إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك.
(وَ) نُدِبَ (تَجْدِيدُهَا لِتَغَيُّرِ حَالٍ) : كَقِيَامٍ وَقُعُودٍ وَصُعُودٍ وَهُبُوطٍ وَرَحِيلٍ وَحَطٍّ وَيَقَظَةٍ مِنْ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ (وَخَلْفِ صَلَاةٍ) وَلَوْ نَافِلَةً، (وَ) عِنْدَ (مُلَاقَاةِ رِفَاقٍ) أَوْ رُفْقَةٍ.
[حاشية الصاوي]
حِينَ أَذَّنَ إبْرَاهِيمُ بِهِ فِي النَّاسِ، وَكَمَا أَجَبْتُك أَوَّلًا حِينَ خَاطَبْت الْأَرْوَاحَ بِ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 172] كَذَا وَقِيلَ الْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمَعْنَى لَبَّيْكَ إجَابَةٌ لَك بَعْدَ إجَابَةٍ فِي جَمِيعِ أَمْرِك وَكُلِّ خِطَابَاتِك.
قَوْلُهُ: [إنَّ الْحَمْدَ] : يُرْوَى بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَبِفَتْحِهَا عَلَى التَّعْلِيلِ، وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: لِأَنَّ مَنْ كَسَرَ جَعَلَ مَعْنَاهُ إنَّ الْحَمْدَ لَك عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَمَنْ فَتْح جَعَلَ مَعْنَاهُ لَبَّيْكَ لِهَذَا السَّبَبِ.
تَنْبِيهٌ: كَانَ عُمَرُ يَزِيدُ: " لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ مَرْهُوبًا مِنْك وَمَرْغُوبًا إلَيْك "، وَزَادَ ابْنُهُ: " لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك "، وَهَذِهِ النِّيَّةُ تُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ لِقَوْلِ التَّهْذِيبِ: كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُلَبِّيَ بِهَا مَنْ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ، وَرَآهُ سَخَافَةَ عَقْلٍ.
وَأَمَّا إجَابَةُ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ بِالتَّلْبِيَةِ فَهِيَ مِنْ خَصَائِصِهِ - كَذَا فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ (بْن) : وَهُوَ غَيْرُ مُسْلِمٍ، وَالظَّاهِرُ - كَمَا قَالَ ابْنُ هَارُونَ: إنَّ الَّذِي كَرِهَهُ الْإِمَامُ إنَّمَا هُوَ اسْتِعْمَالُ تَلْبِيَةِ الْحَجِّ فِي غَيْرِهِ، كَاِتِّخَاذِهَا وِرْدًا كَبَقِيَّةِ الْأَذْكَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْعِبَادَةِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَتْ لَهُ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِمَنْ نَادَاهُ: لَبَّيْكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ، بَلْ هُوَ أَحْسَنُ أَدَبًا وَفِي الشِّفَاءِ عَنْ عَائِشَةَ: «مَا نَادَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا أَهْلِ مِلَّتِهِ إلَّا قَالَ: لَبَّيْكَ» ، وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ ابْنِ أَبِي جَمْرَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَهُمْ.
(اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [وَعِنْدَ مُلَاقَاةِ رِفَاقٍ] : أَيْ فَتَكُونُ شِعَارَهُمْ تُغْنِي عَنْ التَّحِيَّةِ، وَلِذَلِكَ
(وَ) نُدِبَ (تَوَسُّطٌ فِي عُلُوِّ صَوْتِهِ) فَلَا يُسِرُّهَا، وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ جِدًّا حَتَّى يُعْقِرَهُ.
(وَ) نُدِبَ تَوَسُّطٌ (فِيهَا) أَيْ فِي ذِكْرِهَا؛ فَلَا يَتْرُكُ حَتَّى تَفُوتَهُ الشَّعِيرَةُ وَلَا يُوَالِيَ حَتَّى يَلْحَقَهُ الضَّجَرُ.
(فَإِنْ تُرِكَتْ) التَّلْبِيَةُ (أَوَّلَهُ) : أَيْ الْإِحْرَامِ (وَطَالَ) الزَّمَنُ طُولًا كَثِيرًا؛ كَأَنْ يُحْرِمَ أَوَّلَ النَّهَارِ وَيُلَبِّيَ وَسَطَهُ (فَدَمٌ) ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ وَصْلَهَا بِالْعُرْفِ وَاجِبٌ.
وَقَوْلُهُ: (لِلطَّوَافِ) غَايَةٌ لِقَوْلِهِ: " وَتَجْدِيدٌ " إلَى آخِرِهِ: أَيْ يَنْدُبُ تَجْدِيدُهَا وَإِعَادَتُهَا إلَى أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَيَشْرَعَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ، فَيَتْرُكَهَا (حَتَّى) : أَيْ إلَى أَنْ (يَطُوفَ) لِلْقُدُومِ، (وَيَسْعَى) بَعْدَهُ، وَقِيلَ: يَتْرُكَهَا بِدُخُولِهِ مَكَّةَ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى، (فَيُعَاوِدَهَا) بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّعْيِ مَا دَامَ بِمَكَّةَ.
(وَإِنْ بِالْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ: أَيْ فِيهِ وَيَسْتَمِرُّ عَلَى ذَلِكَ (لِرَوَاحٍ) : أَيْ وُصُولِ (مُصَلَّى) أَيْ مَسْجِدِ (عَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِهِ) أَيْ يَوْمِ عَرَفَةَ.
[حاشية الصاوي]
قَالُوا: يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُلَبِّي.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَوَسُّطٌ فِيهَا] إلَخْ: وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي تَكْبِيرِ الْعِيدِ وَكُلِّ مَنْدُوبٍ مُرَغَّبٍ فِيهِ مِنْ الْأَذْكَارِ، لِأَنَّ خَيْرَ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَرَكْت التَّلْبِيَةَ أَوَّلَهُ] : وَمِثْلُ التَّرْكِ وَالطَّوْلِ فِي الدَّمِ مَا لَوْ تَرَكَهَا رَأْسًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَفْهُومُ الظَّرْفِ أَنَّهُ إذَا تَرَكَهَا فِي أَثْنَائِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ، وَصَرَّحَ بِهِ عَبْدُ الْحَقِّ وَالتُّونُسِيُّ وَصَاحِبُ التَّلْقِينِ وَابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ، قَالُوا أَقَلُّهَا مَرَّةٌ وَإِنْ قَالَهَا ثُمَّ تَرَكَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، قَالَ (ح) : وَشَهَّرَ ابْنُ عَرَفَةَ وُجُوبَ الدَّمِ.
وَنَصُّهُ: فَإِنْ لَبَّى حِينَ أَحْرَمَ وَتَرَكَ فَفِي لُزُومِ الدَّمِ ثَالِثُهَا إنْ لَمْ يُعَوِّضْهَا بِتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَإِنْ ابْتَدَأَ بِهَا وَلَمْ يُعِدْهَا فَعَلَيْهِ دَمٌ فِي أَقْوَى الْقَوْلَيْنِ؛ فَتَحَصَّلَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالًا ثَلَاثَةً.
قَوْلُهُ: [فَيُعَاوِدُهَا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ السَّعْيِ] : أَيْ اسْتِحْبَابًا كَمَا قِيلَ، وَفِي الْمَجْمُوعِ: وَعَاوَدَهَا وُجُوبًا بَعْدَ سَعْيٍ، فَإِنْ لَمْ يُعَاوِدْهَا أَصْلًا فَدَمٌ عَلَى الْمُعَوَّلِ عَلَيْهِ.
(اهـ) . وَتَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ.
قَوْلُهُ: [أَيْ مَسْجِدُ عَرَفَةَ] : بِالْفَاءِ لِأَنَّهُ كَائِنٌ فِيهَا، وَيُقَالُ أَيْضًا عُرَنَةُ بِالنُّونِ مَكَانٌ غَيْرُ عَرَفَةَ، وَأُضِيفَ الْمَسْجِدُ لَهُ لِمُجَاوَرَتِهِ لَهَا لِأَنَّ حَائِطَهُ الْقِبْلِيَّ يَلْصَقُهَا.
فَغَايَةُ التَّلْبِيَةِ مُقَيَّدَةٌ بِقَيْدَيْنِ: الْوُصُولُ لِمَسْجِدِ عَرَفَهُ.
وَكَوْنُهُ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ.
فَإِنْ وَصَلَ قَبْلَ الزَّوَالِ لَبَّى إلَى الزَّوَالِ، وَإِنْ زَالَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ الْوُصُولِ لَبَّى إلَى الْوُصُولِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ إنْ وَصَلَ عَرَفَةَ قَبْلَ يَوْمِهَا - كَمَا يَفْعَلُ غَالِبُ النَّاسِ الْآنَ - فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ عَلَى التَّلْبِيَةِ حَتَّى يُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعَ تَقْدِيمٍ يَوْمَهَا، فَإِذَا صَلَّاهُمَا قَطَعَهَا وَتَوَجَّهَ لِلْوُقُوفِ مَعَ النَّاسِ مُتَضَرِّعًا مُبْتَهِلًا بِالدُّعَاءِ، وَجِلًا خَائِفًا مِنْ اللَّهِ، رَاجِيًا مِنْهُ الْقَبُولَ، وَلَا يُلَبِّي كَمَا يَفْعَلُهُ غَالِبُ النَّاسِ الْآنَ.
هَذَا فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ.
وَلَمْ يَفُتْهُ الْحَجُّ؛ وَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ، أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ.
فَأَشَارَ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: (وَمُحْرِمُ مَكَّةَ) : أَيْ وَالْمُحْرِمُ مِنْهَا - لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ مُقِيمًا بِهَا - وَلَا يَكُونُ إلَّا بِحَجٍّ مُفْرِدًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُعْتَمِرًا أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ - (يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ مَكَانَهُ) : أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ.
وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يُؤَخِّرُ سَعْيَهُ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ إذْ لَا قُدُومَ عَلَيْهِ وَيَسْتَمِرُّ يُلَبِّي إلَى رَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا تَقَدَّمَ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَغَايَةُ التَّلْبِيَةِ مُقَيَّدَةٌ] إلَخْ: أَيْ فَمَتَى وُجِدَ الْقَيْدَانِ تَمَّتْ التَّلْبِيَةُ وَلَا يُعَاوِدُهَا أَصْلًا، هَذَا هُوَ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَالْمَرْجُوعُ عَنْهُ: أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ يُلَبِّي إلَى أَنْ يَصِلَ لِمَحِلِّ الْوُقُوفِ، وَلَا يَقْطَعُ إذَا وَصَلَ لِمُصَلَّى عَرَفَةَ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: لَوْ أَحْرَمَ مِنْ مُصَلَّى عَرَفَةَ فَإِنَّهُ يُلَبِّي إلَى أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إذَا كَانَ إحْرَامُهُ بَعْدَ الزَّوَالِ.
فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْهَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يُلَبِّي لِلزَّوَالِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ غَيْرِهَا (اهـ) . فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَتَكُونُ الْقُيُودُ ثَلَاثَةً.
قَوْلُهُ: [إنْ وَصَلَ عَرَفَةَ قَبْلَ يَوْمِهَا] : أَيْ وَخَالَفَ الْمَشْرُوعَ مِنْ كَوْنِهِ يَخْرُجُ يَوْمَ الثَّامِنِ إلَى مِنًى قَدْرَ مَا يُدْرِكُ بِهَا الظُّهْرَ، فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَيَبِيتُ بِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، ثُمَّ يَرْتَحِلُ يَوْمَهَا لِعَرَفَةَ فَإِنَّ هَذَا مَتْرُوكٌ الْآنَ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يُلَبِّي] إلَخْ: أَيْ فَيَنْهَى عَنْ التَّلْبِيَةِ حَيْثُ كَانَ مَالِكِيًّا، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مَذْهَبُهُ يَرَى ذَلِكَ فَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُ.
قَوْلُهُ: [هَذَا فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ] : أَيْ مُفْرَدًا أَوْ قَارِنًا.
(وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ) : مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ (وَفَائِتُ الْحَجِّ) : أَيْ الْمُعْتَمِرُ الَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ - بِأَنْ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِحَجٍّ فَفَاتَهُ بِحَصْرٍ أَوْ مَرَضٍ، فَتَحَلَّلَ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ كُلٌّ مِنْهُمَا يُلَبِّي (لِلْحَرَمِ) ، وَلَا يَتَمَادَى لِلْبُيُوتِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْحَرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ بِالْحَجِّ وَلَوْ قَارِنًا يُلَبِّي لِلْبُيُوتِ أَوْ لِلطَّوَافِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَالْمُعْتَمِرُ مِنْهُ لِلْحَرَمِ.
(وَ) الْمُعْتَمِرُ (مِنْ) دُونِ الْمِيقَاتِ - (كَالْجِعْرَانَةِ) وَالتَّنْعِيمِ - يُلَبِّي (لِلْبُيُوتِ) لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ، فَالتَّلْبِيَةُ فِي الْعُمْرَةِ أَقَلُّ مِنْهَا فِي الْحَجِّ.
(وَالْإِفْرَادُ) بِالْحَجِّ (أَفْضَلُ) مِنْ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ هَدْيٌ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّ مُفْرِدًا عَلَى الْأَصَحِّ.
(فَالْقِرَانُ) يَلِي الْإِفْرَادَ فِي الْفَضْلِ، وَفَسَّرَهُ بِصُورَتَيْنِ أَشَارَ لِلْأُولَى بِقَوْلِهِ: (بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا) : أَيْ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ مَعًا بِأَنْ يَنْوِيَ الْقِرَانَ أَوْ الْعُمْرَةَ وَالْحَجَّ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ.
(وَقَدَّمَهَا) : أَيْ الْعُمْرَةَ فِي النِّيَّةِ وَالْمُلَاحَظَةَ وُجُوبًا إنْ رَتَّبَ، وَنَدْبًا فِي اللَّفْظِ إنْ تَلَفَّظَ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَلَا يَتَمَادَى لِلْبُيُوتِ] : أَيْ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَالْمُرَادُ بِالْحَرَمِ: الْحَرَمُ الْعَامُّ لَا خُصُوصُ الْمَسْجِدِ، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ - كَمَا هُوَ تَقْرِيرُ مُؤَلَّفِهِ وَسِيَاقِهِ هُنَا.
قَوْلُهُ: [أَقَلُّ مِنْهَا فِي الْحَجِّ] : أَيْ لِأَنَّهُ يَتْرُكُهَا فِي الْعُمْرَةِ عِنْدَ الْحَرَمِ تَارَةً، وَعِنْدَ رُؤْيَةِ الْبُيُوتِ تَارَةً، وَلَا يُعَاوِدُهَا بِخِلَافِهَا فِي الْحَجِّ الَّذِي لَمْ يَفُتْهُ، فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ لِلطَّوَافِ وَيُعَاوِدُهَا عَقِبَ السَّعْيِ.
[أَفْضَلِيَّة الْإِفْرَاد بِالْحَجِّ فَالْقِرَان فَالتَّمَتُّع]
قَوْلُهُ: [وَالْإِفْرَادُ بِالْحَجِّ أَفْضَلُ] إلَخْ: قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَعَدَّهُ ابْنُ تُرْكِيٍّ فِي الْأُمُورِ الَّتِي فِي تَرْكِهَا دَمٌ وَهُوَ ظَاهِرٌ (اهـ) . وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَفْضَلِيَّتُهُ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ سَعَةٌ مِنْ الْوَقْتِ، خِلَافًا لِمَا رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ: أَنَّ مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ مُرَاهِقًا فَالْإِفْرَادُ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ، وَأَمَّا مَنْ قَدِمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ طُولِ زَمَانٍ فَالتَّمَتُّعُ أَوْلَى لَهُ وَخِلَافًا لِمَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ وَالْقِرَانِ، وَلِمَا قَالَهُ أَشْهَبُ وَأَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ، لِأَنَّ عِبَادَتَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةٍ.
قَوْلُهُ: [فَالْقِرَانُ يَلِي الْإِفْرَادَ] : أَيْ وَإِنْ كَانَ الْقِرَانُ يَسْقُطُ بِهِ طَلَبُ النُّسُكَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْمَفْضُولِ مَا لَا يَكُونُ فِي الْفَاضِلِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَنْوِيَ الْعُمْرَةَ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيُرْدِفَ الْحَجَّ عَلَيْهَا، وَلَا يَصِحُّ إرْدَافُ عُمْرَةٍ عَلَى حَجٍّ لِقُوَّتِهِ فَلَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ، وَإِلَيْهَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (أَوْ يُرْدِفُهُ) : أَيْ الْحَجَّ (عَلَيْهَا) : أَيْ الْعُمْرَةِ، بِأَنْ يَنْوِيَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي طَوَافِهَا أَوْ (بِطَوَافِهَا) قَبْلَ تَمَامِهِ.
وَمَحِلُّ صِحَّةِ إرْدَافِهِ: (إنْ صَحَّتْ) الْعُمْرَةُ لِوَقْتِ الْإِرْدَافِ، فَإِنْ فَسَدَتْ بِجِمَاعٍ أَوْ إنْزَالٍ قَبْلَ الْإِرْدَافِ، لَمْ يَصِحَّ.
وَوَجَبَ إتْمَامُهَا فَاسِدَةً، ثُمَّ يَقْضِيهَا وَعَلَيْهِ دَمٌ.
(وَكَمَّلَهُ) أَيْ الطَّوَافَ الَّذِي أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِيهِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْهِ وُجُوبًا، (وَ) لَكِنْ (لَا يَسْعَى) لِهَذِهِ الْعُمْرَةِ (حِينَئِذٍ) : أَيْ حِينَ أَرْدَفَهُ عَلَيْهَا بِطَوَافِهَا، لِأَنَّهُ صَارَ غَيْرَ وَاجِبٍ لِانْدِرَاجِ الْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ؛ فَالطَّوَافُ الْفَرْضُ لَهُمَا هُوَ الْإِفَاضَةُ وَلَا قُدُومَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ، حَيْثُ جَدَّدَ نِيَّةَ الْحَجِّ فِيهَا.
وَالسَّعْيُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ طَوَافٍ وَاجِبٍ، وَحِينَئِذٍ فَيُؤَخِّرُهُ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، وَانْدَرَجَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ فِي الصُّورَتَيْنِ، فَيَكُونُ الْعَمَلُ لَهُمَا وَاحِدًا.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَلَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ] : أَيْ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَلَا يَرْتَدِفُ عَلَيْهِ حَجٌّ آخَرُ وَلَا عُمْرَةٌ كَمَا قَالَ خَلِيلٌ: " وَلَغَا عُمْرَةً عَلَيْهِ كَالثَّانِي فِي حُجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ ".
قَوْلُهُ: [أَوْ بِطَوَافِهَا قَبْلَ تَمَامِهِ] : أَيْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، خِلَافًا لِأَشْهَبَ الْقَائِلِ إذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ فَاتَ الْإِرْدَافُ.
قَوْلُهُ: [لَمْ يَصِحَّ] : أَيْ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَا يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِيهِ قَالَهُ سَنَدٌ.
وَهُوَ بَاقٍ عَلَى عُمْرَتِهِ، وَلَا يَحْتَجُّ حَتَّى يَقْضِيَهَا، فَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ تَمَامِهَا وَقَبْلَ قَضَائِهَا صَحَّ حَجُّهُ وَلَوْ فَسَدَتْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَمُتَمَتِّعٌ، وَحَجُّهُ تَامٌّ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ عُمْرَتِهِ، كَذَا فِي الْأُجْهُورِيِّ (اهـ) مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [وَالسَّعْيُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ طَوَافٍ وَاجِبٍ] : أَيْ وُجُوبًا غَيْرَ شَرْطٍ كَمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ شَرْطَ صِحَّتِهِ تَقَدُّمُ طَوَافٍ، وَكَوْنُ الطَّوَافِ وَاجِبًا غَيْرَ شَرْطٍ.
قَوْلُهُ: [فَيُؤَخِّرُهُ بَعْدَ الْإِضَافَةِ] : أَيْ وُجُوبًا، فَإِنْ قَدَّمَهُ أَجْزَأَ وَيُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهِ بَعْدَ طَوَافٍ يَنْوِ فَرْضِيَّتَهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ تَبَاعَدَ عَنْهَا لَزِمَهُ دَمٌ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [فَيَكُونُ الْعَمَلُ لَهُمَا وَاحِدًا] : خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي إيجَابِهِ عَلَى الْقَارِنِ
(وَكُرِهَ) الْإِرْدَافُ (بَعْدَهُ) : أَيْ الطَّوَافِ، وَصَحَّ قَبْلَ الرُّكُوعِ، بَلْ (وَلَوْ بِالرُّكُوعِ) أَيْ فِيهِ (لَا بَعْدَهُ) فَلَا يَصِحُّ لِتَمَامِ غَالِبِ أَرْكَانِهَا إذْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْهَا إلَّا السَّعْيُ.
(فَالتَّمَتُّعُ) يَلِي الْقِرَانَ فِي الْفَضْلِ، وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (بِأَنْ يَحِلَّ مِنْهَا) : أَيْ مِنْ الْعُمْرَةِ (فِي أَشْهُرِهِ) : أَيْ الْحَجِّ، وَهَذَا صَادِقٌ بِمَا إذَا كَانَ أَحْرَمَ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهَا، وَأَتَمَّهَا فِيهَا وَلَوْ بِبَعْضِ الرُّكْنِ الْأَخِيرِ مِنْهَا؛ كَمَنْ أَحْرَمَ بِهَا فِي رَمَضَانَ، وَتَمَّمَ سَعْيَهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ مِنْ لَيْلَةِ شَوَّالٍ (ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ عَامِهِ) الَّذِي اعْتَمَرَ فِيهِ، (وَإِنْ) كَانَ حَجُّهُ مُلْتَبِسًا (بِقِرَانٍ) فَحَقِيقَةُ التَّمَتُّعِ حَجُّ مُعْتَمِرٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ لِتَمَتُّعِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
[حاشية الصاوي]
طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ، بَلْ لَا يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ الْقَارِنَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ عِنْدَ إتْيَانِهِ بِالْأَفْعَالِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنَّهَا لَهُمَا، بَلْ لَوْ لَمْ يَسْتَشْعِرْ الْعُمْرَةَ أَجْزَأَ.
قَوْلُهُ: [لَا بَعْدَهُ فَلَا يَصِحُّ] : أَيْ وَيَكُونُ لَاغِيًا وَأَمَّا بَعْدَ السَّعْيِ وَقَبْلَ الْحِلَاقِ فَحَجٌّ مُؤْتَنَفٌ بَعْدَ عُمْرَةٍ تَمَّتْ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ الْقُدُومُ عَلَى ذَلِكَ لِاسْتِلْزَامِ تَأْخِيرِ حَقِّ الْعُمْرَةِ لِلتَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ، وَيَلْزَمُهُ هَدْيٌ لِلتَّأْخِيرِ، فَلَوْ حَلَقَ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ وَقَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ أَفْعَالِهِ لَزِمَهُ فِدْيَةٌ وَهَدْيٌ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْوَاجِبَ أَصَالَةُ تَرْكِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ حَتَّى يَحْلِقَ لِلْعُمْرَةِ، فَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ الْوَاجِبَ وَأَحْرَمَ بِهِ قَبْلَ حِلَاقِهَا وَبَعْدَ سَعْيِهَا صَحَّ وَلَزِمَهُ تَأْخِيرُ الْحَلْقِ لِلْفَرَاغِ مِنْ الْحَجِّ وَأَهْدَى لِتَرْكِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ، فَإِنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ قَبْلَ الْفَرَاغِ لَزِمَهُ فِدْيَةٌ لِإِزَالَةِ الْأَذَى وَهُوَ مُحْرِمٌ وَهَدْيٌ، لِعَدَمِ تَعْجِيلِ الْحَلْقِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ.
قَوْلُهُ: [فَالتَّمَتُّعُ يَلِي الْقِرَانَ] : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ تَمَتَّعَ بِإِسْقَاطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ.
وَقِيلَ لِأَنَّهُ تَمَتَّعَ مِنْ عُمْرَتِهِ بِالنِّسَاءِ وَالطِّيبِ، وَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَأَحَلَّ مِنْهُ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ لِأَنَّ عِلَّةَ التَّسْمِيَةِ لَا تَقْتَضِي التَّسْمِيَةَ، وَلَا يَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ لَوْ أَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَجَلَسَ حَتَّى أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِإِسْقَاطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ - كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
وَالتَّمَتُّعُ - وَإِنْ كَانَ يَلِي الْقِرَانَ فِي الْفَضْلِ - أَفْضَلُ مِنْ الْإِطْلَاقِ لِأَنَّ أَوْجُهَ الْإِحْرَامِ أَرْبَعَةٌ، إفْرَادٌ وَقِرَانٌ وَتَمَتُّعٌ وَإِطْلَاقٌ، وَهِيَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَ حَجُّهُ مُلْتَبِسًا بِقِرَانٍ] : أَيْ وَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا قَارِنًا وَيَلْزَمُهُ
﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ، وَقِيسَ الْقِرَانُ عَلَيْهِ.
(وَشَرْطُ دَمِهِمَا) : أَيْ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ (عَدَمُ إقَامَةٍ) لِلْمُتَمَتِّعِ أَوْ الْقَارِنِ (بِمَكَّةَ، أَوْ ذِي طُوًى) مُثَلَّثُ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ: مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بِقُرْبِ مَكَّةَ (وَقْتَ فِعْلِهِمَا) : أَيْ وَقْتَ الْإِحْرَامِ بِهِمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] وَاسْمُ الْإِشَارَةِ عَائِدٌ عَلَى الْهَدْيِ؛ فَغَيْرُ الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ أَوْ ذِي طُوًى يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ (وَإِنْ) كَانَ أَصْلُهُ مِنْ مَكَّةَ وَ (انْقَطَعَ بِغَيْرِهَا) . كَمَا أَنَّ مَنْ انْقَطَعَ بِمَكَّةَ أَيْ أَقَامَ بِهَا بِنِيَّةِ الدَّوَامِ بِهَا وَأَصْلُهُ مِنْ غَيْرِهَا، لَا دَمَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَنْ نِيَّتُهُ الِانْتِقَالُ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ.
(وَنُدِبَ) الْهَدْيُ (لِذِي أَهْلَيْنِ) : أَهْلٌ بِمَكَّةَ وَأَهْلٌ بِغَيْرِهَا، وَلَوْ كَانَتْ إقَامَتُهُ
[حاشية الصاوي]
هَدْيَانِ لِتَمَتُّعِهِ وَقِرَانِهِ.
قَوْلُهُ: [وَقِيسَ الْقِرَانُ عَلَيْهِ] : أَيْ فَأَوْجَبُوا فِيهِ الدَّمَ، بِجَامِعِ أَنَّ الْقَارِنَ وَالْمُتَمَتِّعَ أَسْقَطَ عَنْ نَفْسِهِ أَحَدَ السَّفَرَيْنِ.
قَوْلُهُ: [وَشَرْطُ دَمِهِمَا] إلَخْ: ظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ شُرُوطًا فِي التَّسْمِيَةِ، بَلْ فِي لُزُومِ الدَّمِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ، وَقِيلَ: إنَّهَا شُرُوطٌ فِي التَّسْمِيَةِ وَالدَّمِ مَعًا، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ أَوْ قَارِنٌ وَلَمْ يَسْتَوْفِ الشُّرُوطَ.
قَوْلُهُ: [مَكَانٌ مَعْرُوفٌ] : أَيْ بَيْنَ الطَّرِيقِ الَّتِي يَهْبِطُ مِنْهَا إلَى مَقْبَرَةِ مَكَّةَ الْمُسَمَّاةِ بِالْمُعَلَّا، وَالطَّرِيقِ الْأُخْرَى الَّتِي هِيَ جِهَةُ الذَّاهِبِ وَتُسَمَّى عِنْدَ أَهْلِ مَكَّةَ بَيْنَ الْحَجُونَيْنِ، وَسَيَأْتِي وَصْفُهَا فِي الشَّارِحِ، وَأَمَّا الَّتِي فِي الْقُرْآنِ فَبِضَمِّ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَلَيْسَتْ هِيَ الَّتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ فِي مَوْضِعِ مُكَالَمَةِ مُوسَى بِطُورِ سَيْنَاءَ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِذِي طُوًى بِذَلِكَ، بَلْ الْمُرَادُ كُلُّ مَكَان فِي حُكْمِ مَكَّةَ مِمَّا لَا يَقْصُرُ الْمُسَافِرُ مِنْهَا حَتَّى يُجَاوِزَهَا.
قَوْلُهُ: [أَيْ وَقْتَ الْإِحْرَامِ بِهِمَا] : الْمُرَادُ وَقْتُ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ فِيهِمَا، فَلَوْ قَدِمَ آفَاقِيٌّ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَنِيَّتُهُ السُّكْنَى بِمَكَّةَ أَوْ بِمَا فِي حُكْمِهَا، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ هَدْيُ التَّمَتُّعِ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ الْهَدْيُ لِذِي أَهْلَيْنِ] : أَيْ هَدْيُ التَّمَتُّعِ أَوْ الْقِرَانِ.
بِهَا أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا عَلَى الْأَرْجَحِ.
(وَ) شَرْطُ دَمِهِمَا: (حَجٌّ مِنْ عَامِهِ) فِيهِمَا فَمَنْ أَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ قَبْلَ دُخُولِ شَوَّالٍ، ثُمَّ حَجّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
وَكَذَا إذَا فَاتَ الْقَارِنَ الْحَجُّ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِقِرَانِهِ.
(وَ) شَرْطٌ (لِلتَّمَتُّعِ) زِيَادَةُ الشَّرْطَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ: (عَدَمُ عَوْدِهِ) : أَيْ رُجُوعِهِ بَعْدَ أَنْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (لِبَلَدِهِ أَوْ مِثْلُهُ) فِي الْبُعْدِ (وَلَوْ) كَانَ بَلَدُهُ أَوْ مِثْلُهُ (بِالْحِجَازِ) كَالْمَدِينَةِ مَثَلًا.
فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [عَلَى الْأَرْجَحِ] : أَيْ وَهُوَ قَوْلُ التُّونُسِيِّ.
قَوْلُهُ: [قَبْلَ دُخُولِ شَوَّالٍ ثُمَّ حَجَّ] : وَمِثْلُ ذَلِكَ مَنْ أَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَفَاتَهُ الْحَجُّ فِي عَامِهِ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ بِهِ وَلَمْ يَحُجَّ إلَّا مِنْ قَابِلٍ، أَوْ تَحَلَّلَ مِنْهُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ، وَلَعَلَّ هَذَا الْمِثَالَ أُقْعَدُ مِنْ مِثَالِ الشَّارِحِ لِأَنَّ مِثَالَهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ أَصْلًا.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا إذَا تَمَتَّعَ فَاتَ الْقَارِنُ الْحَجَّ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ بَقِيَ الْقَارِنُ عَلَى إحْرَامِهِ لِقَابِلٍ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّمُ - هَكَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَ بَلَدُهُ أَوْ مِثْلُهُ بِالْحِجَازِ] : تَبِعَ التَّتَّائِيُّ فِي رُجُوعِ الْمُبَالَغَةِ لِكُلٍّ مِنْ بَلَدِهِ وَمِثْلِهِ، وَمِثْلُهُ لِبَهْرَامَ وَاعْتَرَضَهُ (ح) : بِأَنَّ صَوَابَ الْمُبَالَغَةِ فِي الرُّجُوعِ لِمِثْلِ الْبَلَدِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَأَمَّا إذَا رَجَعَ لِبَلَدِهِ فَلَا دَمَ اتِّفَاقًا كَانَتْ بِالْحِجَازِ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْمَرْدُودَ عَلَيْهِ - الَّذِي هُوَ ابْنُ الْمَوَّازِ - قَالَ: إذَا عَادَ لِمِثْلِ بَلَدِهِ فِي الْحِجَازِ فَلَا يَسْقُطُ الدَّمُ.
وَلَا يَسْقُطُ إلَّا بِعَوْدِهِ لِبَلَدِهِ أَوْ لِمِثْلِهِ.
وَخَرَجَ عَنْ أَرْضِ الْحِجَازِ بِالْكُلِّيَّةِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
وَمَحِلُّ اشْتِرَاطِ رُجُوعِهِ لِبَلْدَةِ أَوْ مِثْلِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ بَلَدُهُ بَعِيدًا جِدًّا كَالْمَغْرِبِيِّ فَيَكْفِي رُجُوعُهُ لِنَحْوِ مِصْرَ كَمَا قَرَّرَ مُؤَلِّفُهُ.
(تَنْبِيهَانِ) : الْأَوَّلُ: زِيدَ شَرْطٌ أَيْضًا عَلَى أَحَدِ التَّرَدُّدَيْنِ فِي خَلِيلٍ: وَهُوَ كَوْنُهُمَا عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ كَانَا عَنْ اثْنَيْنِ - كَأَنْ اعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَحَجّ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ عَكْسُهُ، أَوْ اعْتَمَرَ عَنْ زَيْدٍ وَحَجَّ عَنْ بَكْرٍ - فَلَا دَمَ.
وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمَا عَنْ وَاحِدٍ، قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَهُوَ الرَّاجِحُ.
الثَّانِي: يَجِبُ دَمُ التَّمَتُّعِ بِإِحْرَامِ الْحَجِّ وُجُوبًا مُوَسَّعًا بِحَيْثُ لَوْ طَرَأَ لَهُ مُسْقِطٌ كَمَوْتِ الشَّخْصِ سَقَطَ، وَيَتَحَتَّمُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ لَوْ مَاتَ بَعْدَهَا حَيْثُ رَمَاهَا أَوْ فَاتَ وَقْتُ رَمْيِهَا.
مِيقَاتٍ مِنْ الْمَوَاقِيتِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَرَابِغٍ، وَاعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ رَجَعَ لِبَلَدِهِ بَعْدَ أَنْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ لِمَكَّةَ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ.
(وَ) شَرْطٌ لِلتَّمَتُّعِ أَيْضًا: (فِعْلُ بَعْضِ رُكْنِهَا) : أَيْ أَنْ يَفْعَلَ وَلَوْ بَعْضَ رُكْنٍ مِنْ الْعُمْرَةِ (فِي وَقْتِهِ) : أَيْ الْحَجِّ بِدُخُولِ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ رَمَضَانَ، فَإِنْ تَمَّ سَعْيُهُ مِنْهَا قَبْلَ الْغُرُوبِ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَهُ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَإِنْ غَرَبَتْ قَبْلَ تَمَامِهِ كَانَ مُتَمَتِّعًا.
الرُّكْنُ (الثَّانِي) مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ:
(السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أَشْوَاطًا (سَبْعًا مِنْهُ) : أَيْ الصَّفَا (الْبَدْءُ مَرَّةً وَالْعَوْدُ) إلَيْهِ مِنْ الْمَرْوَةِ مَرَّةً (أُخْرَى) ، فَيَبْدَأُ بِالصَّفَا وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ.
فَإِنْ ابْتَدَأَ مِنْ
[حاشية الصاوي]
[الرُّكْن الثَّانِي مِنْ أَرْكَان الْحَجّ السَّعْي بَيْن الصفا وَالْمَرْوَة]
قَوْلُهُ: [الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ: السَّعْيُ] : ذَكَرَ الْأُجْهُورِيُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْوُقُوفِ لِقُرْبِهِ مِنْ الْبَيْتِ وَتَبَعِيَّتِهِ لِلطَّوَافِ الْأَفْضَلِ مِنْ الْوُقُوفِ لِتَعَلُّقِهِ بِالْبَيْتِ الْمَقْصُودِ بِالْحَجِّ، وَحَدِيثُ: «الْحَجُّ عَرَفَةَ» ، إنَّمَا هُوَ لِفَوَاتِ الْحَجِّ بِفَوَاتِهِ، وَلَكِنْ يَبْعُدُ مَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ مَا سَبَقَ مِنْ الْخِلَافِ فِي رُكْنِيَّةِ السَّعْيِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ التَّطَوُّعُ بِتَكْرَارِهِ بِخِلَافِ الطَّوَافِ - كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ [الْبَدْءُ] : مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (مِنْهُ) وَقَوْلُهُ (مَرَّةً) حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي مُتَعَلِّقِ الْخَبَرِ أَيْ الْبَدْءِ كَائِنٌ مِنْهُ حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ الْبَدْءِ مَرَّةً، وَالصَّفَا مُذَكَّرٌ لِأَنَّ أَلِفَه ثَالِثَةٌ كَأَلِفِ فَتًى، وَأَلِفُ التَّأْنِيثِ لَا تَكُونُ ثَالِثَةً.
قَوْلُهُ: [وَالْعَوْدُ إلَيْهِ] : (الْعَوْدُ) مُبْتَدَأٌ وَ (إلَيْهِ) خَبَرٌ، وَمَرَّةً حَالٌ مِنْ مُتَعَلِّقِ الْخَبَرِ كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ وَ (أُخْرَى) صِفَةٌ لِ (مَرَّةً) .
قَوْلُهُ: [فَيَبْدَأُ بِالصَّفَا] : أَيْ كَمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَفِي الْحَدِيثِ:: «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ» ، وَقِيلَ لِعَائِشَةَ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] يُفِيدُ عَدَمَ وُجُوبِهِ فَقَالَتْ: لَوْ كَانَ
الْمَرْوَةِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ.
(وَصِحَّتُهُ: بِتَقْدِيمِ طَوَافٍ صَحَّ) : أَيْ شَرْطُ صِحَّتِهِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ طَوَافٌ صَحِيحٌ، (مُطْلَقًا) : سَوَاءٌ كَانَ نَفْلًا أَوْ وَاجِبًا كَالْقُدُومِ، أَوْ رُكْنًا كَالْإِفَاضَةِ.
فَإِنْ سَعَى مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمِ طَوَافٍ صَحِيحٍ عَلَيْهِ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
(وَوَجَبَ) السَّعْيُ (بَعْدَ) طَوَافٍ (وَاجِبٍ) كَالْقُدُومِ وَالْإِفَاضَةِ.
(وَ) وَجَبَ (تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوُقُوفِ) : بِعَرَفَةَ بِأَنْ يُوقِعَهُ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ (إنْ وَجَبَ) عَلَيْهِ (طَوَافُ الْقُدُومِ) ، وَإِلَّا أَخَّرَهُ عَقِبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ كَمَا سَيَقُولُ.
[حاشية الصاوي]
كَذَلِكَ لَقِيلَ أَنْ لَا يَطُوفَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِتَحَرُّجِهِمْ مِنْهُمَا لَمَّا كَانَا مَحَلَّ الْأَصْنَامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ فِي الْآيَةِ تَصْرِيحٌ بِالْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا الْوُجُوبُ مَأْخُوذٌ مِنْ السُّنَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَصِحَّتُهُ بِتَقَدُّمِ طَوَافٍ] : وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُهُ بِهِ بَلْ يُغْتَفَرُ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ بَيْنَ أَشْوَاطِهِ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا أَخَّرَهُ عَقِبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ] : أَيْ وَإِلَّا يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافُ
وَإِنَّمَا يَجِبُ طَوَافُ الْقُدُومِ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ أَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ: (بِأَنَّ أَحْرَمَ) بِالْحَجِّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا (مِنْ الْحِلِّ) إذَا كَانَ دَارُهُ خَارِجَ الْحَرَمِ، أَوْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ، وَخَرَجَ لِلْحِلِّ لِقِرَانِهِ أَوْ لِمِيقَاتِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقُدُومُ.
(وَلَمْ يُرَاهِقْ) بِكَسْرِ الْهَاءِ: أَيْ يُقَارِبْ الْوَقْتَ بِحَيْثُ يَخْشَى فَوَاتَ الْحَجِّ، إنْ اشْتَغَلَ بِالْقُدُومِ.
وَبِفَتْحِهَا: أَيْ لَمْ يُزَاحِمْهُ الْوَقْتُ، فَإِنْ زَاحَمَهُ وَخَشِيَ فَوَاتَ الْحَجِّ لَوْ اشْتَغَلَ بِهِ سَقَطَ الْقُدُومُ.
بَلْ يَجِبُ تَرْكُهُ لِإِدْرَاكِ الْحَجِّ.
وَمِثْلُ الْمُرَاهِقِ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونُ، وَإِذَا اسْتَمَرَّ عُذْرُهُمْ حَتَّى لَا يُمْكِنُهُمْ الْإِتْيَانُ بِالْقُدُومِ.
(وَلَمْ يُرْدِفْ) الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ بِحَرَمٍ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَلَا قُدُومَ عَلَيْهِ؛ (فَ) يَجِبُ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ سَعْيِهِ (بَعْدَ الْإِفَاضَةِ) لِيَقَعَ بَعْدَ طَوَافٍ وَاجِبٍ.
(فَإِنْ قَدَّمَهُ) عَلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بَعْدَ نَفْلٍ (أَعَادَهُ) وُجُوبًا بَعْدَهُ، (وَأَعَادَ لَهُ الْإِفَاضَةَ) إنْ لَمْ يَسْعَ بَعْدَهَا وَطَالَ الزَّمَنُ (مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ تَبَاعَدَ عَنْهَا فَدَمٌ) يَلْزَمُهُ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ لِبَلَدِهِ.
وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ رُكْنًا.
(وَنُدِبَ لِدَاخِلِ مَكَّةَ نُزُولٌ بِطُوًى) : بَطْحَاءُ مُتَّسَعَةٌ يَكْتَنِفُهَا جِبَالٌ قُرْبَ مَكَّةَ فِي وَسَطِهَا بِئْرٌ.
(وَ) نُدِبَ (غُسْلٌ بِهَا) : أَيْ فِيهَا (لِغَيْرِ حَائِضٍ) وَنُفَسَاءَ، لِأَنَّهُ لِلطَّوَافِ وَهِيَ لَا يُمْكِنُهَا الطَّوَافُ وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ.
[حاشية الصاوي]
الْقُدُومِ أَخَّرَهُ وُجُوبًا وَعَقِبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ كَمَا سَيَقُولُ.
قَوْلُهُ: [حَتَّى لَا يُمْكِنَهُمْ الْإِتْيَانُ بِالْقُدُومِ] : أَيْ مَعَ إدْرَاكِ الْوُقُوفِ.
قَوْلُهُ: [وَطَالَ الزَّمَنُ] : مَفْهُومُهُ لَوْ كَانَ الزَّمَنُ قَرِيبًا بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالسَّعْيِ، وَلَا يُعِيدُ الْإِفَاضَةَ لِأَنَّ الْفَصْلَ الْيَسِيرَ مُغْتَفَرٌ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ رُكْنًا] : أَيْ لِكَوْنِهِ أَتَى بِأَصْلِ الرُّكْنِ وَهُوَ السَّعْيُ بَعْدَ طَوَافٍ غَيْرِ وَاجِبٍ.
وَإِنَّمَا فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ وَاجِبًا يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ حَيْثُ بَعُدَ عَنْ مَكَّةَ وَمَا دَامَ بِهَا لَا يُجْبِرُهُ الدَّمُ بَلْ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ غُسْلٌ بِهَا] : أَيْ فَهُوَ نَفْسُهُ مَنْدُوبٌ.
وَكَوْنُهُ بِهَذَا الْمَكَانِ مَنْدُوبٌ ثَانٍ.
(وَ) نُدِبَ (دُخُولُهُ) مَكَّةَ (نَهَارًا) . (وَ) نُدِبَ دُخُولُهُ (مِنْ كَدَاءٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ آخِرُهُ هَمْزَةٌ مَحْدُودًا اسْمٌ لِطَرِيقٍ بَيْن جَبَلَيْنِ فِيهَا صُعُودٌ يَهْبِطُ مِنْهَا عَلَى الْمَقْبَرَةِ الَّتِي بِهَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ السَّيِّدَةُ خَدِيجَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -. (وَ) نُدِبَ (دُخُولُ الْمَسْجِدِ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ) الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِبَابِ السَّلَامِ.
(وَ) نُدِبَ (خُرُوجُهُ) بَعْدَ انْقِضَاءِ نُسُكِهِ (مِنْ كُدًى) بِضَمِّ الْكَافِ مَقْصُورًا اسْمٌ لِطَرِيقٍ يَمُرُّونَ مِنْهَا عَلَى الشَّيْخِ مَحْمُودٍ.
وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ (فَيَبْدَأُ بِالْقُدُومِ) أَيْ بِطَوَافِهِ (وَنَوَى وُجُوبَهُ) لِيَقَعَ وَاجِبًا.
(فَإِنْ نَوَى) بِطَوَافِهِ (نَفْلًا أَعَادَهُ) بِنِيَّةِ الْوُجُوبِ.
وَفِي التَّعْبِيرِ بِالْإِعَادَةِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْوَاجِبِ مِنْ أَصْلِهِ كَمَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ وَاجِبَةٌ وَصَلَّى نَفْلًا، فَالْوَاجِبُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ، (وَأَعَادَ السَّعْيَ) الَّذِي سَعَاهُ بَعْدَ النَّفْلِ لِيَقَعَ بَعْدَ وَاجِبٍ (مَا لَمْ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [نَهَارًا] : فَإِنْ قَدِمَ بِهَا لَيْلًا بَاتَ بِذِي طُوًى.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ دُخُولُهُ مِنْ كَدَاءٍ] : أَيْ إلَّا لِزَحْمَةٍ.
قَوْلُهُ؛ [اسْمٌ لِطَرِيقٍ] : وَيُعْرَفُ الْآنَ بِبَابِ الْمُعَلَّاةِ وَالدُّخُولُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ مَنْدُوبٌ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ مِنْ جِهَةِ الْمَدِينَةِ خِلَافًا لِخَلِيلٍ، فَإِنْ الْعِلَّةَ أَذَانُ إبْرَاهِيمَ بِالْحَجِّ فِيهِ وَهِيَ عَامَّةٌ - كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ [الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِبَابِ السَّلَامِ] : وَفِي الْحَقِيقَةِ بَابُ السَّلَامِ الْمَعْرُوفُ الْآنَ مُوصِلٌ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ الْآنَ قَوْصَرَّةٌ بِوَسَطِ صَحْنِ الْحَرَمِ يَمُرُّ مِنْهَا الدَّاخِلُ مِنْ بَابِ السَّلَامِ الْقَاصِدُ لِلْكَعْبَةِ، فَلَوْ دَخَلَ شَخْصٌ مِنْ أَيِّ بَابٍ وَتَوَصَّلَ لِلْكَعْبَةِ مِنْ تِلْكَ الْقَوْصَرَّةِ فَقَدْ أَتَى بِالْمَنْدُوبِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ كُدًى بِضَمِّ الْكَافِ] إلَخْ: أَبْدَى بَعْضُهُمْ الْحِكْمَةَ فِي الدُّخُولِ مِنْ الْمَفْتُوحِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَضْمُومِ وَهِيَ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّهُ يَدْخُلُ طَالِبًا الْفَتْحَ وَمُلْتَمِسًا الْعَطَايَا، فَإِذَا خَرَجَ يَضُمُّ مَا حَازَهُ وَيَكْتُمُ أَمْرَهُ وَلَا يَشِيعُ سِرُّهُ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ نَوَى بِطَوَافِهِ نَفْلًا] : أَيْ بِأَنْ اعْتَقَدَ عَدَمَ وُجُوبِهِ كَمَا يَقَعُ لِبَعْضِ الْجَهَلَةِ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَنْوِ وُجُوبَهُ وَهُوَ يَعْتَقِدُ لُزُومَهُ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
يَخَفْ فَوْتًا) لَحِجِّهِ إنْ اشْتَغَلَ بِالْإِعَادَةِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ خَافَ الْفَوَاتَ تَرَكَ الْإِعَادَةَ لِطَوَافِهِ وَسَعْيِهِ، وَ (أَعَادَهُ) : أَيْ السَّعْيَ (بَعْدَ الْإِفَاضَةِ وَعَلَيْهِ دَمٌ) لِفَوَاتِ الْقُدُومِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ بَعْدَهَا أَعَادَ لَهُ الْإِفَاضَةُ، وَأَعَادَهُ بَعْدَهَا مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ تَبَاعَدَ فَدَمٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِيمَنْ لَيْسَ عَلَيْهِ قُدُومٌ إذَا قَدَّمَ سَعْيَهُ.
(وَوَجَبَ لِلطَّوَافِ مُطْلَقًا) - وَاجِبًا أَوْ نَفْلًا - (رَكْعَتَانِ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ (يَقْرَأُ فِيهِمَا) نَدْبًا (بِالْكَافِرُونَ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، (فَالْإِخْلَاصِ) فِي الثَّانِيَةِ.
(وَنَدْبًا) أَيْ إيقَاعُهُمَا (بِالْمَقَامِ) أَيْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ.
(وَ) نُدِبَ (دُعَاءٌ) بَعْدَ تَمَامِ طَوَافِهِ وَقَبْلَ رَكْعَتَيْهِ (بِالْمُلْتَزَمِ) : حَائِطِ الْبَيْتِ بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَبَابِ الْبَيْتِ: يَضَعُ صَدْرَهُ عَلَيْهِ، وَيَفْرِشُ ذِرَاعَيْهِ عَلَيْهِ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ وَيُسَمَّى الْحَطِيمُ أَيْضًا.
(وَ) نُدِبَ (كَثْرَةُ شُرْبِ مَاءِ زَمْزَمَ) لِأَنَّهُ بَرَكَةٌ (بِنِيَّةٍ حَسَنَةٍ) فَقَدْ وَرَدَ:
[حاشية الصاوي]
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى نَوَى الْوُجُوبَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَلَكِنْ اعْتَقَدَ وُجُوبَهُ فَلَا إعَادَةَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَكَانَ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ عَدَمَ لُزُومِهِ؛ أَوْ اعْتَقَدَ الْوُجُوبَ وَنَوَى بِهِ النَّفْلِيَّةَ فَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ.
[وَاجِبَات الطَّوَاف]
قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ لِلطَّوَافِ مُطْلَقًا] : أَيْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَالْآخَرُ أَنَّهُمَا تَابِعَانِ لِلطَّوَافِ.
قَوْلُهُ: [يَقْرَأُ فِيهِمَا نَدْبًا بِالْكَافِرِينَ] إلَخْ: الْكَافِرُونَ مَجْرُورٌ بِالْحِكَايَةِ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى التَّوْحِيدِ فِي مَقَامِ التَّجْرِيدِ.
قَوْلُهُ: [الْمَقَامِ] : أَيْ خَلْفَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَقَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ فِعْلُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ الْمَقَامَ وَسَطُهُ، فَلَوْ صَلَّاهُمَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَجْزَأَ وَأَعَادَهُمَا مَا دَامَ عَلَى وُضُوءٍ.
قَوْلُهُ: [وَيُسَمَّى الْحَطِيمُ أَيْضًا] : أَيْ لِأَنَّهُ يُحَطِّمُ الذُّنُوبَ وَمَا دُعِيَ فِيهِ عَلَى ظَالِمٍ إلَّا وَحُطِّمَ.
وَقِيلَ الْمُلْتَزَمُ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الْكَائِنِ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَزَمْزَمَ، فَعَلَى هَذَا يَكْفِي الدُّعَاءُ فِي أَيِّ بُقْعَةٍ مِنْهُ.
«مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» أَيْ مِنْ عِلْمٍ أَوْ عَمَلٍ أَوْ عَافِيَةٍ أَوْ سَعَةِ رِزْقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(وَ) نُدِبَ (نَقْلُهُ) إلَى بَلَدِهِ وَأَهْلِهِ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ.
(وَشَرْطُ صِحَّةِ الطَّوَافِ) فَرْضًا أَوْ نَفْلًا: (الطَّهَارَتَانِ) : طَهَارَةُ الْحَدَثِ، وَطَهَارَةُ الْخَبَثِ كَالصَّلَاةِ (وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ) كَالصَّلَاةِ فِي حَقِّ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.
(وَجَعْلُ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ) حَالَ طَوَافِهِ لَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَا تُجَاهَ وَجْهِهِ أَوْ ظَهْرِهِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» : أَيْ فَيَحْصُلُ مَا قَصَدَهُ بِالنِّيَّةِ الْحَسَنَةِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ نَقْلُهُ] : أَيْ وَخَاصِّيَّتُهُ بَاقِيَةٌ خِلَافًا لِمَنْ يَزْعُمُ زَوَالَ خَاصِّيَّتِهِ.
قَوْلُهُ: [كَالصَّلَاةِ] : فَإِنْ شَكَّ فِي الْأَثْنَاءِ ثُمَّ بَانَ الطُّهْرُ لَمْ يُعِدْ.
قَوْلُهُ: [فِي حَقِّ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى] : قَالَ بَعْضٌ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ طَوَافِ الْحُرَّةِ إذَا كَانَتْ بَادِيَةَ الْأَطْرَافِ، وَتُعِيدُ اسْتِحْبَابًا مَا دَامَتْ بِمَكَّةَ أَوْ حَيْثُ يُمْكِنُهَا الْإِعَادَةُ وَقِيلَ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [وَجَعَلَ الْبَيْتَ مِنْ يَسَارِهِ] : الْمُرَادُ عَنْ يَسَارِهِ وَهُوَ مَاشٍ مُسْتَقِيمًا جِهَةَ إمَامِهِ، فَلَوْ جَعَلَهُ عَنْ يَسَارِهِ إلَّا أَنَّهُ رَجَعَ الْقَهْقَرَى مِنْ الْأَسْوَدِ إلَى الْيَمَانِيِّ لَمْ يُجْزِهِ، قَالَ الْحَطَّابُ حِكْمَةُ جَعْلِ الْبَيْتِ عَنْ يَسَارِهِ لِيَكُونَ قَلْبُهُ إلَى جِهَةِ الْبَيْتِ، وَوَجْهُهُ إلَى وَجْهِ الْبَيْتِ، إذْ بَابُ الْبَيْتِ هُوَ وَجْهُهُ، فَلَوْ جَعَلَ الطَّائِفُ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ لَأَعْرَضَ عَنْ بَابِ الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ وَجْهُهُ، وَلَا يَلِيقُ بِالْأَدَبِ الْإِعْرَاضُ عَنْ وُجُوهِ الْأَمْثَالِ.
(وَخُرُوجُ كُلِّ الْبَدَنِ) : أَيْ بَدَنِ الطَّائِفِ (عَنْ الشَّاذَرْوَانِ) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ: بِنَاءٌ لَطِيفٌ مِنْ حَجَرٍ أَصْفَرَ يَمِيلُ إلَى الْبَيَاضِ مُلْصَقٌ بِحَائِطِ الْكَعْبَةِ مُحْدَوْدَبٌ طُولُهُ أَقَلُّ مِنْ ذِرَاعٍ فَوْقَهُ حَلَقٌ مِنْ نُحَاسٍ أَصْفَرَ دَائِرٌ بِالْبَيْتِ، يُرْبَطُ بِهَا أَسْتَارُ الْكَعْبَةِ يَلْعَبُ بِهَا بَعْضُ جَهَلَةِ الْعَوَامّ كَأَنَّهُمْ يَعُدُّونَهَا فَيَفْسُدُ طَوَافُهُمْ.
(وَ) خُرُوجُ كُلِّ الْبَدَنِ أَيْضًا عَنْ (الْحِجْرِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ: أَيْ حِجْرِ إسْمَاعِيلَ لِأَنَّ أَصْلَهُ مِنْ الْبَيْتِ وَهُوَ الْآنَ مَحُوطٌ بِبِنَاءٍ مِنْ حَجَرٍ أَصْفَرَ يَمِيلُ إلَى الْبَيَاضِ عَلَى شَكْلِ الْقَوْسِ، تَحْتَ مِيزَابِ الرَّحْمَةِ مِنْ الرُّكْنِ الْعِرَاقِيِّ الَّذِي يَلِي بَابَ الْكَعْبَةِ إلَى الرُّكْنِ الشَّامِيِّ طُولُهُ نَحْوُ ذِرَاعَيْنِ، لَيْسَ مُلْتَصِقًا بِالْكَعْبَةِ، بَلْ لَهُ بَابٌ مِنْ عِنْدِ الْعِرَاقِيّ، وَبَابٌ مِنْ عِنْدِ الشَّامِيِّ يَدْخُلُ الدَّاخِلُ مِنْ هَذَا وَيَخْرُجُ مِنْ الْآخَرِ، وَالْمَطَافُ خَارِجُ الْحِجْرِ مُبَلَّطٌ بِرُخَامٍ نَفِيسٍ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ.
وَإِذَا كَانَ خُرُوجُ كُلِّ الْبَدَنِ شَرْطَ صِحَّةٍ (فَيَنْصِبُ الْمُقَبِّلُ) لِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ] إلَخْ: أَيْ كَمَا ضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ: بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ.
قَوْلُهُ: [فَيَفْسُدُ طَوَافُهُمْ] : أَيْ لِدُخُولِ بَعْضِ الْبَدَنِ فِي هَوَاءِ الْبَيْتِ، وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ، قَالَ الْحَطَّابُ: وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ كَثُرَ الِاضْطِرَابُ فِي الشَّاذَرْوَانِ، فَيَجِبُ عَلَى الشَّخْصِ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فِي طَوَافِهِ ابْتِدَاءً، فَإِنْ طَافَ وَبَعْضُ بَدَنِهِ فِي هَوَائِهِ أَعَادَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ حَتَّى بَعُدَ عَنْ مَكَّةَ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ مُرَاعَاةً لِمَنْ يَقُولُ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ، وَلَكِنْ يَلْزَمُهُ هَدْيٌ كَمَا قَرَّرَهُ الْمُؤَلِّفُ.
قَوْلُهُ: [وَخُرُوجُ كُلِّ الْبَدَنِ أَيْضًا عَنْ الْحِجْرِ] : أَيْ لِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يُعْتَدُّ بِالطَّوَافِ دَاخِلَ الْحِجْرِ، خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ مِنْ تَخْصِيصِهِ بِسِتَّةِ أَذْرُعٍ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ خِلَافُ نَصِّ الْمُدَوَّنَةِ كَمَا عَلِمْت.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ أَصْلَهُ مِنْ الْبَيْتِ] : أَيْ وَلِذَلِكَ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: صَلِّي فِي الْحِجْرِ إنْ أَرَدْت دُخُولَ الْبَيْتِ فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ الْبَيْتِ،
(قَامَتَهُ) : بِأَنْ يَعْتَدِلَ بَعْدَ التَّقْبِيلِ قَائِمًا، ثُمَّ يَطُوفَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَافَ مُطَأْطِئًا كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ فِي الْبَيْتِ فَلَا يَصِحُّ طَوَافُهُ.
(وَ) شَرْطُ صِحَّةِ الطَّوَافِ: (كَوْنُهُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) مِنْ الْحَجَرِ لِلْحَجَرِ فَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ.
وَكَوْنُهُ (دَاخِلَ الْمَسْجِدِ) فَلَا يُجْزِئُ خَارِجَهُ.
[حاشية الصاوي]
وَلَكِنَّ قَوْمَك اسْتَقْصَرُوهُ حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ الْبَيْتِ» .
قَوْلُهُ: [فَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ زَادَ فَقَالَ الْبَاجِيُّ: وَمَنْ سَهَا فِي طَوَافِهِ فَبَلَغَ ثَمَانِيَةً أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ لِلْأُسْبُوعِ الْكَامِلِ، وَيُلْغِي مَا زَادَ عَلَيْهِ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ.
وَهَكَذَا حُكْمُ الْعَامِدِ، فِي ذَلِكَ اُنْظُرْ الْحَطَّابَ.
وَبِهَذَا تَعْلَمُ مَا فِي (عب) وَالْخَرَشِيِّ مِنْ بُطْلَانِ الطَّوَافِ بِزِيَادَةِ مِثْلِهِ سَهْوًا، وَبِمُطْلَقِ الزِّيَادَةِ عَمْدًا كَالصَّلَاةِ مِنْ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ، وَقِيَاسُهُمَا لَهُ عَلَى الصَّلَاةِ مَرْدُودٌ بِوُجُودِ الْفَارِقِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا بِسَلَامٍ، بِخِلَافِ الطَّوَافِ فَالزِّيَادَةُ بَعْدَ تَمَامِهِ لَغْوٌ - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ، وَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ شَارِحُنَا عَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ فِي الْأَقَلِّ وَسَكَتَ عَنْ الزِّيَادَةِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يُجْزِئُ خَارِجَهُ] : أَيْ وَلَا فَوْقَ سَطْحِهِ، وَأَمَّا بِالسَّقَائِفِ الْقَدِيمَةِ وَهِيَ مَحَلُّ الْقِبَابِ الْمَعْقُودَةِ الْآنَ وَوَرَاءَ زَمْزَمَ وَقُبَّةِ الشَّرَابِ فَيَجُوزُ لِلزَّحْمَةِ لَا لِكَحَرٍّ وَبَرْدٍ فَيُعِيدُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ، وَإِلَّا فَدَمٌ كَذَا فِي الْمَجْمُوعِ، فَلَوْ طَافَ فِي السَّقَائِفِ لِزَحْمَةٍ ثُمَّ زَالَتْ الزَّحْمَةُ فِي الْأَثْنَاءِ وَجَبَ كَمَالُهُ فِي الْمَحِلِّ الْمُعْتَادِ كَانَ الْبَاقِي قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا.
فَلَوْ كَمَّلَهُ فِي مَحَلِّ السَّقَائِفِ فَهَلْ يُطَالَبُ بِإِعَادَةِ مَا فَعَلَهُ بَعْدَ زَوَالِ الزَّحْمَةِ، أَوْ يُؤْمَرُ بِإِعَادَةِ الطَّوَافِ كُلِّهِ؟ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ.
وَكَوْنُهُ مُتَوَالِيًا (بِلَا كَثِيرِ فَصْلٍ، وَإِلَّا) بِأَنْ فَصَلَ كَثِيرًا لِحَاجَةٍ أَوْ لِغَيْرِهَا (ابْتَدَأَهُ) مِنْ أَوَّلِهِ، وَبَطَلَ مَا فَعَلَهُ.
(وَقَطَعَ) طَوَافَهُ وُجُوبًا وَلَوْ رُكْنًا (لِإِقَامَةِ) صَلَاةِ (فَرِيضَةٍ) لِرَاتِبٍ، إذَا لَمْ يَكُنْ صَلَّاهَا، أَوْ صَلَّاهَا مُنْفَرِدًا وَهِيَ مِمَّا تُعَادُ.
وَالْمُرَادُ بِالرَّاتِبِ: إمَامُ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِمَقَامِ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَقْطَعُ لَهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِ الرَّاتِبِ، كَذَا قِيلَ.
(وَ) إذَا أُقِيمَتْ عَلَيْهِ أَثْنَاءَ شَوْطٍ (نُدِبَ) لَهُ (كَمَالُ الشَّوْطِ) الَّذِي هُوَ فِيهِ، بِأَنْ يَنْتَهِيَ لِلْحَجَرِ لِيَبْنِيَ عَلَى طَوَافِهِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ أَوَّلِ الشَّوْطِ، فَإِنْ لَمْ يُكْمِلْهُ ابْتَدَأَ فِي مَوْضِعِ خُرُوجِهِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَيُنْدَبُ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ ذَلِكَ الشَّوْطَ؛ (وَبَنَى) عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ طَوَافِهِ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَقَبْلَ تَنَفُّلِهِ فَعُلِمَ أَنَّ الْفَصْلَ بِصَلَاةِ الْفَرِيضَةِ لَا يُبْطِلُهُ، بِخِلَافِ النَّافِلَةِ وَالْجِنَازَةِ.
وَكَذَا لَا يُبْطِلُهُ الْفَصْلُ لِعُذْرٍ كَرُعَافٍ؛ وَلِذَا شَبَّهَ فِي الْبِنَاءِ قَوْلَهُ: (كَأَنْ رَعَفَ) فَإِنَّهُ يَبْنِي بَعْدَ غَسْلِ الدَّمِ بِالشُّرُوطِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الصَّلَاةِ؛ مِنْ كَوْنِهِ لَا يَتَعَدَّى مَوْضِعًا قَرِيبًا لِأَبْعَدَ مِنْهُ، وَأَنْ لَا يَبْعُدَ الْمَكَانُ فِي نَفْسِهِ؛ وَأَنْ لَا يَطَأَ نَجَاسَةً.
[حاشية الصاوي]
وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَانَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ سَقَائِفُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَدَّلَهَا بَعْضُ السَّلَاطِينِ مِنْ بَنِي عُثْمَانَ بِقِبَابٍ مَعْقُودَةٍ، وَأَمَّا السَّقَائِفُ الْمَوْجُودَةُ الْآنَ خَلْفَ الْقِبَابِ فَالطَّوَافُ بِهَا بَاطِلٌ لِخُرُوجِهَا عَنْ الْمَسْجِد.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ فَصَلَ كَثِيرًا] : أَيْ وَلَوْ كَانَ الْفَصْلُ لِصَلَاةِ جِنَازَةٍ، بَلْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ مُبْطِلٌ لِلطَّوَافِ وَلَوْ قَلَّ الْفَصْلُ، لِأَنَّهَا فِعْلٌ آخَرُ غَيْرُ مَا هُوَ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ الْقَطْعُ لَهَا اتِّفَاقًا.
قَالَ فِي الْأَصْلِ: مَا لَمْ تَتَعَيَّنْ، فَإِنْ تَعَيَّنَتْ وَجَبَ الْقَطْعُ إنْ خَشِيَ تَغَيُّرَهَا وَإِلَّا فَلَا يَقْطَعُ، وَإِذَا قُلْنَا بِالْقَطْعِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَبْنِي كَالْفَرِيضَةِ كَذَا قَالُوا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - (اهـ) . وَأَمَّا لَوْ قَطَعَ لِنَفَقَةٍ نَسِيَهَا، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ بَنَى، وَإِلَّا ابْتَدَأَهُ.
قَوْلُهُ: [كَذَا قِيلَ] : تَقَدَّمَ فِي الْجَمَاعَةِ الْخِلَافُ فِيهِ فَانْظُرْهُ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ النَّافِلَةِ] إلَخْ: أَيْ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ الْفَصْلُ بِهَا وَلَوْ يَسِيرًا لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ أُخْرَى.
وَتَقَدَّمَ التَّفْصِيلُ فِي الْجِنَازَةِ.
قَوْلُهُ: [كَأَنْ رَعَفَ فَإِنَّهُ يَبْنِي] : أَيْ بِخِلَافِ مَا لَوْ عَلِمَ بِنَجَسٍ أَوْ سَقَطَتْ
(وَ) بَنَى (عَلَى الْأَقَلِّ إنْ شَكَّ) هَلْ طَافَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ أَوْ أَرْبَعَةً مَثَلًا إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكِحًا، إلَّا بَنَى عَلَى الْأَكْثَرِ.
(وَوَجَبَ) لِلطَّوَافِ (ابْتِدَاؤُهُ مِنْ الْحَجَرِ) : الْأَسْوَدِ.
(وَ) وَجَبَ لَهُ (مَشْيٌ لِقَادِرٍ) عَلَيْهِ (كَالسَّعْيِ) : أَيْ كَمَا يَجِبُ الْمَشْيُ لِلسَّعْيِ عَلَى الْقَادِرِ.
(وَإِلَّا) يَمْشِ - بِأَنْ رَكِبَ أَوْ حُمِلَ - (فَدَمٌ) يَلْزَمُهُ (إنْ لَمْ يُعِدْهُ) وَقَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ.
فَإِنْ أَعَادَهُ مَاشِيًا بَعْدَ رُجُوعِهِ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ فَهُوَ مَطْلُوبٌ بِإِعَادَتِهِ مَاشِيًا.
وَلَوْ طَالَ الزَّمَنُ، وَلَا يَجْزِيهِ الدَّمُ وَالسَّعْيُ كَالطَّوَافِ فِيمَا ذُكِرَ.
وَمَفْهُومُ: " لِقَادِرٍ " أَنَّ الْعَاجِزَ لَا دَمَ عَلَيْهِ وَلَا إعَادَةَ.
وَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ مِنْ أَنَّ الْمَشْيَ سُنَّةٌ فِيهِ مُسَامَحَةٌ.
(وَسُنَّ) لِلطَّوَافِ (تَقْبِيلُ حَجَرٍ بِلَا صَوْتٍ) نَدْبًا (أَوَّلُهُ) أَيْ فِي أَوَّلِهِ قَبْلَ
[حاشية الصاوي]
عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ.
فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي بَلْ يَبْطُلُ وَيَبْتَدِيهِ، خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالنَّجَسِ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُعِيدُ رَكْعَتَيْهِ إنْ كَانَ الْأَمْرُ قَرِيبًا وَلَمَّا يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، فَإِنْ طَالَ أَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَرَاغِ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: [وَبَنَى عَلَى الْأَقَلِّ] إلَخْ: أَيْ وَيَعْمَلُ بِإِخْبَارِ غَيْرِهِ وَلَوْ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ لِلطَّوَافِ ابْتِدَاؤُهُ] إلَخْ: فَإِنْ ابْتَدَأَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يُعِدْهُ لَزِمَهُ دَمٌ.
قَوْلُهُ: [فِيهِ مُسَامَحَةٌ] : أَيْ لِحُكْمِهِ بِالدَّمِ فِي تَرْكِهِ؛ وَالدَّمُ لَا يَكُونُ إلَّا لِتَرْكِ وَاجِبٍ وَهَذَا هُوَ مَشْهُورٌ مَذْهَبًا، وَأَمَّا مَذْهَبُ الْغَيْرِ فَلَيْسَ الْمَشْيُ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ بِوَاجِبٍ.
[سُنَن الطَّوَاف]
قَوْلُهُ: [وَسُنَّ لِلطَّوَافِ تَقْبِيلٌ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ فِي كُلِّ طَوَافٍ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا، وَهُوَ الَّذِي نَسَبَهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِلتَّلْقِينِ وَظَاهِرُ إطْلَاقِ خَلِيلٍ وَابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَلَكِنْ نَسَبَ الْبُنَانِيُّ لِلْمُدَوَّنَةِ تَخْصِيصَ السُّنِّيَّةِ بِالطَّوَافِ الْوَاجِبِ.
قَوْلُهُ: [بِلَا صَوْتٍ] : وَفِي الصَّوْتِ قَوْلَانِ: بِالْكَرَاهَةِ، وَالْإِبَاحَةِ وَهُوَ الْأَرْجَحُ.
وَكَرِهَ مَالِكٌ السُّجُودَ وَتَمْرِيغَ الْوَجْهِ عَلَيْهِ.
الشُّرُوعِ فِيهِ إذَا لَمْ تَكُنْ زَحْمَةً، (وَلِلزَّحْمَةِ لَمْسٌ بِيَدٍ) إنْ قَدَرَ، (ثُمَّ عُودٍ) إنْ لَمْ يَقْدِرْ بِالْيَدِ.
(وَوُضِعَا) : أَيْ الْيَدُ أَوْ الْعُودُ (عَلَى فِيهِ) بَعْدَ اللَّمْسِ بِأَحَدِهِمَا بِلَا صَوْتٍ، (وَكَبَّرَ) نَدْبًا (مَعَ كُلٍّ) مِنْ التَّقْبِيلِ وَوَضْعِ الْيَدِ أَوْ الْعُودِ عَلَى الْفَمِ.
(وَإِلَّا) يَقْدِرْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ (كَبَّرَ فَقَطْ) إذَا حَاذَاهُ، وَاسْتَمَرَّ فِي طَوَافِهِ.
(وَ) سُنَّ (اسْتِلَامُ) الرُّكْنِ (الْيَمَانِيِّ) أَوَّلَ شَوْطٍ بِأَنْ يَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَيْهِ، وَيَضَعَهَا عَلَى فِيهِ.
(وَ) سُنَّ (رَمَلُ ذَكَرٍ) وَلَوْ غَيْرَ بَالِغٍ فَهُوَ أَشْمَلُ مِنْ قَوْلِهِ: " رَجُلٍ "، فَلَيْسَ مُرَادُهُ خُصُوصَ الْبَالِغِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: " وَلَوْ مَرِيضًا وَصَبِيًّا حُمِلَا " أَيْ: فَيَرْمُلُ الْحَامِلُ لَهُمَا بِهِمَا.
وَالرَّمَلُ: الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ دُونَ الْخَبَبِ (فِي) الْأَشْوَاطِ (الثَّلَاثَةِ الْأَوَّلِ) فَقَطْ.
وَمَحِلُّ اسْتِنَانِ الرَّمَلِ فِيهَا: (إنْ أَحْرَمَ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا (مِنْ الْمِيقَاتِ) ، بِأَنْ كَانَ آفَاقِيًّا أَوْ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِلَّا نُدِبَ كَمَا سَيَأْتِي.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَكَبَّرَ نَدْبًا مَعَ كُلٍّ] : أَيْ خِلَافًا لِظَاهِرِ خَلِيلٍ مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يُكَبِّرُ إذَا تَعَذَّرَ اللَّمْسُ بِالْيَدِ وَالْعَوْدُ فَهِمَهُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَاعْتَرَضَ بِهِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ مِنْ التَّكْبِير، فِي كُلِّ مُرَتَّبَةٍ، وَالصَّوَابُ مَا لِابْنِ الْحَاجِبِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ شَارِحُنَا.
قَوْلُهُ: [كَبَّرَ فَقَطْ إذَا حَاذَاهُ] : أَيْ جَاءَ قُبَالَتَهُ وَلَا يُشِيرُ بِيَدِهِ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى التَّكْبِيرِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذِهِ الْمَرَاتِبِ بَيْنَ الشَّوْطِ الْأَوَّلِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: [وَيَضَعُهَا عَلَى فِيهِ] : أَيْ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ.
وَأَمَّا تَقْبِيلُ الْحَجَرِ وَاسْتِلَامُ الْيَمَانِي فِي بَاقِي الْأَشْوَاطِ فَمَنْدُوبٌ كَمَا يَأْتِي.
وَأَمَّا الشَّامِيُّ وَالْعِرَاقِيُّ فَيُكْرَهُ اسْتِلَامُهُمَا فِي سَائِرِ الْأَشْوَاطِ.
قَوْلُهُ: [وَسُنَّ رَمَلُ ذَكَرٍ] : أَيْ وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا رَمَلَ عَلَيْهِنَّ، وَالظَّاهِرُ كَرَاهَتُهُ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَالطَّائِفُ مِنْ الرِّجَالِ عَنْهُنَّ حُكْمُهُنَّ.
قَوْلُهُ: [إنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ سُنَّةَ الرَّمَلِ إنَّمَا هِيَ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَطَوَافِ الْقُدُومِ، وَهَذَا الرَّمَلُ مِمَّا زَالَ سَبَبُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ، فَإِنَّ سَبَبَهُ رَفْعُ التُّهْمَةِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَدِمُوا مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ، فَكَانَ كُفَّارُ
(إلَّا لِازْدِحَامٍ فَالطَّاقَةُ) ، وَلَا يُكَلَّفُ مَا فَوْقَهَا.
(وَ) سُنَّ لِلطَّائِفِ (الدُّعَاءُ) بِمَا يُحِبُّ مِنْ طَلَبِ عَافِيَةٍ وَعِلْمٍ وَتَوْفِيقٍ وَسَعَةِ رِزْقٍ، (بِلَا حَدٍّ) مَحْدُودٍ فِي ذَلِكَ، بَلْ بِمَا يُفْتَحُ عَلَيْهِ.
الْأَوْلَى أَنَّهُ يَدْعُو بِمَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ نَحْوَ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201] وَنَحْوَ: «اللَّهُمَّ إنِّي آمَنْت بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت، وَبِنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي سُنَنِ السَّعْيِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ فَقَالَ: (وَ) سُنَّ (لِلسَّعْيِ) بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ: (تَقْبِيلُ الْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ قَبْلَ الْخُرُوجِ لَهُ، وَ (بَعْدَ) صَلَاةِ (الرَّكْعَتَيْنِ) لِلطَّوَافِ.
(وَ) سُنَّ (رُقِيُّ رَجُلٍ) : أَيْ صُعُودُهُ (عَلَيْهِمَا) : أَيْ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ،
[حاشية الصاوي]
مَكَّةَ يَظُنُّونَ فِيهِمْ الضَّعْفَ بِسَبَبِ حُمَّى الْمَدِينَةِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ قَدْ أَوْهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فَأُمِرُوا بِالرَّمَلِ فِي ابْتِدَاءِ الْأَشْوَاطِ لِمَنْعِ تُهْمَةِ الضَّعْفِ.
قَوْلُهُ: [بِلَا حَدٍّ مَحْدُودٍ فِي ذَلِكَ] : أَيْ وَالتَّحْدِيدُ رَآهُ مَالِكٌ مِنْ الْبِدَعِ.
[سُنَن السَّعْي]
قَوْلُهُ: [بَعْدَ صَلَاةِ الرَّكْعَتَيْنِ] : وَنُدِبَ أَنْ يَمُرَّ بِزَمْزَمَ فَيَشْرَبَ مِنْهَا ثُمَّ يُقَبِّلَ الْحَجَرَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، ثُمَّ يَخْرُجَ لِلسَّعْيِ مِنْ بَابِ الصَّفَا نَدْبًا.
قَوْلُهُ: [وَسُنَّ رُقِيُّ رَجُلٍ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ السُّنَّةَ تَحْصُلُ بِمُطْلَقِ الرُّقِيِّ وَلَوْ عَلَى سُلَّمٍ وَاحِدٍ، وَالرُّقِيُّ عَلَى الْأَعْلَى مَنْدُوبٌ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمُرَادُ الرُّقِيُّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا
(كَامْرَأَةٍ) يُسَنُّ لَهَا الصُّعُودُ (إنْ خَلَا) الْمَوْضِعُ مِنْ الرِّجَالِ، وَإِلَّا وَقَفَتْ أَسْفَلَهُمَا (وَ) سُنَّ (إسْرَاعٌ بَيْنَ) الْعَمُودَيْنِ (الْأَخْضَرَيْنِ) الْمُلَاصِقَيْنِ لِجِدَارِ الْمَسْجِدِ (فَوْقَ الرَّمَلِ) وَدُونَ الْجَرْيِ، وَذَلِكَ فِي ذَهَابِهِ مِنْ الصَّفَا إلَى الْمَرْوَةِ، وَكَذَا فِي عَوْدِهِ إلَى الصَّفَا أَيْضًا.
(وَ) سُنَّ (الدُّعَاءُ بِهِمَا) : أَيْ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ رَقَى أَمْ لَا انْتَصَبَ قَائِمًا أَمْ جَلَسَ.
(وَنُدِبَ لَهُ) : أَيْ لِلسَّعْيِ (شُرُوطُ الصَّلَاةِ) : مِنْ طَهَارَةٍ، وَسَتْرِ عَوْرَةٍ، وَنُدِبَ وُقُوفٌ عَلَيْهِمَا، وَالْجُلُوسُ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى.
(وَ) نُدِبَ (لِلطَّوَافِ: رَمَلٌ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ لِمُحْرِمٍ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، (مِنْ) دُونِ الْمَوَاقِيتِ (كَالتَّنْعِيمِ) وَالْجِعْرَانَةِ، (أَوْ بِالْإِفَاضَةِ) : أَيْ فِي طَوَافِهَا (لِمَنْ لَمْ يَطُفْ
[حاشية الصاوي]
فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَالْجَمِيعُ سُنَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ رَقَى مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَقَطْ، فَقَدْ أَتَى بِبَعْضِ السُّنَّةِ كَذَا فِي (بْن اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا وَقَفْت أَسْفَلَهُمَا] : أَيْ وَلَا يَجُوزُ لَهَا مُزَاحَمَةُ الرِّجَالِ.
قَوْلُهُ: [الْعَمُودَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ] : أَوَّلُهُمَا فِي رُكْنِ الْمَسْجِدِ تَحْتَ مَنَارَةِ بَابِ عَلِيٍّ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إلَى الْمَرْوَةِ، وَالثَّانِي بَعْدَهُ قُبَالَةَ رِبَاطِ الْعَبَّاسِ، وَهُنَاكَ عَمُودَانِ آخَرَانِ عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ إلَى الْمَرْوَةِ فِي مُقَابَلَتِهِمَا.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا فِي عَوْدِهِ إلَى الصَّفَا] : أَيْ كَمَا ارْتَضَاهُ (بْن) وَأَيَّدَهُ بِالنُّقُولِ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ سَنَدٍ وَالْمَوَّاقِ مِنْ أَنَّ الْإِسْرَاعَ خَاصٌّ بِالذَّهَابِ لِلْمَرْوَةِ، وَلَا يَكُونُ فِي حَالِ الْعَوْدِ لِلصَّفَا.
قَوْلُهُ: [وَسُنَّ الدُّعَاءُ بِهِمَا] : أَيْ بِلَا حَدٍّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّوَافِ، بَلْ السُّنَّةُ الدُّعَاءُ لِمَنْ يَسْعَى مُطْلَقًا فِي حَالِ رُقِيِّهِ وَسَعْيِهِ.
وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالرُّقِيِّ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ غَالِبِ الْعِبَارَاتِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّفْرَاوِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ.
(اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [مِنْ طَهَارَةٍ] : أَيْ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ، فَإِنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ أَوْ تَذَكَّرَ حَدَثًا أَوْ أَصَابَهُ حَقْنٌ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَبْنِيَ.
فَإِنْ أَتَمَّ سَعْيَهُ كَذَلِكَ أَجْزَأَهُ.
فَاسْتَخَفَّ مَالِكٌ اشْتِغَالَهُ بِالْوُضُوءِ وَلَمْ يَرَهُ مُخِلًّا بِالْمُوَالَاةِ الْوَاجِبَةِ فِي السَّعْيِ لِيَسَارَتِهِ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ وُقُوفٌ عَلَيْهِمَا] : وَعَنْ ابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّ الْوُقُوفَ سُنَّةٌ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ لِلطَّوَافِ رَمَلٌ] : تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ هُمَا مِنْ
الْقُدُومَ) لِعُذْرٍ أَوْ نِسْيَانٍ.
(وَ) نُدِبَ (تَقْبِيلُ الْحَجَرِ) الْأَسْوَدِ (وَاسْتِلَامُ) الرُّكْنِ (الْيَمَانِيِّ فِي غَيْرِ) الشَّوْطِ (الْأَوَّلِ) ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُمَا فِي الْأَوَّلِ سُنَّةٌ.
وَشَبَّهَ فِي النَّدْبِ قَوْلَ: (كَالْخُرُوجِ) مِنْ مَكَّةَ (لِمِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) ، وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (بَعْدَ الزَّوَالِ) قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ (بِقَدْرِ مَا) أَيْ زَمَنٍ (يُدْرِكُ بِهَا) : أَيْ بِمِنًى (الظُّهْرَ) فِيهِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ قَصْرًا لِلسُّنَّةِ.
(وَبَيَاتِهِ بِهَا) أَيْ بِمِنًى لَيْلَةَ التَّاسِعِ، فَإِنَّهُ مَنْدُوبٌ (وَسَيْرُهُ لِعَرَفَةَ بَعْدَ الطُّلُوعِ) لِلشَّمْسِ: فَإِنَّهُ مَنْدُوبٌ.
(وَنُزُولُهُ بِنَمِرَةَ) : وَادٍ دُونَ عَرَفَةَ يَلْصَقُهَا، مُنْتَهَاهَا الْعَلَمَانِ الْمَعْرُوفَانِ.
وَهَذَا إذَا وَصَلَهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَيَنْزِلُ بِهَا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، فَإِذَا زَالَتْ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ قَصْرًا جَمْعَ تَقْدِيمٍ مَعَ الْإِمَامِ بِمَسْجِدِهَا ثُمَّ يَنْفِرُوا إلَى عَرَفَةَ لِلْوُقُوفِ بِجَبَلِ الرَّحْمَةِ لِلْغُرُوبِ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
[حاشية الصاوي]
الْمَوَاقِيتِ يُسَنُّ فِي حَقِّهِ الرَّمَلُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ الْعُمْرَةِ، وَذَكَرَ هُنَا الْمَوَاضِعَ الَّتِي يُنْدَبُ فِيهَا الرَّمَلُ وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَلَا رَمَلَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [كَالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ لِمِنًى] : أَيْ وَفِي الْيَوْمِ السَّابِعِ يُنْدَبُ لِلْإِمَامِ خُطْبَةٌ بَعْدَ ظُهْرِهِ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ النَّاسَ فِيهَا بِالْمَنَاسِكِ الَّتِي تُفْعَلُ مِنْ وَقْتِهَا إلَى الْخُطْبَةِ الَّتِي بِعَرَفَةَ.
قَوْلُهُ: [بِقَدْرِ مَا يُدْرِكُ بِهَا الظُّهْرَ] : أَيْ وَلَوْ وَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَيْ لِلْمُسَافِرِينَ، وَأَمَّا الْمُقِيمُونَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَجَّ كَانُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الذَّهَابِ.
قَوْلُهُ: [وَبَيَاتُهُ بِهَا] : أَيْ فَيُصَلِّي بِهَا حِينَئِذٍ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، وَصُبْحَ التَّاسِعِ وَهَذِهِ السُّنَّةُ مَتْرُوكَةٌ الْآنَ.
قَوْلُهُ: [صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ] : أَيْ بَعْدَ الْخُطْبَتَيْنِ الْآتِيَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: [جَمْعَ تَقْدِيمٍ] : أَيْ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ لِكُلٍّ مِنْ الصَّلَاتَيْنِ بِغَيْرِ تَنَفُّلٍ بَيْنَهُمَا، وَمَنْ فَاتَهُ الْجَمْعُ مَعَ الْإِمَامِ جَمَعَ وَحْدَهُ فِي أَيِّ مَكَان بِعَرَفَةَ.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ يَنْفِرُوا] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ مِنْ غَيْرِ نُونٍ وَلَعَلَّهَا سَبْقُ قَلَمٍ.
الرُّكْنُ (الثَّالِثُ) مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ:
(الْحُضُورُ بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ) : عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَتْ، (وَلَوْ بِالْمُرُورِ) بِهَا (إنْ عَلِمَهُ) : أَيْ عَلِمَ أَنَّهُ عَرَفَةَ، (وَنَوَاهُ) : أَيْ نَوَى الْحُضُورَ الرُّكْنَ، وَهَذَانِ شَرْطَانِ فِي الْمَارِّ فَقَطْ (أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ) . وَيَكْفِي الْحُضُورُ (فِي أَيِّ جُزْءٍ) مِنْهُ؛ وَهُوَ جَبَلٌ مُتَّسِعٌ جِدًّا.
وَالْحُضُورُ أَعَمُّ مِنْ الْوُقُوفِ، فَالْوُقُوفُ، لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَقَوْلُهُ: " لَيْلَةَ النَّحْرِ " هُوَ شَرْطٌ عِنْدَنَا، فَلَا يَكْفِي الْوُقُوفُ نَهَارًا بَلْ هُوَ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.
(وَأَجْزَأَ) الْوُقُوفُ (بِعَاشِرٍ) : أَيْ يَوْمَ الْعَاشِرِ لَيْلَةَ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إنْ (أَخْطَئُوا) : أَيْ أَهْلُ الْمَوْقِفِ، بِأَنْ لَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ لِعُذْرٍ مِنْ غَيْمٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَأَتَمُّوا عِدَّةَ ذِي الْقَعْدَةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَوَفَّقُوا يَوْمَ التَّاسِعِ فِي اعْتِقَادِهِمْ، فَثَبَتَ أَنَّهُ يَوْمُ الْعَاشِرِ بِنُقْصَانِ ذِي الْقَعْدَةِ فَيُجْزِئُهُمْ، بِخِلَافِ التَّعَمُّدِ وَبِخِلَافِ
[حاشية الصاوي]
[الرُّكْن الثَّالِث مِنْ أَرْكَان الْحَجّ الْحُضُورُ بِعَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ]
قَوْلُهُ: [الْحُضُورُ بِعَرَفَةَ] : وَلَا بُدَّ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْأَرْضِ أَوْ مَا اتَّصَلَ بِهَا كَالسُّجُودِ، فَلَا يَكْفِي أَنْ يَقِفَ فِي الْهَوَاءِ.
قَوْلُهُ: [وَهَذَانِ شَرْطَانِ فِي الْمَارِّ فَقَطْ] : أَيْ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ اسْتِقْرَارٌ وَطُمَأْنِينَةٌ، وَأَمَّا مَنْ اسْتَقَرَّ وَاطْمَأَنَّ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْهَا فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ وَلَا النِّيَّةُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ] : هُوَ فِي حَيِّزِ لَوْ، وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْعِلْمُ وَلَا النِّيَّةُ فَلَا بُدَّ مِنْ الطُّمَأْنِينَةِ.
وَأَوْلَى مِنْ الْإِغْمَاءِ النَّوْمُ أَيْ وَحَصَلَ ذَلِكَ النَّوْمُ أَوْ الْإِغْمَاءُ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَاسْتَمَرَّ حَتَّى نَزَلَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَّا لَوْ حَصَلَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَالْإِجْزَاءُ بِاتِّفَاقٍ.
قَالَ بَعْضٌ: وَانْظُرْ لَوْ شَرِبَ مُسْكِرًا حَتَّى غَابَ وَفَاتَ الْوُقُوفُ قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَالظَّاهِرُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارٌ فَهُوَ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْمَجْنُونِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ اخْتِيَارٌ فَلَا يُجْزِيهِ.
قَوْلُهُ: [إنْ أَخْطَئُوا] : أَيْ وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِالْفِعْلِ لَا إنْ تَبَيَّنَ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَلَا يَجْزِيهِمْ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ كَمَا يُفِيدُهُ نَقْلُ الشَّيْخِ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ التَّعَمُّدِ] إلَخْ: وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ أَخْطَئُوا فِي الْعَدَدِ بِأَنْ عَلِمُوا الْيَوْمَ الْأَوَّلَ مِنْ الشَّهْرِ، ثُمَّ نَسُوهُ فَوَقَفُوا فِي الْعَاشِرِ فَإِنَّهُ لَا يَجْزِيهِمْ.
وَأَمَّا مَنْ رَأَى
خَطَئِهِمْ بِثَامِنٍ أَوْ حَادِيَ عَشَرَ، أَوْ خَطَأِ بَعْضِهِمْ فَلَا يُجْزِئُ.
(وَوَجَبَ) فِي الْوُقُوفِ الرُّكْنِ: (طُمَأْنِينَةُ) : أَيْ اسْتِقْرَارٌ بِقَدْرِ الْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَائِمًا أَوْ جَالِسًا أَوْ رَاكِبًا فَإِذَا نَفَرُوا قَبْلَ الْغُرُوبِ - كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ - وَجَبَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ عَرَفَةَ اسْتِقْرَارٌ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَإِلَّا فَدَمٌ إنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ (كَالْوُقُوفِ نَهَارًا بَعْدَ الزَّوَالِ) : فَإِنَّهُ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ وَلَا يَكْفِي قَبْلَ الزَّوَالِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ كَالشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّ الرُّكْنَ الْوُقُوفُ إمَّا نَهَارًا أَوْ لَيْلًا.
(وَسُنَّ خُطْبَتَانِ) كَالْجُمُعَةِ (بَعْدَ الزَّوَالِ) بِمَسْجِدِ عَرَفَةَ.
وَيُقَالُ مَسْجِدُ نَمِرَةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَقْصُورَتَهُ الْغَرْبِيَّةَ الَّتِي بِهَا الْمِحْرَابُ فِي نَمِرَةَ وَبَاقِيهِ فِي عَرَفَةَ، وَهُوَ مَسْجِدٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ مَتِينُ الْبُنْيَانِ أَكْثَرُ الْحُجَّاجِ الْآنَ لَا يَعْرِفُهُ وَلَا يَهْتَدِي إلَيْهِ حَتَّى طَلَبَةُ الْعِلْمِ، سِوَى أَهْلِ مَكَّةَ وَغَالِبُ أَهْلِ الرُّومِ؛ فَلَهُمْ اعْتِنَاءٌ بِإِقَامَةِ الشَّعَائِرِ.
(يُعَلِّمُهُمْ) الْخَطِيبُ (بِهِمَا) : أَيْ الْخُطْبَتَيْنِ بَعْدَ الْحَمْدِ وَالشَّهَادَتَيْنِ (مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْمَنَاسِكِ) قَبْلَ الْأَذَانِ لِلظُّهْرِ، بِأَنْ يَذْكُرَ لَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ، وَأَنْ يَقْصُرُوهُمَا لِلسُّنَّةِ
[حاشية الصاوي]
الْهِلَالَ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْوُقُوفُ فِي وَقْتِهِ كَالصَّوْمِ.
قَوْلُهُ: [اسْتِقْرَارٌ بَعْدَ الْغُرُوبِ] : أَيْ بِقَدْرِ مَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ] : أَيْ بِأَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ طُمَأْنِينَةٌ بِعَرَفَةَ لَيْلًا.
قَوْلُهُ: [وَذَهَبَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ كَالشَّافِعِيِّ] إلَخْ: أَيْ فَمَنْ وَقَفَ نَهَارًا فَقَطْ كَفَى عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ وَقَفَ لَيْلًا فَقَطْ كَفَى عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَلَزِمَهُ دَمٌ عِنْدَ مَالِكٍ لِفَوَاتِ النَّهَارِ.
قَوْلُهُ: [بَعْدَ الزَّوَالِ] : فَلَوْ خَطَبَ قَبْلَهُ وَصَلَّى بَعْدَهُ أَوْ صَلَّى بِغَيْرِ خُطْبَةٍ أَجْزَأَهُ إجْمَاعًا.
قَوْلُهُ: [وَيُقَالُ مَسْجِدُ نَمِرَةَ أَيْضًا] : وَيُقَالُ مَسْجِدُ عُرَنَةَ بِالنُّونِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [وَأَنْ يَقْصُرُوهُمَا لِلسُّنَّةِ] : أَيْ فَإِنَّ السُّنَّةَ جَاءَتْ بِالْقَصْرِ فِي تِلْكَ الْأَمَاكِنِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْمَسَافَةُ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ، فَلِذَلِكَ يُسَنُّ لِأَهْلِ مَكَّةَ الْقَصْرُ فِي
إلَّا أَهْلَ عَرَفَةَ فَيُتِمُّونَ، وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُمَا يَنْفِرُونَ إلَى جَبَلِ الرَّحْمَةِ وَاقِفِينَ أَوْ رَاكِبِينَ بِطَهَارَةٍ، مُسْتَقْبِلِينَ الْبَيْتَ وَهُوَ جِهَةُ الْمَغْرِبِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ بِعَرَفَةَ دَاعِينَ مُتَضَرِّعِينَ لِلْغُرُوبِ.
ثُمَّ يُدْفَعُونَ بِدَفْعِ الْإِمَامِ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ، فَإِذَا وَصَلْتُمْ لِمُزْدَلِفَةَ فَاجْمَعُوا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ جَمْعَ تَأْخِيرٍ تَقْصُرُونَ الْعِشَاءَ إلَّا أَهْلَ مُزْدَلِفَةَ فَيُتِمُّونَ.
وَتَلْتَقِطُونَ مِنْهَا الْجَمَرَاتِ تَبِيتُونَ بِهَا وَتُصَلُّونَ بِهَا الصُّبْحَ، ثُمَّ تَنْفِرُونَ إلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَتَقِفُونَ بِهِ إلَى قُرْبِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ثُمَّ تَسِيرُونَ لِمِنًى لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَتُسْرِعُونَ بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ، فَإِذَا رَمَيْتُمْ الْجِمَارَ فَاحْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا وَاذْبَحُوا أَوْ انْحَرُوا هَدَايَاكُمْ وَقَدْ حَلَّ لَكُمْ مَا عَدَا النِّسَاءَ وَالصَّيْدَ، ثُمَّ امْضُوا مِنْ يَوْمِكُمْ (إلَى) طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ) وَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى النِّسَاءُ وَالصَّيْدُ.
(ثُمَّ أُذِّنَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (وَأُقِيمَ) : أَيْ ثُمَّ يُؤَذِّنُ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ (بَعْدَ الْفَرَاغِ) مِنْ خُطْبَتِهِ (وَهُوَ) : أَيْ الْإِمَامُ (جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ) .
(وَ) سُنَّ (جَمْعُ الظُّهْرَيْنِ) جَمْعَ تَقْدِيمٍ حَتَّى لِأَهْلِ عَرَفَةَ.
(وَ) سُنَّ (قَصْرُهُمَا) إلَّا لِأَهْلِ عَرَفَةَ بِأَذَانٍ ثَانٍ وَإِقَامَةٍ لِلْعَصْرِ مِنْ غَيْرِ تَنَفُّلٍ
[حاشية الصاوي]
عَرَفَةَ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ أَهْلِ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ يَقْصُرُونَ فِي غَيْرِ وَطَنِهِمْ كَمَا سَيَأْتِي يُصَرِّحُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَهْلَ عَرَفَةَ فَيُتِمُّونَ] : وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ.
قَوْلُهُ: [وَتَلْتَقِطُونَ مِنْهَا الْجَمَرَاتِ] : يَعْنِي حَصَيَاتِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لَا كُلَّ الْجَمَرَاتِ، فَإِنَّ بَاقِيَهَا تُلْتَقَطُ مِنْ مِنًى كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ تَبِيتُونَ بِهَا] : أَيْ نَدْبًا لِأَنَّ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي بَيَّنَهَا بَعْضُهَا وَاجِبٌ وَبَعْضُهَا سُنَّةٌ وَبَعْضُهَا مَنْدُوبٌ، وَسَيَأْتِي إيضَاحُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا.
قَوْلُهُ: [وَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى النِّسَاءُ] إلَخْ: أَيْ فَهُوَ التَّحَلُّلُ الْأَكْبَرُ.
وَمَا قَبْلَهُ تَحَلُّلٌ أَصْغَرُ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [بِأَذَانٍ ثَانٍ] : أَيْ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ فِي الْجَلَّابِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ وَقِيلَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ الْمَوَّازِ.
بَيْنَهُمَا.
وَمَنْ فَاتَهُ الْجَمْعُ مَعَ الْإِمَامِ جَمَعَ فِي رَحْلِهِ.
وَهَذِهِ الشَّعَائِرُ وَالْخُطْبَةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي مَرَّ مَقَامُهُ - بِفَضْلِ اللَّهِ - فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ كَمَا شَاهَدْنَا ذَلِكَ يُقِيمُهَا أَهْلُ مَكَّةَ وَغَالِبُ الْأَعَاجِمِ مِنْ الْأَرْوَامِ وَالْبَرَابِرَةِ وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَا، وَلَوْ حَجَّ مِرَارًا كَثِيرَةً، حَتَّى أَمِيرُ الْحَجِّ الْمِصْرِيُّ أَوْ الشَّامِيُّ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْعَوَامّ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ بِعَرَفَةَ مَسْجِدًا مِنْ أَصْلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ شَأْنَ الْحَجِّ النُّزُولُ بِقُرْبِ جَبَلِ الرَّحْمَةِ شَرْقِيَّ عَرَفَةَ وَمَسْجِدُهَا فِي جِهَتِهَا الْغَرْبِيَّةِ، وَبَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ وَفِيهَا أَشْجَارٌ وَكَلَأٌ، فَقَلَّ أَنْ يَتَنَبَّهَ الْغَافِلُ لِرُؤْيَةِ الْمَسْجِدِ، إلَّا أَنَّهُمْ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ لِكَوْنِ الْإِمَامِ حَنَفِيًّا.
وَأَمْرُ الْحَرَمَيْنِ مَنُوطٌ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ وَهُوَ حَنَفِيٌّ.
(وَنُدِبَ وُقُوفٌ) بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرَيْنِ (بِجَبَلِ الرَّحْمَةِ) : مَكَانٌ مَعْلُومٌ شَرْقِيَّ عَرَفَةَ عِنْدَ الصَّخَرَاتِ الْعِظَامِ، وَهُنَاكَ قُبَّةٌ يُسَمِّيهَا الْعَوَامُّ قُبَّةُ أَبِينَا آدَمَ (مُتَوَضِّئًا) لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَشَاهِدِ وَلَيْسَ الْوُضُوءُ بِوَاجِبٍ لِلْمَشَقَّةِ.
(وَ) نُدِبَ الْوُقُوفُ (مَعَ النَّاسِ) : لِأَنَّ فِي جَمْعِهِمْ مَزِيدَ الرَّحْمَةِ وَالْقَبُولِ (وَ) نُدِبَ (رُكُوبُهُ بِهِ) : أَيْ الْوُقُوفِ؛ أَيْ فِي حَالَةِ وُقُوفِهِ (فَقِيَامٌ) عَلَى قَدَمَيْهِ، (إلَّا لِتَعَبٍ) فَيَجْلِسُ.
(وَ) نُدِبَ (دُعَاءٌ) بِمَا أَحَبَّ مِنْ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (وَتَضَرُّعٌ) : أَيْ خُشُوعٌ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [جَمَعَ فِي رَحْلِهِ] : فَإِنْ تَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ عَلَيْهِ دَمٌ حَكَاهُ فِي اللُّمَعِ وَاسْتَبْعَدَهُ الْقَرَافِيُّ.
قَوْلُهُ: [وَهُنَاكَ قُبَّةٌ] إلَخْ: قِيلَ هِيَ مَحَلُّ الْتِقَاءِ آدَمَ مَعَ حَوَّاءَ بَعْدَ هُبُوطِهِمَا مِنْ الْجَنَّةِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ عَرَفَاتٌ لِتَعَارُفِهِمَا فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ رُكُوبُهُ بِهِ] : أَيْ لِوُقُوفِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَذَلِكَ، وَلِكَوْنِهِ أَعْوَنَ عَلَى مُوَاصَلَةِ الدُّعَاءِ وَأَقْوَى عَلَى الطَّاعَةِ، وَيُحْمَلُ النَّهْيُ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَتَّخِذُوا ظُهُورَ الدَّوَابِّ كَرَاسِيَّ» ، عَلَى مَا إذَا حَصَلَ مَشَقَّةٌ أَوْ هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ النَّهْيِ.
قَوْلُهُ: [دُعَاءٌ بِمَا أَحَبَّ] : أَيْ بِأَيِّ دُعَاءٍ كَانَ وَيُنْدَبُ ابْتِدَاؤُهُ بِالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ، ثُمَّ أَفْضَلُهُ دَعَوَاتُ الْقُرْآنِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ مِنْ الدَّعَوَاتِ النَّبَوِيَّةِ وَالدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ عَنْ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْعِرْفَانِ.
وَابْتِهَالٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ (لِلْغُرُوبِ) . فَيُدْفَعُونَ إلَى مُزْدَلِفَةَ.
(وَسُنَّ جَمْعُ الْعِشَاءَيْنِ بِمُزْدَلِفَةَ) بِأَنْ تُؤَخَّرَ الْمَغْرِبُ لِبَعْدِ مَغِيبِ الشَّفَقِ فَتُصَلَّى مَعَ الْعِشَاءِ فِيهَا، وَهَذَا إنْ وَقَفَ مَعَ النَّاسِ وَدُفِعَ مَعَهُمْ وَإِلَّا فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ.
(وَ) سُنَّ (قَصْرٌ) لِلْعِشَاءِ لِجَمِيعِ الْحُجَّاجِ (إلَّا أَهْلَهَا) فَيُتِمُّونَهَا (كَمِنًى وَعَرَفَةَ) أَيْ كَأَهْلِهِمَا فِي مَحِلِّهِمَا فَيُتِمُّونَ وَيَقْصُرُ غَيْرُهُمْ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ أَهْلَ كُلِّ مَحَلٍّ مِنْ مَكَّةَ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَعَرَفَةَ يُتِمُّ فِي مَحَلِّهِ وَيَقْصُرُ غَيْرُهُمْ.
(وَإِنْ قُدِّمَتَا) : أَيْ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ عَنْهَا أَيْ عَنْ الْمُزْدَلِفَةِ (أَعَادَهُمَا بِهَا) أَيْ الْمُزْدَلِفَةِ نَدْبًا (إلَّا الْمَعْذُورَ) أَيْ الْمُتَأَخِّرَ عَنْ النَّاسِ لِعُذْرٍ بِهِ أَوْ بِدَابَّتِهِ (فَبَعْدَ الشَّفَقِ) يُصَلِّيهِمَا جَمْعًا (فِي أَيِّ مَحَلٍّ) كَانَ هُوَ فِيهِ.
وَهَذَا (إنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ بِعَرَفَةَ) ، وَإِلَّا انْفَرَدَ بِوُقُوفِهِ عَنْهُمْ، (فَكُلٌّ) مِنْ الْفَرْضَيْنِ يُصَلِّيهِ (لِوَقْتِهِ) الْمَغْرِبُ بَعْدَ الْغُرُوبِ، وَالْعِشَاءُ بَعْدَ الشَّفَقِ قَصْرًا.
(وَوَجَبَ نُزُولُهُ بِهَا) : أَيْ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِقَدْرِ حَطِّ الرِّحَالِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءَيْنِ، وَتَنَاوُلِ شَيْءٍ مِنْ أَكْلٍ فِيهَا أَوْ شُرْبٍ.
فَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ فَدَمٌ.
(وَنُدِبَ بَيَاتُهُ) بِهَا (وَارْتِحَالُهُ) مِنْهَا (بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) فِيهَا (بِغَلَسٍ) . قَبْلَ أَنْ تَتَعَارَفَ الْوُجُوهُ.
(وَ) نُدِبَ (وُقُوفُهُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) : مَحَلٍّ يَلِي مُزْدَلِفَةَ جِهَةَ مِنًى (مُسْتَقْبِلًا)
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [جَمَعَ الْعِشَاءَيْنِ بِمُزْدَلِفَةَ] : سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَخْذِهَا مِنْ الِازْدِلَافِ وَهُوَ التَّقَرُّبُ؛ لِأَنَّ الْحُجَّاجَ إذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ تَقَرَّبُوا بِالْمُضِيِّ إلَيْهَا - قَالَهُ النَّوَوِيُّ.
قَوْلُهُ: [يُتِمُّ فِي مَحِلِّهِ وَيَقْصُرُ غَيْرُهُمْ] : أَيْ وَأَمَّا الْجَمْعُ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ فَهُوَ سُنَّةٌ لِلْجَمِيعِ.
قَوْلُهُ: [بِقَدْرِ حَطِّ الرِّحَالِ] إلَخْ: أَيْ فَالْمَدَارُ عَلَى مُضِيِّ قَدْرِ مَا ذَكَرَهُ.
وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وُقُوفُهُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ] : تَبِعَ فِي النَّدْبِ خَلِيلًا، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْوُقُوفَ بِالْمَشْعَرِ سُنَّةٌ كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَشَهَّرَهُ الْقَلْشَانِيُّ.
بَلْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنَّ الْوُقُوفَ بِهِ فَرِيضَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [مَحَلٌّ يَلِي مُزْدَلِفَةَ] : أَيْ وَهُوَ الْمَسْجِدُ الَّذِي عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ لِمِنًى
لِلْبَيْتِ جِهَةَ الْمَغْرِبِ: لِأَنَّ هَذِهِ الْأَمَاكِنَ كُلَّهَا شَرْقِيَّةُ مَكَّةَ بَيْنَ جِبَالٍ شَوَاهِقَ يَقِفُونَ بِهِ (لِلدُّعَاءِ) بِالْمَغْفِرَةِ وَغَيْرِهَا، (وَالثَّنَاءِ) عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (لِلْإِسْفَارِ) .
(وَ) نُدِبَ (إسْرَاعٌ) دُونَ الْجَرْيِ يُهَرْوِلُ الْمَاشِي وَيُحَرِّكُ الرَّاكِبُ دَابَّتَهُ (بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ مُشَدَّدَةً: وَادٍ بَيْنَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَمِنًى بِقَدْرِ رَمْيَةِ الْحَجَرِ بِالْمِقْلَاعِ مِنْ قَوِيٍّ.
(وَ) نُدِبَ (رَمْيُهُ الْعَقَبَةِ) : أَيْ جَمْرَتَهَا (حِينَ وُصُولِهِ) لَهَا عَلَى أَيِّ حَالَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يَلْتَقِطُهَا مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ، (وَإِنْ رَاكِبًا) وَلَا يَصْبِرُ لِلنُّزُولِ.
(وَ) نُدِبَ (مَشْيُهُ) : أَيْ الرَّامِي (فِي غَيْرِهَا) : أَيْ غَيْرِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ.
فَيَشْمَلُ الْعَقَبَةَ فِي غَيْرِ يَوْمِ النَّحْرِ.
(وَحَلَّ بِهَا) أَيْ بِالْعَقَبَةِ أَيْ بِرَمْيِ جَمْرَتِهَا كُلُّ شَيْءٍ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ (غَيْرَ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ، وَكُرِهَ) لَهُ (الطِّيبُ) حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ.
وَهَذَا هُوَ
[حاشية الصاوي]
الَّذِي بَيْنَ جَبَلِ الْمُزْدَلِفَةَ وَالْجَبَلِ الْمُسَمَّى بِقُزَحٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ مَشْعَرًا لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّعَائِرِ أَيْ الطَّاعَاتِ وَمَعَالِمِ الدِّينِ وَمَعْنَى الْحَرَامِ أَيْ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الصَّيْدُ وَغَيْرُهُ كَقَطْعِ الْأَشْجَارِ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَرَمِ.
قَوْلُهُ: [لِلْإِسْفَارِ] : أَيْ فَقَطْ، وَيُكْرَهُ الْوُقُوفُ لِلطُّلُوعِ.
قَوْلُهُ: [بِبَطْنِ مُحَسِّرٍ] : قِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِحَسْرِ أَصْحَابِ الْفِيلِ فِيهِ، وَالْحَقُّ أَنَّ قَضِيَّةَ الْفِيلِ لَمْ يَكُنْ بِوَادِي مُحَسِّرٍ بَلْ كَانَتْ خَارِجَ الْحَرَمِ كَمَا أَفَادَهُ أَشْيَاخُنَا.
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَانْظُرْ مَا حِكْمَةُ الْإِسْرَاعِ.
قَوْلُهُ: [حِينَ وُصُولِهِ لَهَا] : هَذَا هُوَ مَصَبُّ النَّدْبِ، وَأَمَّا رَمْيُهَا فِي حَدِّ ذَاتِهِ فَوَاجِبٌ.
وَمَحِلُّ نَدْبِ رَمْيِهَا حِينَ الْوُصُولِ إذَا وَصَلَ لَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنْ وَصَلَ قَبْلَ الطُّلُوعِ انْتَظَرَ طُلُوعَ الْفَجْرِ وُجُوبًا، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، لِأَنَّ وَقْتَ رَمْيِهَا يَدْخُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَيَمْتَدُّ إلَى الْغُرُوبِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [يَلْتَقِطُهَا مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ] : أَيْ كَمَا هُوَ النَّدْبُ، فَلَوْ الْتَقَطَهَا مِنْ مِنًى كَفَاهُ.
قَوْلُهُ: [غَيْرُ نِسَاءٍ] : هَذَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَيُقَالُ فِي حَقِّ النِّسَاءِ غَيْرُ رِجَالٍ وَصَيْدٍ.
التَّحَلُّلُ الْأَصْغَرُ.
(وَ) نُدِبَ (تَكْبِيرُهُ) بِأَنْ يَقُولَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ " (مَعَ) رَمْيِ (كُلِّ حَصَاةٍ) مِنْ الْعَقَبَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ بَاقِي الْأَيَّامِ.
(وَ) نُدِبَ (تَتَابُعُهَا) : أَيْ الْحَصَيَاتِ بِالرَّمْيِ؛ فَلَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا بِمُشْغِلٍ مِنْ كَلَامٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَ) نُدِبَ (لَقْطُهَا) بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَيِّ مَحَلٍّ إلَّا الْعَقَبَةَ فَمِنْ الْمُزْدَلِفَةِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَكْسِرَ حَجَرًا كَبِيرًا، كَرَمْيٍ بِمَا رَمَى بِهِ.
(وَ) نُدِبَ (ذَبْحٌ) لِهَدْيٍ (وَحَلْقٌ قَبْلَ الزَّوَالِ) إنْ أَمْكَنَ، وَهَذَا مَحَطُّ النَّدْبِ وَإِلَّا فَكُلٌّ مِنْهُمَا وَاجِبٌ.
(وَ) نُدِبَ (تَأْخِيرُهُ) أَيْ الْحَلْقِ (عَنْ الذَّبْحِ وَالتَّقْصِيرِ) لِشَعْرِ الرَّأْسِ (مُجْزٍ) لِلذَّكَرِ عَنْ الْحَلْقِ.
(وَهُوَ) : أَيْ التَّقْصِيرُ (لِلْمَرْأَةِ) : أَيْ سُنَّتُهَا؛ وَلَا يَجُوزُ لَهَا الْحَلْقُ إنْ كَانَتْ كَبِيرَةً لِأَنَّهُ مُثْلَةٌ فِي حَقِّهَا.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَأْخِيرُهُ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى مَطْلُوبِيَّةِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي تُفْعَلُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَهِيَ الرَّمْيُ، ثُمَّ النَّحْرُ، ثُمَّ الْحَلْقُ، ثُمَّ الْإِفَاضَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، إلَّا أَنَّ ابْنِ الْجَهْمِ مِنْ أَئِمَّتِنَا اسْتَثْنَى الْقَارِنَ فَقَالَ: لَا يَحْلِقُ حَتَّى يَطُوفَ، لَاحِظْ عَمَلَ الْعُمْرَةِ، وَالْعُمْرَةُ يَتَأَخَّرُ فِيهَا الْحَلْقُ عَنْ الطَّوَافِ.
وَمَطْلُوبِيَّةُ الْحَلْقِ وَلَوْ فِي حَقِّ مَنْ لَا شَعْرَ لَهُ أَصْلًا فَيَجْرِي الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالشَّعْرِ فَتَنْتَقِلُ لِلْبَشَرَةِ عِنْدَ عَدَمِهِ كَالْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ، وَمَنْ بِرَأْسِهِ وَجَعٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْحِلَاقِ أَهْدَى.
قَالَ بَعْضُهُمْ: فَإِنْ صَحَّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَلْقُ، وَالْحَلْقُ يُجْزِئُ وَلَوْ بِالنُّورَةِ خِلَافًا لِأَشْهَبَ الْقَائِلِ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ.
قَوْلُهُ: [وَالتَّقْصِيرُ لِشَعْرِ الرَّأْسِ] : أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَبَّدَ شَعْرَهُ وَإِلَّا تَعَيَّنَ الْحَلْقُ.
وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ ضَفَّرَ أَوْ عَقَصَ أَوْ لَبَّدَ فَعَلَيْهِ الْحِلَاقُ، وَمِثْلُهُ فِي الْمُوَطَّإِ، وَعَلَّلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ تَبَعًا لِابْنِ شَاسٍ بِعَدَمِ إمْكَانِ التَّقْصِيرِ، وَرَدَّهُ فِي التَّوْضِيحِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَغْسِلَهُ ثُمَّ يُقَصِّرَ.
وَإِنَّمَا عَلَّلَ عُلَمَاؤُنَا تَعَيُّنَ الْحَلْقِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ بِالسُّنَّةِ كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
(تَأْخُذُ) الْمَرْأَةُ أَيْ تَقُصُّ (مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهَا نَحْوَ) أَيْ قَدْرَ (الْأُنْمُلَةِ) مِنْ الْأُصْبُع.
(وَ) يَأْخُذُ (الرَّجُلُ) إنْ قَصَّرَ (مِنْ قُرْبٍ أَصْلَهُ) أَيْ الشَّعْرَ، (وَأَجْزَأَهُ الْأَخْذُ مِنْ الْأَطْرَافِ) لِجَمِيعِ الشَّعْرِ نَحْوَ الْأُنْمُلَةِ وَأَخْطَأَ (لَا) يُجْزِئُ (حَلْقُ الْبَعْضِ) مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ لِلذَّكَرِ، وَلَا تَقْصِيرُ الْبَعْضِ لِلْأُنْثَى وَهُوَ مُجْزٍ عِنْدَ غَيْرِنَا كَالْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ.
فَإِذَا رَمَى الْعَقَبَةَ وَنَحَرَ وَحَلَقَ أَوْ قَصَّرَ نَزَلَ مِنْ مِنًى لِمَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ.
وَلَا تُسَنُّ لَهُ صَلَاةُ الْعِيدِ بِمِنًى وَلَا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لِأَنَّ الْحَاجَّ لَا عِيدَ عَلَيْهِ.
وَمَا يَقَعُ الْآنَ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَعْدَ رَمْيِهِمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَعَلَى غَيْرِ مَذْهَبِنَا.
(الرُّكْنُ الرَّابِعُ) مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ: (طَوَافُ الْإِفَاضَةِ) : سَبْعَةُ أَشْوَاطٍ بِالْبَيْتِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ.
(وَحَلَّ بِهِ مَا بَقِيَ) مِنْ نِسَاءٍ وَصَيْدٍ وَطِيبٍ، وَهَذَا هُوَ التَّحَلُّلُ الْأَكْبَرُ.
فَيَجُوزُ لَهُ وَطْءُ حَلِيلَتِهِ بِمِنًى أَيَّامَ التَّشْرِيقِ (إنْ حَلَقَ) أَوْ قَصَّرَ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ أَوْ بَعْدَهَا (وَقَدَّمَ سَعْيَهُ) عَقِبَ الْقُدُومِ.
فَإِنْ لَمْ يُقَدِّمْهُ عَقِبَهُ أَوْ كَانَ لَا قُدُومَ عَلَيْهِ فَلَا يَحِلُّ مَا بَقِيَ إلَّا بِالسَّعْيِ.
فَإِنْ وَطِئَ أَوْ اصْطَادَ قَبْلَهُ: فَالدَّمُ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَحْلِقْ فَالدَّمُ فِي الْوَطْءِ لَا الصَّيْدِ.
(وَوَقْتُهُ) : أَيْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ (مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) فَلَا يَصِحُّ قَبْلَهُ (كَالْعَقَبَةِ) أَيْ رَمْيِ جَمْرَتِهَا، فَلَا يَصِحُّ قَبْلَهُ.
(وَوَجَبَ تَقْدِيمُ الرَّمْيِ) لِلْعَقَبَةِ (عَلَى الْحَلْقِ) ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَرْمِهَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ
[حاشية الصاوي]
[الرُّكْن الرَّابِع مِنْ أَرْكَان الْحَجّ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ]
قَوْلُهُ: [عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ] : أَيْ مِنْ الشُّرُوطِ وَالْآدَابِ.
قَوْلُهُ: [إنْ حَلَقَ] : أَيْ وَكَانَ قَدْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ.
أَوْ فَاتَ وَقْتُهَا.
قَوْلُهُ: [فَالدَّمُ] : أَيْ هَدْيًا فِي الْوَطْءِ، وَجَزَاءً فِي الصَّيْدِ، وَقَوْلُنَا: " وَكَانَ قَدْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ أَوْ فَاتَ وَقْتُهَا ": احْتِرَازٌ مِمَّا إذَا أَفَاضَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إذَا وَطِئَ عَلَيْهِ هَدْيٌ.
تَحَلُّلٌ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ حَلْقٌ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ.
(وَ) وَجَبَ تَقْدِيمُ الرَّمْيِ أَيْضًا عَلَى طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ) ، فَإِنْ قَدَّمَ وَاحِدًا مِنْهُمَا عَلَيْهِ: فَدَمٌ، كَمَا يَأْتِي، بِخِلَافِ تَقْدِيمِ النَّحْرِ أَوْ الْحَلْقِ عَلَى الْإِفَاضَةِ أَوْ الرَّمْيِ عَلَى النَّحْرِ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ مَنْدُوبٌ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي يُفْعَلُ يَوْمَ النَّحْرِ أَرْبَعَةٌ: الرَّمْيُ، فَالنَّحْرُ، فَالْحَلْقُ، فَالْإِفَاضَةُ.
فَتَقْدِيمُ الرَّمْيِ عَلَى الْحَلْقِ وَعَلَى الْإِفَاضَةِ وَاجِبٌ يَنْجَبِرُ بِالدَّمِ، وَتَقْدِيمُ الرَّمْيِ عَلَى النَّحْرِ، وَتَقْدِيمُ النَّحْرِ عَلَى الْحَلْقِ وَتَقْدِيمُهُمَا عَلَى الْإِفَاضَةِ مَنْدُوبٌ، فَإِنْ نَحَرَ قَبْلَ الرَّمْيِ أَوْ أَفَاضَ قَبْلَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَ الْحَلْقِ أَوْ قَبْلَهُمَا مَعًا أَوْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى النَّحْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْخَمْسَةِ وَهُوَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ: «مَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ يَوْمَ النَّحْرِ إلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» .
(وَنُدِبَ فِعْلُهُ) أَيْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ (فِي ثَوْبَيْ إحْرَامِهِ) لِيَكُونَ جَمِيعُ أَرْكَانِ الْحَجِّ بِهِمَا.
(وَ) نُدِبَ فِعْلُهُ (عَقِبَ حَلْقِهِ) بِلَا تَأْخِيرٍ إلَّا بِقَدْرِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ.
(فَإِنْ وَطِئَ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ (وَقَبْلَ الْحَلْقِ: فَدَمٌ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ مَا بَقِيَ إلَّا إذَا حَلَقَ وَسَعَى قَبْلَ الْإِفَاضَةِ أَوْ بَعْدَهَا، (بِخِلَافِ الصَّيْدِ)
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَلَا يَجُوزُ لَهُ حَلْقٌ] : فَلَوْ حَلَقَ لَزِمَهُ فِدْيَةٌ كَمَا يَأْتِي، وَلَا يَجْزِيهِ ذَلِكَ الْحِلَاقُ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ] : أَيْ هَذِهِ الصُّوَرُ الْخَمْسُ يُحْمَلُ عَلَيْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» ، وَلَا يُحْمَلُ الْحَدِيثُ شَامِلًا لِتَقْدِيمِ الْحَلْقِ أَوْ الْإِفَاضَةِ عَلَى الرَّمْيِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَفْيُ الْحَرَجِ عَنْهُمَا.
قَوْلُهُ: [فِي ثَوْبَيْ إحْرَامِهِ] : أَيْ وَهُمَا الْإِزَارُ وَالرِّدَاءُ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الصَّيْدِ] : أَيْ وَأَوْلَى الطِّيبُ وَإِنَّمَا كَانَ أَمْرُهُمَا خَفِيفًا بِالنِّسْبَةِ
قَبْلَ الْحَلْقِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِخِفَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَطْءِ، وَهَذَا إنْ كَانَ سَعَى، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الدَّمُ فِي الصَّيْدِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ، لِأَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ.
(كَأَنْ قَدَّمَ الْإِفَاضَةَ أَوْ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْيِ) : تَشْبِيهٌ فِي وُجُوبِ الدَّمِ؛ فَفِي تَقْدِيمِ الْإِفَاضَةِ عَلَى الرَّمْيِ دَمٌ أَيْ هَدْيٌ، وَفِي تَقْدِيمِ الْحَلْقِ عَلَى الرَّمْيِ دَمٌ أَيْ فِدْيَةٌ، لِأَنَّهُ مِنْ إزَالَةِ الْأَذَى أَوْ التَّرَفُّهِ قَبْلَ التَّحَلُّلَيْنِ، فَإِنْ قَدَّمَهُمَا مَعًا عَلَى الرَّمْيِ فَهَدْيٌ وَفِدْيَةٌ (وَأَعَادَ الْإِفَاضَةَ) - مَا دَامَ بِمَكَّةَ تَدَارُكًا لِلْوَاجِبِ، وَسَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ إنْ أَعَادَهُ قَبْلَ الْمَحْرَمِ.
(لَا) دَمَ عَلَيْهِ (إنْ خَالَفَ) عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا (فِي غَيْرٍ) : أَيْ الصُّورَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ؛ كَأَنْ قَدَّمَ النَّحْرَ عَلَى الرَّمْيِ أَوْ الْحَلْقِ عَلَى الذَّبْحِ أَوْ الْإِفَاضَةِ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَكَتَأْخِيرِهِ الْحَلْقَ) وَلَوْ سَهْوًا (لِبَلَدِهِ) وَلَوْ قَرُبَتْ: فَدَمٌ.
(أَوْ) تَأْخِيرِهِ الْحَلْقَ (لِخُرُوجِ أَيَّامِ الرَّمْيِ) الثَّلَاثَةِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ: فَدَمٌ، إلَّا أَنَّ هَذَا حَكَاهُ فِي التَّوْضِيحِ: بِ " قِيلَ " - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ الدَّمَ فِي تَأْخِيرِهِ لِبَلَدِهِ - " عَنْ الْمُدَوَّنَةِ " وَذَكَرَ عَنْ التُّونُسِيِّ أَوْ بَعْدَ طُولٍ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ إنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ ضَعِيفٌ.
(أَوْ تَأْخِيرِ) طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ لِلْمُحْرِمِ) : فَدَمٌ لِفِعْلِ الرُّكْنِ فِي غَيْرِ
[حاشية الصاوي]
لِلْوَطْءِ، لِأَنَّ الْوَطْءَ مِنْ مُفْسِدَاتِ الْحَجِّ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الدَّمُ فِي الصَّيْدِ أَيْضًا] : مُرَادُهُ جَزَاءٌ، وَأَمَّا الطِّيبُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [لَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ خَالَفَ] إلَخْ: أَيْ لِكَوْنِهِ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [وَكَتَأْخِيرِهِ الْحَلْقَ وَلَوْ سَهْوًا لِبَلَدِهِ] : نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: وَالْحِلَاقُ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبُّ إلَيَّ وَأَفْضَلُ، وَإِنْ حَلَقَ بِمَكَّةَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ أَوْ بَعْدَهَا أَوْ حَلَقَ فِي الْحِلِّ فِي أَيَّامِ مِنًى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَخَّرَ الْحِلَاقَ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ وَأَهْدَى - كَذَا فِي الْبُنَانِيِّ نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ قَرُبَتْ] : أَيْ كَمَا فِي سِيَاقِ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِمَنْ قَيَّدَهَا بِالْبُعْدِ.
قَوْلُهُ: [لِفِعْلِ الرُّكْنِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ] : أَيْ الَّتِي هِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ.
أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَكَذَا تَأْخِيرُ السَّعْيِ لَهُ.
(أَوْ) تَأْخِيرُ (رَمْيِ حَصَاةٍ فَأَكْثَرَ) مِنْ الْجِمَارِ (اللَّيْلِ) لِخُرُوجِ وَقْتِ الْأَدَاءِ وَهُوَ النَّهَارُ، الْوَاجِبُ فِيهِ الرَّمْيُ وَدُخُولُ وَقْتِ الْقَضَاءِ وَهُوَ اللَّيْلُ، فَأَوْلَى إذَا أَخَّرَ لِيَوْمٍ بَعْدَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ فِي تَأْخِيرِ حَصَاةٍ فَأَكْثَرَ.
(وَفَاتَ) الرَّمْيُ لِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ جِمَارِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ، (بِالْغُرُوبِ مِنْ) الْيَوْمِ (الرَّابِعِ، فَقَضَاءُ كُلِّ) تَفْرِيعٍ عَلَى مَا قَبْلَهُ؛ أَيْ فَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: " أَوْ رَمْيِ حَصَاةٍ " إلَخْ.
أَنَّ قَضَاءَ كُلٍّ مِنْ الْعَقَبَةِ وَغَيْرِهَا إنْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ يَنْتَهِي (إلَيْهِ) أَيْ إلَى غُرُوبِ الرَّابِعِ.
(وَاللَّيْلِ) عَقِبَ كُلِّ يَوْمٍ (قَضَاءً) لِمَا فَاتَهُ بِالنَّهَارِ يَجِبُ بِهِ الدَّمُ.
(وَحُمِلَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (مُطِيقٌ) لِلرَّمْيِ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا إنْ كَانَ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْمَشْيِ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَرَمْيٌ) بِنَفْسِهِ وُجُوبًا وَلَا يَسْتَنِيبُ وَلَا يَرْمِي الْحَصَاةَ فِي كَفِّ غَيْرِهِ لِيَرْمِيَ عَنْهُ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُجْزِهِ.
(وَاسْتَنَابَ الْعَاجِزُ) عَنْ الرَّمْيِ عَنْهُ؛ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ بِرَمْيِ النَّائِبِ.
وَفَائِدَتُهَا سُقُوطُ الْإِثْمِ.
وَرَمَى عَنْ صَغِيرٍ لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ أَوْ مَجْنُونٍ وَلِيُّهُ، فَإِنْ أَخَّرَ لِوَقْتِ الْقَضَاءِ: فَالدَّمُ عَلَى الْوَلِيِّ.
وَإِذَا اسْتَنَابَ الْعَاجِزُ (فَيَتَحَرَّى الرَّمْيَ) : أَيُّ وَقْتٍ رَمَى
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَاسْتَنَابَ الْعَاجِزُ] : حَاصِلُ الْفِقْهِ: أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ الرَّمْيِ يُؤْمَرُ بِالِاسْتِنَابَةِ.
فَإِذَا اسْتَنَابَ سَقَطَ عَنْهُ الْإِثْمُ، وَالدَّمُ لَازِمٌ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لَكِنْ إنْ كَانَ تَأْخِيرُ النَّائِبِ عَنْ وَقْتِ الْأَدَاءِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، كَانَ الدَّمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَانَ عَلَى الْعَاجِزِ.
قَوْلُهُ: [وَرَمَى عَنْ صَغِيرٍ] : حَاصِلُهُ أَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ وَالْمَجْنُونَ يَرْمِي عَنْهُمَا مَنْ أَحَجَّهُمَا، كَمَا أَنَّهُ يَطُوفُ عَنْهُمَا، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ أَوَّلَ الْبَابِ.
فَإِنْ لَمْ يَرْمِ عَنْهُمَا إلَى أَنْ دَخَلَ وَقْتُ الْقَضَاءِ فَالدَّمُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَمَى عَنْهُمَا فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ فَلَا دَمَ أَصْلًا، بِخِلَافِ رَمْيِ النَّائِبِ عَنْ الْعَاجِزِ فَإِنَّ فِيهِ الدَّمَ، وَلَوْ رَمَى عَنْهُ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ إلَّا أَنْ يَصِحَّ الْعَاجِزُ، وَيَرْمِي عَنْ نَفْسِهِ وَقْتَ الْأَدَاءِ، وَأَمَّا الصَّغِيرُ الَّذِي يُحْسِنُ الرَّمْيَ فَإِنْ يَرْمِي عَنْ نَفْسِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَرْمِ حَتَّى فَاتَ وَقْتُ الْأَدَاءِ لَزِمَهُ الدَّمُ.
نَائِبُهُ عَنْهُ، (وَكَبَّرَ) لِكُلِّ حَصَاةٍ، وَأَعَادَ الرَّمْيَ بِنَفْسِهِ إنْ صَحَّ قَبْلَ الْفَوَاتِ بِالْغُرُوبِ مِنْ الرَّابِعِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ إفَاضَتِهِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ (رَجَعَ) وُجُوبًا (لِلْمَبِيتِ بِمِنًى) ، أَيْ فِيهَا.
وَنُدِبَ - الْفَوْرُ وَلَوْ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَلَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ - (فَوْقَ الْعَقَبَةِ) : لَا دُونَهَا فَلَا يُجْزِئُ.
وَالْعَقَبَةُ: صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ هِيَ أَوَّلُ مِنًى بِالنِّسْبَةِ لِلْآتِي مِنْ مَكَّةَ، يَلِيهَا بِنَاءٌ لَطِيفٌ يُرْمَى عَلَيْهِ الْحَصَيَاتُ هُوَ الْمُسَمَّى بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
وَهِيَ آخِرُ مِنًى بِالنِّسْبَةِ لِلْآتِي مِنْ مُزْدَلِفَةَ، وَمِنًى: بَطْحَاءُ مُتَّسَعَةٌ يَنْزِلُ بِهَا الْحُجَّاجُ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ، فَقَوْلُ " فَوْقَ الْعَقَبَةِ " أَيْ فِي الْبَطْحَاءِ الَّتِي مَبْدَؤُهَا الْعَقَبَةُ احْتِرَازًا عَنْ الْبَيَاتِ دُونَهَا مِمَّا يَلِي مَكَّةَ، (ثَلَاثًا) مِنْ اللَّيَالِي إنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ (أَوْ لَيْلَتَيْنِ إنْ تَعَجَّلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ) الْيَوْمِ (الثَّانِي) مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ.
(وَإِنْ تَرَكَ جُلَّ لَيْلَةٍ) وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْغُرُوبِ لِلْفَجْرِ، (فَدَمٌ) يَلْزَمُهُ.
(وَلَوْ غَرَبَتْ) الشَّمْسُ مِنْ الثَّانِي (وَهُوَ بِمِنًى لَزِمَهُ) الْمَبِيتُ بِهَا، (وَرَمْيُ) الْيَوْمِ (الثَّالِثِ) .
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَأَعَادَ الرَّمْيَ بِنَفْسِهِ] : وَفَائِدَةُ الْإِعَادَةِ نَفْيُ الدَّمِ عَمَّنْ لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُهُ، فَإِنْ لَمْ يُعِدْ أَثِمَ وَاسْتَمَرَّ الدَّمُ بَاقِيًا.
قَوْلُهُ: [أَوْ لَيْلَتَيْنِ إنْ تَعَجَّلَ] : أَيْ وَالتَّعْجِيلُ جَائِزٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ لَا مُسْتَحَبٌّ وَلَا خِلَافُ الْأَوْلَى.
كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ، لَكِنْ فِي حَقِّ غَيْرِ الْإِمَامِ، وَأَمَّا هُوَ فَيُكْرَهُ لَهُ التَّعْجِيلُ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ تَرَكَ جُلَّ لَيْلَةٍ] : الْمُرَادُ أَنَّ غَيْرَ الْمُتَعَجِّلَ يَلْزَمُهُ الدَّمُ لِتَرْكِ جُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ، وَالْمُتَعَجِّلُ لِتَرْكِهِ مِنْ اللَّيْلَتَيْنِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ جُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ أَيِّ لَيْلَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ لِلْمُتَعَجِّلِ وَغَيْرِهِ، إذْ الْمُتَعَجِّلُ لَا يَلْزَمُهُ بَيَاتُ الثَّالِثَةِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِوُجُوبِ بَيَاتِ الثَّالِثَةِ وَعَدَمِ وُجُوبِهِ قَصْدُ التَّعْجِيلِ وَعَدَمُهُ، فَإِنْ قَصَدَ التَّعْجِيلَ فَلَا يَلْزَمُهُ بَيَاتٌ وَلَا دَمٌ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ يَلْزَمُهُ الْبَيَاتُ وَالدَّمُ، إنْ تَرَكَ اللَّيْلَةَ كُلَّهَا أَوْ جُلَّهَا.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ] : أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ شَرْطَ جَوَازِ التَّعْجِيلِ أَنْ يُجَاوِزَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ، فَإِنْ
وَإِذَا رَجَعَ لِلْمَبِيتِ بِمِنًى - وَتَعَجَّلَ أَوْ لَمْ يَتَعَجَّلْ - (فَيَرْمِي كُلَّ يَوْمٍ) بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ الْجَمَرَاتِ (الثَّلَاثَ) : الْأُوَلَ وَالْوُسْطَى وَجَمْرَةُ الْعَقَبَةِ (بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) فَجَمِيعُهَا إحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً، فِي كُلِّ يَوْمٍ غَيْرَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ طُلُوعَ الشَّمْسِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَقَطْ.
(يَبْدَأُ بِاَلَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى) وَهِيَ الْأُولَى، وَيُثَنِّي بِالْوُسْطَى (وَيَخْتِمُ بِالْعَقَبَةِ) : أَيْ يَرْمِي جَمْرَتَهَا.
وَوَقْتُ أَدَاءِ الرَّمْيِ (مِنْ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ) ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ اللَّيْلَ قَضَاءٌ فَإِنْ قَدَّمَهُ
[حاشية الصاوي]
لَمْ يُجَاوِزْهَا إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ لَزِمَهُ الْمَبِيتُ بِمِنًى وَرَمْيُ الثَّالِثِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
لَكِنْ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ - نَقْلًا عَنْ كَبِيرِ الْخَرَشِيِّ - مَا ذُكِرَ مِنْ شَرْطِ التَّعْجِيلِ، إنْ كَانَ الْمُتَعَجِّلُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا يُشْتَرَطُ خُرُوجُهُ مِنْ مِنًى قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ الثَّانِي، ثُمَّ إنَّ مَنْ تَعَجَّلَ وَأَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ هَلْ يُتِمُّ أَوْ لَا؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَالْإِتْمَامُ أَحْوَطُ.
وَأَمَّا مَنْ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ مِنْ الْحُجَّاجِ وَهُوَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النُّسُكِ كَالرُّعَاةِ إذَا رَمَوْا الْعَقَبَةَ وَتَوَجَّهُوا لِلرَّعْيِ، فَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ الْحُجَّاجِ (اهـ) . تَنْبِيهٌ:
رَخَّصَ مَالِكٌ جَوَازًا لِرَاعِي الْإِبِلِ فَقَطْ بَعْدَ رَمْيِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى رَعْيِهِ، وَيَتْرُكَ الْمَبِيتَ لَيْلَةَ الْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ، وَيَأْتِي الْيَوْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ فَيَرْمِي فِيهِ لِلْيَوْمَيْنِ، الْيَوْمِ الثَّانِي الَّذِي فَاتَهُ وَهُوَ فِي رَعْيِهِ، وَالثَّالِثِ الَّذِي حَضَرَ فِيهِ، ثُمَّ إنْ شَاءَ تَعَجَّلَ وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ لِرَمْيِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ.
وَكَذَا رَخَّصَ لِصَاحِبِ السِّقَايَةِ فِي تَرْكِ الْمَبِيتِ خَاصَّةً، فَلَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ نَهَارًا لِلرَّمْيِ، ثُمَّ يَنْصَرِفَ، لِأَنَّ ذَا السِّقَايَةِ يَنْزِعُ الْمَاءَ مِنْ زَمْزَمَ لَيْلًا، وَيُفْرِغُهُ فِي الْحِيَاضِ كَذَا فِي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [فَجَمِيعُهَا إحْدَى وَعِشْرِينَ] : هَكَذَا مُسْوَدَّةُ الشَّارِحِ بِالْيَاءِ، وَلَعَلَّ الْمُنَاسِبَ عِشْرُونَ بِالْوَاوِ.
وَجُمْلَةُ الْحَصَيَاتِ سَبْعُونَ لِغَيْرِ الْمُتَعَجِّلِ وَتِسْعٌ وَأَرْبَعُونَ لِلْمُتَعَجِّلِ.
قَوْلُهُ: [يَبْدَأُ] : أَيْ وَهَذَا التَّرْتِيبُ وَاجِبٌ شَرْطٌ فَهُوَ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ أَيْضًا كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [وَقْتَ أَدَاءِ الرَّمْيِ] إلَخْ: أَيْ لِجَمِيعِ الْجِمَارِ غَيْرَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ
عَلَى الزَّوَالِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ صِحَّةِ الرَّمْيِ بِقَوْلِهِ:
(وَصِحَّتُهُ) أَيْ شَرْطُ صِحَّةِ الرَّمْيِ مُطْلَقًا: أَنْ يَكُونَ (بِحَجَرٍ) ، فَلَا يَصِحُّ بِطِينٍ وَلَا بِمَعْدِنٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ طَهَارَتُهُ.
وَأَنْ يَكُونَ الْحَصَى (كَحَصَى الْخَذْفِ) يَصِحُّ قِرَاءَتُهُ بِالْمُعْجَمَتَيْنِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ: وَهُوَ رَمْيُ الْحَصَى بِالسِّبَابَتَيْنِ، بِأَنْ تَكُونَ الْحَصَاةُ قَدْرَ الْفُولَةِ أَوْ النَّوَاةِ، (وَلَا يُجْزِئُ صَغِيرٌ جِدًّا) كَالْحِمَّصَةِ، (وَكُرِهَ كَبِيرٌ) وَأَجْزَأَ.
(وَرَمْيٌ) عَطْفٌ عَلَى حَجَرٍ: أَيْ وَصِحَّتُهُ بِرَمْيٍ؛ أَيْ دَفْعٍ بِالْيَدِ.
فَلَا يُجْزِئُ الْوَضْعُ أَوْ الطَّرْحُ (عَلَى الْجَمْرَةِ) : وَهِيَ الْبِنَاءُ وَمَا حَوْلَهُ مِنْ مَوْضِعِ الْحَصَى،
[حاشية الصاوي]
النَّحْرِ، فَإِنَّ وَقْتَهَا يَدْخُلُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى الْغُرُوبِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الشَّمْسِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [أَنْ يَكُونَ بِحَجَرٍ] : أَيْ كَوْنُ الرَّمْيِ بِهِ مِنْ جِنْسِ مَا يُسَمَّى حَجَرًا سَوَاءٌ كَانَ زَلَطًا أَوْ رُخَامًا أَوْ صَوَّانًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يُشْتَرَطُ طَهَارَتُهُ] : أَيْ بَلْ يُنْدَبُ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ رَمْيُ الْحَصَى بِالسِّبَابَتَيْنِ] : بَيَانٌ لِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ، وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَرْمِي بِهَا فِي الصِّغَرِ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ تَجْعَلُهَا بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ مِنْ الْيُسْرَى، ثُمَّ تَقْذِفُهَا بِسَبَّابَةِ الْيُمْنَى أَوْ تَجْعَلُهَا بَيْنَ سَبَّابَتَيْهَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْهَيْئَةُ مَطْلُوبَةً فِي الرَّمْيِ، وَإِنَّمَا الْمَطْلُوبُ أَخْذُهَا بِسَبَّابَتِهِ وَإِبْهَامِهِ مِنْ الْيَدِ الْيُمْنَى وَرَمْيُهَا.
قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ كَبِيرٌ] : أَيْ لِئَلَّا يُؤْذِيَ النَّاسَ.
قَوْلُهُ: [أَيْ وَصِحَّتُهُ بِرَمْيٍ] : اعْتَرَضَ بِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ شَرْطًا لِنَفْسِهِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الرَّمْيَ الْمَشْرُوطَ فِيهِ الْمُرَادُ مِنْهُ الْإِيصَالُ لِلْجَمْرَةِ.
وَالرَّمْيُ الَّذِي اُعْتُبِرَ شَرْطًا بِمَعْنَى الِانْدِفَاعِ، فَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ شَرْطُ صِحَّةِ الْإِيصَالِ لِلْجَمْرَةِ الِانْدِفَاعُ، فَلَا يُجْزِئُ وَضْعُ الْحَصَاةِ بِيَدِهِ عَلَى الْجَمْرَةِ، وَلَا طَرْحُهَا عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ انْدِفَاعٍ، وَهَذَا الْجَوَابُ يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِحِ.
وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الرَّمْيُ مُبَاشَرَةً لَا بِقَوْسٍ أَوْ رِجْلِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِانْفِرَادِهَا، فَلَوْ رَمَى السَّبْعَةَ دُفْعَةً وَاحِدَةً حُسِبَتْ وَاحِدَةً.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ الْبِنَاءُ وَمَا حَوْلَهُ] : وَقِيلَ إنَّ الْجَمْرَةَ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الَّذِي حَوْلَ
وَهُوَ أَوْلَى، فَإِنْ وَقَعَتْ الْحَصَاةُ فِي شِقٍّ مِنْ الْبِنَاءِ أَجْزَأَتْ عَلَى التَّحْقِيقِ لَا إنْ جَاوَزَتْهَا وَوَقَعَتْ خَلْفَهَا بَعْدُ، (أَوْ وَقَعَتْ دُونَهَا) : أَيْ دُونَ الْجَمْرَةِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الرَّمْيِ، (وَلَمْ تَصِلْ) الْحَصَاةُ إلَيْهَا، فَإِنْ وَصَلَتْ أَجْزَأَتْ.
(وَ) صِحَّتُهُ (بِتَرَتُّبِهِنَّ) : أَيْ الْجَمَرَاتِ بِأَنْ يَبْتَدِئَ بِالْأُولَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى، ثُمَّ الْوُسْطَى، ثُمَّ الْعَقَبَةُ (لَا إنْ نَكَسَ) بِأَنْ قَدَّمَ الْعَقَبَةَ أَوْ الْوُسْطَى، (أَوْ تَرَكَ بَعْضًا) مِنْهَا حَصَاةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ الْجَمِيعِ أَوْ مِنْ بَعْضِهِنَّ (وَلَوْ سَهْوًا) لَمْ يُجْزِهِ.
(فَلَوْ رَمَى كُلًّا) مِنْ الْجَمَرَاتِ (بِخَمْسٍ) مِنْ الْحَصَيَاتِ (اُعْتُدَّ بِالْخَمْسِ الْأُوَلِ) مِنْ الْجَمْرَةِ الْأُولَى، وَكَمَّلَهَا بِحَصَاتَيْنِ وَأَعَادَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ مِنْ أَصْلِهِمَا لِلتَّرْتِيبِ.
(وَإِنْ لَمْ يَدْرِ مَوْضِعَ حَصَاةٍ) تَرَكَهَا مِنْهُنَّ تَحْقِيقًا أَوْ شَكَّ أَهِيَ مِنْ الْأُولَى أَوْ مِنْ غَيْرِهَا (اعْتَدَّ بِسِتٍّ مِنْ) الْجَمْرَةِ (الْأُولَى) بِنَاءً عَلَى الْيَقِينِ، (وَأَعَادَ مَا بَعْدَهَا)
[حاشية الصاوي]
الْبِنَاءِ فَقَطْ مَحَلُّ اجْتِمَاعِ الْحَصَى، وَعَلَيْهِ فَلَا يُجْزِئُ مَا وَقَفَ فِي الْبِنَاءِ، وَلَكِنَّ التَّحْقِيقَ الْإِجْزَاءُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ وَصَلَتْ أَجْزَأْت] : هَكَذَا فِي التَّوْضِيحِ عَنْ سَنَدٍ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ يَبْدَأَ بِالْأُولَى] : أَيْ وَهِيَ الْكُبْرَى.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ بِالْوُسْطَى] : أَيْ الَّتِي فِي السُّوقِ، وَيُرْمَيَانِ مِنْ أَعْلَى مِنْ جِهَةِ مِنًى كَمَا فِي التَّتَّائِيِّ.
وَقَوْلُهُ: [ثُمَّ بِالْعَقَبَةِ] : أَيْ يَخْتِمُ بِهَا وَيَرْمِيهَا مِنْ أَسْفَلَ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: فَإِنْ تَأَخَّرَ يَوْمٌ لِآخَرَ فَفِي (ح) تَقْدِيمِ الْقَضَاءِ، وَلَوْ ضَاقَ كَيَسِيرِ الْفَوَائِتِ، وَظَاهِرُ اتِّحَادِ الدَّمِ قَالَ إلَّا أَنْ يَضِيقَ الْيَوْمُ الْآخَرُ: السَّنْهُورِيُّ - قِيَاسًا عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِالْأَخِيرَةِ عِنْدَ الضِّيقِ - الْأُجْهُورِيُّ: إذَا ضَاقَ عَنْ كُلِّ الْقَضَاءِ أَتَى بِبَعْضِهِ لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ بِمَا اسْتَطَعْتُمْ» اهـ.
قَوْلُهُ: [اعْتَدَّ بِالْخَمْسِ الْأُوَلِ] : أَيْ سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ شَرْطُ صِحَّةٍ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ، وَأَمَّا تَتَابُعُ الرَّمْيَاتِ أَوْ الْجَمَرَاتِ فَمَنْدُوبٌ فَقَطْ، فَلِذَلِكَ اُعْتُدَّ بِالْخَمْسِ الْأُوَلِ لِعَدَمِ وُجُوبِ تَتَابُعِ الرَّمَيَاتِ، وَبَطَلَ مَا بَعْدَهَا لِاشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ يَدْرِ مَوْضِعَ حَصَاةٍ] إلَخْ: حَاصِلُهُ: أَنَّهُ إذَا رَمَى الْجِمَارَ الثَّلَاثَ،
مِنْ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وُجُوبًا لِلتَّرْتِيبِ.
وَلَا هَدْيَ إنْ ذَكَرَ فِي يَوْمِهِ وَلَوْ نَكَسَ أَعَادَ الْمُنَكَّسَ، فَلَوْ رَمَى الْأُولَى ابْتِدَاءً فَالْعَقَبَةُ فَالْوُسْطَى، أَعَادَ الْعَقَبَةَ، لِأَنَّ رَمْيَهَا كَانَ بَاطِلًا لِعَدَمِ التَّرْتِيبِ، وَلَا دَمَ إنْ تَذَكَّرَ فِي يَوْمِهِ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ الرَّمْيَ لَا يَفُوتُ إلَّا بِغُرُوبِ الرَّابِعِ.
(وَنُدِبَ رَمْيُ) جَمْرَةِ (الْعَقَبَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ) وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ (طُلُوعِ الشَّمْسِ) إلَى الزَّوَالِ، وَكُرِهَ تَأْخِيرُهُ لِلزَّوَالِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَمَحَطُّ النَّدْبِ قَوْلُهُ: " طُلُوعِ " إلَخْ.
(وَ) نُدِبَ رَمْيُ (غَيْرِهَا) مِنْ بَاقِي الْأَيَّامِ (إثْرَ الزَّوَالِ قَبْلَ) صَلَاةِ (الظُّهْرِ) مُتَوَضِّئًا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ دُخُولَ الزَّوَالِ شَرْطُ صِحَّةٍ لِلرَّمْيِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ، فَمَحَطُّ النَّدْبِ التَّعْجِيلُ قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ.
(وَ) نُدِبَ (وُقُوفُهُ) : أَيْ مُكْثُهُ وَلَوْ جَالِسًا (إثْرَ) الْجَمْرَتَيْنِ (الْأَوَّلِيَّيْنِ) أَيْ الْأُولَى وَالْوُسْطَى (لِلدُّعَاءِ) وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ حَالَ كَوْنِهِ (مُسْتَقْبِلًا) لِلْبَيْتِ (قَدْرَ) ظَرْفٌ لِلْوُقُوفِ، أَيْ يَقِفُ زَمَنًا قَدْرَ (إسْرَاعِ) قِرَاءَةِ سُورَةِ (الْبَقَرَةِ) .
[حاشية الصاوي]
ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَرَكَ حَصَاةً مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيُّهَا تَرَكَهَا أَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ حَصَاةٍ - وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيُّهَا - فَإِنَّهُ يُعْتَدُّ بِسِتٍّ مِنْ الْجَمْرَةِ الْأُولَى لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا مِنْهَا فَيُكْمِلُهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَرْمِي الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ بِسَبْعٍ سَبْعٍ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ كَمَّلَ الْأُولَى وَفَعَلَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ فِي يَوْمِهِ، فَإِنْ رَمَى الْجِمَارَ الثَّلَاثَ فِي يَوْمَيْنِ وَحَصَلَ الشَّكُّ فِي تَرْكِ حَصَاةٍ وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيِّ الْجِمَارِ.
وَهَلْ هِيَ مِنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَعْتَدُّ بِسِتٍّ مِنْ الْأُولَى فِي كِلَا الْيَوْمَيْنِ، وَيُكْمِلُ عَلَيْهَا وَيُعِيدُ مَا بَعْدَهَا، وَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِتَأْخِيرِ رَمْيِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ لِوَقْتِ الْقَضَاءِ، وَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: " مَوْضِعُ حَصَاةٍ "، بَلْ مِثْلُهُ مَوْضِعُ حَصَاتَيْنِ مَثَلًا وَهَكَذَا، كُلَّمَا زَادَ الشَّكُّ اعْتَدَّ بِغَيْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، وَهَذَا أَيْضًا مَبْنِيٌّ عَلَى نَدْبِ تَتَابُعِ الرَّمَيَاتِ وَالْجَمَرَاتِ.
قَوْلُهُ: [لِغَيْرِ عُذْرٍ] : أَيْ وَأَمَّا إذَا كَانَ لِمَرَضٍ أَوْ نِسْيَانٍ فَلَا كَرَاهَةَ فِي فِعْلِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ.
قَوْلُهُ [فَمَحَطُّ النَّدْبِ التَّعْجِيلُ] إلَخْ: أَيْ فَلَا يُنَافِي أَنَّ كَوْنَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ شَرْطَ صِحَّةٍ فِيهِ.
(وَ) نُدِبَ (تَيَاسُرُهُ فِي) الْجَمْرَةِ (الثَّانِيَةِ) أَيْ الْوُسْطَى؛ بِأَنْ يَقِفَ عَلَى يَسَارِهَا كَمَا فِي النَّقْلِ (مُتَقَدِّمًا عَلَيْهَا) جِهَةَ الْبَيْتِ، لَا أَنَّهُ يُحَاذِيهَا جِهَةَ يَسَارِهَا.
(وَ) نُدِبَ حَالَ وُقُوفِهِ لِلدُّعَاءِ بِقَدْرِ رَمْيِ الْأُولَى، (جَعْلُ الْأُولَى خَلْفَهُ) وَأَمَّا جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا وَيَنْصَرِفُ، وَلَا يَقِفُ لِضِيقِ مَحِلِّهَا، وَإِذَا اسْتَقْبَلَهَا لِلرَّمْيِ كَانَتْ مَكَّةُ جِهَةَ يَسَارِهِ وَمِنًى جِهَةَ يَمِينِهِ.
(وَ) نُدِبَ (نُزُولُ غَيْرِ الْمُتَعَجِّلِ) بَعْدَ رَمْيِ جِمَارِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ (بِالْمُحَصَّبِ) : اسْمٌ لِبَطْحَاءَ خَارِجَ مَكَّةَ.
(لِيُصَلِّيَ بِهِ) أَيْ فِيهِ (أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ) الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَمَّا الْمُتَعَجِّلُ فَلَا يُنْدَبُ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَيَاسُرُهُ] : أَيْ وُقُوفُهُ جِهَةَ يَسَارِهَا فَتَكُونُ هِيَ عَنْ يَمِينِهِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ جِهَةَ يَسَارِهَا أَنْ تَكُونَ هِيَ جِهَةَ يَمِينِهِ.
قَوْلُهُ: [كَمَا فِي النَّقْلِ] : فَفِي عِبَارَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ: يَرْمِي الْوُسْطَى وَيَنْصَرِفُ مِنْهَا إلَى الشِّمَالِ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ، فَيَقِفُ أَمَامَهَا مِمَّا يَلِي يَسَارَهَا.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يُحَاذِيَهَا] إلَخْ: أَيْ بَلْ تَكُونُ خَلْفَهُ كَالْجَمْرَةِ الْأُولَى غَيْرَ أَنَّهُ فِي يَسَارِهَا.
قَوْلُهُ: [لِضِيقِ مَحِلِّهَا] : أَيْ فَلَوْ أَمَرْت النَّاسَ بِالْوُقُوفِ لَحَصَلَ مَزِيدُ الضَّرَرِ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ نُزُولُ غَيْرِ الْمُتَعَجِّلِ] : أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ رُجُوعُهُ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَإِلَّا فَلَا يُنْدَبُ التَّحْصِيبُ.
وَمَحِلُّ نَدْبِ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِهِ إذَا وَصَلَهُ قَبْلَ ضِيقِ وَقْتِهَا، أَمَّا لَوْ ضَاقَ وَقْتُهَا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ حَيْثُ أَدْرَكَهُ، وَلَا يُؤَخِّرُهَا لِلْمُحَصَّبِ.
وَهَذَا التَّحْصِيبُ مَنْدُوبٌ فِي حَقِّ الرَّاجِعِ مِنْ مِنًى بِشَرْطِهِ، سَوَاءٌ كَانَ آفَاقِيًّا أَوْ مَكِّيًّا، وَيَقْصُرُ الْمَكِّيُّ الصَّلَاةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْمَنَاسِكِ وَأَوْلَى الْآفَاقِيُّ.
قَوْلُهُ: [اسْمٌ لِبَطْحَاءَ خَارِجَ مَكَّةَ] : أَيْ مُحَاذِيَةً لِلْمَقْبَرَةِ.
قَوْلُهُ: [كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] إلَخْ: أَيْ شُكْرًا لِلَّهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُحَصَّبَ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَحَالَفَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُبَايِعُونَ بَنِي هَاشِمٍ، وَلَا يُنَاكِحُونَهُمْ.
وَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُمْ، وَلَا يُعْطُونَهُمْ إلَّا أَنْ يُسَلِّمُوا لَهُمْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ صَحِيفَةً وَوَضَعُوهَا فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ فَخَيَّبَهُمْ اللَّهُ فِي ذَلِكَ، وَبَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ كُلَّ الْمَقَاصِدِ فِيهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ.
لَهُ ذَلِكَ.
(وَ) نُدِبَ (طَوَافُ الْوَدَاعِ لِخَارِجٍ) أَيْ لِكُلِّ مَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْحُجَّاجِ أَوْ غَيْرِهِمْ (لِكَمِيقَاتٍ) مِنْ الْمَوَاقِيتِ، أَوْ لِمَا حَاذَاهُ، أَوْ لِلطَّائِفِ، وَأَوْلَى لِأَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ خَرَجَ لِحَاجَةٍ أَمْ لَا أَرَادَ الْعَوْدَ أَمْ لَا، (لَا) إنْ خَرَجَ (لِكَجِعْرَانَةَ) وَالتَّنْعِيمِ مِمَّا دُونَ الْمَوَاقِيتِ فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهِ، (إلَّا) أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ لِمَا دُونَ الْمَوَاقِيتِ، خَرَجَ (لِتَوَطُّنٍ) بِهِ فَيُنْدَبُ لَهُ الْوَدَاعُ، (وَتَأَدَّى) طَوَافُ الْوَدَاعِ (بِالْإِفَاضَةِ، وَ) طَوَافُ (الْعُمْرَةِ) ، وَحَصَلَ لَهُ ثَوَابُهُ إنْ نَوَاهُ بِهِمَا كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ تُؤَدَّى بِالْفَرْضِ، وَيَحْصُلُ ثَوَابُهَا إنْ نَوَاهَا بِهِ.
(وَبَطَلَ) الْوَدَاعُ أَيْ بَطَلَ الِاكْتِفَاءُ بِهِ لَا الثَّوَابُ (بِإِقَامَتِهِ) بِمَكَّةَ (بَعْضَ يَوْمٍ) لَهُ بَالٌ فَيُعِيدُهُ، (لَا) يَبْطُلُ بِإِقَامَتِهِ (بِشُغْلٍ) أَيْ بِسَبَبِ شُغْلٍ (خَفَّ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا يَطْلُبُ بِإِعَادَتِهِ.
(وَ) إذَا بَطَلَ أَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ مِنْ أَصْلِهِ (رَجَعَ لَهُ) أَيْ لِفِعْلِهِ (إنْ لَمْ يَخَفْ) بِالرُّجُوعِ (فَوَاتَ رُفْقَةٍ) وَلَا لِصًّا أَوْ سَارِقًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَمْ يَرْجِعْ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ طَوَافُ الْوَدَاعِ] : أَيْ لِغَيْرِ الْمُتَرَدِّدِ بِفَاكِهَةٍ وَنَحْوِهَا.
وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ مَكَّةَ إذَا قَصَدَ التَّرَدُّدَ لَهَا فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَصَلَ الْمِيقَاتَ أَمْ لَا، وَإِنْ قَصَدَ مَسْكَنًا أَوْ الْإِقَامَةَ طَوِيلًا فَعَلَيْهِ الْوَدَاعُ مُطْلَقًا.
وَإِنْ خَرَجَ لِاقْتِضَاءِ دَيْنٍ أَوْ زِيَارَةِ أَهْلٍ نُظِرَ؛ فَإِنْ خَرَجَ لِنَحْوِ الْمَوَاقِيتِ طُلِبَ بِالْوَدَاعِ مُطْلَقًا، وَإِنْ خَرَجَ لِدُونِهَا كَالتَّنْعِيمِ فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهِ، هَذَا مُحَصَّلُ كَلَامِ الْحَطَّابِ.
قَوْلُهُ: [وَتَأَدَّى طَوَافُ الْوَدَاعِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ، بَلْ لِيَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ مِنْ الْبَيْتِ الطَّوَافُ، وَلَا يَكُونُ السَّعْيُ بَعْدَهُ طُولًا حَيْثُ لَمْ يَقُمْ بَعْدَهُ إقَامَةً تَقْطَعُ حُكْمَ التَّوْدِيعِ.
تَنْبِيهٌ: يُحْبَسُ الْكَرِيُّ وَالْوَلِيُّ - مِنْ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ - لِأَجْلِ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ مَنَعَ الْمَرْأَةَ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ حَتَّى يَزُولَ الْمَانِعُ، وَتَطُوفُ بِشَرْطِ أَمْنِ الطَّرِيقِ حَالَ الرُّجُوعِ بَعْدَ طَوَافِهَا، فَإِنْ لَمْ يُؤْمَنْ - كَمَا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ - فُسِخَ الْكِرَاءُ اتِّفَاقًا، وَلَا يُحْبَسُ مِنْ ذُكِرَ مَعَهَا وَمَكَثَتْ بِمَكَّةَ وَحْدَهَا إنْ أَمْكَنَهَا، وَإِلَّا رَجَعَتْ لِبَلَدِهَا وَهِيَ عَلَى