فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البجيرمي
- الكتاب
- تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
- المؤلف
- سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه
وَتُسَمَّى خُلْطَةَ جِوَارٍ إذْ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي كَلَامِهِ وَالْخَلِيطَانِ مِنْ أَهْلِ زَكَاةٍ فِي نِصَابٍ أَوْ فِي أَقَلَّ مِنْهُ وَلِأَحَدِهِمَا نِصَابٌ وَلَوْ فِي غَيْرِ مَاشِيَةٍ مِنْ نَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي (يُزَكِّيَانِ) وُجُوبًا (زَكَاةً) بِالنَّصْبِ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، أَيْ كَزَكَاةِ الْمَالِ (الْوَاحِدِ) إجْمَاعًا كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ (بِشَرَائِطَ سَبْعَةٍ) بَلْ عَشَرَةٍ مَعَ أَنَّهُ جَرَى عَلَى وَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرَهُ عَلَى رَأْيٍ ضَعِيفٍ كَمَا سَتَعْرِفُهُ مَعَ إبْدَالِهِ بِغَيْرِهِ تَصْحِيحًا لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْعَدَدِ الْأَوَّلِ (إذَا كَانَ الْمُرَاحُ) وَاحِدًا وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ اسْمٌ
[حاشية البجيرمي]
وَلَوْ بِغَيْرِ رِضَا مَالِكِهَا.
قَوْلُهُ: (إلَّا الْحَوَامِلَ) وَلَوْ بِغَيْرِ مَأْكُولٍ لِأَنَّ فِيهِ أَخْذَ حَيَوَانَيْنِ بِحَيَوَانٍ ع ش.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا حَامِلٌ) أَيْ بِغَيْرِ رِضَا مَالِكِهَا فَتُجْزِئُ بِرِضَا مَالِكِهَا، بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ فَلَا تُجْزِئُ فِيهَا الْحَامِلُ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ عَيْبٌ هُنَاكَ لِرَدَاءَةِ لَحْمِهَا م د.
قَوْلُهُ (كَمَا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتْبَعَ الْمَرَاعِيَ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّا لَا نَضُرُّ الْمَالِكَ فَنُكَلِّفَهُ رَدَّهَا إلَى الْبَلَدِ، وَلَا نَضُرُّ السَّاعِيَ فَنُكَلِّفَهُ أَنْ يَتْبَعَ الْمَرَاعِيَ م د.
قَوْلُهُ: (وَأَفْنِيَتِهِمْ) عَطْفُ خَاصٍّ وَهُوَ جَمْعُ فِنَاءٍ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْوَاسِعُ أَمَامَ الدُّورِ؛ وَقِيلَ: إنَّ الْعَطْفَ مُرَادِفٌ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ وَإِلَّا يَكُنْ ثِقَةً، أَوْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ عَدَدَهَا.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ الْوَاجِبُ يَخْتَلِفُ بِهِ) كَمِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ.
[فَصْلٌ فِي زَكَاةِ خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ]
ِ قَوْلُهُ: (وَالْخَلِيطَانِ) تَثْنِيَةُ خَلِيطٍ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، أَيْ الْخَالِطَانِ أَيْ الشَّخْصَانِ الْخَالِطَانِ يُزَكِّيَانِ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ كَزَكَاةِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ.
أَوْ تَثْنِيَةُ خَلِيطٍ فَعِيلٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ وَالْمَالَانِ الْمَخْلُوطَانِ يُزَكَّيَانِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ كَزَكَاةِ الْمَالِ الْوَاحِدِ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ: " مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ " يَقْتَضِي الْأَوَّلَ، وَقَوْلُهُ: " أَيْ كَزَكَاةِ " يَقْتَضِي الثَّانِيَ م د وَبَعْضَهُ فِي أج.
قَوْلُهُ: (أَوْ فِي أَقَلَّ مِنْهُ) أَفَادَ أَنَّ الشَّرِكَةَ فِيمَا دُونَ نِصَابٍ تُؤَثِّرُ إذَا مَلَكَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا، كَأَنْ اشْتَرَكَا فِي عِشْرِينَ شَاةً مُنَاصَفَةً وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِثَلَاثِينَ فَيَلْزَمُهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ شَاةٍ وَالْآخَرَ خُمْسُ شَاةٍ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ؛ لِأَنَّ مَجْمُوعَ الْمَالَيْنِ خَمْسُونَ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَحَدِهِمَا نِصَابٌ) أَيْ بِالْمُشْتَرَكِ.
وَلَوْ قَالَ " وَلِأَحَدِهِمَا مَا يُكْمِلُ نِصَابًا " لَكَانَ وَاضِحًا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا نِصَابٌ، وَإِنْ بَلَغَهُ مَجْمُوعُ الْمَالَيْنِ، كَأَنْ انْفَرَدَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِتِسْعَةَ عَشَرَ وَاشْتَرَكَا فِي ثِنْتَيْنِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَفِي حَاشِيَةِ ز ي: لَوْ مَلَكَ كُلٌّ مِنْ اثْنَيْنِ أَرْبَعِينَ فَخَلَطَا أَرْبَعِينَ مِنْهُمَا عِشْرِينَ بِمِثْلِهَا ثُمَّ خَلَطَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْعِشْرِينَ الْبَاقِيَةَ لَهُ بِعِشْرِينَ لِآخَرَ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا فَالْمَجْمُوعُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ تُجْعَلُ مَالًا وَاحِدًا، فَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَوَّلَيْنِ ثُلُثُ شَاةٍ وَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَخِيرَيْنِ سُدُسُ شَاةٍ اهـ. قُلْت: وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَوَّلَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَرْبَعُونَ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَخِيرَيْنِ عِشْرُونَ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ فِي غَيْرِ مَاشِيَةٍ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " وَالْخَلِيطَانِ " وَكَأَنَّهُ قَالَ: الْخَلِيطَانِ يُزَكَّيَانِ زَكَاةَ الْوَاحِدِ سَوَاءٌ كَانَ فِي مَاشِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ وَلَيْسَ رَاجِعًا لِقَوْلِهِ " وَلِأَحَدِهِمَا نِصَابٌ " لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ.
قَوْلُهُ: (كَزَكَاةِ الْمَالِ إلَخْ) وَإِنْ كَانَ مَالُ كُلٍّ مُتَمَيِّزًا كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا ح ف.
قَوْلُهُ: (عَلَى وَاحِدٍ) " عَلَى " بِمَعْنَى " فِي " وَقَوْلُهُ " تَصْحِيحًا " مُتَعَلِّقٌ بِإِبْدَالٍ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ تَكُونَ) أَيْ الْفُحُولُ، فَهُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " أَوْ أَكْثَرَ " وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْأَكْثَرِ وَهُوَ الْفُحُولُ، وَالتَّذْكِيرُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالنَّظَرِ لِلَّفْظِ
لِمَوْضِعِ مَبِيتِ الْمَاشِيَةِ.
(وَ) الثَّانِي إذَا كَانَ (الْمَسْرَحُ وَاحِدًا) وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي تَجْتَمِعُ فِيهِ ثُمَّ تُسَاقُ إلَى الْمَرْعَى.
(وَ) الثَّالِثُ: إذَا كَانَ (الْمَرْعَى وَاحِدًا) وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي تَرْعَى فِيهِ.
(وَ) الرَّابِعُ (إذَا كَانَ الْفَحْلُ) الَّذِي يَضْرِبُهَا (وَاحِدًا) أَوْ أَكْثَرَ بِأَنْ تَكُونَ مُرْسَلَةً تَنْزُو عَلَى كُلٍّ مِنْ الْمَاشِيَتَيْنِ بِحَيْثُ لَا تَخْتَصُّ مَاشِيَةُ هَذَا بِفَحْلٍ عَنْ مَاشِيَةِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ مِلْكًا لِأَحَدِهِمَا أَوْ مُعَارًا لَهُ أَوْ لَهُمَا إلَّا إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعُ كَضَأْنٍ وَمَعْزٍ فَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُهُ قَطْعًا لِلضَّرُورَةِ.
(وَ) الْخَامِسُ إذَا كَانَ (الْمَشْرَبُ وَاحِدًا) وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَوْضِعُ شُرْبِ الْمَاشِيَةِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ نَهْرٍ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ.
(وَ) السَّادِسُ إذَا كَانَ (الْحَالِبُ) وَهُوَ الَّذِي يَحْلُبُ اللَّبَنَ (وَاحِدًا) عَلَى رَأْيٍ ضَعِيفٍ وَهَذَا هُوَ الشَّرْطُ الَّذِي تَقَدَّمَ الْإِعْلَامُ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ جَرَى فِيهِ عَلَى رَأْيٍ ضَعِيفٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُهُ كَجَازِ الْغَنَمِ وَالْإِنَاءِ الَّذِي يَحْلُبُ فِيهِ كَآلَةِ الْجَزِّ، وَيُبَدَّلُ بِاتِّحَادِ الرَّاعِي فَإِنَّهُ شَرْطٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَمَعْنَاهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا بِرَاعٍ وَلَا يَضُرُّ تَعَدُّدُ الرُّعَاةِ.
(وَ) السَّابِعُ إذَا كَانَ (مَوْضِعُ الْحَلَبِ وَاحِدًا وَهُوَ) بِفَتْحِ اللَّامِ يُقَالُ لِلَّبَنِ وَلِلْمَصْدَرِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَحُكِيَ سُكُونُهَا.
وَالثَّامِنُ إذَا كَانَتْ الْمَاشِيَتَانِ نِصَابًا كَامِلًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ وَلِأَحَدِهِمَا نِصَابٌ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.
وَالتَّاسِعُ مُضِيُّ الْحَوْلِ مِنْ وَقْتِ خَلْطِهِمَا إذَا كَانَ الْمَالُ حَوْلِيًّا، فَلَوْ مَلَكَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَرْبَعِينَ شَاةً فِي أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ وَخَلَطَا فِي أَوَّلِ صَفَرٍ فَالْجَدِيدُ أَنَّهُ لَا خُلْطَةَ فِي الْحَوْلِ بَلْ إذَا جَاءَ الْمُحَرَّمُ وَجَبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا شَاةٌ، وَلَوْ تَفَرَّقَتْ مَاشِيَتُهُمَا فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ نُظِرَ إنْ كَانَ زَمَنًا طَوِيلًا عُرْفًا وَلَوْ بِلَا قَصْدِ ضُرٍّ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا وَلَمْ يَعْلَمَا بِهِ لَمْ يَضُرَّ فَإِنْ عَلِمَا بِهِ وَأَقَرَّاهُ أَوْ قَصَدَا ذَلِكَ أَوْ عَلِمَهُ أَحَدُهُمَا فَقَطْ ضَرَّ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ.
وَالْعَاشِرُ أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ النِّصَابُ الْمَخْلُوطُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ أَوْ مُكَاتَبٍ لَمْ تُؤَثِّرْ هَذِهِ الْخُلْطَةُ شَيْئًا بَلْ يُعْتَبَرُ نَصِيبُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ إنْ بَلَغَ نِصَابًا زَكَّى زَكَاةَ الْمُنْفَرِدِ وَإِلَّا فَلَا زَكَاةَ، وَلَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْخُلْطَةِ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ خِفَّةَ الْمُؤْنَةِ بِاتِّحَادِ الْمَرَافِقِ لَا تَخْتَلِفُ بِالْقَصْدِ وَعَدَمِهِ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ الِاتِّحَادُ فِيمَا مَرَّ لِيُجْمَعَ الْمَالَانِ كَالْمَالِ الْوَاحِدِ وَلِتَخِفَّ الْمُؤْنَةُ عَلَى الْمُحْسِنِ بِالزَّكَاةِ.
[حاشية البجيرمي]
الْأَكْثَرِ.
قَوْلُهُ: (تَنْزُو) أَيْ تَطْرُقُ.
وَيُشْتَرَطُ اتِّحَادُ مَكَانِ الْإِنْزَاءِ كَالْحَلْبِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (إذَا كَانَ الْمَشْرَبُ وَاحِدًا) بِأَنْ لَا تَخْتَصَّ مَاشِيَةُ أَحَدِهِمَا بِمَوْضِعٍ.
قَوْلُهُ: (يَحْلُبُ اللَّبَنَ) مِنْ بَابِ طَلَبَ يَطْلُبُ طَلَبًا بِفَتْحِ اللَّامِ، فَكَذَا هُنَا؛ تَقُولُ: حَلَبَ يَحْلُبُ بِالضَّمِّ حَلَبًا بِالْفَتْحِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّحَادُهُ) وَمِثْلُهُ الصُّوفُ وَاللَّبَنُ فَلَا يُشْتَرَطُ الْخَلْطُ فِيهِمَا بَلْ يَحْرُمُ خَلْطُ اللَّبَنِ لِلرِّبَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ.
وَلَا يَرِدُ خَلْطُ الْمُسَافِرِينَ أَزْوَادَهُمْ حَيْثُ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَكُولًا لِاعْتِيَادِ الْمُسَامَحَةِ بِهِ، بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ.
اهـ. حَجّ أج.
قَوْلُهُ: (إذَا كَانَ الْمَالُ حَوْلِيًّا) الْأَوْلَى حَذْفُهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْآنَ فِي الْحَوْلِيِّ وَسَيَأْتِي غَيْرُهُ، تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فِي أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ) هَذَا إنْ اتَّحَدَا فِي ابْتِدَاءِ الْحَوْلِ، وَإِلَّا فَلَوْ مَلَكَ زَيْدٌ أَرْبَعِينَ شَاةً غُرَّةَ مُحَرَّمٍ وَعَمْرٌو أَرْبَعِينَ شَاةً غُرَّةَ صَفَرٍ فَخَلَطَاهَا حِينَئِذٍ فَالْوَاجِبُ عَلَى زَيْدٍ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ الْأَوَّلِ شَاةٌ ثُمَّ بَعْدَهُ لِكُلِّ حَوْلٍ نِصْفُ شَاةٍ وَعَلَى عَمْرٍو نِصْفُ شَاةٍ لِكُلِّ حَوْلٍ ق ل. قَوْلُهُ: (وَجَبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا شَاةٌ) أَيْ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَضَى عَلَيْهِ حَوْلٌ وَهُوَ مَالِكٌ لِلنِّصَابِ وَلَا يَكْفِيهِمَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ لِعَدَمِ تَأْثِيرِ الْخُلْطَةِ.
قَوْلُهُ: (زَمَنًا طَوِيلًا) الْمُرَادُ بِهِ مَا يُؤَثِّرُ فِي عَلَفِ السَّائِمَةِ كَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، إطْفِيحِيٌّ وَق ل: قَوْلُهُ (ضَرَّ) مَعْنَى ضَرَرِهِ نَفْيُ الْخُلْطَةِ ق ل، أَيْ ارْتَفَعَتْ الْخُلْطَةُ وَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ ارْتِفَاعُهَا فِي الْحَوْلِ، فَمَنْ كَانَ نَصِيبُهُ نِصَابَ زَكَاةٍ فَتَمَامُ حَوْلِهِ مِنْ يَوْمِ مَلَكَهُ لَا مِنْ يَوْمِ ارْتِفَاعِهَا سم.
قَوْلُهُ: (وَأَقَرَّاهُ) أَيْ أَبْقَيَاهُ وَرَضِيَا بِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَصَدَا ذَلِكَ) أَيْ التَّفَرُّقَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ خِفَّةَ الْمُؤْنَةِ إلَخْ) يُشْكِلُ عَلَيْهِ السَّوْمُ، فَإِنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ مَوْجُودٌ فِيهِ؛ وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا: لَا بُدَّ مِنْ قَصْدِهِ، إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْخُلْطَةَ لَيْسَتْ مُوجِبَةً لِلزَّكَاةِ بِإِطْلَاقِهَا أَيْ فِي جَمِيعِ
تَنْبِيهٌ: مِثْلُ خُلْطَةِ الْجِوَارِ خُلْطَةُ الشَّرِكَةِ، وَتُسَمَّى خُلْطَةَ أَعْيَانٍ لِأَنَّ كُلَّ عَيْنٍ مُشْتَرَكَةٌ وَخُلْطَةَ شُيُوعٍ.
تَتِمَّةٌ: الْأَظْهَرُ تَأْثِيرُ خُلْطَةِ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَالنَّقْدِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ بِاشْتِرَاكٍ أَوْ مُجَاوَرَةٍ كَمَا فِي الْمَاشِيَةِ، وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ خُلْطَةُ الْجِوَارِ فِي الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَمَيَّزَ النَّاطُورُ وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ أَشْهَرُ مِنْ الْمُعْجَمَةِ حَافِظُ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ وَالْجَرِينِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ مَوْضِعُ تَجْفِيفِ الثِّمَارِ وَالْبَيْدَرِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مَوْضِعُ تَصْفِيَةِ الْحِنْطَةِ، وَفِي الْبَقْلِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَمَيَّزَ الدَّكَّانُ وَالْحَارِسُ وَمَكَانُ الْحِفْظِ كَخِزَانَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَالْمِيزَانِ وَالْوَزَّانِ وَالنَّقَّادِ وَالْمُنَادِي وَالْحَرَّاثِ وَجَذَّاذِ النَّخْلِ وَالْكَيَّالِ وَالْحَمَّالِ وَالْمُتَعَهِّدِ وَالْمُلَقِّحِ وَالْحَصَّادِ وَمَا يَسْقِي بِهِ لَهُمَا، فَإِذَا كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا نَخِيلٌ أَوْ زَرْعٌ مُجَاوِرَةً لِنَخِيلِ الْآخَرِ أَوْ لِزَرْعِهِ، أَوْ لِكُلِّ وَاحِدٍ كِيسٌ فِيهِ نَقْدٌ فِي صُنْدُوقٍ وَاحِدٍ وَأَمْتِعَةُ تِجَارَةٍ فِي مَخْزَنٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَتَمَيَّزْ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ بِشَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ ثَبَتَتْ الْخُلْطَةُ؛ لِأَنَّ الْمَالَيْنِ يَصِيرَانِ بِذَلِكَ كَالْمَالِ الْوَاحِدِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ فِي الْمَاشِيَةِ.
[حاشية البجيرمي]
صُوَرِهَا، بَلْ الْمُوجِبُ النِّصَابُ مَعَ الْحَوْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ الشُّرُوطِ، بِخِلَافِ السَّوْمِ فَإِنَّهُ مُوجِبٌ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فَوَجَبَ قَصْدُهُ اهـ حَجّ بِبَعْضِ إيضَاحٍ.
قَوْلُهُ: (خُلْطَةِ الْجِوَارِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَشْهَرُ مِنْ ضَمِّهَا شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَخُلْطَةَ شُيُوعٍ) أَيْ وَتُسَمَّى خُلْطَةَ إلَخْ فَهُوَ مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى خُلْطَةِ الْأَعْيَانِ
قَوْلُهُ مَوْضِعُ تَجْفِيفِ الثِّمَارِ مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا هُوَ مَا صَحَّحَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَخَالَفَ الثَّعَالِبِيَّ فَقَالَ الْجَرِينُ لِلزَّبِيبِ وَالْبَيْدَرُ لِلْحِنْطَةِ وَالْمِرْبَدُ لِلتَّمْرِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ أج
قَوْلُهُ (وَالْبَيْدَرِ) إلَخْ قَدْ هُجِرَ الْآنَ اسْمُ الْبَيْدَرِ فِي غَالِبِ الْأَمَاكِنِ وَاشْتُهِرَ الْجَرِينُ بِذَلِكَ مَعَ إسْقَاطِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ فَيُقَالُ الْآنَ عِنْدَ الْعَامَّةِ جُرْنٌ بِضَمِّ الْجِيمِ وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا زَرْعٌ بِجَنْبِ الْآخَرِ وَأَنْ لَا يَتَمَيَّزَ الْحَرَّاثُ وَالسَّاقِي وَالْحَصَّادُ وَأَنْ يَكُونَ جُرْنُ كُلٍّ بِجَنْبِ الْآخَرِ وَإِنْ تَمَيَّزَ جُرْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ الْجُرْنُ وَاحِدًا لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ خُلْطَةُ شُيُوعٍ فَقَوْلُ الشَّارِحِ وَالْجَرِينِ وَالْبَيْدَرِ بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الزَّرْعِ
تَنْبِيهٌ حَيْثُ ثَبَتَتْ الْخُلْطَةُ وَأَخَذَ السَّاعِي قَدْرَ الْوَاجِبِ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا رَجَعَ عَلَى الْآخَرِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِثْلًا فِي الْمِثْلِيِّ وَقِيمَةً فِي الْمُتَقَوِّمِ وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ تَكْفِي نِيَّةُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ وَالْقَوْلُ فِي قِيمَةِ الْمَأْخُوذِ قَوْلُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ كَمَا قَالَهُ ق ل قَوْلُهُ (وَفِي النَّقْدِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ (فِي الثَّمَرِ)
وَذِكْرُ الْحَارِسِ بَعْدَ ذِكْرِ النَّاطُورِ مِنْ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ أج وَفِيهِ أَنَّ النَّاطُورَ ذُكِرَ فِي الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَهَذَا فِي النَّقْدِ وَعَرْضِ التِّجَارَةِ قَوْلُهُ الدَّكَّانُ بِفَتْحِ الدَّالِ الْحَانُوتُ قَوْلُهُ (وَنَحْوِ ذَلِكَ) أَيْ نَحْوِ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فِي الثِّمَارِ وَالزُّرُوعِ وَالنَّقْدِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ بِدَلِيلِ الْأَمْثِلَةِ الْآتِيَةِ أَيْ وَأَنْ لَا يَتَمَيَّزَ بِنَحْوِ ذَلِكَ قَوْلُهُ (وَالْمُنَادِي) أَيْ الدَّلَّالِ
قَوْلُهُ (وَالْحَرَّاثِ وَجَدَّادِ النَّخْلِ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ يُقَالُ جَدَّ الشَّيْءَ يَجُدُّهُ مِنْ بَابِ قَتَلَ قَطَعَهُ مِصْبَاحٌ وَقِيلَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْضًا وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرُ هَذَيْنِ فِي خُلْطَةِ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُمَا.
اهـ. ح ف
قَوْلُهُ وَالْمُلَقِّحِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْقَافِ مُشَدَّدَةً قَوْلُهُ (وَمَا يُسْقَى بِهِ) أَيْ وَالشَّيْءِ الَّذِي يُسْقَى بِهِ كَالدَّلْوِ وَالثَّوْرِ وَيُعْتَبَرُ أَيْضًا اتِّحَادُ الْمَاءِ الَّذِي يُسْقَى مِنْهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَالرَّوْضِ قَوْلُهُ (أَوْ لِكُلِّ وَاحِدٍ كِيسٌ إلَخْ) وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ وَدَائِعُ لَا تَبْلُغُ كُلُّ وَاحِدَةٍ نِصَابًا وَبَلَغَ مَجْمُوعُهَا نِصَابًا وَجَعَلَهَا فِي صُنْدُوقٍ عِنْدَهُ وَحَالَ الْحَوْلُ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهَا.
اهـ. ق ل وع ش
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ نِصَابِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَا يَجِبُ إخْرَاجُهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ مَعَ مَا يَأْتِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: 34] وَالْكَنْزُ هُوَ الَّذِي لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ.
(وَنِصَابُ الذَّهَبِ) الْخَالِصِ وَلَوْ غَيْرَ مَضْرُوبٍ (عِشْرُونَ مِثْقَالًا) بِالْإِجْمَاعِ بِوَزْنِ مَكَّةَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ وَالْوَزْنُ وَزْنُ مَكَّةَ» وَهَذَا الْمِقْدَارُ تَحْدِيدٌ فَلَوْ نَقَصَ فِي مِيزَانٍ وَتَمَّ فِي أُخْرَى فَلَا زَكَاةَ عَلَى الْأَصَحِّ لِلشَّكِّ فِي النِّصَابِ، وَالْمِثْقَالُ لَمْ يَتَغَيَّرْ جَاهِلِيَّةً وَلَا إسْلَامًا وَهُوَ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّةً وَهِيَ شَعِيرَةٌ مُعْتَدِلَةٌ لَمْ تُقَشَّرْ وَقُطِعَ مِنْ طَرَفَيْهَا مَا دَقَّ وَطَالَ (وَفِيهِ) أَيْ نِصَابِ الذَّهَبِ (رُبْعُ الْعُشْرِ وَهُوَ نِصْفُ مِثْقَالٍ) تَحْدِيدًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا شَيْءٌ، وَفِي عِشْرِينَ نِصْفُ دِينَارٍ» (وفِيمَا زَادَ) عَلَى النِّصَابِ (بِحِسَابِهِ) وَلَوْ يَسِيرًا (وَنِصَابُ الْوَرِقِ) وَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْفِضَّةُ وَلَوْ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ (مِائَتَا دِرْهَمٍ) خَالِصَةً بِوَزْنِ مَكَّةَ تَحْدِيدًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ» وَالْأُوقِيَّةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا بِالنُّصُوصِ الْمَشْهُورَةِ وَالْإِجْمَاعِ قَالَهُ فِي
[حاشية البجيرمي]
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ نِصَابِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ]
ِ قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْإِجْمَاعِ) وَأَمَّا بَعْدَ الْإِجْمَاعِ فَالدَّلِيلُ هُوَ الْإِجْمَاعُ لِأَنَّهُ قَطْعِيٌّ قَوْلُهُ: (وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ إلَخْ) وَجْهُ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ أَنَّهُ تَوَعُّدٌ عَلَى عَدَمِ الزَّكَاةِ بِالْعَذَابِ وَالْوَعِيدُ عَلَى الشَّيْءِ يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْهُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَتْرُكُوا الزَّكَاةَ، وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَدُّوا الزَّكَاةَ، وَهُوَ أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: (وَالْكَنْزُ هُوَ إلَخْ) يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34] فَإِنَّهُ تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ قَوْلُهُ: (مَا دَقَّ) أَيْ مَا كَانَ دَقِيقًا رَفِيعًا قَوْلُهُ: (وَفِيمَا زَادَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ " وَفِيهِ " أَيْ وَيَجِبُ فِيمَا زَادَ رُبْعُ عُشْرِهِ، لَكِنَّ الْوَاجِبَ فِيمَا زَادَ بِحِسَابِهِ لَا يَتَقَيَّدُ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ، فَقَوْلُهُ " فَبِحِسَابِهِ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَالْفَاءُ دَاخِلَةٌ فِي جَوَابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: فَإِذَا وَجَبَ فِيمَا زَادَ فَالْوَاجِبُ بِحِسَابِ الزَّائِدِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي تَحَرَّرَ أَنَّ النِّصَابَ فِي الْبَنَادِقَةِ وَالْفَنَادِقَةِ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَّا ثُلُثًا؛ لِأَنَّ الْبُنْدُقِيَّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ قِيرَاطًا وَالْمِثْقَالَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا وَالْقِيرَاطَ ثَلَاثُ شَعِيرَاتٍ، فَكُلُّ ثَلَاثِ مَثَاقِيلَ أَرْبَعَةُ بَنَادِقَةٍ؛ وَالْفُنْدُقْلِيُّ كَالْبُنْدُقِيِّ فِي الْوَزْنِ، لَكِنَّهُ أَيْ الْفُنْدُقْلِيَّ لَيْسَ سَالِمًا مِنْ الْغِشِّ وَالْبُنْدُقِيُّ سَالِمٌ مِنْ الْغِشِّ.
وَفِي الْمَحَابِيبِ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ مَحْبُوبًا كَامِلَةً.
وَالدَّرَاهِمُ الْمَعْرُوفَةُ الْآنَ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ فَتَكُونُ الْأَوَاقِي الْخَمْسُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ.
وَقَدْ كَانَ فِي السَّابِقِ دِرْهَمٌ يُقَالُ لَهُ الْبَغْلِيُّ وَكَانَ ثَمَانِيَةَ دَوَانِقَ، وَدِرْهَمٌ يُقَالُ لَهُ الطَّبَرِيُّ أَرْبَعَةُ دَوَانِقَ؛ فَالدَّرَاهِمُ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أُخِذَ نِصْفُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَهُوَ سِتَّةُ دَوَانِقَ وَجُعِلَ دِرْهَمًا فِي زَمَنِ عُمَرَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ كَالسُّبْكِيِّ: وَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْإِجْمَاعُ عَلَى غَيْرِ مَا كَانَ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَمَنِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَيَجِبُ تَأْوِيلُ خِلَافِ ذَلِكَ م ر. وَأَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ فِي الْإِسْلَامِ الْحَجَّاجُ بِأَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَكَتَبَ عَلَيْهَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 2] أَيْ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْ الدَّرَاهِمِ: ﴿اللَّهِ أَحَدٌ﴾ [الجن: 22] وَعَلَى وَجْهِهِ الثَّانِي: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 2] .
وَلَمْ تُوجَدْ الدَّرَاهِمُ الْإِسْلَامِيَّةُ إلَّا فِي زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَتْ الدَّرَاهِمُ قَبْلَ ذَلِكَ رُومِيَّةً وَكِسْرَوِيَّةً، وَفِي زَمَنِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاَللَّهِ وَهُوَ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ وَسَمَّاهَا النُّقْرَةَ وَكَانَتْ كُلُّ عَشَرَةٍ بِدِينَارٍ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ كَمَا فِي سِيرَةِ الْحَلَبِيِّ.
قَوْلُهُ: (بِكَسْرِ الرَّاءِ) مَعَ فَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا، وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا: رِقَّةٌ، بِحَذْفِ الْوَاوُ وَتَعْوِيضِ الْهَاءِ عَنْهَا قَوْلُهُ: (خَمْسِ أَوَاقٍ) بِقَصْرِ الْهَمْزَةِ بِوَزْنِ جَوَارٍ قَوْلُهُ: (أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا) أَيْ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، وَقَدْ حَدَثَ لِلنَّاسِ عُرْفٌ آخَرُ فَجَعَلُوهَا عِبَارَةً
الْمَجْمُوعِ، وَالْمُرَادُ بِالدَّرَاهِمِ الدَّرَاهِمُ الْإِسْلَامِيَّةُ الَّتِي كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ، وَكُلُّ عَشَرَةِ مَثَاقِيلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَسَبْعُونَ، وَكَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُخْتَلِفَةً ثُمَّ ضُرِبَتْ فِي زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَقِيلَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى هَذَا الْوَزْنِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ، وَوَزْنُ الدِّرْهَمِ سِتَّةُ دَوَانِقَ وَالدَّانَقُ ثَمَانُ حَبَّاتٍ وَخُمْسَا حَبَّةٍ، فَالدِّرْهَمُ خَمْسُونَ حَبَّةً وَخُمْسَا حَبَّةٍ، وَمَتَى زِيدَ عَلَى الدِّرْهَمِ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ كَانَ مِثْقَالًا وَمَتَى نَقَصَ مِنْ الْمِثْقَالِ ثَلَاثَةُ أَعْشَارِهِ كَانَ دِرْهَمًا لِأَنَّ الْمِثْقَالَ عَشَرَةُ أَسْبَاعٍ، فَإِذَا نَقَصَ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ بَقِيَ دِرْهَمٌ (وَفِيهَا) أَيْ الدَّرَاهِمِ الْمَذْكُورَةِ (رُبْعُ الْعُشْرِ) مِنْهَا (وَهُوَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ»
(وَمَا زَادَ) عَلَى النِّصَابِ وَلَوْ يَسِيرًا (فَبِحِسَابِهِ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَوَاشِي ضَرَرُ الْمُشَارَكَةِ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مُعَدَّانِ لِلنَّمَاءِ كَالْمَاشِيَةِ السَّائِمَةِ، وَهُمَا مِنْ أَشْرَفِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ إذْ بِهِمَا قِوَامُ الدُّنْيَا وَنِظَامُ أَحْوَالِ الْخَلْقِ فَإِنَّ حَاجَاتِ النَّاسِ كَثِيرَةٌ وَكُلُّهَا تُقْضَى بِهِمَا بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَمْوَالِ،
[حاشية البجيرمي]
عَنْ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا وَعِنْدَ الطِّيبِيِّ عَشْرُ دَرَاهِمَ وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَبَعْضُهُمْ سَمَّى هَذِهِ الْأُوقِيَّةَ أُوقِيَّةَ الطِّيبِ قَوْلُهُ: (أَرْبَعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا إلَخْ) وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعَشَرَةَ مَثَاقِيلَ تَبْلُغُ سَبْعَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ حَبَّةً حَاصِلَةً مِنْ ضَرْبِ عَشَرَةٍ فِي اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ مِقْدَارِ الْمِثْقَالِ، وَالْأَرْبَعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا تَبْلُغُ سَبْعَمِائَةِ حَبَّةٍ وَخَمْسَةٌ وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فِي خَمْسِينَ وَخُمْسَيْ حَبَّةٍ مِقْدَارِ الدِّرْهَمِ، يَبْقَى مِنْ السَّبْعِمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَخُمُسَانِ وَهِيَ مِقْدَارُ سُبْعَيْ الدِّرْهَمِ، تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ) أَيْ الدَّرَاهِمُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ " مُخْتَلِفَةً " وَإِذَا أَرَدْت مَعْرِفَةَ أَخْذِ الدَّرَاهِمِ مِنْ الْمَثَاقِيلِ فَخُذْ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ عَشَرَةِ مَثَاقِيلَ يَفْضُلُ مِنْ كُلِّ مِثْقَالٍ ثَلَاثَةُ أَعْشَارِهِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ الدِّرْهَمِ، فَإِذَا ضَرَبْت الثَّلَاثَةَ فِي عَشَرَةٍ تَبْلُغُ ثَلَاثِينَ سُبْعًا ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْهَا بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ يَفْضُلُ سُبْعَانِ.
قَوْلُهُ: (فَالدِّرْهَمُ خَمْسُونَ حَبَّةً) وَجْهُهُ أَنَّ السِّتَّةَ تُضْرَبُ فِي ثَمَانِيَةٍ تَبْلُغُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ ثُمَّ تُضْرَبُ السِّتَّةُ أَيْضًا فِي الْخَمْسِينَ تَبْلُغُ اثْنَيْ عَشَرَ خُمُسَا عَشَرَةٍ مِنْهَا بِحَبَّتَيْنِ فَتَصِيرُ خَمْسِينَ وَيُضَمُّ إلَى ذَلِكَ الْخُمُسَانِ الْبَاقِيَانِ تَبْلُغُ مَا قَالَهُ قَوْلُهُ: (وَمَتَى زِيدَ إلَخْ) وَجْهُهُ أَنَّ ثَلَاثَةَ أَسْبَاعِ الدِّرْهَمِ إحْدَى وَعِشْرُونَ حَبَّةً وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسِ حَبَّةٍ؛ لِأَنَّ تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا أَحَدٌ وَعِشْرُونَ؛ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ مِنْ ضَرْبِ سَبْعَةٍ فِي سَبْعَةٍ، يَبْقَى حَبَّةٌ وَخُمْسَانِ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا ثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ، يُضَافُ ذَلِكَ إلَى الْخَمْسِينَ وَخُمُسَيْ الْحَبَّةِ يَحْصُلُ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ ثَلَاثَةُ أَعْشَارِهَا أَحَدٌ وَعِشْرُونَ وَثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ؛ شَوْبَرِيٌّ قَوْلُهُ: (عَشَرَةُ أَسْبَاعٍ) أَيْ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، أَيْ بِالثَّلَاثَةِ أَسْبَاعِ الَّتِي زِيدَتْ عَلَى الدِّرْهَمِ حَتَّى صَارَ مِثْقَالًا.
قَوْلُهُ: (وَفِيهَا رُبْعُ الْعُشْرِ) أَيْ لِكُلِّ عَامٍ كَانَ النِّصَابُ فِيهِ كَامِلًا، بِخِلَافِ الْحُبُوبِ تَجِبُ فِيهَا زَكَاتُهَا سَنَةً فَقَطْ وَلَوْ بَقِيَتْ سِنِينَ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مُعَدَّانِ لِلنَّمَاءِ، فَمَا دَامَا بَاقِيَيْنِ تَجِبُ زَكَاتُهُمَا بِخِلَافِ الْحُبُوبِ فَإِنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلْفَسَادِ
قَوْلُهُ: (وَمَا زَادَ إلَخْ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ فَبِحِسَابِهِ خَبَرُهُ، وَزِيدَتْ الْفَاءُ لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ أَشْبَهَ الشَّرْطَ فِي الْعُمُومِ.
وَهَذَا التَّرْكِيبُ غَيْرُ التَّرْكِيبِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الذَّهَبِ قَوْلُهُ: (ضَرَرُ الْمُشَارَكَةِ) أَيْ مُشَارَكَةِ الْفُقَرَاءِ فِي الْمَوَاشِي لَوْ قُلْنَا فِيهَا وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَمْوَالِ كَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ قَوْلُهُ: (وَكُلُّهَا تُقْضَى بِهِمَا) وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا أَكَلَ مِنْ الشَّجَرَةِ وَأُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ وَأُخْرِجَ مِنْ الْجَنَّةِ بَكَى عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ فِيهَا مَا عَدَا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِمَا: قَدْ جَاوَرْت بِكُمَا وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَائِي فِي الْجَنَّةِ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهَا بَكَى عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ وَأَنْتُمَا لَمْ تَبْكِيَا عَلَيْهِ؟ فَقَالَا: لَا نَبْكِي عَلَى مَنْ عَصَاك، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُعِزَّنَّكُمَا، وَلِأَجْعَلَنكُمْ قِيمَةَ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يُشْتَرَى شَيْءٌ إلَّا بِكُمَا اهـ مِنْ كِتَابِ كَشْفِ الْأَسْرَارِ فِيمَا خَفِيَ مِنْ الْأَفْكَارِ لِابْنِ الْعِمَادِ.
وَلَا يَنْبَغِي ذِكْرُ هَذِهِ عِنْدَ الْعَوَامّ لِمَا فِيهَا مِنْ نِسْبَةِ الْعِصْيَانِ لِرَسُولِ اللَّهِ آدَمَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، إذْ لَا يَجُوزُ ذِكْرُهُ إلَّا فِي مَقَامِ تَفْسِيرِ الْآيَةِ كَمَا ذَكَرَ السَّنُوسِيُّ وَغَيْرُهُ.
فَمَنْ كَنَزَهُمَا فَقَدْ أَبْطَلَ الْحِكْمَةَ الَّتِي خُلِقَا لَهَا كَمَنْ حَبَسَ قَاضِيَ الْبَلَدِ وَمَنَعَهُ أَنْ يَقْضِيَ حَوَائِجَ النَّاسِ، وَلَا يَكْمُلُ نِصَابُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ كَمَا لَا يَكْمُلُ نِصَابُ التَّمْرِ بِالزَّبِيبِ، وَيَكْمُلُ الْجَيِّدُ بِالرَّدِيءِ مِنْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَعَكْسُهُ كَمَا فِي الْمَاشِيَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْجَوْدَةِ النُّعُومَةُ وَنَحْوُهَا، وَبِالرَّدَاءَةِ الْخُشُونَةُ وَنَحْوُهَا، وَيُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِقِسْطِهِ إنْ سَهُلَ الْأَخْذُ بِأَنْ قَلَّتْ أَنْوَاعُهُ، فَإِنْ كَثُرَتْ وَشَقَّ اعْتِبَارُ الْجَمِيعِ أُخِذَ مِنْ الْوَسَطِ كَمَا فِي الْمُعَشَّرَاتِ وَلَا يُجْزِئُ رَدِيءٌ عَنْ جَيِّدٍ وَلَا مَكْسُورٌ عَنْ صَحِيحٍ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ مَرِيضَةً عَنْ صِحَاحٍ قَالُوا: وَيُجْزِئُ عَكْسُهُ بَلْ هُوَ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا فَيُسَلِّمُ الْمُخْرِجُ الدِّينَارَ الصَّحِيحَ أَوْ الْجَيِّدَ إلَى مَنْ يُوَكِّلُهُ الْفُقَرَاءُ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَإِنْ لَزِمَهُ نِصْفُ دِينَارٍ سَلَّمَ إلَيْهِمْ دِينَارًا نِصْفُهُ عَنْ الزَّكَاةِ وَنِصْفُهُ يَبْقَى لَهُ مَعَهُمْ أَمَانَةً.
ثُمَّ يَتَفَاصَلُ هُوَ وَهُمْ فِيهِ بِأَنْ يَبِيعُوهُ لِأَجْنَبِيٍّ وَيَتَقَاسَمُوا ثَمَنَهُ أَوْ يَشْتَرُوا مِنْهُ نِصْفَهُ، أَوْ يَشْتَرِي هُوَ نِصْفَهُمْ لَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ شِرَاءُ صَدَقَتِهِ مِمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ فِيهِ الزَّكَاةُ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وَلَا شَيْءَ فِي الْمَغْشُوشِ وَهُوَ الْمُخْتَلَطُ بِمَا هُوَ أَدْوَنُ مِنْهُ كَذَهَبٍ بِفِضَّةٍ وَفِضَّةٍ بِنُحَاسٍ حَتَّى يَبْلُغَ خَالِصُهُ نِصَابًا فَإِذَا بَلَغَهُ أَخْرَجَ الْوَاجِبَ خَالِصًا أَوْ مَغْشُوشًا، خَالِصُهُ قَدْرُ الْوَاجِبِ وَكَانَ مُتَطَوِّعًا بِالنُّحَاسِ.
وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ ضَرْبُ الْمَغْشُوشِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَلِئَلَّا يَغُشَّ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ بَعْضًا، فَإِنْ عُلِمَ مِعْيَارُهَا صَحَّتْ الْمُعَامَلَةُ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَمْوَالِ) كَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ قَوْلُهُ: (فَمَنْ كَنَزَهُمَا) أَيْ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُمَا.
وَقَوْلُهُ " فَقَدْ أَبْطَلَ الْحِكْمَةَ " أَيْ الَّتِي مِنْهَا قَضَاءُ حَوَائِجِ الْفُقَرَاءِ مَثَلًا بِلَا مُقَابِلٍ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ إبْطَالَ الْحِكْمَةِ يَحْصُلُ بِعَدَمِ الْمُعَامَلَةِ بِهِمَا وَإِنْ أُدِّيَتْ زَكَاتُهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوُهَا) نَحْوُ النُّعُومَةِ كَاللِّينِ وَنَحْوُ الْخُشُونَةِ الْيُبْسُ قَوْلُهُ: (أُخِذَ مِنْ الْوَسَطِ) الْمُرَادُ بِالْوَسَطِ الْمُتَوَسِّطُ، أَيْ لَيْسَ جَيِّدًا وَلَا رَدِيئًا قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الْمُعَشَّرَاتِ) كَالْحِنْطَةِ وَالْفُولِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيهَا الْعُشْرَ نَظَرًا لِلْغَالِبِ مِنْ سَقْيِهَا بِلَا مُؤْنَةٍ قَوْلُهُ: (وَلَا يُجْزِئُ رَدِيءٌ) فَإِنْ أَخْرَجَهُ لَزِمَهُ اسْتِرْدَادُهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا، فَإِنْ تَلِفَ عِنْدَ السَّاعِي أَوْ الْفُقَرَاءِ ضَمِنَ الزَّائِدَ، فَلَوْ أَخْرَجَ رَدِيئًا كَأَنْ أَخْرَجَ خَمْسَةً مَعِيبَةً عَنْ مِائَتَيْنِ جَيِّدَةٍ فَلَهُ اسْتِرْدَادُهَا كَمَا لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ فَتَلِفَ مَالُهُ قَبْلَ الْحَوْلِ، هَذَا إنْ بَيَّنَ ذَلِكَ عِنْدَ الدَّفْعِ وَإِلَّا فَلَا يَسْتَرِدُّهَا أَيْ فَيُكْمِلُ لَهُمْ.
قَوْلُهُ: (قَالُوا) اُنْظُرْ وَجْهَ التَّبْرِيءِ مَعَ أَنَّهُ زَادَ خَيْرًا بِإِخْرَاجِ الْأَفْضَلِ قَوْلُهُ: (فَيُسَلِّمُ الْمُخْرِجُ إلَخْ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ: كَيْفَ يُفَرِّقُ الْمُخْرِجُ الدِّينَارَ الصَّحِيحَ عَلَى الْأَصْنَافِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ بِدَرَاهِمَ لِأَنَّ وَاجِبَهُ الذَّهَبُ فَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ الدَّرَاهِمُ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُسَلِّمُهُ لِوَكِيلِهِمْ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا يَجْرِي فِي الدِّينَارِ الْمَعِيبِ أَيْضًا إذَا كَانَتْ دَنَانِيرُهُ كُلُّهَا مَعِيبَةً، بَلْ يَجْرِي فِي كُلِّ مَا لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ عَلَى الْأَصْنَافِ كَالشَّاةِ وَالتَّبِيعِ وَالْمُسِنَّةِ، فَإِنَّهَا تُسَلَّمُ لِوَكِيلِهِمْ؛ وَانْظُرْ لِمَ خَصَّهُ بِالدِّينَارِ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ: (أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْوَكِيلُ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفُقَرَاءِ جَمِيعُ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مُسْتَحِقُّونَ.
قَوْلُهُ: (سَلَّمَ إلَيْهِمْ) أَيْ إلَى وَكِيلِهِمْ نَظِيرُ مَا سَبَقَ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَبِيعُوهُ) اُنْظُرْ مَا وَجْهُ تَوَقُّفِ هَذَا التَّفْصِيلِ وَتَرَتُّبِهِ عَلَى قَوْلِهِ " سَلَّمَ إلَيْهِمْ دِينَارًا " وَهَلَّا جَازَ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ خُصُوصًا فِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِمْ الدِّينَارَ، لِأَنَّ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِيمَا لَهُمْ بِيَدِ الْغَيْرِ وَلَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَبْلُغَ خَالِصُهُ) وَهُوَ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ فُنْدُقْلِيًا إلَّا ثُلُثًا.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ مُتَطَوِّعًا بِالنُّحَاسِ) مَحَلُّهُ فِيمَنْ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ، وَإِلَّا فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَلِيِّ إخْرَاجُ الْخَالِصِ حِفْظًا لِلنُّحَاسِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، أَيْ إنْ أَمْكَنَ بِلَا سَبْكٍ، أَوْ كَانَتْ مُؤْنَتُهُ تَنْقُصُ عَنْ قِيمَةِ النُّحَاسِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُ الْخَالِصِ إلَّا بِسَبْكٍ وَكَانَتْ مُؤْنَتُهُ قَدْرَ قِيمَةِ النُّحَاسِ أَوْ أَكْثَرَ أَخْرَجَ الْمَغْشُوشَ م ر. قَالَ سم: وَمَحِلُّهُ أَيْضًا أَنْ لَا يُوجَدَ خَالِصٌ مِنْ غَيْرِ الْمَغْشُوشِ وَإِلَّا تَعَيَّنَ اهـ.
وَلَمْ يَتَكَلَّمْ الشَّارِحُ عَلَى حُكْمِ الْخُلْطَةِ بِالْفِضَّةِ، وَانْظُرْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ ضَرْبُ الْمَغْشُوشِ) الْكَلَامُ فِيمَا غَشُّهُ مُسْتَهْلَكٌ.
قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ.
قَوْلُهُ: (وَلِئَلَّا يَغُشَّ إلَخْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْغَيْنِ، بَابُهُ: رَدَّ يَرُدُّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عُلِمَ مِعْيَارُهَا) أَيْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الْمَخْلُوطَةِ.
قَوْلُهُ: (صَحَّتْ الْمُعَامَلَةُ بِهَا) أَيْ حَيْثُ كَانَ غَشُّهَا مُسْتَهْلَكًا، وَسَوَاءٌ الْمُعَيَّنَةُ وَمَا فِي الذِّمَّةِ كَمَا قَالَهُ الْمَرْحُومِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَبَيْعِ الْغَالِيَةِ) أَيْ قِيَاسًا
بِهَا وَكَذَا إذَا كَانَتْ مَجْهُولَةً عَلَى الْأَصَحِّ كَبَيْعِ الْغَالِيَةِ وَالْمَعْجُونَاتِ.
وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ الْإِمَامِ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَلَوْ خَالِصَةً لِأَنَّهُ مِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ وَلِأَنَّ فِيهِ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ
(وَلَا تَجِبُ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ كَخَلْخَالٍ لِامْرَأَةٍ (زَكَاةٌ) لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِاسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ فَأَشْبَهَ الْعَوَامِلَ مِنْ النَّعَمِ، وَيُزَكِّي الْمُحَرَّمَ مِنْ حُلِيٍّ وَمِنْ غَيْرِهِ كَالْأَوَانِي بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا الْمَكْرُوهُ كَالضَّبَّةِ الْكَبِيرَةِ مِنْ الْفِضَّةِ لِلْحَاجَةِ وَالصَّغِيرَةِ لِلزِّينَةِ، وَمِنْ الْمُحَرَّمِ الْمِيلُ لِلْمَرْأَةِ وَغَيْرِهَا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا.
نَعَمْ لَوْ اتَّخَذَ شَخْصٌ مِيلًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِجَلَاءِ عَيْنِهِ فَهُوَ مُبَاحٌ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَالسِّوَارُ وَالْخَلْخَالُ لِلُبْسِ الرَّجُلِ بِأَنْ يَقْصِدَهُ بِاِتِّخَاذِهِمَا فَهُمَا مُحَرَّمَانِ بِالْقَصْدِ، وَالْخُنْثَى فِي حُلِيِّ النِّسَاءِ كَالرَّجُلِ وَفِي حُلِيِّ الرِّجَالِ كَالْمَرْأَةِ احْتِيَاطًا لِلشَّكِّ فِي إبَاحَتِهِ، فَلَوْ اتَّخَذَ الرَّجُلُ سِوَارًا مَثَلًا بِلَا قَصْدٍ لَا لِلُبْسٍ وَلَا لِغَيْرِهِ أَوْ بِقَصْدِ إجَارَتِهِ لِمَنْ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ بِلَا كَرَاهَةٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ
[حاشية البجيرمي]
عَلَيْهِ، وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ مُرَكَّبٌ مِنْ كَافُورٍ وَعُودٍ وَعَنْبَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَعْجُونَاتِ) أَيْ فَإِنَّهَا يَصِحُّ بَيْعُهَا، وَلَوْ كَانَتْ أَجْزَاؤُهَا مَجْهُولَةً.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ خَالِصَةً) مَا قَبْلَ الْغَايَةِ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْإِمَامِ ضَرْبُ الْمَغْشُوشِ، بَلْ يَحْرُمُ وَيُكْرَهُ ضَرْبُ السَّالِمِ.
وَأَمَّا الْإِمَامُ فَيُكْرَهُ لَهُ ضَرْبُ الْمَغْشُوشِ إذَا كَانَ مُسْتَهْلَكًا، وَلَا يُكْرَهُ ضَرْبُ السَّلِيمِ.
وَكَانَ الْأَوْلَى إذَا كَانَتْ خَالِصَةً؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْغَيْرِ ضَرْبُ الْمَغْشُوشِ مَعَ أَنَّهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ وَلَوْ مُسْتَهْلَكًا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ ضَرْبَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَقَوْلُهُ: " مِنْ شَأْنِ الْإِمَامِ " أَيْ طَرِيقَتُهُ، وَقَوْلُهُ: " افْتِيَاتًا " أَيْ تَعَدِّيًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَجِبُ فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ) أَيْ إنْ عَلِمَهُ وَلَمْ يَنْوِ كَنْزَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ بِأَنْ وَرِثَهُ وَلَمْ يَعْلَمْهُ حَتَّى مَضَى حَوْلٌ فَتَجِبُ زَكَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ إمْسَاكَهُ لِاسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ، وَكَذَا لَوْ نَوَى كَنْزَهُ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ مُلَخَّصًا.
وَعَدَمُ وُجُوبِهَا فِي الْحُلِيِّ الْمُبَاحِ مَذْهَبُنَا وَكَذَا عِنْدَ مَالِكٍ وَرِوَايَةٌ مُخْتَارَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحُلِيِّ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ كَمَا نَقَلَهُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
وَالْحُلِيُّ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِهِ مَعَ كَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَاحِدُهُ " حَلْيٌ " بِفَتْحِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ، وَهُوَ مَا يَتَحَلَّى أَيْ يُتَزَيَّنُ بِهِ لُبْسًا أَوْ نَحْوَهُ، وَأَصْلُهُ أَيْ الْحُلِيِّ الْمُشَدَّدِ الْيَاءِ " حَلُوي " عَلَى وَزْنِ فَعُولٍ قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً لِاجْتِمَاعِهَا مَعَ الْيَاءِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَأُدْغِمَتْ فِي الْيَاءِ ثُمَّ كُسِرَتْ اللَّامُ صِيَانَةً لِلْيَاءِ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الْحَاءِ لِإِتْبَاعِ كَسْرَةِ اللَّامِ اهـ. وَنَظِيرُ حُلِيٍّ جَمْعُ حَلْيٍ ثُدِيٌّ جَمْعُ ثَدْيٍ.
وَقَوْلُهُ " الْمُبَاحِ " هَلَّا قَالَ الْمُبَاحَاتِ لِأَجْلِ الْمُطَابَقَةِ، أُجِيبُ بِأَنَّ عَدَمَ الْمُطَابَقَةِ أَوْلَى لِأَنَّ حُلِيًّا جَمْعُ كَثْرَةٍ وَالْأَفْصَحُ فِي وَصْفِهِ عَدَمُ الْمُطَابَقَةِ، لِقَوْلِهِ:
وَجَمْعُ كَثْرَةٍ لِمَا لَا يَعْقِلُ ... الْأَفْصَحُ الْإِفْرَادُ فِيهِ يَافُلُ
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ " الْمُبَاحِ " غَيْرُهُ وَهُوَ الْمُحَرَّمُ كَحُلِيِّ النِّسَاءِ اتَّخَذَهُ الرَّجُلُ لِيَلْبَسَهُ، وَبِالْعَكْسِ كَمَا فِي السَّيْفِ وَالْمِنْطَقَةِ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ؛ وَمِنْهُ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ الْمَثْقُوبَةُ إذَا جُعِلَتْ فِي قِلَادَةٍ بِنَاءً عَلَى مَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا مِنْ تَحْرِيمِهَا، أَمَّا عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِنْ جَوَازِهَا فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ كَرَاهَتَهَا، وَعَلَيْهِ فَفِيهَا الزَّكَاةُ كَسَائِرِ الْمَكْرُوهَاتِ، وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: تَجِبُ زَكَاتُهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (كَخَلْخَالٍ لِامْرَأَةٍ) أَيْ لِلُبْسِهَا بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْقُوَّةِ كَأَنْ تَعَدَّدَتْ أَنْوَاعُهُ، وَمِنْهُ حُلِيٌّ اتَّخَذَهُ رَجُلٌ لِيُؤَجِّرَهُ مَثَلًا لِامْرَأَةٍ ق ل. وَقَوْلُهُ " لِيُؤَجِّرَهُ إلَخْ " أَيْ أَوْ لِيُعِيرَهُ لَهَا أَوْ اتَّخَذَهُ لَا بِقَصْدِ شَيْءٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ؛ وَلِذَا قَالَ ق ل: مَثَلًا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَيُزَكَّى الْمُحَرَّمُ) وَمِنْ الْمُحَرَّمِ مَا يَقَعُ لِنِسَاءِ الْأَرْيَافِ مِنْ الْفِضَّةِ الْمَثْقُوبَةِ أَوْ الذَّهَبِ الْمَخِيطَةِ عَلَى الْقُمَاشِ فَحَرَامٌ كَالدَّرَاهِمِ الْمَثْقُوبَةِ الْمَجْعُولَةِ فِي الْقِلَادَةِ كَمَا مَرَّ، وَقِيَاسُ ذَلِكَ حُرْمَةُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ ثَقْبِ دَرَاهِمَ وَتَعْلِيقِهَا عَلَى رُءُوسِ الْأَوْلَادِ الصِّغَارِ كَمَا قَالَهُ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (فَيُحَرَّمُ عَلَيْهِمَا) لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْأَوَانِي.
قَوْلُهُ: (لِجِلَاءِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْمَدِّ.
قَوْلُهُ: (وَالسِّوَارُ) بِكَسْرِ السِّينِ أَكْثَرُ مِنْ ضَمِّهَا، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي حُلِيِّ الرِّجَالِ إلَخْ) كَتَحْلِيَتِهِ آلَةَ حَرْبٍ بِالْفِضَّةِ بِلَا سَرَفٍ وَرُمْحٍ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لِلرَّجُلِ لِأَنَّهَا تَغِيظُ الْكُفَّارَ لَا لِلْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: (بِلَا كَرَاهَةٍ) بِخِلَافِ مَا كُرِهَ
لِانْتِفَاءِ الْقَصْدِ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ، وَكَذَا لَوْ انْكَسَرَ الْحُلِيُّ الْمُبَاحُ لِلِاسْتِعْمَالِ وَقَصَدَ إصْلَاحَهُ وَأَمْكَنَ بِلَا صَوْغٍ فَلَا زَكَاةَ أَيْضًا وَإِنْ دَامَ أَحْوَالًا لِدَوَامِ صُورَةِ الْحُلِيِّ أَوْ قَصَدَ إصْلَاحَهُ، وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا الزَّكَاةَ فِي الْحُلِيِّ وَاخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُ وَوَزْنُهُ فَالْعِبْرَةُ بِقِيمَتِهِ لَا بِوَزْنِهِ بِخِلَافِ الْمُحَرَّمِ لِعَيْنِهِ كَالْأَوَانِي فَالْعِبْرَةُ بِوَزْنِهِ لَا بِقِيمَتِهِ، فَلَوْ كَانَ لَهُ حُلِيٌّ وَزْنُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَقِيمَتُهُ ثَلَثُمِائَةٍ تَخَيَّرَ بَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ رُبْعَ عُشْرِهِ مَشَاعًا ثُمَّ يَبِيعَهُ السَّاعِي بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَيُفَرِّقَ ثَمَنَهُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ، أَوْ يُخْرِجَ خَمْسَةً مَصُوغَةً قِيمَتُهَا سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ نَقْدًا.
وَلَا يَجُوزُ كَسْرُهُ لِيُعْطِيَ مِنْهُ خَمْسَةً مُكَسَّرَةً لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ، أَوْ كَانَ لَهُ إنَاءٌ كَذَلِكَ تَخَيَّرَ بَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ خَمْسَةً مِنْ غَيْرِهِ أَوْ يُكَسِّرَهُ وَيُخْرِجَ خَمْسَةً أَوْ يُخْرِجَ رُبْعَ عُشْرِهِ مَشَاعًا
وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ حُلِيُّ الذَّهَبِ وَلَوْ فِي آلَةِ الْحَرْبِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا إلَّا الْأَنْفَ إذَا جُدِعَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ مِنْ الذَّهَبِ» لِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قُطِعَ أَنْفُهُ فِي غَزْوَةٍ فَاِتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ فِضَّةٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَّخِذَهُ مِنْ ذَهَبٍ " وَإِلَّا الْأُنْمُلَةَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا لِمَنْ قُطِعَتْ مِنْهُ وَلَوْ لِكُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ الذَّهَبِ
[حاشية البجيرمي]
اسْتِعْمَالُهُ لِوُجُودِ سَرَفٍ قَلِيلٍ، مَرْحُومِيٌّ.
وَهَذَا عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمُعْتَمَدَ حُرْمَةُ السَّرَفِ مُطْلَقًا وَعَلَى كُلٍّ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَأَمْكَنَ بِلَا صَوْغٍ) بِأَنْ أَمْكَنَ بِإِلْحَامِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَقَصَدَ إصْلَاحَهُ) أَيْ عِنْدَ عِلْمِهِ بِالِانْكِسَارِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِالِانْكِسَارِ إلَّا بَعْدَ عَامٍ أَوْ أَكْثَرَ فَقَصَدَ إصْلَاحَهُ فَلَا زَكَاةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ كَانَ مُرْصِدًا لَهُ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْوَسِيطِ.
فَلَوْ عَلِمَ انْكِسَارَهُ وَلَمْ يَقْصِدْ إصْلَاحَهُ حَتَّى مَضَى عَامٌ وَجَبَتْ زَكَاتُهُ، فَإِنْ قَصَدَ بَعْدَهُ إصْلَاحَهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا وُجُوبَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إصْلَاحَهُ بَلْ قَصَدَ جَعْلَهُ تِبْرًا أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ كَنَزَهُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا أَوْ أَحْوَجَ انْكِسَارُهُ إلَى سَبْكٍ وَصَوْغٍ فَيَجِبُ زَكَاتُهُ، وَيَنْعَقِدُ حَوْلُهُ مِنْ حِينِ انْكِسَارِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ وَلَا مُعَدٍّ لِلِاسْتِعْمَالِ؛ شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا إلَخْ) أَيْ بِأَنْ كَانَ مُحَرَّمًا أَوْ مَكْرُوهًا؛ فَالْأَوَّلُ كَأَنْ قَصَدَ الرَّجُلُ اسْتِعْمَالَهُ وَكَأَنْ أَسْرَفَ فِي حِلْيَةِ آلَةِ الْحَرْبِ، وَالثَّانِي كَأَنْ أَسْرَفَتْ الْمَرْأَةُ فِي حُلِيِّهَا وَكَأَنْ قَصَدَ الرَّجُلُ إجَارَتَهُ لِمَنْ يَسْتَعْمِلُهُ بِكَرَاهَةٍ.
فَفَرْقٌ بَيْنَ سَرَفِ الرَّجُلِ وَسَرَفِ الْمَرْأَةِ، فَالْأَوَّلُ حَرَامٌ وَالثَّانِي مَكْرُوهٌ.
قَوْلُهُ: (فَالْعِبْرَةُ بِقِيمَتِهِ) أَيْ وَوَزْنِهِ، وَقَوْلُهُ لَا بِوَزْنِهِ، أَيْ فَقَطْ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ " أَوْ يُخْرِجَ خَمْسَةً مَصُوغَةً قِيمَتُهَا سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ " كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (قِيمَتُهَا سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ) أَيْ لِأَنَّ السَّبْعَةَ وَالنِّصْفَ رُبْعُ عُشْرِ الثَّلَثِمِائَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ كَانَ لَهُ إنَاءٌ كَذَلِكَ) أَيْ وَزْنُهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ وَقِيمَتُهُ ثَلَثُمِائَةٍ، وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ عَلَى الْمَنْهَجِ: وَلَوْ اخْتَلَفَ قِيمَةُ الْحُلِيِّ الْمُحَرَّمِ أَوْ الْمَكْرُوهِ وَوَزْنُهُ كَأَنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَثَمِائَةٍ وَوَزْنُهُ مِائَتَيْنِ اُعْتُبِرَتْ الْقِيمَةُ أَيْ إذَا كَانَ تَحْرِيمُهُ عَارِضًا بِأَنْ صِيغَ لِامْرَأَةٍ وَاسْتَعْمَلَهُ الرَّجُلُ وَإِلَّا اُعْتُبِرَ الْوَزْنُ فَقَطْ كَالْإِنَاءِ اهـ. فَلَوْ كَانَ آنِيَةً فَلَا أَثَرَ لِزِيَادَةِ الْقِيمَةِ لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْقِيمَةِ بِالصَّنْعَةِ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ.
اهـ. ح ل. وَنَقَلَهُ ع ش عَنْ شَرْحِ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ يُكَسِّرَهُ) وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُلِيِّ الْمُحَرَّمِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ كَسْرُهُ كَمَا سَبَقَ بِأَنَّ الْإِنَاءَ مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْحُلِيُّ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ فِي الْكَسْرِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ لِأَنَّ الْخَمْسَةَ الْمَكْسُورَةَ لَا تُسَاوِي قِيمَتَهَا فِي حَالِ اتِّصَالِهَا وَهِيَ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُخْرِجَ خَمْسَةً) أَيْ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ حُلِيُّ الذَّهَبِ) نَعَمْ إنْ صَدِئَ بِحَيْثُ لَا يَتَبَيَّنُ الذَّهَبُ لَمْ يَحْرُمْ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، أَيْ وَكَثُرَ الصَّدَأُ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِعَرْضِهِ عَلَى النَّارِ؛ يُقَالُ: صَدِئَ يَصْدَأُ بِالْهَمْزِ مِنْ بَابِ تَعِبَ.
وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلُهُمْ: إنَّ الذَّهَبَ لَا يَصْدَأُ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ أَوْ عَلَى نَوْعٍ مِنْهُ أَوْ عَلَى الْخَالِصِ دُونَ مَا خَالَطَهُ غَيْرُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (إلَّا الْأَنْفَ) جُمْلَةُ الْمُسْتَثْنَى ثَلَاثَةٌ.
قَوْلُهُ: (إذَا جُدِعَ) بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ قُطِعَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ) هُوَ عَرْفَجَةُ بْنُ أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ اسْمٌ لِمَكَانٍ كَانَتْ الْوَقْعَةُ عِنْدَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَتَّخِذَهُ مِنْ ذَهَبٍ) فَاتَّخَذَهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا الْأُنْمُلَةَ) أَيْ الْعُلْيَا لَا السُّفْلَى وَلَا الْأُنْمُلَتَيْنِ؛ وَالْأُنْمُلَةُ بِتَثْلِيثِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ كَمَا قَالَ:
قِيَاسًا عَلَى الْأَنْفِ، وَإِلَّا السِّنَّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ قُلِعَتْ سِنُّهُ اتِّخَاذُ سِنٍّ مِنْ ذَهَبٍ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ قِيَاسًا أَيْضًا عَلَى الْأَنْفِ.
وَيَحْرُمُ سِنُّ الْخَاتَمِ مِنْ الذَّهَبِ عَلَى الرَّجُلِ وَهِيَ الشُّعْبَةُ الَّتِي يَسْتَمْسِكُ بِهَا الْفَصُّ، وَيَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ الْفِضَّةِ الْخَاتَمُ بِالْإِجْمَاعِ «وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ» ، بَلْ لُبْسُهُ سُنَّةٌ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْيَمِينِ أَمْ فِي الْيَسَارِ لَكِنَّ الْيَمِينَ أَفْضَلُ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يُجْعَلَ الْفَصُّ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ.
وَلَا يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْأَصْحَابُ لِمِقْدَارِ الْخَاتَمِ الْمُبَاحِ وَلَعَلَّهُمْ اكْتَفَوْا فِيهِ بِالْعُرْفِ أَيْ عُرْفِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَعَادَةِ أَمْثَالِهِ فِيهَا، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ الصَّوَابُ ضَبْطُهُ بِدُونِ مِثْقَالٍ.
وَلَوْ اتَّخَذَ الرَّجُلُ خَوَاتِمَ كَثِيرَةً لِيَلْبَسَ الْوَاحِدَ مِنْهَا بَعْدَ الْوَاحِدِ جَازَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، فَإِنْ لَبِسَهُمَا مَعًا جَازَ مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى إسْرَافٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَلَوْ تَخَتَّمَ الرَّجُلُ فِي غَيْرِ الْخِنْصَرِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.
وَيَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ الْفِضَّةِ حِلْيَةُ آلَاتِ الْحَرْبِ كَالسَّيْفِ
[حاشية البجيرمي]
يَا أُصْبُعُ ثَلِّثَنَّ مَعَ مِيمِ أُنْمُلَةٍ ... وَثَلِّثْ الْهَمْزَ أَيْضًا وَارْوِ أُصْبُوعَا
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا) أَيْ إذَا كَانَ مَا تَحْتَهَا سَلِيمًا دُونَ مَا إذَا كَانَ أَشَلَّ، شَرْحُ الرَّوْضِ.
وَبِخِلَافِ السُّفْلِيِّ وَالْأُصْبُعِ، وَالْأُنْمُلَتَيْنِ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ " وَإِلَّا الْأُنْمُلَةَ " أَيْ الْعُلْيَا، وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ: وَقِيسَ بِالْأَنْفِ الْأُنْمُلَةِ وَالسِّنِّ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْأُصْبُعِ وَالْيَدِ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْمَلَانِ فَيَكُونَانِ لِمُجَرَّدِ الزِّينَةِ فَلَا يُتَّخَذَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، بِخِلَافِ الْأُنْمُلَةِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ تَحْرِيكُهَا؛ وَأَمَّا الْأُنْمُلَتَانِ فَإِنْ كَانَتَا مِنْ أَعْلَى الْأُصْبُعِ جَازَ اتِّخَاذُهُمَا لِوُجُودِ الْعَمَلِ بِوَاسِطَةِ الْأُنْمُلَةِ السُّفْلَى، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ ابْنِ قَاسِمٍ وَإِنْ كَانَتَا مِنْ أَسْفَلِ الْأُصْبُعِ امْتَنَعَ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ م ر فِي شَرْحِهِ.
اهـ. .
قَوْلُهُ: (مِنْ الذَّهَبِ) وَإِنْ أَمْكَنَ اتِّخَاذُهَا مِنْ الْفِضَّةِ الْجَائِزَةِ لِذَلِكَ بِالْأُولَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْدَأُ غَالِبًا وَلَا يُفْسِدُ الْمَنْبَتَ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (الْخَاتَمِ) وَهُوَ الَّذِي يُلْبَسُ فِي الْأُصْبُعِ سَوَاءٌ خَتَمَ بِهِ الْكُتُبَ أَوْ لَا وَأَمَّا مَا يُتَّخَذُ لِخَتْمِ الْكُتُبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصْلُحَ لَأَنْ يُلْبَسَ فَلَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ.
قَوْلُهُ: (بَلْ لُبْسُهُ سُنَّةٌ) الْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَلَى الْحَدِيثِ وَيَكُونُ إضْرَابًا انْتِقَالِيًّا عَنْ قَوْلِهِ: وَيَحِلُّ إلَخْ؛ لِأَنَّ الْإِضْرَابَ بَعْدَ الْحَدِيثِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِأَنَّ سَنَّ لُبْسِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّ الْيَمِينَ أَفْضَلُ) أَيْ خِنْصَرَهَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَبِسَهَا مَعًا جَازَ) وَلَا زَكَاةَ أَيْ إنْ جَرَتْ عَادَةُ أَمْثَالِهِ بِهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فَقِيهًا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ الْكَفِّ.
وَلَا يُكْرَهُ لُبْسُ خَاتَمِ الرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» . اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَالَ الشَّيْخُ الزِّيَادِيُّ: وَيُعْتَبَرُ فِي صِفَةِ الْخَاتَمِ وَقَدْرِهِ وَعَدَدِهِ أَنْ يَكُونَ لَائِقًا بِهِ لِيَخْرُجَ بِالْأَوَّلِ مَا لَوْ اتَّخَذَ الْفَقِيهُ خَاتَمًا لَا يَلِيقُ بِهِ كَالدُّبْلَةِ بِلَا خَاتَمٍ مَعَهَا أَوْ كَشَتْوَانٍ بِخِلَافِ الْعَامِّيِّ، وَيَخْرُجُ بِالثَّانِي مَا لَوْ زَادَ عَلَى الْقَدْرِ اللَّائِقِ بِهِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ، وَيَخْرُجُ بِالثَّالِثِ مَا لَوْ عَدَّدَ الْفَقِيهُ خَاتَمًا فِي أَصَابِعِهِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْعَامِّيِّ.
وَنُقِلَ عَنْهُ فِي غَيْرِ الْحَاشِيَةِ أَنَّ مِثْلَ الدُّبْلَةِ لُبْسُ الْفَقِيهِ الْخَاتَمَ فِي غَيْرِ خِنْصَرِهِ كَلُبْسِهِ فِي نَحْوِ إبْهَامِهِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْعَامِّيِّ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ الْآتِيَ: " وَلَوْ تَخَتَّمَ الرَّجُلُ فِي غَيْرِ الْخِنْصَرِ جَازَ " مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ الْفَقِيهِ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ لِلرَّجُلِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجَاهِدًا.
قَوْلُهُ: (حِلْيَةُ) أَيْ تَحْلِيَتُهَا؛ وَالتَّحْلِيَةُ جَعْلُ عَيْنِ النَّقْدِ فِي مَحَالَّ مُتَفَرِّقَةٍ مَعَ الْإِحْكَامِ حَتَّى تَصِيرَ كَالْجُزْءِ مِنْهَا وَلِإِمْكَانِ فَصْلِهَا مَعَ عَدَمِ ذَهَابِ شَيْءٍ مِنْ عَيْنِهَا فَارَقَتْ التَّمْوِيهَ السَّابِقَ أَوَّلَ الْكِتَابِ أَنَّهُ حَرَامٌ، حَجّ قَوْلُهُ: (آلَاتِ الْحَرْبِ) وَإِنْ كَانَ عِنْدَ مَنْ لِمَ يُحَارِبْ؛ لِأَنَّ إغَاظَةَ الْكُفَّارِ وَلَوْ مِمَّنْ بِدَارِنَا حَاصِلَةٌ مُطْلَقًا، وَبِهِ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حُرْمَةِ اقْتِنَاءِ كَلْبِ الصَّيْدِ عَلَى مَنْ لَمْ يَصِدْ بِهِ.
اهـ. س ل. وَخَرَجَ بِذَلِكَ أَوْعِيَتُهَا كَالْقِرَابِ وَغِمْدِ السَّيْفِ فَلَا يَجُوزُ تَحْلِيَتُهُ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ أَيْضًا تَحْلِيَةُ السِّكِّينِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَيْسَتْ آلَةَ الْحَرْبِ وَنَحْوِهَا فَيَحْرُمُ.
اهـ. م د.
وَقَوْلُهُ
وَالرُّمْحِ وَالْمِنْطَقَةِ لَا مَا لَا يَلْبَسُهُ كَالسَّرْجِ وَاللِّجَامِ.
وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَحْلِيَةُ آلَةِ الْحَرْبِ بِذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ وَلَهَا لُبْسُ أَنْوَاعِ حُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَالسِّوَارِ وَكَذَا مَا نُسِجَ بِهِمَا مِنْ الثِّيَابِ.
وَتَحْرُمُ الْمُبَالَغَةُ فِي السَّرَفِ كَخَلْخَالٍ وَزْنُهُ مِائَتَا دِينَارٍ، وَكَذَا يَحْرُمُ إسْرَافُ الرَّجُلِ فِي آلَةِ الْحَرْبِ.
وَيَجُوزُ تَحْلِيَةُ الْمُصْحَفِ بِفِضَّةٍ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَيَجُوزُ لَهَا فَقَطْ بِذَهَبٍ لِعُمُومِ «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي» قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَمَنْ كَتَبَ بِذَهَبٍ فَقَدْ أَحْسَنَ وَلَا زَكَاةَ فِي سَائِرِ الْجَوَاهِرِ كَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ لِعَدَمِ وُرُودِهَا فِي ذَلِكَ.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ نِصَابِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَمَا يَجِبُ إخْرَاجُهُ (وَنِصَابُ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» وَالْأَوْسُقُ جَمْعُ وَسْقٍ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الصِّيعَانَ وَهِيَ بِالْوَزْنِ أَلْفُ رِطْلٍ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ بِالْعِرَاقِيِّ أَيْ الْبَغْدَادِيِّ لِأَنَّ الْوَسْقَ سِتُّونَ صَاعًا، وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ، وَالْمُدُّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْبَغْدَادِيِّ وَقُدِّرَتْ بِهِ لِأَنَّهُ الرِّطْلُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ مِائَةٌ
[حاشية البجيرمي]
كَالْقِرَابِ وَغِمْدِ السَّيْفِ " عَطْفٌ مُرَادِفٌ.
وَأَمَّا سِكِّينُ الْمِهْنَةِ أَوْ الْمَقْلَمَةِ.
فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ وَغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ " تَحْلِيَتُهُمَا " كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَحْلِيَةُ الدَّوَاةِ وَالْمِرْآةِ م ر.
وَقَوْلُهُ " أَوْ الْمَقْلَمَةِ أَيْ أَوْ سِكِّينِ الْمَقْلَمَةِ وَهِيَ الْمِقْشَطُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمِنْطَقَةِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ مَا يُشَدُّ بِهِ الْوَسَطُ كَالسَّبْتَةِ وَتُسَمَّى الْآنَ بِالْحِيَاصَةِ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
وَجَعَلَهَا مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ لِأَنَّهَا تَنْفَعُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا تَمْنَعُ وُصُولَ السَّهْمِ لِلْبَدَنِ، فَالْمُرَادُ بِالْآلَةِ مَا يَنْفَعُ فِي الْحَرْبِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَهَا لُبْسُ أَنْوَاعِ حُلِيِّ الذَّهَبِ) وَكَالْمَرْأَةِ الطِّفْلُ فِي ذَلِكَ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا مَا نُسِجَ) أَيْ لُبْسُ مَا نُسِجَ بِهِمَا فَخَرَجَ الْفُرُشُ كَالسَّجَّادَةِ الْمَنْسُوجَةِ بِهِمَا فَتَحْرُمُ لِأَنَّهَا لَا تَدْعُو لِلْجِمَاعِ كَالْمَلْبُوسِ م ر.
قَوْلُهُ: (الْمُبَالَغَةُ فِي السَّرَفِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ مُجَرَّدَ السَّرَفِ حَرَامٌ وَلَوْ بِدُونِ مُبَالَغَةٍ، خِلَافًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ الْقَائِلِ بِالْكَرَاهَةِ حِينَئِذٍ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، قَالَ ق ل: وَعَلَى كُلٍّ يَلْزَمُهَا زَكَاةُ الْجَمِيعِ لَا مَا زَادَ وَكَذَا آلَةُ الْحَرْبِ الْمَذْكُورَةُ.
قَوْلُهُ: (مِائَتَا دِينَارٍ) أَيْ مَجْمُوعُ فَرْدَتَيْهِ ح ل. وَيَلْزَمُهَا زَكَاةُ الْجَمِيعِ لَا مَا زَادَ فَقَطْ شَرْحُ م ر؛ لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِإِبَاحَةِ الْحُلِيِّ لَهَا التَّزَيُّنُ لِلرِّجَالِ الْمُحَرِّكُ لِلشَّهْوَةِ الدَّاعِي إلَى كَثْرَةِ النَّسْلِ، وَلَا زِينَةَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ بَلْ تَنْفِرُ مِنْهُ النَّفْسُ لِاسْتِبْشَاعِهِ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (تَحْلِيَةُ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْ تَعْبِيرِهِمْ بِالتَّحْلِيَةِ الْمَارِّ الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّمْوِيهِ حُرْمَةُ التَّمْوِيهِ هُنَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ مُطْلَقًا لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ.
فَإِنْ قُلْت: الْعِلَّةُ الْإِكْرَامُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِكُلٍّ؟ قُلْت: لَكِنَّهُ فِي التَّحْلِيَةِ لَمْ يَخْلُفْهُ مَحْذُورٌ بِخِلَافِهِ فِي التَّمْوِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ.
وَإِنْ قُلْت: يُؤَيِّدُ الْإِطْلَاقَ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ: مَنْ كَتَبَ الْقُرْآنَ بِالذَّهَبِ فَقَدْ أَحْسَنَ؟ قُلْت: يُفَرَّقُ بِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي حُرُوفِ الْقُرْآنِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي نَحْوِ وَرِقِهِ وَجِلْدِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إكْرَامُهَا إلَّا بِذَلِكَ.
اهـ. حَجّ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (الْمُصْحَفِ) وَمِثْلُهُ التَّمَائِمُ وَكَذَا جِلْدُهُ وَكِيسُهُ وَعَلَّاقَتُهُ وَخَيْطُهُ لَا كُرْسِيُّهُ.
وَخَرَجَ بِالْمُصْحَفِ بَقِيَّةُ الْكُتُبِ، فَتَحْرُمُ التَّحْلِيَةُ وَالتَّمْوِيهُ.
وَالْمُرَادُ بِالْمُصْحَفِ مَا فِيهِ قُرْآنٌ وَلَوْ لِلتَّبَرُّكِ كَمَا فِي س ل.
وَالتَّفْسِيرُ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّحْلِيَةِ كَالْمُصْحَفِ إنْ حَرُمَ مَسُّهُ، وَإِلَّا فَلَا؛ عَنَانِيٌّ عَلَى الْمَنْهَجِ.
فَرْعٌ: قَدْ سُئِلَ م ر عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ جَوَازِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ بِالذَّهَبِ حَتَّى لِلرِّجَالِ وَحُرْمَةِ تَحْلِيَتِهِ بِالذَّهَبِ لِلرَّجُلِ.
وَلَعَلَّهُ أَنَّ كِتَابَتَهُ رَاجِعَةٌ لِنَفْسِ حُرُوفِهِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ تَحْلِيَتِهِ فَالْكِتَابَةُ أَدْخَلُ فِي التَّعَلُّقِ؛ سم عَلَى الْمَنْهَجِ.
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ نِصَابِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ]
قَوْلُهُ: (وَمَا يَجِبُ إخْرَاجُهُ) وَهُوَ إمَّا الْعُشْرُ وَإِمَّا نِصْفُهُ وَإِمَّا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ أَوْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ وَرُبْعُ نِصْفِ الْعُشْرِ إلَى آخِرِ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (سُمِّيَ) أَيْ مَدْلُولُهُ وَهُوَ الْمِقْدَارُ الْمَعْلُومُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يَجْمَعُ) أَيْ وَالْوَسْقُ الْجَمْعُ قَوْلُهُ (لِأَنَّ الْوَسْقَ
وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَالنِّصَابُ الْمَذْكُورُ تَحْدِيدٌ كَمَا فِي نِصَابِ الْمَوَاشِي وَغَيْرِهَا، وَالْعِبْرَةُ فِيهِ بِالْكَيْلِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَإِنَّمَا قُدِّرَتْ بِالْوَزْنِ اسْتِظْهَارًا أَوْ إذَا وَافَقَ الْكَيْلَ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْوَزْنِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ الْوَسَطُ فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْخَفِيفِ وَالرَّزِينِ، وَكَيْلُهُ بِالْإِرْدَبِّ الْمِصْرِيِّ سِتَّةُ أَرَادِبَّ وَرُبُعُ إرْدَبٍّ كَمَا قَالَهُ الْقَمُولِيُّ بِجَعْلِ الْقَدَحَيْنِ صَاعًا كَزَكَاةِ الْفِطْرِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ فِي جَعْلِهَا خَمْسَةَ أَرَادِبَ وَنِصْفًا وَثُلُثًا لِأَنَّهُ جَعَلَ الصَّاعَ قَدَحَيْنِ إلَّا سُبْعَيْ مُدٍّ.
[حاشية البجيرمي]
سِتُّونَ صَاعًا) وَذَلِكَ لِأَنَّك تَضْرِبُ الْخَمْسَةَ عِدَّةَ الْأَوْسُقِ فِي مِقْدَارِهَا مِنْ الصِّيعَانِ وَهُوَ سِتُّونَ تَبْلُغُ ثَلَثَمِائَةٍ، ثُمَّ تَضْرِبُ الثَّلَثَمِائَةِ فِي مِقْدَارِ الصَّاعِ مِنْ الْأَمْدَادِ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ تَبْلُغُ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ مُدًّا، ثُمَّ تَضْرِبُ الْأَلْفَ وَالْمِائَتَيْنِ فِي مِقْدَارِ الْمُدِّ وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثُ أَلْفٍ وَمِائَتَانِ فِي رِطْلٍ بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ رِطْلًا وَأَلْفٌ وَمِائَتَانِ فِي ثُلُثٍ بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ ثُلُثًا وَمَجْمُوعُهَا أَرْبَعُمِائَةٍ صِحَاحٌ؛ فَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ الرِّطْلُ الشَّرْعِيُّ) وَجْهُ كَوْنِهِ الرِّطْلَ الشَّرْعِيَّ أَنَّهُ وَقَعَ التَّقْدِيرُ بِهِ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (تَحْدِيدٌ) أَيْ خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَرُءُوسِ الْمَسَائِلِ وَالْمَجْمُوعُ مِنْ كِتَابِ الطَّهَارَةِ أَنَّهُ تَقْرِيبٌ، وَعَلَيْهِ فَيَحْتَمِلُ نَقْصَ رِطْلٍ، لَكِنْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ فِي الْحَوَاشِي: إنَّ الْمَشْهُورَ التَّحْدِيدُ كَمَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ هُنَا ز ي أج.
قَوْلُهُ: (اسْتِظْهَارًا) أَيْ اسْتِيفَاءً لِجَمِيعِ الْمَقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ الْوَاجِبَةِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الِاحْتِيَاطَ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ كُلٌّ مِنْهُمَا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُنَا الْكَيْلُ لَا الْوَزْنُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ إذَا وَافَقَ الْكَيْلَ) أَيْ فَهُمَا جَوَابَانِ؛ وَلِذَلِكَ لَوْ كَمُلَ بِالْكَيْلِ وَنَقَصَ بِالْوَزْنِ.
وَجَبَتْ زَكَاتُهُ لَا عَكْسُهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ) أَيْ النَّوْعَ، وَقَوْلُهُ " وَالرَّزِينِ أَيْ وَالْمُتَوَسِّطِ وَالرَّزِينُ الثَّقِيلُ فِي الْمِيزَانِ.
قَوْلُهُ: (سِتَّةُ أَرَادِبَ وَرُبْعُ إرْدَبٍّ) مِقْدَارُ ذَلِكَ بِالْأَرْبَاعِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ رُبْعًا وَبِالْأَقْدَاحِ سِتُّمِائَةٍ لِأَنَّ الْمِائَةَ بِأَرْبَعِمِائَةٍ وَالْخَمْسِينَ بِمِائَتَيْنِ وَقَوْلُهُ خَمْسَةَ أَرَادِبَ وَنِصْفًا وَثُلُثًا مِقْدَارُ ذَلِكَ بِالْأَرْبَاعِ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ رُبْعًا وَبِالْأَقْدَاحِ خَمْسُمِائَةٍ وَسِتُّونَ لِأَنَّ الْمِائَةَ بِأَرْبَعِمِائَةٍ وَالْأَرْبَعِينَ بِمِائَةٍ وَسِتِّينَ.
وَقَوْلُهُ " إلَّا سُبْعَيْ مُدٍّ " وَعَلَى هَذَا فَمِقْدَارُ النِّصَابِ بِالْأَقْدَاحِ خَمْسُمِائَةٍ وَسِتُّونَ؛ لِأَنَّ مِقْدَارَ النِّصَابِ بِالصِّيعَانِ ثَلَثُمِائَةِ صَاعٍ وَكُلُّ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا سِتُّونَ مُدًّا وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ قَدَحًا؛ لِأَنَّ كُلَّ خَمْسَةَ عَشَرَ مُدًّا سَبْعَةُ أَقْدَاحٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ قَدَحٍ بِمُدَّيْنِ وَسُبْعِ مُدٍّ بِنَاءً عَلَى جَعْلِ الصَّاعِ قَدَحَيْنِ إلَّا سُبْعَيْ مُدٍّ.
وَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ كُلَّ تِسْعِينَ صَاعًا بِمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَسِتِّينَ قَدَحًا، فَالْمِائَتَانِ وَالسَّبْعُونَ صَاعًا بِخَمْسِمِائَةِ قَدَحٍ وَأَرْبَعَةِ أَقْدَاحٍ، وَالثَّلَاثُونَ صَاعًا تَمَامُ الثَّلَثِمِائَةِ بِسِتَّةٍ وَخَمْسِينَ، فَأَضِفْهَا لِلْخَمْسِمِائَةِ وَالْأَرْبَعَةِ فَتَصِيرُ الْجُمْلَةُ خَمْسَمِائَةٍ وَسِتِّينَ قَدَحًا وَمِقْدَارُهَا بِالْأَرَادِبِ خَمْسَةُ أَرَادِبَ وَنِصْفٌ وَثُلُثٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ إرْدَبٍّ بِسِتَّةٍ وَتِسْعِينَ قَدَحًا.
وَعُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ مِقْدَارَ النِّصَابِ بِالْأَمْدَادِ وَهُوَ أَلْفٌ وَمِائَتَانِ يَكُونُ خَمْسَمِائَةٍ وَسِتِّينَ قَدَحًا؛ لِأَنَّ كُلَّ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ مُدًّا بِسِتَّةٍ وَخَمْسِينَ قَدَحًا كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَنِصْفًا وَثُلُثًا) وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا وَيْبَتَانِ وَنِصْفُ وَيْبَةٍ.
قَوْلُهُ: (قَدَحَيْنِ إلَّا سُبْعَيْ مُدٍّ) وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَدَحَيْنِ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ وَسُبْعَا مُدٍّ عِنْدَ السُّبْكِيّ، فَهُمَا أَزْيَدُ مِنْ الصَّاعِ بِسُبْعَيْنِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَمُولِيَّ وَالسُّبْكِيَّ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الصَّاعَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ وَاخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الْقَدَحِ، فَعِنْدَ الْقَمُولِيِّ أَنَّ الصَّاعَ قَدَحَانِ بِجَعْلِ كُلِّ مُدَّيْنِ قَدَحًا وَعِنْدَ السُّبْكِيّ قَدَحَانِ إلَّا سُبْعَيْ مُدٍّ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْقَدَحَ مُدَّيْنِ وَسُبْعَ مُدٍّ، فَالْقَدَحُ عِنْدَهُ أَزْيَدُ مِنْ الْقَدَحِ عِنْدَ الْقَمُولِيِّ وَكُلُّ خَمْسَةَ عَشَرَ مُدًّا بِسَبْعَةِ أَقْدَاحٍ وَكُلُّ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَيْبَةٌ وَنِصْفٌ وَرُبْعٌ فَثَلَاثُونَ صَاعًا ثَلَاثُ وَيْبَاتٍ وَنِصْفٌ فَثَلَثُمِائَةِ صَاعٍ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ وَيْبَةً وَهِيَ خَمْسَةُ أَرَادِبَ وَنِصْفٌ وَثُلُثٌ، فَالنِّصَابُ عَلَى قَوْلِهِ خَمْسُمِائَةٍ وَسِتُّونَ قَدَحًا وَعَلَى الْأَوَّلِ سِتُّمِائَةٍ شَرْحُ م ر مَعَ زِيَادَةٍ.
وَقَالَ
تَنْبِيهٌ: لَا يُضَمُّ تَمْرُ عَامٍ وَزَرْعُهُ فِي إكْمَالِ النِّصَابِ إلَى تَمْرٍ وَزَرْعِ عَامٍ آخَرَ، وَيُضَمُّ ثَمَرُ الْعَامِ الْوَاحِدِ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فِي إكْمَالِ النِّصَابِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ إدْرَاكُهُ لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ وَبِلَادِهِ حَرَارَةَ وَبُرُودَةَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ، فَتِهَامَةُ حَارَّةٌ يُسْرِعُ إدْرَاكُ التَّمْرِ بِهَا بِخِلَافِ نَجْدٍ لِبَرْدِهَا، وَالْمُرَادُ بِالْعَامِ هُنَا اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا عَرَبِيَّةً، وَالْعِبْرَةُ بِالضَّمِّ هُنَا بِإِطْلَاعِهِمَا فِي عَامٍ فَيُضَمُّ طَلْعُ نَخِيلٍ إلَى الْآخَرِ إنْ أَطْلَعَ الثَّانِي قَبْلَ جِدَادِ الْأَوَّلِ وَكَذَا بَعْدَهُ فِي عَامٍ وَاحِدٍ.
نَعَمْ لَوْ أَثْمَرَ نَخْلٌ مَرَّتَيْنِ فِي عَامٍ فَلَا يُضَمُّ بَلْ هُمَا كَثَمَرَةِ عَامَيْنِ، وَزَرْعَا الْعَامِ يُضَمَّانِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ زِرَاعَتُهُمَا فِي الْفُصُولِ، وَالْعِبْرَةُ بِالضَّمِّ هُنَا اعْتِبَارُ وُقُوعِ حَصَادَيْهِمَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا عَرَبِيَّةً كَمَا مَرَّ.
(وَ) يَجِبُ (فِيهَا) أَيْ فِي الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَمَا زَادَ (إنْ سُقِيَتْ بِمَاءِ السَّمَاءِ أَوْ) بِمَاءِ (السَّيْحِ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ السَّيْلِ أَوْ بِمَا انْصَبَّ مِنْ جَبَلٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ شَرِبَ بِعُرُوقِهِ لِقُرْبِهِ مِنْ الْمَاءِ وَهُوَ الْبَعْلِيُّ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الثَّمَرُ وَالزَّرْعُ (الْعُشْرُ) كَامِلًا (وَ) يَجِبُ فِيهَا (إنْ سُقِيَتْ بِدُولَابٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِهِ وَهُوَ مَا يُدِيرُهُ الْحَيَوَانُ أَوْ دَالِيَةٌ وَهِيَ الْبَكْرَةُ أَوْ نَاعُورَةٌ وَهِيَ مَا يُدِيرُهُ الْمَاءُ بِنَفْسِهِ (أَوْ بِنَضْحٍ) مِنْ نَحْوِ نَهْرٍ بِحَيَوَانٍ وَيُسَمَّى الذَّكَرُ نَاضِحًا وَالْأُنْثَى نَاضِحَةً، أَوْ بِمَا اشْتَرَاهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ لِعِظَمِ الْمِنَّةِ فِيهِ، أَوْ غَصَبَهُ لِوُجُوبِ ضَمَانِهِ (نِصْفُ الْعُشْرِ) وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ
[حاشية البجيرمي]
بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: النِّصَابُ الْآنَ بِالْكَيْلِ الْمِصْرِيِّ أَرْبَعَةُ أَرَادِبَ وَوَيْبَةٌ؛ لِأَنَّ الْكَيْلَ الْآنَ نَقَصَ عَدَدُهُ عَمَّا كَانَ بِسَبَبِ مَا يُكَالُ بِهِ الْآنَ حَتَّى صَارَتْ الْأَرْبَعَةُ أَرَادِبَ وَوَيْبَةٌ مِقْدَارَ السِّتَّةِ أَرَادِبَ وَالرُّبْعِ مِنْ الْأَرَادِبِ الْمُقَدَّرَةِ نِصَابًا سَابِقًا، فَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا إرْدَبَّانِ وَكَيْلَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَيَضُمُّ ثَمَرَ الْعَامِ الْوَاحِدِ) وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ أَنْوَاعٌ مِنْ التَّمْرِ أَوْ الزَّبِيبِ حَصَلَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، فَيَضُمُّ بَعْضَ الْأَنْوَاعِ إلَى بَعْضٍ؛ أَوْ كَانَ لَهُ فِي بِلَادٍ أَنْوَاعٌ مِنْ التَّمْرِ أَوْ الزَّبِيبِ حَصَلَ مِنْهَا مِثْلُ ذَلِكَ ز ي.
قَوْلُهُ: (وَبِلَادِهِ حَرَارَةً وَبُرُودَةً) هَذَا مِنْ عَطْفِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اخْتِلَافَ أَنْوَاعِهِ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ بِلَادِهِ حَرَارَةً وَبُرُودَةً؛ عَزِيزِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالْعِبْرَةُ بِالضَّمِّ) أَيْ فِي الضَّمِّ، فَالْبَاءُ بِمَعْنَى " فِي " وَقَوْلُهُ: " هُنَا " أَيْ فِي الثِّمَارِ، احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الزُّرُوعِ فَإِنَّ الْعِبْرَةَ فِيهَا بِالْحَصَادِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (هُنَا) أَيْ فِي الثِّمَارِ (بِإِطْلَاعِهِمَا) أَيْ ظُهُورِهِمَا وَبُرُوزِهِمَا.
قَوْلُهُ: (إنْ أَطْلَعَ) أَيْ ظَهَرَ وَبَرَزَ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ جَدَادِ الْأَوَّلِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا مَعَ إعْجَامِ الذَّالِ وَإِهْمَالِهَا، فَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُضَمُّ) أَيْ لِأَنَّهُ نَادِرٌ، وَالنَّادِرُ يَلْحَقُ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ وَهُوَ كَوْنُ الثَّمَرِ مِنْ عَامَيْنِ.
فَقَوْلُهُ " لَوْ أَثْمَرَ نَخْلٌ " أَيْ نَخْلٌ وَاحِدٌ، بِأَنْ كَانَ الَّذِي أَثْمَرَ ثَانِيًا هُوَ الَّذِي أَثْمَرَ أَوَّلًا، وَاَلَّذِي قَبْلَ الِاسْتِدْرَاكِ صُورَتُهُ أَيْ نَوْعًا مِنْ النَّخْلِ أَيْ بَعْضًا أَثْمَرَ أَوَّلًا وَبَعْضًا آخِرًا أَثْمَرَ ثَانِيًا.
قَوْلُهُ: (وَزَرْعَا الْعَامِ إلَخْ) الْعَامُ لَيْسَ قَيْدًا، بَلْ وَلَوْ كَانَ زَرْعَيْ عَامَيْنِ وَلَكِنْ بَيْنَ حَصَادَيْهِمَا أَقَلُّ مِنْ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يَضُمُّ.
قَوْلُهُ: (فِي الْفُصُولِ) بِأَنْ يَكُونَ ذُرَةً زُرِعَتْ فِي الصَّيْفِ وَأُخْرَى فِي الْخَرِيفِ وَأُخْرَى فِي الرَّبِيعِ.
قَوْلُهُ: (وَالْعِبْرَةُ بِالضَّمِّ هُنَا) أَيْ فِي الزُّرُوعِ.
قَوْلُهُ: (اعْتِبَارُ وُقُوعِ حَصَادَيْهِمَا) أَيْ بِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: بِاعْتِبَارِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ) بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ حَصَادِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي دُونَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا عَرَبِيَّةً.
وَلَا عِبْرَةَ بِابْتِدَاءِ الزَّرْعِ لِأَنَّ الْحَصَادَ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَعِنْدَهُ يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ، وَيَكْفِي عَنْ الْحَصَادِ زَمَنُ إمْكَانِهِ عَلَى الْأَوْجَهِ.
اهـ. حَجّ وم ر.
قَوْلُهُ: (عَرَبِيَّةً) أَيْ هِلَالِيَّةً.
قَوْلُهُ: (وَفِيهَا إلَخْ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَالْعُشْرُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.
وَقَوْلُهُ " إنْ سُقِيَتْ " شَرْطٌ جَوَابُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَفِيهَا الْعُشْرُ، لَكِنَّ الشَّارِحَ جَعَلَ الْعُشْرَ فَاعِلًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِمَاءِ السَّيْحِ) مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِأَوْ؛ وَوَجْهُ الْخُصُوصِ أَنَّهُ يَنْزِلُ الْمَاءُ مِنْ السَّمَاءِ فِي حُفْرَةٍ فَيَمْلَؤُهَا ثُمَّ يَجْرِي مِنْهَا لِلزَّرْعِ وَالثَّمَرِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ شَرِبَ إلَخْ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: إنْ سُقِيَتْ.
قَوْلُهُ: (الْعُشْرُ) وَقَدْرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ رُبْعًا عَلَى كَلَامِ الْقَمُولِيِّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ نَحْوِ نَهْرٍ) كَالسَّاقِيَّةِ.
قَوْلُهُ:
وَغَيْرُهُ، وَالْمَعْنَى فِيهِ كَثْرَةُ الْمُؤْنَةِ وَخِفَّتُهَا كَمَا فِي الْمَعْلُوفَةِ وَالسَّائِمَةِ.
وَالْعَثَرِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ مَا سُقِيَ بِمَاءِ السَّيْلِ الْجَارِي إلَيْهِ فِي حُفْرَةٍ وَتُسَمَّى الْحُفْرَةُ عَاثُورًا لِتَعْثِيرِ الْمَاءِ بِهَا إذَا لَمْ يَعْلَمْهَا وَالْقَنَوَاتُ وَالسَّوَّاقِي الْمَحْفُورَةُ مِنْ النَّهْرِ الْعَظِيمِ كَالْمَطَرِ فَفِي الْمَسْقِيِّ بِمَاءٍ يَجْرِي فِيهَا مِنْهُ الْعُشْرُ لِأَنَّ مُؤْنَةَ الْقَنَوَاتِ إنَّمَا تَخْرُجُ لِعِمَارَةِ الْقَرْيَةِ، وَالْأَنْهَارُ إنَّمَا تُحْفَرُ لِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ، فَإِذَا تَهَيَّأَتْ وَصَلَ الْمَاءُ إلَى الزَّرْعِ بِطَبْعِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى بِخِلَافِ السَّقْيِ بِالنَّوَاضِحِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ الْمُؤْنَةَ لِلزَّرْعِ نَفْسِهِ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّوْعَيْنِ كَالنَّضْحِ وَالْمَطَرِ يَسْقُطُ بِاعْتِبَارِ مُدَّةِ عَيْشِ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَنَمَائِهِمَا لَا بِأَكْثَرِهِمَا وَلَا بِعَدَدِ السَّقْيَاتِ، فَلَوْ كَانَتْ الْمُدَّةُ مِنْ يَوْمِ الزَّرْعِ مَثَلًا إلَى يَوْمِ الْإِدْرَاكِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَاحْتَاجَ فِي أَرْبَعَةٍ مِنْهَا إلَى سَقْيَةٍ فَسُقِيَ بِالْمَطَرِ، وَفِي الْأَرْبَعَةِ الْأُخْرَى إلَى سَقْيَتَيْنِ فَسُقِيَ بِالنَّضْحِ وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ، وَكَذَا لَوْ جَهِلْنَا الْمِقْدَارَ مِنْ نَفْعِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِاعْتِبَارِ الْمُدَّةِ أَخْذًا بِالِاسْتِوَاءِ وَاحْتَاجَ فِي سِتَّةٍ مِنْهَا إلَى سَقْيَتَيْنِ فَسُقِيَ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَفِي شَهْرَيْنِ إلَى ثَلَاثِ سَقْيَاتٍ فَسُقِيَ بِالنَّضْحِ وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ وَرُبْعُ نِصْفِ الْعُشْرِ، وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمَالِكُ وَالسَّاعِي فِي أَنَّهُ سُقِيَ بِمَاذَا
[حاشية البجيرمي]
وَالْمَعْنَى فِيهِ) أَيْ فِي وُجُوبِ الْعُشْرِ أَوْ نِصْفِهِ.
وَقَوْلُهُ " كَثْرَةُ الْمُؤْنَةِ " لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ، فَالْكَثْرَةُ رَاجِعَةٌ لِنِصْفِ الْعُشْرِ وَالْخِفَّةُ لِلْعُشْرِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الْمَعْلُوفَةِ وَالسَّائِمَةِ) التَّنْظِيرُ فِي مُطْلَقِ خِفَّةِ الْمُؤْنَةِ وَكَثْرَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ الْمَعْلُوفَةُ لَا زَكَاةَ فِيهَا أَصْلًا.
فَإِنْ قُلْت: لِمَ لَمْ يُؤَثِّرْ ثِقَلُ الْمُؤْنَةِ فِي إسْقَاطِ الْوُجُوبِ مِنْ أَصْلِهِ هُنَا وَأَثَّرَ فِي الْمَعْلُوفَةِ؟ قُلْت: لِأَنَّ الْقَصْدَ بِاقْتِنَاءِ الْحَيَوَانِ نَمَاؤُهُ لَا عَيْنُهُ، فَلَمَّا عُلِفَ لَمْ يَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ لِكَوْنِ الْعَلَفِ فِي نَظِيرِ النَّمَاءِ وَمِنْ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ عَيْنُهُ فَيُنْظَرُ إلَيْهَا مُطْلَقًا، ثُمَّ تَفَاوَتُوا فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ.
قَوْلُهُ: (بِمَاءِ السَّيْلِ) أَيْ الْمَطَرِ الْمُجْتَمِعِ.
قَوْلُهُ: (فِي حُفْرَةٍ) وَهِيَ أَنْ تُحْفَرَ حَفِيرَةٌ يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ مِنْ السَّيْلِ إلَى أُصُولِ الشَّجَرِ كَمَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَنَوَاتُ) أَيْ الْأَنْهَارُ الصَّغِيرَةُ.
قَوْلُهُ: (وَالسَّوَّاقِي) الْمُرَادُ بِهَا الْمَسَاقِي وَهِيَ الْأَنْهَارُ الْكَبِيرَةُ كَالْخُلْجَانِ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ التَّعْلِيلِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا مَا يُدِيرُهُ الْحَيَوَانُ لِأَنَّ فِي الْمُسْقَى بِتِلْكَ نِصْفَ الْعُشْرِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ النَّهْرِ) أَيْ مِنْ جَنْبِهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ مُؤْنَةَ الْقَنَوَاتِ إنَّمَا تَخْرُجُ إلَخْ) أَيْ شَأْنُهَا ذَلِكَ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: وَلَا عِبْرَةَ بِمُؤْنَةِ الْقَنَوَاتِ وَالسَّاقِيَّةِ لِأَنَّهَا لِعِمَارَةِ الضَّيْعَةِ لَا لِنَفْسِ الزَّرْعِ.
قَوْلُهُ: (وَنَمَائِهِمَا) تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: (لَا بِأَكْثَرِهِمَا) أَيْ الْمَطَرِ وَالنَّضْحِ خِلَافًا لِلْمَدَابِغِيِّ مِنْ جَعْلِهِ الضَّمِيرَ لِلْمُدَّتَيْنِ، أَيْ لَا يُعْتَبَرُ بِأَكْثَرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَائِلِ بِأَنَّهُ إذَا غَلَبَ أَحَدُهُمَا فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ تَرْجِيحًا لِلْغَلَبَةِ، وَيُلْغَى الْأَقَلُّ عَنْ الِاعْتِبَارِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ لَا تَقْسِيطَ بِأَكْثَرِهِمَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، أَيْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ إلَخْ كَلَامُ الْمِنْهَاجِ؛ إذْ الْأَكْثَرُ لَا تَقْسِيطَ فِيهِ حَتَّى يُنْفَى.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِعَدَدِ السَّقْيَاتِ) أَيْ وَلَا يُقَسَّطُ بِعَدَدِ إلَخْ؛ لِأَنَّ هَذَا لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّ التَّقْسِيطَ بِعَدَدِ السَّقْيَاتِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَتْنُ الْمِنْهَاجِ وَعِبَارَتُهُ وَفِيمَا سُقِيَ بِهِمَا سَوَاءٌ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، فَإِنْ غَلَبَ أَحَدُهُمَا فَفِي قَوْلٍ يُعْتَبَرُ هُوَ؛ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُقَسَّطُ بِاعْتِبَارِ عَيْشِ الزَّرْعِ وَنَمَائِهِ، وَقِيلَ بِعَدَدِ السَّقْيَاتِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ يَوْمِ الزَّرْعِ مَثَلًا) أَيْ أَوْ يَوْمِ الِاطِّلَاعِ فِي النَّخْلِ أَوْ ظُهُورِ الْعِنَبِ فِي الْكَرْمِ إ ط ف.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ) وَلَوْ اُعْتُبِرَ عَدَدُ السَّقْيَاتِ لَوَجَبَ ثُلُثَا الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ السَّقْيَةَ الَّتِي بِالْمَطَرِ يَجِبُ فِيهَا ثُلُثُ الْعُشْرِ وَالسَّقْيَتَانِ بِغَيْرِ الْمَطَرِ يَجِبُ فِيهِمَا ثُلْثَا نِصْفِ الْعُشْرِ وَثُلْثَا نِصْفِ الْعُشْرِ ثُلُثٌ كَامِلٌ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا) أَيْ يَجِبُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ لَوْ جَهِلْنَا الْمِقْدَارَ إلَخْ بِأَنْ شَكَكْنَا هَلْ انْتَفَعَ بِسَقْيَةِ الْمَطَرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ وَسَقْيَتَيْ النَّضْحِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنَّهَا تُقَسَّطُ بِاعْتِبَارِ الْمُدَّةِ بِأَنْ تُجْعَلَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لِسَقْيَتَيْ الْمَطَرِ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لِسَقْيَتَيْ النَّضْحِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ " أَخَذَ بِالِاسْتِوَاءِ " أَفَادَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
وَقَوْلُهُ " مِنْ نَفْعِ إلَخْ " يَقْتَضِي أَنَّ النَّفْعَ مُعْتَبَرٌ فِي التَّقْسِيطِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا ح ف وَصَرَّحَ بِهِ عَمِيرَةُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ نَفْعٍ) مُتَعَلِّقُ الْمِقْدَارِ، وَقَوْلُهُ " بِاعْتِبَارِ الْمُدَّةِ " مُتَعَلِّقٌ بِ " نَفْعٍ ". وَقَوْلُهُ " أَخْذًا بِالِاسْتِوَاءِ " أَيْ بِتَسَاوِي الْمُدَّتَيْنِ بِجَعْلِ نِصْفَ الْمُدَّةِ لِلسَّقْيَةِ وَنِصْفَهَا لِلسَّقْيَتَيْنِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّحَكُّمُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ زِيَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ) أَيْ نَظَرًا لِسَقْيِ السَّمَاءِ، وَقَوْلُهُ " وَرُبْعُ نِصْفِ الْعُشْرِ " أَيْ نَظَرًا لِسَقْيِ
صُدِّقَ الْمَالِكُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ، فَإِنْ اتَّهَمَهُ السَّاعِي حَلَّفَهُ نَدْبًا، وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا ذَكَرَ بِبُدُوِّ صَلَاحِ ثَمَرٍ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ ثَمَرَةٌ كَامِلَةٌ وَهُوَ قَبْلَ ذَلِكَ بَلَحٌ وَحِصْرِمٌ، وَبِاشْتِدَادِ حَبٍّ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ طَعَامٌ وَهُوَ قَبْلَ ذَلِكَ بَقْلٌ، وَالصَّلَاحُ فِي ثَمَرٍ وَغَيْرِهِ بُلُوغُهُ صِفَةً يُطْلَبُ فِيهَا غَالِبًا وَعَلَامَتُهُ فِي الثَّمَرِ الْمَأْكُولِ الْمُتَلَوِّنِ أَخْذُهُ فِي حُمْرَةٍ أَوْ سَوَادٍ أَوْ صُفْرَةٍ كَبَلَحٍ وَعُنَّابٍ وَمِشْمِشٍ، وَفِي غَيْرِ الْمُتَلَوِّنِ مِنْهُ كَالْعِنَبِ الْأَبْيَضِ لِينُهُ وَتَمْوِيهُهُ وَهُوَ صَفَاؤُهُ وَجَرَيَانُ الْمَاءِ فِيهِ وَبُدُوُّ صَلَاحِ بَعْضِهِ وَإِنْ قَلَّ كَظُهُورِهِ.
وَسُنَّ خَرْصُ أَيْ حَزْرُ كُلِّ ثَمَرٍ فِيهِ زَكَاةٌ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ عَلَى مَالِكِهِ لِلِاتِّبَاعِ، فَيَطُوفُ الْخَارِصُ بِكُلِّ شَجَرَةٍ وَيُقَدِّرُ ثَمَرَتَهَا أَوْ ثَمَرَةَ كُلِّ نَوْعٍ رَطْبًا ثُمَّ يَابِسًا وَذَلِكَ لِتَضْمِينِ أَيْ لِنَقْلِ الْحَقِّ مِنْ الْعَيْنِ إلَى الذِّمَّةِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا لِيُخْرِجَهُ بَعْدَ جَفَافِهِ.
وَشُرِطَ فِي الْخَرْصِ الْمَذْكُورِ عَالِمٌ بِهِ أَهْلٌ لِلشَّهَادَاتِ كُلِّهَا، وَشُرِطَ تَضْمِينٌ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ
[حاشية البجيرمي]
النَّضْحِ، وَرُبْعُ نِصْفِ الْعُشْرِ هُوَ ثُمْنُ الْعُشْرِ.
قَالَ ح ل: وَلَمْ يُعَبِّرْ بِثُمْنِ الْعُشْرِ مَعَ أَنَّهُ أَخْصَرُ مُحَافَظَةً عَلَى الْإِتْيَانِ بِمَا تَقْتَضِيهِ النِّسْبَةُ.
قَوْلُهُ: (حَلَّفَهُ) فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يَلْزَمْهُ بِالنُّكُولِ شَيْءٌ م د.
قَوْلُهُ: (وَحِصْرِمٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بِوَزْنِ زِبْرِجٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
قَوْلُهُ: (وَبِاشْتِدَادِ حَبٍّ) قَالَ فِي الْعُبَابِ وَشَرْحِهِ: وَحَيْثُ اشْتَدَّ الْحَبُّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ عَلَى الْمَالِكِ الْأَكْلُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي اجْتِنَابُ الْفَرِيكِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْفُولِ حَيْثُ عَلِمَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ الزَّرْعِ؛ وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَالِكِ أَيْضًا أُجْرَةُ الْحَصَّادِينَ مِنْهُ وَالصَّدَقَةُ مِنْهُ قَبْلَ إعْطَاءِ الزَّكَاةِ وَيُعَزَّرُ إنْ عَلِمَ الْحُرْمَةَ وَإِلَّا فَلَا، وَيَغْرَمُ بَدَلَ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ اتِّفَاقًا.
وَمَعَ حُرْمَتِهِ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِي غَيْرِ قَدْرِ الزَّكَاةِ.
وَكَتَبَ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ عَلَى قَوْلِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَهُوَ قَبْلَ ذَلِكَ بَقْلٌ وَمِنْهُ الْفَرِيكُ الْمَعْرُوفُ فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَصْلُحُ لِلِادِّخَارِ، وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ بِاشْتِدَادِ الْحَبِّ إلَّا إذَا صَلُحَ لِلِادِّخَارِ، وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ الْفَرِيكِ الَّذِي يُبَاعُ الْآنَ؛ وَكَذَا الْفُولُ الْأَخْضَرُ بِجَوَازِ الْأَكْلِ مِنْهُ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ.
وَهَذِهِ دَقِيقَةٌ يُغْفَلُ عَنْهَا.
وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ بِالْأَكْلِ وَالْإِهْدَاءِ وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَعُنَّابٍ وَمِشْمِشٍ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّلَوُّنِ لَا لِلزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا زَكَاةَ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (كَالْعِنَبِ الْأَبْيَضِ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّهُ مُتَلَوِّنٌ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَلَوِّنِ الَّذِي يَحْدُثُ لَهُ لَوْنٌ بَعْدَ آخَرَ، وَبَيَاضُ هَذَا مَوْجُودٌ فِيهِ مِنْ حِينِ ظُهُورِهِ.
قَوْلُهُ: (وَجَرَيَانُ الْمَاءِ فِيهِ) عَطْفٌ لَازِمٌ.
قَوْلُهُ: (كَظُهُورِهِ) أَيْ كُلِّهِ
قَوْلُهُ: (وَسُنَّ خَرْصٌ إلَخْ) أَيْ، إنْ كَانَ الْمَالِكُ مُوسِرًا، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَسْلِيطِهِ عَلَى حَقِّ الْمُسْتَحِقِّينَ شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ " أَيْ حَزْرُ كُلِّ " أَيْ تَخْمِينُهُ وَتَقْدِيرُهُ، وَحِكْمَتُهُ الرِّفْقُ بِالْمَالِكِ وَالْمُسْتَحَقِّينَ.
وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ الْخَرْصُ وَلَا يَنْتَقِلُ الْحَقُّ إلَى الذِّمَّةِ، لَكِنْ كَيْفَ يُحْتَاجُ لِهَذَا الشَّرْطِ وَهُوَ لَهُ ثَمَرٌ قَدْ خُرِصَ عَلَيْهِ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِذَلِكَ الثَّمَرِ اهـ.
قَوْلُهُ: (إذَا بَدَا صَلَاحُهُ) نَعَمْ إنْ بَدَا صَلَاحُ نَوْعٍ دُونَ آخَرَ، فَالْأَقْيَسُ جَوَازُ خَرْصِ الْكُلِّ م د. وَكَذَا إذَا بَدَا صَلَاحُ حَبَّةٍ مِنْ نَوْعٍ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِيمَا لَوْ بَدَا صَلَاحُ حَبَّةٍ فِي بُسْتَانٍ حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُ الْكُلِّ بِلَا شَرْطِ الْقَطْعِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ) أَيْ سَنُّ الْخَرْصِ.
قَوْلُهُ: (تَمْرًا) حَالٌ مِنْ الْحَقِّ.
قَالَ فِي الرَّوْضِ: وَلَوْ لَمْ يَتَأَتَّ مِنْهُ أَيْ التَّمْرِ تَمْرٌ وَلَا زَبِيبٌ أَخْرَجَ مِنْهُ رَطْبًا بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ لِأَنَّهُ وَقْتُ كَمَالِهِ، فَيُقَدَّرُ جَفَافُهُ فَيَكْمُلُ بِهِ نِصَابٌ مَعَ مَا يَجِفُّ مِنْ ذَلِكَ اهـ مَعَ زِيَادَةٍ.
وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ غَالِبَ ثَمَرِ قُرَى مِصْرَ كَمَالُهُ حَالَ تَرَطُّبِهِ لِأَنَّهُ لَا يَتَتَمَّرُ وَلَا يَتَزَبَّبُ.
قَوْلُهُ: (عَالِمٌ بِهِ) أَيْ كَوْنُهُ عَالِمًا بِهِ أَيْ بِالْخَرْصِ؛ لِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ وَالْجَاهِلُ بِشَيْءٍ غَيْرُ أَهْلٍ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (أَهْلٌ لِلشَّهَادَاتِ) بِأَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا حُرًّا ذَكَرًا نَاطِقًا بَصِيرًا عَدْلَ شَهَادَةٍ، فَلَا يُقْبَلُ الْفَاسِقُ فِيهِ وَلَا يَكْفِي عَدْلُ الرِّوَايَةِ كَالْمَرْأَةِ.
قَالَ الرَّحْمَانِيُّ: قُلْت: لَوْ فُقِدَ الْخَارِصُ وَكَانَ هُوَ عَارِفًا فَهَلْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَوْ لَا لِكَوْنِهِ مُتَّهَمًا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ احْتَاجَ لِلْأَكْلِ مِنْ الزَّرْعِ هَلْ تَنْتَفِي الْحُرْمَةُ وَيَتَعَلَّقُ قَدْرُهَا بِمَا أَكَلَهُ بِذِمَّتِهِ؟ ثُمَّ رَأَيْت حَجّ قَالَ: وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يَأْتِي عَلَى قَوَاعِدِنَا، وَلَهُ تَحْكِيمُ عَدْلَيْنِ يَخْرُصَانِ عَلَيْهِ وَيُضَمِّنَانِهِ عِنْدَ فَقْدِ الْخَارِصِ مِنْ جِهَةِ السَّاعِي، وَلَا يَكْفِي وَاحِدٌ.
فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ " وَلَوْ وَاحِدًا " مَحْمُولٌ
لِمُخْرِجٍ مِنْ مَالِكٍ وَنَائِبِهِ وَقَبُولٍ لِلتَّضْمِينِ فَلِلْمَالِكِ حِينَئِذٍ تَصَرُّفٌ فِي الْجَمِيعِ.
فَإِنْ ادَّعَى حَيْفَ الْخَارِصِ فِيمَا يَخْرُصُهُ أَوْ غَلَطَهُ بِمَا يَبْعُدُ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَيُحَطُّ فِي الثَّانِيَةِ الْقَدْرُ الْمُحْتَمَلُ.
وَإِنْ ادَّعَى غَلَطَهُ بِالْمُحْتَمَلِ بَعْدَ تَلَفِ الْمَخْرُوصِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ نَدْبًا إنْ اُتُّهِمَ وَإِلَّا بِلَا يَمِينٍ.
وَإِنْ ادَّعَى تَلَفَ الْمَخْرُوصِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ فَكَوَدِيعٍ لَكِنَّ الْيَمِينَ هُنَا سُنَّةٌ بِخِلَافِهَا فِي الْوَدِيعِ فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ.
[حاشية البجيرمي]
عَلَى مَنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْحَاكِمِ اهـ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْخَارِصُ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ كَفَى وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ فَلَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ.
اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (كُلِّهَا) احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ " كُلِّهَا " عَنْ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ فِي الْجُمْلَةِ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لِمُخْرَجٍ) أَيْ بِشَرْطِ يَسَارِهِ، حَتَّى لَوْ ضَمِنَ وَتَبَيَّنَ كَوْنُهُ مُعْسِرًا حَالَ التَّضْمِينِ لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يُنْقَلْ الْحَقُّ إلَى ذِمَّتِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَذْرَعِيُّ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ ز ي.
قَوْلُهُ: (وَقَبُولٍ لِلتَّضْمِينِ) كَأَنْ يَقُولَ: ضَمَّنْتُك حَقَّ الْمُسْتَحِقِّينَ مِنْ الرُّطَبِ بِكَذَا، فَيَقْبَلُ أَيْ فَوْرًا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف. وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: أَيْ يُسَنُّ الْخَرْصُ لِنَقْلِ الْحَقِّ، أَيْ بِصِيغَةٍ كَضَمَّنْتُك نَصِيبَ الْمُسْتَحِقِّينَ رُطَبًا بِكَذَا تَمْرًا، وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ لَفْظًا وَالرِّضَا؛ فَإِنْ انْتَفَى الْخَرْصُ أَوْ التَّضْمِينُ أَوْ الْقَبُولُ نَفَذَ التَّصَرُّفُ فِيمَا عَدَا قَدْرَهَا شَائِعًا، رَحْمَانِيٌّ.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَلَيْسَ هَذَا التَّضْمِينُ عَلَى حَقِيقَةِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَلِفَ جَمِيعُ الثِّمَارِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ سُرِقَتْ مِنْ الشَّجَرِ أَوْ الْجَرِينِ قَبْلَ الْجَفَافِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَطْعًا لِفَوَاتِ الْإِمْكَانِ، وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهَا؛ فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي نِصَابَ زَكَاةٍ أَوْ دُونَهُ أَخْرَجَ حِصَّتَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّمْكِينَ شَرْطٌ لِلضَّمَانِ لَا لِلْوُجُوبِ، فَإِنْ تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ كَأَنْ وَضَعَهُ فِي غَيْرِ حِرْزِ مِثْلِهِ ضَمِنَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَضْمَنْ فِي حَالَةِ عَدَمِ تَقْصِيرِهِ مَعَ تَقَدُّمِ التَّضْمِينِ لِبِنَاءِ أَمْرِ الزَّكَاةِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ؛ لِأَنَّهَا أَيْ الزَّكَاةَ ثَبَتَتْ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ الْمَالِكِ فَبَقَاءُ الْحَقِّ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِ الْأَدَاءِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلِلْمَالِكِ حِينَئِذٍ) أَيْ حَيْثُ وُجِدَ الْخَرْصُ.
وَالتَّضْمِينُ وَالْقَبُولُ، فَإِنْ انْتَفَى الْخَرْصُ أَوْ التَّضْمِينُ أَوْ الْقَبُولُ لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ فِي الْجَمِيعِ بَلْ فِيمَا عَدَا الْوَاجِبَ شَائِعًا لِبَقَاءِ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ لَا مُعَيَّنًا، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ، فَالتَّمْرَةُ الْوَاحِدَةُ لَهُ مِنْهَا تِسْعَةُ أَعْشَارٍ وَلَهُمْ فِيهَا عُشْرٌ أج.
قَوْلُهُ: (فِي الْجَمِيعِ) أَيْ فِي جَمِيعِ مَا خُرِصَ بَيْعًا وَغَيْرَهُ لِانْقِطَاعِ التَّعَلُّقِ عَنْ الْعَيْنِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَلَطَهُ بِمَا يَبْعُدُ) وَهُوَ الَّذِي تُحِيلُ الْعَادَةُ وُقُوعَ الْغَلَطِ فِيهِ ح ف، كَأَنْ قَالَ الْخَارِصُ: التَّمْرُ عِشْرُونَ وَسْقًا، فَادَّعَى الْمَالِكُ غَلَطَهُ بِخَمْسَةٍ وَادَّعَى أَنَّهُ خَمْسَةَ عَشَرَ فَقَطْ فَالْخَمْسَةُ يَبْعُدُ غَلَطُهُ فِيهَا.
وَقَوْلُهُ " وَيَحُطُّ فِي الثَّانِيَةِ الْقَدْرَ الْمُحْتَمَلَ " أَيْ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ، وَالْقَدْرُ الْمُحْتَمَلُ هُوَ الَّذِي لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ قُبِلَ كَوَاحِدٍ فِي مِائَةٍ، وَقَدْ مَثَّلَهُ الرَّافِعِيُّ بِنِصْفِ الْعُشْرِ، شَرْحُ حَجّ مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: (بِمَا يَبْعُدُ) كَالرُّبْعِ وَالثُّلُثِ.
قَوْلُهُ: (وَيَحُطُّ فِي الثَّانِيَةِ) أَيْ يَحُطُّ مِنْ الْأَوْسُقِ الْقَدْرَ الَّذِي يُحْتَمَلُ أَنَّ الْخَارِصَ غَلِطَ فِيهِ، وَهَذَا عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ وَإِلَّا عُمِلَ بِهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ ادَّعَى غَلَطَهُ بِالْمُحْتَمَلِ) أَيْ وَبَيَّنَ قَدْرًا وَإِلَّا فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (صُدِّقَ) أَيْ الْمَالِكُ
قَوْلُهُ: (وَإِنْ ادَّعَى تَلَفَ الْمَخْرُوصِ) أَيْ وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الزَّكَاةِ لِيَكُونَ لِهَذِهِ الدَّعْوَى فَائِدَةٌ وَهِيَ سُقُوطُ زَكَاةِ مَا تَلِفَ مِنْ كُلِّ الْمَالِ أَوْ بَعْضِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الزَّكَاةِ فَلَا مَعْنَى لِهَذِهِ الدَّعْوَى لِأَنَّهَا اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ تَلِفَ أَوْ بَقِيَ.
قَوْلُهُ: (فَكَوَدِيعٍ) فَإِنْ ادَّعَى تَلَفَهُ مُطْلَقًا أَوْ بِسَبَبٍ خَفِيٍّ كَسَرِقَةٍ أَوْ ظَاهِرٍ كَنَهْبٍ فِي عُرْفٍ دُونَ عُمُومِهِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ أَوْ عُرِفَ مَعَ عُمُومِهِ، فَكَذَلِكَ إنْ اُتُّهِمَ وَإِلَّا صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ؛ فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ الظَّاهِرُ طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ بِهِ لِإِمْكَانِهَا ثُمَّ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي التَّلَفِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
فَإِنْ قُلْت: إنَّ الْحَقَّ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ فَمُقْتَضَاهُ الضَّمَانُ وَإِنْ تَلِفَ الْمَخْرُوصُ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ؟ أُجِيبُ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ بِأَدَائِهِ إلَّا إذَا تَمَكَّنَ بِأَنْ جَفَّ، فَإِنْ تَلِفَتْ الثَّمَرَةُ بَعْدَ الْخَرْصِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ لَمْ يَضْمَنْ كَمَا فِي الرَّوْضِ.
فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْعُرُوضِ وَالْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ وَمَا يَجِبُ إخْرَاجُهُ (وَتُقَوَّمُ عُرُوضُ التِّجَارَةِ عِنْدَ) آخِرِ (الْحَوْلِ بِمَا اُشْتُرِيَتْ بِهِ) هَذَا إذَا مَلَكَ مَالَ التِّجَارَةِ بِنَقْدٍ وَلَوْ فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ بِغَيْرٍ نَقْدِ الْبَلَدِ الْغَالِبِ، أَوْ دُونَ نِصَابٍ فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ بِهِ لِأَنَّهُ أَصْلُ مَا بِيَدِهِ وَأَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ، فَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ نِصَابًا لَمْ تَجِبْ
[حاشية البجيرمي]
[فَصْلٌ فِي زَكَاةِ الْعُرُوضِ]
ِ وَالْعُرُوضُ جَمْعُ عَرْضٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ اسْمٌ لِكُلِّ مَا قَابَلَ النَّقْدَيْنِ مِنْ صُنُوفِ الْأَمْوَالِ وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَا قَابَلَ الطُّولَ وَبِضَمِّ الْعَيْنِ مَا قَابَلَ النَّصْلَ فِي السِّهَامِ وَبِكَسْرِهَا مَحَلُّ الذَّمِّ وَالْمَدْحِ مِنْ الْإِنْسَانِ وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ مَعًا مَا قَابَلَ الْجَوْهَرَ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ آخِرِ الْحَوْلِ) أَيْ بَعْدَهُ لَا بِطَرَفَيْهِ وَلَا بِجَمِيعِهِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْقِيمَةِ وَيُعْسَرُ مُرَاعَاتُهَا كُلَّ وَقْتٍ لِاضْطِرَابِ الْأَسْعَارِ انْخِفَاضًا وَارْتِفَاعًا.
وَاكْتَفَى بِاعْتِبَارِهَا آخِرَ الْحَوْلِ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ زَكَاةَ التِّجَارَةِ تَجِبُ بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مَلَكَ ذَلِكَ الْمَالَ بِمُعَاوَضَةٍ وَلَوْ غَيْرَ مَحْضَةٍ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنَّ الْمُعَاوَضَةَ قِسْمَانِ: مَحْضَةٌ وَهِيَ مَا تَفْسُدُ بِفَسَادِ مُقَابِلِهَا كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِعِوَضٍ اشْتَرَى بِعَيْنِهِ أَوْ نَقْدٍ أَوْ دَيْنٍ حَالٍّ وَمِنْ الْمَمْلُوكِ بِمُعَاوَضَةٍ مَا لَوْ صَالَحَ عَلَيْهِ وَلَوْ عَنْ دَمٍ وَمَا أَجَّرَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ مَالَهُ؛ أَوْ غَيْرُ مَحْضَةٍ وَهِيَ مَا لَا تَفْسُدُ بِفَسَادِ مُقَابِلِهَا كَالنِّكَاحِ، وَلِذَلِكَ أَطْلَقَ الْمُؤَلِّفُ فِي تَعْرِيفِ الْمُعَاوَضَةِ فَشَمِلَ الْقِسْمَيْنِ وَصَرَّحَ بِهِ ق ل وَالْمُنَاوِيُّ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ خَلَفَ لِوَرَثَتِهِ عُرُوضَ التِّجَارَةِ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ فِيهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُمْلَكْ بِمُعَاوَضَةٍ.
ثَانِيهَا: أَنْ تَقْتَرِنَ نِيَّةُ التِّجَارَةِ بِحَالِ الْمُعَاوَضَةِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ أَوْ فِي مَجْلِسِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَمْلُوكَ بِالْمُعَاوَضَةِ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ التِّجَارَةُ وَقَدْ يُقْصَدُ بِهِ غَيْرُهَا فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ مُمَيِّزَةٍ إنْ لَمْ يُجَدِّدْهَا فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ بَعْدَ الشِّرَاءِ بِجَمِيعِ رَأْسِ الْمَالِ، أَيْ إذَا بَاعَ مَا اقْتَرَنَتْ بِهِ النِّيَّةُ حَالَ شِرَائِهِ وَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً فَلَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ لِانْسِحَابِ حُكْمِ التِّجَارَةِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ ثُمَّ اشْتَرَى عَرْضًا آخَرَ فَلَا بُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ نِيَّةٍ مُقْتَرِنَةٍ بِهِ، وَهَكَذَا إلَى أَنْ يَفْرُغَ رَأْسُ الْمَالِ.
ثَالِثُهَا: أَنْ لَا يَقْصِدَ بِالْمَالِ الْقِنْيَةَ وَهِيَ الْإِمْسَاكُ لِلِانْتِفَاعِ، أَيْ وَكَذَا بِبَعْضِهِ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ، وَيَرْجِعْ فِي تَعْيِينِهِ لَهُ فَإِنْ قَصَدَهَا بِهِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ.
رَابِعُهَا: مُضِيُّ حَوْلٍ مِنْ الْمِلْكِ؛ نَعَمْ إنْ مَلَكَهُ بِعَيْنِ نَقْدِ نِصَابٍ أَوْ دُونَهُ وَفِي مِلْكِهِ بَاقِيَةٌ كَأَنْ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ عِشْرِينَ مِثْقَالًا أَوْ بِعَيْنِ عَشَرَةٍ وَفِي مِلْكِهِ عَشَرَةٌ أُخْرَى بَنَى عَلَى نَقْدِ الْحَوْلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهُ بِنِصَابٍ فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ نَقَدَهُ أَيْ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْمَجْلِسِ كَالْوَاقِعِ فِي الْعَقْدِ فَيَنْقَطِعُ حَوْلُهُ وَيُبْتَدَأُ حَوْلُ التِّجَارَةِ مِنْ حِينِ الشِّرَاءِ.
وَفَرْقٌ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِأَنَّ النَّقْدَ لَمْ يَتَعَيَّنْ صَرْفُهُ لِلشِّرَاءِ فِي الثَّانِيَةِ بِخِلَافِ الْأُولَى.
خَامِسُهَا: أَنْ لَا يَنِضَّ جَمِيعُهُ، أَيْ مَالِ التِّجَارَةِ، مِنْ الْجِنْسِ نَاقِصًا عَنْ النِّصَابِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، فَإِنْ نَضَّ كَذَلِكَ ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً لِلتِّجَارَةِ فَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ يَكُونُ مِنْ الشِّرَاءِ.
سَادِسُهَا: أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهُ آخِرَ الْحَوْلِ نِصَابًا، وَكَذَا إنْ بَلَغَتْهُ دُونَ نِصَابٍ وَمَعَهُ مَا يَكْمُلُ بِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَابْتَاعَ بِخَمْسِينَ مِنْهَا وَبَلَغَ مَالُ التِّجَارَةِ آخِرَ الْحَوْلِ مِائَةً وَخَمْسِينَ فَيُضَمُّ لِمَا عِنْدَهُ وَيَجِبُ زَكَاةُ الْجَمِيعِ اهـ.
قَوْلُهُ: (الْغَالِبِ) لَوْ حَذَفَ " الْغَالِبَ " لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (أَوْ دُونَ نِصَابٍ) وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَارَةً يَمْلِكُهُ بِنَقْدٍ وَتَارَةً بِنَقْدَيْنِ وَتَارَةً بِنَقْدٍ وَعَرْضٍ وَتَارَةً بِغَيْرِ نَقْدٍ أَصْلًا وَتَارَةً يَمْلِكُهُ لَا بِشَيْءٍ أَصْلًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ بِهِ) أَيْ بِالنَّقْدِ وَإِنْ أَبْطَلَهُ السُّلْطَانُ.
الزَّكَاةُ وَإِنْ بَلَغَ بِغَيْرِهِ، أَمَّا إذَا مَلَكَهُ بِغَيْرِ نَقْدٍ كَعَرْضٍ وَنِكَاحٍ وَخُلْعٍ فَبِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ يُقَوَّمُ بِهِ.
فَلَوْ حَالَ الْحَوْلُ بِمَحَلٍّ لَا نَقْدَ فِيهِ كَبَلَدٍ يُتَعَامَلُ فِيهِ بِفُلُوسٍ أَوْ نَحْوِهَا اُعْتُبِرَ أَقْرَبُ الْبِلَادِ إلَيْهِ، فَإِنْ مَلَكَهُ بِنَقْدٍ وَغَيْرِهِ قُوِّمَ مَا قَابَلَ النَّقْدَ بِهِ وَالْبَاقِيَ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ.
فَإِنْ غَلَبَ نَقْدَانِ عَلَى التَّسَاوِي وَبَلَغَ مَالُ التِّجَارَةِ نِصَابًا بِأَحَدِهِمْ دُونَ الْآخَرِ قُوِّمَ لِتَحَقُّقِ تَمَامِ النِّصَابِ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَا لَوْ تَمَّ النِّصَابُ فِي مِيزَانٍ دُونَ آخَرَ أَوْ بِنَقْدٍ لَا يُقَوَّمُ بِهِ دُونَ نَقْدٍ يُقَوَّمُ بِهِ.
وَإِنْ بَلَغَ نِصَابًا بِكُلٍّ مِنْهُمَا خُيِّرَ الْمَالِكُ كَمَا فِي شَاتَيْ الْجُبْرَانِ وَدَرَاهِمِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا صَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَإِنْ صُحِّحَ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْأَنْفَعُ لِلْمُسْتَحِقِّينَ وَيُضَمُّ رِبْحٌ حَاصِلٌ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ لِأَصْلٍ فِي الْحَوْلِ إنْ لَمْ يَنِضَّ بِمَا يُقَوَّمُ بِهِ.
فَلَوْ اشْتَرَى عَرْضًا بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَصَارَتْ قِيمَتُهُ فِي الْحَوْلِ وَلَوْ قَبْلَ آخِرِهِ بِلَحْظَةٍ ثَلَثَمِائَةٍ زَكَّاهَا آخِرَهُ، أَمَّا إذَا نَضَّ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ بِمَا يُقَوَّمُ بِهِ وَأَمْسَكَهُ إلَى آخِرِ الْحَوْلِ فَلَا يُضَمُّ إلَى الْأَصْلِ بَلْ يُزَكَّى الْأَصْلُ بِحَوْلِهِ وَيُفْرَدُ الرِّبْحُ بِحَوْلٍ (وَيُخْرِجُ مِنْ) قِيمَةِ (ذَلِكَ) لَا مِنْ الْعُرُوضِ (رُبْعُ الْعُشْرِ) أَمَّا أَنَّهُ رُبْعُ الْعُشْرِ فَكَمَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهُ يُقَوَّمُ بِهِمَا، وَأَمَّا أَنَّهُ مِنْ الْقِيمَةِ فَلِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ مِنْ عَيْنِ الْعُرُوضِ.
(وَمَا) أَيْ وَأَيُّ نِصَابٍ (اُسْتُخْرِجَ مِنْ مَعَادِنِ الذَّهَبِ
[حاشية البجيرمي]
وَقَوْلُهُ " لِأَنَّهُ " أَيْ بِالنَّقْدِ، وَقَوْلُهُ " فَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ " أَيْ بِمَا اُشْتُرِيَتْ بِهِ، وَقَوْلُهُ " فَبِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ " أَيْ بَلَدِ حَوَلَانِ الْحَوْلِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ خ ض عَلَى التَّحْرِيرِ.
وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: فَلَوْ حَالَ إلَخْ " وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: أَيْ نَقْدُ بَلَدِ الْإِخْرَاجِ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَاقِي) وَهُوَ مَا قَابَلَ غَيْرَ النَّقْدِ، وَيُعْرَفُ مُقَابِلُهُ بِتَقْوِيمِهِ وَقْتَ الشِّرَاءِ وَجَمْعِ قِيمَتِهِ مَعَ النَّقْدِ وَنِسْبَتِهِ مِنْ الْجُمْلَةِ، فَلَوْ كَانَ اشْتَرَى بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَبِثَوْبٍ قِيمَتُهُ خَمْسَةٌ فَمُقَابِلُهُ ثُلُثُ مَالِ التِّجَارَةِ فَيُقَوَّمُ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَلَوْ اخْتَلَفَ جِنْسُ النَّقْدَيْنِ الْمُتَقَوِّمِ بِهِمَا لَمْ يَكْمُلْ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَلَا تَجِبُ زَكَاةُ مَا لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا مِنْهُمَا أَوْ أَحَدِهِمَا فَتَأَمَّلْ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ غَلَبَ نَقْدَانِ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: فَبِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ.
قَوْلُهُ: (لِتَحَقُّقِ إلَخْ) فِي التَّعْبِيرِ بِالتَّحَقُّقِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ تَخْمِينٌ قَدْ يُخْطِئُ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالتَّحَقُّقِ غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَلَوْ قَالَ: لِأَنَّ الْوَزْنَ أَضْبَطُ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ) أَيْ الْمُقَوَّمِ بِهِمَا حَتَّى يُفَارِقَ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (مَا لَوْ تَمَّ النِّصَابُ) أَيْ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ بَلَغَ نِصَابًا) مُقَابِلُ قَوْلِهِ " بِأَحَدِهِمَا ".
قَوْلُهُ: (بِكُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ بِكُلٍّ مِنْ النَّقْدَيْنِ الْغَالِبَيْنِ عَلَى التَّسَاوِي.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ صُحِّحَ) ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُضَمُّ رِبْحُ) سَوَاءٌ حَصَلَ الرِّبْحُ بِزِيَادَةٍ فِي نَفْسِ الْعَرْضِ كَسَمْنِ الْحَيَوَانِ أَمْ بِارْتِفَاعِ الْأَسْوَاقِ شَرْحُ م ر. وَإِنَّمَا ضَمَّ الرِّبْحُ قِيَاسًا عَلَى النِّتَاجِ مَعَ الْأُمَّهَاتِ وَلِعُسْرِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى حَوْلِ كُلِّ زِيَادَةٍ مَعَ اضْطِرَابِ الْأَسْوَاقِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ ارْتِفَاعًا وَانْخِفَاضًا اهـ شَرْحُ حَجّ.
قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَنِضَّ) بِأَنْ لَمْ يَنِضَّ أَصْلًا أَوْ نَضَّ بِغَيْرِ مَا يُقَوَّمُ بِهِ أَيْ بِيعَ بِغَيْرِ مَا يُقَوَّمُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّضَّ الْبَيْعُ، فَمَنْطُوقُهُ شَامِلٌ لِصُورَتَيْنِ، وَتَفْسِيرُ النَّضِّ بِالْبَيْعِ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ وَإِلَّا فَمَعْنَاهُ أَنْ يَصِيرَ نَاضًّا دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ: أَمَّا إذَا نَضَّ إلَخْ.
وَيَلْزَمُ ذَلِكَ الْبَيْعَ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: إنَّمَا يُسَمُّونَ النَّقْدَ نَاضًّا إذَا تَحَوَّلَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَتَاعًا؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ مَا نَضَّ بِيَدِي مِنْهُ شَيْءٌ أَيْ مَا حَصَلَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ
قَوْلُهُ: (فَصَارَتْ قِيمَتُهُ) أَوْ نَضَّ فِيهِ بِهَا وَهِيَ مِمَّا لَا تُقَوَّمُ بِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَهَذِهِ هِيَ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ الْمَنْطُوقِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا إذَا نَضَّ) بِأَنْ بِيعَ بِمَا ذَكَرَهُ، وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا نَضَّ مِنْ الْجِنْسِ فَقَدْ رَجَعَ رَأْسُ الْمَالِ إلَى أَصْلِهِ فَيَصِيرُ الرِّبْحُ مُسْتَقِلًّا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَنِضَّ أَوْ نَضَّ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ فَلَمْ يَرْجِعْ رَأْسُ الْمَالِ إلَى أَصْلِهِ فَلَا يَصِيرُ الرِّبْحُ مُسْتَقِلًّا، لِارْتِبَاطِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِرَأْسِ الْمَالِ ارْتِبَاطَ التَّابِعِ بِالْمَتْبُوعِ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَأَمْسَكَهُ) لَيْسَ بِقَيْدٍ، إذْ مِثْلُهُ مَا لَوْ اشْتَرَى بِهِ عَرْضًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَيُفْرِدُ الرِّبْحَ بِحَوْلٍ) فَإِذَا تَمَّ حَوْلُهُ زَكَّاهُ.
وَلَا يُقَالُ إنَّ شَرْطَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ النِّصَابُ، وَالرِّبْحُ لَيْسَ نِصَابًا كَامِلًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ الْإِخْرَاجَ لَيْسَ عَنْهُ وَحْدَهُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا بِيَدِهِ بَلْ الْمُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ الْإِخْرَاجِ أَنْ يَضُمَّهَا لِمَا عِنْدَهُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَلِأَنَّهَا) أَيْ الْقِيمَةَ مُتَعَلِّقَةٌ أَيْ رُبْعُ الْعُشْرِ.
قَوْلُهُ: (وَأَيُّ نِصَابٍ) أَيْ وَلَوْ بِضَمِّهِ لِمَا عِنْدَهُ كَمَا يَأْتِي، وَسَوَاءٌ اُسْتُخْرِجَ بِمُعَالَجَةٍ أَوْ بِدُونِهَا خِلَافًا لِلْقَوْلِ الْمُفَصَّلِ بَيْنَ مَا اُسْتُخْرِجَ بِمُعَالَجَةٍ فَفِيهِ رُبْعُ الْعُشْرِ، وَمَا اُسْتُخْرِجَ بِلَا
وَالْفِضَّةِ) أَيْ اسْتَخْرَجَ ذَلِكَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ مِنْ أَرْضٍ مُبَاحَةٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ لَهُ (يُخْرِجُ مِنْهُ) أَيْ النِّصَابِ (رُبْعَ الْعُشْرِ) بِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ السَّابِقَةِ لِخَبَرِ «وَفِي الرِّقَّةِ رُبْعُ الْعُشْرِ وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِهِ» إذْ لَا وَقْصَ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ كَمَا مَرَّ.
وَلَا يُشْتَرَطُ الْحَوْلُ بَلْ يَجِبُ الْإِخْرَاجُ (فِي الْحَالِ) لِأَنَّ الْحَوْلَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ لِأَجْلِ تَكَامُلِ النَّمَاءِ، وَالْمُسْتَخْرَجُ مِنْ الْمَعْدِنِ نَمَاءٌ فِي نَفْسِهِ فَأَشْبَهَ الثِّمَارَ وَالزُّرُوعَ، وَيُضَمُّ بَعْضُ الْمُخْرَجِ إلَى بَعْضٍ إنْ اتَّحَدَ الْمَعْدِنُ وَتَتَابَعَ الْعَمَلُ كَمَا يُضَمُّ الْمُتَلَاحِقُ مِنْ الثِّمَارِ، وَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْأَوَّلِ عَلَى مِلْكِهِ لَا يُشْتَرَطُ فِي الضَّمِّ اتِّصَالُ النَّيْلِ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ غَالِبًا إلَّا مُتَفَرِّقًا.
وَإِذَا قُطِعَ الْعَمَلُ بِعُذْرٍ كَإِصْلَاحِ آلَةٍ وَمَرَضٍ ضُمَّ وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ عُرْفًا، فَإِنْ قُطِعَ بِلَا عُذْرٍ لَمْ يُضَمَّ طَالَ الزَّمَنُ أَمْ لَا لِإِعْرَاضِهِ.
وَمَعْنَى عَدَمِ الضَّمِّ أَنَّهُ لَا يُضَمُّ الْأَوَّلُ إلَى الثَّانِي فِي إكْمَالِ النِّصَابِ وَيُضَمُّ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ إنْ كَانَ بَاقِيًا كَمَا يَضُمُّهُ إلَى مَا مَلَكَهُ بِغَيْرِ الْمَعْدِنِ كَإِرْثٍ وَهِبَةٍ فِي إكْمَالِ النِّصَابِ، فَإِذَا اسْتَخْرَجَ مِنْ الْفِضَّةِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا بِالْعَمَلِ الْأَوَّلِ وَمِائَةً وَخَمْسِينَ بِالثَّانِي فَلَا زَكَاةَ
[حاشية البجيرمي]
مُعَالَجَةٍ فَفِيهِ الْخُمْسُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَعَادِنِ) أَيْ أَمْكِنَةِ الذَّهَبِ إلَخْ فَمِنْ لِلِابْتِدَاءِ وَالْإِضَافَةُ حَقِيقِيَّةٌ أَوْ مَعَادِنَ هِيَ الذَّهَبُ، فَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ وَمِنْ بَيَانٍ لِمَا؛ لِأَنَّ الْمَعْدِنَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَكَانِ وَعَلَى الْمُسْتَخْرَجِ سَوَاءٌ كَانَ بِكَسْرِ الدَّالِ أَوْ فَتْحِهَا.
وَقِيلَ: إنَّ الْمَكَانَ بِالْفَتْحِ وَالْمُسْتَخْرِجَ بِالْكَسْرِ، وَالْمَعَادِنُ جَمْعُ مَعْدِنٍ مِنْ عَدَنَ بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ، وَمِنْهُ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [الرعد: 23] أَيْ إقَامَةٍ ح ل قَالَ م ر سُمِّيَ بِذَلِكَ لِعُدُونِهِ أَيْ إقَامَتِهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَرْضٍ مُبَاحَةٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ) سَكَتَ عَمَّا اُسْتُخْرِجَ مِنْ مَسْجِدٍ أَوْ مَوْقُوفٍ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُسْتَخْرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ إنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ وَقْفِهِ مَسْجِدًا فَهُوَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا بَعْدَ الْوَقْفِيَّةِ فَهُوَ مِنْ رِيعِ الْمَسْجِدِ، وَالْمُسْتَخْرَجُ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَى شَخْصٍ إنْ كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ الْوَقْفِيَّةِ فَهُوَ مِنْ الْوَقْفِ وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ رِيعِ الْوَقْفِ فَيَكُونُ مَمْلُوكًا لِلشَّخْصِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَى مَسْجِدٍ.
قَوْلُهُ: (رُبْعُ الْعُشْرِ) وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ إنْ وَجَدَهُ فِي مِلْكِهِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ كَوْنِهِ مِلْكَهُ مِنْ حِينِ مَلَكَ الْأَرْضَ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْجُودُ مِمَّا يُخْلَقُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُوبِهَا شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (إنْ اتَّحَدَ الْمَعْدِنُ) أَيْ الْمَكَانُ لَا إنْ تَعَدَّدَ وَإِنْ تَقَارَبَ م ر.
وَكَذَا يُشْتَرَطُ مَا ذُكِرَ فِي الرِّكَازِ، ابْنُ حَجَرٍ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَتَتَابَعَ الْعَمَلُ) أَوْ قَطَعَهُ بِعُذْرٍ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْأَوَّلِ عَلَى مِلْكِهِ) كَأَنْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِنَحْوِ بَيْعٍ أَوْ بِالتَّلَفِ فَيُضَمُّ الثَّانِي وَالثَّالِثُ لِمَا تَلِفَ وَتَخْرُجُ زَكَاةُ الْجَمِيعِ إنْ كَمُلَ النِّصَابُ؛ فَإِنْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْ الْأَوَّلِ بِالْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ كَأَنْ كَانَ كُلَّمَا أَخْرَجَ شَيْئًا بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ إلَى أَنْ أَخْرَجَ نِصَابًا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ نَحْوِ الْبَيْعِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ وَيَلْزَمُهُ الْإِخْرَاجُ عَنْهُ وَإِنْ تَلِفَ وَتَعَذَّرَ رَدُّهُ ع ش. قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الضَّمِّ اتِّصَالُ النَّيْلِ) أَيْ الْمَنَالِ.
وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ سَابِقًا " وَتَتَابَعَ الْعَمَلُ " إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَتَابُعِ الْعَمَلِ اتِّصَالُ النَّيْلِ، فَقَدْ تَكُونُ الْأَرْضُ صُلْبَةً يَكْثُرُ الْعَمَلُ فِيهَا وَلَا يُدْرِكُ الْمَنَالَ.
قَوْلُهُ: (اتِّصَالُ النَّيْلِ) أَيْ اتِّصَالًا حَقِيقِيًّا، وَإِلَّا فَالِاتِّصَالُ الْعُرْفِيُّ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَفِي الْقَامُوسِ: النَّيْلُ وَالنَّوْلُ مَا نِلْتُهُ أَيْ حَصَّلْتُهُ.
. قَوْلُهُ: (كَإِصْلَاحِ آلَةٍ) أَيْ وَهَرَبِ أَجِيرٍ م ر.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ طَالَ) غَايَةٌ لِلضَّمِّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَطَعَ بِلَا عُذْرٍ) أَوْ تَعَدَّدَ الْمَعْدِنُ.
قَوْلُهُ: (بِإِعْرَاضِهِ) نَعَمْ يَتَسَامَحُ بِمَا اُعْتِيدَ لِلِاسْتِرَاحَةِ فِيهِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَقَدْ يَطُولُ وَقَدْ يَقْصُرُ، وَلَا يُتَسَامَحُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (لَا يُضَمُّ الْأَوَّلُ إلَى الثَّانِي) خَرَجَ بِالثَّانِي غَيْرُهُ مِمَّا يَمْلِكُهُ فَيُضَمُّ إلَيْهِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُسْتَخْرَجِ نِصَابًا، فَقَوْلُ الشَّارِحِ السَّابِقِ أَيْ وَأَيُّ نِصَابٍ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ إذَا بَلَغَ الْمُسْتَخْرَجُ نِصَابًا يَضُمُّهُ لِمَا عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يُزَكَّى.
قَوْلُهُ: (فِي إكْمَالِ النِّصَابِ) الْأَوْلَى فِي إخْرَاجِ الزَّكَاةِ عَنْهُ كَمَا قَالَهُ ق ل. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " فِي إكْمَالِ النِّصَابِ " أَيْ لِأَجْلِ أَنْ يُزَكِّيَ الْجَمِيعَ وَإِنْ ضُمَّ إلَيْهِ لِيُزَكِّيَ الثَّانِيَ فَقَطْ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمِنْهَاجِ.
وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ " وَيُضَمُّ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ " لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ضَمِّ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ ضَمُّ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي اط ف مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ بَاقِيًا) هَذَا لَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُ سَابِقًا " وَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْأَوَّلِ عَلَى مِلْكِهِ " لِأَنَّ ذَاكَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا تَتَابَعَ الْعَمَلُ، وَهَذَا فِيمَا إذَا لَمْ يَتَتَابَعْ الْعَمَلُ؛ هَذَا مَا ظَهَرَ.
فِي الْخَمْسِينَ وَتَجِبُ فِي الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ كَمَا تَجِبُ فِيمَا لَوْ كَانَ مَالِكًا لِخَمْسِينَ مِنْ غَيْرِ الْمَعْدِنِ.
تَنْبِيهٌ: خَرَجَ بِقَوْلِنَا وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ الْمُكَاتَبُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْمَعْدِنِ وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَأَمَّا مَا يَأْخُذُهُ الرَّقِيقُ فَلِسَيِّدِهِ فَيَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ أَخْذِ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا يُمْنَعُ مِنْ الْإِحْيَاءِ بِهَا لِأَنَّ الدَّارَ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ دَخِيلٌ فِيهَا وَالْمَانِعُ لَهُ لِلْحَاكِمِ فَقَطْ، فَإِنْ أَخَذَهُ قَبْلَ مَنْعِهِ مَلَكَهُ كَمَا لَوْ احْتَطَبَ، وَيُفَارِقُ مَا أَحْيَاهُ بِتَأَبُّدِ ضَرَرِهِ وَوَقْتُ وُجُوبِ حَقِّ الْمَعْدِنِ حُصُولُ النَّيْلِ فِي يَدِهِ، وَوَقْتُ الْإِخْرَاجِ عَقِبَ التَّخْلِيصِ وَالتَّنْقِيَةِ مِنْ التُّرَابِ وَنَحْوِهِ، كَمَا أَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ فِي الزَّرْعِ اشْتِدَادُ الْحَبِّ وَوَقْتُ الْإِخْرَاجِ التَّنْقِيَةُ.
(وَمَا) أَيْ وَأَيُّ نِصَابٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (يُؤْخَذُ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ الرِّكَازِ (فَفِيهِ الْخُمُسُ) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَخَالَفَ الْمَعْدِنُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا مُؤْنَةَ فِي تَحْصِيلِهِ أَوْ مُؤْنَتُهُ قَلِيلَةٌ فَكَثُرَ وَاجِبُهُ كَالْمُعَشَّرَاتِ، وَيُصْرَفُ هُوَ وَالْمَعْدِنُ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ فِي الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْأَرْضِ فَأَشْبَهَ الْوَاجِبَ فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ نِصَابًا مِنْ النَّقْدِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ، وَالرِّكَازُ بِمَعْنَى الْمَرْكُوزِ وَهُوَ دَفِينُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْجَاهِلِيَّةِ مَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَيْ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ جَهَالَاتِهِمْ، وَيُعْتَبَرُ فِي كَوْنِ الْمَدْفُونِ الْجَاهِلِيِّ رِكَازًا أَنْ لَا يُعْلَمَ أَنَّ مَالِكَهُ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهَا بَلَغَتْهُ وَعَانَدَ وَوُجِدَ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَتَجِبُ فِي الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ إلَخْ) وَيَنْعَقِدُ الْحَوْلُ عَلَى الْمِائَتَيْنِ وَقْتَ تَمَامِهِمَا وَلَا يَتِمَّانِ إلَّا بَعْدَ اسْتِخْرَاجِ الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ إنْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهِمَا، يَعْنِي أَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ فِي الصُّنْدُوقِ خَمْسُونَ وَاسْتَخْرَجَ مِائَةً وَخَمْسِينَ وَجَبَتْ زَكَاةُ الْمِائَةِ وَالْخَمْسِينَ وَانْعَقَدَ حَوْلُ الْمِائَتَيْنِ مِنْ حِينَئِذٍ وَمَا مَضَى عَلَى الْخَمْسِينَ مِنْ الْمُدَّةِ لَا يُحْسَبُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَالْقِيَاسُ انْعِقَادُهُ مِنْ حِينِ الْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِهِمَا لَا مِنْ حِينِ تَمَامِهِمَا لِمِلْكِ الْمُسْتَحِقِّينَ جُزْءًا مِنْ الْمُسْتَخْرَجِ فَيَنْقُصُ مَجْمُوعُ الْمَمْلُوكِ عَنْ النِّصَابِ فَلَا يَنْعَقِدُ حَوْلُهُ.
. قَوْلُهُ: (وَالْمَانِعَ لَهُ الْحَاكِمُ فَقَطْ) عِبَارَةُ م ر: قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَيَنْقَدِحُ حِينَئِذٍ جَوَازُ مَنْعِهِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ حَقٍّ فِيهِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَيُفَارِقُ مَا أَحْيَاهُ) فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (بِتَأَبُّدِ ضَرَرِهِ) أَيْ ضُرِّ مَا أَحْيَاهُ.
قَوْلُهُ: (حُصُولُ النَّيْلِ) أَيْ الْمَنَالِ
قَوْلُهُ: (بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ) أَوْ بِالْجِيمِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ؛ وَلَعَلَّ اخْتِيَارَهُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْوُجُودِ الْأَخْذُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الرِّكَازِ) مِنْ الرِّكْزِ وَهُوَ الْخَفَاءُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: 98] أَيْ صَوْتًا خَفِيًّا ح ل.
قَوْلُهُ: (وَخَالَفَ الْمَعْدِنَ) أَيْ مِنْ حَيْثُ قَدْرُ الْوَاجِبِ وَإِنْ وَافَقَهُ فِي الْإِخْرَاجِ فَوْرًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ حَيْثُ إنَّهُ) أَيْ الرِّكَازَ.
وَقَوْلُهُ " لَا مُؤْنَةَ فِي تَحْصِيلِهِ " كَأَنْ أَظْهَرَهُ السَّيْلُ، وَقَوْلُهُ " أَوْ مُؤْنَتُهُ قَلِيلَةٌ " أَيْ إنْ لَمْ يُظْهِرْهُ السَّيْلُ.
قَوْلُهُ: (كَالْمُعَشَّرَاتِ) فَإِنَّ فِيهَا الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَ الْعُشْرِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا، فَإِنَّ فِيهِ رُبْعَ الْعُشْرِ كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، أَيْ فَلَمَّا كَانَتْ الْمُعَشَّرَاتُ لَا مُؤْنَةَ فِيهَا أَوْ مُؤْنَتُهَا قَلِيلَةٌ كَثُرَ وَاجِبُهَا عَلَى مَا مُؤْنَتُهُ كَثِيرَةٌ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَأَشْبَهَ الْوَاجِبَ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُصْرَفُ إلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، قَالَ م ر: وَبِهِ انْدَفَعَ قِيَاسُهُ عَلَى الْفَيْءِ.
. قَوْلُهُ: (قَدْ عُلِمَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ " وَأَيُّ نِصَابٍ " وَأَمَّا.
قَوْلُهُ: " وَلَا يُشْتَرَطُ إلَخْ " فَقَدْ عُلِمَ مِنْ السُّكُوتِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (مَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ) أَيْ النَّاسُ الَّذِينَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَمَا وَاقِعَةٌ عَلَى مَنْ يَعْقِلُ تَشْبِيهًا لَهُمْ بِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ لِعَدَمِ اهْتِدَائِهِمْ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) شَمِلَ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ الدَّافِنُ مِنْ قَوْمِ مُوسَى أَوْ عِيسَى وَغَيْرِهِمَا أج.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَعْلَمَ أَنَّ مَالِكَهُ إلَخْ) لَا يُقَالُ هَذَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ دَفِينٌ جَاهِلِيٌّ أَيْ قَبْلَ الْمَبْعَثِ، وَهَذَا بَعْدَهُ فَلَا حَاجَةَ لِاشْتِرَاطِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَخْصٌ دَفَنَهُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَهُوَ جَاهِلِيٌّ ثُمَّ بُعِثَ الرَّسُولُ وَبَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَلَمْ يُؤْمِنْ فَهَذَا دَفِينٌ جَاهِلِيٌّ، فَإِذَا وَجَدَهُ شَخْصٌ فَلَا يَمْلِكُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرِكَازٍ بَلْ فَيْءٌ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ؛ أَفَادَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ:
فِي بِنَائِهِ أَوْ بَلَدِهِ الَّتِي أَنْشَأَهَا كَبُرٍّ فَلَيْسَ بِرِكَازٍ بَلْ فَيْءٌ كَمَا حَكَاهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ جَمَاعَةٍ وَأَقَرَّهُ أَنْ يَكُونَ مَدْفُونًا، فَإِنْ وَجَدَهُ ظَاهِرًا فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ السَّيْلَ أَظْهَرَهُ فَرِكَازٌ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ ظَاهِرًا فَلُقَطَةٌ وَإِنْ شَكَّ فَكَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَنَّهُ ضَرْبُ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ الْإِسْلَامِ وَسَيَأْتِي، فَإِنْ وُجِدَ دَفِينٌ إسْلَامِيٌّ كَأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ اسْمُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ عَلِمَ مَالِكَهُ فَلَهُ فَيَجِبُ رَدُّهُ عَلَى مَالِكِهِ لِأَنَّ مَالَ الْمُسْلِمِينَ لَا يُمْلَكُ بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَالِكَهُ فَلُقَطَةٌ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ أَيِّ الضَّرْبَيْنِ الْجَاهِلِيِّ وَالْإِسْلَامِيِّ هُوَ بِأَنْ كَانَ مِمَّا لَا أَثَرَ عَلَيْهِ كَالتِّبْرِ وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الرِّكَازَ الْوَاجِدُ لَهُ وَيَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ إذَا وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ أَوْ فِي مِلْكٍ أَحْيَاهُ، فَإِنْ وَجَدَهُ فِي مَسْجِدٍ أَوْ شَارِعٍ فَلُقَطَةٌ وَإِنْ وَجَدَهُ فِي مِلْكِ شَخْصٍ أَوْ فِي مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ فَلِلشَّخْصِ إنْ ادَّعَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ بِأَنْ نَفَاهُ أَوْ سَكَتَ فَلِمَنْ مَلَكَ مِنْهُ وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إلَى الْمُحْيِ لِلْأَرْضِ فَيَكُونُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ.
وَلَوْ تَنَازَعَ الرِّكَازَ فِي مِلْكِ بَائِعٍ وَمُشْتَرٍ أَوْ مُكْرٍ وَمُكْتَرٍ أَوْ مُعِيرٍ وَمُسْتَعِيرٍ صُدِّقَ ذُو الْيَدِ بِيَمِينِهِ كَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي أَمْتِعَةِ الدَّارِ.