حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالكصفحات 287-328
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(وَهُوَ بَيْعٌ) : أَيْ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ لَا السَّلَمِ فَلَا يُشْتَرَطُ تَعْجِيلُ رَأْسِ الْمَالِ وَلَا تَأْجِيلُ الْمُثْمَنِ، لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمَّا نَصَبَ نَفْسَهُ لِلْعَمَلِ أَشْبَهَ مَا بَاعَهُ الشَّيْءَ الْمُعَيَّنَ، فَإِنْ مَاتَ انْفَسَخَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ.
وَيُشْتَرَطُ الشُّرُوعُ فِي الْأَخْذِ فِيمَا دُونَ نِصْفِ شَهْرٍ.
(وَإِنْ لَمْ يَدُمْ) عَمَلُهُ (فَسَلَمٌ) يَشْتَرِطُ فِيهِ شُرُوطَهُ كَقِنْطَارٍ مِنْ خُبْزٍ مِنْ كَذَا صِفَتُهُ كَذَا بِأَخْذِهِ بَعْدَ نِصْفِ شَهْرٍ بِكَذَا وَيُعَجِّلُ فِيهِ رَأْسَ الْمَالِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ شُبِّهَ فِي السَّلَمِ قَوْلُهُ: (كَاسْتِصْنَاعِ سَيْفٍ) أَوْ رِكَابٍ مِنْ حَدَّادٍ (أَوْ سَرْجٍ) مِنْ سَرُوجِيٍّ أَوْ ثَوْبٍ مِنْ حَيَّاكٍ أَوْ بَابٍ مِنْ نَجَّارٍ عَلَى صِفَةٍ مَعْلُومَةٍ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، فَيَجُوزُ وَهُوَ سَلَمٌ تُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطُهُ كَانَ الْبَائِعُ دَائِمُ الْعَمَلِ أَمْ لَا.

(إنْ لَمْ يُعَيَّنْ الْعَامِلُ أَوْ الْمَعْمُولُ مِنْهُ) : فَإِنْ عَيَّنَهُ فَسَدَ نَحْوَ:

[حاشية الصاوي]

مُفَرَّقًا عَلَى شَهْرٍ مَثَلًا وَالثَّانِيَةُ عَلَى أَنَّ الدِّرْهَمَ ثَمَنٌ لِلرِّطْلِ الَّذِي يَأْخُذُهُ كُلَّ يَوْمٍ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ بَيْعٌ] : صَرَّحَ بِهِ قَوْلُهُ: " وَجَازَ الشِّرَاءُ مِنْ بَائِعٍ " إلَخْ، لِأَنَّ الشِّرَاءَ يُطْلَقُ عَلَى السَّلَمِ وَوَجْهُ كَوْنِهِ بَيْعًا لَا سَلَمًا أَنَّهُمْ نَزَّلُوا دَوَامَ الْعَمَلِ مَنْزِلَةَ تَعَيُّنِ الْمَبِيعِ كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ وَالْمُسْلَمُ فِيهِ لَا يَكُونُ مُعَيَّنًا بَلْ فِي الذِّمَّةِ.
قَوْلُهُ: [انْفَسَخَ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ] : إنَّمَا فُسِخَ فِيهَا لِكَوْنِهَا غَيْرَ مَحْدُودَةٍ بِوَقْتٍ تَنْتَهِي إلَيْهِ، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا الْفَسْخُ فِي أَيِّ وَقْتٍ، بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْأُولَى؛ وَهِيَ مَا إذَا اشْتَرَى جُمْلَةً يَأْخُذُهَا مُفَرَّقَةً فَلَا تَنْفَسِخُ فِي حَيَاتِهِ وَلَا فِي مَوْتِهِ.
قَوْلُهُ: [وَيُشْتَرَطُ الشُّرُوعُ فِي الْأَخْذِ] : كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ: أَيْ إنَّهُ يُشْتَرَطُ الشُّرُوعُ فِي أَخْذِ الشَّيْءِ الْمُشْتَرَى فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَا يُغْتَفَرُ التَّأْخِيرُ لِنِصْفِ شَهْرٍ.
قَوْلُهُ: [يُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطُهُ] : أَيْ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُعَيَّنُ الْعَامِلُ وَلَا الْمَعْمُولُ مِنْهُ وَيَكُونُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ.
قَوْلُهُ: [كَاسْتِصْنَاعِ سَيْفٍ] : أَيْ كَمَا أَنَّ اسْتِصْنَاعَ السَّيْفِ وَالسَّرْجِ سَلَمٌ سَوَاءٌ كَانَ الصَّانِعُ الْمَعْقُودُ مَعَهُ دَائِمَ الْعَمَلِ أَمْ لَا كَأَنْ يَقُولَ لِإِنْسَانٍ: اصْنَعْ لِي سَيْفًا أَوْ سَرْجًا أَوْ بَابًا صِفَتُهُ كَذَا بِدِينَارٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْجِيلِ رَأْسِ الْمَالِ وَضَرْبِ الْأَجَلِ وَأَنْ لَا يُعَيَّنَ الْعَامِلُ وَلَا الْمَعْمُولُ مِنْهُ إلَى آخِرِ شُرُوطِ السَّلَمِ.

[الاستصناع فِي السَّلَم]

قَوْلُهُ: [فَإِنْ عَيَّنَهُ فَسَدَ] : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ شَرَطَ عَمَلَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ لَمْ

أَنْتَ الَّذِي تَصْطَنِعُهُ بِنَفْسِك أَوْ يَصْنَعُهُ زَيْدٌ بِنَفْسِهِ، أَوْ تَصْنَعُهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيدِ بِعَيْنِهِ، أَوْ مِنْ هَذَا الْغَزْلِ أَوْ مِنْ هَذَا الْخَشَبِ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ صَارَ مُعَيَّنًا لَا فِي الذِّمَّةِ وَشَرْطُ صِحَّةِ السَّلَمِ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ.
(وَإِنْ اشْتَرَى الْمَعْمُولُ مِنْهُ) : كَأَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ الْحَدِيدَ أَوْ الْغَزْلَ أَوْ الْخَشَبَ وَنَحْوَ ذَلِكَ (وَاسْتَأْجَرَهُ) عَلَى عَمَلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ (جَازَ إنْ شَرَعَ) الْعَامِلُ فِي الْعَمَلِ فِيمَا دُونَ نِصْفِ شَهْرٍ عَيَّنَ الْعَامِلَ أَمْ لَا (كَشِرَاءِ نَحْوِ تَوْرٍ) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ: إنَاءٌ يُشْبِهُ الطَّشْتَ، يَعْنِي: أَنَّ مَنْ وَجَدَ صَانِعًا شَرَعَ فِي تَوْرٍ أَوْ طَشْتٍ أَوْ سَيْفٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ جُزَافًا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ (لِيُكَمِّلَ) أَيْ عَلَى أَنْ يُكَمِّلَهُ لَهُ جَازَ وَدَخَلَ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِالْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ الْمُشْتَرِي ضَمَانَ الصُّنَّاعِ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ عَلَى الْوَزْنِ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ إلَّا بِالْقَبْضِ.
وَمَحَلُّ الْجَوَازِ إنْ شَرَعَ بَائِعُهُ فِي الْكَيْلِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ؛ وَهَذَا.
(بِخِلَافِ) شِرَاءِ (ثَوْبٍ لِيَكْمُلَ) : فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَعْدِنَ كَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ - إنْ خَرَجَ عَلَى خِلَافِ الصِّفَةِ الْمُشْتَرَطَةِ أَوْ الْمُعْتَادَةِ

[حاشية الصاوي]

يَجُزْ وَإِنْ نَقَدَهُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيُسَلِّمُ ذَلِكَ الرَّجُلَ أَمْ لَا فَذَلِكَ غَرَرٌ (اهـ) وَعَلَى هَذَا دَرَجَ ابْنِ رُشْدٍ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مَا يَقْتَضِي الْجَوَازَ إذَا عَيَّنَ الْعَامِلَ فَقَطْ لِقَوْلِهِمْ: مَنْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَبْنِي لَهُ دَارًا عَلَى أَنَّ الْجِصَّ وَالْآجُرَّ مِنْ عِنْدِ الْأَجِيرِ جَازَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ بَشِيرٍ.
وَحَيْثُ قُلْتُمْ بِفَسَادِهِ بِتَعْيِينِ الْعَامِلِ أَوْ الْمَعْمُولِ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى تَعْيِينُهُمَا مَعًا، وَعِلَّةُ الْفَسَادِ فِي تَعْيِينِ الْعَامِلِ دَوَرَانُ الثَّمَنِ بَيْنَ السَّلَفِيَّةِ وَالثَّمَنِيَّةِ، وَفِي تَعْيِينِ الْمَعْمُولِ أَنَّ السَّلَمَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ بَلْ فِي الذِّمَّةِ كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ اشْتَرَى الْمَعْمُولُ مِنْهُ] إلَخْ: الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا أَنَّ الْعَقْدَ فِيمَا قَبْلَهَا وَقَعَ عَلَى الْمَصْنُوعِ عَلَى وَجْهِ السَّلَمِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْمَعْمُولُ مِنْهُ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي، وَهَذِهِ وَقَعَ الْعَقْدُ فِيهَا عَلَى الْمَعْمُولِ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ مَلَكَهُ ثُمَّ اسْتَأْجَرَهُ بِالشَّرْطِ فِي الْعَقْدِ عَلَى عَمَلِهِ فَلِذَلِكَ كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا بِشَرْطِهِ عَيَّنَ الْعَامِلُ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ الْمُشْتَرِي] إلَخْ: صَوَابُهُ: الْبَائِعُ.

يُمْكِنُ إعَادَتُهُ بِخِلَافِ الثَّوْبِ (إلَّا أَنْ يَكْثُرَ الْغَزْلُ) مِنْ جِنْسِهِ (عِنْدَهُ) : أَيْ الْعَامِلِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ شِرَاءُ الثَّوْبِ لِيَكْمُلَ، لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ عَلَى خِلَافِ الصِّفَةِ الْمُشْتَرَطَةِ عُمِلَ مِنْ ذَلِكَ الْغَزْلِ بَدَلُهُ عَلَى الصِّفَةِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الثَّوْبِ] : الْحَاصِلُ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ التَّوْرِ وَالثَّوْبِ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ: يَتَّفِقَانِ فِي الْمَنْعِ؛ إذَا اشْتَرَى جُمْلَةَ مَا عِنْدَ الْبَائِعِ مِنْ الْغَزْلِ وَالنُّحَاسِ وَاتَّفَقَ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَصْنَعَهُ لَهُ ثَوْبًا أَوْ تَوْرًا، وَيَتَّفِقَانِ فِي الْجَوَازِ: إذَا كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ جُمْلَةٌ مِنْ النُّحَاسِ أَوْ الْغَزْلِ غَيْرَ مَا اشْتَرَى بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ بِحَيْثُ إذَا لَمْ يَأْتِ مَا اشْتَرَاهُ عَلَى الصِّفَةِ الْمَطْلُوبَةِ يُعْمَلُ لَهُ بَدَلُهُ مِنْ النُّحَاسِ أَوْ الْغَزْلِ الَّذِي فِي مِلْكِهِ، وَيَخْتَلِفَانِ فِي حَالَةٍ: وَهُوَ الْمَنْعُ فِي الثَّوْبِ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْبَائِعِ غَزْلٌ يَكْفِي ثَوْبًا كَامِلًا إذَا لَمْ يَأْتِ الْمَبِيعُ عَلَى الصِّفَةِ الْمَطْلُوبَةِ، وَالْجَوَازُ فِي التَّوْرِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ كَسْرُهُ وَإِعَادَتُهُ وَتَكْمِيلُهُ بِمَا عِنْدَهُ.

بَابٌ فِي بَيَانِ الْقَرْضِ وَأَحْكَامِهِ وَهُوَ الْمُسَمَّى فِي الْعُرْفِ: بِالسَّلَفِ.
(الْقَرْضُ) بِفَتْحِ الْقَافِ: أَيْ حَقِيقَتُهُ الشَّرْعِيَّةُ: (إعْطَاءُ مُتَمَوَّلٍ) مِنْ مِثْلِيٍّ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ عَرْضٍ (فِي) نَظِيرِ (عِوَضٍ مُتَمَاثِلٍ) : صِفَةً وَقَدْرًا لِلْمُعْطَى بِالْفَتْحِ كَائِنٌ ذَلِكَ الْعِوَضِ (فِي الذِّمَّةِ) : أَيْ ذِمَّةِ الْمُعْطَى لَهُ (لِنَفْعِ الْمُعْطَى) بِالْفَتْحِ: أَيْ الْمُعْطَى لَهُ (فَقَطْ) : لَا نَفْعَ الْمُعْطِي بِالْكَسْرِ وَلَا هُمَا مَعًا، وَإِلَّا كَانَ مِنْ الرِّبَا الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ.

[حاشية الصاوي]

[بَابٌ فِي بَيَانِ الْقَرْضِ وَأَحْكَامِهِ]

[تَعْرِيف القرض وَحُكْمه]

بَابٌ لَمَّا كَانَ الْقَرْضُ شَبِيهًا بِالسَّلَمِ لِمَا فِيهِمَا مِنْ دَفْعٍ مُعَجَّلٍ فِي غَيْرِهِ ذَيَّلَهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: [بِفَتْحِ الْقَافِ] : وَقِيلَ بِكَسْرِهَا وَهُوَ لُغَةً الْقَطْعُ.
سُمِّيَ قَرْضًا: لِأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنْ مَالِ الْمُقْرِضِ.
وَالْقَرْضُ أَيْضًا: التَّرْكُ، يُقَالُ: قَرَضْت الشَّيْءَ عَنْ الشَّيْءِ أَيْ تَرَكْته وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: 17] وَشَرْعًا: هُوَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: إعْطَاءُ مُتَمَوَّلٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: [إعْطَاءُ مُتَمَوَّلٍ] : هَذَا تَعْرِيفٌ لَهُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ، وَأَمَّا تَعْرِيفُهُ بِالْمَعْنَى الِاسْمِيِّ: فَهُوَ مُتَمَوَّلٌ مُعْطًى إلَخْ.
وَأَخْرَجَ بِقَوْلِهِ: " مُتَمَوَّلٍ " مَا لَيْسَ مُتَمَوَّلًا كَقِطْعَةِ نَارٍ فَلَيْسَ بِقَرْضٍ وَقَوْلُهُ: " مِنْ مِثْلِيٍّ أَوْ حَيَوَانٍ " بَيَانٌ لِلْمُتَمَوَّلِ.
وَقَوْلُهُ " فِي نَظِيرِ عِوَضٍ " أَخْرَجَ دَفْعَهُ هِبَةً وَصَدَقَةً وَعَارِيَّةً.
وَقَوْلُهُ " مُتَمَاثِلٌ " أَخْرَجَ الْبَيْعَ وَالسَّلَمَ وَالصَّرْفَ وَالْإِجَارَةَ وَالشَّرِكَةَ؛ فَإِنَّ الْعِوَضَ فِيهَا مُخَالِفٌ.
وَقَوْلُهُ: " فِي الذِّمَّةِ " الْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا فِي الذِّمَّةِ، أَخْرَجَ بِهِ الْمُبَادَلَةَ الْمِثْلِيَّةَ؛ كَدَفْعِ دِينَارٍ أَوْ إرْدَبٍّ فِي مِثْلِهِ حَالًا.
وَقَوْلُهُ: " لَا نَفْعَ الْمُعْطِي - بِالْكَسْرِ - وَلَا هُمَا ": أَيْ وَلَا نَفْعَ أَجْنَبِيٍّ مِنْ جِهَةِ الْمُقْرِضِ، فَالْكُلُّ سَلَفٌ فَاسِدٌ وَهُوَ رِبًا كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.

وَخَرَجَ الْبَيْعُ وَالسَّلَمُ وَالْإِعَارَةُ وَالْإِجَارَةُ وَالشَّرِكَةُ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ.
(وَهُوَ مَنْدُوبٌ) : لِأَنَّهُ مِنْ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالْمَعْرُوفِ.
(وَإِنَّمَا يُقْرَضُ) بِضَمِّ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُقْرَضَ (مَا) : أَيْ شَيْءٌ أَوْ الشَّيْءُ الَّذِي (يُسْلَمُ) : أَيْ يَصِحُّ السَّلَمُ (فِيهِ) : مِنْ حَيَوَانٍ وَعَرْضٍ وَمِثْلِيٍّ، لَا مَا لَا يُسْلَمُ فِيهِ كَدَارٍ وَأَرْضٍ وَحَانُوتٍ وَخَانٍ وَحَمَّامٍ وَتُرَابِ مَعْدِنٍ وَصَائِغٍ وَجَوْهَرٍ نَفِيسٍ يَنْدُرُ وُجُودُهُ وَجُزَافٍ (لَا جَارِيَةٍ تَحِلُّ لِلْمُقْتَرِضِ) : فَلَا يَجُوزُ قَرْضُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إعَارَةِ الْفُرُوجِ، بِخِلَافِ مَا لَا تَحِلُّ لَهُ كَعَمَّةٍ وَخَالَةٍ أَوْ كَانَ الْمُقْتَرِضُ امْرَأَةً فَيَجُوزُ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَخَرَجَ الْبَيْعُ وَالسَّلَمُ] إلَخْ: قَدْ عَلِمْت وَجْهَ خُرُوجِهَا.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ مَنْدُوبٌ] : أَيْ الْأَصْلُ فِيهِ النَّدْبُ وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ مَا يُوجِبُهُ، كَالْقَرْضِ لِتَخْلِيصِ مُسْتَهْلَكٍ، أَوْ يَكْرَهُهُ كَالْقَرْضِ مِمَّنْ لَهُ فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ أَوْ يُحَرِّمُهُ كَجَارِيَةٍ تَحِلُّ لِلْمُقْتَرِضِ وَلَا يَكُونُ مُبَاحًا.
قَوْلُهُ: [وَإِنَّمَا يُقْرَضُ] إلَخْ: أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ مُطَّرِدَةٍ مُنْعَكِسَةٍ قَائِلَةٍ: وَكُلُّ مَا يَصِحُّ أَنْ يُسْلَمَ فِيهِ يَصِحُّ أَنْ يُقْرَضَ إلَّا جَارِيَةً تَحِلُّ لِلْمُقْتَرِضِ.
وَبَعْضُ مَا يَصِحُّ أَنْ يُقْرَضَ يَصِحُّ أَنْ يُسْلَمَ فِيهِ، فَعَكْسُهَا بِالْعَكْسِ الْمُسْتَوِي صَحِيحٌ.
وَأَمَّا عَكْسُهَا عَكْسًا لُغَوِيًّا وَهُوَ: كُلُّ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُسْلَمَ فِيهِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقْرَضَ، فَلَا يَصِحُّ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِأَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغِ وَجِلْدَ الْأُضْحِيَّةِ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِمَا وَيَصِحُّ قَرْضُهُمَا قَوْلُهُ: [لِلْمُقْتَرِضِ] : أَيْ لِطَالِبِ الْقَرْضِ وَالْآخِذِ لَهُ.
قَوْلُهُ: [لِمَا فِيهِ مِنْ إعَارَةِ الْفُرُوجِ] : أَيْ مِنْ احْتِمَالِ إعَارَةِ الْفُرُوجِ إذَا رَدَّ عَيْنَهُ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ رَدُّ الْعَيْنِ الْمُقْتَرَضَةِ وَيَجُوزُ رَدُّ مِثْلِهَا كَمَا يَأْتِي.
وَلِهَذَا التَّعْلِيلِ أَجَازَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَرْضُهَا إذَا اشْتَرَطَ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَهَا لَا عَيْنَهَا، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ مَنْعُ قَرْضِ الْجَارِيَةِ الَّتِي تَحِلُّ لِلْمُقْتَرَضِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ اقْتَرِضْهَا لِلْوَطْءِ أَوْ لِلْخِدْمَةِ شَرَطَ رَدَّ عَيْنِهَا أَوْ مِثْلِهَا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ كَانَ الْمُقْتَرِضُ امْرَأَةً] : مِثْلُهَا الصَّبِيُّ الَّذِي لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ الِاسْتِمْتَاعُ وَالشَّيْخُ الْفَانِي، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ قَرْضُ الْجَارِيَةِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى لِصِغَرٍ فِي مُدَّةِ الصِّغَرِ.

(وَرُدَّتْ) وُجُوبًا إنْ أَقْرَضَهَا لِمَنْ تَحِلُّ (إلَّا أَنْ تَفُوتَ) عِنْدَهُ (بِوَطْءٍ أَوْ غَيْبَةٍ) عَلَيْهَا (ظُنَّ وَطْؤُهَا فِيهَا، أَوْ تَغَيُّرُ ذَاتٍ) : أَوْ حَوَالَةُ سُوقٍ (فَالْقِيمَةُ) تَلْزَمُ الْمُقْتَرِضَ (لَا الْمِثْلُ) وَلَا يَجُوزُ التَّرَاضِي عَلَى رَدِّهَا إنْ وَطِئَهَا أَوْ غَابَ عَلَيْهَا غَيْبَةً يُظَنُّ بِهَا الْوَطْءُ، وَجَازَ إنْ فَاتَتْ بِحَوَالَةِ سُوقٍ وَنَحْوِهِ.

(وَحَرُمَ هَدِيَّتُهُ) : أَيْ هَدِيَّةُ الْمُقْتَرَضِ لِمَنْ أَقْرَضَهُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى سَلَفٍ بِزِيَادَةٍ.
(كَرَبِّ الْقِرَاضِ وَعَامِلِهِ) : يَحْرُمُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُهْدِيَ لِلْآخَرِ هَدِيَّةً.
(وَ) حَرُمَ هَدِيَّةُ (الْقَاضِي) : أَيْ الْإِهْدَاءُ لَهُ (وَذِي الْجَاهِ) : أَيْ مِنْ حَيْثُ جَاهُهُ بِحَيْثُ يُتَوَصَّلُ بِالْهَدِيَّةِ لَهُ إلَى أَمْرٍ مَمْنُوعٍ أَوْ إلَى أَمْرٍ يَجِبُ عَلَى ذِي الْجَاهِ دَفْعُهُ عَنْ الْمُهْدِي بِلَا تَعَبٍ وَلَا حَرَكَةٍ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ يُتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إلَى أَنْ يَذْهَبَ بِهِ فِي قَضَاءِ مَصَالِحِهِ إلَى نَحْوِ ظَالِمٍ أَوْ سَفَرٍ لِمَكَانٍ، فَيَجُوزُ كَالْهَدِيَّةِ لَهُ لَا لِحَاجَةٍ،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ تَفُوتَ عِنْدَهُ بِوَطْءٍ] : أَيْ وَأَوْلَى بِاسْتِيلَادٍ، وَتَكُونُ بِهِ أُمُّ وَلَدٍ خِلَافًا لِ (عَبَّ) لِأَنَّ لُزُومَ قِيمَتِهَا بِمُجَرَّدِ الْوَطْءِ أَوْ الْغَيْبَةِ عَلَيْهَا أَوْجَبَ أَنَّهَا حَمَلَتْ وَهِيَ فِي مِلْكِهِ فَتَكُونُ بِهِ أُمُّ وَلَدٍ.
وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [وَظُنَّ وَطْؤُهَا فِيهَا] : مَفْهُومٌ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَظُنَّ وَطْئَهَا فِيهَا لَا تَفُوتُ بِتِلْكَ الْغَيْبَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.
فَالْغَيْبَةُ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيلَ: فَوْتٌ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: لَيْسَتْ فَوْتًا مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إنْ ظُنَّ فِيهَا فَوْتٌ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: [وَجَازَ إنْ فَاتَتْ بِحَوَالَةِ سُوقٍ وَنَحْوِهِ] : هُوَ تَغَيُّرُ الذَّاتِ وَلَيْسَ فِي الْإِمْضَاءِ حِينَئِذٍ تَتْمِيمٌ لِلْفَاسِدِ لِأَنَّ ذَاتَهَا عِوَضٌ عَمَّا لَزِمَهُ مِنْ الْقِيمَةِ وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ:

[هَدِيَّة المقترض لِمِنْ أقرضه]

قَوْلُهُ: [وَحَرُمَ هَدِيَّتُهُ] إلَخْ: قَالَ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْهَدِيَّةِ حَقِيقَتَهَا فَقَطْ، بَلْ كُلُّ مَا حَصَلَ بِهِ الِانْتِفَاعُ كَرُكُوبِ دَابَّةِ الْمُقْتَرِضِ وَالْأَكْلِ فِي بَيْتِهِ عَلَى طَرِيقِ الْإِكْرَامِ وَشُرْبِ قَهْوَتِهِ وَالتَّظَلُّلِ بِجِدَارِهِ (اهـ) . وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ فِي الْحَاشِيَةِ: جَوَازُ الشُّرْبِ وَالتَّظَلُّلِ وَالْأَكْلِ إنْ كَانَ لِأَجْلِ الْإِكْرَامِ لَا لِأَجْلِ الدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: [كَرَبِّ الْقِرَاضِ] إلَخْ: إنَّمَا حَرُمَ عَلَيْهِ إهْدَاؤُهُ لِلْعَامِلِ لِئَلَّا يُقْصَدَ بِذَلِكَ اسْتِدَامَةُ عَمَلِهِ، وَحُرْمَةُ هَدِيَّةِ الْعَامِلِ لِرَبِّ الْمَالِ وَلَوْ بَعْدَ شَغْلِ الْمَالِ أَمَّا قَبْلَ شَغْلِ الْمَالِ فَلَا خِلَافَ لِأَنَّ لِرَبِّ الْمَالِ أَخْذَهُ مِنْهُ فَيُتَّهَمُ أَنَّهُ إنَّمَا أَهْدَى لَهُ لِيَبْقَى الْمَالُ بِيَدِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ شَغْلِ الْمَالِ فَلِتَرَقُّبِهِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ مُعَامَلَتُهُ ثَانِيًا بَعْدَ نَضُوضِ الْمَالِ.

وَإِنَّمَا هِيَ لِمَحَبَّةٍ أَوْ اكْتِسَابِ جَاهٍ، وَفِي الْمِعْيَارِ سُئِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ رَجُلٍ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ أَوْ غَيْرُهُ ظُلْمًا فَبَذَلَ مَالًا لِمَنْ يَتَكَلَّمُ فِي خَلَاصِهِ بِجَاهِهِ أَوْ غَيْرِهِ، هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: نَعَمْ يَجُوزُ، صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَنَقَلَهُ عَنْ الْقَفَّالِ (اهـ) . (إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ) لِمَنْ أَهْدَى لِمَنْ ذُكِرَ هَدِيَّةً (مِثْلَهَا أَوْ يَحْدُثَ) لِمَنْ ذَكَرَ (مُوجِبٌ) يَقْتَضِي الْإِهْدَاءَ لَهُ عَادَةً، كَفَرَحٍ أَوْ مَوْتِ أَحَدٍ عِنْدَهُ أَوْ سَفَرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ.
(وَ) كَمَا تَحْرُمُ الْهَدِيَّةُ يَحْرُمُ (بَيْعُهُ مُسَامَحَةً) لِذَلِكَ لَا لِأَجْلِ وَجْهِ اللَّهِ أَوْ لِأَجْلِ أَمْرٍ اقْتَضَى ذَلِكَ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَفِي الْمِعْيَارِ سُئِلَ بَعْضُهُمْ] : أَيْ وَفِيهِ أَيْضًا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُورِيُّ عَنْ ثَمَنِ الْجَاهِ؟ فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي حُكْمِ ثَمَنِ الْجَاهِ فَمِنْ قَائِلٍ بِالتَّحْرِيمِ بِإِطْلَاقٍ، وَمِنْ قَائِلٍ بِالْكَرَاهَةِ بِإِطْلَاقٍ، وَمِنْ مُفَصِّلٍ فِيهِ، وَأَنَّهُ إنْ كَانَ ذُو الْجَاهِ يَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ وَتَعَبٍ وَسَفَرٍ وَأَخْذِ مِثْلِ أَجْرِ مِثْلِهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَإِلَّا حَرُمَ، وَفِي الْمِعْيَارِ أَيْضًا: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدُوسِيُّ عَمَّنْ يَحْرُسُ النَّاسَ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُخِيفَةِ وَيَأْخُذُ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ بِشُرُوطٍ: أَنْ يَكُونَ لَهُ جَاهٌ قَوِيٌّ بِحَيْثُ لَا يُتَجَاسَرُ عَلَيْهِ عَادَةً، وَأَنْ يَكُونَ سَيْرُهُ مَعَهُمْ بِقَصْدِ تَجْوِيزِهِمْ فَقَطْ لَا لِحَاجَةٍ لَهُ وَأَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ عَلَى أُجْرَةٍ مَعْلُومَةِ أَوْ يَدْخُلَ عَلَى الْمُسَامَحَةِ بِحَيْثُ يَرْضَى بِمَا يَدْفَعُونَهُ لَهُ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ، يَعْنِي الْأَخْذُ عَلَى الْجَاهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى خِلَافِ الْعُلَمَاءِ.
وَلَوْ جَاءَتْ مُغَرِّمَةً لِجَمَاعَةٍ وَقَدَرَ أَحَدُهُمْ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ، لَكِنَّ حِصَّتَهُ تَلْحَقُ غَيْرَهُ، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَوْ يُكْرَهُ أَوْ يَحْرُمُ؟ أَقْوَالٌ.
وَعُمِلَ فِيمَا يَأْخُذُهُ الْمُكَّاسُ مِنْ الْمَرْكَبِ أَوْ الْقَافِلَةِ مَثَلًا بِتَوْزِيعِهِ عَلَى الْجَمِيعِ لِأَنَّهُمْ نَجَوْا بِهِ.
قَوْلُهُ: [لِمَنْ ذَكَرَ] : أَيْ الَّذِي هُوَ الْمُقْرَضُ وَرَبُّ الْقِرَاضِ وَعَامِلُهُ وَالْقَاضِي وَذُو الْجَاهِ.
قَوْلُهُ: [بَيْعُهُ مُسَامَحَةً] : أَيْ بِغَبْنٍ.
وَأَمَّا بِغَيْرِ غَبْنٍ فَقِيلَ: يَجُوزُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَاسْتَظْهَرَ الْأَوَّلَ.

(وَفَسَدَ) الْقَرْضُ (إنْ جَرَّ نَفْعًا) لِلْمُقْرِضِ (كَعَيْنٍ) : أَيْ ذَاتٍ - ذَهَبًا وَفِضَّةً أَوْ غَيْرَهُمَا - (كُرِهَتْ إقَامَتُهَا) عِنْدَهُ لِأَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ إمَّا لِثِقَلِ حَمْلِهَا فِي سَفَرٍ أَوْ خَوْفٍ سَوَّسَهَا أَوْ قَدَّمَهَا أَوْ عَفَّنَهَا أَوْ تَغَيَّرَ ذَاتُهَا بِإِقَامَتِهَا عِنْدَهُ، فَيُسَلِّفُهَا لِيَأْخُذَ بَدَلَهَا فِي بَلَدٍ آخَرَ أَوْ جَدِيدًا أَوْ سَالِمًا، حَرُمَ وَيَرُدُّ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَفُتْ فَالْقِيمَةُ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْفَسَادِ.
(إلَّا لِضَرُورَةٍ) فَيَجُوزُ (كَعُمُومِ الْخَوْفِ) عَلَى الْمَالِ فِي الطُّرُقِ فَيَجُوزُ أَنْ يُسَلِّفَهُ لِمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُسْلَمُ مَعَهُ، وَكَذَا إنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى نَفْعِ الْمُقْتَرِضِ فَقَطْ، كَمَجَاعَةٍ أَوْ كَانَ بَيْعُ الْمُسَوَّسِ الْآنَ أَحَظَّ لِلْمُسَلِّفِ لِغَلَائِهِ وَرُخْصِ الْجَدِيدِ فِي إبَّانِهِ فَيَجُوزُ.

(وَمُلِكَ) الْقَرْضُ أَيْ يَمْلِكُهُ الْمُقْتَرِضُ (بِالْعَقْدِ) وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُقْتَرَضُ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ.
(وَلَا يَلْزَمُ) الْمُقْتَرِضَ (رَدُّهُ) لِرَبِّهِ

[حاشية الصاوي]

[فَسَادُ الْقَرْضُ إنْ جَرَّ نَفْعًا]

[تَنْبِيه قَرْض الشَّاة الْمَسْلُوخَة]

قَوْلُهُ: [إنْ جَرَّ نَفْعًا] : أَيْ وَلَوْ قَلِيلًا، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمِنْ ذَلِكَ فَرَّعَ مَالِكٌ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لِرَبِّ الدَّيْنِ: أَخِّرْ الدَّيْنَ وَأَنَا أُعْطِيك مَا تَحْتَاجُهُ، لِأَنَّ التَّأْخِيرَ سَلَفٌ.
نَعَمْ إنْ قَالَ لَهُ: أَخِّرْهُ وَأَنَا أَقْضِيه عَنْهُ جَازَ.
قَوْلُهُ: [إمَّا لِثِقَلِ حَمْلِهَا فِي سَفَرٍ] إلَخْ.
تَنْوِيعٌ لِمَا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: [كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْفَسَادِ] : أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي قَرْضِ الْأَمَةِ الَّتِي تَحِلُّ لِلْمُقْتَرِضِ أَنَّ فِي فَوَاتِهَا الْقِيمَةَ لِأَنَّ الْقَرْضَ الْمُتَّفَقَ عَلَى فَسَادِهِ كَالْبَيْعِ الْمُتَّفَقِ عَلَى فَسَادِهِ.
تَنْبِيهٌ مِنْ الْقَرْضِ الْفَاسِدِ قَرْضُ شَاةٍ مَسْلُوخَةٍ لِيَأْخُذَ عَنْهَا كُلَّ يَوْمٍ رِطْلَيْنِ مَثَلًا، وَدَفْعُ قَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ دَقِيقٍ أَوْ قَمْحٍ لِخَبَّازٍ لِيَأْخُذَ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرًا مُعَيَّنًا مِنْ الْخُبْزِ.
قَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ أَنْ يُسَلِّفَهُ] : بَلْ يَجِبُ؛ لِأَنَّ حِفْظَ الْمَالِ وَاجِبٌ بِأَيِّ وَجْهٍ تَيَسَّرَ حِفْظُهُ بِهِ.

[أثر القرض]

قَوْلُهُ: [أَيْ يَمْلِكُهُ الْمُقْتَرِضُ بِالْعَقْدِ] : أَيْ وَيَصِيرُ مَالًا مِنْ أَمْوَالِهِ يَقْضِي لَهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: [كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ] : أَيْ وَكُلِّ مَعْرُوفٍ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ وَلَكِنْ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِالْقَبْضِ وَالْحِيَازَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، فَإِنْ حَصَلَ مَانِعٌ لِلْمُتَصَدِّقِ أَوْ الْوَاهِبِ أَوْ فَاعِلِ الْمَعْرُوفِ بِغَيْرِ الْقَرْضِ قَبْلَ الْحَوْزِ بَطَلَ بِخِلَافِ الْقَرْضِ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحَوْزِ، فَلَوْ حَصَلَ لِلْمُقْرِضِ مَانِعٌ قَبْلَ الْحَوْزِ لَمْ يَبْطُلْ كَمَا يُفِيدُهُ بْن خِلَافًا

(إلَّا بِشَرْطٍ) عِنْدَ الْعَقْدِ لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ (أَوْ عَادَةٍ) فَيُعْمَلُ بِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطَا شَيْئًا وَلَا عَادَةً كَانَ كَالْعَارِيَّةِ الْمُنْتَفَى فِيهَا شَرْطُ الْأَجَلِ أَوْ الْعَادَةِ، فَيَبْقَى لِلْوَقْتِ الَّذِي يَقْتَضِي النَّظَرَ الْقَرْضُ بِمِثْلِهِ.
(كَأَخْذِهِ) : تَشْبِيهٌ فِي عَدَمِ اللُّزُومِ أَيْ كَمَا لَا يَلْزَمُ رَبُّهُ أَنْ يَأْخُذَهُ (بِغَيْرِ مَحَلِّهِ) : لِمَا فِيهِ مِنْ الْكُلْفَةِ عَلَيْهِ (إلَّا الْعَيْنَ) : أَيْ الذَّهَبَ أَوْ الْفِضَّةَ فَيَلْزَمُهُ أَخْذُهَا لِخِفَّتِهَا، وَيَلْحَقُ بِهَا الْجَوَاهِرُ الْخَفِيفَةُ.
وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ خَوْفٌ وَلَا كَبِيرُ حَمْلٍ فَلَا يَلْزَمُ الْأَخْذُ.
(وَرَدَّ) الْمُقْتَرِضُ عَلَى الْمُقْرِضِ (مِثْلَهُ) قَدْرًا وَصِفَةً (أَوْ) رَدَّ (عَيْنَهُ: إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ) فِي ذَاتِهِ عِنْدَهُ وَلَا يَضُرُّ بِغَيْرِ تَغَيُّرِ السُّوقِ، فَإِنْ تَغَيَّرَ تَعَيَّنَ رَدُّ مِثْلِهِ.
(وَجَازَ أَفْضَلُ) : أَيْ رَدُّ أَفْضَلَ مِمَّا اقْتَرَضَهُ صِفَةً، لِأَنَّهُ حُسْنُ قَضَاءٍ، إذَا كَانَ بِلَا شَرْطٍ، وَإِلَّا مُنِعَ الْأَفْضَلُ.
وَالْعَادَةُ كَالشَّرْطِ.
وَيَتَعَيَّنُ رَدُّ مِثْلِهِ.
(وَ) جَازَ فِي الْقَرْضِ (اشْتِرَاطُ رَهْنِ وَحَمِيلٍ) : أَيْ ضَامِنٌ لِلتَّوَثُّقِ بِذَلِكَ.

[حاشية الصاوي]

لِمَا فِي كَلَامِ التَّتَّائِيِّ مِنْ أَنَّ الْقَرْضَ كَغَيْرِهِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْحَوْزِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا بِشَرْطٍ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُقْتَرِضَ إذَا قَبَضَ الْقَرْضَ وَكَانَ لَهُ أَجَلٌ مَضْرُوبٌ أَوْ مُعْتَادٌ لَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ إلَّا إذَا انْقَضَى الْأَجَلُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَجَلٌ لَا يَلْزَمُ الْمُقْتَرِضَ رَدُّهُ إلَّا إذَا انْتَفَعَ بِهِ عَادَةً أَمْثَالُهُ.
قَوْلُهُ: [وَجَازَ أَفْضَلَ] : أَيْ بَلْ هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَحْسَنُ لِأَنَّهُ حُسْنُ قَضَاءٍ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسَلَّفَ بَكْرًا وَرَدَّ عَنْهُ رُبَاعِيًّا»

فَصْلٌ فِي الْمُقَاصَّةِ الْمُقَاصَّةُ أَيْ حَقِيقَتُهَا (مُتَارَكَةُ مَدِينَيْنِ) الْمُتَارَكَةُ مُفَاعَلَةٌ مَعْنَاهَا: التَّرْكُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ (بِمُتَمَاثِلَيْنِ) : أَيْ مَدِينَيْنِ بِدَيْنَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ قَدْرًا وَصِفَةً: كَعَشَرَةٍ مُحَمَّدِيَّةٍ وَعَشَرَةٍ مُحَمَّدِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ مُتَمَاثِلَيْنِ كَمَا يَأْتِي حَالَ كَوْنِهِمَا (عَلَيْهِمَا) : أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَى صَاحِبِهِ لَهُ (كُلُّ) : أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتْرُكُ (مَا) : أَيْ الدَّيْنَ الَّذِي (لَهُ) عَلَى صَاحِبِهِ (فِيمَا) : أَيْ فِي نَظِيرِ الدَّيْنِ الَّذِي (عَلَيْهِ) لِصَاحِبِهِ.
وَهَذَا إيضَاحٌ لِلْمُتَارَكَةِ.
ثُمَّ أَنَّ الدَّيْنَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَا عَيْنًا أَوْ طَعَامًا أَوْ عَرْضًا، وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ أَحَدِهِمَا مِنْ بَيْعٍ وَالثَّانِي مِنْ قَرْضٍ، فَهَذِهِ تِسْعُ صُوَرٍ وَفِي كُلٍّ مِنْهَا: إمَّا أَنْ يَكُونَا حَالَّيْنِ أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا حَالًّا وَالْآخَرُ مُؤَجَّلًا؛ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ صُورَةً.
وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَتَّفِقَا فِي النَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَالْقَدْرِ أَوْ يَخْتَلِفَا فِي وَاحِدٍ مِنْهَا؛ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ فِي السَّبْعَةِ وَالْعِشْرِينَ: بِمِائَةٍ وَثَمَانِ صُوَرٍ، أَشَارَ لَهَا وَلِحُكْمِهَا بِقَوْلِهِ:

[حاشية الصاوي]

[فَصْلٌ فِي الْمُقَاصَّةِ]

[تَعْرِيف الْمُقَاصَّة وَبَيَان صُوَرهَا]

فَصْلٌ إنَّمَا ذَكَرَ الْمُقَاصَّةَ عَقِبَ الْقَرْضِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى دَيْنِ الْقَرْضِ وَغَيْرِهِ.
وَأَصْلُ مُقَاصَّةٍ: مُقَاصَصَةٍ فَأَدْغَمَ وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِأَنَّ كُلًّا يُقَاصِصُ صَاحِبَهُ أَيْ يَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ: اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ.
قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرِ مُتَمَاثِلَيْنِ كَمَا يَأْتِي] : أَيْ فِي قَوْلِهِ أَوْ نَوْعًا إنْ حَلَّا؛ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " بِمُتَمَاثِلَيْنِ " فِي التَّعْرِيفِ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ عَرَفَةَ وَهُوَ مُعْتَرَضٌ بِأَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ، فَلِذَلِكَ عَمَّمَ الشَّارِحُ وَلَمْ يَلْتَفِتْ لِتَقْيِيدِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَى صَاحِبِهِ] : هَذَا التَّقْيِيدُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَتْرُوكِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَلَا يَضُرُّ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ تَبْقَى.
قَوْلُهُ: [بِمِائَةٍ وَثَمَانِ صُوَرٍ] : وَنَظَمَ ذَلِكَ سَيِّدِي الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ مَيَّارَةُ فَقَالَ:

(وَتَجُوزُ) الْمُقَاصَّةُ وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ: الْإِذْنُ فَيُصَدَّقُ بِالْوُجُوبِ؛ فَإِنَّهَا قَدْ تَجِبُ أَيْ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِهَا كَمَا إذَا كَانَا مُتَمَاثِلَيْنِ وَحَلَّ الْأَجَلُ أَوْ طَلَبَهَا أَحَدُهُمَا (فِي دَيْنَيْ الْعَيْنِ مُطْلَقًا) كَانَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ قَرْضٍ أَوْ أَحَدِهِمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ (إنْ اتَّحِدَا قَدْرًا وَصِفَةً) كَالْمِثَالِ الْمُتَقَدِّمُ وَسَوَاءٌ (حَلَّا) مَعًا (أَوْ) حَلَّ (أَحَدُهُمَا) وَالْآخَرُ مُؤَجَّلٌ (أَوْ لَا) بِأَنْ كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ مَعًا.
(أَوْ اخْتَلَفَا صِفَةً) : أَيْ جُودَةً وَرَدَاءَةً: كَمُحَمَّدِيَّةٍ وَيَزِيدِيَّةٍ.
(أَوْ) اخْتَلَفَا (نَوْعًا) كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ (إنْ حَلَّا) مَعًا فَيَجُوزُ إذْ هِيَ فِي اخْتِلَافِ الصِّفَةِ مُبَادَلَةً، وَفِي اخْتِلَافِ النَّوْعِ صَرْفٌ، وَلَا تَأْخِيرَ فِيهِمَا عِنْدَ حُلُولِهِمَا.
فَإِنْ كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ لِلتَّأْخِيرِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ، وَإِلَّا فَلَا؛ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ لِهَذَيْنِ أَيْضًا.
(أَوْ) اخْتَلَفَا (قَدْرًا) كَعَشَرَةٍ مُحَمَّدِيَّةٍ وَأَكْثَرَ مِنْهَا مِثْلَهَا أَوْ أَقَلَّ (وَهُمَا)

[حاشية الصاوي]

دَيْنُ الْمُقَاصَصَةِ لِعَيْنٍ يَنْقَسِمْ ... وَلِطَعَامٍ وَلِعَرْضٍ قَدْ عُلِمْ وَكُلُّهَا مِنْ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ وَرَدْ ... أَوْ مِنْ كِلَيْهِمَا فَذِي تِسْعٍ تُعَدْ فِي كُلِّهَا يَحْصُلُ الِاتِّفَاقُ فِي ... جِنْسٍ وَقَدْرِ صِفَةٍ فَلَتَقْتَفِي أَوْ كُلُّهَا مُخْتَلِفٌ فَهِيَ إذَنْ ... أَرْبَعُ حَالَاتٍ بِتِسْعٍ فَاضْرِبَنْ يَخْرُجُ سِتٌّ مَعَ ثَلَاثِينَ تُضَمُّ ... تَضْرِبُ فِي أَحْوَالِ آجَالٍ تَؤُمُّ حَلَّا مَعًا أَوْ وَاحِدٌ أَوْ لَا مَعَا ... جُمْلَتُهَا حَقٌّ كَمَا قِيلَ اسْمَعَا تَكْمِيلُ تَقْيِيدِ ابْنِ غَازٍ اخْتَصَرَا ... أَحْكَامَهَا فِي جَدْوَلٍ فَلْيُنْظَرَا قَوْلُهُ: [فَيُصَدَّقُ بِالْوُجُوبِ] : اعْتَرَضَهُ بْن بِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي حُرْمَةُ الْعُدُولِ عَنْهَا فِي صُوَرِ الْوُجُوبِ وَلَوْ تَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
بَلْ الْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ هُنَا الْقَضَاءُ بِهَا لِطَالِبِهَا، وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي الْقَضَاءَ بِهَا لِطَالِبِهَا فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.
قَوْلُهُ: [إنْ اتَّحَدَا قَدْرًا وَصِفَةً] : حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: أَنَّ دَيْنَيْ الْعَيْنِ إنْ اتَّحَدَا فِي الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ فِيهِ تِسْعُ صُوَرٍ كُلُّهَا جَائِزَةٌ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ أَوْ النَّوْعِ، فَفِي كُلٍّ تِسْعٌ أَيْضًا الْجَائِزُ مِنْ كُلٍّ ثَلَاثٌ وَالْمَمْنُوعُ مِنْ كُلٍّ سِتٌّ.
قَوْلُهُ: [أَوْ اخْتَلَفَا قَدْرًا] إلَخْ: مَنْطُوقُهُ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ جَائِزَةٌ مِنْ صُوَرٍ تِسْعٍ

مَعًا (مِنْ بَيْعٍ وَحَلَّا) مَعًا فَيَجُوزُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
(وَإِلَّا فَلَا) : رَاجِعٌ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَعْنَاهُ فِي هَذِهِ: وَأَلَّا يَكُونَا مِنْ بَيْعٍ بِأَنْ كَانَا مِنْ قَرْضٍ أَوْ أَحَدِهِمَا مُنِعَتْ الْمُقَاصَّةُ سَوَاءٌ حَلَّ الْأَجَلَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَمْ لَمْ يَحِلَّا؛ فَهَذِهِ سِتُّ صُوَرٍ يُسْتَثْنَى مِنْهَا وَاحِدَةٌ: وَهِيَ مَا إذَا حَلَّ الْأَجَلَانِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ وَكَانَ الْقَرْضُ هُوَ الْأَكْثَرَ، فَيَجُوزُ لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَنْ دَيْنِ بَيْعٍ أَكْثَرَ مِنْهُ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ.
وَكَذَا يَمْتَنِعُ إذَا كَانَا مِنْ بَيْعٍ وَلَمْ يَحِلَّا لِمَا فِيهِ مِنْ: حُطَّ الضَّمَانَ وَأَزِيدُك، أَوْ: ضَعْ وَتَعَجَّلْ فَتَأَمَّلْ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ: وَ " إلَّا فَلَا " بِالنِّسْبَةِ لِاخْتِلَافِ الصِّفَةِ فَقَطْ ثَلَاثَةُ صُوَرٍ وَهِيَ: مَا إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَقَطْ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ بَيْعٍ، أَوْ قَرْضٍ، أَوْ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْأَفْضَلِ يَجُوزُ، ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ.
وَيُفِيدُهُ قَوْلُنَا فِي الْقَرْضِ: " وَجَازَ بِأَفْضَلَ بِلَا شَرْطٍ ". (وَالطَّعَامَانِ مِنْ قَرْضٍ كَذَلِكَ) : فَيَجُوزُ فِيهِمَا الْمُقَاصَّةُ إنْ اتَّفَقَا صِفَةً وَقَدْرًا حَلَّا أَوْ أَحَدُهُمَا أَمْ لَا، أَوْ اخْتَلَفَا صِفَةً كَسَمْرَاءَ وَمَحْمُولَةً أَوْ نَوْعًا؛ كَقَمْحٍ وَفُولٍ إنْ حَلَّا مَعًا وَإِلَّا فَلَا كَأَنْ اخْتَلَفَا قَدْرًا.

[حاشية الصاوي]

فَالْبَاقِي ثَمَانٍ مِنْهَا سَبْعٌ مَمْنُوعَةٌ وَوَاحِدَةٌ جَائِزَةٌ، وَهِيَ مَا إذَا حَلَّ الْأَجَلَانِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ بَيْعٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ وَكَانَ الْقَرْضُ هُوَ الْأَكْثَرَ كَمَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا يَمْتَنِعُ إذَا كَانَا مِنْ بَيْعٍ وَلَمْ يَحِلَّا] : أَيْ مَعًا بِأَنْ أُجِّلَا مَعًا أَوْ حَلَّ أَحَدُهُمَا، فَهَاتَانِ صُورَتَانِ تَمَامُ السَّبْعِ الْمَمْنُوعَةِ.
قَوْلُهُ: [لِمَا فِيهِ مِنْ حَطِّ الضَّمَانِ وَأَزِيدُك] : أَيْ إذَا كَانَ الْمُعَجَّلُ أَكْثَرَ.
وَقَوْلُهُ: [أَوْ ضَعْ وَتَعَجَّلْ] : أَيْ إذَا كَانَ الْمُعَجَّلُ قَبْلَ الْأَجِلِ الْأَقَلِّ.
قَوْلُهُ: [وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِهِ وَإِلَّا فَلَا] : أَيْ مِنْ عُمُومِ الْمَنْعِ فِي الْمَفْهُومِ.
قَوْلُهُ: [ثَلَاثَةُ صُوَرٍ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ وَالْمُنَاسِبُ إسْقَاطُ التَّاءِ.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ مَا إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَقَطْ] : أَيْ بِأَنْ اخْتَلَفَا بِالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ، وَكَانَ الرَّدِيءُ مُؤَجَّلًا وَالْأَجْوَدُ حَالًّا فَالْقَضَاءُ بِهِ جَائِزٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَطًا.
قَوْلُهُ: [وَالطَّعَامَانِ مِنْ قَرْضٍ كَذَلِكَ] : أَفَادَ الشَّارِحُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ صُورَةً: ثَلَاثٌ فِي اتِّحَادِ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ، وَثَلَاثٌ فِي اخْتِلَافِ الصِّفَةِ، وَثَلَاثٌ فِي اخْتِلَافِ النَّوْعِ، وَثَلَاثٌ فِي اخْتِلَافِ الْقَدْرِ.
أَمَّا الثَّلَاثُ الْأُولَى فَجَائِزَةٌ.

(وَمُنِعَا) : أَيْ الطَّعَامَانِ: أَيْ الْمُقَاصَّةُ فِيهِمَا إذَا كَانَ مَعًا (مِنْ بَيْعٍ مُطْلَقًا) اتَّفَقَا أَوْ اخْتَلَفَا صِفَةً أَوْ نَوْعًا حَلَّا أَوْ أَحَدُهُمَا أَمْ لَا لِمَا فِيهِ مِنْ بَيْعِ طَعَامِ الْمُعَاوَضَةِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَيُزَادُ إذَا لَمْ يَحِلَّا بَيْعُ طَعَامِ بِطَعَامِ نَسِيئَةٍ (كَأَنْ اخْتَلَفَا مِنْ بَيْعٍ وَقَرْضٍ) فَتَمْتَنِعُ الْمُقَاصَّةُ فِيهِمَا (إنْ اخْتَلَفَا صِفَةً) : وَأَوْلَى نَوْعًا (أَوْ قَدْرًا أَوْ) اتَّفَقَا وَ (لَمْ يَحِلَّا، وَإِلَّا) إنْ حَلَّا مَعًا وَاتَّفَقَا كَإِرْدَبِّ سَمْرَاءَ وَمِثْلَهُ (جَازَتْ) وَهُوَ ظَاهِرٌ.
(وَتَجُوزُ فِي الْعَرْضَيْنِ) : الشَّامِلِ لِلْحَيَوَانِ كَثَوْبٍ وَثَوْبٍ أَوْ حِمَارٍ أَوْ عَبْدٍ وَفَرَسٍ (مُطْلَقًا) مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ حَلَّا أَوْ أَحَدُهُمَا أَمْ لَا (إنْ اتَّحَدَا نَوْعًا وَصِفَةً وَاخْتَلَفَا) فِي الصِّفَةِ أَوْ النَّوْعِ (وَحَلَّا) مَعًا (أَوْ) لَمْ يَحِلَّا

[حاشية الصاوي]

وَتَجُوزُ مِنْ الثَّلَاثِ الثَّانِيَةِ وَاحِدَةٌ وَالْأُخْرَى كَذَلِكَ.
وَالثَّلَاثُ الْأَخِيرَةُ مَمْنُوعَةٌ، وَمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ جَوَازُ الْأَفْضَلِ صِفَةً إنْ حَلَّ وَلَوْ كَانَ الْآخَرُ مُؤَجَّلًا.
قَوْلُهُ: [مِنْ بَيْعٍ مُطْلَقًا] : أَيْ فِي الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ صُورَةً.
قَوْلُهُ: [اتَّفَقَا] إلَخْ: بَيَانٌ لِلْإِطْلَاقِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ أَوْ قَدْرًا بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ نَوْعًا لِتَكْمُلَ الصُّوَرُ الِاثْنَتَا عَشْرَةَ وَعِلَّةُ الْمَنْعِ مَا قَالَ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [كَأَنْ اخْتَلَفَا مِنْ بَيْعٍ وَقَرْضٍ] : وَتَحْتَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً كُلُّهَا مَمْنُوعَةٌ إلَّا صُورَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ مَا إذَا اتَّفَقَا صِفَةً وَقَدْرًا وَحَلَّا مَعًا.
قَوْلُهُ: [الشَّامِلُ لِلْحَيَوَانِ] : أَيْ فَالْمُرَادُ بِالْعَرْضِ مَا قَابَلَ الْعَيْنَ وَالطَّعَامَ فَيَشْمَلُ الْحَيَوَانَ.
قَوْلُهُ: [مُطْلَقًا مِنْ بَيْعٍ] إلَخْ: تَحْتَهُ تِسْعُ صُوَرٍ أَفَادَهَا الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ اخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ أَوْ النَّوْعِ وَحَلَّا] إلَخْ: مَنْطُوقُهُ سِتُّ صُوَرٍ جَائِزَةٌ وَهِيَ أَنْ تَقُولَ: الْعَرْضَانِ، إمَّا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الصِّفَةِ أَوْ النَّوْعِ؛ فَهَذِهِ سِتٌّ مَعَ حُلُولِ الْأَجَلِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ اتَّفَقَ الْأَجَلَانِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا اخْتَلَفَا قَدْرًا الْمَنْعُ كَانَا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ حَلَّا أَوْ أُجِّلَا أَوْ حَلَّ أَحَدُهُمَا، فَهَذِهِ تِسْعٌ، يُضَمُّ لَهَا مَا إذَا اخْتَلَفَا صِفَةً أَوْ نَوْعًا وَحَلَّ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ أَوْ أُجِّلَا بِأَجَلٍ مُخْتَلِفٍ، وَفِي كُلٍّ: إمَّا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، فَهَذِهِ ثَنَتَا عَشْرَةً صُورَةً.
فَجُمْلَةُ الْمَمْنُوعِ فِي صُوَرِ الْعَرْضِ

وَ (اتَّفَقَا أَجَلًا) لَا إنْ اخْتَلَفَ أَجَلُهُمَا.
هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الدَّيْنَانِ عَيْنَيْنِ أَوْ طَعَامَيْنِ أَوْ عَرْضَيْنِ، فَإِنْ اخْتَلَفَا كَعَيْنٍ فِي ذِمَّةٍ وَعَرْضٍ أَوْ طَعَامٍ فِي أُخْرَى، أَوْ عَرْضٍ فِي ذِمَّةٍ وَطَعَامٍ فِي أُخْرَى؛ وَالصُّوَرُ الثَّلَاثُ: إمَّا مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، وَهَذِهِ التِّسْعَةُ تُضْرَبُ فِي أَحْوَالِ الْأَجَلِ الثَّلَاثِ: بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ، كُلُّهَا جَائِزَةٌ.
وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ بَابِ الْبَيْعِ لَا الْمُقَاصَّةِ، إلَّا إذَا كَانَ أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ طَعَامًا مِنْ بَيْعٍ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَلَا تَجُوزُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

[حاشية الصاوي]

إحْدَى وَعِشْرُونَ.
وَقَدْ تَمَّتْ صُوَرُ الْمُقَاصَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الشَّارِحِ أَوَّلَ الْبَابِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ اخْتَلَفَا كَعَيْنٍ فِي ذِمَّةٍ] إلَخْ: شُرُوعٌ مِنْهُ فِي صُوَرٍ أُخْرَى غَيْرِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ صُوَرِ الْمُقَاصَّةِ مِائَةً وَخَمْسَةً وَثَلَاثِينَ صُورَةً.

بَابٌ فِي الرَّهْنِ وَأَحْكَامِهِ (الرَّهْنُ) شَيْءٌ (مُتَمَوَّلٌ) : أَيْ مِنْ الْأَمْوَالِ كَانَتْ عَيْنًا أَوْ عَرْضًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُمَا كَمَنْفَعَةٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي (أُخِذَ) مِنْ مَالِكِهِ؛ وَالْمُرَادُ: يُؤْخَذُ مِنْهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْأَخْذُ بِالْفِعْلِ، لِأَنَّ قَبْضَهُ بِالْفِعْلِ لَيْسَ شَرْطًا فِي انْعِقَادِهِ وَلَا فِي صِحَّتِهِ وَلَا لُزُومِهِ بَلْ يَنْعَقِدُ وَيَلْزَمُ بِالصِّفَةِ، ثُمَّ يَطْلُبُ الْمُرْتَهِنُ أَخْذَهُ

[حاشية الصاوي]

[بَابٌ فِي الرَّهْنِ وَأَحْكَامِهِ]

بَابٌ لَمَّا كَانَ الرَّهْنُ يَتَسَبَّبُ عَنْ الدَّيْنِ مِنْ قَرْضٍ تَارَةً وَمِنْ بَيْعٍ أُخْرَى، وَأَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الدِّينَيْنِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مِنْ مُقَاصَّةِ عَقْدِ الْكَلَامِ عَلَى مَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُمَا مِنْ رَهْنٍ وَنَحْوِهِ، وَالرَّهْنُ لُغَةً: اللُّزُومُ وَالْحَبْسُ وَكُلُّ مُلْزَمٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38] : أَيْ مَحْبُوسَةٌ.
وَالرَّاهِنُ: دَافِعُهُ وَالْمُرْتَهِنُ بِالْكَسْرِ: آخِذُهُ.
وَيُقَالُ مُرْتَهَنٌ بِالْفَتْحِ لِأَنَّهُ وُضِعَ عِنْدَهُ الرَّهْنُ.
وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الرَّاهِنِ لِأَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ؛ وَاصْطِلَاحًا مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ عَرَّفَهُ بِالْمَعْنَى الِاسْمِيِّ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِعْمَالِ الْكَثِيرِ تَبَعًا لِابْنِ عَرَفَةَ، وَأَمَّا الشَّيْخُ خَلِيلٌ فَقَدْ عَرَّفَهُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ بِقَوْلِهِ: الرَّهْنُ بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ مَا يُبَاعُ إلَخْ.
وَالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ هُوَ الَّذِي تُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَرْكَانُ كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْحِ.
وَالْمُرَادُ بِالرَّهْنِ: حَقِيقَتُهُ وَتَعْرِيفُهُ، وَالْمُرَادُ بِأَحْكَامِهِ: مَسَائِلُهُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرُهُمَا] : هَكَذَا فِي نُسْخَةِ الْأَصْلِ بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ وَالْمُنَاسِبُ غَيْرُهَا، لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ لَا اثْنَانِ.
قَوْلُهُ: [كَمَنْفَعَةٍ] : أَيْ كَرَهْنِ الدَّارِ الْمُحْبَسَةِ عَلَى مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [أَخَذَ] : أَيْ حَصَلَ التَّعَاقُدُ عَلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ وَالْمُرَادُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: [وَلَا فِي صِحَّتِهِ وَلَا لُزُومِهِ] : عَطَفَهُ عَلَى انْعِقَادٍ مِنْ عَطْفِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ.
قَوْلُهُ: [بَلْ يَنْعَقِدُ وَيَلْزَمُ] : أَيْ وَيَصِحُّ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الِانْعِقَادِ الصِّحَّةُ وَاللُّزُومُ.

إذْ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ (تَوَثُّقًا بِهِ) : أَيْ الْمُتَمَوَّلُ (فِي دَيْنٍ لَازِمٍ) : مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ (أَوْ) دَيْنٍ (صَائِرٍ إلَى اللُّزُومِ) : كَأَخْذِ رَهْنٍ مِنْ صَانِعٍ أَوْ مُسْتَعِيرٍ خَوْفًا مِنْ ادِّعَاءِ ضَيَاعٍ، فَيَكُونُ الرَّهْنُ فِي الْقِيمَةِ وَسَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: " وَعَلَى مَا يَلْزَمُ " إلَخْ.
وَاعْلَمْ: أَنَّهُ كَمَا يُطْلَقُ الرَّهْنُ عَلَى الشَّيْءِ الْمَبْذُولِ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْعَقْدِ، وَعَلَيْهِ عَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: عَقْدٌ لَازِمٌ لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ، قُصِدَ بِهِ التَّوَثُّقُ فِي الْحُقُوقِ (اهـ) وَهُوَ الَّذِي تُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَرْكَانُ، فَقَوْلُنَا: (وَرُكْنُهُ) : أَيْ أَرْكَانُهُ - بِاعْتِبَارِ إطْلَاقِهِ عَلَى الْعَقْدِ فَيَكُونُ فِيهِ اسْتِخْدَامٌ - وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: (عَاقِدٌ) مِنْ رَاهِنٍ وَمُرْتَهِنٍ.
(وَمَرْهُونٌ) وَهُوَ الْمَالُ الْمَبْذُولُ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [إذْ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ] : لِأَنَّهُ لَوْ طَرَأَ لَهُ مَانِعٌ قَبْلَ أَخْذِهِ لَكَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ.
قَوْلُهُ: [تَوَثَّقَا بِهِ] : أَخْرَجَ بِهَذَا الْقَيْدِ الْوَدِيعَةَ وَالْمَصْنُوعَ عِنْدَ صَانِعِهِ وَقَبَضَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ عَبْدٌ جَنَى عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ دَيْنٌ صَائِرٌ إلَى اللُّزُومِ] : أَيْ وَلِذَا صَحَّ فِي الْجُعْلِ وَلَمْ يَصِحَّ فِي كِتَابِهِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [فَيَكُونُ الرَّهْنُ فِي الْقِيمَةِ] : أَيْ وَيَكُونُ لَهُ حَبْسُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ مَنَافِعِهِ.
قَوْلُهُ: [لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ] : أَيْ بَلْ الرَّهْنُ بَاقٍ عَلَى مَالِك الرَّاهِنِ وَلِذَلِكَ كَانَتْ غَلَّتُهُ لَهُ وَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [فَيَكُونُ فِيهِ اسْتِخْدَامٌ] : أَيْ لِكَوْنِهِ ذَكَرَ الرَّهْنَ أَوَّلًا بِالْمَعْنَى الِاسْمِيِّ الَّذِي هُوَ الشَّيْءُ الْمُتَمَوَّلُ وَأَعَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرَ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ الَّذِي هُوَ الْعَقْدُ اللَّازِمُ.
قَوْلُهُ: [وَهِيَ أَرْبَعَةٌ] : أَيْ إجْمَالًا، وَأَمَّا تَفْصِيلًا فَخَمْسَةٌ لِأَنَّ الْعَاقِدَ تَحْتَهُ شَيْئَانِ.
قَوْلُهُ: [عَاقِدٌ] : هُوَ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ وَرُكْنُهُ.
وَقَوْلُهُ: [وَهِيَ أَرْبَعَةٌ] : جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ قُصِدَ بِهَا بَيَانُ عِدَّةِ الْأَرْكَانِ.

(وَمَرْهُونٌ بِهِ) : أَيْ فِيهِ وَهُوَ الدَّيْنُ الْمَذْكُورُ.
(وَصِيغَةٌ كَالْبَيْعِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكْفِي مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ.
لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ اللَّفْظِ الصَّرِيحِ.

(وَلَوْ) كَانَ الْمُتَمَوَّلُ مُلْتَبِسًا (بِغَرَرٍ كَآبِقٍ وَثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا) فَإِنَّهُ يَصِحُّ رَهْنُهُ لِجَوَازِ تَرْكِ الرَّهْنِ مِنْ أَصْلِهِ، فَشَيْءٌ يُتَوَثَّقُ بِهِ خَيْرٌ مِنْ عَدَمِهِ.
وَالْمُرَادُ: غَرَرٌ خَفِيفٌ، فَإِنْ اشْتَدَّ فَلَا يَصِحُّ رَهْنُهُ؛ كَالْجَنِينِ كَمَا سَيَأْتِي،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَيْ فِيهِ] : جَعَلَ الْبَاءَ بِمَعْنَى فِي الظَّرْفِيَّةِ وَيَصِحُّ جَعْلُ الْبَاءِ سَبَبِيَّةً.
قَوْلُهُ: [وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ اللَّفْظِ الصَّرِيحِ] : ابْنُ عَرَفَةَ.
الْخِلَافُ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ: هَلْ يَفْتَقِرُ الرَّهْنُ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ أَمْ لَا؟ وَلَوْ دَفَعَ رَجُلٌ إلَى آخَرَ سِلْعَةً وَلَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ: أَمْسِكْهَا حَتَّى أَدْفَعَ لَك حَقَّك، كَانَ رَهْنًا عِنْدَ أَشْهَبَ لِابْنِ الْقَاسِمِ (اهـ) أَيْ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا يَخْتَصُّ الْمُرْتَهِنُ بِالرَّهْنِ بَلْ يَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ وَلَوْ حَازَهُ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ.

[رَهْن مَا الْتَبَسَ بِغَرَرِ]

قَوْلُهُ: [مُتَلَبِّسًا بِغَرَرٍ] : أَيْ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ وُجُودُهُ وَقْتَ الرَّهْنِ وَعَدَمُهُ وَعَلَى فَرْضِ وُجُودِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقْبِضَ وَأَلَّا يَقْبِضَ.
قَوْلُهُ: [وَثَمَرَةٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا] : مِثْلُهَا الزَّرْعُ بَلْ يَجُوزُ رَهْنُ مَا ذَكَرَ وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ كَمَا عَزَاهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِظَاهِرِ الرِّوَايَاتِ.
وَحَيْثُ قُلْتُمْ بِجَوَازِ ذَلِكَ حَصَلَ عَقْدُ الرَّهْنِيَّةِ عَلَيْهِ اُنْتُظِرَ بَدْوُ صَلَاحِهِ لِيُبَاعَ فِي الدَّيْنِ وَيُحَاصِصُ مُرْتَهِنُهُ مَعَ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ حَيْثُ حَصَلَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ.
فَإِذَا صَلُحَ الرَّهْنُ بِيعَ، فَإِنْ وَفَّى رَدَّ لِلْغُرَمَاءِ مَا أَخَذَهُ فِي الْمُحَاصَّةِ، وَإِلَّا يَفِ الرَّهْنُ بِدَيْنِهِ قُدِّرَ مُحَاصًّا لِلْغُرَمَاءِ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ دَيْنِهِ بَعْدَ اخْتِصَاصِهِ بِمَا أَخَذَهُ مِنْ الثَّمَنِ لَا بِالْجَمِيعِ؛ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثُمِائَةِ دِينَارٍ لِثَلَاثَةِ أَنْفَارٍ وَرَهَنَ لِأَحَدِهِمْ مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَفَلِسَ أَوْ مَاتَ فَوُجِدَ عِنْدَ الرَّاهِنِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِينَارًا، فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ يَتَحَاصُّونَ فِيهَا فَيَأْخُذُ كُلَّ خَمْسِينَ نِصْفُ دَيْنِهِ.
وَإِنَّمَا دَخَلَ الْمُرْتَهِنُ مَعَهُمْ لِأَنَّ دَيْنَهُ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ لَا بِعَيْنِ الرَّهْنِ وَالرَّهْنُ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ الْآنَ وَإِذَا حَلَّ بَيْعُهُ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ بِيعَ وَاخْتَصَّ الْمُرْتَهِنُ بِالثَّمَنِ، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مِائَةً رَدَّ الْخَمْسِينَ الَّتِي كَانَ أَخَذَهَا، وَكَذَا مَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ إنْ بِيعَتْ بِأَكْثَرَ لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهَا.
وَإِنْ بِيعَتْ بِأَقَلَّ كَخَمْسِينَ اخْتَصَّ بِهَا وَقُدِّرَ مُحَاصًّا

ثُمَّ إنْ حَازَ الْمُرْتَهِنُ الْآبِقُ وَنَحْوُهُ قَبْلَ الْمَانِعِ تَمَّ الرَّهْنُ وَاخْتَصَّ بِهِ، وَإِلَّا كَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ.
(أَوْ) كَانَ (كِتَابَةَ مُكَاتَبٍ) فَيَصِحُّ رَهْنُهَا (وَخِدْمَةَ مُدَبَّرٍ) مِثْلُهُ الْمُعْتَقُ لِأَجَلٍ وَوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ فَيَصِحُّ رَهْنُهَا (وَاسْتُوْفِيَ) الدَّيْنُ (مِنْهُمَا) : أَيْ مِنْ الْكِتَابَةِ وَالْخِدْمَةِ (فَإِنْ رَقَّ) الْمُكَاتَبُ بِأَنْ عَجَزَ

[حاشية الصاوي]

بِالْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةِ لَهُ مِنْ دَيْنِهِ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ إلَّا ثَلَاثُونَ وَثَمَنُ الثَّمَرَةِ يَجْتَمِعُ لَهُ ثَمَانُونَ وَيَرُدُّ لِصَاحِبَيْهِ عِشْرِينَ لِكُلِّ عَشَرَةٍ مِنْ الْخَمْسِينَ فَيَصِيرُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا سِتُّونَ كَذَا فِي الْأَصْلِ.
قَوْلُ: [ثُمَّ إنْ حَازَ الْمُرْتَهِنُ الْآبِقُ وَنَحْوُهُ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا لَوْ أَبِقَ بَعْدَ الْحِيَازَةِ فَفِي الْخَرَشِيِّ وَ (عب) : يَسْتَوِي الْغُرَمَاءُ فِيهِ وَهُوَ آبِقٌ.
وَرَدَّهُ بْن بِأَنَّهُ مَتَى حِيزَ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنْهُ إلَّا رُجُوعُهُ لِسَيِّدِهِ مَعَ عِلْمِ الْمُرْتَهِنِ وَسُكُوتِهِ.
قَوْلُهُ: [فَيَصِحُّ رَهْنُهَا] : أَيْ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ رَهْنِ الْمُكَاتَبِ.
قَوْلُهُ: [وَوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ] : الْمُرَادُ بِهِ الْوَلَدُ الَّذِي يَحْدُثُ مِنْ الْجَارِيَةِ مِنْ زِنًا أَوْ زَوَاجٍ بَعْدَ أَنْ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا.
قَوْلُهُ: [أَيْ مِنْ الْكِتَابَةِ وَالْخِدْمَةِ] : أَيْ مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ فِي الْمُكَاتَبِ وَثَمَنِ الْخِدْمَةِ فِي الْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتَقِ لِأَجْلٍ وَوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا لَمْ يَدْفَعْ لَهُ الرَّاهِنُ دَيْنَهُ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ رَقَّ الْمُكَاتَبُ] : حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا رَهَنَ السَّيِّدُ خِدْمَةَ الْمُدَبَّرِ فَمَاتَ السَّيِّدُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ سَابِقٌ عَلَى التَّدْبِيرِ أَوْ لَاحِقٌ وَرَقَّ الْمُدَبَّرُ أَوْ جُزْءٌ مِنْهُ، فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ يَسْتَوْفِي دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِ ذَلِكَ الْجُزْءِ الَّذِي رَقَّ، كَمَا أَنَّهُ إذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ اُسْتُوْفِيَ مِنْ رَقَبَتِهِ.
وَأَمَّا رَهْنُ رَقَبَةِ الْمُدَبَّرِ لِيُبَاعَ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ فَلَا يَجُوزُ حَيْثُ تَأَخَّرَ الدَّيْنُ عَنْ التَّدْبِيرِ، بِخِلَافِ دَيْنٍ تَقَدَّمَ أَوْ عَلَى أَنْ يُبَاعَ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ فَيَصِحُّ رَهْنُهُ.
وَاخْتُلِفَ إذَا رَهَنَ رَقَبَةَ الْمُدَبَّرِ لِيُبَاعَ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ فِي دَيْنٍ مُتَأَخِّرٍ، هَلْ يَبْطُلُ الرَّهْنُ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ يَنْتَقِلُ لِخِدْمَتِهِ؟ قَوْلَانِ، الرَّاجِحُ الْأَوَّلُ.
كَظُهُورِ حَبْسِ دَارٍ رُهِنَتْ رَقَبَتُهَا عَلَى أَنَّهَا مِلْكٌ لِرَاهِنِهَا وَثَبَتَ حَبْسُهَا عَلَيْهِ، فَهَلْ يَنْتَقِلُ الرَّاهِنُ لِمَنْفَعَتِهَا لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ كَجُزْءٍ مِنْهَا؟ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ الرَّاجِحُ، أَوْ يَبْطُلُ الرَّهْنُ وَلَا يَعُودُ لِمَنْفَعَتِهَا؟ وَأَمَّا إنْ ظَهَرَتْ حَبْسًا عَلَى غَيْرِ الرَّاهِنِ أَوْ انْتَقَلَ الْحَقُّ لِغَيْرِهِ بِمَوْتٍ أَوْ بِانْقِضَاءِ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ شَرَطَهَا لَهُ الْوَاقِفُ فَلَا يَنْتَقِلُ الرَّهْنُ لِمَنْفَعَتِهَا قَطْعًا.
هَذَا مُلَخَّصُ مَا فِي الْأَصْلِ.

أَوْ الْمُدَبَّرُ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ أَوْ رَقَّ جُزْءٌ مِنْهُ (فَمِنْهُ) : يُسْتَوْفَى: أَيْ مِنْ رَقَبَتِهِ بِأَنْ يُبَاعَ.
(أَوْ) كَانَ (غَلَّةً نَحْوَ دَارٍ) : كَحَانُوتٍ وَدَابَّةٍ وَيُسْتَوْفَى مِنْهَا (أَوْ) كَانَ (جُزْءًا مُشَاعًا) فِي دَارٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَصِحُّ رَهْنُهُ.
(وَحَازَ) الْمُرْتَهِنُ (الْجَمِيعَ) : أَيْ جَمِيعَ الْمُشَاعِ مَا رُهِنَ وَمَا لَمْ يُرْهَنْ بِالْقَضَاءِ لِيَتِمَّ الرَّهْنُ وَإِلَّا لَجَالَتْ يَدُ الرَّاهِنِ فِيهِ مَعَ الْمُرْتَهِنِ فَيَبْطُلُ الرَّهْنُ وَهَذَا (إنْ كَانَ) الْجُزْءُ (الْبَاقِي لِلرَّاهِنِ) ، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ كَفَى حَوْزُ الْجُزْءِ الْمَرْهُونِ مِنْ ذَلِكَ الْمُشَاعِ، لِأَنَّ جَوَلَانَ يَدِ غَيْرِ الرَّاهِنِ لَا يَضُرُّ فِي الْحَوْزِ.
(وَلَهُ) : أَيْ لِلرَّاهِنِ الَّذِي رَهَنَ الْجُزْءَ الْمُشَاعَ وَكَانَ الْبَاقِي لِغَيْرِهِ (اسْتِئْجَارُ جُزْءِ شَرِيكِهِ) وَلَكِنْ لَا يُمَكَّنُ مِنْ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ (وَيَقْبِضُهُ) : أَيْ يَقْبِضُ أَجْرَتَهُ (الْمُرْتَهِن) لِئَلَّا يَبْطُلَ حَوْزُهُ بِجَوَلَانِ يَدِهِ عَلَيْهِ (لَهُ) : أَيْ لِلرَّاهِنِ الْمُسْتَأْجَرِ لِجُزْءِ شَرِيكِهِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ الْمُدَبَّرُ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ] : أَيْ بِأَنْ لَمْ يُحَمِّلْهُ الثُّلُثَ.
وَقَوْلُهُ: [أَوْ رَقَّ جُزْءٌ مِنْهُ] : أَيْ بِأَنْ حَمَلَ الثُّلُثَ بَعْضُهُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ كَانَ جُزْءًا مُشَاعًا] : أَيْ فَيَصِحُّ رَهْنُ الْجُزْءِ الْمُشَاعِ كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْمُشَاعِ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا وَقْفُهُ كَالْحَنَفِيَّةِ.
وَلَا يَلْزَمُ الرَّاهِنَ لِلْجُزْءِ الْمُشَاعِ اسْتِئْذَانٌ شَرِيكِهِ إذَا لَا ضَرَرَ عَلَى الشَّرِيكِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الرَّهْنِ بِحِصَّتِهِ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَشْهُورُ، نَعَمْ يُنْدَبُ الِاسْتِئْذَانُ لِمَا فِيهِ مِنْ جَبْرِ الْخَوَاطِرِ فَلِلشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يَرْهَنْ أَنْ يُقَسِّمَ وَيَبِيعَ وَيُسَلِّمَ لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ يُقْبِضَ أُجْرَتَهُ الْمُرْتَهِنَ] : أَيْ وَيُسَلِّمُهَا لَهُ وَكَذَا يُؤَاجِرُ لَهُ الْجُزْءَ الْمُرْتَهَنَ وَلَا يُؤَاجِرُهُ هُوَ فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْجَوَلَانِ.
تَنْبِيهٌ لَوْ رَهَنَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّتَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَأَمِنَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ الشَّرِيكَ الْآخَرَ فَرَهَنَ الشَّرِيكُ الْأَمِينُ حِصَّتَهُ لِلْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ وَأَمِنَ الْأَمِينُ وَالْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ الْأَوَّلَ عَلَى هَذِهِ الْحِصَّةِ الثَّانِيَةِ، بَطَلَ حَوْزُهُمَا لِلْحِصَّتَيْنِ مَعًا لِجَوَلَانِ يَدِ الرَّاهِنِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا رَهَنَهُ، لِأَنَّهُ أَمِينٌ عَلَى حِصَّةِ شَرِيكِهِ الرَّاهِنِ الثَّانِي وَهِيَ شَائِعَةٌ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ حِصَّتَهُ تَحْتَ يَدِهِ وَالثَّانِي يَدُهُ جَائِلَةٌ أَوَّلًا عَلَى حِصَّةِ شَرِيكِهِ لِاسْتِئْمَانِ الْأَوَّلِ، فَلَوْ جَعَلَ حِصَّةَ الثَّانِي تَحْتَ يَدِ أَجْنَبِيٍّ بَطَلَ رَهْنُ الثَّانِي فَقَطْ.

(وَجَازَ) لِلرَّاهِنِ (رَهْنُ فَضْلَتِهِ) : أَيْ الْجُزْءُ الْبَاقِي مِنْ الْمُشَاعِ فِي دَيْنٍ آخَرَ (بِرِضَا) الْمُرْتَهِنِ (الْأَوَّلِ) لَا بِغَيْرِ رِضَاهُ (وَحَازَهُ) الْأَوَّلُ (لَهُ) : أَيْ لِلثَّانِي فَيَكُونُ أَمِينًا فِيهِ.
(وَ) لِذَا (لَا يَضْمَنُهُ) إنْ ضَاعَ مِنْهُ: أَيْ ادَّعَى ضَيَاعَ الرَّهْنِ بِلَا بَيِّنَةٍ وَلَا تَفْرِيطٍ، وَهُوَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا مَا يَخُصُّهُ.
(فَإِنْ حَلَّ أَحَدُهُمَا) : أَيْ الدَّيْنَيْنِ (أَوَّلًا) قَبْلَ الْآخَرِ (قُسِّمَ) الرَّهْنُ وَأُعْطِيَ لِمَنْ حَلَّ دَيْنُهُ مَنَابَهُ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ إذَا لَمْ يُوَفِّهِ الْمَدِينُ دَيْنَهُ (إنْ أَمْكَنَ) قَسَمُهُ (بِلَا ضَرَرٍ، وَإِلَّا) يُمْكِنُ أَوْ يُمْكِنُ بِضَرَرٍ (بِيعَ) الرَّهْنُ جَمِيعُهُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِرِضَا الْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ] : وَيَلْزَمُ مِنْ رِضَاهُ عِلْمُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِ وَرِضَاهُ.
وَهَذَا إذَا رَهَنَ الْفَضْلَةَ لِغَيْرِ الْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ، أَمَّا لَوْ رَهَنَهَا لَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَجَلُ الدَّيْنِ الثَّانِي مُسَاوِيًا لِلْأَوَّلِ لَا أَقَلَّ وَلَا أَكْثَرَ، وَإِلَّا مُنِعَ؛ لِأَنَّهُ إذْ كَانَ أَجَلُ الثَّانِي أَبْعَدَ مِنْ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ يُبَاعُ الرَّهْنُ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِ الْأَوَّلِ وَيَقْضِي الدَّيْنَانِ فَيَتَعَجَّلُ الدَّيْنَ الثَّانِي قَبْلَ أَجَلِهِ وَهُوَ سَلَفٌ، وَإِنْ كَانَ أَجَلُ الثَّانِي أَقْرَبَ مِنْ الْأَجَلِ الْأَوَّلِ يُبَاعُ الرَّهْنُ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِ الثَّانِي وَيُقْضَى الدَّيْنَانِ فَيُعَجَّلُ الدَّيْنُ الْأَوَّلُ قَبْلَ أَجَلِهِ وَهُوَ سَلَفٌ.
فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ الْأَوَّلُ مِنْ بَيْعٍ لَزِمَ اجْتِمَاعُ بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَرْضٍ لَزِمَ: أَسْلِفْنِي وَأُسْلِفُك، فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْفَضْلَةَ إمَّا أَنْ تُرْهَنَ لِلْأَوَّلِ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ رُهِنَتْ لِلْأَوَّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَسَاوِي الدَّيْنَيْنِ أَجَلًا، وَإِنْ رُهِنَتْ لِغَيْرِهِ جَازَ مُطْلَقًا، تَسَاوَى الْأَجَلَانِ أَمْ لَا، بِشَرْطِ عِلْمِ الْحَائِزِ لَهَا وَرِضَاهُ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمُرْتَهِنَ الْأَوَّلَ أَوْ أَمِينَ غَيْرِهِ.
وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ رِضَا الْحَائِزِ كَانَ هُوَ الْمُرْتَهِنُ أَوْ غَيْرُهُ لِأَجْلِ أَنْ يَصِيرَ حَائِزًا لِلثَّانِي.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ إلَّا مَا يَخُصُّهُ] : أَيْ كَحَالِهِ قَبْلَ الرَّهْنِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ حَلَّ أَحَدُهُمَا] إلَخْ: لَمْ يَتَعَرَّضْ لِحُكْمِ مَا إذَا تَسَاوَى الدَّيْنَانِ فِي الْأَجَلِ لِوُضُوحِهِ.
قَوْلُهُ: [وَأَعْطَى لِمَنْ حَلَّ دَيْنُهُ مَنَابَهُ] : أَيْ وَيُدْفَعُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ قَدْرَ مَا يَنُوبُهُ يَبْقَى رَهْنًا عِنْدَهُ.

(وَقُضِيَا) : أَيْ الدَّيْنَانِ مَعًا.

(وَ) جَازَ رَهْنُ (أُمٍّ دُونَ) رَهْنِ (وَلَدِهَا) الصَّغِيرِ مَعَهَا (وَعَكْسُهُ) : إذْ لَيْسَ فِي الرَّهْنِ انْتِقَالُ مِلْكٍ (وَحَازَهُمَا) فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (الْمُرْتَهِنُ) لِعَدَمِ جَوَازِ التَّفْرِيقِ.

(وَ) جَازَ رَهْنُ شَيْءٍ (مُسْتَأْجَرٍ) لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ.
(وَ) رَهْنُ حَائِطٍ (مَسَاقِي) لِلْعَامِلِ (وَحَوْزُهُمَا الْأَوَّلُ كَافٍ) : عَنْ حَوْزَتَانِ لِلرَّهْنِ، وَكَذَا يَجُوزُ رَهْنُهُمَا عِنْدَ غَيْرِهِمَا إنْ جَعَلَ الْمُرْتَهِنُ مَعَ الْعَامِلِ أَمِينًا، أَوْ يَجْعَلَانِهِ مَعًا تَحْتَ أَمِينٍ وَيَجْعَلُ الْمُرْتَهِنُ يَدَهُ مَعَ الْأَجِيرِ أَوْ أَمِينًا مَعَهُ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَقُضِيَا] : وَصِفَةُ الْقَضَاءِ أَنْ يَقْضِيَ الدَّيْنَ الْأَوَّلَ كُلَّهُ أَوَّلًا لِتَقَدُّمِ الْحَقِّ ثُمَّ مَا بَقِيَ لِلثَّانِي.

قَوْلُهُ: [وَجَازَ رَهْنُ أُمٍّ دُونَ رَهْنِ وَلَدِهَا] : أَيْ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الرَّهْنِ بَيْعُهَا دُونَ وَلَدِهَا فَإِنْ اُحْتِيجَ لِلْبَيْعِ بِيعَتْ مَعَ وَلَدِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِي الرَّهْنِيَّةِ، لَكِنْ مَثَّلَ فِي الْمَجْمُوعِ لِلرَّهْنِ الْفَاسِدِ بِقَوْلِهِ: وَلَيْسَ الْوَلَدُ رَهْنًا مَعَ أُمِّهِ، فَانْظُرْهُ مَعَهَا - قَالَهُ الشَّيْخُ.
قَوْلُهُ: [وَحَازَهُمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمُرْتَهِنُ] : وَكَفَى الْحَوْزُ هُنَا لِكَوْنِهِمَا فِي مِلْكِ وَاحِدٍ وَهُوَ الرَّاهِنُ.

قَوْلُهُ: [وَجَازَ رَهْنُ شَيْءٍ مُسْتَأْجَرٍ] إلَخْ: أَيْ فَإِذَا اسْتَأْجَرَ زَيْدٌ دَارًا مِنْ رَبِّهَا شَهْرًا مَثَلًا جَازَ لِرَبِّهَا إذَا تَدَايَنَ مِنْ زَيْدٍ دَيْنًا أَنْ يُرْهِنَهُ تِلْكَ الدَّارَ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ.
قَوْلُهُ: [وَرَهْنُ حَائِطِ مَسَاقِي] إلَخْ: صُورَتُهَا: زَيْدٌ نَزَلَ مَسَاقِي فِي حَائِطِ سَنَةٍ مَثَلًا، فَإِذَا تَدَايَنَ رَبُّهَا مِنْهُ دَيْنًا جَازَ لَهُ أَنْ يُرْهِنَهُ تِلْكَ الْحَائِطَ فِي مُدَّةِ الْمُسَاقَاةِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ.
قَوْلُهُ: [عِنْدَ غَيْرِهِمَا] : أَيْ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسَاقِي بِأَنْ يَكُونَ رَبُّ الدَّارِ وَرَبُّ الْحَائِطِ تَدَايَنَا مِنْ غَيْرِهِمَا وَأَرَادَا رَهْنَ الدَّارِ أَوْ الْحَائِطِ لِذَلِكَ الْغَيْرِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ يَجْعَلَانِهِ] : أَيْ الْمُرْتَهِنَ وَالْعَامِلَ.
قَوْلُهُ: [وَيَجْعَلُ الْمُرْتَهِنُ] إلَخْ: مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ ": إنْ جَعَلَ " فَهُوَ رَاجِعٌ لِمَفْهُومِ الْمَتْنِ عَلَى سَبِيلِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوَّشِ ابْنُ يُونُسَ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ.
مَنْ سَاقَى

(وَ) جَازَ رَهْنُ (مِثْلِيٍّ) : مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ أَوْ مَعْدُودٍ (وَلَوْ عَيْنًا) مَسْكُوكَةً، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ (إنْ طُبِعَ عَلَيْهِ) طَبْعًا مُحْكَمًا - سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يَقْصِدَ بِهِ السَّلَفَ مَعَ تَسْمِيَتِهِ رَهْنًا، وَالسَّلَفُ مَعَ الدَّيْنِ لَا يَجُوزُ - وَهَذَا إنْ وُضِعَ تَحْتَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ (أَوْ) لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ وَ (كَانَ تَحْتَ أَمِينٍ) لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
(وَ) جَازَ رَهْنُ (دَيْنٍ) عَلَى إنْسَانٍ (وَلَوْ) كَانَ (عَلَى الْمُرْتَهِنِ) لَهُ؛

[حاشية الصاوي]

حَائِطَهُ ثُمَّ رَهَنَهُ فَلْيَجْعَلْ الْمُرْتَهِنُ مَعَ الْمُسَاقِي رَجُلًا أَوْ يَجْعَلَانِهِ عَلَى يَدِ عَدْلٍ، قَالَ مَالِكٌ: وَجَعْلُهُ بِيَدِ الْمُسَاقِي أَوْ أَجِيرٍ لَهُ يُبْطِلُ رَهْنَهُ (اهـ) لِأَنَّ يَدَ الْمُسَاقِي وَالْأَجِيرِ بِمَنْزِلَةِ يَدِ الرَّهْنِ فِي الْجُمْلَةِ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَمَا كَفَى الْأَمِينُ مَعَهُمَا - فَتَأَمَّلْ.

قَوْلُهُ: [مَنْ طُبِعَ عَلَيْهِ] : أَيْ لَوْ غَيْرُ عَيْنٍ وَإِنَّمَا بُولِغَ عَلَى غَيْرِ الْعَيْنِ لِأَنَّ الْعَيْنَ تَتَسَارَعُ الْأَيْدِي إلَيْهَا أَكْثَرَ فَيُتَوَهَّمُ لُزُومُ الطَّبْعِ عَلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمِثْلِيَّ غَيْرُ الْعَيْنِ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، فَابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَقُولُ بِوُجُوبِ الطَّبْعِ، وَأَشْهَبُ يَقُولُ بِعَدَمِهِ، وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْعَيْنَ لَا يَجُوزُ رَهْنُهَا إلَّا بِالطَّبْعِ عَلَيْهَا - هَذِهِ طَرِيقَةُ الْمَازِرِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ.
وَأَمَّا ابْنُ يُونُسَ وَالْبَاجِيُّ وَابْنُ شَاسٍ فَلَمْ يَذْكُرُوا عَنْ أَشْهَبَ إلَّا اسْتِحْبَابَ الطَّبْعِ عَلَى الْعَيْنِ، إذْ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الْعَيْنِ وَغَيْرِهَا فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ الطَّبْعِ.
وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الَّذِي هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ جَمِيعَ الْمِثْلِيَّاتِ لَا تُرْهَنُ إلَّا مَطْبُوعًا عَلَيْهَا قَالَهُ.
ح. قَوْلُهُ: [سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ] : عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ الطَّبْعَ عَلَيْهِ سَدًّا إلَخْ وَقَوْلُهُ: " لِئَلَّا يَقْصِدَ " إلَخْ عِلَّةٌ لِلْمَعْلُولِ مَعَ عِلَّتِهِ.
قَوْلُهُ: [وَالسَّلَفُ مَعَ الدَّيْنِ لَا يَجُوزُ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ السَّلَفُ مُشْتَرَطًا فِي عَقْدِ الْمَدِينَةِ أَوْ مُتَطَوَّعٌ بِهِ بَعْدَهَا لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُشْتَرَطًا كَانَ بَيْعًا وَسَلَفًا كَانَ الدَّيْنُ مِنْ بَيْعٍ وَأَسْلِفْنِي وَأُسْلِفُك إنْ كَانَ مِنْ قَرْضٍ وَإِنْ كَانَ السَّلَفُ مُتَطَوَّعًا بِهِ فَهَدِيَّةُ مِدْيَانٍ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصْلِ أَنَّ الطَّبْعَ شَرْطٌ لِجَوَازِ الرَّهْنِ؛ وَعَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ رَهْنُهُ ابْتِدَاءً وَلَكِنَّهُ يَصِحُّ وَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَحَقَّ بِهِ قَبْلَ الطَّبْعِ إنْ حَصَلَ مَانِعٌ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.

كَأَنْ يَتَسَلَّفَ أَوْ يَشْتَرِيَ الْمُسْلِمُ سِلْعَةً مِنْ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ وَيَجْعَلُ الْمُسْلِمُ فِيهِ رَهْنًا فِي ذَلِكَ الدَّيْنِ.

(وَ) جَازَ رَهْنُ الشَّيْءِ (الْمُسْتَعَارِ لِلرَّهْنِ) : أَيْ لِأَجَلِهِ أَوْ لِيَرْهَنَهُ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ، فَإِنْ وَفَّى الْمُسْتَعِيرُ دَيْنَهُ رَجَعَ الرَّهْنُ لِصَاحِبِهِ الْمُعِيرِ.
(وَ) إنْ لَمْ يُوَفِّ وَبِيعَ الرَّهْنُ فِي الدَّيْنِ (رَجَعَ صَاحِبُهُ) الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ (بِقِيمَتِهِ) يَوْمَ اسْتَعَارَهُ، وَقِيلَ يَوْمَ رَهَنَهُ.
(وَ) رَجَعَ (بِثَمَنِهِ) الَّذِي بِيعَ بِهِ (إنْ بِيعَ) فِي الدَّيْنِ، وَ " أَوْ " لِتَنْوِيعِ الْخِلَافِ، نَقَلَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَيْهِمَا كَمَا قَالَ الشَّيْخُ.
(وَضَمِنَ) الْمُسْتَعِيرُ: أَيْ تَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ وَلَوْ كَانَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ كَعَبْدٍ أَوْ قَامَتْ عَلَى ضَيَاعِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ بَيِّنَةٌ (إنْ رَهَنَهُ فِي غَيْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ) : كَأَنْ اسْتَعَارَهُ لِيَرْهَنَهُ فِي دَيْنِ عَيْنٍ فَرَهَنَهُ فِي عَرْضٍ أَوْ طَعَامٍ (فَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ إنْ وَجَدَهُ قَائِمًا) لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي ذَاتِهِ عَنْ الْمُرْتَهِنِ (وَإِلَّا) يَجِدْهُ قَائِمًا (فَقِيمَتُهُ) تَلْزَمُ الْمُسْتَعِيرَ مُطْلَقًا (وَلَوْ كَانَ مِمَّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ أَوْ هَلَكَ بِبَيِّنَةٍ) .

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [كَأَنْ يَتَسَلَّفَ] : مِثَالٌ لِمَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ.
وَمِثَالٌ مَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ أَنْ يَشْتَرِيَ زَيْدٌ سِلْعَةً مِنْ عَمْرٍو بِثَمَنٍ لِأَجَلٍ وَلِزَيْدِ دَيْنٌ عَلَى بَكْرٍ فَيَقُولُ زَيْدٌ لِعَمْرٍو: جَعَلْت الدَّيْنَ الَّذِي لِي عَلَى بَكْرٍ رَهْنًا تَحْتَ يَدِك حَتَّى يَأْتِيَك الثَّمَنُ.

[رَهْنُ الشَّيْءِ الْمُسْتَعَارِ لِلرَّهْنِ]

قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يَوْمَ رَهَنَهُ] : تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَ يَوْمُ الرَّهْنِ مُتَأَخِّرًا عَنْ يَوْمِ الِاسْتِعَارَةِ وَكَانَتْ الْقِيمَةُ يَوْمَ الرَّهْنِ أَزْيَدَ أَوْ أَنْقَصَ مِنْ الْقِيمَةِ يَوْمَ الِاسْتِعَارَةِ.
قَوْلُهُ: [نَقَلَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَيْهِمَا] : أَيْ رُوِيَتْ الْمُدَوَّنَةُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ، فَرَوَاهَا يَحْيَى بْنُ عُمَرَ بِقِيمَتِهِ، وَرَوَاهَا غَيْرُهُ يَتْبَعُ الْمُعِيرُ الْمُسْتَعِيرَ بِمَا أَدَّى مِنْ ثَمَنِ سِلْعَتِهِ.
وَلَمَّا اخْتَصَرَهَا الْبَرَاذِعِيُّ اقْتَصَرَ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَلَمَّا اخْتَصَرَهَا ابْنُ أَبِي زَيْدٍ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ تَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ] : أَيْ إنَّ لِلْمُعِيرِ تَضْمِينَهُ قِيمَتَهُ وَلَوْ لَمْ يَتْلَفْ لِتَعَدِّيهِ وَلَهُ أَخْذُهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ وَتَبْطُلُ الْعَارِيَّةُ - كَذَا قَالَ عب، وَنَحْوُهُ لِلشَّيْخِ سَالِمٍ وَالْأُجْهُورِيِّ وَابْنِ عَاشِرٍ.
وَالصَّوَابُ مَا أَفَادَهُ ح وَالْمَوَّاقُ وَالْخَرَشِيُّ: أَنَّ ضَمَانَ الْعَدَاءِ يَتَعَلَّقُ بِهِ بِحَيْثُ إذَا هَلَكَ أَوْ سُرِقَ يَضْمَنُهُ عَمَلًا بِإِقْرَارِهِ بِالتَّعَدِّي، كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ أَمْ لَا، قَامَتْ عَلَى هَلَاكِهِ بَيِّنَةٌ أَمْ لَا.
وَأَمَّا إذَا كَانَ قَائِمًا فَلَا سَبِيلَ إلَى تَضْمِينِهِ بَلْ

(وَ) جَازَ رَهْنٌ (مِنْ مُكَاتَبٍ) فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ.
(وَ) عَبْدٍ (مَأْذُونٍ) لَهُ فِي التِّجَارَةِ، لِأَنَّ الرَّهْنَ مِنْ تَعْلِيقَاتِ التِّجَارَةِ وَالْمُكَاتَبُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُمَا السَّيِّدُ بِخِلَافِ الضَّمَانِ فَلَا يَجُوزُ لَهُمَا إلَّا بِإِذْنٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَعَلُّقَاتِ التِّجَارَةِ، وَرُبَّمَا أَدَّى لَعَجَزَ الْأَوَّلِ.

(وَ) جَازَ رَهْنٌ (مِنْ وَلِيٍّ مَحْجُورٍ) كَأَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ مَالِ الْمَحْجُورِ فِي دَيْنٍ عَلَى الْمَحْجُورِ تُدَايِنَهُ الْوَلِيُّ لَهُ (لِمَصْلَحَةٍ) : مِنْ طَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ.
(لَا) يَجُوزُ (مِنْ كَأَحَدِ وَصِيَّيْنِ) أَدْخَلَتْ الْكَافُ الْوَكِيلَيْنِ وَالْقَيِّمَيْنِ،

[حاشية الصاوي]

يَأْخُذُهُ رَبُّهُ وَتَبْطُلُ الْعَارِيَّةُ، مِثْلَ مَا يَأْتِي فِي الْغَصْبِ فِي قَوْلِهِمْ: وَضَمِنَ الْغَاصِبُ بِالِاسْتِيلَاءِ، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ شَارِحِنَا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَضْمِينَهُ الْقِيمَةَ هُنَا يَكُونُ يَوْمَ الِارْتِهَانِ لِأَنَّهُ وَقْتُ التَّعَدِّي.

[مِنْ يَجُوز لَهُ الرَّهْن]

قَوْلُهُ: [وَجَازَ رَهْنٌ مِنْ مُكَاتَبٍ] : أَيْ فَلَهُ أَنْ يَرْهَنَ إذَا تَدَايَنَ أَوْ اشْتَرَى بِالدَّيْنِ وَيَرْهَنَ لِسَيِّدِهِ فِي نُجُومِ الْكِتَابَةِ كَمَا يَأْتِي عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَعَلُّقَاتِ التِّجَارَةِ] : هُنَا رَاجِعٌ لِلْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ.
وَقَوْلُهُ: [وَالْمُكَاتَبُ أَحْرَزَ نَفْسَهُ.
وَمَالَهُ] : رَاجِعٌ لِلْمُكَاتَبِ فَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ.
وَهَذَا التَّعْلِيلُ خَيْرٌ مِنْ التَّعْلِيلِ بِحُصُولِ الِاشْتِغَالِ بِهِ فِي التَّفْتِيشِ عَلَى الْمَضْمُونِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ خَوْفًا مِنْ هُرُوبِهِ، فَإِنْ بْن اعْتَرَضَهُ بِأَنَّهُمَا لَمْ يَلْزَمْهُمَا خِدْمَةُ سَيِّدِهِمَا وَحِينَئِذٍ فَهُمَا لَا يَشْتَغِلَانِ عَنْ مَصَالِحِ السَّيِّدِ بَلْ عَنْ مَصَالِحِ أَنْفُسِهِمَا.
وَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَوْلَى فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّهْنِ وَالضَّمَانِ أَنَّ الرَّهْنَ مُعَاوَضَةٌ وَالضَّمَانُ تَبَرُّعٌ وَهُمَا مَأْذُونٌ لَهُمَا فِي الْمُعَاوَضَاتِ دُونَ التَّبَرُّعَاتِ، فَجَوَابُ بْن هُوَ عَيْنُ مَا عَلَّلَ بِهِ شَارِحُنَا.

قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرِهِمَا] : أَيْ كَمُقَدَّمِ الْقَاضِي قَوْلُهُ: [لِمَصْلَحَةٍ] : أَيْ تَعُودُ عَلَى الْمَحْجُورِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَلِيَّ مَحْمُولٌ عَلَى النَّظَرِ وَالْمَصْلَحَةُ فِي رَهْنِ مَالِ الْمَحْجُوزِ وَلَوْ عَقَارًا وَلَا يُكَلِّفُهُ الْحَاكِمُ بَيَانَ السَّبَبِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِعَقَارِ الْمَحْجُورِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى النَّظَرِ وَالْمَصْلَحَةِ حَتَّى يُثْبِتَهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ.

لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا تَصَرُّفٌ بِرَهْنٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِ الْآخَرِ.
(وَلَزِمَ) الرَّهْنُ بِمَعْنَى الْعَقْدِ (بِالْقَوْلِ) : أَيْ الصِّيغَةِ فَلِلْمُرْتَهِنِ مُطَالَبَةُ الرَّاهِنِ وَيُقْضَى لَهُ بِهِ.
(وَلَا يَتِمُّ) الرَّهْنُ (إلَّا بِالْقَبْضِ) : فَقَبْلَهُ يَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ وَبَعْدَهُ يَخْتَصُّ بِهِ الْمُرْتَهِنُ عَنْهُمْ وَعَنْ غَيْرِهِمْ كَمُؤَنِ التَّجْهِيزِ.
(وَالْغَلَّةِ) : أَيْ غَلَّةِ الرَّهْنِ مِنْ كِرَاءٍ وَغَيْرِهِ (لِلرَّاهِنِ) لَا لِلْمُرْتَهِنِ.
(وَتَوَلَّاهَا) : أَيْ الْغَلَّةَ (الْمُرْتَهِنُ لَهُ) : أَيْ لِلرَّاهِنِ (بِإِذْنِهِ) لِئَلَّا تَجُولَ يَدُ الرَّاهِنِ فِي الرَّهْنِ بِتَوَلِّيهِ قَبْضِهَا فَيَبْطُلُ.
وَاحْتِيجَ لِإِذْنِهِ قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِئَلَّا يَدَّعِيَ عَلَيْهِ الرَّاهِنُ أَنَّهُ أَكْرَى مَا يُسَاوِي عَشَرَةً بِخَمْسَةٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ.

(وَبَطَلَ) الرَّهْنُ بِمَعْنَى الْعَقْدِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [إلَّا بِإِذْنِ الْآخَرِ] : أَيْ حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ لِكُلٍّ الِاسْتِقْلَالَ وَإِلَّا جَازَ.
قَوْلُهُ: [بِالْقَوْلِ] : اخْتَلَفَ هَلْ يَفْتَقِرُ الرَّهْنُ لِلَّفْظِ مُصَرَّحٍ بِهِ فَلَوْ دَفَعَ رَجُلٌ إلَى آخَرَ سِلْعَةً، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى قَوْلِهِ: أَمْسِكْهَا حَتَّى أَدْفَعَ لَك حَقَّك، هَلْ تَكُونُ رَهْنًا بِمُجَرَّدِ هَذَا اللَّفْظِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِالرَّهْنِيَّةِ؟ فَقَالَ أَشْهَبُ: تَكُونُ رَهْنًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا تَكُونُ رَهْنًا إلَّا بِالتَّصْرِيحِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَتِمُّ الرَّهْنُ إلَّا بِالْقَبْضِ] : أَيْ قَبْلَ الْمَانِعِ، وَأَمَّا الْقَبْضُ بَعْدَ الْمَانِعِ فَلَا يُفِيدُ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [كَمُؤَنِ التَّجْهِيزِ] : بَيَانٌ لِلْغَيْرِ وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الرَّاهِنَ إذَا مَاتَ وَقَدْ حَازَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ قَبْلَ الْمَوْتِ فَإِنَّ الْمُرْتَهِنَ يَخْتَصُّ بِهِ فِي دَيْنِهِ وَلَا يُبَاعُ فِي مُؤَنِ التَّجْهِيزِ.
قَوْلُهُ: [لِلرَّاهِنِ] : أَيْ وَيَجُوزُ شَرْطُهَا لِلْمُرْتَهِنِ إنْ عُيِّنَتْ بِبَيْعٍ لَا قَرْضٍ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [قَطْعًا لِلْمُنَازَعَةِ] : مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ " اُحْتِيجَ ".

[بطلان الرَّهْن بِمَعْنَى الْعَقْد بِشَرْطِ]

قَوْلُهُ: [وَبَطَلَ الرَّهْنُ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ: وَلَوْ أُسْقِطَ الشَّرْطُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّهْنِ وَالْبَيْعِ الْمُصَاحِبِ لِلشَّرْطِ الْمُنَاقِضِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ إذَا سَقَطَ الشَّرْطُ إنْ قَبَضَ الرَّهْنَ وَبَيْعُهُ إذَا احْتَاجَ لَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَأْخُوذٌ جُزْءًا مِنْ حَقِيقَةِ الرَّهْنِ، وَالْأَمْرُ الْمُنَاقِضُ لَهُمَا مُنَاقِضٌ لِلْحَقِيقَةِ.
وَأَمَّا شَرْطُ عَدَمِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَبِيعِ مَثَلًا فَهُوَ مُنَاقِضٌ لِمَا

(بِشَرْطِ) حِينِهِ (مُنَافٍ) لِمَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ، إذْ الْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ عَقْدٍ شُرِطَ فِيهِ شَرْطٌ مُنَافٍ لِمَا يَقْتَضِيه مُفْسِدٌ لَهُ (كَانَ) أَيْ شَرَطَ أَنْ (لَا يَقْبُضَهُ) مِنْ رَاهِنِهِ (أَوْ) شَرَطَ أَنْ (لَا يَبِيعَهُ عِنْدَ الْأَجَلِ) .

(وَ) بَطَلَ (بِجَعْلِهِ) : أَيْ الرَّهْنَ (فِي) بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ (فَاسِدٍ) ظَنَّ لُزُومَهُ أَوْ لَمْ يَظُنَّ فَيَأْخُذُهُ رَبُّهُ وَتَعَيَّنَ فَسْخُ الْفَاسِدِ (إلَّا أَنْ يَفُوتَ) الْفَاسِدُ بِمُفَوِّتٍ (فَفِي) : أَيْ فَيَصِحُّ جَعْلُ ذَلِكَ الرَّهْنِ فِي (عِوَضِهِ) مِنْ قِيمَةٍ أَوْ مِثْلٍ أَوْ ثَمَنٍ، كَمُخْتَلَفٍ فِيهِ يَفُوتُ بِالثَّمَنِ.
وَقِيلَ: بِرَدِّ الرَّهْنِ لِفَسَادِهِ مُطْلَقًا وَلَوْ مَعَ الْفَوَاتِ وَيَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ لِوُقُوعِهِ فَاسِدًا، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ كَلَامِ الشَّيْخِ.

[حاشية الصاوي]

يَتَرَتَّبُ عَلَى الْبَيْعِ لَا لِنَفْسِ حَقِيقَتِهِ.
وَإِنَّمَا قَالَ: " بِمَعْنَى الْعَقْدِ " لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَّصِفُ بِالْبُطْلَانِ لَا الْمَالَ الْمَدْفُوعَ لِلتَّوَثُّقِ.
وَمَحَلُّ الْبُطْلَانِ مَا لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَطًا فِي دَيْنٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ فَاتَ، وَإِلَّا فَلَا بُطْلَانَ كَمَا يُفِيدُهُ الْأُجْهُورِيُّ فِي نَظْمِهِ الْآتِي.
قَوْلُهُ: [بِشَرْطِ حِينِهِ] : أَيْ حِينَ الْعَقْدِ وَمَفْهُومٌ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الشَّرْطُ الْمُنَافِي بَعْدَ الْعَقْدِ لَا يُعْتَبَرُ بَلْ هُوَ لَاغٍ وَالرَّهْنُ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: [لِمَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ] : أَيْ مِنْ الْأَحْكَامِ فَعَقْدُ الرَّهْنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُبَاعُ إذَا لَمْ يُوَفِّ الرَّاهِنُ الدَّيْنَ وَأَنَّهُ يُقْبَضُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ أَوْ عِنْدَ أَمِينٍ، فَإِنْ شَرَطَ خِلَافَ ذَلِكَ كَانَ مُنَاقِضًا وَرَافِعًا لِلْحَقِيقَةِ.

[بطلان الرَّهْن فِي الْبَيْع أَوْ القرض الْفَاسِد]

[تَنْبِيه إذَا أَعْطَى رَهْنًا فِي جِنَايَة تَحْمِلهَا الْعَاقِلَة]

قَوْلُهُ: [فِي بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ فَاسِدٍ] : مِثَالُ الْفَاسِدِ مِنْ الْبَيْعِ: الْبَيْعُ الْوَاقِعُ وَقْتَ نِدَاءِ جُمُعَةٍ أَوْ لِأَجَلِ مَجْهُولٍ، وَالْقَرْضُ الْفَاسِدُ: كَدَفْعِ عَفَنٍ فِي جَيِّدٍ.
قَوْلُهُ: [أَوْ لَمْ يَظُنَّ] : أَيْ سَوَاءٌ اشْتَرَطَ أَوْ لَا فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِ خَلِيلٍ بِاشْتِرَاطِهِ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ ظَنَّ فِيهِ اللُّزُومَ.
قَوْلُهُ: [كَمُخْتَلَفٍ فِيهِ] إلَخْ: مِثَالٌ لِلَّذِي يَفُوتُ بِالثَّمَنِ.
قَوْلُهُ: [لِفَسَادِهِ] : أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا صَاحَبَهُ مِنْ الْبَيْعِ وَالْقَرْضِ الْفَاسِدَيْنِ وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَيْسَ بِفَاسِدٍ.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ كَلَامِ الشَّيْخِ] : أَيْ لِأَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يُقَيِّدْ الْبُطْلَانَ بِفَوَاتٍ وَلَا بِعَدَمِهِ وَيُؤَيِّدُ الطَّرِيقَةَ الْأُولَى قَوْلُ الْمَجْمُوعِ، وَإِنْ وَقَعَ فِي فَاسِدٍ نُقِلَ لِعِوَضِ الْفَائِتِ وَلَوْ غَيْرَ مُشْتَرَطٍ حَيْثُ صَحَّ نَفْسُ الرَّهْنِ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ عج:

(وَ) بَطَلَ بِجَعْلِهِ (فِي قَرْضٍ جَدِيدٍ) اقْتَرَضَهُ مِنْ إنْسَانٍ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَبْلَهُ وَجَعَلَ ذَلِكَ الرَّهْنَ فِيهِ (مَعَ دَيْنٍ قَدِيمٍ) مِنْ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ؛ أَيْ جَعَلَهُ فِيهِمَا مَعًا، لِأَنَّهُ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا وَهُوَ تَوْثِقَةٌ فِي الْقَدِيمِ بِالرَّهْنِ، فَيُرَدُّ لِرَبِّهِ وَيَبْقَيَانِ بِلَا رَهْنٍ.

(وَ) إذَا حَصَلَ مَانِعٌ لِلرَّاهِنِ قَبْلَ رَدِّهِ لَهُ (اخْتَصَّ بِهِ) : أَيْ بِالرَّهْنِ الدَّيْنُ (الْجَدِيدُ) دُونَ الْقَدِيمِ: أَيْ فَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِهِ فِي الْجَدِيدِ فَقَطْ وَيُحَاصِصُ بِالْقَدِيمِ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الشَّيْخِ: " وَصَحَّ فِي الْجَدِيدِ "، فَمُرَادُهُ بِالصِّحَّةِ: الِاخْتِصَاصُ، لَا الصِّحَّةِ الْمُقَابِلَةِ لِلْفَسَادِ فَانْدَفَعَ قَوْلُ الْحَطَّابِ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ نَصٌّ فِي صِحَّةِ الرَّهْنِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ لِغَيْرِهِ (اهـ) .

[حاشية الصاوي]

وَفَاسِدُ الرَّهْنِ فِيمَا صَحَّ أَوْ عِوَضٌ ... لِفَاسِدٍ فَاتَ فَانْقُلْهُ إذَا اشْتَرَطَا وَإِنْ يَكُنْ صَحَّ لَا مَا فِيهِ فَهُوَ إذَنْ ... فِي عِوَضِهِ مُطْلَقًا إنْ فَاتَ فَاغْتَبَطَا (اهـ) تَنْبِيهٌ مَنْ جَنَى خَطَأً جِنَايَةً تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ وَظَنَّ أَنَّ الدِّيَةَ تَلْزَمُهُ بِانْفِرَادِهِ فَأَعْطَى بِهَا رَهْنًا ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ جَمِيعَهَا لَا يَلْزَمُهُ، حَلَفَ أَنَّهُ ظَنَّ لُزُومَ الدِّيَةِ وَمَا عَلِمَ عَدَمَ اللُّزُومِ، وَرَجَعَ فِي رَهْنِهِ مِنْ حِصَّةِ الْعَاقِلَةِ إلَى جُعْلِهِ فِي حِصَّتِهِ فَقَطْ.
وَأَمَّا لَوْ عَلِمَ لُزُومَ الدِّيَةِ لِلْعَاقِلَةِ وَرَهَنَ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي جَمِيعِ الدِّيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَبَطَلَ يَجْعَلُهُ فِي قَرْضٍ جَدِيدٍ] إلَخْ: اعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ فَسَادِ الرَّهْنِ إذَا كَانَ الْمَدِينُ مُعْسِرًا بِهِ أَوْ كَانَ الدَّيْنُ الْقَدِيمُ مُؤَجَّلًا حِينَ أَخَذَ الرَّهْنَ.
أَمَّا لَوْ كَانَ حَالًّا أَوْ حَلَّ أَجَلُهُ صَحَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ الْغَرِيمُ مَلِيئًا مَقْدُورًا عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ، لِأَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ لَمَّا كَانَ قَادِرًا عَلَى أَخْذِ دَيْنِهِ، كَانَ تَأْخِيرُهُ كَابْتِدَاءِ سَلَفٍ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ الْغَرِيمُ عَدِيمًا وَكَانَ الرَّهْنُ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مُحِيطٌ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَالْمَلِيءِ (اهـ - بْن) وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: " فِي قَرْضٍ " أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي بَيْعٍ جَدِيدٍ لَصَحَّ فِي الْبَيْعِ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ - كَذَا فِي عب تَبَعٌ لِاسْتِظْهَارِ ح قَالَ بْن: وَهُوَ قُصُورٌ؛ فَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِالْحُرْمَةِ كَمَا فِي الْمَوَّاقِ وَكَذَا أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْفَلَسِ، قَالَ: إنَّ دَيْنَ الْبَيْعِ مِثْلُ دَيْنِ الْقَرْضِ فِي الْفَسَادِ (اهـ) .

قَوْلُهُ: [فَمُرَادُهُ بِالصِّحَّةِ الِاخْتِصَاصُ] : أَيْ بَعْدَ الْوُقُوعِ لَا أَنَّهُ يَصِحُّ ابْتِدَاءً بَلْ يُؤْمَرُ بِرَدِّهِ.

(و) بَطَلَ الرَّهْنُ (بِمَانِعٍ) : أَيْ بِحُصُولِ مَانِعٍ (كَمَوْتِ الرَّاهِنِ أَوْ فَلَسِهِ) أَوْ جُنُونِهِ أَوْ مَرَضِهِ الْمُتَّصِلُ بِمَوْتِهِ (قَبْلَ حَوْزِهِ) : مُتَعَلِّقٌ بِحُصُولِ الْمُقَدَّرِ هَذَا إذَا فَرَّطَ الْمُرْتَهِنُ فِي طَلَبِهِ بَلْ (وَلَوْ جَدَّ فِيهِ) فَحَصَلَ الْمَانِعُ قَبْلَ حَوْزِهِ؛ بِخِلَافِ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فَإِنَّ الْجَدَّ فِي حَوْزِهِمَا يُفِيدُ لِأَنَّهُمَا خَرَجَا عَنْ مِلْكِهِ بِالْقَوْلِ وَالرَّهْنُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ.

(وَ) بَطَلَ (بِإِذْنِهِ) : أَيْ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ لِلرَّاهِنِ (فِي وَطْءٍ) لِجَارِيَةٍ مَرْهُونَةٍ (أَوْ) فِي (سُكْنَى) لِدَارٍ مَرْهُونَةٍ (أَوْ) فِي (إجَارَةٍ) لِذَاتٍ مَرْهُونَةٍ وَالْبُطْلَانُ (وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ) الرَّاهِنُ مَا ذَكَرَ مِنْ الْوَطْءِ وَمَا بَعْدَهُ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ: " وَلَوْ لَمْ يَسْكُنْ ". وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَنَافِعَ لِلرَّاهِنِ وَأَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَتَوَلَّاهَا لِلرَّاهِنِ بِإِذْنِهِ.
وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَسْكُنَ أَوْ يُكْرِيَ فَقَدْ خَرَجَ الدَّارُ مِنْ الرَّهْنِ

[حاشية الصاوي]

[بُطْلَانُ الرَّهْنِ بِمَانِعٍ]

قَوْلُهُ: [أَوْ فَلَسِهِ] : أَيْ وَلَوْ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ وَهُوَ قِيَامُ الْغُرَمَاءِ وَمَنْعِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ لَا بِمُجَرَّدِ إحَاطَةِ الدَّيْنِ فَلَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ بِهِ مِنْ غَيْرِ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ مَرَضِهِ] : أَيْ وَالْحَوْزُ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ وَالْجُنُونِ لَا يَنْفَعُ.

[بطلان الرَّهْن بِإِلْزَامِهِ فِي الِانْتِفَاع]

قَوْلُهُ: [وَبَطَلَ بِإِذْنِهِ] إلَخْ: أَيْ بُطْلَانًا غَيْرَ تَامٍّ وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْفَوَاتِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: " إنْ فَاتَ ". وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِذْنَ فِي الْوَطْءِ وَمَا بَعْدَهُ قِيلَ إنَّهُ مُبْطِلٌ لِلْحَوْزِ فَقَطْ - وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ شَارِحُنَا - وَقِيلَ: لِلرَّهْنِ مِنْ أَصْلِهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ الْإِذْنِ وَقَبْلَ الْمَانِعِ رَدُّ الرَّهْنِ لِحَوْزِهِ بِالْقَضَاءِ عَلَى الرَّاهِنِ وَعَلَى الثَّانِي لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ لِبُطْلَانِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الرَّاهِنُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي الْوَطْءِ بَالِغًا أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ لِجَوَلَانِ يَدِهِ فِي أَمَةِ الرَّهْنِ وَإِنْ كَانَ وَطْء غَيْرِ الْبَالِغِ مُعْتَبَرًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ.
قَوْلُهُ: [أَوْ فِي سُكْنَى] : أَيْ أَوْ إسْكَانِ الْغَيْرِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ فِي إجَارَةٍ لِذَاتٍ مَرْهُونَةٍ] : أَيْ كَانَتْ تِلْكَ الذَّاتُ عَقَارًا أَوْ حَيَوَانًا أَوْ عُرُوضًا.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ] : رَدَّ بِ " لَوْ " عَلَى أَشْهَبَ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ الرَّهْنُ بِمُجَرَّدِ الْإِذْنِ فِيمَا ذَكَرَ بَلْ حَتَّى يَطَأَ أَوْ يَسْكُنَ أَوْ يُؤَاجِرَ بِالْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: [وَأَنَّ الْمُرْتَهِنَ يَتَوَلَّاهَا لِلرَّاهِنِ] : أَيْ إنْ كَانَ يُمْكِنُ ذَلِكَ شَرْعًا، وَأَمَّا نَحْوَ الِاسْتِمْتَاعِ بِالْجَارِيَةِ فَهَذَا لَا يَكُونُ لِلرَّاهِنِ وَلَا لِلْمُرْتَهِنِ مَا دَامَتْ مَرْهُونَةً.

وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْ أَوْ يُكْرَى، نَعَمْ الْإِذْنُ فِي الْوَطْءِ إذَا لَمْ يَطَأْ فِيهِ خِلَافٌ فَقِيلَ لَا يُبْطِلُهُ إلَّا إذَا وَطِئَ بِالْفِعْلِ لَا إنْ لَمْ يَطَأْ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الدَّارِ: الْبُطْلَانُ وَلَوْ لَمْ يَطَأْ.
وَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اقْتَصَرَ عَلَى نَصِّهَا، فَقَالَ: " وَلَوْ لَمْ يُسْكِنْ " فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ وَيَتِمُّ الْبُطْلَانُ، (إنْ فَاتَ) الرَّهْنُ (بِنَحْوِ عِتْقٍ) أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ عِتْقٍ لِأَجَلٍ (أَوْ) نَحْوَ (بَيْعٍ) كَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَحَبْسٍ، فَإِنْ لَمْ يَفُتْ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَخْذُهُ بِالْقَضَاءِ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ ارْتَهَنَ رَهْنًا فَقَبَضَهُ ثُمَّ أَجَرَهُ لِلرَّاهِنِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: ثُمَّ إنْ قَامَ الْمُرْتَهِنُ بِرَدِّهِ قُضِيَ لَهُ بِذَلِكَ (اهـ) وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا لَمْ يَحْصُلْ فَوْتٌ بِمَا ذَكَرَ، وَإِذَا كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي رَدِّهِ فِيمَا إذَا أَجَرَهُ لَهُ فَأَوْلَى إذَا أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ فَاتَ تَحَقُّقُ الْبُطْلَانُ، وَكَذَا إنْ حَصَلَ لِلرَّاهِنِ مَانِعٌ قَبْلَ رَدِّهِ لِلْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ انْتَفَيَا فَلَهُ أَخْذُهُ مِنْ رَاهِنِهِ وَيُقْضَى لَهُ بِذَلِكَ (أَوْ) أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِرَاهِنِهِ (فِي بَيْعٍ) لِلرَّهْنِ (وَسَلَّمَهُ) لِلرَّاهِنِ فَيَبْطُلُ وَيَبْقَى الدَّيْنُ بِلَا رَهْنٍ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ وَلَمْ يُسَلِّمْهُ لَهُ وَبَاعَهُ الرَّاهِنُ بَطَلَ أَيْضًا عَلَى الرَّاجِحِ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ لِيَجِيئَهُ بِثَمَنِهِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [نَعَمْ الْإِذْنُ فِي الْوَطْءِ] إلَخْ: هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ لَا مَحَلَّ لَهُ لِمَا تَقَدَّمَ لَك أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْكُلِّ مَحْكِيٌّ عَنْ أَشْهَبَ.
قَوْلُهُ: [وَالشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اقْتَصَرَ عَلَى نَصِّهَا] : قَدْ يُقَالُ: إنَّ الشَّيْخَ لَمْ يُتْمِمْ نَصَّهَا فِي السُّكْنَى وَالْكِرَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [وَيَتِمُّ الْبُطْلَانُ إنْ فَاتَ الرَّهْنُ] إلَخْ: أَيْ وَكَانَ الرَّاهِنُ مُوسِرًا، وَإِلَّا فَلَا يَفُوتُ كَمَا يَأْتِي.
وَهَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: " وَبَطَلَ بِإِذْنِهِ فِي وَطْءٍ ". قَوْلُهُ: [بِمَا ذَكَرَ] : أَيْ مِنْ الْعِتْقِ وَمَا مَعَهُ.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا إنْ حَصَلَ لِلرَّاهِنِ مَانِعٌ] : أَيْ مِنْ الْمَوَانِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ الْمَوْتُ وَالْفَلَسُ وَالْجُنُونُ وَالْمَرَضُ الْمُتَّصِلُ بِمَوْتِهِ.
قَوْلُهُ: [فِي بَيْعٍ لِلرَّهْنِ] : أَيْ الْمَقْبُوضِ عِنْدَهُ سَوَاءٌ كَانَ مُشْتَرَطًا فِي صُلْبِ الْعَقْدِ أَوْ مُتَطَوَّعًا بِهِ.
وَحَاصِلُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ: أَنَّهُ إذَا أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِرَاهِنِهِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ الْمَقْبُوضِ عِنْدَهُ وَسَلَّمَهُ لِلرَّاهِنِ بَطَلَ الرَّهْنُ وَصَارَ الدَّيْنُ بِلَا رَهْنٍ بِيعَ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا، وَأَمَّا لَوْ

فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ، وَيَكُونُ الثَّمَنُ رَهْنًا لِلْأَجَلِ أَوْ يَأْتِيَ الرَّاهِنُ بَدَلَهُ بِرَهْنٍ كَالْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ الرَّاهِنُ فَلِلْمُرْتَهِنِ التَّمَسُّكُ بِهِ.
(وَ) بَطَلَ (بِإِعَارَةٍ) لَهُ لِرَاهِنِهِ (مُطْلَقَةً) : أَيْ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهَا الرَّدَّ قَبْلَ الْأَجَلِ وَلَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِذَلِكَ وَلَمْ تُقَيَّدْ بِزَمَنٍ أَوْ عَمَلٍ يَنْقُضُ قَبْلَهُ.
(وَإِلَّا) تُطْلَقْ بَلْ وَقَعَتْ مُقَيَّدَةً بِقَيْدٍ مِمَّا ذُكِرَ (فَلَهُ) : أَيْ لِلْمُرْتَهِنِ (أَخْذُهُ) مِنْ الرَّاهِنِ وَيُقْضَى لَهُ بِهِ.
(كَأَنْ عَادَ) الرَّهْنُ (لِرَاهِنِهِ اخْتِيَارًا) مِنْ الْمُرْتَهِنِ بِإِيدَاعٍ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ بِإِجَارَةٍ، فَلَهُ أَخْذُهُ وَلَوْ قَبْلَ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ جَهِلَ أَنَّ إجَارَةً تَطْلُبُهُ وَأَشْبَهَ وَحَلَفَ.
(إلَّا أَنْ يَفُوتَ) عِنْدَ رَاهِنِهِ (بِعِتْقٍ) مِنْ رَاهِنِهِ (أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ حَبْسٍ

[حاشية الصاوي]

أَذِنَ فِي بَيْعِهِ وَلَمْ يُسَلِّمُهُ لَهُ وَبَاعَهُ الرَّاهِنُ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ عَلَى الرَّاجِحِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ لِيَجِيئَهُ بِالثَّمَنِ فَيُقْبَلَ مِنْهُ بِيَمِينٍ وَيَكُونَ الثَّمَنُ رَهْنًا لِلْأَجَلِ أَوْ يَأْتِيَ لَهُ بِرَهْنٍ بَدَلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ الرَّاهِنُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلِلْمُرْتَهِنِ التَّمَسُّكُ بِهِ.
قَوْلُهُ: [بِرَهْنٍ كَالْأَوَّلِ] : أَيْ فِي الْقِيمَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ.
قَوْلُهُ: [وَبَطَلَ بِإِعَارَةٍ] : أَيْ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ الرَّهْنِ.
قَوْلُهُ: [بِقَيْدٍ مِمَّا ذَكَرَ] : أَيْ الَّتِي هِيَ: اشْتِرَاطُ الرَّدِّ وَجَرَيَانُ الْعُرْفِ بِهِ وَتَقْيِيدُهَا بِالزَّمَنِ أَوْ الْعَمَلِ الْمُنْقَضِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: [كَأَنْ عَادَ الرَّهْنُ لِرَاهِنِهِ اخْتِيَارًا] : أَيْ بِغَيْرِ عَارِيَّةٍ لِتَقَدُّمِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: [إنْ ادَّعَى أَنَّهُ جَهِلَ أَنَّ الْإِجَارَةَ تُبْطِلُهُ] : لَا مَفْهُومَ لِدَعْوَى جَهْلِ الْإِجَارَةِ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ جَهِلَ أَنَّ الرَّدَّ اخْتِيَارًا يُبْطِلُهُ كَانَ الرَّدُّ بِإِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
فَإِنْ قُلْت: الْإِجَارَةُ لِلرَّاهِنِ مُشْكِلَةٌ لِأَنَّ الْمِلْكَ وَالْمَنْفَعَةَ لَهُ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ يُفْرَضُ فِي رَهْنٍ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ مَنْفَعَتَهُ الْمُعَيَّنَةَ لِنَفْسِهِ فِي بَيْعٍ وَحَيْثُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ كَانَ لَهُ إجَارَتُهُ فَإِذَا آجَرَهُ لِلْمَالِكِ كَانَتْ إجَارَتُهُ مُبْطِلَةً لِلرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْجَهْلَ وَيُشَبِّهَ وَيَحْلِفَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ تَدْبِيرٍ] : فِيهِ أَنَّ التَّدْبِيرَ لَيْسَ مَانِعًا مِنْ ابْتِدَاءِ الرَّهْنِ فَكَيْفَ يُبْطِلُهُ؟ . وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ قَدْ انْضَمَّ لَهُ مَا هُوَ مُبْطِلٌ لِلرَّهْنِ فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ دَفْعُهُ لِلرَّاهِنِ اخْتِيَارًا.

أَوْ قِيَامِ الْغُرَمَاءِ) عَلَى الرَّاهِنِ، فَيَبْطُلُ وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ وَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فِيهِ وَيُعَجِّلُ الدَّيْنُ فِي الْعِتْقِ.
وَمَا بَعْدَهُ عَلَى نَهْجِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْإِذْنِ بِالْوَطْءِ أَوْ السُّكْنَى.
(وَ) إنْ عَادَ لِرَاهِنِهِ (غَصْبًا) عَنْ الْمُرْتَهِنِ (فَلَهُ أَخْذُهُ مُطْلَقًا) فَاتَ أَوْ لَمْ يَفُتْ وَيَخْتَصُّ بِهِ عَنْ الْغُرَمَاءِ.

(وَإِنْ وَطِئَ) الرَّاهِنُ أَمَتَهُ الْمَرْهُونَةَ (بِلَا إذْنٍ) مِنْ الْمُرْتَهِنِ (فَوَلَدُهُ) مِنْهَا (حُرٌّ) لِأَنَّهَا لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْ مِلْكِهِ (وَعَجَّلَ) الرَّاهِنُ (الْمَلِيءُ الدَّيْنَ) لِلْمُرْتَهِنِ (أَوْ قِيمَتَهَا) : أَيْ الْأَقَلُّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ يَلْزَمُهُ، (وَإِلَّا) يَكُنْ مَلِيًّا بَلْ مُعْسِرًا (بَقِيَتْ) الْأَمَةُ الْمَرْهُونَةُ لِلْأَجَلِ (فَتُبَاعُ لَهُ) : أَيْ لِلدَّيْنِ إنْ وَضَعَتْ وَإِلَّا أُخِّرَتْ لِلْوَضْعِ وَيُبَاعُ بَعْضُهَا إنْ وَفَّى وَوُجِدَ مِنْ يَشْتَرِي الْبَعْضَ،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [عَلَى نَهْجِ مَا تَقَدَّمَ] : الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَمَا تَقَدَّمَ عَلَى نَهْجِ مَا هُنَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ لَمْ تَتَقَدَّمْ لِلشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [فَلَهُ أَخْذُهُ مُطْلَقًا] : أَيْ وَإِذَا أَخَذَهُ وَخَلَصَ مِنْ الرَّهْنِيَّةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْزَمُ الرَّاهِنَ مَا فَعَلَهُ مِنْ عِتْقٍ أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فِي الْحَاشِيَةِ وَكَمَا أَنَّ لَهُ أَخَذُهُ لَهُ عَدَمُ أَخْذِهِ وَيُعَجَّلُ الدَّيْنُ.
قَوْلُهُ: [فَاتَ أَوْ لَمْ يُفْتِ] : اُنْظُرْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ أَخْذُهُ بَعْدَ فَوَاتِهِ بِكَالْعِتْقِ مَعَ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ الرَّاهِنَ الْمُوسِرَ إذَا أَعْتَقَ الْمَرْهُونَ أَوْ كَاتَبَهُ فَإِنَّهُ يَمْضِي، قَالَ عب: وَقَدْ يُفَرَّقُ بِحَمْلِ أَخْذِ الرَّاهِنِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ غَصْبًا عَلَى قَصْدِ إبْطَالِ الرَّهْنِيَّةِ فَعُومِلَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، بِخِلَافِ عِتْقِ الْعَبْدِ وَهُوَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ مَا يُوجِبُ الْحَمْلَ عَلَى إبْطَالِ الرَّهْنِيَّةِ، حَتَّى يُعَامَلَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ.
قَالَ بْن: وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ ح مِنْ تَقَيُّدِ مَا هُنَا بِمَا يَأْتِي أَيْ إنَّ الْغَاصِبَ هُنَا يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا كَانَ مُعْسِرًا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ مُوسِرًا فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الرَّهْنُ بَلْ يَمْضِي بِمَا فَعَلَهُ وَيُعَجَّلُ الدَّيْنُ.

[وَطْءُ الرَّاهِنُ أَمَتَهُ الْمَرْهُونَةَ]

[الْمَسَائِل الَّتِي تُبَاع فِيهَا أُمّ الْوَلَد]

قَوْلُهُ: [أَيْ الْأَقَلِّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ] : أَيْ فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ عَجَّلَهَا وَطُولِبَ عِنْدَ الْأَجَلِ بِبَاقِي الدَّيْنِ وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ أَقَلَّ عَجَّلَهُ وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ.
قَوْلُهُ: [وَوَجَدَ مَنْ يَشْتَرِي الْبَعْضَ] : أَيْ فَإِنْ وَفَّى بَعْضَهَا بِالدَّيْنِ وَلَمْ يُوجَدْ

وَهَذِهِ أَحَدُ الْمَسَائِلِ الَّتِي تُبَاعُ فِيهَا أُمُّ الْوَلَدِ، الثَّانِيَةُ: أَمَةُ الْمُفْلِسِ الْمَوْقُوفَةُ لِلْغُرَمَاءِ يَطَؤُهَا الْمُفْلِسُ.
الثَّالِثَةُ: أَمَةُ الشَّرِكَةِ يَطَؤُهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِلَا إذْنِ الشَّرِيكِ الْآخَرِ.
الرَّابِعَةُ: جَارِيَةُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ وَمَاتَ فَوَطِئَهَا ابْنُهُ الْوَارِثُ.
الْخَامِسَةُ: أَمَةُ الْقِرَاضِ يَطَؤُهَا الْعَامِلُ.
السَّادِسَةُ: جَارِيَةٌ وَطِئَهَا سَيِّدُهَا الْعَالِمُ بِجِنَايَتِهَا مَعَ الْإِعْسَارِ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ فِي الْجَمِيعِ.

[حاشية الصاوي]

مَنْ يَشْتَرِيه بِيعَتْ كُلُّهَا.
قَوْلُهُ: [وَهَذِهِ أَحَدُ الْمَسَائِلِ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ، وَالْمُنَاسِبُ " وَهَذِهِ إحْدَى ". قَوْلُهُ: [فَوَطِئَهَا ابْنُهُ الْوَارِثُ] : أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَمَسَّهَا وَإِلَّا فَيُبَاعُ الْوَلَدُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ زِنًا مَحْضٌ.
تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [السَّادِسَةُ جَارِيَةٌ وَطِئَهَا سَيِّدُهَا] : هَكَذَا قَالَ الشَّارِحُ وَتَرَك بَيَاضًا.
وَذَكَرَ بَعْدَهُ: وَالْوَلَدُ حُرٌّ فِي الْجَمِيعِ وَتَتْمِيمُ مَا تَرَكَ لَهُ الْبَيَاضَ: الْعَالِمُ بِجِنَايَتِهَا مَعَ الْإِعْسَارِ فِي الْكُلِّ.
وَفِي بْن قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ: وَقَدْ أَجَادَ بَعْضُ الْأَذْكِيَاءِ مِمَّنْ لَقِينَاهُ إذْ نَظَمَ النَّظَائِرَ الْمَذْكُورَةَ فِي التَّوْضِيحِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَقَالَ: تُبَاعُ عِنْدَ مَالِكٍ أُمُّ الْوَلَدْ ... لِلدَّيْنِ فِي سِتِّ مَسَائِلَ تُعَدْ وَهِيَ إنْ أَحْبَلَ حَالَ عِلْمِهِ ... بِمَانِعِ الْوَطْءِ وَحَالَ عُدْمِهِ مُفْلِسٌ مَوْقُوفَةً لِلْغُرَمَا ... وَرَاهِنٌ مَرْهُونَةً لِيَغْرَمَا أَوْ ابْنُ مِدْيَانِ إمَاءِ التَّرِكَةِ ... أَوْ الشَّرِيكُ أَمَةً لِلشَّرِكَةِ أَوْ عَامِلُ الْقِرَاضِ مِمَّا حَرَّكَهْ ... أَوْ سَيِّدُ جَانِيَةٍ مُسْتَهْلَكَهْ فِي هَذِهِ السِّتَّةِ تَحْمِلُ الْأَمَهْ ... حُرًّا وَلَا يَدْرَأُ عَنْهَا مَلْأَمَهْ وَالْعَكْسُ جَاءَ فِي مَحَلٍّ فَرْدِ ... وَهْوَ حَمْلُ حُرَّةٍ بِعَبْدِ فِي الْعَبْدِ يَغْشَى مَالَهُ مِنْ مُعْتِقِهْ ... وَمَا دَرَى السَّيِّدُ حَتَّى أَعْتَقَهْ وَالْأُمُّ حُرَّةٌ وَمِلْكُ السَّيِّدِ ... بِمِثْلِ مَا فِي بَطْنِهَا مِنْ وَلَدِ وَصُورَةُ قَوْلِهِ فِي الْعَبْدِ: " يَغْشَى " إلَخْ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا وَطِئَ جَارِيَتَهُ فَحَمَلَتْ وَأَعْتَقَهَا وَلَمْ يَعْلَمْ السَّيِّدُ بِعِتْقِهِ لَهَا حَتَّى أَعْتَقَهُ، فَإِنَّ عِتْقَ الْعَبْدِ أَمَتَهُ مَاضٍ وَتَكُونُ حُرَّةً وَالْوَلَدُ الَّذِي فِي بَطْنِهَا رَقِيقٌ لِأَنَّهُ لِلسَّيِّدِ، وَقَوْلُهُ: وَالْوَلَدُ الَّذِي فِي بَطْنِهَا رَقِيقٌ، حَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا إذَا وَضَعَتْ الْوَلَدَ قَبْلَ عِتْقِ السَّيِّدِ الْعَبْدِ الَّذِي أَعْتَقَهَا، وَأَمَّا لَوْ كَانَ فِي بَطْنِهَا

وَالْقَوْلُ عِنْدَ تَنَازُعِهِمَا لِطَالِبِ حَوْزِهِ) : أَيْ لِمَنْ طَلَبَ مِنْهُمَا حَوْزَهُ (عِنْدَ أَمِينٍ) : لِأَنَّ الرَّاهِنَ قَدْ يَكْرَهُ وَضْعَهُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ وَالْمُرْتَهِنُ قَدْ يَكْرَهُ وَضْعَهُ عِنْدَهُ خَوْفَ الضَّمَانِ إذَا تَلِفَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ (وَ) لَوْ اتَّفَقَا عَلَى وَضْعِهِ عِنْدَ أَمِينٌ وَاخْتَلَفَا (فِي تَعْيِينِهِ نَظَرَ الْحَاكِمُ) فِي الْأَصْلَحِ مِنْهُمَا فَيُقَدِّمُهُ (وَإِنْ سَلَّمَهُ) الْأَمِينُ لِأَحَدِهِمَا (بِلَا إذْنٍ) مِنْ الْآخَرِ فَأَسْلَمَهُ (لِلرَّاهِنِ ضَمِنَ) لِلْمُرْتَهِنِ (الدَّيْنَ أَوْ الْقِيمَةَ) : أَيْ قِيمَةَ الرَّهْنِ: أَيْ الْأَقَلَّ مِنْهُمَا.
(وَ) إنْ سَلَّمَهُ (لِلْمُرْتَهِنِ) وَتَلِفَ عِنْدَهُ (ضَمِنَهَا) : أَيْ الْقِيمَةَ لِلرَّاهِنِ أَيْ تَعَلَّقَ بِهَا ضَمَانُهَا، فَإِنْ كَانَتْ قَدْرَ الدَّيْنِ سَقَطَ الدَّيْنُ وَبَرِئَ الْأَمِينُ،

[حاشية الصاوي]

حِينَ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ أُمَّهُ (اهـ) وَيُضَافُ لِلسِّتَّةِ عَلَى الضَّابِطِ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ حَمْلُ الْأَمَةِ بِحُرٍّ كَمَا فِي ح الْمُسْتَحَقِّ وَهِيَ حَامِلٌ وَالْأَمَةُ الْغَارَّةُ وَأَمَةُ الْمُكَاتَبِ إذَا مَاتَ وَفِيهَا وَفَاءٌ بِالْكِتَابَةِ وَلَهُ وَلَدٌ، فَإِنَّهُ يَبِيعُ أُمَّهُ وَيُوَفِّي الْكِتَابَةَ (اهـ) وَقَوْلُ النَّاظِمِ: الْعَكْسُ جَاءَ فِي مَحَلِّ فَرْدٍ إلَخْ لَا مَفْهُومَ لَهُ فَقَدْ يُفْرَضُ فِي أَمَةٍ حَامِلٍ وَهَبَهَا سَيِّدُهَا، وَاسْتَثْنَى حَمْلَهَا ثُمَّ إنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ أَعْتَقَهَا فَتَصِيرُ حُرَّةً حَامِلَةً بِرَقِيقٍ لِكَوْنِ الْحَمْلِ بَاقِيًا عَلَى مِلْكِ الْوَاهِبِ.

قَوْلُهُ: [لِطَالِبِ حَوْزِهِ] : أَيْ وَسَوَاءٌ جَرَتْ الْعَادَةُ بِوَضْعِهِ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ أَمْ لَا، خِلَافًا لِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ تَسْلِيمَهُ لِلْمُرْتَهِنِ كَانَ الْقَوْلُ لِمَنْ دَعَا إلَيْهِ لِأَنَّهُ كَالشَّرْطِ وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لِطَالِبِ الْأَمِينِ.
وَمَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ إذَا دَخَلَا عَلَى السُّكُوتِ، وَأَمَّا لَوْ امْتَنَعَ الْمُرْتَهِنُ عِنْدَ الْعَقْدِ مِنْ قَبْضِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبْضُهُ وَلَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ وَضْعَهُ عِنْدَهُ اتِّفَاقًا - كَذَا فِي بْن.
قَوْلُهُ: [فَيُقَدِّمَهُ] : فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الصَّلَاحِيَّةِ خُيِّرَ الْحَاكِمُ.
قَوْلُهُ: [فَأَسْلَمَهُ لِلرَّاهِنِ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ وَصَوَابُهُ فَإِنْ سَلَّمَهُ لِأَنَّهُ تَفْصِيلٌ بَعْدَ إجْمَالٍ.
قَوْلُهُ: [ضَمِنَ لِلْمُرْتَهِنِ الدَّيْنَ] : أَيْ تَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ بِحَيْثُ إذَا تَلِفَ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ أَوْ مِثْلَهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ بِالْفِعْلِ وَلَوْ كَانَ بَاقِيًا، غَايَةُ مَا هُنَاكَ يُرَدُّ فِعْلُهُ

وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الدَّيْنِ ضَمِنَ الزِّيَادَةَ لِلرَّاهِنِ وَرَجَعَ بِهَا عَلَى الْمُرْتَهِنِ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِضَيَاعِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ.
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: لَا فَرْقَ هُنَا بَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْأَمِينَ وَالْمُرْتَهِنَ مُتَعَدِّيَانِ.

(وَجَازَ حَوْزُ مُكَاتَبِ الرَّاهِنِ وَأَخِيهِ) : وَكَذَا وَلَدُهُ الرَّشِيدُ الْمُنْعَزِلُ عَنْهُ كَمَا قَالَ سَحْنُونَ، وَلَا يَكُونُ حَوْزُهُمْ كَحَوْزِ الرَّاهِنِ مُبْطِلًا لِلرَّهْنِ، لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ أَحْرَزَ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَالْأَخُ وَالِابْنُ الْكَبِيرُ الْمُنْعَزِلُ لَا تَجُولُ يَدُ الرَّاهِنِ عَلَى أَمْوَالِهِمْ (لَا) حَوْزَ (مَحْجُورِهِ) لِصِغَرٍ أَوْ سَفَهٍ أَوْ زَوْجِيَّةٍ أَوْ رِقٍّ فَلَا يَجُوزُ وَالْمُكَاتَبُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ لِلسَّيِّدِ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَإِنْ زَادَتْ عَلَى الدَّيْنِ] إلَخْ: سَكَتَ عَمَّا إذَا كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ.
وَالْحُكْمُ أَنْ يُحَطَّ عَنْ الرَّاهِنِ مِنْ الدَّيْنِ بِقَدْرِ قِيمَةِ الرَّهْنِ، وَلَا غُرْمَ عَلَى الْأَمِينِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، ثُمَّ إنَّ مَحَلَّ تَضْمِينِ الْأَمِينِ الزِّيَادَةَ إذَا سَلَّمَ الرَّهْنَ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ الْأَجَلِ؛ أَوْ قَبْلَهُ وَلَمْ يَطَّلِعْ الرَّاهِنُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ، وَأَمَّا إنْ عَلِمَ بِهِ قَبْلَ الْأَجَلِ فَإِنَّ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَغْرَمَ الْقِيمَةَ أَيَّهُمَا شَاءَ لِأَنَّهُمَا مُتَعَدِّيَانِ عَلَيْهِ، هَذَا بِأَخْذِهِ وَهَذَا بِدَفْعِهِ وَتُوقَفُ تِلْكَ الْقِيمَةُ عَلَى يَدِ أَمِينٍ غَيْرَهُمَا لِلْأَجَلِ، وَلِلرَّاهِنِ أَنْ يَأْتِيَ بِرَهْنٍ كَالْأَوَّلِ وَيَأْخُذَ الْقِيمَةَ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ] إلَخْ: الْحَقُّ أَنَّ الْأَمِينَ يَغْرَمُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْمُرْتَهِنِ كَانَ الرَّهْنُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ أَمْ لَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى هَلَاكِهِ بِدُونِ تَفْرِيطٍ أَمْ لَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمِينَ مُتَعَدٍّ بِالدَّفْعِ لِلْمُرْتَهِنِ وَالْمُرْتَهِنُ مُتَعَدٍّ بِأَخْذِهِ - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ تَبَعًا لِ بْن.
وَالْحَاشِيَةِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا النَّقْلُ قَوْلُ الشَّارِحِ بَعْدَ ذَلِكَ: " قَالَ أَبُو الْحَسَنِ " إلَخْ.

[مَا يَجُوز فِي الرَّهْن وَمَا لَا يَجُوز]

قَوْلُهُ: [الْمُنْعَزِلُ] : الْمُرَادُ بِهِ مَا لَيْسَ تَحْتَ الْحَجْرِ بَلْ هُوَ مُسْتَقِلٌّ بِالتَّصَرُّفِ وَلَوْ كَانَ مُشَارِكًا لِأَبِيهِ فِي الْأَمْوَالِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ رِقٍّ] : شَمِلَ الْمُدَبَّرَ وَلَوْ مَرِضَ السَّيِّدُ، وَالْمُعْتَقُ لِأَجَلٍ وَلَوْ قَرُبَ الْأَجَلُ، وَشَمِلَ الْقِنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ.
قَوْلُهُ: [كَأَنْ يُعَاقِدَهُ] : صُورَتُهَا أَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لِآخَرَ: خُذْ هَذَا الشَّيْءَ عِنْدَك رَهْنًا عَلَى مَا أَقْتَرِضُهُ مِنْك أَوْ عَلَى مَا يَقْتَرِضُهُ مِنْك فُلَانٌ أَوْ عَلَى ثَمَنِ مَا تَبِيعُهُ

(وَ) جَازَ (ارْتِهَانٌ قَبْلَ الدَّيْنِ) مِنْ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ كَأَنْ يُعَاقِدَهُ عَلَى دَفْعِ رَهْنٍ الْآنَ لِيَقْتَرِضَ مِنْهُ فِي غَدٍ كَذَا أَوْ يَشْتَرِيَ مِنْهُ سِلْعَةً وَيَكُونُ الرَّهْنُ فِي ذَلِكَ الدَّيْنِ، فَإِذَا قَبَضَ الرَّهْنَ الْآنَ وَحَصَلَ الدَّيْنُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَزِمَ الرَّهْنُ وَلَا يَحْتَاجُ لِقَبْضٍ آخَرَ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ لَزِمَهُ دَفْعُهُ بَعْدَ الدَّيْنِ.
(وَ) جَازَ الِارْتِهَانُ وَتَسْلِيمُهُ (عَلَى مَا يَلْزَمُ) الْمُؤَجِّرَ مِنْ الْأُجْرَةِ (بِعَمَلٍ) أَيْ بِسَبَبِ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ الْأَجِيرُ لَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ دَابَّتِهِ مَثَلًا، كَأَنْ يُؤَجِّرَ عَلَى خِيَاطَةٍ أَوْ نِجَارَةِ بَابٍ أَوْ نَسْجِ ثَوْبٍ أَوْ حِرَاسَةٍ أَوْ خِدْمَةٍ بِعَشَرَةٍ مَثَلًا عَلَى أَنْ يَدْفَعَ لِلْأَجِيرِ رَهْنًا فِي نَظِيرِ مَا يَلْزَمُ الْمُؤَجِّرُ مِنْ الْأُجْرَةِ، وَكَذَا يَجُوزُ لِلْأَجِيرِ إذَا دَفَعَ الْمُسْتَأْجِرُ لَهُ الْأُجْرَةَ قَبْلَ الْعَمَلِ وَخَافَ أَنْ يُفَرِّطَ الْأَجِيرُ فِيهِ أَنْ يَدْفَعَ رَهْنًا لِلْمُسْتَأْجِرِ عَلَى تَقْدِيرِ لَوْ لَمْ يَعْمَلْ كَانَ الرَّهْنُ رَهْنًا فِيمَا دَفَعَهُ لَهُ (أَوْ) بِسَبَبِ (جَعَالَةٍ) بِأَنْ يَأْخُذَ الْعَامِلُ مِنْ رَبِّ الْآبِقِ مَثَلًا رَهْنًا عَلَى الْأُجْرَةِ الَّتِي تَثْبُتُ لَهُ بَعْدَ الْعَمَلِ تَقَدَّمَ أَنَّ الرَّهْنَ مَالٌ يَكُونُ فِي دَيْنٍ لَازِمٍ أَوْ آيِلٍ لِلُّزُومِ.
(أَوْ) عَلَى مَا يَلْزَمُ (مِنْ قِيمَتِهِ) : كَأَنْ يَسْتَعِيرَ شَيْئًا وَيَدْفَعَ رَهْنًا لِلْمُعِيرِ فِي قِيمَتِهِ عَلَى تَقْدِيرِ لُزُومِهَا لَوْ ادَّعَى الضَّيَاعَ، وَكَذَا الصُّنَّاعُ يَدْفَعُونَ لِلْمَصْنُوعِ لَهُ رَهْنًا فِي قِيمَتِهِ عَلَى تَقْدِيرِ ادِّعَائِهَا الضَّيَاعَ.
(لَا) يَجُوزُ رَهْنٌ (فِي) نَظِيرِ (نَجْمِ كِتَابَةٍ مِنْ) إنْسَانٍ (أَجْنَبِيٍّ) أَيْ غَيْرِ الْمُكَاتَبِ يَدْفَعُهُ عَنْهُ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ فَرْعُ التَّحَمُّلِ، وَالْكِتَابَةُ لَا يَصِحُّ

[حاشية الصاوي]

لِي أَوْ لِفُلَانٍ.
وَالرَّهْنُ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ صَحِيحٌ لَازِمٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الرَّهْنِ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ لَازِمًا قَبْلَ الرَّهْنِ.
لَكِنْ لَا يَسْتَمِرُّ لُزُومُهُ إلَّا إذَا حَصَلَ بَيْعٌ أَوْ قَرْضٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ كَانَ لَهُ أَخْذُ رَهْنِهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ دَابَّتِهِ مَثَلًا] : دَخَلَ الْغُلَامُ.
قَوْلُهُ: [الْمُؤَجِّرُ] : بِالْكَسْرِ أَيْ الْمُسْتَأْجَرُ.
قَوْلُهُ: [وَيَدْفَعُ رَهْنًا لِلْمُعِيرِ فِي قِيمَتِهِ] : أَيْ وَأَمَّا دَفْعُهُ رَهْنًا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ ذَاتَ الشَّيْءِ الْمُعَارِ فَلَا يَصِحُّ، كَمَا إذَا بَاعَ دَابَّةً مُعَيَّنَةً أَوْ أَعَارَهَا وَأَخَذَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْبَائِعِ أَوْ الْمُعِيرُ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ رَهْنًا عَلَى أَنَّهَا إنْ اسْتَحَقَّتْ أَوْ ظَهَرَ بِهَا عَيْبٌ أَوْ أَتْلَفَ الْمُسْتَعِيرُ الْعَارِيَّةَ أَتَى لَهُ بِعَيْنِهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّهْنِ فَلَا يَصِحُّ لِاسْتِحَالَتِهِ عَقْلًا.

التَّحَمُّلُ بِهَا لِعَدَمِ لُزُومِهَا لِلْعَبْدِ وَعَدَمِ أَيْلُولَتِهَا لِلُّزُومِ، فَلَا يَصِحُّ فِيهَا رَهْنٌ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَأَمَّا مِنْ الْمُكَاتَبِ فَيَصِحُّ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ خِلَافًا لِابْنِ الْحَاجِبِ.

(وَانْدَرَجَ) فِي الرَّهْنِ (صُوفٌ تَمَّ) عَلَى الْغَنَمِ الْمَرْهُونَةِ يَوْمَ رَهْنِهَا تَبِعَا لَهَا لَا إنْ لَمْ يَتِمَّ.
(وَ) انْدَرَجَ فِي رَهْنِ حَيَوَانٍ حَامِلٍ (جَنِينٌ) فِي بَطْنِهَا وَقْتَ الرَّهْنِ وَأَوْلَى إنْ حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ.
(وَ) انْدَرَجَ فِي رَهْنِ النَّخْلِ (فَرْخُ نَخْلٍ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْفَسِيلِ بِالْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ.
(لَا) تَنْدَرِجُ ثَمَرَةٌ فِيهِ (ثَمَرَةٌ) عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ الْمَرْهُونَةِ (وَلَوْ طَابَتْ) يَوْمَ الرَّهْنِ وَلَمْ يَجْعَلْهَا ابْنُ الْقَاسِمِ كَالصُّوفِ التَّامِّ.
(وَ) لَا يَنْدَرِجُ (بِيضٌ) فِي رَهْنٍ كَدَجَاجٍ بَلْ هُوَ لِرَبِّهِ (وَ) لَا (مَالُ عَبْدٍ) فِي رَهْنِهِ بَلْ هُوَ لِرَبِّهِ (وَ) لَا (غَلَّةٌ) كَأُجْرَةِ دَارٍ أَوْ حَيَوَانٍ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَأَمَّا مِنْ الْمُكَاتَبِ فَيَصِحُّ] : وَعَلَيْهِ إذَا بَقِيَ عَلَى الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ بِيعَ الرَّهْنُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ.

[مَا يَنْدَرِج فِي الرَّهْن]

قَوْلُهُ: [لَا إنْ لَمْ يَتِمَّ] : أَيْ فَلَا يَنْدَرِجُ فِي عَقْدِ الرَّهْنِيَّةِ وَلِلرَّاهِنِ أَخْذُهُ بَعْدَ تَمَامِهِ وَذَلِكَ أَنَّ غَيْرَ التَّامِّ بِمَنْزِلَةِ الْغَلَّةِ وَهِيَ لَا تَنْدَرِجُ.
قَوْلُهُ: [جَنِينٌ] : أَيْ لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْهَا فَدُخُولُهُ هُنَا كَالْبَيْعِ - ابْنُ الْمَوَّازِ.
وَلَوْ شَرَطَ الرَّاهِنُ عَدَمَ دُخُولِهِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُنَاقِضٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ لِكَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ الْجُزْءِ مِنْ أُمِّهِ.
قَوْلُهُ: [وَأَوْلَى إنْ حَمَلَتْ بِهِ بَعْدُ] : وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّهُ بَعْدَ الرَّهْنِ يَكُونُ جُزْءًا مِنْهَا وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَا الرَّهْنُ بِخِلَافِهِ قَبْلُ فَقَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ ذَاتٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
قَوْلُهُ: [بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ] : وَبَعْضُهُمْ ضَبَطَهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ.
وَقَوْلُهُ: [هُوَ الْمُسَمَّى بِالْفَسِيلِ] : أَيْ وَيُسَمَّى بِالْوَدِيِّ.
قَوْلُهُ: [لَا تَنْدَرِجُ ثَمَرَةٌ فِيهِ ثَمَرَةٌ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ، وَالْمُنَاسِبُ حَذْفُ لَفْظِ ثَمَرَةٍ الَّتِي زَادَهَا الشَّارِحُ، لِأَنَّ الْكَلَامَ يَتِمُّ بِدُونِهَا.
قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَجْعَلْهَا ابْنُ الْقَاسِمِ كَالصُّوفِ التَّامِّ] : أَيْ حَيْثُ طَابَتْ وَالْفَرْقُ

وَكَسَمْنٍ وَلَبَنٍ وَعَسَلِ نَحْلٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ (إلَّا لِشَرْطٍ) : فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فَيَعْمَلُ وَتَكُونُ الْمَذْكُورَاتُ رَهْنًا مَعَ أَصْلِهَا.

(وَجَازَ) لِمُرْتَهِنٍ (شَرْطُ مَنْفَعَةٍ) فِي الرَّهْنِ كَسُكْنَى أَوْ رُكُوبٍ أَوْ خِدْمَةٍ بِشَرْطَيْنِ أَشَارَ لَهُمَا بِقَوْلِهِ (عُيِّنَتْ) بِزَمَنٍ أَوْ عَمَلٍ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْجَهَالَةِ فِي الْإِجَارَةِ (بِبَيْعٍ) : أَيْ فِي دَيْنِ بَيْعٍ (فَقَطْ) : لَا فِي قَرْضٍ، فَلَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ فِي الْبَيْعِ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ وَهُوَ جَائِزٌ، وَفِي الْقَرْضِ سَلَفٌ جَرَّ نَفْعًا وَهُوَ لَا يَجُوزُ وَكَذَا يَمْتَنِعُ التَّطَوُّعُ بِالْمَنْفَعَةِ فِي الْقَرْضِ وَالْبَيْعِ مُطْلَقًا عُيِّنَتْ أَمْ لَا فَعُلِمَ أَنَّهَا فِي الْقَرْضِ تَمْتَنِعُ فِي الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ وَهِيَ: الشَّرْطُ، وَالتَّطَوُّعُ عُيِّنَتْ أَمْ لَا.
وَفِي الْبَيْعِ فِي الثَّلَاثِ وَتَجُوزُ فِي الرَّابِعَةِ: وَهِيَ مَا إذَا وَقَعَتْ بِشَرْطٍ فِي الْعَقْدِ وَعُيِّنَتْ.
وَمِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي مِصْرَ جَمِيعِهَا - حَتَّى لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى رَفْعِهِ - أَنْ يَبْذُلَ الرَّجُلُ لِآخَرَ دَرَاهِمَ

[حاشية الصاوي]

بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصُّوفِ أَنَّهَا تُتْرَكُ لِتَزْدَادَ طِيبًا فَهِيَ غَلَّةٌ لَا رَهْنٌ وَالصُّوفُ لَا فَائِدَةَ فِي بَقَائِهِ بَعْدَ تَمَامِهِ بَلْ فِي بَقَائِهِ تَلَفٌ لَهُ وَهَذَا الْفَرْقُ ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِالثَّمَرَةِ الْيَابِسَةِ.

[اشْتِرَاط المرتهن الِانْتِفَاع بِالرَّهْنِ]

قَوْلُهُ: [بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ] : أَيْ لِأَنَّ السِّلْعَةَ الْمَبِيعَةَ بَعْضُهَا فِي مُقَابَلَةِ مَا يُسَمَّى مِنْ الثَّمَنِ وَبَعْضُهَا فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ، وَالْأَوَّلُ بَيْعٌ وَالثَّانِي إجَارَةٌ، وَمُحَصِّلُهُ: أَنَّ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ لَمْ تَضِعْ عَلَى الرَّاهِنِ بَلْ وَقَعَتْ جُزْءًا مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا يَمْتَنِعُ التَّطَوُّعُ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهَا هَدِيَّةُ مِدْيَانٍ، فَلِذَلِكَ مُنِعَتْ فِي الْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَهُوَ بَيَانٌ لِمَفْهُومِ الْمَوْضُوعِ.
قَوْلُهُ: [فَعَلِمَ أَنَّهَا] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ إمَّا أَنْ تَكُونَ مُدَّتُهَا مُعَيَّنَةً أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُرْتَهِنُ أَوْ يَتَطَوَّعَ بِهَا الرَّاهِنُ عَلَيْهِ، وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ فِي عَقْدِ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، فَأَخْذُ الْمُرْتَهِنِ لَهَا فِي رَهْنِ الْقَرْضِ مَمْنُوعٌ فِي صُوَرِهِ الْأَرْبَعِ، وَهِيَ مُعَيَّنَةٌ أَمْ لَا مُشْتَرَطَةٌ أَوْ مُتَطَوَّعٌ بِهَا، وَفِي رَهْنِ الْبَيْعِ فِي ثَلَاثٍ إذَا كَانَ مُتَطَوَّعًا بِهَا مُعَيَّنَةً أَمْ لَا أَوْ مُشْتَرَطَةً وَلَمْ تُعَيَّنْ، وَالْجَوَازُ فِي وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَا إذَا اُشْتُرِطَتْ وَكَانَتْ مُعَيَّنَةً.
قَوْلُهُ: [حَتَّى لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ] : الْمُنَاسِبُ حَتَّى لَا يَقْدِرَ.

ثُمَّ يَأْخُذَ مِنْهُ أَرْضَ زِرَاعَةٍ أَوْ حَائِطًا رَهْنًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ أَوْ يَأْخُذَ ثَمَرَ الْحَائِطِ مَا دَامَتْ الدَّرَاهِمُ فِي ذِمَّةِ آخِذِهَا، ثُمَّ زَادُوا فِي الضَّلَالِ إلَى أَنَّهُ إذَا رَدَّ أَخَذَ الدَّرَاهِمَ مَا فِي ذِمَّتِهِ لِيَأْخُذَ أَرْضَهُ أَوْ حَائِطَهُ تَوَقَّفَ مُعْطِيهَا فِي الْقَبُولِ، فَتَارَةً يَشْتَكِيه إلَى أُمَرَائِهَا لِيَنْصُرُوا الْبَاطِلَ وَتَارَةً يُصَالِحُوهُ عَلَى دَفْعِ شَيْءٍ لَهُ لِيَسْتَمِرَّ عَلَى ذَلِكَ السَّنَةَ أَوْ السَّنَتَيْنِ أَوْ الْأَكْثَرَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ،.

(وَ) جَازَ شَرْطُ الْمَنْفَعَةِ الْمُعَيَّنَةِ بِزَمَنٍ أَوْ عَمَلٍ (عَلَى أَنْ تُحْسَبَ مِنْ الدَّيْنِ مُطْلَقًا) : أَيْ فِي بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ، وَكَذَا إذَا وَقَعَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [عَلَى أَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ] إلَخْ: مَسْأَلَةُ رَهْنِ الْأَرْضِ وَالْحَائِطِ هِيَ الْمُسَمَّاةُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْغَارُوقَةِ، وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ مُطْلَقًا وَلَوْ شَرَطَ الْمَنْفَعَةَ فِي مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لِأَنَّهَا فِي قَرْضٍ لَا بَيْعٍ، وَلَا يَنْفَعُهُ أَنْ يَقُولَ: وَهَبْتُك الْمَنْفَعَةَ مَا دَامَتْ دَرَاهِمُك عَلَيَّ، لِأَنَّهَا حِيلَةٌ بَاطِلَةٌ عِنْدَنَا.
وَهِيَ مِنْ الرِّبَا فَيَجِبُ عَلَى وَاضِعِ الْيَدِ عَلَى الطِّينِ فِي نَظِيرِ دَرَاهِمِهِ الْإِقْلَاعُ عَنْهُ وَتَرْكُهُ لِصَاحِبِهِ وَالِاسْتِمْرَارُ عِلِّيّه مُحَرَّمٌ.
وَلَكِنْ إذَا وَقَعَ وَزَرَعَ الْأَرْضَ يَكُونُ الزَّرْعُ لَهُ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ الْأَرْضِ لِصَاحِبِهَا فَيُقَاصِصُهُ بِهَا مِنْ أَصْلِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ يَدْفَعُ الْخَرَاجَ لِلْمُلْتَزِمِ وَكَانَ قَدْرَ أُجْرَةِ الْأَرْضِ لَا يَلْزَمُهُ أُجْرَةٌ لِرَبِّهَا كَمَا قَرَّرَهُ الْأَشْيَاخُ.
قَوْلُهُ: [إلَى أَنَّهُ إذَا رَدَّ] إلَخْ: أَيْ أَرَادَ الرَّدَّ.

قَوْلُهُ: [الْمُعَيَّنَةُ بِزَمَنٍ أَوْ عَمَلٍ] إلَخْ: مَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُعَيَّنَةِ لَا يَجُوزُ وَعِلَّةُ الْمَنْعِ فِي صُوَرِ الْقَرْضِ اجْتِمَاعُ السَّلَفِ وَالْإِجَارَةِ وَفِي صُوَرِ الْبَيْعِ اجْتِمَاعُ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ الْمَجْهُولَةِ الْأَجَلِ.
قَوْلُهُ: [عَلَى أَنْ تُحْسَبَ مِنْ الدَّيْنِ مُطْلَقًا] إلَخْ: هَذَا الْإِطْلَاقُ فَاسِدٌ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ، لِأَنَّ الْجَوَازَ مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا اُشْتُرِطَتْ بِبَيْعٍ وَعُيِّنَتْ وَكَانَتْ تَفِي بِالدَّيْنِ أَوْ يُشْتَرَطُ تَعْجِيلُ مَا بَقِيَ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْبَاقِي يَدْفَعُ لَهُ فِيهِ شَيْئًا مُؤَجَّلًا فَمَمْنُوعٌ لِفَسْخِ مَا فِي الذِّمَّةِ فِي مُؤَخَّرٍ وَإِنْ كَانَ يُتْرَكُ لِلرَّاهِنِ جَازَ، إلَّا إذَا كَانَ اشْتِرَاطُ التَّرْكِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ فَلَا يَجُوزُ، لِلْغَرَرِ إذْ لَا يُعْلَمُ مَا يَبْقَى، وَأَمَّا الصُّوَرُ السَّبْعُ فَالْمَنْعُ فِيهَا مُطْلَقٌ أُخِذَتْ مَجَّانًا كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ لِتُحْسَبَ مِنْ الدَّيْنِ كَمَا هُنَا.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا إذَا وَقَعَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ] إلَخْ: فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّهَا تَجْرِي

الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَلَيْسَ فِيهِ هَدِيَّةُ مِدْيَانٍ، بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ بِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ.
نَعَمْ فِي الْقَرْضِ فِيهِ سَلَفٌ وَإِجَارَةٌ.
(وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ) : أَيْ مِنْ الْمُرْتَهِنِ (بَعْدَ) حُصُولِ (الْمَانِعِ) لِلرَّاهِنِ؛ كَمَوْتٍ أَوْ فَلَسٍ مَعَ حَوْزِهِ لِلرَّهْنِ: أَنَّهُ (حَازَ) الرَّهْنَ (قَبْلَهُ) : أَيْ قَبْلَ الْمَانِعِ وَنَازَعَهُ الْغُرَمَاءُ، وَقَالُوا: إنَّمَا حُزْته بَعْدَهُ فَلَا تُفِيدُهُ دَعْوَاهُ (وَلَوْ شَهِدَ لَهُ الْأَمِينُ) الْحَائِزُ لَهُ.
لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ لَهُ (عَلَى

[حاشية الصاوي]

عَلَى مُبَايَعَةِ الْمِدْيَانِ فَإِنْ كَانَ فِيهَا مُسَامَحَةٌ حُرِّمَ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ بِالْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ التَّطَوُّعِ بِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ] : مَعْنَاهُ التَّبَرُّعُ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تُحْسَبَ مِنْ الدَّيْنِ فَلَا يُنَاقِضُ مَا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: [نَعَمْ فِي الْقَرْضِ] إلَخْ: اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الْجَوَازِ الَّذِي أَفَادَهُ الْإِطْلَاقُ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّهُ خِلَافُ الصَّوَابِ، وَالْمُنَاسِبُ حَذْفُ قَوْلِهِ: " فِيهِ " لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّكَّةِ.
ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ فِي أَخْذِ الْمُرْتَهِنِ الْمَنْفَعَةَ الَّتِي هِيَ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، وَأَمَّا لَوْ شَرَطَ الْمُرْتَهِنُ أَخَذَ الْغَلَّةَ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ مِنْ دَيْنِهِ، فَإِنْ لَمْ يُؤَجَّلْ لِذَلِكَ أَجَلًا جَازَ فِي الْقَرْضِ وَمَنَعَ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّ الْقَرْضَ يَجُوزُ فِيهِ الْجَهْلُ بِالْأَجَلِ دُونَ الْبَيْعِ، وَإِنْ أَجَّلَ ذَلِكَ بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَإِنْ دَخَلَا عَلَى أَنَّهُ إنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ بَعْدَ الْأَجَلِ يُوَفِّيه الرَّاهِنُ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ مِنْ ثَمَنِ الرَّهْنِ جَازَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ وَالْقَرْضِ، وَإِنْ دَخَلَا عَلَى أَنَّ الْفَاضِلَ مِنْ الدَّيْنِ يُعْطِيهِ بِهِ شَيْئًا مُؤَجَّلًا مَنَعَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ وَالْقَرْضِ، وَإِنْ دَخَلَا عَلَى أَنَّ الْفَاضِلَ مِنْ الدَّيْنِ يَتْرُكُ لِلْمَدِينِ جَازَ فِي الْقَرْضِ دُونَ الْبَيْعِ - كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فَعْلِ نَفْسِهِ] : أَيْ الَّذِي هُوَ الْحَوْزُ وَالشَّهَادَةُ عَلَى فَعْلِ النَّفْسِ لَا تَعْتَبِرُ لِأَنَّهَا دَعْوَى.
وَيُسْتَفَادُ مِنْ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَنَّ شَهَادَةَ الْقَبَّانِي بِأَنَّ وَزْنَ مَا قَبَضَهُ فُلَانٌ كَذَا لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فَعْلِ النَّفْسِ، بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ أَنَّ فُلَانًا قَبَضَ مَا وَزْنُهُ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِشَهَادَتِهِ، فَإِنْ شَهِدَ بِهِمَا مَعًا فَالظَّاهِرُ الْبُطْلَانُ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا بَطَلَ بَعْضُهَا بَطَلَ كُلُّهَا حَيْثُ كَانَ بُطْلَانُ بَعْضِهَا لِلتُّهْمَةِ كَمَا هُنَا.
وَمَحَلُّ بُطْلَانِ شَهَادَةِ الْقَبَّانِي إذَا شَهِدَ بِالْوَزْنِ: مَا لَمْ يَكُنْ مُقَامًا مِنْ طَرَفِ السُّلْطَانِ أَوْ نَائِبِهِ كَالْقَاضِي كَمَا بِمِصْرَ، وَإِلَّا عَمِلَ بِشَهَادَتِهِ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَابِعَ الْمَقَامِ مِنْ الْقَاضِي مِثْلِهِ.

التَّحْوِيزِ) قَبْلَهُ: أَيْ عَلَى مُعَايَنَةِ أَنَّ الرَّاهِنَ سَلَّمَ لَهُ الرَّهْنَ قَبْلَ حُصُولِ الْمَانِعِ (أَوْ) تَشْهَدُ لَهُ (عَلَى الْحَوْزِ) : أَيْ عَلَى كَوْنِهِ حَازَهُ قَبْلَ الْمَانِعِ وَلَوْ لَمْ تَشْهَدْ بِالتَّحْوِيزِ (عَلَى الْأَوْجُهِ) مِنْ التَّأْوِيلَيْنِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهَا بِالْحَوْزِ قَبْلَهُ مَعَ ثُبُوتِ الدَّيْنِ يُفِيدُ الظَّنَّ بِأَنَّ الرَّاهِنَ سَلَّمَهُ لَهُ، وَاحْتِمَالُ احْتِيَالِ الْمُرْتَهِنِ عَلَيْهِ بَعِيدٌ.
وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى التَّحْوِيزِ وَالْقَبْضِ مِنْ الرَّاهِنِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: وَفِيهَا دَلِيلُهُمَا وَاخْتَارَ الْبَاجِيُّ الْأَوَّلَ، وَلَكِنْ ظَاهِرُهَا الثَّانِي، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ رُشْدٍ وَنَصُّهَا فِي كِتَابِ الْهِبَةِ: وَلَا يَقْضِي بِالْحِيَازَةِ إلَّا بِمُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ بِحَوْزِهِ فِي حَبْسٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَلَوْ أَقَرَّ الْمُعْطِي بِصِحَّتِهِ أَنَّ الْمُعْطِيَ قَدْ حَازَ وَقَبَضَ وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ حَتَّى تُعَايِنَ الْبَيِّنَةُ الْحَوْزَ (اهـ) وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: يَكْفِي الْحَوْزُ فِي الْهِبَةِ وَلَا يَكْفِي فِي الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ.

(وَ) لَوْ بَاعَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ (مَضَى بَيْعُهُ) وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ (قَبْلَ قَبْضِهِ) : أَيْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْهُ (إنْ فَرَّطَ مُرْتَهِنُهُ) فِي طَلَبِهِ حَتَّى بَاعَهُ رَاهِنُهُ وَيَبْقَى دَيْنُهُ بِلَا رَهْنٍ لِتَفْرِيطِهِ.
(وَإِلَّا) يُفَرِّطْ بَلْ جَدَّ فِي طَلَبِهِ فَبَاعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ (فَهَلْ يَمْضِي) بَيْعُهُ (وَيَكُونُ الثَّمَنُ) : أَيْ ثَمَنُهُ (رَهْنًا) فِي الدَّيْنِ فَاتَ الرَّهْنُ عِنْدَ مُشْتَرِيه أَوْ لَا؛ (أَوْ لَا) يَمْضِي بَلْ يُرَدُّ وَيَكُونُ رَهْنًا فِي الدَّيْنِ؟ وَهَذَا إذَا لَمْ يَفُتْ فَإِنْ فَاتَ بِيَدِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَالْقَبْضُ مِنْ الرَّاهِنِ] : عَطَفَ تَفْسِيرٌ عَلَى التَّحْوِيزِ.
قَوْلُهُ: [حَتَّى تُعَايِنَ الْبَيِّنَةُ الْحَوْزَ] : هُنَا حَذْفٌ مِنْ أَصْلِ النَّصِّ سَقَطَ مِنْ الْمُؤَلِّفِ، فَإِنَّ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ: وَشَهِدَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بَيِّنَةٌ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يُقْضَ بِذَلِكَ إنْ أَنْكَرَ الْوَرَثَةُ حَتَّى تُعَايِنَ الْبَيِّنَةُ الْحَوْزَ (اهـ) كَمَا فِي بْن وَبِهَذَا الْمَحْذُوفِ تَسْتَقِيمُ الْعِبَارَةُ.
وَوَجْهُ كَوْنِ هَذَا النَّصِّ فِيهِ الدَّلِيلُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّ قَوْلَهُ: حَتَّى تُعَايِنَ الْبَيِّنَةُ الْحَوْزَ، يَحْتَمِلُ حَقِيقَةَ الْحَوْزِ بِأَنْ تُعَايِنَ الْبَيِّنَةُ أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ أَوْ الْمُتَصَدَّقَ بِهِ أَوْ الْمَرْهُونَ فِي حَوْزِ الشَّخْصِ الْمُعْطَى بِالْفَتْحِ قَبْلَ الْمَانِعِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَوْزِ التَّحْوِيزُ: أَيْ التَّسْلِيمُ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ الْمُعَايَنَةِ.

[بَيْع الرَّهْن]

قَوْلُهُ: [وَهَذَا إذَا لَمْ يَفُتْ] : بَعْدَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فِي نُسْخَةِ الْمُؤَلِّفِ: فَإِنْ يَبْدَأَ إلَخْ.
وَصَوَابُهُ فَإِنْ فَاتَ بِيَدِ مُشْتَرِيه.

فصول الكتاب · 3 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك · 813 صفحة
المقدمة
بَابُ فِي الشُّفْعَةِ وَأَحْكَامِهَا
بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ
جارٍ التحميل