(وَالسَّنَا) بِالْقَصْرِ (وَالسِّوَاكِ وَالْعَصَا وَمَا قُصِدَ السُّكْنَى بِمَوْضِعِهِ) لِلضَّرُورَةِ (أَوْ إصْلَاحِ الْحَوَائِطِ) أَيْ مَا قُطِعَ لِإِصْلَاحِهَا فَإِنَّهُ جَائِزٌ.
(وَلَا جَزَاءَ) فِيمَا حَرُمَ قَطْعُهُ.
(كَصَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ: فَإِنَّهُ يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ وَلَا جَزَاءَ فِيهِ إنْ قَتَلَهُ، وَيَحْرُمُ أَكْلُهُ (وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحِرَارِ) الْأَرْبَعِ؛ جَمْعُ حِرَّةٍ بِكَسْرِ
[حاشية الصاوي]
وَأَذَاخِرُ.
وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " إلَّا الْإِذْخِرَ وَالسَّنَا " إلَخْ أَيْ لِمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ اسْتِثْنَاءُ الْإِذْخِرِ.
وَالْمُلْحَقَاتُ بِهِ سِتَّةٌ: السَّنَا، وَالْهَشُّ أَيْ قَطْعُ وَرَقِ الشَّجَرِ بِالْمِحْجَنِ وَالْعَصَا، وَالسِّوَاكُ، وَقَطْعُ الشَّجَرِ لِلْبِنَاءِ، وَالسُّكْنَى بِمَوْضِعِهِ، وَقَطْعُهُ لِإِصْلَاحِ الْحَوَائِطِ وَالْبَسَاتِينِ.
وَالْمِحْجَنُ الْمَذْكُورُ: هُوَ الْعَصَا الْمُعْوَجَّةُ مِنْ الطَّرْفِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وِزَانُ: مِقْوَدٍ، وَالْجَمْعُ مَحَاجِنُ، بِأَنْ يَضَعَهُ عَلَى الْغُصْنِ وَيُحَرِّكَهُ لِيَقَعَ الْوَرَقُ؛ وَأَمَّا خَبْطُ الْعَصَا عَلَى الشَّجَرِ لِيَقَعَ وَرَقُهُ فَهُوَ حَرَامٌ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
[صَيْد حرم الْمَدِينَة وَشَجَرهَا]
قَوْلُهُ: [وَلَا جَزَاءَ فِيمَا حَرُمَ قَطْعُهُ] : أَيْ لِأَنَّ الْجَزَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي صَيْدِ الْحَرَمِ أَوْ الْمُحْرِمِ.
قَوْلُهُ: [كَصَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ] : التَّشْبِيهُ فِي تَحْرِيمِ قَطْعِ شَجَرِ حَرَمِ مَكَّةَ وَعَدَمِ الْجَزَاءِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا جَزَاءَ فِيهِ إنْ قَتَلَهُ] : وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجَزَاءِ خِفَّةُ الْحُرْمَةِ فِيهِ، بَلْ الْمَدِينَةُ أَشَدُّ لِأَنَّ صَيْدَهَا كَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ الَّذِي لَا كَفَّارَةَ لَهُ كَذَا قِيلَ.
لَكِنْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: اعْلَمْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا صَادَ صَيْدًا فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ فِيهِ الْجَزَاءَ كَحَرَمِ مَكَّةَ سَوَاءٌ، وَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الصَّيْدَ فِيهَا أَخَفُّ مِنْ الصَّيْدِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ، فَلَمْ يَرَ عَلَى مَنْ صَادَ فِي حَرَمِهَا إلَّا الِاسْتِغْفَارَ وَالزَّجْرَ مِنْ الْإِمَامِ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ يُؤْكَلُ الصَّيْدُ الَّذِي يُصَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ مِثْلُ مَا يُصَادُ فِي حَرَمِ مَكَّةَ، وَإِنِّي لَأَكْرَهُهُ، فَرُوجِعَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي.
(انْتَهَى) فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ عَدَمَ الْجَزَاءِ فِي صَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ صَيْدِ حَرَمِ مَكَّةَ، فَقَوْلُ شَارِحِنَا: وَيَحْرُمُ أَكْلُهُ تَبِعَ فِيهِ الْخَرَشِيَّ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ مَالِكٍ كَمَا عَلِمْت.
قَوْلُهُ: [وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحِرَارِ الْأَرْبَعِ] : فِيهِ شَيْءٌ إنَّمَا ذَكَرَ حِرَّتَيْنِ، وَالْجَوَابُ
الْمُهْمَلَةِ: أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٍ نَخِرَةٍ كَأَنَّهَا أُحْرِقَتْ بِالنَّارِ.
(وَ) قَطْعُ (شَجَرِهَا) : فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي شَجَرِ حَرَمِ مَكَّةَ.
وَالْحَرَمُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ (بَرِيدٌ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ) مِنْ جِهَاتِهَا مِنْ طَرَفِ آخِرِ الْبُيُوتِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَسُوَرُهَا الْآنَ هُوَ طَرَفُهَا فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَيَحْرُمُ قَطْعُ مَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ فِي الْبُيُوتِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ وَذَاتُ الْمَدِينَةِ خَارِجَةٌ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَحْرُمُ قَطْعُ الشَّجَرِ الَّذِي بِهَا.
(وَالْجَزَاءُ) أَيْ جَزَاءُ الصَّيْدِ (أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ عَلَى التَّخْيِيرِ كَالْفِدْيَةِ) ، فَإِنَّهَا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ عَلَى التَّخْيِيرِ بِخِلَافِ الْهَدْيِ.
(يَحْكُمُ بِهِ) : عَلَى مَنْ أَتْلَفَ الصَّيْدَ أَوْ تَسَبَّبَ فِي إتْلَافِهِ، (ذَوَا عَدْلٍ) ؛ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ، وَلَا تَكْفِي الْفَتْوَى، وَلَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ فَلَا يَكْفِي وَاحِدٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِمَا غَيْرَهُ، فَلَا يَكْفِي أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ أَحَدَهُمَا، وَلَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ الْعَدَالَةِ فَلَا يَكْفِي حُكْمُ كَافِرٍ وَلَا رَقِيقٍ وَلَا فَاسِقٍ وَلَا مُرْتَكِبِ مَا يُخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ،
[حاشية الصاوي]
أَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِكُلِّ حِرَّةٍ طَرَفَانِ اعْتَبَرَ كُلَّ طَرَفٍ حِرَّةً.
قَوْلُهُ: [عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي شَجَرِ حَرَمِ مَكَّةَ] : أَيْ سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ وَمَا يُسْتَثْنَى هُنَاكَ يُسْتَثْنَى هُنَا.
قَوْلُهُ: [وَالْحَرَمُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ] : أَيْ لِقَطْعِ الشَّجَرِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلصَّيْدِ فَالْمَدِينَةُ دَاخِلَةٌ، فَكَمَا يَحْرُمُ صَيْدُ خَارِجِهَا يَحْرُمُ صَيْدُ دَاخِلِهَا.
قَوْلُهُ: [بَرِيدٌ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ] : أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ بَرِيدٌ فِي بَرِيدٍ، فَلِذَلِكَ اعْتَرَضُوهُ بِأَنَّ الْبَرِيدَ فِي الْبَرِيدِ وَاحِدٌ فَيَكُونُ الْحَرَمُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ رُبْعُ بَرِيدٍ لَا بَرِيدًا، وَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ فِي بِمَعْنَى مَعَ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ [الأعراف: 38] وَالْمَعْنَى بَرِيدٌ مُصَاحِبٌ لِبَرِيدٍ حَتَّى تُسْتَوْفَى جَمِيعُ جِهَاتِهَا.
[أَنْوَاع جَزَاء الصَّيْد]
قَوْلُهُ: [فَلَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ] : ظَاهِرُهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْحُكْمِ فِي كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَة
ِ: الْهَدْيِ
وَالْإِطْعَامِ وَالصَّوْمِ، خِلَافًا لِابْنِ عَرَفَةَ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي الصَّوْمِ.
قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَانْظُرْ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْعَدْلَيْنِ أَنْ لَا يَكُونَا مُتَأَكِّدَيْ الْقَرَابَةِ؟ (اهـ.)
قَوْلُهُ: [فَلَا يَكْفِي حُكْمُ كَافِرٍ] إلَخْ أَيْ وَلَا صَبِيٌّ لِأَنَّ الْعَدَالَةَ تَسْتَلْزِمُ تِلْكَ الشُّرُوطَ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ فِيهِمَا الْعَدَالَةَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِمَا (فَقِيهَيْنِ بِهِ) : أَيْ عَالِمَيْنِ بِالْحُكْمِ فِي الصَّيْدِ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَلِيَ أَمْرًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِمَا وَلِيَ فِيهِ.
فَلَا يَكْفِي جَاهِلٌ بِذَلِكَ.
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: أَفَادَهُ بِقَوْلِ (مِثْلُهُ) : أَيْ مِثْلُ الصَّيْدِ الَّذِي قَتَلَهُ (مِنْ النَّعَمِ) : الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، أَيْ مِثْلُهُ فِي الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ أَوْ الْقَدْرِ وَلَوْ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ.
(يُجْزِئُ أُضْحِيَّةٌ) : أَيْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِمَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ سِنًّا وَسَلَامَةً فَلَا يُجْزِئُ صَغِيرًا وَلَا مَعِيبًا، وَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ صَغِيرًا أَوْ مَعِيبًا.
(وَ) إذَا اخْتَارَ الْمِثْلَ مِنْ النَّعَمِ فَ (مَحِلُّهُ) الَّذِي يُذْبَحُ أَوْ يُنْحَرُ فِيهِ (مِنًى أَوْ مَكَّةَ) ، وَلَا يُجْزِئُ فِي غَيْرِهِمَا (لِأَنَّهُ هَدْيٌ) أَيْ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْهَدْيِ الْآتِي بَيَانُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] .
وَأَشَارَ لِلنَّوْعِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: (أَوْ قِيمَتُهُ) أَيْ الصَّيْدِ (طَعَامًا) بِأَنْ يُقَوَّمَ بِطَعَامٍ مِنْ غَالِبِ طَعَامِ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ.
وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَالْإِخْرَاجُ (يَوْمَ التَّلَفِ بِمَحِلِّهِ) : أَيْ مَحَلِّ التَّلَفِ لَا يَوْمَ
[حاشية الصاوي]
﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] .
قَوْلُهُ: [أَيْ عَالِمَيْنِ بِالْحُكْمِ فِي الصَّيْدِ] : أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ بِجَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ.
قَوْلُهُ: [فِي الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ] أَيْ إنْ كَانَ يُمَاثِلُ الْأَنْعَامَ فِيهِمَا.
وَقَوْلُهُ: [أَوْ الْقَدْرِ] : أَيْ إنْ تَعَذَّرَ مُمَاثَلَةُ الصُّورَةِ.
قَوْلَةُ: [فَلَا يُجْزِئُ صَغِيرًا وَلَا مَعِيبًا] : هَكَذَا نُسْخَةُ الْمُؤَلِّفِ بِالنَّصْبِ، وَهُمَا مَنْصُوبَانِ عَلَى الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ يُجْزِئُ، تَقْدِيرُهُ فَلَا يُجْزِئُ هُوَ أَيْ الْمِثْلُ مِنْ النَّعَمِ حَالَ كَوْنِهِ صَغِيرًا أَوْ مَعِيبًا.
قَوْلُهُ: [مِنًى] : أَيْ بِالشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ الْآتِيَةِ.
وَقَوْلُهُ: [أَوْ مَكَّةَ] : أَيْ إنْ لَمْ تُوجَدْ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ.
قَوْلُهُ: [وَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَالْإِخْرَاجُ يَوْمَ التَّلَفِ] : حَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ الْجَزَاءَ
تَقْوِيمِ الْحُكْمَيْنِ، وَلَا يَوْمَ التَّعَدِّي، وَلَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِمَحِلٍّ آخَرَ غَيْرِ مَحَلِّ التَّلَفِ، وَلَا يُقَوَّمُ بِدَرَاهِمَ.
وَيَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا يُعْطَى (لِكُلِّ مِسْكِينٍ) مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ (مُدٌّ) بِمُدِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا يُجْزِئُ أَكْثَرُ مِنْ مُدٍّ وَلَا أَقَلُّ.
وَمَحِلُّ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ وَالْإِخْرَاجِ بِمَحِلِّ التَّلَفِ (إنْ وَجَدَ) الْمُتْلِفُ (بِهِ) أَيْ فِي مَحَلِّ التَّلَفِ (مِسْكِينًا، وَ) وَجَدَ (لَهُ) أَيْ لِلصَّيْدِ (قِيمَةً) فِيهِ، (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ بِهِ مَسَاكِينُ يُعْطِي إلَيْهِمْ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّيْدِ فِيهِ قِيمَةٌ، (فَأَقْرَبُ مَكَان) لَهُ يُعْتَبَرُ مَا ذُكِرَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فِي نَفْسِهِ.
(وَلَا يُجْزِئُ) تَقْوِيمٌ أَوْ إطْعَامٌ (بِغَيْرِهِ) : أَيْ بِغَيْرِ مَحَلِّ التَّلَفِ إنْ أَمْكَنَ، أَوْ أَقْرَبُ مَكَان إلَيْهِ إنْ لَمْ يُمْكِنْ فِيهِ.
وَأَشَارَ لِلنَّوْعِ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ) الطَّعَامِ (صِيَامًا) لِكُلِّ مُدٍّ صَوْمُ يَوْمٍ (فِي أَيِّ مَكَان) شَاءَ مَكَّةَ أَوْ غَيْرَهَا، (وَ) فِي أَيِّ
[حاشية الصاوي]
هَدْيًا اخْتَصَّ بِالْحَرَمِ، وَإِنْ أَرَادَ الصِّيَامَ صَامَ حَيْثُ شَاءَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ طَعَامًا فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فِي مَحَلِّ التَّلَفِ، وَإِنْ كَانَ التَّقْوِيمُ بِغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَفْعِ ذَلِكَ الطَّعَامِ لِفُقَرَاء ذَلِكَ الْمَحَلِّ.
قَوْلُهُ: [لَا يَوْمَ تَقْوِيمِ الْحَكَمَيْنِ] : أَيْ أَنَّهُ قَدْ لَا يَتَأَخَّرُ، وَتَخْتَلِفُ الْقِيمَةُ، وَقَوْلُهُ وَلَا يَوْمَ التَّعَدِّي أَيْ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَقَدَّمُ عَلَى يَوْمِ التَّلَفِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يُقَوَّمُ بِدَرَاهِمَ وَيَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا] : فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ أَجْزَأَ، وَأَمَّا لَوْ قَوَّمَهُ بِدَرَاهِمَ أَوْ عَرَضٍ وَأَخْرَجَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ، وَيَرْجِعُ بِهِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَبَيَّنَ أَنَّهُ جَزَاءٌ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يُجْزِئُ أَكْثَرُ مِنْ مُدٍّ وَلَا أَقَلُّ] : فَلَوْ أَعْطَى أَكْثَرَ مِنْ مُدٍّ فَلَهُ نَزْعُ الزَّائِدِ إنْ بَيَّنَ، وَوَجَدَهُ بَاقِيًا، وَفِي النَّاقِصِ يُكْمِلُهُ، فَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ عَشَرَةُ أَمْدَادٍ فَرَّقَهَا عَلَى عِشْرِينَ كَمَّلَ لِعَشَرَةٍ وَنَزَعَ مِنْ عَشَرَةٍ بِالْقُرْعَةِ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَبَيَّنَ.
قَوْلُهُ: [يُعْتَبَرُ مَا ذُكِرَ فِيهِ] : أَيْ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي بِقُرْبِهِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يُجْزِئُ تَقْوِيمٌ] إلَخْ: أَيْ اعْتِبَارُ الْقِيمَةِ وَلَا الْإِطْعَامُ بِغَيْرِهِ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ، وَهَذَا لَا يُنَافِي جَوَازَ التَّقْوِيمِ بِغَيْرِهِ مَعَ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فِيهِ.
(زَمَانٍ) شَاءَ.
وَلَا يَتَقَيَّدُ بِكَوْنِهِ فِي الْحَجِّ أَوْ بَعْدَ رُجُوعِهِ.
(وَ) لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَعْضُ مُدِّ (كَمَّلَ لِكَسْرِهِ) وُجُوبًا فِي الصَّوْمِ؛ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ صَوْمُ بَعْضِ يَوْمٍ.
وَنَدْبًا فِي الْإِطْعَامِ؛ (فَفِي) تَلَفِ (النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ) لِلْمُقَارَبَةِ فِي الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ فِي الْجُمْلَةِ.
(وَ) فِي (الْفِيلِ) بَدَنَةٌ خُرَاسَانِيَّةٌ (بِذَاتِ سَنَامَيْنِ، وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ وَبَقَرَةٍ بَقَرَةٌ، وَفِي الضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ شَاةٌ) .
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [كَمَّلَ لِكَسْرِهِ] إلَخْ: فَإِذَا قِيلَ مَا قِيمَةُ هَذَا الظَّبْيِ: فَقِيلَ خَمْسَةُ أَمْدَادٍ وَنِصْفٌ فَإِنْ أَرَادَ الصَّوْمَ أَلْزَمَهُ الْحَكَمَانِ سِتَّةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ أَرَادَ الْإِطْعَامَ أَلْزَمَاهُ خَمْسَةَ أَمْدَادٍ وَنِصْفًا وَنُدِبَ لَهُ إكْمَالُ الْمُدِّ السَّادِسِ.
قَوْلُهُ: [فَفِي تَلَفِ النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ] : أَيْ حَيْثُ أَرَادَ إخْرَاجَ الْمِثْلِ الْمُخَيَّرِ فِيهِ، وَالصِّيَامُ وَفِي الْإِطْعَامِ، فَالْمُجْزِي فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ.
وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: [وَالنَّعَامَةُ] : بِفَتْحِ النُّونِ تَذَّكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، وَالنَّعَامُ اسْمُ جِنْسٍ مِثْلُ حَمَامٍ وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: " فَفِي النَّعَامَةِ " لِلسَّبَبِيَّةِ مُسَبَّبٌ عَلَى قَوْلِهِ: " مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ ". وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الصَّيْدَ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلُ سَوَاءٌ كَانَ مُقَرَّرًا عَنْ الصَّحَابَةِ أَمْ لَا فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْمِثْلِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ.
وَمَا لَا مِثْلَ لَهُ لِصِغَرِهِ فَقِيمَتُهُ طَعَامًا أَوْ عَدْلُهُ صِيَامًا عَلَى التَّخْيِيرِ.
هَذَا حَاصِلُ مَا قَرَّرَ بِهِ الْبَدْرُ الْقَرَافِيُّ، وَالشَّيْخُ سَالِمٌ: وَتَبِعَهُمَا شَارِحُنَا.
وَقَالَ الْأُجْهُورِيُّ: الَّذِي يُفِيدُهُ النَّقْلُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ مِنْ الْأَنْعَامِ مِثْلُهُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَعَدْلُهُ طَعَامًا، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ صَامَ لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
قَالَ (ر) : وَمَا قَالَهُ الْأُجْهُورِيُّ خَطَأٌ فَاحِشٌ خَرَجَ بِهِ عَنْ أَقْوَالِ الْمَالِكِيَّةِ كُلِّهَا، وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ شَيْخُهُ الْبَدْرُ.
قَوْلُهُ: [وَفِي الْفِيلِ بَدَنَةٌ] إلَخْ: ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا نَصَّ فِي الْفِيلِ، وَقَالَ ابْنُ مُيَسَّرٍ: بَدَنَةٌ خُرَاسَانِيَّةٌ ذَاتُ سَنَامَيْنِ، وَقَالَ الْقَرَوِيُّونَ: الْقِيمَةُ طَعَامًا، وَقِيلَ وَزْنُهُ طَعَامًا لِغُلُوِّ عَظْمِهِ.
وَكَيْفِيَّةُ وَزْنِهِ أَنْ يُجْعَلَ فِي سَفِينَةٍ وَيُنْظَرُ إلَى حَيْثُ تَنْزِلُ فِي الْمَاءِ ثُمَّ يَخْرُج مِنْهَا وَيُمْلَأُ بِالطَّعَامِ حَتَّى تَنْزِلَ فِي الْمَاءِ ذَلِكَ الْقَدْرَ.
قَوْلُهُ: [وَفِي الضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ شَاةٌ] : يَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا إذَا قَتَلَهُمَا مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ مِنْهُمَا، أَمَّا إذَا لَمْ يَنْجُ مِنْهُمَا إلَّا بِقَتْلِهِمَا فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ
(كَحَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَيَمَامِهِ) أَيْ الْحَرَمِ فِيهِ شَاةٌ (بِلَا حُكْمٍ) ، بَلْ الْمَدَارُ عَلَى أَنَّهَا تُجْزِئُ ضَحِيَّةٌ لِخُرُوجِهَا عَنْ الِاجْتِهَادِ؛ لِمَا بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْجَزَاءِ مِنْ الْبُعْدِ فِي التَّفَاوُتِ، وَشَدَّدُوا فِيهِمَا لِإِلْفِهِمَا لِلنَّاسِ كَثِيرًا، فَرُبَّمَا تَسَارَعَ النَّاسُ لِقَتْلِهِمَا.
(وَ) الْحَمَامِ وَالْيَمَامِ (فِي الْحِلِّ وَجَمِيعِ الطَّيْرِ) غَيْرِهِمَا كَالْعَصَافِيرِ وَالْكُرْكِيِّ وَالْإِوَزِّ الْعِرَاقِيِّ وَالْهُدْهُدِ وَلَوْ بِالْحَرَمِ (قِيمَتُهُ طَعَامًا) كُلُّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ (كَضَبٍّ وَأَرْنَبٍ وَيَرْبُوعٍ) فِيهَا قِيمَتُهَا طَعَامًا إذْ لَيْسَ لَهَا مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ، (أَوْ عَدْلُهَا) : أَيْ عَدْلُ قِيمَتِهَا مِنْ الطَّعَامِ (صِيَامًا) لِكُلِّ مُدٍّ صَوْمُ يَوْمٍ، وَكَمَّلَ الْمُنْكَسِرَ.
وَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ طَعَامًا وَالصَّوْمِ، إلَّا حَمَامَ وَيَمَامَ الْحَرَمِ يَتَعَيَّنُ فِيهِمَا الشَّاةُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَصِيَامُ عَشْرَةِ أَيَّامٍ.
(وَالصَّغِيرُ وَالْمَرِيضُ وَالْأُنْثَى) مِنْ الصَّيْدِ (كَغَيْرِهَا) مِنْ الْكَبِيرِ
[حاشية الصاوي]
أَصْلًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي التَّلْقِينِ.
وَنُقِلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْبَاجِيِّ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيمَنْ عَدَتْ عَلَيْهِ سِبَاعُ الطَّيْرِ أَوْ غَيْرُهَا فَقَتَلَهَا انْتَهَى (بْن) .
قَوْلُهُ: [كَحَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ] إلَخْ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الشَّاةَ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ أَيْضًا كَمَا يَأْتِي.
وَاعْلَمْ أَنَّ حَمَامَ الْحَرَمِ الْقَاطِنَ بِهِ، إذَا خَرَجَ لِلْحِلِّ وَصَادَهُ حَلَالٌ مِنْ الْحِلِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ اصْطِيَادُهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَفْرَاخٌ فِي الْحَرَمِ ابْنُ نَاجِي: إنْ كَانَ لَهُ أَفْرَاخٌ فَالصَّوَاب تَحْرِيمُ صَيْدِهِ لِتَعْذِيبِهِ فِرَاخَهُ حَتَّى يَمُوتُوا قَالَهُ (ح) .
قَوْلُهُ: [قِيمَتُهُ طَعَامًا كُلُّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ الصَّيْدَ إمَّا طَيْرٌ أَوْ غَيْرُهُ، وَالطَّيْرُ إمَّا حَمَامُ الْحَرَمِ وَيَمَامُهُ وَإِمَّا غَيْرُهُمَا.
فَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ حَمَامَ الْحَرَمِ وَيَمَامَهُ تَعَيَّنَ فِيهِ شَاةٌ تُجْزِئُ، ضَحِيَّةٌ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَإِنْ كَانَ الطَّيْرُ غَيْرَ مَا ذُكِرَ، خُيِّرَ بَيْنَ الْقِيمَةِ طَعَامًا وَعَدْلِهِ صِيَامًا، وَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ غَيْرَ طَيْرٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ يَجْزِي ضَحِيَّةً أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ خُيِّرَ بَيْنَ الْمِثْلِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مُقَرَّرٌ أَمْ لَا، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ يَجْزِي ضَحِيَّةً خُيِّرَ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصَّوْمِ فَقَطْ.
هَذَا حَاصِلُ الْمُعَوَّلِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
وَالصَّحِيحِ وَالذَّكَرِ فِي الْجَزَاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
فَإِذَا اخْتَارَ الْمِثْلَ فَلَا بُدَّ مِنْ مِثْلٍ يُجْزِئُ ضَحِيَّةً، وَلَا يَكْفِي فِي الْمَعِيبِ مَعِيبٌ.
وَالصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ قَدْ تَخْتَلِفُ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ وَلِذَا اُحْتِيجَ لِحُكْمِ الْعُدُولِ الْعَارِفِينَ، وَإِنْ وَرَدَ شَيْءٌ مِنْ الشَّارِعِ فِي ذَلِكَ الصَّيْدِ.
(وَلَهُ) : أَيْ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ (الِانْتِقَالُ) إلَى غَيْرِهِ (بَعْدَ الْحُكْمِ، وَلَوْ الْتَزَمَهُ) : فَلَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْمِثْلِ إلَى اخْتِيَارِ الْإِطْعَامِ أَوْ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فَلَا بُدَّ مِنْ مِثْلٍ يُجْزِئُ ضَحِيَّةً] : فَالنَّعَامَةُ الصَّغِيرَةُ أَوْ الْمَعِيبَةُ أَوْ الْمَرِيضَةُ إذَا قَتَلَهَا الْمُحْرِمُ وَاخْتَارَ مِثْلَهَا مِنْ الْأَنْعَامِ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِبَدَنَةٍ كَبِيرَةٍ سَلِيمَةٍ صَحِيحَةٍ، وَكَذَا يُقَالُ فِي غَيْرِهَا.
فَإِنْ اخْتَارَ قِيمَتَهَا طَعَامًا فَإِنَّهَا تُقَوَّمُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ أَيْضًا، وَيُقْطَعُ النَّظَرُ عَمَّا فِيهَا مِنْ وَصْفِ الصِّغَرِ وَالْعَيْبِ وَالْمَرَضِ، بِخِلَافِ لَوْ قُوِّمَتْ لِرَبِّهَا فَتُقَوَّمُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [وَلِذَا اُحْتِيجَ لِحُكْمِ الْعُدُولِ الْعَارِفِينَ] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ الصَّيْدَ إنْ كَانَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ وَلَا عَنْ السَّلَفِ كَالدُّبِّ وَالْقِرْدِ وَالْخِنْزِيرِ، فَإِنَّ الْحَكَمَيْنِ يَجْتَهِدَانِ فِي الْوَاجِبِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مُقَرَّرٌ عَنْ الشَّارِعِ كَالنَّعَامَةِ وَالْفِيلِ.
فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي الْأُولَى بَدَنَةٌ ذَاتُ سَنَامٍ، وَفِي الثَّانِي بَدَنَةٌ ذَاتُ سَنَامَيْنِ، فَالِاجْتِهَادُ فِي أَحْوَالِ ذَلِكَ الْمُقَرَّرِ مِنْ سِمَنٍ وَسِنٍّ وَهُزَالٍ بِأَنْ يَرَيَا أَنَّ هَذِهِ النَّعَامَةَ الْمَقْتُولَةَ بَدَنَةٌ سَمِينَةٌ أَوْ هَزِيلَةٌ مَثَلًا لِكَوْنِ النَّعَامَةِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [الِانْتِقَالُ إلَى غَيْرِهِ] : أَيْ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ غَيْرَ مَا حَكَمَا عَلَيْهِ وَلَا بُدَّ أَنَّهُمَا لَا يَحْكُمَانِ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُخَيِّرَاهُ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنْ اخْتَارَ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَحَكَمَا عَلَيْهِ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ غَيْرَهُ وَيَحْكُمَانِ بِهِ عَلَيْهِ، كَمَا إذَا انْتَقَلَ مِنْ الْمِثْلِ لِلْإِطْعَامِ أَوْ الصَّوْمِ.
وَأَمَّا لَوْ انْتَقَلَ مِنْ الْإِطْعَامِ لِلصَّوْمِ فَلَا يَحْتَاجُ لِحُكْمٍ، لِأَنَّ صَوْمَهُ عِوَضٌ عَنْ الْإِطْعَامِ لَا عِوَضٌ عَنْ الصَّيْدِ أَوْ مِثْلُهُ.
قَوْلُهُ: [وَلَوْ الْتَزَمَهُ] : أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَمَحَلُّهُمَا إذَا عَلِمَ مَا حَكَمَا بِهِ
الصِّيَامِ وَعَكْسُهُ، وَقِيلَ: إنْ الْتَزَمَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ.
(وَنُقِضَ) الْحُكْمُ وُجُوبًا (إنْ ظَهَرَ الْخَطَأُ) فِيهِ ظُهُورًا بَيِّنًا.
(وَنُدِبَ كَوْنُهُمَا) : أَيْ الْعَدْلَيْنِ (بِمَجْلِسٍ) وَاحِدٍ لِمَزِيدِ التَّثَبُّتِ وَالضَّبْطِ،
(وَفِي الْجَنِينِ) : كَمَا إذَا فَعَلَ شَيْئًا بِصَيْدٍ حَامِلٍ فَأَلْقَى جَنِينًا، (وَ) فِي (الْبَيْضِ) إذَا كَسَرَهُ أَوْ شَوَاهُ الْمُحْرِمُ أَيْ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ (عُشْرُ دِيَةِ الْأُمِّ) ، فَإِذَا كَانَ جَزَاءُ الْأُمِّ عَشَرَةَ أَمْدَادٍ فَفِي جَنِينِهَا أَوْ بَيْضَتِهَا مُدٌّ، (وَلَوْ
[حاشية الصاوي]
فَالْتَزَمَهُ، لَا إنْ الْتَزَمَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ قَوْلًا وَاحِدًا وَالِالْتِزَامُ يَكُونُ بِاللَّفْظِ بِأَنْ يَقُولَ الْتَزَمْت ذَلِكَ لَا بِالْجَزْمِ الْقَلْبِيِّ وَحْدَهُ.
قَوْلُهُ: [ظُهُورًا بَيِّنًا] : أَيْ وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْخَطَأُ غَيْرَ بَيِّنٍ فَإِنَّهُ لَا يُنْقَضُ؛ كَمَا لَوْ حَكَمَا فِي الضَّبُعِ بِعَنْزٍ ابْنِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَا يُنْقَضُ حُكْمُهُمَا، لِأَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ يَرَى ذَلِكَ، وَحُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُنْقَضُ إذَا وَقَعَ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ.
لَكِنْ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مَتَى تَبَيَّنَ الْخَطَأُ فِي الْحُكْمِ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ، سَوَاءٌ كَانَ وَاضِحًا أَوْ غَيْرَ وَاضِحٍ خِلَافًا لِلشَّارِحِ إذْ لَا بُدَّ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ مِنْ كَوْنِهِ يُجْزِئُ ضَحِيَّةً كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ (ر) كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
تَنْبِيهٌ: إنْ اخْتَلَفَ الْحَكَمَانِ فِي قَدْرِ مَا حَكَمَا بِهِ عَلَيْهِ أَوْ نَوْعِهِ اُبْتُدِئَ الْحَكَمُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا مَعَ غَيْرِ صَاحِبِهِ.
قَوْلُهُ: [لِمَزِيدِ التَّثَبُّتِ وَالضَّبْطِ] : أَيْ لِأَنَّ كُلًّا يَطَّلِعُ عَلَى حُكْمِ صَاحِبِهِ وَرَأْيِهِ.
قَوْلُهُ: [إذَا كَسَرَهُ أَوْ شَوَاهُ الْمُحْرِمُ] : وَمِثْلُهُ مَنْ فِي الْحَرَمِ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْبَيْضِ الْمَذَرِ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ فَرْخٌ، وَلَا يَضُرُّ نُقْطَةُ دَمٍ، وَالظَّاهِرُ الرُّجُوعُ فِيمَا إذَا اخْتَلَطَ بَيَاضُهُ وَصُفَارُهُ لِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، فَإِنْ قَالُوا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ فَرْخٌ كَانَ فِيهِ عُشْرُ الدِّيَةِ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: [فَفِي جَنِينِهَا أَوْ بَيْضَتِهَا مُدٌّ] : أَيْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِدِيَتِهَا قِيمَتُهَا طَعَامًا أَوْ عَدْلُهُ صِيَامًا فِيمَا فِي جَزَائِهِ طَعَامٌ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِي الْجَنِينِ وَالْبَيْضِ بَيْنَ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ مِنْ الطَّعَامِ، وَبَيْنَ عَدْلِ ذَلِكَ مِنْ الصِّيَامِ، إلَّا بَيْضَ حَمَامِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ وَجَنِينُهُمَا فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ الشَّاةِ طَعَامًا، فَإِنْ تَعَذَّرَ صَامَ يَوْمًا كَذَا فِي (ح) نَقَلَهُ (بْن) . وَمَحَلُّ لُزُومِهِ لِلْجَنِينِ إذَا لَمْ يَسْتَهِلَّ مَا لَمْ تَمُتْ أُمُّهُ مَعَهُ وَإِلَّا فَيَنْدَرِجُ فِي دِيَةِ أُمِّهِ.
تَحَرَّكَ) الْجَنِينُ بَعْدَ سُقُوطِهِ وَلَمْ يَسْتَهِلَّ.
(وَ) فِيهِ (دِيَتُهَا) أَيْ دِيَةُ أُمِّهِ كَامِلًا (إذَا اسْتَهَلَّ) صَارِخًا، فَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ أَيْضًا فَدِيَتَانِ.
وَلَمَّا كَانَتْ دِمَاءُ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ ثَلَاثَةً: الْفِدْيَةَ، وَجَزَاءَ الصَّيْدِ، وَالْهَدْيَ وَقَدَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ أَشَارَ لِلثَّالِثِ بِقَوْلِهِ:
(وَغَيْرُ الْفِدْيَةِ وَ) غَيْرُ (جَزَاءِ الصَّيْدِ: هَدْيٌ) مُرَتَّبٌ (وَهُوَ) : أَيْ الْهَدْيُ (مَا وَجَبَ لِتَمَتُّعٍ) قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] . (أَوْ لِقِرَانٍ) بِالْقِيَاسِ عَلَى التَّمَتُّعِ (أَوْ) وَجَبَ (لِتَرْكِ وَاجِبٍ) فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ، كَتَرْكِ التَّلْبِيَةِ، أَوْ طَوَافِ الْقُدُومِ، أَوْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ نَهَارًا، أَوْ النُّزُولِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، أَوْ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ غَيْرِهَا.
أَوْ الْمَبِيتِ بِمِنًى أَيَّامَ النَّحْرِ، أَوْ الْحَلْقِ (أَوْ) مَا وَجَبَ (لِجِمَاعٍ) مُفْسِدٍ أَوْ غَيْرِ مُفْسِدٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، (أَوْ) وَجَبَ (لِنَحْوِهِ) كَمَذْيٍ وَقُبْلَةٍ بِفَمٍ، أَوْ وَجَبَ لِنَذْرٍ عَيَّنَهُ لِلْمَسَاكِينِ، أَوْ أَطْلَقَ أَوْ مَا كَانَ تَطَوُّعًا.
وَ (نُدِبَ) فِيهِ مَا كَانَ كَثِيرَ اللَّحْمِ (إبِلٌ فَبَقَرٌ فَضَأْنٌ) فَمَعْزٌ، وَيُقَدَّمُ الذَّكَرُ مِنْ كُلٍّ عَلَى الْأُنْثَى وَالْأَسْمَنُ عَلَى غَيْرِهِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [إذَا اسْتَهَلَّ] : الِاسْتِهْلَالُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ تَحَقُّقِ الْحَيَاةِ.
[الْهَدْي]
قَوْلُهُ: [هَدْيٌ مُرَتَّبٌ] : خَبَرٌ عَنْ قَوْلِهِ (وَغَيْرُ الْفِدْيَةِ) . وَمُرَتَّبٌ صِفَتُهُ.
قَوْلُهُ: [بِالْقِيَاسِ عَلَى التَّمَتُّعِ] : أَيْ وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ مِنْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ جِمَاعٍ أَوْ نَحْوِهِ، لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ إلَّا فِي التَّمَتُّعِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ أَطْلَقَ مَا كَانَ تَطَوُّعًا] : أَيْ فَكُلُّهُ مُرَتَّبٌ لَا يَنْتَقِلُ لِلصَّوْمِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْأَنْعَامِ.
قَوْلُهُ: [إبِلٌ فَبَقَرٌ] : أَيْ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أَكْثَرُ هَدَايَاهُ الْإِبِلَ، نَحَرَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِائَةً بَاشَرَ مِنْهَا ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، وَنَحَرَ عَلِيٌّ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مُبَاشَرَةَ النَّحْرِ بِيَدِهِ أَفْضَلُ، إلَّا لِلضَّرُورَةِ، فَيَسْتَنِيبُ
(وَ) نُدِبَ (وُقُوفُهُ بِهِ الْمَشَاعِرَ) : أَيْ عَرَفَةَ وَالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَمِنًى.
(وَوَجَبَ) الْهَدْيُ: أَيْ نَحْرُهُ (بِمِنًى) بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ أَشَارَ لَهَا بِقَوْلِهِ: (إنْ سِيقَ) الْهَدْيُ (بِحَجٍّ) : أَيْ فِي إحْرَامِهِ بِهِ وَإِنْ كَانَ مُوجِبُهُ نَقْصًا بِعُمْرَةٍ أَوْ حَجٍّ غَيْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، أَوْ كَانَ تَطَوُّعًا.
(وَوَقَفَ بِهِ) هُوَ (أَوْ نَائِبُهُ بِعَرَفَةَ كَهُوَ) : أَيْ كَوُقُوفِهِ هُوَ بِهِ فِي كَوْنِهِ جُزْءًا مِنْ اللَّيْلِ، وَلَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ لَكَانَ أَحْسَنَ بِأَنْ يَقُولَ: وَوَقَفَ بِهِ أَوْ نَائِبُهُ بِعَرَفَةَ جُزْءًا إلَخْ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: " أَوْ نَائِبُهُ " مِنْ وُقُوفِ التُّجَّارِ بِهِ جُزْءًا مِنْ اللَّيْلِ لِلْبَيْعِ، فَلَا يَكْفِي إذَا اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ صَبِيحَةِ عَرَفَةَ، نَعَمْ إذَا اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ بِهَا وَأَمَرَهُمْ بِالْوُقُوفِ بِهِ لَيْلًا بِهَا كَفَى، لِأَنَّهُمْ نَائِبُونَ حِينَئِذٍ عَنْهُ.
(بِأَيَّامِ النَّحْرِ) وَهَذَا إشَارَةٌ لِلشَّرْطِ الثَّالِثِ، أَيْ وَكَانَ النَّحْرُ فِي أَيَّامِهِ.
(وَإِلَّا) بِأَنْ انْتَفَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ أَوْ بَعْضُهَا بِأَنْ لَمْ يَقِفْ بِهِ بِعَرَفَةَ أَوْ لَمْ يُسَقْ فِي حَجٍّ، بِأَنْ سِيقَ فِي عُمْرَةٍ أَوْ خَرَجَتْ أَيَّامُ النَّحْرِ (فَمَكَّةُ) هِيَ مَحِلُّهُ لَا يُجْزِئُ فِي غَيْرِهَا، فَعُلِمَ أَنَّ مَحِلَّهُ إمَّا مِنًى بِالشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ وَإِمَّا مَكَّةُ لَا غَيْرُ عِنْدَ فَقْدِهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ نَدْبُ النَّحْرِ بِمِنًى عِنْدَ وُجُودِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ الْوُجُوبُ كَمَا ذَكَرْنَا.
[حاشية الصاوي]
الْمُسْلِمُ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْقُرَبِ عَكْسُ الضَّحَايَا، فَإِنَّ الْأَفْضَلَ فِيهَا الضَّأْنُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ وُقُوفُهُ بِهِ الْمَشَاعِرَ] : هَذَا فِيمَا يُنْحَرُ أَوْ يُذْبَحُ بِمِنًى، وَأَمَّا مَا يُنْحَرُ أَوْ يُذْبَحُ بِمَكَّةَ فَالشَّرْطُ فِيهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَيَكْفِي وُقُوفُهُ بِهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ الْحِلِّ، وَفِي أَيِّ وَقْتٍ كَمَا يَأْتِي.
[شُرُوط نحر الْهَدْي بِمَنَى]
قَوْلُهُ: [كَهُوَ] : الْأَوْلَى إسْقَاطُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: [فَمَكَّةُ] : أَيْ لَا مَا يَلِيهَا مِنْ مَنَازِلِ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: [وَالْمُعْتَمَدُ الْوُجُوبُ] : وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ لَكِنْ غَيْرُ شَرْطٍ، لِأَنَّهُ إنْ نَحَرَهُ بِمَكَّةَ مَعَ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ صَحَّ مَعَ مُخَالَفَةِ الْوَاجِبِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَالْأَفْضَلُ فِيمَا ذُبِحَ بِمِنًى أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى.
وَلَوْ ذُبِحَ فِي أَيِّ مَوْقِعٍ مِنْهَا كَفَى وَخَالَفَ الْأَفْضَلَ.
ثُمَّ ذَكَرَ شُرُوطَ صِحَّةِ الْهَدْيِ بِقَوْلِهِ:
(صِحَّتُهُ) : أَيْ وَشَرْطُ صِحَّتِهِ: (بِالْجَمْعِ) فِيهِ (بَيْنَ حِلٍّ وَحَرَمٍ) فَلَا يُجْزِئُ مَا اشْتَرَاهُ بِمِنًى أَيَّامَ النَّحْرِ وَذَبَحَهُ بِهَا، كَمَا يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنْ الْعَوَامّ، بِخِلَافِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ عَرَفَةَ لِأَنَّهَا مِنْ الْحِلِّ، فَإِنْ اشْتَرَاهُ فِي الْحَرَمِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ لِلْحِلِّ عَرَفَةَ أَوْ غَيْرَهَا سَوَاءٌ خَرَجَ بِهِ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ مُحْرِمًا أَمْ لَا، كَانَ الْهَدْيُ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا.
(وَنَحَرَهُ نَهَارًا) بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، (وَلَوْ قَبْلَ) نَحْرِ (الْإِمَامِ وَ) قَبْلَ طُلُوعِ (الشَّمْسِ) فَلَا يُجْزِئُ مَا نَحَرَ لَيْلًا.
(وَ) الْمَسُوقُ (فِي الْعُمْرَةِ) كَانَ لِنَقْصٍ فِيهَا أَوْ فِي حَجٍّ أَوْ تَطَوُّعًا (بَعْدَ) تَمَامِ (سَعْيِهَا) فَلَا يُجْزِئُ قَبْلَهُ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحِلَّهُ مَكَّةَ لِعَدَمِ الْوُقُوفِ بِهِ بِعَرَفَةَ، (ثُمَّ حَلَقَ) أَوْ قَصَّرَ وَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ، فَإِنْ قَدَّمَ الْحَلْقَ عَلَى النَّحْرِ فَلَا ضَرَرَ.
(وَنُدِبَ) النَّحْرُ (بِالْمَرْوَةِ) . وَمَكَّةُ كُلُّهَا مَحَلٌّ لِلنَّحْرِ.
(وَسِنُّهُ وَعَيْبُهُ كَالْأُضْحِيَّةِ) الْآتِي بَيَانُهَا فَلَا يُجْزِئُ مِنْ الْغَنَمِ مَا لَا يُوَفِّي سَنَةً، وَلَا مَعِيبٌ كَأَعْوَرَ.
(وَالْمُعْتَبَرُ) فِي السِّنِّ وَالْعَيْبِ (وَقْتُ تَعْيِينِهِ) لِلْهَدْيِ بِالتَّقْلِيدِ فِيمَا يُقَلَّدُ، أَوْ التَّمْيِيزِ عَنْ غَيْرِهِ بِكَوْنِهِ هَدْيًا فِي غَيْرِهِ كَالْغَنَمِ، فَلَا يُجْزِئُ مُقَلَّدٌ مَعِيبٌ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ السِّنَّ،
[حاشية الصاوي]
[شُرُوط صِحَّة الْهَدْي وَسُنَنه]
قَوْلُهُ: [فَلَا يُجْزِئُ مَا اشْتَرَاهُ بِمِنًى] : أَيْ بِخِلَافِ الْفِدْيَةِ فَتُجْزِئُ مَا لَمْ تُجْعَلْ هَدْيًا فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ شَرْطِهِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: [عَرَفَةَ أَوْ غَيْرِهَا] : لَكِنْ إنْ كَانَ غَيْرَ عَرَفَةَ فَلَا يَذْبَحُ إلَّا بِمَكَّةَ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يُجْزِئُ مَا نَحَرَ لَيْلًا] : أَيْ بِخِلَافِ الْفِدْيَةِ إنْ لَمْ تُجْعَلْ هَدْيًا.
قَوْلُهُ: [فَلَا يُجْزِئُ قَبْلَهُ] : أَيْ لِأَنَّهُمْ نَزَّلُوا سَعْيَهَا مَنْزِلَةَ الْوُقُوفِ فِي هَدْيِ الْحَجِّ فِي أَنْ لَا يَنْحَرَ إلَّا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: [فَلَا ضَرَرَ] : أَيْ لِأَنَّ تَقْدِيمَ النَّحْرِ عَلَى الْحَلْقِ مَنْدُوبٌ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ النَّحْرُ بِالْمَرْوَةِ] إلَخْ: أَيْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِيهَا: «هَذَا الْمَنْحَرُ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ» أَيْ طُرُقِهَا " مَنْحَرٌ "، فَإِنْ نَحَرَ خَارِجًا عَنْ بُيُوتِهَا إلَّا أَنَّهُ مِنْ لَوَاحِقِهَا فَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا يُجْزِئُ مُقَلَّدٌ مَعِيبٌ] : مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَ " الْمُعْتَبَرُ " إلَخْ.
وَلَوْ صَحَّ أَوْ بَلَغَ السِّنَّ قَبْلَ نَحْرِهِ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ بِأَنَّ قَلَّدَهُ أَوْ عَيَّنَهُ سَلِيمًا ثُمَّ تَعَيَّبَ قَبْلَ ذَبْحِهِ فَيُجْزِئُ، لَا فَرْقَ بَيْنَ تَطَوُّعٍ وَوَاجِبٍ.
(وَسُنَّ تَقْلِيدُ إبِلٍ وَبَقَرٍ) : أَيْ جَعْلُ قِلَادَةٍ أَيْ حَبْلٌ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ بِعُنُقِهَا لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهَا هَدْيٌ.
(وَ) سُنَّ (إشْعَارُ) : أَيْ شَقُّ (إبِلٍ بِسَنَامِهَا) أَيْ فِيهِ بِسِكِّينٍ (مِنْ) الشِّقِّ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَلَوْ صَحَّ أَوْ بَلَغَ السِّنَّ قَبْلَ نَحْرِهِ] : أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ هَدْيَ تَطَوُّعٍ أَوْ مَنْذُورًا مُعَيَّنًا فَيُجْزِئُ إنْ صَحَّ أَوْ بَلَغَ السِّنَّ قَبْلَ ذَبْحِهِ، قَالَ فِي الْأَصْلِ: ثُمَّ يَجِبُ إنْفَاذُ مَا قَلَّدَ مَعِيبًا لِوُجُوبِهِ بِالتَّقْلِيدِ وَإِنْ لَمْ يُجْزِئْهُ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الْعَكْسِ] : أَيْ فَمَحَلُّ إجْزَائِهِ إذَا كَانَ تَعَيُّبُهُ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّيهِ وَلَا تَفْرِيطِهِ، فَإِنْ كَانَ بِتَعَدِّيهِ أَوْ تَفْرِيطِهِ ضَمِنَ كَمَا فِي (ح) عَنْ الطِّرَازِ.
وَمَحَلُّهُ أَيْضًا إذَا لَمْ يَمْنَعْ التَّعْيِيبَ بُلُوغُ الْمَحَلِّ، فَلَوْ مَنَعَهُ كَعَطَبٍ أَوْ سَرِقَةٍ لَمْ يُجْزِئْهُ الْهَدْيُ الْوَاجِبُ، وَالنَّذْرُ الْمَضْمُونُ كَمَا يَأْتِي كَذَا فِي بْن نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ تَنْبِيهٌ:
أَرْشُ الْهَدْيِ الْمَرْجُوعُ بِهِ عَلَى بَائِعِهِ بِعَيْبٍ قَدِيمٍ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ أَمْ لَا؟ الْمُطَّلَعُ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ الْمُفِيتِينَ لِرَدِّهِ وَثَمَنِهِ الْمَرْجُوعِ بِهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ يُجْعَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي هَدْيٍ إنْ بَلَغَ ذَلِكَ ثَمَنَ هَدْيٍ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ وُجُوبًا إنْ كَانَ هَدْيَ تَطَوُّعٍ أَوْ مَنْذُورًا بِعَيْنِهِ؛ إذْ لَا يَلْزَمُهُ بَدَلُهُمَا لِعَدَمِ شَغْلِ ذِمَّتِهِ بِهِ، وَأَمَّا الْهَدْيُ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ أَوْ الْمَنْذُورُ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَلَا يَتَصَدَّقُ بِالْأَرْشِ وَالثَّمَنِ إنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ هَدْيٍ، بَلْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي هَدْيٍ آخَرَ إنْ كَانَ الْعَيْبُ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ لِوُجُوبِ الْبَدَلِ عَلَيْهِ لِاشْتِغَالِ ذِمَّتِهِ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ الْإِجْزَاءِ تَصَدَّقَ بِهِ إنْ لَمْ يَبْلُغْ هَدْيًا كَالتَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ كَذَا فِي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [أَيْ شَقُّ إبِلٍ بِسَنَامِهَا] : هَذَا ظَاهِرٌ إنْ كَانَ لَهَا سَنَامٌ، فَإِنْ كَانَتْ لَا سَنَامَ لَهَا فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تُشَعَّرُ وَهُوَ رِوَايَةُ مُحَمَّدٍ، وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ: أَنَّ الْإِبِلَ يُسَنُّ إشْعَارُهَا مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا سَنَامٌ، فَإِنْ كَانَ لَهَا سَنَامَانِ سُنَّ إشْعَارُهَا فِي وَاحِدٍ فَقَطْ.
وَأَمَّا الْبَقَرُ فَتَقْلِيدٌ وَلَا تُشَعَّرُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهَا أَسْنِمَةٌ فَتُشَعَّرُ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةِ، وَعَزَا ابْنُ عَرَفَةَ لَهَا أَنَّ الْبَقَرَ لَا تُشَعَّرُ مُطْلَقًا، وَتَعَقَّبَهُ الرَّمَاصِيُّ.
وَعَلَى الْقَوْلِ بِإِشْعَارِهَا حَيْثُ كَانَ لَهَا سَنَامٌ؛ هَلْ تُجَلَّلُ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ.
(الْأَيْسَرِ) نَدْبًا، وَقِيلَ مِنْ الْأَيْمَنِ، وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ مِنْ جِهَةِ الرَّقَبَةِ لِلْمُؤَخَّرِ قَدْرَ أُنْمُلَتَيْنِ حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ، لِيُعْلَمَ أَنَّهَا هَدْيٌ.
وَ (نُدِبَ تَسْمِيَةٌ) عِنْدَ إشْعَارِهَا بِأَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ.
(وَ) نُدِبَ (نَعْلَانِ) : أَيْ تَعْلِيقُهُمَا (بِنَبَاتِ الْأَرْضِ) أَيْ بِحَبْلٍ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ كَحَلْفَاءَ، إلَّا مِنْ صُوفٍ أَوْ وَبَرٍ خَشْيَةَ تَعَلُّقِهِ بِشَيْءٍ مِنْ شَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيُؤْذِيَهُ.
(وَ) نُدِبَ (تَجْلِيلُهَا) : أَيْ الْإِبِلِ أَيْ وَضْعُ جِلَالٍ عَلَيْهَا بِكَسْرِ الْجِيمِ جَمْعُ جُلٍّ بِضَمِّهَا.
(وَ) نُدِبَ (شَقُّهَا) : أَيْ الْجِلَالِ يَدْخُلُ السَّنَامُ فِيهَا فَيَظْهَرُ الْإِشْعَارُ، وَتُمْسِكُ بِالسَّنَامِ فَلَا تَسْقُطُ بِالْأَرْضِ.
(فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَنْ لَزِمَهُ الْهَدْيُ لِتَمَتُّعٍ أَوْ غَيْرِهِ هَدْيًا (فَصِيَامُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) فِي الْحَجِّ، وَذَلِكَ (مِنْ حِينِ إحْرَامِهِ) بِهِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ.
(وَ) لَوْ فَاتَهُ صَوْمُهَا
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ مِنْ الْأَيْمَنِ] : فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَفِي أَوْلَوِيَّتِهِ أَيْ الْإِشْعَارِ فِي الشِّقِّ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ، ثَالِثُهَا أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْأَيْسَرِ، رَابِعُهَا هُمَا سَوَاءٌ انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ:
يُنْدَبُ تَقْدِيمُ التَّقْلِيدِ عَلَى الْإِشْعَارِ خَوْفًا مِنْ نِفَارِهَا لَوْ أُشْعِرَتْ أَوْ لَا، وَفِعْلُهُمَا بِمَكَانٍ وَاحِدٍ أَوْلَى.
وَفَائِدَةُ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ إعْلَامُ الْمَسَاكِينِ أَنَّ هَذَا هَدْيٌ فَيَجْتَمِعُونَ لَهُ، وَقِيلَ لِئَلَّا يَضِيعَ فَيُعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيُرَدَّ.
قَوْلُهُ: [أَيْ الْإِبِلِ] : أَيْ وَأَمَّا الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ فَلَا يُوضَعُ عَلَيْهَا الْجِلَالُ اتِّفَاقًا فِي الْغَنَمِ، وَفِي الْبَقَرِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا سَنَامٌ.
[مِنْ لَزِمَهُ هَدْي وَلَمْ يَجِد]
قَوْلُهُ: [فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ] : وَيُنْدَبُ فِيهِ التَّتَابُعُ كَمَا يُنْدَبُ فِي السَّبْعَةِ الْبَاقِيَةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: [وَذَلِكَ مِنْ حِينِ إحْرَامِهِ بِهِ] : أَيْ وَأَوَّلُ وَقْتِهَا مِنْ حِينِ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ فَلَا يُجْزِئُ قَبْلَ إحْرَامِهِ.
قَوْلُهُ [وَلَوْ فَاتَهُ صَوْمُهَا] : أَيْ وَيُكْرَهُ لَهُ تَأْخِيرُهَا لِأَيَّامِ مِنًى فَتَقْدِيمُهَا عَلَيْهَا مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ عَرَفَةَ، فَمَا وَقَعَ ل (عب) تَبَعًا لِلْأُجْهُورِيِّ وَالشَّيْخِ أَحْمَدَ مِنْ أَنَّ صِيَامَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَاجِبٌ وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا
قَبْلَ أَيَّامِ مِنًى (صَامَ أَيَّامَ مِنًى) الثَّلَاثَةَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، إذْ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ، فَإِنْ صَامَ بَعْضَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ كَمَّلَهَا بَعْدَهُ أَيَّامَ مِنًى.
(وَ) هَذَا (إنْ تَقَدَّمَ الْمُوجِبُ) لِلْهَدْيِ (عَلَى الْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ كَتَمَتُّعٍ وَقِرَانٍ وَتَعَدِّي مِيقَاتٍ وَتَرْكِ تَلْبِيَةٍ وَمَذْيٍ وَقُبْلَةٍ بِفَمٍ، (وَإِلَّا) يَتَقَدَّمُ الْمُوجِبُ، بِأَنْ تَأَخَّرَ عَنْ الْوُقُوفِ كَتَرْكِ نُزُولٍ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ رَمْيٍ أَوْ حَلْقٍ أَوْ جِمَاعٍ بَعْدَ رَمْيِ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ الْإِفَاضَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ قَبْلَهُمَا بَعْدَهُ (صَامَهَا مَتَى شَاءَ كَهَدْيِ الْعُمْرَةِ) ، إذَا لَمْ يَجِدْهُ صَامَ الثَّلَاثَةَ مَعَ السَّبْعَةِ مَتَى شَاءَ لِعَدَمِ وُقُوفٍ فِيهَا.
(وَ) صِيَامُ (سَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى) فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] أَيْ مِنْ مِنًى بَعْدَ أَيَّامِهَا، سَوَاءٌ مَكَّةُ وَغَيْرُهَا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: إذَا رَجَعْتُمْ إلَى أَهْلِكُمْ، فَأَهْلُ مَكَّةَ يَصُومُونَهَا فِيهَا وَغَيْرُهُمْ بِبِلَادِهِمْ، وَيُنْدَبُ تَأْخِيرُهَا لِلْآفَاقِيِّ حَتَّى يَرْجِعَ لِأَهْلِهِ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ.
(وَلَا تُجْزِئُ) السَّبْعَةُ (إنْ قَدَّمَهَا عَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ
[حاشية الصاوي]
بِلَا عُذْرٍ ضَعِيفٍ كَذَا فِي (بْن) نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا إنْ تَقَدَّمَ الْمُوجِبُ] : أَيْ فَتَقَدُّمُ الْمُوجِبِ شَرْطٌ فِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا كَوْنُ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ مِنْ إحْرَامِهِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ، وَالثَّانِي كَوْنُهُ إذَا فَاتَ صَامَ أَيَّامَ مِنًى.
قَوْلُهُ: [صَامَهَا مَتَى شَاءَ] : أَيْ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى الثَّلَاثَةِ، فَلَوْ صَامَهَا أَيَّامَ مِنًى لَمْ يُجْزِئْهُ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [وَصِيَامُ سَبْعَةٍ] : أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ سَبْعَةً بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، أَيْ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْ الْهَدْيِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ، وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى وَإِنْ لَمْ يَصِلْهَا بِالرُّجُوعِ.
قَوْلُهُ: [لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ] : أَيْ الْوَاقِعِ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] فَإِذَا أَخَّرَهَا لِبَلَدِهِ أَتَى بِمُجْمَعٍ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا تُجْزِئُ السَّبْعَةُ إنْ قَدَّمَهَا عَلَيْهِ] : أَيْ وَلَا يُجْزِئُ أَيْضًا تَقْدِيمُهَا عَلَى رُجُوعِهِ مِنْ مِنًى.
وَاخْتُلِفَ هَلْ يَجْتَزِئُ مِنْهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ لَا؟ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، قَالَ مَالِكٌ:
(كَصَوْمٍ) : أَيْ كَمَا لَا يُجْزِئُ صَوْمٌ عَنْ الْهَدْيِ إذَا (أَيْسَرَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ، (وَلَوْ) كَانَ إيسَارُهُ (بِسَلَفٍ) وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ إيَّاهُ (لِمَالٍ) لَهُ (بِبَلَدِهِ) ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُسَلِّفًا أَوْ وَجَدَ وَلَا مَالَ لَهُ بِبَلَدِهِ صَامَ.
(وَنُدِبَ الرُّجُوعُ لِلْهَدْيِ) إنْ أَيْسَرَ (قَبْلَ كَمَالِ) صَوْمِ الْيَوْمِ (الثَّالِثِ) ، وَإِنْ وَجَبَ إتْمَامُهُ إنْ شَرَعَ فِيهِ، وَكَلَامُهُ صَادِقٌ بِمَا إذَا أَيْسَرَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الثَّالِثِ أَوْ الثَّانِي أَوْ بَعْدَهُ، وَكَذَا لَوْ أَيْسَرَ قَبْلَ إكْمَالِ الْأَوَّلِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الْمُدَوَّنَةِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُمْنَعُ الْأَكْلُ مِنْهُ وَمَا يَجُوزُ مِنْ دِمَاءِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ الثَّلَاثَةِ: الْهَدْيُ، وَالْفِدْيَةُ، وَجَزَاءُ الصَّيْدِ.
فَقَالَ: (وَلَا يُؤْكَلُ) : أَيْ يَحْرُمُ عَلَى رَبِّ الْهَدْيِ أَنْ يَأْكُلَ (مِنْ نَذْرِ مَسَاكِينَ
[حاشية الصاوي]
لَوْ نَسِيَ الثَّلَاثَةَ حَتَّى صَامَ السَّبْعَةَ، فَإِنْ وَجَدَ هَدْيًا فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُهْدِيَ وَإِلَّا صَامَ (اهـ.) فَهِمَ التُّونُسِيُّ مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا عَلِمْت.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: يُكْتَفَى مِنْهَا بِثَلَاثَةٍ، وَأَمَّا لَوْ صَامَ الْعَشَرَةَ قَبْلَ رُجُوعِهِ فَإِنَّهُ يَجْتَزِئُ مِنْهَا بِثَلَاثَةٍ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ التَّوْضِيحِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّبْعَةِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ جُزْءُ الْعَشَرَةِ فَتَنْدَرِجُ فِيهَا، وَقَسِيمَةُ السَّبْعَةِ فَلَا تَنْدَرِجُ فِيهَا كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [لِمَالٍ لَهُ بِبَلَدِهِ] : اللَّامُ بِمَعْنَى مَعَ مُتَعَلِّقٌ بِوَجَدَ، أَيْ وَإِنْ وَجَدَ مُسَلِّفًا مَعَ مَالٍ، وَقَوْلُهُ بِبَلَدِهِ إمَّا صِفَةٌ لِمَالٍ أَيْ مَالٍ كَائِنٍ بِبَلَدِهِ، أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ وَيَصْبِرُ لِيَأْخُذَهُ بِبَلَدِهِ.
قَوْلُهُ: [قَبْلَ كَمَالِ صَوْمِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ] : أَيْ وَأَمَّا بَعْدَ كَمَالِ الثَّالِثِ فَلَا يُطَالَبُ بِالرُّجُوعِ، لِأَنَّهَا قَسِيمَةُ السَّبْعَةِ فِي الْعَشَرَةِ فَكَانَتْ كَالنِّصْفِ، وَقَوْلُنَا: " لَا يُطَالَبُ بِالرُّجُوعِ " لَا يُنَافِي أَنَّهُ لَوْ رَجَعَ لَصَحَّ.
وَلِذَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لَوْ وَجَدَ الْهَدْيَ بَعْدَ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ (اهـ.) وَاعْلَمْ أَنَّ اتِّصَالَ الثَّلَاثَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَاتِّصَالَ السَّبْعَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَاتِّصَالَ السَّبْعَةِ بِالثَّلَاثَةِ مُسْتَحَبٌّ كَذَا فِي الْحَاشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [الْهَدْيُ] : أَيْ الصَّادِقُ بِمَا سِيقَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ تَطَوُّعًا أَوْ نَذْرًا.
قَوْلُهُ: [مِنْ نَذْرِ مَسَاكِينَ] : أَيْ مِنْ هَدْيٍ مَنْذُورٍ لِلْمَسَاكِينِ بِعَيْنِهِ، سَوَاءٌ عَيَّنَ الْمَسَاكِينَ أَيْضًا أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ التَّعْيِينُ بِاللَّفْظِ وَالنِّيَّةِ أَوْ النِّيَّةِ فَقَطْ.
عُيِّنَ) لَهُمْ، فَلَا تَجُوزُ لَهُ مُشَارَكَتُهُمْ فِيهِ، (وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ الْمَحِلَّ) : مِنًى بِشُرُوطِهِ أَوْ مَكَّةَ بِأَنْ عَطِبَ قَبْلَ الْمَحِلِّ فَنَحَرَهُ.
(كَهَدْيِ تَطَوُّعٍ نَوَاهُ لَهُمْ) : أَيْ لِلْمَسَاكِينِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَكْلُهُ مِنْهُ بَلَغَ مَحِلَّهُ أَمْ لَا، (وَفِدْيَةٍ) لِتَرَفُّهٍ أَوْ إزَالَةِ أَذًى لَمْ يَنْوِ بِهَا الْهَدْيَ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا مُطْلَقًا أَيْ ذُبِحَتْ بِمَكَّةَ، أَوْ غَيْرِهَا.
(كَنَذْرٍ لَمْ يُعَيَّنْ) : بِأَنْ كَانَ مَضْمُونًا وَسَمَّاهُ لِلْمَسَاكِينِ، كَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرُ بَدَنَةٍ لِلْمَسَاكِينِ، أَوْ نَوَاهُ لَهُمْ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [بِشُرُوطِهِ] : أَيْ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ: إنْ سِيقَ بِحَجٍّ وَوَقْفٍ بِهِ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ بِعَرَفَةَ، كَهُوَ بِأَيَّامِ النَّحْرِ.
وَقَوْلُهُ: [أَوْ مَكَّةَ] : أَيْ عِنْدَ فَقْدِ بَعْضِ الشُّرُوطِ.
قَوْلُهُ: [بِأَنْ عَطِبَ قَبْلَ الْمَحَلِّ فَنَحَرَهُ] : أَمَّا عَدَمُ الْأَكْلِ مِنْهُ إذَا لَمْ يَبْلُغْ الْمَحَلَّ فَلِكَوْنِهِ غَيْرَ مَضْمُونٍ فِيهِمْ عَلَى إتْلَافِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْمَحَلِّ فَلِأَنَّهُ قَدْ عَيَّنَهُ لِلْمَسَاكِينِ فَلَا يَجُوزُ مُشَارَكَتُهُمْ فِيهِ، وَمِنْ أَجْلِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَضْمُونٍ إذَا ضَلَّ أَوْ سُرِقَ قَبْلَ الْمَحَلِّ لَا يَلْزَمُ رَبَّهُ بَدَلُهُ.
فَلَا يَجُوزُ مُشَارَكَتُهُمْ فِيهِ، وَمِنْ أَجْلِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَضْمُونٍ إذَا ضَلَّ أَوْ سُرِقَ قَبْلَ الْمَحَلِّ لَا يَلْزَمُ رَبَّهُ بَدَلُهُ.
قَوْلُهُ: [كَهَدْيٍ أَوْ تَطَوُّعٍ نَوَاهُ لَهُمْ] : أَيْ سَوَاءٌ لَفَظَ مَعَ النِّيَّةِ أَوْ لَا عُيِّنَتْ الْمَسَاكِينُ أَوَّلًا.
قَوْلُهُ: [وَفِدْيَةٍ لِتَرَفُّهٍ] إلَخْ: أَيْ فَهَذِهِ الثَّلَاثُ يَحْرُمُ الْأَكْلُ مِنْهَا مُطْلَقًا كَمَا عَلِمْت.
أَمَّا حُرْمَةُ الْأَكْلِ مِنْ نَذْرِ الْمَسَاكِينِ فَقَدْ عَلِمْت وَجْهَهُ، وَأَمَّا حُرْمَةُ الْأَكْلِ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ الَّذِي جُعِلَ لِلْمَسَاكِينِ بِاللَّفْظِ أَوْ النِّيَّةِ فَلِإِلْحَاقِهِ بِنَذْرِ الْمَسَاكِينِ.
وَأَمَّا الْفِدْيَةُ الَّتِي لَمْ تُجْعَلْ هَدْيًا فَحُرْمَةُ الْأَكْلِ مِنْهَا مُطْلَقًا، لِأَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ التَّرَفُّهِ، فَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَكْلِ مِنْهَا وَالتَّرَفُّهِ جَمْعٌ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ.
وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ: " إذَا لَمْ يَنْوِ بِهَا الْهَدْيَ " عَمَّا إذَا نَوَى بِهَا الْهَدْيَ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا بَعْدَ الْمَحَلِّ، وَيَأْكُلُ مِنْهَا إذَا عَطِبَتْ قَبْلَهُ كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ لِلْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: [ذُبِحَتْ بِمَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا] : أَيْ لِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ وَلَا زَمَانٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَجَزَاءِ صَيْدٍ وَفِدْيَةٍ نَوَى بِهَا الْهَدْيَ) : فَإِذَا اخْتَارَ النُّسُكَ وَنَوَى بِهِ الْهَدْيَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَهُ بِمِنًى بِشُرُوطِهِ، أَوْ مَكَّةَ، وَقَوْلُنَا فِيمَا تَقَدَّمَ: لَا " تَتَقَيَّدُ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ ": أَيْ إذَا لَمْ يَنْوِ بِهَا الْهَدْيَ.
فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الَّتِي بَعْدَ الْكَافِ الثَّانِيَةِ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا (بَعْدَ) بُلُوغِ (الْمَحِلِّ) مِنًى أَوْ مَكَّةَ، وَيَأْكُلُ مِنْهَا قَبْلَهُ لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلُهَا لِكَوْنِهَا لَمْ تُجْزِهِ قَبْلَ مَحِلِّهَا.
(وَهَدْيِ تَطَوُّعٍ) لَمْ يَجْعَلْهُ لِلْمَسَاكِينِ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ إذَا (عَطِبَ قَبْلَهُ) فَقَطْ، أَيْ قَبْلَ الْمَحِلِّ بِأَنْ عَطِبَ فَنَحَرَهُ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ عَلَى أَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي عَطَبِهِ لِيَأْكُلَ مِنْهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ.
وَمِثْلُهُ نَذْرٌ مُعَيَّنٌ لَمْ يَجْعَلْهُ لِلْمَسَاكِينِ بِلَفْظٍ وَلَا نِيَّةٍ.
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
الْأَوَّلُ: لَا يَأْكُلُ مِنْهُ مُطْلَقًا.
الثَّانِي: لَا يَأْكُلُ مِنْهُ بَعْدَ الْمَحِلِّ، الثَّالِثُ: لَا يَأْكُلُ مِنْهُ قَبْلَهُ وَيَأْكُلُ مِنْهُ بَعْدَهُ.
وَبَقِيَ رَابِعٌ يَأْكُلُ مِنْهُ مُطْلَقًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
(وَيَأْكُلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ) الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ (مُطْلَقًا)
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهَا] : أَيْ يَبْعَثُهُ إلَى الْمَحَلِّ فَلَا تُهْمَةَ فِي أَكْلِهِ مِنْهَا وَلَا مَظْلَمَةَ لِلْمَسَاكِينِ.
قَوْلُهُ: [الْأَوَّلُ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ مُطْلَقًا] : وَتَحْتَهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: النَّذْرُ الْمُعَيَّنُ لِلْمَسَاكِينِ، وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ لِلْمَسَاكِينِ، وَفِدْيَةٌ لَمْ تُجْعَلْ هَدْيًا.
قَوْلُهُ: [الثَّانِي لَا يَأْكُلُ مِنْهُ بَعْدَ الْمَحَلِّ] : وَتَحْتَهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَيْضًا نَذْرٌ لِلْمَسَاكِينِ لَمْ يُعَيَّنْ، وَجَزَاءُ الصَّيْدِ، وَفِدْيَةٌ جُعِلَتْ هَدْيًا.
قَوْلُهُ: [الثَّالِثُ لَا يَأْكُلُ مِنْهُ قَبْلَهُ] : وَتَحْتَهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَيْضًا: هَدْيُ التَّطَوُّعِ الَّذِي لَمْ يُجْعَلْ لِلْمَسَاكِينِ، عُيِّنَ أَمْ لَا، وَنَذْرٌ مُعَيَّنٌ لَمْ يُجْعَلْ لِلْمَسَاكِينِ فَتَدَبَّرْ.
قَوْلُهُ: [الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ] : أَيْ الَّتِي احْتَوَتْ تَفْصِيلًا عَلَى تِسْعَةِ أَشْيَاءَ، أَيْ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ غَيْرِهَا وَيَتَزَوَّدَ وَيُطْعِمَ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ وَالْكَافِرَ وَالْمُسْلِمَ، سَوَاءٌ بَلَغَتْ الْمَحَلَّ أَوْ عَطِبَتْ قَبْلَهُ كَمَا يَأْتِي.
قَبْلَ الْمَحِلِّ وَبَعْدَهُ؛ وَهُوَ كُلُّ هَدْيٍ وَجَبَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، كَهَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَتَعَدِّي الْمِيقَاتِ، وَتَرْكِ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ الْحَلْقِ، أَوْ مَبِيتٍ بِمِنًى أَوْ نُزُولٍ بِمُزْدَلِفَةَ، أَوْ وَجَبَ لِمَذْيٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ نَذْرٍ مَضْمُونٍ لِغَيْرِ الْمَسَاكِينِ.
(وَلَهُ) حِينَئِذٍ (إطْعَامُ الْغَنِيِّ) مِنْهُ (وَالْقَرِيبِ) وَأَوْلَى ضِدُّهُمَا (وَرَسُولُهُ كَهُوَ) : أَيْ إنَّ رَسُولَ رَبِّ الْهَدْيِ بِالْهَدْيِ كَرَبِّهِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَكْلِ وَعَدَمِهِ.
(وَالْخِطَامُ وَالْجِلَالُ كَاللَّحْمِ) فِي الْمَنْعِ وَالْجَوَازِ فَيَجْرِي فِيهِمَا مَا جَرَى فِي اللَّحْمِ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ مَا جَازَ لَهُ تَنَاوُلُهُ كَالضَّحِيَّةِ.
(فَإِنْ أَكَلَ رَبُّهُ) شَيْئًا (مِنْ مَمْنُوعٍ) أَكَلَهُ مِنْهُ، (أَوْ أَمَرَ) بِالْأَكْلِ إنْسَانًا (غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ) كَأَنْ يَأْمُرَ غَنِيًّا فِي نَذْرِ الْمَسَاكِينِ (ضَمِنَ) هَدْيًا (بَدَلَهُ، إلَّا نَذْرَ مَسَاكِينَ عُيِّنَ) لَهُمْ كَهَذِهِ الْبَدَنَةِ، (فَقَدْرُ أَكْلِهِ) فَقَطْ عَلَى الْأَرْجَحِ مِنْ الْخِلَافِ، وَمُقَابِلُهُ يَضْمَنُ هَدْيًا كَامِلًا كَغَيْرِهِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَكْلِ وَعَدَمِهِ] : أَيْ فَمَا جَازَ لِرَبِّهِ يَجُوزُ لِرَسُولِهِ، وَمَا مُنِعَ مِنْهُ رَبُّهُ يُمْنَعُ مِنْهُ الرَّسُولُ، هَذَا إذَا كَانَ الرَّسُولُ غَيْرَ فَقِيرٍ، أَمَّا لَوْ كَانَ فَقِيرًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِمَّا لَا يَجُوزُ لِرَبِّهِ الْأَكْلُ مِنْهُ كَمَا قَالَ سَنَدٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ وَلَوْ كَانَ فَقِيرًا مِثْلَ رَبِّهِ، (ر) هَذَا هُوَ النَّقْلُ.
قَوْلُهُ: [فَيَجْرِي فِيهِمَا مَا جَرَى فِي اللَّحْمِ] : لَكِنَّهُ فِي الْخِطَامِ وَالْجِلَالِ يَضْمَنُ الْقِيمَةَ فَقَطْ لَا فَرْقَ بَيْنَ رَبِّهِ وَرَسُولِهِ فَتُدْفَعُ لِلْمَسَاكِينِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ أَكَلَ رَبُّهُ شَيْئًا] إلَخْ: الْحَاصِلُ أَنَّ رَبَّ الْهَدْيِ الْمَمْنُوعَ مِنْ الْأَكْلِ مِنْهُ، إنْ أَكَلَ لَزِمَهُ هَدْيٌ كَامِلٌ إلَّا فِي نَذْرِ الْمَسَاكِينِ الْمُعَيَّنِ إذَا أَكَلَ مِنْهُ فَقَوْلَانِ فِي قَدْرِ اللَّازِمِ لَهُ.
وَإِنْ أَمَرَ أَحَدًا بِالْأَكْلِ؛ فَإِنْ أَمَرَ غَنِيًّا لَزِمَهُ هَدْيٌ كَامِلٌ إلَّا فِي نَذْرِ الْمَسَاكِينِ الْمُعَيَّنِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا قَدْرَ أَكْلِهِ فَقَطْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ الْقَوْلَانِ الْجَارِيَانِ فِي أَكْلِهِ هُوَ.
وَأَمَّا الرَّسُولُ فَإِنْ أَمَرَ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ أَوْ أَكَلَ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قَدْرَ مَا أَمَرَ بِهِ، أَوْ أَكَلَهُ فَقَطْ فِي جَمِيعِ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ.
هَذَا هُوَ الصَّوَابُ اُنْظُرْ (بْن) نَقَلَهُ مِحَشِّي الْأَصْل.
(وَلَا يَشْتَرِكُ فِي هَدْيٍ وَلَوْ تَطَوُّعًا) أَيْ لَا يَصِحُّ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ.
(وَأَجْزَأَ) الْهَدْيُ عَنْ رَبِّهِ (إنْ ذَبَحَهُ غَيْرُهُ) حَالَ كَوْنِ الْهَدْيِ (مُقَلَّدًا وَلَوْ نَوَاهُ) الذَّابِحُ (عَنْ نَفْسِهِ إنْ غَلِطَ) بِآنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ هَدْيُهُ، لَا إنْ لَمْ يَغْلَطْ، أَوْ كَانَ غَيْرَ مُقَلَّدٍ (أَوْ سُرِقَ بَعْدَ نَحْرِهِ) فَيُجْزِئُ لِأَنَّهُ بَلَغَ مَحِلَّهُ.
(لَا) إنْ سُرِقَ (قَبْلَهُ) : أَيْ الذَّبْحِ فَلَا يُجْزِئُ، (كَأَنْ ضَلَّ) وَلَمْ يَجِدْهُ فَلَا يُجْزِئُ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَدَلِهِ، (فَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ نَحَرَهُ) أَيْضًا (إنْ قَلَّدَ) لِتَعَيُّنِهِ بِالتَّقْلِيدِ، (وَ) إنْ وَجَدَ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ نَحْرِ بَدَلِهِ (نُحِرَا) مَعًا (إنْ قُلِّدَا) مَعًا لِتَعْيِينِ كُلٍّ بِهِ (وَإِلَّا) يُقَلَّدَا مَعًا، إنْ كَانَ الْمُقَلَّدُ أَحَدَهُمَا أَوْ لَا تَقْلِيدَ أَصْلًا، (تَعَيَّنَ) لِلنَّحْرِ (مَا قُلِّدَ) مِنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَقْلِيدٌ تَخَيَّرَ فِي نَحْرِ أَيِّهِمَا شَاءَ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [أَيْ لَا يَصِحُّ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ] : وَلَوْ كَانَ الَّذِي شَرِكَهُ قَرِيبًا لَهُ وَسَكَنَ مَعَهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ كَالضَّحِيَّةِ فِي هَذَا، وَمِثْلُ الْهَدْيِ الْفِدْيَةُ وَالْجَزَاءُ.
قَوْلُهُ: [لَا إنْ لَمْ يَغْلَطْ] : أَيْ بِأَنْ تَعَمَّدَ فَلَا يَجْزِيهِ عَنْ رَبِّهِ وَلَا عَنْ نَفْسِهِ وَلِرَبِّهِ أَخْذُ الْقِيمَةِ مِنْهُ بِخِلَافِ الضَّحِيَّةِ إذَا ذَبَحَهَا الْغَيْرُ عَنْ نَفْسِهِ عَمْدًا، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْ رَبِّهَا حَيْثُ وَكَّلَهُ رَبُّهَا، فَتَحَصَّلَ أَنَّ الْغَلَطَ فِي الْهَدْيِ يُجْزِئُ عَنْ رَبِّهِ حَيْثُ كَانَ مُقَلِّدًا أَنَابَهُ أَمْ لَا، وَأَنَّ الضَّحِيَّةَ تُجْزِئُ فِي الْغَلَطِ وَالْعَمْدِ إنْ أَنَابَهُ وَإِلَّا فَلَا فِيهِمَا.
تَتِمَّةٌ: يَجِبُ حَمْلُ الْوَلَدِ الْحَاصِلِ بَعْدَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ إلَى مَكَّةَ، وَيُنْدَبُ حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ أُمِّهِ، ثُمَّ إنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا حُمِلَ عَلَيْهَا إنْ قَوِيَتْ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ تَرَكَهُ لِيَشْتَدَّ، ثُمَّ يَبْعَثُهُ إلَى مَحَلِّهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَرَكَهُ عِنْدَ أَمِينٍ فَكَالتَّطَوُّعِ يَعْطَبُ قَبْلَ مَحَلِّهِ فَيَنْحَرُهُ وَيُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ.
وَيَحْرُمُ الشُّرْبُ مِنْ لَبَنِ الْهَدْيِ بَعْدَ التَّقْلِيدِ إنْ لَمْ يَفْضُلْ مِنْ فَصِيلِهَا، وَإِلَّا كُرِهَ.
فَإِنْ أَضَرَّ بِشُرْبِهِ الْأُمَّ أَوْ الْوَلَدَ ضَمِنَ مُوجِبَ فِعْلِهِ.
وَيُكْرَهُ لَهُ رُكُوبُ الْهَدْيِ بِغَيْرِ عُذْرٍ (اهـ. مِنْ الْأَصْلِ) .
فَصْلُ فَوَاتِ الْحَجِّ وَالْمَنَاسِكِ لِلْعُذْرِ وَالْإِحْصَارِ
(فَصْلٌ) : فِي بَيَانِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ لِعُذْرٍ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْبَيْتِ فَقَطْ، أَوْ مِنْهُ وَمِنْ عَرَفَةَ مَعًا.
وَكَيْفَ مَا يَصْنَعُ.
وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ: (مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ) لَيْلَةَ النَّحْرِ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ مُفْرَدًا أَوْ قَارِنًا لِعُذْرٍ مَنَعَهُ مِنْهُ - كَأَنْ يَفُوتَهُ الْوُقُوفُ (بِمَرَضٍ) : أَيْ بِسَبَبِهِ (وَنَحْوِهِ) ؛ كَعَدُوٍّ مَنَعَهُ أَوْ حَبْسٍ وَلَوْ بِحَقٍّ أَوْ خَطَأِ عَدَدٍ، (فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ) لِأَنَّ الْحَجَّ عَرَفَةَ.
[حاشية الصاوي]
[فَصَلِّ فَوَات الْحَجّ وَالْمَنَاسِك لِلْعُذْرِ وَالْإِحْصَار]
[مِنْ فَاتَهُ الْوُقُوف بعرفة لِمَرَض أَوْ نَحْوه]
هَذَا الْفَصْلُ يَتَعَلَّقُ بِمَوَانِعِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَيُقَالُ لِلْمَمْنُوعِ مَحْصُورٌ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ كَمَا هُوَ سِيَاقُ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ] إلَخْ: حَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ - وَالْحَالُ أَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْبَيْتِ - فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالتَّحَلُّلِ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ، وَيُكْرَهُ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى الْإِحْرَامِ لِقَابِلٍ إنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يُقَارِبْ مَكَّةَ كَانَ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى إحْرَامِهِ لِقَابِلٍ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ وَلَا كَرَاهَةَ.
وَمَحَلُّ جَوَازِ التَّحَلُّلِ مَا لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْحَجِّ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ، فَإِنْ خَالَفَ وَتَحَلَّلَ بِالْعُمْرَةِ فَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ الْآتِيَةُ فِي الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: [مُفْرِدًا] : مُرَادُهُ مَا قَابَلَ الْقَارِنَ فَيَشْمَلُ الْمُتَمَتِّعَ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْحَجَّ عَرَفَةَ] : إشَارَةٌ لِحَدِيثٍ هَذَا لَفْظُهُ، وَلَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَعْظَمُ أَرْكَانِ الْحَجِّ، بَلْ أَعْظَمُ أَرْكَانِهِ الطَّوَافُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا أَسْنَدَ الْحَجَّ لَهُ
(وَسَقَطَ عَنْهُ عَمَلُ مَا بَقِيَ) بَعْدَهُ (مِنْ الْمَنَاسِكِ) : كَالنُّزُولِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَالْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.
وَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى.
(وَنُدِبَ) لَهُ (أَنْ يَتَحَلَّلَ) مِنْ إحْرَامِهِ بِذَلِكَ الْحَجِّ (بِعُمْرَةٍ) . وَفَسَّرَ التَّحَلُّلَ بِالْعُمْرَةِ بِقَوْلِهِ:
(بِأَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ بِنِيَّتِهَا) : أَيْ الْعُمْرَةَ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ إحْرَامٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ، بَلْ يَنْوِيَ التَّحَلُّلَ مِنْ إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ بِمَا ذَكَرَ.
(ثُمَّ قَضَاهُ قَابِلًا، وَأَهْدَى) وُجُوبًا لِلْفَوَاتِ، وَلَا يَجْزِيهِ لِلْفَوَاتِ هَدْيُهُ السَّابِقُ الَّذِي سَاقَهُ فِي حَجَّةِ الْفَوَاتِ
(وَخَرَجَ) الْمُتَحَلِّلُ بِعُمْرَةٍ (لِلْحِلِّ) لِيَجْمَعَ فِي إحْرَامِهِ الْمُتَحَلِّلِ مِنْهُ بِالْعُمْرَةِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَامِ، (إنْ أَحْرَمَ أَوَّلًا) قَبْلَ الْفَوَاتِ لِحَجَّةٍ (بِحَرَمٍ أَوْ أَرْدَفَ) حَجَّهُ عَلَى إحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ (فِيهِ) : أَيْ فِي الْحَرَمِ.
(وَلَا يَكْفِي) عَنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَسَعْيِهَا الْمَطْلُوبَيْنِ لِلتَّحَلُّلِ (قُدُومُهُ) : أَيْ طَوَافُ قُدُومِهِ (وَسَعْيُهُ بَعْدَهُ) الْوَاقِعَانِ أَوَّلًا قَبْلَ الْفَوَاتِ.
[حاشية الصاوي]
لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِفَوَاتِ وَقْتِهِ، وَالْمِزْيَةُ لَا تَقْتَضِي الْأَفْضَلِيَّةَ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ.
قَوْلُهُ: [وَسَقَطَ عَنْهُ عَمَلُ مَا بَقِيَ] : أَيْ فَلَا يُؤْمَرُ بِهَا وَلَا دَمَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهَا.
قَوْلُهُ: [وَنُدِبَ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ] إلَخْ: مَحَلُّ نَدْبِ تَحَلُّلِهِ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ مَا لَمْ يَفُتْهُ الْوُقُوفُ وَهُوَ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْ مَكَّةَ جِدًّا، وَإِلَّا فَلَهُ التَّحَلُّلُ بِالنِّيَّةِ كَالْمَحْصُورِ عَنْ الْبَيْتِ وَالْوُقُوفِ مَعًا بَعْدُ.
وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: [الَّذِي سَاقَهُ فِي حَجَّةِ الْفَوَاتِ] : أَيْ سَاقَهُ تَطَوُّعًا أَوْ لِنَقْصٍ حَصَلَ مِنْهُ فِيهَا، وَسَوَاءٌ بَعَثَهُ إلَى مَكَّةَ أَوْ أَبْقَاهُ حَتَّى أَخَذَهُ مَعَهُ لِأَنَّهُ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ وَجَبَ لِغَيْرِ الْفَوَاتِ فَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَوَاتِ، بَلْ عَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ.
قَوْلُهُ: [إنْ أَحْرَمَ أَوَّلًا] إلَخْ: أَيْ وَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ أَوَّلًا مِنْ الْحِلِّ فَلَا يَحْتَاجُ لِلْخُرُوجِ ثَانِيًا إلَى الْحِلِّ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَكْفِي عَنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ] إلَخْ: قَالَ الْخَرَشِيُّ: لَعَلَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ إحْرَامَهُ لَا يَنْقَلِبُ عُمْرَةً مِنْ أَوَّلِهِ، بَلْ مِنْ وَقْتِ نِيَّةِ فِعْلِ الْعُمْرَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ (ح) الْخِلَافَ فِي هَذَا فَقَالَ: قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ أَتَى عَرَفَةَ
(وَلَهُ) : أَيْ لِمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ (الْبَقَاءُ عَلَى إحْرَامِهِ) مُتَجَرِّدًا مُجْتَنَبًا لِلطِّيبِ وَالصَّيْدِ وَالنِّسَاءِ، (لِقَابِلٍ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ) وَيُهْدِيَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ تَمَّ بِوُقُوفِهِ فِي الْقَابِلِ مَعَ عَمَلِ مَا بَعْدَ الْوُقُوفِ مِنْ الْمَنَاسِكِ، وَمَحَلُّ جَوَازِ الْبَقَاءِ عَلَى الْإِحْرَامِ لِعَامٍ قَابِلٍ إذَا لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ أَوْ يُقَارِبْهَا.
(وَكُرِهَ) لَهُ الْبَقَاءُ (إنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا) ، بَلْ يَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ التَّحَلُّلُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ لِمَا فِي الْبَقَاءِ عَلَى الْإِحْرَامِ مِنْ مَزِيدِ الْمَشَقَّةِ، وَالْخَطَرِ مَعَ إمْكَانِ الْخُلُوصِ مِنْهُ.
(وَلَا تَحَلُّلَ) : أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ (إنْ) اسْتَمَرَّ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى (دَخَلَ وَقْتُهُ) ، أَيْ الْحَجِّ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ بِدُخُولِ شَوَّالٍ، بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ إتْمَامُهُ.
(فَإِنْ) خَالَفَ وَ (تَحَلَّلَ) بِعُمْرَةٍ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ (فَثَالِثُهَا) ، أَيْ الْأَقْوَالِ: (يَمْضِي) تَحَلُّلُهُ.
(فَإِنْ حَجَّ) أَيْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ بِالْعُمْرَةِ (فَمُتَمَتِّعٌ) : لِأَنَّهُ
[حاشية الصاوي]
بَعْدَ الْفَجْرِ فَلْيَرْجِعْ إلَى مَكَّةَ وَيَطُفْ وَيَسْعَ وَيَحْلِقْ وَيَنْوِ بِهَا عُمْرَةً، وَهَلْ يَنْقَلِبُ عُمْرَةً مِنْ أَصْلِ الْإِحْرَامِ أَوْ مِنْ وَقْتِ نِيَّةِ فِعْلِ الْعُمْرَةِ؟ مُخْتَلَفٌ فِيهِ (اهـ.)
قَوْلُهُ: [أَوْ دَخَلَهَا] : مَفْهُومٌ بِالْأَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ إنْ قَارَبَ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ دَفَعَ تَوَهُّمَ حُرْمَةِ الْبَقَاءِ عِنْدَ الدُّخُولِ.
تَنْبِيهٌ:
مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ وَتَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ - وَقُلْتُمْ يَتَحَلَّلُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ وَكَانَ مَعَهُ هَدْيٌ - فَلَا يَخْلُو: إمَّا أَنْ يَخَاف عَلَيْهِ الْعَطَبَ إذَا أَبْقَاهُ عِنْدَهُ حَتَّى يَصِلَ إلَى مَكَّةَ أَوْ لَا؛ فَإِنْ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ حَبَسَهُ مَعَهُ حَتَّى يَأْتِيَ مَكَّةَ، وَهَذَا فِي الْمَرِيضِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِ كَالْحَبْسِ بِحَقٍّ.
وَأَمَّا الْمَمْنُوعُ ظُلْمًا فَمَتَى قَدَرَ عَلَى إرْسَالِهِ أَرْسَلَهُ كَأَنْ يَخَافَ عَلَيْهِ الْعَطَبَ أَمْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُرْسِلُهُ مَعَهُ ذَبَحَهُ فِي أَيِّ مَحَلٍّ.
قَوْلُهُ: [بَلْ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ إتْمَامَهُ] : أَيْ حَيْثُ تَمَكَّنَ مِنْ إتْمَامِهِ، قَارَبَ مَكَّةَ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: [فَمُتَمَتِّعٌ] : أَيْ بِاعْتِبَارِ الْعُمْرَةِ الَّتِي وَقَعَ بِهَا الْإِحْلَالُ.
حَجَّ بَعْدَ عُمْرَتِهِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فَعَلَيْهِ هَدْيٌ لِلتَّمَتُّعِ وَأَوَّلُهَا يَمْضِي تَحَلُّلُهُ، وَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ انْتَقَلَ مِنْ حَجٍّ إلَى حَجٍّ إذْ عُمْرَتُهُ كَلَا عُمْرَةٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا أَوَّلًا وَثَانِيهَا لَا يَمْضِي وَهُوَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ، وَمَا فَعَلَهُ مِنْ التَّحَلُّلِ لَغْوٌ لِأَنَّ إبْقَاءَهُ لِدُخُولِ وَقْتِهِ كَإِنْشَائِهِ فِيهِ.
وَذَكَرَ الْقِسْمَ الثَّانِيَ - وَهُوَ صَدُّهُ عَنْ الْبَيْتِ فَقَطْ - بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ وَقَفَ) بِعَرَفَةَ (وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ) : بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ وَلَوْ بِحَقٍّ (فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ، وَلَا يَحِلُّ بِالْإِفَاضَةِ وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ) .
وَذَكَرَ الثَّالِثَ وَهُوَ مَا إذَا حُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ وَعَرَفَةَ مَعًا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ حُصِرَ عَنْهُمَا بِعَدُوٍّ) صَدَّهُ عَنْهُمَا مَعًا، (أَوْ حَبْسٍ) لَا بِحَقٍّ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَأَوَّلُهَا يَمْضِي تَحَلُّلُهُ] : أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ لَيْسَ كَالِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ الَّتِي آلَ إلَيْهَا الْأَمْرُ فِي التَّحَلُّلِ لَيْسَتْ كَإِنْشَاءِ عُمْرَةٍ ابْتِدَائِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَلَى الْحَجِّ، وَإِلَّا كَانَتْ لَاغِيَةً لِمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: " وَلَغَا عُمْرَةٌ عَلَيْهِ " فَلِذَا قِيلَ: إنَّ تَحَلُّلَهُ بِفِعْلِ الْعُمْرَةِ يَمْضِي.
قَوْلُهُ: [وَثَانِيًا لَا يَمْضِي] : أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ كَالِابْتِدَاءِ أَيْ عَلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ الَّتِي آلَ إلَيْهَا الْأَمْرُ كَإِنْشَاءِ عُمْرَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ إنْشَاءَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ لَغْوٌ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَلَمْ يَخْتَلِفُ قَوْلُهُ فِيهَا ثَلَاثًا إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهَا ثَلَاثًا فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ.
[الْإِحْصَار عَنْ الْبَيْت بَعْد الْوُقُوف بعرفه]
قَوْلُهُ: [وَهُوَ صَدُّهُ عَنْ الْبَيْتِ فَقَطْ] : ظَاهِرٌ أَنَّهُ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ غَيْرِهِ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ: " فَقَطْ "، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَدْرَكَ الْوُقُوفَ وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ، سَوَاءٌ حُصِرَ عَمَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ أَيْضًا أَمْ لَا، وَلِذَلِكَ قَالَ خَلِيلٌ: وَإِنْ وَقَفَ وَحُصِرَ عَنْ الْبَيْتِ فَحَجُّهُ تَمَّ.
وَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالْإِفَاضَةِ.
وَعَلَيْهِ لِلرَّمْيِ وَمَبِيتِ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ هَدْيٌ.
قَوْلُهُ: [وَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالْإِفَاضَةِ] : هَذَا إذَا كَانَ قَدَّمَ السَّعْيَ عِنْدَ الْقُدُومِ، ثُمَّ حُصِرَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ قَدَّمَ السَّعْيَ فَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيِ.
[الْإِحْصَار عَنْ الْبَيْت وعن عَرَفَةَ]
قَوْلُهُ: [أَوْ حَبْسٍ لَا بِحَقٍّ] إلَخْ: اعْتِبَارُ كَوْنِ الْحَبْسِ ظُلْمًا بِالنِّيَّةِ لِحَالِ الشَّخْصِ فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّ الْإِحْلَالَ وَالْإِحْرَامَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ
بَلْ (ظُلْمًا فَلَهُ التَّحَلُّلُ مَتَى شَاءَ) وَهُوَ الْأَفْضَلُ (بِالنِّيَّةِ، وَلَوْ دَخَلَ مَكَّةَ) أَوْ قَارَبَهَا.
وَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّحَلُّلُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ، وَلَهُ الْبَقَاءُ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ فَيَحِلُّ بِعُمْرَةٍ أَوْ لِقَابِلٍ حَتَّى يَقِفَ وَيُتِمَّ حَجَّهُ.
وَمِثْلُ مَنْ صُدَّ عَنْهُمَا مَعًا بِمَا ذَكَرَ مَنْ صُدَّ عَنْ الْوُقُوفِ فَقَطْ، بِمَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْ مَكَّةَ أَيْ فَلَهُ التَّحَلُّلُ بِالنِّيَّةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ.
(وَنَحَرَ) عِنْدَ تَحَلُّلِهِ بِالنِّيَّةِ (هَدْيَهُ) الَّذِي كَانَ مَعَهُ، (وَحَلَقَ) أَوْ قَصَّرَ بِشَرْطَيْنِ: أَشَارَ لِلْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْمَانِعِ) حِينَ إرَادَةِ إحْرَامِهِ.
[حاشية الصاوي]
كَمَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَظَاهِرُ الطِّرَازِ يُوَافِقُهُ كَذَا فِي (بْن) نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ.
وَذَكَرَ فِي الْحَاشِيَةِ: أَنَّ الرِّيحَ إذَا تَعَذَّرَ عَلَى أَصْحَابِ السُّفُنِ لَا يَكُونُ كَحِصَارِ الْعَدُوِّ، بَلْ هُوَ مِثْلُ الْمَرَضِ لِأَنَّهُمْ يَقْتَدِرُونَ عَلَى الْخُرُوجِ فَيَمْشُونَ (اهـ.) وَقَدْ يُقَالُ كَلَامُهُ فِي الْحَاشِيَةِ ظَاهِرٌ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ مَعَ الْأَمْنِ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ: " ظُلْمًا " أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَبْسُهُ بِحَقٍّ لَا يُبَاحُ لَهُ التَّحَلُّلُ بِالنِّيَّةِ، بَلْ يَدْفَعُ مَا عَلَيْهِ وَيُتِمُّ نُسُكَهُ، وَأَمَّا مَنْ يُحْبَسُ فِي تَغْرِيبِ الزِّنَا فَهُوَ كَالْمَرِيضِ لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِعُمْرَةٍ حَيْثُ فَاتَهُ الْحَجُّ.
قَوْلُهُ: [فَلَهُ التَّحَلُّلُ مَتَى شَاءَ] : أَيْ مِمَّا هُوَ مُحْرِمٌ بِهِ وَقَوْلُهُ: " بِالنِّيَّةِ " هُوَ الْمَشْهُورُ.
خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِنَحْرِ الْهَدْيِ وَالْحَلْقِ، بَلْ الْحَلْقُ سُنَّةٌ وَلَيْسَ الْهَدْيُ بِوَاجِبٍ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَمَا ذَكَرَ الشَّارِحُ مِنْ أَفْضَلِيَّةِ التَّحَلُّلِ عَنْ الْبَقَاءِ عَلَى إحْرَامِهِ مُطْلَقًا قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ لَا، دَخَلَهَا أَوْ لَا، هُوَ الصَّوَابُ كَمَا يَأْتِي، وَأَمَّا قَوْلُ الْخَرَشِيِّ: فَلَهُ الْبَقَاءُ لِقَابِلٍ إنْ كَانَ عَلَى بُعْدٍ، وَيُكْرَهُ لَهُ إنْ قَارَبَ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا، فَغَيْرُ صَوَابٍ، لِأَنَّ مَا قَالَهُ الْخَرَشِيُّ إنَّمَا هُوَ فِي الَّذِي لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْبَيْتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّحَلُّلُ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ] : أَيْ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْبَيْتِ وَعَرَفَةَ مَعًا فَلَا يُكَلَّفُ بِمَا لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، غَايَةُ مَا هُنَاكَ يُخَيَّرُ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: [إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْمَانِعِ] : وَمِثْلُهُ مَا لَوْ عَلِمَ، وَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ فَمَنَعَهُ فَلَهُ
وَلِلثَّانِي بِقَوْلِهِ: (وَأَيِسَ) وَقْتَ حُصُولِهِ (مِنْ زَوَالِهِ قَبْلَ فَوَاتِهِ) : أَيْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَزُولُ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَيَتَحَلَّلُ قَبْلَ الْوُقُوفِ.
لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَ الْأَشْيَاخِ أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِحَيْثُ لَوْ سَارَ إلَى عَرَفَةَ مِنْ مَكَانِهِ لَمْ يُدْرِكْ الْوُقُوفَ، أَوْ زَالَ الْمَانِعُ، فَإِنْ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ أَوْ شَكَّ أَنَّهُ يَزُولُ قَبْلَهُ فَلَا يَتَحَلَّلُ حَتَّى يَفُوتَ، فَإِنْ فَاتَ فَيَفْعَلُ عُمْرَةً كَمَا لَوْ أَحْرَمَ عَالِمًا بِالْمَانِعِ أَوْ حُبِسَ بِحَقٍّ أَوْ مُنِعَ لِمَرَضٍ أَوْ خَطَأِ عَدَدٍ.
(وَلَا دَمَ) عَلَى الْمَحْصُورِ بِمَا ذُكِرَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: عَلَيْهِ دَمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] .
(وَعَلَيْهِ) : أَيْ عَلَى الْمُتَحَلِّلِ بِفِعْلِ عُمْرَةٍ أَوْ بِالنِّيَّةِ (حَجَّةُ الْفَرِيضَةِ) وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِالتَّحَلُّلِ الْمَذْكُورِ.
[حاشية الصاوي]
أَنْ يَتَحَلَّلَ بِالنِّيَّةِ أَيْضًا كَمَا وَقَعَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَإِنَّهُ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَهُوَ عَالَمٌ بِالْعَدُوِّ ظَانًّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ، فَلَمَّا مَنَعَهُ تَحَلَّلَ بِالنِّيَّةِ، فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ فِي مَفْهُومِهِ تَفْصِيلٌ.
قَوْلُهُ: [لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَ الْأَشْيَاخِ] : أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ وَقْتَ إحْرَامِهِ كَانَ يُدْرِكُ الْوُقُوفَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ، وَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بِوَقْتٍ لَا يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ وُجِدَ مَانِعٌ أَمْ لَا، فَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ عَلَى الْبَقَاءِ عَلَى إحْرَامِهِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ فَاتَ فَيَفْعَلُ عُمْرَةً] : أَيْ بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ عَنْ الْبَيْتِ.
قَوْلُهُ: [كَمَا لَوْ أَحْرَمَ عَالِمًا بِالْمَانِعِ] : تَشْبِيهٌ فِي كَوْنِهِ لَا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِفِعْلِ عُمْرَةٍ.
قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: 196] إلَخْ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْهَدْيَ فِي الْآيَةِ
(كَأَنْ أُحْصِرَ عَنْ الْبَيْتِ) ، بِمَا ذُكِرَ بِالشَّرْطَيْنِ: أَنْ لَا يَعْلَمَ بِالْمَانِعِ وَأَنْ لَا يَتَمَكَّنَ مِنْ الْبَيْتِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ، (فِي الْعُمْرَةِ) فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ مَتَى شَاءَ وَحَلَقَ وَنَحَرَ هَدْيَهُ إنْ كَانَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ سُنَّةُ الْعُمْرَةِ.
[حاشية الصاوي]
لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْحَصْرِ، وَإِنَّمَا سَاقَهُ بَعْضُهُمْ تَطَوُّعًا فَأَمَرَ بِذَبْحِهِ فَلَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى الْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: [وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِالتَّحَلُّلِ الْمَذْكُورِ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ الْحَصْرُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مِنْ حَبْسٍ ظُلْمًا بِخِلَافِ حَجَّةِ التَّطَوُّعِ، فَيَقْضِيهَا إذَا كَانَ لِمَرَضٍ أَوْ خَطَإِ عَدَدٍ أَوْ حَبْسٍ بِحَقٍّ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ لِعَدُوٍّ أَوْ فِتْنَةٍ أَوْ حَبْسٍ ظُلْمًا فَلَا يُطَالَبُ بِالْقَضَاءِ.
قَوْلُهُ: [فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِالنِّيَّةِ مَتَى شَاءَ] : أَيْ كَمَا وَقَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَأَصْحَابِهِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ.
تَتِمَّةٌ: لَا يَلْزَمُ الْمَحْصُورَ طَرِيقٌ مَخُوفٌ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ بِخِلَافِ الْمَأْمُونَةِ فَيَلْزَمُ سُلُوكُهَا، وَإِنْ بَعُدَتْ مَا لَمْ تَعْظُمْ مَشَقَّتُهَا.
وَاخْتَلَفَ الْأَشْيَاخُ: هَلْ يَجُوزُ دَفْعُ الْمَالِ لِتَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ إنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ لَهُ كَافِرًا أَمْ لَا؟ اسْتَظْهَرَ ابْنُ عَرَفَةَ جَوَازَ الدَّفْعِ لِأَنَّ ذِلَّةَ الرُّجُوعِ بِصَدِّهِ أَشَدُّ مِنْ إعْطَائِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَانِعُ مُسْلِمًا فَيَجُوزُ الدَّفْعُ لَهُ بِاتِّفَاقٍ، وَيَجِبُ إنْ قَلَّ وَلَا يَنْكُثْ، وَهَذَا مَا لَمْ يُمْكِنْ قِتَالُهُ وَإِلَّا جَازَ قِتَالُهُ مُطْلَقًا مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا بِاتِّفَاقٍ حَيْثُ كَانَ بِغَيْرِ الْحَرَمِ.
وَإِنْ كَانَ بِالْحَرَمِ فَقَوْلَانِ: إنْ لَمْ يَبْدَأْ بِالْقِتَالِ، وَإِلَّا قُوتِلَ قَطْعًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابٌ فِي بَيَانِ الْأُضْحِيَّةِ وَأَحْكَامِهَا وَذَكَرَهَا عَقِبَ الْحَجِّ لِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ الْهَدْيِ فِيهِ، وَهِيَ بِهِ أَشْبَهُ.
(سُنَّ) وَتَأَكَّدَ عَيْنًا (لِحُرٍّ) لَا رَقِيقٍ وَلَوْ بِشَائِبَةٍ.
(غَيْرِ حَاجٍّ) ، لَا لِحَاجٍّ لِأَنَّ سُنَّتَهُ الْهَدْيُ.
(وَ) غَيْرِ (فَقِيرٍ) فَلَا تُسَنُّ عَلَى فَقِيرٍ لَا يَمْلِكُ قُوتَ عَامِهِ،
[حاشية الصاوي]
[بَابٌ فِي بَيَانِ الْأُضْحِيَّةِ وَأَحْكَامِهَا]
[سُنَن الْأُضْحِيَّة]
بَابٌ لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الرُّبْعِ الْأَوَّلِ انْتَقَلَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الرُّبْعِ الثَّانِي.
وَالْأُضْحِيَّةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ فِيهِمَا، وَيُقَالُ ضَحِيَّةٌ كَمَا سَيَأْتِي فَلُغَاتُهَا ثَلَاثٌ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِذَبْحِهَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَوَقْتَ الضُّحَى.
قَوْلُهُ: [وَذَكَرَهَا عَقِبَ الْحَجِّ] إلَخْ: جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَارِدٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ: لِمَاذَا خَالَفْت أَصْلَك؟ فَإِنَّهُ قَدَّمَ الزَّكَاةَ عَلَى الْأُضْحِيَّةِ فَأَجَابَ بِمَا ذَكَرَ.
قَوْلُهُ: [سُنَّ وَتَأَكَّدَ عَيْنًا] : أَيْ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقِيلَ: إنَّهَا وَاجِبَةٌ.
قَوْلُهُ: [عَيْنًا] : أَيْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مِمَّنْ اسْتَوْفَى الشُّرُوطَ الْآتِيَةَ.
وَتَحْصُلُ تِلْكَ السُّنَّةُ بِفِعْلِهِ مِنْ مَالِهِ أَوْ بِفِعْلِ الْغَيْرِ نِيَابَةً إنْ تَرَكَهُ مَعَهُ بِالشُّرُوطِ الْآتِيَةِ، أَوْ نَوَى عَنْهُ اسْتِقْلَالًا كَمَا يَأْتِي لِأَنَّ فِعْلَ الْغَيْرِ نِيَابَةً مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ فِعْلِهِ هُوَ لِقَبُولِهَا النِّيَابَةَ.
قَوْلُهُ: [لَا رَقِيقٌ] : أَيْ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ تَامٍّ فَهُوَ فَقِيرٌ حُكْمًا وَلَوْ بِيَدِهِ الْمَالُ.
قَوْلُهُ: [لَا لِحَاجٍّ] : أَيْ فَلَا يُطَالَبُ بِضَحِيَّةٍ كَانَ بِمِنًى أَوْ غَيْرِهَا، وَغَيْرُ الْحَاجِّ الْمُسْتَوْفِي لِلشُّرُوطِ تُسَنُّ فِي حَقِّهِ كَانَ بِمِنًى أَوْ غَيْرِهَا، خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ خَلِيلٌ.
وَغَيْرُ الْحَاجِّ يَشْمَلُ الْمُعْتَمِرَ، وَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَتَحَلَّلَ مِنْهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ.
قَوْلُهُ: [فَلَا تُسَنُّ عَلَى فَقِيرٍ] إلَخْ: هُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ: " لَا تُجْحِفُ " قَالَ شُرَّاحُهُ: أَيْ لَا تُجْحِفُ بِمَالِ الْمُضَحِّي.
بِأَنْ لَا يَحْتَاجَ لِثَمَنِهَا فِي ضَرُورِيَّاتِهِ فِي عَامِهِ، فَإِنْ احْتَاجَ فَهُوَ فَقِيرٌ.
(وَلَوْ) كَانَ الْحُرُّ الْمَذْكُورُ (يَتِيمًا) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَالْمُخَاطَبُ بِفِعْلِهَا عَنْهُ وَلِيُّهُ مِنْ مَالِهِ:
(ضَحِيَّةٌ) نَائِبُ فَاعِلِ سُنَّ (مِنْ) ثَنِيِّ (غَنَمٍ) ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ (أَوْ بَقَرٍ أَوْ إبِلٍ) لَا غَيْرُ، وَشَمِلَ الْبَقَرُ الْجَوَامِيسَ وَالْإِبِلَ الْبُخْتَ.
(دَخَلَ فِي) السَّنَةِ (الثَّانِيَةِ) : رَاجِعٌ لِلْغَنَمِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي الْمَعْزِ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا دُخُولًا بَيِّنًا كَالشَّهْرِ بِخِلَافِ الضَّأْنِ، فَيَكْفِي مُجَرَّدُ دُخُولٍ، فَلَوْ وُلِدَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَجْزَأَ ضَحِيَّةً فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، (وَ) فِي السَّنَةِ (الرَّابِعَةِ) رَاجِعٌ لِلْبَقَرِ (وَ) فِي السَّنَةِ (السَّادِسَةِ) فِي الْإِبِلِ.
وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا الَّذِي لَا تُجْزِئُ قَبْلَهُ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَالْمُخَاطَبُ بِفِعْلِهَا عَنْهُ وَلِيُّهُ] : أَيْ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ كَمَا يُقْبَلُ فِي زَكَاةِ مَالِهِ قَوْلُهُ: [ضَحِيَّةٌ] . أَيْ ذَبْحُهَا إذْ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ، وَسُنِّيَّةُ تِلْكَ الضَّحِيَّةِ عَنْ نَفْسِ الْحُرِّ الْمَذْكُورِ، وَعَنْ أَبَوَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ الذَّكَرُ، وَيَدْخُلَ بِالْأُنْثَى زَوْجُهَا، لَا عَنْ زَوْجَةٍ لِأَنَّهَا غَيْرُ تَابِعَةٍ لِلنَّفَقَةِ، بِخِلَافِ زَكَاةِ فِطْرِهَا فَتَجِبُ عَلَيْهِ لِتَبَعِيَّتِهَا لَهَا، كَذَا فِي الْأَصْلِ، قَالَ مُحَشِّيهِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُخَاطَبُ بِهَا فَقِيرٌ قَدَرَ عَلَيْهَا فِي أَيَّامِهَا، وَكَذَا يُخَاطَبُ بِهَا عَمَّنْ وُلِدَ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لَا عَمَّنْ فِي الْبَطْنِ، وَكَذَا يُخَاطَبُ بِهَا مَنْ أَسْلَمَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِبَقَاءِ وَقْتِ الْخِطَابِ بِالتَّضْحِيَةِ، بِخِلَافِ زَكَاةِ الْفِطْرِ نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ (اهـ.) .
قَوْلُهُ: [مِنْ ثَنِيِّ غَنَمٍ] إلَخْ: جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِضَحِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: [دَخَلَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ] : الْمُرَادُ بِالسَّنَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَهِيَ ثَلَثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا، لَا الْقِبْطِيَّةِ وَهِيَ ثَلَثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ يَوْمًا كَمَا يُفِيدُهُ الشَّارِحُ فِي قَوْلِهِ: فَلَوْ وُلِدَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَجْزَأَ ضَحِيَّةٌ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالسَّنَةِ الْقِبْطِيَّةِ لَكَانَتْ السَّنَةُ نَاقِصَةً حِينَئِذٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَوْ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ عِلْمِ الْفَلَكِ.
قَوْلُهُ: [وَفِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ] : أَيْ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الدُّخُولُ بَيِّنًا فِي جَمِيعِ الْمَوَاشِي إلَّا فِي الْمَعْزِ.
(مِنْ ذَبْحِ الْإِمَامِ) : أَيْ إمَامِ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الْخَلِيفَةُ أَوْ نَائِبُهُ.
(بَعْدَ صَلَاتِهِ وَالْخُطْبَةِ) فَلَا تَجْزِيهِ هُوَ إنْ قَدَّمَهَا عَلَى الْخُطْبَةِ فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِالنِّسْبَةِ لَهُ بِفَرَاغِهِ مِنْهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ بِفَرَاغِهِ مِنْ ذَبْحِهِ بَعْدَمَا ذُكِرَ (لِآخِرِ) الْيَوْمِ (الثَّالِثِ) مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْهُ، وَلَا تُقْضَى بَعْدَهُ بِخِلَافِ زَكَاةِ الْفِطْرِ فَتُقْضَى لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ.
ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ ذَبْحِ الْإِمَامِ إلَخْ قَوْلَهُ: (فَلَا تُجْزِئُ إنْ سَبَقَهُ) : أَيْ سَبَقَ ذَبْحَ الْإِمَامِ وَلَوْ أَتَمَّ بَعْدَهُ.
وَكَذَا إنْ سَاوَاهُ فِي الِابْتِدَاءِ وَلَوْ خَتَمَ بَعْدَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ ابْتَدَأَ بَعْدَهُ وَخَتَمَ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ لَا قَبْلَهُ قِيَاسًا عَلَى سَلَامِ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ، (إلَّا إذَا لَمْ يُبْرِزْهَا) الْإِمَامُ إلَى الْمُصَلِّي (وَتَحَرَّى) ذَبْحَهُ وَذَبَحَ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ سَبَقَهُ، فَتُجْزِئُ لِعُذْرِهِ بِبَذْلِ وُسْعِهِ.
(فَإِنْ تَوَانَى) الْإِمَامُ: أَيْ تَرَاخَى عَنْ الذَّبْحِ (بِلَا عُذْرٍ انْتَظَرَ قَدْرَهُ) : أَيْ قَدْرَ ذَبْحِهِ، وَكَذَا إذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يُضَحِّي وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْتَظِرْ قَدْرَهُ لَمْ يَجُزْ.
(وَ) إنْ تَوَانَى (لَهُ) أَيْ لِعُذْرٍ (فَلِقُرْبِ الزَّوَالِ) بِحَيْثُ يَبْقَى لِلزَّوَالِ بِقَدْرِ
[حاشية الصاوي]
[وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ]
قَوْلُهُ: [أَيْ إمَامِ صَلَاةِ الْعِيدِ] : هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الرَّاجِحُ.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْخَلِيفَةُ] : أَيْ وَهُوَ السُّلْطَانُ.
وَقَوْلُهُ: [أَوْ نَائِبُهُ] أَيْ كَالْبَاشَا فِي بَلَدٍ لَيْسَ بِهِ سُلْطَانٌ، قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَمَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ مَا لَمْ يُخْرِجْ إمَامُ الطَّاعَةِ أُضْحِيَّتَهُ لِلْمُصَلِّي وَإِلَّا اُعْتُبِرَ هُوَ قَوْلًا وَاحِدًا.
قَوْلُهُ: [فَلَا تُجْزِئُ إنْ سَبَقَهُ] : حَاصِلُهُ أَنَّ الصُّوَرَ تِسْعٌ وَهِيَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي الْإِحْرَامِ، وَالسَّلَامُ الْمُجْزِئُ مِنْهَا صُورَتَانِ هُنَا وَهُنَاكَ، وَحَيْثُ لَمْ تَجُزْ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ كَانَتْ شَاةَ لَحْمٍ يَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ غَيْرَ الْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: [فَتُجْزِئُ لِعُذْرِهِ] : مَفْهُومُهُ أَنَّ التَّحَرِّيَ لِذَبْحِ الْإِمَامِ مَعَ الْإِبْرَازِ لَا يَنْفَعُ لِتَفْرِيطِهِ بِسَبَبِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ: [انْتَظَرَ قَدْرَهُ] : فَإِنْ انْتَظَرَ قَدْرَ ذَبْحِهِ وَذَبَحَ فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ تَوَانَى لَهُ] إلَخْ: أَيْ كَقِتَالِ عَدُوٍّ مَثَلًا، وَهَلْ مِنْ الْعُذْرِ طَلَبُ
الذَّبْحِ لِئَلَّا يَفُوتَ الْوَقْتُ الْأَفْضَلُ، لَكِنَّ الِانْتِظَارَ لِقُرْبِ الزَّوَالِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ مَنْدُوبٌ، وَالشَّرْطُ الِانْتِظَارُ بِقَدْرِ ذَبْحِهِ.
(وَمَنْ لَا إمَامَ لَهُ) بِبَلَدِهِ أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ (تَحَرَّى) بِذَبْحِهِ (أَقْرَبَ إمَامٍ) لَهُ مِنْ الْبِلَادِ، بِقَدْرِ صَلَاتِهِ وَخُطْبَتِهِ وَذَبْحِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ تَبَيَّنَ سَبْقَهُ.
(وَالْأَفْضَلُ) فِي الضَّحَايَا: (الضَّأْنُ فَالْمَعْزُ فَالْبَقَرُ فَالْإِبِلُ) لِأَنَّ الْأَفْضَلَ فِيهَا طَيِّبُ اللَّحْمِ بِخِلَافِ الْهَدَايَا، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهَا كَثْرَتُهُ.
(وَ) الْأَفْضَلُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ (الذَّكَرُ) عَلَى أُنْثَاهُ.
(وَالْفَحْلُ) عَلَى الْخَصِيِّ (إنْ لَمْ يَكُنْ الْخَصِيُّ أَسْمَنَ) ، وَإِلَّا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الْفَحْلِ.
(وَ) الْأَفْضَلُ لِلْمُضَحِّي (الْجَمْعُ بَيْنَ أَكْلٍ) مِنْهَا (وَإِهْدَاءٍ) لِنَحْوِ جَارٍ (وَصَدَقَةٍ) عَلَى فَقِيرٍ مُسْلِمٍ (بِلَا حَدٍّ) فِي الثَّلَاثَةِ بِثُلُثٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَ) الْأَفْضَلُ مِنْ الْأَيَّامِ لِذَبْحِهَا (الْيَوْمُ الْأَوَّلُ) لِلْغُرُوبِ، وَأَفْضَلُهُ أَوَّلُهُ
[حاشية الصاوي]
الْإِمَامِ الْأُضْحِيَّةَ بِشِرَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ لَا؟ اُنْظُرْ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَالشَّرْطُ الِانْتِظَارُ بِقَدْرِ ذَبْحِهِ] : أَيْ شَرْطُ الصِّحَّةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّوَانِي لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَلَا تُنْدَبُ الزِّيَادَةُ فِي الِانْتِظَارِ لِقُرْبِ الزَّوَالِ إلَّا فِي الْعُذْرِ.
قَوْلُهُ: [وَمَنْ لَا إمَامَ لَهُ بِبَلَدِهِ] : أَيْ وَلَا عَلَى كَفَرْسَخٍ، بِأَنْ كَانَ الْإِمَامُ خَارِجًا عَنْ كَفَرْسَخٍ، فَالتَّحَرِّي إنَّمَا يَكُونُ لِلْإِمَامِ الْخَارِجِ عَنْ كَفَرْسَخٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ فِي دَاخِلٍ كَفَرْسَخٍ، فَإِنَّهُ كَإِمَامِ الْبَلَدِ فَلَا يَكْفِي التَّحَرِّي حَيْثُ أَبْرَزَ الْإِمَامُ أُضْحِيَّتَهُ.
[الْأَفْضَل فِي الْأُضْحِيَّة]
قَوْلُهُ: [وَالْأَفْضَلُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ الذَّكَرُ عَلَى أُنْثَاهُ] إلَخْ: يُشِيرُ إلَى الْمَرَاتِبِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ مَرْتَبَةً مِنْ ضَرْبِ أَرْبَعَةٍ فِي مِثْلِهَا، وَذَلِكَ أَنْ يُقَالَ فَحْلُ الضَّأْنِ فَخَصِيُّهُ فَخُنْثَاهُ فَأُنْثَاهُ، ثُمَّ فَحْلُ الْمَعْزِ فَخَصِيُّهُ فَخُنْثَاهُ فَأُنْثَاهُ، ثُمَّ فَحْلُ الْبَقَرِ عَلَى الْأَظْهَرِ فَخَصِيُّهُ فَخُنْثَاهُ فَأُنْثَاهُ، ثُمَّ فَحْلُ الْإِبِلِ فَخَصِيُّهُ فَخُنْثَاهُ فَأُنْثَاهُ، فَأَعْلَاهَا فُحُولُ الضَّأْنِ وَأَدْنَاهَا إنَاثُ الْإِبِلِ.
قَوْلُهُ: [وَالْأَفْضَلُ لِلْمُضَحِّي] : أَيْ أَفْضَلُ مِنْ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِهَا وَإِنْ كَانَ أَشَقَّ عَلَى النَّفْسِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَحَدِيثُ: «أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ أَحْمَزُهَا» لَيْسَ كُلِّيًّا.
لِلزَّوَالِ، (فَأَوَّلُ) الْيَوْمِ (الثَّانِي) لِلزَّوَالِ، (فَأَوَّلُ) الْيَوْمِ (الثَّالِثِ) لِلزَّوَالِ، (فَآخِرُ الثَّانِي) ، فَمَنْ فَاتَهُ أَوَّلُ الثَّانِي نُدِبَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ لِأَوَّلِ الثَّالِثِ، وَقِيلَ: بَلْ آخِرُ الثَّانِي أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِ الثَّالِثِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ شُرُوطِ صِحَّتِهَا بِقَوْلِهِ.
(وَشَرْطُهُمَا) أَيْ شُرُوطُ صِحَّتِهَا أَرْبَعَةٌ:
الْأَوَّلُ (النَّهَارُ) فَلَا تَصِحُّ بِلَيْلٍ، وَالنَّهَارُ (بِطُلُوعِ الْفَجْرِ فِي غَيْرِ) الْيَوْمِ (الْأَوَّلِ) ، وَأَمَّا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ فَالشَّرْطُ لِلْإِمَامِ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ بَعْدَ حِلِّ النَّافِلَةِ وَلِغَيْرِهِ ذَبْحُ إمَامِهِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) الثَّانِي: (إسْلَامُ ذَابِحِهَا) فَلَا تَصِحُّ بِذَبْحِ كَافِرٍ أَنَابَهُ رَبُّهَا فِيهِ وَلَوْ كِتَابِيًّا وَإِنْ جَازَ أَكْلُهَا.
(وَ) الثَّالِثُ (السَّلَامَةُ مِنْ الشِّرْكِ) أَيْ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا؛ فَإِنْ اشْتَرَكُوا فِيهَا بِالثَّمَنِ أَوْ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فَذَبَحُوهَا ضَحِيَّةً عَنْهُمْ لَمْ تُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي الْأَرْيَافِ أَنْ يَكُونَ جَمَاعَةٌ - كَإِخْوَةٍ - شُرَكَاءَ فِي الْمَالِ، فَيُخْرِجُوا أُضْحِيَّةً عَنْ الْجَمِيعِ فَهَذِهِ لَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، إلَّا أَنْ يَفْصِلَهَا
[حاشية الصاوي]
تَنْبِيهٌ: يُنْدَبُ تَرْكُ حَلْقِ الشَّعْرِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ وَتَرْكُ قَلْمِ الْأَظْفَارِ فِي التِّسْعَةِ الْأَيَّامِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ لِمَنْ يُرِيدُ الضَّحِيَّةَ وَلَوْ بِتَضْحِيَةِ الْغَيْرِ عَنْهُ، وَالضَّحِيَّةُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ وَتَالِيَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ، وَالْعِتْقُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ لِكَوْنِهَا سُنَّةً وَشَعِيرَةً مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْ زَادَتْ الصَّدَقَةُ وَالْعِتْقُ أَضْعَافًا.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ بَلْ آخِرُ الثَّانِي أَفْضَلُ] : هَذَا ضَعِيفٌ وَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ.
[شُرُوط صِحَّة الْأُضْحِيَّة]
قَوْلُهُ: [فَلَا تَصِحُّ بِلَيْلٍ] : أَيْ لِأَنَّ الضَّحَايَا كَالْهَدَايَا فَلَا يُجْزِئُ مَا وَقَعَ مِنْهُمَا لَيْلًا.
قَوْلُهُ: [فَلَا تَصِحُّ بِذَبْحِ كَافِرٍ] : أَيْ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبِ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ جَازَ أَكْلُهَا] : أَيْ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّ الْكَافِرَ كِتَابِيٌّ وَإِلَّا فَالْمَجُوسِيُّ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ.
قَوْلُهُ: [لَمْ تَجُزْ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ] : قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مِثْلُ مَا إذَا ذَبَحَ مَعِيبًا جَهْلًا.
وَاحِدٌ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ، وَيَغْرَمَ لَهُمْ مَا عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهَا وَيَذْبَحَهَا عَنْ نَفْسِهِ.
(إلَّا) التَّشْرِيكَ (فِي الْأَجْرِ قَبْلَ الذَّبْحِ) لَا بَعْدَهُ، فَيَجُوزُ - (وَإِنْ) شَرَّكَ فِي الْأَجْرِ (أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ) مِنْ الْأَنْفَارِ - بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا لَهُ كَابْنِهِ وَأَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ، وَيَلْحَقُ بِهِ الزَّوْجَةُ، وَأَنْ يَكُونَ فِي نَفَقَتِهِ.
وَأَنْ يَكُونَ سَاكِنًا مَعَهُ بِدَارٍ وَاحِدَةٍ؛ كَانَتْ النَّفَقَةُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ - كَالْأَخِ وَابْنِ الْعَمِّ - أَوْ وَاجِبَةً كَأَبٍ وَابْنٍ فَقِيرَيْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ النُّقُولِ.
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَيَغْرَمُ لَهُمْ مَا عَلَيْهِ] : وَمِثْلُهُ لَوْ أَسْقَطُوا حَقَّهُمْ فِيهَا لَهُ قَبْلَ الذَّبْحِ.
قَوْلُهُ: [فَيَجُوزُ] : أَيْ وَيَسْقُطُ طَلَبُهَا عَنْهُ وَعَنْ كُلِّ مَنْ أَدْخَلَهُ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ مَعَهُ غَنِيًّا كَمَا يَأْتِي.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي سُقُوطِ الطَّلَبِ عَمَّنْ أَشْرَكَهُمْ مَعَهُ إعْلَامُهُمْ بِالتَّشْرِيكِ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ الْبَاجِيُّ وَعِنْدِي: أَنَّهُ يَصِحُّ لَهُ التَّشْرِيكُ وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْهُمْ بِذَلِكَ وَلِذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهَا صِغَارُ وَلَدِهِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ مِنْهُمْ قَصْدُ الْقُرْبَةِ.
قَوْلُهُ: [بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ] : فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا فَلَا تُجْزِئُ عَنْ الْمُشْرِكِ بِالْكَسْرِ، وَلَا عَنْ الْمُشْرَكِ بِالْفَتْحِ، قَالَ فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ: وَالظَّاهِرُ عَدَمُ جَوَازِ بَيْعِهَا كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا لَهُ] : أَيْ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنْ أَوْجُهِ الْقَرَابَةِ، وَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ بَعِيدَ الْقَرَابَةِ عَلَى قَرِيبِهَا.
قَوْلُهُ: [وَيُلْحِقُ بِهِ الزَّوْجَةَ] : قَالَ فِي الْبَيَانِ أَهْلُ بَيْتِ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُدْخِلَهُمْ مَعَهُ فِي أُضْحِيَّتِهِ أَزْوَاجُهُ وَمَنْ فِي عِيَالِهِ مِنْ ذَوِي رَحِمِهِ، كَانُوا مِمَّنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ أَوْ مِمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ.
قَوْلُهُ: [وَأَنْ يَكُونَ سَاكِنًا مَعَهُ] : هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَالْبَاجِيِّ وَاللَّخْمِيِّ.
وَخَالَفَ ابْنُ بَشِيرٍ فَجَعَلَ الْمُسَاكَنَةَ لَغْوًا - كَذَا فِي (بْن) نَقَلَهُ مُحَشِّي الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [كَمَا هُوَ ظَاهِرُ النُّقُولِ] : رَدٌّ بِذَلِكَ عَلَى الْأَصْلِ وَ (عب) وَالْخَرَشِيِّ حَيْثُ قَالُوا: لَا تُشْتَرَطُ السُّكْنَى إلَّا إنْ كَانَ الْإِنْفَاقُ تَبَرُّعًا فَإِنْ (بْن) قَالَ: اُنْظُرْ مِنْ أَيْنَ لَهُمْ هَذَا الْقَيْدُ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ غَيْرَ مَا نَقَلَهُ الطِّخِّيخِيُّ مُسْتَدِلًّا بِكَلَامِ
وَإِلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: (إنْ قَرُبَ) الْمُشَرَّكُ بِالْفَتْحِ (لَهُ) : أَيْ لِرَبِّ الضَّحِيَّةِ الْمُشَرِّكُ بِالْكَسْرِ، (وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ) وُجُوبًا: كَالْأَبِ وَالِابْنِ الْفَقِيرَيْنِ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ الْإِنْفَاقُ عَلَى ذَلِكَ الْقَرِيبِ (تَبَرُّعًا) كَالْأَخِ (إنْ سَكَنَ مَعَهُ) بِدَارٍ وَاحِدَةٍ.
وَحِينَئِذٍ (فَتَسْقُطُ) الضَّحِيَّةُ (عَنْ الْمُشَرَّكِ) بِالْفَتْحِ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: هَذِهِ الشُّرُوطُ فِيمَا إذَا أَدْخَلَ غَيْرَهُ مَعَهُ، وَأَمَّا لَوْ ضَحَّى عَنْ جَمَاعَةٍ لَمْ يُدْخِلْ نَفْسَهُ مَعَهُمْ فَجَائِزٌ مُطْلَقًا حَصَلَتْ الشُّرُوطُ أَوْ بَعْضُهَا أَمْ لَا.
(وَ) الشَّرْطُ الرَّابِعُ: (السَّلَامَةُ) مِنْ الْعُيُوبِ الْبَيِّنَةِ؛ وَبَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ:
(مِنْ عَوَرٍ) : فَلَا تُجْزِئُ عَوْرَاءُ وَلَوْ كَانَتْ صُورَةُ الْعَيْنِ قَائِمَةً.
(وَفَقْدِ جُزْءٍ) : كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ وَلَوْ خِلْقَةً (غَيْرِ خُصْيَةٍ) بِضَمِّ الْعُجْمَةِ وَكَسْرِهَا وَهِيَ الْبَيْضَةُ، وَأَمَّا فَائِتُهَا أَيْ الْخَصِيُّ فَيَجْزِي إذَا لَمْ يَكُنْ بِهَا مِنْهُ مَرَضٌ بَيِّنٌ، وَإِنَّمَا أَجْزَأَ لِأَنَّ الْخِصَاءَ يَعُودُ عَلَى اللَّحْمِ بِسَمْنٍ وَمَنْفَعَةٍ.
(وَبَكَمٍ وَبَخَرٍ وَصَمَمٍ) ، فَلَا تَجْزِي الْبَكْمَاءُ وَهِيَ فَاقِدَةُ الصَّوْتِ.
وَلَا الْبَخْرَاءُ وَهِيَ مُنْتِنَةُ رَائِحَةِ الْفَمِ، وَلَا الصَّمَّاءُ وَهِيَ الَّتِي لَا سَمْعَ لَهَا.
(وَصَمَعٍ وَعَجَفٍ وَبَتَرٍ) فَلَا تُجْزِي الصَّمْعَاءُ بِالْمَدِّ: وَهِيَ صَغِيرَةُ
[حاشية الصاوي]
ابْنِ حَبِيبٍ الَّذِي فِي الْمَوَّاقِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ أَصْلًا.
وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَالْبَاجِيِّ وَاللَّخْمِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ السُّكْنَى مَعَهُ شَرْطٌ مُطْلَقًا (اهـ.) كَذَا فِي حَاشِيَةِ الْأَصْلِ.
قَوْلُهُ: [بِدَارٍ وَاحِدَةٍ] : أَيْ بِحَيْثُ يُغْلَقُ عَلَيْهِ مَعَهُ بَابٌ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ جِهَاتُ تِلْكَ الدَّارِ.
قَوْلُهُ: [وَحِينَئِذٍ فَتَسْقُطُ الضَّحِيَّةُ عَنْ الْمُشْرِكِ] : أَيْ فَتَسْقُطُ عَنْهُ سُنَّتُهَا إنْ كَانَ غَنِيًّا.
قَوْلُهُ: [وَقَالَ اللَّخْمِيُّ] إلَخْ: قَالَ فِي الْأَصْلِ: وَهِيَ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ.
قَوْلُهُ: [فَلَا تُجْزِئُ عَوْرَاءُ] : وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَ بَصَرُ إحْدَى عَيْنَيْهَا، وَكَذَا ذَهَابُ أَكْثَرِهِ، فَإِنْ كَانَ بِعَيْنِهَا بَيَاضٌ لَا يَمْنَعُهَا النَّظَرَ أَجْزَأَتْ.
قَوْلُهُ: [وَأَمَّا فَائِتُهَا أَيْ الْخَصِيُّ فَيُجْزِي] إلَخْ: أَيْ سَوَاءٌ كَانَ خِلْقَةً أَوْ بِقَطْعٍ.
الْأُذُنَيْنِ جِدًّا، وَلَا عَجْفَاءُ: وَهِيَ الَّتِي لَا مُخَّ فِي عِظَامِهَا لِهُزَالِهَا، وَلَا بَتْرَاءُ: وَهِيَ الَّتِي لَا ذَنَبَ لَهَا.
(وَكَسْرِ قَرْنٍ يُدْمِي) أَيْ لَمْ يَبْرَأْ، فَإِنْ بَرِئَ أَجْزَأَتْ.
(وَيُبْسِ ضَرْعٍ) حَتَّى لَا يَنْزِلَ مِنْهَا لَبَنٌ، فَإِنْ أَرْضَعَتْ وَلَوْ بِالْبَعْضِ أَجْزَأَتْ.
(وَذَهَابِ ثُلُثِ ذَنَبٍ) فَأَكْثَرَ لَا أَقَلَّ فَيُجْزِئُ.
(وَبَيِّنِ مَرَضٍ، وَجَرَبٍ.
وَبَشَمٍ) أَيْ تُخَمَةٍ (وَجُنُونٍ) ، وَهِيَ فَاقِدَةُ التَّمْيِيزِ، (وَعَرَجٍ) فَالْخَفِيفُ فِي الْجَمِيعِ لَا يَضُرُّ.
(وَفَقْدِ أَكْثَرِ مِنْ سِنٍّ لِغَيْرِ إثْغَارٍ أَوْ كِبَرٍ) ، فَفَقْدُ السِّنِّ الْوَاحِدِ لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا، وَكَذَا الْأَكْثَرُ لِإِثْغَارٍ أَوْ كِبَرٍ، وَأَمَّا لِغَيْرِهِمَا بِضَرْبٍ أَوْ مَرَضٍ فَمُضِرٌّ؛ (وَأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ أُذُنٍ كَشَقِّهَا) أَيْ الْأُذُنِ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ، بِخِلَافِ فَقْدٍ أَوْ شَقِّ الثُّلُثِ فَلَا يَضُرُّ فِي الْأُذُنِ، بِخِلَافِ الذَّنَبِ كَمَا تَقَدَّمَ فَالسَّلَامَةُ مِنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ شَرْطُ صِحَّةٍ.
(وَنُدِبَ سَلَامَتُهَا مِنْ كُلِّ عَيْبٍ لَا يَمْنَعُ) الْإِجْزَاءَ: (كَمَرَضٍ خَفِيفٍ، وَكَسْرِ قَرْنٍ لَا يُدْمِي) بَلْ بَرِئَ.
(وَ) نُدِبَ (غَيْرُ خَرْقَاءَ وَشَرْقَاءَ) وَغَيْرُ (مُقَابِلَةٍ وَمُدَابِرَةٍ) الْخَرْقَاءُ: هِيَ الَّتِي فِي أُذُنِهَا خَرْقٌ مُسْتَدِيرٌ، وَالشَّرْقَاءُ: مَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ، وَالْمُقَابِلَةُ: مَا قُطِعَ مِنْ أُذُنِهَا مِنْ جِهَةِ وَجْهِهَا وَتُرِكَ مُعَلَّقًا، وَالْمُدَابِرَةُ: مَا قُطِعَ مِنْ أُذُنِهَا مِنْ جِهَةِ خَلْفِهَا
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [لَا ذَنَبَ لَهَا] : أَيْ خِلْقَةً أَوْ عُرُوضًا.
قَوْلُهُ: [أَيْ لَمْ يَبْرَأْ] : تَفْسِيرٌ مُرَادٌ لِلْإِدْمَاءِ أَيْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْإِدْمَاءِ حَقِيقَتَهُ، بَلْ عَدَمَ بُرْئِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَمٌ.
قَوْلُهُ: [وَجُنُونٍ] : أَيْ إنْ كَانَ دَائِمًا لَا إنْ لَمْ يَدُمْ فَلَا يَضُرُّ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ.
قَوْلُهُ: [بِخِلَافِ الذَّنَبِ] : وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ قَطْعَ الذَّنَبِ يُشَوِّهُهَا زِيَادَةً عَلَى قَطْعِ الْأُذُنِ، لِأَنَّهُ عَصَبٌ وَلَحْمٌ بِخِلَافِ الْأُذُنِ فَهِيَ جِلْدٌ.
قَوْلُهُ: [شَرْطُ صِحَّةٍ] : أَيْ الَّذِي هُوَ الشَّرْطُ الرَّابِعُ.
وَتُرِكَ مُعَلَّقًا
(وَ) نُدِبَ (سِمَنُهَا) أَيْ كَوْنُهَا سَمِينَةً (وَاسْتِحْسَانُهَا) أَيْ كَوْنُهَا حَسَنَةً فِي نَوْعِهَا.
(وَ) نُدِبَ (إبْرَازُهَا لِلْمُصَلَّى) لِنَحْرِهَا، فِيهِ وَتَأَكَّدَ عَلَى الْإِمَامِ ذَلِكَ لِيُعْلِمَ النَّاسَ ذَبْحَهُ.
وَكُرِهَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ عَدَمُ إبْرَازِهَا.
(وَ) نُدِبَ لِلْمُضَحِّي - وَلَوْ امْرَأَةً (ذَبْحُهَا بِيَدِهِ) .
(وَكُرِهَ) لَهُ (نِيَابَةٌ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ) .
(وَأَجْزَأَتْ) النِّيَابَةُ عَنْ رَبِّهَا.
(وَإِنْ نَوَى) النَّائِبُ ذَبْحَهَا (عَنْ نَفْسِهِ) . وَشَبَّهَ فِي الْإِجْزَاءِ قَوْلُهُ: (كَذَبْحِ قَرِيبٍ) لِلْمُضَحِّي كَصَدِيقِهِ وَعَبْدِهِ (اعْتَادَهُ) أَيْ الذَّبْحَ لَهُ.
(لَا) ذَبْحَ (أَجْنَبِيٍّ لَمْ يَعْتَدْهُ) ، فَلَا يُجْزِي عَنْ الْمُضَحِّي وَعَلَيْهِ بَذْلُهَا (كَغَالِطٍ) اعْتَقَدَ أَنَّهَا لَهُ، فَإِذَا هِيَ لِغَيْرِهِ (فَلَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَفِي)
[حاشية الصاوي]
[مَنْدُوبَات الْأُضْحِيَّة وَمَكْرُوهَاتهَا]
قَوْلُهُ: [وَتَأَكَّدَ عَلَى الْإِمَامِ ذَلِكَ] : أَيْ إنْ كَانَ الْبَلَدُ كَبِيرًا.
قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ] إلَخْ: أَيْ فَعَدَمُ إبْرَازِهَا فِي الْبَلَدِ الْكَبِيرِ يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ آحَادِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءً يَنْدُبُ لِلْجَمِيعِ إبْرَازُ ضَحَايَاهُمْ لِأَجْلِ إظْهَارِ الشَّعِيرَةِ.
قَوْلُهُ: [وَأَجْزَأَتْ النِّيَابَةُ عَنْ رَبِّهَا] إلَخْ: أَيْ إنْ كَانَ النَّائِبُ مُسْلِمًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَوْله وَإِنْ نَوَى النَّائِبُ ذَبْحَهَا إلَخْ أَيْ وَلَوْ مُتَعَمِّدًا بِخِلَافِ الْهَدْيِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: [كَغَالِطٍ] : أَيْ وَمِنْ بَابِ أَوْلَى الْمُتَعَمِّدُ.
قَوْلُهُ: [فَلَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا] : ثُمَّ إنْ أَخَذَ الْمَالِكُ قِيمَتَهَا مِمَّنْ ذَبَحَهَا غَلَطًا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَيْسَ لِلذَّابِحِ فِي اللَّحْمِ إلَّا الْأَكْلُ أَوْ الصَّدَقَةُ، لِأَنَّ ذَبْحَهُ عَلَى وَجْهِ الضَّحِيَّةِ وَإِنْ أَخَذَ الْمَالِكُ اللَّحْمَ، فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْبَحْهُ عَلَى وَجْهِ التَّضْحِيَةِ بِهِ.
قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَمَحَلُّ كَوْنِهَا لَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ إذَا ذَكَّاهَا الْغَيْرُ غَلَطًا مَا لَمْ يَكُنْ رَبُّهَا نَاذِرًا لَهَا وَإِلَّا أَجْزَأَتْ عَنْ نَذْرِهِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُعَيَّنَةً أَوْ مَضْمُونَةً (اهـ) بَقِيَ مَا إذَا ذَبَحَ أُضْحِيَّةَ غَيْرِهِ عَمْدًا عَنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ
إجْزَاءِ ذَبْحِ (أَجْنَبِيٍّ اعْتَادَ) الذَّبْحَ وَلَوْ مَرَّةً عَنْ غَيْرِهِ، فَذَبَحَ، فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ بِلَا نِيَابَةٍ مُعْتَمِدًا عَلَى عَادَتِهِ (قَوْلَانِ) : بِالْإِجْزَاءِ وَعَدَمِهِ، وَأَمَّا قَرِيبٌ لَمْ يَعْتَدْهُ فَالْأَظْهَرُ مِنْ التَّرَدُّدِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ.
(وَ) كُرِهَ (قَوْلُهُ) أَيْ الْمُضَحِّي (عِنْدَ التَّسْمِيَةِ) لِلذَّبْحِ: (اللَّهُمَّ مِنْك وَإِلَيْك) ، لِأَنَّهُ لَمْ يَصْحَبْهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.
(وَ) كُرِهَ لِلْمُضَحِّي (شُرْبُ لَبَنِهَا) لِأَنَّهُ نَوَاهَا لِلَّهِ.
(وَ) كُرِهَ (جَزُّ صُوفِهَا قَبْلَ الذَّبْحِ) .
وَكُرِهَ (بَيْعُهُ) أَيْ الصُّوفِ إنْ جَزَّهُ.
[حاشية الصاوي]
اسْتِنَابَةٍ وَفِيهَا تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ رَبُّهَا نَذَرَهَا وَكَانَتْ مُعَيَّنَةً أَجْزَأَتْهُ وَسَقَطَ النَّذْرُ، وَإِنْ كَانَتْ مَضْمُونَةً فَالنَّذْرُ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ رَبُّهَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ نَذْرٌ فَلَا تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ كَمَا تَقَدَّمَ بِالْأَوْلَى مِنْ الْغَالِطِ.
وَلَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ مُحْرِزٍ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ إجْزَاءَهَا عَنْ الذَّابِحِ، وَيَضْمَنُ قِيمَتَهَا لِرَبِّهَا، وَالْفَرْقُ عَلَى هَذَا بَيْنَ الْعَامِدِ وَالْغَائِطِ أَنَّ الْعَامِدَ دَاخِلٌ عَلَى ضَمَانِهَا فَكَأَنَّهُ مَلَكَهَا قَبْلَ الذَّبْحِ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا فَتَدَبَّرْ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ لَمْ يَصْحَبْهُ عَمَلُ أَهْل الْمَدِينَةِ] : جَوَابٌ عَنْ سُؤَالِ قَائِلٍ: كَيْف يُكْرَهُ ذَلِكَ وَالنَّبِيُّ قَالَهُ، فَأَجَابَ بِمَا ذَكَرَ.
قَوْلُهُ: [شُرْبُ لَبَنِهَا] : أَيْ وَلَوْ نَوَاهُ حِينَ الْأَخْذِ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّهُ نَوَاهَا لِلَّهِ] : أَيْ وَالْإِنْسَانُ لَا يَعُودُ فِي قُرْبَتِهِ.
قَوْلُهُ: [جَزَّ صُوفَهَا] : أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ نَقْصِ جَمَالِهَا وَمَحَلُّ كَرَاهَةِ جَزِّ الصُّوفِ
إنْ لَمْ يَكُنْ الزَّمَانُ مُتَّسِعًا بِحَيْثُ يَنْبُتُ مِثْلُهُ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ قَبْلَ الذَّبْحِ، وَلَمْ يَنْوِ الْجَزَّ حِينَ أَخَذَهَا وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ.
(وَ) كُرِهَ (إطْعَامُ كَافِرٍ مِنْهَا) . (وَ) كُرِهَ (فِعْلُهَا عَنْ مَيِّتٍ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ النَّاسِ.
(وَمُنِعَ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا) مِنْ جِلْدٍ أَوْ صُوفٍ أَوْ عَظْمٍ أَوْ لَحْمٍ، وَلَا يُعْطِي الْجَزَّارَ شَيْئًا مِنْ لَحْمِهَا فِي نَظِيرِ جِزَارَتِهِ هَذَا إنْ أَجْزَأَتْهُ ضَحِيَّةٌ، بَلْ (وَإِنْ) لَمْ تُجِزْ كَأَنْ (سَبَقَ الْإِمَامَ) بِذَبْحِهَا، (أَوْ تَعَيَّبَتْ حَالَ الذَّبْحِ) قَبْلَ تَمَامِهِ، (أَوْ قَبْلَهُ أَوْ ذَبَحَ الْمَعِيبَ جَهْلًا) بِالْعَيْبِ أَوْ بِكَوْنِهِ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ لِلَّهِ تَعَالَى.
(وَ) مُنِعَ (الْبَدَلُ) لَهَا أَوْ لِشَيْءٍ مِنْهَا (بَعْدَهُ) أَيْ الذَّبْحِ بِشَيْءٍ مُجَانِسٍ لِلْمُبْدَلِ مِنْهُ، وَإِلَّا كَانَ بَيْعًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ، (إلَّا لِمُتَصَدِّقٍ) عَلَيْهِ، (وَمَوْهُوبٍ) لَهُ فَيَجُوزُ لَهُمَا بَيْعُ مَا تَصَدَّقَ أَوْ وُهِبَ لَهُمَا، وَلَوْ عَلِمَ رَبُّهَا بِذَلِكَ.
(وَ) إذَا وَقَعَ بَيْعٌ مِنْ رَبِّهَا أَوْ إبْدَالٌ (فُسِخَ) إنْ كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا لَمْ يَفُتْ، (فَإِنْ فَاتَ) الْمَبِيعُ بِأَكْلٍ وَنَحْوِهِ (وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِالْعِوَضِ) إنْ كَانَ قَائِمًا
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ إطْعَامُ كَافِرٍ مِنْهَا] : ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَمْ يُرْسِلْ لَهُ فِي بَيْتِهِ وَأَكَلَ فِي عِيَالِهِ وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَفَصَلَ ابْنُ رُشْدٍ فَجَعَلَ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ إنْ أَرْسَلَ لَهُ فِي بَيْتِهِ، وَأَمَّا فِي عِيَالِهِ فَلَا كَرَاهَةَ، وَاسْتَظْهَرَ فِي الْأَصْلِ كَلَامَ ابْنِ حَبِيبٍ فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ هُنَا.
قَوْلُهُ: [وَكُرِهَ فِعْلُهَا عَنْ مَيِّتٍ] : أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ عَيَّنَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ، وَإِلَّا فَيَنْدُبُ لِلْوَارِثِ إنْفَاذُهَا، وَكَذَا يُكْرَهُ التَّغَالِي فِي ثَمَنِهَا زِيَادَةً عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَظِنَّةُ الْمُبَاهَاةِ، وَتُكْرَهُ أَيْضًا الْعَتِيرَةُ - كَجَبِيرَةٍ - وَهِيَ: شَاةٌ كَانَتْ تُذْبَحُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِرَجَبٍ، وَكَانَتْ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالضَّحِيَّةِ.
[مَا يَمْنَع مِنْ بَيْع شَيْء مِنْ الْأُضْحِيَّة أَوْ الْبَدَل لَهُ]
قَوْلُهُ: [أَوْ تَعَيَّبَتْ حَالَ الذَّبْحِ] إلَخْ: أَيْ وَذَبَحَهَا بِالْفِعْلِ، وَإِلَّا فَلَوْ أَبْقَاهَا حَيَّةً جَازَ لَهُ فِيهَا الْبَيْعُ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ إلَّا بِالذَّبْحِ.
قَوْلُهُ: [بَعْدَهُ] : أَيْ الذَّبْحِ أَيْ وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَيْسَ الْإِبْدَالُ بِمَمْنُوعٍ مَا لَمْ تَكُنْ مَنْذُورَةً بِعَيْنِهَا.
(مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُضَحِّي أَوْ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ أَوْ لَا، (فَإِنْ فَاتَ) الْعِوَضُ أَيْضًا بِصَرْفٍ فِي لَوَازِمِهِ أَوْ غَيْرِهَا أَوْ بِضَيَاعِهِ أَوْ تَلَفِهِ (فَبِمِثْلِهِ) يَتَصَدَّقُ وُجُوبًا.
(إلَّا أَنْ يَتَوَلَّاهُ) أَيْ الْبَيْعَ (غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْمُضَحِّي كَوَكِيلِهِ أَوْ صَدِيقِهِ أَوْ قَرِيبِهِ (بِلَا إذْنٍ) مِنْهُ فِي بَيْعِهِ (وَصَرْفِهِ) الْغَيْرَ (فِيمَا لَا يَلْزَمُهُ) مِنْ نَفَقَةِ عِيَالٍ أَوْ وَفَاءِ دَيْنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، بِأَنْ صَرَفَهُ فِي تَوْسِعَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِمِثْلِهِ حِينَئِذٍ.
وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَوْ صَرَفَهُ غَيْرُهُ فِيمَا يَلْزَمُهُ لَوَجَبَ التَّصَدُّقُ بِمِثْلِهِ كَمَا لَوْ تَوَلَّاهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ بِإِذْنِ صَرْفٍ فِيمَا يَلْزَمُهُ أَوَّلًا، وَهُوَ مَا قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ.
(كَأَرْشِ عَيْبٍ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ) وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ ذَبْحِهَا؛ فَالْأَرْشُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْبَائِعِ فِي نَظِيرِهِ يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ وَلَا يَتَمَلَّكُهُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ فَإِنْ كَانَ الْعَيْبُ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، كَالْعَوَرِ يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِأَرْشِهِ لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهَا لِعَدَمِ إجْزَائِهَا.
وَ (إنَّمَا تَتَعَيَّنُ) ضَحِيَّةٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَحْكَامُهَا (بِالذَّبْحِ) لَا بِالنَّذْرِ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [سَوَاءٌ كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الْمُضَحِّي أَوْ غَيْرَهُ] إلَخْ: تَفْسِيرٌ لِلْإِطْلَاقِ فَتَحْتَهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ.
قَوْلُهُ: [فَإِنْ فَاتَ الْعِوَضُ] : أَيْ كَمَا فَاتَ الْمَبِيعُ.
قَوْلُهُ: [فَبِمِثْلِهِ يَتَصَدَّقُ] : أَيْ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَإِلَّا فَبِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا.
قَوْلُهُ: [فَلَا يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِمِثْلِهِ حِينَئِذٍ] : حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ فَوَاتِ الْعِوَضِ أَنَّ الصُّوَرَ سِتٌّ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ بِمِثْلِ الْعِوَضِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَقِيمَتِهِ إنْ كَانَ مُقَوَّمًا فِي خَمْسٍ وَهِيَ مَا إذَا تَوَلَّى الْبَيْعَ الْمُضَحِّي أَوْ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ، سَوَاءٌ صَرَفَ فِيمَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّي أَمْ لَا، أَوْ تَوَلَّاهُ الْغَيْرُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَصَرَفَهُ فِيمَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّيَ وَأَمَّا لَوْ تَوَلَّاهُ الْغَيْرُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَصَرَفَهُ فِيمَا لَا يَلْزَمُ الْمُضَحِّيَ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُضَحِّي.
قَوْلُهُ: [لَا بِالنَّذْرِ] : أَيْ لِقَوْلِ الْمُقَدِّمَاتِ: لَا تَجِبُ الْأُضْحِيَّةُ إلَّا بِالذَّبْحِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ (اهـ) . وَهَذَا فِي الْوُجُوبِ الَّذِي يُلْغِي طُرُوُّ الْعَيْبِ بَعْدَهُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَفَادَهُ الشَّارِحُ، فَإِنْ نَذَرَهَا ثُمَّ أَصَابَهَا عَيْبٌ قَبْلَ الذَّبْحِ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُ كَمَا قَالَ عَبْدُ السَّلَامِ، لِأَنَّ تَعْيِينَ الْمُكَلَّفِ وَالْتِزَامَهُ لَا يَرْفَعُ مَا طَلَبَ
وَلَا بِالنِّيَّةِ وَلَا بِالتَّمْيِيزِ لَهَا، فَإِنْ حَصَلَ لَهَا عَيْبٌ بَعْدَمَا ذُكِرَ لَمْ تَجُزْ ضَحِيَّةً وَلَمْ تُعَيَّنْ لِلذَّبْحِ، فَلَهُ أَنْ يَصْنَعَ بِهَا مَا شَاءَ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَتَعَيَّبْ فَيَجِبُ ذَبْحُهَا بِنَذْرِهَا.
وَقِيلَ: تَتَعَيَّنُ بِالنَّذْرِ، فَإِنْ تَعَيَّنَتْ بَعْدَهُ تَعَيَّنَ ذَبْحُهَا ضَحِيَّةً.
[حاشية الصاوي]
مِنْهُ الشَّارِعُ فِعْلَهُ يَوْمَ الْأَضْحَى مِنْ ذَبْحِ شَاةٍ سَلِيمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ.
بِخِلَافِ طُرُوُّ الْعَيْبِ فِي الْهَدْيِ بَعْدَ التَّقْلِيدِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ ذَبْحُهُ وَإِنْ كَانَ مَعِيبًا هَذَا هُوَ الْمُرَادُ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ عَدَمَ وُجُوبِ الضَّحِيَّةِ بِالنَّذْرِ مُطْلَقًا بَلْ نَذْرُهَا يُوجِبُ ذَبْحَهَا وَيَمْنَعُ بَيْعَهَا وَبَدَلَهَا.
قَوْلُهُ: [فَلَهُ أَنْ يَصْنَعَ بِهَا مَا شَاءَ] : أَيْ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ عِوَضٌ حَيْثُ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، غَايَةُ مَا هُنَاكَ يُطَالَبُ بِسُنَّةِ الضَّحِيَّةِ إنْ كَانَ غَنِيًّا.
قَوْلُهُ: [وَقِيلَ: تَتَعَيَّنُ بِالنَّذْرِ] : أَيْ فَيَكُونُ نَذْرُهَا كَتَعْيِينِ الْهَدْيِ بِالتَّقْلِيدِ.
تَتِمَّةٌ: يَجُوزُ إبْدَالُ الضَّحِيَّةِ بِدُونِهَا وَبِمُسَاوِيهَا هَذَا إذَا كَانَ الْإِبْدَالُ اخْتِيَارِيًّا، بَلْ وَإِنْ كَانَ اضْطِرَارِيًّا كَاخْتِلَاطٍ لَهَا مَعَ غَيْرِهَا.
لَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ تَرْكُ الْأَفْضَلِ لِصَاحِبِهِ إلَّا بِقُرْعَةٍ فَلَا يُكْرَهُ؛ لَكِنْ يُنْدَبُ لَهُ ذَبْحُ أُخْرَى أَفْضَلَ مِنْهَا.
وَيُكْرَهُ لَهُ ذَبْحُهَا.
فَإِنْ أَخَذَ الدُّونَ بِلَا قُرْعَةٍ وَذَبَحَهُ فَفِيهِ كَرَاهَتَانِ، وَيَجُوزُ أَيْضًا أَخْذُ عِوَضِ الضَّحِيَّةِ إنْ اخْتَلَطَتْ بَعْدَ الذَّبْحِ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، قَالَ: لِأَنَّ هَذَا لَا يُقْصَدُ.
بِهِ الْمُعَاوَضَةُ وَلِأَنَّهَا شَرِكَةٌ ضَرُورِيَّةٌ، فَأَشْبَهَتْ شَرِكَةَ الْوَرَثَةِ فِي لَحْمِ أُضْحِيَّةِ مُوَرِّثِهِمْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ قَسْمُهَا عَلَى حَسَبِ الْمَوَارِيثِ، وَلَوْ ذُبِحَتْ لَكِنْ بَعْدَ الذَّبْحِ بِالْقُرْعَةِ لِأَنَّهَا تَمْيِيزُ حَقٍّ بِالتَّرَاضِي، لِأَنَّهَا بَيْعٌ، وَيَجُوزُ بَيْعُهَا فِي دَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ مَا لَمْ تُذْبَحْ.
فَصْلٌ: فِي الْعَقِيقَةِ وَأَحْكَامِهَا
وَهِيَ مَا تُذْبَحُ مِنْ النَّعَمِ فِي سَابِعِ وِلَادَةِ الْمَوْلُودِ، وَبَدَأَ بِبَيَانِ حُكْمِهَا الْأَصْلِيِّ بِقَوْلِهِ: (الْعَقِيقَةُ مَنْدُوبَةٌ) عَلَى الْحُرِّ الْقَادِرِ.
(وَهِيَ كَالضَّحِيَّةِ) فِي السِّنِّ وَفِيمَا يُجْزِئُ وَفِيمَا لَا يُجْزِي وَفِي كَوْنِهَا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ.
تُذْبَحُ (فِي سَابِعِ الْوِلَادَةِ نَهَارًا) مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا تُجْزِي لَيْلًا.
(وَأُلْغِيَ يَوْمُهَا) أَيْ الْوِلَادَةِ (إنْ وُلِدَ نَهَارًا) بَعْدَ الْفَجْرِ فَلَا يُعَدُّ مِنْ السَّبْعَةِ.
فَإِنْ وُلِدَ قَبْلَهُ أَوْ مَعَهُ حُسِبَ مِنْهَا (وَتَسْقُطُ بِغُرُوبِهِ) أَيْ السَّابِعِ كَمَا تَسْقُطُ الْأُضْحِيَّةُ بِغُرُوبِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ.
(وَتَعَدَّدَتْ) الْعَقِيقَةُ (بِتَعَدُّدِهِ) : أَيْ الْمَوْلُودِ.
فَلِكُلِّ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى عَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ.
[حاشية الصاوي]
[فَصَلِّ فِي الْعَقِيقَة وَأَحْكَامهَا]
[مَنْدُوبَات الْعَقِيقَة وَمَكْرُوهَاتهَا]
قَوْلُهُ: [مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ] : جَعَلَ ابْنُ رُشْدٍ الْوَقْتَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: مُسْتَحَبًّا وَهُوَ مِنْ الصَّحْوَةِ لِلزَّوَالِ، وَمَكْرُوهًا وَهُوَ بَعْدَ الزَّوَالِ لِلْغُرُوبِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَمَمْنُوعًا وَهُوَ اللَّيْلُ فَلَا تُجْزِئُ إذَا ذُبِحَتْ فِيهِ.
قَوْلُهُ: [وَتَسْقُطُ بِغُرُوبِهِ] : أَيْ وَلَوْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا فِيهِ، وَقِيلَ: لَا تَفُوتُ بِفَوَاتِ الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ، بَلْ تُفْعَلُ يَوْمَ الْأُسْبُوعِ الثَّانِي، فَإِنْ لَمْ تُفْعَلْ فَفِي الْأُسْبُوعِ الثَّالِثِ، وَلَا تُفْعَلُ بَعْدَهُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَا تَسْقُطُ أَصْلًا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهَا أَبُوهُ طُولِبَ بِهَا هُوَ بَعْدَ الْبُلُوغِ.
قَوْلُهُ: [عَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ] : خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: يَعُقُّ عَنْ الْأُنْثَى بِوَاحِدَةٍ، وَعَنْ الذَّكَرِ بِاثْنَتَيْنِ، فَلَوْ وُلِدَ تَوْأَمَانِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ عَقَّ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدَةً.