وُجُوبُ الْغُسْلِ كَمَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَظَاهِرُ ابْنِ بَشِيرٍ.
إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ تَضْعِيفُهُ.
(كَمَنْ جَامَعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَمْنَى) : تَشْبِيهٌ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ فَقَطْ.
أَيْ أَنَّ مَنْ جَامَعَ بِأَنْ غَيَّبَ الْحَشَفَةَ فِي الْفَرْجِ فَاغْتَسَلَ لِذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ مَنِيٌّ بَعْدَ غُسْلِهِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ لِلْجَنَابَةِ قَدْ حَصَلَ.
(وَلَوْ شَكَّ أَمَنِيٌّ أَمْ مَذْيٌ وَجَبَ.
فَإِنْ لَمْ يَدْرِ وَقْتَهُ أَعَادَ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ) : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِخُرُوجِهِ فِي النَّوْمِ.
أَيْ أَنَّ مَنْ انْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ فَوَجَدَ بَلَلًا فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ فَشَكَّ هَلْ هُوَ مَنِيٌّ أَوْ مَذْيٌ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ لِأَنَّ الشَّكَّ مُؤَثِّر فِي إيجَابِ الطَّهَارَةِ، -
[حاشية الصاوي]
إنْ كَانَ بِذَكَرِهِ، وَهَزُّ الدَّابَّةِ إنْ أَحَسَّ بِمَبَادِئِ اللَّذَّةِ فِيهِمَا وَاسْتَدَامَ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِلَّا فَلَا.
وَأَمَّا إنْ كَانَ بِغَيْرِ ذَكَرِهِ فَإِنَّهُ كَالْمَاءِ الْحَارِّ.
بَقِيَ شَيْءٌ؛ وَهُوَ أَنَّهُ فِي هَزِّ الدَّابَّةِ إذَا أَحَسَّ بِمَبَادِئِ اللَّذَّةِ وَاسْتَدَامَ حَتَّى أَنْزَلَ، فَهَلْ يَجِبُ الْغُسْلُ وَلَوْ كَانَتْ الِاسْتِدَامَةُ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّزُولِ كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْجِمَاعِ؟ أَوْ لَا غُسْلَ حِينَئِذٍ؟ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ الْأُجْهُورِيُّ.
قَوْلُهُ: [تَضْعِيفُهُ] : قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ (بْن) : اعْتَرَضَ ابْنُ مَرْزُوقٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ الرَّاجِحَ وُجُوبُ الْغُسْلِ بِخُرُوجِهِ بِلَذَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، كَمَا اخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ وَظَاهِرُ ابْنِ بَشِيرٍ.
قَالَ شَيْخُنَا: عَدَمُ تَعَرُّضِ الشُّرَّاحِ لِنَقْلِ كَلَامِ ابْنِ مَرْزُوقٍ وَإِعْرَاضهمْ عَنْهُ يَقْتَضِي عَدَمَ تَسْلِيمِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الرَّاجِحُ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ (اهـ) وَقَدْ تَبِعَ مُصَنِّفُنَا مَا قَالَهُ خَلِيلٌ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ غَيَّبَ الْحَشَفَةَ] إلَخْ: مِثْلُ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ؛ الْمَرْأَةُ إذَا خَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا الْمَنِيُّ بَعْدَ غُسْلِهَا مِنْ الْجِمَاعِ.
قَوْلُهُ: [فَقَطْ] : أَيْ وَلَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ صَلَّاهَا.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ شَكَّ] إلَخْ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ عَمَّا إذَا رَأَتْ الْمَرْأَةُ حَيْضًا فِي ثَوْبِهَا وَلَمْ تَدْرِ وَقْتَ حُصُولِهِ، وَحُكْمُهَا أَنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ يَوْمِ لُبْسِهِ اللُّبْسَةَ الْأَخِيرَةَ لِاحْتِمَالِ طُهْرِهَا وَقْتَ أَوَّلِ صَلَاةٍ، كَالصَّوْمِ؛ لِانْقِطَاعِ التَّتَابُعِ.
إلَّا أَنْ تُبَيِّتَ النِّيَّةَ كُلَّ لَيْلَةٍ فَتُعِيدُ عَادَتَهَا إنْ أَمْكَنَ اسْتِغْرَاقُهُ لَهَا لِكَثْرَتِهِ، وَلَوْ كُلَّ يَوْمٍ نُقْطَةٌ، وَإِلَّا فَبِحَسَبِهِ.
فَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ زِيَادَتُهُ عَلَى يَوْمَيْنِ فِي ظَنِّ الْعَادَةِ قَضَتْهُمَا
بِخِلَافِ الْوَهْمِ؛ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مَذْيٌ وَتَوَهَّمَ فِي الْمَنِيِّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ.
فَلِذَا لَوْ شَكَّ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ كَمَنِيٍّ وَمَذْي وَوَدْي، لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ التَّرَدُّدِ: بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، يُصَيِّرُ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهَا وَهْمًا.
وَمَنْ وَجَدَ مَنِيًّا مُحَقَّقًا أَوْ مَشْكُوكًا، وَلَمْ يَدْرِ الْوَقْتَ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَغْتَسِلُ وَيُعِيدُ صَلَاتَهُ مِنْ آخِرِ نَوْمَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ بِلَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، وَلَا يُعِيدُ مَا صَلَّاهُ قَبْلَهَا.
(وَبِمَغِيبِ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا فِي فَرْجٍ مُطِيقٍ، وَإِنْ بَهِيمَةً أَوْ مَيِّتًا) : الْمُوجِبُ الثَّانِي لِلْغُسْلِ: تَغْيِيبُ الْمُكَلَّفِ -
[حاشية الصاوي]
فَقَطْ، وَهَكَذَا.
وَمِنْ هُنَا فَرَّعَ الْوَجِيزِي: الَّذِي فِي (عب) : ثَلَاثُ جَوَارٍ لَبِسَتْ كُلٌّ الثَّوْبَ عَشَرَةً فِي رَمَضَانَ، فَوُجِدَ فِيهِ نُقْطَةُ دَمٍ؛ فَتَصُومُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمًا مَعَ التَّبْيِيتِ، وَتَقْضِي الْأُولَى صَلَاةَ الشَّهْرِ، وَالثَّانِيَةُ، عِشْرِينَ، وَالثَّالِثَةُ، عَشَرَةً.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ إلْغَاءُ الِاسْتِظْهَارِ هُنَا (اهـ مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) .
قَوْلُهُ: [لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ] : أَيْ وَلَكِنْ يَجِبُ غَسْلُ الذَّكَرِ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: لَا يَجِبُ غَسْلُ الْجَسَدِ وَلَا الذَّكَرِ، وَأَمَّا إذَا شَكَّ أَمَذْي أَمْ بَوْلٌ أَوْ أَمَذْي أَمْ وَدْيٌ، وَجَبَ غَسْلُ الذَّكَرِ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَغْتَسِلُ وَيُعِيدُ] إلَخْ: مَحَلُّ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ بَعْدَ الْغُسْلِ فِي مَسْأَلَةِ الشَّكِّ أَوْ التَّحَقُّقِ إذَا لَمْ يَلْبَسْهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُمْنِي، وَإِلَّا لَمْ يَجِبُ غُسْلٌ بَلْ يُنْدَبُ فَقَطْ، كَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ تَبَعًا لِابْنِ الْعَرَبِيِّ.
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَالُوهُ مِنْ وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى كُلٍّ مِنْ شَخْصَيْنِ لَبِسَا ثَوْبًا وَنَامَ فِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يُحْتَمَلْ لِبْسُ غَيْرِهِمَا لِذَلِكَ الثَّوْبِ، وَوُجِدَ فِيهِ مَنِيٌّ.
وَلِقَوْلِ الْبُرْزُلِيِّ: لَوْ نَامَ شَخْصَانِ تَحْتَ لِحَافٍ ثُمَّ وَجَدَا مَنِيًّا عَزَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، فَإِنْ كَانَا غَيْرَ زَوْجَيْنِ اغْتَسَلَا وَصَلَّيَا مِنْ أَوَّلِ مَا نَامَا فِيهِ لِتَطَرُّقِ الشَّكِّ إلَيْهِمَا مَعًا فَلَا يَبْرَآنِ إلَّا بِيَقِينٍ، وَإِنْ كَانَا زَوْجَيْنِ اغْتَسَلَ الزَّوْج فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا ذَلِكَ.
قَالَ (بْن) : فَهُمَا قَوْلَانِ وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُهُمْ الثَّانِيَ لَا مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ (اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [الْمُكَلَّفِ] : أَيْ وَلَوْ خُنْثَى مُشْكِلًا، إذَا غَيَّبَهَا فِي فَرْجِ غَيْرِهِ أَوْ فِي دُبُرِ نَفْسِهِ، وَإِلَّا - بِأَنْ غَيَّبَهَا فِي فَرْجِ نَفْسِهِ - فَلَا، مَا لَمْ يُنْزِلْ.
وَاشْتِرَاطُ الْبُلُوغِ خَاصٌّ بِالْآدَمِيِّ، فَإِذَا غَيَّبَتْ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ بَهِيمَةٍ فِي فَرْجِهَا وَجَبَ الْغُسْلُ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْبَهِيمَةِ الْبُلُوغُ.
جَمِيعَ حَشَفَتِهِ - أَيْ رَأْسَ ذَكَرِهِ - أَوْ تَغْيِيبُ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا فِي فَرْجِ شَخْصٍ مُطِيقٍ لِلْجِمَاعِ قُبُلًا أَوْ دُبُرًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَلَوْ غَيْرَ بَالِغٍ، أَوْ كَانَ
[حاشية الصاوي]
وَيَدْخُلُ فِي الْمُكَلَّفِ الْجِنُّ؛ فَلَوْ غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي إنْسِيَّةٍ، أَوْ إنْسِيٌّ غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي جِنِّيَّةٍ، وَجَبَ الْغُسْلُ عَلَى كُلٍّ، قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَهُوَ التَّحْقِيقُ.
قَوْلُهُ: [جَمِيعَ حَشَفَتِهِ] : أَيْ مَا يُلَفُّ عَلَيْهَا خِرْقَةٌ كَثِيفَةٌ.
وَلَيْسَتْ الْجِلْدَةُ الَّتِي عَلَى الْحَشَفَةِ بِمَثَابَةِ الْخِرْقَةِ الْكَثِيفَةِ.
قَوْلُهُ: [قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا] : وَمِثْلُ الْقَطْعِ مَا لَوْ قُلْنَاهُ وَهَلْ يُعْتَبَرُ قَدْرُ طُولِهَا لَوْ انْفَرَدَ وَاسْتَظْهَرَ؟ أَوْ مُثَنِّيًا؟ وَانْظُرْ لَوْ خُلِقَ ذَكَرُهُ كُلُّهُ بِصِفَةِ الْحَشَفَةِ، هَلْ يُرَاعَى قَدْرُهَا مِنْ الْمُعْتَادِ؟ أَوْ لَا بُدَّ فِي إيجَابِ الْغُسْلِ مِنْ تَغْيِيبِهِ كُلِّهِ؟ وَالظَّاهِرُ - كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ - الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: [قُبُلًا أَوْ دُبُرًا] إلَخْ: ظَاهِرُهُ: غَيَّبَ الْحَشَفَةَ فِي الْقُبُلِ فِي مَحَلِّ الِافْتِضَاضِ أَوْ فِي مَحَلِّ الْبَوْلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَ مَحَلَّ الِافْتِضَاضِ.
بَقِيَ لَوْ دَخَلَ شَخْصٌ بِتَمَامِهِ فِي الْفَرْجِ؛ فَلَا نَصَّ عِنْدَنَا.
وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ: إنْ بَدَأَ فِي الدُّخُولِ بِذَكَرِهِ اغْتَسَلَ، وَإِلَّا فَلَا كَأَنَّهُمْ رَأَوْهُ كَالتَّغْيِيبِ فِي الْهَوِيِّ.
وَيُفْرَضُ ذَلِكَ فِي الْفِيَلَةِ وَدَوَابِّ الْبَحْرِ الْهَائِلَةِ.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ تَغْيِيبَ الْحَشَفَةِ فِي الدُّبُرِ يُوجِبُ الْغُسْلَ هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَفِي (ح) قَوْلٌ شَاذٌّ لِمَالِكٍ: إنَّ التَّغْيِيبَ فِي الدُّبُرِ لَا يُوجِبُ غُسْلًا حَيْثُ
الْمُطِيقُ بَهِيمَةً أَوْ مَيِّتًا.
(وَعَلَى ذِي الْفَرْجِ إنْ بَلَغَ) : أَيْ وَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى صَاحِبِ الْفَرْجِ الْمُغَيَّبِ فِيهِ إنْ كَانَ بَالِغًا.
وَهَذَا الْقَيْدُ مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِ: (الْمُكَلَّفُ) . ذَكَرَهُ لِزِيَادَةِ الْإِيضَاحِ فَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ، وَلَا بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ فِي غَيْرِ فَرْجٍ كَالْأَلْيَتَيْنِ وَالْفَخْذَيْنِ، وَلَا فِي فَرْجٍ غَيْرِ مُطِيقٍ.
(وَنُدِبَ لِمَأْمُورِ الصَّلَاةِ؛ كَصَغِيرَةٍ وَطِئَهَا بَالِغٌ) : أَيْ وَيُنْدَبُ الْغُسْلُ لِذَكَرٍ مَأْمُورٍ بِالصَّلَاةِ وَطِئَ مُطِيقًا كَمَا يُنْدَبُ لِمُطِيقَةٍ وَطِئَهَا بَالِغٌ وَإِلَّا فَلَا.
[حاشية الصاوي]
لَا إنْزَالَ، وَلِلشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَإِنْ أَوْجَبَ الْغُسْلَ، فَإِذَا كَانَ مُتَوَضِّئًا وَغَيَّبَ الْحَشَفَةَ فِي الدُّبُرِ وَلَمْ يُنْزِلْ وَغَسَلَ مَا عَدَا أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ أَجْزَأَهُ.
(انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . وَمَحَلُّ كَوْنِهِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ عِنْدَهُمْ حَيْثُ كَانَ الْمُغَيَّبُ فِي دُبُرِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى مُحَرَّمًا.
قَوْلُهُ: [أَوْ مَيِّتًا] : أَيْ وَلَا يُعَادُ غُسْلُ الْمَيِّتِ الْمُغَيَّبِ فِيهِ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ.
قَوْلُهُ: [غَيْرِ مُطِيقٍ] : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ آدَمِيًّا أَوْ غَيْرَهُ.
قَوْلُهُ: [لِمَأْمُورِ الصَّلَاةِ] : أَيْ وَإِنْ لَمْ يُرَاهِقْ.
فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِ خَلِيلٍ: مُرَاهِقٌ.
فَفِي الْمَوَّاقِ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ: إذَا عُدِمَ الْبُلُوغُ فِي الْوَاطِئِ أَوْ الْمَوْطُوءَةِ، فَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ لَا غُسْلَ.
وَيُؤْمَرَانِ بِهِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ (انْتَهَى) ، وَقَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ سَحْنُونَ: يَجِبُ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ.
فَلَوْ صَلَّيَا بِدُونِهِ فَقَالَ أَشْهَبُ: يُعِيدَانِ.
وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونَ: يُعِيدَانِ بِقُرْبِ ذَلِكَ لَا أَبَدًا.
قَالَ سَنَدٌ: وَهُوَ حَسَنٌ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ أَشْهَبَ.
وَالْمُرَادُ بِالْقُرْبِ: كَالْيَوْمِ، كَمَا فِي (ر) . وَالْمُرَادُ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهِمَا: عَدَمُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ بِدُونِهِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَيْهِ كَالْوُضُوءِ، لَا تَرَتُّبَ الْإِثْمِ عَلَى التَّرْكِ.
(انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . فَعَلَى النَّدْبِ الَّذِي هُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ؛ لَوْ جَامَعَ وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ وَصَلَّى بِغَيْرِ غُسْلٍ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، غَايَةُ مَا فِيهِ الْكَرَاهَةُ.
وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: جِمَاعُ الصَّبِيِّ لَا يَنْقُضُ وُضُوءَهُ.
قَوْلُهُ: [وَطِئَ مُطِيقًا] : كَانَ الْمَوْطُوءُ بَالِغًا أَوْ غَيْرَ بَالِغٍ.
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا فَلَا] : هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ: لِأَنَّ الْوَاطِئَ وَالْمَوْطُوءَ بَالِغَانِ أَوْ بَالِغٌ وَصَغِيرَةٌ أَوْ صَغِيرٌ وَبَالِغَةٌ أَوْ صَغِيرَانِ.
فَالْأُولَى: يَجِبُ فِيهَا الْغُسْلُ عَلَيْهِمَا اتِّفَاقًا.
وَفِي الثَّانِيَةِ: يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْوَاطِئِ وَيُنْدَبُ لِلْمَوْطُوءَةِ حَيْثُ كَانَتْ مَأْمُورَةً
(وَبِحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَلَوْ بِلَا دَمٍ، لَا بِاسْتِحَاضَةٍ.
وَنُدِبَ لِانْقِطَاعِهِ) : الْمُوجِبُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ لِلْغُسْلِ: الْحَيْضُ وَلَوْ دَفْعَةً.
وَالنِّفَاسُ وَلَوْ خَرَجَ الْوَلَدُ بِلَا دَمٍ أَصْلًا.
وَلَا يَجِبُ بِخُرُوجِ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، لَكِنْ يُنْدَبُ إذَا انْقَطَعَ.
(وَفَرَائِضُهُ: نِيَّةُ فَرْضِ الْغُسْلِ، أَوْ رَفْعِ الْحَدَثِ، أَوْ اسْتِبَاحَةِ مَمْنُوعٍ، بِأَوَّلِ مَفْعُولٍ) : فَرَائِضُ الْغُسْلِ خَمْسَةٌ: الْأُولَى: النِّيَّةُ عِنْدَ أَوَّلِ مَفْعُولٍ ابْتَدَأَ بِفَرْجِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِأَنْ يَنْوِيَ بِقَلْبِهِ أَدَاءَ فَرْضِ الْغُسْلِ، أَوْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ أَوْ رَفْعَ الْجَنَابَةِ، أَوْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ مَا مَنَعَهُ الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ مَثَلًا.
(وَمُوَالَاةٌ كَالْوُضُوءِ وَتَعْمِيمُ ظَاهِرِ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ) : الْفَرِيضَةُ الثَّانِيَةُ: الْمُوَالَاةُ إنْ ذَكَرَ وَقَدَرَ، كَالْمُوَالَاةِ فِي الْوُضُوءِ.
فَإِنْ فَرَّقَ عَامِدًا بَطَلَ إنْ طَالَ، -
[حاشية الصاوي]
بِالصَّلَاةِ.
وَفِي الثَّالِثَةِ: يُنْدَبُ لِلْوَاطِئِ دُونَ مَوْطُوءَتِهِ مَا لَمْ تُنْزِلْ.
وَكَذَا فِي الرَّابِعَةِ.
قَوْلُهُ: [وَبِحَيْضٍ] : أَيْ بِوُجُودِ حَيْضٍ، فَالْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ وُجُودُهُ لَا انْقِطَاعُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ كَمَا قَالَ الْأَصْلُ.
وَمَا قِيلَ فِي الْحَيْضِ يُقَالُ فِي النِّفَاسِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ بِلَا دَمٍ] : هَذَا هُوَ الْمُسْتَحْسَنُ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَخَلِيلٍ مِنْ رِوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ الْأَقْوَى ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ.
قَوْلُهُ: [لَكِنْ يُنْدَبُ إذَا انْقَطَعَ] : أَيْ لِأَجْلِ النَّظَافَةِ وَتَطْيِيبِ النَّفْسِ، كَمَا يُنْدَبُ غَسْلُ الْمَعْفُوَّاتِ إذَا تَفَاحَشَتْ لِذَلِكَ، وَالِاسْتِحَاضَةُ مِنْ جُمْلَتِهَا.
وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ خَالَطَ الِاسْتِحَاضَةَ حَيْضٌ وَهِيَ لَا تَشْعُرُ، فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْغُسْلِ لَا نَدْبَهُ لِوُجُودِ الشَّكِّ فِي الْجَنَابَةِ.
[فَرَائِضُ الْغُسْل]
قَوْلُهُ: [بِأَنْ يَنْوِيَ إلَخْ] : وَلَا يَضُرُّ إخْرَاجُ بَعْضِ الْمُسْتَبَاحِ، بِأَنْ يَقُولَ: نَوَيْت اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ لَا الطَّوَافِ مَثَلًا.
وَلَا نِسْيَانُ مُوجِبٍ، بِخِلَافِ إخْرَاجِهِ الْحَدَثَ، كَأَنْ يَقُولَ: نَوَيْت الْغُسْلَ مِنْ الْجِمَاعِ لَا مِنْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ، وَالْحَالُ أَنَّ مَا أَخْرَجَهُ قَدْ حَصَلَ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
أَوْ يَنْوِيَ مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ الْمُتَحَقِّقَةِ فِي الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ أَوْ فِي الْمَنْدُوبَةِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ يَضُرُّ.
قَوْلُهُ: [كَالْوُضُوءِ] إلَخْ: التَّشْبِيهُ فِي الصِّفَةِ وَالْحُكْمِ مَعًا.
قَوْلُهُ: [عَامِدًا] : أَيْ مُخْتَارًا.
وَإِلَّا بَنَى عَلَى مَا فَعَلَ بِنِيَّةٍ.
الْفَرِيضَةُ الثَّالِثَةُ: تَعْمِيمُ ظَاهِرِ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ، بِأَنْ يَنْغَمِسَ فِيهِ أَوْ يَصُبَّهُ عَلَى جَسَدِهِ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا.
(وَدَلْكٌ وَلَوْ بَعْدَ صَبِّهِ وَإِنْ بِخِرْقَةٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ سَقَطَ، وَلَا اسْتِنَابَةَ) : الْفَرِيضَةُ الرَّابِعَةُ: الدَّلْكُ وَهُوَ هُنَا إمْرَارُ الْعُضْوِ عَلَى ظَاهِرِ الْجَسَدِ، يَدًا أَوْ رِجْلًا فَيَكْفِي دَلْكُ الرِّجْلِ بِالْأُخْرَى.
وَيَكْفِي الدَّلْكُ بِظَاهِرِ الْكَفِّ وَبِالسَّاعِدِ وَالْعَضُدِ، بَلْ يَكْفِي بِالْخِرْقَةِ عِنْدَ -
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَإِلَّا بَنَى بِنِيَّةٍ] : أَيْ حَيْثُ فَرَّقَ نَاسِيًا وَأَمَّا لَوْ فَرَّقَ عَاجِزًا فَيَبْنِي لِنِيَّةٍ لِاسْتِصْحَابِهَا.
وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ يَأْتِي هُنَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ: [فَإِنْ فَرَّقَ عَامِدًا] إلَى آخِرِهِ: مَا قِيلَ إلَّا مَنْطُوقُهُ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَمَفْهُومُهُ بَعْدَهَا خَمْسُ صُوَرٍ: وَهِيَ مَا إذَا فَرَّقَ نَاسِيًا، أَوْ عَاجِزًا، أَطَالَ أَمْ لَا، أَوْ عَامِدًا مُخْتَارًا وَلَمْ يُطِلْ.
وَالْكُلُّ يَبْنِي فِيهَا بِغَيْرِ تَجْدِيدِ نِيَّةٍ، إلَّا إذَا فَرَّقَ نَاسِيًا وَطَالَ.
فَقَوْلُ الشَّارِحِ: (بَنَى بِنِيَّةٍ) كَلَامٌ مُجْمَلٌ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّاسِي فِي حَالَةِ الطُّولِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرِهَا] : كَتَلَقِّيه مِنْ الْمَطَرِ وَتَمْرِيغِهِ فِي الزَّرْعِ وَعَلَيْهِ نَدًى كَثِيرٌ حَتَّى عَمَّهُ الْمَاءُ.
قَوْلُهُ: [وَدَلْكٌ] : هُوَ دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ مَعَ دَلْكٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ؛ وَحِينَئِذٍ فَيُغْنِي عَنْهُ اسْمُ الْغُسْلِ لَكِنَّهُ ذَكَرَهُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ وَاجِبٌ لِإِيصَالِ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ، فَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ لِنَفْسِهِ فَيُعِيدُ تَارِكُهُ أَبَدًا وَلَوْ تَحَقَّقَ وُصُولَ الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ.
وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَاخْتَارَ الْأُجْهُورِيُّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ لِقُوَّةِ مُدْرَكِهِ.
وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ قَوِيَّ الْمُدْرَكِ، فَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْمَذْهَبِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ بَعْدَ صَبِّهِ] : خِلَافًا لِلْقَابِسِيِّ فِي اشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ لِصَبِّ الْمَاءِ.
فَإِذَا انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ فَصَارَ الْمَاءُ مُنْفَصِلًا عَنْ جَسَدِهِ إلَّا أَنَّهُ مُبْتَلٌّ، فَيَكْفِي الدَّلْكُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْأَوَّلِ لَا عَلَى الثَّانِي.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ هُنَا] : يَحْتَرِزُ عَنْ الْوُضُوءِ.
فَإِنَّهُ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ الْمُرَادُ مِنْهَا بَاطِنُ الْكَفِّ، وَتَقَدَّمَ نَقْلُ (بْن) عَنْ المسناوي أَنَّهُ كَالْغُسْلِ يَكْفِي فِيهِ أَيُّ عُضْوٍ
الْقُدْرَةِ - بِالْيَدِ عَلَى الرَّاجِحِ - بِأَنْ يُمْسِكَ طَرَفَيْهَا بِيَدَيْهِ، وَيَدْلِكَ بِوَسَطِهَا أَوْ بِحَبْلٍ كَذَلِكَ.
وَيَكْفِي وَلَوْ بَعْدَ صَبِّ الْمَاءِ وَانْفِصَالِهِ عَنْ الْجَسَدِ مَا لَمْ يَجِفَّ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ الدَّلْكُ سَقَطَ.
وَيَكْفِي تَعْمِيمُ الْجَسَدِ بِالْمَاءِ كَمَا فِي سَائِرِ الْفَرَائِضِ.
إذْ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ: يَجِبُ اسْتِنَابَةُ مَنْ يُدَلِّكُهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ، أَوْ يَتَدَلَّكُ بِحَائِطٍ إنْ كَانَتْ مِلْكًا لَهُ، أَوْ أَذِنَ لَهُ مَالِكُهَا فِي ذَلِكَ وَكَانَ الدَّلْكُ بِهَا لَا يُؤْذِيهِ.
فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَإِنْ مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ.
(وَتَخْلِيلُ شَعْرٍ وَأَصَابِعِ رِجْلَيْهِ) : الْفَرِيضَةُ الْخَامِسَةُ: تَخْلِيلُ شَعْرِهِ وَلَوْ كَثِيفًا سَوَاءٌ
[حاشية الصاوي]
فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
قَوْلُهُ: [عَلَى الرَّاجِحِ] : أَيْ خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ بَهْرَامُ عَنْ سَحْنُونَ مِنْ عَدَمِ الْكِفَايَةِ بِخِرْقَةٍ مَعَ الْقُدْرَةِ بِالْيَدِ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ (عب) . وَرَدَّ شَيْخُنَا ذَلِكَ.
وَاعْتَمَدَ الْكِفَايَةَ تَبَعًا لِشَيْخِهِ الصَّغِيرِ.
(انْتَهَى مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [وَيَكْفِي وَلَوْ بَعْدَ صَبِّ الْمَاءِ] إلَخْ: إنَّمَا قَدَّرَ الشَّارِحُ ذَلِكَ - قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ - لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الدَّلْكُ، وَالدَّلْكُ وَاجِبٌ.
هَذَا إذَا كَانَ مُقَارِنًا لِصَبِّ الْمَاءِ، بَلْ وَلَوْ بَعْدَ صَبِّهِ خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ بَعْدَ الصَّبِّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
وَنَفْيُ الْوُجُوبِ يُجَامِعُ الْآخَرَ، مَعَ أَنَّ الْمَرْدُودَ عَلَيْهِ يَقُولُ بِعَدَمِهِ.
قَوْلُهُ: [مَا لَمْ يَجِفَّ] : وَإِلَّا فَلَا يُجْزِئُ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ تَعَذَّرَ الدَّلْكُ] إلَخْ: أَيْ إذَا تَعَذَّرَ الدَّلْكُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْيَدِ وَالْخِرْقَةِ سَقَطَ، وَيَكْفِي تَعْمِيمُ جَسَدِهِ بِالْمَاءِ.
بَلْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَتَى تَعَذَّرَ بِالْيَدِ سَقَطَ، وَلَا يَجِبُ بِالْخِرْقَةِ وَلَا الِاسْتِنَابَةِ.
وَرَجَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَيَكُونُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ (انْتَهَى مِنْ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ] إلَخْ: أَيْ وَهُوَ سَحْنُونَ وَتَبِعَهُ خَلِيلٌ، وَذَكَرَ ابْنُ الْقَصَّارِ مَا يُفِيدُ ضَعْفَهُ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَثِيفًا] : أَيْ هَذَا إنْ كَانَ خَفِيفًا، بَلْ إنْ كَانَ كَثِيفًا عَلَى الْأَشْهُرِ.
وَقِيلَ: يُنْدَبُ تَخْلِيلُ الْكَثِيفِ فَقَطْ.
وَقِيلَ: تَخْلِيلُهُ مُبَاحٌ وَهَذَا الْخِلَافُ فِي اللِّحْيَةِ فَقَطْ.
وَأَمَّا غَيْرُهَا فَتَخْلِيلُهُ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا، خَفِيفًا أَوْ كَثِيفًا.
قَالَهُ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ
كَانَ شَعْرَ رَأْسٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَمَعْنَى تَخْلِيلِهِ: أَنْ يَضُمَّهُ وَيَعْرُكَهُ عِنْدَ صَبِّ الْمَاءِ حَتَّى يَصِلَ إلَى الْبَشَرَةِ، فَلَا يَجِبُ إدْخَالُ أَصَابِعِهِ تَحْتَهُ وَيَعْرُكَ بِهَا الْبَشَرَةَ.
وَكَذَا يَجِبُ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ هُنَا فَأَوْلَى الْيَدَيْنِ.
وَتَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ أَنَّهُ يُنْدَبُ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ وَيَجِبُ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ.
(لَا نَقْضُ مَضْفُورِهِ، إلَّا إذَا اشْتَدَّ، أَوْ بِخُيُوطٍ كَثِيرَةٍ) : أَيْ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُغْتَسِلِ نَقْضُ مَضْفُورِ شَعْرِهِ مَا لَمْ يَشْتَدَّ الضَّفْرُ حَتَّى يَمْنَعَ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ، أَوْ يُضَفَّرْ بِخُيُوطٍ كَثِيرَةٍ تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ أَوْ إلَى بَاطِنِ الشَّعْرِ.
[حاشية الصاوي]
تَبَعًا لِ (بْن) .
قَوْلُهُ: [وَأَصَابِعِ رِجْلَيْهِ] : أَيْ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ تَعْمِيمُ الْجَسَدِ إلَّا بِذَلِكَ، كالتكاميش الَّتِي تَكُونُ فِي الْجَسَدِ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ إيصَالِ الْمَاءِ إلَيْهَا.
قَوْلُهُ: [حَتَّى يَصِلَ إلَى الْبَشَرَةِ] : وَهَذَا وَاجِبٌ وَإِنْ كَانَتْ عَرُوسًا تُزَيِّنُ شَعْرَهَا، وَفِي (بْن) : وَغَيْرِهِ أَنَّ الْعَرُوسَ الَّتِي تُزَيِّنُ شَعْرَهَا لَيْسَ عَلَيْهَا غَسْلُ رَأْسِهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إتْلَافِ الْمَالِ وَيَكْفِيهَا الْمَسْحُ عَلَيْهِ.
وَفِي (ح) عِنْدَ قَوْلِ خَلِيلٍ فِي الْوُضُوءِ " وَلَا يَنْقُضُ ضَفْرَهُ أَيْ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ ": أَنَّهَا تَتَيَمَّمُ إذَا كَانَ الطِّيبُ فِي جَسَدِهَا كُلِّهِ؛ لِأَنَّ إزَالَتَهُ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: [وَيَجِبُ تَخْلِيلُ إلَخْ] : وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: [لَا نَقْضُ مَضْفُورِهِ إلَخْ] : تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي الْوُضُوءِ نَظْمًا وَنَثْرًا
قَوْلُهُ: [مَضْفُورِ شَعْرِهِ] : وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ - وَفِي جَوَازِ الضَّفْرِ - سَوَاءٌ، إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقَةِ ضَفْرِ النِّسَاءِ فِي الزِّينَةِ وَالتَّشَبُّهِ بِهِنَّ، فَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يَقُولُ بِجَوَازِهِ، قَالَهُ فِي الْأَصْلِ، وَقَالَ أَيْضًا: وَكَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُ الْخَاتَمِ وَلَا تَحْرِيكُهُ وَلَوْ ضَيِّقًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ (اهـ.) وَالْمُرَادُ بِهِ الْخَاتَمُ الْمَأْذُونُ فِي لُبْسِهِ وَإِلَّا وَجَبَ نَزْعُهُ إنْ كَانَ ضَيِّقًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ إلَى بَاطِنِ الشَّعْرِ] : هَذَا التَّفْصِيلُ الَّذِي قَالَهُ الشَّارِحُ هُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ، وَتَقَدَّمَ لَنَا - فِي مَبْحَثِ الْوُضُوءِ أَنَّهُ يَنْفَعُ النِّسَاءَ كَثِيرَاتِ الضَّفَائِرِ فِي الْغُسْلِ - مَذْهَبُ السَّادَةِ الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ عِنْدَهُمْ وُصُولُ الْمَاءِ لِأُصُولِ الشَّعْرِ وَلَا يَلْزَمُ تَعْمِيمُهُ وَلَا إدْخَالُ الْمَاءِ فِي بَاطِنِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلنِّسَاءِ.
وَأَمَّا الرِّجَالُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْمِيمِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ
(وَإِنْ شَكَّ غَيْرُ مُسْتَنْكِحٍ فِي مَحَلٍّ غَسَلَهُ) : إذَا شَكَّ غَيْرُ الْمُسْتَنْكِحِ فِي مَحَلٍّ مِنْ بَدَنِهِ هَلْ أَصَابَهُ الْمَاءُ، وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَدَلْكِهِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَنْكِحُ - وَهُوَ الَّذِي يَعْتَرِيهِ الشَّكُّ كَثِيرًا - فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ، إذْ تَتَبُّعُ الْوَسْوَاسِ يُفْسِدُ الدِّينَ مِنْ أَصْلِهِ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهُ.
(وَوَجَبَ تَعَهُّدُ الْمَغَابِنِ مِنْ شُقُوقٍ وَأَسِرَّةٍ وَسُرَّةٍ وَرُفْغٍ وَإِبِطٍ) : يَجِبُ عَلَى الْمُغْتَسِلِ أَنْ يَتَعَهَّدَ مَغَابِنَهُ أَيْ الْمَحِلَّاتُ الَّتِي يَنْبُو عَنْهَا الْمَاءُ كَالشُّقُوقِ الَّتِي فِي الْبَدَنِ وَالْأَسِرَّةِ أَيْ التَّكَامِيشِ وَالسُّرَّةِ وَالرُّفْغَيْنِ، وَالْإِبِطَيْنِ وَكُلِّ مَا غَار مِنْ الْبَدَنِ، بِأَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَيَدْلُكَهُ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا اكْتَفَى بِصَبِّ الْمَاءِ.
(وَسُنَنُهُ: غَسْلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا، وَمَضْمَضَةٌ، وَاسْتِنْشَاقٌ، وَاسْتِنْثَارٌ، وَمَسْحُ صِمَاخ) : أَيْ سُنَنُهُ خَمْسَةٌ: غَسْلُ يَدَيْهِ أَوَّلًا إلَى كُوعَيْهِ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَالِاسْتِنْثَارُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ، وَمَسْحُ صِمَاخ الْأُذُنَيْنِ - بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ -
[حاشية الصاوي]
لِأَنَّ لَهُمْ مَنْدُوحَةً عَنْ ذَلِكَ بِحَلْقِهِ هَذَا هُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ شَكَّ] إلَخْ: أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْمِيمِ الْجَسَدِ تَحْقِيقًا.
وَيَكْفِي غَلَبَةُ الظَّنِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِغَيْرِ الْمُسْتَنْكِحِ.
قَوْلُهُ: [وَجَبَ عَلَيْهِ] : أَيْ وَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ أَوْ غَلَبَةِ ظَنٍّ.
قَوْلُهُ: [أَوَّلًا] : أَيْ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ قَلِيلًا وَأَمْكَنَ الْإِفْرَاغُ، وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ جَارٍ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا أَوْ جَارِيًا أَوْ لَمْ يُمْكِنْ الْإِفْرَاغُ مِنْهُ، كَالْحَوْضِ الصَّغِيرِ أَدْخَلَهُمَا فِيهِ إنْ كَانَتَا نَظِيفَتَيْنِ، أَوْ غَيْرَ نَظِيفَتَيْنِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَاءُ بِإِدْخَالِهِمَا، وَإِلَّا تَحَيَّلَ عَلَى غَسْلِهِمَا خَارِجَهُ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا تَرَكَهُ وَتَيَمَّمَ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ كَعَادِمِ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: [كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ] : وَيَأْتِي هُنَا الْخِلَافُ: هَلْ التَّثْلِيثُ مِنْ تَمَامِ السُّنَّةِ؟ أَوْ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ مُسْتَحَبٌّ؟ وَهُوَ الرَّاجِحُ.
وَيَأْتِي هُنَا تَوَقُّفُ السُّنَّةِ عَلَى غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ، إنْ أَمْكَنَ الْإِفْرَاغُ إلَى آخِرِ الشُّرُوطِ الَّتِي ذُكِرَتْ.
وَقِيلَ: الْأَوَّلِيَّةُ قَبْلَ إزَالَةِ الْأَذَى، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ جَعْلَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالِاسْتِنْثَارِ وَمَسْحِ صِمَاخ الْأُذُنَيْنِ مِنْ سُنَنِ الْغُسْلِ، إنَّمَا هُوَ حَيْثُ لَمْ يَفْعَلْ قَبْلَهُ الْوُضُوءَ الْمُسْتَحَبَّ، فَإِنْ فَعَلَهُ قَبْلَهُ كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ لَا الْغُسْلِ
أَيْ ثُقْبَيْهِمَا، وَلَا يُبَالِغُ فَإِنَّهُ يَضُرُّ السَّمْعَ، وَأَمَّا ظَاهِرُهُمَا وَبَاطِنُهُمَا فَمِنْ ظَاهِرِ الْجَسَدِ يَجِبُ غَسْلُهُ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَفَضَائِلُهُ: مَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ.
وَبَدْءٌ بِإِزَالَةِ الْأَذَى، فَمَذَاكِيرُهُ، ثُمَّ أَعْضَاءُ وُضُوئِهِ مَرَّةً، وَتَخْلِيلُ أُصُولِ شَعْرِ رَأْسِهِ، وَتَثْلِيثُهُ يَعُمُّهُ بِكُلِّ غَرْفَةٍ، وَأَعْلَاهُ، وَمَيَامِنَهُ) : أَيْ إنَّ فَضَائِلَ الْغُسْلِ - أَيْ مُسْتَحَبَّاته - مَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ؛ مِنْ قَوْلِهِ: مَوْضِعٌ طَاهِرٌ، وَاسْتِقْبَالٌ وَتَسْمِيَةٌ، وَتَقْلِيلُ مَاءٍ بِلَا حَدٍّ كَالْغُسْلِ.
وَيُنْدَبُ فِي الْغُسْلِ بَدْءٌ بِإِزَالَةِ الْأَذَى: أَيْ النَّجَاسَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي فَرْجِهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ.
ثُمَّ يَشْرَعُ فِي الْغُسْلِ، فَيَبْدَأُ - بَعْدَ غَسْلِ يَدَيْهِ إلَى كُوعَيْهِ وَإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ النَّجَاسَةِ إنْ كَانَتْ - بِغَسْلِ مَذَاكِيرِهِ أَيْ الْفَرْجِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَالدُّبْرِ.
وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْمَذَاكِيرِ تَبَرُّكًا بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي صِفَةِ غُسْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
[حاشية الصاوي]
كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الشَّيْخِ أَحْمَدَ الزَّرْقَانِيُّ.
وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّ هَذَا الْوُضُوءَ الَّذِي يَأْتِي بِهِ وُضُوءُ صُورَةٍ، وَفِي الْمَعْنَى قِطْعَةٌ مِنْ الْغُسْلِ.
وَحِينَئِذٍ فَيَصِحُّ إضَافَةُ السُّنَنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عِنْدَ إتْيَانِهِ بِالْوُضُوءِ، وَعِنْدَ عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِهِ تَكُونُ مُضَافَةً لِلْغُسْلِ.
(اهـ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [أَيْ ثَقْبَيْهِمَا] : أَيْ فَالسُّنَّةُ هُنَا مُغَايِرَةٌ لِلسُّنَّةِ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهَا مَسْحُ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا وَصِمَاخهمَا، وَالسُّنَّةُ هُنَا مَسْحُ الثَّقْبِ الَّذِي هُوَ الصِّمَاخ.
[فَضَائِلُ الْغُسْل]
قَوْلُهُ: [بِإِزَالَةِ الْأَذَى] إلَخْ: أَيْ وَلَا يَكُونُ مَسُّ فَرْجِهِ لِإِزَالَةِ الْأَذَى نَاقِضًا لِغَسْلِ يَدَيْهِ أَوَّلًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ غَسْلُهُمَا قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ، فَلَا يُعِيدُ غَسْلَهُمَا بَعْدَ إزَالَةِ الْأَذَى.
خِلَافًا لِمَنْ يَقُولُ بِإِعَادَةِ الْغُسْلِ.
قَوْلُهُ: [وَإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ] : إشَارَةٌ إلَى أَنَّ إزَالَةَ الْأَذَى مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ غَسْلِ الْيَدَيْنِ.
قَوْلُهُ: [تَبَرُّكًا بِالْحَدِيثِ] : أَيْ لِكَوْنِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَقَعَتْ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ.
وَحَاصِلُ كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ الْمَنْدُوبَةِ: أَنْ يَبْدَأَ بِغَسْلِ يَدَيْهِ إلَى كُوعَيْهِ ثَلَاثًا كَالْوُضُوءِ بِنِيَّةِ السُّنِّيَّةِ، ثُمَّ يَغْسِلَ مَا بِجِسْمِهِ مِنْ أَذًى، وَيَنْوِيَ فَرْضَ الْغُسْلِ أَوْ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، فَيَبْدَأُ بِغَسْلِ فَرْجِهِ وَأُنْثَيَيْهِ وَرُفْغَيْهِ وَدُبُرِهِ وَمَا بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ مَرَّةً فَقَطْ، ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ وَيَسْتَنْثِرُ، ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ إلَى تَمَامِ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، ثُمَّ يُخَلِّلُ أُصُولَ شَعْرِ رَأْسِهِ لِتَنْسَدَّ الْمَسَامُّ خَوْفًا مِنْ أَذِيَّةِ الْمَاءِ إذَا صُبَّ عَلَى الرَّأْسِ، ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ ثَلَاثًا يَعُمُّ رَأْسَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ رَقَبَتَهُ ثُمَّ مَنْكِبَيْهِ إلَى الْمِرْفَقِ ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ إلَى الْكَعْبِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ كَذَلِكَ.
وَلَا يَلْزَمُ تَقْدِيمُ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [الْمَنْدُوبَةِ] : أَيْ الْكَامِلَةِ الَّتِي جَمَعَتْ الْفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ وَالْفَضَائِلَ.
قَوْلُهُ: [بِنِيَّةِ السُّنِّيَّةِ] : أَيْ لِلْوُضُوءِ الصُّورِيِّ أَوْ لِلْغُسْلِ.
قَوْلُهُ: [مَا بِجِسْمِهِ] : فَرْجًا أَوْ غَيْرَهُ بِدَلِيلِ تَعْرِيفِهِ.
قَوْلُهُ: [وَيَنْوِي] : أَيْ عِنْدَ الْبَدْءِ بِغَسْلِ فَرْجِهِ.
قَوْلُهُ: [إلَى تَمَامِ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً] : تَبِعَ الشَّارِحُ خَلِيلًا مُوَافَقَةً لِمَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا فَضِيلَةَ فِي تَكْرَارِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ أَيْضًا قَالَ (ر) : وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي، مِنْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا وَصَفَتْ غُسْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْجَنَابَةِ وَفِيهِ: ثُمَّ تَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ أَفَاضَ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا» (اهـ.) فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَلِأَهْلِ الْمَذْهَبِ طَرِيقَتَانِ فِي كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ بَيَّنَهُمَا الشَّارِحُ، وَلَهُمْ فِي الْوُضُوءِ طَرِيقَتَانِ أَيْضًا: التَّثْلِيثُ وَعَدَمُهُ، وَتَقْدِيمُ الرِّجْلَيْنِ قِبَلَ غَسْلِ الرَّأْسِ أَوْ تَأْخِيرُهُمَا بَعْدَ تَمَامِ الْغُسْلِ.
فَاخْتَارَ شَارِحُنَا تَبَعًا لِخَلِيلٍ التَّقْدِيمَ وَكَوْنَ الْغُسْلِ مَرَّةً مَرَّةً.
قَوْلُهُ: [لِتَنْسَدَّ الْمَسَامُّ] : أَيْ فَفِي التَّخْلِيلِ فَائِدَةٌ طَيِّبَةٌ؛ وَهِيَ سَدُّ الْمَسَامِّ؛ لِمَنْعِ الضَّرَرِ عَنْ الرَّأْسِ، وَفَائِدَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَهِيَ عَدَمُ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ ثَلَاثًا] : أَيْ فَالتَّثْلِيثُ فِي الرَّأْسِ وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ لِلْكُوعَيْنِ مَنْدُوبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، بِخِلَافِ بَاقِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَفِيهَا الْخِلَافُ.
قَوْلُهُ: [إلَى الْكَعْبِ] : مَا ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الزَّرْقَانِيُّ وَزَرُّوقٌ.
وَفِي (ح) : ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ تَقْتَضِي أَنَّ الْأَعْلَى يُقَدَّمُ بِمَيَامِنِهِ وَمَيَاسِرِهِ عَلَى
الْأَسَافِلِ عَلَى الْأَعَالِي؛ لِأَنَّ الشِّقَّ كُلَّهُ بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ وَاحِدٍ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: يَغْسِلُ الشِّقَّ الْأَيْمَنَ إلَى الرُّكْبَةِ ثُمَّ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَغْسِلُ مِنْ رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى إلَى كَعْبِهَا ثُمَّ الْيُسْرَى كَذَلِكَ، قَالَ: لِئَلَّا يَلْزَمَ تَقْدِيمُ الْأَسَافِلِ عَلَى الْأَعَالِي، وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ الشِّقَّ كُلَّهُ بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ تُنْقَلْ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي اغْتِسَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ثُمَّ إذَا غَسَلَ الشِّقَّ الْأَيْمَنَ أَوْ الْأَيْسَرَ، يَغْسِلُهُ بَطْنًا وَظَهْرًا.
فَإِنْ شَكَّ فِي مَحَلٍّ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَنْكِحًا وَجَبَ غَسْلُهُ وَإِلَّا فَلَا.
(وَيُجْزِئُ عَنْ الْوُضُوءِ وَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُ جَنَابَتِهِ، مَا لَمْ يَحْصُلْ نَاقِضٌ بَعْدَهُ وَقَبْلَ تَمَامِ الْغُسْلِ) : يَعْنِي أَنَّ الْغُسْلَ عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَوْ عَلَى غَيْرِهَا، يُجْزِئُ عَنْ الْوُضُوءِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ رَفْعِ الْأَكْبَرِ رَفْعُ الْأَصْغَرِ -
[حاشية الصاوي]
الْأَسْفَلِ بِمَيَامِنِهِ وَمَيَاسِرِهِ، لَا أَنَّ مَيَامِنَ كُلٍّ مِنْ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَيَاسِرِ كُلٍّ.
بَلْ هَذَا صَرِيحُ عِبَارَةِ ابْنِ جَمَاعَةَ وَبِهِ قَرَّرَ ابْنُ عَاشِرٍ.
وَهَذِهِ هِيَ الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي رَدَّ عَلَيْهَا الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ شَكَّ] إلَخْ: هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ سَابِقًا: [وَإِنْ شَكَّ غَيْرُ مُسْتَنْكِحٍ فِي مَحَلٍّ غَسَلَهُ] ، وَإِنَّمَا كَرَّرَهُ لَأَجْلِ تَمَامِ الْكَيْفِيَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَيُجْزِئُ] إلَخْ: ظَاهِرُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّ غُسْلَ الْجِنَايَةِ يُجْزِئُ عَنْ الْوُضُوءِ.
وَالْأَوْلَى الْوُضُوءُ بَعْدَ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يَسْتَعْمِلُ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ - أَعْنِي الْإِجْزَاءَ - فِي الْإِجْزَاءِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْكَمَالِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِيمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَا فَضْلَ فِي الْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِجْزَاءِ بِالنَّظَرِ لِلْأَوْلَوِيَّةِ؛ أَيْ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ الْغُسْلُ إذَا تَرَكَ الْوُضُوءَ ابْتِدَاءً مَعَ مُخَالَفَةِ الْأَوْلَى، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُطَالَبُ بِالْوُضُوءِ بَعْدَ الْغُسْلِ كَمَا فَهِمَ الْمُعْتَرِضُ، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ وَالْجَوَابُ وَارِدَانِ عَلَى خَلِيلٍ، وَقَدْ تَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ.
[لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ رَفْعِ الْأَكْبَرِ] إلَخْ: يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْغُسْلَ وَاجِبٌ أَصْلِيٌّ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ وَلَوْ بِحَسَبِ اعْتِقَادِهِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ غَيْرَ وَاجِبٍ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ - وَلَوْ نَذَرَهُمَا - لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوُضُوءِ.
وَلَا بُدَّ مِنْ الْوُضُوءِ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ، مِثَالُ رَفْعِ الْأَكْبَرِ الَّذِي يُجْزِئُ عَنْ الْأَصْغَرِ، كَمَا لَوْ انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ وَنَوَى بِذَلِكَ رَفْعَ الْأَكْبَرِ، وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ الْأَصْغَرَ؛ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ.
وَنَصَّ ابْنُ بَشِيرٍ: وَالْغُسْلُ يُجْزِئُ عَنْ
كَعَكْسِهِ فِي مَحَلِّ الْوُضُوءِ كَمَا يَأْتِي، وَلَوْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ.
فَيُصَلِّي بِذَلِكَ الْغُسْلِ مَا لَمْ يَحْصُلْ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ مِنْ حَدَثٍ كَرِيحٍ، أَوْ سَبَبٍ كَمَسِّ ذَكَرٍ بَعْدَهُ - أَيْ بَعْدَ تَمَامِ الْوُضُوءِ - أَوْ بَعْضِهِ وَقَبْلَ تَمَامِ الْغُسْلِ.
فَإِنْ حَصَلَ نَاقِضٌ أَعَادَ مَا فَعَلَهُ مِنْ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ:
(وَإِلَّا أَعَادَهُ مَرَّةً بِنِيَّتِهِ) : أَيْ الْوُضُوءَ.
وَأَمَّا حُصُولُهُ بَعْدَ تَمَامِ الْغُسْلِ فَإِنَّهُ يُعِيدُهُ بِنِيَّتِهِ اتِّفَاقًا مَعَ التَّثْلِيثِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(وَالْوُضُوءُ عَنْ مَحَلِّهِ وَلَوْ نَاسِيًا لِجَنَابَتِهِ) : أَيْ وَيُجْزِئُ الْوُضُوءُ عَنْ مَحَلِّ الْوُضُوءِ؛ يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ ثُمَّ تَمَّمَ الْغُسْلَ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْأَكْبَرِ أَوْ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ غَسْلُ مَحَلِّ الْوُضُوءِ عَنْ غَسْلِهِ فِي الْغُسْلِ، فَلَا يُعِيدُ غَسْلَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فِي غُسْلِهِ، وَلَوْ كَانَ نَاسِيًا أَنَّ عَلَيْهِ جَنَابَةً حَالَ وُضُوئِهِ.
فَإِذَا تَذَكَّرَ - وَلَوْ بَعْدَ
[حاشية الصاوي]
الْوُضُوءِ؛ فَلَوْ اغْتَسَلَ وَلَمْ يَبْدَأْ بِالْوُضُوءِ وَلَا خَتَمَ بِهِ لَأَجْزَأَهُ غُسْلُهُ عَنْ الْوُضُوءِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ.
هَذَا إنْ لَمْ يُحْدِثْ بَعْدَ غَسْلِ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِأَنْ لَمْ يُحْدِثْ أَصْلًا أَوْ أَحْدَثَ قَبْلَ غَسْلِ شَيْءٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ.
وَأَمَّا إنْ أَحْدَثَ بَعْدَ غَسْلِ شَيْءٍ مِنْهُ، فَإِنْ أَحْدَثَ بَعْدَ تَمَامِ وُضُوئِهِ وَغُسْلِهِ فَهُوَ كَمُحْدِثٍ يَلْزَمُهُ أَنْ يُجَدِّدَ وُضُوءَهُ بِنِيَّةٍ اتِّفَاقًا.
وَإِنْ أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ غُسْلِهِ - فَهَذَا إنْ لَمْ يَرْجِعْ فَيَغْسِلُ مَا غَسَلَ مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ - فَإِنَّهُ لَا تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ.
وَهَلْ يَفْتَقِرُ هَذَا فِي غَسْلِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ لِنِيَّةٍ، أَوْ تُجْزِئُهُ نِيَّةُ الْغُسْلِ عَنْ ذَلِكَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ.
فَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، وَقَالَ الْقَابِسِيُّ: لَا يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: [بِنِيَّتِهِ أَيْ الْوُضُوءِ] : أَيْ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْقَابِسِيِّ فَلَا يَفْتَقِرُ لَهَا.
قَوْلُهُ: [اتِّفَاقًا] : أَيْ مِنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ وَالْقَابِسِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ.
قَوْلُهُ: [وَالْوُضُوءُ عَنْ مَحَلِّهِ] : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَكْسُ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ الَّتِي وَعَدَ بِهَا.
لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَةَ أَجْزَأَ فِيهَا غُسْلُ الْجَنَابَةِ عَنْ الْوُضُوءِ، وَهَذِهِ أَجْزَأَ فِيهَا غُسْلُ الْوُضُوءِ عَلَى بَعْضِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَ نَاسِيًا] إلَخْ: دَفَعَ بِهِ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ نِيَّةَ الْأَصْغَرِ لَا تَنُوبُ عَنْ الْأَكْبَرِ.
طُولٍ - فَإِنَّهُ يَبْنِي بِنِيَّةٍ عَلَى مَا غَسَلَهُ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إذَا لَمْ يَطُلْ مَا بَيْنَ تَذَكُّرِهِ وَبَيْنَ الشُّرُوعِ فِي الْإِتْمَامِ.
(وَلَوْ نَوَى الْجَنَابَةَ وَنَفْلًا أَوْ نِيَابَةً عَنْ النَّفْلِ، حَصَلَا) : يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ فَاغْتَسَلَ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْجَنَابَةِ وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ أَوْ غُسْلِ الْعِيدِ، حَصَلَا مَعًا.
وَكَذَا إذَا نَوَى نِيَابَةَ غُسْلِ الْجَنَابَةِ عَنْ غُسْلِ النَّفْلِ.
بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى نِيَابَةَ النَّفْلِ عَنْ الْجَنَابَةِ فَلَا تَكْفِي عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَقَوْلُنَا: (وَنَفْلًا) أَشْمَلُ مِنْ قَوْلِهِ: " وَالْجُمُعَةِ " لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الِاغْتِسَالَاتِ الْمَسْنُونَةَ: كَالْجُمُعَةِ وَغُسْلِ الْإِحْرَامِ، وَالْمَنْدُوبَةَ: كَالْعِيدَيْنِ وَالْغُسْلِ لِدُخُولِ مَكَّةَ.
(وَنُدِبَ لِجُنُبٍ وُضُوءٌ لِنَوْمٍ لَا تَيَمُّمٌ وَلَا يَنْتَقِضُ إلَّا بِجِمَاعٍ) : أَيْ يُنْدَبُ لِلْجُنُبِ -
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [إذَا لَمْ يَطُلْ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا طُولُهُ قَبْلَ التَّذَكُّرِ فَلَا يَضُرُّ مَا دَامَ لَمْ تَنْتَقِضْ طَهَارَتُهُ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ نَوَى الْجَنَابَةَ] إلَخْ: تَرَكَ الْمُصَنِّفُ مَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ وَاجِبَيْنِ فِي نِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِعِلْمِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّ الْأَسْبَابَ إذَا تَعَدَّدَ مُوجَبُهَا نَابَ مُوجَبُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: [حَصَلَا مَعًا] : أَيْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْوَاجِبِ وَالنَّفَلِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صِحَّةُ صَوْمِ عَاشُورَاءَ لِلْفَضِيلَةِ وَالْقَضَاءِ، وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنَّ مَنْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً نَاوِيًا بِهَا الْإِحْرَامَ وَالرُّكُوعَ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ.
وَأَنَّ مَنْ سَلَّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً نَاوِيًا بِهَا الْفَرْضَ وَالرَّدَّ فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ.
(اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
[تَنْبِيه مِنْ أَرَادَ العود للجماع]
قَوْلُهُ: [وُضُوءٌ لِنَوْمٍ] : فِي (عب) : مِثْلُهُ الْحَائِضُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ لَا قَبْلَهُ وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ رَجَاءُ نَشَاطِهِ لِلْغُسْلِ.
قَوْلُهُ: [لَا تَيَمُّمٌ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ النَّشَاطُ، وَقِيلَ يَتَيَمَّمُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ
إذَا أَرَادَ النَّوْمَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءًا كَامِلًا كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ.
كَمَا يُنْدَبُ لِغَيْرِهِ.
لَكِنَّ وُضُوءَ الْجُنُبِ لَا يُبْطِلُهُ إلَّا الْجِمَاعُ، بِخِلَافِ وُضُوءِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُهُ كُلُّ نَاقِضٍ مِمَّا تَقَدَّمَ.
وَلَك أَنْ تَقُولَ مُلْغِزًا: مَا وُضُوءٌ لَا يَنْقُضُهُ بَوْلٌ وَلَا غَائِطٌ؟ فَإِذَا لَمْ يَجِدْ الْجُنُبُ مَاءً عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ فَلَا يُنْدَبُ لَهُ التَّيَمُّمُ.
(وَتَمْنَعُ مَوَانِعَ الْأَصْغَرِ وَقِرَاءَةً إلَّا الْيَسِيرَ لِتَعَوُّذٍ أَوْ رُقْيَا أَوْ اسْتِدْلَالٍ، وَدُخُولُ مَسْجِدٍ وَلَوْ مُجْتَازًا) : أَيْ أَنَّ الْجَنَابَةَ مِنْ جِمَاعٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ تَمْنَعُ مَوَانِعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، مِنْ صَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ أَوْ جُزْئِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَتَمْنَعُ أَيْضًا قِرَاءَةَ
[حاشية الصاوي]
بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الطَّهَارَةُ، وَأَمَّا وُضُوءُ الْجُنُبِ لِلْأَكْلِ فَلَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ عَمَلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَإِنْ قَالَ بِهِ بَعْضٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ.
(اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) .
قَوْلُهُ: [كَوُضُوءِ الصَّلَاةِ] : أَيْ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ مِنْ الْمَنِيِّ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا يُنْتَقَضُ إلَّا بِجِمَاعٍ، أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اسْتِبْرَاءٍ.
وَعَدَمُ نَقْضِهِ بِذَلِكَ لَا يُنَافِي وُجُوبَ الِاسْتِبْرَاءِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ كُلِّ وُضُوءٍ شَرْعِيٍّ.
قَوْلُهُ: [مُلْغِزًا] : أَنْشَدَ الْخَرَشِيُّ فِي كَبِيرِهِ نَقْلًا عَنْ التَّتَّائِيِّ:
وَإِنْ سَأَلْت وُضُوءًا لَيْسَ يُبْطِلُهُ ... إلَّا الْجِمَاعُ وُضُوءُ النَّوْمِ لِلْجُنُبِ
تَنْبِيهٌ:
يُنْدَبُ لِلْجُنُبِ أَيْضًا غَسْلُ فَرْجِهِ إذَا أَرَادَ الْعُودَ لِلْجِمَاعِ، كَانَتْ الَّتِي جَامَعَهَا أَوْ غَيْرُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَتَقْوِيَةِ الْعُضْوِ.
وَقِيلَ إنْ كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ أُخْرَى وَجَبَ الْغَسْلُ؛ لِئَلَّا يُؤْذِيَهَا بِنَجَاسَةِ غَيْرِهَا، وَيُنْدَبُ لِلْأُنْثَى الْغَسْلُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ فُجْلَةَ، وَرَدَّهُ (عب) بِأَنَّهُ يُرْخِي مَحَلَّهَا، قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ: وَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ كَلَامُ ابْنِ فُجْلَةَ خُصُوصًا بِفَوْرِ الْجِمَاعِ وَتَنَشُّفِهِ.
[دُخُول الْكَافِر الْمَسْجِد]
قَوْلُهُ: [وَقِرَاءَةٌ] : أَيْ وَيُزَادُ فِي الْمَنْعِ الْقِرَاءَةُ وَلَوْ بِغَيْرِ مُصْحَفٍ وَلَوْ لِمُعَلِّمٍ وَمُتَعَلِّمٍ.
الْقُرْآنِ، إلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ كَمَا يَأْتِي فِي الْحَيْضِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ الْقِرَاءَةِ الْيَسِيرُ لِأَجْلِ تَعَوُّذٍ عِنْدَ نَوْمٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ إنْسٍ أَوْ جِنٍّ، فَيَجُوزُ.
وَالْمُرَادُ بِالْيَسِيرِ: مَا الشَّأْنُ أَنْ يَتَعَوَّذَ بِهِ كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَالْإِخْلَاصِ وَالْإِخْلَاصِ، أَوْ لِأَجْلِ رُقْيَا لِلنَّفْسِ أَوْ لِلْغَيْرِ مِنْ أَلَمٍ أَوْ عَيْنٍ، أَوْ لِأَجْلِ اسْتِدْلَالٍ عَلَى حُكْمٍ نَحْوَ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] . وَتَمْنَعُ أَيْضًا دُخُولَ الْمَسْجِدِ سَوَاءٌ كَانَ جَامِعًا أَمْ لَا، وَلَوْ كَانَ الدَّاخِلُ مُجْتَازًا أَيْ مَارًّا فِيهِ مِنْ بَابٍ لَبَابٍ آخَرَ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ.
(وَلِمَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ دُخُولُهُ بِهِ) : أَيْ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ الَّذِي فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ - لِمَرَضٍ أَوْ لِسَفَرٍ وَعَدَمِ الْمَاءِ - أَنْ يَدْخُلَهُ بِالتَّيَمُّمِ لِلصَّلَاةِ وَيَبِيتَ فِيهِ إنْ اُضْطُرَّ لِذَلِكَ.
وَكَذَا صَحِيحٌ حَاضِرٌ اُضْطُرَّ لِلدُّخُولِ فِيهِ وَلَمْ يَجِدْ خَارِجَهُ مَاءً.
-
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [كَآيَةِ الْكُرْسِيِّ] إلَخْ: بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ لَهُ قِرَاءَةَ: قُلْ أُوحِيَ، وَفِي (ح) عَنْ الذَّخِيرَةِ لَا يَتَعَوَّذُ بِنَحْوِ ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ [الشعراء: 160] وَتَبِعَهُ الْأُجْهُورِيُّ وَغَيْرُهُ، وَنُوقِشَ، بِأَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ حِصْنٌ وَشِفَاءٌ وَلَيْسَ مِنْ الْقِرَاءَةِ مُرُورُ الْقَلْبِ بَلْ حَرَكَةُ اللِّسَانِ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ كَانَ الدَّاخِلُ مُجْتَازًا] : رَدًّا عَلَى الشَّافِعِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الدُّخُولِ لِلْمُجْتَازِ.
قَوْلُهُ: [وَلَمْ يَجِدْ خَارِجَهُ مَاءً] : أَيْ وَكَانَ الْمَاءُ دَاخِلَهُ أَوْ الدَّرَاهِمُ الَّتِي يُحَصِّلُهُ بِهَا دَاخِلَهُ.
وَلَوْ احْتَلَمَ فِيهِ هَلْ يَتَيَمَّمُ لِخُرُوجِهِ مِنْهُ أَوْ لَا؟ وَهُوَ الْأَقْوَى كَمَا فِي (ح) لِمَا فِيهِ مِنْ طُولِ الْمُكْثِ، وَالْإِسْرَاعُ بِالْخُرُوجِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى التُّرَابِيَّةِ وَهِيَ التَّيَمُّمُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ فَقَالَ: -
[حاشية الصاوي]
لَمْ يَتَيَمَّمْ لَمَّا دَخَلَهُ نَاسِيًا خَرَجَ واغْتَسَلَ وَعَادَ لِلصَّلَاةِ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، وَقَدْ يُقَالُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إبَاحَةُ مُكْثِهِ فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا إلَّا أَنْ يُلْتَفَتَ لِلتَّشْرِيعِ.
وَبِالْجُمْلَةِ: الْأَحْسَنُ التَّيَمُّمُ وَهُوَ مَارٌّ حَيْثُ لَمْ يُعِقْهُ.
(اهـ. مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . تَنْبِيهٌ:
يُمْنَعُ دُخُولُ الْكَافِرِ الْمَسْجِدَ أَيْضًا وَإِنْ أَذِنَ لَهُ مُسْلِمٌ إلَّا لِضَرُورَةِ عَمَلٍ، وَمِنْهَا قِلَّةُ أُجْرَتِهِ عَنْ الْمُسْلِمِ وَإِتْقَانُهُ عَلَى الظَّاهِرِ.
[فَصْلٌ فِي التَّيَمُّمِ]
[مِنْ يَجُوز لَهُمْ التَّيَمُّم]
قَوْلُهُ: [الطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ] : أَيْ صُغْرَى وَكُبْرَى.
قَوْلُهُ: [وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا] : أَيْ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مِنْ أَوَّلِ بَابِ الطَّهَارَةِ إلَى هُنَا.
قَوْلُهُ: [التُّرَابِيَّةِ] : أَيْ عَلَى الطَّهَارَةِ التُّرَابِيَّةِ وَأَخَّرَهَا لِنِيَابَتِهَا عَنْ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى.
قَوْلُهُ: [وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ] : أَيْ الَّتِي احْتَوَى عَلَيْهَا هَذَا الْفَصْلُ.
فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ (إنَّمَا يُتَيَمَّمُ لِفَقْدِ مَاءٍ كَافٍ بِسَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ، أَوْ قُدْرَةٍ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ) : اعْلَمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَجُوزُ وَلَا يَصِحُّ إلَّا لِأَحَدِ أَشْخَاصٍ سَبْعَةٍ: الْأَوَّلُ: فَاقِدُ الْمَاءِ الْكَافِي لِلْوُضُوءِ أَوْ لِلْغُسْلِ بِأَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً أَصْلًا أَوْ وَجَدَ مَاءً لَا يَكْفِيهِ.
الثَّانِي: فَاقِدُ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، أَيْ مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْمُكْرَهِ وَالْمَرْبُوطِ بِقُرْبِ الْمَاءِ وَالْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ لِصٍّ، فَيَتَيَمَّمُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَلَوْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ، خِلَافًا لِمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ مِنْ -
[حاشية الصاوي]
فَصْلٌ
قَوْلُهُ: [إنَّمَا يُتَيَمَّمُ] إلَخْ: التَّيَمُّمُ لُغَةً الْقَصْدُ، وَشَرْعًا: طَهَارَةٌ تُرَابِيَّةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِنِيَّةٍ.
وَالْمُرَادُ بِالتُّرَابِ: جِنْسُ الْأَرْضِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ أَجْزَائِهَا إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ، كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ اتِّفَاقًا، بَلْ إجْمَاعًا.
وَهَلْ هُوَ عَزِيمَةٌ أَوْ رُخْصَةٌ؟ أَوْ لِعَدَمِ الْمَاءِ عَزِيمَةٌ وَلِلْمَرَضِ وَنَحْوِهِ رُخْصَةٌ؟ خِلَافٌ.
قَوْلُهُ: [لِفَقْدِ مَاءٍ] : شُرُوعٌ مِنْهُ فِي أَسْبَابِ التَّيَمُّمِ، وَتُسَمَّى مُوجِبَاتُهُ، وَعَدَّهَا الشَّارِحُ هُنَا سَبْعَةً.
وَإِنْ كَانَ يَأْتِي يَقُولُ: بَلْ إذَا تَحَقَّقْتَ تَجِدُ الْأَقْسَامَ تَرْجِعُ إلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ فَاقِدُ الْمَاءِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، الثَّانِي فَاقِدُ الْقُدْرَةِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [فَاقِدُ الْمَاءِ] : أَيْ الْمُبَاحِ، وَأَمَّا وُجُودُ غَيْرِ الْمُبَاحِ فَهُوَ كَالْعَدَمِ.
وَالْمُرَادُ غَيْرُ كَافٍ لِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ الْقُرْآنِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوُضُوءِ وَلِجَمِيعِ بَدَنِهِ بِالنِّسْبَةِ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَلَوْ كَفَى وُضُوءَهُ.
قَوْلُهُ: [أَيْ مَنْ لَا قُدْرَةَ] إلَخْ: تَفْسِيرٌ مُرَادٌ لِقَوْلِهِ [أَوْ قُدْرَةٍ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ] . وَالْمَعْنَى انْتَفَتْ قُدْرَتُهُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ الْكَافِي فَتَغَايَرَ مَعَ مَا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ] : أَيْ هَذَا إذَا كَانَ سَفَرَ طَاعَةٍ كَالْحَجِّ وَالْغَزْوِ، أَوْ مُبَاحًا كَالتَّجْرِ، بَلْ وَلَوْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ، وَإِذَا كَانَ الْمُسَافِرُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ اسْتِصْحَابُ الْمَاءِ.
هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَنَفْيُ اللُّزُومِ لَا يُنَافِي النَّدْبَ لِمُرَاعَاةِ
تَقْيِيدِهِ بِالْمُبَاحِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَاعِدَةِ فِي مَسْحِ الْخُفَّيْنِ.
وَكَذَا بَقِيَّةُ السَّبْعَةِ يَتَيَمَّمُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا وَلَوْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ.
فَقَوْلُهُ: [بِسَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ] لَيْسَ خَاصًّا بِالْأَوَّلِ، بَلْ هُوَ جَارٍ فِي الْجَمِيعِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَقَوْلُهُ: [أَوْ قُدْرَةٍ] عَطْفٌ عَلَى مَاءٍ.
(أَوْ خَوْفِ حُدُوثِ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتِهِ أَوْ تَأَخُّرِ بُرْءٍ) : هَذَا هُوَ الثَّالِثُ: وَهُوَ الْوَاجِدُ لِلْمَاءِ الْقَادِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، وَلَكِنْ خَافَ بِاسْتِعْمَالِهِ حُدُوثَ مَرَضٍ مِنْ نَزْلَةٍ أَوْ حُمَّى أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ الْقَادِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ مَرِيضًا وَخَافَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ زِيَادَةَ مَرَضِهِ، أَوْ تَأَخُّرَ بُرْئِهِ مِنْهُ.
وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْعَادَةِ، أَوْ بِإِخْبَارِ طَبِيبٍ عَارِفٍ، فَقَوْلُهُ: [أَوْ خَوْفٍ] عَطْفٌ عَلَى فَقْدِ مَاءٍ.
(أَوْ عَطَشِ مُحْتَرَمٍ وَلَوْ كَلْبًا) : هَذَا هُوَ الرَّابِعُ وَهُوَ الْخَائِفُ عَطَشَ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ -
[حاشية الصاوي]
الْخِلَافِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) .
قَوْلُهُ: [لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَاعِدَةِ] : أَيْ الَّتِي هِيَ كُلُّ رُخْصَةٍ لَا تَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ فَتُفْعَلُ وَإِنْ مِنْ عَاصٍ بِالسَّفَرِ، وَكُلّ رُخْصَةٍ تَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ فَلَا تُفْعَلُ مِنْ عَاصٍ بِالسَّفَرِ.
قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: قَدْ يُقَالُ الْعَاصِي بِالسَّفَرِ لَا يَتَيَمَّمُ لِغَيْرِ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ رُخْصَتَهُ تَخْصِيصٌ بِالسَّفَرِ، لَكِنْ فِي (ح) : يَتَيَمَّمُ الْمُسَافِرُ لِلنَّوَافِلِ مُطْلَقًا وَلَوْ غَيْرَ قَصْرٍ عَلَى الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: [زِيَادَةَ مَرَضِهِ] : أَيْ فِي الشِّدَّةِ.
قَوْلُهُ: [بِالْعَادَةِ] : أَيْ بِالْقَرَائِنِ الْعَادِيَّةِ، كَخَوْفِهِ انْقِطَاعَ عِرْقِ الْعَافِيَةِ بِاسْتِعْمَالِهِ الْمَاءَ.
وَلَيْسَ مِنْ الْعَاجِزِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِلْمَرَضِ الْمَبْطُونُ الَّذِي كُلَّمَا قَامَ لِلْمَاءِ وَاسْتَعْمَلَهُ انْطَلَقَ بَطْنُهُ، بَلْ يُؤْمَرُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَمَا خَرَجَ غَيْرُ نَاقِضٍ كَمَا سَبَقَ فِي السَّلَسِ وِفَاقًا لِلْحَطَّابِ.
أَمَّا مَبْطُونٌ يَضُرُّ بِهِ الْمَاءُ وَأَعْجَزَهُ الْإِعْيَاءُ أَوْ عِظَمُ الْبَطْنِ عَنْ تَنَاوُلِ الْمَاءِ، فَيَتَيَمَّمُ (اهـ. مِنْ شَيْخِنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ) .
قَوْلُهُ: [أَوْ عَطَشِ مُحْتَرَمٍ] : مِثْلُ الْعَطَشِ ضَرُورَةُ الْعَجْنِ وَالطَّبْخِ، قَالُوا: فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْجَمْعُ بِقَضَاءِ الْوَطَرِ بِمَاءِ الْوُضُوءِ، فَعَلَ حَيْثُ لَمْ تَعَفْهُ النَّفْسُ حَتَّى يَتَوَلَّدَ مِنْهُ شِدَّةُ الضَّرَرِ، وَإِلَّا فَيَتْرُكُهُ لِحَاجَةِ الْعَجْنِ وَالطَّبْخِ وَيَتَيَمَّمُ.
شَرْعًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ كَلْبًا لِصَيْدٍ أَوْ لِحِرَاسَةٍ، بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ وَالْكَلْبِ الْغَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَالْمُرْتَدِّ.
فَقَوْلُهُ: (أَوْ عَطَشِ) عَطْفٌ عَلَى حُدُوثِ.
وَالْمُرَادُ بِالْخَوْفِ: الِاعْتِقَادُ أَوْ الظَّنُّ - أَيْ ظَنُّ التَّلَبُّسِ بِالْعَطَشِ - وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبِلِ، أَيْ الْعَطَشِ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرِهِ] : مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ مَعْصُومٍ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ] إلَخْ: أَيْ فَإِنَّ مَا ذَكَرَ غَيْرُ مَعْصُومٍ، فَلَا يَتَيَمَّمُ وَيَدْفَعُ الْمَاءَ لِمَا ذَكَرَ، بَلْ يُعَجِّلُ الْقَتْلَ إنْ أَمْكَنَ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقَتْلِ لِعَدِمِ حَاكِمٍ يَقْتُلُ الْمُرْتَدَّ، وَلِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى قَتْلِ الْكَلْبِ - وَمِثْلُهُ الْخِنْزِيرُ - سَقَى الْمَاءَ مَنْ ذُكِرَ وَتَيَمَّمَ.
وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ فَلَا يَسْقِيهِ مُطْلَقًا.
وَمِثْلُ الْمُرْتَدِّ: الْجَانِي إذَا ثَبَتَتْ عِنْدَ حَاكِمٍ جِنَايَتُهُ وَحَكَمَ بِقَتْلِهِ قِصَاصًا؛ فَلَا يَدْفَعُ الْمَاءَ إلَيْهِ بَلْ يُعَجِّلُ بِقَتْلِهِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ دَفَعَ الْمَاءَ لَهُ وَلَا يُعَذِّبُهُ بِالْعَطَشِ.
وَلَيْسَ كَجِهَادِ الْحَرْبِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ جَوَّزُوهُ بِقَطْعِ الْمَاءِ عَلَيْهِمْ لِيَغْرَقُوا أَوْ عَنْهُمْ لِيَهْلِكُوا بِالْعَطَشِ.
وَالدُّبُّ وَالْقِرْدُ مِنْ قَبِيلِ الْمُحْتَرَمِ وَإِنْ كَانَ فِي الْقِرْدِ قَوْلٌ بِحُرْمَةِ أَكْلِهِ.
فَإِنْ كَانَ فِي الرُّفْقَةِ زَانٍ مُحْصَنٌ فَإِذَا وَجَدَ صَاحِبُ الْمَاءِ حَاكِمًا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ وَإِلَّا أَعْطَاهُ الْمَاءَ وَتَيَمَّمَ.
قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ بِالْخَوْفِ الِاعْتِقَادُ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ الْحَيَوَانَ الْمُحْتَرَمَ الَّذِي خِيفَ عَلَيْهِ الْعَطَشُ: إمَّا مُتَلَبِّسٌ بِالْعَطَشِ بِالْفِعْلِ، أَوْ غَيْرُ مُتَلَبِّسٍ.
وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَطَشِ، هَلَاكًا، أَوْ شِدَّةَ أَذًى، أَوْ مَرَضًا خَفِيفًا، أَوْ مُجَرَّدَ جَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ.
فَهَذِهِ ثَمَانٍ.
وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ تَحْقِيقًا، أَوْ ظَنًّا، أَوْ شَكًّا، أَوْ وَهْمًا، فَهَذِهِ ثِنْتَانِ وَثَلَاثُونَ صُورَةً.
أَمَّا قَبْلَ التَّلَبُّسِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ تَحَقَّقَ أَوْ ظَنَّ هَلَاكًا أَوْ شِدَّةَ أَذًى وَجَبَ التَّيَمُّمُ، وَإِنْ تَحَقَّقَ أَوْ ظَنَّ مَرَضًا خَفِيفًا جَازَ التَّيَمُّمُ، فَهَذِهِ سِتٌّ مِنْ سِتَّ عَشْرَةَ.
وَالْبَاقِي عَشْرَةٌ لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّيَمُّمُ.
وَأَمَّا لَوْ تَلَبَّسَ بِالْعَطَشِ فَالْخَوْفُ مُطْلَقًا - عِلْمًا أَوْ ظَنًّا أَوْ شَكًّا أَوْ وَهْمًا - يُوجِبُهُ فِي صُورَتَيْنِ: الْهَلَاكُ وَشِدَّةُ الْأَذَى.
وَيُجَوِّزُهُ فِي صُورَةِ: مُجَرَّدِ الْمَرَضِ لَا فِي مُجَرَّدِ الْجَهْدِ.
فَهَذِهِ سِتَّ عَشْرَةَ أَيْضًا، ثَمَانِيَةٌ مِنْهَا يَجِبُ التَّيَمُّمُ.
وَأَرْبَعَةٌ يَجُوزُ وَأَرْبَعَةٌ لَا يَجُوزُ.
وَمَا أَبْدَيْته لَك مِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ هُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْأَصْلُ تَبَعًا لِلْأُجْهُورِيِّ وَهُوَ مَا فِي التَّوْضِيحِ.
وَنَازَعَ (ح) فِي ذَلِكَ وَقَالَ: بَلْ الْمُرَادُ بِالْخَوْفِ الْجَزْمُ وَالظَّنُّ فَقَطْ فِي حَالِ التَّلَبُّسِ كَغَيْرِهِ، وَتَبِعَهُ شَارِحُنَا.
هُنَا وَنَظَرَ فِيهِ (بْن) نَقْلًا عَنْ المسناوي.
وَقَالَ الصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ الْأُجْهُورِيُّ مِنْ التَّفْصِيلِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
الْمُؤَدِّي إلَى هَلَاكٍ أَوْ شِدَّةِ أَذًى، لَا مُجَرَّدَ عَطَشٍ.
(أَوْ تَلَفِ مَالٍ لَهُ بَالٌ بِطَلَبِهِ) : هَذَا هُوَ الْخَامِسُ، وَهُوَ الْخَائِفُ بِطَلَبِ الْمَاءِ تَلَفَ مَالٍ بِسَرِقَةٍ أَوْ نَهْبٍ.
وَالْمُرَادُ بِمَا لَهُ بَالٌ: مَا زَادَ عَلَى مَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الْمَاءِ بِهِ لَوْ اشْتَرَاهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ.
وَهَذَا إذَا تَحَقَّقَ وُجُودَ الْمَاءِ الْمَطْلُوبِ أَوْ ظَنَّهُ، فَإِنْ شَكَّ فِي وُجُودِهِ تَيَمَّمَ وَلَوْ قَلَّ الْمَالُ.
(أَوْ خُرُوجِ وَقْتٍ بِاسْتِعْمَالِهِ) : هَذَا هُوَ النَّوْعُ السَّادِسُ: وَهُوَ الْخَائِفُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ خُرُوجَ وَقْتِ الصَّلَاةِ، الَّذِي أَوْلَى بِطَلَبِهِ.
فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَطْلُبُهُ وَلَا يَسْتَعْمِلُهُ إنْ كَانَ مَوْجُودًا مُحَافَظَةً عَلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا، وَلَوْ الِاخْتِيَارِيَّ فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ مِنْهَا رَكْعَةً فِي وَقْتِهَا إنْ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ فَلَا يَتَيَمَّمُ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْفَرَائِضِ مَرَّةً وَيَتْرُكَ السُّنَنَ وَالْمَنْدُوبَاتِ إنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ بِفِعْلِهَا.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [لَا مُجَرَّدَ عَطَشٍ] : أَيْ لَا مُجَرَّدَ جَهْدٍ مِنْ عَطَشٍ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ زَائِدٍ، فَلَا يَتَيَمَّمُ لِأَجْلِهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ تَلَفِ مَالٍ] إلَخْ: وَمِنْ ذَلِكَ الَّذِينَ يَحْرُسُونَ زُرُوعَهُمْ وَالْأُجَرَاءُ الَّذِينَ يَحْصُدُونَ الزَّرْعَ.
قَوْلُهُ: [أَوْ خُرُوجِ وَقْتٍ] إلَخْ: هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي رَوَاهُ الْأَبْهَرِيُّ، وَاخْتَارَهُ التُّونُسِيُّ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ يُونُسَ، وَشَهَّرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَأَقَامَهُ اللَّخْمِيُّ وَعِيَاضٌ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ.
وَمُقَابِلُهُ: يَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ وَلَوْ خَرَجَ الْوَقْتُ.
وَهُوَ الَّذِي حَكَى عَبْدُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ - الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ؛ فَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ.
قَوْلُهُ: [إنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ بِفِعْلِهَا] : أَيْ بِفِعْلِ تِلْكَ السُّنَنِ وَالْمَنْدُوبَاتِ.
فَلَوْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ بِالْفَرَائِضِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ، كَمَا هُوَ الْمَوْضُوعُ.
فَإِنْ تَيَمَّمَ وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْوَقْتَ بَاقٍ مُتَّسِعٌ أَوْ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ، فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَهَا بِوَجْهٍ جَائِزٍ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ.
وَأَوْلَى إذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ وَأَمَّا لَوْ تَبَيَّنَ لَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ أَنَّ الْوَقْتَ بَاقٍ مُتَّسِعٌ أَوْ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْوُضُوءِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ: أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِهِ يَتَيَمَّمُ وَيَتْرُكُ الْمَاءَ لِضِيقِ الْوَقْتِ مَا لَمْ يَقْصِدْهُ اسْتِثْقَالًا لِلْمَائِيَّةِ فَيُعَامَلُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ (اهـ) .
(أَوْ فَقْدِ مُنَاوِلٍ أَوْ آلَةٍ) : عَطْفٌ عَلَى فَقْدِ مَاءٍ.
وَهَذَا هُوَ السَّابِعُ، أَيْ أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَلَكِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ أَوْ لَمْ يَجِدْ آلَةً مِنْ حَبْلٍ أَوْ دَلْوٍ، فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ.
وَلَك أَنْ تُدْخِلَ هَذَا الْقِسْمَ فِي فَاقِدِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِإِرَادَةِ فَقْدِ الْقُدْرَةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، بَلْ إذَا تَحَقَّقْت تَجِدْ الْأَقْسَامَ تَرْجِعُ إلَى قِسْمَيْنِ؛ الْأَوَّلُ: فَاقِدُ الْمَاءِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا؛ فَيَدْخُلُ فِيهِ خَوْفُ عَطَشِ الْمُحْتَرَمِ، وَتَلَفُ الْمَاءِ وَخُرُوجُ الْوَقْتِ بِالطَّلَبِ أَوْ الِاسْتِعْمَالِ.
الثَّانِي: فَاقِدُ الْقُدْرَةِ كَذَلِكَ، فَيَشْمَلُ الْبَاقِيَ.
وَفَاقِدُ الْقُدْرَةِ مَقِيسٌ عَلَى فَاقِدِ الْمَاءِ الْمَنْصُوصِ فِي الْآيَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ طُلِبَ مِنْهُ التَّيَمُّمُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِلْفَرْضِ وَالنَّفَلِ اسْتِقْلَالًا وَتَبَعًا، وَلِلْجُمُعَةِ وَالْجِنَازَةِ وَلَوْ لَمْ تَتَعَيَّنْ.
إلَّا الصَّحِيحَ الْحَاضِرَ الْعَادِمَ لِلْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ لِجُمُعَةٍ وَلَا لِجِنَازَةٍ إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ، وَلَا لِنَفْلٍ اسْتِقْلَالًا وَلَوْ وِتْرًا وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
(وَلَا يَتَيَمَّمُ صَحِيحٌ حَاضِرٌ لِجُمُعَةٍ، وَلَا تُجْزِئُ،)
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَوْ لَمْ يَجِدْ آلَةً] : أَيْ مُبَاحَةً؛ فَوُجُودُ الْآلَةِ الْمُحَرَّمَةِ كَإِنَاءٍ أَوْ سِلْسَةٍ مِنْ ذَهَبٍ يُخْرِجُ بِهِ الْمَاءَ مِنْ الْبِئْرِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْأَصْلِ تَبَعًا لِ (عب) . قَالَ (بْن) : وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهَا وَلَا يَتَيَمَّمُ.
لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، أَلَا تَرَى مَنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ إلَّا ثَوْبَ حَرِيرٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ سَتْرُهَا بِهِ؟ وَقَدْ يُقَوِّي مَا قَالَهُ (عب) أَنَّ الطَّهَارَةَ الْمَائِيَّةَ لَهَا بَدَلٌ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ فَلَا يُسَوَّغُ لَهُ ارْتِكَابُ الْمَحْظُورِ وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْآلَةِ الْمُحَرَّمَةِ.
فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالتَّقَيُّدُ بِالْإِبَاحَةِ ظَاهِرٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ.
[التَّيَمُّم لِلْجُمُعَةِ وَالْجِنَازَة]
قَوْلُهُ: [وَلَا يَتَيَمَّمُ] إلَخْ: أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ الطُّهْرِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
فَعَدَمُ إجْزَاءِ تَيَمُّمِهِ لِلْجُمُعَةِ مَشْهُورٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ.
وَالْأَظْهَرُ خِلَافُهُ، وَلَا لِجِنَازَةٍ، إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ وَلَا لِنَفْلٍ (اسْتِقْلَالًا) وَلَوْ وِتْرًا (إلَّا تَبَعًا لِفَرْضٍ إنْ اتَّصَلَ بِهِ) : أَمَّا الْجُمُعَةُ فَلَا يَتَيَمَّمُ لَهَا صَحِيحٌ حَاضِرٌ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ، لِأَنَّ لَهَا بَدَلًا، وَهُوَ الظُّهْرُ، فَأَشْبَهَتْ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ النَّفَلَ وَهُوَ لَا يَتَيَمَّمُ لِنَفْلٍ.
وَأَمَّا الْجِنَازَةُ فَلِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ مَتَى وُجِدَ مُتَوَضِّئٌ غَيْرُهُ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَتْ النَّفَلَ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُتَوَضِّئِ.
وَالْحَاضِرُ الصَّحِيحُ لَا يَتَيَمَّمُ لِنَفْلٍ فَلَوْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى بِهِ الْجُمُعَةَ لَمْ تُجْزِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَلَوْ بِتَيَمُّمٍ.
هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَخِلَافُ الْمَشْهُورِ نَظَرَ إلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مُتَعَيِّنَةٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ قُلْنَا إنَّ لَهَا بَدَلًا، فَقَالَ بِوُجُوبِ التَّيَمُّمِ لَهَا كَغَيْرِهَا، وَهُوَ أَظْهَرُ مَدْرَكًا مِنْ الْمَشْهُورِ.
فَلِذَا قُلْنَا: (وَالْأَظْهَرُ خِلَافُهُ) أَيْ خِلَافَ الْمَشْهُورِ، هَذَا وَظَاهِرُ كَثِيرٍ مِنْ النُّقُولِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي عَادِمِ الْمَاءِ وَقْتَ أَدَائِهَا فَقَطْ مَعَ عِلْمِهِ بِوُجُودِهِ بَعْدَهَا، أَوْ فِيمَنْ خَافَ بِاسْتِعْمَالِهِ فَوَاتَهَا.
وَأَمَّا الْعَادِمُ لَهُ فِي جَمِيعُ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لَهَا -
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَالْأَظْهَرُ خِلَافُهُ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ يَوْمِهَا، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَشْهُورٍ.
وَلِذَلِكَ سَيَأْتِي يَقُولُ: [وَهُوَ أَظْهَرُ] مَدْرَكًا مِنْ الْمَشْهُورِ.
قَوْلُهُ: [إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهَا سُنَّةُ كِفَايَةٍ فَلَا يَتَيَمَّمُ لَهَا الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ وَلَوْ تَعَيَّنَتْ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ وِتْرًا] : أَيْ وَلَوْ مَنْذُورًا فَلَا يَتَيَمَّمُ لَهُ الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ نَظَرًا لِأَصْلِهِ، وَلَيْسَ كَجِنَازَةٍ تَعَيَّنَتْ؛ لِأَنَّ مَا أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ عَلَى الْمُكَلَّفِ قَوِيٌّ مِمَّا أَوْجَبَهُ هُوَ عَلَى نَفْسِهِ، فَتَدَبَّرْ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) .
قَوْلُهُ: [هَذَا] : مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ افْهَمْ هَذَا.
قَوْلُهُ: [وَظَاهِرُ كَثِيرٍ] إلَخْ: قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ: رَجَّحَ بَعْضٌ أَنَّ مَحَلَّ عَدَمِ التَّيَمُّمِ لَهَا إذَا خَشِيَ بِطَلَبِ الْمَاءِ فَوَاتَهَا فَيَطْلُبَهُ لِظُهْرٍ، أَمَّا إنْ كَانَ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ مُطْلَقًا لِعَدَمِ الْمَاءِ بِالْمَرَّةِ فَيُصَلِّيَهَا بِالتَّيَمُّمِ كَالظُّهْرِ، وَلَكِنْ فِي تَوْضِيحِ الْأَصْلِ مَنَعَ إطْلَاقَ التَّيَمُّمِ، انْتَهَى.
فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَصَدِّقْ الشَّارِحَ فِي قَوْلِ: [وَالْوَجْهُ أَنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ] : أَيْ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا؛ وَهِيَ مَا إذَا خَشِيَ بِطَلَبِ الْمَاءِ فَوَاتَهَا، وَمَسْأَلَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَهِيَ مَا إذَا كَانَ فَرْضُهُ التَّيَمُّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ بِالْمَرَّةِ فَيُصَلِّيهَا بِالتَّيَمُّمِ وَلَا يَدَعُهَا وَيُصَلِّي الظُّهْرَ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ (ح) عَنْ ابْنِ يُونُسَ.
جَزْمًا.
وَالْوَجْهُ أَنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ - أَيْ طَرِيقَتَانِ - لَا تُرَدُّ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَتَأَمَّلْ.
وَكَذَا لَا يَتَيَمَّمُ الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ لِجِنَازَةٍ إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِنْ مُتَوَضِّئٍ أَوْ مَرِيضٍ أَوْ مُسَافِرٍ، وَلَا لِنَفْلٍ اسْتِقْلَالًا وَلَوْ وِتْرًا إلَّا تَبَعًا لَفَرْضٍ كَأَنْ يَتَيَمَّمَ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ ثُمَّ يُتْبِعُهُ بِنَفْلٍ أَوْ لِلْعِشَاءِ ثُمَّ يُصَلِّي الشَّفْعَ وَالْوِتْرَ بِتَيَمُّمِ الْعِشَاءِ، بِشَرْطِ أَنْ يَتَّصِلَ النَّفَلُ بِالْفَرْضِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، فَلَا يَضُرُّ يَسِيرُ فَصْلٍ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمَرِيضَ وَالْمُسَافِرَ يَتَيَمَّمَانِ لِلْجِنَازَةِ تَعَيَّنَتْ أَمْ لَا، وَلِلنَّفْلِ اسْتِقْلَالًا، وَأَوْلَى تَبَعًا، كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا.
وَأَمَّا الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ فَلَا يَتَيَمَّمُ لِنَفْلٍ وَلَوْ سُنَّةً اسْتِقْلَالًا، وَلَا لِجِنَازَةٍ إلَّا إذَا تَعَيَّنَتْ، وَقَوْلُهُ (إلَّا تَبَعًا) : اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ لَكِنْ إنْ صَلَّى نَفْلًا بِتَيَمُّمٍ لِفَرْضٍ جَازَ بِالتَّبَعِيَّةِ لِذَلِكَ الْفَرْضِ، إنْ اتَّصَلَ بِالْفَرْضِ، وَكَذَا إنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ.
وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ الْفَرْضُ بَعْدَهُ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ، كَمَا سَيَنُصُّ عَلَيْهِ فِيمَا بَعْدَهُ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ] : وَهَذَا التَّقَيُّدُ لِلْأُجْهُورِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ.
فَوُجُودُ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ يَمْنَعُ مِنْ تَيَمُّمِ الْحَاضِرِ الصَّحِيحِ، وَفِي (ح) و (ر) خِلَافُهُ وَإِنْ تَعَدَّدَ الْحَاضِرُونَ الْأَصِحَّاءُ صَحَّتْ لَهُمْ مَعًا، وَيَجْرِي مَنْ لَحِقَ فِي الْأَثْنَاءِ عَلَى سُقُوطِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ لِتَعَيُّنِهِ بِالشُّرُوعِ.
وَعَدَمِ تَعَيُّنِهِ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ إنَّمَا تَحْصُلُ بِالتَّمَامِ.
وَفَائِدَةُ التَّعَيُّنِ حُرْمَةُ الْقَطْعِ لَا السُّقُوطِ عَنْ غَيْرِ الشَّارِعِ فِيهِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ.
قَوْلُهُ: [بِشَرْطِ أَنْ يَتَّصِلَ] إلَخْ: وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ النَّوَافِلِ كَمَا أَفَادَهُ (ح) قَالَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ (عب) : إنَّ شَرْطَ نِيَّتِهَا ضَعِيفٌ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى مَجْمُوعِهِ) .
قَوْلُهُ: [فَلَا يَضُرُّ يَسِيرُ فَصْلٍ] : أَيْ بَيْنَ النَّوَافِلِ وَالْفَرْضِ وَبَيْنَ النَّوَافِلِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ قَالَ فِي الْأَصْلِ: لَا إنْ طَالَ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ.
وَيَسِيرُ الْفَصْلِ عَفْوٌ، وَمِنْهُ آيَةُ الْكُرْسِيِّ وَالْمُعَقِّبَاتُ، وَأَنْ لَا يُكْثِرَ فِي نَفْسِهِ جِدًّا بِالْعُرْفِ (اهـ) وَقَالَ فِي تَكْرِيرِهِ: الْكَثْرَةُ جِدًّا كَالزِّيَادَةِ عَلَى التَّرَاوِيحِ مَعَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ، فَيَجُوزُ فِعْلُهَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ لِعَدَمِ الْكَثْرَةِ جِدًّا (اهـ) .
قَوْلُهُ: [اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ] : أَيْ فِي قُوَّةِ الِاسْتِدْرَاكِ، فَلِذَلِكَ قَالَ: [أَيْ لَكِنْ] إلَخْ.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا إنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ] : ظَاهِرُهُ أَنَّ تَقْدِيمَهُ عَلَيْهِ جَائِزٌ لَكِنْ لَا يَصِحُّ
(وَجَازَ نَفْلٌ، وَمَسُّ مُصْحَفٍ، وَقِرَاءَةٌ، وَطَوَافٌ وَرَكْعَتَاهُ بِتَيَمُّمِ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ، وَصَحَّ الْفَرْضُ إنْ تَأَخَّرَتْ) : يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ لِفَرْضٍ - سَوَاءٌ كَانَ حَاضِرًا صَحِيحًا أَوْ لَا - أَوْ لِنَفْلٍ اسْتِقْلَالًا، بِأَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ نَفْلًا وَجِنَازَةً، وَأَنْ يَمَسَّ بِهِ الْمُصْحَفَ، وَيَقْرَأَ الْقُرْآنَ إنْ كَانَ جُنُبًا، وَأَنْ يَطُوفَ وَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْهِ، وَسَوَاءٌ قَدَّمَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْفَرْضِ أَوْ النَّفْلِ الَّذِي قَصَدَهُ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ أَوْ أَخَّرَهَا عَنْهُ بِشَرْطِ الِاتِّصَالِ كَمَا تَقَدَّمَ.
لَكِنْ إنْ قَدَّمَ عَلَيْهَا مَا قَصَدَهُ بِالتَّيَمُّمِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ قَدَّمَهَا عَلَى مَا قَصَدَهُ بِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ نَفْلًا كَأَنْ تَيَمَّمَ مَرِيضٌ أَوْ مُسَافِرٌ لِصَلَاةِ الضُّحَى مَثَلًا جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ ذَلِكَ
[حاشية الصاوي]
الْفَرْضُ إلَّا إذَا تَأَخَّرَ عَنْهُ، وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ (ح) : أَنَّ الْقُدُومَ عَلَى فِعْلِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ بِتَيَمُّمِ الْفَرْضِ قَبْلَهُ لَا يَجُوزُ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) وَعَلَى مَا قَالَهُ (ح) فَلَا يَرِدُ اعْتِرَاضٌ عَنْ خَلِيلٍ.
[مَا يبيحه التَّيَمُّم]
قَوْلُهُ: [وَإِنْ تَقَدَّمَتْ] : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي الْجَوَازِ، وَمُقْتَضَى مَا قَالَهُ (ح) أَنَّهُ مُبَالَغَةٌ فِي مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَتُجْزِئُ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ، جَوَازُ فِعْلِ مَا ذُكِرَ بِتَيَمُّمِ الْفَرْضِ أَوْ النَّفْلِ تَقَدَّمَ عَنْ الْمَنْوِيِّ أَوْ تَأَخَّرَ.
وَشَرْطُ صِحَّةِ الْفَرْضِ إنْ تَأَخَّرَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَنْهُ لَا إنْ تَقَدَّمَتْ أَوْ شَيْءٌ مِنْهَا، فَلَا يَصِحُّ.
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ مَسَّ مُصْحَفٍ أَوْ قِرَاءَةً لَا تُخِلُّ بِالْمُوَالَاةِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
بَلْ تَقَدُّمُ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَالْقِرَاءَةِ الَّتِي لَا تُخِلُّ بِالْمُوَالَاةِ، لَا يَضُرُّ، كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ.
وَانْظُرْ لَوْ تَيَمَّمَ لِلْفَرْضِ أَوْ النَّفْلِ وَأَخْرَجَ بَعْضَ
النَّفَلَ الْمَقْصُودَ بَعْدَهَا.
وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ فَرْضًا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُصَلِّيَهُ بَعْدَ أَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْهَا.
فَقَوْلُهُ: (وَصَحَّ الْفَرْضُ إنْ تَأَخَّرَتْ) أَيْ صَحَّ الْفَرْضُ الَّذِي قُصِدَ لَهُ التَّيَمُّمُ مِنْ حَاضِرٍ صَحِيحٍ أَوْ مُسَافِرٍ أَوْ مَرِيضٍ إنْ قَدَّمَهُ عَلَيْهَا، لَا إنْ قَدَّمَهَا أَوْ شَيْئًا مِنْهَا عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا صَرَّحْنَا بِهَذَا - وَإِنْ عُلِمَ مِمَّا قَبْلَهُ - لِأَنَّ كَلَامَ الشَّيْخِ يُوهِمُ خِلَافَ الْمُرَادِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: " إنْ تَأَخَّرَتْ " ظَاهِرُهُ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي قَوْلِهِ: " وَجَازَ جِنَازَةٌ " إلَخْ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ تَجُوزُ مُطْلَقًا تَقَدَّمَتْ أَوْ تَأَخَّرَتْ كَمَا عَلِمْت.
فَلِذَا قَالَ الشُّرَّاحُ: هُوَ شَرْطٌ فِي مُقَدَّرٍ؛ أَيْ وَشَرْطُ صِحَّةِ الْفَرْضِ الْمَنْوِيِّ لَهُ التَّيَمُّمُ إنْ تَأَخَّرَتْ عَنْهُ وَلَكِنْ لَا دَلِيلَ عَلَى هَذَا الْمُقَدَّرِ.
وَحَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ يَتَيَمَّمُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ غَيْرَ مَا نَوَاهُ مِنْهَا مُتَقَدِّمًا وَمُتَأَخِّرًا لَا الْفَرْضَ إذَا نَوَى لَهُ التَّيَمُّمَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا تَقَدَّمَ.
(لَا فَرْضٌ آخَرُ وَإِنْ قُصِدَا بِهِ، وَبَطَلَ الثَّانِي، وَإِنْ مُشْتَرِكَةً وَلَوْ مِنْ مَرِيضٍ) : أَيْ لَا يَصِحُّ فَرْضٌ آخَرُ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ قُصِدَا مَعًا بِتَيَمُّمٍ.
فَالثَّانِي بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَتْ -
[حاشية الصاوي]
هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ مَا أَخْرَجَهُ جَرْيًا عَلَى إخْرَاجِ بَعْضِ الْمُسْتَبَاحِ مِنْ نِيَّةِ الْوُضُوءِ؟ وَهُوَ مَا اسْتَظْهَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ، أَوْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ الْمُخْرَجَ لِضَعْفِ التَّيَمُّمِ؟ وَاسْتَظْهَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى (عب) (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) وَالْأَظْهَرُ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: [إذْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ] إلَخْ: هَذَا عَلَى غَيْرِ مَا قَالَهُ (ح) كَمَا عَلِمْت.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ] : أَيْ وَلَا يَصِحُّ اتِّفَاقًا.
[تَنْبِيه التَّيَمُّم لنافلة]
قَوْلُهُ: [وَإِنْ مُشْتَرِكَةً] : رَدٌّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى أَصْبَغَ حَيْثُ قَالَ: إذَا صَلَّى فَرْضَيْنِ مُشْتَرِكَيْنِ بِتَيَمُّمٍ فَإِنَّهُ يُعِيدُ ثَانِيَةَ ثَانِيَةَ فِي الْوَقْتِ، وَأَمَّا ثَانِيَةُ غَيْرِهِمَا فَيُعِيدُهَا أَبَدًا، وَتَصِحُّ الْأُولَى عَلَى كُلِّ حَالٍ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) . تَنْبِيهٌ: كَمَا لَا تَصِحُّ النَّافِلَةُ بِالْوُضُوءِ الْمُسْتَحَبِّ، كَالْوُضُوءِ لِزِيَارَةِ الْأَوْلِيَاءِ، لَا تَصِحُّ بِالتَّيَمُّمِ لِذَلِكَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ: " لَا بِتَيَمُّمٍ لِمُسْتَحَبٍّ "، فَإِنَّ اللَّامَ فِي كَلَامِهِ مُقْحَمَةٌ، وَقَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ لَا بِتَيَمُّمِ مَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةٍ كَقِرَاءَةِ غَيْرِ الْجُنُبِ (اهـ) .
الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ مُشْتَرِكَةً فِي الْوَقْتِ مَعَ الْأُولَى، كَالْعَصْرِ مَعَ الظُّهْرِ وَلَوْ كَانَ التَّيَمُّمُ مِنْ مَرِيضٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ.
(وَلَزِمَ شِرَاءُ الْمَاءِ بِثَمَنٍ اُعْتِيدَ وَإِنْ بِذِمَّتِهِ إنْ لَمْ يَحْتَجْ لَهُ) : أَيْ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفُ الَّذِي لَمْ يَجِدْ مَاءً لِطَهَارَتِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِالثَّمَنِ الْمُعْتَادِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ؛ بِأَنْ يَشْتَرِيَهُ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، إنْ كَانَ غَنِيًّا بِبَلَدِهِ أَوْ يُتَرَجَّى الْوَفَاءُ بِبَيْعِ شَيْءٍ أَوْ اقْتِضَاءِ دَيْنٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَمَحَلُّ وُجُوبِ شِرَائِهِ إذَا لَمْ يَحْتَجْ لِذَلِكَ الثَّمَنِ فِي مَصَارِفِهِ، وَإِلَّا جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ كَمَا لَوْ زَادَ الثَّمَنُ عَلَى الْمُعْتَادِ وَلَوْ غَنِيًّا.
(وَقَبُولُ هِبَتِهِ وَاقْتِرَاضه) : أَيْ وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ هِبَتِهِ إذَا وُهِبَ لَهُ لِأَجْلِ التَّطَهُّرِ بِهِ، لِأَنَّ الْمِنَّةَ فِيهِ ضَعِيفَةٌ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.
وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا أَنْ يَقْتَرِضَهُ إنْ رَجَا الْوَفَاءَ.
(وَطَلَبُهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَلَبًا لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ دُونَ الْمِيلَيْنِ، إلَّا إذَا ظَنَّ عَدَمَهُ) : يَعْنِي -
[حاشية الصاوي]
[طَلَب الْمَاء وَشِرَاؤُهُ]
قَوْلُهُ: [كَمَا لَوْ زَادَ الثَّمَنُ عَلَى الْمُعْتَادِ] : ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ تَافِهَةً، وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ وَإِنْ زِيدَ فِي الْمُعْتَادِ مِثْلُ ثُلُثِهِ، فَإِنْ زِيدَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ لَا يَلْزَمُهُ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَ الثَّمَنُ لَهُ بَالٌ، أَمَّا لَوْ كَانَ بِمَحَلٍّ لَا بَالَ لِثَمَنِ مَاءٍ يَتَوَضَّأُ بِهِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ وَلَوْ زِيدَ عَلَيْهِ فِي الثَّمَنِ مِثْلُ ثُلُثَيْهِ اتِّفَاقًا.
قَوْلُهُ: [وَقَبُولُ هِبَتِهِ] إلَخْ: مُرَادُهُ مَا يَشْمَلُ الصَّدَقَةَ حَيْثُ لَا مِنَّةَ، وَكَمَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ يَلْزَمُهُ طَلَبُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [إنْ رَجَا الْوَفَاءَ] : قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: يَلْزَمُهُ اقْتِرَاضُ الْمَاءِ، وَيَلْزَمُهُ قَبُولُ قَرْضِهِ، وَإِنْ لَمْ يَظُنَّ الْوَفَاءَ، فَفَرَّقَ بَيْنَ اقْتِرَاضِ الْمَاءِ وَاقْتِرَاضِ ثَمَنِهِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ شَيْخِنَا مِثْلُهُ.
[تَنْبِيه طَلَب الْمَاء مِنْ الرِّفَاق وَالشُّحّ بِهِ]
قَوْلُهُ: [وَطَلَبُهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ] إلَخْ: حَاصِلُ مَا أَفَادَهُ الْمَتْنُ وَالشَّارِحُ: أَنَّ صُوَرَ الْمَسْأَلَةِ عِشْرُونَ.
لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مُحَقَّقَ الْوُجُودِ، أَوْ مَظْنُونَهُ، أَوْ مَشْكُوكًا فِيهِ، أَوْ مُحَقَّقَ الْعَدَمِ، أَوْ مَظْنُونَهُ، فَهَذِهِ خَمْسٌ.
وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مِيلَيْنِ أَوْ أَقَلَّ، فَهَذِهِ عَشْرٌ.
وَفِي كُلٍّ: إمَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الطَّلَبُ، أَوْ لَا.
أَمَّا إذَا كَانَ مُحَقَّقَ الْعَدَمِ أَوْ مَظْنُونَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ طَلَبٌ مُطْلَقًا.
وَأَمَّا إذَا كَانَ مُحَقَّقَ الْوُجُودِ أَوْ مَظْنُونَهُ أَوْ مَشْكُوكَهُ فَيَلْزَمُهُ الطَّلَبُ فِيمَا دُونَ الْمِيلَيْنِ إنْ لَمْ يَشُقَّ وَإِلَّا فَلَا.
أَنَّ مَنْ لَمْ يَظُنَّ عَدَمَ الْمَاءِ فِي مَكَان - بِأَنْ كَانَ مُتَرَدِّدًا فِي وُجُودِهِ أَوْ ظَانًّا لِوُجُودِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ وَالتَّفْتِيشُ عَلَيْهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَلَبًا لَا يَشُقُّ عَلَى مِثْلِهِ فِيمَا دُونَ الْمِيلَيْنِ.
فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَجِدُهُ إلَّا بَعْدَ مَسَافَةِ مِيلَيْنِ فَلَا يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ وَلَوْ كَانَ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الشَّأْنَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَشَقَّةُ.
كَمَا لَا يَلْزَمُهُ الطَّلَبُ فِيمَا دُونَ الْمِيلَيْنِ إذَا شَقَّ عَلَيْهِ، أَوْ خَافَ فَوَاتَ رُفْقَةٍ، وَكَذَا إذَا ظَنَّ عَدَمَهُ، وَأَوْلَى الْيَائِسُ مِنْهُ.
(فَالْيَائِسُ أَوَّلَ الْمُخْتَارِ، وَالْمُتَرَدِّدُ فِي لُحُوقِهِ أَوْ وُجُودِهِ وَسَطَهُ، وَالرَّاجِي آخِرَهُ) : يَعْنِي إذَا عَلِمْت مَنْ فَرْضُهُ التَّيَمُّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ أَوْ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ آيِسًا، أَوْ مُتَرَدِّدًا، أَوْ رَاجِيًا.
فَالْيَائِسُ مِنْ وُجُودِهِ أَوْ لُحُوقِهِ أَوْ مِنْ زَوَالِ الْمَانِعِ - وَهُوَ الْجَازِمُ أَوْ الْغَالِبُ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ مَا ذَكَرَ فِي الْمُخْتَارِ، يَتَيَمَّمُ نَدْبًا أَوَّلَ الْمُخْتَارِ.
وَالْمُتَرَدِّدُ فِي ذَلِكَ - وَهُوَ الشَّاكُّ
[حاشية الصاوي]
تَنْبِيهٌ:
كَمَا يَلْزَمُهُ طَلَبُ الْمَاءِ عَلَى دُونِ الْمِيلَيْنِ يَلْزَمُهُ طَلَبُهُ مِنْ رُفْقَةٍ قَلَّتْ - كَالْأَرْبَعَةِ - كَانَتْ حَوْلَهُ أَمْ لَا، أَوْ مِمَّنْ حَوْلَهُ مِنْ رُفْقَةٍ كَثِيرَةٍ إنْ جَهِلَ بُخْلَهُمْ بِهِ بِأَنْ اعْتَقَدَ الْإِعْطَاءَ أَوْ ظَنَّهُ أَوْ شَكَّ أَوْ تَوَهَّمَ.
فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى أَعَادَ أَبَدًا إنْ اعْتَقَدَ أَوْ ظَنَّ الْإِعْطَاءَ.
وَفِي الْوَقْتِ، إنْ شَكَّ.
وَلَمْ يُعِدْ، إنْ تَوَهَّمَ.
وَهَذَا كُلُّهُ إنْ تَبَيَّنَ وُجُودُ الْمَاءِ أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ.
فَإِنْ تَبَيَّنَ عَدَمُهُ فَلَا إعَادَةَ مُطْلَقًا.
وَمَفْهُومُ قَوْلِنَا: جَهِلَ بُخْلَهُمْ بِهِ، أَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ بُخْلَهُمْ لَمْ يَلْزَمْهُ طَلَبٌ: (اهـ. مِنْ الْأَصْلِ) . فَرْعٌ:
إذَا شَحَّ الْعَبْدُ بِمَائِهِ عَلَى سَيِّدِهِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ نَزْعُهُ؟ وَاسْتَظْهَرُوا جَوَازَ التَّيَمُّمِ.
قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ الِانْتِزَاعُ حَيْثُ لَا ضَرَرَ.
[الْيَائِس مِنْ طَلَب الْمَاء]
قَوْلُهُ: [يَتَيَمَّمُ نَدْبًا أَوَّلَ الْمُخْتَارِ] : فَإِنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى كَمَا أُمِرَ، ثُمَّ وَجَدَ مَاءً فِي الْوَقْتِ بَعْدَ صَلَاتِهِ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ وَجَدَ مَا أَيِسَ مِنْهُ أَوْ غَيْرَهُ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى نَقْلِ (ح) وَالْمَوَّاقِ وَنَصِّ الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: إنْ وَجَدَ مَا أَيِسَ مِنْهُ أَعَادَ لِخَطَئِهِ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ فَلَا إعَادَةَ.
وَضَعَّفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ.
(اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .
وَمِثْلُهُ الظَّانُّ ظَنًّا قَرِيبًا مِنْ الشَّكِّ - يَتَيَمَّمُ نَدْبًا وَسَطَهُ.
وَالرَّاجِي - وَهُوَ الظَّانُّ الْوُجُودَ أَوْ اللُّحُوقَ أَوْ زَوَالَ الْمَانِعِ يَتَيَمَّمُ - آخِرَهُ نَدْبًا.
وَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِلضَّرُورِيِّ، فَالتَّفْصِيلُ فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ؛ إذْ لَا امْتِدَادَ لِاخْتِيَارَيْهَا.
(وَلَا إعَادَةَ إلَّا لِمُقَصِّرٍ، فَفِي الْوَقْتِ) : يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَنْ أُمِرَ بِالتَّيَمُّمِ - إذَا تَيَمَّمَ وَصَلَّى - فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ.
إلَّا أَنْ يَكُونَ مُقَصِّرًا، أَيْ عِنْدَهُ نَوْعٌ مِنْ التَّقْصِيرِ، فَيُعِيدَ فِي الْوَقْتِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمُقَصِّرِ بِقَوْلِهِ: (كَوَاجِدِهِ بَعْدَ طَلَبِهِ بِقُرْبِهِ أَوْ رَحْلِهِ، وَخَائِفِ لِصٍّ أَوْ سَبُعٍ، فَتَبَيَّنَ عَدَمُهُ، وَمَرِيضٍ عَدِمَ مُنَاوِلًا، وَرَاجٍ قَدَّمَ، وَمُتَرَدِّدٍ فِي لُحُوقٍ فَلَحِقَهُ، كَنَاسٍ -
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَسَطَهُ] : قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَمِثْلُهُ مَرِيضٌ عَدِمَ مُنَاوِلًا وَخَائِفُ لِصٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ مَسْجُونٌ، فَيُنْدَبُ لَهُمْ التَّيَمُّمُ وَسَطَهُ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ آيِسًا أَوْ رَاجِيًا (اهـ.) قَالَ مُحَشِّيهِ: وَأَصْلُ الْعِبَارَةِ لِلطِّرَازِ.
وَلَكِنَّ الْمُوَافِقَ لِكَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ حَمْلُهُ عَلَى الْمُتَرَدِّدِ، وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ هُنَا.
قَوْلُهُ: [آخِرَهُ نَدْبًا] : قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لِأَنَّهُ حِينَ خُوطِبَ بِالصَّلَاةِ لَمْ يَكُنْ وَاجِدًا لِلْمَاءِ فَدَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] .
قَوْلُهُ: [فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ] إلَخْ: وَأَمَّا قَوْلُ خَلِيلٍ وَفِيهَا تَأْخِيرُهُ الْمَغْرِبَ لِلشَّفَقِ، فَضَعِيفٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ، وَهُوَ أَنَّ وَقْتَهَا الِاخْتِيَارِيَّ يَمْتَدُّ لِلشَّفَقِ، وَأَفْهَمُ قَوْلَهُ: [أَوَّلَ الْمُخْتَارِ] أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي الضَّرُورِيِّ لَتَيَمَّمَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ آيِسٍ وَغَيْرِهِ.
[المقصر فِي طَلَب الْمَاء]
قَوْلُهُ: [وَلَا إعَادَةَ] : فِي (عَبَّ) وَغَيْرِهِ حُرْمَةُ الْإِعَادَةِ.
قَالَ شَيْخُنَا: لَيْسَ فِي النَّقْلِ تَصْرِيحٌ بِالْحُرْمَةِ.
(اهـ. مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) . قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ: لَكِنْ لَهَا وَجْهٌ إنْ كَانَتْ الْإِعَادَةُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُ الطَّهَارَةِ التُّرَابِيَّةِ اسْتِضْعَافًا لَهَا عَلَى الْمَائِيَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِظْهَارِ عَلَى الشَّارِعِ فِيمَا شَرَعَ (اهـ) .
قَوْلُهُ: [فَيُعِيدَ فِي الْوَقْتِ] : أَلْ فِيهِ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ أَيْ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: [فَالْآيِسُ أَوَّلَ الْمُخْتَارِ] بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [بَعْدَ طَلَبِهِ] : أَمَّا إنْ تَرَكَ الطَّلَبَ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَ مَا كَانَ ظَانًّا لَهُ أَوْ مُتَرَدِّدًا فِيهِ فِيمَا دُونَ الْمِيلَيْنِ، أَوْ فِي الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ أَبَدًا حَيْثُ لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي
ذَكَرَ بَعْدَهَا) : أَيْ أَنَّ مَنْ وَجَدَ الْمَاءَ الَّذِي فَتَّشَ عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ الْمِيلَيْنِ: بِعَيْنِهِ بِقُرْبِهِ - أَيْ فِيمَا دُونَ الْمِيلَيْنِ - فَإِنَّهُ يُعِيدُ صَلَاتَهُ فِي الْوَقْتِ نَدْبًا لِتَفْرِيطِهِ، إذْ لَوْ أَمْعَنَ النَّظَرَ لَوَجَدَهُ، فَلِذَا لَوْ وَجَدَ غَيْرَهُ أَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ بُعْدٍ لَمْ يُعِدْ.
وَكَذَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ مَنْ فَتَّشَ عَلَيْهِ فِي رَحْلِهِ فَلَمْ يُصَادِفْهُ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ثُمَّ وَجَدَهُ فِيهِ بِعَيْنِهِ.
وَكَذَا الْخَائِفُ مِنْ لِصٍّ أَوْ سَبُعٍ عَلَى الْمَاءِ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ عَدَمُ مَا خَافَ مِنْهُ لَا إنْ اسْتَمَرَّ عَلَى خَوْفِهِ، وَأَوْلَى إنْ تَحَقَّقَ مَا خَافَ مِنْهُ، وَلَا إنْ وَجَدَ مَاءً غَيْرَ مَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللُّصُوصِ.
وَالْمُرَادُ بِالْخَوْفِ: الظَّنُّ.
وَكَذَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ مَرِيضٌ يَقْدِرُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى، ثُمَّ وَجَدَ مُنَاوِلًا.
وَهَذَا فِي مَرِيضٍ شَأْنُهُ أَنْ لَا يَتَرَدَّدَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَأَمَّا مَنْ شَأْنُهُ التَّرَدُّدُ عَلَيْهِ فَلَا تَفْرِيطَ عِنْدَهُ لِجَزْمِهِ أَوْ ظَنِّهِ مُنَاوِلًا، فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَكَذَا يُعِيدُ الرَّاجِي وُجُودَ الْمَاءِ آخِرَ الْوَقْتِ؛ فَقَدَّمَ الصَّلَاةَ بِالتَّيَمُّمِ ثُمَّ وَجَدَ فِي الْوَقْتِ مَا كَانَ يَرْجُوهُ.
وَكَذَا الْمُتَرَدِّدُ فِي لُحُوقِهِ إذَا صَلَّى وَسَطَ الْوَقْتِ ثُمَّ لَحِقَ -
[حاشية الصاوي]
الطَّلَبِ، وَكَذَا إنْ طَلَبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَتَيَمَّمَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ صَلَاتِهِ.
فَإِنَّ التَّيَمُّمَ يَبْطُلُ، فَإِنْ صَلَّى بِهِ أَعَادَ أَبَدًا، كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: [بَعْدَ بُعْدٍ] : بِأَنْ كَانَ عَلَى مِيلَيْنِ.
قَوْلُهُ: [وَصَلَّى] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ وَجَدَهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَيُعِيدُ أَبَدًا، كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [وَكَذَا الْخَائِفُ مِنْ لِصٍّ] : أَيْ فَيُعِيدُ فِي الْوَقْتِ بِقُيُودٍ أَرْبَعَةٍ: أَنْ يَتَبَيَّنَ عَدَمُ مَا خَافَهُ بِأَنْ ظَهَرَ أَنَّهُ شَجَرٌ مَثَلًا، وَأَنْ يَتَحَقَّقَ الْمَاءَ الْمَمْنُوعَ مِنْهُ، وَأَنْ يَكُونَ خَوْفُهُ جَزْمًا أَوْ ظَنًّا، وَأَنْ يَجِدَ الْمَاءَ بِعَيْنِهِ.
فَإِنْ تَبَيَّنَ حَقِيقَةُ مَا خَافَهُ، أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ، أَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَاءَ، أَوْ وَجَدَ غَيْرَ الْمَاءِ الْمَخُوفِ، فَلَا إعَادَةَ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ خَوْفُهُ شَكًّا أَوْ وَهْمًا فَالْإِعَادَةُ أَبَدًا (اهـ. مِنْ الْأَصْلِ) .
قَوْلُهُ: [فَلْيُتَأَمَّلْ] : إنَّمَا أَمَرَ بِالتَّأَمُّلِ لِبُعْدِ التَّقْصِيرِ عَنْ الْمَرِيضِ.
وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ نَاجِي: الْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ مُطْلَقًا عَلَى الْمَرِيضِ الَّذِي عَدِمَ مُنَاوِلًا سَوَاءٌ كَانَ لَا يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ الدَّاخِلُونَ أَوْ يَتَكَرَّرُ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ إنَّمَا تَرَكَ الِاسْتِعْدَادَ لِلْمَاءِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ فَلَا إعَادَةَ مُطْلَقًا (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ نَقْلًا عَنْ بْن) .
فِي الْوَقْتِ مَا كَانَ مُتَرَدِّدًا فِيهِ.
بِخِلَافِ الْمُتَرَدِّدِ فِي الْوُجُودِ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إنْ وَجَدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُودِ.
وَكَذَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ مَنْ نَسِيَ الْمَاءَ الَّذِي مَعَهُ ثُمَّ تَذَكَّرَهُ بَعْدَ أَنْ صَلَّى: بِالتَّيَمُّمِ لِتَفْرِيطِهِ إذْ النَّاسِي عِنْدَهُ نَوْعُ تَفْرِيطٍ فَإِنْ تَذَكَّرَهُ فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ كَمَا يَأْتِي، وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ هُنَا الْوَقْتُ الِاخْتِيَارِيُّ.
(وَفَرَائِضُهُ: نِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ أَوْ فَرْضِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ الضَّرْبَةِ الْأُولَى، وَلَزِمَ نِيَّةُ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إنْ وَجَدَهُ] إلَخْ: أَيْ سَوَاءٌ تَيَمَّمَ فِي وَسْطِ الْوَقْتِ أَوْ قَدَّمَ أَوَّلَهُ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي التَّوْضِيحِ.
قَوْلُهُ: [وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ] إلَخْ: قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ أُمِرَ بِالْإِعَادَةِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ بِالْمَاءِ إلَّا الْمُقْتَصِرَ عَلَى كُوعَيْهِ، وَالْمُتَيَمِّمُ عَلَى مُصَابِ بَوْلٍ، وَمَنْ وَجَدَ بِثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ مَكَانِهِ نَجَاسَةً، وَمَنْ تَذَكَّرَ إحْدَى الْحَاضِرَتَيْنِ: بَعْدَ مَا صَلَّى الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا.
وَمَنْ يُعِيدُ فِي جَمَاعَةٍ، وَمَنْ يُقَدِّمُ الْحَاضِرَةَ عَلَى يَسِيرِ الْمَنْسِيِّ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُعِيدُونَ وَلَوْ بِالتَّيَمُّمِ.
وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَقْتِ الْوَقْتُ الِاخْتِيَارِيُّ إلَّا فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُ الضَّرُورِيُّ مَا عَدَا الْمُقْتَصِرَ عَلَى كُوعَيْهِ، فَإِنَّهُ الِاخْتِيَارِيُّ (اهـ) .
[فَرَائِض التَّيَمُّم]
[تَنْبِيه التَّيَمُّم هَلْ يرفع الْحَدَث]
وَقَوْلُهُ: [وَفَرَائِضُهُ] إلَخْ: هُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ خَمْسَةٌ، كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَهِيَ خَمْسَةٌ.
وَقَوْلُهُ: [نِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ] إلَخْ: خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ الْأُولَى، كَمَا قَدَّرَهُ الشَّارِحُ أَيْضًا، وَيَصِحُّ جَعْلُ نِيَّةُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ خَبَرًا عَنْ فَرَائِضَ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.
قَوْلُهُ: [اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ] إلَخْ: شُرُوعٌ فِي بَيَانِ الْكَيْفِيَّةِ، وَهِيَ قِسْمَانِ، كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ: اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ، أَوْ فَرْضِ التَّيَمُّمِ.
وَلَا يَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ الْآتِي.
قَوْلُهُ: [عِنْدَ الضَّرْبَةِ الْأُولَى] : أَيْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ اللُّمَعِ.
وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُهُ.
وَقَالَ زَرُّوقٌ: إنَّهَا تَكُونُ عِنْدَ مَسْحِ الْوَجْهِ.
وَاسْتَظْهَرَهُ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ.
قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَالْأَوْجَهُ الْأَوَّلُ، إذْ يَبْعُدُ أَنْ يَضَعَ الْإِنْسَانُ يَدَهُ عَلَى حَجَرٍ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ تَيَمُّمٍ بِقَصْدِ الِاتِّكَاءِ، أَوْ مُجَرَّدِ اللَّمْسِ مَثَلًا ثُمَّ يَرْفَعَهَا فَيَبْدُوَ لَهُ بَعْدَ الرَّفْعِ أَنْ يَمْسَحَ بِهَا وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ بِنِيَّةِ التَّيَمُّمِ، فَيُقَالُ: صَحَّ تَيَمُّمُهُ.
وَفَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُضُوءِ، إذْ الْوَاجِبُ فِي الْوُضُوءِ غَسْلُ الْوَجْهِ
أَكْبَرَ إنْ كَانَ) : هَذَا شُرُوعٌ فِي فَرَائِضِ التَّيَمُّمِ وَهِيَ خَمْسَةٌ:
الْأُولَى: النِّيَّةُ عِنْدَ الضَّرْبَةِ الْأُولَى، أَنْ يَنْوِيَ بِهِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ فَرْضَ التَّيَمُّمِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ مُلَاحَظَةُ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ أَكْبَرُ بِأَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، فَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْهُ بِأَنْ نَسِيَهُ أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّهُ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ، وَأَعَادَ أَبَدًا.
وَلَا يُصَلَّى فَرْضٌ بِتَيَمُّمٍ نَوَاهُ لِغَيْرِهِ، قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَلَا صَلَاةَ بِتَيَمُّمٍ نَوَاهُ لِغَيْرِهَا.
[حاشية الصاوي]
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] وَلَا مَدْخَلَ لِنَقْلِ الْمَاءِ فِي الْغُسْلِ، وَقَالَ فِي التَّيَمُّمِ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [المائدة: 6] ، فَأَوْجَبَ قَصْدَ الصَّعِيدِ قَبْلَ الْمَسْحِ.
وَقَدْ عَدُّوا الضَّرْبَةَ الْأُولَى مِنْ الْفَرَائِضِ فَلَا يَصِحُّ تَقَدُّمُهَا عَنْ النِّيَّةِ (اهـ.) وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَاشِرٍ:
فُرُوضُهُ مَسْحُكَ وَجْهًا وَالْيَدَيْنِ ... لِلْكُوعِ وَلِلنِّيَّةِ أُولَى الضَّرْبَتَيْنِ
، فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَرَدُّ الْبُنَانِيُّ لِذَلِكَ الْقَوْلِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ.
قَوْلُهُ: [الْأَكْبَرِ إنْ كَانَ] : أَيْ إنْ وُجِدَ حَدَثٌ أَكْبَرُ مِنْ جَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: [وَوَجَبَ عَلَيْهِ مُلَاحَظَةُ] إلَخْ: قَالَ الشَّارِحُ فِي تَقْرِيرِهِ: وَمَحَلُّ لُزُومِ نِيَّةِ الْأَكْبَرِ إنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ مَا مَنَعَهُ الْحَدَثُ، وَأَمَّا إنْ نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ فَيُجْزِيهِ عَنْ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْهُ.
وَذَكَرَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: [أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ] إلَخْ: فَإِنْ نَوَاهُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ أَجْزَأَهُ.
قَوْلُهُ: [وَأَعَادَ أَبَدًا] : أَيْ عِنْدَ تَرْكِ نِيَّةِ الْأَكْبَرِ، وَأَمَّا نِيَّةُ الْأَصْغَرِ مَعَ الْأَكْبَرِ فَمَنْدُوبَةٌ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَكْبَرِ أَجْزَأَهُ عَنْ الْأَصْغَرِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يُصَلَّى فَرْضٌ] إلَخْ: قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَيُنْدَبُ تَعْيِينُ الصَّلَاةِ مِنْ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ أَوْ هُمَا، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا فَإِنْ نَوَى الصَّلَاةَ صَلَّى بِهِ مَا عَلَيْهِ مِنْ فَرْضٍ، لَا إنْ ذَكَرَ فَائِتَةً بَعْدَهَا.
وَإِنْ نَوَى مُطْلَقَ الصَّلَاةِ الصَّالِحَةِ لِلْفَرْضِ أَوْ النَّفْلِ صَحَّ فِي نَفْسِهِ.
وَيَفْعَلُ بِهِ النَّفَلَ دُونَ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ تَخُصُّهُ (اهـ) .
(وَالضَّرْبَةُ الْأُولَى، وَتَعْمِيمُ مَسْحِ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ لِكُوعَيْهِ، مَعَ تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِ، وَنَزْعِ خَاتَمِهِ) : الْفَرِيضَةُ الثَّانِيَةُ: الضَّرْبَةُ الْأُولَى؛ أَيْ وَضْعُ الْكَفَّيْنِ عَلَى الصَّعِيدِ، وَأَمَّا الضَّرْبَةُ الثَّانِيَةُ فَسُنَّةٌ، كَمَا سَيَأْتِي.
[حاشية الصاوي]
وَحَاصِلُ الْفِقْهِ أَنَّ تَعْيِينَ شَخْصِ الصَّلَاةِ مَنْدُوبٌ، فَإِنْ عَيَّنَ بِهِ شَخْصَ فَرْضٍ فَلَا يَفْعَلُ بِهِ فَرْضًا غَيْرَهُ، وَإِنْ عَيَّنَ نَوْعَ الْفَرْضِ أَوْ سَكَتَ - كَمُجَرَّدِ صَلَاةٍ صُرِفَ لِلْفَرْضِ الَّذِي عَلَيْهِ، وَيَفْعَلُ غَيْرَهُ تَبَعًا، عَلَى مَا سَبَقَ، فَإِنْ لَاحَظَ الْإِطْلَاقَ أَيْ الصَّلَاةَ الدَّائِرَةَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ مُلَاحِظًا الشُّيُوعَ لَمْ يَجُزْ بِهِ الْفَرْضُ، وَصَلَّى مِنْ النَّفْلِ مَا شَاءَ.
تَنْبِيهٌ:
قَالَ خَلِيلٌ: وَلَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، قَالَ: الْأَصْلُ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ وَإِنَّمَا يُبِيحُ الْعِبَادَةَ، وَهُوَ مُشْكِلٌ جِدًّا.
إذْ كَيْفَ تُجَامِعُ الْإِبَاحَةُ الْمَنْعَ؟ وَلِهَذَا ذَهَبَ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ إلَى أَنَّ الْخُلْفَ لَفْظِيٌّ، فَمَنْ قَالَ: لَا يَرْفَعُهُ، أَيْ مُطْلَقًا، بَلْ إلَى غَايَةِ الصَّلَاةِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ النَّقِيضَانِ، إذْ الْحَدَثُ الْمَنْعُ وَالْإِبَاحَةُ حَاصِلَةٌ إجْمَاعًا (اهـ.) قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَفِي (ح) وَ (ر) تَقْوِيَةٌ أَنَّهُ حَقِيقِيٌّ لِابْتِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَى كُلٍّ.
قُلْنَا: إنْ فُسِّرَ الْحَدَثُ بِالْمَنْعِ تَعَيَّنَ أَنَّهُ لَفْظِيٌّ، أَوْ بِالصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ - كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ - فَلَا (اهـ) . وَمَعْنَى كَلَامِهِ أَنَّ الْمَنْعَ لَا يُجَامِعُ الْإِبَاحَةَ فَتَعَيَّنَ كَوْنُهُ لَفْظِيًّا حَيْثُ فُسِّرَ بِالْمَنْعِ، وَحَقِيقِيًّا إنْ فُسِّرَ بِالصِّفَةِ الْحُكْمِيَّةِ، لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ تُجَامِعُ الصِّفَةَ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَقَدْ احْتَلَمَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ: صَلَّيْت بِالنَّاسِ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» ، أَيْ قَائِمٌ بِك الصِّفَةُ الْحُكْمِيَّةُ لَا الْمَنْعُ، وَإِلَّا لَأَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: [وَضْعُ الْكَفَّيْنِ] : إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ دَفْعًا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ لَفْظِ الضَّرْبِ أَنَّهُ يَكُونُ بِشِدَّةٍ، فَأَفَادَ أَنَّهُ وَضْعُ الْكَفَّيْنِ عَلَى الصَّعِيدِ، وَمِثْلُ الْكَفَّيْنِ أَحَدُهُمَا أَوْ بَعْضُهُمَا،
الْفَرِيضَةُ الثَّالِثَةُ: تَعْمِيمُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إلَى الْكُوعَيْنِ بِالْمَسْحِ.
وَأَمَّا مِنْ الْكُوعَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَسُنَّةٌ، كَمَا سَيَأْتِي.
وَلَمْ يَعُدُّوا الْوَجْهَ فَرِيضَةً عَلَى حِدَتِهَا وَالْيَدَيْنِ فَرِيضَةً أُخْرَى كَمَا فَعَلُوا فِي الْوُضُوءِ لَعَلَّهُ لِلِاخْتِصَارِ.
وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ وَنَزْعُ الْخَاتَمِ لِيَمْسَحَ مَا تَحْتَهُ.
وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ يَكُونُ بِبَاطِنِ الْكَفِّ أَوْ الْأَصَابِعِ لَا بِجَنْبِهَا إذْ لَمْ يَمَسَّهَا تُرَابٌ.
(وَصَعِيدٍ طَاهِرٍ كَتُرَابٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ) : الْفَرِيضَةُ الرَّابِعَةُ: الصَّعِيدُ الطَّاهِرُ؛ أَيْ اسْتِعْمَالُهُ.
إذْ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ، فَخَرَجَ اسْتِعْمَالُ غَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ بِصَعِيدٍ أَوْ مَا كَانَ
[حاشية الصاوي]
وَلَوْ بِبَاطِنٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا لَوْ تَيَمَّمَ بِظَاهِرِ كَفِّهِ فَلَا يُجْزِئُ.
قَوْلُهُ: [تَعْمِيمُ الْوَجْهِ] إلَخْ: وَلَا يَتَعَمَّقُ فِي نَحْوِ أَسَارِيرِ الْجَبْهَةِ، وَلَا يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ وَلَوْ خَفِيفَةً، لِأَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ: [إلَى الْكُوعَيْنِ] : قَالَ (ح) : الْكُوعُ طَرَفُ الزَّنْدِ الَّذِي يَلِي الْإِبْهَامَ وَفِي الذَّخِيرَةِ: آخِرُ السَّاعِدِ وَأَوَّلُ الْكَفِّ.
وَيُقَالُ: كَاعٌ.
قَوْلُهُ: [لَعَلَّهُ لِلِاخْتِصَارِ] : تُرْجَى فِي الْجَوَابِ تَحَرِّيًا لِلصِّدْقِ لِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ عَلَى النَّصِّ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَنَزْعُ الْخَاتَمِ] : أَيْ إزَالَتُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ لِيَمْسَحَ مَا تَحْتَهُ، وَإِنْ مَأْذُونًا فِيهِ وَاسِعًا لِضِيقِ مَا هُنَا عَنْ الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: [طَاهِرٌ] : هُوَ مَعْنَى الطَّيِّبِ فِي الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ اسْتِعْمَالُهُ] إلَخْ: هُوَ مَعْنَى الضَّرْبَةِ الْأُولَى، لِأَنَّ مَعْنَاهَا وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الصَّعِيدِ.
وَفِي الْحَقِيقَةِ الصَّعِيدُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ، فَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُنَا فِي تَقْرِيرِهِ: عَدُّهُمْ الصَّعِيدَ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ التَّيَمُّمِ لَا يَظْهَرُ، وَإِنْ كَانَتْ الْفَرْضِيَّةُ الْوَضْعَ الْمَذْكُورَ.
فَلَا يَكْفِي تُرَابٌ أَثَارَهُ الرِّيحُ عَلَى يَدَيْهِ، وَاسْتَظْهَرَ الْإِجْزَاءَ إذَا عَمَدَ بِيَدَيْهِ لِتُرَابٍ مُتَكَاثِفٍ فِي الْهَوَاءِ.
قَوْلُهُ: [مِمَّا لَيْسَ بِصَعِيدٍ] : أَيْ وَلَا مُلْحَقًا بِهِ كَالثَّلْجِ، كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: [أَوْ مَا كَانَ نَجِسًا] : فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ، وَذَكَرَ خَلِيلٌ تَبَعًا لِلْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ عَلَى مُصَابِ بَوْلٍ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، وَاسْتُشْكِلَ فَأُوِّلَتْ بِتَآوِيلَ، مِنْهَا: أَنَّ الرِّيحَ سَتَرَتْهُ بِتُرَابٍ طَاهِرٍ، أَوْ مُرَاعَاةً لِلْقَائِلِ بِطَهَارَةِ الْأَرْضِ بِالْجَفَافِ كَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
نَجِسًا وَأَفْضَلُ أَنْوَاعِ الصَّعِيدِ: التُّرَابُ.
وَالْمُرَادُ بِالصَّعِيدِ.
كُلُّ مَا صَعَدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ أَجْزَائِهَا، فَالْكَافُ فِي: (كَتُرَابٍ) لِلتَّمْثِيلِ.
(وَرَمْلٍ وَحَجَرٍ وَجَصٍّ لَمْ يُطْبَخْ) : أَيْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَى كُلٍّ مِمَّا ذُكِرَ.
وَالْجَصُّ نَوْعٌ مِنْ الْحَجَرِ يُحْرَقُ بِالنَّارِ وَيُسْحَقُ وَيُبْنَى بِهِ الْقَنَاطِرُ وَالْمَسَاجِدُ وَالْبُيُوتُ الْعَظِيمَةُ، إذَا أُحْرِقَ - وَهُوَ الْمُرَادُ بِالطَّبْخِ - لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ خَرَجَ بِالصَّنْعَةِ عَنْ كَوْنِهِ صَعِيدًا.
(وَمَعْدِنٍ غَيْرِ نَقْدٍ وَجَوْهَرٍ وَمَنْقُولٍ) : أَيْ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَى الْمَعْدِنِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ.
وَلَا جَوْهَرًا وَلَا مَنْقُولًا مِنْ مَحَلِّهِ بِحَيْثُ يَصِيرُ مَالًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ؛ فَلَا يُتَيَمَّمُ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَوْ بِمَعْدِنِهِمَا، وَلَا عَلَى الْجَوْهَرِ كَالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ وَلَوْ بِمُحَلِّهَا، وَلَا عَلَى الشَّبِّ وَالْمِلْحِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالْقَصْدِيرِ وَالْكُحْلِ، إنْ نُقِلَتْ مِنْ مَحِلَّاتِهَا وَصَارَتْ أَمْوَالًا فِي أَيْدِي النَّاسِ.
وَأَمَّا مَا دَامَتْ فِي مَوَاضِعِهَا فَيَجُوزُ.
فَقَوْلُهُ: (كَشَبٍّ وَمِلْحٍ وَحَدِيدٍ وَرُخَامٍ) : مِثَالٌ لِلْمَعْدِنِ الْغَيْرِ مَا ذَكَرَ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [التُّرَابُ] : أَيْ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ خَرَجَ بِالصَّنْعَةِ] إلَخْ: أَيْ الَّتِي هِيَ الطَّبْخُ بِالنَّارِ، وَلَا يَضُرُّ مُجَرَّدُ النَّشْرِ، وَلَوْ صَنَعَ رَحًى أَوْ أَعْمِدَةً.
قَوْلُهُ: [غَيْرِ نَقْدٍ وَجَوْهَرٍ] : أَيْ لِأَنَّهُمَا لَا يَظْهَرُ فِيهِمَا ذُلُّ الْعِبَادَةِ فَتُنَافِي التَّوَاضُعَ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا مَا دَامَتْ] إلَخْ: وَمِثْلُهُ لَوْ نُقِلَتْ وَلَمْ تَضُرَّ كَالْعَقَاقِيرِ كَالطَّفْلِ وَالْأَحْجَارِ وَالرُّخَامِ الَّذِي يُجْعَلُ أَعْمِدَةً فِي الْمَسَاجِدِ مَثَلًا، وَالْمِلْحِ الَّذِي يُجْرَنُ قَرِيبًا مِنْ أَرْضِهِ فَهَذَا كُلُّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [وَرُخَامٍ] : قِيلَ إنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعَادِنِ النَّفِيسَةِ الْمُتَمَوِّلَة الْغَالِيَةِ الثَّمَنِ وَاسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: [لِلْمَعْدِنِ الْغَيْرِ مَا ذُكِرَ] : أَيْ النَّقْدِ وَالْجَوْهَرِ وَالْمَنْقُولِ، أَيْ الَّذِي
(كَثَلْجٍ لَا خَشَبٍ وَحَشِيشٍ) : تَشْبِيهٌ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ، أَيْ أَنَّ الثَّلْجَ - وَهُوَ مَا جَمَدَ مِنْ الْمَاءِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَوْ الْبَحْرِ - يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ - بِجُمُودِهِ - الْحَجَرَ، فَالْتَحَقَ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ.
بِخِلَافِ الْخَشَبِ وَالْحَشِيشِ فَلَا يُتَيَمَّمُ عَلَيْهِمَا وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمَا.
وَقِيلَ: إنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمَا وَلَمْ يُمْكِنْ قَلْعُهُمَا وَضَاقَ الْوَقْتُ جَازَ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِمَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَعِيدٍ وَلَا يُشْبِهُ الصَّعِيدَ.
-
[حاشية الصاوي]
صَارَ فِي أَيْدِي النَّاسِ كَالْعَقَاقِيرِ.
قَوْلُهُ: [كَثَلْجٍ] : أَيْ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ عَلَيْهِ حَيْثُ عَجَزَ عَنْ تَحْلِيلِهِ، وَتَصْيِيرِهِ مَاءً وَلَوْ وَجَدَ غَيْرَهُ بِخِلَافِ الْخِضْخَاضِ فَلَا يَتَيَمَّمُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَوَّلَ لِجُمُودِهِ صَارَ كَالْحَجَرِ فَالْتَحَقَ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ، وَالثَّانِيَ لِرِقَّتِهِ بَعُدَ عَنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ] إلَخْ: قَائِلُهُ اللَّخْمِيُّ قَالَ (بْن) : وَكَلَامُ (ح) يَقْتَضِي أَنَّهُ الرَّاجِحُ، وَاعْتَمَدَهُ (ر) فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَبْنِي وَإِنْ نَسِيَ] : أَيْ أَوْ عَجَزَ لِضَعْفِهِ عَنْ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ.
وَلِذَلِكَ جَعَلَ دُخُولَ الْوَقْتِ شَرْطَ وُجُوبٍ وَصِحَّةٍ فِيهِ، فَلَا يَتَيَمَّمُ لِفَرِيضَةٍ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا.
وَوَقْتُ الْفَائِتَةِ تَذَكُّرُهَا، فَمَنْ تَيَمَّمَ لِلصُّبْحِ فَتَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ الْعِشَاءَ فَلَا يُجْزِيهِ هَذَا التَّيَمُّمُ.
لَهَا بِخِلَافِ وَقْتِ وَقْتِ لَوْ تَيَمَّمَ لَإِحْدَاهُمَا فَتَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ الْأُخْرَى صَلَّاهَا بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ خَصَّ إحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
وَوَقْتُ الْجِنَازَةِ الْفَرَاغُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ التَّيَمُّمُ فَرْضَ الْمَيِّتِ، وَالْمُصَلِّي عَلَيْهِ يُمِّمَ الْمَيِّتُ بَعْدَ التَّكْفِينِ، وَلَا يَتَيَمَّمُ الْمُصَلِّي عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ تَيَمُّمِ الْمَيِّتِ، وَتَيَمُّمُهُ لَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ لِأَنَّهُ كَغُسْلِهِ، وَقَدْ أَلْغَزَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ مَجْمُوعِهِ بِقَوْلِهِ:
يَا مَنْ بِلَحْظٍ يَفْهَمُ ... أَحْسِنْ جَوَابَ تَفَهُّمِ
لِمَ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمٌ ... إلَّا بِسَبْقِ تَيَمُّمِ
مِنْ غَيْرِ فِعْلِ عِبَادَةٍ ... بِالسَّابِقِ الْمُتَقَدِّمِ
وَمَتَى يَصِحُّ تَيَمُّمٌ ... مِنْ غَيْرِ نِيَّتِهِ نُمِيَ
قَالَ: وَاحْتَرَزْت بِقَوْلِي: مِنْ غَيْرِ إلَخْ عَنْ التَّيَمُّمِ لِثَانِيَةِ الْمُشْتَرِكَيْنِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ بَعْدَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِلْأُولَى وَيُصَلِّيَهَا (اهـ) ، وَقَدْ أَجَبْت عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِي:
(وَالْمُوَالَاةُ) : الْفَرِيضَةُ الْخَامِسَةُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَجْزَائِهِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فُعِلَ لَهُ مِنْ صَلَاةٍ وَنَحْوِهَا، وَابْتَدَأَهُ إنْ فَرَّقَ وَطَالَ.
وَلَا يَبْنِي وَإِنْ نَسِيَ.
(وَسُنَنُهُ: تَرْتِيبٌ وَضَرْبَةٌ لِيَدَيْهِ وَإِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَنَقْلُ مَا تَعَلَّقَ بِهِمَا مِنْ غُبَارٍ) : أَيْ إنَّ سُنَنَهُ أَرْبَعَةٌ: التَّرْتِيبُ بِأَنْ يَمْسَحَ الْيَدَيْنِ بَعْدَ الْوَجْهِ فَإِنْ نَكَّسَ أَعَادَ الْيَدَيْنِ إنْ قَرُبَ وَلَمْ يُصَلِّ بِهِ، وَالضَّرْبَةُ الثَّانِيَةُ لِيَدَيْهِ وَالْمَسْحُ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَنَقْلُ أَثَرِ الضَّرْبِ مِنْ الْغُبَارِ إلَى الْمَمْسُوحِ بِأَنْ لَا يَمْسَحَ عَلَى شَيْءٍ قَبْلَ مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، فَإِنْ مَسَحَهُمَا بِشَيْءٍ قَبْلَ مَا ذُكِرَ كُرِهَ وَأَجْزَأَ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا قَالَ فِي الرِّسَالَةِ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِمَا شَيْءٌ نَفَضَهُمَا نَفْضًا خَفِيفًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
(وَنُدِبَ: تَسْمِيَةٌ، وَصَمْتٌ، وَاسْتِقْبَالٌ، وَتَقْدِيمُ الْيَدِ الْيُمْنَى، وَجَعْلُ ظَاهِرِهَا مِنْ طَرَفِ الْأَصَابِعِ بِبَاطِنِ يُسْرَاهُ، فَيُمِرُّهَا إلَى الْمِرْفَقِ، ثُمَّ بَاطِنِهَا لِآخِرِ الْأَصَابِعِ، ثُمَّ يُسْرَاهُ كَذَلِكَ) : هَذَا شُرُوعٌ فِي مَنْدُوبَاتِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَجَعْلُ) إلَخْ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُنْدَبُ أَنْ يَجْعَلَ ظَاهِرَ الْيُمْنَى مِنْ طَرَفِ أَصَابِعِهَا بِبَاطِنِ كَفِّ يَدِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يُمِرَّ الْيُسْرَى إلَى مِرْفَقِ الْيُمْنَى.
ثُمَّ يَجْعَلَ بَاطِنَهَا بِحَيْثُ يَجْعَلُ بَاطِنَ الْيُمْنَى مِنْ طَيِّ الْمِرْفَقِ بِبَاطِنِ الْيُسْرَى فَيُمِرُّهَا لِآخِرِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى.
ثُمَّ يَفْعَلُ بِيُسْرَاهُ كَمَا فَعَلَ بِالْيُمْنَى بِأَنْ يَجْعَلَ ظَاهِرَهَا مِنْ -
[حاشية الصاوي]
هَذَا الَّذِي يَتَيَمَّمُ ... لِصَلَاةِ مَيْتٍ يَمَّمُوا وَلَحْظُنَا مِنْ يَمِّكُمْ ... يَا مَنْ إلَيْكُمْ يَمَّمُوا قَوْلُهُ: [إنْ قَرُبَ] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا لَوْ بَعُدَ أَوْ صَلَّى بِهِ فَيَفُوتُ.
[سُنَن التَّيَمُّم]
قَوْلُهُ: [وَالضَّرْبَةُ الثَّانِيَةُ] : إنْ قُلْت كَيْفَ تَكُونُ سُنَّةً مَعَ أَنَّهَا لِلْفَرْضِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْفَرْضَ بِآثَارِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: [كُرِهَ وَأَجْزَأَ] إلَخْ: قَيَّدَهُ عب، بِأَنْ لَا يَقْوَى الْمَسْحُ، وَنُوقِشَ بِصِحَّتِهِ عَلَى حَجَرٍ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ، قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَقَدْ يُفَرَّقُ بِشَائِبَةِ التَّلَاعُبِ.
[مَنْدُوبَات التَّيَمُّم]
[تَنْبِيه هَلْ يَنْدُب الْمَوْضِع الطَّاهِر فِي التَّيَمُّم]
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ تَسْمِيَةٌ] : وَاخْتُلِفَ فِي تَكْمِيلِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ عَلَى قَوْلَيْنِ، أَرْجَحُهُمَا: يُكْمِلُهَا، بَلْ يُكْمِلُ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ إلَّا فِي الذَّكَاةِ.
قَوْلُهُ: [وَصَمْتٌ] : أَيْ إلَّا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: [ثُمَّ يُسْرَاهُ كَذَلِكَ] : ظَاهِرُهُ لَا يُبْقِي غُبَارَ الْكَفِّ لِلْأُخْرَى، وَهِيَ طَرِيقَةٌ، وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: يُبْقِي غُبَارَ الْكَفِّ الْيُمْنَى لِلْيُسْرَى.
طَرَفِ الْأَصَابِعِ بِبَاطِنِ كَفِّ الْيُمْنَى فَيُمِرَّهَا لِآخِرِ طَرَفِ مِرْفَقِ الْيُسْرَى.
ثُمَّ يَجْعَلَ بَاطِنَهَا مِنْ طَيِّ مِرْفَقِهَا بِبَاطِنِ كَفِّ الْيُمْنَى لِآخِرِ أَصَابِعِ الْيُسْرَى.
ثُمَّ يُخَلِّلَ الْأَصَابِعَ.
فَقَوْلُهُ [ثُمَّ بَاطِنِهَا] عَطْفًا عَلَى ظَاهِرِهَا، أَيْ ثُمَّ جَعَلَ بَاطِنَهَا.
(وَيُبْطِلُهُ مُبْطِلُ الْوُضُوءِ؛ وَوُجُودُ مَاءٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ، لَا فِيهَا، إلَّا نَاسِيه) : أَيْ إنَّ كُلَّ مَا أَبْطَلَ الْوُضُوءَ مِنْ الْأَحْدَاثِ وَالْأَسْبَابِ وَغَيْرِهِمَا أَبْطَلَ التَّيَمُّمَ.
وَيُبْطِلُهُ أَيْضًا وُجُودُ مَاءٍ كَافٍ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِاسْتِعْمَالِهِ مَعَ إدْرَاكِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ وُجُودِ الْمَاءِ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُبْطِلُهَا إلَّا إذَا كَانَ نَاسِيًا لِلْمَاءِ الَّذِي مَعَهُ فَتَيَمَّمَ وَأَحْرَمَ بِصَلَاةٍ ثُمَّ تَذَكَّرَ فِيهَا، فَتَبْطُلُ إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِمَّا يُبْطِلُهُ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [ثُمَّ يُخَلِّلُ الْأَصَابِعَ] : أَيْ بِبَاطِنِ الْأَصَابِعِ الْأُخْرَى، كَمَا تَقَدَّمَ لَهُ.
تَنْبِيهٌ:
لَا يُنْدَبُ هُنَا الْمَوْضِعُ الطَّاهِرُ لِأَمْنِ التَّطَايُرِ.
وَقِيلَ: يُنْدَبُ نَظَرًا لِتَشْرِيفِ الْعِبَادَةِ، وَلَا يُنْدَبُ ذِكْرُهُ بَعْدَهُ لِاتِّصَالِهِ بِمَا فُعِلَ لَهُ، كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ.
[مُبْطِلَات التَّيَمُّم وَمَكْرُوهَاته]
قَوْلُهُ: [وَغَيْرِهِمَا] : أَيْ كَالرِّدَّةِ، وَإِنْ كَانَ التَّيَمُّمُ لِأَكْبَرَ.
فَتَنْظِيرُ الْأُجْهُورِيِّ وَتَلَامِذَتِهِ فِي الرَّدِّ بِالنِّسْبَةِ لِتَيَمُّمِ الْأَكْبَرِ لَا مَحَلَّ لَهُ، لِأَنَّهُ إذَا بَطَل بِالْبَوْلِ مَثَلًا وَعَادَ جُنُبًا عَلَى الْمَشْهُورِ فَأَوْلَى الرِّدَّةُ.
(اهـ. مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) .
قَوْلُهُ: [وُجُودُ مَاءٍ كَافٍ] : أَيْ أَوْ الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوَقْتِ بِحَيْثُ يُدْرِكُ بِاسْتِعْمَالِهِ الْوَقْتَ الْمُخْتَارَ.
قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ انْتَبَهَ فِي الضَّرُورِيِّ وَكَانَ مُتَّسِعًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُبَادَرَةُ إذْ لَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِي الضَّرُورِيِّ، وَفِي (عب) عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ الضَّرُورِيَّ كَالْمُخْتَارِ، وَهُوَ وَجِيهٌ.
وَالْعِبْرَةُ فِي الْوُجُودِ بِظَنِّهِ، فَإِنْ رَأَى مَانِعًا بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَاءِ أَعَادَ التَّيَمُّمَ لَا إنْ رَآهُ مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ، وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ رَكْبٌ احْتَمَلَ مَعَهُمْ مَاءً بَطَلَ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الطَّلَبُ لَمْ يَصِحَّ التَّيَمُّمُ إلَّا بَعْدَهُ.
(اهـ. بِالْمَعْنَى مِنْ شَيْخِنَا فِي مَجْمُوعِهِ) .
قَوْلُهُ: [فَلَا يُبْطِلُهَا] : أَيْ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ وَلَوْ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ.
أَيْضًا طُولُ الْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ كَمَا عُلِمَ مِنْ الْمُوَالَاةِ.
(وَكُرِهَ لِفَاقِدِهِ إبْطَالُ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ إلَّا لِضَرَرٍ) : هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا، هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَعَ الْإِيضَاحِ وَالِاخْتِصَارِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ الْمُصَنِّفُ وَالرِّسَالَةُ، يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا أَوْ مُغْتَسِلًا وَهُوَ عَادِمٌ الْمَاءَ يُكْرَهُ لَهُ إبْطَالُ وُضُوئِهِ بِحَدَثٍ أَوْ سَبَبٍ أَوْ إبْطَالُ غُسْلِهِ - وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَوَضِّئٍ - بِجِمَاعٍ، لِانْتِقَالِهِ مِنْ التَّيَمُّمِ لِلْأَصْغَرِ إلَى التَّيَمُّمِ لِلْأَكْبَرِ.
وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِلْمُتَوَضِّئِ ضَرَرٌ مِنْ حَقْنٍ أَوْ غَيْرِهِ وَمَا لَمْ يَحْصُلْ لَلْمُغْتَسِلِ ضَرَرٌ بِتَرْكِ الْجِمَاعِ وَإِلَّا لَمْ يُكْرَهْ
(وَلِصَحِيحٍ تَيَمُّمٌ بِحَائِطٍ لَبِنٍ أَوْ حَجَرٍ كَمَرِيضٍ) : الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلصَّحِيحِ الْعَادِمِ لِلْمَاءِ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِحَائِطٍ مَبْنِيٍّ بِالطُّوبِ النِّيء، وَهُوَ الْمُرَادُ بِاللَّبِنِ، وَبِالْحَائِطِ الْمَبْنِيِّ بِالْحَجَرِ.
كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ الَّذِي لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ذَلِكَ.
(وَتَسْقُطُ الصَّلَاةُ بِفَقْدِ الطَّهُورَيْنِ، أَوْ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِمَا) : الْمَذْهَبُ أَنَّ فَاقِدَ -
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ الْمُصَنِّفُ] إلَخْ: أَيْ مِنْ الْحُرْمَةِ لِتَعْبِيرِهِمَا بِالْمَنْعِ.
[تَنْبِيه تَيَمُّم مِنْ نَسِيَ صَلَاة مِنْ الْخَمْس لَمْ يدر عَيْنهَا]
قَوْلُهُ: [الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ] إلَخْ: فِيهِ تَعْرِيضٌ لِلشَّيْخِ خَلِيلٍ حَيْثُ خَصَّهُ بِالْمَرِيضِ.
قَوْلُهُ: [بِالطُّوبِ النِّيء] : أَيْ الَّذِي لَمْ يُحْرَقْ وَلَمْ يُخْلَطْ بِنَجَسٍ أَصْلًا، أَوْ طَاهِرٍ كَثِيرٍ بِأَنْ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَإِلَّا لَمْ يَتَيَمَّمْ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَتَيَمَّمْ عَلَى رَمَادٍ.
تَنْبِيهَانِ:
الْأَوَّلُ: مَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ لَمْ يَدْرِ عَيْنَهَا صَلَّى الْخَمْسَ، كُلُّ وَاحِدَةٍ بِتَيَمُّمٍ.
وَإِنْ نَسِيَ إحْدَى النَّهَارِيَّاتِ صَلَّى ثَلَاثًا، كُلُّ وَاحِدَةٍ بِتَيَمُّمٍ، وَإِنْ نَسَى إحْدَى اللَّيْلَتَيْنِ صَلَّاهُمَا كُلُّ وَاحِدَةٍ بِتَيَمُّمٍ.
الثَّانِي: إذَا مَاتَ صَاحِبُ الْمَاءِ وَمَعَهُ شَخْصٌ جُنُبٌ فَصَاحِبُ الْمَاءِ أَوْلَى يُغَسَّلُ بِهِ، إلَّا لِخَوْفِ عَطَشٍ عَلَى الْحَيِّ، فَيُقَدَّمُ الْحَيُّ وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ بِمَحَلِّ أَخْذِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مِثْلِيًّا لِلْمَشَقَّةِ فِي قَضَاءِ الْمِثْلِ فِي مَحَلِّ الْأَخْذِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَاءُ لَهُمَا مَعًا وَيَكْفِي وَاحِدًا فَقَطْ فَيَتَطَهَّرُ بِهِ الْحَيُّ، وَيَضْمَنُ حِصَّةَ الْمَيِّتِ لِوَرَثَتِهِ.
قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: فَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِمَا فَالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ الْحَيِّ أَيْضًا لِشَرِكَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَمِلْكُ الْغَيْرِ لِمَنْ خَصَّهُ، فَإِنْ أَشْرَكَهُمَا فَكَالْأَوَّلِ.
(اهـ) .
قَوْلُهُ: [وَتَسْقُطُ الصَّلَاةُ] إلَخْ: أَيْ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْقِطَاتِ لِلْأَدَاءِ
الطَّهُورَيْنِ - وَهُمَا الْمَاءُ وَالتُّرَابُ - أَوْ فَاقِدَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِمَا - كَالْمُكْرَهِ وَالْمَصْلُوبِ - تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ أَدَاءً وَقَضَاءً، كَالْحَائِضِ.
وَقِيلَ: يُؤَدِّيهَا بِلَا طَهَارَةٍ وَلَا يَقْضِي كَالْعُرْيَانِ.
وَقِيلَ: يَقْضِي وَلَا يُؤَدِّي.
وَقِيلَ: يُؤَدِّي وَيَقْضِي عَكْسُ الْأَوَّلِ.
[حاشية الصاوي]
وَالْقَضَاءِ كَالْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ، وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَاصِلَ بِقَوْلِهِ:
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا مُتَيَمَّمًا ... فَأَرْبَعَةُ الْأَقْوَالِ يَحْكِينَ مَذْهَبًا
يُصَلِّي وَيَقْضِي عَكْسُ مَا قَالَ مَالِكٌ ... وَأَصْبَغُ يَقْضِي وَالْأَدَاءُ لِأَشْهَبَا
وَقَالَ التَّتَّائِيُّ:
وَلِلْقَابِسِيِّ ذُو الرَّبْطِ يُومِي لِأَرْضِهِ ... بِوَجْهٍ وَأَيْدٍ لِلتَّيَمُّمِ مَطْلَبَا
قَالَ شَيْخُنَا فِي مَجْمُوعِهِ: وَفِي (ر) التَّيَمُّمِ عَلَى الشَّجَرَةِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الزَّرْعِ وَفِي (ح) قَوْلٌ بِالْإِيمَاءِ لِلْمَاءِ أَيْضًا.
(اهـ) .
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ يُؤَدِّيهَا] إلَخْ: أَيْ نَظَرًا إلَى أَنَّ الشَّخْصَ مَطْلُوبٌ بِمَا يُمْكِنُهُ وَالْأَدَاءُ مُمْكِنٌ لَهُ.
وَعَلَى هَذَا فَحَدَثُهُ فِي صَلَاتِهِ لَا يُبْطِلُهَا، وَلَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا الْأَمِيرُ فِي تَقْرِيرِهِ: الظَّاهِرُ مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ إخْرَاجَهُ وَإِلَّا كَانَ مُتَلَاعِبًا.
قَوْلُهُ: [وَفِي يُؤَدِّي وَيَقْضِي] : أَيْ احْتِيَاطًا، وَتَرَكَ الشَّارِحُ قَوْلَ الْقَابِسِيِّ الَّذِي فِي النَّظْمِ وَهُوَ أَنَّ مَحَلَّ سُقُوطِهِمَا أَدَاءٌ وَقَضَاءٌ إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُهُ الْإِيمَاءُ لِلتَّيَمُّمِ، كَالْمَحْبُوسِ بِمَكَانٍ مَبْنِيٍّ: بِالْآجُرِّ وَمَفْرُوشٍ بِهِ.
فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْإِيمَاءُ كَالْمَرْبُوطِ وَمَنْ فَوْقَ شَجَرَةٍ وَتَحْتَهُ سَبْعٌ مَثَلًا فَإِنَّهُ يُومِئُ لِلتَّيَمُّمِ إلَى الْأَرْضِ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَيُؤَدِّيهَا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ (اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ الْأَصْلِ) .