حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالكصفحات 232-275
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَهَذَا (إنْ أَطْلَقَ) فِي يَمِينِهِ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِعَمْدٍ وَلَا تَذْكَارٍ.
فَإِنْ قَيَّدَ بِأَنْ قَالَ: لَا أَفْعَلُهُ مَا لَمْ أَنْسَ أَوْ عَامِدًا مُخْتَارًا أَوْ مُتَذَكِّرًا فَلَا حِنْثَ بِالنِّسْيَانِ أَوْ الْخَطَأِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا حِنْثَ فِي الْإِكْرَاهِ فِي الْبِرِّ.

(وَ) حَنِثَ فِي الْبِرِّ (بِالْبَعْضِ) أَيْ بِفِعْلِ بَعْضِ الْمَحْلُوفِ عَلَى تَرْكِهِ، فَمَنْ حَلَفَ لَا آكُلُ الرَّغِيفَ أَوْ هَذَا الطَّعَامَ فَأَكَلَ بَعْضَهُ وَلَوْ لُقْمَةً حَنِثَ.
وَأَمَّا صِيغَةُ الْحِنْثِ نَحْوَ: وَاَللَّهِ لَآكُلَن هَذَا الطَّعَامَ أَوْ الرَّغِيفَ، أَوْ إنْ لَمْ آكُلْهُ فَهِيَ طَالِقٌ، فَلَا يَبَرُّ بِفِعْلِ الْبَعْضِ.
وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: (عَكْسُ الْبِرِّ)

[حاشية الصاوي]

أَيْضًا مَا إذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مِنْهُ دَرَاهِمَ فَتَنَاوَلَ مِنْهُ ثَوْبًا: تَبَيَّنَ أَنَّ فِيهِ دَرَاهِمَ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ وَقِيلَ بِعَدَمِ الْحِنْثِ وَقِيلَ بِالْحِنْثِ إنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ فِيهِ دَرَاهِمَ قِيَاسًا عَلَى السَّرِقَةِ وَإِلَّا فَلَا حِنْثَ، وَأَمَّا الْغَلَطُ اللِّسَانِيُّ فَالصَّوَابُ عَدَمُ الْحِنْثِ بِهِ كَحَلِفِهِ: لَا أَذْكُرُ فُلَانًا فَسَبَقَ لِسَانُهُ بِهِ، وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ مِنْ الْحِنْثِ بِالْغَلَطِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْغَلَطُ الْجَنَانِيُّ الَّذِي هُوَ الْخَطَأُ كَذَا فِي (بْنِ) . قَوْلُهُ: [فَلَا حِنْثَ بِالنِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ] : أَيْ اتِّفَاقًا وَأَمَّا لَوْ قَالَ لَا أَفْعَلُهُ عَمْدًا وَلَا نِسْيَانًا، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ اتِّفَاقًا، فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ فِي غَدٍ فَأَكَلَ فِيهِ نِسْيَانًا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَصُومَن غَدًا فَأَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ أَكَلَ نَاسِيًا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ كَمَا فِي سَمَاعِ عِيسَى، لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى الصَّوْمِ وَقَدْ وُجِدَ وَاَلَّذِي فَعَلَهُ نِسْيَانًا هُوَ الْأَكْلُ، وَهَذَا الْأَكْلُ غَيْرُ مُبْطِلٍ لِصَوْمِهِ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ فِي التَّطَوُّعِ لَا يُبْطِلُهُ وَهَذَا الصَّوْمُ كَتَطَوُّعٍ بِحَسَبِ الْأَصْلِ، فَلَمَّا لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ لَمْ يَحْنَثْ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .

قَوْلُهُ: [فَأَكَلَ بَعْضَهُ وَلَوْ لُقْمَةً حَنِثَ] : قَالَ فِي الْأَصْلِ وَلَوْ قَيَّدَ بِالْكُلِّ (اهـ.) أَيْ بِأَنْ قَالَ: لَا آكُلُ كُلَّ الرَّغِيفِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ مُحَشِّيهِ: وَاسْتُشْكِلَ هَذَا بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ إفَادَةَ كُلٍّ لِلْكُلِّيَّةِ مَحَلُّهُ مَا لَمْ تَقَعْ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ، وَإِلَّا لَمْ يَسْتَغْرِقْ غَالِبًا بَلْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ نَفْيَ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الصَّادِقَةِ بِالْبَعْضِ كَقَوْلِهِ: مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى الْمَرْءُ يُدْرِكُهُ ... تَجْرِي الرِّيَاحُ بِمَا لَا تَشْتَهِي السُّفُنُ وَمَا هُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ اسْتِغْرَاقُهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 23] فَتَأَمَّلْهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: رُوعِيَ فِي هَذَا الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ الْوَجْهُ الْقَلِيلُ

أَيْ لَا يَبَرُّ بِالْبَعْضِ أَيْ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ،.

(وَ) حَنِثَ (بِالسَّوِيقِ أَوْ اللَّبَنِ) أَيْ بِشُرْبِهِمَا (فِي) حَلِفِهِ: (لَا آكُلُ) طَعَامًا لِأَنَّ شُرْبَهُمَا أَكْلٌ شَرْعًا وَلُغَةً، وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ لَا نِيَّةَ وَلَا بِسَاطَ،.

(وَ) حَنِثَ (بِلَحْمِ حُوتٍ أَوْ) لَحْمِ (طَيْرٍ أَوْ) أَكْلِ (شَحْمٍ فِي: لَحْمٍ) أَيْ فِي حَلِفِهِ لَا آكُلُ لَحْمًا.

(وَ) حَنِثَ (بِوُجُودِ أَكْثَرَ) مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ (فِي) حَلِفِهِ: (لَيْسَ مَعِي غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ هَذَا الْقَدْرِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (لِسَائِلٍ) سَأَلَهُ أَنْ يُسَلِّفَهُ أَوْ يَقْضِيَهُ حَقَّهُ أَوْ يَهَبَهُ.

[حاشية الصاوي]

حَيْثُ لَا نِيَّةَ وَلَا بِسَاطَ، لِأَنَّ الْحِنْثَ يَقَعُ بِأَدْنَى وَجْهٍ فَتَأَمَّلْ (اهـ) وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْحِنْثِ بِالْبَعْضِ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ هَذَا الثَّوْبَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِإِدْخَالِ طَوْقِهِ فِي عُنُقِهِ وَمَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي حَنِثَ بِالْإِحْرَامِ، وَمَنْ حَلَفَ لَا يَصُومُ حَنِثَ بِالْإِصْبَاحِ نَاوِيًا وَلَوْ أَفْسَدَ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهِمَا، بَلْ فِي (ح) إنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ حَنِثَ بِوَضْعِ رِجْلِهِ فِي الرِّكَابِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَى الدَّابَّةِ حَيْثُ اسْتَقَلَّ عَنْ الْأَرْضِ، وَإِنْ عَلَّقَ يَمِينَهُ عَلَى وَضْعِ مَا فِي الْبَطْنِ فَوَضَعَتْ وَاحِدًا وَبَقِيَ وَاحِدٌ حَنِثَ بِوَضْعِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَطَؤُهَا حَنِثَ بِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ، وَقِيلَ بِالْإِنْزَالِ، وَلَا يَحْنَثُ بِبَعْضِ الْحَشَفَةِ لِتَعْوِيلِ.
الشَّارِعِ فِي أَحْكَامِ الْوَطْءِ عَلَى مَغِيبِ الْحَشَفَةِ، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الدَّارَ لَمْ يَحْنَثْ بِإِدْخَالِ رَأْسِهِ بِخِلَافِ رِجْلِهِ وَالْأَظْهَرُ إنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهَا اُنْظُرْ الْبَدْرَ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) قَوْلُهُ: [أَيْ فِي صِيغَةِ الْحِنْثِ] : أَيْ إذَا كَانَتْ الصِّيغَةُ صِيغَةَ حِنْثٍ وَحَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ ذِي أَجْزَاءٍ فَلَا يَبَرُّ بِفِعْلِ الْبَعْضِ؛ وَذَكَرَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَدَوِيُّ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَيْهِ بِالْأَكْلِ، فَإِنْ كَانَ فِي آخِرِ الْأَكْلِ فَلَا يَبَرُّ الْحَالِفُ إلَّا بِأَكْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ثَلَاثَ لُقَمٍ فَأَكْثَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْأَكْلِ فَلَا يَبَرُّ إلَّا بِشِبَعٍ مِثْلُهُ.

قَوْلُهُ: [أَيْ بِشُرْبِهِمَا] : أَيْ لَا بِشُرْبِ الْمَاءِ وَلَوْ مَاءَ زَمْزَمَ فَلَا يَحْنَثُ إذْ هُوَ لَيْسَ بِطَعَامٍ عُرْفًا، وَإِنْ كَانَ مَاءُ زَمْزَمَ طَعَامًا شَرْعًا وَالْعُرْفُ مُقَدَّمٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَحَلُّ حِنْثِهِ بِشُرْبِ اللَّبَنِ وَالسَّوِيقِ إنْ قَصَدَ التَّضْيِيقَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ لَا يُدْخِلَ فِي بَطْنِهِ طَعَامًا إذْ هُمَا مِنْ الطَّعَامِ فَإِنْ قَصَدَ الْأَكْلَ دُونَ الشُّرْبِ فَلَا حِنْثَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ لَا نِيَّةَ وَلَا بِسَاطَ.

قَوْلُهُ: [وَحَنِثَ بِلَحْمِ حُوتٍ] إلَخْ: أَيْ لِصِدْقِ اللَّحْمِ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَالَ

كَذَا فَحَلَفَ: لَيْسَ مَعِي إلَّا عَشَرَةٌ لَا غَيْرُ، فَإِذَا مَعَهُ أَكْثَرُ.
وَإِنَّمَا يَحْنَثُ (فِيمَا لَا لَغْوَ فِيهِ) مِنْ الْأَيْمَانِ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَأَمَّا مَا فِيهِ لَغْوٌ - وَهِيَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ - فَلَا حِنْثَ كَمَا تَقَدَّمَ.
(لَا) بِوُجُودِ (أَقَلَّ) مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَلَا حِنْثَ لِظُهُورِ أَنَّ الْمُرَادَ: لَيْسَ مَعِي مَا يَزِيدُ عَلَى مَا حَلَفْت عَلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ مَعِي أَزْيَدَ لَأَعْطَيْتُك مَا سَأَلْت فَمَقْصُودُهُ بِالْيَمِينِ نَفْيُ الْأَكْثَرِ لَا الْأَقَلِّ.

(وَ) حَنِثَ (بِدَوَامِ رُكُوبِهِ أَوْ) دَوَامِ (لُبْسِهِ فِي) حَلِفِهِ: (لَا أَرْكَبُ) هَذِهِ الدَّابَّةَ، (وَ) : لَا (أَلْبَسُ) هَذَا الثَّوْبَ؛ لِأَنَّ الدَّوَامَ كَالِابْتِدَاءِ، (وَ) حَنِثَ (بِدَابَّةٍ) أَيْ بِرُكُوبِ دَابَّةِ (عَبْدِهِ) : أَيْ عَبْدِ زَيْدٍ مَثَلًا (فِي) حَلِفِهِ عَلَى رُكُوبِ (دَابَّتِهِ) أَيْ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ مَالَ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ.
وَالْمَوْضُوعُ - كَمَا تَقَدَّمَ - عَدَمُ النِّيَّةِ وَالْبِسَاطِ.

(وَ) حَنِثَ (بِجَمْعِ الْأَسْوَاطِ) الْعَشَرَةِ مَثَلًا (فِي) حَلِفِهِ:

[حاشية الصاوي]

تَعَالَى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: 14] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: 21] وَشُمُولُ اللَّحْمِ لِلشَّحْمِ ظَاهِرٌ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحِنْثِ بِلَحْمِ الْحُوتِ وَمَا بَعْدَهُ فِي حَلِفِهِ لَا آكُلُ لَحْمًا عُرْفٌ مَضَى، وَأَمَّا عُرْفُ زَمَانِنَا خُصُوصًا بِمِصْرَ فَلَا يَحْنَثُ بِمَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَحْمًا عُرْفًا وَالْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.

قَوْلُهُ: [فِي حَلِفِهِ لَا أَرْكَبُ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا لَوْ حَلَفَ لَأَرْكَبَن أَوْ أَلْبَسَن بَرَّ بِدَوَامِ الرُّكُوبِ، وَاللُّبْسِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَظُنُّ الرُّكُوبَ وَاللُّبْسَ فِيهَا، فَإِذَا كَانَ مُسَافِرًا مَسَافَةَ يَوْمَيْنِ وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَأَرْكَبَن الدَّابَّةَ وَالْحَالُ أَنَّهُ رَاكِبٌ لَهَا فَلَا يَبَرُّ إلَّا إذَا رَكِبَهَا بَاقِي الْمَسَافَةِ وَلَا يَضُرُّ نُزُولُهُ فِي مُقْتَضَيَاتِ النُّزُولِ وَكَذَا يُقَالُ فِي حَلِفِهِ لَأَلْبَسَن.
قَوْلُهُ: [أَيْ بِرُكُوبِ دَابَّةِ عَبْدِهِ] : وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُكَاتَبًا، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ نَظَرًا لِلُحُوقِ الْمِنَّةِ بِهَا كَلُحُوقِهَا بِدَابَّةِ سَيِّدِهِ، وَقَالَ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ: لَا يَحْنَثُ بِدَابَّةِ مُكَاتَبِهِ فَهُمَا قَوْلَانِ، وَمَفْهُومُ (عَبْدِهِ) أَنْ لَا يَحْنَثَ بِدَابَّةِ وَلَدِهِ وَلَوْ كَانَ لَهُ

(لَأَضْرِبَنَّهُ كَذَا) أَيْ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ وَضَرَبَهُ بِالْعَشَرَةِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَبَرُّ وَالْيَمِينُ بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ الضَّرْبَ بِهَا مَجْمُوعَةً لَا يُؤْلِمُهُ كَالْمُفَرَّقَةِ.

(وَ) حَنِثَ (بِفِرَارِ الْغَرِيمِ) مِنْهُ (فِي) حَلِفِهِ لِغَرِيمِهِ: (لَا فَارَقْتُك) أَيُّهَا الْغَرِيمُ (أَوْ لَا فَارَقْتنِي حَتَّى يَقْضِيَنِي حَقِّي) فَفَرَّ مِنْهُ، (وَلَوْ لَمْ يُفَرِّطْ) بِأَنْ انْفَلَتَ مِنْهُ كُرْهًا عَلَيْهِ (أَوْ) أَنَّ الْغَرِيمَ (أَحَالَهُ) : أَيْ أَحَالَ الْحَالِفَ عَلَى مَدِينٍ لَهُ فَرَضِيَ الْحَالِفُ بِالْحَوَالَةِ وَتَرَكَ سَبِيلَهُ فَيَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: إلَّا أَنْ تَقْضِيَنِي بِنَفْسِك، إلَّا لِنِيَّةٍ أَوْ بِسَاطٍ.

(وَ) حَنِثَ (بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِ بَيْتًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ (مَيِّتًا) ، (أَوْ) دَخَلَ عَلَيْهِ

[حاشية الصاوي]

اعْتِصَارُهَا.
وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ الْحِنْثَ بِدَابَّةِ وَلَدِهِ حَيْثُ كَانَ لَهُ اعْتِصَارُهَا لِتَحَقُّقِ الْمِنَّةِ بِهَا فَتَأَمَّلْ، لَكِنْ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: إنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ مَوْجُودٌ فِي دَابَّةِ الْوَلَدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ اعْتِصَارُهَا.

قَوْلُهُ: [وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَبَرُّ] : أَيْ أَنَّ الصِّيغَةَ صِيغَةُ حِنْثٍ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْفِعْلِ لَا بِالتَّرْكِ، وَلَا يَحْتَسِبُ بِالضَّرْبَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ جَمِيعِهَا حَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ بِهَا إيلَامٌ كَالْمُنْفَرِدَةِ، وَإِلَّا حُسِبَتْ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مُنْفَرِدًا عَنْ الْآخَرِ فِيمَا عَدَا مَحَلِّ مَسْكَنِهِ، وَيَحْصُلُ بِكُلِّ إيلَامٍ مُنْفَرِدٍ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَحْتَسِبُ بِذَلِكَ فَلَوْ ضَرَبَهُ الْعَدَدَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ كَمِائَةِ سَوْطٍ بِسَوْطٍ لَهُ رَأْسَانِ خَمْسِينَ ضَرْبَةً، فَإِنَّهُ يَجْتَزِئُ بِذَلِكَ (اهـ.) .

قَوْلُهُ: [وَحَنِثَ بِفِرَارِ الْغَرِيمِ] : لَا يُقَالُ الْفِرَارُ إكْرَاهٌ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ صِيغَةُ بِرٍّ؛ لِأَنَّنَا نَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْفِرَارَ إكْرَاهٌ، سَلَّمْنَا أَنَّهُ إكْرَاهٌ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصِّيغَةَ صِيغَةُ بِرٍّ، بَلْ صِيغَةُ حِنْثٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَأُلْزِمَنك - اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ (اهـ. بْن مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [أَوْ أَنَّ الْغَرِيمَ أَحَالَهُ] : أَيْ فَبِمُجَرَّدِ قَبُولِ الْحَوَالَةِ يَحْنَثُ وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ مُفَارَقَةٌ مِنْ الْغَرِيمِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُفَارَقَةِ، وَلَوْ قَبَضَ الْحَقَّ بِحَضْرَةِ الْغَرِيمِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الْحِنْثِ بِالْحَوَالَةِ خِلَافُ عُرْفِ مِصْرَ الْآنَ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ.

قَوْلُهُ: [فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَيِّتًا] : أَيْ قَبْلَ الدَّفْنِ، وَأَمَّا لَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتًا دُفِنَ فِيهِ فَلَا حِنْثَ.

(فِي بَيْتِ شَعْرٍ، أَوْ) دَخَلَ عَلَيْهِ فِي (سِجْنٍ بِحَقٍّ) كَأَنْ سُجِنَ لِدَيْنٍ أَوْ نَحْوِهِ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ الشَّرْعِيَّ كَلَا إكْرَاهَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ سُجِنَ ظُلْمًا فَلَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ، وَلَا حِنْثَ فِي الْإِكْرَاهِ كَمَا تَقَدَّمَ (فِي) حَلِفِهِ فِي الْجَمِيعِ: (لَا أَدْخُلُ عَلَيْهِ بَيْتًا.
لَا) يَحْنَثُ (بِدُخُولِ مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ) عَلَى الْحَالِفِ وَلَوْ اسْتَمَرَّ الْحَالِفُ جَالِسًا (إنْ لَمْ يَنْوِ) الْحَالِفُ بِقَوْلِهِ: لَا أَدْخُلُ عَلَيْهِ بَيْتًا (الْمُجَامَعَةَ) : أَيْ الِاجْتِمَاعَ مَعَهُ فِي مَكَان، وَإِلَّا حَنِثَ،.

(وَ) حَنِثَ (بِتَكْفِينِهِ) أَيْ إدْرَاجِهِ فِي الْكَفَنِ أَوْ تَغْسِيلِهِ (فِي) حَلِفِهِ: (لَا يَنْفَعُهُ حَيَاتَهُ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَعَلُّقَاتِ الْحَيَاةِ.

(وَ) حَنِثَ (بِالْكِتَابِ) الَّذِي كَتَبَهُ أَوْ أَمَرَ بِكَتْبِهِ (إنْ وَصَلَ) لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَازِمًا حِينَ كِتَابَتِهِ أَوْ إمْلَائِهِ أَوْ الْأَمْرِ بِكِتَابَتِهِ أَمْ لَا، لَا إنْ لَمْ يَصِلْ وَلَوْ كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ حِينَ الْكِتَابَةِ، بِخِلَافِ الطَّلَاقِ يَقَعُ بِمُجَرَّدِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فِي بَيْتِ شِعْرٍ] : الْعُرْفُ الْآنَ يَقْتَضِي عَدَمَ الْحِنْثِ فِيهِ إذْ لَا يُقَالُ لِلشِّعْرِ فِي الْعُرْفِ بَيْتٌ إلَّا إذَا كَانَ الْحَالِفُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ اسْتَمَرَّ الْحَالِفُ جَالِسًا] إلَخْ: أَيْ خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ حَيْثُ قَالَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَيَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَجْلِسُ بَعْدَ دُخُولِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنْ جَلَسَ وَتَرَاخَى حَنِثَ وَيَصِيرُ كَابْتِدَاءِ دُخُولِهِ هُوَ عَلَيْهِ (اهـ) . قَوْلُهُ: [وَإِلَّا حَنِثَ] : أَيْ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ جُلُوسٌ.

قَوْلُهُ: [بِتَكْفِينِهِ] إلَخْ: أَيْ خِلَافًا لِمَا اسْتَظْهَرَهُ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ مِنْ عَدَمِ الْحِنْثِ بِإِدْرَاجِهِ فِي الْكَفَنِ، وَأَوْلَى مِنْ الْإِدْرَاجِ فِي الْحِنْثِ شِرَاءُ الْكَفَنِ لَهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ مِنْ عِنْدِهِ، لِأَنَّهُ نَفْعٌ فِي الْجُمْلَةِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَعَلُّقَاتِ الْحَيَاةِ] : أَيْ فَيَشْمَلُ بَاقِي مُؤَنِ التَّجْهِيزِ فَيَحْنَثُ بِهَا عَلَى مَا اخْتَارَ بْن خِلَافًا لعب حَيْثُ قَالَ: لَا يَحْنَثُ: بِبَاقِي مُؤَنِ التَّجْهِيزِ قَوْلُهُ: [إنْ وَصَلَ] : أَيْ وَكَانَ الْوُصُولُ بِأَمْرِ الْحَالِفِ، وَأَمَّا لَوْ دَفَعَهُ الْحَالِفُ لِلرَّسُولِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَهَاهُ عَنْ إيصَالِهِ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَعَصَاهُ وَأَوْصَلَهُ فَلَا يَحْنَثُ الْحَالِفُ لَا بِإِيصَالِهِ وَلَا بِقِرَاءَتِهِ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ..

الْكِتَابَةِ عَازِمًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَسْتَقِلُّ بِهِ الزَّوْجُ بِلَا مُشَافَهَةٍ بِخِلَافِ الْكَلَامِ.
(أَوْ) بِإِرْسَالِ (رَسُولٍ) بِكَلَامٍ إنْ بَلَغَ (فِي) حَلِفِهِ: (لَا أُكَلِّمُهُ وَقُبِلَتْ نِيَّتُهُ إنْ ادَّعَى) الْحَالِفُ (الْمُشَافَهَةَ) ، بِأَنْ قَالَ: أَنَا نَوَيْت أَنْ لَا أُكَلِّمَهُ مُشَافَهَةً وَوُصُولُ الْكِتَابِ وَإِبْلَاغُ الرَّسُولِ لَيْسَ فِيهِمَا مُشَافَهَةٌ، فَتُقْبَلُ نِيَّتُهُ مُطْلَقًا فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ، (إلَّا فِي) وُصُولِ (الْكِتَابِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ) فِيمَا إذَا حَلَفَ: إنْ كَلَّمْته فَهِيَ طَالِقٌ، أَوْ: فَعَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ، فَأَرْسَلَ لَهُ كِتَابًا وَوَصَلَهُ فَادَّعَى الْمُشَافَهَةَ: لَمْ يُقْبَلْ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِحَقِّ الْعَبْدِ وَالزَّوْجَةِ، وَلِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْحُرِّيَّةِ فِي الْأَوَّلِ وَالِاحْتِيَاطِ فِي الْفُرُوجِ فِي الثَّانِي.

(وَ) حَنِثَ فِي حَلِفِهِ: لَا كَلَّمَهُ، (بِالْإِشَارَةِ) لَهُ (وَبِكَلَامٍ لَمْ يَسْمَعْهُ) الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (لِنَوْمٍ أَوْ صَمَمٍ) أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَانِعٍ لَوْ فُرِضَ عَدَمُهُ لَسَمِعَهُ عَادَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَلَّمَهُ مِنْ بُعْدٍ لَا يُمْكِنُ سَمَاعُهُ مِنْهُ عَادَةً فَلَا يَحْنَثُ.
(وَ) حَنِثَ (بِسَلَامٍ عَلَيْهِ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُهُ، أَوْ) كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ (فِي

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [يَسْتَقِلُّ بِهِ الزَّوْجُ] إلَخْ: أَيْ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى حُضُورِ الزَّوْجَةِ وَلَا عَلَى مُشَافَهَتِهَا بِخِلَافِ الْكَلَامِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى حُضُورِ الْمُخَاطَبِ وَمُشَافَهَتِهِ.
قَوْلُهُ: [إنْ بَلَغَ] : أَيْ وَأَمَّا مُجَرَّدُ وُصُولِ الرَّسُولِ مِنْ غَيْرِ تَبْلِيغٍ فَلَا يُوجِبُ الْحِنْثَ.
قَوْلُهُ: [إلَّا فِي وُصُولِ الْكِتَابِ] إلَخْ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالرَّسُولِ أَنَّ الْكِتَابَةَ يُقَالُ لَهَا كَلَامُ الْحَالِفِ لُغَةً بِخِلَافِ كَلَامِ الرَّسُولِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ لِلْحَالِفِ لَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا فَلِذَلِكَ قُبِلَتْ نِيَّتُهُ فِيهِ حَتَّى فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ فَتَدَبَّرْ.

قَوْلُهُ: [بِالْإِشَارَةِ] إلَخْ: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ سَمِيعًا أَوْ أَصَمَّ أَوْ أَخْرَسَ أَوْ نَائِمًا، لَكِنَّ الَّذِي فِي (ح) : أَنَّ الرَّاجِحَ عَدَمُ الْحِنْثِ بِهَا مُطْلَقًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَنَصَّ ابْنُ عَرَفَةَ وَفِي حِنْثِهِ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ ثَالِثُهَا فِي الَّتِي يَفْهَمُ بِهَا عَنْهُ؛ الْأَوَّلُ لِابْنِ رُشْدٍ عَنْ أَصْبَغَ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَالثَّانِي لِسَمَاعِ عِيسَى بْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ رُشْدٍ مَعَ ظَاهِرِ إيلَائِهَا، وَالثَّالِثُ لِابْنِ عَبْدُوسٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ (اهـ بْن.
مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [لَمْ يَسْمَعْهُ] : أَيْ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى لَوْ سَمِعَهُ.
قَوْلُهُ: [وَحَنِثَ بِسَلَامٍ عَلَيْهِ] : أَيْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ كَمَا يَأْتِي.
وَقَوْلُهُ: [مُعْتَقِدًا أَنَّهُ غَيْرُهُ] : أَيْ جَازِمًا أَنَّهُ غَيْرُهُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ لَا يُقَالُ هَذَا

جَمَاعَةٍ) سَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ؛ (إلَّا أَنْ يُحَاشِيَهُ) : أَيْ يُخْرِجَهُ بِقَلْبِهِ مِنْهُمْ قَبْلَ نُطِقْهُ بِالسَّلَامِ، ثُمَّ يَقْصِدَ بِسَلَامِهِ عَلَيْهِمْ مَنْ سِوَاهُ فَلَا يَحْنَثُ (لَا) إنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ (بِصَلَاةٍ) وَلَوْ كَانَ عَلَى يَسَارِهِ (أَوْ) وُصُولِ (كِتَابِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لَهُ) أَيْ الْحَالِفِ (وَلَوْ قَرَأَهُ) الْحَالِفُ فَلَا يَحْنَثُ عَلَى الْأَصَحِّ، (وَ) حَنِثَ (بِفَتْحٍ عَلَيْهِ) ، فِي قِرَاءَةٍ بِأَنْ وَقَفَ فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ غَيْرِهِ فَأَرْشَدَهُ لِلصَّوَابِ لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ: قُلْ كَذَا،.

(وَ) حَنِثَ (بِخُرُوجِهَا بِلَا عِلْمِهَا بِإِذْنِهِ) لَهَا فِي الْخُرُوجِ

[حاشية الصاوي]

مِنْ اللَّغْوِ وَلَا يَحْنَثُ فِيمَا يَجْرِي فِيهِ اللَّغْوُ، لِأَنَّنَا نَقُولُ: اللَّغْوُ الْحَلِفُ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ فَيَظْهَرُ نَفْيُهُ، وَالِاعْتِقَادُ هُنَا لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ لَغْوًا بَلْ بِغَيْرِهِ بَلْ هَذَا مِنْ بَابِ الْخَطَأِ وَتَقَدَّمَ الْحِنْثُ بِهِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يُحَاشِيَهُ] حَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ الْجَمَاعَةِ قَبْلَ السَّلَامِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِخْرَاجُ بِالنِّيَّةِ أَوْ بِاللَّفْظِ، فَإِنْ حَدَثَتْ الْمُحَاشَاةُ بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ فَلَا يَنْفَعُهُ إلَّا الْإِخْرَاجُ بِاللَّفْظِ لَا بِالنِّيَّةِ هَكَذَا قِيلَ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْإِخْرَاجَ بِالنِّيَّةِ حَالَ السَّلَامِ يَنْفَعُ.
قَوْلُهُ: [لَا إنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ بِصَلَاةٍ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَلَامًا عُرْفًا، بِخِلَافِ السَّلَامِ خَارِجَ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مَطْلُوبًا.
قَوْلُهُ [فَلَا يَحْنَثُ عَلَى الْأَصَحِّ] : أَيْ عَلَى مَا صَوَّبَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُمَا الْحِنْثُ وَعَدَمُهُ.
قَوْلُهُ: [بِفَتْحٍ عَلَيْهِ] إلَخْ: ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ أَوْ فِيهَا، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْفَتْحُ وَاجِبًا بِأَنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ إمَامًا وَفَتَحَ عَلَيْهِ فِي الْفَاتِحَةِ.
إنْ قُلْت: إذَا لَمْ يَحْنَثْ بِسَلَامِ الرَّدِّ فِي الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ مَطْلُوبُ اسْتِنَانًا فَأَوْلَى أَنْ لَا يَحْنَثَ بِالْفَتْحِ عَلَى إمَامِهِ إذَا وَجَبَ؟ أُجِيبُ: بِأَنَّ الْفَتْحَ فِي مَعْنَى الْمُكَالَمَةِ إذْ هُوَ فِي مَعْنَى: قُلْ كَذَا أَوْ اقْرَأْ كَذَا، بِخِلَافِ سَلَامِ الصَّلَاةِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحِنْثِ بِالْفَتْحِ مُطْلَقًا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إنَّهُ يَحْنَثُ بِالْفَتْحِ فِي السُّورَةِ، وَلَا يَحْنَثُ بِالْفَتْحِ عَلَيْهِ بِالْفَاتِحَةِ وَالْفِقْهُ مُسَلَّمٌ وَإِلَّا فَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْفَتْحَ فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ كَلَامًا عُرْفًا كَمَا قَالُوا فِي سَلَامِهَا.
قَوْلُهُ: [فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ غَيْرِهِ] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ وَالْمُنَاسِبُ فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا.

(فِي) حَلِفِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ: (لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِي) وَلَا يَنْفَعُهُ دَعْوَى أَنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ بِهِ، لِأَنَّ حَلِفَهُ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ إلَّا بِسَبَبِ إذْنِي وَخُرُوجُهَا لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ إذْنِهِ.

(وَ) حَنِثَ (بِالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ) عَلَى مَحْلُوفٍ عَلَيْهِ (فِي) حَلِفِهِ: (لَا أَعَارَهُ) شَيْئًا (وَبِالْعَكْسِ) كَأَنْ حَلَفَ لَا وَهَبَهُ شَيْئًا أَوْ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَأَعَارَهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا يَنْفَعُهُ بِشَيْءٍ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ.
فَوَهَبَهُ أَوْ عَكْسَهُ الْحِنْثُ بِالْأَوْلَى.
(وَنَوَى) : أَيْ قُبِلَتْ نِيَّتُهُ فِي ذَلِكَ إنْ ادَّعَى نِيَّةً حَتَّى فِي طَلَاقٍ وَعِتْقٍ لَدَى حَاكِمٍ لِمُسَاوَاةِ نِيَّتِهِ لِظَاهِرِ لَفْظِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.

(وَ) حَنِثَ (بِالْبَقَاءِ) فِي الدَّارِ (وَلَوْ لَيْلًا) وَلَا يُبْرِئُهُ إلَّا الِارْتِحَالُ بِأَثَرِ حَلِفِهِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فِي حَلِفِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ] إلَخْ: صُورَتُهَا حَلَفَ رَجُلٌ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِ، فَأَذِنَ لَهَا وَخَرَجَتْ بَعْدَ إذْنِهِ لَكِنْ قَبْلَ عِلْمِهَا بِالْإِذْنِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ سَوَاءٌ أَذِنَ لَهَا وَهُوَ حَاضِرٌ أَوْ فِي حَالِ سَفَرِهِ أَشْهَدَ عَلَى الْإِذْنِ أَوْ لَا، بَقِيَ لَوْ أَذِنَ لَهَا وَعَلِمَتْ بِالْإِذْنِ ثُمَّ رَجَعَ فِي إذْنِهِ فَخَرَجَتْ فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْنَثُ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَحْنَثُ.

قَوْلُهُ: [وَحَنِثَ بِالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ] إلَخْ: حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الصُّوَرَ سِتَّةٌ وَهِيَ مَا إذَا حَلَفَ لَا أَعَارَهُ فَوَهَبَ أَوْ تَصَدَّقَ وَبِالْعَكْسِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ، أَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ فَتَصَدَّقَ وَبِالْعَكْسِ فَهَاتَانِ صُورَتَانِ.
وَظَاهِرُ شَارِحِنَا أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ مَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَتُقْبَلُ حَتَّى عِنْدَ الْقَاضِي فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ وَفِي الْمَجْمُوعِ مِنْ التَّفْصِيلِ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا أَعَارَهُ فَتَصَدَّقَ أَوْ وَهَبَ أَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ فَتَصَدَّقَ، فَإِنْ يَنْوِيَ عِنْدَ الْمُفْتِي مُطْلَقًا وَعِنْدَ الْقَاضِي فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ، وَأَمَّا لَوْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ أَوْ لَا يَهَبُ فَأَعَارَ أَوْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ فَوَهَبَ فَيَنْوِي مُطْلَقًا عِنْدَ الْمُفْتِي وَالْقَاضِي، حَتَّى فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ.

قَوْلُهُ: [وَلَا يُبْرِئُهُ إلَّا الِارْتِحَالُ بِأَثَرِ حَلِفِهِ] إلَخْ: هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَمُقَابِلُهُ قَوْلُ أَشْهَبَ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُكْمِلَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَقَوْلُ أَصْبَغَ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَزِيدَ

(أَوْ بِإِبْقَاءِ شَيْءٍ) مِنْ مَتَاعِهِ فِيهَا، (إلَّا) مَا لَا بَالَ لَهُ عُرْفًا (كَمِسْمَارٍ) وَوَتَدٍ وَخِرْقَةٍ مِنْ كُلِّ مَا لَا تَلْتَفِتُ النَّفْسُ لَهُ (فِي) حَلِفِهِ: (لَا سَكَنْت) هَذِهِ الدَّارَ، إلَّا أَنْ يَخَافَ مِنْ ظَالِمٍ أَوْ لِصٍّ أَوْ سَبُعٍ إذَا ارْتَحَلَ بِاللَّيْلِ؛ وَلَا يَضُرُّهُ التَّعْزِيلُ فِي يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لِكَثْرَةِ مَتَاعِهِ.
وَلَيْسَ مِنْ الْعُذْرِ وُجُودُ بَيْتٍ لَا يُنَاسِبُهُ أَوْ كَثِيرُ الْأُجْرَةِ بَلْ يَنْتَقِلُ وَلَوْ فِي بَيْتِ شَعْرٍ.
ثُمَّ إذَا خَرَجَ لَا يَعُودُ وَإِلَّا يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْعَوْدِ، بِخِلَافِ: لَأَنْتَقِلَن (لَا) يَحْنَثُ (بِخَزْنٍ) فِيهَا بَعْدَ الِانْتِقَالِ، لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سُكْنَى فِي الْعُرْفِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَبْقَى فِيهَا شَيْئًا مَخْزُونًا حِينَ الِانْتِقَالِ، (وَلَا) يَحْنَثُ بِالْبَقَاءِ فِيهَا (فِي) حَلِفِهِ: (لَأَنْتَقِلَن) مِنْ هَذِهِ الدَّارِ.
وَيُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ إنْ كَانَ يَمِينُهُ بِالطَّلَاقِ، وَمِنْ بَيْعِ الْعَبْدِ إنْ كَانَ يَمِينُهُ بِالْعِتْقِ حَتَّى يَنْتَقِلَ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهَا يَمِينُ حِنْثٍ.
(إلَّا أَنْ يُقَيَّدَ بِزَمَنٍ) كَ: لَأَنْتَقِلَن فِي هَذَا الشَّهْرِ (فَبِمُضِيِّهِ) يَحْنَثُ إذَا

[حاشية الصاوي]

عَلَيْهِمَا، وَفِي الْأُجْهُورِيِّ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ، وَمَنْ رَاعَى الْعُرْفَ وَالْعَادَةَ أَمْهَلَهُ حَتَّى يُصْبِحَ فَيَنْتَقِلَ لِمَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ بِإِبْقَاءِ شَيْءٍ] : مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْبَقَاءِ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ حَنِثَ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَخَافَ مِنْ ظَالِمٍ] إلَخْ: أَيْ فَلَا يَحْنَثُ بِبَقَائِهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَى الْبَقَاءِ وَيَمِينُهُ صِيغَةُ بِرٍّ وَلَا حِنْثَ فِيهَا بِالْإِكْرَاهِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ لَأَنْتَقِلَن] : أَيْ فَيَجُوزُ لَهُ الْعَوْدُ فِي الدَّارِ بَعْدَ الِانْتِقَالِ بِشَرْطِهِ الْآتِي، وَمِثْلُ: لَأَنْتَقِلَن لَا بَقِيت أَوْ: لَا أَقَمْت، عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَقِيلَ: مِثْلُ: لَا سَكَنْت كَذَا فِي (بْن) فَعَلَى الْمُعْتَمَدِ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ نِصْفِ شَهْرٍ، إذَا حَلَفَ لَا بَقِيت فِي هَذِهِ الدَّارِ أَوْ لَا أَقَمْت فِيهَا.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ مَا لَوْ أَبْقَى فِيهَا شَيْئًا] إلَخْ: أَيْ لَهُ بَالٌ يَحْمِلُهُ عَلَى الرُّجُوعِ.
قَوْلُهُ: [وَيُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ] : فَإِنْ لَمْ يَنْتَقِلْ وَرَافَعَتْهُ الزَّوْجَةُ ضَرَبَ لَهُ أَجَلَ الْإِيلَاءِ مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ.
قَوْلُهُ: [فَبِمُضِيِّهِ يَحْنَثُ] : أَيْ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ إلَّا إذَا ضَاقَ الْأَجَلُ.

لَمْ يَنْتَقِلْ فِيهِ، وَجَازَ لَهُ الْعَوْدُ بَعْدَ الِانْتِقَالِ لَكِنْ بَعْدَ مُدَّةٍ أَقَلُّهَا نِصْفُ شَهْرٍ، وَنُدِبَ لَهُ كَمَالِهِ وَإِلَّا لَمْ يَبَرَّ إذَا أَبْقَى مَا لَهُ بَالٌ لَا كَمِسْمَارٍ.

(وَ) حَنِثَ الْحَالِفُ (بِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الدَّيْنِ) الَّذِي وَفَّاهُ لِغَرِيمِهِ الْمَحْلُوفِ لَهُ وَأَوْلَى اسْتِحْقَاقُ الْكُلِّ (أَوْ ظُهُورِ عَيْبِهِ) : أَيْ الدَّيْنِ (بَعْدَ) مُضِيِّ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [لَكِنْ بَعْدَ مُدَّةٍ] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ يُعَيِّنْ مُدَّةً أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَتُعْتَبَرُ.
تَنْبِيهٌ: مَنْ حَلَفَ لَا سَاكَنَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ مَثَلًا كَفَى فِي بَرِّهِ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ الْحَالَةِ الَّتِي كَانَا عَلَيْهَا، بِحَيْثُ يَزُولُ عَنْهُمَا اسْمُ الْمُسَاكَنَةِ عُرْفًا وَلَوْ بِضَرْبِ جِدَارٍ بَيْنَهُمَا، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ وَثِيقًا بَلْ يَكْفِي وَلَوْ جَرِيدًا وَيَحْنَثُ بِالزِّيَارَةِ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ قَصَدَ التَّنَحِّيَ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْحَامِلُ لَهُ أُمُورُ الْعِيَالِ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا أَنْ يُكْثِرَ الزِّيَارَةَ أَوْ يَبِيتَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، بَقِيَ مَا لَوْ حَلَفَ عَلَى عَدَمِ الْمُسَاكَنَةِ وَكَانَا بِحَارَةٍ أَوْ بِحَارَتَيْنِ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ أَوْ مَدِينَةٍ، وَالْحُكْمُ أَنَّهُمَا إذَا كَانَا بِحَارَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الِانْتِقَالِ مِنْهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ يَمِينُهُ لَا سَاكَنَهُ أَوْ فِي هَذِهِ الْحَارَّةِ وَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ لَا سَاكَنَهُ بِبَلْدَةٍ، أَوْ فِي هَذَا الْبَلَدِ، فَيَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ لِبَلَدٍ لَا يَلْزَمُ أَهْلَهَا السَّعْيُ لِجُمُعَةِ الْأُخْرَى، بِأَنْ يَنْتَقِلَ لِبَلَدٍ عَلَى كَفَرْسَخٍ.
وَإِنْ حَلَفَ لَأُسَاكِنُهُ وَالْحَالُ أَنَّهُمَا بِحَارَتَيْنِ لَزِمَهُ الِانْتِقَالُ لِبَلَدٍ آخَرَ عَلَى كَفَرْسَخٍ إنْ صَغُرَتْ الْبَلَدُ الَّتِي هُمَا بِهَا.
وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ كَبِيرًا فَلَا يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ وَيَلْزَمُهُ الْمُبَاعَدَةُ عَنْهُ، وَعَدَمُ سُكْنَاهُ مَعَهُ فَإِنْ سَكَنَ مَعَهُ حَنِثَ كَذَا قِيلَ وَاَلَّذِي فِي (ح) عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ انْتِقَالُهُ لِقَرْيَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ.
وَمَنْ حَلَفَ لَأُسَافِرَن فَلَا يَبَرُّ إلَّا بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ حَمْلًا عَلَى الْقَصْدِ الشَّرْعِيِّ دُونَ اللُّغَوِيِّ، وَلَزِمَهُ مُكْثٌ فِي مُنْتَهَى سَفَرِهِ خَارِجًا عَنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ نِصْفَ شَهْرٍ فَلَا يَرْجِعُ لِمَكَانٍ دُونَ الْمَسَافَةِ قَبْلَهُ وَيَنْدُبُ لَهُ كَمَالُ الشَّهْرِ.

قَوْلُهُ: [بِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الدَّيْنِ] إلَخْ: أَيْ وَقَامَ رَبُّ الدَّيْنِ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَالِاسْتِحْقَاقُ مِثْلُ ظُهُورِ الْعَيْبِ إذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ صَاحِبُهُ لَمْ يَحْنَثْ الْحَالِفُ.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِاسْتِحْقَاقِ الْبَعْضِ وَلَوْ كَانَ الْبَعْضُ الْبَاقِي يَفِي بِالدَّيْنِ لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ فِي حَقِّهِ إلَّا بِالْكُلِّ، فَلَمَّا ذَهَبَ الْبَعْضُ انْتَقَضَ الرِّضَا، وَظَاهِرُهُ وَأَيْضًا الْحِنْثُ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَلَوْ أَجَازَ الْمُسْتَحَقُّ أَخَذَ رَبُّ الْحَقِّ ذَلِكَ الشَّيْءَ الْمَقْضِيَّ بِهِ الدَّيْنُ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ وَاخْتَارَ اتِّبَاعَ ذِمَّةِ الدَّافِعِ.

(الْأَجَلِ) الَّذِي حَلَفَ لِيَقْضِهِ فِيهِ أَيْ ظَهَرَ فِيهِ بَعْدَ الْأَجَلِ أَنَّ بِهِ عَيْبًا قَدِيمًا يُوجِبُ الرَّدَّ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ وَاجِدُهُ، (وَ) حَنِثَ (بِهِبَتِهِ) أَيْ الدَّيْنِ (لَهُ) : أَيْ لِلْمَدِينِ الْحَالِفِ فَقَبِلَ، (أَوْ دَفْعِ قَرِيبٍ) مَثَلًا (عَنْهُ) : أَيْ عَنْ الْحَالِفِ بِلَا إذْنِهِ، (وَإِنْ) دَفَعَ الْقَرِيبُ مَثَلًا (مِنْ مَالِهِ) أَيْ مَالِ الْحَالِفِ فَلَا يَبَرُّ، (أَوْ شَهَادَةِ بَيِّنَةٍ) لِلْحَالِفِ (بِالْقَضَاءِ) بَعْدَ أَنْ حَلَفَ فَيَحْنَثُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ (فِي) حَلِفِهِ لِرَبِّ الدَّيْنِ: (لَأَقْضِيَنك) حَقَّك (لِأَجَلِ كَذَا) : أَيْ فِي أَجَلِ كَذَا كَشَهْرِ رَمَضَانَ، فَلَمَّا قَضَاهُ دَيْنَهُ فِيهِ اُسْتُحِقَّ الدَّيْنَ مِنْ يَدِهِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا أَوْ ظَهَرَ بِهِ عَيْبٌ يُوجِبُ الرَّدَّ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ لَهُ وَهَبَهُ رَبُّهُ لِلْمَدِينِ الْحَالِفِ وَقَبِلَ، فَبِمُجَرَّدِ الْقَبُولِ يَحْنَثُ وَلَا يَنْفَعُهُ إقْبَاضُهُ لَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ، أَوْ وَفَّاهُ عَنْهُ قَرِيبٌ لَهُ أَوْ صَدِيقٌ وَأَوْلَى أَجْنَبِيٌّ أَوْ شَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِالْقَضَاءِ وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَيْ ظَهَرَ فِيهِ بَعْدَ الْأَجَلِ] إلَخْ: فَعَلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْحِنْثَ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ: أَنْ يَقُومَ رَبُّ الدَّيْنِ بِهِ، وَأَنْ يَكُونَ قِيَامُهُ بَعْدَ الْأَجَلِ وَفِي مَسْأَلَةِ ظُهُورِ الْعَيْبِ مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ ثَلَاثَةٍ هَذَانِ الْقَيْدَانِ، وَكَوْنُ الْعَيْبِ مُوجِبًا لِلرَّدِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلرَّدِّ أَوْ لَمْ يَقُمْ رَبُّ الدَّيْنِ بِهِ، بَلْ سَامَحَ أَوْ قَامَ قَبْلَ الْأَجَلِ فَأَجَازَهُ أَوْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ لَمْ يَحْنَثْ الْحَالِفُ.
قَوْلُهُ: [وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَضَاءِ] إلَخْ: وَلَمْ يُعَوِّلُوا هُنَا عَلَى الْبِسَاطِ وَإِلَّا فَمُقْتَضَاهُ لَا حِنْثَ حِينَئِذٍ، وَحَيْثُ قُلْتُمْ، بِدَفْعِهِ ثُمَّ أَخْذِهِ فَإِنْ أَبَى الْمَحْلُوفُ لَهُ مِنْ الْأَخْذِ، وَقَالَ: لَا حَقَّ لِي لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبْضِهِ، وَيَقَعُ الْحِنْثُ كَذَا قِيلَ وَلَكِنْ اسْتَظْهَرَ الْأُجْهُورِيُّ جَبْرَهُ عَلَى الْقَبُولِ إنْ أَبَى مِنْهُ لِأَجْلِ أَنْ يَبَرَّ الْحَالِفُ وَهُوَ وَجِيهٌ.
تَنْبِيهٌ: مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَن فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلِ كَذَا فَجُنَّ أَوْ أُسِرَ أَوْ حُبِسَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الدَّفْعُ، وَدَفَعَ الْحَاكِمُ عَنْهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ مِنْ مَالِهِ أَوْ مَالِ الْحَاكِمِ فَيَبَرُّ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ الْحَاكِمُ عَنْهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ بَلْ بَعْدَهُ فَقَوْلَانِ بِالْحِنْثِ وَعَدَمِهِ.
مَسْأَلَةٌ: مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَن فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلِ كَذَا فَلَا يَبَرُّ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ مُتَّفِقٍ عَلَى فَسَادِهِ قَاصَصَهُ بِثَمَنِهِ مِنْ حَقِّهِ حَيْثُ فَاتَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَلَمْ تَفِ الْقِيمَةُ بِالدَّيْنِ، فَإِنْ وَفَتْ الْقِيمَةُ بِالثَّمَنِ حِينَئِذٍ أَوْ كَمَّلَ لَهُ عَلَيْهَا قَبْلَ الْأَجَلِ بَرَّ، وَكَذَا إنْ فَاتَ بَعْدَهُ وَوَفَتْ الْقِيمَةُ عَلَى الْمُخْتَارِ كَمَا لَوْ كَانَ مُخْتَلِفًا فِي فَسَادِهِ لِمُضِيِّهِ بِالثَّمَنِ.

ثُمَّ يَأْخُذُهُ إنْ شَاءَ، نَعَمْ إنْ عَلِمَ الْحَالِفُ فِي مَسْأَلَةِ دَفْعِ الْقَرِيبِ عَنْهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْأَجَلِ، وَرَضِيَ بِدَفْعِهِ عَنْهُ بَرَّ، لِأَنَّ عِلْمَهُ وَرِضَاهُ فَنَزَلَ مَنْزِلَةَ دَفْعِهِ،.

(وَ) حَنِثَ (بِعَدَمِ قَضَاءٍ، لِلدَّيْنِ فِي غَدٍ فِي) حَلِفِهِ: (لَأَقْضِيَنك) حَقَّك (غَدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (لَيْسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وَإِنَّمَا اعْتَقَدَ الْحَالِفُ أَنَّهُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ غَلَطًا لِتَعَلُّقِ الْحِنْثِ بِالْغَدِ لَا بِتَسْمِيَتِهِ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
(وَلَهُ) : أَيْ لِلْحَالِفِ (لَيْلَةٌ وَيَوْمٌ) مِنْ الشَّهْرِ يَقْضِي فِيهِ دَيْنَهُ، فَإِنْ أَخَّرَ عَنْ الْيَوْمِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ حَنِثَ (فِي) حَلِفِهِ: لَأَقْضِيَنك حَقَّك (فِي رَأْسِ الشَّهْرِ) الْفُلَانِيِّ،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِعَدَمِ قَضَاءٍ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا إنْ قَضَاهُ قَبْلَهُ فَلَا حِنْثَ لِأَنَّ قَصْدَهُ عَدَمُ الْمَطْلِ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ بِالتَّأْخِيرِ إلَى غَدٍ الْمَطْلَ، فَيَحْنَثُ بِالتَّعْجِيلِ وَهَذَا بِخِلَافِ حَلِفِهِ عَلَى أَكْلِهِ الطَّعَامَ، كَمَنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَن الطَّعَامَ الْفُلَانِيَّ غَدًا فَأَكَلَهُ قَبْلَهُ فَيَحْنَثُ لِأَنَّ الطَّعَامَ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ الْيَوْمَ.
مَسْأَلَةٌ: مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَدَفَعَ فِي نَظِيرِهِ عَرَضًا بَرَّ وَلَوْ بِغَبْنٍ، كَمَا لَوْ دَفَعَ عَرَضًا يُسَاوِي عَشَرَةً فِي مِائَةٍ.
مَسْأَلَةٌ: أُخْرَى: لَوْ غَابَ مَنْ لَهُ الدَّيْنُ بَرَّ الْحَالِفُ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِدَفْعٍ لِوَكِيلِ التَّقَاضِي أَوْ التَّفْوِيضِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَكِيلٌ لِلتَّقَاضِي أَوْ التَّفْوِيضِ فَالْحَاكِمُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ فَوَكِيلُ ضَيْعَةٍ وَقِيلَ هُوَ مَعَ الْحَاكِمِ فِي رُتْبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِمَّا ذُكِرَ فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُمْ عَلَى إحْضَارِ الْحَقِّ وَعَدَدِهِ وَوَزْنِهِ وَصِفَتِهِ وَأَنَّهُ اجْتَهَدَ فِي الطَّلَبِ فَلَمْ يَجِدْهُ، ثُمَّ يَتْرُكُ الْمَالَ عِنْدَ عَدْلٍ مِنْهُمْ أَوْ يُبْقِيهِ عِنْدَ نَفْسِهِ حَتَّى يَأْتِيَ رَبُّهُ وَلَا يَبَرُّ بِلَا إشْهَادٍ، فَالدَّفْعُ لِأَحَدِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ مَانِعٌ مِنْ الْحِنْثِ وَبَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ إنَّمَا تَكُونُ إذَا دَفَعَهُ لِوَكِيلِ التَّقَاضِي أَوْ التَّفْوِيضِ أَوْ الْحَاكِمِ إنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ جَوْرُهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ.

قَوْلُهُ: [لَيْلَةٌ وَيَوْمٌ] : أَيْ فَاللَّيْلَةُ مُقَدَّمَةٌ لِأَنَّ لَيْلَةَ كُلِّ يَوْمٍ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ الشَّهْرِ] : أَيْ الْمُسَمَّى فِي الْيَمِينِ كَرَمَضَانَ.
فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: لَأَقْضِيَنك حَقَّك فِي رَأْسِ رَمَضَانَ أَوْ عِنْدَ رَأْسِهِ أَوْ إذَا اسْتَهَلَّ أَوْ عِنْدَ انْسِلَاخِهِ، أَوْ إذَا انْسَلَخَ أَوْ لِاسْتِهْلَالِهِ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا إذَا فَاتَهُ لَيْلَةٌ وَيَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَقْضِ الْحَقَّ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَتَى بِإِلَى، فَيَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ فَرَاغِ شَعْبَانَ وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ بِسَاطٌ كَمَا تَقَدَّمَ.

(أَوْ عِنْدَ رَأْسِهِ أَوْ إذَا اسْتَهَلَّ أَوْ عِنْدَ انْسِلَاخِهِ أَوْ إذَا انْسَلَخَ أَوْ لِاسْتِهْلَالِهِ) بِجَرِّهِ بِاللَّامِ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَجَعَلَهُ الشَّيْخُ مِثْلَ الْمَجْرُورِ بِ: " إلَى ". (وَ) لَوْ حَلَفَ لَهُ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ (إلَى رَمَضَانَ أَوْ إلَى اسْتِهْلَالِهِ) بِجَرِّهِ بِ: " إلَى " (فَشَعْبَانُ) فَقَطْ، وَلَيْسَ لَهُ لَيْلَةٌ وَيَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ حَنِثَ.

(وَ) حَنِثَ (بِجَعْلِ الثَّوْبِ) الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (قَبَاءً) بِالْمَدِّ: وَهُوَ الثَّوْبُ الْمُفْرَجُ (أَوْ عِمَامَةً أَوْ اتَّزَرَ بِهِ، أَوْ) ارْتَدَى بِهِ (عَلَى كَتِفِهِ فِي) حَلِفِهِ (لَا أَلْبَسُهُ) أَيْ الثَّوْبَ لِأَنَّ الْجَمِيعَ يُسَمَّى لُبْسًا عُرْفًا.

(وَ) حَنِثَ (بِدُخُولِهِ مِنْ بَابٍ غُيِّرَ) عَنْ حَالَتِهِ الْأُولَى بِتَوَسُّعٍ أَوْ عُلُوٍّ مَعَ بَقَائِهِ فِي مَكَانِهِ الْأَوَّلِ، (فِي) حَلِفِهِ: (لَا أَدْخُلُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، (إنْ لَمْ يُكْرَهْ ضِيقُهُ) أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى الْيَمِينِ كَرَاهَةُ ضِيقِهِ وَإِلَّا لَمْ يَحْنَثْ إذَا وُسِّعَ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَوْ عِنْدَ انْسِلَاخِهِ] إلَخْ: الْمُرَادُ بِالِانْسِلَاخِ الِانْكِشَافُ وَالظُّهُورُ، فَلِذَلِكَ كَانَ بِمَعْنَى الِاسْتِهْلَالِ؛ لِأَنَّ الِانْسِلَاخَ يُفَسَّرُ تَارَةً بِالظُّهُورِ وَالِانْكِشَافِ كَمَا هُنَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ سَلَخْت الْجِلْدَ أَيْ كَشَفْته وَأَظْهَرْت بَاطِنَهُ، وَتَارَةً بِالْإِزَالَةِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: 37] بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس: 37] ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ الْكَشْفَ لَقَالَ: فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَعَانِي.
إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَلَوْ نَوَى الْحَالِفُ الْمَعْنَى الثَّانِيَ أَوْ غَلَبَ الْعُرْفُ بِهِ فَالْعِبْرَةُ بِفَرَاغِ الشَّهْرِ الَّذِي سَمَّاهُ، لَا بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ أَوَّلِهِ فَتَأَمَّلْ.

قَوْلُهُ: [وَحَنِثَ بِجَعْلِ الثَّوْبِ] إلَخْ: أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ كَرِهَهُ لِضِيقِهِ فَجَعَلَهُ قَبَاءً أَوْ عِمَامَةً وَلَبِسَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِثْلَ قَمِيصٍ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّا لَا يُلْبَسُ بِوَجْهٍ مِثْلَ شُقَّةٍ، فَإِذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُهَا ثُمَّ قَطَعَهَا وَلَبِسَهَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ كَرِهَهَا لِضِيقِهَا.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْجَمِيعَ يُسَمَّى لُبْسًا عُرْفًا] : أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا وَضَعَهُ عَلَى فَرْجِهِ أَوْ كَتِفِهِ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ لَفٍّ وَلَا إدَارَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ.

قَوْلُهُ: [كَرَاهَةُ ضِيقِهِ] : أَيْ أَوْ نَحْوَهُ كَمُرُورِهِ عَلَى مَنْ لَا يُحِبُّ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ.

(وَ) حَنِثَ (بِأَكْلِهِ مِنْ) طَعَامٍ (مَدْفُوعٍ لِوَلَدِهِ) الصَّغِيرِ، (أَوْ عَبْدِهِ فِي) حَلِفِهِ: (لَا آكُلُ لَهُ) أَيْ لِفُلَانٍ (طَعَامًا.
إنْ كَانَتْ نَفَقَةُ الْوَلَدِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَبِيهِ الْحَالِفِ، وَكَانَ الْمَدْفُوعُ لَهُ يَسِيرًا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ فَلَا يَحْنَثُ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْمَدْفُوعُ لِلْوَلَدِ كَثِيرًا؛ إذْ لَيْسَ لِأَبِيهِ رَدُّ الْمَالِ الْكَثِيرِ، وَيَحْنَثُ فِي الْعَبْدِ مُطْلَقًا.

(وَ) حَنِثَ (بِ) قَوْلِهِ لَهَا: (اذْهَبِي إثْرَ) حَلِفِهِ: (لَا كَلَّمْتُك حَتَّى تَفْعَلِي) كَذَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَهَا: اذْهَبِي.
كَلَامٌ مِنْهُ لَهَا قَبْلَ الْفِعْلِ.

(وَ) حَنِثَ (بِالْإِقَالَةِ فِي) حَلِفِ الْبَائِعِ حِينَ طَلَبَ مِنْهُ الْمُشْتَرِي أَنْ يَحُطَّ

[حاشية الصاوي]

تَنْبِيهٌ: مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتَهُ حَنِثَ بِقِيَامِهِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الْبَيْتُ بِالْكِرَاءِ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ يُنْسَبُ لِسَاكِنِهِ، وَأَمَّا مَنْ حَلَفَ لَيَدْخُلَن عَلَى فُلَانٍ بَيْتَهُ فَلَا يَبَرُّ بِاسْتِعْلَائِهِ عَلَى ظَهْرِهِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ السَّيِّدِ، لِأَنَّ الْحِنْثَ يَقَعُ بِأَدْنَى سَبَبٍ وَالْبِرُّ يُحْتَاطُ فِيهِ.

[تَنْبِيه فِي حلفه لَا يَدْخُل عَلَى فُلَان بَيْته]

قَوْلُهُ: [إذْ لَيْسَ لِأَبِيهِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِي رَدِّهِ، بِخِلَافِ الْيَسِيرِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ وَلَدِي عَلَيَّ فَلَا حَاجَةَ لَهُ بِهَذَا الشَّيْءِ.
قَوْلُهُ: [وَيَحْنَثُ فِي الْعَبْدِ مُطْلَقًا] : أَيْ لِأَنَّ تَمْلِيكَ الْعَبْدِ فِي حُكْمِ تَمْلِيكِ السَّيِّدِ وَنَفَقَةَ الْعَبْدِ عَلَى السَّيِّدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ تَجِبُ نَفَقَتُهُمَا عَلَى الْوَلَدِ الْحَالِفِ؛ فَلَا يَحْنَثُ بِالْأَكْلِ مِمَّا دَفَعَ لَهُمَا سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّ الْوَالِدَيْنِ لَيْسَ مَحْجُورًا عَلَيْهِمَا لِلْوَلَدِ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ الْعِلَّةُ الْجَارِيَةُ فِي إعْطَاءِ الْيَسِيرِ لِلْوَلَدِ الْفَقِيرِ تُجْرَى فِي إعْطَاءِ الْيَسِيرِ لِلْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ، وَمِثْلُ الْوَالِدَيْنِ وَلَدُ الْوَلَدِ فِي عَدَمِ الْحِنْثِ لِعَدَمِ وُجُوبِ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: [وَحَنِثَ بِقَوْلِهِ لَهَا اذْهَبِي] إلَخْ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَمُقَابِلُهُ لِابْنِ كِنَانَةَ: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ.
وَمِثْلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَا إذَا حَلَفَ لَا كَلَّمْتِينِي حَتَّى تَقُولِي: أُحِبُّك فَقَالَتْ لَهُ عَفَا اللَّهُ عَنْك إنِّي أُحِبُّك فَيَحْنَثُ بِقَوْلِهَا عَفَا اللَّهُ عَنْك لِأَنَّهُ كَلَامٌ صَدَرَ مِنْهَا قَبْلَ قَوْلِهَا أُحِبُّك، وَأَمَّا لَوْ قَالَ شَخْصٌ فِي يَمِينِهِ لَا كَلَّمْتُك حَتَّى تَبْدَأَنِي فَقَالَ لَهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ: لَا أُبَالِي بِك فَلَا يُعَدُّ بُدَاءَةً لِلِاحْتِيَاطِ فِي جَانِبِ الْبِرِّ.

قَوْلُهُ: [وَحَنِثَ بِالْإِقَالَةِ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهَا حَلٌّ

عَنْهُ شَيْئًا مِنْ الثَّمَنِ (لَا أَتْرُكُ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا) فَقَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي: أَقِلْنِي مِنْ هَذِهِ السِّلْعَةِ، فَأَقَالَهُ فَيَحْنَثُ الْبَائِعُ.
(إنْ لَمْ تَفِ) السِّلْعَةُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ جَمِيعَ حَقِّهِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ تَفِي بِالثَّمَنِ فَلَا حِنْثَ وَهُوَ كَذَلِكَ.

(وَ) حَنِثَ الزَّوْجُ (بِتَرْكِهَا) أَيْ الزَّوْجَةِ (عَالِمًا) بِخُرُوجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ وَأَوْلَى إنْ لَمْ يَعْلَمْ (فِي) حَلِفِهِ: (لَا خَرَجْت إلَّا بِإِذْنِي) . لِأَنَّ مُجَرَّدَ عِلْمِهِ لَا يُعَدُّ إذْنًا فَإِنْ أَذِنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ فَالْعِبْرَةُ بِعِلْمِهَا.
فَإِنْ عَلِمَتْ بِالْإِذْنِ لَمْ يَحْنَثْ وَإِلَّا حَنِثَ كَمَا تَقَدَّمَ، (وَ) حَنِثَ (بِالزِّيَادَةِ) مِنْهَا (عَلَى مَا أَذِنَ لَهَا فِيهِ) بِأَنْ قَالَ لَهَا: أَذِنْت لَك فِي الْخُرُوجِ لِبَيْتِ أَبِيك، فَزَادَتْ عَلَى ذَلِكَ إذْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا إلَّا فِي شَيْءٍ خَاصٍّ لَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِالزِّيَادَةِ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ، وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْإِذْنَ قَدْ حَصَلَ وَلَا دَخْلَ لِلزِّيَادَةِ فِي الْحِنْثِ وَلَا فِي عَدَمِهِ.
(بِخِلَافِ) حَلِفِهِ (لَا يَأْذَنُ لَهَا إلَّا فِي كَذَا، فَأَذِنَ) لَهَا (فِيهِ فَزَادَتْ) عَلَيْهِ (بِلَا عِلْمٍ) مِنْهُ فَلَا يَحْنَثُ، فَإِنْ عَلِمَ بِزِيَادَتِهَا حَالَ الزِّيَادَةِ حَنِثَ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ بِهَا حَالَهَا إذْنٌ مِنْهُ بِهَا، وَهُوَ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا إلَّا فِي شَيْءٍ خَاصٍّ.
.

[حاشية الصاوي]

لِلْمَبِيعِ فَلَا حِنْثَ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَتْ الْقِيمَةُ حِينَ الْإِقَالَةِ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الْبَيْعُ، لِأَنَّ بِسَاطَ يَمِينِهِ إنْ ثَبَتَ فِي حَقٍّ فَلَا أَتْرُكُ مِنْهُ شَيْئًا وَحَيْثُ انْحَلَّ الْبَيْعُ فَلَا حَقَّ لِلْبَائِعِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي.
قَوْلُهُ: [فَلَا حِنْثَ] : وَكَذَلِكَ لَوْ الْتَزَمَ لَهُ النَّقْصَ (قَوْلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ) ، وَإِنَّمَا كَرَّرَهَا لِيُرَتِّبَ عَلَيْهَا قَوْلَهُ وَحَنِثَ بِالزِّيَادَةِ إلَخْ.

قَوْلُهُ: [وَقِيلَ لَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا] : أَيْ عَلِمَ بِالزِّيَادَةِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إذَا خَرَجَتْ ابْتِدَاءً لِمَا أَذِنَ لَهَا فِيهِ، وَأَمَّا لَوْ ذَهَبَتْ لِغَيْرِ مَا أَذِنَ لَهَا فِيهِ ابْتِدَاءً ثُمَّ ذَهَبَتْ لِمَا أَذِنَ لَهَا فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ اتِّفَاقًا سَلَّمَ بِالزِّيَادَةِ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [إذْنٌ مِنْهُ] : أَيْ احْتِيَاطًا فِي جَانِبِ الْحِنْثِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا تَخْرُجِي إلَّا بِإِذْنِي فَخَرَجَتْ بِحُضُورِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهَا فَلَا يُعَدُّ عِلْمُهُ وَحُضُورُهُ إذْنًا لِلِاحْتِيَاطِ فِي جَانِبِ الْبِرِّ، فَاحْتِيطَ فِي كُلٍّ بِمَا يُنَاسِبُهُ.

(وَ) حَنِثَ بَائِعٌ (بِالْبَيْعِ لِلْوَكِيلِ) : أَيْ لِوَكِيلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ (فِي) حَلِفِهِ: (لَا بِعْت مِنْهُ) : أَيْ مِنْ زَيْدٍ (أَوْ لَهُ) سِلْعَةً أَوْ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ، فَوَكَّلَ زَيْدٌ وَكِيلًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ فَبَاعَهُ الْحَالِفُ سِلْعَةً فَيَحْنَثُ.
(وَإِنْ قَالَ) الْبَائِعُ: (أَنَا حَلَفْت) أَنْ لَا أَبِيعَ لِزَيْدٍ وَأَخَافُ أَنْ تَشْتَرِيَ لَهُ فَتُوقِعَنِي فِي الْحِنْثِ، (فَقَالَ) لَهُ الْوَكِيلُ: لَا بَلْ (هُوَ لِي، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ) : أَيْ الشِّرَاءَ (لِلْمُوَكِّلِ) وَلَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ (وَلَزِمَ الْبَيْعُ) وَلَا كَلَامَ لِلْحَالِفِ اللَّهُمَّ (إلَّا أَنْ يَقُولَ) الْحَالِفُ لِلْوَكِيلِ: (إنْ اشْتَرَيْت لَهُ) أَيْ لِزَيْدٍ (فَلَا بَيْعَ بَيْنَنَا) فَلَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ وَلَا يَحْنَثُ إنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لِلْمُوَكِّلِ.
قَالَهُ التُّونُسِيُّ وَاللَّخْمِيُّ؛ لَكِنْ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَرَدَّ بِهِ ابْنُ نَاجِي عَلَيْهِمَا: أَنَّهُ يَلْزَمُ وَيَحْنَثُ

[حاشية الصاوي]

[مَا تَحْمِل عَلَيْهِ السِّنِينَ وَالْأَيَّام]

قَوْلُهُ: [بِالْبَيْعِ لِلْوَكِيلِ] : أَيْ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ وَكِيلٌ لِلْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ نَاحِيَتِهِ أَوْ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَكِيلُهُ.
قَوْلُهُ: [فَتَبَيَّنَ] : أَيْ بِالْبَيِّنَةِ احْتِرَازًا مِمَّا لَوْ قَالَ الْوَكِيلُ: اشْتَرَيْت لِنَفْسِي ثُمَّ بَعْدَ الشِّرَاءِ قَالَ: اشْتَرَيْته لِفُلَانٍ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ الْحَالِفُ بِذَلِكَ لِكَوْنِ الْوَكِيلِ غَيْرَ مُصَدَّقٍ فِيمَا يَدَّعِيهِ كَذَا فِي الْخَرَشِيِّ (وعب) وَمِثْلُهُ مَا إذَا حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالطَّلَاقِ أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ حَمَّامًا مَثَلًا فَقَالَتْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ دَخَلْته وَلَمْ يَثْبُتْ بِالْبَيِّنَةِ فَلَا تُصَدَّقُ وَلَا يَحْنَثُ.
قَوْلُهُ: [لَكِنْ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ] إلَخْ: وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِهَا أَيْضًا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
وَإِنْ قَالَ الْبَائِعُ إنْ لَمْ تَأْتِ بِالثَّمَنِ إلَى أَجَلِ كَذَا فَلَا بَيْعَ بَيْنِي وَبَيْنَك كَانَ الْبَيْعُ مَاضِيًا وَالشَّرْطُ بَاطِلًا.
خَاتِمَةٌ مَنْ يَحْلِفُ لَا أُكَلِّمُهُ سِنِينَ أَوْ شُهُورًا أَوْ أَيَّامًا حُمِلَ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ، وَأَمَّا لَوْ أَتَى بِ " أَلْ " فَالْأَبَدُ حَمْلًا لِ " أَلْ "، عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ احْتِيَاطًا، وَمَنْ قَالَ: لَا هَجَرْته حُمِلَ عَلَى الْهَجْرِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقِيلَ: عَلَى الْعُرْفِيِّ وَهُوَ شَهْرٌ وَلَزِمَهُ فِي الْحِينِ سَنَةٌ عَرَّفَ أَوْ نَكَّرَ، وَهَلْ مِثْلُهُ الزَّمَانِيُّ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَفِي الْقَرْنِ مِائَةُ سَنَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ وَفِي عَصْرٍ وَدَهْرٍ: سَنَةٌ، وَإِنْ عَرَّفَ فَالْأَبَدُ، وَمَنْ حَلَفَ لَأَتَزَوَّجَن فَلَا يَبَرُّ إلَّا بِعَقْدٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ فَاتَ بِالدُّخُولِ عَلَى مَنْ تُشْبِهُ نِسَاءَهُ، فَإِنْ قَصَدَ كَيْدَ زَوْجَتِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ تُشْبِهَهَا.
وَمَنْ حَلَفَ لَا أَتَكَفَّلُ مَالًا حَنِثَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[حاشية الصاوي]

بِضَمَانِ الْوَجْهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَدَمَ الْغُرْمِ، وَكَذَا يَحْنَثُ بِالْوَجْهِ مَنْ حَلَفَ عَلَى ضَمَانِ الطَّلَبِ، وَيَحْنَثُ بِضَمَانِ الْمَالِ فِي حَلِفِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ مِنْ أَوْجُهِ الْكَفَالَةِ، وَيَحْنَثُ بِضَمَانِهِ لِوَكِيلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ إنْ عَلِمَ الْوَكَالَةَ، أَوْ كَانَ كَصَدِيقِهِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْحَالِفِ بِكَالصَّدَاقَةِ؟ قَوْلَانِ وَمَنْ حَلَفَ لَيَكْتُمَن فَأَخْبَرَ شَخْصًا أَسَرَّهُ بِهِ حَنِثَ بِقَوْلِهِ لِمُخْبِرٍ مَا ظَنَنْت غَيْرِي عَرَفَهُ أَوْ مَا ظَنَنْته قَالَهُ لِغَيْرِي.
وَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَيَطَأَن زَوْجَتَهُ اللَّيْلَةَ فَوَطِئَهَا حَائِضًا أَوْ صَائِمًا أَوْ مُحْرِمَةً فَهَلْ يَبَرُّ بِذَلِكَ حَمْلًا لِلَّفْظِ عَلَى مَدْلُولِهِ اللُّغَوِيِّ أَوْ لَا يَبَرُّ حَمْلًا لَهُ عَلَى مَدْلُولِهِ الشَّرْعِيِّ؟ وَالْمَعْدُومُ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا - قَوْلَانِ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ لَتَأْكُلَن قِطْعَةَ لَحْمٍ فَخَطَفَتْهَا هِرَّةٌ عِنْدَ مُنَاوَلَتِهِ إيَّاهَا وَابْتَلَعَتْهَا فَشَقَّ جَوْفَهَا عَاجِلًا وَأُخْرِجَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَحَلَّلَ فِي جَوْفِهَا مِنْهَا شَيْءٌ وَأَكَلَتْهَا الْمَرْأَةُ فَهَلْ يَبَرُّ بِذَلِكَ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ، وَمِثْلُ خَطْفِ الْهِرَّةِ: لَوْ تَرَكَتْهَا الْمَرْأَةُ حَتَّى فَسَدَتْ ثُمَّ أَكَلَتْهُ (اهـ خَلِيلٌ وَشُرَّاحُهُ) .

فَصْلٌ فِي بَيَانِ النَّذْرِ وَأَحْكَامِهِ (النَّذْرُ الْتِزَامُ مُسْلِمٍ) لَا كَافِرٍ (مُكَلَّفٍ) لَا صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَمُكْرَهٍ (قُرْبَةً) مَقْصُودًا بِهَا التَّقَرُّبُ بِلَا تَعْلِيقٍ نَحْوُ: لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ عَبْدٍ أَوْ صَوْمُ يَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ، بَلْ

[حاشية الصاوي]

[فَصَلِّ فِي بَيَان النَّذْر وَأَحْكَامه]

[تَعْرِيف النَّذْر]

فَصْلٌ: النَّذْرُ يُجْمَعُ عَلَى نُذُورٍ وَعَلَى نُذُرٍ بِضَمَّتَيْنِ يُقَالُ: نَذَرْت أُنْذِرُ بِفَتْحِ الذَّالِ فِي الْمَاضِي وَكَسْرِهَا وَضَمِّهَا فِي الْمُضَارِعِ، وَمَعْنَاهُ لُغَةً: الِالْتِزَامُ، وَاصْطِلَاحًا: هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِ الْتِزَامُ مُسْلِمٍ إلَخْ.
وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ: الشَّخْصُ الْمُلْتَزِمُ وَأَفَادَهُ بِقَوْلِهِ: الْتِزَامُ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ، وَالشَّيْءُ الْمُلْتَزَمُ وَأَفَادَهُ بِقَوْلِهِ: قُرْبَةً، وَالصِّيغَةُ وَأَفَادَهَا بِقَوْلِهِ: كَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ إلَخْ.
قَوْلُهُ: [لَا كَافِرٍ] : أَيْ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ وَلَوْ أَسْلَمَ بِهِ لَكِنْ يُنْدَبُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: [لَا صَغِيرٍ] : وَلَكِنْ: يُنْدَبُ الْوَفَاءُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَشَمَلَ الْمُكَلَّفُ الرَّقِيقَ فَيَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ مِمَّا أَنْذَرَهُ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ إنْ عَتَقَ.
وَحَاصِلُ مَا لِابْنِ عَرَفَةَ فِي الرَّقِيقِ: أَنَّهُ إذَا نَذَرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِجَسَدِهِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ، فَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالسَّيِّدِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ تَعْجِيلِهِ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ فَلَهُ الْمَنْعُ وَيَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ نَذَرَ مَالًا كَانَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ الْوَفَاءَ بِهِ مَا دَامَ رَقِيقًا، فَإِنْ عَتَقَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَ، فَإِنْ رَدَّهُ السَّيِّدُ وَأَبْطَلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ كَمَا فِي كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ خِلَافًا لِمَا فِي كِتَابِ الِاعْتِكَافِ مِنْهَا (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَشَمَلَ الْمُكَلَّفُ أَيْضًا السَّفِيهَ فَيَلْزَمُهُ غَيْرُ الْمَالِ، وَأَمَّا الْمَالُ فَلِلْوَلِيِّ إبْطَالُهُ لِأَنَّ رَدَّ فِعْلِ السَّفِيهِ إبْطَالٌ كَالسَّيِّدِ فِي عَبْدِهِ.
وَشَمَلَ أَيْضًا الزَّوْجَةَ وَالْمَرِيضَ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَاهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مَالٍ أَوْ مَالًا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الثُّلُثِ، فَإِنْ زَادَ كَانَ لِلزَّوْجِ رَدُّ الْجَمِيعِ وَلِلْوَارِثِ رَدُّ مَا زَادَ.
وَاخْتُلِفَ فِي رَدِّ الزَّوْجِ فَقِيلَ: رَدُّ إبْطَالٍ، وَقِيلَ رَدُّ إيقَافٍ، وَأَمَّا رَدُّ الْوَارِثِ فَهُوَ رَدُّ إيقَافٍ كَالْغَرِيمِ، وَرَدُّ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ مَنْ نَابَ عَنْهُ وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَيْتَيْنِ فَقَالَ:

(وَلَوْ بِالتَّعْلِيقِ) عَلَى مَعْصِيَةٍ (أَوْ غَضْبَانَ) فَأَوْلَى عَلَى غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَغَيْرِ غَضْبَانَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَمِينِ ذَاتِ التَّعْلِيقِ: أَنَّ النَّذْرَ يُقْصَدُ بِهِ التَّقَرُّبُ وَالْيَمِينَ يُقْصَدُ بِهِ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ أَوْ الْحَثِّ عَلَى فِعْلِهِ أَوْ تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ النَّذْرِ.
وَلِذَا يَصِحُّ فِي الْيَمِينِ إنْ تَقَدَّمَ قَسَمًا بِاَللَّهِ؛ فَتَقُولُ فِي الْبِرِّ: وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ الدَّارَ وَإِنْ دَخَلْتُهَا يَلْزَمُنِي كَذَا، وَالْمَقْصُودُ الِامْتِنَاعُ مِنْ دُخُولِهَا، وَتَقُولُ فِي الْحِنْثِ: وَاَللَّهِ لَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ وَإِنْ لَمْ أَدْخُلْ يَلْزَمُنِي كَذَا، وَالْمَقْصُودُ طَلَبُ الدُّخُولِ، وَتَقُولُ فِي بَيَانِ تَحَقُّقِ الشَّيْءِ: وَاَللَّهِ لَقَدْ قَامَ زَيْدٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَامَ يَلْزَمُنِي كَذَا، بِخِلَافِ قَوْلِك: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ كَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِتَقْدِيمِ يَمِينٍ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ أَوْ تَوْكِيدِ الْكَلَامِ فَتَأَمَّلْ.
وَمَثَّلَ لِمَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ وَهُوَ مَا لَا تَعْلِيقَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: (كَ: لِلَّهِ عَلَيَّ) ضَحِيَّةٌ

[حاشية الصاوي]

أُبْطِلَ صَنِيعُ الْعَبْدِ وَالسَّفِيهِ ... بِرَدِّ مَوْلَاهُ وَمَنْ يَلِيهِ وَأُوقِفْنَ فِعْلُ الْغَرِيمِ وَاخْتُلِفَ ... فِي الزَّوْجِ وَالْقَاضِي كَمُبْدَلٍ عُرِفَ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ مُفَصَّلًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: [بَلْ وَلَوْ بِالتَّعْلِيقِ عَلَى مَعْصِيَةٍ] : أَيْ فَالْمَدَارُ عَلَى أَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ قُرْبَةٌ كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ قُرْبَةً أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [أَوْ غَضْبَانَ] : وَمِنْهُ نَذْرُ اللَّجَاجِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ مَنْعَ نَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ وَمُعَاقَبَتَهَا نَحْوُ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا إنْ كَلَّمْت زَيْدًا وَهَذَا مِنْ أَقْسَامِ الْيَمِينِ عِنْدَ ابْنِ عَرَفَةَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَلْزَمُهُ مَا لَزِمَهُ، فَالْحَلِفُ لَفْظِيٌّ خِلَافًا لِلَّيْثِ وَجَمَاعَةِ الْقَائِلِينَ إنَّ فِيهِ وَفِي اللَّجَاجِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَدَهُ عَبْدَ الصَّمَدِ بِهَذَا الْقَوْلِ وَكَانَ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ، فَحَنِثَ وَقَالَ لَهُ: إنِّي أَفْتَيْتُك بِقَوْلِ اللَّيْثِ، فَإِنْ عُدْت لَمْ أُفْتِك إلَّا بِقَوْلِ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: [وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ] إلَخْ: هَذَا الْفَرْقُ الَّذِي قَالَهُ الشَّارِحُ يُؤَيِّدُ أَنَّ نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ مِنْ الْيَمِينِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ عَدَّهُ مِنْ أَقْسَامِ الْيَمِينِ فَمُبَالَغَتُهُ عَلَيْهِ هُنَا، وَإِدْخَالُهُ فِي النَّذْرِ تَكَلُّفٌ وَتَنَاقُضٌ لِاخْتِيَارِهِ أَوَّلًا طَرِيقَةَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَهُنَا طَرِيقَةَ غَيْرِهِ، فَتَدَبَّرْ، وَسَيَأْتِي لَهُ الِاسْتِدْرَاكُ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [كَ: لِلَّهِ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ] : أَتَى بِكَافِ التَّمْثِيلِ إشَارَةً إلَى عَدَمِ انْحِصَارِ

أَوْ صَوْمُ يَوْمٍ (أَوْ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ) أَوْ صَوْمُ يَوْمٍ بِحَذْفِ " لِلَّهِ "، وَالْقَصْدُ الْإِنْشَاءُ لَا الْإِخْبَارُ.
وَمَثَّلَ لِمَا بَعْدَ لَوْ وَهُوَ التَّعْلِيقُ بِقَوْلِهِ: (أَوْ: إنْ حَجَجْت) فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ أَوْ شَهْرِ كَذَا وَحَصَلَ الْحَجُّ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ طَاعَةٌ، (أَوْ) : إنْ (شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي) فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ، الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ لِلَّهِ، (أَوْ) إنْ (جَاءَنِي زَيْدٌ) فَعَلَيَّ الصَّوْمُ شَهْرُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْعَبْدِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ، (أَوْ) إنْ (قَتَلْتُهُ فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ أَوْ شَهْرِ كَذَا فَحَصَلَ) الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ الْمُعَلَّقُ، وَالْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ فِي هَذَا مَعْصِيَةٌ يَرْغَبُ فِي حُصُولِهَا، فَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الِامْتِنَاعَ مِنْهُ فِيمَنْ لَا نَذْرَ كَمَا عَلِمْت.
وَمَا صَدَرَ مِنْ الْغَضْبَانِ جَعَلَهُ الشَّيْخُ مِنْ النَّذْرِ وَجَعَلَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْيَمِينِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ.

(وَنُدِبَ) النَّذْرُ (الْمُطْلَقُ) وَهُوَ مَا لَمْ يُعَلَّقْ عَلَى شَيْءٍ وَلَمْ يُكَرَّرْ لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ، وَسَوَاءٌ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ: عَلَيَّ كَذَا، تَلَفَّظَ بِنَذْرٍ فِيهِمَا أَوْ لَا.

[حاشية الصاوي]

الصِّيغَةِ، بَلْ يَلْزَمُ بِكُلِّ لَفْظٍ فِيهِ الْتِزَامٌ مَنْدُوبٌ، وَمَثَّلَ بِقَوْلِهِ [ضَحِيَّةٌ] رَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّ الضَّحِيَّةَ لَا تَجِبُ بِالنَّذْرِ، قَالَ (بْن) : الْحَقُّ أَنَّ الضَّحِيَّةَ تَجِبُ بِالنَّذْرِ فِي الشَّاةِ الْمُعَيَّنَةِ وَغَيْرِهَا، لَكِنَّ مَعْنَى وُجُوبِهَا بِالنَّذْرِ فِي الْمُعَيَّنَةِ مَنْعُ الْبَيْعِ وَالْبَدَلِ فِيهَا بَعْدَهُ لَا أَنَّ الْوُجُوبَ بِاعْتِبَارِ الْعَيْبِ الطَّارِئِ بَعْدَ النَّذْرِ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فِيهَا، وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا لَا تَجِبُ بِالنَّذْرِ الْمَنْفِيِّ وُجُوبَ تَعْيِينٍ يُؤَدِّي إلَى إلْغَاءِ الْعَيْبِ الطَّارِئِ انْتَهَى وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ الضَّحِيَّةِ مُبَيَّنًا.
قَوْلُهُ: [أَوْ صَوْمُ يَوْمٍ] : وَمِثْلُهُ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ بَعْضِ يَوْمٍ، قَالَ فِي الشَّامِلِ: إنَّ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ بَعْضِ يَوْمٍ لَزِمَهُ يَوْمٌ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَكَأَنَّهُ لِعِلْمِ كُلِّ أَحَدٍ بِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا يَصِحُّ يَوْمًا، فَكَأَنَّ هَذَا مُتَلَاعِبٌ فَشَدَّدَ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَلَوْ نَذَرَ رَكْعَةً لَزِمَهُ رَكْعَتَانِ، أَوْ صَدَقَةً فَأَقَلَّ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَسَبَقَ فِي الِاعْتِكَافِ وَلَزِمَ يَوْمٌ إنْ نَذَرَ لَيْلَةً لَا بَعْضَ يَوْمٍ، وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ وَأَطْلَقَ، فَإِنَّ عَلَيْهِ شَرْعًا مُدًّا أَوْ بَدَلَهُ (اهـ) .

[الْمَنْدُوب وَالْمَكْرُوه والمحرم مِنْ النَّذْر]

قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ النَّذْرُ الْمُطْلَقُ] : أَيْ نُدِبَ الْقُدُومُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ] : فِيهِ إشَارَةٌ لِقَوْلِ تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77] وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: (وَنُدِبَ الْمُطْلَقُ) .

(وَكُرِهَ الْمُكَرَّرُ) كَنَذْرِ صَوْمِ كُلِّ خَمِيسٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الثِّقَلِ عَلَى النَّفْسِ، فَيَكُونُ إلَى غَيْرِ الطَّاعَةِ أَقْرَبُ.

[الْتِزَام الناذر مَا أسماه وَسُقُوط الْمَعْجُوز عَنْهُ]

(وَ) كُرِهَ (الْمُعَلَّقُ عَلَى غَيْرِ مَعْصِيَةٍ) نَحْوُ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ قَدِمَ زَيْدٌ مِنْ سَفَرِهِ فَعَلَيَّ صَدَقَةُ كَذَا لِأَنَّهُ كَالْمُجَازَاةِ وَالْمُعَارَضَةِ لَا الْقُرْبَةِ الْمَحْضَةِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ طَاعَةً نَحْوُ: إنْ حَجَجْت فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَهُوَ ظَاهِرُ التَّعْلِيلِ أَيْضًا لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ إنْ أَقْدَرَنِي اللَّهُ عَلَى الْحَجِّ لِأُجَازِيَنَّهُ بِكَذَا، وَلَا شَكَّ فِي كَرَاهَةِ ذَلِكَ وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ الْمُخَالِفِ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ عَلَّقَ الْقُرْبَةَ عَلَى مَعْصِيَةٍ (حَرُمَ) وَوَجَبَ تَرْكُهَا، (فَإِنْ فَعَلَهَا أَثِمَ) .

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ الْمُعَلَّقُ] : أَيْ عَلَى مَا لِلْبَاجِيِّ وَابْنِ شَاسٍ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ، بِالْإِبَاحَةِ وَفِي (ح) عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ عَدَمُ إجْزَاءِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شَيْءٍ بَعْدَ حُصُولِ بَعْضِهِ وَقَبْلَ تَمَامِهِ، فَلَيْسَ كَالْيَمِينِ يَحْصُلُ الْحِنْثُ فِيهَا بِالْبَعْضِ، كَمَا إذَا قَالَ: إنْ رُزِقْت ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ فَعَلَيَّ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَرُزِقَ دِينَارَيْنِ فَصَامَ الثَّلَاثَةَ.
وَفِي سَمَاعِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ الْإِجْزَاءُ إنْ بَقِيَ يَسِيرٌ جِدًّا وَيَقُومُ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ اللُّزُومُ بِحَسَبِ مَا حَصَلَ فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ (اهـ مِنْ الْمَجْمُوعِ) . تَنْبِيهٌ: يَلْزَمُ النَّاذِرَ مَا الْتَزَمَهُ وَلَا يَنْفَعُ فِيهِ إنْشَاءٌ وَلَا تَعْلِيقٌ كَمَا قَالَ خَلِيلٌ.
وَلَوْ قَالَ: إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ أَرَى خَيْرًا مِنْهُ، مَا لَمْ يَرْجِعْ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي " لِلْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فَقَطْ، كَمَا يَأْتِي فِي الطَّلَاقِ لَا لِلْمُعَلَّقِ وَلَا لَهُمَا أَوْ أُطْلِقَ.
وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْت بِضَمِّ التَّاءِ نَفَعَهُ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ مَعْهُودٌ فِي الطَّلَاقِ كَثِيرًا بِخِلَافِ النَّذْرِ.
وَقَاسَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ النَّذْرَ عَلَيْهِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ، وَأَمَّا لَوْ عَلَّقَ عَلَى مَشِيئَةِ فُلَانٍ فَالْعِبْرَةُ بِمَشِيئَةِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فِي النَّذْرِ وَالطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ كَالْمُجَازَاةُ] إلَخْ: أَيْ فَلَمْ يَجْعَلْهُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ.
وَأَمَّا لَوْ نَذَرَ شَيْئًا عَلَى نِعْمَةٍ حَصَلَتْ بِالْفِعْلِ كَمَا إذَا شَفَى اللَّهُ مَرِيضَهُ بِالْفِعْلِ فَنَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ مِنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي حَصَلَتْ، وَشُكْرُ النِّعْمَةِ مَأْمُورٌ بِهِ وَالْمَذْمُومُ التَّعْلِيقُ عَلَى أَمْرٍ مُتَرَقَّبٍ.
قَوْلُهُ: [وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ الْمُخَالِفِ] : أَيْ الَّذِي هُوَ ابْنُ رُشْدٍ.

(وَلَزِمَ مَا سَمَّاهُ) مِنْ الْقُرْبَةِ فِي الْمُعَلَّقِ وَغَيْرِهِ نَحْوُ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ صَدَقَةُ مِائَةِ دِينَارٍ أَوْ عِشْرِينَ بَدَنَةً أَوْ نِصْفُ مَالِي، (وَلَوْ) كَانَ الْمُسَمَّى (مُعَيَّنًا) كَحَائِطِي الْفُلَانِيِّ وَعَبْدِي فُلَانٍ وَهَذِهِ الْفَرَسِ (أَتَى عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ، كَصَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ) نَذَرَ فِعْلَهُمَا (بِثَغْرٍ) مِنْ الْإِسْلَامِ كَإِسْكَنْدَرِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ إلَيْهِ وَالْأَوْلَى نَذْرُ الرِّبَاطِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الثَّغْرِ فَلَا يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ إلَيْهِ لِمَا ذُكِرَ، بَلْ يَفْعَلُهُ فِي مَحَلِّهِ.

(وَ) إنْ نَذَرَ شَيْئًا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ (سَقَطَ مَا عَجَزَ عَنْهُ) وَأَتَى بِمَقْدُورِهِ، (إلَّا الْبَدَنَةَ) : وَهِيَ الْوَاحِدَةُ مِنْ الْإِبِلِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، فَتَاؤُهَا لِلْوَحْدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ إذَا نَذَرَهَا وَعَجَزَ عَنْهَا، (فَبَقَرَةٌ) تَلْزَمُهُ بَدَلُهَا، (ثُمَّ) إنْ عَجَزَ عَنْ الْبَقَرِ لَزِمَهُ (سَبْعُ شِيَاهٍ) بَدَلَ الْبَقَرَةِ كُلُّ شَاةٍ تُجْزِئُ تَضْحِيَةً.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَلَزِمَ مَا سَمَّاهُ] إلَخْ: كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ رَاجِعٌ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [أَتَى عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، مِنْ أَنَّهُ إذَا سَمَّى مُعَيَّنًا وَأَتَى عَلَى جَمِيعِ مَالِهِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا ثُلُثُ مَالِهِ.
وَلِمَا حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ سَحْنُونَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا لَا يُجْحَفُ بِهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ صَلَاةٍ] : أَيْ يُمْكِنُ مَعَهَا الرِّبَاطُ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ إلَيْهِ] : أَيْ وَإِنْ كَانَ النَّاذِرُ قَاطِنًا بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ وَيَأْتِي وَلَوْ رَاكِبًا وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ غَيْرِ الثَّغْرِ] : أَيْ وَغَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، وَإِلَّا فَالْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ يَلْزَمُ لَهَا كُلُّ مَا نَذَرَهُ مِنْ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ اعْتِكَافٍ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إذَا نَذَرَ الرِّبَاطَ أَوْ الصَّوْمَ بِثَغْرٍ لَزِمَهُ، وَكَذَا إذَا نَذَرَ صَلَاةً يُمْكِنُ مَعَهَا الْحِرَاسَةُ.
وَإِنْ نَذَرَ صَلَاةً فَقَطْ ثُمَّ يَعُودُ مِنْ غَيْرِ رِبَاطٍ فَلَا يَلْزَمُهُ إتْيَانُهُ، بَلْ يُصَلِّي بِمَوْضِعِهِ وَلِذَلِكَ لَوْ نَذَرَ بِالثُّغُورِ اعْتِكَافًا لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ يُنَافِي الرِّبَاطَ، بِخِلَافِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ فَيَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ لَهَا سَوَاءٌ نَذَرَ صَوْمًا أَوْ صَلَاةً أَوْ اعْتِكَافًا كَمَا يَأْتِي.

قَوْلُهُ: [لَزِمَهُ سَبْعُ شِيَاهٍ] : فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْغَنَمِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لَا صِيَامُ وَلَا غَيْرُهُ، بَلْ يَصِيرُ لِوُجُودٍ أَوْ بَدَلِهِ أَوْ بَدَلِ بَدَلِهِ، فَلَوْ قَدَرَ عَلَى دُونِ السَّبْعَةِ مِنْ الْغَنَمِ فَلَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَلْزَمُهُ ثُمَّ يُكْمِلُ مَتَى أَيْسَرَ،

(وَ) لَزِمَهُ (ثُلُثُ مَالِهِ) الْمَوْجُودِ (حِينَ النَّذْرِ) أَوْ الْيَمِينُ لَا مَا زَادَ بَعْدَهُ (إلَّا أَنْ يَنْقُصَ) ، الْمَوْجُودُ حِينَ النَّذْرِ (فَمَا بَقِيَ) يَلْزَمُهُ ثُلُثُهُ (بِمَالِي) : أَيْ بِقَوْلِهِ فِي نَذْرٍ أَوْ يَمِينٍ: مَالِي أَوْ كُلُّ مَالِي أَوْ جَمِيعُهُ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَوْ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَسَاكِينِ أَوْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ.
(وَ) سَبِيلُ اللَّهِ (هُوَ الْجِهَادُ) يَشْتَرِي مِنْهُ خَيْلًا وَسِلَاحًا وَيُعْطَى مِنْهُ لِلْمُجَاهِدِينَ (وَالرِّبَاطُ) فِي الثُّغُورِ فَلَا يُعْطَى مِنْهُ غَيْرُ مُرَابِطٍ وَمُجَاهِدٍ مِنْ الْفُقَرَاءِ (وَ) لَوْ حَمَلَ إلَيْهِمْ (أَنْفَقَ عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الثُّلُثِ الْمُحَوَّلِ لِلْمُجَاهِدِينَ وَالْمُرَابِطِينَ (مِنْ غَيْرِهِ) مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ لَا مِنْهُ، (بِخِلَافِ ثُلُثِهِ) أَيْ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: ثُلُثُ مَالِي أَوْ رُبْعُهُ أَوْ نِصْفُهُ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، (فَمِنْهُ) أُجْرَةُ حَمْلِهِ.
(فَإِنْ قَالَ) فِي نَذْرٍ أَوْ يَمِينٍ: مَالِي أَوْ كُلُّ مَالِي (لِزَيْدٍ) أَوْ لِجَمَاعَةٍ مَخْصُوصَةٍ

[حاشية الصاوي]

قَالَ الْخَرَشِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا كُلِّهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
وَمَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: (بَدَنَةٌ) لَوْ نَذَرَ بَقَرَةً ثُمَّ عَجَزَ عَنْهَا هَلْ يَلْزَمُهُ سَبْعُ شِيَاهٍ كَمَا هُنَا؟ وَهُوَ الظَّاهِرُ، أَوْ يُجْزِئُهُ دُونَ ذَلِكَ؟ لِأَنَّ الْبَقَرَةَ الَّتِي تَقُومُ مَقَامَهَا الشِّيَاهُ السَّبْعُ هِيَ الَّتِي وَقَعَتْ عِوَضًا عَنْ الْبَدَنَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَ النَّذْرُ عَلَى الْبَقَرَةِ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [الْمَوْجُودُ حِينَ النَّذْرِ] : أَيْ مِنْ عَيْنٍ وَعَدَدِ دَيْنٍ حَالٍّ وَقِيمَةِ مُؤَجَّلٍ مَرْجُوَّيْنِ وَقِيمَةِ عَرْضٍ وَكِتَابَةِ مُكَاتَبٍ.
قَوْلُهُ: [إلَّا أَنْ يَنْقُصَ الْمَوْجُودُ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ النَّقْصُ بِإِنْفَاقٍ أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ.
قَوْلُهُ: [بِمَالِيِّ] إلَخْ: لَمْ يَتَكَلَّمْ الْمُصَنِّفُ عَلَى جَوَازِ الْقُدُومِ عَلَى ذَلِكَ وَفِيهِ خِلَافٌ، فَقِيلَ: يَجُوزُ، وَهُوَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، لِقَوْلِ الْعُتْبِيَّةِ: مَنْ تَصَدَّقَ بِكُلِّ مَالِهِ وَلَمْ يَبْقَ مَا يَكْفِيهِ رُدَّتْ صَدَقَتُهُ.
وَاعْتَرَضَ ابْنُ عَرَفَةَ الْقَوْلَ الثَّانِي، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يُبْقِ لِنَفْسِهِ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: [فَلَا يُعْطِي مِنْهُ لِغَيْرِ مُرَابِطٍ] : أَيْ مِنْ كُلِّ مَنْ فُقِدَتْ مِنْهُ شُرُوطُ الْجِهَادِ كَمُقْعَدٍ وَأَعْمَى وَامْرَأَةٍ وَصَبِيٍّ وَأَقْطَعَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [فَمِنْهُ أُجْرَةُ حَمْلِهِ] : أَيْ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثِ أُجْرَةُ حَمْلِهِ الَّتِي تُوصِلُهُ لِلْمُجَاهِدِينَ وَالْمُرَابِطِينَ.

كَخَدَمَةِ مَسْجِدٍ (فَالْجَمِيعُ) أَيْ جَمِيعُ مَالِهِ يَلْزَمُهُ حِينَ الْيَمِينِ، فَإِنْ نَقَصَ فَالْبَاقِي.

(وَ) لَزِمَ (مَشْيٌ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ) إنْ نَذَرَهُ أَوْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، هَذَا إذَا نَذَرَ الْمَشْيَ لَهُ لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، بَلْ (وَلَوْ) نَذَرَهُ (لِصَلَاةٍ) فِيهِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا (كَمَكَّةَ) : تَشْبِيهٌ فِي لُزُومِ الْمَشْيِ، أَيْ أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ أَوْ حَلَفَ بِهِ فَحَنِثَ، (أَوْ) إلَى (الْبَيْتِ) أَوْ نَذَرَ (أَوْ) حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى (جُزْئِهِ) أَيْ الْبَيْتِ: أَيْ الْمُتَّصِلِ بِهِ كَالرُّكْنِ وَالْحَجَرِ وَالْحَطِيمِ وَالشَّاذَرْوَانِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ (كَغَيْرِهِ) أَيْ كَمَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إذَا سَمَّى غَيْرَ جُزْئِهِ كَزَمْزَمَ وَقُبَّةِ الشَّرَابِ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [أَيْ جَمِيعُ مَالِهِ يَلْزَمُهُ] : أَيْ وَيُتْرَكُ لَهُ مَا يُتْرَكُ لِلْمُفْلِسِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَكَرَّرَ نَاذِرُ الصَّدَقَةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ أَوْ ثُلُثِهِ أَوْ الْحَالِفُ بِذَلِكَ إخْرَاجَ الثُّلُثِ لِكُلِّ يَمِينٍ فَيُخْرِجُ الثُّلُثَ لِلْيَمِينِ الْأُولَى، ثُمَّ ثُلُثَ الْبَاقِي وَهَكَذَا إنْ أَخْرَجَ الثُّلُثَ الْأَوَّلَ لِلْيَمِينِ الْأُولَى بَعْدَ لُزُومِهِ وَقَبْلَ إنْشَاءِ الثَّانِيَةِ، وَشَمَلَ اللُّزُومُ النَّذْرَ وَالْيَمِينَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّذْرَ يَلْزَمُ اللَّفْظَ وَالْيَمِينَ بِالْحِنْثِ فِيهَا، وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يُخْرِجْ الْأَوَّلَ حَتَّى أَنْشَأَ الثَّانِيَ نَذْرًا أَوْ يَمِينًا فَتَحْتَ الْيَمِينِ صُورَتَانِ: مَا إذَا أَنْشَأَ الثَّانِيَةَ قَبْلَ الْحِنْثِ فِي الْأُولَى أَوْ بَعْدَهَا، فَقَوْلَانِ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ بِالتَّكْرَارِ وَعَدَمِهِ، بِأَنْ يَكْفِيَ ثُلُثٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِ الْأَيْمَانِ (اهـ) وَقَالَ فِي الْأَصْلِ أَيْضًا: وَلَزِمَ بَعْثُ فَرَسٍ وَسِلَاحٍ نَذَرَهُمَا أَوْ حَلَفَ بِهِمَا وَحَنِثَ لِمَحَلِّ الْجِهَادِ إنْ أَمْكَنَ وُصُولُهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ بَيْعٌ وَعِوَضٌ بِثَمَنِهِ مِثْلُهُ مِنْ خَيْلٍ أَوْ سِلَاحٍ فَإِنْ جُعِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَيْسَ بِفَرَسٍ وَلَا سِلَاحٍ كَقَوْلِهِ: عَبْدِي أَوْ ثَوْبِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بِيعَ وَدُفِعَ ثَمَنُهُ لِمَنْ يَغْزُو بِهِ (اهـ) .

[تَنْبِيه نَذْر الْمَشْي لِمَكَانِ مَا ثُمَّ مشى وفرق الطَّرِيق وَالْمُعْتَقَب]

قَوْلُهُ: [بَلْ وَلَوْ نَذَرَهُ لِصَلَاةٍ] : رُدَّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ الْقَائِلِ: إنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِلصَّلَاةِ لَا لِلنُّسُكِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَيَرْكَبُ إنْ شَاءَ، وَقَدْ اعْتَمَدَهُ ابْنُ يُونُسَ وَلَكِنْ اعْتَمَدَ الْأَشْيَاخُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: [وَالْحَجَرِ] : أَيْ الْأَسْوَدِ وَأَمَّا الْحَجْرُ بِسُكُونِ الْجِيمِ فَقِيلَ كَالْأَجْزَاءِ الْمُنْفَصِلَةِ لَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إلَّا إنْ نَوَى نُسُكًا وَقِيلَ كَالْمُتَّصِلِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ] إلَخْ: أَيْ وَلَوْ كَانَ النَّاذِرُ قَاطِنًا بِهَا فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ وَيَأْتِي بِعُمْرَةٍ مَاشِيًا فِي رُجُوعِهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ خَرَجَ لِلْحِلِّ وَلَوْ رَاكِبًا وَمَشَى مِنْهُ.

وَالْمَقَامِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ (إنْ نَوَى نُسُكًا) حَجًّا أَوْ عُمْرَةً، فَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
وَإِذَا لَزِمَهُ الْمَشْيُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مَشَى (مِنْ حَيْثُ نَوَى) الْمَشْيَ مِنْهُ مِنْ بَرَكَةِ الْحَجِّ أَوْ الْعَقَبَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، (وَإِلَّا) يَنْوِ مَحَلًّا مَخْصُوصًا، (فَمِنْ) الْمَكَانِ (الْمُعْتَادِ) لِمَشْيِ الْحَالِفِينَ بِالْمَشْيِ (وَإِلَّا) يَكُنْ مَكَانًا مُعْتَادًا لِلْحَالِفِينَ (فَمِنْ حَيْثُ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ وَأَجْزَأَ) الْمَشْيُ (مِنْ مِثْلِهِ فِي الْمَسَافَةِ، وَجَازَ) لَهُ (رُكُوبٌ بِمَنْهَلٍ) أَيْ مَحَلِّ النُّزُولِ كَانَ بِهِ مَاءٌ أَوْ لَا، (وَ) رُكُوبٌ (لِحَاجَةٍ) وَلَوْ فِي غَيْرِ الْمَنْهَلِ كَأَنْ يَرْجِعَ لِشَيْءٍ نَسِيَهُ أَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ (كَبَحْرٍ) ، أَيْ كَمَا يَجُوزُ لَهُ رُكُوبٌ فِي الطَّرِيقِ لِبَحْرٍ (اُعْتِيدَ) رُكُوبُهُ (لِلْحَالِفِينَ، أَوْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ) أَيْ إلَى رُكُوبِهِ، وَيَسْتَمِرُّ مَاشِيًا (لِتَمَامِ) طَوَافِ (الْإِفَاضَةِ أَوْ) تَمَامِ (السَّعْيِ) إنْ كَانَ سَعْيُهُ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، (وَ) لَزِمَ (الرُّجُوعُ) فِي عَامٍ قَابِلٍ لِمَنْ رَكِبَ فِي

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [إنْ نَوَى نُسُكًا] إلَخْ: قَيَّدَ فِي الْغَيْرِ.
قَوْلُهُ: (فَمِنْ الْمَكَانِ الْمُعْتَادِ لِمَشْيِ الْحَالِفِينَ) : أَيْ سَوَاءٌ اُعْتِيدَ لِغَيْرِهِمْ أَمْ لَا، وَأَمَّا الْمُعْتَادُ لِغَيْرِهِمْ فَقَطْ فَلَا يَمْشِي مِنْهُ.
قَوْلُهُ: [مِنْ مِثْلِهِ فِي الْمَسَافَةِ] : أَيْ لَا فِي الصُّعُوبَةِ وَالسُّهُولَةِ.
قَوْلُهُ: [رُكُوبٌ بِمَنْهَلٍ] : أَيْ يَرْكَبُ فِي حَوَائِجِهِ ثُمَّ إذَا قَضَى حَاجَتَهُ يَرْجِعُ لِمَكَانِ نُزُولِهِ وَيَبْتَدِئُ الْمَشْيَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: [اُعْتِيدَ رُكُوبُهُ لِلْحَالِفِينَ] : أَيْ سَوَاءٌ اُعْتِيدَ لِغَيْرِهِمْ مَعَهُمْ أَمْ لَا، وَأَمَّا لَوْ اُعْتِيدَ لِغَيْرِ الْحَالِفِينَ فَلَا يَرْكَبُهُ، وَمِثْلُهُ طَرِيقُ قُرْبَى اُعْتِيدَتْ لِلْحَالِفِينَ سَوَاءٌ اُعْتِيدَتْ لِغَيْرِهِمْ أَمْ لَا، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَانْظُرْ إذَا مَشَى فِي الْقُرْبَى الَّتِي لَمْ تُعْتَدْ هَلْ يَأْتِي بِالْمَشْيِ مَرَّةً أُخْرَى أَوْ يَنْظُرُ فِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّفَاوُتِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَا رَكِبَ وَيُفَصِّلُ فِيهِ تَفْصِيلَهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَظْهَرُ اهـ. قَوْلُهُ: [لِتَمَامِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ] إلَخْ: أَيْ فَحِينَئِذٍ يَرْكَبُ فِي رُجُوعِهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى، وَفِي رَمْيِ الْجِمَارِ الَّتِي بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَهَذَا إنْ قَدَّمَ الْإِفَاضَةَ، وَأَمَّا إنْ أَخَّرَهَا عَنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ فَإِنَّهُ يَمْشِي فِي رَمْيِ الْجِمَارِ لِكَوْنِ الْمَشْيِ يَنْتَهِي بِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ لَمْ يَحْصُلْ.
قَوْلُهُ: [وَلَزِمَ الرُّجُوعُ] إلَخْ: أَيْ بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ تُؤْخَذُ مِنْ الْمُصَنِّفِ: الْأَوَّلُ أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ إنْ رَكِبَ كَثِيرًا بِحَسَبِ الْمَسَافَةِ أَوْ الْمَنَاسِكِ.
الثَّانِي: أَنْ لَا يَبْعُدَ جِدًّا بِأَنْ

عَامِ الْمَشْيِ (إنْ رَكِبَ كَثِيرًا بِحَسَبِ الْمَسَافَةِ) طُولًا وَقِصَرًا وَصُعُوبَةً وَسُهُولَةً، (أَوْ) رَكِبَ (الْمَنَاسِكَ) مِنْ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ لِعَرَفَةَ وَرُجُوعِهِ مِنْهَا لِمِنًى وَلِمَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، لِأَنَّ الرُّكُوبَ فِيهَا وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فِي نَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ كَثِيرٌ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمَنَاسِكَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالذَّاتِ.
(لِنَحْوِ الْمِصْرِيِّ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " وَالرُّجُوعُ ": أَيْ يَلْزَمُ الرُّجُوعُ لِلْمِصْرِيِّ وَنَحْوِهِ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ إذَا بُعِّضَ الْمَشْيُ وَرَكِبَ كَثِيرًا، أَوْ رَكِبَ الْمَنَاسِكَ وَأَوْلَى مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ.
وَسَيَأْتِي حُكْمُ الْقَلِيلِ أَوْ الْبَعِيدِ جِدًّا، وَإِذَا لَزِمَهُ الرُّجُوعُ (فَيَمْشِي مَا رَكِبَ) فِيهِ (إنْ عَلِمَهُ وَإِلَّا) يَعْلَمْهُ، (فَالْجَمِيعَ) أَيْ فَيَجِبُ مَشْيُ جَمِيعِ الْمَسَافَةِ (فِي مِثْلِ مَا عَيَّنَ أَوَّلًا) : أَيْ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ الَّذِي بَعَّضَ الْمَشْيَ فِيهِ.
فَإِنْ كَانَ عَيَّنَ مَشْيَهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قِرَانٍ بِاللَّفْظِ أَوْ النِّيَّةِ لَزِمَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي مِثْلِ مَا عَيَّنَهُ، (وَإِلَّا) يُعَيِّنْ أَوَّلًا شَيْئًا (فَلَهُ الْمُخَالَفَةُ) فِي عَامِ الرُّجُوعِ، وَيَمْشِي فِي عُمْرَةٍ وَلَوْ كَانَ صَرَفَ مَشْيَهُ الْأَوَّلَ فِي حَجٍّ وَعَكْسُهُ.
وَمَحَلُّ لُزُومِ الرُّجُوعِ لِمَنْ رَكِبَ كَثِيرًا (إنْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ) عَلَى مَشْيِ جَمِيعِ الطَّرِيقِ (حِينَ خُرُوجِهِ) أَوَّلَ عَامٍ وَلَوْ فِي عَامَيْنِ (وَإِلَّا) يَظُنَّ الْقُدْرَةَ حِينَ

[حاشية الصاوي]

كَانَتْ الْمَسَافَةُ مُتَوَسِّطَةً أَوْ قَرِيبَةً جِدًّا، وَأَفَادَهُ بِقَوْلِهِ لِنَحْوِ الْمِصْرِيِّ، فَلَوْ بَعُدَ جِدًّا كَالْإِفْرِيقِيِّ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ فَقَطْ كَمَا يَأْتِي.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْعَامُ مُعَيَّنًا وَإِلَّا فَيَلْزَمُهُ هَدْيٌ فَقَطْ، الرَّابِعُ: أَنْ يَظُنَّ الْقُدْرَةَ حِينَ خُرُوجِهِ أَوَّلَ عَامٍ.
الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَطْرَأَ عَلَيْهِ الْعَجْزُ حِينَ يُؤْمَرُ بِالرُّجُوعِ وَإِلَّا فَعَلَيْهِ هَدْيٌ فَقَطْ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [وَسَيَأْتِي حُكْمُ الْقَلِيلِ] إلَخْ: أَيْ وَهُوَ لُزُومُ هَدْيٍ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: [فِي مِثْلِ مَا عَيَّنَ أَوَّلًا] : أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ الْعَامَّ غَيْرُ مُعَيَّنٍ كَمَا عَلِمْت مِنْ الشُّرُوطِ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ رُجُوعٌ، بَلْ عَلَيْهِ هَدْيٌ فِي تَبْعِيضِ الْمَشْيِ.
قَوْلُهُ: [إنْ ظَنَّ الْقُدْرَةَ] إلَخْ: أَيْ وَأَوْلَى لَوْ جَزَمَ بِذَلِكَ فَهَاتَانِ صُورَتَانِ يُضْرَبَانِ فِي خَمْسَةٍ حَالَ الْيَمِينِ أَوْ النَّذْرِ، وَهِيَ مَا إذَا اعْتَقَدَ الْقُدْرَةَ أَوْ ظَنَّهَا أَوْ شَكَّهَا أَوْ تَوَهَّمَهَا أَوْ جَزَمَ بِعَدَمِهَا.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ فِي عَامَيْنِ] : أَيْ لَا ثَلَاثَةِ فَأَكْثَرَ فَلَا رُجُوعَ، وَتَعَيَّنَ الْهَدْيُ، وَأَمَّا إذَا رَجَعَ يَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ ظَنِّ الْقُدْرَةِ عَلَى مَشْيِهِ أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.

خُرُوجِهِ عَلَى مَشْيِ الْجَمِيعِ بِأَنْ عَلِمَ بِعَجْزِ نَفْسِهِ أَوْ ظَنَّهُ أَوْ شَكَّ فِيهِ (مَشَى مَقْدُورَهُ فَقَطْ) ، وَلَوْ مِيلًا وَرَكِبَ مَعْجُوزَهُ وَأَهْدَى.
وَأَمَّا مَنْ ظَنَّ الْعَجْزَ حِينَ يَمِينِهِ أَوْ شَكَّ فِيهِ أَوْ نَوَى أَنْ لَا يَمْشِيَ إلَّا مَقْدُورَهُ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ أَوَّلَ عَامٍ وَيَمْشِي مَا اسْتَطَاعَ وَيَرْكَبُ مَا لَا يَسْتَطِيعُ وَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ وَلَا هَدْيَ (لَا إنْ قَلَّ) الرُّكُوبُ فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَفْهُومُ إنْ رَكِبَ كَثِيرًا، بَلْ عَلَيْهِ الْهَدْيُ فَقَطْ (أَوْ بَعُدَ) الْحَالِفُ (جِدًّا؛ كَأَفْرِيقِيٍّ) فَلَا رُجُوعَ إنْ رَكِبَ كَثِيرًا وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَهَذَا قَسِيمُ قَوْلِهِ: " لِنَحْوِ مِصْرِيٍّ "، (كَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) عَلَى الْمَشْيِ أَصْلًا فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ.
(وَ) لَزِمَ (هَدْيٌ فِي الْجَمِيعِ) أَيْ جَمِيعِ مَنْ ذُكِرَ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ، وَمَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَكَالْمِصْرِيِّ إنْ رَكِبَ كَثِيرًا وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِيَمْشِيَ مَا رَكِبَهُ إنْ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [بِأَنْ عَلِمَ بِعَجْزِ نَفْسِهِ أَوْ ظَنَّهُ أَوْ شَكَّ] : أَيْ فَهَذِهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ تُضْرَبُ فِي حَالَتَيْنِ وَهُمَا مَا إذَا عَلِمَ الْقُدْرَةَ حِينَ الْيَمِينِ أَوْ ظَنَّهَا فَهَذِهِ سِتٌّ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي اثْنَيْنِ بِمَشْيِ مَقْدُورِهِ فَقَطْ إلَى آخِرِ مَا قَالَ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا مَنْ ظَنَّ الْعَجْزَ حِينَ يَمِينِهِ] إلَخْ: أَيْ وَأَوْلَى لَوْ اعْتَقَدَهُ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ مَضْرُوبَةٌ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالِ الْخُرُوجِ، وَهِيَ ظَنُّ الْعَجْزِ أَوْ اعْتِقَادُهُ أَوْ الشَّكُّ فِيهِ فَهَذِهِ تِسْعٌ يَمْشِي أَوَّلَ عَامِ مَقْدُورَهُ وَلَا رُجُوعَ وَلَا هَدْيَ، فَجُمْلَةُ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ مِنْ ضَرْبِ خَمْسَةِ الْخُرُوجِ فِي خَمْسَةِ الْحَلِفِ؛ الْعَشَرَةُ الْأُولَى يَرْجِعُ فِيهَا لِمَشْيِ مَا رَكِبَهُ وَيُهْدِي، وَالسِّتَّةُ الَّتِي بَعْدَهَا لَا رُجُوعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ هَدْيٌ وَالتِّسْعُ الْبَاقِيَةُ لَا رُجُوعَ وَلَا هَدْيَ.
قَوْلُهُ: [أَوْ بَعُدَ الْحَالِفُ جِدًّا] : بَقِيَ الْكَلَامُ فِي الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ مِصْرِيٍّ وَأَفْرِيقِيٍّ.
وَالْحُكْمُ: أَنَّهُ إنْ قَارَبَ الْمِصْرِيَّ يُعْطَى حُكْمَهُ، وَإِنْ قَارَبَ الْأَفْرِيقِيَّ يُعْطَى حُكْمَهُ.
قَوْلُهُ: [كَأَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ] : أَيْ عِنْدَ إرَادَةِ الْعَوْدِ.
تَنْبِيهٌ: مَنْ مَشَى الطَّرِيقَ كُلَّهَا وَلَكِنْ فَرَّقَهَا تَفْرِيقًا غَيْرَ مُعْتَادٍ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ فَيُجْزِئُهُ وَيُهْدِي وَلَا يُؤْمَرُ بِالْعَوْدِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ نَقْلًا عَنْ الْمَوَّازِيَّةِ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَمْشِي عَقَبَةَ وَيَرْكَبُ أُخْرَى: هَلْ فِي عَامِ عَوْدِهِ يُؤْمَرُ بِمَشْيِ الْجَمِيعِ نَظَرًا لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الرَّاحَةِ بِالرُّكُوبِ الْمُعَادِلِ لِلْمَشْيِ.
فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمْشِ أَصْلًا، أَوْ يَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ فَقَطْ؟ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، قَوْلَانِ مَحَلُّهُمَا إذَا عَرَفَ أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ وَإِلَّا

ظَنَّ الْقُدْرَةَ وَوَجَبَ عَلَيْهِ هَدْيٌ، وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْجَمِيعِ مَشَى مَقْدُورَهُ وَرَكِبَ مَعْجُوزَهُ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ.
وَإِنْ رَكِبَ قَلِيلًا فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ هَدْيٌ كَالْبَعِيدِ جِدًّا وَمَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْمَشْيِ أَصْلًا، (إلَّا فِيمَنْ رَكِبَ الْمَنَاسِكَ أَوْ) رَكِبَ (الْإِفَاضَةَ) أَيْ فِي حَالِ نُزُولِهِ مِنْ مِنًى لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، (فَمَنْدُوبٌ) فِي حَقِّهِ الْهَدْيُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ؛ وَإِنْ كَانَ الَّذِي رَكِبَ الْمَنَاسِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ، وَاَلَّذِي رَكِبَ الْإِفَاضَةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ رُجُوعٌ.
وَشَبَّهَ فِي النَّدْبِ قَوْلَهُ: (كَتَأْخِيرِهِ) : أَيْ كَمَا يُنْدَبُ تَأْخِيرُ الْهَدْيِ (لِرُجُوعِهِ) أَيْ أَنَّ مَنْ رَكِبَ كَثِيرًا وَوَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِيَمْشِيَ مَا رَكِبَ، يُنْدَبُ لَهُ تَأْخِيرُ الْهَدْيِ لِعَامِ رُجُوعِهِ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْجَابِرِ النُّسُكِيِّ وَالْمِثَالِيِّ، فَإِنْ قَدَّمَهُ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ أَجْزَأَهُ، (وَلَا يُفِيدُهُ) فِي سُقُوطِ الْهَدْيِ عَنْهُ (مَشَى الْجَمِيعَ) : أَيْ جَمِيعَ الْمَسَافَةِ فِي عَامِ الرُّجُوعِ.
(فَإِنْ أَفْسَدَ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَشْيُ مَا أَحْرَمَ بِهِ ابْتِدَاءً مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بِوَطْءٍ أَوْ إنْزَالٍ (أَتَمَّهُ) فَاسِدًا كَمَا تَقَدَّمَ، (وَمَشَى) وُجُوبًا (فِي قَضَائِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ) الشَّرْعِيِّ كَالْجُحْفَةِ فَقَطْ، وَلَا يَمْشِي جَمِيعَ الْمَسَافَةِ وَلَا يَرْكَبُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَإِنْ مَشَى فِيهِ فِي عَامِ الْفَسَادِ، (وَإِنْ فَاتَهُ) الْحَجُّ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ وَقَدْ كَانَ نَذَرَ مَشْيًا مُطْلَقًا، أَوْ حَنِثَ بِهِ أَيْ لَمْ يُعَيِّنْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً وَلَكِنَّهُ جَعَلَ مَشْيَهُ فِي حَجٍّ

[حاشية الصاوي]

مَشَى الْجَمِيعَ اتِّفَاقًا كَذَا فِي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْجَمِيعِ] إلَخْ: أَيْ فِي الصُّوَرِ السِّتِّ.
قَوْلُهُ: [أَتَمَّهُ فَاسِدًا] : أَيْ وَلَوْ رَاكِبًا لِأَنَّ إتْمَامَهُ لَيْسَ مِنْ النَّذْرِ فِي شَيْءٍ وَإِنَّمَا هُوَ لِإِتْمَامِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ: [وَمَشَى وُجُوبًا فِي قَضَائِهِ الْمِيقَاتَ] إلَخْ: أَيْ إنْ كَانَ أَحْرَمَ مِنْهُ عَامَ الْفَسَادِ: وَأَمَّا لَوْ كَانَ أَحْرَمَ فِي الْفَاسِدِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ مَشَى فِي قَضَائِهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ لِتَسَلُّطِ الْفَسَادِ عَلَى مَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَإِنْ كَانَ يُؤْمَرُ بِتَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ عَامَ الْقَضَاءِ لِلْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ هَكَذَا قِيلَ، وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِحْرَامِ وَالْمَشْيِ يُؤَخَّرُ فِي عَامِ الْقَضَاءِ لِلَّهِ لِلْمِيقَاتِ، لِأَنَّ الْمَعْدُومَ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا، وَالْإِحْرَامَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: [أَيْ لَمْ يُعَيِّنْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً] : مَفْهُومُهُ لَوْ عَيَّنَ الْحَجَّ فِي نَذْرِهِ مَاشِيًا

فَفَاتَهُ (تَحَلَّلَ) مِنْهُ (بِعُمْرَةٍ) ، وَقَضَى فِي قَابِلٍ (وَرَكِبَ) الْمَسَافَةَ (فِي قَضَائِهِ) أَيْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ نَذْرَهُ قَدْ انْقَضَى وَهَذَا الْقَضَاءُ لِلْفَوَاتِ، (وَعَلَى الصَّرُورَةِ) وُجُوبًا وَهُوَ مَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ (إنْ أَطْلَقَ) فِي نَذْرِهِ الْمَشْيَ أَوْ فِي يَمِينِهِ، وَحَنِثَ بِأَنْ لَمْ يُقَيِّدْ مَشْيَهُ بِحَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ (جَعَلَهُ) أَيْ جَعَلَ مَشْيَهُ (فِي عُمْرَةٍ) لِيَنْقَضِيَ بِهَا نَذْرَهُ، (ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ) حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لِيَنْقَضِيَ فَرْضُهُ وَيَكُونَ مُتَمَتِّعًا إنْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.
وَمَفْهُومُ: " إنْ أَطْلَقَ " أَنَّهُ إنْ قَيَّدَ فَإِنْ قَيَّدَ، بِعُمْرَةٍ مَشَى فِيهَا وَحَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ مَنْ عَلَيْهِ كَالْمُطْلَقِ، وَإِنْ قَيَّدَ بِحَجٍّ صَرَفَهُ فِيهِ وَحَجَّ لِلضَّرُورَةِ، فِي قَابِلٍ، فَإِنْ نَوَى بِهِ نَذْرَهُ وَحَجَّةَ الْإِسْلَامِ مَعًا أَجْزَأَ عَنْ نَذْرِهِ فَقَطْ، وَقِيلَ: لَمْ يَجُزْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُمَا التَّأْوِيلَانِ فِي كَلَامِهِ.
وَأَمَّا الْمُطْلَقُ إذَا نَوَاهُمَا مَعًا أَجْزَأَ عَنْ نَذْرِهِ فَقَطْ اتِّفَاقًا.
(وَوَجَبَ) عَلَى النَّاذِرِ أَوْ الْحَانِثِ فِي يَمِينِهِ (تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ) بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي قَيَّدَ بِهِ أَوْ الْمَكَانِ الَّذِي قَيَّدَ

[حاشية الصاوي]

وَفَاتَهُ فَإِنَّهُ يَرْكَبُ فِي قَضَائِهِ إلَّا فِي الْمَنَاسِكِ فَإِنَّهُ يَمْشِيهَا وَالْمُرَادُ بِالْمَنَاسِكِ مَا زَادَ عَلَى السَّعْيِ الْوَاقِعِ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [تَحَلَّلَ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ] : أَيْ وَيَمْشِي لِتَمَامِ سَعْيِهَا لِيَخْلُصَ مِنْ نَذْرِ الْمَشْيِ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمَّا فَاتَهُ الْحَجُّ وَجَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ فَكَأَنَّهُ جَعَلَهُ فِيهَا ابْتِدَاءً، وَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [أَيْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ] : اُخْتُلِفَ هَلْ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي الْمَنَاسِكِ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ.
قَوْلُهُ: [وَعَلَى الصَّرُورَةِ وُجُوبًا] : أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، وَكَلَامُ أَبِي الْحَسَنِ وَالْجَلَّابِ يُفِيدُ الِاسْتِحْبَابَ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّرَاخِي، وَمَفْهُومُ الصَّرُورَةِ أَنَّ غَيْرَهُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ جَعَلَ مَشْيَهُ الَّذِي يُؤَدِّي بِهِ النَّذْرَ فِي عُمْرَةٍ وَإِنْ شَاءَ جَعَلَهُ فِي حَجٍّ.
قَوْلُهُ: [أَجْزَأَ عَنْ نَذْرِهِ فَقَطْ اتِّفَاقًا] : إنَّمَا اُتُّفِقَ عَلَى الْإِجْزَاءِ فِي الْمُطْلَقِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُقَيَّدِ مَعَ أَنَّ التَّشْرِيكَ مَوْجُودٌ حَالَ الْإِطْلَاقِ لِقُوَّةِ النَّذْرِ بِالتَّقْيِيدِ، فَشَابَهَ الْفَرْضَ الْأَصْلِيَّ فَلِذَلِكَ قِيلَ فِيهِ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ لِعَدَمِ تَخْصِيصِهِ بِالنِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: [مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي قَيَّدَ بِهِ] إلَخْ: أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْشِئَ الْإِحْرَامَ

بِهِ (فِي) قَوْلِهِ: (أَنَا مُحْرِمٌ) بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ، (أَوْ أُحْرِمُ) بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ (إنْ قَيَّدَ) لَفْظًا أَوْ نِيَّةً (بِوَقْتٍ) كَرَجَبٍ، (أَوْ مَكَان) كَبِرْكَةِ الْحَجِّ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الصَّبْرُ لِلْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ أَوْ الْمَكَانِيِّ.
وَحَاصِلُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ أَوْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ أَوْ قَالَ: فَعَلَيَّ الْإِحْرَامُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَهَذَا لَا يُحْرِمُ إلَّا فِي الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ أَوْ الْمَكَانِيِّ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنَّ أُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَإِنِّي مُحْرِمٌ أَوْ فَأَنَا مُحْرِمٌ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ أُحْرِمُ فِي شَهْرِ رَجَبٍ أَوْ مِنْ بِرْكَةِ الْحَجِّ لَزِمَهُ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ فِي رَجَبٍ فِي الْأَوَّلِ، وَمِنْ بِرْكَةِ الْحَجِّ فِي الثَّانِي وَمِنْهُمَا إنْ قَيَّدَ بِهِمَا مَعًا: وَمَفْهُومُ: " قَيَّدَ "، إلَخْ أَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ فَلَمْ يُقَيِّدْ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان، فَإِنْ كَانَ الْمَنْذُورُ أَوْ الَّذِي حَنِثَ فِيهِ عُمْرَةً كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ، أَوْ فَأَنَا أُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ، فَكَلَّمَهُ، أَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُحْرِمَ أَوْ أَنِّي مُحْرِمٌ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْجِيلُ مِنْ وَقْتِ النَّذْرِ أَوْ الْحِنْثِ فِي أَيِّ مَكَان كَانَ بِشَرْطِ أَنْ يَجِدَ رُفْقَةً يَسِيرُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِلَّا أَخَّرَ حَتَّى يَجِدَ رُفْقَةً.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (كَالْعُمْرَةِ) يَجِبُ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ بِهَا مِنْ وَقْتِ الْحِنْثِ

[حاشية الصاوي]

سَوَاءٌ وَجَدَ رُفْقَةً يَسِيرُ مَعَهُمْ أَمْ لَا، وَلَا يُؤَخَّرُ لِلْمِيقَاتِ وَلَا لِوُجُودِ رُفْقَةٍ لِأَنَّ الْقَيْدَ قَرِينَةٌ عَلَى الْفَوْرِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ] : أَيْ بِالْمَشْيِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ قَالَ فَعَلَيَّ الْإِحْرَامُ] إلَخْ: أَيْ فِي صِيغَةِ نَذْرٍ أَوْ يَمِينٍ.
قَوْلُهُ: [لَا يُحْرِمُ إلَّا فِي الْمِيقَاتِ] إلَخْ: أَيْ وَيُكْرَهُ لَهُ التَّعْجِيلُ قَبْلَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [لَزِمَهُ تَعْجِيلُ الْإِحْرَامِ] إلَخْ: أَيْ لِأَنَّ الْمُضَارِعَ وَاسْمَ الْفَاعِلِ يَحْتَمِلَانِ الْحَالَ وَالِاسْتِقْبَالَ فَحُمِلَا عَلَى الْحَالِ احْتِيَاطًا.
قَوْلُهُ: [فَلَمْ يُقَيَّدْ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان] : أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ أُتِيَ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ أَوْ اسْمِ الْفَاعِلِ.
قَوْلُهُ: [فِي أَيِّ مَكَان] : أَيْ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ الْعَامُ كُلُّهُ وَقْتٌ لَهَا فَلَا يَتَوَقَّفُ إحْرَامُهُ إلَّا عَلَى الرُّفْقَةِ الَّذِينَ يَسِيرُ مَعَهُمْ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا أَخَّرَ] : أَيْ لِأَنَّ بِسَاطَ يَمِينِهِ ذَلِكَ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ.

أَوْ النَّذْرِ فِي مَكَانِهِ، (إنْ أَطْلَقَ وَوَجَدَ رُفْقَةً) ، وَإِنْ كَانَ الْمَنْذُورُ أَوْ الَّذِي حَنِثَ فِيهِ حَجًّا فَلَا يُعَجِّلُ الْإِحْرَامَ بِهِ مِنْ وَقْتِهِ، بَلْ يُؤَخِّرُهُ لِأَشْهُرِهِ ثُمَّ يُحْرِمُ مِنْ مَكَانِهِ تَعْجِيلًا إنْ كَانَ يَصِلُ فِي عَامِهِ كَالْمِصْرِيِّ، وَإِلَّا فَفِي الْوَقْتِ الَّذِي إذَا خَرَجَ مِنْهُ وَصَلَ فِي عَامِهِ لِمَكَّةَ.
وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (لَا الْحَجِّ) فَلَا يُعَجِّلُهُ وَقْتَ النَّذْرِ أَوْ الْحِنْثِ إنْ أَطْلَقَ وَإِذَا لَمْ يُعَجِّلْهُ (فَلِأَشْهُرِهِ) أَيْ الْحَجِّ الَّتِي مَبْدَؤُهَا شَوَّالٌ فَلْيُعَجِّلْهُ أَوَّلَهَا فِي مَكَان، (إنْ كَانَ يَصِلُ) لِمَكَّةَ مِنْ عَامِهِ كَالْمِصْرِيِّ (وَإِلَّا) يَصِلْ بِأَنْ كَانَ بَعِيدًا (فَالْوَقْتُ) : أَيْ فَيُحْرِمُ مِنْ الْوَقْتِ (الَّذِي) إذَا خَرَجَ فِيهِ (يَصِلُ فِيهِ) مِنْ لِمَكَّةَ عَامَهُ، (وَأَخَّرَهُ) أَيْ الْإِحْرَامَ (فِي) نَذْرِ (الْمَشْيِ) أَوْ الْحِنْثِ بِهِ (لِلْمِيقَاتِ) الْمَكَانِيِّ وَالزَّمَانِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ صَدْرَ الْحَاصِلِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا لَا يَلْزَمُ مِنْ النَّذْرِ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَلْزَمُ) النَّذْرُ (بِمُبَاحٍ) نَحْوُ: لِلَّهِ عَلَيَّ لَآكُلَن هَذَا الرَّغِيفَ أَوْ لَيَطَأَن زَوْجَتَهُ.
(أَوْ مَكْرُوهٍ) : نَحْوُ: لِلَّهِ عَلَيَّ، أَوْ: إنْ كَلَّمْت زَيْدًا لِأُصَلِّيَن رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ فَرْضِ الْعَصْرِ أَوْ الصُّبْحِ، أَوْ لَأَقْرَأَن فِي السِّرِّيَّةِ بِالْجَهْرِ أَوْ الْعَكْسُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ.
وَنَذْرُ الْحَرَامِ حَرَامٌ قَطْعًا وَكَذَا الْمُبَاحُ وَالْمَكْرُوهُ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ.
يُكْرَهُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ هُوَ غَيْرُ لَازِمٍ وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْحَرَامِ حَرَامٌ.

(وَلَا) يَلْزَمُ النَّذْرُ (بِمَا لِي فِي الْكَعْبَةِ أَوْ بَابِهَا) أَوْ رُكْنِهَا، (أَوْ) نَذْرُ

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [ثُمَّ يُحْرِمُ مِنْ مَكَانِهِ تَعْجِيلًا] : أَيْ إنْ كَانَ يُمْكِنُهُ السَّفَرُ بِأَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَوَجَدَ الرُّفْقَةَ هَكَذَا.
يَنْبَغِي لِأَنَّهُ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] . قَوْلُهُ: [وَأَخَّرَهُ أَيْ الْإِحْرَامَ] إلَخْ: أَيْ فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ قَدْ عُلِمَتْ مِنْ الشَّارِحِ.

[مَالًا يَلْزَم مِنْ النَّذْر الْمُبَاح وَالْمَكْرُوه]

قَوْلُهُ: [وَكَذَا الْمُبَاحُ وَالْمَكْرُوهُ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ] : أَيْ لِأَنَّ فِيهِ تَغْيِيرًا لِمَعَالِمِ الشَّرِيعَةِ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يُكْرَهُ] : وَبَقِيَ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ تَبَعِيَّتُهُ لِلْمَنْذُورِ حُرْمَةً وَكَرَاهَةً وَإِبَاحَةً.

قَوْلُهُ: [وَلَا يَلْزَمُهُ النَّذْرُ بِمَالِيٍّ] إلَخْ: أَيْ حَيْثُ أَرَادَ صَرْفَهُ فِي بِنَائِهَا أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ خِلَافًا لِمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ لُزُومِ كَفَّارَةِ يَمِينٍ.
وَإِنَّمَا كَانَ النَّذْرُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ لَا قُرْبَةَ فِيهِ لِأَنَّهَا لَا تُنْقَضُ فَتُبْنَى كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَأَمَّا إنْ

(هَدْيٍ) بِلَفْظِهِ أَوْ بَدَنَةٍ بِلَفْظِهَا (لِغَيْرِ مَكَّةَ) كَالْمَدِينَةِ وَقَبْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَلَا ذَبْحُهُ بِمَحِلِّهِ؛ لِأَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ لِغَيْرِ مَكَّةَ مِنْ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ مَعَالِمِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ.

فَلَوْ نَذَرَ حَيَوَانًا بِغَيْرِ تَسْمِيَةِ هَدْيٍ وَلَا بَدَنَةٍ لِنَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ فَلَا يَبْعَثُهُ وَلْيَذْبَحْهُ بِمَوْضِعِهِ.
وَلَوْ نَذَرَ جِنْسَ مَا لَا يُهْدَى كَالدَّرَاهِمِ وَالثِّيَابِ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الْفُقَرَاءَ الْمُلَازِمِينَ بِذَلِكَ الْمَحِلِّ لَزِمَ بَعْثُهُ وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ فِي أَيِّ مَكَان شَاءَ.

(أَوْ) نَذْرِ (مَالِ فُلَانٍ) فَلَا يَلْزَمُ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ: إنْ مَلَكْتُهُ) ، فَإِنْ

[حاشية الصاوي]

أَرَادَ صَرْفَهُ فِي كِسْوَتِهَا وَطِيبِهَا لَزِمَهُ ثُلُثُ مَالِهِ لِلْحَجَبَةِ يَصْرِفُونَهُ فِيهَا إنْ احْتَاجَتْ، فَإِنْ لَمْ تَحْتَجْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ حَيْثُ شَاءَ.
وَأَمَّا لَوْ قَالَ: كُلُّ مَا أَكْتَسِبُهُ فِي الْكَعْبَةِ أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِلْفُقَرَاءِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِلْمَشَقَّةِ الْحَاصِلَةِ بِتَشْدِيدِهِ عَلَى نَفْسِهِ، كَمَنْ عَمَّمَ فِي الطَّلَاقِ وَهَذَا إذَا لَمْ يُقَيَّدْ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَان، وَأَمَّا إذَا قُيِّدَ بِأَنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَكُلُّ مَا أَكْتَسِبُهُ أَوْ أَسْتَفِيدُهُ فِي مُدَّةِ كَذَا وَفِي بَلَدِ كَذَا فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ مَثَلًا، أَوْ صَدَقَةٍ عَلَى الْفُقَرَاء أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، فَقَوْلَانِ.
قِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَهُوَ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ، وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ جَمِيعِ مَا يَكْتَسِبُهُ أَوْ يَسْتَفِيدُهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ أَوْ هَذَا الْبَلَدِ وَهُوَ الرَّاجِحُ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ هُوَ الْقِيَاسُ، وَلِقَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ إنَّهُ الصَّوَابُ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الصِّيغَةُ يَمِينًا، فَإِنْ كَانَتْ نَذْرًا بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ التَّصَدُّقُ بِكُلِّ مَا أَكْتَسِبُهُ أَوْ أَسْتَفِيدُهُ، فَإِنْ لَمْ يُقَيَّدْ بِزَمَنٍ أَوْ بَلَدٍ لَزِمَهُ ثُلُثُ جَمِيعِ مَا يَكْتَسِبُهُ بَعْدُ، وَهَذَا مَا لَمْ يُعَيِّنْ الْمَدْفُوعَ لَهُ، وَأَمَّا إنْ عَيَّنَهُ كَ لِلَّهِ عَلَيَّ التَّصَدُّقُ عَلَى فُلَانٍ بِكُلِّ مَا أَكْتَسِبُهُ أَوْ إنْ فَعَلْت فَكُلُّ مَا أَكْتَسِبُهُ لِفُلَانٍ لَزِمَهُ جَمِيعُ مَا يَكْتَسِبُهُ عَيَّنَ زَمَانًا أَوْ مَكَانًا أَوْ لَا، كَانَتْ الصِّيغَةُ نَذْرًا أَوْ يَمِينًا (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . قَوْلُهُ: [مِنْ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لِقَوْلِهَا سَوْقُ الْهَدَايَا لِغَيْرِ مَكَّةَ ضَلَالٌ وَمُقَابِلُهُ لِمَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ، جَوَازُ ذَلِكَ لِأَنَّ إطْعَامَ الْمَسَاكِينِ بِأَيِّ بَلَدٍ طَاعَةٌ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ.

قَوْلُهُ: [فَلَا يَبْعَثُهُ وَلْيَذْبَحْهُ بِمَوْضِعِهِ] : وَأَمَّا نَحْوُ الشَّمْعِ لِلْأَوْلِيَاءِ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا أَنْ يُقْصَدَ بِهِ الِاسْتِصْبَاحُ لِمَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ بِهَا، وَلَا يَلْزَمُ نَذْرُ كِسْوَةِ الْقُبُورِ وَهُوَ

نَوَى ذَلِكَ لَزِمَهُ إذَا مَلَكَهُ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ (كَعَلَيَّ نَحْرُ فُلَانٍ) لَمْ يَلْزَمْ بِهِ شَيْءٌ، (إنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالْهَدْيِ أَوْ يَنْوِهِ أَوْ يَذْكُرْ) حَالَ قَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَحْرُ فُلَانٍ (مَقَامَ إبْرَاهِيمَ) ، أَيْ قِصَّتُهُ مَعَ وَلَدِهِ، فَإِنْ تَلَفَّظَ بِالْهَدْيِ: كَعَلَيَّ هَدْيُ فُلَانٍ أَوْ ابْنِي أَوْ نَوَى الْهَدْيَ أَوْ ذَكَرَ مَقَامَ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (فَهَدْيٌ) يَلْزَمُهُ.

(وَلَا) يَلْزَمُ نَذْرُ (الْحَفَاءِ أَوْ الْحَبْوِ) كَأَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ حَافِيًا أَوْ حَبْوًا (بَلْ يَمْشِي) إلَيْهَا (مُنْتَعِلًا وَنُدِبَ) لَهُ (هَدْيٌ، وَلَغَا) بِالْفَتْحِ فِعْلٌ لَازِمٌ يَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ: أَيْ بَطَلَ قَوْلُهُ لِلَّهِ عَلَيَّ الْمَسِيرُ أَوْ الذَّهَابُ أَوْ الرُّكُوبُ لِمَكَّةَ (إنْ لَمْ يَقْصِدْ) بِذَلِكَ (نُسُكًا) حَجًّا أَوْ عُمْرَةً، (فَ) يَلْزَمُهُ مَا نَوَاهُ وَ (يَرْكَبُ) جَوَازًا (وَ) لَغَا (مُطْلَقُ الْمَشْيِ) إنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِمَكَّةَ وَلَا الْبَيْتِ وَنَحْوِهِمَا لَفْظًا وَلَا نِيَّةً كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ مَشْيٌ، أَوْ إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَعَلَيَّ مَشْيٌ (كَعَلَيَّ مَشْيٌ لِمَسْجِدٍ) سَمَّاهُ غَيْرَ الثَّلَاثَةِ كَالْأَزْهَرِ، فَإِنَّهُ يُلْغَى وَلَا يَلْزَمُهُ مَشْيٌ لِصَلَاةٍ أَوْ اعْتِكَافٍ (إلَّا الْقَرِيبَ جِدًّا) بِأَنْ يَكُونَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ فَدُونٍ (فَقَوْلَانِ) بِلُزُومِ الْإِتْيَانِ إلَيْهِ لِصَلَاةٍ أَوْ اعْتِكَافٍ

[حاشية الصاوي]

مِنْ الْبِدَعِ وَضَيَاعِ الْمَالِ فِيمَا لَا يَعْنِي خُصُوصًا لَطْخُ الْفِضَّةِ عَلَى الْأَبْوَابِ، قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَلَا يَضُرُّ قَصْدُ زِيَارَةِ وَلِيٍّ وَاسْتِصْحَابُ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ مَعَهُ لِيُذْبَحَ هُنَاكَ لِلتَّوْسِعَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعَلَى فُقَرَاءِ الْمَحَلِّ مِنْ غَيْرِ نَذْرٍ وَلَا تَعْيِينٍ فِيمَا يَظْهَرُ (اهـ) .

قَوْلُهُ: [أَيْ قِصَّتُهُ مَعَ وَلَدِهِ] : هَكَذَا قِيلَ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِمَقَامِ إبْرَاهِيمَ مَقَامُ الصَّلَاةِ وَهُوَ عِنْدَ الْحِجْرِ الَّذِي وَقَفَ عَلَيْهِ فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ، وَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ يَشْهَدُ لِمَا قَالَ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [فَهَدْيٌ يَلْزَمُهُ] : مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مَحِلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَنْذُورُ نَحْرُهُ حُرًّا وَأَمَّا لَوْ كَانَ رَقِيقًا فَإِنْ كَانَ مَلَكَهُ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَعَبْدُ الْغَيْرِ دَاخِلٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ أَنَّ الْحُرَّ لَا يُمْلَكُ فَلَا عِوَضَ لَهُ بِخِلَافِ الْقِنِّ فَيَخْرُجُ عِوَضُهُ.

قَوْلُهُ: [وَلَغَا] إلَخْ: إنَّمَا أَلْغَى لِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا وَرَدَتْ بِالْمَشْيِ.
قَوْلُهُ: [وَلَغَا مُطْلَقُ الْمَشْيِ] : أَيْ لِأَنَّ الْمَشْيَ بِانْفِرَادِهِ لَا طَاعَةَ فِيهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَأَلْزَمَهُ أَشْهَبُ الْمَشْيَ لِمَكَّةَ.
قَوْلُهُ: [غَيْرَ الثَّلَاثَةِ] : أَيْ لِخَبَرِ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ

وَعَدَمِ لُزُومِهِ (أَوْ لِلْمَدِينَةِ) فَيُلْغِي نَذْرَ الْمَشْيِ أَوْ الْإِتْيَانَ إلَيْهَا، (أَوْ) الْمَشْيُ أَوْ الْإِتْيَانُ إلَى (أَيْلَةَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ.
وَيُقَالُ: إيلِيَاءُ بِالْمَدِّ، وَقَدْ يُقْصَرُ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ فَيُلْغَى (إنْ لَمْ يَنْوِ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا) أَوْ اعْتِكَافًا (بِمَسْجِدَيْهِمَا أَوْ يُسَمِّيهِمَا) أَيْ الْمَسْجِدَيْنِ كَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ أَوْ سَمَّى الْمَسْجِدَ لَزِمَهُ الذَّهَابُ وَحِينَئِذٍ (فَيَرْكَبُ) وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَسْجِدِ مَكَّةَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ بِالْأَفْضَلِ) مِنْ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ، أَوْ أَمْكِنَتِهَا وَنَذَرَ الْإِتْيَانَ لِلْمَفْضُولِ فَلَا يَلْزَمُهُ.
(وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ) مِنْ مَكَّةَ وَمَسْجِدُهَا أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ، (فَمَكَّةُ) تَلِيهَا فِي الْفَضْلِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مَفْضُولٌ بِالنِّسْبَةِ لَهُمَا.

[حاشية الصاوي]

مَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى» . قَوْلُهُ: [أَيْ الْمَسْجِدَيْنِ] : أَيْ لَا الْبَلَدَيْنِ وَأَمَّا تَسْمِيَةُ الْبَلَدَيْنِ أَوْ نِيَّةُ الصَّلَاةِ فِي الْبَلَدَيْنِ دُونَ الْمَسْجِدَيْنِ فَلَا تَلْزَمُ.
قَوْلُهُ: [وَالْمَدِينَةُ أَفْضَلُ] : لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» ، وَلِمَا وَرَدَ فِي دُعَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللَّهُمَّ كَمَا أَخْرَجَتْنِي مِنْ أَحَبِّ الْبِلَادِ إلَيَّ فَأَسْكِنِّي فِي أَحَبِّ الْبِلَادِ إلَيْك» ؛ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَمَضَانُ بِالْمَدِينَةِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ رَمَضَانَ فِيمَا سِوَاهَا مِنْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

[حاشية الصاوي]

الْبُلْدَانِ، وَجُمُعَةٌ بِالْمَدِينَةِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ جُمُعَةٍ فِيمَا سِوَاهَا مِنْ الْبُلْدَانِ» (اهـ. مِنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: إنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ؛ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي غَيْرِ الْبُقْعَةِ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَمَّا هِيَ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ حَتَّى الْكَعْبَةِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَاللَّوْحِ وَالْقَلَمِ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَيَلِيهَا الْكَعْبَةُ، فَالْكَعْبَةُ أَفْضَلُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَدِينَةِ اتِّفَاقًا، وَأَمَّا الْمَسْجِدَانِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْكَعْبَةِ وَالْقَبْرِ الشَّرِيفِ فَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَمَا زِيدَ فِي مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ حُكْمُ مَسْجِدِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلنَّوَوِيِّ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
خَاتِمَةٌ: عَدَمُ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ أَفْضَلُ، قَالَ مَالِكٌ: الْقُفُولُ أَيْ الرُّجُوعُ أَفْضَلُ مِنْ الْجِوَارِ، وَأَمَّا الْمَدِينَةُ فَالْمُجَاوَرَةُ بِهَا مِنْ أَعْظَمِ الْقُرَبِ، فَلِذَلِكَ اخْتَارَ مَالِكٌ التَّوَطُّنَ بِهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى.

بَابٌ فِي الْجِهَادِ وَأَحْكَامِهِ (الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى (كُلَّ سَنَةٍ)

[حاشية الصاوي]

[بَابٌ فِي الْجِهَادِ وَأَحْكَامِهِ]

بَابٌ: لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى النَّذْرِ وَكَانَ هُوَ أَحَدُ الْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ الْمُعَيَّنَةِ لِلْجِهَادِ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: " وَتَعَيَّنَ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ وَبِفَجْءِ الْعَدُوِّ " أَعْقَبَهُ بِالْكَلَامِ عَلَيْهِ وَهُوَ لُغَةً: التَّعَبُ وَالْمَشَقَّةُ.
وَاصْطِلَاحًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قِتَالُ مُسْلِمٍ كَافِرًا غَيْرَ ذِي عَهْدٍ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ حُضُورِهِ لَهُ أَوْ دُخُولِهِ أَرْضَهُ (اهـ) . وَاعْتَرَضَ قَوْلَهُ فِي التَّعْرِيفِ: لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ قَاتَلَ لِلْغَنِيمَةِ أَوْ لِإِظْهَارِ الشُّجَاعَةِ مَثَلًا لَا يُعَدُّ مُجَاهِدًا فَلَا يَسْتَحِقُّ الْغَنِيمَةَ حَيْثُ أَظْهَرَ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَنَاوُلُهَا حَيْثُ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ.
قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: هَذَا بَعِيدٌ، وَالظَّاهِرُ بَلْ الْمُتَعَيَّنُ أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعُدُّوا مِنْ شُرُوطِ مَنْ يُسْهَمُ لَهُ كَوْنُهُ مُقَاتِلًا لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْجِهَادِ الْكَامِلِ، وَإِنَّمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ الْجِهَادُ إلَّا لِلَّهِ لَا لِشَيْءٍ آخَرَ، فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُسْهَمُ لَهُ فَتَدَبَّرْ (اهـ. بِتَصَرُّفٍ) . وَاعْلَمْ أَنَّ الْجِهَادَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ كَانَ حَرَامًا، ثُمَّ أُذِنَ فِيهِ لِمَنْ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أُذِنَ فِيهِ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، ثُمَّ أُذِنَ فِيهِ مُطْلَقًا (اهـ. مِنْ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ) وَأَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْجِهَادِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39] قَوْلُهُ: [لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ] : بَيَانٌ لِأَعْلَى الْمَقَاصِدِ كَمَا عَلِمْت.
قَوْلُهُ: [كُلَّ سَنَةٍ] : أَيْ بِأَنْ يُوَجِّهَ الْإِمَامُ كُلَّ سَنَةٍ طَائِفَةً، وَيَخْرُجَ بِنَفْسِهِ مَعَهَا أَوْ يُخْرِجَ بَدَلَهُ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ.

فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ سَنَةً (كَإِقَامَةِ الْمَوْسِمِ) بِعَرَفَةَ وَالْبَيْتِ وَبَقِيَّةِ الْمُشَاهَدِ كُلَّ سَنَةٍ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِي.
(عَلَى الْمُكَلَّفِ) مُتَعَلِّقٌ بِفَرْضِ (الْحُرِّ) دُونَ الرَّقِيقِ (الذَّكَرِ) لَا الْأُنْثَى (الْقَادِرِ) لَا الْعَاجِزِ عَنْ ذَلِكَ بِفَقْدِ قُدْرَةٍ أَوْ مَالٍ.
(كَالْقِيَامِ بِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ) فَإِنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، أَيْ غَيْرُ مَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْهَا، وَهِيَ: فَنُّ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ، لِأَنَّ فِي الْقِيَامِ بِهَا صَوْنًا لِلدِّينِ، وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ بِهَا: قِرَاءَتُهَا وَحِفْظُهَا وَتَدْوِينُهَا وَتَهْذِيبُهَا وَتَحْقِيقُهَا، وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ نَحْوٍ وَمَعَانٍ وَبَيَانٍ، لَا عُرُوضٍ وَبَدِيعٍ، وَلَا هَيْئَةٍ وَمَنْطِقٍ.
(وَالْفَتْوَى) وَهِيَ الْإِخْبَارُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ سَنَةً] : ظَاهِرُهُ مَعَ الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ.
وَهُوَ مَا نَقَلَهُ الْجُزُولِيُّ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَالْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَإِذْلَالِ الْكَفَرَةِ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ مَعَ الْخَوْفِ، وَنَافِلَةٌ مَعَ الْأَمْنِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَقْوَى وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ كَمَا عَلِمْت.
وَيَكُونُ فِي أَهَمِّ جِهَةٍ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَإِنْ اسْتَوَتْ الْجِهَاتُ فِي الضَّرَرِ خُيِّرَ الْإِمَامُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي يُرْسِلُ إلَيْهَا، إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُسْلِمِينَ كِفَايَةٌ لِجَمِيعِ الْجِهَاتِ وَإِلَّا وَجَبَ فِي الْجَمِيعِ.
قَوْلُهُ: [كَإِقَامَةِ الْمَوْسِمِ] : وَتَحْصُلُ إقَامَتُهُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ الشَّعِيرَةِ، وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظُوا فَرْضَ الْكِفَايَةِ، نَعَمْ ثَوَابُ الْفَرْضِ يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّتِهِ.
قَوْلُهُ: [فَرْضُ كِفَايَةٍ] : أَيْ وَلَوْ مَعَ وَالٍ جَائِرٍ فِي أَحْكَامِهِ ظَالِمٍ فِي رَعِيَّتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَادِرًا يَنْقُضُ الْعُهُودَ فَلَا يَجِبُ مَعَهُ عَلَى الْأَصَحِّ كَذَا فِي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [عَلَى الْمُكَلَّفِ] إلَخْ: يَشْمَلُ الْكَافِرَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.
وَثَمَرَةُ وُجُوبِهِ عَلَيْهِمْ مَعَ أَنَّنَا لَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ وَلَا نَسْتَعِينُ بِهِمْ أَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَلَى تَرْكِهِ عَذَابًا زَائِدًا عَلَى عَذَابِ الْكُفْرِ، كَمَا يُعَذَّبُونَ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا هَيْئَةٍ وَمَنْطِقٍ] : أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ تَعَلُّمِ الْمَنْطِقِ لِتَوَقُّفِ الْعَقَائِدِ عَلَيْهِ، وَرَدَّ ذَلِكَ الْغَزَالِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ عَقَائِدِ الدِّينِ إلَّا الْعَقِيدَةَ الَّتِي يُشَارِكُ فِيهَا الْعَوَامُّ، وَإِنَّمَا يَتَمَيَّزُ عَنْهُمْ بِصِفَةِ الْمُجَادَلَةِ، فَالْعَقَائِدُ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْنَا لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى مَنْطِقٍ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ، وَالدَّلِيلُ التَّفْصِيلِيُّ لَا يَنْحَصِرُ فِي التَّرَاكِيبِ الْمَنْطِقِيَّةِ لِأَنَّهَا اصْطِلَاحُ حَدَثٍ كَمَا هُوَ الْحَقُّ.

(وَالْقَضَاءِ) وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، (وَالْإِمَامَةِ) الْعُظْمَى أَيْ الْخِلَافَةِ مِنْ عَالِمٍ عَدْلٍ فَطِنٍ ذِي هِمَّةٍ قُرَشِيٍّ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَا يُعْزَلُ إنْ زَالَ وَصْفُهُ مَا لَمْ يَعْزِلْ نَفْسَهُ، بِخِلَافِ مَنْ وَلِيَ أَمْرًا مِنْ الْأُمُورِ وَخَانَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ.
(وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ) وَأَهْلِ الذِّمَّةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
(وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ) وَهُوَ مَا طَلَبَهُ الشَّارِعُ طَلَبًا جَازِمًا كَالصَّلَاةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ.
(وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ) وَهُوَ مَا نَهَى عَنْهُ الشَّارِعُ جَزْمًا فَرْضُ كِفَايَةٍ.
(وَالشَّهَادَةُ) تَحَمُّلًا وَأَدَاءً فَرْضُ كِفَايَةٍ، (وَالْحِرَفِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ جَمْعُ حِرْفَةٍ وَهِيَ الصَّنْعَةُ (الْمُهِمَّةِ) الَّتِي بِهَا صَلَاحُ النَّاسِ؛ كَالْقِيَانَةِ وَالْحِيَاكَةِ وَالنِّجَارَةِ، لَا كَقَصْرِ الثِّيَابِ وَالطَّرْزِ وَالنَّقْشِ.
(وَتَجْهِيزِ مَيِّتٍ) مِنْ غُسْلٍ وَكَفَنٍ وَمُوَارَاةٍ، فَرْضُ كِفَايَةٍ، (وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ) فَرْضُ كِفَايَةٍ.

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [وَهِيَ الْإِخْبَارُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ] : لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْقِيَامِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ كَالْقَضَاءِ.
قَوْلُهُ: [وَالْإِمَامَةِ الْعُظْمَى] : سَيَأْتِي بَقِيَّةُ شُرُوطِهَا فِي بَابِ الْقَضَاءِ.
قَوْلُهُ: [وَأَهْلِ الذِّمَّةِ] : أَيْ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْنَا أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ مَا دَامُوا تَحْتَ ذِمَّتِنَا.
قَوْلُهُ: [وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ] : أَيْ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ الْآمِرِ وَالنَّاهِي، وَأَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى ارْتِكَابِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ مَفْسَدَةً، وَأَنْ يَظُنَّ الْإِفَادَةَ.
وَالْأَوَّلَانِ شَرْطَانِ لِلْجَوَازِ، وَيَحْرُمُ عِنْدَ فَقْدِهِمَا، وَالثَّالِثُ شَرْطُ الْوُجُوبِ فَيَسْقُطُ عِنْدَ عَدَمِ ظَنِّ الْإِفَادَةِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَمُرْتَكِبُهُ يَرَى تَحْرِيمَهُ، لَا إنْ كَانَ يَرَى حِلَّهُ أَوْ يُقَلِّدَ مَنْ يَقُولُ بِالْحِلِّ.
قَوْلُهُ: [تَحَمُّلًا] : أَيْ إنْ اُحْتِيجَ لِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَأَدَاءً] : أَيْ إنْ كَثُرَ الْمُتَحَمِّلُونَ وَهَلْ تَتَعَيَّنُ بِالطَّلَبِ حِينَئِذٍ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَآيَةُ: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282] . قَوْلُهُ: [كَالْقِيَانَةِ] : بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ: وَهِيَ الْحِدَادَةُ كَمَا هُوَ نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ.

(وَفَكِّ الْأَسِيرِ) مِنْ الْحَرْبِيِّينَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يُفَكُّ مِنْهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَوْ أَتَى عَلَى جَمِيعِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ.
وَسَيَأْتِي رَدُّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ آخِرَ الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

(وَتَعَيَّنَ) الْجِهَادُ (بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ) لِشَخْصٍ وَلَوْ عَبْدًا وَامْرَأَةً.
(وَ) تَعَيَّنَ أَيْضًا (بِفَجْءِ الْعَدُوِّ مَحَلَّةَ قَوْمٍ) . (وَ) تَعَيَّنَ (عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إنْ عَجَزُوا) عَنْ دَفْعِ الْعَدُوِّ بِأَنْفُسِهِمْ، (وَإِنْ) كَانَ مَنْ فُجِئَ أَوْ مَنْ بِقُرْبِهِ (امْرَأَةً أَوْ رَقِيقًا) . وَتَعَيَّنَ أَيْضًا بِالنَّذْرِ،

[حاشية الصاوي]

قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ] : ظَاهِرُهُ أَنَّ مَالَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ طَرِيقَةٌ لِبَعْضِهِمْ، وَالطَّرِيقَةُ الْمَشْهُورَةُ أَنَّهُ يَفْدِي أَوَّلًا بِالْفَيْءِ ثُمَّ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ مَالِهِ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْبَابِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ أَتَى عَلَى جَمِيعِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ] : أَيْ وَلَا يَتْبَعُ بِشَيْءٍ فِي ذِمَّتِهِ وَمَحَلُّ بَذْلِ جَمِيعِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ إنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ ضَرَرٌ بِذَلِكَ، وَإِلَّا ارْتَكَبَ أَخَفَّ الضَّرَرَيْنِ.

[تعين الْجِهَاد مَتَى يُفْرَض الْجِهَاد عَلَى الْمُسْلِمِينَ]

قَوْلُهُ: [وَلَوْ عَبْدًا وَامْرَأَةً] : وَمِثْلُ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ: الصَّبِيُّ الْمُطِيقُ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ ذُكِرَ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ، وَيَخْرُجُونَ وَلَوْ مَنَعَهُمْ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ وَرَبُّ الدَّيْنِ إنْ كَانَ مَدِينًا، وَالْمُرَادُ بِتَعَيُّنِهِ عَلَى الصَّبِيِّ: جَبْرُهُ عَلَيْهِ كَمَا يُجْبَرُ عَلَى مَا بِهِ مَصَالِحُهُ لَا عِقَابُهُ عَلَى تَرْكِهِ.
قَوْلُهُ: [عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ] : مَحَلٌّ فِي ذَلِكَ إنْ لَمْ يَخْشَوْا عَلَى نِسَائِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ مِنْ عَدُوٍّ يَهْجُمُهُمْ وَإِلَّا فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: [امْرَأَةً أَوْ رَقِيقًا] : أَيْ أَوْ غَيْرَهَا مِمَّنْ لَمْ يُسْهَمْ لَهُ فِي الْجِهَادِ الْكِفَائِيِّ.
قَوْلُهُ: [وَتَعَيَّنَ أَيْضًا بِالنَّذْرِ] : أَيْ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: لِلْوَالِدَيْنِ مَنْعُ الْوَلَدِ مِنْ السَّفَرِ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَلَوْ عِلْمًا فَلَا يَخْرُجُ لَهُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا حَيْثُ كَانَ فِي بَلَدِهِ مَنْ يُفِيدُهُ، وَإِلَّا خَرَجَ لَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا إنْ كَانَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ.
وَلَهُمَا الْمَنْعُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَلَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ فِي غَيْرِ الْجِهَادِ.
وَأَمَّا الْجِهَادُ فَلَيْسَ لِلْكَافِرِينَ الْمَنْعُ مِنْهُ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ قَصْدِ تَوْهِينِ الْإِسْلَامِ إلَّا لِقَرِينَةٍ تُفِيدُ الشَّفَقَةَ وَنَحْوَهَا.
وَلَيْسَ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَحِلُّ فِي سَفَرِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهِ أَنْ

(وَدَعُوا) أَوَّلًا وُجُوبًا (لِلْإِسْلَامِ) وَلَوْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَمْ يُبَادُونَا لِلْقِتَالِ، (وَإِلَّا) قُوتِلُوا بِلَا دَعْوَةٍ.
فَإِنْ أَجَابُوا لِلْإِسْلَامِ وَأَسْلَمُوا تُرِكُوا بِمَحَلِّ أَمْنٍ، وَإِنْ امْتَنَعُوا مِنْهُ (فَالْجِزْيَةُ) تُطْلَبُ مِنْهُمْ.
فَإِنْ أَجَابُوا تُرِكُوا وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ (بِمَحَلِّ أَمْنٍ) : أَيْ مَأْمُونٍ بِحَيْثُ تَنَالُهُمْ أَحْكَامُنَا فِيهِ، إمَّا بِالرَّحِيلِ إلَى بِلَادِنَا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُمْ نَقْدِرُ عَلَيْهِمْ فِيهِ وَلَا نَخْشَى فِيهِ غَائِلَتَهُمْ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُجِيبُوا لِلْإِسْلَامِ أَوْ الْجِزْيَةِ أَوْ أَجَابُوا وَلَكِنْ كَانَ الْمَحَلُّ الَّذِي هُمْ فِيهِ غَيْرَ مَأْمُونٍ وَلَمْ يَرْتَحِلُوا إلَى بِلَادِنَا - (قُوتِلُوا وَقُتِلُوا) .

(إلَّا الْمَرْأَةَ وَالصَّبِيَّ) فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ الْأَمْوَالِ، (إلَّا إذَا قَاتَلَا قِتَالَ الرِّجَالِ) بِالسِّلَاحِ وَنَحْوِهِ لَا بِرَمْيِ حَجَرٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ قَتَلَا) أَحَدًا مِنْ الْجَيْشِ فَيَجُوزُ قَتْلُهُمَا.
(وَ) إلَّا (الزَّمِنَ) أَيْ الْعَاجِزَ (وَالْأَعْمَى وَالْمَعْتُوهَ) أَيْ ضَعِيفَ الْعَقْلِ وَأَوْلَى الْمَجْنُونُ.
(وَ) الشَّيْخَ (الْفَانِيَ) أَيْ الْهَرِمَ.

[حاشية الصاوي]

يُسَافِرَ لِجِهَادٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ رَبُّ الدَّيْنِ.

[الدَّعْوَة أَوَّلًا لِلْإِسْلَامِ]

قَوْلُهُ: [وَلَوْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] : هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: لَا يَدْعُو لِلْإِسْلَامِ أَوَّلًا إلَّا إذَا لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُهُ: [مَا لَمْ يُبَادِرُونَا لِلْقِتَالِ] : أَيْ وَمِثْلُ ذَلِكَ إذَا قَلَّ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ ذَلِكَ كَانَتْ إغَارَةُ سَرَايَاهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. قَوْلُهُ: [قُوتِلُوا] : أَيْ شُرِعَ فِي قِتَالِهِمْ وَقَوْلُهُ وَقُتِلُوا أَيْ جَازَ قَتْلُهُمْ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ.

[القتال وَمنْ لَا يَجُوز قتله فِي الْجِهَاد]

قَوْلُهُ: [إلَّا إذَا قَاتَلَا قِتَالَ الرِّجَالِ] : اعْلَمْ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ ثَمَانِيَةَ أَحْوَالٍ: لِأَنَّهُمَا: إمَّا أَنْ يَقْتُلَا أَحَدًا أَوْ لَا.
وَفِي كُلٍّ: إمَّا بِسِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يُؤْسَرَا أَوْ لَا.
فَإِنْ قَتَلَا أَحَدًا جَازَ قَتْلُهُمَا سَوَاءٌ قَاتَلَا بِسِلَاحٍ أَوْ لَا، أَسَرَا أَوْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلَا أَحَدًا فَإِنْ قَاتَلَا بِسِلَاحٍ جَازَ قَتْلُهُمَا أَيْضًا أَسَرَا أَوْ لَا، وَإِنْ قَاتَلَا بِغَيْرِ سِلَاحٍ فَلَا يَقْتُلَا بَعْدَ الْأَسْرِ اتِّفَاقًا وَلَا فِي حَالِ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى الرَّاجِحِ فَتَدَبَّرْ.

فصول الكتاب · 3 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك · 813 صفحة
المقدمة
بَابُ فِي الشُّفْعَةِ وَأَحْكَامِهَا
بَابٌ فِي الْمُسَاقَاةِ
جارٍ التحميل