الطُّولُ فِيهِمَا بِوِلَادَةِ الْأَوْلَادِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [فَهُوَ نِكَاحُ سِرٍّ] : أَيْ فَعَلَى طَرِيقَةِ الْبَاجِيِّ يُفْسَخُ النِّكَاحُ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَيَطُلْ حَيْثُ تَوَافَقَ الزَّوْجَانِ وَالْوَلِيُّ عَلَى الْكَتْمِ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ الشُّهُودُ بِالْكَتْمِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ امْرَأَةٍ] : ظَاهِرُهُ امْرَأَةُ الزَّوْجِ أَوْ غَيْرُهَا وَهُوَ مَا حَكَاهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَفِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ تَخْصِيصُهُ بِامْرَأَةِ الزَّوْجِ.
قَوْلُهُ: [وَقَالَ اللَّخْمِيُّ] إلَخْ: الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
قَوْلُهُ: [وَالشُّهُودَ] : الْأَرْجَحُ فِيهِ النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ لِضَعْفِ الْعَطْفِ هُنَا، لِأَنَّ فِيهِ الْعَطْفَ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلٍ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ.
قَوْلُهُ: [لَا يُعَاقَبُ الشَّاهِدَانِ إنْ جَهِلَا] : أَيْ وَمِثْلُهُمَا الزَّوْجَانِ، وَمَحَلُّ مُعَاقَبَةِ الزَّوْجَيْنِ إنْ لَمْ يُعْذَرَا بِالْجَهْلِ إنْ كَانَا غَيْرَ مُجْبَرَيْنِ، أَمَّا إنْ كَانَا مُجْبَرَيْنِ فَاَلَّذِي يُعَاقَبُ وَلِيُّهُمَا إنْ لَمْ يُعْذَرَا بِالْجَهْلِ.
ظَهَرَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ فَلَا عِقَابَ نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ وَغَيْرُهُ، وَعُلِمَ مِنْ هُنَا أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ عَدَمَ التَّوَاطُؤِ عَلَى كَتْمِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ بِالنِّسْبَةِ لِفَسْخِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: مَا يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ مَا لَمْ يَطُلْ؛ وَذَلِكَ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ: مَسْأَلَةِ الصَّغِيرَةِ الْيَتِيمَةِ إذَا زُوِّجَتْ مَعَ فَقْدِ شُرُوطِهَا، وَمَسْأَلَةِ الشَّرِيفَةِ تُزَوَّجُ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ مَعَ وُجُودِ خَاصٍّ غَيْرِ مُجْبِرٍ، وَمَسْأَلَةِ نِكَاحِ السِّرِّ لَكِنَّ الطُّولَ فِيهَا غَيْرُهُ فِيهَا وَتَقَدَّمَ.
الْقَسَمُ الثَّانِي: مَا يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا بَعْدَهُ.
الثَّالِثُ: مَا يُفْسَخُ أَبَدًا وَهُوَ الْأَصْلُ.
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرِينَ فَقَالَ:
(وَ) فُسِخَ النِّكَاحُ (قَبْلَهُ) : أَيْ قَبْلَ الدُّخُولِ (فَقَطْ) لَا بَعْدَهُ إنْ تَزَوَّجَهَا (عَلَى) شَرْطِ (أَنْ لَا تَأْتِيَهُ) الزَّوْجَةُ، أَوْ أَنْ لَا يَأْتِيهَا هُوَ (إلَّا نَهَارًا) فَقَطْ، (أَوْ لَيْلًا) فَقَطْ، لِأَنَّهُ مِمَّا يُنَاقِضُ مُقْتَضَى النِّكَاحِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْخَلَلِ فِي الصَّدَاقِ، وَلِذَا كَانَ يَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ لِأَنَّ الصَّدَاقَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا الشَّرْطِ.
(أَوْ) وَقَعَ النِّكَاحُ (بِخِيَارٍ) يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ (لِأَحَدِهِمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ أَوَّلهمَا مَعًا (أَوْ غَيْرٍ) أَجْنَبِيٍّ لِيَتَرَوَّى فِي ذَلِكَ فَيُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِالْمُسَمَّى إنْ كَانَ، وَإِلَّا فَبِصَدَاقِ الْمِثْلِ (إلَّا خِيَارَ الْمَجْلِسِ) فَلَا يُفْسَخُ لِجَوَازِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فِيهِ دُونَ الْبَيْعِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ وَغَيْرُهُ] : أَيْ كَمَا قَالَ ابْنُ نَاجِي إنَّ الْمُعَاقَبَةَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ فَسْخٌ بِأَنْ طَالَ الزَّمَنُ.
قَوْلُهُ: [وَعُلِمَ مِنْ هُنَا] : أَيْ فَلِذَلِكَ عَدَّهُ فِي الشُّرُوطِ فِيمَا تَقَدَّمَ.
[أَقْسَام النِّكَاح الْفَاسِد بِالنِّسْبَةِ لفسخه]
[الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّل وَالثَّانِي مَا يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ مَا لَمْ يَطُلْ وَفُسِخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَطْ]
قَوْلُهُ: [وَلِذَا كَانَ يَثْبُتُ بَعْدَهُ] : أَيْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُفْسَخُ وَلَوْ دَخَلَ.
قَوْلُهُ: [بِصَدَاقِ الْمِثْلِ] : أَيْ لَا بِالْمُسَمَّى وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لِعَقْدِهِ، وَقَوْلُهُمْ: فِي الْقَاعِدَةِ إنَّ مَا فَسَدَ لِعَقْدِهِ يَلْزَمُ بِالدُّخُولِ الْمُسَمَّى مَحَلُّهُ مَا لَمْ يُؤْثِرْ خَلَلًا فِي الصَّدَاقِ كَمَا هُنَا، وَإِلَّا مَضَى بِصَدَاقِ الْمِثْلِ كَالْفَاسِدِ لِصَدَاقِهِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [إلَّا خِيَارَ الْمَجْلِسِ] إلَخْ: فَإِنَّهُ هُنَا جَائِزٌ إذَا اُشْتُرِطَ، وَإِنْ بَحَثَ
(أَوْ) وَقَعَ (عَلَى) شَرْطِ أَنَّهُ (إنْ لَمْ يَأْتِ بِالصَّدَاقِ لِكَذَا) أَيْ لِوَقْتِ كَذَا (فَلَا نِكَاحَ) بَيْنَنَا؛ فَيُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَطْ (إنْ جَاءَ بِهِ) فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ أَوْ قَبْلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ فُسِخَ أَبَدًا.
(وَوَجْهُ الشِّغَارِ) : فَيُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ.
وَسَيَأْتِي أَنَّهُ: مَا وَقَعَ عَلَى أَنْ: تُزَوِّجُنِي بِنْتَك مَثَلًا بِكَذَا عَلَى أَنْ أُزَوِّجَك بِنْتِي بِكَذَا.
(كَكُلِّ مَا) أَيْ نِكَاحٍ (فَسَدَ لِصَدَاقِهِ) : أَيْ لِخَلَلٍ فِيهِ، كَكَوْنِهِ لَا يُمْلَكُ شَرْعًا كَخَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ.
أَوْ لِكَوْنِهِ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ.
أَوْ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ.
أَوْ مَجْهُولًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَيُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَقَطْ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ كَمَا يَأْتِي.
وَكُلُّ مَا (وَقَعَ عَلَى شَرْطٍ يُنَاقِضُ) الْمَقْصُودَ مِنْ النِّكَاحِ؛ (كَأَنْ) وَقَعَ عَلَى شَرْطِ أَنْ (لَا يَقْسِمُ) بَيْنَهَا وَبَيْنَ ضَرَّتِهَا فِي الْمَبِيتِ.
(أَوْ) عَلَى
[حاشية الصاوي]
فِيهِ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ اشْتِرَاطَهُ فِي الْبَيْعِ يُفْسِدُهُ فَأَوْلَى النِّكَاحُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ النِّكَاحَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُكَارَمَةِ فَتُسُومِحَ فِيهِ مَا لَمْ يُتَسَامَحْ فِي غَيْرِهِ.
تَنْبِيهٌ:
لَا إرْثَ فِي النِّكَاحِ بِخِيَارٍ إذَا حَصَلَ الْمَوْتُ قَبْلَ الدُّخُولِ، بِخِلَافِ الْمُفْتَاتِ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تَرِثُهُ وَإِنْ كَانَ لَهَا الْخِيَارُ، لِأَنَّ الْخِيَارَ لَهَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ لَا مِنْ جِهَةِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ كَمَا هُنَا ذَكَرَهُ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ.
قَوْلُهُ: [إنْ جَاءَ بِهِ] : أَيْ وَأَمَّا إنْ وَهِبَته لَهُ وَقَبِلَهُ فَاسْتَظْهَرَ فِي الْحَاشِيَةِ أَنَّهُ حُكْمُ مَا إذَا أَتَى بِهِ فِي التَّفْصِيلِ قَوْلُهُ: [يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ] : أَيْ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَقْتَضِيهِ.
وَإِنَّمَا كَانَ الْمُنَاقِضُ لِلْمَقْصُودِ فِيهِ صَدَاقَ الْمِثْلِ بِالدُّخُولِ، لِأَنَّهُ تَارَةً يَقْتَضِي الزِّيَادَةَ فِي الْمَهْرِ.
وَتَارَةً يَقْتَضِي النَّقْصَ، فَفِيهِ خَلَلٌ فِي الْمَهْرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَاحْتُرِزَ بِالشَّرْطِ الْمُنَاقِضِ لِلْمَقْصُودِ عَنْ الْمَكْرُوهِ، وَهُوَ مَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ فَلَا يُنَافِيهِ كَأَنْ لَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا أَوْ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا أَوْ لَا يُخْرِجُهَا مِنْ مَكَانِ كَذَا أَوْ مِنْ بَلَدِهَا فَلَا يُفْسَخُ قَبْلَ وَلَا بَعْدَ وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ مَا لَمْ يَكُنْ الْتَزَمَهَا لَهَا فِي يَمِينٍ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّحْجِيرِ.
وَعَنْ الْجَائِزِ وَهُوَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ كَحُسْنِ الْعِشْرَةِ وَإِجْرَاءِ النَّفَقَةِ، فَإِنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ.
قَوْلُهُ: [كَأَنْ وَقَعَ عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا يَقْسِمَ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ
شَرْطِ أَنْ (يُؤْثِرَ عَلَيْهَا) ضَرَّتَهَا بِأَنْ يَجْعَلَ لِضَرَّتِهَا جُمُعَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ تَسْتَقِلُّ بِهَا عَنْهَا.
(أَوْ) شَرَطَتْ (أَنَّ نَفَقَةَ) زَوْجِهَا (الْمَحْجُورِ) لِصِغَرِهِ أَوْ لِرِقِّهِ؛ أَيْ شَرَطَتْ عِنْدَ تَزْوِيجِهَا بِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ أَنَّ نَفَقَتَهَا تَكُونُ (عَلَى وَلِيِّهِ) أَبِيهِ أَوْ سَيِّدِهِ، فَإِنَّهُ شَرْطٌ مُنَاقِضٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا، فَشَرْطُ خِلَافِهِ مُضِرٌّ.
(أَوْ عَلَيْهَا) : أَيْ شَرَطَ الزَّوْجُ أَنَّ نَفَقَتَهُ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ شَرْطٌ مُخِلٌّ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَتْ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى وَلَدِهَا أَوْ عَلَى أَبِيهَا أَوْ عَلَى أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا مَتَى أَحَبَّتْ فَيُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الْجَمِيعِ، وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ بِصَدَاقِ الْمِثْلِ.
(وَأُلْغِيَ) الشَّرْطُ الْمُنَاقِضُ فَلَا يُعْمَلُ بِهِ.
وَأَشَارَ لِلْقِسْمِ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: (وَ) (فُسِخَ مُطْلَقًا) قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ وَإِنْ طَالَ (فِي غَيْرِ مَا مَرَّ) مِنْ الْقِسْمَيْنِ؛ كَمَا لَوْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْوَلِيِّ أَوْ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ اخْتَلَّ رُكْنُ كَمَا لَوْ زَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا بِلَا وَلِيٍّ، أَوْ لَمْ تَقَعْ الصِّيغَةُ بِقَوْلٍ بَلْ بِكِتَابَةٍ أَوْ إشَارَةٍ، أَوْ بِقَوْلٍ غَيْرِ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا، وَأَوْلَى إنْ لَمْ
[حاشية الصاوي]
إلَّا بِالِاشْتِرَاطِ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ وَأَمَّا إنْ حَصَلَ مِنْهَا شَيْءٌ بَعْدَ الْعَقْدِ وَهِيَ فِي الْعِصْمَةِ فَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ، فَلَهَا أَنْ تُسْقِطَ حَقَّهَا فِي الْقِسْمَةِ، وَلَهَا أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى أَوْلَادِهَا مِنْ غَيْرِهِ وَأَبِيهَا وَمَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ لَا تَضُرُّ.
قَوْلُهُ: [وَأُلْغِيَ الشَّرْطُ الْمُنَاقِضُ] : أَيْ لِأَنَّ كُلَّ شَرْطٍ خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ فَهُوَ لَاغٍ وَبَاطِلٌ.
[الْقِسْمِ الثَّالِثِ فُسِخَ مُطْلَقًا قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ وَإِنْ طَالَ]
قَوْلُهُ: [كَمَا لَوْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الْوَلِيِّ] : إلَخْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ اخْتِلَالِ بَعْضِ شُرُوطِ الزَّوْجَيْنِ، فَإِنَّ اتِّفَاقَ الزَّوْجَيْنِ مَعَ الشُّهُودِ عَلَى الْكَتْمِ لَا يُفْسَخُ النِّكَاحُ فِيهِ أَبَدًا بَلْ إذَا لَمْ يَدْخُلْ وَيَطُلْ، وَقَدْ يُقَالُ اتَّكَلَ فِي هَذَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [بَلْ بِكِتَابَةٍ أَوْ إشَارَةٍ] : أَيْ لِغَيْرِ الْأَخْرَسِ، وَأَمَّا هُوَ فَيَكْفِي.
قَوْلُهُ: [أَوْ بِقَوْلِ غَيْرٍ مُعْتَبَرٍ شَرْعًا] : أَيْ بِصِيغَةٍ لَيْسَ فِيهَا زَوَّجْت وَلَا أَنْكَحْت وَلَا وَهَبْت مَقْرُونًا بِصَدَاقٍ، وَلَا مَا يَقْتَضِي الْبَقَاءَ مُدَّةَ الْحَيَاةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، كَمَا إذَا وَقَعَ بِلَفْظِ الْعَارِيَّةِ أَوْ الْحَبْسِ مَثَلًا:
تَقَعْ أَصْلًا كَالْمُعَاطَاةِ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ شُهُودٌ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ وَقَعَ بِشَهَادَةِ عَدْلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ بِفَاسِقَيْنِ.
وَ (كَالنِّكَاحِ لِأَجْلٍ) : وَهُوَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ عُيِّنَ الْأَجَلُ أَمْ لَا، وَيُعَاقَبُ فِيهِ الزَّوْجَانِ وَلَا يُحَدَّانِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيُفْسَخُ بِلَا طَلَاقٍ، وَالْمُضِرُّ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ لِلْمَرْأَةِ أَوْ وَلِيِّهَا، وَأَمَّا لَوْ أَضْمَرَ الزَّوْجُ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مَا دَامَ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ أَوْ مُدَّةَ سَنَةٍ ثُمَّ يُفَارِقُهَا فَلَا يَضُرُّ، وَلَوْ فَهِمَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ حَالِهِ ذَلِكَ.
وَلَمَّا دَخَلَ فِي غَيْرِ مَا مَرَّ النِّكَاحُ فِي الْمَرَضِ وَكَانَ حُكْمُهُ مُخَالِفًا لِغَيْرِهِ اسْتَثْنَاهُ بِقَوْلِهِ: (إلَّا) النِّكَاحَ (بِمَرَضٍ) مِنْ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ (فَ) يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ، لَكِنْ (لِلصِّحَّةِ) ، فَإِنْ صَحَّ الْمَرِيضُ لَمْ يُفْسَخْ.
ثُمَّ الْفَسْخُ تَارَةً يَكُونُ بِطَلَاقٍ وَتَارَةً بِغَيْرِهِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى كُلٍّ أَحْكَامٌ أَشَارَ لِذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ) أَيْ الْفَسْخُ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ (طَلَاقٌ) ، فَإِنْ أَعَادَ الْعَقْدَ بَعْدَهُ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [عُيِّنَ الْأَجَلُ أَمْ لَا] : فَمِثَالُ تَعْيِينِ الْأَجَلِ كَقَوْلِهِ: زَوِّجْنِي بِنْتَك عَشْرَ سِنِينَ بِكَذَا، وَعَدَمُ تَعْيِينِهِ كَقَوْلِهِ: زَوِّجْنِي بِنْتَك مُدَّةَ إقَامَتِي فِي هَذَا الْبَلَدِ فَإِذَا سَافَرَتْ فَارَقْتهَا.
قَوْلُهُ: [وَيُعَاقَبُ فِيهِ الزَّوْجَانِ] إلَخْ: أَيْ وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ.
قَوْلُهُ: [وَيُفْسَخُ بِلَا طَلَاقٍ] : أَيْ لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى مَنْعِهِ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إلَّا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ وَفِيهِ الْمُسَمَّى إنْ دَخَلَا، لِأَنَّ فَسَادَهُ لِعَقْدِهِ، وَقِيلَ صَدَاقُ الْمِثْلِ لِأَنَّ ذِكْرَ الْأَجَلِ أَثَّرَ خَلَلًا فِي الصَّدَاقِ وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ الْأَوَّلَ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا لَوْ أَضْمَرَ] إلَخْ: قَالَ بَعْضُهُمْ وَهِيَ فَائِدَةٌ تَنْفَعُ الْمُتَغَرِّبَ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ إذَا أَجَّلَهُ بِأَجَلٍ لَا يَبْلُغُهُ عُمْرُهُمَا كَمِائَةِ سَنَةٍ، فَقِيلَ يَنْفَسِخُ لِأَنَّهُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ، وَقِيلَ لَا كَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ الْأَوَّلُ لِابْنِ عَرَفَةَ وَالثَّانِي لِأَبِي الْحَسَنِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ فَهِمَتْ] : أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ اقْتِصَارِ الْأُجْهُورِيِّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ أَضْمَرَهُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ تَفْهَمْهُ الْمَرْأَةُ وَلَا وَلِيُّهَا فَجَائِزٌ اتِّفَاقًا.
[فَسْخ النِّكَاح بِالطَّلَاقِ وَغَيْره]
قَوْلُهُ: [طَلَاقٌ] : أَيْ بَائِنٌ سَوَاءٌ أَوْقَعَهُ الْحَاكِمُ أَوْ الزَّوْجُ لَفَظَ فِيهِ بِالطَّلَاقِ أَوْ لَا.
صَحِيحًا كَانَتْ مَعَهُ بِطَلْقَتَيْنِ، وَإِنْ أَعَادَهُ صَحِيحًا قَبْلَهُ اسْتَمَرَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ أَعَادَهُ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ غَيْرِهِ: (إنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ) بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَلَوْ خَارِجَ الْمَذْهَبِ، وَلَوْ فِي مَذْهَبٍ انْقَرَضَ كَغَيْرِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَوْ أُجْمِعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْقُدُومِ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً؛ كَالشِّغَارِ فَإِنَّهُ لَا قَائِلَ بِجَوَازِهِ، وَإِنَّمَا قِيلَ بِصِحَّتِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ.
وَمَا ذَكَرَهُ إشَارَةً إلَى قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ وَهِيَ: كُلُّ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَفَسْخُهُ بِطَلَاقٍ (كَشِغَارٍ) أَيْ صَرِيحِهِ يُفْسَخُ أَبَدًا بِطَلَاقٍ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ، (وَإِنْكَاحِ) وَلِيٍّ فَقَدَ شَرْطًا مِمَّا تَقَدَّمَ (كَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ) وَالْمُحْرِمِ يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِ امْرَأَةٍ، فَإِنَّهُ يُفْسَخُ أَبَدًا بِطَلَاقٍ.
وَأَشَارَ إلَى قَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ: أَنَّ كُلَّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَالتَّحْرِيمُ بِهِ لِلْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ كَالصَّحِيحِ، بِقَوْلِهِ: (وَالتَّحْرِيمُ بِهِ) : أَيْ بِالْمُخْتَلَفِ فِيهِ (كَالصَّحِيحِ) أَيْ كَالتَّحْرِيمِ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ، فَالْعَقْدُ الْفَاسِدُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ يُحَرِّمُهَا عَلَى أُصُولِهِ وَفُصُولِهِ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِ أُصُولَهَا لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبَنَاتِ يُحَرِّمُ الْأُمَّهَاتِ لَا فُصُولَهَا، لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأُمَّهَاتِ لَا يُحَرِّمُ الْبَنَاتَ، فَإِذَا دَخَلَ بِالْأُمِّ حَرُمَتْ الْبِنْتُ أَيْضًا، (وَفِيهِ) : أَيْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ (الْإِرْثُ) بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْفَسْخِ، وَهَذَا إشَارَةٌ لِقَاعِدَةٍ ثَالِثَةٍ يَجْمَعُ الثَّلَاثَةَ قَاعِدَةٌ وَاحِدَةٌ: كُلُّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ فِي التَّحْرِيمِ وَالْإِرْثِ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [اسْتَمَرَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ] : أَيْ فَالْعِصْمَةُ كَامِلَةٌ.
قَوْلُهُ: [فَفَسْخُهُ بِطَلَاقٍ] : أَيْ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ كَالصَّحِيحِ فَيُعْطَى حُكْمُهُ.
قَوْلُهُ: [لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ] : أَيْ فَإِنَّهُ قِيلَ بِصِحَّتِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ.
قَوْلُهُ: [كَالْعَبْدِ] : اعْتَرَضَ التَّمْثِيلَ بِهِ بِقَوْلِ التَّوْضِيحِ لَا أَعْلَمُ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ كَوْنِ الْعَبْدِ وَلِيًّا وَقَالَ أَيْضًا فِي نَقْلِهِ عَنْ أَصْبَغَ: وَلَا مِيرَاثَ فِي النِّكَاحِ الَّذِي تَوَلَّى الْعَبْدُ عُقْدَتَهُ، وَإِنْ فُسِخَ بِطَلْقَةٍ لِضَعْفِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ (اهـ) . وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِصِحَّةِ عَقْدِهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ تَوْلِيَةُ الْعَبْدِ نِكَاحَ امْرَأَةٍ وَعَقْدُ الْمَرْأَةِ عَلَى نَفْسِهَا أَوْ امْرَأَةٍ غَيْرِهَا يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَلَوْ وَلَدَتْ الْأَوْلَادَ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأُمَّهَاتِ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ مُتَّفَقًا عَلَى صِحَّتِهِ.
وَفَسْخُهُ بِطَلَاقٍ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ ثُبُوتِ الْإِرْثِ مَسْأَلَةَ الْمَرِيضِ بِقَوْلِهِ: (إلَّا نِكَاحَ الْمَرِيضِ) ، فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلَا إرْثَ فِيهِ، سَوَاءٌ مَاتَ الْمَرِيضُ أَوْ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ عِلَّةَ فَسَادِهِ إدْخَالُ وَارِثٍ دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ.
(بِخِلَافِ الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ) فَفَسْخُهُ بِلَا طَلَاقٍ دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ، وَلَا يَحْتَاجُ الْفَسْخُ فِيهِ لِحُكْمٍ لِعَدَمِ انْعِقَادِهِ مِنْ أَصْلِهِ، بِخِلَافِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ حَيْثُ امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ فَسْخِهِ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ الْفَسْخُ فِيهِ لِحُكْمِ حَاكِمٍ، فَلَوْ عَقَدَ عَلَيْهَا غَيْرُهُ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِالْفَسْخِ وَقَبْلَ رِضَا الزَّوْجِ بِفَسْخِهِ لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهُ، لِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى ذَات زَوْجٍ وَلَا إرْثَ فِيهِ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ فَسْخِهِ لِمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَمْ يَنْعَقِدْ بِوَجْهٍ (كَالْخَامِسَةِ) : فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى فَسَادِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ الظَّاهِرِيَّةِ لِخُرُوجِهِمْ عَنْ إجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَأَوْلَى أُصُولُهُ وَفُصُولُهُ، وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ وَأُمٍّ زَوْجَتُهُ وَمَبْتُوتَةُ قَبْلَ الزَّوْجِ.
(وَالتَّحْرِيمُ فِيهِ) ، أَيْ فِي الْمُجْمَعِ عَلَى فَسَادِهِ عَلَى أُصُولِ زَوْجَتِهِ وَفُرُوعِهَا،
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [إلَّا نِكَاحَ الْمَرِيضِ] : أَيْ فَقَطْ خِلَافًا لِأَصْبَغَ فَإِنَّهُ جَعَلَ نِكَاحَ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: [فَلَوْ عَقَدَ عَلَيْهَا غَيْرُهُ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا عَقْدُهُ هُوَ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَتَكُونُ بِعِصْمَةٍ كَامِلَةٍ فَلِذَلِكَ كَانَ طَلَبُ الْفَسْخِ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ عَقْدِ الْغَيْرِ وَانْقِطَاعِ حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: [وَلَا إرْثَ فِيهِ] : مِنْ تَتِمَّةِ الْكَلَامِ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ الظَّاهِرِيَّةِ] : أَيْ فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ لِلرَّجُلِ تِسْعًا مُسْتَدِلِّينَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] الْآيَةَ جَاعِلِينَ الْوَاوَ عَلَى بَابِهَا.
قَوْلُهُ: [لِخُرُوجِهِمْ عَنْ إجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ] : أَيْ لِأَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَاوَ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى أَوْ.
قَوْلُهُ: [وَأَوْلَى أُصُولُهُ وَفُصُولُهُ] : أَيْ مَا لَمْ تَكُنْ فُصُولُهُ مِنْ مَاءِ الزِّنَا فَلَيْسَ بِمُتَّفَقٍ عَلَى فَسَادِهِ، بَلْ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ بِجَوَازِهِ.
وَتَحْرِيمُ زَوْجَتِهِ عَلَى أُصُولِهِ وَفُصُولِهِ (بِالتَّلَذُّذِ) بِهَا بِالْوَطْءِ، أَوْ مُقَدَّمَاتِهِ لَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ عَدَمٌ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى حُكْمِ صَدَاقِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بِقَوْلِهِ:
(وَمَا) : أَيْ وَكُلُّ نِكَاحٍ (فُسِخَ بَعْدَهُ) : أَيْ بَعْدَ الدُّخُولِ وَلَوْ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ فَسَادُهُ إلَّا لِعَقْدِهِ فَقَطْ أَوْ لِعَقْدِهِ وَصَدَاقِهِ مَعًا، (فَفِيهِ الْمُسَمَّى) مِنْ الصَّدَاقِ (إنْ كَانَ) ، ثَمَّ مُسَمًّى مَعْلُومٌ.
(وَحَلَّ) : أَيْ كَانَ حَلَالًا.
(وَإِلَّا) : بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى - أَوْ كَانَ وَلَكِنَّهُ كَانَ حَرَامًا لِذَاتِهِ كَخَمْرٍ - أَوْ لِوَصْفِهِ كَجَهْلِهِ أَوْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ كَآبِقٍ - (فَصَدَاقُ الْمِثْلِ) .
(وَلَا شَيْءَ) مِنْ الصَّدَاقِ (بِالْفَسْخِ قَبْلَهُ) ، أَيْ قَبْلَ الدُّخُولِ، سَوَاءٌ الْمُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ وَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ (إلَّا فِي نِكَاحِ الدِّرْهَمَيْنِ) ، وَالْمُرَادُ بِهِ: مَا قَلَّ مِنْ الصَّدَاقِ الشَّرْعِيِّ إذَا امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ إتْمَامِهِ، فَفُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَفِيهِ نِصْفُهُمَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَقِيلَ لَا شَيْءَ فِيهِ كَغَيْرِهِ.
(أَوْ) إلَّا فِي (دَعْوَاهُ) : أَيْ الزَّوْجِ (الرَّضَاعَ) مَعَ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، (فَأَنْكَرَتْ) فَفُسِخَ لِإِقْرَارِهِ بِالرَّضَاعِ فَيَلْزَمُهُ نِصْفُ الْمُسَمَّى لِاتِّهَامِهِ
[حاشية الصاوي]
[حُكْمِ صَدَاقِ النِّكَاحِ الْفَاسِدِ]
قَوْلُهُ: [سَوَاءٌ الْمُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ] إلَخْ: كَانَ فَسَادُهُ لِعَقْدِهِ أَوْ لِصَدَاقِهِ أَوْ لَهُمَا فَلَيْسَ الْفَسْخُ قَبْلَ الدُّخُولِ مِثْلُ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ لَا شَيْءَ فِيهِ] : مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي نَقَلَهُ الْجَلَّابُ، وَصَوَّبَ الْقَابِسِيُّ الْأَوَّلَ، وَابْنُ الْكَاتِبِ الثَّانِيَ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْأَوَّلِ لِقَوْلِ الْمُتَيْطِيِّ إنَّهُ قَالَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْقَرَوِيِّينَ.
قَوْلُهُ: [أَوْ إلَّا فِي دَعْوَاهُ] إلَخْ: وَمِثْلُ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فُرْقَةُ الْمُلَاعَنَيْنِ قَبْلَ الْبِنَاءِ لِقَوْلِهِمْ كُلُّ نِكَاحٍ فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ إلَّا نِكَاحَ الدِّرْهَمَيْنِ، وَفُرْقَةُ الْمُتَرَاضِعَيْنِ وَفُرْقَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ نِصْفُ الْمُسَمَّى فِي الْمُتَلَاعِنِينَ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْمُتَرَاضِعَيْنِ، وَلِذَلِكَ لَوْ ثَبَتَ الرَّضَاعُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارِهِمَا أَوْ ثَبَتَ الزِّنَا فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ.
قَوْلُهُ: [فَأَنْكَرَتْ] : أَيْ أَوْ أَقَرَّتْ وَكَانَتْ غَيْرَ رَشِيدَةٍ.
عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ فِرَاقَهَا بِلَا شَيْءٍ.
(وَطَلَاقُهُ) أَيْ الزَّوْجِ (كَالْفَسْخِ) ، فَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِي فَسَادِهِ وَقَعَ طَلَاقًا وَإِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ فَهُوَ مُجَرَّدُ فِرَاقٍ، وَلَا يَحْتَاجُ لِرَفْعٍ بَعْدَهُ فَإِنْ دَخَلَ فَالْعِدَّةُ مِنْ يَوْمِ الْفَسْخِ أَوْ الطَّلَاقِ وَلَهَا الْمُسَمَّى إنْ كَانَ وَإِلَّا فَصَدَاقُ الْمِثْلِ، وَلَا شَيْءَ لَهَا إنْ طَلَّقَ قَبْلَهُ إلَّا نِكَاحَ الدِّرْهَمَيْنِ فَنِصْفُهُمَا.
(وَتُعَاضُ) الْمَرْأَةُ (الْمُتَلَذَّذُ بِهَا) فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ بِلَا وَطْءٍ - بَلْ بِقِبْلَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ تُعَاضُ بِشَيْءٍ فِي نَظِيرِ تَلَذُّذِهِ بِهَا بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا صَدَاقَ لَهَا فِي الْفَسْخِ وَالطَّلَاقِ، سَوَاءٌ كَانَ مُخْتَلِفًا فِيهِ أَوْ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ.
(وَلِوَلِيٍّ صَغِيرٍ) تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ (فَسْخُ عَقْدِهِ) إذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ؛ (فَلَا مَهْرَ) لَهَا (وَلَا عِدَّةَ) عَلَيْهَا إنْ وَطِئَهَا وَلَوْ أَزَالَ بَكَارَتَهَا؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ كَالْعَدَمِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهَا فِي الْبَكَرِ أَرْشُ مَا شَانَهَا، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ فَلَمْ يَقُلْ: وَيَنْبَغِي.
وَفَسْخُهُ بِطَلَاقٍ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ غَايَتُهُ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بِالِاجْتِهَادِ] : أَيْ فَإِنَّهَا تُعْطَى شَيْئًا وُجُوبًا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ أَوْ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ عَلَى مَا لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ اجْتِهَادُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي قَدْرِهِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ، أَوْ يَكْفِي وَلَوْ كَانَ مَوْجُودًا وَاخْتَارَهُ فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلِوَلِيٍّ صَغِيرٍ] إلَخْ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَإِذَا لَمْ يَرُدُّ الْوَلِيُّ نِكَاحَ الصَّبِيِّ وَالْحَالُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي رَدِّهِ حَتَّى كَبِرَ وَخَرَجَ عَنْ وِلَايَتِهِ جَازَ النِّكَاحُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْتَقِلَ النَّظَرُ إلَيْهِ فَيُمْضِيَ أَوْ يَرُدَّ كَذَا فِي (بْن اهـ) . فَاللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ لَا لِلتَّخْيِيرِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ إنْ وَجَدَ الْمَصْلَحَةَ فِي إبْقَائِهِ تَعَيَّنَ وَإِنْ وَجَدَهَا فِي رَدِّهِ تَعَيَّنَ وَإِنْ اسْتَوَتْ خُيِّرَ.
قَوْلُهُ: [وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا] إلَخْ: أَيْ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْفَسْخِ فَعَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ.
قَوْلُهُ: [وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْحَسَنِ] : وَمِثْلُهُ فِي نَقْلِ الْمَوَّاقِ إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الصَّغِيرِ لِأَنَّ تَسْلِيطَهَا لَهُ كَالْعَدَمِ، وَأَمَّا الْكَبِيرَةُ فَكَأَنَّهُمْ نَظَرُوا إلَى أَنَّهَا إنَّمَا سَلَّطَتْهُ فِي نَظِيرِ الْمَهْرِ وَلَمْ يَتِمَّ فَرَجَعَ لِلْأَرْشِ.
(وَلِلسَّيِّدِ رَدُّ نِكَاحِ عَبْدِهِ) الْقِنِّ أَوْ مَنْ فِيهِ شَائِبَةٌ كَمُكَاتَبٍ إذَا تَزَوَّجَ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ (بِطَلْقَةٍ فَقَطْ) لَا أَكْثَرَ، فَإِنْ أَوْقَعَ أَكْثَرَ لَمْ يَلْزَمْ الْعَبْدَ إلَّا وَاحِدَةٌ (وَهِيَ) طَلْقَةٌ (بَائِنَةٌ) لِمَا يَأْتِي أَنَّ الرَّجْعِيَّ إنَّمَا يَكُونُ فِي نِكَاحٍ لَازِمٍ حَلَّ وَطْؤُهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِلَازِمٍ وَلَهُ إمْضَاؤُهُ.
وَمَحِلُّ تَخْيِيرِهِ بِالرَّدِّ وَالْإِمْضَاءِ (إنْ لَمْ يَبِعْهُ أَوْ يُعْتِقْهُ) ، فَإِنْ بَاعَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ فَلَا كَلَامَ لَهُ لِزَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ، وَلَيْسَ لِمُشْتَرِيهِ فَسْخُ نِكَاحِهِ وَكَذَا إنْ وَهَبَهُ.
[حاشية الصاوي]
تَنْبِيهٌ:
وَإِنْ زَوَّجَ الْوَلِيُّ الصَّغِيرُ بِشُرُوطٍ - وَكَانَتْ تَلْزَمُ إنْ وَقَعَتْ مِنْ مُكَلَّفٍ - كَأَنْ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ تَسَرَّى فَهِيَ أَوْ الَّتِي يَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ، وَالْتَزَمَ الْوَلِيُّ تِلْكَ الشُّرُوطَ أَوْ زَوَّجَ الْوَلَدُ نَفْسَهُ عَلَى تِلْكَ الشُّرُوطِ، ثُمَّ بَلَغَ وَكَرِهَ بَعْدَ بُلُوغِهِ تِلْكَ الشُّرُوطَ وَطَلَبَتْهَا الْمَرْأَةُ، فَإِنَّ النِّكَاحَ يُفْسَخُ بِطَلَاقٍ جَبْرًا حَيْثُ لَمْ تَرْضَ بِإِسْقَاطِ الشُّرُوطِ، وَلَمْ يَدْخُلْ بَعْدَ بُلُوغِهِ عَالِمًا بِهَا، وَإِلَّا لَزِمَتْهُ وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَإِلَّا سَقَطَتْ عَنْهُ، وَلَوْ دَخَلَ عَالِمًا لِأَنَّهَا مَكَّنَتْ مِنْ نَفْسِهَا مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الشُّرُوطُ.
وَاخْتُلِفَ إذَا وَقَعَ الْفَسْخُ قَبْلَ الدُّخُولِ هَلْ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ - وَرُجِّحَ - أَوْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؟ قَوْلَانِ عُمِلَ بِهِمَا وَإِنْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ وَقْتَ الْعَقْدِ وَالشُّرُوطِ كَانَ كَبِيرًا وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا فَالْقَوْلُ لَهَا أَوْ لِوَلِيِّهَا بِيَمِينٍ وَيَلْزَمُهُ الشُّرُوطُ كَذَا فِي الْأَصْلِ.
[رد السَّيِّد نِكَاح عَبْده]
قَوْلُهُ: [وَلِلسَّيِّدِ] إلَخْ: اللَّامُ هُنَا لِلتَّخْيِيرِ أَيْ فَلَهُ الرَّدُّ وَلَوْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي الْإِجَازَةِ، لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْمَصْلَحَةُ مَعَ عَبْدِهِ، بِخِلَافِ وَلِيِّ الصَّغِيرِ كَمَا يَأْتِي وَمَحَلُّ كَوْنِ السَّيِّدِ مُخَيَّرًا مَا لَمْ يَكُنْ الْمُتَزَوِّجُ أُنْثَى وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْفَسْخُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [وَلَهُ إمْضَاؤُهُ] : أَيْ وَلَوْ طَالَ الزَّمَانُ بَعْدَ عِلْمِهِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ بَاعَهُ] : أَيْ عَالِمًا بِتَزْوِيجِهِ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ لِمُشْتَرِيهِ] إلَخْ: أَيْ بَلْ يُقَالُ لَهُ: إنْ كُنْت عَلِمْت بِالتَّزْوِيجِ قَبْلَ الشِّرَاءِ فَهُوَ عَيْبٌ دَخَلْت عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَكَ رَدُّ الْعَبْدِ لِبَائِعِهِ، وَلَك التَّمَسُّكُ بِهِ وَلَيْسَ لَك رَدُّ نِكَاحِهِ.
وَلَوْ اخْتَلَفَتْ وَرَثَةُ الْمُشْتَرِي فِي الرَّدِّ وَعَدَمِهِ وَالْحَالُ
(وَلَهَا) أَيْ لِزَوْجَةِ الْعَبْدِ إنْ رَدَّ سَيِّدُهُ نِكَاحَهُ (رُبْعُ دِينَارٍ إنْ دَخَلَ بِهَا) وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَتَرُدُّ الزَّائِدَ إنْ قَبَضَتْهُ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً، (وَأُتْبِعَ) الْعَبْدُ (بِمَا بَقِيَ) بَعْدَ رُبْعِ الدِّينَارِ فِي ذِمَّتِهِ تَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ إنْ عَتَقَ (إنْ غَرَّ) زَوْجَتَهُ حَالَ التَّزْوِيجِ بِأَنَّهُ حُرٌّ، لَا إنْ لَمْ يَغُرَّهَا فَلَا تَتْبَعُهُ بِشَيْءٍ وَمَحِلُّ إتْبَاعِهِ إنْ غَرَّهَا (مَا لَمْ يُبْطِلْهُ) عَنْهُ قَبْلَ عِتْقِهِ (سَيِّدٌ أَوْ حَاكِمٌ) إنْ غَابَ سَيِّدُهُ، فَإِنْ أَبْطَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ طَلَبٌ.
(فَلَوْ امْتَنَعَ) السَّيِّدُ مِنْ إجَازَةِ نِكَاحِ عَبْدِهِ ابْتِدَاءً حِينَ سُئِلَ عَنْهَا وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ رَدٌّ وَلَا فَسْخٌ، وَإِنَّمَا قَالَا: لَا أُجِيزُ (فَلَهُ الْإِجَازَةُ) بَعْدَ ذَلِكَ (إنْ قَرُبَ) الْأَمْرُ كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ لَا أَكْثَرَ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ امْتِنَاعٌ فَلَهُ الْإِجَازَةُ، وَلَوْ طَالَ الزَّمَنُ (وَلَمْ يُرِدْ) بِامْتِنَاعِهِ (الْفَسْخَ) وَإِلَّا كَانَ فَسْخًا (أَوْ) لَمْ (يَشُكَّ)
[حاشية الصاوي]
أَنَّ مُورِثَهُمْ مَاتَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِتَزْوِيجِهِ، أَوْ بَعْدَ أَنْ عَلِمَ وَقَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ لِمَنْ طَلَبَ الرَّدَّ وَمَحَلُّ عَدَمِ رَدِّ السَّيِّدِ الْأَوَّلِ لِنِكَاحِهِ إنْ بَاعَهُ مَا لَمْ يُرَدَّ لَهُ بِعَيْبِ التَّزْوِيجِ، وَإِلَّا فَلَهُ رَدُّ نِكَاحِهِ إنْ كَانَ بَاعَهُ غَيْرَ عَالِمٍ، وَمَفْهُومُ قَوْلِنَا: مَا لَمْ يُرَدَّ لَهُ بِعَيْبِ التَّزْوِيجِ، أَنَّهُ لَوْ رُدَّ لَهُ بِعَيْبٍ آخَرَ بِأَنْ لَمْ يَطَّلِعْ الْمُشْتَرِي عَلَى عَيْبِ التَّزْوِيجِ وَرَدَّهُ بِغَيْرِهِ كَانَ لِلْبَائِعِ رَدُّ نِكَاحِهِ أَيْضًا، وَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبِ التَّزْوِيجِ وَرَضِيَهُ وَرَدَّهُ بِغَيْرِهِ فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْبَائِعَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَرْشِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا رَضِيَ بِهِ فَكَأَنَّهُ حَدَثَ عِنْدَهُ وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ رَدُّ نِكَاحِهِ لِأَخْذِهِ أَرْشَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَالْآخَرُ لَيْسَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَرْشِهِ وَلَهُ رَدُّ النِّكَاحِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ ابْتِدَاءُ بَيْعٍ، وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهُ نَقْضٌ لِلْبَيْعِ مِنْ أَصْلِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: [لَا إنْ لَمْ يَغُرَّهَا] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَقِيلَ، إنَّهَا تَتْبَعُهُ بِبَاقِي الْمُسَمَّى مُطْلَقًا غَرَّ أَوْ لَا وَالْقَوْلَانِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
قَوْلُهُ: [لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَيْهِ طَلَبٌ] : أَيْ لِأَنَّ الدَّيْنَ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ عَيْبٌ يَجُوزُ لَهُ إبْطَالُهُ وَالْحَاكِمُ يَقُومُ مَقَامَهُ.
قَوْلُهُ: [لَا أَكْثَرَ] : أَيْ فَالثَّلَاثَةُ طُولٌ لَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ بَعْدَهَا.
قَوْلُهُ: [وَلَمْ يُرِدْ بِامْتِنَاعِهِ الْفَسْخَ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسَائِلَ ثَلَاثٌ:
السَّيِّدُ (فِي إرَادَتِهِ) بِالِامْتِنَاعِ هَلْ قَصَدَ بِهِ الْفَسْخَ أَوْ لَا، فَإِنْ شَكَّ حَمَلَ عَلَى الْفَسْخِ وَلَا إجَازَةَ لَهُ؛ فَيَشُكُّ بِفَتْحِ الْيَاءِ، مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ.
(وَلِوَلِيِّ سَفِيهٍ) تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ (رَدُّ نِكَاحِهِ كَذَلِكَ) أَيْ بِطَلْقَةٍ فَقَطْ بَائِنَةٍ كَالْعَبْدِ (إنْ لَمْ يَرْشُدْ) : أَيْ يَحْصُلْ لَهُ رُشْدٌ، فَإِنْ رَشَدَ فَلَا كَلَامَ لِوَلِيِّهِ.
(وَلَهَا) إنْ فَسَخَهُ وَلِيُّهُ (رُبْعُ دِينَارٍ إنْ دَخَلَ) السَّفِيهُ بِهَا، (وَلَا يُتْبَعُ) إنْ رَشَدَ (بِالْبَاقِي) . (وَتَعَيَّنَ) الْفَسْخُ (إنْ مَاتَ) أَيْ بَعْدَ مَوْتِهِ (فَلَا مَهْرَ) لَهَا (وَلَا إرْثَ) ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَتَعَيَّنَ الْفَسْخُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ فَلَا مَهْرَ وَلَا إرْثَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَلِيِّ فَسْخُهُ إذْ لَا وِلَايَةَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا كَلَامَ لَهُ.
(وَلِلْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ) لَهُ فِي التِّجَارَةِ (تَسَرٍّ وَإِنْ بِلَا إذْنٍ) مِنْ سَيِّدِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
[حاشية الصاوي]
الْأُولَى: رَدُّهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ امْتِنَاعٍ، وَالثَّانِيَةُ: إجَازَتُهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَبْقِ امْتِنَاعٍ، وَالثَّالِثَةُ: إجَازَتُهُ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ إمَّا ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَبْقِ سُؤَالٍ أَوْ بَعْدَ سُؤَالٍ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ فِيهَا، وَهَذِهِ الثَّالِثَةُ هِيَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ هُنَا: " فَلَوْ امْتَنَعَ فَلَهُ الْإِجَازَةُ إنْ قَرُبَ ". وَالْمَسْأَلَتَانِ الْأُولَيَانِ هُمَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا تَقَدَّمَ: " وَلِلسَّيِّدِ رَدُّ نِكَاحِ عَبْدِهِ " إلَخْ.
[رد نِكَاح السَّفِيه]
قَوْلُهُ: [وَلِوَلِيِّ سَفِيهٍ] : اللَّامُ لِلِاخْتِصَاصِ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْمَصْلَحَةِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا كَلَامَ لِوَلِيِّهِ] : أَيْ وَلَا يَنْتَقِلُ لَهُ إذَا رَشَدَ مَا كَانَ لِوَلِيِّهِ، بَلْ يَثْبُتُ النِّكَاحُ وَلَا خِيَارَ لَهُ، وَقِيلَ يَنْتَقِلُ لَهُ مَا كَانَ لِوَلِيِّهِ.
قَوْلُهُ: [وَتَعَيَّنَ الْفَسْخُ إنْ مَاتَ] : أَيْ وَأَمَّا إنْ مَاتَتْ فَمَا زَالَ النَّظَرُ لِلْوَلِيِّ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إذْ قَدْ يَكُونُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الصَّدَاقِ أَكْثَرَ مِمَّا لَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ يَقُولُ: إنَّ نَظَرَ الْوَلِيِّ يَفُوتُ بِالْمَوْتِ وَيَتَوَارَثَانِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّفِيهِ وَلِيٌّ فَفِيهِ الْخِلَافُ الْآتِي فِي الْحَجْرِ هَلْ تَصَرُّفُهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِجَازَةِ أَوْ الرَّدِّ؟ خِلَافٌ بَيْنَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ.
[تسري الْمُكَاتَب وَالْمَأْذُون وَنَفَقَة زَوْجَة الْعَبْد]
قَوْلُهُ: [وَإِنْ بِلَا إذْنٍ] : بَالَغَ عَلَى ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ فِي الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ خَوْفَ عَجْزِهِ كَالتَّزْوِيجِ وَفِي الْمَأْذُونِ لِأَنَّهُ فِي مَالِهِ كَالْوَكِيلِ.
(وَنَفَقَةُ زَوْجَةِ الْعَبْدِ) غَيْرِ الْمُكَاتَبِ وَالْمَأْذُونِ - فَيَشْمَلُ الْمُدَبَّرَ وَالْمُعْتَقَ لِأَجَلٍ - إذَا تَزَوَّجَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ بِهَا أَوْ أَمْضَى نِكَاحَهُ تَكُونُ (مِنْ غَيْرِ خَرَاجِهِ وَكَسْبِهِ) ، وَالْخَرَاجُ: مَا يُقَاطِعُهُ سَيِّدُهُ عَلَيْهِ؛ كَأَنْ يُقَاطِعَهُ عَلَى دِرْهَمٍ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ عَلَى دِينَارٍ كُلَّ شَهْرٍ، وَالْكَسْبُ: مَا يَنْشَأُ عَنْ عَمَلِهِ.
فَإِنْ جَعَلَ عَلَيْهِ خَرَاجًا أَنْفَقَ عَلَى زَوْجَتِهِ مِمَّا فَاضَ لَهُ بَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ خَرَاجًا أَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٍ، أَوْ مِمَّا أَذِنَ لَهُ فِيهِ سَيِّدُهُ.
وَالْمُكَاتَبُ كَحُرٍّ، وَالْمَأْذُونُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ وَرِبْحِهِ الَّذِي بِيَدِهِ لَا مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ وَرِبْحِهِ.
الْمُبَعَّضُ فِي يَوْمِهِ كَالْحُرِّ وَفِي يَوْمِ سَيِّدِهِ كَالْقِنِّ.
(إلَّا لِعُرْفٍ) جَارٍ بِأَنَّ الْعَبْدَ يُنْفِقُ مِنْ خَرَاجِهِ وَكَسْبِهِ فَيَعْمَلُ بِهِ
(كَالْمَهْرِ) فَإِنَّهُ مِنْ غَيْرِ خَرَاجِهِ وَكَسْبِهِ إلَّا لِعُرْفٍ، (وَلَا يَضْمَنُهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ (سَيِّدُهُ بِإِذْنِ التَّزْوِيجِ) لِعَبْدِهِ وَإِنْ بَاشَرَ الْعَقْدَ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَنْ لَهُ جَبْرُ الذَّكَرِ عَلَى النِّكَاحِ بِقَوْلِهِ:
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَنَفَقَةُ زَوْجَةِ الْعَبْدِ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا نَفَقَةُ أَوْلَادِهِ فَعَلَى سَيِّدِ أُمِّهِمْ إنْ كَانَتْ رَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ إنْ أَمْكَنَ الْوُصُولُ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَعَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالسَّيِّدُ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: [وَالْمُكَاتَبُ كَحُرٍّ] : أَيْ لِأَنَّهُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ.
قَوْلُهُ: [وَالْمَأْذُونُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ يُوَافِقُ غَيْرَ الْمَأْذُونِ فِي أَنَّ نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ لَا تَكُونُ فِي غَلَّتِهِ، وَيُخَالِفُهُ، فِي أَنَّ نَفَقَةَ زَوْجَتِهِ فِي الْمَالِ الَّذِي بِيَدِهِ وَرِبْحِهِ، وَقَوْلُهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِمَا ضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ يَعُودُ عَلَى الزَّوْجَةِ وَالسَّرِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا لِعُرْفٍ] إلَخْ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ وَلَمْ يَجِدْ مِنْ أَيْنَ يُنْفِقُ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ تَرْضَى بِالْمُقَامِ مَعَهُ بِلَا نَفَقَةٍ أَوْ يَتَطَوَّعُ بِهَا مُتَطَوِّعٌ، وَلَا يُبَاعُ الْعَبْدُ فِي نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَضْمَنُهُ] إلَخْ: أَيْ بَلْ هُمَا عَلَى الْعَبْدِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُمَا عَلَى السَّيِّدِ فَلَيْسَ السَّيِّدُ كَالْأَبِ، فَإِنَّ الْأَبَ إذَا جَبَرَ وَلَدَهُ عَلَى النِّكَاحِ كَانَ الصَّدَاقُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْوَلَدُ مُعْدِمًا حِينَ الْعَقْدِ، بَلْ كَالْوَصِيِّ وَالْحَاكِمُ فَإِنَّهُمَا وَإِنْ جَبَرَا
(وَجَبَرَ) أَبٌ وَوَصِيٌّ وَحَاكِمٌ لَا غَيْرُهُمْ ذَكَرًا (مَجْنُونًا) مُطْبَقًا فَإِنْ كَانَ يُفِيقُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ اُنْتُظِرَتْ إفَاقَتُهُ.
(وَصَغِيرًا لِمَصْلَحَةٍ) اقْتَضَتْ تَزْوِيجَهُمَا بِأَنْ خِيفَ الزِّنَا عَلَى الْمَجْنُونِ أَوْ الضَّرَرُ، فَتَحْفَظُهُ الزَّوْجَةُ.
وَمَصْلَحَةُ الصَّبِيِّ تَزْوِيجُهُ مِنْ غَنِيَّةٍ أَوْ شَرِيفَةٍ أَوْ ابْنَةِ عَمٍّ، أَوْ لِمَنْ تَحْفَظُ مَالَهُ وَلَا جَبْرَ لِلْحَاكِمِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْأَوَّلِينَ، إلَّا إذَا بَلَغَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ فَالْكَلَامُ لِلْحَاكِمِ.
(وَالصَّدَاقُ عَلَى الْأَبِ) إذَا جَبَرَ ابْنَهُ الْمَجْنُونَ أَوْ الصَّغِيرَ، (وَإِنْ مَاتَ) الْأَبُ؛ لِأَنَّهُ لَزِمَ ذِمَّتَهُ بِجَبْرِهِ لَهُمَا فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهَا، وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَهَذَا (إنْ أَعْدَمَا)
[حاشية الصاوي]
لَا يَلْزَمُهُمَا صَدَاقٌ إلَّا بِالشَّرْطِ.
[مَنْ لَهُ جَبْرُ الذَّكَرِ عَلَى النِّكَاحِ]
قَوْلُهُ: [لَا غَيْرُهُمْ] : أَيْ كَأَخٍ وَعَمٍّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ بَاقِي الْأَوْلِيَاءِ، فَلَا يُجْبِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ صَغِيرًا وَلَا مَجْنُونًا عَلَى الْمَشْهُورِ، فَإِنْ حَصَلَ مِنْهُمْ جَبْرٌ فَقِيلَ يُفْسَخُ النِّكَاحُ مُطْلَقًا وَلَوْ دَخَلَ وَطَالَ وَقِيلَ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَيَطُلْ وَإِلَّا ثَبَتَ.
تَنْبِيهٌ:
لِلْوَصِيِّ جَبْرُ الذَّكَرِ لِلْمَصْلَحَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَبْرُ الْأُنْثَى كَمَا إذَا قَالَ لَهُ: أَنْتَ وَصِيِّي عَلَى وَلَدِي كَمَا فِي (ر) ، وَفِي (عب) تَبَعًا لِ (ح) تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَ لَهُ جَبْرُ الْأُنْثَى قَالَ بْن وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: [ذَكَرًا مَجْنُونًا] : أَيْ وَأَمَّا الْأُنْثَى فَلَا يَجْبُرُهَا إلَّا الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ عَلَى تَفْصِيلٍ تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَلَا يَجْبُرُهَا.
قَوْلُهُ: [لِمَصْلَحَةٍ] إلَخْ: أَيْ لَا لِغَيْرِهَا فَلَا جَبْرَ وَلَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهَا فِي الْوَصِيِّ وَالْحَاكِمِ، وَأَمَّا الْأَبُ فَمَحْمُولٌ عَلَيْهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَيْدُ الْمَصْلَحَةِ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ يَكُونُ الصَّدَاقُ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ وَإِلَّا فَلَا يُعْتَبَرُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ.
قَوْلُهُ: [إلَّا إذَا بَلَغَ] : الْأَوْلَى إلَّا إذَا رَشَدَ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ لَزِمَ ذِمَّتَهُ] : أَيْ وَلَا يُقَالُ إنَّهَا صَدَقَةٌ لَمْ تُقْبَضْ، بَلْ هِيَ مُعَاوَضَةٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَبَ إذَا جَبَرَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ أَوْ الْمَجْنُونَ فَالصَّدَاقُ عَلَيْهِ إنْ كَانَا مُعْدِمَيْنِ حِينَ الْعَقْدِ، وَلَوْ مَاتَ الْأَبُ وَلَوْ أَيْسَرَا بَعْدَ الْعَقْدِ، وَلَوْ اشْتَرَطَ الْأَبُ أَنَّ الصَّدَاقَ عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا إنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ حِينَ الْعَقْدِ فَعَلَيْهِمَا، وَلَوْ أَعْدَمَا
بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَالٌ (حَالَ الْعَقْدِ) وَلَوْ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، (وَلَوْ شَرَطَ) الْأَبُ (خِلَافَهُ) بِأَنْ قَالَ: وَلَا يَلْزَمُنِي صَدَاقٌ بَلْ الصَّدَاقُ عَلَى الصَّبِيِّ أَوْ الْمَجْنُونِ؛ فَلَا يُعْمَلُ بِشَرْطِهِ، (وَإِلَّا) يَعْدَمَا حَالَ الْعَقْدِ - بِأَنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ بِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ وَإِنْ أَعْدَمَا بَعْدَهُ - (فَعَلَيْهِمَا) مَا أَيْسَرَا بِهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا لَا عَلَى الْأَبِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْوَصِيَّ وَلَا الْحَاكِمَ مُطْلَقًا (إلَّا لِشَرْطٍ) مِنْ وَلِيِّ الزَّوْجَةِ عَلَى الْأَبِ أَوْ عَلَى الْوَصِيِّ أَوْ عَلَى الْحَاكِمِ، فَيُعْمَلُ بِهِ.
وَسَكَتَ عَنْ السَّفِيهِ: هَلْ يَجْبُرُهُ مَنْ ذُكِرَ؟ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَفِي السَّفِيهِ خِلَافٌ، لَكِنَّهُ صَحَّحَ فِي التَّوْضِيحِ الْقَوْلَ بِعَدَمِ جَبْرِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُ.
(وَإِنْ) عَقَدَ أَبٌ لِابْنٍ رَشِيدٍ بِإِذْنِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَوْنَ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى ابْنِهِ، وَ (تَطَارَحَهُ) ابْنٌ (رَشِيدٌ وَأَبٌ) تَوَلَّى الْعَقْدَ؛ بِأَنْ قَالَ الِابْنُ لِأَبِيهِ: أَنْتَ الْتَزَمْت الصَّدَاقَ وَمَا رَضِيت إلَّا أَنَّهُ عَلَيْك، وَقَالَ الْأَبُ: بَلْ مَا قَصَدْت إلَّا أَنَّهُ عَلَى ابْنِي، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ (فُسِخَ وَلَا مَهْرَ) عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا (إنْ
[حاشية الصاوي]
بَعْدَ الْعَقْدِ إلَّا الشَّرْطُ عَلَى الْأَبِ فَيُعْمَلُ بِهِ.
قَوْلُهُ: [كَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْوَصِيَّ وَلَا الْحَاكِمَ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْحَاكِمَ وَالْوَصِيَّ صَدَاقُ الْمَجْنُونِ وَالصَّغِيرِ، سَوَاءٌ كَانَا مُعْدِمَيْنِ أَوْ مُوسِرَيْنِ، لَكِنْ إنْ كَانَا مُعْدِمَيْنِ اُتُّبِعَا بِهِ وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَى الْوَصِيِّ، أَوْ الْحَاكِمِ وَإِلَّا عُمِلَ بِهِ.
قَوْلُهُ: [لَكِنَّهُ صَحَّحَ فِي التَّوْضِيحِ] إلَخْ: فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْجَبْرِ يَجْرِي فِي الصَّدَاقِ مَا جَرَى فِي صَدَاقِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ.
قَوْلُهُ: [وَتَطَارَحَهُ ابْنٌ رَشِيدٌ] إلَخْ: مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ تَطَارَحَهُ سَفِيهٌ وَأَبٌ فَفِيهِ تَفْصِيلُ وَهُوَ إنْ كَانَ الْوَلَدُ مَلِيًّا حِينَ الْعَقْدِ لَزِمَهُ الصَّدَاقُ وَإِلَّا فُسِخَ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَلْزَمُهُ الصَّدَاقُ فِي حَالَةِ جَبْرِ الْأَبِ لَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ فَأَوْلَى، فِي حَالَةِ عَدَمِ الْجَبْرِ، وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا حَالَةَ الْعَقْدِ، فَقَدْ مَرَّ أَنَّ الصَّدَاقَ عَلَى الْأَبِ عَلَى الْقَوْلِ بِجَبْرِهِ، وَهَلْ كَذَلِكَ فِي حَالَةِ عَدَمِ الْجَبْرِ أَمْ لَا؟ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [فُسِخَ وَلَا مَهْرَ] : أَيْ وَلَا تَتَوَجَّهُ يَمِينٌ أَصْلًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَقِيلَ
لَمْ يَلْتَزِمْهُ أَحَدُهُمَا) وَإِلَّا لَزِمَ مَنْ الْتَزَمَهُ وَلَا فَسْخَ، (وَ) إنْ تَطَارَحَاهُ (بَعْدَ الدُّخُولِ حَلَفَ الْأَبُ) أَنَّهُ مَا قَصَدَ بِهِ الصَّدَاقَ إلَّا عَلَى ابْنِهِ، (وَبَرِئَ وَلَزِمَ الزَّوْجَ صَدَاقُ الْمِثْلِ) ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ قَدْرَ الْمُسَمَّى أَوْ أَكْثَرَ (وَحَلَفَ إنْ كَانَ) صَدَاقُ الْمِثْلِ (أَقَلَّ مِنْ الْمُسَمَّى) لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ غُرْمَ الزَّائِدِ، قَالَهُ اللَّخْمِيُّ.
(وَرَجَعَ لِأَبٍ) زَوَّجَ وَلَدَهُ وَضَمِنَ لَهُ الصَّدَاقَ، (وَ) رَجَعَ لِشَخْصٍ (ذِي قَدْرٍ) بَيْنَ النَّاسِ (زَوَّجَ غَيْرَهُ) وَالْتَزَمَ صَدَاقَهُ، (وَ) رَجَعَ لِأَبٍ (ضَامِنٍ لِابْنَتِهِ صَدَاقَهَا) : أَيْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ لِشَخْصٍ بِصَدَاقٍ وَالْتَزَمَ لِابْنَتِهِ الصَّدَاقَ (النِّصْفُ) فَاعِلُ " رَجَعَ " فِي الثَّلَاثِ: أَيْ رَجَعَ لِكُلٍّ نِصْفُ الصَّدَاقِ (بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ فِيهِ حَقٌّ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الثَّلَاثَةِ إنَّمَا الْتَزَمَهُ عَلَى أَنَّهُ صَدَاقٌ وَلَمْ يَتِمَّ، فَيَرْجِعُ لَهُ، وَالنِّصْفُ الثَّانِي لِلزَّوْجَةِ.
(وَ) رَجَعَ (جَمِيعُهُ) أَيْ الصَّدَاقُ لِمَنْ ذُكِرَ (بِالْفَسَادِ) : أَيْ بِالْفَسْخِ قَبْلَ الدُّخُولِ لِفَسَادِهِ، فَإِنْ دَخَلَ فَلَهَا الْمُسَمَّى (وَلَا رُجُوعَ لَهُمْ) : أَيْ لِلْأَبِ وَذِي الْقَدْرِ وَالضَّامِنِ لِابْنَتِهِ صَدَاقُهَا (عَلَى الزَّوْجِ) بِمَا اسْتَحَقَّتْهُ الزَّوْجَةُ مِنْ النِّصْفِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ الْكُلِّ بَعْدَهُ، لِأَنَّهُمْ إنَّمَا الْتَزَمُوهُ لِيَكُونَ عَلَيْهِمْ تَبَرُّعًا مِنْهُمْ لِلزَّوْجِ (إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ) الْوَاحِدُ مِنْهُمْ (بِالْحَمَالَةِ) كَ: عَلَيَّ حَمَالَةُ الصَّدَاقِ، لِأَنَّ لَفْظَ الْحَمَالَةِ يُؤْذِنُ بِمُجَرَّدِ التَّحَمُّلِ دُونَ الْتِزَامِهِ فِي الذِّمَّةِ (مُطْلَقًا) كَانَ قَبْلَ
[حاشية الصاوي]
الْفَسْخُ وَعَدَمُ الْمَهْرِ مُقَيَّدٌ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ بِحَلِفِهِمَا مَعًا، فَإِنْ نَكَلَا مَعًا لَزِمَهُمَا الصَّدَاقُ بِالسَّوِيَّةِ، وَيُقْضَى لِلْحَالِفِ عَلَى النَّاكِلِ، وَيُبْدَأُ فِي الْحَلِفِ بِالْأَبِ لِأَنَّهُ الْمُبَاشِرُ لِلْعَقْدِ، وَقِيلَ يُقْرَعُ فِيمَنْ يَبْدَأُ.
تَنْبِيهٌ:
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ زَوَّجَ ابْنَهُ الْبَالِغَ الْمَالِكَ لِأَمْرِ نَفْسِهِ وَهُوَ حَاضِرٌ صَامِتٌ، فَلَمَّا فَرَغَ الْأَبُ مِنْ النِّكَاحِ قَالَ الِابْنُ: مَا أَمَرْته وَلَا أَرْضَى صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ الِابْنُ غَائِبًا فَأَنْكَرَ حِينَ بَلَغَهُ سَقَطَ النِّكَاحُ وَالصَّدَاقُ عَنْهُ، وَعَنْ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالْأَجْنَبِيِّ فِي هَذَا سَوَاءٌ (اهـ) .
قَوْلُهُ: [وَلَزِمَ الزَّوْجَ صَدَاقُ الْمِثْلِ] : إنَّمَا غَرِمَ صَدَاقَ الْمِثْلِ مَعَ أَنَّهُ نِكَاحٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّ الْمُسَمَّى أُلْغِيَ لِأَجْلِ الْمُطَارَحَةِ، وَصَارَ الْمُعْتَبَرُ قِيمَةُ مَا اسْتَوْفَاهُ الزَّوْجُ فَلَا يُقَالُ لِأَيِّ شَيْءٍ دُفِعَ لِلزَّوْجَةِ غَيْرُ مَا تَدَّعِيهِ.