حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيبصفحات 241-280
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ: فِي الْوَقْفِ

صفحات 241-280
عن هذه الطبعة
عَلَم
البجيرمي
الكتاب
تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
المؤلف
سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه

[حاشية البجيرمي]

الْأَوْلَى الْمَاءُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا مَاشِيَةٍ) كَنَطْحِهَا.
قَوْلُهُ: (اسْتِقَاءُ فَضْلِ الْمَاءِ) بِأَنْ يَنْقُلُوهُ لَهَا.
قَوْلُهُ: (كَسَائِرِ الْمَمْلُوكَاتِ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بَذْلُهَا لِلْغَيْرِ مَجَّانًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ بَذْلُ فَضْلِ الْكَلَإِ) هَذَا خَارِجٌ بِقَوْلِهِ " الْمَاءِ ". قَوْلُهُ: (مِنْ وُرُودِ الْبِئْرِ) أَيْ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ الْعَيْنِ كَمَا سَلَف.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ صَحَّ بَيْعُ الطَّعَامِ) ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ يُتَمَوَّلُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ عَلَى إلَخْ) هَذَا خَارِجٌ أَيْضًا بِقَوْلِهِ " الْمَاءِ ".

قَوْلُهُ: (تَتِمَّةٌ إلَخْ) فِيهَا مَسَائِلُ خَمْسَةٌ: الْأُولَى: تَقْدِيرُ الْمَاءِ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ.
الثَّانِيَةُ: جَوَازُ الشُّرْبِ مِنْ الْجَدْوَلِ إلَخْ.
الثَّالِثَةُ: كَيْفِيَّةُ قِسْمَةِ الْمَاءِ الْمُشْتَرَكِ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ غَصَبَ الْمَاءَ.
الْخَامِسَةُ: لَوْ أَشْعَلَ نَارًا فِي حَطَبٍ مُبَاحٍ إلَخْ وَالِاصْطِلَاءُ التَّدَفِّي وَالِاسْتِصْبَاحُ الْإِسْرَاجُ.
قَوْلُهُ: (وَبَيْنَ جَوَازِ الشُّرْبِ مِنْ مَاءِ السِّقَاءِ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا بِرَيِّ الْآدَمِيِّ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ أَيْضًا كَمَا قَالَهُ: ق ل. قَوْلُهُ: (مِنْ الْجَدَاوِلِ) جَمْعُ جَدْوَلٍ وَهُوَ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، فَعَطْفُ الْأَنْهَارِ عَطْفٌ عَامٌّ عَلَى خَاصٍّ.
قَوْلُهُ: (مُتَسَاوِيَةٌ) أَيْ إنْ تَسَاوَتْ الْحِصَصُ وَقَوْلُهُ أَوْ مُتَفَاوِتَةٌ، أَيْ إنْ تَفَاوَتَتْ الْحِصَصُ فَاَلَّذِي لَهُ فَدَّانَانِ ثَقَبْته قَدْرَ ثُقْبَةِ الَّذِي لَهُ فَدَّانٌ مَرَّتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَتَحَلَّلَ مِنْ صَاحِبِ الْمَاءِ) أَيْ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُبَرِّئَ ذِمَّتَهُ وَأَنْ يُسَامِحَهُ.
قَوْلُهُ: (كَانَتْ الْغَلَّةُ أَطْيَبَ) اُنْظُرْ مَا مَعْنَى الْأَطْيَبِيَّةِ، فَإِنَّ الْحِلَّ يَحْصُلُ بِرَدِّ الْبَدَلِ إلَيْهِ ق ل. وَقَدْ يُقَالُ: " لِلتَّحَلُّلِ فَائِدَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ لَا يَبْقَى فِي النَّفْسِ شَيْءٌ فَلَا يَزُولُ إلَّا بِالتَّحَلُّلِ.

[فَصْلٌ فِي الْوَقْفِ] ذَكَرَهُ عَقِبَ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ لِمُنَاسَبَتِهِ لَهُ فِي أَنَّ الْأَوَّلَ إثْبَاتُ مِلْكٍ وَإِحْدَاثُهُ وَفِي الثَّانِي إزَالَةُ مِلْكٍ وَمِنْ جُمْلَةِ الْعَلَّاقَاتِ

هُوَ وَالتَّحْبِيسُ وَالتَّسْبِيلُ بِمَعْنًى وَهُوَ لُغَةً الْحَبْسُ يُقَالُ وَقَفْتُ كَذَا أَيْ حَبَسْتُهُ وَلَا يُقَالُ أَوْقَفْته إلَّا فِي لُغَةٍ تَمِيمِيَّةٍ وَهِيَ رَدِيئَةٌ وَعَلَيْهَا الْعَامَّةُ وَهُوَ عَكْسُ حَبَسَ فَإِنَّ الْفَصِيحَ أَحْبِسُ وَأَمَّا حَبَسَ فَلُغَةٌ رَدِيئَةٌ وَشَرْعًا حَبْسُ مَالٍ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ بِقَطْعِ التَّصَرُّفِ فِي رَقَبَتِهِ عَلَى مَصْرِفٍ مُبَاحٍ مَوْجُودٍ وَيُجْمَعُ عَلَى وُقُوفٍ وَأَوْقَافٍ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] فَإِنَّ أَبَا طَلْحَةَ لَمَّا سَمِعَهَا رَغِبَ فِي وَقْفِ بَيْرُحَا وَهِيَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إلَيْهِ وَخَبَرُ مُسْلِمٍ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ

[حاشية البجيرمي]

الضِّدْيَةِ، وَالْوَقْفُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا قَالَهُ م ر وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَأَشَارَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ الْوَقْفَ مِنْ خَصَائِصِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَيْ وَقْفَ الْأَرْضِ وَالْعَقَارِ، قَالَ: وَلَا يُعْرَفُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ اهـ وَفِي الْخَصَائِصِ وَشَرْحِهَا: وَاخْتَصَّ وَأُمَّتَهُ بِالْأَشْهُرِ الْهِلَالِيَّةِ وَبِالْوَقْفِ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ أَوْ خَاصَّةٍ، قَالُوا: الْوَقْفُ مِمَّا اُخْتُصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، قَالَ: الشَّافِعِيُّ لَمْ يَحْبِسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فِيمَا عَلِمْت إنَّمَا حَبَسَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، يَعْنِي تَحْبِيسَ الْأَرَاضِيِ وَالْعَقَارِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ، وَإِلَّا فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْمِلَلَ السَّابِقَةَ كَانُوا يَحْبِسُونَ أَمْوَالًا لَا يُبَيِّنُونَ لَهَا مَصْرِفًا بَلْ الْوَقْفُ شَهِيرٌ بَيْنَ أَكْثَرِ الْمِلَلِ، فَقَدْ نَقَلَ الْمَقْرِيزِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الرُّومَ تَزْعُمُ أَنَّ بِلَادَ مَقْدُونِيَّةَ بِأَسْرِهَا مِنْ إسْكَنْدَرِيَّةَ إلَى الصَّعِيدِ الْأَعْلَى وَقْفٌ فِي الْقَدِيمِ عَلَى الْكَنِيسَةِ الْعُظْمَى الَّتِي بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَمَقْدُونِيَّةُ بِاللِّسَانِ الْعِبْرَانِيُّ مِصْرُ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ بِمَدِينَةِ سُومَانَ مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ صَنَمٌ لَهُ مِنْ الْوُقُوفِ مَا يَزِيدُ عَلَى عَشْرَةِ آلَافِ قَرْيَةٍ يُصْرَفُ رِيعُهَا عَلَى أَلْفِ رَجُلٍ مِنْ الْبَرْهَمِيِّينَ يَعْبُدُونَهُ.
فَمُرَادُ إمَامِنَا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ الْآنَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَمِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ اسْتَبَانَ أَنَّ الْوَقْفَ لَيْسَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِنَا خِلَافًا لِلْمُؤَلِّفِ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَمِمَّا يُرْشِدُكَ إلَى ذَلِكَ تَصْرِيحُ بَعْضِهِمْ بِأَنَّ أَوْقَافَ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَاقِيَةٌ إلَى الْآنَ.
اهـ. مُنَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (حَبَّسْتُهُ) بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا حَبَسَ) أَيْ بِالتَّخْفِيفِ، وَأَمَّا بِالتَّشْدِيدِ فَلَا رَدَاءَةَ فِيهِ أج.
قَوْلُهُ: (حَبْسُ مَالٍ إلَخْ) اشْتَمَلَ هَذَا التَّعْرِيفُ عَلَى الْأَرْكَانِ؛ لِأَنَّ مَالًا هُوَ الْمَوْقُوفُ.
وَقَوْلُهُ " عَلَى مَصْرِفٍ " هُوَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، وَالْحَبْسُ يَتَضَمَّنُ حَابِسًا وَهُوَ الْمَوْقُوفُ وَيَتَضَمَّنُ صِيغَةً.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " مَالٍ " أَوْ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ مُتَمَوِّلَةٍ بِشَرْطِهَا الْآتِي، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَالِ عَيْنُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّهَا تَنْعَدِمُ بِصَرْفِهَا فَلَا يَبْقَى لَهَا عَيْنٌ مَوْجُودَةٌ.
قَوْلُهُ: (بِقَطْعِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " حَبْسُ " وَالْمُرَادُ بِالْقَطْعِ الْمَنْعُ، وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ أَوْ لِلتَّصْوِيرِ، وَيَعْنِي أَنَّ الْحَبْسَ مُصَوَّرٌ بِقَطْعِ إلَخْ أَوْ مُتَلَبِّسٌ بِهِ، وَقَوْلُهُ " عَلَى مَصْرِفٍ " مُتَعَلِّقٌ بِحَبْسِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (لَمَّا سَمِعَهَا رَغِبَ إلَخْ) كَذَا قَالُوهُ، وَهُوَ مُشْكِل فَإِنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إلَيَّ بَيْرُحَاءُ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى» وَهَذِهِ الصِّيغَةُ لَا تُفِيدُ الْوَقْفَ لِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا كِنَايَةٌ فَتَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِأَنَّهُ نَوَى الْوَقْفَ بِهَا، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ سِيَاقُ الْحَدِيثِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ نَوَاهُ بِهَا.
ثَانِيهِمَا، وَهُوَ الْعُمْدَةُ: أَنَّهُمْ شَرَطُوا فِي الْوَقْفِ بَيَانُ الْمَصْرِفِ فَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ " لِلَّهِ عَنْهُ " بِخِلَافِهِ فِي الْوَصِيَّةِ كَمَا يَأْتِي مَعَ الْفَرْقِ، فَقَوْلُهُ " صَدَقَةٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " لَا يَصْلُحُ لِلْوَقْفِ عِنْدَنَا وَإِنْ نَوَاهُ، وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ يَقُولُونَ إنَّهُ وَقَفَهَا؟ فَهُوَ إمَّا غَفْلَةٌ عَمَّا فِي الْحَدِيثِ أَوْ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ كَالْوَصِيَّةِ.
اهـ. حَجّ مَرْحُومِيٌّ.
وَفِي شَرْحِ سم: وَخَرَجَ بِكَوْنِهِ عَلَى أَصْلٍ وَفَرْعٍ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بِأَنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ، كَوَقَفْتُ هَذَا مُقْتَصَرًا عَلَيْهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، قَالَ السُّبْكِيُّ: وَمَحَلُّ الْبُطْلَانِ إذَا لَمْ يَقُلْ لِلَّهِ وَإِلَّا فَيَصِحُّ لِخَبَرِ أَبِي طَلْحَةَ: «هِيَ صَدَقَةٌ لِلَّهِ» ثُمَّ يُعَيِّنُ الْمَصْرِفَ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (بَيْرُحَا) بِإِضَافَةِ بِئْرٍ إلَى لَفْظِ الْحَرْفِ ق ل، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَجْمُوعَ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ غَيْرِ إضَافَةِ: قَالَ فِي النِّهَايَةِ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا وَبِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا وَالْمَدُّ فِيهِمَا وَبِفَتْحِهِمَا وَالْقَصْرُ فَفِيهَا خَمْسُ لُغَاتٍ، وَهُوَ اسْمُ مَاءٍ وَمَوْضِعٌ بِالْمَدِينَةِ مُسْتَقْبِلٌ الْمَسْجِدَ اهـ وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ: وَهِيَ حَدِيقَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَتَبِعَهُ أج.
قَوْلُهُ: (ابْنُ آدَمَ) عِبَارَةُ م ر وحج: «إذَا مَاتَ الْمُسْلِمُ انْقَطَعَ» إلَخْ فَلَعَلَّهُمَا رِوَايَتَانِ ع ش. قَوْلُهُ: (انْقَطَعَ عَمَلُهُ) أَيْ ثَوَابُ عَمَلِهِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ) هَذَا الْعَدَدُ لَا مَفْهُومَ

صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» وَالصَّدَقَةُ الْجَارِيَةُ مَحْمُولَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْوَقْفِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ وَاقِفٌ وَمَوْقُوفٌ وَمَوْقُوفٌ عَلَيْهِ وَصِيغَةٌ

وَالْمُصَنِّفُ ذَكَرَ بَعْضَهَا مُعَبِّرًا عَنْهُ بِالشُّرُوطِ فَقَالَ: (وَالْوَقْفُ) أَيْ مِنْ مُخْتَارٍ أَهْلِ تَبَرُّعٍ (جَائِزٌ) أَيْ صَحِيحٌ، وَهَذَا هُوَ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْوَاقِفُ فَيَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ وَلَوْ لِمَسْجِدٍ؛ وَمِنْ مُبَعَّضٍ لَا مِنْ مُكْرَهٍ وَمُكَاتَبٍ.
وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَلَوْ بِمُبَاشَرَةِ وَلِيِّهِ.
وَقَوْلُهُ: (بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ)

[حاشية البجيرمي]

لَهُ، فَقَدْ زِيدَ عَلَى ذَلِكَ أَشْيَاءُ نَظَمَهَا السُّيُوطِيّ فَقَالَ: إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ لَيْسَ يَجْرِي ... عَلَيْهِ مِنْ خِصَالٍ غَيْرُ عَشْرِ عُلُومٌ بَثَّهَا وَدُعَاءُ نَجْلٍ ... وَغَرْسُ النَّخْلِ وَالصَّدَقَاتُ تَجْرِي وِرَاثَةُ مُصْحَفٍ وَرِبَاطُ ثَغْرٍ ... وَحَفْرُ الْبِئْرِ أَوْ إجْرَاءُ نَهْرِ وَبَيْتٌ لِلْغَرِيبِ بَنَاهُ يَأْوِي ... إلَيْهِ أَوْ بِنَاءُ مَحَلِّ ذِكْرِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ: وَتَعْلِيمٌ لِقُرْآنٍ كَرِيمٍ ... فَخُذْهَا مِنْ أَحَادِيث بِحَصْرِ قَوْلُهُ " وَعُلُومٌ بَثَّهَا " أَيْ بِتَعْلِيمٍ أَوْ تَأْلِيفٍ أَوْ تَقْيِيدٍ بِهَوَامِشَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ) أَيْ مُسْلِمٍ يَدْعُو لَهُ.
وَفَائِدَةُ تَقْيِيدِهِ بِالْوَلَدِ مَعَ أَنَّ دُعَاءَ الْغَيْرِ يَنْفَعُهُ تَحْرِيضُ الْوَلَدِ عَلَى الدُّعَاءِ لِأَصْلِهِ.
قَوْلُهُ: (يَدْعُو لَهُ) مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ فَشَمَلَ الدُّعَاءَ لَهُ بِسَبَبِهِ.
قَوْلُهُ: (مَحْمُولَةٌ) اُنْظُرْ مَا وَجْهُ التَّخْصِيصِ بِالْوَقْفِ مَعَ أَنَّ الصَّدَقَةَ الْجَارِيَةَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الْعُلَمَاءِ) أَيْ الْعَارِفِينَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ لِلنَّاسِ يَوْمًا فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّبِعُوا الْعُلَمَاءَ فَإِنَّهُمْ سُرُجُ الدُّنْيَا وَمَصَابِيحُ الْآخِرَةِ» عَزِيزِيٌّ.
وَسُرُجُ الدُّنْيَا أَيْ مُنَوِّرُوهَا جَمْعُ سِرَاجٍ.
وَوَرَدَ: «ثَلَاثَةٌ تُضِيءُ فِي الْأَرْضِ لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا تُضِيءُ النُّجُومُ فِي السَّمَاءِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ، وَهِيَ الْمَسَاجِدُ وَبَيْتُ الْعَالِمِ وَبَيْتُ حَافِظِ الْقُرْآنِ» . قَوْلُهُ: (عَلَى الْوَقْفِ) وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا عَدَمُ صِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -؛ لِأَنَّهُ صَدَقَةٌ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَيْ فَرْضُهَا وَنَفْلُهَا، وَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى مَصَالِحِهِمْ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - فَإِنَّهُ يَصِحُّ.

قَوْلُهُ: (مُعَبِّرًا عَنْهُ بِالشُّرُوطِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ شَرْطَ الرُّكْنَيْنِ وَهُمَا الْمَوْقُوفُ وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ شَرْطَهُمَا حَقِيقَةً، فَالرُّكْنَانِ مَذْكُورَانِ ضِمْنًا فِي ذِكْرِ الشَّرْطَيْنِ، فَفِي قَوْلِهِ " مُعَبِّرًا عَنْهُ بِالشُّرُوطِ " مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَتْنَ عَبَّرَ بِالشُّرُوطِ وَمُرَادُهُ الْأَرْكَانُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الشُّرُوطِ يَتَضَمَّنُ بَعْضَ الْأَرْكَانِ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ الْوَقْفُ وَالْمُرَادُ لَازِمُهُ وَهُوَ الْوَاقِفُ، فَفِيهِ إطْلَاقُ الْمَصْدَرِ وَإِرَادَةُ لَازِمِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَهَذَا أَيْ قَوْلُهُ مُخْتَارٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ.
قَوْلُهُ: (فَيَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ) وَلَوْ لِمَسْجِدٍ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ أَنَّهُ قُرْبَةٌ اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِنَا، وَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ لَوْ عَظَّمَ الْمَسْجِدَ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ لَوْ عَظَّمَ الْكَنِيسَةَ فَإِنَّهُ يَرْتَدُّ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعَزْمِ وَالتَّعْظِيمُ لَهَا مِنْ شِعَارِ الْكُفْرِ، بِخِلَافِ الْإِسْلَامِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِشَرْطِهِمَا اهـ. مَدَابِغِيٌّ.
وَهَذَا، أَعْنِي قَوْلَهُ فَيَصِحُّ إلَخْ " تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَنْطُوقِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ مُبْعِضٍ) أَيْ فِي نَوْبَتِهِ إنْ كَانَتْ مُهَايَأَةً، بِخِلَافِ الْعِتْقِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْوَلَاءِ، وَأَمَّا الْوَقْفُ فَفِيهِ إخْرَاجُ مِلْكِهِ عَنْهُ وَهُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ الْوَقْفُ وَلَوْ فِي نَوْبَةِ سَيِّدِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا مِنْ مُكْرَهٍ) تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَفْهُومِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرِهِ) كَالسَّفَهِ وَصِحَّةِ نَحْوِ وَصِيَّتِهِ، وَلَوْ بِوَقْفِ دَارِهِ لِارْتِفَاعِ الْحَجْرِ عَنْهُ بِمَوْتِهِ شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِمُبَاشَرَةِ وَلِيِّهِ) أَيْ كَأَنْ أَذِنَ لِوَلِيِّهِ فِي الْوَقْفِ فَبَاشَرَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَيْ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ.
وَقَوْلُهُ " بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ " مَقُولُ الْقَوْلِ، وَقَوْلُهُ " ذَكَرَ أَرْبَعَةً " تَعْلِيلٌ لِلْمَحْذُوفِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَرْبَعَةً فَكَيْفَ يَعُدُّهَا ثَلَاثَةً، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْحَقَّ مَعَ الْمَتْنِ؛ لِأَنَّهُ عَدَّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ شَرْطًا وَاحِدًا.

ذَكَرَ أَرْبَعَةً وَأَسْقَطَ خَامِسًا وَسَادِسًا وَسَابِعًا وَثَامِنًا كَمَا سَتَعْرِفُهُ.

الشَّرْطُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي وَهُوَ الْمَوْقُوفُ (أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ) عَيْنًا مُعَيَّنًا (مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ) مَمْلُوكًا لِلْوَاقِفِ.
نَعَمْ يَصِحُّ وَقْفُ الْإِمَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَقْبَلَ النَّقْلَ مِنْ مِلْكِ شَخْصٍ إلَى مِلْكِ آخَرَ وَيُفِيدُ لَا بِفَوَاتِهِ نَفْعًا مُبَاحًا مَقْصُودًا وَسَوَاءٌ أَكَانَ النَّفْعُ فِي الْحَالِ أَمْ فِي الْمَآلِ كَوَقْفِ عَبْدٍ وَجَحْشٍ صَغِيرَيْنِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ عَقَارًا أَمْ مَنْقُولًا كَمُشَاعٍ وَلَوْ مَسْجِدًا كَمُدَبَّرٍ وَمُعَلَّقٍ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا: وَيُعْتَقَانِ بِوُجُودِ الصِّفَةِ، وَيَبْطُلُ الْوَقْفُ بِعِتْقِهِمَا وَبِنَاءٍ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي) فِيهِ تَنَافٍ حَيْثُ جَعَلَ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ رُكْنًا وَشَرْطًا؛ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ، أَيْ وَهُوَ شَرْطُ الرُّكْنِ الثَّانِي.
وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ كَلَامِ ق ل بِقَوْلِهِ: لَيْسَ بِخَافٍ أَنَّ الرُّكْنَ هُوَ ضَمِيرٌ يَكُونُ غَيْرُ الرَّاجِعِ إلَى الْوَقْفِ كَوْنَهُ مُنْتَفِعًا بِهِ فَصَنِيعُهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ) أَيْ الْوَقْفُ بِمَعْنَى الْمَوْقُوفِ، فَفِيهِ اسْتِخْدَامٌ.
قَوْلُهُ: (مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ) جُمْلَةُ الشُّرُوطِ عَشْرَةٌ: مِنْهَا اثْنَانِ مُكَرَّرَانِ وَهُمَا قَوْلُهُ: يُفِيدُ لَا بِفَوَاتِهِ، وَقَوْلُهُ: نَفْعًا وَالْبَاقِي غَيْرُ مُكَرَّرٍ.
قَوْلُهُ: (عَيْنًا) حَالٌ: أَيْ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الْوَاقِفُ فَيَصِحُّ وَقْفُ الْأَعْمَى وَيَصِحُّ وَقْفُ الْمَغْصُوبِ مِنْ مَالِكِهِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ انْتِزَاعِهِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ) لَوْ قَدَّمَ هَذَا عَلَى الشَّرْطَيْنِ اللَّذَيْنِ زَادَهُمَا قَبْلَهُ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا، إذْ هَذَا مِنْ تَعَلُّقِ الِانْتِفَاعِ تَأَمَّلْ ق ل. قَوْلُهُ: (نَعَمْ إلَخْ) هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ مِنْ مَمْلُوكًا؛؛ لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ لَيْسَ مِلْكًا لِلْإِمَامِ لَكِنْ يَصِحُّ الْوَقْفُ مِنْهُ وَلَوْ عَلَى أَوْلَادِهِ ق ل. وَحَيْثُ صَحَّ الْوَقْفُ تَعَيَّنَ الْوَفَاءُ بِشَرْطِ وَاقِفِهِ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْمَعْلُومِ فِيهِ إلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ كَمَا قَالَهُ: ق ل. قَوْلُهُ: (وَقْفُ الْإِمَامِ) أَيْ بِشَرْطِ ظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ م ر. قَوْلُهُ: (وَيُفِيدُ إلَخْ) هَذَا يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ " أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَاهُ، وَكَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَذْكُرَ قَوْلَهُ نَفْعًا مُبَاحًا عَقِبَ الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (لَا بِفَوَاتِهِ) مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ، بِذَاتِهِ لَا بِفَوَاتِهِ أَيْ ذَهَابِ عَيْنِهِ، قَالَ الْمَدَابِغِيُّ وَشَمِلَتْ عِبَارَتُهُ الْمُؤَجِّرَ فَيَصِحُّ وَقْفُهُ، أَيْ مِنْ مَالِكِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِوَقْفِهِ مَسْجِدًا، وَحِينَئِذٍ يَمْتَنِعُ التَّعَبُّدُ فِيهِ بِنَحْوِ صَلَاةٍ أَوْ اعْتِكَافٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُسْتَأْجِرِ وَيَحْرُمُ الْمُكْثُ فِيهِ وَيُكْرَهُ نَشْدُ الضَّالَّةِ فِيهِ وَيَصِحُّ الِاعْتِكَافُ وَالتَّحِيَّةُ فِيهِ وَيَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ مَعَ التَّبَاعُدِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ الْمُسْتَأْجِرُ، وَاسْتِحْقَاقُهُ الْمَنْفَعَةَ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
وَيَمْتَنِعُ فِيهِ أَيْضًا مَا يَمْتَنِعُ فِي الْمَسْجِدِ كَوَضْعِ النَّجَاسَاتِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْمُكْثِ فِيهِ عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ تَمْكِينُ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ الْفَسْخِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَعَلَّ الْأَوْجَهَ إنْ كَانَ الِاسْتِئْجَارُ لِمَا يَمْتَنِعُ فِي الْمَسْجِدِ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ وَإِلَّا فَلَا، سم فِي شَرْحِهِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (كَوَقْفِ عَبْدٍ وَجَحْشٍ صَغِيرَيْنِ) وَكَمَنْ أَجَرَ أَرْضَهُ لِغَيْرِهِ ثُمَّ وَقَفَهَا، حَتَّى لَوْ وَقَفَهَا مَسْجِدًا صَحَّ وَأُجْرِيَ عَلَيْهَا حُكْمُ الْمَسْجِدِ، فَيُمْنَعُ أَيْ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ فِيهَا وَمِنْ مُكْثِهَا حَالَ حَيْضِهَا وَنِفَاسِهَا فِيهَا وَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ وَهَذِهِ، أَيْ الْإِجَارَةُ قَبْلَ الْوَقْفِ.
حِيلَةٌ لِمَنْ يُرِيدُ إبْقَاءَ مَنْفَعَةِ الْمَوْقُوفِ لِنَفْسِهِ مُدَّةً بَعْدَ وَقْفِهِ اهـ. قَالَهُ الزِّيَادِيُّ.
وَقَوْلُهُ: " وَيَثْبُتُ لَهُ " أَيْ لِلْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنْ فَسَخَ فَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَعُودُ لِلْوَاقِفِ.
اهـ. زي.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَنْقُولًا) وَيَصِحُّ وَقْفُ الْمَنْقُولِ وَلَوْ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ كَالْخَزَائِنِ فِي الْمَسَاجِدِ لِإِمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِهَا.
نَعَمْ لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ مَسْجِدًا إلَّا إذَا أَثْبَتَهُ فِي مَحَلٍّ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَسْجِدِيَّةِ بِنَقْلِهِ، وَيَحْرُمُ نَقْلُهُ مِنْ مَحَلِّهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ق ل. وَمَعْنَى قَوْلِهِ " وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَسْجِدِيَّةِ " أَيْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ دُونَ بَقِيَّةِ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ، حَتَّى لَوْ أَثْبَتَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَعُودُ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ م د. وَقَوْلُهُ " وَلَا يَعُودُ " ضَعِيفٌ مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ وَهُوَ حُرْمَةُ نَقْلِهِ عَنْ مَحَلِّ وَقْفِهِ.
قَوْلُهُ: (كَمُشَاعٍ) كَنِصْفِ دَارٍ أَوْ نِصْفِ عَبْدٍ، فَهُوَ رَاجِعٌ لِلْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مَسْجِدًا) رَاجِعٌ لِلْمُشَاعِ وَتَجِبُ قِسْمَتُهُ مِنْ غَيْرِهِ حَيْثُ قُلْنَا إنَّهَا إفْرَازٌ، وَكَذَا إنْ كَانَتْ قِسْمَةَ رَدٍّ أَوْ تَعْدِيلٍ، وَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ قِسْمَةِ الْوَقْفِ عَنْ الْمِلْكِ لِلضَّرُورَةِ، وَقَبْلَ قِسْمَتِهِ يَحْرُمُ فِيهِ مَا يَحْرُمُ فِي الْمَسَاجِدِ.
وَتَصِحُّ فِيهِ التَّحِيَّةُ دُونَ الِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي

وَغِرَاسٍ وُضِعَا بِأَرْضٍ بِحَقٍّ فَلَا يَصِحُّ وَقْفُ مَنْفَعَةٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَيْنٍ، وَلَا مَا فِي الذِّمَّةِ وَلَا أَحَدِ عَبْدَيْهِ لِعَدَمِ تَعْيِينِهِمَا وَلَا مَا لَا يُمْلَكُ لِلْوَاقِفِ كَمُكْتَرٍ وَمُوصًى بِمَنْفَعَتِهِ لَهُ وَحُرٍّ وَكَلْبٍ وَلَوْ مُعَلَّمًا، وَلَا مُسْتَوْلَدَةٍ وَمُكَاتَبٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَقْبَلَانِ النَّقْلَ، وَلَا آلَةِ لَهْوٍ وَلَا دَرَاهِمَ لِزِينَةٍ؛ لِأَنَّ آلَةَ اللَّهْوِ مُحَرَّمَةٌ وَالزِّينَةُ مَقْصُودَةٌ، وَلَا مَا لَا يُفِيدُ نَفْعًا كَزَمِنٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَلَا مَا لَا يُفِيدُ إلَّا بِفَوَاتِهِ كَطَعَامٍ وَرَيْحَانٍ غَيْرِ مَزْرُوعٍ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ فِي فَوْتِهِ وَمَقْصُودُ الْوَقْفِ الدَّوَامُ بِخِلَافِ مَا يَدُومُ كَمِسْكٍ وَعَنْبَرٍ وَرَيْحَانٍ مَزْرُوعٍ.

(وَ) الشَّرْطُ الثَّانِي وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ (أَنْ يَكُونَ) الْوَقْفُ (عَلَى أَصْلٍ مَوْجُودٍ) فِي الْحَالِ، وَهُوَ

[حاشية البجيرمي]

الْمَسْجِدِ الْخَالِصِ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ التَّبَاعُدُ عَنْ الْإِمَامِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ بَيْنَ الْمُصَلِّينَ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (بِوُجُودِ الصِّفَةِ) أَيْ مِنْ مَوْتِ السَّيِّدِ وَوُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَبْطُلُ الْوَقْفُ) وَإِنَّمَا أَبْطَلْنَا الْوَقْفَ بِعِتْقِهِمَا مَعَ أَنَّ فِيهِ قُرْبَةً وَلَمْ نُبْطِلْ الْعِتْقَ وَنُبْقِ الْوَقْفَ عَلَى صِحَّتِهِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ إلَى فَكِّ الرِّقَابِ مَا أَمْكَنَ.
وَأَيْضًا مُقْتَضَى الْعِتْقِ سَابِقٌ فَقُدِّمَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ بِدَوَامِ الْوَقْفِ دَامَا عَلَى رَقِّهِمَا إلَى الْمَوْتِ وَلَزِمَ عَلَيْهِ إلْغَاءُ الصِّفَةِ الَّتِي عُلِّقَ بِهَا الْمُعَلَّقُ.
قَوْلُهُ: (بِحَقٍّ) كَأَنْ وُضِعَا بِأَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ أَوْ مُسْتَأْجَرَةٍ لَهُمَا وَإِنْ اسْتَحَقَّا الْقَلْعَ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ شَرْحِ م ر، ثُمَّ قَالَ: فَلَوْ قَلَعَ ذَلِكَ وَبَقِيَ مُنْتَفِعًا بِهِ فَهُوَ وَقْفٌ كَمَا كَانَ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فَهَلْ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَوْ يَرْجِعُ لِلْوَاقِفِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَوَّلُهُمَا اهـ م د. وَقَوْلُ الْجَمَّالِ الْإِسْنَوِيِّ إنَّ الصَّحِيحَ غَيْرُهُمَا وَهُوَ شِرَاءُ عَقَارٍ أَوْ جُزْءِ عَقَارٍ يُوقَفُ مَكَانَهُ " مَحْمُولٌ عَلَى إمْكَانِ الشِّرَاءِ الْمَذْكُورِ، وَكَلَامُ الشَّيْخَيْنِ الْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِهِ، وَيَلْزَمُ الْمَالِكَ بِالْقَلْعِ أَرْشُ نَقْصِهِ يُصْرَفُ عَلَى الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، وَخَرَجَ بِالْمُسْتَأْجَرَةِ الْمَغْصُوبَةُ فَلَا يَصِحُّ وَقْفُ مَا فِيهَا لِعَدَمِ دَوَامِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ وَهَذَا مُسْتَحِقٌّ الْإِزَالَةَ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ شَرْحِ م ر قَوْلُهُ " فَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ " وَيَجُوزُ بَقَاؤُهُ بِأُجْرَةٍ مِنْ رِيعِهِ وَلَا تَجِبُ هُنَا الْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ تَمَلُّكُهُ بِقِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْقُوفَ لَا يُبَاعُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا مَا فِي الذِّمَّةِ) مُحْتَرَزُ مَا زَادَهُ بِقَوْلِهِ " مُعَيَّنًا ". قَوْلُهُ: (وَحُرٍّ) بِأَنْ يَقُولَ: أَوْقَفْتُ نَفْسِي عَلَى زَيْدٍ كَمَا فِي الرَّوْضِ.
أَوْ أَوْقَفْت وَلَدِي، وَهَذَا خَارِجٌ بِقَوْلِهِ مَمْلُوكٍ.
قَوْلُهُ: (وَمُكَاتَبٍ) أَيْ كِتَابَةً صَحِيحَةً م ر. قَوْلُهُ: (وَلَا دَرَاهِمَ لِزِينَةٍ) أَوْ لِلِاتِّجَارِ فِيهَا وَصَرْفِ رِبْحِهَا لِلْفُقَرَاءِ زي.
قَالَ ع ش وَمِثْلُهَا، يَعْنِي الدَّرَاهِمَ، وَقْفُ الْجَامِكِيَّةِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْوَقْفِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْوَاقِفِ وَهِيَ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِمَنْ تَحْتَ يَدِهِ، وَمَا يَقَعُ مِنْ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ فِي الْفَرَاغِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْجَامِكِيَّةِ لِتَكُونَ لِبَعْضِ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلًا فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لَيْسَ مِنْ وَقْفِهَا بَلْ بِفَرَاغِ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ سَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا وَصَارَ الْأَمْرُ فِيهَا إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، فَيَصِحُّ تَعْيِينُهُ لِمَنْ شَاءَ حَيْثُ رَأَى فِيهِ مَصْلَحَةً.
قَوْلُهُ: (وَلَا مَا لَا يُفِيدُ) كَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمَهُ عَلَى قَوْلِهِ " آلَةِ لَهْوٍ "؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ قَبْلَهَا فِي عَدِّ الْقُيُودِ.
وَجَمِيعُ الطُّبُولِ جَائِزَةٌ إلَّا الدَّرَبُكَّةَ، وَجَمِيعُ الْمَزَامِيرِ حَرَامٌ إلَّا النَّفِيرَ، وَعِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ الطُّبُولُ حَرَامٌ إلَّا فِي الزَّوَاجِ لِشُهْرَتِهِ بِخِلَافِ الْخِتَانِ فَيَحْرُمُ فِيهِ الطَّبْلُ لِعَدَمِ شُهْرَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَرَيْحَانٍ) وَهُوَ كُلُّ نَبْتٍ غَضٍّ طَيِّبِ الرَّائِحَةِ كَالْوِرْدِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ دَوَامَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَبْسِهِ لَا كَوْنِهِ مُؤَبَّدًا، فَالْمُرَادُ الدَّوَامُ النِّسْبِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَمِسْكٍ) أَيْ إنْ لَمْ يُرَدْ لِلْأَكْلِ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ كَالطَّعَامِ.
وَقَوْلُهُ " وَعَنْبَرٍ " أَيْ لِلشَّمِّ لَا لِلْبَخُورِ بِهِ وَقَوْلُهُ " وَرَيْحَانٍ " أَيْ لِلشَّمِّ لَا لِلْأَكْلِ.
قَوْلُهُ: (مَزْرُوعٍ) فَإِنْ زَالَتْ الرَّائِحَةُ كَانَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ وُقِفَ عَلَى شَخْصٍ غِرَاسًا فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ ثُمَّ مَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ فَإِنَّ الْغِرَاسَ يَكُونُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ دُونَ الْوَقْفِ كَمَا قَرَّرَهُ الْعَزِيزِيُّ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّالِثُ) فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الشَّرْطَ مُتَضَمِّنٌ لِلرُّكْنِ، فَالشَّرْطُ كَوْنُهُ عَلَى أَصْلٍ مَوْجُودٍ، وَالرُّكْنُ الثَّالِثُ هُوَ الْأَصْلُ الْمَوْجُودُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ مُتَعَلِّقِ الرُّكْنِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَصْلٍ مَوْجُودٍ) أَيْ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ مَتْبُوعٍ بِغَيْرِهِ وَظَاهِرٌ أَنَّ " مَوْجُودٍ " تَفْسِيرُ الْأَصْلِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ الْآتِيَ " لَا يَنْقَطِعُ " تَفْسِيرٌ لِفَرْعٍ؛ قَالَهُ ق ل. وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى أَصْلٍ مَوْجُودٍ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ أَصْلٍ مَوْجُودٍ أَيْ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ مُعَيَّنٍ وَقَوْلِهِ وَفَرْعٍ لَا يَنْقَطِعُ أَيْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَالْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " أَيْ الشَّرْطُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إمَّا كَوْنُهُ مُعَيَّنًا أَوْ كَوْنُهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَعَلَى هَذَا يَكُونَانِ شَرْطًا وَاحِدًا إلَّا أَنَّهُ مُرَدَّدٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا يَأْتِي.
وَالثَّانِي يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ " مَوْجُودٍ " تَفْسِيرًا لِ " أَصْلٍ " وَقَوْلُهُ " وَلَا يَنْقَطِعُ " تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ

عَلَى قِسْمَيْنِ مُعَيَّنٍ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ اُشْتُرِطَ إمْكَانُ تَمْلِيكِهِ فِي حَالِ الْوَقْفِ عَلَيْهِ بِوُجُودِهِ فِي الْخَارِجِ، فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى وَلَدِهِ وَهُوَ لَا وَلَدَ لَهُ، وَلَا عَلَى فُقَرَاءِ أَوْلَادِهِ وَلَا فَقِيرَ فِيهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ فَقِيرٌ وَغَنِيٌّ صَحَّ وَيُعْطَى مِنْهُ

[حاشية البجيرمي]

فَرْعٍ " وَالْوَاوُ عَلَى مَعْنَاهَا، وَيَكُونُ مَعْنَى الْأَوَّلِ يُشْتَرَطُ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مُتَحَقِّقًا عِنْدَ الْوَقْفِ، فَخَرَجَ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ " وَفَرْعٍ لَا يَنْقَطِعُ " أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ دَائِمًا فَيَخْرُجُ مُنْقَطِعُ الْآخِرِ فَلَا يَصِحُّ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَالْمُعْتَمَدُ حِصَّتُهُ كَمَا يَأْتِي.
وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ يَكُونَانِ شَرْطَيْنِ، وَهُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ، وَيُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ الشَّارِحِ فِي مُحْتَرَزِ الْأَوَّلِ: فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا وَلَدَ لَهُ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ فِي الشَّرْطِ الثَّانِي الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ مُؤَبَّدًا عَلَى فَرْعٍ لَا يَنْقَطِعُ، أَيْ دَائِمًا فَيَخْرُجُ مُنْقَطِعُ الْآخِرِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَصْلِ الشَّيْءُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَسَمَّاهُ أَصْلًا بِالنَّظَرِ لِمَا بَعْدَهُ وَسَمَّى الَّذِي بَعْدَهُ فَرْعًا؛ لِأَنَّهُ فَرْعٌ عَنْهُ أَيْ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ مُعَيَّنٍ وَغَيْرِهِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ " أَصْلٍ " مَوْجُودٍ.
وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَتَيْنِ، الْأُولَى: أَنَّهُ جَعَلَهُ قِسْمَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ الثَّانِيَ، وَأَيْضًا الثَّانِي مِنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ هُوَ الثَّانِي فِي الْمَتْنِ فَكَيْفَ يَكُونُ الْأَوَّلُ شَامِلًا لِنَفْسِهِ وَلِلثَّانِي؟ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ قَبْلَ قَوْلِ الْمَتْنِ " عَلَى أَصْلٍ مَوْجُودٍ إلَخْ " ثُمَّ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ قِسْمَانِ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ مَا عَنَاهُ الْمَتْنُ بِقَوْلِهِ " عَلَى أَصْلٍ مَوْجُودٍ " وَغَيْرِ مُعَيَّنٍ وَهُوَ مَا عَنَاهُ الْمَتْنُ بِقَوْلِهِ " وَفَرْعٍ لَا يَنْقَطِعُ " وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ عَلَى جَعْلِ الضَّمِيرِ رَاجِعًا لِقَوْلِهِ " أَصْلٍ مَوْجُودٍ " وَيُمْكِنُ رُجُوعُهُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَيَكُونُ الشَّارِحُ تَرَكَ الْقِسْمَ الثَّانِيَ فِي التَّفْصِيلِ لِكَوْنِهِ سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مُعَيَّنٍ) وَلَوْ جَمَاعَةً، وَشُرِطَ قَبُولُهُ فَوْرًا كَالْبَيْعِ، وَإِنْ رَدَّ قَبْلَ قَبُولِهِ بَطَلَ وَلَا يَعُودُ بِعَوْدِهِ كَالْإِقْرَارِ، أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَبْطُلْ وَلَا عِبْرَةَ بِرَدِّهِ ق ل. وَلَمْ يَأْتِ الشَّارِحُ بِمُقَابِلِ قَوْلِهِ " فَإِنْ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ " وَهُوَ: وَإِنْ وَقَفَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ شُرِطَ عَدَمُ الْمَعْصِيَةِ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ، اكْتِفَاءً بِقَوْلِهِ: الْآتِي: أَوْ فَرْعٍ لَا يَنْقَطِعُ.
قَوْلُهُ: (إمْكَانُ تَمْلِيكِهِ) الْأَوْلَى إمْكَانُ تَمَلُّكِهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بِوُجُودِهِ) أَيْ مُتَأَهِّلًا لِلْمِلْكِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِإِمْكَانُ ". وَعِبَارَةُ م ر: وَإِمْكَانُ تَمَلُّكِهِ بِأَنْ يُوجَدَ خَارِجًا مُتَأَهِّلًا لِلْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ فَلَا يَصِحُّ عَلَى مَعْدُومٍ كَعَلَى مَسْجِدٍ سَيُبْنَى أَوْ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا وَلَدَ لَهُ أَوْ عَلَى فُقَرَاءِ أَوْلَادٍ وَلَيْسَ فِيهِمْ فَقِيرٌ، أَوْ عَلَى الْقِرَاءَةِ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ أَوْ قَبْرِ أَبِيهِ الْحَيِّ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ فِيهِمْ فَقِيرٌ صَحَّ، وَصُرِفَ لِلْحَادِثِ وُجُودُهُ فِي الْأُولَى أَوْ فَقْرُهُ فِي الثَّانِيَةِ لِصِحَّتِهِ عَلَى الْمَعْدُومِ تَبَعًا كَوَقَفْتُهُ عَلَى وَلَدِي ثُمَّ عَلَى وَلَدِ وَلَدِي وَلَا وَلَدَ وَلَدٍ لَهُ وَكَعَلَى مَسْجِدِ كَذَا وَكُلُّ مَسْجِدٍ سَيُبْنَى فِي تِلْكَ الْمَحَلَّةِ، وَلَا عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ وَلَا عَلَى عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يَبْنِهِ بِخِلَافِ دَارِي عَلَى مَنْ أَرَادَ سُكْنَاهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا عَلَى مَيِّتٍ اهـ. وَقَوْلُهُ " أَوْ عَلَى الْقِرَاءَةِ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ أَوْ قَبْرِ أَبِيهِ وَهُوَ حَيٌّ أَيْ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ لِعَدَمِ بَيَانِ الصَّرْفِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْرَأُ عَلَى قَبْرِهِ وَهُوَ حَيٌّ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى مُعَيَّنٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَبُولُهُ إنْ كَانَ أَهْلًا وَإِلَّا فَقَبُولُ وَلِيِّهِ عَقِبَ الْإِيجَابِ أَوْ بُلُوغُ الْخَبَرِ كَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ، إذْ دُخُولُ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ فِي مِلْكِهِ قَهْرًا بِغَيْرِ الْإِرْثِ بَعِيدٌ.
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ رَجَّحَ فِي الرَّوْضَةِ عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ، نَظَرًا إلَى أَنَّهُ بِالْقُرْبِ أَشْبَهُ مِنْهُ بِالْعُقُودِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُشْتَرَطُ قَبُولٌ مَنْ بَعْدِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ بَلْ الشَّرْطُ عَدَمُ الرَّدِّ وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّهُمْ يَتَلَقَّوْنَهُ مِنْ الْوَاقِفِ، فَإِنْ رَدُّوا فَمُنْقَطِعُ الْوَسَطِ، فَإِنْ رَدَّ الْأَوَّلُ بَطَلَ الْوَقْفُ، وَلَوْ رَجَعَ بَعْدَ الرَّدِّ لَمْ يَعُدْ لَهُ؛ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ رَدَّ بَعْدَ قَبُولِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِ فُلَانٍ وَمَنْ يَحْدُثُ لَهُ مِنْ الْأَوْلَادِ وَلَمْ يَقْبَلْ الْوَلَدُ لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ شَرْحِ م ر. وَقَوْلُهُ " يُشْتَرَطُ فِيهِ قَبُولُهُ " أَيْ وَلَوْ مُتَرَاخِيًا وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ، حَيْثُ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ غَائِبًا فَلَمْ يَبْلُغْهُ الْخَبَرُ إلَّا بَعْدَ الطُّولِ، أَمَّا لَوْ كَانَ حَاضِرًا فَيُشْتَرَطُ الْفَوْرُ.
وَقَوْلُهُ " وَإِلَّا فَقَبُولُ وَلِيِّهِ " فَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ وَلِيُّهُ بَطَلَ الْوَقْفُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَلِيُّ الْوَاقِفَ أَوْ غَيْرُهُ، وَمَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ خَاصٌّ فَوَلِيُّهُ الْقَاضِي فَيَقْبَلُ لَهُ عِنْدَ بُلُوغِ الْخَبَرِ أَوْ يُقِيمُ عَلَى الصَّبِيِّ مَنْ يَقْبَلُ الْوَقْفَ.
اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (وَهُوَ لَا وَلَدَ لَهُ) أَمَّا لَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ صَحَّ وَصُرِفَ لَهُ أَوْ وُلِدَ وَلَدٌ صُرِفَ لَهُ أَيْضًا صَوْنًا لِكَلَامِ الْوَاقِفِ عَنْ الْإِلْغَاءِ إنْ حُمِلَ الْوَلَدُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَالصَّرْفُ لِوَلَدِ الْوَلَدِ ظَاهِرٌ، فَلَوْ صُرِفَ لِوَلَدِ الْوَلَدِ وَحَدَثَ لِلْوَاقِفِ وَلَدٌ فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ زي.
قَوْلُهُ: (وَلَا فَقِيرَ فِيهِمْ) قَالَ شَيْخُنَا وَالْمُرَادُ بِالْفَقِيرِ هُنَا مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَإِنْ كَانَ مُكْتَسِبًا؛؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْوَاقِفِ إغْنَاؤُهُ عَنْ

أَيْضًا مَنْ افْتَقَرَ بَعْدُ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ.
وَلَا عَلَى جَنِينٍ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَمَلُّكِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ مَقْصُودًا أَمْ تَابِعًا حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ وَلَهُ جَنِينٌ عِنْدَ الْوَقْفِ لَمْ يَدْخُلْ.
نَعَمْ إنْ انْفَصَلَ دَخَلَ مَعَهُمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ قَدْ سَمَّى الْمُوجِدِينَ أَوْ ذَكَرَ عَدَدَهُمْ فَلَا يَدْخُلُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ.

تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْمَيِّتِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَبِهِ صَرَّحَ الْجُرْجَانِيِّ، وَلَا عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ لِعَدَمِ تَعْيِينِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَلَا عَلَى نَفْسِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ.
فَإِنْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ لَهُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ لِلْوَاقِفِ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَهُوَ وَقْفٌ عَلَى سَيِّدِهِ؛ وَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى الْمُبَعَّضِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُهَايَأَةً وَصَدَرَ الْوَقْفُ عَلَيْهِ يَوْمَ نَوْبَتِهِ فَكَالْحُرِّ أَوْ يَوْمَ نَوْبَةِ سَيِّدِهِ فَكَالْعَبْدِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُهَايَأَةً وُزِّعَ عَلَى الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ.
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى بَهِيمَةٍ مَمْلُوكَةٍ لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَهْلًا لِلْمِلْكِ بِحَالٍ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ مَالِكَهَا فَهُوَ وَقْفٌ عَلَيْهِ وَخَرَجَ بِالْمَمْلُوكَةِ

[حاشية البجيرمي]

الْكَسْبِ لَا فَقِيرُ الزَّكَاةِ الْمَارُّ فِي بَابِهَا اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَلَا عَلَى جَنِينٍ) ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَسْلِيطٌ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ، وَالْمُرَادُ مَا دَامَ مُتَّصِلًا فَلَا يَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْهُ مَا دَامَ جَنِينًا، أَيْ فِيمَا إذَا وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَفِيهِمْ جَنِينٌ، نَعَمْ يَدْخُلُ الْجَنِينُ فِي الْوَقْفِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَالنَّسْلِ وَالْعَقِبِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ حَيْثُ تَصِحُّ لَهُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ أَنَّهُمْ لَمَّا تَوَسَّعُوا فِي الْوَصِيَّةِ وَجَوَّزُوهَا فِي الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ وَالْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ كَانَتْ أَوْسَعَ بَابًا مِنْ الْوَقْفِ.
وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى جَنِينٍ بِأَنْ قَالَ وَقَفْتُ كَذَا عَلَى هَذَا الْجَنِينِ، بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ لَهُ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِقْبَالِ وَالْوَقْفُ تَسْلِيطٌ فِي الْحَالِ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنِينُ فِي الْوَلَدِ إذَا قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَلَا يُوقَفُ لَهُ شَيْءٌ، فَإِنْ انْفَصَلَ شَارَكَ مِنْ حِينِ الِانْفِصَالِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ قَالَ الْمَوْجُودِينَ أَوْ ذَكَرَ عَدَدَهُمْ فَلَا يَدْخُلُ، نَعَمْ يَدْخُلُ فِيمَا إذَا قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي وَلَا فَرْعَ لَهُ أَصْلًا وَلَا يَدْخُلُ مَنْفِيٌّ بِلِعَانٍ، فَإِنْ اُسْتُلْحِقَ اسْتَحَقَّ مَا مَضَى فَيُطَالَبُ بِهِ، وَيَدْخُلُ الْخُنْثَى فِي بَلَدٍ وَيُعْطَى الْمُتَيَقَّنُ وَلَا يَدْخُلُ فِي بِنْتٍ وَلَا ابْنٍ وَلَا يُوقَفُ لَهُ شَيْءٌ، وَلَا يَدْخُلُ ابْنٌ فِي بِنْتٍ وَعَكْسُهُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ صِحَّةِ تَمَلُّكِهِ) وَأَمَّا إرْثُهُ مِنْ أَبِيهِ مَثَلًا إذَا كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ فَمِنْ بَابِ التَّوَسُّعِ فِيهِ حَيْثُ أَلْحَقُوهُ بِالْحَيِّ هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ أَكَانَ إلَخْ) أَيْ الْجَنِينُ، وَقَوْلُهُ " مَقْصُودًا " بِأَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ إنْ انْفَصَلَ) أَيْ حَيًّا دَخَلَ مَعَهُمْ، أَيْ مِنْ حِينِ انْفِصَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ الْوَقْفِ، فَلَوْ لَمْ يَنْفَصِلْ أَصْلًا بِأَنْ ذَابَ فِي بَطْنِهَا أَوْ انْفَصَلَ مَيِّتًا فَلَا يَدْخُلُ.

قَوْلُهُ: (قَدْ عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " عَلَى أَصْلٍ مَوْجُودٍ " أَوْ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ اُشْتُرِطَ إمْكَانُ تَمْلِيكِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ) أَيْ الْعَبْدُ لَهُ أَيْ لِلْوَاقِفِ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ وَقْفٌ عَلَى سَيِّدِهِ) وَالْقَبُولُ مِنْ الْعَبْدِ لَا مِنْ سَيِّدِهِ كَالْوَصِيَّةِ زي، وَلِلْعَبْدِ أَنْ يَقْبَلَ فَوْرًا وَإِنْ مَنَعَهُ سَيِّدُهُ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى الْمُبَعَّضِ إلَخْ) وَلَوْ وَقَفَ مَالِكُ الْبَعْضِ بَعْضَهُ الرَّقِيقَ عَلَى بَعْضِهِ الْحُرِّ صَحَّ، وَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْمُكَاتَبِ فَيُصْرَفُ لَهُ وَيَسْتَمِرُّ حُكْمُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ إنْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ، فَإِنْ قَيَّدَهُ بِمُدَّةِ الْكِتَابَةِ كَانَ مُنْقَطِعَ الْآخِرِ، فَإِنْ عَجَزَ بَانَ أَنَّهُ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ.
اهـ. م د، وَعِبَارَتُهُ عَلَى التَّحْرِيرِ: نَعَمْ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مُكَاتَبِ غَيْرِهِ بِخِلَافِ مُكَاتَبِ نَفْسِهِ لَا يَصِحُّ إنْ عَقَدَ وَقَدْ قَيَّدَ الْوَاقِفُ.
قَوْلُهُ: (وُزِّعَ عَلَى الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ) فَمَا خَصَّ الْحُرِّيَّةَ فَهُوَ لِلْجُزْءِ الْحُرِّ فَلَهُ رِيعُهُ، وَمَا خَصَّ الرِّقَّ يَكُونُ وَقْفًا عَلَى رَقِيقٍ فَيَأْتِي فِيهِ تَفْصِيلُهُ، مِنْهُ: أَنْ يَقْصِدَهُ لِنَفْسِهِ فَيَبْطُلُ اهـ سم.
قَوْلُهُ: (بَهِيمَةٍ مَمْلُوكَةٍ) أَيْ أَوْ مُبَاحَةٍ إلَّا حَمَامَ مَكَّةَ، فَإِنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الطُّيُورِ وَالْوُحُوشِ الْمُبَاحَةِ، فَمَا يُفْعَلُ الْآنَ مِنْ وَقْفِ شَيْءٍ يُؤْخَذُ مِنْ غَلَّتِهِ قَمْحٌ تُوضَعُ لِلطُّيُورِ الْمُبَاحَةِ بَاطِلٌ.
اهـ. م د. وَخَرَجَ بِذَلِكَ الْمَوْقُوفَةُ عَلَى نَحْوِ أَرِقَّاءِ خِدْمَةِ الْكَعْبَةِ، أَوْ الْخَيْلِ الْمُسْبَلَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ حَمَامِ مَكَّةَ فَهُوَ صَحِيحٌ مُطْلَقًا ق ل. قَوْلُهُ: (لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ) سَوَاءٌ قَصَدَهَا أَوْ أَطْلَقَ أَوْ وَقَفَ عَلَى عَلَفِهَا، بِخِلَافِ الْعَبْدِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعَبْدَ أَهْلٌ لِلْيَدِ فِي الْجُمْلَةِ أَوْ مِمَّنْ يُتَصَوَّرُ لَهُ الْمِلْكُ أَيْ إذَا عَتَقَ اهـ

الْمَوْقُوفَةُ كَالْخَيْلِ الْمَوْقُوفَةِ فِي الثُّغُورِ وَنَحْوِهَا فَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى عَلَفِهَا وَيَصِحُّ عَلَى ذِمِّيٍّ مُعَيَّنٍ مِمَّا يُمْكِنُ تَمْلِيكُهُ لَهُ، فَيَمْتَنِعُ وَقْفُ الْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الْعِلْمِ وَالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ وَلَا وَقْفَ الشَّخْصِ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ لَا دَوَامَ لَهُمَا مَعَ كُفْرِهِمَا، وَالثَّالِثُ لِتَعَذُّرِ تَمْلِيكِ الْإِنْسَانِ مِلْكَهُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ حَاصِلٌ وَتَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مُحَالٌ.

[حاشية البجيرمي]

وَقَوْلُهُ " عَلَى عَلَفِهَا " ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ م ر صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَى عَلَفِهَا، وَأَفْتَى الزِّيَادِيُّ أَيْضًا بِالصِّحَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى عَلَفِهَا) مُقْتَضَى الْمُقَابَلَةِ أَنْ يَقُولَ فَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهَا؛؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى عَلَفِ الْمَمْلُوكَةِ يَصِحُّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ عَلَى ذِمِّيٍّ إلَخْ) . تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ بِالذِّمِّيِّ وَمِثْلُهُ الْمُعَاهِدُ وَالْمُؤَمَّنُ الْجِنْسُ فَيَصِحُّ عَلَى الذِّمِّيِّينَ وَالنَّصَارَى، وَعِبَارَةُ ح ل: وَيَصِحُّ عَلَى يَهُودٍ أَوْ نَصَارَى أَوْ فُسَّاقٍ أَوْ قُطَّاعِ طَرِيقٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ الصِّحَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَصْفُ الْقَائِمُ بِهِمْ بَاعِثًا عَلَى الْوَقْفِ بِأَنْ أَرَادَ ذَوَاتَهمْ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: وَقَفْتُ هَذَا عَلَى مَنْ يَفْسُقُ أَوْ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فَلَا يَصِحُّ.
قَالَ م ر بَعْدَ كَلَامٍ: وَمِنْ ثَمَّ اسْتَحْسَنَّا بُطْلَانَهُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْفُسَّاقِ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَهُوَ مَرْدُودٌ نَقْلًا وَمَعْنًى اهـ وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: فَلَا يَصِحُّ وَقْفُ مُصْحَفٍ عَلَى كَافِرٍ، وَكَذَا مُسْلِمٍ، إلَّا إنْ كَانَ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَمْلِكُ مَنَافِعَهُ، فَإِذَا مَلَكَهَا زَالَتْ عَنْهُ لِلْبَعْضِيَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ وَلَوْ حَارَبَ الذِّمِّيُّ انْقَطَعَ الْوَقْفُ عَلَيْهِ فَهُوَ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ أَوْ الْآخِرِ ق ل. وَقَوْلُهُ " انْقَطَعَ الْوَقْفُ " ظَاهِرُهُ وَإِنْ رَجَعَ إلَى دَارِنَا، وَقَوْلُهُ " فَهُوَ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ " أَيْ إنْ كَانَ وَسَطًا أَوْ الْآخِرِ أَيْ إنْ كَانَ آخِرًا.
قَوْلُهُ: (عَلَيْهِ) مُتَعَلِّقٌ بِوَقَفَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا وَقْفُ الشَّخْصِ عَلَى نَفْسِهِ) وَمِنْ الْوَقْفِ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَشْرِطَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثِمَارِهِ أَوْ تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْهُ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ صُوَرٌ: مِنْهَا مَا لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ وَجَعَلَ لِذَلِكَ أُجْرَةً فَيَجُوزُ عَلَى الْمُرَجَّحُ.
فِي الرَّوْضَةِ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَمَا لَوْ وَقَفَ شَيْئًا عَلَى الْفُقَرَاءِ ثُمَّ صَارَ فَقِيرًا كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ، وَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِ أَبِيهِ الْمُتَّصِفِينَ بِالْفِقْهِ مَثَلًا وَلَيْسَ فِيهِمْ فَقِيهٌ مَثَلًا غَيْرُهُ زي.
وَأَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ وَتَبِعَهُ جَمْعٌ بِأَنَّ حُكْمَ الْحَنَفِيِّ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ لَا يَمْنَعُ الشَّافِعِيَّ بَاطِنًا مِنْ بَيْعِهِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ فِيهِ، قَالَ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَمْنَعُ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ سِيَاسَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَيَلْحَقُ بِهَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ؛ لَكِنْ رَدَّهُ جَمْعٌ بِأَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى مَرْجُوحٍ وَهُوَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي مَحَلِّ اخْتِلَافٍ لِلْمُجْتَهِدِينَ لَا يَنْفُذُ بَاطِنًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَعْلِيلُهُ، وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ فِي مَوَاضِعِ نُفُوذِهِ بَاطِنًا، وَلَا مَعْنَى لَهُ إلَّا تَرَتُّبَ الْآثَارِ عَلَيْهِ مِنْ حِلٍّ وَحُرْمَةٍ وَنَحْوِهِمَا.
وَصَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ وَيَصِيرُ الْأَمْرُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ اهـ شَرْحِ م ر. وَقَوْلُهُ: " بِأَنْ حَكَمَ الْحَاكِم " لَوْ حَاكِمَ ضَرُورَةٍ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ كُلِّهِ حَيْثُ صَدَرَ حُكْمٌ صَحِيحٌ مَبْنِيٌّ عَلَى دَعْوَى وَجَوَابٍ، أَمَّا لَوْ قَالَ الْحَاكِمُ الْحَنَفِيُّ مَثَلًا: حَكَمْت بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَبِمُوجَبِهِ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ دَعْوَى فِي ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ حُكْمًا بَلْ هُوَ إفْتَاءٌ مُجَرَّدٌ وَهُوَ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ فَكَانَ لَا حُكْمَ فَيَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ بَيْعُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ اهـ ع ش. قَوْلُهُ: (مَعَ كُفْرِهِمَا) بِخِلَافِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ وَمَنْ تَحَتَّمَ قَتْلُهُ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ فَإِنَّهُمَا لَا دَوَامَ لَهُمَا مَعَ عَدَمِ كُفْرِهِمَا، فَالْعِلَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ زي.
وَبِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ كَافِرًا إلَّا أَنَّ لَهُ دَوَامًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّالِثَ لِتَعَذُّرِ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِتَعَذُّرِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لِتَعَذُّرِ تَمْلِيكِ إلَخْ) هَذَا يُنَاسِبُ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَوْقُوفِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ لِلَّهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ كَلَامُهُ بِالنَّظَرِ لِفَوَائِدِهِ فَإِنَّهَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.

(وَ) الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْوَقْفُ مُؤَبَّدًا عَلَى (فَرْعٍ لَا يَنْقَطِعُ) سَوَاءٌ أَظْهَرَ فِيهِ جِهَةَ قُرْبَةٍ كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُجَاهِدِينَ وَالْمَسَاجِدِ وَالرُّبُطِ، أَمْ لَمْ تَظْهَرْ كَالْأَغْنِيَاءِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْفَسَقَةِ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَيْهِمْ جَائِزَةٌ، وَلَوْ وَقَفَ شَخْصٌ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَادَّعَى شَخْصٌ أَنَّهُ غَنِيٌّ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَادَّعَى شَخْصٌ أَنَّهُ فَقِيرٌ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ فَيُقْبَلُ بِلَا بَيِّنَةٍ نَظَرًا لِلْأَصْلِ فِيهِمَا.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ عَطْفِ الْمُصَنِّفِ قَوْلَهُ وَفَرْعٌ لَا يَنْقَطِعُ عَلَى مَا قَبْلَهُ أَنَّهُمَا شَرْطٌ وَاحِدٌ، وَلِهَذَا عَدَّ الشُّرُوطَ ثَلَاثَةً وَاَلَّذِي فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُمْ شَرْطَانِ كَمَا قَرَّرْت بِهِ كَلَامَهُ.

(وَ) الشَّرْطُ الرَّابِعُ (أَنْ لَا يَكُونَ فِي مَحْظُورٍ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالظَّاءِ الْمُشَالَةِ، أَيْ مُحَرَّمٍ كَعِمَارَةِ الْكَنَائِسِ وَنَحْوِهَا مِنْ مُتَعَبَّدَاتِ الْكُفَّارِ لِلتَّعَبُّدِ فِيهَا، أَوْ حُصُرِهَا أَوْ قَنَادِيلِهَا أَوْ خُدَّامِهَا، أَوْ كُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ أَوْ السِّلَاحِ لِقُطَّاعِ الطَّرِيقِ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (مُؤَبَّدًا) أَيْ مُؤَبَّدًا مُتَعَلِّقُهُ وَهُوَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ عَلَى فَرْعٍ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ " مُؤَبَّدًا " بِحَذْفِ أَيْ التَّفْسِيرِيَّةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " مُؤَبَّدًا " وَلَوْ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ كَزَيْدٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ، وَيُشْتَرَطُ فِي كُلِّ مَنْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ الْوَقْفُ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، وَلَمْ يُقَيِّدْ الْفَرْعَ بِالْمَوْجُودِ كَمَا فِي " الْأَصْلِ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِيهِ كَمَا قَالَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (فَرْعٍ لَا يَنْقَطِعُ) هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ وَالْآخِرِ بَاطِلٌ وَهُوَ مَرْجُوحٌ كَمَا سَيَأْتِي ق ل. فَالْأَوْلَى إسْقَاطُ قَوْلِهِ " وَفَرْعٍ لَا يَنْقَطِعُ " عَلَى أَنَّ فِي جَعْلِهِ شَرْطًا مُسْتَقِلًّا نَظَرًا.
قَوْلُهُ: (جِهَةِ قُرْبَةٍ) أَيْ قَصْدِ قُرْبَةٍ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْفُقَرَاءِ) وَيُعْتَبَرُونَ بِمَا فِي اسْتِحْقَاقِ الزَّكَاةِ، نَعَمْ الْقَادِرُ عَلَى كَسْبٍ يَكْفِيهِ فَقِيرٌ هُنَا، وَالْعُلَمَاءُ أَصْحَابُ عُلُومِ الشَّرْعِ وَهِيَ التَّفْسِيرُ وَالْحَدِيثُ وَالْفِقْهُ ق ل. وَالرُّبُطُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَالْبَاءِ جَمْعُ رِبَاطٍ وَهُوَ مُتَعَبَّدُ الصُّوفِيَّةِ ق ل، وَسُمِّيَ رِبَاطًا لِرَبْطِ الصُّوفِيَّةِ أَنْفُسَهُمْ فِيهِ، وَالْخَانِقَاهُ لِخَنْقِهِمْ أَنْفُسَهُمْ فِيهَا عَنْ الْمَعَاصِي وَالْغَنِيُّ هُنَا مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (وَالْمَسَاجِدِ) وَلَوْ عَلَى أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ لَهُ، لَكِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَنْفَعَتِهَا بِنَحْوِ وَصِيَّةٍ أَوْ إجَارَةٍ فَبَسَطَ فِيهَا أَحْجَارًا مَمْلُوكَةً لَهُ وَوَقَفَهَا مَسْجِدًا، وَلَا يَبْطُلُ حُكْمُ الْمَسْجِدِيَّةِ عَنْ الْحِجَارَةِ إذَا نُقِلَتْ عَنْ مَحَلِّهَا.
وَالْوَقْفُ عَلَى عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ يَدْخُلُ فِيهِ تَرْمِيمُهُ وَتَجْصِيصُهُ لِلْإِحْكَامِ وَالسَّوَارِي وَالسَّلَالِمُ وَالْمَكَانِسُ وَالْمَسَاحِي وَالْبَوَارِي لِدَفْعِ نَحْوِ حَرٍّ وَالْمَيَازِيبُ لِدَفْعِ مَاءٍ نَحْوِ مَطَرٍ، وَأُجْرَةٌ نَحْوُ قَيِّمٍ، وَعَلَى مَصَالِحِهِ أَوْ مُطْلَقًا يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا ذَكَرَهُ.
وَإِذَا خَصَّ الْوَاقِفُ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ فِي غَيْرِهِ مِنْهَا، وَلَا يَجُوزُ صَرْفُ شَيْءٍ مِمَّا وَقَفَهُ عَلَى نَحْوِ تَزْوِيقٍ وَنَقْشٍ وَسِرَاجٍ لَا نَفْعَ بِهِ، وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى ذَلِكَ.
اهـ. م د. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَجُوزُ إسْرَاجُهُ مِنْ زَيْتِ الْمَسْجِدِ طُولَ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إضَاعَةَ مَالٍ.
قَوْلُهُ: (أَمْ لَمْ تَظْهَرْ) بَيَّنَ بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِجِهَةِ الْقُرْبَةِ مَا ظَهَرَ فِيهِ قَصْدُهَا، وَإِلَّا فَالْوَقْفُ كُلُّهُ قُرْبَةٌ شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (كَالْأَغْنِيَاءِ) وَلَوْ حَصَرَهُمْ كَأَغْنِيَاءِ أَقَارِبَةِ جَزْمًا كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (نَظَرًا لِلْأَصْلِ) غَرَضُهُ بِذَلِكَ تَوْفِيقُهُ عَلَى الْقَاعِدَةِ: أَنَّ مَنْ خَالَفَ قَوْلَهُ الظَّاهِرَ يَكُونُ مُدَّعِيًا فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَمَنْ وَافَقَ قَوْلَهُ الظَّاهِرَ يَكُونُ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَيَكْفِي مِنْهُ الْيَمِينُ.

قَوْلُهُ: (وَفِي مَحْظُورٍ) أَيْ عَلَى مَحْظُورٍ ق ل. قَوْلُهُ: (وَالظَّاءِ الْمُشَالَةِ) وُصِفَتْ بِالْمُشَالَةِ؛ لِأَنَّ اللِّسَانَ يَرْتَفِعُ عِنْدَ النُّطْقِ بِهَا.
قَوْلُهُ: (أَيْ مُحَرَّمٍ) مِنْهُ الْوَقْفُ عَلَى التَّزْوِيقِ فَإِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنْ كَانَ التَّزْوِيقُ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُصَلِّي لِإِذْهَابِهِ الْخُشُوعَ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ عَلَى السُّتُورِ وَلَوْ حَرِيرًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا زي.
قَوْلُهُ: (كَعِمَارَةِ الْكَنَائِسِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْوَاقِفُ ذِمِّيًّا وَلَوْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَى الْكَنَائِسِ فَهَلْ يَبْطُلُ؟ أَفْتَى شَيْخُنَا صَالِحٌ بِالْبُطْلَانِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْوَقْفِ عَلَيْهَا الْوَقْفُ عَلَى مَصَالِحِهَا الْمَمْنُوعِ، وَهُوَ مَا كَانَ يُظْهِرُ؛ شَوْبَرِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (لِلتَّعَبُّدِ) صِفَةٌ لِلْكَنَائِسِ أَيْ الْمَوْضُوعَةُ لِلتَّعَبُّدِ فِيهَا، أَيْ وَلَوْ مَعَ نُزُولِ الْمَارَّةِ كَمَا قَالَهُ ع ش، وَعِبَارَةُ ق ل: قَوْلُهُ " لِلتَّعَبُّدِ " أَيْ عِبَادَةُ الْكُفَّارِ وَلَوْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مَعَ نُزُولِ الْمَارَّةِ، وَيَصِحُّ لِنُزُولِ الْمَارَّةِ وَلَوْ مِنْ الْكُفَّارِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ حُصُرِهَا) عَطْفٌ عَلَى عِمَارَةِ بِأَنْ يَقِفَ شَيْئًا عَلَى شِرَاءِ حُصُرِهَا أَوْ قَنَادِيلِهَا أَوْ خُدَّامِهَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ كُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) أَيْ الْمُبْدَلَيْنِ أَوْ وَقَفَهَا نَفْسَهَا، وَهُوَ مَعْطُوفٌ

لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَالْوَقْفُ شُرِعَ لِلتَّقَرُّبِ فَهُمَا مُتَضَادَّانِ.
وَشُرِطَ فِي الصِّيغَةِ وَهُوَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ لَفْظٌ يُشْعِرُ بِالْمُرَادِ كَالْعِتْقِ بَلْ أَوْلَى، وَفِي مَعْنَاهُ مَا مَرَّ فِي الضَّمَانِ صَرِيحُهُ كَوَقَفْتُ وَسَلَبْتُ وَحَبَسْتُ كَذَا عَلَى كَذَا أَوْ تَصَدَّقْتُ بِكَذَا عَلَى كَذَا صَدَقَةً مُحَرَّمَةً أَوْ مُؤَبَّدَةً أَوْ مَوْقُوفَةً، أَوْ لَا تُبَاعُ أَوْ لَا تُوهَبُ وَجَعَلْتُ هَذَا الْمَكَانَ مَسْجِدًا، وَكِنَايَتُهُ كَحَرَّمْتُ وَأَبَّدْت هَذَا لِلْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يُسْتَعْمَلُ مُسْتَقِلًّا، وَإِنَّمَا يُؤَكَّدُ بِهِ فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا وَكَتَصَدَّقْتُ بِهِ مَعَ إضَافَتِهِ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ كَالْفُقَرَاءِ.
وَأَلْحَقَ الْمَاوَرْدِيُّ بِاللَّفْظِ أَيْضًا مَا لَوْ بَنَى مَسْجِدًا بِنِيَّتِهِ بِمَوَاتٍ.

وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ: التَّأْبِيدُ كَالْوَقْفِ عَلَى مَنْ لَمْ يَنْقَرِضْ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ كَالْفُقَرَاءِ، أَوْ عَلَى مَنْ يَنْقَرِضُ ثُمَّ عَلَى مَنْ لَا يَنْقَرِضُ كَزَيْدٍ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ، فَلَا يَصِحُّ تَأْقِيتُ الْوَقْفِ.
فَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ هَذَا عَلَى كَذَا سَنَةً لَمْ يَصِحَّ لِفَسَادِ الصِّيغَةِ، فَإِنْ أَعْقَبَهُ بِمَصْرِفٍ كَوَقَفْتُهُ عَلَى زَيْدٍ سَنَةً ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ صَحَّ وَرُوعِيَ فِيهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ، وَهَذَا فِيمَا لَا يُضَاهِي التَّحْرِيرَ، أَمَّا مَا يُضَاهِيهِ كَالْمَسْجِدِ وَالْمَقْبَرَةِ وَالرِّبَاطِ كَقَوْلِهِ: جَعَلْته مَسْجِدًا سَنَةً فَإِنَّهُ يَصِحُّ مُؤَبَّدًا، كَمَا لَوْ ذَكَرَ فِيهِ شَرْطًا فَاسِدًا

[حاشية البجيرمي]

عَلَى قَوْلِهِ كَعِمَارَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَالثَّانِي مَوْقُوفًا فَإِنَّهُمَا مِثَالٌ لِلْوَقْفِ فِي مَحْظُورٍ وَقَوْلُهُ " أَوْ كُتُبِ " الظَّاهِرُ أَنَّهُ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ عِبَارَةُ غَيْرِهِ بِلَفْظِ كِتَابَةٍ فَيَكُونُ كَالْعِمَارَةِ؛ وَالتَّوْرَاةُ لِمُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ صُحُفٍ عَشْرَةٍ قَبْلَهَا، وَالْإِنْجِيلُ لِعِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ: وَالتَّوْرَاةُ أَجَلُّ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ قَبْلَ الْقُرْآنِ، وَأَصْلُ تَوْرَاةٍ وَوْرَيَةٌ أُبْدِلَتْ الْوَاوُ تَاءً وَوَزْنُهَا تَفْعِلَةٌ بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَوْ كَسْرِهَا، وَقِيلَ: وَزْنُهَا فَوْعَلَةٌ.
وَالْإِنْجِيلُ بِالْكَسْرِ وَقَدْ يُفْتَحُ مِنْ النَّجْلِ وَهُوَ اسْتِخْرَاجُ خُلَاصَةِ الشَّيْءِ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْوَلَدِ نَجْلُ أَبِيهِ كَأَنَّ الْإِنْجِيلَ اسْتَخْلَصَ خُلَاصَةَ نُورِ التَّوْرَاةِ، اهـ بِحُرُوفِهِ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ) ذَكَرَ الضَّمِيرَ مُرَاعَاةً لِلْخَبَرِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَأْنِيثِ الضَّمِيرِ الثَّابِتِ فِي نُسَخٍ مُرَاعَاةً لِمَرْجِعِهِ وَهُوَ لَفْظُ الصِّيغَةِ.
وَاَلَّذِي فِي خَطِّ الْمُؤَلِّفِ مُحْتَمِلَةٌ لَهُمَا لِوُجُودِ حِبْرٍ عَلَى الْخَطِّ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (بَلْ أَوْلَى) وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعِتْقَ لَا تَمْلِيكَ أَصْلًا وَإِنَّمَا فِيهِ إزَالَةُ رِقٍّ عَلَى الْعَتِيقِ، وَمَعَ ذَلِكَ اُشْتُرِطَ فِيهِ اللَّفْظُ فَشَرْطُهُ فِيمَا هُوَ فِي مَعْنَى التَّمْلِيكِ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (مُحَرَّمَةً) أَيْ عَلَى غَيْرِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لِجِهَةٍ عَامَّةٍ كَالْفُقَرَاءِ) أَمَّا إذَا أَضَافَهُ إلَى مُعَيَّنٍ وَلَوْ جَمَاعَةً فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي الْوَقْفِ بَلْ هُوَ صَرِيحٌ فِي الْمِلْكِ كَتَصَدَّقْتُ بِهَذَا عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرٍ وَخَالِدٍ مَثَلًا فَإِنَّهُمْ يَمْلِكُونَهُ عَيْنًا وَمَنْفَعَةً وَلَهُمْ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ، عَلَى سَبِيلِ الْمِلْكِيَّةِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ؛؛ لِأَنَّ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي بَابِهِ وَوُجِدَ نَفَاذًا فِي مَوْضُوعِهِ لَا يَكُونُ كِنَايَةً فِي غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ) هُوَ مُكَرَّرٌ مَعَ الشَّرْطِ الثَّالِثِ تَأَمَّلْ أج.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْبِيدِ هُنَا عَدَمُ التَّأْقِيتِ بِدَلِيلِ تَفْرِيعِهِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَالْفُقَرَاءِ) فَهَذَا يُقَالُ لَهُ تَأْبِيدٌ أَيْ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِالتَّأْبِيدِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ تَأْقِيتُ الْوَقْفِ) وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ مُكَرَّرًا، لَكِنْ رُبَّمَا يُنَافِي فِي هَذَا الْمُرَادِ قَوْلَهُ كَالْوَقْفِ عَلَى إلَخْ تَأَمَّلْ.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأْبِيدِ عَدَمُ التَّأْقِيتِ فَيَصْدُقُ بِصُورَتَيْنِ، أَيْ سَوَاءٌ صَرَّحَ بِالتَّأْبِيدِ أَوْ أَطْلَقَ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ كَانَ الشَّارِحُ اقْتَصَرَ عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ.
قَوْلُهُ: (تَأْقِيتُ الْوَقْفِ) يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِيمَا لَوْ قَالَ وَقَفْته عَلَى الْفُقَرَاءِ أَلْفَ سَنَةٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَبْعُدُ بَقَاءُ الدُّنْيَا إلَيْهِ أَنَّهُ يَصِحُّ، وَهُوَ يُوَافِقُ مَا قَالَهُ الرُّويَانِيُّ مِنْ عَدَمِ تَأْجِيلِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ بِذَلِكَ وَلَكِنْ يَكُونُ الْمُرَادُ تَأْبِيدَ الْوَقْفِ بِمُدَّةِ بَقَاءِ الدُّنْيَا إلَيْهِ فَلَا يَرِدُ إطْلَاقُهُمْ اهـ إسْعَادٌ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقَوْلُهُ " مِنْ عَدَمِ تَأْجِيلِ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ بِذَلِكَ " أَيْ بِهَذِهِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ الطَّوِيلَةِ بَلْ يَكُونُ حَالًّا، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: اشْتَرَيْتُ مِنْك هَذَا الْعَبْدَ مَثَلًا بِمِائَةِ دِينَارٍ فِي ذِمَّتِي مُؤَجَّلَةٍ بِأَلْفِ سَنَةٍ فَيَلْغُو هَذَا الْأَجَلُ وَيَكُونُ الثَّمَنُ حَالًّا وَيَصِحُّ الْبَيْعُ.
قَوْلُهُ: (بِمَصْرِفٍ) أَيْ آخَرَ.
قَوْلُهُ: (فِيمَا لَا يُضَاهِي) أَيْ يُشَابِهُ التَّحْرِيرَ أَيْ الْإِعْتَاقَ وَوَجْهُ عَدَمِ الْمُشَابَهَةِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَنَّ الْعِتْقَ فِيهِ إزَالَةٌ لَا إلَى مَالِكٍ وَوَقْفُ غَيْرِ الْمَسْجِدِ فِيهِ إزَالَةُ مَالِكٍ، وَهُوَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ الْمُضَاهَاةِ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ إزَالَةُ مِلْكٍ لَا إلَى مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا مَا يُضَاهِيهِ) أَيْ فِي انْفِكَاكِهِ عَنْ اخْتِصَاصِ الْآدَمِيِّينَ س ل فَلِقُوَّةِ جَانِبِ الْمَسْجِدِ وَمَا بَعْدَهُ بِالشَّبَهِ الْمَذْكُورِ أُلْغِيَ التَّأْقِيتُ فِيهَا

وَهُوَ لَا يُفْسِدُ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ وَلَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي أَوْ عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ نَسْلِهِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَدُومُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ مَنْ يَصْرِفُ إلَيْهِ بَعْدَهُمْ صَحَّ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْوَقْفِ الْقُرْبَةُ وَالدَّوَامُ، فَإِذَا بَيَّنَ مَصْرِفَهُ ابْتِدَاءً سَهُلَ إدَامَتُهُ عَلَى سَبِيلِ الْخَيْرِ وَيُسَمَّى مُنْقَطِعَ الْآخِرِ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْمَذْكُورُ صُرِفَ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ يَوْمَ انْقِرَاضِ الْمَذْكُورِ وَيَخْتَصُّ الْمَصْرِفُ وُجُوبًا بِفُقَرَاءِ قَرَابَةِ الرَّحِمِ لَا الْإِرْثِ فِي الْأَصَحِّ، فَيُقَدَّمُ ابْنُ بِنْتٍ عَلَى ابْنِ عَمٍّ، وَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ كَوَقَفْتُهُ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بَاطِلٌ لِعَدَمِ إمْكَانِ الصَّرْفِ إلَيْهِ فِي الْحَالِ؛ فَكَذَا مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ كَوَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ صَحَّ لِوُجُودِ الْمَصْرِفِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ، ثُمَّ بَعْدَ أَوْلَادِهِ يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ.

وَالشَّرْطُ السَّادِسُ: بَيَانُ الْمَصْرِفِ فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَقَفْت كَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ مَصْرِفَهُ لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ ذِكْرِ مَصْرِفِهِ، وَلَوْ ذَكَرَ الْمَصْرِفَ إجْمَالًا كَقَوْلِهِ: وَقَفْت هَذَا عَلَى مَسْجِدِ كَذَا كَفَى وَصُرِفَ إلَى مَصَالِحِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.

[حاشية البجيرمي]

وَصَحَّتْ مُؤَبَّدَةً كَالْعِتْقِ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: أَعْتَقْت عَبْدِي سَنَةً فَإِنَّ الْعِتْقَ يَصِحُّ وَيَكُونُ مُؤَبَّدًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: وَقَفْته عَلَى زَيْدٍ سَنَةً وَمَعْنَى مُضَاهَاةِ التَّحْرِيرِ أَنَّ مَنْفَعَتَهُ لَا يَمْلِكُهَا أَحَدٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَفَ دَارِهِ عَلَى زَيْدٍ سَنَةً مَثَلًا فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِمَنْفَعَتِهَا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ ذَكَرَ فِيهِ شَرْطًا فَاسِدًا) كَمَا لَوْ قَالَ وَقَفْت هَذَا الْمَكَانَ مَسْجِدًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُصَلَّى فِيهِ أَوْ لَا يُعْتَكَفَ فِيهِ أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَبِيتَ فِيهِ النِّسَاءُ الْحُيَّضُ أَوْ الْجُنُبُ مِنْ الرِّجَالِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ لَا يُفْسِدُ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَفْسُدُ، فَهُوَ فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ لِمَا قَبْلَهُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي إلَخْ) شُرُوعٌ فِي الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ الْآخِرِ.
وَحَاصِلُ الْوَقْفِ أَنَّهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: إمَّا مَقْطُوعُ الْأَوَّلِ كَالْوَقْفِ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لَهُ، وَإِمَّا مَقْطُوعُ الْآخِرِ كَقَوْلِهِ عَلَى أَوْلَادِي، وَإِمَّا مَقْطُوعُ الْوَسَطِ كَقَوْلِهِ عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ رَجُلٍ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ.
فَيَصِحُّ فِيمَا عَدَا مَقْطُوعِ الْأَوَّلِ وَيُصْرَفُ فِي مُنْقَطِعِ الْآخِرِ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الْوَاقِفِ وَفِي مُنْقَطِعِ الْوَسَطِ لِلْفُقَرَاءِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (صُرِفَ إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَخْ) أَيْ إنْ وُجِدُوا بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ وَإِلَّا فَإِلَى الْأَهَمِّ مِنْ الْمَسَاكِينِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
اهـ. ق ل. قَالَ الَأُجْهُورِيُّ: وَمِثْلُهُ مَا لَوْ قَالَ وَقَفْت عَلَى زَيْدٍ نِصْفَ هَذَا وَعَلَى عَمْرٍو نِصْفَهُ الْآخَرَ ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمَا عَلَى الْفُقَرَاءِ فَمَاتَتْ أَحَدُهُمَا صُرِفَ نَصِيبُهُ لِلْأَقْرَبِ لِلْوَاقِفِ عَلَى الْأَقْرَبِ مِنْ احْتِمَالَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا وَقْفَانِ، وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ، فَلَوْ قَالَ: وَقَفْته عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَخَذَ الْآخَرُ الْجَمِيعَ أَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفَهُ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَالْأَقْرَبُ مِنْ احْتِمَالَيْنِ أَنَّهُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا يَنْتَقِلُ لِلْفُقَرَاءِ.
اهـ. شَرْحِ الرَّوْضِ.
قُلْت: فِي هَذَا التَّقْرِيرِ يَصِيرُ لِلْمَسْأَلَةِ أَحْوَالٌ ثَلَاثَةٌ: إذَا وَقَفَ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ وَمَاتَ أَحَدُهُمَا يَنْتَقِلُ لِلْآخَرِ، وَفِي وَقْفِ النِّصْفِ لِزَيْدٍ وَالنِّصْفِ لِعَمْرٍو ثُمَّ قَالَ مَنْ بَعْدَهُمَا لِلْفُقَرَاءِ يَنْتَقِلُ لِلْأَقْرَبِ لِلْوَاقِفِ حِصَّةُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا لَا لِلْآخَرِ وَلَا لِلْفُقَرَاءِ، وَالثَّالِثَةُ: إذَا وَقَفَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفَهُ ثُمَّ قَالَ عَلَى الْفُقَرَاءِ يَنْتَقِلُ لِلْفُقَرَاءِ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّهُ وَقْفٌ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (أَقْرَبِ النَّاسِ) فَإِذَا انْقَرَضَ الْأَقْرَبُ فَالْمَنْصُوصُ أَنَّ الْإِمَامَ يَجْعَلُ الْوَقْفَ حَبْسًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ تُصْرَفُ غَلَّتُهُ فِي مَصَالِحِهِمْ، وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ وَفِي الْفَتَاوَى لِابْنِ الصَّبَّاغِ: تُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، دِمْيَاطِيٌّ فِي شَرْحِهِ.
قَوْلُهُ: (فَيُقَدَّمُ ابْنُ بِنْتٍ) أَيْ وَلَا يُفَضَّلُ الذَّكَرُ عَلَى الْأَوْجَهِ،.
اهـ. تُحْفَةٌ.
قَوْلُهُ: (لِوُجُودِ الْمَصْرِفِ فِي الْحَالِ) وَهُمْ الْأَوْلَادُ وَالْمَآلِ وَهُمْ الْفُقَرَاءُ.
قَوْلُهُ: (يُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُتَوَسِّطُ مُعَيَّنًا، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ مُعَيَّنًا كَالدَّابَّةِ فَمَصْرِفُهُ مُدَّةَ وُجُودِهَا كَمُنْقَطِعِ الْآخِرِ ق ل. وَقَوْلُهُ " كَالدَّابَّةِ " أَيْ أَوْ الْعَبْدِ نَفْسِهِ.
وَقَوْلُهُ " مُدَّةَ وُجُودِهَا " أَيْ مُدَّةَ حَيَاةِ الدَّابَّةِ.

قَوْلُهُ: (بَيَانُ الْمَصْرِفِ) هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِ الْمَتْنِ " أَصْلٍ مَوْجُودٍ إلَخْ "؛ لِأَنَّ فِيهِ بَيَانَ الْمَصْرِفِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَذْكُرْ مَصْرِفَهُ لَمْ يَصِحَّ) أَيْ وَإِنْ أَضَافَهُ لِلَّهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ.
وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمَصْرِفَ كَأَنْ قَالَ: أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي وَأَطْلَقَ فَإِنَّهَا تَصِحُّ وَيُصْرَفُ لِلْفُقَرَاءِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْوَصِيَّةِ أَنْ تَكُونَ لِلْفُقَرَاءِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ (فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ) أَيْ أَصْلًا أَوْ إعْطَاءً إلَّا بِالْمَوْتِ.
اهـ. م د. وَقَوْلُهُ " أَصْلًا " كَأَنْ يَقُولَ: وَقَفْتُ هَذَا عَلَى أَوْلَادِي بَعْدَ مَوْتِي وَقَوْلُهُ " أَوْ

وَالشَّرْطُ السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُنَجَّزًا فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ كَقَوْلِهِ: إذَا جَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ وَقَفْت كَذَا عَلَى كَذَا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَقْتَضِي نَقْلَ الْمِلْكِ فِي الْحَالِ لَمْ يُبْنَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ، فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَمَحَلُّ الْبُطْلَانِ فِيمَا لَا يُضَاهِي التَّحْرِيرَ.
أَمَّا مَا يُضَاهِيهِ كَجَعَلْتُهُ مَسْجِدًا إذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَالظَّاهِرُ صِحَّتُهُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ؛ وَمَحَلُّهُ أَيْضًا مَا لَمْ يُعَلِّقْهُ بِالْمَوْتِ، فَإِنْ عَلَّقَهُ بِهِ كَقَوْلِهِ وَقَفْت دَارِي بَعْدَ مَوْتِي عَلَى الْفُقَرَاءِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ قَالَ الشَّيْخَانِ وَكَأَنَّهُ وَصِيَّةٌ لِقَوْلِ الْقَفَّالِ إنَّهُ لَوْ عَرَضَهَا لِلْبَيْعِ كَانَ رُجُوعًا، وَلَوْ نَجَّزَ الْوَقْفَ وَعَلَّقَ الْإِعْطَاءَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ جَازَ نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيّ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ.
وَلَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى مَنْ شِئْت أَوْ فِيمَا شِئْت وَكَانَ قَدْ عَيَّنَ لَهُ مَا شَاءَ أَوْ مَنْ يَشَاءُ عِنْدَ وَقْفِهِ صَحَّ وَأُخِذَ بِبَيَانِهِ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ لِلْجَهَالَةِ.
وَلَوْ قَالَ: وَقَفْته فِيمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى.

وَالشَّرْطُ الثَّامِنُ: الْإِلْزَامُ، فَلَوْ قَالَ: وَقَفْت هَذَا عَلَى كَذَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِنَفْسِهِ فِي إبْقَاءِ وُقْفِهِ أَوْ الرُّجُوعِ فِيهِ مَتَى شَاءَ، أَوْ شَرَطَهُ لِغَيْرِهِ أَوْ شَرَطَ عَوْدَهُ إلَيْهِ بِوَجْهِ مَا كَانَ شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ أَوْ شَرَطَ أَنْ يَدْخُلَ مَنْ شَاءَ وَيَخْرُجُ مَنْ شَاءَ لَمْ يَصِحَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ كَالْعِتْقِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ بُطْلَانِ الْعِتْقِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
وَأَفْتَى الْقَفَّالُ بِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَلَبَةِ وَالسِّرَايَةِ.

(وَهُوَ) أَيْ الْوَقْفُ (عَلَى مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ) سَوَاءٌ أَقُلْنَا الْمِلْكُ لَهُ أَمْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، أَمْ يَنْتَقِلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى

[حاشية البجيرمي]

إعْطَاءٍ " كَأَنْ يَقُولَ: وَقَفْتُ هَذَا عَلَى أَوْلَادِي الْآنَ وَلَا يُصْرَفُ لَهُمْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِي.

قَوْلُهُ: (نَقْلَ الْمِلْكِ) أَيْ إزَالَةِ الْمِلْكِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُبْنَ عَلَى التَّغْلِيبِ) أَيْ الْقَهْرُ مَيْدَانِيٌّ، أَيْ كَمَا فِي الْعِتْقِ فَإِنَّهُ بُنِيَ عَلَى الْقَهْرِ بِسَبَبِ أَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ بَعْضُهُ قَهْرًا إذَا اشْتَرَاهُ وَقَوْلُهُ " وَالسِّرَايَةِ " كَمَا فِي الْعِتْقِ أَيْضًا فِيمَا إذَا أَعْتَقَ نِصْفَ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ يَسْرِي الْعِتْقُ لِلنِّصْفِ الثَّانِي بِخِلَافِ الْوَقْفِ فِيهِمَا، فَإِذَا وَقَفَ نِصْفَ دَارِهِ لَا يَسْرِي لِلْبَاقِي.
وَهَذَا إشَارَةٌ لِقَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَا بُنِيَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ قَبِلَ التَّعْلِيقَ كَالْخُلْعِ فَإِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ بِشَوْبِ جَعَالَةٍ فَيَقْبَلُ التَّعْلِيقَ، فَلَوْ قَالَ: إنْ أَعْطَيْتِنِي كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ صَحَّ التَّعْلِيقُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْلِيبَ الْجِعَالَةِ، وَهِيَ تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ، وَكَذَا الطَّلَاقُ يَقْبَلُ السِّرَايَةَ فَيَقْبَلُ التَّعْلِيقَ أَيْضًا بِخِلَافِ الْوَقْفِ م د. قَوْلُهُ: (فَالظَّاهِرُ صِحَّتُهُ) وَلَا يَكُونُ مَسْجِدًا إلَّا إذَا جَاءَ رَمَضَانُ زي.
قَوْلُهُ: (وَكَأَنَّهُ وَصِيَّةٌ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ: وَالْحَاصِلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْوَصَايَا فِي اعْتِبَارِهِ مِنْ الثُّلُثِ وَفِي جَوَازِ الرُّجُوعِ عَنْهُ وَفِي عَدَمِ صَرْفِهِ لِلْوَارِثِ، وَحُكْمُ الْأَوْقَافِ فِي تَأْبِيدِهِ وَعَدَمِ بَيْعِهِ وَهِبَتِهِ وَإِرْثِهِ.
اهـ. رَشِيدِيٌّ عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَعَلَّقَ الْإِعْطَاءَ إلَخْ) اُسْتُشْكِلَ هَذَا بِأَنَّ مَنَافِعَ الْمَوْقُوفِ لِلْوَاقِفِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَمَا الْفَائِدَةُ لِلْفُقَرَاءِ فِي الْوَقْفِ؟ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْفَائِدَةَ فِيهِ لَهُمْ انْتِقَالُ الْوَقْفِ إلَيْهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهَذَا يُشْبِهُ الْحِيلَةَ فِي الْوَقْفِ عَلَى النَّفْسِ؛ لِأَنَّ الْفَوَائِدَ فِي هَذَا تَكُونُ لَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَهُوَ يُشْبِهُهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ فِيمَا شِئْت) أَيْ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ.
" وَفِي " بِمَعْنَى " عَلَى " وَالْأَوَّلُ الْعَاقِلُ وَالثَّانِي لِغَيْرِ الْعَاقِلِ كَالْمَسَاجِدِ.
وَقَوْلُهُ " وَكَانَ قَدْ عَيَّنَ إلَخْ " لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوَّشٌ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ) أَيْ الْوَاقِفُ، " وَكَانَ " زَائِدَةٌ، وَقَوْلُهُ " لَهُ " أَيْ لِلْوَقْفِ؛ فَالْمُنَاسِبُ وَقَدْ عَيَّنَ إلَخْ بِحَذْفِ كَانَ؛ لِأَنَّهَا تُوهِمُ أَنَّهُ عَيَّنَ قَبْلَ الْوَقْفِ مَعَ أَنَّ التَّعْيِينَ فِي حَالِ الْوَقْفِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَنْ يَشَاءُ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَوْ مَنْ شَاءَهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ وَلَا يُعَيِّنُ فَلَا يَصِحُّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَى مَنْ يَشَاء زَيْدٌ وَيَعْمَلُ بِبَيَانِ زَيْدٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.

قَوْلُهُ: (بِشَرْطِ الْخِيَارِ) أَيْ إنْ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّتِهِ مَنْ يَرَاهُ وَإِلَّا فَيَصِحُّ جَزْمًا.
اهـ. ز ي. قَوْلُهُ: (مِنْ بُطْلَانِ الْعِتْقِ) أَيْ إذَا أَعْتَقَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ أَوْ الرُّجُوعِ أَوْ رِضَا فُلَانٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَالْمُعْتَمَدُ نُفُوذُهُ لِقُوَّةِ الْعِتْقِ دُونَ الْوَقْفِ، فَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُ عَبْدِي وَأَبِيعُهُ مَتَى شِئْتُ بَطَلَ عَلَى قَوْلٍ، وَالرَّاجِحُ الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيرَ لَا يَتَأَثَّرُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ كَمَا مَرَّ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَلَبَةِ وَالسِّرَايَةِ) وَلِقُوَّةِ الْعِتْقِ، فَلَا يَتَأَثَّرُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ كَمَا مَرَّ فِي التَّعْلِيقِ.

أَنَّهُ يَنْفَكُّ عَنْ اخْتِصَاصِ الْآدَمِيِّينَ كَمَا هُوَ الْأَظْهَرُ، إذْ مَبْنَى الْوَقْفِ عَلَى اتِّبَاعِ شَرْطِ الْوَاقِفِ (مِنْ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ وَتَسْوِيَةٍ وَتَفْصِيلٍ) وَجَمْعٍ وَتَرْتِيبٍ وَإِدْخَالِ مَنْ شَاءَ بِصِفَةٍ وَإِخْرَاجِهِ بِصِفَةٍ مِثَالُ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي بِشَرْطِ أَنْ يُقَدَّمَ الْأَوْرَعُ مِنْهُمْ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كَانَ لِلْبَاقِينَ.
وَمِثَالُ التَّسْوِيَةِ كَقَوْلِهِ: بِشَرْطِ أَنْ يُصْرَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةُ دِرْهَمٍ، وَمِثَالُ التَّفْضِيلِ كَقَوْلِهِ: بِشَرْطِ أَنْ يُصْرَفَ لِزَيْدٍ مِائَةٌ وَلِعَمْرٍو خَمْسُونَ.
وَمِثَالُ الْجَمْعِ خَاصَّةً كَوَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ فِي أَصْلِ الْإِعْطَاءِ وَالْمِقْدَارِ بَيْنَ الْكُلِّ، وَهُوَ جَمِيعُ أَفْرَادِ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِهِمْ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ لَا لِلتَّرْتِيبِ كَمَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، وَنُقِلَ عَنْ إجْمَاعِ النُّحَاةِ وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ مَا تَنَاسَلُوا أَوْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ إذْ الْمَزِيدُ لِلتَّعْمِيمِ فِي النَّسْلِ، وَمِثَالُ التَّرْتِيبِ خَاصَّةً كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الْوَقْفُ مِنْ حَيْثُ صَرْفُهُ غَلَّتَهُ أَوْ اسْتِحْقَاقٌ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَا شَرَطَ إلَخْ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ مَبْنِيٌّ عَلَى اتِّبَاعِ شَرْطِ الْوَاقِفِ، أَوْ مَوْصُولَةٌ أَيْ اتِّبَاعِ مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ؛ فَلَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ أَوْ اخْتِصَاصَ نَحْوِ مَسْجِدٍ بِطَائِفَةٍ اُتُّبِعَ شَرْطُهُ رِعَايَةً لِغَرَضِهِ أَيْ فَشَرْطُهُ كَنَصِّ الشَّارِعِ فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِخِلَافِهِ.
قَوْلُهُ: (الْمِلْكُ لَهُ) أَيْ لِلْوَاقِفِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَزَالَ الْمِلْكَ عَنْ فُؤَادِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَوْلُهُ " أَمْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ " وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالْقَوْلَانِ ضَعِيفَانِ فِي مَذْهَبِنَا.
قَوْلُهُ: (بِمَعْنَى أَنَّهُ يَنْفَكُّ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِمَعْنَى الِانْتِقَالِ إلَيْهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَكُلُّ الْمَوْجُودَاتِ بِأَسْرِهَا مِلْكٌ لَهُ تَعَالَى فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَغَيْرِهِ وَإِنْ سُمِّيَ مَالِكًا فَإِنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ التَّوَسُّعِ وَالْمَجَازِ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَمَا هُوَ) أَيْ قَوْلُهُ أَمْ يَنْتَقِلُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (إذْ مَبْنَى الْوَقْفِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَهُوَ عَلَى مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُعَلِّلَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ شَرَطَ الْوَاقِفُ كَنَصِّ الشَّارِعِ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ وَعَلَّلَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بِقَوْلِهِ رِعَايَةً لِغَرَضِهِ وَعَمَلًا بِشَرْطِهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ) بَيَانٌ لِمَا وَأَحَدُهُمَا يُغْنِي عَنْ الْآخَرِ، فَهُوَ مِنْ عَطْفِ أَحَدِ الْمُتَلَازِمِينَ عَلَى الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (وَتَرْتِيبٍ) قَالَ ق ل: لَعَلَّهُ مُسْتَدْرَكٌ مَعَ قَوْلِهِ " تَقْدِيمٍ " اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا اسْتِدْرَاكَ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ لَا يُجَامِعُ التَّقْدِيمَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ إذْ لَا يُجَامِعُهُ فِيمَا لَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي بِشَرْطِ أَنْ يُقَدَّمَ الْأَوْرَعُ مِنْهُمْ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كَانَ لِلْبَاقِينَ؛ لِأَنَّ هَذَا وَقْفُ جَمْعٍ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الْوَاقِفِ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ كَانَ لِلْبَاقِينَ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ وَقْفُ جَمْعٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ قَوْلُ الْوَاقِفِ بِشَرْطِ أَنْ يُقَدَّمَ الْأَوْرَعُ فَالْأَوْرَعُ أَيْ يُقَدَّمُ بِكِفَايَتِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " فَإِنْ فَضَلَ إلَخْ " فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَإِخْرَاجِهِ بِصِفَةٍ) الْمُرَادُ بِهَا الصِّفَةُ السَّابِقَةُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَإِخْرَاجُهُ بِهَا؛ فَالْأَوْلَى الْإِضْمَارُ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الْوَاحِدَةَ لِلْإِدْخَالِ وَالْإِخْرَاجِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ " وَإِخْرَاجِهِ " مِنْ عَطْفِ اللَّازِمِ وَلَا يُرَدُّ عَلَيْنَا أَنَّ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً تَكُونُ غَيْرَ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبِيٌّ فَيَكُونُ هَذَا مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (الْأَوْرَعُ) هُوَ مَنْ يَتَّقِي الشُّبُهَاتِ وَإِنْ زَادَ الْحَلَالُ عَلَى كِفَايَتِهِ، وَأَمَّا الزَّاهِدُ فَهُوَ مَنْ تَرَكَ الزَّائِدَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ مِنْ الْحَلَالِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ) أَيْ عَنْ كِفَايَتِهِ.
وَكُلُّ هَذَا مِنْ عِبَارَةِ الْوَاقِفِ.
فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ ق ل بِقَوْلِهِ فَإِنْ فَضَلَ إلَخْ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ إذْ لَمْ يُجْعَلْ لِلْمُقَدَّمِ مِقْدَارٌ يُتَصَوَّرُ فِيهِ فَضْلٌ أَوْ عَدَمُهُ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَمِثَالُ التَّسْوِيَةِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِدُخُولِهِ فِي الْإِطْلَاقِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ مَا بَعْدَهُ ق ل. فَهُوَ مُكَرَّرٌ مَعَ الْجَمْعِ؛ فَإِنَّ فِيهِ تَسْوِيَةً كَمَا يَأْتِي؛ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ التَّسْوِيَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ شَرْطِ الْوَاقِفِ هُنَا وَمَا يَأْتِي مِنْ الْإِطْلَاقِ وَجَوْهَرِ اللَّفْظِ فَلَا تَكْرَارَ.
قَوْلُهُ: (وَمِثَالُ الْجَمْعِ خَاصَّةً) أَيْ بِدُونِ التَّرْتِيبِ.
قَوْلُهُ: (يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ) ؛ لِأَنَّ " الْوَاوَ " حَرْفٌ مُشْتَرَكٌ.
قَوْلُهُ: (ذُكُورِهِمْ) أَيْ وَخَنَاثَاهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَنُقِلَ) أَيْ كَوْنُ الْوَاوِ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ إلَخْ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُقَالَ: وَإِنْ سَفَلُوا، وَقِيلَ: إنَّهُ لِلتَّرْتِيبِ بَيْنَ الْبَطْنِيِّ، وَجَرَى عَلَيْهِ السُّبْكِيُّ.
وَعِبَارَةُ م ر فِي شَرْحِهِ: وَكَذَا يُسَوَّى بَيْنَ الْجَمِيعِ

ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي، أَوْ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، أَوْ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، أَوْ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ لِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ.
وَمِثَالُ الْجَمْعِ وَالتَّرْتِيبِ كَوَقَفْتُهُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ مَا تَنَاسَلُوا.
فَتَكُونُ الْأَوْلَادُ وَأَوْلَادُ الْأَوْلَادِ مُشْتَرَكِينَ وَبَعْدَهُمْ يَكُونُونَ مُرَتَّبِينَ، وَحَيْثُ وُجِدَ لَفْظُ التَّرْتِيبِ فَلَا يُصْرَفُ لِلْبَطْنِ الثَّانِي شَيْءٌ مَا بَقِيَ مِنْ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ أَحَدٌ.
وَهَكَذَا فِي جَمِيعِ الْبُطُونِ لَا يُصْرَفُ إلَى بَطْنٍ وَهُنَاكَ مِنْ بَطْنٍ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَقُولَ: مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ، فَيُتَّبَعُ شَرْطُهُ وَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْوَلَدِ حَقِيقَةً.
وَيَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَعَلَى النَّسْلِ وَعَلَى الْعَقِبِ وَعَلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ لِصِدْقِ اللَّفْظِ بِهِمْ، أَمَّا فِي الذُّرِّيَّةِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام: 84] إلَى أَنْ ذَكَرَ عِيسَى، وَلَيْسَ هُوَ إلَّا وَلَدُ الْبِنْتِ وَالنَّسْلُ

[حاشية البجيرمي]

لَوْ زَادَ مَا تَنَاسَلُوا أَوْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ أَوْ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ لِاقْتِضَائِهِ التَّشْرِيكَ؛ لِأَنَّهُ لِمَزِيدِ التَّعْمِيمِ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمِثْلُ مَا تَنَاسَلُوا بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ، وَقِيلَ: الْمَزِيدُ فِيهِ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ لِلتَّرْتِيبِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَطْنًا) نُصِبَ عَلَى الْحَالِ وَأَوْ مَانِعَةُ خُلُوٍّ، فَالصُّوَرُ ثَلَاثَةٌ: زِيَادَةُ مَا تَنَاسَلُوا فَقَطْ، زِيَادَةُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ فَقَطْ، زِيَادَةُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا، وَالْخِلَافُ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ دُونَ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (التَّرْتِيبِ خَاصَّةً) أَيْ بِدُونِ الْجَمْعِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى) وَيَشْمَلُ ذَلِكَ جَمِيعَ الطَّبَقَاتِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ) أَيْ لِلْوَاقِفِ، وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ وَقْفُ تَرْتِيبٍ أَوْ تَسْوِيَةٍ صُدِّقَ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ مِنْ نَاظِرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَإِلَّا حَلَفُوا وَقُسِّمَ بَيْنَهُمْ ق ل وَقَوْلُهُ " وَلَوْ اخْتَلَفُوا " أَيْ وَلَمْ يُعْلَمْ شَرْطُ الْوَاقِفِ.
قَوْلُهُ: (لِدَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى التَّرْتِيبِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَوْلَادِي) هَذَا هُوَ الْجَمْعُ.
وَقَوْلُهُ " فَإِذَا انْقَرَضُوا " هَذَا هُوَ التَّرْتِيبُ.
قَوْلُهُ: (لَفْظُ التَّرْتِيبِ) أَيْ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَطْنٍ) أَيْ هُنَاكَ أَحَدٌ مِنْ بَطْنٍ أَقْرَبَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَقُولَ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ " فَلَا يُصْرَفُ إلَخْ " وَقَوْلُهُ " مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ " كَأَنْ يَقُولَ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَخَلَفَ وَلَدًا أَوْ وَلَدَ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ، فَيَكُونُ مُخَصَّصًا لِمَا تُفِيدُهُ الصِّيغَةُ الْأُولَى مِنْ نَقْلِ نَصِيبِهِ إذَا مَاتَ لِبَاقِيهِمْ.
قَوْلُهُ: (فَيُتْبَعُ شَرْطُهُ) فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمْ اخْتَصَّ بِنَصِيبِهِ وَلَدُهُ،.
اهـ. رَوْضٌ مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ إلَخْ) فَإِنْ قُلْت: هَلَّا قِيلَ بِدُخُولِهِمْ عَلَى قَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، قُلْت: شَرْطُهُ إرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ لَهُ وَكَلَامُنَا هُنَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، شَرْحِ الرَّوْضِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ حُمِلَ عَلَى الْمَجَاز، فَلَوْ حَدَثَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ شَارَكَ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ وَلَا يَحْجُبُهُمْ.
اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ وَلَدَ الْوَالِدِ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّهُمْ لَا يَقَعُ عَلَيْهِمْ اسْمُ الْأَوْلَادِ حَقِيقَةً.
قَوْلُهُ: (لَا يَقَعُ عَلَيْهِ) أَيْ وَلَدِ الْوَلَدِ.
وَقَوْلُهُ " وَعَلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ " نَعَمْ إنْ قَيَّدَ بِالْهَاشِمِيِّينَ لَمْ تَدْخُلْ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ إلَّا إنْ كَانَ أَبُوهُمْ هَاشِمِيًّا ق ل. قَوْلُهُ: (وَيَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ إلَخْ) فَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي بِالْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَمْ يَزِدْ صُرِفَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ مِنْ أَوْلَادِ الظُّهُورِ، وَأَمَّا أَوْلَادُ الْبُطُونِ فَفِيهِ نَظَرٌ.
ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعَصْرِ أَفْتَى بِأَنَّهُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ مِنْ أَوْلَادِ الظُّهُورِ وَأَوْلَادِ الْبُطُونِ، فَعَرَضْتُ الْإِفْتَاءَ عَلَى شَيْخِنَا فَلَمْ يَرْتَضِ الْإِفْتَاءَ وَتَوَقَّفَ، ثُمَّ فَتْحَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَنْقُولِ الْمُؤَيِّدِ لِلْحَقِّ فِي عِمَادِ الرِّضَا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مَا نَصُّهُ: مَسْأَلَةٌ: وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَقَالَ: مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ أَوْ نَسْلٍ أَوْ عَقِبٍ صُرِفَ نَصِيبُهُ لِمَنْ يُوجَدُ مِنْ أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمِيرَاثِ فَمَاتَتْ امْرَأَةٌ عَنْ بِنْتٍ وَابْنِ بِنْتٍ أَفْتَى السُّبْكِيُّ بِأَنَّ النِّصْفَ لِلْبِنْتِ وَالنِّصْفَ الْآخَرَ لِابْنِ الْبِنْتِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ النَّسْلِ وَالْعَقِبِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ الْإِفْتَاءِ وَأَنَّهُ مِنْ التَّجَرُّؤِ عَلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى فَتَأَمَّلْ أج.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَقَعُ فِي كُتُبِ الْأَوْقَافِ وَمَنْ مَاتَ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى مَنْ فِي دَرَجَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُسْتَحِقِّينَ تَأْسِيسٌ لَا تَأْكِيدٌ فَيُحْمَلُ عَلَى وَصْفِهِ الْمَعْرُوفِ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ الِاتِّصَافِ حَقِيقَةً بِالِاسْتِحْقَاقِ مِنْ الْوَقْفِ حَالَ الْمَوْتِ مَنْ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ نَصِيبُهُ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْمَجَازِ أَيْضًا بِأَنْ يُرَادَ الِاسْتِحْقَاقُ وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا أَفَادَ السُّبْكِيُّ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ كَافٍ فِي إفَادَةِ هَذَا فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ إلْغَاءُ قَوْلِهِ الْمُسْتَحِقِّينَ وَأَنَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ وَالتَّأْسِيسِ خَيْرٌ مِنْهُ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ اهـ.

وَالْعَقِبُ فِي مَعْنَاهُ، إلَّا إنْ قَالَ: عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إلَيَّ مِنْهُمْ فَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ فِيمَا ذُكِرَ نَظَرًا لِلْقَيْدِ الْمَذْكُورِ.
هَذَا إنْ كَانَ الْوَاقِفُ رَجُلًا فَإِنْ كَانَ امْرَأَةً دَخَلُوا فِيهِ بِجَعْلِ الِانْتِسَابِ فِيهَا لُغَوِيًّا لَا شَرْعِيًّا، فَالتَّقْيِيدُ فِيهَا لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لَا لِلْإِخْرَاجِ، وَمِثَالُ الْإِدْخَالِ بِصِفَةٍ وَالْإِخْرَاجِ بِصِفَةٍ كَوَقَفْتُهُ عَلَى أَوْلَادِي الْأَرَامِلِ وَأَوْلَادِي الْفُقَرَاءِ، فَلَا تَدْخُلُ الْمُتَزَوِّجَةُ وَلَا يَدْخُلُ الْغَنِيُّ، فَلَوْ عَادَتْ أَرْمَلَةً أَوْ عَادَ فَقِيرًا عَادَ الِاسْتِحْقَاقُ، وَتَسْتَحِقُّ غَيْرُ الرَّجْعِيَّةِ فِي زَمَنِ عِدَّتِهَا كَمَا قَالَهُ فِي الزَّوَائِدِ تَفَقُّهًا.
تَتِمَّةٌ: الْمَوْلَى يَشْمَلُ الْأَعْلَى، وَهُوَ مَنْ لَهُ الْوَلَاءُ، وَالْأَسْفَلَ وَهُوَ مَنْ عَلَيْهِ الْوَلَاءُ، فَلَوْ اجْتَمَعَا اشْتَرَكَا لِتَنَاوُلِ اسْمِهِ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ) أَيْ نُوحٌ وَقِيلَ إبْرَاهِيمُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ اقْتَصَرَ الْجَلَالُ قَالَ الْخَازِنُ: وَهُوَ أَيْ الْأَوَّلُ اخْتِيَارُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي جَمَاعَةِ هَذِهِ الذُّرِّيَّةِ لُوطًا وَهُوَ ابْنُ أَخِي إبْرَاهِيمَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ اهـ بِحُرُوفِهِ وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِإِبْرَاهِيمَ؛ لِأَنَّ مَسَاقَ النَّظْمِ الْكَرِيمِ لِبَيَانِ شُؤُونِهِ الْعَظِيمَةِ مِنْ إتْيَانِ الْحُجَّةِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَهِبَةِ الْأَوْلَادِ وَإِبْقَاءِ هَذِهِ الْكَرَامَةِ فِي نَسْلِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَلَا يُرَدُّ عَلَى هَذَا الْقِيلِ لُوطٌ الَّذِي هُوَ خَارِجٌ عَنْ ذُرِّيَّةِ إبْرَاهِيمَ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ الْعَمَّ أَبًا كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [البقرة: 133] ؛ لِأَنَّ إسْمَاعِيلَ عَمُّ يَعْقُوبَ اهـ. وَقَالَ زَكَرِيَّا عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ: وَلَمَّا كَانَ لُوطٌ ابْنَ أَخِيهِ آمَنَ بِهِ وَهَاجَرَ مَعَهُ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ الذُّرِّيَّةِ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ اهـ قَالَ أج: وَيَدْخُلُ فِي الذُّرِّيَّةِ الْحَمْلُ وَيُصْرَفُ لَهُ زَمَنَ اجْتِنَانِهِ إلَّا فِي أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ فَلَا يُصْرَفُ لَهُ إلَّا بَعْدَ انْفِصَالِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (فِي مَعْنَاهُ) أَيْ الذُّرِّيَّةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فِي مَعْنَاهَا.
قَوْلُهُ: (إلَّا إنْ قَالَ) رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ، وَهُوَ تَقْيِيدٌ لِكُلِّ مَا قَبْلَهُ مِنْ الذُّرِّيَّةِ وَمَا بَعْدَهُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (نَظَرًا لِلْقَيْدِ الْمَذْكُورِ) ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يُنْسَبُونَ لِآبَائِهِمْ قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: 5] وَأَمَّا خَبَرُ «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» فِي حَقِّ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَجَوَابُهُ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُنْسَبَ أَوْلَادُ بَنَاتِهِ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَالتَّقْيِيدُ فِيهَا لِبَيَانِ الْوَاقِعِ) أَيْ فَتَقْيِيدُ الْأُمِّ بِقَوْلِهَا عَلَى مَنْ يُنْسَبُ إلَيَّ مِنْهُمْ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لَا لِلْإِخْرَاجِ؛ لِأَنَّ كُلَّ فُرُوعِهَا يُنْسَبُونَ إلَيْهَا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (لَا لِلْإِخْرَاجِ) أَيْ؛ لِأَنَّ أَصْلَ اللُّغَةِ أَنْ يُنْسَبَ الْوَلَدُ إلَى مَنْ وَلَدَهُ أَوْ وَلَدَ مَنْ وَلَدَهُ اهـ. قَوْلُهُ: (وَمِثَالُ الْإِدْخَالِ بِصِفَةٍ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ أَحَدَهُمَا أَيْ الْإِدْخَالَ وَالْإِخْرَاجَ مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَغْنًى عَنْ الْآخَرِ فَتَأَمَّلْ ق ل. وَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ مَا دَامَ فَقِيرًا فَاسْتَغْنَى ثُمَّ افْتَقَرَ لَا يَسْتَحِقُّ لِانْقِطَاعِ الدَّيْمُومَةِ، م ر وَكَذَا إذَا وَقَفَ عَلَى بِنْتِهِ مَا دَامَتْ عَزَبَةً فَتَزَوَّجَتْ ثُمَّ طَلُقَتْ فَإِنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ لِمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (وَالْإِخْرَاجُ بِصِفَةٍ) أَيْ بِتِلْكَ الصِّفَةِ بِعَيْنِهَا، عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ مِنْ أَنَّ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ غَيْرًا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمِثَالُ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ إلَّا صِفَةً وَاحِدَةً، فَالْأَرَامِلُ وَالْفُقَرَاءُ يَدْخُلُ كُلٌّ مِنْهُمَا وَيَخْرُجُ، وَحِينَئِذٍ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَالْإِخْرَاجُ بِهَا.
قَوْلُهُ: (عَادَ الِاسْتِحْقَاقُ) مَحَلُّ الْعَوْدِ إذَا لَمْ يَقُلْ فِي وَقْفِهِ مَا دَامَ فَقِيرًا، فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فَاسْتَغْنَى وَاحِدٌ ثُمَّ افْتَقَرَ لَا يَعُودُ الِاسْتِحْقَاقُ لِانْقِطَاعِ الدَّيْمُومَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَهَذَا مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ مُطْلَقًا حَالَ فَقْرِهِ فَلَا تُقْبَلُ الدَّيْمُومَةُ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَتَسْتَحِقُّ غَيْرُ الرَّجْعِيَّةِ إلَخْ) أَيْ؛ لِأَنَّهَا أَيْ الرَّجْعِيَّةَ لَيْسَتْ أَرْمَلَةً؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ حُكْمًا؛ وَلَوْ قَالَ لَا تَدْخُلُ الرَّجْعِيَّةُ لَكَانَ وَاضِحًا ق ل بِزِيَادَةٍ، وَعِبَارَةُ أج وَتَسْتَحِقُّ غَيْرُ الرَّجْعِيَّةِ أَيْ وَهِيَ الْبَائِنُ، وَأَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَلَا لِوُجُوبِ مُؤْنَتِهَا عَلَى زَوْجِهَا وَلِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ إلَّا بِبَيْنُونَتِهَا.
وَقَوْلُهُ " فِي زَمَنِ عِدَّتِهَا " لَيْسَ بِقَيْدٍ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي تُخَالِفُ فِيهِ الْبَائِنُ الرَّجْعِيَّةَ.
قَوْلُهُ: (الْمَوْلَى يَشْمَلُ الْأَعْلَى إلَخْ) إنْ قِيلَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذَكَرَ وَبَيْنَ الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ فِي عَدَمِ شُمُولِهِ لِلْأَسْفَلِ فِي ذَاكَ دُونَ هَذَا؟ أُجِيبُ بِأَنَّ الْمَدَارَ فِي ذَاكَ عَلَى الْأَقْرَبِيَّةِ وَالرَّحِمِ وَهُمَا فِي الْأَوْلَادِ أَقْوَى مِنْهُمَا فِي أَوْلَادِهِمْ، وَفِي هَذَا عَلَى الشَّرَفِ لِلْوَاقِفِ وَهُوَ كَمَا يَكُونُ فِي الْأَعْلَى يَكُونُ فِي الْأَسْفَلِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَسْفَلَ) فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، أَيْ بَيْنَ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الْمُعْتَمَدِ لِلْبَنْدَنِيجِيِّ، لَا عَلَى الْجِهَتَيْنِ مُنَاصَفَةً

لَهُمَا.
وَالصِّفَةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ يَلْحَقَانِ الْمُتَعَاطِفَاتِ بِحَرْفٍ مُشَرِّكٍ كَالْوَاوِ وَالْفَاءِ، وَثُمَّ إنْ لَمْ يَتَخَلَّلْهَا كَلَامٌ طَوِيلٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اشْتِرَاكُهُمَا فِي جَمِيعِ الْمُتَعَاطِفَاتِ سَوَاءٌ أَتَقَدَّمَا عَلَيْهَا أَمْ تَأَخَّرَا أَمْ تَوَسَّطَا كَوَقَفْتُ هَذَا عَلَى مُحْتَاجِي أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي، أَوْ عَلَى أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي الْمُحْتَاجِينَ، أَوْ عَلَى أَوْلَادِي الْمُحْتَاجِينَ وَأَحْفَادِي، أَوْ عَلَى مَنْ ذُكِرَ إلَّا مَنْ يَفْسُقُ مِنْهُمْ، وَالْحَاجَةُ هُنَا مُعْتَبَرَةٌ بِجَوَازِ أَخْذِ الزَّكَاةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْقَفَّالُ، فَإِنْ تَخَلَّلَ الْمُتَعَاطِفَاتُ مَا ذُكِرَ كَوَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَأَعْقَبَ، فَنَصِيبُهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَإِلَّا فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ.
فَإِذَا انْقَرَضُوا صُرِفَ إلَى إخْوَةِ الْمُحْتَاجِينَ أَوْ إلَّا مَنْ يَفْسُقُ مِنْهُمْ اخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمَعْطُوفِ الْأَخِيرِ، وَنَفَقَةُ الْمَوْقُوفِ وَمُؤْنَةُ

[حاشية البجيرمي]

لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهُمَا، نَعَمْ لَا يَدْخُلُ مُدَبَّرٌ وَلَا أُمُّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْمَوَالِي حَالَ الْوَقْفِ وَلَا حَالَ الْمَوْتِ اهـ شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (فَلَوْ اجْتَمَعَا اشْتَرَكَا) أَيْ سَوِيَّةً وَالذَّكَرُ كَالْأُنْثَى، فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا اخْتَصَّ بِهِ وَلَا يُشَارِكُهُ الْآخَرُ لَوْ وُجِدَ بَعْدُ ق ل. قَوْلُهُ: (وَالصِّفَةُ) الْمُرَادُ بِهَا هُنَا مَا يُفِيدُ قَيْدًا فِي غَيْرِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الصِّفَةُ النَّحْوِيَّةُ أَيْ خَاصَّةً شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (بِحَرْفِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الْمُتَعَاطِفَاتِ.
قَوْلُهُ: (كَالْوَاوِ إلَخْ) بَقِيَ لِلْكَافِّ حَتَّى، وَقَوْلُهُ " اشْتِرَاكُهُمَا " أَيْ اشْتِرَاكُ كُلٍّ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ.
قَوْلُهُ: (أَتَقَدَّمَا عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْمُتَعَاطِفَاتِ.
قَوْلُهُ: (أَمْ تَوَسَّطَا) خِلَافًا لِمَا اخْتَارَهُ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَعِبَارَتُهُ: أَمَّا الْمُتَوَسِّطَةُ نَحْوُ وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي الْمُحْتَاجِينَ وَأَوْلَادِهِمْ، قَالَ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ قَوْلِهِ: " لَا نَعْلَمُ فِيهَا نَقْلًا ": فَالْمُخْتَارُ اخْتِصَاصُهَا بِمَا وَلِيَتْهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: تَعُودُ إلَى مَا وَلِيَهَا أَيْضًا، بَلْ قِيلَ: إنَّ عَوْدَهَا إلَيْهِمَا أَيْضًا أَوْلَى مِمَّا إذَا تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِمَا، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اشْتِرَاكُ الْمُتَعَاطِفَاتِ، وَإِنَّمَا سَكَتَ كَغَيْرِهِ عَنْ الْمُتَوَسِّطِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلَهَا مُتَأَخِّرَةٌ وَلِمَا بَعْدَهَا مُتَقَدِّمَةٌ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ كَجٍّ كَمَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّيْخَيْنِ عَقِبَ مَا مَرَّ: وَكُلُّ مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَقَدِّمًا وَمُتَأَخِّرًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَوَسِّطًا اهـ. فَالصِّفَةُ كَذَلِكَ بَلْ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (إلَّا مَنْ يَفْسُقُ مِنْهُمْ) أَشَارَ بِذَلِكَ لِلِاسْتِثْنَاءِ، وَهَذَا مِثَالٌ لِتَأْخِيرِهِ، وَمِثَالُ تَقْدِيمِهِ: وَقَفْت هَذَا عَلَى غَيْرِ الْغَنِيِّ مِنْ أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، وَمِثْلُهُ فِي الرَّوْضِ بِوَقَفْتُ إلَّا عَلَى مَنْ فَسَقَ مِنْ أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، قَالَ م ر: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِسْقِ ارْتِكَابُ كَبِيرَةٍ أَوْ إصْرَارٌ عَلَى صَغِيرَةٍ أَوْ صَغَائِرَ وَلَمْ تَغْلِبُ طَاعَاتُهُ عَلَى مَعَاصِيهِ، وَبِالْعَدَالَةِ انْتِفَاءُ ذَلِكَ وَإِنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِخَرْمِ مُرُوءَتِهِ مَثَلًا اهـ. فَلَوْ تَابَ الْفَاسِقُ هَلْ يَسْتَحِقُّ مِنْ حِينِ التَّوْبَةِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ الِاسْتِحْقَاقُ أَخْذًا مِمَّا سَيَأْتِي فِيمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى بِنْتِهِ الْأَرْمَلَةِ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ ثُمَّ تَغَرَّبَتْ.
مِنْ أَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي أَنْ لَا تَحْتَاجَ أَلْبَتَّةَ يَعْنِي قَطْعًا، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ قِيَاسًا عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ فِيمَا لَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى وَلَدِي مَا دَامَ فَقِيرًا فَاسْتَغْنَى ثُمَّ افْتَقَرَ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الدَّيْمُومَةَ تَنْقَطِعُ بِالِاسْتِغْنَاءِ، وَلَيْسَ فِي عِبَارَةِ الْوَاقِفِ مَا يَشْمَلُ اسْتِحْقَاقَهُ بَعْدَ عَوْدِ الْفَقْرِ.
اهـ. عِ ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (مَا ذُكِرَ) أَيْ الْكَلَامُ الطَّوِيلُ، وَهُوَ فَاعِلٌ.
قَوْلُهُ: (بِالْمَعْطُوفِ الْأَخِيرِ) وَهُوَ الْإِخْوَةُ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ فِي الْمَعْنَى، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِخْوَتِي بَعْدَ انْقِرَاضِ أَوْلَادِي.
قَوْلُهُ: (وَنَفَقَةُ الْمَوْقُوفِ إلَخْ) وَلِأَهْلِ الْوَقْفِ الْمُهَايَأَةُ لَا قِسْمَتُهُ وَلَوْ إفْرَازًا وَلَا تَغْيِيرُهُ كَجَعْلِ الْبُسْتَانِ دَارًا، وَعَكْسُهُ مَا لَمْ يَشْتَرِطْ الْوَاقِفُ الْعَمَلَ بِالْمَصْلَحَةِ فَيَجُوزُ تَغْيِيرُهُ بِحَبْسِهَا.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَاَلَّذِي أَرَاهُ تَغْيِيرُهُ فِي غَيْرِهَا وَلَكِنْ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُغَيَّرُ مُسَمَّاهُ، وَأَنْ لَا يُزِيلَ شَيْئًا مِنْ عَيْنِهِ بَلْ يَنْقُلُهُ مِنْ جَانِبٍ إلَى آخَرَ، وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْوَقْفِ؛ وَعَلَيْهِ فَفَتْحُ شُبَّاكٍ الطَّبَرَسِيَّةِ فِي جِدَارِ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ لَا يَجُوزُ إذْ لَا مَصْلَحَةَ لِلْجَامِعِ الْأَزْهَرِ فِيهِ.
اهـ. شَرْحِ م ر. وَقَوْلُهُ " أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُغَيَّرُ مُسَمَّاهُ " مِنْهُ يُؤْخَذُ جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا: وَهِيَ أَنَّ مَطْهَرَةَ مَسْجِدِ مُجَاوِرٍ لِشَارِعٍ مِنْ شَوَارِعِ الْمُسْلِمِينَ آلَتْ لِلسُّقُوطِ وَلَيْسَ فِي الْوَقْفِ مَا تَعْمُرُ بِهِ فَطَلَبَ شَخْصٌ أَنْ يُعَمِّرَهَا مِنْ مَالِهِ بِشَرْطِ تَرْكِ قِطْعَةٍ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي كَانَتْ حَامِلَةً لِلْجِدَارِ لِتَتَّسِعَ الطَّرِيقُ فَظَهَرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ انْهِدَامِهَا وَعَدَمِ مَا

تَجْهِيزِهِ وَعِمَارَتِهِ مِنْ حَيْثُ شَرَطَهَا الْوَاقِفُ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَإِلَّا فَمِنْ مَنَافِعِ الْمَوْقُوفِ كَكَسْبِ الْعَبْدِ وَغَلَّةِ الْعَقَارِ، فَإِذَا انْقَطَعَتْ مَنَافِعُهُ فَالنَّفَقَةُ وَمُؤْنَةُ التَّجْهِيزِ لَا الْعِمَارَةِ فِي بَيْتِ الْمَالِ

وَإِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ نَظَرًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ اُتُّبِعَ شَرْطُهُ وَإِلَّا فَهُوَ لِلْقَاضِي وَشَرْطُ النَّاظِرِ عَدَالَةٌ وَكِفَايَةٌ، وَوَظِيفَتُهُ عِمَارَةٌ وَإِجَارَةٌ وَحِفْظُ أَصْلٍ وَغَلَّةٍ وَجَمْعُهَا وَقِسْمَتُهَا عَلَى

[حاشية البجيرمي]

تَعْمُرُ بِهِ هَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ أَوْ لَا؟ وَهُوَ الْجَوَازُ نَظَرًا لِلْمَصْلَحَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَقَوْلُهُ " إذْ لَا مَصْلَحَةَ لِلْجَامِعِ فِيهِ " يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا: وَهُوَ أَنَّ شَخْصًا أَرَادَ عِمَارَةَ مَسْجِدٍ خَرِبٍ بِآلَةٍ جَدِيدَةٍ غَيْرِ آلَتِهِ وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي جَعْلِ بَابِهِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ غَيْرِ الْمَحَلِّ الْأَوَّلِ لِكَوْنِهِ بِجِوَارِ مَنْ يَمْنَعُ الِانْتِفَاعَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُعْتَادِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لِلْجَامِعِ وَالْمُسْلِمِينَ.
اهـ. ع ش. فَرْعٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ حَادِثَةٍ، وَهِيَ أَنَّ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَأَلْفٍ وَجَدَ مِنْ رِيعِ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ دَرَاهِمَ لَهَا صُورَةٌ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا فَاشْتَرَى بِهَا جِرَايَاتٍ وَجُعِلَتْ خُبْزًا وَوُزِّعَتْ عَلَى فُقَرَائِهِ، هَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ أَمْ لَا؟ وَجَوَابُهُ عَدَمُ الْجَوَازِ أَخْذًا مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فَاحْفَظْهُ اهـ ع ش وَفِي فَتَاوَى ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: يَجُوزُ إيقَادُ الْيَسِيرِ فِي الْمَسْجِدِ الْخَالِي لَيْلًا تَعْظِيمًا لَهُ لَا نَهَارًا لِلسَّرَفِ وَالتَّشْبِيهِ بِالنَّصَارَى.
وَفِي الرَّوْضَةِ: يَحْرُمُ إسْرَاجُ الْخَالِي وَجُمِعَ بِحَمْلِ هَذَا عَلَى مَا إذَا أُسْرِجَ مِنْ وَقْفِ الْمَسْجِدَ أَوْ مِلْكِهِ، وَالْأَوَّلُ عَلَى مَا إذَا تَبَرَّعَ بِهِ مَنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ بَلْ الَّذِي يَتَّجِهُ الْجَمْعُ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ مَا إذَا تَوَقَّعَ وَلَوْ عَلَى نَذْرِ احْتِيَاجِ أَحَدٍ لِمَا فِيهِ مِنْ النُّورِ، وَالثَّانِي: عَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَوَقَّعْ ذَلِكَ.
اهـ. حَجّ.
وَقَوْلُهُ " وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ " أَيْ إذَا مَاتَ.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ نَظَرًا لِنَفْسِهِ إلَخْ) وَلَوْ شَرَطَ نَظَرَهُ حَالَ الْوَقْفِ لَمْ يَنْعَزِلْ بِنَفْسِهِ عَلَى الرَّاجِحِ، نَعَمْ يُقِيمُ الْحَاكِمُ مُتَكَلِّمًا غَيْرَ مُدَّةِ إعْرَاضِهِ فَلَوْ أَرَادَ الْعَوْدَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَوْلِيَةٍ جَدِيدَةٍ شَرْحِ م ر. وَقَوْلُهُ " لَمْ يَنْعَزِلْ بِنَفْسِهِ " وَمَنْ عَزَلَ لِنَفْسِهِ مَا لَوْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنْ النَّظَرِ لِغَيْرِهِ بِفَرَاغٍ لَهُ فَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ وَيَسْتَنِيبُ الْقَاضِي مَنْ يُبَاشِرُ عَنْهُ فِي الْوَظِيفَةِ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْوَاقِفَ إذَا شَرَطَ مِنْ الْوَظَائِفِ شَيْئًا لِأَحَدٍ حَالَ الْوَقْفِ اُتُّبِعَ، وَمِنْهُ مَا لَوْ شَرَطَ الْإِمَامَةَ أَوْ الْخَطَابَةَ لِشَخْصٍ وَلِذُرِّيَّتِهِ، ثُمَّ إنَّ الْمَشْرُوطَ لَهُ ذَلِكَ فَرَغَ عَنْهَا لِآخَرَ وَبَاشَرَ الْفُرُوعُ لَهُ فِيهِمَا مُدَّةً ثُمَّ مَاتَ الْفَارِغُ عَنْ أَوْلَادٍ وَهُوَ أَنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ يَنْتَقِلُ لِأَوْلَادِ الْفَارِغِ عَلَى مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ، ثُمَّ مَا اسْتَغَلَّهُ الْمَفْرُوغُ لَهُ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْعَمَلِ سِيَّمَا وَقَدْ قَرَّرَهُ الْحَاكِمُ؛ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ تَقْرِيرَهُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لِلنِّيَابَةِ عَنْ الْفَارِغِ ثَابِتٌ لَهُ مُدَّةَ حَيَاةِ الْفَارِغِ؛ وَكَذَلِكَ لَا رُجُوعَ لِلْمَفْرُوغِ لَهُ عَلَى تَرِكَةِ الْفَارِغِ بِمَا أَخَذَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْفَرَاغِ وَإِنْ انْتَقَلَتْ الْوَظِيفَةُ عَنْهُ لِأَوْلَادِ الْفَارِغِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَفَعَ الدَّرَاهِمَ فِي مُقَابَلَةِ إسْقَاطِ الْحَقِّ لَهُ وَقَدْ وُجِدَ وَقَرَّرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى مُقْتَضَاهُ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (اُتُّبِعَ شَرْطُهُ) وَمِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى أَنَّهُ يَقِفُ مَالَهُ عَلَى ذُكُورِ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ حَالَ صِحَّتِهِ قَاصِدًا بِذَلِكَ حِرْمَانَ إنَاثِهِمْ، وَالْأَوْجَهُ الصِّحَّةُ وَإِنْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ الْقَوْلُ بِبُطْلَانِ شَرْحِ م ر. وَقَوْلُهُ " حَالَ صِحَّتِهِ " أَمَّا فِي حَالِ مَرَضِهِ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِإِجَازَةِ الْإِنَاثِ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَا الْبَاقِينَ.
اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (لِلْقَاضِي) أَيْ قَاضِي بَلَدِ الْوَقْفِ مِنْ حَيْثُ إجَارَتُهُ وَحِفْظُهُ وَنَحْوُهُمَا وَقَاضِي بَلَدِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ قِسْمَةُ الْغَلَّةِ كَمَا فِي الْمَالِ الْيَتِيمِ وَلَيْسَ لِأَحَدِ الْقَاضِيَيْنِ فِعْلُ مَا لَيْسَ لَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (وَعَدَالَةٌ) أَيْ بَاطِنَةٌ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَنْصُوبَ الْحَاكِمِ أَوْ مَنْصُوبَ الْوَاقِفِ، خِلَافًا لِمَنْ شَرَطَ الْبَاطِنَةَ فِي مَنْصُوبِ الْحَاكِمِ وَاكْتَفَى بِالظَّاهِرَةِ فِي مَنْصُوبِ الْوَاقِفِ.
اهـ. ز ي. وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ يَتَنَاوَلُ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرَ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي النَّاظِرِ الْبَصَرُ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِاشْتِرَاطِ الْبَصَرِ فِي النَّاظِرِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ النَّاظِرُ الْقَاضِيَ وَإِلَّا فَلَا يُشْتَرَطُ عَدَالَتُهُ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ، وَأَمَّا مَنْصُوبُهُ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْعَدَالَةِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَكِفَايَةٌ) أَيْ لِمَا يَتَوَلَّاهُ.
قَوْلُهُ: (وَوَظِيفَتُهُ عِمَارَةٌ) وَالْعِمَارَةُ إنْ شَرَطَهَا مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ تَعَيَّنَ، فَإِنْ فُقِدَ فَبَيْتُ الْمَالِ ثُمَّ الْمَيَاسِيرُ لَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنَّ الْعِمَارَةَ عَلَى السَّاكِنِ وَشَرَطَ إنَّ تِلْكَ الدَّارَ لَا تُؤَجَّرُ، فَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنْ كَلَامِهِمْ بَعْدَ

مُسْتَحِقِّيهَا، فَإِنْ فَوَّضَ لَهُ بَعْضَهَا لَمْ يَتَعَدَّهُ

وَلِوَاقِفِ نَاظِرٍ عَزْلُ مَنْ وَلَّاهُ النَّظَرَ عَنْهُ وَنَصْبُ غَيْرِهِ مَكَانَهُ.

[حاشية البجيرمي]

الْفَحْصِ أَيْ التَّفْتِيشِ أَنَّ شَرْطَ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ كَمَا شَمَلَهُ عُمُومُ قَوْلِهِمْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ مَا لَمْ يُنَافِ الْوَقْفَ أَوْ الشَّرْعَ.
وَفَائِدَةُ صِحَّتِهِ مِنْ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْعِمَارَةَ لَا تَجِبُ عَلَى أَحَدٍ، فَلَا يَلْزَمُ بِهَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَهُ تَرْكَ مِلْكِهِ بِلَا عِمَارَةٍ فَمَا يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَهُ بِالْأَوْلَى، فَلَوْ تَوَقَّفَ اسْتِحْقَاقُهُ عَلَى تَعْمِيرِهِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيمَا إذَا أَشْرَفَتْ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا عَلَى الِانْهِدَامِ لَا بِسَبَبِهِ بَيْنَ أَنْ يُعَمِّرَ وَيَسْكُنَ وَبَيْنَ أَنْ يُهْمِلَ وَإِنْ أَفْضَى ذَلِكَ إلَى خَرَابِهَا، نَعَمْ عَلَى النَّاظِرِ إيجَارُهَا الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ بَقَاؤُهَا وَإِنْ خَالَفَ شَرْطَ الْوَاقِفِ؛ لِأَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهِ.
لَا يُقَالُ شَرْطُ الْعِمَارَةِ عَلَى السَّاكِنِ يُنَافِي مَقْصُودَ الْوَقْفِ مِنْ إدْخَالِ الرِّفْقِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، إذْ شَأْنُهُ أَنْ يَغْنَمَ وَلَا يَغْرَمَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ قَطَعَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ بِالصِّحَّةِ فِيمَا لَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْكُنَ مَكَانَ كَذَا كَمَا مَرَّ.
وَهَذَا صَادِقٌ بِمَا إذَا عَيَّنَ مَكَانًا لَا يُسْكَنُ إلَّا بِأُجْرَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ لِسُكْنَاهُ أَوْ زَادَتْ أُجْرَتُهُ عَلَى مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ، فَكَمَا وَجَبَ لِاسْتِحْقَاقِهِ السُّكْنَى بِالْأُجْرَةِ مَعَ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا فَكَذَلِكَ تَجِبُ الْعِمَارَةُ لِاسْتِحْقَاقِ السُّكْنَى إذَا أَرَادَهَا، وَإِلَّا سَقَطَ حَقُّهُ مِنْهَا، فَعُلِمَ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ قَدْ يَغْرَمُ ذَلِكَ وَلَا يَحْصُلُ لَهُ رِفْقٌ بِالْمَوْقُوفِ، وَأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ غَيْرُ مُنَافٍ لِلْوَقْفِ حَتَّى يُلْغَى كَشَرْطِ الْخِيَارِ فِيهِ مَثَلًا وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنَّهُ قَيَّدَ اسْتِحْقَاقَهُ لِسُكْنَاهُ بِأَنْ يُعَمِّرَ مَا انْهَدَمَ مِنْهُ، فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَلْيُعَمِّرْهُ وَإِلَّا فَلْيُعْرِضْ عَنْهُ؛ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَ مَشَايِخِنَا أَيَّدَهُ.
اهـ. شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِابْنِ حَجَرٍ عِ ش عَلَى م ر. وَفِي حَاشِيَتِهِ ن ز عَلَى الْمَنْهَجِ فِي بَابِ الْغَصْبِ: وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي تَارِيخِ قَزْوِينَ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي جَوَازِ وَضْعِ مُجَاوِرِي الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ خَزَائِنَهُمْ فِيهِ الَّتِي يَحْتَاجُونَهَا لِكُتُبِهِمْ وَلِمَا يُضْطَرُّونَ لِوَضْعِهِ فِيهَا مِنْ حَيْثُ الْإِقَامَةُ لِتَوَقُّفِهَا عَلَيْهِ دُونَ الَّتِي يَجْعَلُونَهَا لِأَمْتِعَتِهِمْ الَّتِي يَسْتَغْنُونَ عَنْهَا وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِمْ لِمَا جَازَ وَضْعُهُ، بِخِلَافِ وَضْعِ مَا لَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ وَعَلَيْهِمْ الْأُجْرَةُ فِيهِ.
اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.

قَوْلُهُ: (وَلِوَاقِفِ نَاظِرٍ إلَخْ) وَأَفْتَى السُّبْكِيُّ بِأَنَّ لِلْوَاقِفِ وَالنَّاظِرِ عَزْلُ الْمُدَرِّسِ وَنَحْوِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا فِي الْوَقْفِ وَلَوْ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ إسْقَاطُ بَعْضِ الْأَجْنَادِ الْمُثْبَتِينَ فِي الدِّيوَانِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، فَالنَّاظِرُ الْخَاصُّ أَوْلَى.
وَلَا أَثَرَ لِلْفَرْقِ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْجِهَادِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ، وَمَنْ رَبَطَ نَفْسَهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ بِلَا سَبَبٍ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، بَلْ يُرَدُّ بِأَنَّ التَّدْرِيسَ فَرْضٌ أَيْضًا أَيْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَكَذَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَمَنْ رَبَطَ نَفْسَهُ بِهِمَا فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ عَلَى تَسْلِيمِ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الرَّبْطَ بِهِ كَالتَّلَبُّسِ بِهِ وَإِلَّا فَشَتَّانَ مَا بَيْنَهُمَا.
وَمِنْ ثَمَّ اعْتَمَدَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ عَزْلَهُ مِنْ غَيْرِ مُسَوِّغٍ لَا يَنْفُذُ، بَلْ هُوَ قَادِحٌ فِي نَظَرِهِ.
وَلَوْ طَلَبَ الْمُسْتَحِقُّونَ مِنْ النَّاظِرِ كِتَابَ الْوَقْفِ أَيْ الْكِتَابَ الْمَكْتُوبَ فِيهِ وَقْفِيَّةُ الشَّيْءِ الْمَوْقُوفِ لِيَكْتُبُوا مِنْهُ نُسْخَةً حِفْظًا لِاسْتِحْقَاقِهِمْ لَزِمَهُ تَمْكِينُهُمْ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (نَاظِرٍ) أَيْ شَرَطَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ، أَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَعْزِلُهُ النَّاظِرُ إلَّا بِنَحْوِ فِسْقٍ.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَعِنْدَ زَوَالِ الْأَهْلِيَّةِ يَكُونُ النَّظَرُ لِلْحَاكِمِ كَمَا رَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ لَا لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَهْلِ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ، خِلَافًا لِابْنِ الرِّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُتَأَخِّرِ نَظَرًا إلَّا بَعْدَ فَقْدِ الْمُتَقَدِّمِ فَلَا سَبَبَ لِنَظَرِهِ بِغَيْرِ فَقْدِهِ، وَبِهَذَا فَارَقَ انْتِقَالَ وِلَايَةِ النِّكَاحِ لِلْأَبْعَدِ بِفِسْقِ الْأَقْرَبِ لِوُجُودِ السَّبَبِ فِيهِ، وَهُوَ الْقَرَابَةُ اهـ بِحُرُوفِهِ.
1 - فَرْعٌ: لَوْ قَرَّرَ الْبَاشَا فِي وَظِيفَةٍ وَاحِدًا وَالْقَاضِي شَخْصًا آخَرَ فَهَلْ يُقَدَّمُ مَنْ وَلَّاهُ الْبَاشَا أَوْ الْقَاضِي؟ يُنْظَرُ، إنْ شُرِطَ التَّقْرِيرُ لِأَحَدِهِمَا اُتُّبِعَ وَإِلَّا فَيُقَدَّمُ مَنْ قَرَّرَهُ الْبَاشَا نَظَرًا لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ.
اهـ. م د. 1 - فَرْعٌ: قَرَّرَ شَيْخُنَا فِي دَرْسِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَأْخُذَ الضِّيَافَةَ وَالْحُلْوَانَ عِنْدَ إيجَارِ لِوَقْفٍ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَخْذٌ بِغَيْرِ وَجْهٍ شَرْعِيٍّ.

فَصْلٌ: فِي الْهِبَةِ تُقَالُ لِمَا يَعُمُّ الصَّدَقَةَ وَالْهَدِيَّةَ وَلِمَا يُقَابِلُهُمَا وَاسْتُعْمِلَ الْأَوَّلُ فِي تَعْرِيفِهَا وَالثَّانِي فِي أَرْكَانِهَا وَسَيَأْتِي ذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِيهَا عَلَى الْأَوَّلِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] وَالْهِبَةُ بِرٌّ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] الْآيَةَ وَأَخْبَارٌ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا تُحَقِّرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ» أَيْ ظِلْفَهَا وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْهِبَةِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا أَسْبَابٌ تُخْرِجُهَا عَنْ ذَلِكَ مِنْهَا الْهِبَةُ لِأَرْبَابِ

[حاشية البجيرمي]

خَاتِمَةٌ: فِي الدَّمِيرِيِّ فِي آخِرِ كِتَابِ الْوَقْفِ: قَالَ الشَّيْخُ السُّبْكِيُّ: قَالَ: لِي ابْنُ الرِّفْعَةِ: أَفْتَيْت بِبُطْلَانِ وَقْفِ خِزَانَةِ كُتُبٍ وَقَفَهَا وَاقِفُهَا لِتَكُونَ فِي مَكَان مُعَيَّنٍ فِي مَدْرَسَةِ الصَّلَاحِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ مُسْتَحَقٌّ لِغَيْرِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ، قَالَ الشَّيْخُ: وَنَظِيرُهُ إحْدَاثُ مِنْبَرٍ فِي مَسْجِدٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ جُمُعَةٌ فَلَا يَجُوزُ، وَكَذَا إحْدَاثُ كُرْسِيِّ مُصْحَفٍ مُؤَبَّدٍ يُقْرَأُ فِيهِ كَمَا يُفْعَلُ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ فَلَا يَصِحُّ وَقْفُهُ وَيَجِبُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ اسْتِحْقَاقِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ لِغَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ؛ وَالْعَجَبُ مِنْ قُضَاةٍ يُثْبِتُونَ وَقْفَ ذَلِكَ شَرْعًا (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)

[فَصْلٌ فِي الْهِبَةِ]

ِ ذَكَرَهَا عَقِبَ الْوَقْفِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَبَرُّعٌ وَتَمْلِيكٌ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ يَمْلِكُ الْمَنَافِعَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَكَرَهَا عَقِبَ الْوَقْفِ لِأَنَّ فِيهَا تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ مَعَ الْعَيْنِ كَمَا أَنَّ الْوَقْفَ كَذَلِكَ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ هَبَّ إذَا مَرَّ لِمُرُورِهَا مِنْ يَدٍ إلَى أُخْرَى أَوْ اسْتَيْقَظَ لِتَيَقُّظِ فَاعِلِهَا لِلْإِحْسَانِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا يَعُمُّ إلَخْ) . فَتَجْتَمِعُ الثَّلَاثَةُ فِيمَا إذَا نَقَلَ إلَيْهِ شَيْئًا إكْرَامًا وَقَصَدَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ اهـ خ ض. قَوْلُهُ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: 177] أَيْ حُبِّ اللَّهِ.
" وَعَلَى " لِلتَّعْلِيلِ أَيْ لِأَجْلِ حُبِّ اللَّهِ، أَوْ الضَّمِيرُ يَعُودُ لِلْمَالِ وَتَكُونُ " عَلَى " بِمَعْنَى " مَعَ ". قَوْلُهُ: (لَا تُحَقِّرَن) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِلْمُعْطِيَةِ وَأَنْ يَكُونَ لِلْمَهْدِيِّ إلَيْهَا.
قُلْت: وَلَا يَتِمُّ حَمْلُهُ إلَيْهَا إلَّا بِجَعْلِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ لِجَارَتِهَا بِمَعْنَى مِنْ وَلَا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ اهـ فَتْحُ الْبَارِي شَوْبَرِيٌّ.
وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ: وَالنَّهْيُ لِلْمُهْدِيَةِ وَالْمُهْدَى إلَيْهَا؛ وَالْمَعْنَى لَا تَمْتَنِعُ جَارَةٌ مِنْ إهْدَاءِ شَيْءٍ قَلِيلٍ بَلْ تَجُودُ بِمَا تَيَسَّرَ لَهَا وَلَا تَمْتَنِعُ جَارَةٌ مِنْ قَبُولِهَا مَا أُهْدِيَ لَهَا وَإِنْ قَلَّ، وَأُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى الْمُبَالَغَةِ فِي إهْدَاءِ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ وَقَبُولِهِ لَا إلَى حَقِيقَةِ الْفِرْسِنِ إذْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِإِهْدَائِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَعْطَتْ سَائِلًا حَبَّةَ عِنَبٍ فَأَخَذَ يُقَلِّبُهَا بِيَدِهِ اسْتِحْقَارًا لَهَا فَقَالَتْ لَهُ زَجْرًا: كَمْ فِي هَذِهِ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7] . اهـ. قِ ل. قَوْلُهُ: (فِرْسِن) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالسِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِ السِّينِ قَوْلُهُ (أَيْ ظِلْفَهَا) فَسَّرَ الْفِرْسِنَ بِهِ لِإِضَافَتِهِ فِي الْحَدِيثِ لِلشَّاةِ فَإِنَّ الَّذِي لِلشَّاةِ هُوَ الظِّلْفُ لَا الْفِرْسِنُ لِأَنَّهُ لِلْإِبِلِ خَاصَّةً فَإِطْلَاقُهُ عَلَى الظِّلْفِ فِي الْحَدِيثِ مَجَازٌ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْفِرْسِنُ عَظْمٌ قَلِيلُ اللَّحْمِ وَهُوَ مِنْ الْبَعِيرِ كَالْحَافِرِ لِلدَّابَّةِ وَقَدْ يُسْتَعَارُ لِلشَّاةِ فَيُقَالُ فِرْسِنُ شَاةٍ وَاَلَّذِي لِلشَّاةِ هُوَ الظِّلْفُ وَالنُّونُ زَائِدَةٌ وَقِيلَ أَصْلِيَّةٌ وَالْمُرَادُ الظِّلْفُ الْمَشْوِيُّ الَّذِي هُوَ الْمُرَادُ بِالْمُحْرِقِ إذْ لَوْ حُمِلَ الْمُحْرِقُ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الظِّلْفَ يَكُونُ لِلْبَقَرِ أَيْضًا وَاَلَّذِي لِنَحْوِ الْحِمَارِ فِي مَحَلِّهِ حَافِرٌ وَلِلطَّيْرِ ظُفْرٌ.
قَوْلُهُ: (تُخْرِجُهَا عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ الِاسْتِحْبَابِ إمَّا لِلْحُرْمَةِ أَوْ لِلْوُجُوبِ أَوْ الْكَرَاهَةِ، وَلَا تُبَاحُ لِأَنَّ وَضْعَهَا النَّدْبُ

الْوِلَايَاتِ وَالْعُمَّالِ وَمِنْهَا مَا لَوْ كَانَ الْمُتَّهَبُ يَسْتَعِينُ بِذَلِكَ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَهِيَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ تَمْلِيكُ تَطَوُّعٍ فِي حَيَاةٍ فَخَرَجَ بِالتَّمْلِيكِ الْعَارِيَّةُ وَالضِّيَافَةُ وَالْوَقْفُ وَبِالتَّطَوُّعِ غَيْرُهُ كَالْبَيْعِ وَالزَّكَاةِ فَإِنْ مَلَكَ لِاحْتِيَاجٍ أَوْ لِثَوَابِ آخِرَةٍ فَصَدَقَةٌ أَيْضًا أَوْ نَقَلَهُ لِلْمُتَّهَبِ إكْرَامًا لَهُ فَهَدِيَّةٌ

(وَأَرْكَانُهَا) بِالْمَعْنَى الثَّانِي الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ثَلَاثَةٌ: صِيغَةٌ وَعَاقِدٌ وَمَوْهُوبٌ، وَعَرَّفَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ هِبَتُهُ) بِالْأَوْلَى لِأَنَّ بَابَهَا أَوْسَعُ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ حَذَفَ الْمُصَنِّفُ التَّاءَ مِنْ جَازَ هِبَتُهُ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ تَأْنِيثَ الْهِبَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ أَوْ لِمُشَاكَلَةٍ جَازَ بَيْعُهُ.

[حاشية البجيرمي]

ق ل. قَوْلُهُ: (مِنْهَا الْهِبَةُ لِأَرْبَابِ الْوِلَايَاتِ وَالْعُمَّالِ) لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ وَالرِّشْوَةُ حَرَامٌ إذَا كَانَتْ وَسِيلَةً لِمُحَرَّمٍ، كَإِقَامَةِ بَاطِلٍ أَوْ تَرْكِ حَقٍّ، وَإِلَّا فَلَا تَحْرُمُ، وَقَدْ وَرَدَ: «هَدَايَا الْعُمَّالِ سُحْتٌ» لِأَنَّهَا تُذْهِبُ الْبَرَكَةَ، أَوْ لِأَنَّهَا تُسْحِتُ فِي النَّارِ أَيْ تُلْقِيهِ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَعْصِيَةٍ) أَيْ إنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ أَوْ ظُنَّ وَإِلَّا فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ مِثَالًا لِلْوَاجِبَةِ كَمَا لَوْ نَذَرَهَا.
قَوْلُهُ: (تَمْلِيكُ تَطَوُّعٍ فِي حَيَاةٍ) يُؤْخَذُ مِنْهُ امْتِنَاعُ الْهِبَةِ لِلْحَمْلِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَمْلِيكُهُ وَلَا تَمَلُّكُ الْوَلِيِّ لَهُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (الْعَارِيَّةُ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا تَمْلِيكَ فِيهَا وَلَا مِلْكَ أَيْضًا بَلْ إبَاحَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَالضِّيَافَةُ) فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مِلْكٌ لَكِنْ لَا بِالتَّمْلِيكِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمِلْكَ يَحْصُلُ بِالْوَضْعِ فِي الْفَمِ.
وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لِزَيْدٍ طَعَامًا فَأَكَلَ ضَيْفًا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِمُجَرَّدِ وَضْعِهِ فِي فَمِهِ، فَصَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ إلَّا طَعَامَ نَفْسِهِ أج.
وَقَوْلُهُ " بِالْوَضْعِ فِي الْفَمِ " لَكِنَّهُ يَكُونُ مُرَاعًى وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِازْدِرَادٍ فَلَوْ لَفَظَهُ بَطَلَ مِلْكُهُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْوَقْفُ) فَإِنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّهُ لَا تَمْلِيكَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِبَاحَةِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ السُّبْكِيُّ، فَقَالَ: الْأَوْجَهُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْوَقْفِ فَإِنَّ الْمَنَافِعَ لَمْ يَتَمَلَّكْهَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْوَقْفِ بَلْ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ " فِي حَيَاةٍ " الْوَصِيَّةُ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ فِيهَا إنَّمَا يَتِمُّ بِالْقَبُولِ وَهُوَ بَعْدَ الْمَوْتِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ مَلَكَ لِاحْتِيَاجٍ) أَيْ احْتِيَاجِ الْآخِذِ.
قَوْلُهُ: (فَصَدَقَةٌ أَيْضًا) أَيْ كَمَا أَنَّهَا هِبَةٌ فَكُلٌّ مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ هِبَةٌ وَلَا عَكْسَ، وَكُلُّهَا مَسْنُونَةٌ وَأَفْضَلُهَا الصَّدَقَةُ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ " وَلَا عَكْسَ " أَيْ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَلَيْسَ كُلُّ هِبَةٍ صَدَقَةً وَهَدِيَّةً.
وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِي الْحَلِفِ، فَمَنْ حَلَفَ لَا يَتَصَدَّقُ لَمْ يَحْنَثْ بِهِبَةٍ وَلَا بِهَدِيَّةٍ أَيْضًا أَوْ حَلَفَ لَا يُهْدِي لَمْ يَحْنَثْ بِهِبَةٍ وَلَا بِصَدَقَةٍ أَيْضًا أَوْ لَا يَهَبُ حَنِثَ بِهِمَا وَعَتَقَ عَبْدُهُ وَإِبْرَاءُ مَدِينِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ اهـ ق ل. وَتُعْرَفُ بِنَاءً عَلَى إطْلَاقِهَا عَلَى مَا يُقَابِلُ الصَّدَقَةَ وَالْهَدِيَّةَ بِأَنَّهَا تَمْلِيكُ الشَّيْءِ لَا لِطَلَبِ الثَّوَابِ وَلَا لِلنَّقْلِ عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَامِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْأَرْكَانُ لِلْهِبَةِ الْمُقَابِلَةِ لَهُمَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا إيجَابٌ وَقَبُولٌ.
قَوْلُهُ: (إكْرَامًا لَهُ) خَرَجَ بِذَلِكَ الْهَدِيَّةُ لِلظُّلْمَةِ وَرِشْوَةُ الْقَاضِي وَمَا يُعْطَى لِلشَّاعِرِ خَوْفًا مِنْ هَجْوِهِ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ السُّبْكِيّ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِكْرَامَ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَالشَّرْطُ هُوَ النَّقْلُ.
اهـ. ز ي. قَوْلُهُ: (فَهَدِيَّةٌ) أَيْضًا فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ مَلَكَ لِأَجْلِ الثَّوَابِ مَعَ صِيغَةٍ كَانَ هِبَةً وَصَدَقَةً، وَإِنْ مَلَكَ بِقَصْدِ الْإِكْرَامِ مَعَ صِيغَةٍ كَانَ هِبَةً وَهَدِيَّةً، وَإِنْ مَلَكَ لَا لِأَجْلِ الثَّوَابِ وَلَا الْإِكْرَامِ بِصِيغَةٍ كَانَ هِبَةً فَقَطْ، وَإِنْ مَلَكَ لِأَجْلِ الثَّوَابِ مِنْ غَيْرِ صِيغَةٍ كَانَ صَدَقَةً فَقَطْ، وَإِنْ مَلَكَ لِأَجْلِ الْإِكْرَامِ مِنْ غَيْرِ صِيغَةٍ كَانَ هَدِيَّةً فَقَطْ فَبَيْنَ الثَّلَاثَةِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ وَالْكِتَابُ هَدِيَّةٌ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِ إلَّا إنْ شَرَطَ كِتَابَةَ الْجَوَابِ عَلَى ظَهْرِهِ اهـ. قَالَ بَعْضُهُمْ: سِتُّ كَلِمَاتٍ جَوْهَرِيَّةٍ لَا يَحْوِيهَا إلَّا الْعُقُولُ الزَّكِيَّةُ: أَصْلُ الْمَحَبَّةِ الْهَدِيَّةُ وَأَصْلُ الْبُغْضَةِ الْأَسِيَّةُ وَأَصْلُ الْقُرْبِ الْأَمَانَةُ وَأَصْلُ الْبَعْدِ الْخِيَانَةُ وَأَصْلُ زَوَالِ النِّعْمَةِ الْبَطَرُ وَأَصْلُ الْعِفَّةِ غَضُّ الْبَصَرِ.

قَوْلُهُ: (وَعَرَّفَهُ) أَيْ الْمَوْهُوبُ الْمُصَنِّفُ، نُوزِعَ فِيهِ بِأَنَّهُ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِهَا لَا تَعْرِيفٌ، وَقَدْ يَدَّعِي أَنَّهُ رَسْمٌ لِأَنَّهُ يُمَيِّزُهَا فِي الْجُمْلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ إلَخْ) أَفْهَمَ كَلَامُهُ امْتِنَاعَ هِبَةِ الِاخْتِصَاصِ كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ الْمُحْتَرَمَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْهِبَةِ بِمَعْنَى التَّمْلِيكِ، أَمَّا بِمَعْنَى نَقْلِ الْيَدِ فَجَائِزٌ.
اهـ. سم.
وَقَوْلُهُ " بِمَعْنَى التَّمْلِيكِ إلَخْ " أَيْ فَإِذَا قَالَ: وَهَبْتُك هَذَا الْخَمْرَ مَثَلًا فَإِنْ أَرَادَ مَلَّكْتُك لَا يَصِحُّ، وَإِنْ أَرَادَ نَقَلْت يَدَيْ عَنْهُ صَحَّ اهـ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ بَابَهَا أَوْسَعُ) إنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ هِبَةُ أَشْيَاءَ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا فَالْبَيْعُ كَذَلِكَ يَجُوزُ بَيْعُ الْأَشْيَاءِ وَلَا تَجُوزُ هِبَتُهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ بَعْضَ أَفْرَادِ الْهِبَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى صِيغَةٍ وَهُوَ الصَّدَقَةُ وَالْهَدِيَّةُ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِمَا صِيغَةٌ بَلْ يَكْفِي فِيهِمَا بَعْثٌ وَقَبْضٌ.
قَوْلُهُ: (مِنْ هِبَتِهِ)

تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الضَّابِطِ مَسَائِلُ مِنْهَا: الْجَارِيَةُ الْمَرْهُونَةُ إذَا اسْتَوْلَدَهَا الرَّاهِنُ أَوْ أَعْتَقَهَا وَهُوَ مُعْسِرٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا لِلضَّرُورَةِ وَلَا تَجُوزُ هِبَتُهَا لَا مِنْ الْمُرْتَهِنِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ.
وَمِنْهَا الْمُكَاتَبُ يَصِحُّ بَيْعُ مَا فِي يَدِهِ وَلَا تَصِحُّ هِبَتُهُ.
وَمِنْهَا: هِبَةُ الْمَنَافِعِ فَإِنَّهَا تُبَاعُ بِالْأُجْرَةِ، وَفِي هِبَتِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِتَمْلِيكٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا وُهِبَتْ مَنَافِعُهُ عَارِيَّةٌ وَهُوَ مَا جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَغَيْرُهُ وَرَجَّحَهُ الزَّرْكَشِيّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَمْلِيكٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا وُهِبَتْ مَنَافِعُهُ أَمَانَةٌ، وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ الظَّاهِرُ.
وَاسْتَثْنَى مَسَائِلَ غَيْرَ ذَلِكَ ذَكَرْتُهَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ وَغَيْرِهِ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَمَجْهُولٍ وَمَغْصُوبٍ لِغَيْرِ قَادِرٍ عَلَى انْتِزَاعِهِ وَضَالٍّ وَآبِقٍ لَا تَجُوزُ هِبَتُهُ بِجَامِعِ أَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ.
وَاسْتَثْنَى أَيْضًا مِنْ هَذَا مَسَائِلَ مِنْهَا: حَبَّتَا الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْمُحَقَّرَاتِ كَشَعِيرٍ فَإِنَّهُمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمَا وَتَجُوزُ هِبَتُهُمَا كَمَا جَرَى عَلَيْهِ فِي الْمِنْهَاجِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِانْتِفَاءِ الْمُقَابِلِ لَهُمَا وَإِنْ قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ إنَّ هَذَا سَبْقُ قَلَمٍ.
وَمِنْهَا: حَقُّ التَّحْجِيرِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ هِبَتُهُ وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَمِنْهَا صُوفُ الشَّاةِ الْمَجْعُولَةِ أُضْحِيَّةً وَلَبَنُهَا، وَمِنْهَا: الثِّمَارُ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ يَجُوزُ هِبَتُهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَطْعِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، وَاسْتَثْنَى مَسَائِلَ غَيْرَ ذَلِكَ ذَكَرْتهَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ.

وَشَرَطَ فِي الْعَاقِدِ وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ، فَيُشْتَرَطُ فِي الْوَاهِبِ الْمِلْكُ وَإِطْلَاقُ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ وَلِيٍّ فِي مَالِ مَحْجُورِهِ، وَلَا مِنْ مُكَاتَبٍ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الْمِلْكِ

[حاشية البجيرمي]

أَيْ مِنْ فِعْلِهَا الَّذِي هُوَ جَازَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لِمُشَاكَلَةٍ) أَيْ مُنَاسَبَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُعْسِرٌ) رَاجِعٌ لِكُلِّ مِمَّا قَبْلَهُ، أَمَّا إذَا كَانَ مُوسِرًا نَفَذَ وَلَا يَجُوزُ كُلٌّ مِنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ.
قَوْلُهُ: (لِلضَّرُورَةِ) وَهِيَ وَفَاءُ الدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (هِبَةُ الْمَنَافِعِ) الْأَوْلَى حَذْفُ " هِبَةُ " بِأَنْ يَقُولَ: وَمِنْهَا الْمَنَافِعُ لِيُنَاسِبَ الْخِلَافَ الَّذِي بَعْدَهُ.
وَقَوْلُهُ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِتَمْلِيكٍ أَيْ فَلَا تَصِحُّ هِبَتُهَا، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: أَحَدُهُمَا لَا تَصِحُّ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِتَمْلِيكٍ إلَخْ، وَالثَّانِي: تَصِحُّ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهَا لَيْسَتْ بِتَمْلِيكٍ) الْمُنَاسِبُ أَنَّ إبَاحَتَهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي التَّلَازُمَ بَيْنَ عَارِيَّةِ الْمَحَلِّ وَإِبَاحَةِ الْمَحَلِّ لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِالْعَارِيَّةِ لِلْعَيْنِ عَلَى مَنَافِعِهَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً، أَيْ وَشَأْنُ الْعَارِيَّةِ أَنَّ مَنَافِعَهَا لَا يَمْلِكُهَا الْمُسْتَعِيرُ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ.
وَقَضِيَّةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِيهَا مَتَى شَاءَ لِأَنَّهُ فَرَضَ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهَا تَمْلِيكٌ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا وُهِبَتْ مَنَافِعُهُ) أُطْلِقَ عَلَيْهِ هِبَةً بِالنَّظَرِ لِلصُّورَةِ، أَوْ بِالنَّظَرِ لِلْقَوْلِ الثَّانِي، وَإِلَّا فَهِيَ فَلَا تَصِحُّ هِبَتُهَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا أُبِيحَتْ مَنَافِعُهُ عَارِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (عَارِيَّةٌ) فَإِذَا تَلِفَ ضَمِنَهُ الْمُتَّهَبُ بِخِلَافِهِ عَلَى الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الظَّاهِرُ) وَعَلَيْهِ فَلَا اسْتِثْنَاءَ، قَالَ م ر: وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ، وَعَلَيْهِ فَلَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَهُوَ بِالِاسْتِيفَاءِ لَا بِقَبْضِ الْعَيْنِ اهـ فَلَوْ بَقِيَ بَعْضُ الْمُدَّةِ فَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُتَّهَبِ فِيمَا بَقِيَ.
قَوْلُهُ: (حَقُّ التَّحْجِيرِ) أَيْ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ بِتَمَامِ الْإِحْيَاءِ؛ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ شَرْطَ الْهِبَةِ الْمِلْكُ لِلْمَوْهُوبِ.
قَوْلُهُ: (صُوفُ الشَّاةِ إلَخْ) أَيْ فَتَصِحُّ هِبَتُهُمَا لَا بَيْعُهُمَا.
قَوْلُهُ: (يَجُوزُ هِبَتُهَا) وَهَلْ يَجِبُ الْقَطْعُ أَوْ الْإِبْقَاءُ إلَى بُدُوِّ الصَّلَاحِ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي، وَتَكُونُ هِبَتُهَا رِضًا بِإِبْقَائِهَا إلَيْهِ أَيْ إلَى بُدُوِّ الصَّلَاحِ اهـ د م.

قَوْلُهُ: (فَيُشْتَرَطُ فِي الْوَاهِبِ الْمِلْكُ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ حَقَّ التَّحْجِيرِ الْمُتَقَدِّمَ وَصُوفَ الشَّاةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ هِبَتُهُمَا مَعَ عَدَمِ الْمِلْكِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مَمْلُوكٌ مِلْكًا مُرَاعًى، أَيْ وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ الصُّوفَ جُبَّةً وَفُرُشًا وَغَيْرَهُمَا، وَحَقُّ التَّحَجُّرِ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَصَحَّ كَلَامُ الشَّارِحِ بِاعْتِبَارِ مَا ذُكِرَ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَإِطْلَاقُ التَّصَرُّفِ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ: وَأَهْلِيَّةُ تَبَرُّعٍ، لِيَصِحَّ إخْرَاجُ الْوَلِيِّ فِي مَالِ مَحْجُورِهِ وَالْمُكَاتَبِ مَعَ أَنَّهُمَا مُطْلَقَا التَّصَرُّفِ أَيْ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِمَا؛ وَلَكِنْ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ فِي كُلٍّ مِنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ الْمِلْكِ) أَيْ التَّمَلُّكِ، وَهَذَا قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُتَّهَبِ الرُّشْدُ بَلْ يَقْتَضِي صِحَّةَ قَبُولِ الْهِبَةِ مِنْ وَلِيِّ الطِّفْلِ.
وَفِي حَاشِيَتِهِ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ: فَرْعٌ: سُئِلَ شَيْخُنَا م ر. عَنْ شَخْصٍ بَالِغٍ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدٍ مُمَيِّزٍ وَوَقَعَتْ الصَّدَقَةُ فِي يَدِهِ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ فَهَلْ يَمْلِكُهَا الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ بِوُقُوعِهَا فِي يَدِهِ كَمَا لَوْ احْتَطَبَ أَوْ

لِمَا يُوهَبُ لَهُ مِنْ مُكَلَّفٍ وَغَيْرِهِ، وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ يَقْبَلُ لَهُ وَلِيُّهُ فَلَا تَصِحُّ لِحَمْلٍ وَلَا لِبَهِيمَةٍ وَلَا لِرَقِيقٍ نَفْسِهِ، فَإِنْ أَطْلَقَ

[حاشية البجيرمي]

احْتَشَّ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ أَمْ لَا لِأَنَّ الْقَبْضَ غَيْرُ صَحِيحٍ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الصَّبِيُّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ إلَّا بِقَبْضِ وَلِيِّهِ اهـ. وَعَلَى عَدَمِ الْمِلْكِ فَهَلْ يَحْرُمُ الدَّفْعُ لَهُ كَمَا يَحْرُمُ تَعَاطِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ مِنْهُ أَمْ لَا لِانْتِقَاءِ الْعَقْدِ الْمَذْكُورِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الْحُرْمَةِ.
وَيُحْمَلُ ذَلِكَ مِنْ الْبَالِغِ عَلَى الْإِبَاحَةِ كَتَقْدِيمِ الطَّعَامِ لِلضَّيْفِ، فَلِلْمُبِيحِ الرُّجُوعُ فِيهِ مَا دَامَ بَاقِيًا هَذَا، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ حَيْثُ لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ فِي عَدَمِ رِضَا الْوَلِيِّ بِالدَّفْعِ لَهُ سِيَّمَا إنْ كَانَ ذَلِكَ يُعَوِّدُهُمْ عَلَى دَنَاءَةِ النَّفْسِ وَالرَّذَالَةِ فَيَحْرُمُ الْإِعْطَاءُ لَهُمْ لَا لِعَدَمِ الْمِلْكِ بَلْ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ الظَّاهِرَةِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ) يَشْمَلُ ذَلِكَ الْهِبَةَ لِلْعَبْدِ الصَّغِيرِ أَوْ الْمَجْنُونِ إذَا قَصَدَ الْوَاهِبُ سَيِّدَهُ وَأَطْلَقَ، فَإِنَّ الْقَبُولَ مِنْ السَّيِّدِ وَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْوَلِيِّ.
قَوْلُهُ: (يَقْبَلُ لَهُ وَلِيُّهُ) فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ انْعَزَلَ الْوَصِيُّ وَالْقَيِّمُ دُونَ الْأَبِ وَالْجَدِّ، فَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ الْوَلِيَّ قَبِلَ لَهُ الْحَاكِمُ إلَّا إنْ كَانَ أَبًا أَوْ جَدًّا فَيَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ، فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ غَرَسَ شَجَرًا وَقَالَ عِنْدَ غِرَاسِهِ: أَغْرِسهُ لِطِفْلِي أَوْ جَعَلْته لَهُ أَوْ اشْتَرَى حُلِيًّا أَوْ غَيْرَهُ لِزَوْجَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَزَيَّنَهُمَا بِهِ أَوْ جَهَّزَ بِنْتَه بِأَمْتِعَةٍ، لَمْ يَحْصُلْ الْمِلْكُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِانْتِفَاءِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، فَلَوْ ادَّعَتْ بِنْتُهُ أَنَّهُ مَلَّكَهَا إيَّاهُ وَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.
وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّهُ لَوْ نَقَلَ ابْنَتَهُ وَجَهَازَهَا إلَى بَيْتِ الزَّوْجِ فَإِنْ قَالَ: هَذَا جَهَازُ بِنْتِي فَهُوَ مِلْكٌ لَهَا مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ فَهُوَ إعَارَةٌ وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ سم.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ لِحَمْلٍ) وَفَارَقَتْ مِلْكَهُ لِلْإِرْثِ لِأَنَّ ذَلِكَ قَهْرِيٌّ، وَفَارَقَتْ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهَا أَوْسَعُ بَابًا مِنْ الْهِبَةِ لِأَنَّهَا تَصِحُّ بِالْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا لِرَقِيقٍ نَفْسِهِ) بِتَنْوِينِ رَقِيقٍ وَإِبْدَالِ نَفْسِهِ مِنْهُ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ وَلِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِرَقِيقِ الْوَاهِبِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ قَصَدَهُ أَمْ السَّيِّدَ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُكَاتَبِ وَإِلَّا فَالْهِبَةُ لَهُ وَلَوْ مِنْ سَيِّدِهِ صَحِيحَةً وَلَمْ يَجْعَلْ نَفْسَهُ تَوْكِيدًا لِأَنَّ رَقِيقَ نَكِرَةٌ وَالتَّوْكِيدُ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْمَعْرِفَةِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَأَمَّا عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ فَيَجُوزُ تَوْكِيدُ النَّكِرَةِ إنْ أَفَادَ وَعَلَيْهِ ابْنُ مَالِكٍ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ يَفِدْ تَوْكِيدُ مَنْكُورٍ قُبِلْ.
وَفِي نُسْخَةٍ " لِنَفْسِهِ " وَهُوَ بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ.
وَأَمَّا الْهِبَةُ لِلْمُكَاتَبِ فَصَحِيحَةٌ وَيَمْلِكُهَا لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ، وَأَمَّا الْمُبَعَّضُ فَإِنْ كَانَتْ مُهَايَأَةً فَلِمَنْ وُجِدَتْ فِي نَوْبَتِهِ فَإِنْ وُجِدَتْ فِي نَوْبَةِ الْمُبَعَّضِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ وَإِنْ وُجِدَتْ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ فَإِنْ أَطْلَقَ الْوَاهِبُ أَوْ قَصَدَ السَّيِّدُ صَحَّ وَكَانَ الْقَبُولُ مِنْ الْمُبَعَّضِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُهَايَأَةً، فَمَا خَصَّ الْبَعْضَ الْحُرَّ تَصِحُّ فِيهِ وَمَا قَابَلَ الْبَعْضَ الرَّقِيقَ يَجْرِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَصْدِ السَّيِّدِ أَوْ الْإِطْلَاقِ فَيَصِحُّ أَوْ قَصَدَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ فَلَا تَصِحُّ.
تَنْبِيهٌ: كَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَذْكُرَ هُنَا مَا سَيَذْكُرُهُ بَعْدُ مِنْ قَوْلِهِ " وَلَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْوَهْبِ مِنْ صِيغَةٍ إلَخْ " لِيَكُونَ الْكَلَامُ عَلَى الْأَرْكَانِ مُنْضَمًّا بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ وَالصِّيغَةُ إيجَابٌ: كَوَهَبْتُكَ وَمَلَّكْتُك وَمَنَحْتُك وَأَكْرَمْتُك وَعَظَّمْتُك وَنَحَلْتُك وَكَذَا أَطْعَمْتُك وَلَوْ فِي غَيْرِ طَعَامٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَبُولٌ: كَقَبِلْتُ وَرَضِيت وَاتَّهَبْت لَفْظًا فِي حَقِّ النَّاطِقِ وَإِشَارَةً مِنْ الْأَخْرَسِ فِي حَقِّهِ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ كَالْبَيْعِ؛ وَلِهَذَا انْعَقَدَتْ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ: " لَك هَذَا " كَذَا " وَكَسَوْتُك هَذَا " وَبِالْمُعَاطَاةِ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا، فَاشْتَرَطَ هُنَا فِي الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ جَمِيعَ مَا مَرَّ فِيهَا فِي الْبَيْعِ، وَمِنْهُ أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ مُطَابِقًا لِلْإِيجَابِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ عَدَمَ اشْتِرَاطِهِ هُنَا، وَمِنْهُ أَيْضًا اعْتِبَارُ الْفَوْرِيَّةِ فِي الصِّيغَةِ فَشَرْطُ الصِّيغَةِ عُلِمَ مِنْ الْبَيْعِ، وَمِنْهُ الْقَبُولُ عَلَى وَفْقِ الْإِيجَابِ فَلَوْ وَهَبَ لَهُ شَيْئَيْنِ فَقَبِلَ أَحَدَهُمَا أَوْ شَيْئًا فَقَبِلَ بَعْضَهُ لَمْ يَصِحَّ بَيْعٌ فِيهِمَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْهِبَةُ مِنْ الْأَعْمَى وَلَا لَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْهِبَةِ الْمُقَيَّدَةِ لِأَنَّهَا بَيْعٌ وَأَمَّا الْهِبَةُ الْمُطْلَقَةُ فَفِيهَا نَظَرٌ لِاقْتِضَائِهِ عَدَمَ صِحَّةِ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ مِنْ الْأَعْمَى أَوْ عَلَيْهِ إلَّا إنْ وَكَّلَ بَصِيرًا فِي الْإِقْبَاضِ وَالْقَبْضِ، وَشَيْخُنَا قَالَ بِهَذَا وَاعْتَمَدَهُ أَخْذًا مِنْ إطْلَاقِهِمْ.
وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ وِفَاقًا لِبَعْضِ مَشَايِخِنَا خِلَافُهُ لِإِطْبَاقِ الْأُمَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ عَلَى خِلَافِهِ، قَالَهُ قِ ل وَنَقَلَهُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ:

الْهِبَةَ لَهُ فَهِيَ لِسَيِّدِهِ.

(وَلَا تَلْزَمُ) أَيْ لَا تُمْلَكُ (الْهِبَةُ) الصَّحِيحَةُ غَيْرُ الضِّمْنِيَّةِ وَذَاتُ الثَّوَابِ الشَّامِلَةِ لِلْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ (إلَّا بِالْقَبْضِ) فَلَا تُمْلَكُ، بِالْعَقْدِ لِمَا رَوَى الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْدَى إلَى النَّجَاشِيِّ ثَلَاثِينَ أُوقِيَّةً مِسْكًا، ثُمَّ قَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ: إنِّي لَأُرَى النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ وَلَا أَرَى الْهَدِيَّةَ الَّتِي أَهْدَيْتُ إلَيْهِ إلَّا سَتُرَدُّ فَإِذَا رُدَّتْ إلَيَّ فَهِيَ لَكِ» فَكَانَ كَذَلِكَ.

[حاشية البجيرمي]

وَهِبَةُ الدَّيْنِ الْمُسْتَقِرِّ لِلْمَدِينِ أَوْ التَّصَدُّقُ بِهِ عَلَيْهِ إبْرَاءٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولٍ نَظَرًا لِلْمَعْنَى، وَهَذَا صَرِيحٌ فِيهِ خِلَافًا لِمَا فِي الذَّخَائِرِ مِنْ أَنَّهُ كِنَايَةٌ، نَعَمْ تَرْكُ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ أَيْ بِلَفْظِ التَّرْكِ كِنَايَةُ إبْرَاءٍ وَهِبَتُهُ لِغَيْرِهِ أَيْ الْمَدِينِ بَاطِلَةٌ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ لِأَنَّ مَا يُقْبَضُ مِنْ الْمَدِينِ عَيْنٌ فَهِيَ غَيْرُ مَا وَهَبَ لَا دَيْنٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ وَاعْتَمَدَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بُطْلَانُ ذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا بِمَا مَرَّ مِنْ صِحَّةِ بَيْعِهِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِشُرُوطِهِ السَّابِقَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
اهـ. .

قَوْلُهُ: (وَلَا تَلْزَمُ الْهِبَةُ) عِبَارَةُ سم: وَلَا تَلْزَمُ الْهِبَةُ الشَّامِلَةُ لِلْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ، وَلَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ فِيهَا إلَّا بِالْقَبْضِ مِنْ الْوَاهِبِ أَوْ نَائِبِهِ أَوْ بِإِذْنِهِ فِيهِ فَتَلْزَمُ وَيَحْصُلُ الْمِلْكُ، فَإِنْ اسْتَقَلَّ بِهِ لَمْ يَمْلِكْهَا وَدَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ أَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ جُزْءًا شَائِعًا فَقَبَضَ الْجُمْلَةَ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ دُونَ الشَّرِيكِ صَحَّ وَأَثِمَ وَضَمِنَ نَصِيبَ الشَّرِيكِ، وَلَوْ حَصَلَتْ زِيَادَةٌ قَبْلَهُ مُنْفَصِلَةٌ فَهِيَ لِلْوَاهِبِ لِحُدُوثِهَا عَلَى مِلْكِهِ أَوْ تَصَرَّفَ قَبْلَهُ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ وَكَانَ رُجُوعًا وَإِنْ ظَنَّ لُزُومَ الْهِبَةِ بِالْعَقْدِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَا تُمْلَكُ) هُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ وَالْمُرَادُ بِالْهِبَةِ الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ لِأَنَّهَا الَّتِي تُمْلَكُ، وَقَوْلُهُ " الصَّحِيحَةُ " أَيْ الصَّحِيحُ عَقْدُهَا أَوْ الضَّمِيرُ لَهَا بِمَعْنَى عَقْدِهَا فَيَكُونُ فِيهِ اسْتِخْدَامٌ، وَلَوْ قَالَ: وَلَا تُمْلَكُ كَمَا فَعَلَ سم لَكَانَ أَوْلَى مُفِيدًا لِفَائِدَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْمَتْنِ وَهُوَ أَنَّ الْمِلْكَ أَيْضًا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبْضِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْمَتْنِ أَنَّ الْهِبَةَ تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ؛ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ إلَّا بِالْقَبْضِ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ " أَيْ لَا تُمْلَكُ " يَقْتَضِي أَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يُفِدْ مِلْكًا أَصْلًا، وَهَذَا مَا حَلَّ بِهِ ابْنُ قَاسِمٍ كَلَامَ الْمَتْنِ، إلَّا أَنْ يُقَدِّرَ أَيْ مِلْكًا تَامًّا وَإِلَّا فَأَصْلُ الْمِلْكِ حَصَلَ بِالْعَقْدِ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ شَيْخِنَا ح ف: قَوْلُهُ " وَلَا تَلْزَمُ الْهِبَةُ " أَيْ لَا تَصِيرُ مِنْ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ وَهِيَ الَّتِي يَمْتَنِعُ فَسْخُهَا شَرْعًا لِغَيْرِ مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ إلَّا بِالْقَبْضِ اهـ. قَوْلُهُ: (غَيْرُ الضِّمْنِيَّةِ) سَيَأْتِي مُحْتَرِزُهُ بِقَوْلِهِ كَأَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي مَجَّانًا فَأَعْتَقَهُ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبْضٍ.
قَوْلُهُ: (الشَّامِلَةُ إلَخْ) صِفَةٌ لِلْهِبَةِ، فَكَانَ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ لَا يُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ أَيْ مِمَّنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ لِذَلِكَ، فَلَوْ قَبَضَ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ سَفِيهٌ هِبَةً أَوْ صَدَقَةً أَوْ هَدِيَّةً فَلَا يَمْلِكُهَا وَلِمَالِكِهَا الرُّجُوعُ فِيهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ لَا ضَمَانَ إنْ كَانَ الدَّافِعُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْعَقْدُ الْمَذْكُورُ إذَا قَبَضَ الْوَلِيُّ، وَإِمَّا إذَا كَانَ الدَّافِعُ لِذَلِكَ غَيْرُ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ فَإِنَّهَا لَا تُمْلَكُ وَلَوْ قُبِضَتْ، وَلَوْ كَانَ الْقَابِضُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ فَلِوَلِيِّ مَنْ ذُكِرَ الرُّجُوعُ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً، فَإِنْ تَلِفَتْ ضَمِنَهَا مَنْ أَخَذَهَا وَلَوْ تَلِفَتْ بِنَفْسِهَا.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِالْقَبْضِ) أَيْ الَّذِي فِي الْبَيْعِ إمَّا لَهَا فِي الْأَعْيَانِ أَوْ لِمَحَلِّهَا فِي الْمَنَافِعِ؛ لِأَنَّ هِبَتَهَا صَحِيحَةٌ فَلَا يَمْلِكُهَا بِالْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: (أَهْدَى إلَى النَّجَّاشِي) بِفَتْحِ النُّونِ وَنُقِلَ كَسْرُهَا وَآخِرُهُ يَاءٌ سَاكِنَةٌ وَهُوَ الْأَكْثَرُ رِوَايَةً، وَنَقَلَ ابْنُ الْأَثِيرِ تَشْدِيدَهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ غَلَطًا؛ وَهُوَ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ وَمَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةُ وَهُوَ الَّذِي هَاجَرَ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنْ النُّبُوَّةِ فَآمَنَ وَأَسْلَمَ بِكِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَنَعَاهُ، أَيْ أَخْبَرَ بِمَوْتِهِ، وَذَكَرَ مَحَاسِنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصُورَةُ الْكِتَابِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلَى النَّجَّاشِي مَلِكِ الْحَبَشَةِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ وَأَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ الْبَتُولِ الطَّيِّبَةِ الْحَصِينَةِ فَحَمَلَتْ بِعِيسَى فَخَلَقَهُ مِنْ رُوحِهِ وَنَفَخَهُ كَمَا خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَإِنِّي أَدْعُوَك إلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالْمُوَالَاةِ عَلَى طَاعَتِهِ وَأَنْ تَتَّبِعَنِي وَتَرْضَى بِاَلَّذِي جَاءَنِي فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ؛ وَإِنِّي أَدْعُوَك وَجُنْدَك إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَدْ بَلَّغْتُ وَنَصَحْتُ فَاقْبَلُوا نَصِيحَتِي، وَقَدْ بَعَثْتُ إلَيْكُمْ ابْنَ عَمِّي جَعْفَرًا وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى.
وَبَعَثَ الْكِتَابَ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ اهـ. قَوْلُهُ: (أُوقِيَّةً) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَفْصَحُ مِنْ تَخْفِيفِهَا وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ) اسْمُهَا هِنْدٌ، فَلَمَّا مَاتَ

وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إرْفَاقٍ كَالْقِرَاضِ فَلَا تُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَخَرَجَ بِالصَّحِيحَةِ الْفَاسِدَةُ فَلَا تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ.
وَبِغَيْرِ الضِّمْنِيَّةِ الضِّمْنِيَّةُ كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي مَجَّانًا فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَنْهُ وَيَسْقُطُ الْقَبْضُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا يَسْقُطُ الْقَبُولُ إذَا كَانَ الْتِمَاسُ الْعِتْقِ بِعِوَضٍ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي بَابِ الْكَفَّارَةِ، وَبِغَيْرِ ذَاتِ الثَّوَابِ ذَاتُهُ فَإِنَّهُ إذَا سَلَّمَ الثَّوَابَ اسْتَقَلَّ بِالْقَبْضِ لِأَنَّهُ بَيْعٌ.
تَنْبِيهٌ: شَمَلَ كَلَامُهُ هِبَةَ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ أَنَّهَا لَا تُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، خِلَافًا لِمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْقَبْضُ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ فِيهِ إنْ لَمْ يَقْبِضْهُ الْوَاهِبُ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي يَدِ الْمُتَّهَبِ أَمْ لَا فَلَوْ قَبَضَ بِلَا إذْنٍ وَلَا إقْبَاضٍ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَدَخَلَ فِي ضَمَانِهِ سَوَاءٌ أَقَبَضَهُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ أَمْ بَعْدَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ إمْكَانِ السَّيْرِ إلَيْهِ إنْ كَانَ غَائِبًا، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْقَبْضِ إلَّا أَنَّهُ هُنَا لَا يَكْفِي الْإِتْلَافُ وَلَا الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ

[حاشية البجيرمي]

أَبُو سَلَمَةَ وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا خَطَبَهَا أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَبَتْ ثُمَّ عُمَرُ فَأَبَتْ ثُمَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: مَرْحَبًا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَشَكَتْ إلَيْهِ شِدَّةَ الْغَيْرَةِ، فَدَعَا لَهَا أَنْ يُذْهِبَهَا اللَّهُ عَنْهَا فَكَانَتْ فِي نِسَائِهِ كَالْأَجْنَبِيَّةِ لَا تَجِدُ مَا يَجِدُونَ مِنْ الْغَيْرَةِ اهـ مِنْ بُسْتَانِ الْفُقَرَاءِ.
قَوْلُهُ: (إنِّي لَأُرَى) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ فِي هَذِهِ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا مِنْ الرُّؤْيَةِ بِمَعْنَى الظَّنِّ.
اهـ. م د. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كُتُبُ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا رُدَّتْ إلَخْ) فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تُمْلَكُ بِالصِّيغَةِ.
قَوْلُهُ: (فَكَانَ كَذَلِكَ) أَيْ مَوْتُ النَّجَّاشِي وَرَدُّ الْهَدِيَّةِ، لَكِنْ مَا رُدَّتْ قَسَمَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ نِسَائِهِ وَلَمْ يَخُصَّ بِهَا أُمَّ سَلَمَةَ م ر، وَذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ لَمْ تَقْبِضْهَا وَهِيَ هِبَةٌ.
فَقَدْ اُسْتُفِيدَ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ لَا بِالْعَقْدِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الِاسْتِدْلَالِ رَدَّ الْهَدِيَّةِ لِمَوْتِ النَّجَّاشِي قَبْلَ قَبْضِهِ لَهَا، فَرَدُّهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ بَلْ هُوَ مُتَعَيِّنٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ وَعْدٌ لَا عَقْدُ هِبَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا.
قَوْلُهُ: (الْفَاسِدَةُ) أَيْ بِفَوَاتِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْمَوْهُوبِ مَثَلًا فَلَا تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ وَلَا ضَمَانَ لَوْ تَلِفَتْ، وَأَمَّا الْفَاسِدَةُ بِفَوَاتِ شَرْطٍ فِي الْوَاهِبِ أَوْ الْمُتَّهَبِ فَقَدْ عَرَفْت حُكْمَهَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ) نَعَمْ لَوْ تَلِفَتْ بَعْدَ قَبْضِهَا لَا يَضْمَنُهَا لِأَنَّ فَاسِدَ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ.
قَوْلُهُ: (أَعْتِقْ عَبْدَك إلَخْ) أَيْ فَفَعَلَ.
قَوْلُهُ: (إذَا كَانَ الْتِمَاسٌ إلَخْ) وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَكُونُ بَيْعًا ضِمْنِيًّا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ إذَا سَلَّمَ الثَّوَابَ) أَيْ الْعِوَضَ، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: فَإِنَّهَا تُمْلَكُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
قَوْلُهُ: (اسْتَقَلَّ بِالْقَبْضِ) مُقْتَضَى مُقَابَلَتِهِ لِكَلَامِ الْمَتْنِ أَنْ يَقُولَ: فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبْضٍ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ خَارِجٌ بِقَيْدٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ بِقَبْضٍ مَعَ إذْنٍ، أَمَّا ذَاتُ الثَّوَابِ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى الْإِذْنِ إذَا سَلَّمَ الْمُقَابِلَ.
قَوْلُهُ: (خِلَافًا لِمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ) أَيْ مِنْ حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي الْإِشْهَادُ بِالْمِلْكِ فِي هِبَةِ الْأَبِ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ كَمَا فِي م ر، وَحِينَئِذٍ فَيَحْتَاجُ إلَى النَّقْلِ فِي الْمَنْقُولِ وَإِمْكَانِ السَّيْرِ إلَى الْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: (بِإِذْنِ الْوَاهِبِ فِيهِ) أَيْ الْقَبْضِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْقَبْضُ عَنْ جِهَةِ الْهِبَةِ أَيْضًا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْإِذْنُ بَعْدَ تَمَامِ الصِّيغَةِ، فَلَوْ قَالَ: وَهَبْتُكَ هَذَا وَأَذِنْتُ لَك فِي قَبْضِهِ فَقَالَ قَبِلْتُ لَمْ يَكْفِ.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.
وَمِثْلُ الْقَبْضِ بِالْإِذْنِ الْإِقْبَاضُ، فَلَا تُمْلَكُ بِدُونِهِمَا.
وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ صَدَقَ الْوَاهِبُ كَمَا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ، وَلَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْإِذْنِ لَكِنْ قَالَ الْوَاهِبُ رَجَعْت قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمَوْهُوبَ، وَقَالَ الْمُتَّهَبُ: بَلْ بَعْدَهُ، صَدَقَ الْمُتَّهَبُ ز ي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ) تَعْمِيمٌ فِي قَوْلِهِ: دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ غَائِبًا) وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ مُدَّةِ إمْكَانِ السَّيْرِ لِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِ الْوَاهِبِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْقَبْضِ) أَيْ أَنَّ الْمَنْقُولَ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلِهِ، وَالْعَقَارُ يَكْفِي فِيهِ التَّخْلِيَةُ وَتَفْرِيغُهُ مِنْ أَمْتِعَةِ غَيْرِ الْمُشْتَرِي وَالْغَائِبُ لَا بُدَّ مِنْ إمْكَانِ الْوُصُولِ إلَيْهِ، فَيَجْرِي ذَلِكَ فِي قَبْضِ الْمَوْهُوبِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنَّهُ هُنَا لَا يَكْفِي الْإِتْلَافُ) إلَّا إنْ كَانَ الْإِتْلَافُ بِالْأَكْلِ أَوْ الْعِتْقِ وَأَذِنَ فِيهِ الْوَاهِبُ فَيَكُونُ قَبْضًا وَيُقَدَّرُ انْتِقَالُهُ إلَيْهِ قُبَيْلَ الِازْدِرَادِ وَالْعِتْقِ ز ي. قَوْلُهُ: (وَلَا الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) عِبَارَةُ الْعُبَابِ: وَتُمْلَكُ الْهَدِيَّةُ بِوَضْعِهَا بَيْنَ يَدَيْ الْمُهْدَى إلَيْهِ الْبَالِغِ لَا الصَّبِيِّ وَإِنْ أَخَذَهَا اهـ. بَقِيَ مَا لَوْ أَتْلَفَهَا الصَّبِيُّ وَالْحَالُ مَا ذَكَرَ فَهَلْ يَضْمَنُهَا، وَيَنْبَغِي عَدَمُ الضَّمَانِ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَيْهَا بِإِهْدَائِهَا لَهُ وَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا سَيَأْتِي فِي الْوَدِيعَةِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ لِلصَّبِيِّ شَيْئًا وَسَلَّمَهُ لَهُ فَأَتْلَفَهُ لَمْ

مُسْتَحِقٍّ الْقَبْضَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ، فَلَوْ مَاتَ الْوَاهِبُ أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَامَ وَارِثُ الْوَاهِبِ مَقَامَهُ فِي الْإِقْبَاضِ وَالْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ وَوَارِثُ الْمُتَّهَبِ فِي الْقَبْضِ، وَلَا تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ وَلَا بِالْجُنُونِ وَلَا بِالْإِغْمَاءِ لِأَنَّهَا تَئُولُ إلَى اللُّزُومِ كَالْبَيْعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ.

(وَإِذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ) أَيْ الْهِبَةَ الشَّامِلَةَ لِلْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ (لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ) حِينَئِذٍ (الرُّجُوعُ فِيهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْوَاهِبُ (وَالِدًا) وَكَذَا سَائِرُ الْأُصُولِ مِنْ الْجِهَتَيْنِ وَلَوْ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ عَلَى الْمَشْهُورِ، سَوَاءٌ أَقَبَضَهَا الْوَلَدُ أَمْ لَا، غَنِيًّا كَانَ أَمْ فَقِيرًا، صَغِيرًا أَمْ كَبِيرًا لِخَبَرِ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ وَالْوَلَدُ يَشْمَلُ كُلَّ الْأُصُولِ إنْ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، وَإِلَّا

[حاشية البجيرمي]

يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، وَالْهِبَةُ كَالْبَيْعِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَالْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ إقْبَاضٌ كَمَا تَقَرَّرَ سم عَلَى حَجّ.
وَقَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِالْبَالِغِ أَنَّهُ يَكْفِي الْقَبُولُ مِنْ السَّفِيهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِ وَلِيِّهِ وَلَا قَبْضِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ.
اهـ. عِ ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ إذْنِ الْمُتَّهَبِ فِي الْقَبْضِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَوْهُوبُ.
وَقَوْلُهُ " غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ " بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَيُحْتَمَلُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلْمُتَّهِبِ " وَمُسْتَحِقٌّ " يَكُونُ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْقَبْضِ كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى كَلَامِ ابْنِ قَاسِمٍ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ فَاعْتُبِرَ تَحْقِيقُهُ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ فَجَعَلَ التَّمْكِينَ مِنْهُ قَبْضًا.
قَوْلُهُ: (قَامَ وَارِثُ الْوَاهِبِ إلَخْ) فَلَوْ لَمْ يَرِثْ الْوَاهِبَ إلَّا بَيْتُ الْمَالِ فَهَلْ يَقُومُ الْإِمَامُ مَقَامَهُ فِي الْإِقْبَاضِ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْقَدِحُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَتْ تِلْكَ الْعَيْنُ لَوْ كَانَتْ مِلْكًا لِبَيْتِ الْمَالِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ غَيْرُهُ كَانَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُمَلِّكُهَا لِلْمُتَّهِبِ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ إقْبَاضَهُ إيَّاهَا وَإِلَّا فَلَا.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَتَفَسَّخُ بِالْمَوْتِ) هُوَ مُسْتَدْرَكٌ مَعَ مَا قَبْلَهُ، فَكَانَ الْأَوْلَى التَّفْرِيعَ، وَيَقُومُ وَلِيُّ الْمَجْنُونِ وَلَوْ حَاكِمًا مَقَامَهُ وَلَا وَلِيٌّ لِلْمُغْمَى عَلَيْهِ أَيْ فَتُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ، فَإِنْ أَيِسَ مِنْهَا فَكَمَا لِمَجْنُونٍ ق ل. قَوْلُهُ: (كَالْبَيْعِ) فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ بَلْ يَنْتَقِلُ الْخِيَارُ لِلْوَارِثِ.

قَوْلُهُ: (أَيْ الْهِبَةُ) الَّتِي هِيَ الْعَيْنُ، أَمَّا الدَّيْنُ فَلَا مَعْنَى لِلْقَبْضِ فِيهِ وَلَا رُجُوعَ فِيهِ مُطْلَقًا عَشْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّدَقَةُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ بِشَيْءٍ يَكُونُ لَهُ رُجُوعٌ فِيهِ، وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ هُنَا؛ لَكِنْ صَحَّحَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَفِي الْكَبِيرِ فِي بَابِ الْعَارِيَّةِ خِلَافُهُ كَمَا ذَكَرَ الدِّمْيَاطِيُّ فِي شَرْحِهِ فَلْيُحَرَّرْ.
وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً» إلَخْ يَدُلُّ لِلْأَوَّلِ، وَمَحَلُّ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ فِي الْمُتَطَوَّعِ بِهَا غَيْرِ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ، وَأَمَّا الْوَاجِبُ فِي زَكَاةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ فِدْيَةٍ فَلَا رُجُوعَ لِلْوَالِدِ، وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ لَحْمَ أُضْحِيَّةٍ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ لِيَسْتَفِيدَ التَّصَرُّفَ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِي مِثْلِ ذَلِكَ اهـ قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ وَالِدًا) أَيْ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا.
نَعَمْ إنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ فِي الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْعَيْنِ امْتَنَعَ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا سَائِرُ الْأُصُولِ) أَيْ مَا عَدَا الْأَبِ وَالْأُمِّ، فَمُرَادُهُ بِالْوَالِدِ مَا يَشْمَلُ الْأُمَّ.
وَحَمَلَ الشَّارِحُ الْوَالِدَ عَلَى الْحَقِيقِيِّ فَأَتَى بِذَلِكَ، وَلَوْ حَمَلَهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ لَشَمِلَ سَائِرَ الْأُصُولِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْجِهَتَيْنِ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَالْأُمِّ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَقَبَضَهَا) هَذَا التَّعْمِيمُ سَرَى إلَيْهِ مِنْ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ: وَلِلْوَالِدِ الرُّجُوعُ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ إلَخْ، وَهُوَ لَا يُنَاسِبُ كَلَامَ الْمَتْنِ لِأَنَّهُ فَرَضَ كَلَامَهُ فِي الْقَبْضِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ق ل: هَذَا التَّعْمِيمُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ اهـ وَأَيْضًا كُلُّ أَحَدٍ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَعَدَمُ الْقَبْضِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ) يُرْفَعُ الْوَالِدُ بَدَلٌ مِنْ فَاعِلِ يَرْجِعُ أَوْ بِجَرِّهِ بَدَلٌ مِنْ رَجُلٍ أَوْ بِنَصْبِهِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَالْمُخْتَارُ الْإِتْبَاعُ.
وَذِكْرُ الرَّجُلِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَاخْتَصَّ الْوَالِدُ بِذَلِكَ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فِيهِ إذْ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ مِنْ إيثَارِهِ وَلَدَهُ عَلَى نَفْسِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا يَرْجِعُ لِحَاجَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ وَيُكْرَهُ لَهُ الرُّجُوعُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنْ وُجِدَ كَكَوْنِ الْوَلَدِ عَاقًّا أَوْ يَصْرِفُهُ فِي مَعْصِيَةٍ أَنْذَرَهُ بِهِ، فَإِنْ أَصَرَّ لَمْ يُكْرَهْ كَمَا قَالَا.
وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ نَدْبَهُ فِي الْعَاصِي وَكَرَاهَتَهُ فِي الْعَاقِّ إنْ زَادَ عُقُوقُهُ بِهِ وَنَدْبُهُ إنْ أَزَالَهُ وَإِبَاحَتُهُ إنْ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا، وَالْأَذْرَعِيُّ عَدَمَ كَرَاهَتِهِ إنْ احْتَاجَ الْأَبُ لِنَفَقَتِهِ أَوْ دَيْنٍ بَلْ نَدْبُهُ حَيْثُ كَانَ الْوَلَدُ غَيْرَ مُحْتَاجٍ لَهُ وَوُجُوبُهُ فِي الْعَاصِي إنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ تَعَيُّنُهُ طَرِيقًا إلَى كَفِّهِ عَنْ

أُلْحِقَ بِهِ بَقِيَّةُ الْأُصُولِ بِجَامِعِ أَنَّ لِكُلٍّ وِلَادَةً كَمَا فِي النَّفَقَةِ وَحُصُولِ الْعِتْقِ وَسُقُوطِ الْقَوَدِ.
تَنْبِيهٌ: مَحَلُّ الرُّجُوعِ فِيمَا إذَا كَانَ الْوَلَدُ حُرًّا، أَمَّا الْهِبَةُ لِوَلَدِهِ الرَّقِيقِ فَهِبَةٌ لِسَيِّدِهِ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا فِي هِبَةِ الْأَعْيَانِ.
أَمَّا لَوْ وَهَبْ وَلَدَهُ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فَلَا رُجُوعَ سَوَاءٌ أَقُلْنَا إنَّهُ تَمْلِيكٌ أَمْ إسْقَاطٌ إذْ لَا بَقَاءَ لِلدَّيْنِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهُ شَيْئًا فَتَلِفَ، وَشَرْطُ رُجُوعِ الْأَبِ أَوْ أَحَدِ سَائِرِ الْأُصُولِ بَقَاءُ الْمَوْهُوبِ فِي سَلْطَنَةِ الْوَلَدِ.
وَيَدْخُلُ فِي السَّلْطَنَةِ مَا لَوْ أَبَقَ الْمَوْهُوبُ أَوْ غُصِبَ فَيَثْبُتُ الرُّجُوعُ فِيهِمَا، وَخَرَجَ بِهِمَا مَا لَوْ جَنَى الْمَوْهُوبُ أَوْ أَفْلَسَ الْمُتَّهَبُ وَحُجِرَ عَلَيْهِ فَيَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ، نَعَمْ لَوْ قَالَ: أَنَا أُؤَدِّي أَرْشَ الْجِنَايَةِ وَأَرْجِعُ.
مُكِّنَ فِي الْأَصَحِّ، وَيَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ أَيْضًا بِبَيْعِ الْوَلَدِ الْمَوْهُوبِ أَوْ وَقْفِهِ أَوْ عِتْقِهِ أَوْ

[حاشية البجيرمي]

الْمَعْصِيَةِ؛ شَرْحِ م ر شَوْبَرِيٌّ.
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ عَكْسُ مَذْهَبِنَا وَهُوَ الرُّجُوعُ فِيمَا وَهَبَ لِأَجْنَبِيٍّ دُونَ مَا وَهَبَهُ الْأَصْلُ لِفَرْعِهِ، وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيثِ الْآتِي بِعَدَمِ صِحَّتِهِ عِنْدَهُمْ؛ شَيْخُنَا.
قَالَ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّهُ لَيْسَ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ بِحَالٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ لَهُ الرُّجُوعَ بِكُلِّ حَالٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّ لَهُ الرُّجُوعَ وَلَوْ بَعْدَ الْقَبْضِ فِي كُلِّ مَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ عَلَى جِهَةِ الصِّلَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَلَا يَرْجِعُ فِيمَا وَهَبَهُ عَلَى جِهَةِ الصَّدَقَةِ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَسُوغُ الرُّجُوعُ إذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الْهِبَةُ فِي يَدِ الْوَلَدِ أَوْ يُسْتَحْدَثُ دَيْنًا بَعْدَ الْهِبَةِ أَوْ تَتَزَوَّجُ الْبِنْتُ أَوْ يَخْتَلِطُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِمَالٍ مِنْ جِنْسِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي إحْدَى رِوَايَاتِهِ: وَأَظْهَرِهَا أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ بِكُلِّ حَالٍ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ بَعْضَ الْأَوْلَادِ قَدْ يَكُونُ مَعَ أَبِيهِ كَالْأَجَانِبِ بَلْ كَالْأَعْدَاءِ، وَوَجْهُ الثَّانِي «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِوَلَدٍ أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» اهـ. قَوْلُهُ: (وَالْوَالِدُ يَشْمَلُ كُلَّ الْأُصُولِ) أَيْ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، فَذِكْرُ الرَّجُلِ فِي الْحَدِيثِ لَا مَفْهُومَ لَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْ النَّسَبِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصْلَ مِنْ النَّسَبِ لَا يَرْجِعُ فِي هِبَةِ الْفَرْعِ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ حُرًّا وَأَنْ يَبْقَى الْمَوْهُوبُ فِي سَلْطَنَتِهِ وَأَنْ يَكُونَ عَيْنًا لَا دَيْنًا فَالشُّرُوطُ ثَلَاثَةٌ اهـ. وَلَوْ وَهَبَهُ، أَيْ الْأَجْنَبِيُّ، وَأَقْبَضَهُ وَمَاتَ فَادَّعَى الْوَارِثُ صُدُورَهُ فِي الْمَرَضِ وَالْمُتَّهَبُ كَوْنُهُ فِي الصِّحَّةِ صُدِّقَ الثَّانِي بِيَمِينِهِ، وَلَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْوَارِثِ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ.
اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (كَمَا فِي النَّفَقَةِ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ " أَلْحَقَ ". قَوْلُهُ: (وَسُقُوطُ الْقَوَدِ) كَمَا إذَا قَتَلَ الْجَدُّ وَلَدَ وَلَدِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (فَهِبَةٌ لِسَيِّدِهِ) أَيْ فَلَا رُجُوعَ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا لَوْ وَهَبَ لِوَلَدِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ) أَمَّا هِبَةُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ فَقِيلَ صَحِيحَةٌ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي بَيْعِهِ، وَصَحَّحَ فِي الْمِنْهَاجِ بُطْلَانَهَا نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ.
هَذَا وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ صِحَّةِ هِبَتِهِ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ سَوَاءٌ قُلْنَا بِصِحَّةِ بَيْعِهِ أَمْ لَا م ر أج.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ هِبَةِ الدَّيْنِ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ إنَّهَا أَوْ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْهِبَةِ بِمَعْنَى الْعَقْدِ أَوْ أَنَّهُ ذَكَرَ الضَّمِيرَ بِالنَّظَرِ لِلْخَبَرِ.
قَوْلُهُ: (أَمْ إسْقَاطٌ) أَيْ إبْرَاءٌ.
قَوْلُهُ: (فِي سَلْطَنَةِ الْوَلَدِ) هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ جَوَازِ التَّصَرُّفِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْمِلْكَ بِدَلِيلِ شُمُولِ زَوَالِهَا لِمَا لَوْ جَنَى الْمَوْهُوبُ أَوْ أَفْلَسَ الْمُتَّهَبُ وَحُجِرَ عَلَيْهِ أَوْ رَهَنَ الْمَوْهُوبَ وَأَقْبَضَهُ فَإِنَّ هَذِهِ لَا تُزِيلُ الْمِلْكَ لَكِنَّهَا تُزِيلُ جَوَازَ التَّصَرُّفِ.
وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَقَوْلُهُ " فِي سَلْطَنَتِهِ " أَيْ اسْتِيلَائِهِ، وَهِيَ أَوْلَى مِنْ التَّعْبِيرِ بِبَقَاءِ الْمِلْكِ لِشُمُولِهَا مَا لَوْ كَانَتْ الْعَطِيَّةُ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ لِبَقَاءِ السَّلْطَنَةِ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ الْمِلْكُ خ ض. وَقَالَ ق ل: عَدَلَ إلَيْهَا عَنْ الْمِلْكِ لِصِحَّةِ إخْرَاجِ الْمُكَاتَبِ الْمَذْكُورِ، وَالْمُسْتَوْلَدَةِ أَيْ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الْمُكَاتَبِ، وَالْمُسْتَوْلَدَةِ زَالَتْ عَنْهُمَا السَّلْطَنَةُ دُونَ الْمِلْكِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِهَا إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّلْطَنَةِ الِاسْتِيلَاءُ التَّامُّ فَصَحَّ مَا ذَكَرَهُ اهـ. وَقَوْلُهُ بِهَا الْأَنْسَبُ بِهِ أَيْ الْبَقَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَحُجِرَ عَلَيْهِ) أَيْ بِالْفَلَسِ.
وَخَرَجَ مَا لَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ، لِأَنَّ الْحَجْرَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْعَيْنِ، وَإِذَا انْفَكَّ

نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُزِيلُ الْمِلْكَ عَنْهُ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ امْتِنَاعُ الرُّجُوعِ بِالْبَيْعِ وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ مِنْ أَبِيهِ الْوَاهِبِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعُ رَهْنَهُ وَلَا هِبَتَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لِبَقَاءِ السَّلْطَنَةِ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ؛ وَأَمَّا بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ لِزَوَالِ سَلْطَنَتِهِ، وَلَا يَمْنَعُ أَيْضًا تَعْلِيقَ عِتْقِهِ وَلَا تَدْبِيرِهِ وَلَا تَزْوِيجَ الرَّقِيقِ وَلَا زِرَاعَةَ الْأَرْضِ وَلَا إجَارَتَهَا لِأَنَّ الْعَيْنَ بَاقِيَةٌ بِحَالِهَا، نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ الرُّجُوعِ مَعَ بَقَاءِ السَّلْطَنَةِ صُوَرٌ: مِنْهَا مَا لَوْ جُنَّ الْأَبُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ حَالَ جُنُونِهِ، وَلَا رُجُوعُ وَلِيِّهِ بَلْ إذَا أَفَاقَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ أَحْرَمَ وَالْمَوْهُوبُ صَيْدٌ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي الْحَالِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ يَدِهِ عَلَى الصَّيْدِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَمِنْهَا مَا لَوْ ارْتَدَّ الْوَالِدُ، وَفَرَّعْنَا عَلَى وَقْفِ مِلْكِهِ وَهُوَ الرَّاجِحُ، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ لِأَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَقْبَلُ الْوَقْفَ كَمَا لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ، فَلَوْ حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ أَوْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ وَالْمَوْهُوبُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْوَلَدِ رَجَعَ.
.

فُرُوعٌ: لَوْ وَهَبَ لِوَلَدِهِ شَيْئًا وَوَهَبَهُ الْوَلَدُ لِوَلَدِهِ لَمْ يَرْجِعْ الْأَوَّلُ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ الْمِلْكَ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْهُ، وَلَوْ وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ فَوَهَبَهُ الْوَلَدُ لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ لَمْ يَثْبُتْ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ لِأَنَّ الْوَاهِبَ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فَالْأَبُ أَوْلَى، وَلَوْ وَهَبَهُ الْوَلَدُ لِجَدِّهِ ثُمَّ الْجَدُّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ فَالرُّجُوعُ لِلْجَدِّ فَقَطْ، وَلَوْ زَالَ مِلْكُ الْوَلَدِ عَنْ الْمَوْهُوبِ وَعَادَ إلَيْهِ بِإِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَرْجِعْ الْأَصْلُ لِأَنَّ الْمِلْكَ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْهُ حَتَّى يَرْجِعَ فِيهِ.
وَلَوْ زَرَعَ الْوَلَدُ الْحَبَّ أَوْ فَرَّخَ الْبَيْضَ لَمْ يَرْجِعْ الْأَصْلُ فِيهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي، وَإِنْ جَزَمَ الْبُلْقِينِيُّ بِخِلَافِهِ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ صَارَ مُسْتَهْلَكًا، وَلَوْ زَادَ الْمَوْهُوبُ رَجَعَ فِيهِ بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ

[حاشية البجيرمي]

الْحَجْرُ مُكِّنَ مِنْ الرُّجُوعِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ وَقَفَهُ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يُخْرِجَ هَذَا بِبَقَاءِ السَّلْطَنَةِ كَمَا فَعَلَهُ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (مِمَّا يُزِيلُ الْمِلْكَ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ غَيْرُهُ كَالْكِتَابَةِ وَالْإِيلَادِ وَالرَّهْنِ بَعْدَ قَبْضِهِ كَمَا أَشَارَ بِهِ؛ لَكِنْ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ الرَّهْنُ لِغَيْرِ الْوَالِدِ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ؛ سم مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَبِيهِ) أَيْ لِأَبِيهِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْقَبْضِ) يَرْجِعُ لِلرَّهْنِ وَالْهِبَةِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمِلْكَ) فِيهِ قُصُورٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَمْنَعُ أَيْضًا) كَمَا لَوْ انْفَكَّ الرَّهْنُ وَالْكِتَابَةُ سم فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا إجَارَتُهَا) لَوْ قَالَ: وَلَا الْإِجَارَةُ لَكَانَ أَعَمَّ، وَلَا يَفْسَخُ الْوَالِدُ الْإِجَارَةَ إنْ رَجَعَ بَلْ تَبْقَى بِحَالِهَا لَكِنْ أُجْرَةُ مَا بَقِيَ بَعْدَ الرُّجُوعِ لِلْوَالِدِ كَالتَّزْوِيجِ فَيَكُونُ الْمَهْرُ لِلْوَلَدِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى وَقْفِ مِلْكِهِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ عَلَى وَقْفِ تَصَرُّفِهِ لِأَنَّ الرُّجُوعَ مِنْ قِبَلِ التَّصَرُّفِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْإِمْلَاكِ، وَالْمُرْتَدُّ تُوقَفُ أَمْلَاكُهُ إنْ عَادَ لِلْإِسْلَامِ تَبَيَّنَ اسْتِمْرَارُهَا، وَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا تَبَيَّنَ زَوَالُهَا عَنْ الْمَمْلُوكَاتِ مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ، وَتَصَرُّفَاتُهُ الَّتِي تَقَعُ مِنْهُ حَالَ الرِّدَّةِ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَقْبَلُ التَّعَالِيقَ كَالْعِتْقِ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ إنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ تَبَيَّنَ نُفُوذُهَا، وَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا تَبَيَّنَ فَسَادُهَا وَأَمَّا إذَا لَمْ تَقْبَلْ التَّعْلِيقَ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ مِنْ وَقْتِهَا وَلَا تُوقَفُ؛ وَسَيَأْتِي هَذَا كُلُّهُ فِي بَابِ الرِّدَّةِ.

قَوْلُهُ: (فُرُوعٌ) أَيْ سِتَّةٌ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمِلْكَ) أَيْ مِلْكَ وَلَدِ الْوَلَدِ، وَقَوْلُهُ " غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِنْهُ " أَيْ مِنْ الْوَاهِبِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ أَصْلًا لِوَلَدِ الْوَلَدِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ أَصْلٌ عَلَى فَرْعِ إلَّا إذَا اسْتَفَادَ الْفَرْعُ الْمِلْكَ مِنْ الرَّاجِعِ.
قَوْلُهُ: (لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ) سَوَاءٌ كَانَ شَقِيقًا أَمْ لَا، وَقَيَّدَ بِالْأَبِ لِإِخْرَاجِ الْأَخِ لِلْأُمِّ فَإِنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ الرُّجُوعُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ وَهَبَهُ الْوَلَدُ لِجَدِّهِ) أَيْ وَفَرَضَ الْمَسْأَلَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ وَهَبَهُ لَهُ.
وَقَوْلُهُ " ثُمَّ الْجَدُّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ " وَهُوَ الْوَاهِبُ لَهُ أَوَّلًا فَكَانَ الْأَوْلَى الْإِضْمَارُ، أَوْ يُقَالُ الْمُرَادُ وَلَدُ وَلَدٍ آخَرُ غَيْرُ الْوَاهِبِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (فَالرُّجُوعُ لِلْجَدِّ فَقَطْ) أَيْ دُونَ الْأَبِ الْوَاهِبِ لِوَلَدِهِ أَوَّلًا الَّذِي وَهَبَ لِجَدِّهِ.
وَعِلَّةُ عَدَمِ رُجُوعِ الْأَبِ خُرُوجُ الْمَوْهُوبِ عَنْ سَلْطَنَةِ الْوَلَدِ الْوَاهِبِ لِلْجَدِّ، لِأَنَّ الْمِلْكَ الْآنَ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْجَدِّ لَا مِنْ الْأَبِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا فِي الْمُحَشِّي.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَرْجِعْ الْأَصْلُ) وَيَكُونُ الزَّائِلُ الْعَائِدُ هُنَا كَاَلَّذِي لَمْ يُعَدَّ، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: وَعَائِدٌ كَزَائِلٍ لَمْ يُعَدَّ فِي فَلَسٍ مَعَ هِبَةٍ لِلْوَلَدْ فِي الْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَفِي الصَّدَاقِ بِعَكْسِ ذَاكَ الْحُكْمِ بِاتِّفَاقِ

كَالسِّمَنِ دُونَ الْمُنْفَصِلَةِ كَالْوَلَدِ الْحَادِثِ فَإِنَّهُ يَبْقَى لِلْمُتَّهَبِ لِحُدُوثِهِ عَلَى مِلْكِهِ بِخِلَافِ الْحَمْلِ الْمُقَارِنِ لِلْهِبَةِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِيهِ وَإِنْ انْفَصَلَ، وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِرَجَعْتُ فِيمَا وَهَبْتُ أَوْ اسْتَرْجَعْتُهُ أَوْ رَدَدْتُهُ إلَى مِلْكِي.
أَوْ نَقَضْت الْهِبَةَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَأَبْطَلْتُهَا أَوْ فَسَخْتُهَا، وَلَا يَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِبَيْعِ مَا وَهَبَهُ الْأَصْلُ لِفَرْعِهِ، وَلَا بِوَقْفِهِ وَلَا بِهِبَتِهِ وَلَا بِإِعْتَاقِهِ، وَلَا بِوَطْءِ الْأَمَةِ.

وَلَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْهِبَةِ مِنْ صِيغَةٍ وَهُوَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ، وَتَحْصُلُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولِ لَفْظٍ مِنْ النَّاطِقِ مَعَ التَّوَاصُلِ الْمُعْتَادِ كَالْبَيْعِ.

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (صَارَ مُسْتَهْلَكًا) أَيْ لِأَنَّهُ أَوْجَدَ فِيهِ فِعْلًا يَسْرِي إلَى التَّلَفِ.
وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ مَنْ اقْتَرَضَ حَبًّا فَبَذَرَهُ مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ رُجُوعِ الْمُقْرِضِ، وَقَوْلُهُمْ لِلْمُقْرِضِ الرُّجُوعُ فِي الْعَيْنِ مَا دَامَتْ بَاقِيَةً عِنْدَ الْمُقْتَرِضِ لَا يَشْمَلُ هَذِهِ الصُّورَةَ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَا دَامَتْ بَاقِيَةً بِحَالِهَا، فَلَا يُقَالُ إنَّ مَا يُوجِدُهُ اللَّهُ مِنْ الزَّرْعِ يَكُونُ مِلْكًا لِلْمُقْرِضِ؛ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ غَصَبَ حَبًّا فَنَبَتَتْ فَإِنَّ الزَّرْعَ كُلَّهُ لِلْمَالِكِ وَعَلَى الْغَاصِبِ أَرْشُ نَقْصِهِ إنْ فُرِضَ أَنَّ الزَّرْعَ أَنْقَصُ مِنْ الْحَبِّ الْمَغْصُوبِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ م ر فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِي بَابِ الْغَصْبِ وَنَقَلَهُ أج عَنْ الزِّيَادِيِّ، وَعِبَارَتُهُ: وَهَذَا بِخِلَافِ الْغَصْبِ فَإِنَّ بَذْرَ الْحَبِّ وَتَفْرِيخَ الْبَيْضِ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ لِأَنَّ الْغَصْبَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الرُّجُوعِ، وَإِنْ تَدَاوَلَتْ الْأَيْدِي عَلَى الْمَغْصُوبِ وَالتَّعَلُّقُ بِذَلِكَ أَيْ بِمَا نَشَأَ مِنْ الْبَذْرِ وَالْبَيْضِ أَوْلَى مِنْ التَّعَلُّقِ بِبَدَلِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْهِبَةُ، فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بِزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ) أَيْ غَيْرِ الْحَمْلِ الْحَادِثِ وَلَوْ قَبْلَ وَضْعِهِ سم.
قَوْلُهُ: (كَالسِّمَنِ) أَيْ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ لَا مُعَالَجَةَ لِلسَّيِّدِ فِيهِ، زي.
وَالْمُرَادُ بِالسَّيِّدِ الْوَلَدُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ التَّعَلُّمَ إنْ كَانَ فِيهِ مُعَالَجَةٌ تُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ دَفَعَهَا الْوَاهِبُ لِابْنِهِ إنْ طَلَبَهَا تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (كَالْوَلَدِ الْحَادِثِ) أَيْ بَعْدَ الْقَبْضِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ لِحُدُوثِهِ، ع ش عَلَى الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بِبَيْعِ مَا وَهَبَهُ الْأَصْلُ إلَخْ) أَيْ بَيْعَهُ مَعَ كَوْنِهِ فِي يَدِ الْفَرْعِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ بِتَصَرُّفِ غَيْرِهِ فِيهِ وَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ بَاطِلَةٌ.
قَوْلُهُ: (لِفَرْعِهِ) أَيْ بَعْدَ قَبْضِ الْفَرْعِ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِوَقْفِهِ) أَيْ وَلَا بِإِيلَادِهِ وَإِتْلَافِهِ، وَيَلْزَمُهُ بِالْوَطْءِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَبِالْإِيلَادِ وَالْإِتْلَافِ الْقِيمَةُ وَتَلْغُو الْبَقِيَّةُ، وَالْوَطْءُ حَرَامٌ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الرُّجُوعَ، وَإِذَا رَجَعَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَوْهُوبَ مِنْ الْوَلَدِ فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ سم.

قَوْلُهُ: (وَلَا بُدَّ فِي صِحَّةِ الْهِبَةِ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ هَذَا قَبْلَ قَوْلِ الْمَتْنِ: وَإِذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ إلَخْ، لِيُتِمَّ الْكَلَامَ عَلَى الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ صِيغَةٍ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَصِحُّ مِنْ الْأَعْمَى وَلَا لَهُ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَلَا يَكُونُ إلَّا فِي عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ وَهُوَ لَا يَتَصَرَّفُ فِي الْأَعْيَانِ، أَمَّا الصَّدَقَةُ وَالْهَدِيَّةُ فَتَصِحُّ مِنْهُ وَلَهُ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْقَبُولُ عَلَى طَبَقِ الْإِيجَابِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ عَدَمَ اشْتِرَاطِهِ هُنَا، وَمِنْهُ أَيْضًا اعْتِبَارُ الْفَوْرِيَّةِ فِي الصِّيغَةِ فَيَضُرُّ الْفَصْلُ بِأَجْنَبِيٍّ وَالْأَوْجَهُ كَمَا رَجَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ اغْتِفَارُ قَوْلِهِ بَعْدَ وَهَبْتُكَ وَسَلَّطْتُكَ عَلَى قَبْضِهِ، فَلَا يَكُونُ فَاصِلًا مُضِرًّا لِتَعَلُّقِهِ بِالْعَقْدِ؛ نَعَمْ فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْإِذْنِ قَبْلَ وُجُودِ الْقَبُولِ نَظَرٌ، وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي مَزْجِ الرَّهْنِ بِالْبَيْعِ الِاكْتِفَاءُ بِهِ، وَقَدْ لَا يَشْتَرِطُ صِيغَةً كَمَا لَوْ كَانَتْ ضِمْنِيَّةً كَأَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي فَأَعْتَقَهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ مَجَّانًا، وَمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ وَأَقَرَّهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ زَيَّنَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ بِحُلِيٍّ كَانَ تَمْلِيكًا لَهُ بِخِلَافِ زَوْجَتِهِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَمْلِيكِهِ بِتَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ، مَرْدُودٌ بِأَنَّ كَلَامَهُمَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ اشْتَرَطَا فِي هِبَةِ الْأَصْلِ تَوَلِّيَ الطَّرَفَيْنِ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ وَهِبَةُ وَلِيِّ غَيْرِهِ لِمُوَلِّيهِ قَبُولُهَا مِنْ الْحَاكِمِ أَوْ نَائِبِهِ؛ شَرْحِ م ر. نَعَمْ إنْ دَفَعَ ذَلِكَ لِاحْتِيَاجِهِ لَهُ أَوْ قَصَدَ ثَوَابَ الْآخِرَةِ كَانَ صَدَقَةً فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إيجَابٍ وَلَا قَبُولٍ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا مِنْهُ، وَقَدْ تَدُلُّ الْقَرَائِنُ الظَّاهِرَةُ عَلَى شَيْءٍ فَيَعْمَلُ بِهِ ع ش عَلَى م ر. وَلَوْ خَتَنَ وَلَدَهُ وَحَمَلَتْ لَهُ هَدَايَا مَلَكَهَا الْأَبُ وَقَالَ جَمْعٌ لِلِابْنِ فَيَلْزَمُ الْأَبَ قَبُولُهَا، أَيْ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْمَحْذُورِ؛ وَمِنْهُ قَصْدُ التَّقَرُّبِ لِلْأَبِ، وَهُوَ نَحْوُ قَاضٍ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ الْمُهْدِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَإِلَّا فَهِيَ لِمَنْ قَصَدَهُ بِالِاتِّفَاقِ.
وَيَجْرِي ذَلِكَ فِيمَا يُعْطَاهُ خَادِمُ الصُّوفِيَّةِ، فَيَكُونُ لَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَوْ قَصْدِهِ وَلَهُمْ عِنْدَ قَصْدِهِمْ وَلَهُ وَلَهُمْ عِنْدَ قَصْدِهِمَا، أَيْ فَيَكُونُ لَهُ النِّصْفُ فِيمَا يَظْهَرُ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ فِيمَا إذَا أَوْصَى لِزَيْدٍ وَالْفُقَرَاءِ مَثَلًا، وَمَا

وَمِنْ صَرَائِحِ الْإِيجَابِ وَهَبْتُكَ وَمَنَحْتُكَ وَمَلَّكْتُكَ بِلَا ثَمَنٍ، وَمِنْ صَرَائِحِ الْقَبُولِ قَبِلْتُ وَرَضِيتُ، وَيَقْبَلُ الْهِبَةَ لِلصَّغِيرِ وَنَحْوَهُ مِمَّنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلْقَبُولِ الْوَلِيُّ وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ فِي الْهَدِيَّةِ وَلَا فِي الصَّدَقَةِ، بَلْ يَكْفِي الْإِعْطَاءُ مِنْ الْمَالِكِ وَالْأَخْذُ مِنْ الْمَدْفُوعِ لَهُ

(وَ) تَصِحُّ بِعُمْرَى وَرُقْبَى، فَالْعُمْرَى كَمَا إذَا أَعْمَرَ شَيْئًا كَأَنْ قَالَ أَعْمَرْتُكَ هَذَا أَيْ: جَعَلْتُهُ لَك عُمْرَك أَوْ حَيَاتَك أَوْ مَا عِشْتَ وَإِنْ زَادَ فَإِذَا مِتَّ عَادَ لِي لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا» وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا: جَعَلْتُهُ لَك عُمْرَك مَا لَوْ قَالَ جَعَلْتُهُ لَك عُمْرِي أَوْ عُمْرَ زَيْدٍ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِخُرُوجِهِ عَنْ اللَّفْظِ الْمُعْتَادِ لِمَا فِيهِ مِنْ

[حاشية البجيرمي]

جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ وَضْعِ طَاسَةٍ بَيْنَ يَدَيْ صَاحِبِ الْفَرَحِ لِيَضَعَ النَّاسُ فِيهَا دَرَاهِمَ ثُمَّ تُقْسَمُ عَلَى الْمُزَيِّنِ وَنَحْوِهِ يَجْرِي فِيهِ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ قَصَدَ الْمُزَيِّنَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ نُظَرَائِهِ الْمُعَاوِنِينَ لَهُ عُمِلَ بِالْقَصْدِ، وَإِنْ أَطْلَقَ كَانَ مِلْكًا لِصَاحِبِ الْفَرَحِ يُعْطِيهِ لِمَنْ شَاءَ، وَبِهَذَا يُعْلَمُ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْعُرْفِ هُنَا شَرْحِ م ر. وَلَوْ نَذَرَ لِوَلِيِّ مَيِّتٍ بِمَالٍ فَإِنْ قَصَدَ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ لَغَا، وَإِنْ أَطْلَقَ فَإِنْ كَانَ عَلَى قَبْرِهِ مَا يَحْتَاجُ لِلصَّرْفِ فِي مَصَالِحِهِ صُرِفَ لَهَا، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ عِنْدَ قَوْمٍ اُعْتِيدَ قَصْدُهُمْ بِالنَّذْرِ لِلْوَلِيِّ صُرِفَ لَهُمْ اهـ وَلَوْ أَهْدَى لِمَنْ خَلَّصَهُ مِنْ ظَالِمٍ لِئَلَّا يَنْقُضَ مَا فَعَلَهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ قَبُولُهُ وَإِلَّا حَلَّ، أَيْ وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهُ، بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَى الْوَاجِبِ الْمُعَيَّنِ إذَا كَانَ فِيهِ كُلْفَةٌ، خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ وَغَيْرِهِ هُنَا.
وَلَوْ قَالَ: خُذْ وَاشْتَرِ لَك بِهِ كَذَا، تَعَيَّنَ الشِّرَاءُ بِهِ مَا لَمْ يُرِدْ التَّبَسُّطَ، أَيْ أَوْ تَدُلُّ قَرِينَةُ مَالٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ مُحَكَّمَةٌ هُنَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا: لَوْ أَعْطَى فَقِيرًا دِرْهَمًا بِنِيَّةِ أَنْ يَغْسِلَ بِهِ ثَوْبَهُ، أَيْ وَقَدْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى ذَلِكَ، تَعَيَّنَ لَهُ، وَإِنْ أَعْطَاهُ كَفَنًا لِأَبِيهِ فَكَفَّنَهُ فِي غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ لَهُ إنْ كَانَ قَصَدَ التَّبَرُّكَ بِأَبِيهِ لِفِقْهٍ أَوْ وَرَعٍ، قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: أَوْ قَصَدَ الْقِيَامَ بِفَرْضِ التَّكْفِينِ وَلَمْ يَقْصِدْ التَّبَرُّعَ عَلَى الْوَارِثِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا عَلِمَ قَصْدَهُ.
فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ بَلْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ إنْ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَسُّطِ الْمُعْتَادِ، وَإِلَّا فَيَلْزَمُهُ رَدُّهُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ " فِي اشْتَرِ لَك بِهَذَا عِمَامَةً " رَوْضٌ وَشَرْحُهُ.
وَلَوْ شَكَا إلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُوَفِّ أُجْرَتَهُ كَاذِبًا فَأَعْطَاهُ دِرْهَمًا أَوْ أَعْطَى بِظَنِّ صِفَةٍ فِيهِ أَوْ فِي نِسْبَةٍ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ بَاطِنًا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ قَبُولُهُ وَلَمْ يَمْلِكْهُ وَيَكْتَفِي فِي كَوْنِهِ أَعْطَى لِتِلْكَ الصِّفَةِ بِالْقَرِينَةِ.
وَمِثْلُ هَذَا مَنْ دَفَعَ لِمَخْطُوبَتِهِ أَوْ وَكِيلِهَا أَوْ وَلِيِّهَا أَوْ غَيْرِهِ لِيَتَزَوَّجَهَا فَرَدَّ قَبْلَ الْعَقْدِ رَجَعَ عَلَى مَنْ أَقْبَضَهُ، وَحَيْثُ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ مَا يُعْطَاهُ إنَّمَا يُعْطَاهُ لِلْحَيَاءِ حَرُمَ الْأَخْذُ وَلَمْ يَمْلِكْهُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: إجْمَاعًا.
وَكَذَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ فِعْلِ أَوْ تَسْلِيمِ مَا هُوَ عَلَيْهِ إلَّا بِمَالٍ كَتَزْوِيجِ بِنْتِهِ، بِخِلَافِ إمْسَاكِهِ لِزَوْجَتِهِ حَتَّى تُبْرِئَهُ أَوْ تَفْتَدِيَ بِمَالٍ.
وَيُفَرَّقُ بِأَنَّهُ هُنَا فِي مُقَابَلَةِ الْبُضْعِ الْمُتَقَوِّمِ عَلَيْهِ بِمَالٍ؛.
اهـ. حَجّ.
فَرْعٌ: مَا تَقَرَّرَ فِي الرُّجُوعِ فِي النُّقُوطِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ مَا يُسْتَهْلَكُ كَالْأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهِ؛ وَمَدَارُ الرُّجُوعِ عَلَى عَادَةِ أَمْثَالِ الدَّافِعِ لِهَذَا الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ، فَحَيْثُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالرُّجُوعِ رَجَعَ فَلَا.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَمَنَحْتُك) أَيْ أَعْطَيْتُك.
قَوْلُهُ: (بِلَا ثَمَنٍ) أَيْ حَالَ كَوْنِ الثَّلَاثَةِ صَادِرَةً بِلَا ذِكْرِ ثَمَنٍ، فَإِنْ ذَكَرَ فِيهَا الثَّمَنَ فَهِيَ هِبَةٌ بِثَوَابٍ وَلَا كَلَامَ فِيهَا.

قَوْلُهُ: (وَتَصِحُّ) أَيْ الْهِبَةُ وَقَوْلُهُ بِعُمْرَى، أَيْ فَهِيَ صِيغَةُ هِبَةٍ طَوَّلَ فِيهَا الْعِبَارَةَ، فَيُعْتَبَرُ فِيهَا الْقَبُولُ وَتَلْزَمُ بِالْقَبْضِ.
وَالْعُمْرَى وَالرُّقْبَى كَانَا عَقْدَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ قَالَهُ) أَيْ الْعَارِفُ بِمَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ مَعْنَى الرُّقْبَى وَالْعُمْرَى وَلَوْ بِوَجْهٍ حَتَّى يَقْصِدَهُ، فَلَوْ قَالَ ذَلِكَ جَاهِلًا بِهِ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهِ لَمْ يَصِحَّ كَمَا انْحَطَّ عَلَى ذَلِكَ كَلَامُ م ر وحج، وَلَوْ ادَّعَى الْجَهْلَ بِمَعْنَاهُ بَعْدَهُ إنْ صُدِّقَ إنْ أَمْكَنَ جَهْلُهُ؛.
اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
فَرْعٌ يُشْتَرَطُ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى الْقَبُولُ كَالْهِبَةِ.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ جَعَلْته إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْبَهْجَةِ: أَوْ جَعَلْته لَك عُمْرَك، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا) أَيْ فَلَا يَعْمَلُ بِقَوْلِهِ: فَإِذَا مِتّ عَادَ لِي، وَمِنْ ثَمَّ عَدَلُوا بِهِ عَنْ قِيَاسِ سَائِرِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ إذْ لَيْسَ لَنَا عَقْدٌ يَصِحُّ مَعَ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ الْمُنَافِي لِمُقْتَضَاهُ وَيَلْغُو إلَّا هَذَا زي.
قَوْلُهُ: (الْمُعْتَادُ) أَيْ الْمُعْتَادُ مَعَ النَّاسِ فِي عَقْدِ

تَأْقِيتِ الْمِلْكِ، فَإِنَّ الْوَاهِبَ أَوْ زَيْدًا قَدْ يَمُوتُ أَوَّلًا بِخِلَافِ الْعَكْسِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمْلِكُ إلَّا مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعُمْرَى كَإِذَا جَاءَ فُلَانٌ أَوْ رَأْسُ الشَّهْرِ فَهَذَا الشَّيْءُ لَك عُمْرَك.
وَالرُّقْبَى كَمَا إذَا قَالَ جَعَلْتُهُ لَك رُقْبَى أَوْ أَرْقُبُهُ كَأَنْ قَالَ أَرْقَبْتُكَهُ أَيْ إنْ مِتَّ قَبْلِي عَادَ إلَيَّ وَإِنْ مِتُّ قَبْلَك اسْتَقَرَّتْ لَك (كَانَ) ذَلِكَ الشَّيْءُ (لِلْمُعْمَرِ) فِي الْأُولَى (أَوْ لِلْمُرْقَبِ) فِي الثَّانِيَةِ بِلَفْظِ اسْمِ الْمَفْعُولِ فِيهِمَا (وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ) وَيَلْغُو الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد: «لَا تَعْمُرُوا وَلَا تَرْقُبُوا فَمَنْ أَعْمَرَ شَيْئًا أَوْ أَرْقَبَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» أَيْ لَا تَعْمُرُوا وَلَا تَرْقُبُوا طَمَعًا فِي أَنْ يَعُودَ إلَيْكُمْ فَإِنَّ مَصِيرَهُ الْمِيرَاثُ.
وَالرُّقْبَى مِنْ الرُّقُوبِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ الْآخَرِ وَالْهِبَةُ إنْ أُطْلِقَتْ بِأَنْ لَمْ تُقَيَّدْ بِثَوَابٍ وَلَا بِعَدَمِهِ فَلَا ثَوَابَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِأَعْلَى مِنْ الْوَاهِبِ أَوْ قُيِّدَتْ بِثَوَابٍ مَجْهُولٍ كَثَوْبٍ فَبَاطِلَةٌ، أَوْ بِمَعْلُومٍ فَبَيْعٌ نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى.
وَظَرْفُ الْهِبَةِ إنْ لَمْ يُعْتَدْ رَدُّهُ كَقَوْصَرَّةِ تَمْرٍ هِبَةً أَيْضًا وَإِلَّا فَلَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هِبَةً حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ إلَّا فِي أَكْلِ الْهِبَةِ مِنْهُ إنْ اُعْتِيدَ.

تَتِمَّةٌ: يُسَنُّ لِلْوَالِدِ وَإِنْ عَلَا الْعَدْلُ فِي عَطِيَّةِ أَوْلَادِهِ بِأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ: «اتَّقُوا اللَّهَ

[حاشية البجيرمي]

الْهِبَةِ بِلَفْظِ الْعُمْرَى.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِيهِ) الْأَوْلَى وَلِمَا فِيهِ بِالْوَاوِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْعَكْسِ) أَيْ إذَا قَالَ: جَعَلْتُهُ لَك عُمُرَكَ.
قَوْلُهُ: (إلَّا مُدَّةَ حَيَاتِهِ) أَيْ فَلَا تَأْقِيتَ فِي الْحَقِيقَةِ، شَرْحِ الْبَهْجَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلِوَرَثَتِهِ) أَيْ الْآخِذِ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ بَعْدِهِ ذَكَرَهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّهَا فِي الْحَالِ لَهُ وَلِمَنْ يَرِثُهُ بِتَقْدِيرِ مَوْتِهِ.
قَوْلُهُ: (الْمَذْكُورُ) لَوْ حَذَفَ الْمَذْكُورَ إلَخْ، لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الرُّقْبَى شَرْطًا بَلْ فِي الْعُمْرَى فَقَطْ، وَهُوَ: فَإِذَا مِتَّ عَادَ لِي إلَّا أَنْ يُرَادَ وَلَوْ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَتَأَمَّلْ ق ل. وَقَوْلُهُ " وَلَوْ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ " وَهُوَ قَوْلُهُ أَرْقَبْتُكَهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ مِتّ قَبْلِي عَادَ إلَيَّ وَإِنْ مِتّ قَبْلَك اسْتَقَرَّ لَك كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَمَنْ أُعْمِرَ شَيْئًا أَوْ أُرْقِبَهُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِمَا شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَا تَعْمُرُوا إلَخْ) فَالنَّهْيُ مُتَوَجِّهٌ عَلَى الْقَيْدِ، وَإِلَّا فَالْعُمْرَى وَالرُّقْبَى جَائِزَانِ.
قَوْلُهُ: (بِثَوَابٍ) أَيْ بِذِكْرِ عِوَضٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ) غَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (كَقَوْصَرَّةِ) بِقَافٍ مَفْتُوحَةٍ فَوَاوٍ سَاكِنَةٍ فَصَادٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ مُشَدَّدَةٍ وَلَا تُسَمَّى بِذَلِكَ إلَّا وَفِيهَا التَّمْرُ وَإِلَّا فَهِيَ مِكْتَلٌ وَزِنْبِيلٌ وَهِيَ الْجِرَابُ الَّذِي يُكْنَزُ فِيهِ التَّمْرُ مِنْ الْبَوَادِي قَالَ الرَّاجِزُ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ لَهُ قَوْصَرَّهْ ... يَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ يَوْمٍ مَرَّهْ قَوْلُهُ: (إلَّا فِي أَكْلٍ) أَيْ فَيَجُوزُ أَكْلُهَا مِنْهُ حِينَئِذٍ وَيَكُونُ عَارِيَّةً، شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ ظَرْفَ الْهَدِيَّةِ هِبَةٌ إنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِرَدِّهِ وَإِلَّا فَعَارِيَّةٌ إنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهَا مِنْهُ وَإِلَّا فَغَصْبٌ، اهـ وَيَنْدُبُ رَدُّ ظَرْفِ الْهَدِيَّةِ حَالًا بَلْ يَجِبُ إنْ اُعْتِيدَ تَفْرِيغُهُ حَالًا، إذْ الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْعَادَةُ.
فَالْحَاصِل أَنَّهُ إنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَفْرِيغِهِ حَالًا وَالْمُرَادُ عَادَةُ الْمُهْدِي، وَجَبَ وَإِنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِإِبْقَائِهَا فِيهِ مُدَّةً جَازَ؛ وَلَكِنْ الْأَفْضَلُ رَدُّهُ حَالًا.
وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ الْهَدِيَّةِ حَتَّى يَأْمُرَ صَاحِبَهَا بِالْأَكْلِ مِنْهَا وَيَأْكُلَ مِنْهَا، لِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَأْكُلُ هَدِيَّةً حَتَّى يَأْمُرَ صَاحِبَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا لِلشَّاةِ الَّتِي أُهْدِيَتْ إلَيْهِ فِي خَيْبَرَ وَهِيَ مَسْمُومَةٌ» وَهَذَا أَصْلٌ لِمَا يَعْتَادُهُ الْمُلُوكُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَلْحَقَ بِهِمْ مَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ كُبَرَاءِ النَّاسِ.
اهـ. م د مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ الشَّوْبَرِيِّ.

قَوْلُهُ: (وَفِي عَطِيَّةِ أَوْلَادِهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ الْعَطِيَّةُ صَدَقَةً أَمْ هَدِيَّةً أَمْ هِبَةً أَمْ وَقْفًا أَمْ تَبَرُّعًا آخَرَ، فَأَفْهَمَ قَوْلُهُ " كَغَيْرِهِ عَطِيَّةً " أَنَّهُ لَا تُطْلَبُ مِنْهُ التَّسْوِيَةُ فِي غَيْرِهَا كَالتَّوَدُّدِ بِالْكَلَامِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الدَّمِيرِيِّ لَا خِلَافَ أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ مَطْلُوبَةٌ حَتَّى فِي التَّقْبِيلِ وَلَهُ وَجْهٌ،.
اهـ. ابْنُ حَجَرٍ زي.
وَمَحَلُّ ذَلِكَ فِي الْمُمَيِّزِينَ.
وَفِي ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ: فَرْعٌ: يَنْدُبُ لِلْأَصْلِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَلَوْ بِنَحْوِ قُبْلَةٍ، نَعَمْ إنْ تَمَيَّزَ أَحَدُهُمْ بِنَحْوِ فَضِيلَةٍ فَلَهُ تَمْيِيزُهُ أَوْ بِنَحْوِ عُقُوقٍ فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ الْإِعْطَاءِ، بَلْ يَجِبُ إنْ لَزِمَ عَلَى إعْطَائِهِ مَعْصِيَةً اهـ. قَوْلُهُ: (يُسَوِّي إلَخْ) خَصَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى بِالذِّكْرِ لِمَا قِيلَ إنَّ

وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ لِهَذَا الْخَبَرِ.
وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ تَفْضِيلُ الصَّحَابَةِ لِأَنَّ الصِّدِّيقَ فَضَّلَ السَّيِّدَةَ عَائِشَةَ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أَوْلَادِهِ، وَفَضَّلَ عُمَرُ ابْنَهُ عَاصِمًا بِشَيْءٍ، وَفَضَّلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بَعْضَ أَوْلَادِهِ عَلَى بَعْضِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -. وَيُسَنُّ أَيْضًا أَنْ يُسَوِّيَ الْوَلَدُ إذَا وَهَبَ لِوَالِدَيْهِ شَيْئًا، وَيُكْرَهُ لَهُ تَرْكُ التَّسْوِيَةِ كَمَا مَرَّ فِي الْأَوْلَادِ، فَإِنْ فَضَّلَ أَحَدَهُمَا فَالْأُمُّ أَوْلَى لِخَبَرِ: «إنَّ لَهَا ثُلُثَيْ الْبِرِّ» وَالْإِخْوَةُ وَنَحْوُهُمْ لَا يَجْرِي فِيهِمْ هَذَا الْحُكْمُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ مَطْلُوبَةٌ لَكِنْ دُونَ طَلَبِهَا فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ

وَأَفْضَلُ الْبِرِّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمَا وَفِعْلِ مَا يَسُرُّهُمَا مِنْ الطَّاعَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَغَيْرِهَا مِمَّا لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَعُقُوقُ

[حاشية البجيرمي]

مَعْنَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى أَنْ يُعْطِيَ لِلذَّكَرِ مِثْلَيْ الْأُنْثَى كَالْإِرْثِ، بَلْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَوْلَادِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِعْطَاءِ وَقَدْرِ الْمُعْطَى اهـ. قَوْلُهُ: (وَاعْدِلُوا) بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ) أَيْ الْعَدْلِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ فِي الْحَاجَةِ) أَيْ وَفِي الْبِرِّ وَعَدَمِهِ وَالدِّينِ وَقِلَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ فَضَّلَ أَحَدَهُمَا) أَيْ أَرَادَ أَنْ يُفَضِّلَ أَحَدَهُمَا أج.
قَوْلُهُ: (هَذَا الْحُكْمُ) وَهُوَ كَرَاهَةُ تَرْكِ التَّسْوِيَةِ.
قَوْلُهُ: (إنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ) أَيْ لَكِنْ تَرْكُ ذَلِكَ خِلَافُ الْأَوْلَى فَقَطْ لَا مَكْرُوهٌ، فَقَوْلُهُ " مَطْلُوبَةٌ " أَيْ فِيهَا أَصْلُ الطَّلَبِ وَلَا يَتَأَكَّدُ.

قَوْلُهُ: (بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمَا) مِنْ الْإِحْسَانِ إلَى الْوَالِدِ أَنْ يَسْتَمِعَ كَلَامَهُ وَأَنْ يَقُومَ لِقِيَامِهِ وَيَمْتَثِلَ أَمْرَهُ وَلَا يَمْشِيَ أَمَامَهُ وَلَا يَرْفَعَ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِهِ وَيُلَبِّيَ دَعْوَتَهُ وَيَحْرِصَ عَلَى طَلَبِ مَرْضَاتِهِ وَيَخْفِضَ لَهُ جَنَاحَهُ بِالصَّبْرِ وَلَا يَمَلَّ بِالْبِرِّ لَهُ وَلَا بِالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ وَلَا يَنْظُرَ إلَيْهِ شَزْرًا أَيْ عَبُوسًا.
وَفِي خَبَرٍ مَرْفُوعٍ: «لَعَنَ اللَّهُ الْعَاقَّ لِوَالِدَيْهِ» قَالَ الذَّهَبِيُّ: وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ: وَقَالَ وَهْبٌ: «أَوْحَى اللَّهُ إلَى مُوسَى: وَقِّرْ وَالِدَيْك فَإِنَّ مَنْ وَقَّرَ وَالِدَيْهِ مَدَدْتُ لَهُ فِي عُمْرِهِ وَوَهَبْتُ لَهُ وَلَدًا يَبَرُّهُ» وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَأَيْت أَقْوَامًا مُعَلَّقِينَ فِي جُذُوعِ النَّارِ فَقُلْت: مَالِكُ، مَا كَانَ ذَنْبُهُمْ؟ قَالَ كَانُوا عَاقِّينَ لِوَالِدَيْهِمْ فَيَقُولُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا: لَا أُخْرِجُهُمْ إلَّا بِرِضَا وَالِدَيْهِمْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَخْرِجْهُمْ مَعِي يَنْظُرُونَ عَذَابَهُمْ لَعَلَّ أَنْ يَرْحَمُوهُمْ.
فَيَأْمُرُ اللَّهُ بِخُرُوجِ عَشْرِ رِجَالٍ فَيَمْشُونَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَأْتُونَ إلَى جَهَنَّمَ فَيَأْمُرُ اللَّهُ مَالِكًا يَفْتَحُ لَهُمْ فَإِذَا رَأَوْا أَوْلَادَهُمْ يُعَذَّبُونَ فَيَبْكُونَ وَيَقُولُونَ: مَا عَلِمْنَا أَنَّهُمْ فِي هَذَا الْعَذَابِ الشَّدِيدِ، فَيَصِيحُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِوَلَدِهِ فَإِذَا سَمِعُوا صَوْتَ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ بَكَوْا وَقَالُوا: النَّارُ أَحْرَقَتْ أَكْبَادَنَا وَالْعُقُوبَةُ أَهْلَكَتْنَا.
فَيَبْكِي الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ وَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ اشْفَعْ فِيهِمْ: فَيَقُولُ: لَهُمْ: لَا يَخْرُجُونَ إلَّا بِشَفَاعَتِكُمْ.
فَيَقُولُونَ: إلَهَنَا وَسَيِّدَنَا تَفَضَّلْ عَلَيْنَا بِخُرُوجِهِمْ مِنْ النَّارِ إلَى الْجَنَّةِ.
فَيَقُولُ لَهُمْ اللَّهُ: أَنْتُمْ رَضِيتُمْ عَنْ أَوْلَادِكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَالِكٍ: أَخْرِجْ كُلَّ مَنْ طَلَبَهُ أَبَوَاهُ وَأَخِّرْ مَنْ لَمْ يَطْلُبَاهُ، فَيُخْرِجُهُمْ فَحْمًا فَيُغْمَسُونَ فِي مَاءِ الْحَيَاةِ فَيَنْبُتُ عَلَيْهِمْ اللَّحْمُ وَالشَّعْرُ وَالْجِلْدُ وَيَدْخُلُونَ بِهِمْ الْجَنَّةَ» . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَإِنَّهُ إذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ ضَمَّهُ الْقَبْرُ ضَمَّةً حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ.
وَأَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا فِي جَهَنَّمَ عَاقٌّ لِوَالِدَيْهِ وَالزَّانِي وَالْمُشْرِكُ بِاَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى» وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسُخْطُ الرَّبِّ فِي سُخْطِ الْوَالِدَيْنِ» . وَعَنْ «ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ: الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا قُلْت: ثُمَّ أَيْ؟ قَالَ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ قُلْت: ثُمَّ أَيْ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَرُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا شَكَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَاهُ وَأَنَّهُ يَأْخُذُ مَالَهُ، فَدَعَاهُ فَإِذَا هُوَ بِشَيْخٍ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: إنَّهُ كَانَ ضَعِيفًا وَأَنَا قَوِيٌّ وَفَقِيرًا وَأَنَا غَنِيٌّ فَكُنْت لَا أَمْنَعُهُ شَيْئًا مِنْ مَالِي وَالْيَوْمَ أَنَا ضَعِيفٌ وَهُوَ قَوِيٌّ وَأَنَا فَقِيرٌ وَهُوَ غَنِيٌّ وَيَبْخَلُ عَلَيَّ بِمَالِهِ.
فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ: مَا مِنْ حَجَرٍ وَلَا مَدَرٍ يَسْمَعُ بِهَذَا إلَّا بَكَى قَالَ لِلْوَلَدِ: أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» . «وَشَكَا إلَيْهِ آخَرُ سُوءَ خُلُقِ أُمِّهِ فَقَالَ: لِمَ لَمْ تَكُنْ سَيِّئَةَ الْخُلُقِ حِينَ حَمَلَتْكَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ؟ قَالَ: إنَّهَا سَيِّئَةُ الْخُلُقِ.
قَالَ: لِمَ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ حِينَ أَرْضَعَتْك حَوْلَيْنِ؟ قَالَ إنَّهَا سَيِّئَةُ الْخُلُقِ.
قَالَ: لِمَ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ حِينَ أَسْهَرَتْ لَك لَيْلَهَا وَأَظْمَأَتْ لَك نَهَارَهَا؟ قَالَ: لَقَدْ جَازَيْتُهَا.
قَالَ: مَاذَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: حَجَجْتُ بِهَا عَلَى عُنُقِي.
قَالَ: مَا جَازَيْتَهَا» . «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاكُمْ وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ يُوجَدُ رِيحُهَا مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ وَلَا يَجِدُ رِيحَهَا عَاقٌّ وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَلَا شَيْخٌ عَاصٍ وَلَا جَارٌّ إزَارَهُ خُيَلَاءَ إنَّ الْكِبْرِيَاءَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» اهـ مِنْ تَفْسِيرِ الْخَطِيبِ.

كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ الْكَبَائِرِ وَهُوَ أَنْ يُؤْذِيَهُ أَذًى لَيْسَ بِالْهَيِّنِ مَا لَمْ يَكُنْ مَا آذَاهُ بِهِ وَاجِبًا

وَصِلَةُ الْقَرَابَةِ وَهِيَ فِعْلُكَ مَعَ قَرِيبِكَ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يَكُنْ إلَخْ) أَيْ كَأَنْ يَكُونَ تَارِكًا لِلصَّلَاةِ وَلَا يَفْعَلُهَا إلَّا بِإِيذَاءٍ لَيْسَ بِالْهَيِّنِ أَوْ ذَا غِيبَةٍ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (مَأْمُورٌ بِهَا) أَيْ أَمْرَ نَدْبٍ وَقَطِيعَتُهَا بِتَرْكِ الْمُوَاصَلَةِ الْمَأْلُوفَةِ بَيْنَهُمَا مِنْ الْكَبَائِرِ.
وَبِهِ يُلْغَزُ وَيُقَالُ: لَنَا مَنْدُوبٌ يَكُونُ تَرْكُهُ مِنْ الْكَبَائِرِ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الرَّحِمُ حَجْنَةٌ مُتَمَسِّكَةٌ بِالْعَرْشِ تَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ ذَلْقٍ: اللَّهُمَّ صِلْ مَنْ وَصَلَنِي وَاقْطَعْ مَنْ قَطَعَنِي، فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وَإِنِّي شَقَقْتُ لِلرَّحِمِ اسْمًا مِنْ اسْمِي فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ بَتَكَهَا بَتَكْتُهُ» اهـ. وَالْحَجْنَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ مَعًا بَعْدَهُمَا نُونٌ هِيَ سِنَّارَةُ الْمِغْزَلِ، وَقَوْلُهُ " بَتَكَهَا بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَاءٍ مُثَنَّاةٍ مُحَرَّكًا أَيْ قَطَعَهَا اهـ وَالْمُرَادُ أَنَّ حَالَهَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَوْ أَنَّهَا تَتَجَسَّمُ وَتَقُولُ إذْ لَا مَانِعَ مِنْهُ فَلَا يُقَالُ الرَّحِمُ الْعَلَقَةُ الَّتِي بَيْنَك وَبَيْنَ قَرِيبِك فَكَيْفَ تَقُولُ.
وَعَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ " إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَكُونَ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَيَصِلُ رَحِمَهُ فَيُبَارَك لَهُ فِيهِ فَيَصِيرُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَكُونَ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ ثَلَاثُونَ سَنَةً فَيَقْطَعُ رَحِمَهُ فَيَصِيرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39] وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: " مَنْ اتَّقَى رَبَّهُ وَوَصَلَ رَحِمَهُ أُنْسِئَ لَهُ فِي عُمُرِهِ " يَعْنِي يُزَادُ فِي عُمُرِهِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «بِرُّوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ» . وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِصِلَةِ الرَّحِمِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1] يَعْنِي اتَّقُوا الْأَرْحَامَ فَصِلُوهَا وَلَا تَقْطَعُوهَا، وَقَالَ تَعَالَى.
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: 26] يَعْنِي أَعْطِهِ حَقَّهُ مِنْ الصِّلَةِ وَالْبِرِّ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90] يَعْنِي التَّوْحِيدَ وَشَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَيَأْمُرُ بِالْإِحْسَانِ إلَى النَّاسِ وَالْعَفْوِ عَنْهُمْ ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: 90] يَعْنِي يَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ: كَانَ عِنْدَنَا بِمَكَّةَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَكَانَ صَالِحًا وَكَانَ النَّاسُ يُودِعُونَهُ الْوَدَائِعَ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَوْدَعَهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَخَرَجَ الرَّجُلُ فِي حَاجَتِهِ وَقَدِمَ مَكَّةَ وَقَدْ مَاتَ الْخُرَاسَانِيُّ، فَسَأَلَ أَهْلَ مَكَّةَ: أَوْدَعْتُ فُلَانًا عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَقَدْ مَاتَ وَقَدْ سَأَلْت وَلَدَهُ وَأَهْلَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِلْمٌ فَمَا تَأْمُرُونِي؟ فَقَالُوا: نَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْخُرَاسَانِيُّ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا مَضَى مِنْ اللَّيْلِ ثُلُثُهُ أَوْ نِصْفُهُ ائْتِ زَمْزَمَ فَتَطَلَّعْ فِيهَا وَنَادِ يَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ أَنَا صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ فَقَالُوا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156] ، يُخْشَى أَنْ يَكُونَ صَاحِبُك مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَائْتِ الْيَمَنَ فَإِنَّ بِهَا وَادِيًا يُقَالُ لَهُ بَرَهُوتُ وَفِيهِ بِئْرٌ فَتَطَلَّعْ فِيهَا؛ فَإِذَا مَضَى مِنْ اللَّيْلِ ثُلُثُهُ أَوْ نِصْفُهُ فَنَادِ يَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ أَنَا صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ، فَفَعَلَ، فَأَجَابَهُ مِنْ أَوَّلِ صَوْتٍ فَقَالَ: وَيْحَك مَا أَنْزَلَك هَهُنَا وَقَدْ كُنْت صَاحِبَ خَيْرٍ؟ قَالَ: كَانَ لِي أَهْلُ بَيْتٍ بِخُرَاسَانَ فَقَطَعْتُهُمْ حَتَّى مِتُّ فَآخَذَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ فَأَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ وَأَمَّا مَالَك فَهُوَ عَلَى حَالِهِ وَقَدْ دَفَنْتُهُ فِي بَيْتِ كَذَا فَقُلْ لِوَلَدِي يُدْخِلُك دَارِي وَاحْفِرْ فِي مَوْضِعِ كَذَا فَإِنَّك تَجِدُ مَالَك.
فَوَجَدَ مَالَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَصَفَهُ.
فَالْوَاجِبُ صِلَةُ الرَّحِمِ بِالزِّيَارَةِ وَالْهَدِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الصِّلَةِ بِالْمَالِ فَلْيَصِلْهُمْ بِالزِّيَارَةِ وَبِالْإِعَانَةِ فِي أَعْمَالِهِمْ إنْ احْتَاجُوا إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا يَصِلُهُمْ بِالْكِتَابِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى السَّيْرِ إلَيْهِمْ كَانَ أَفْضَلَ.
وَفِي صِلَةِ الرَّحِمِ عَشْرُ خِصَالٍ مَحْمُودَةٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ فِيهَا رِضَا اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ أَمَرَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ: الثَّانِي: إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ: «إنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ إدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ» . الثَّالِثُ: أَنَّ فِيهَا فَرَحَ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُمْ يَفْرَحُونَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ فِيهَا حُسْنَ الثَّنَاءِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ فِيهَا إدْخَالَ الْهَمِّ عَلَى إبْلِيسَ.
السَّادِسُ: أَنَّ فِيهَا زِيَادَةً فِي الْعُمْرِ.
السَّابِعُ: أَنَّ فِيهَا بَرَكَةً فِي الرِّزْقِ.
الثَّامِنُ: أَنَّ فِيهَا سُرُورَ الْأَمْوَاتِ لِأَنَّ الْآبَاءَ وَالْأَجْدَادَ يُسَرُّونَ بِصِلَةِ الْقَرَابَةِ.
التَّاسِعُ: أَنَّ فِيهَا زِيَادَةً فِي الْمُرُوءَةِ.
الْعَاشِرُ: زِيَادَةُ الْأَجْرِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأَنَّهُمْ يَدْعُونَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ كُلَّمَا ذَكَرُوا إحْسَانَهُ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ثَلَاثَةٌ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: وَاصِلُ

مَا تُعَدُّ بِهِ وَاصِلًا مَأْمُورٌ بِهَا، وَتَحْصُلُ بِالْمَالِ وَقَضَاءِ الْحَوَائِجِ وَالزِّيَارَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ بِالسَّلَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

فَصْلٌ: فِي اللُّقَطَةِ وَهِيَ بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِهَا لُغَةً الشَّيْءُ الْمُلْتَقَطُ وَشَرْعًا مَا وُجِدَ مِنْ حَقٍّ مُحْتَرَمٍ غَيْرِ مُحْتَرَزٍ لَا يَعْرِفُ الْوَاجِدُ مُسْتَحِقَّهُ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ الْآيَاتُ الْآمِرَةُ بِالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ، إذْ فِي أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ وَالرَّدِّ بِرٌّ

[حاشية البجيرمي]

الرَّحِمِ وَامْرَأَةٌ مَاتَ زَوْجُهَا وَتَرَكَ أَيْتَامًا فَتَقُومُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ أَوْ يَمُوتُوا وَرَجُلٌ اتَّخَذَ طَعَامًا وَدَعَا إلَيْهِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ» . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رَأَيْت فِي الْجَنَّةِ قُصُورًا مِنْ دُرٍّ وَيَاقُوتٍ وَزُمُرُّدٍ يُرَى بَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا وَظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، فَقُلْت: يَا جِبْرِيلُ لِمَنْ هَذِهِ الْمَنَازِلُ؟ قَالَ: لِمَنْ وَصَلَ الْأَرْحَامَ وَأَفْشَى السَّلَامَ وَأَطَابَ الْكَلَامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَرَفَقَ بِالْأَيْتَامِ وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ» . وَيُقَالُ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ مَنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا يَزِيدُ فِي حَسَنَاتِهِ كَأَمْثَالِ الْجِبَالِ وَيُوَسِّعُ اللَّهُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ: أَوَّلُهَا: مَنْ دَاوَمَ عَلَى الصَّدَقَةِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، وَمَنْ وَصَلَ الرَّحِمَ، وَمَنْ دَاوَمَ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ دَاوَمَ عَلَى الْوُضُوءِ وَلَمْ يُسْرِفْ، وَمَنْ أَطَاعَ وَالِدَيْهِ وَدَاوَمَ عَلَى طَاعَتِهِمَا ذَكَرَهُ فِي سَفِينَةِ الْأَبْرَارِ.
وَاسْتَشْكَلَ كَوْنُ الصِّلَةِ سُنَّةً وَقَطْعُهَا حَرَامٌ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ مَحَلَّ تَحْرِيمِ الْقَطْعِ إذَا سَبَقَ لَهُ مَعْرُوفٌ مَعَهُمْ، وَأَنَّ سُنَّةَ الصِّلَةِ بِالنَّظَرِ لِابْتِدَاءِ فِعْلِ الْمَعْرُوفِ مَعَهُمْ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ ابْتِدَاءَ فِعْلِ الْمَعْرُوفِ مَعَ الْأَقَارِبِ سُنَّةٌ وَأَنَّ قَطْعَهُ بَعْدَ حُصُولِهِ كَبِيرَةٌ كَمَا فِي سم فِي الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ فِعْلَهُ دَوَامًا وَاجِبٌ مَعَ أَنَّ الْمَشْهُورَ خِلَافُهُ فَلْيُحَرَّرْ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَاسَلَةُ) أَيْ بِغَيْرِ مُكَاتَبَةٍ وَإِلَّا فَعَطْفُهَا مُرَادِفٌ وَقَوْلُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ أَيْ مِنْ وُجُوهِ الْإِحْسَانِ ق ل.

[فَصْلٌ فِي اللُّقَطَةِ]

هِيَ نَوْعٌ مِنْ الْكَسْبِ كَمَا أَنَّ الْهِبَةَ نَوْعٌ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ لِلْمَوْهُوبِ، فَلِذَا ذَكَرَهَا عَقِبَ الْهِبَةِ، وَلَوْ ذَكَرَهَا عَقِبَ الْقَرْضِ لَكَانَ أَنْسَبَ، لِأَنَّ الشَّرْعَ أَقْرَضَهَا لِلْمُلْتَقِطِ، وَهَذَا لَا يُنَاسِبُ هَذَا الْكِتَابَ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْقَرْضَ فَهُنَا وَقَعَ فِي مَرْكَزِهِ، وَإِنَّمَا يُنَاسِبُ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَالَ م ر: إنَّمَا ذَكَرَهَا عَقِبَ الْهِبَةِ لِأَنَّ كُلًّا تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ، وَعَقَّبَهَا غَيْرُهُ لِإِحْيَاءِ الْمَوَاتِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ مِنْ الشَّارِعِ اهـ وَذَكَرَهَا فِي التَّحْرِيرِ عَقِبَ الْغَصْبِ لِمَا فِيهَا مِنْ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْهُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا اسْتِيلَاءٌ إلَّا أَنَّ هَذَا جَائِزٌ وَالْغَصْبُ حَرَامٌ، وَفِيهَا مَعْنَى الِاكْتِسَابِ لِجَوَازِ التَّمَلُّكِ وَمَعْنَى الْأَمَانَةِ وَالْوِلَايَةِ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهُ أَمِينًا عَلَيْهَا وَمُتَوَلِّيًا حِفْظَهَا، وَالْمُغَلَّبُ فِيهَا الْأَوَّلُ لِصِحَّةِ لَقْطِ الصَّبِيِّ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِسْكَانُهَا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَقِيلَ إنَّهَا بِفَتْحِ الْقَافِ: اسْمٌ لِلَّاقِطِ أَيْ الشَّخْصِ الْمُلْتَقِطِ، وَبِإِسْكَانِهَا: لِلشَّيْءِ الْمَلْقُوطِ، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الْفَعْلَةَ بِالْإِسْكَانِ لِلْمَفْعُولِ كَالضَّحْكَةِ وَبِالتَّحْرِيكِ لِلْفَاعِلِ وَالتَّحْرِيكُ لِلْمَفْعُولِ نَادِرٌ.
اهـ. زِيَادِيٌّ: قَوْلُهُ: (مَا وُجِدَ) أَيْ مَالٌ أَوْ اخْتِصَاصُ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَتَعْبِيرُهُ بِمَا لَا يَشْمَلُ مَا إذَا كَانَتْ عَاقِلًا كَالرَّقِيقِ إلَّا أَنْ يُقَالَ غَلَبَ غَيْرُ الْعَاقِلِ عَلَى الْعَاقِلِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَعْرِفُ الْوَاجِدُ مُسْتَحِقَّهُ) أَيْ وَقَدْ ضَاعَ بِنَحْوِ غَفْلَةٍ أَوْ نَوْمٍ، فَخَرَجَ مَا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ أَوْ أَلْقَتْهُ فِي دَارِك وَمَا أَلْقَاهُ هَارِبٌ كَذَلِكَ أَوْ فِي حِجْرِ إنْسَانٍ وَوَدَائِعَ عِنْدَك لَمْ تَعْرِفْ صَاحِبَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ أَمَانَةٌ شَرْعِيَّةٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
وَمِنْ هَذَا جَمَلٌ أَثْقَلُهُ حَمْلُهُ فَتَرَكَهُ صَاحِبُهُ فِي الْبَرِّيَّةِ فَالْأَمْرُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ لِأَمِينِ بَيْتِ الْمَالِ أَيْ الْعَادِلِ وَإِلَّا تَصَرَّفَ فِيهِ وَاجِدُهُ بِنَفْسِهِ إنْ كَانَ لَهُ اسْتِحْقَاقٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَإِذَا ظَهَرَ مَالِكُهُ أَخَذَهُ وَوَجَبَ دَفْعُهُ لَهُ وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ، وَلَا رُجُوعَ لِمَنْ أَنْفَقَ عَلَى مَالِكِهِ فِيمَا أَنْفَقَهُ أَيْ بِلَا إذْنٍ وَلَا إشْهَادٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْجَمَلِ الْمَذْكُورِ: يَرْجِعُ عَلَى مَالِكِهِ بِالنَّفَقَةِ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاللَّيْثُ، يَمْلِكُهُ مَنْ أَخَذَهُ.
اهـ. ق ل؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَالِكَهُ أَعْرَضَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ) أَيْ إعَانَةً كَامِلَةً؛ وَإِلَّا فَاَللَّهُ فِي عَوْنِ كُلِّ أَحَدٍ دَائِمًا، وَانْظُرْ مَعْنَى هَذِهِ الظَّرْفِيَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ " فِي " زَائِدَةٌ

وَإِحْسَانٌ، وَالْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ كَخَبَرِ مُسْلِمٍ: «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»

(وَإِذَا وَجَدَ) أَيْ الْحُرُّ (لُقَطَةً فِي مَوَاتٍ أَوْ طَرِيقٍ) وَلَمْ يَثِقْ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ آمِنٌ فِي الْحَالِ، خَشْيَةَ الضَّيَاعِ أَوْ طُرُوُّ الْخِيَانَةِ (فَلَهُ أَخْذُهَا) جَوَازًا لِأَنَّ خِيَانَتَهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا وَعَلَيْهِ الِاحْتِرَازُ (وَ) لَهُ (تَرْكُهَا) خَشْيَةَ اسْتِهْلَاكِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَا يَضْمَنُ بِالتَّرْكِ، فَلَا يُنْدَبُ لَهُ الْأَخْذُ وَلَا يُكْرَهُ لَهُ التَّرْكُ.
وَخَرَجَ بِالْحُرِّ الرَّقِيقُ فَلَا يَصِحُّ الْتِقَاطُهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَإِنْ لَمْ يَنْهَهُ لِأَنَّ اللُّقَطَةَ أَمَانَةٌ وَوِلَايَةٌ ابْتِدَاءً وَتَمْلِيكٌ انْتِهَاءً وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا، فَإِنْ الْتَقَطَ بِإِذْنِهِ صَحَّ وَكَأَنَّ سَيِّدَهُ هُوَ الْمُلْتَقِطُ، وَأَمَّا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَمَنْ أَخَذَهَا مِنْهُ كَانَ هُوَ الْمُلْتَقِطُ سَيِّدًا كَانَ أَوْ أَجْنَبِيًّا، وَلَوْ أَقَرَّهَا فِي يَدِهِ سَيِّدُهُ وَاسْتَحْفَظَهُ عَلَيْهَا لِيُعَرِّفَهَا وَهُوَ أَمِينٌ جَاءَ وَإِلَّا فَلَا

وَتَصِحُّ اللُّقَطَةُ مِنْ مُكَاتَبٍ كِتَابَةً صَحِيحَةً لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِالْمِلْكِ وَالتَّصَرُّفِ، وَخَرَجَ بِالْمَوَاتِ الْمَمْلُوكُ

[حاشية البجيرمي]

وَعَوْنٌ " بِمَعْنَى مُعِينٍ وَالْإِضَافَةُ بِمَعْنَى اللَّامِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَاَللَّهُ مُعِينٌ لِلْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ مُعِينًا لِأَخِيهِ.

قَوْلُهُ: (فِي مَوَاتٍ) أَيْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لَا بِدَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ غَنِيمَةٌ تُخَمَّسُ خُمُسُهَا لِأَهْلِهِ وَالْبَاقِي لِلْمُلْتَقِطِ ح ل. قَوْلُهُ: (أَوْ طَرِيقٍ) وَمِنْهَا الشَّارِعُ لِأَنَّهُ الطَّرِيقُ النَّافِذُ فِي الْأَبْنِيَةِ كَمَا مَرَّ، وَمِثْلُهُ الْمَسْجِدُ وَالرِّبَاطُ وَالْمَدْرَسَةُ لِأَنَّهَا أَمَاكِنُ مُشْتَرَكَةٌ فَلَا يَخْتَصُّ مَا يُوجَدُ فِيهَا بِأَحَدٍ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَا كَانَ مَظِنَّةً لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ كَالْحَمَّامِ وَالْقَهْوَةِ وَالْمَرْكَبِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَثِقْ إلَخْ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بَعْدَهُ: وَأَخْذُهَا أَوْلَى إلَخْ، وَلِمُنَاسَبَةِ اللَّامِ الْمُفِيدَةِ لِلْإِبَاحَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ق ل، أَيْ اللَّامُ فِي قَوْلِهِ فَلَهُ أَخْذُهَا.
قَوْلُهُ: (خَشْيَةَ الضَّيَاعِ إلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ عِلَّةٌ مُقَدَّمَةٌ لِقَوْلِهِ فَلَهُ أَخْذُهَا جَوَازًا، أَيْ يُبَاحُ لَهُ أَخْذُهَا خَشْيَةَ الضَّيَاعِ، أَيْ لَوْ تَرَكَهَا، وَلَمْ يُنْدَبْ خَشْيَةَ طُرُوُّ الْخِيَانَةِ؛ وَعَلَيْهِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: " وَلِأَنَّ الْخِيَانَةَ لَمْ تَتَحَقَّقْ إلَخْ " بِوَاوِ الْعَطْفِ م د. وَقَوْلُهُ " خَشْيَةَ طُرُوُّ إلَخْ " هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ " أَوْ طُرُوُّ الْخِيَانَةِ " عِلَّةٌ لِمُقَدَّرٍ وَهُوَ الَّذِي قَدَّرَهُ بِقَوْلِهِ " وَلَمْ يُنْدَبْ " وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ " وَلَهُ تَرْكُهَا " فَمَجْمُوعُ قَوْلِهِ " خَشْيَةَ إلَخْ " عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ " فَلَهُ أَخْذُهَا وَتَرْكُهَا " لَكِنْ عَلَى التَّوْزِيعِ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ خَشْيَةِ اسْتِهْلَاكِهَا عِلَّةً ثَانِيَةً فَالْمُنَاسِبُ الْوَاوُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ عِلَّةٌ لِلْمُعَلَّلِ مَعَ عِلَّتِهِ، وَلَا يَخْفَى بَعْدُ مَا قَالَهُ الْمَدَابِغِيُّ، وَيُمْكِنُ جَعْلُهُ مَفْعُولًا لِقَوْلِهِ " وَهُوَ آمِنٌ " أَيْ وَهُوَ آمِنٌ خَوْفَ الضَّيَاعِ وَآمِنٌ طُرُوُّ الْخِيَانَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ طُرُوُّ) مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّيَاعِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ خِيَانَتَهُ إلَخْ) أَمَّا إذَا عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُهَا كَالْوَدِيعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ الِاحْتِرَازُ) أَيْ مِنْ الْخِيَانَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُنْدَبُ لَهُ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَتْنِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ اللُّقَطَةَ تَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ: فَتَكُونُ مُبَاحَةً إذَا أَمِنَ فِي الْحَالِ وَلَمْ يَثِقْ بِأَمَانَتِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَسُنَّةً إذَا وَثِقَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَوَاجِبَةً إذَا كَانَ كَذَلِكَ وَعَلِمَ ضَيَاعَهَا لَوْ لَمْ يَأْخُذْهَا، وَمَكْرُوهَةً لِلْفَاسِقِ، وَحَرَامًا إذَا نَوَى الْخِيَانَةَ؛ وَعَلَى كُلٍّ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إذَا تَرَكَهَا وَلَوْ فِي صُورَةِ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ لَمْ يَضَعْ يَدَهُ عَلَيْهَا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ إنْ وَثِقَ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ نُدِبَ لَهُ الِالْتِقَاطُ، إنْ لَمْ يَثِقْ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَهُوَ آمِنٌ فِي الْحَالِ أُبِيحَ لَهُ الْأَخْذُ مَا لَمْ يَكُنْ فَاسِقًا وَإِلَّا كُرِهَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ آمِنًا فِي الْحَالِ وَمُحَقِّقًا مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ حَرُمَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ وَصَارَ ضَامِنًا إنْ أَخَذَهَا كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
اهـ. م د، وَتَكُونُ وَاجِبَةً إذَا وَثِقَ بِنَفْسِهِ حَالًا وَمَآلًا وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَمِينٌ غَيْرُهُ.
وَقَوْلُهُ " وَمَكْرُوهَةً لِلْفَاسِقِ " أَيْ وَلَوْ بِنَحْوِ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَإِنْ عُلِمَتْ أَمَانَتُهُ فِي الْأَمْوَالِ حَجّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوْ تَابَ يُكْرَهُ لَهُ وَإِنْ لَمْ تَمْضِ مُدَّةُ الِاسْتِبْرَاءِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِانْتِفَاءِ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْخِيَانَةِ حَالَ الْأَخْذِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (الرَّقِيقُ) أَيْ كُلًّا.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) أَيْ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ سَيِّدَهُ سم.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَهْلِهَا) أَيْ الثَّلَاثَةِ وَفِي نُسْخَةٍ: " أَهْلِهِمَا " بِضَمِيرِ الْمُثَنَّى لِغَيْرِ الْأَوَّلِ مِنْ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ أَوْلَى لِأَنَّ الرَّقِيقَ مِنْ أَهْلِ الْأَمَانَةِ.
وَهَلْ إذْنُهُ لَهُ فِي الِاكْتِسَابِ مُطْلَقًا إذْنٌ لَهُ فِي الِالْتِقَاطِ أَوْ لَا؟ وَجْهَانِ بَحَثَ الزَّرْكَشِيّ تَرْجِيحَ أَوَّلِهِمَا اهـ سم.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَقَرَّهَا فِي يَدِهِ) أَيْ وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الِالْتِقَاطِ، فَإِقْرَارُهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ اهـ. قَوْلُهُ: (جَازَ) أَيْ وَكَانَ قَائِمًا مَقَامَ الْإِذْنِ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ الرَّقِيقُ أَمِينًا، فَلَا يَجُوزُ إقْرَارُ سَيِّدِهِ لَهُ وَكَانَ مُتَعَدِّيًا بِالْإِقْرَارِ، فَكَأَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْهُ وَرَدَّهَا إلَيْهِ فَيَضْمَنُهَا السَّيِّدُ وَيَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِسَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَمِنْهَا رَقَبَةُ الْعَبْدِ فَيُقَدِّمُ صَاحِبَهَا بِرَقَبَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ الْعَبْدُ فَقَطْ كَمَا شُرِحَ فِي م ر، وَلِبَعْضِهِمْ:

فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ لِلتَّمَلُّكِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ بَلْ هِيَ لِصَاحِبِ الْيَدِ فِيهِ إذَا ادَّعَاهَا وَإِلَّا فَلِمَنْ كَانَ مَالِكًا قَبْلَهُ، وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْمُحْيِي، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهَا كَانَتْ لُقَطَةً كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَأَقَرَّهُ فِي الرَّوْضَةِ.
وَبِغَيْرِ الْوَاثِقِ بِنَفْسِهِ الْوَاثِقُ بِهَا وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَأَخْذُهَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا) فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ (إنْ كَانَ عَلَى ثِقَةٍ) مِنْ نَفْسِهِ (مِنْ الْقِيَامِ بِهَا) لِمَا فِيهِ مِنْ الْبِرِّ بَلْ يُكْرَهُ تَرْكُهَا وَسُنَّ إشْهَادٌ بِهَا مَعَ تَعْرِيفِ شَيْءٍ مِنْ اللُّقَطَةِ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ، وَحَمَلُوا الْأَمْرَ بِالْإِشْهَادِ فِي خَبَرِ أَبِي دَاوُد: «مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوَيْ عَدْلٍ وَلَا يَكْتُمْ وَلَا يُغَيِّبْ» عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ.
وَتَصِحُّ لُقَطَةُ الْمُبَعَّضِ لِأَنَّهُ كَالْحُرِّ فِي الْمِلْكِ وَالتَّصَرُّفِ وَالذِّمَّةِ، وَلُقَطَتُهُ لَهُ وَلِسَيِّدِهِ فِي غَيْرِ مُهَايَأَةٍ فَيُعَرِّفَانِهَا

[حاشية البجيرمي]

يَضْمَنُ عَبْدٌ تَالِفًا فِي ذِمَّتِهْ ... إنْ يَرْضَهُ الْمَالِكُ دُونَ سَادَتِهْ وَإِنْ يَكُنْ بِلَا رِضَا مَنْ اسْتَحَقْ ... فَلَيْسَ إلَّا بِالرَّقِيبَةِ اعْتَلَقْ قَوْلُهُ: (وَتَصِحُّ اللُّقَطَةُ مِنْ مُكَاتَبٍ) وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ.
الْأَوْلَى: " وَيَصِحُّ اللَّقْطُ " كَمَا فِي نُسْخَةٍ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُوصَفُ بِالصِّحَّةِ، أَيْ وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، أَيْ الْمَلْقُوطِ، بَعْدَ تَعْرِيفِهِ وَتَمَلُّكِهِ، فَإِنْ رُقَّ الْمُكَاتَبُ أَوْ مَاتَ قَبْلَ التَّمَلُّكِ أَخَذَهُ الْقَاضِي عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَحَفِظَهُ الْمَالِكُ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ وَتَمَلُّكُهُ لِأَنَّ الْتِقَاطَ الْمُكَاتَبِ لَا يَقَعُ لِسَيِّدِهِ وَلَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ.
فَرْعٌ: أَفْتَى الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ فِي عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بِصِحَّةِ الْتِقَاطِهِ بِإِذْنِ أَحَدِهِمَا اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لِلشَّرِيكَيْنِ وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا الْآذِنُ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا يَأْتِي فِي الْمُبَعَّضِ حَيْثُ لَا مُهَايَأَةَ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بِتَغْلِيبِ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ بِخِلَافِ مَا هُنَا.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ قَوْلُهُ: (كِتَابَةً صَحِيحَةً) أَمَّا الْمُكَاتَبُ كِتَابَةً فَاسِدَةً فَكَالْقِنِّ شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِالْمَوَاتِ) أَيْ وَالطَّرِيقُ لِأَنَّهُمَا الْمَذْكُورَانِ فِي الْمَتْنِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُؤَخِّرَ هَذَا عَنْ الْكَلَامِ فِي الْمُبَعَّضِ الْآتِي تَتْمِيمًا لِلْأَقْسَامِ.
قَوْلُهُ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَمْلُوكِ.
وَقَوْلُهُ " لِلتَّمَلُّكِ " أَيْ وَلَا لِلْحِفْظِ.
وَقَوْلُهُ " بَعْدَ التَّعْرِيفِ " ظَرْفٌ لِلتَّمَلُّكِ.
وَقَوْلُهُ " لِصَاحِبِ الْيَدِ " بِمِلْكٍ أَوْ غَيْرِهِ زي.
وَقَوْلُهُ " فِيهِ " أَيْ فِي الْمَمْلُوكِ.
قَوْلُهُ: (مَالِكًا) لَوْ قَالَ: لِذِي الْيَدِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ لَكَانَ أَوْلَى لِشُمُولِهِ لِلْمُسْتَأْجِرِ ق ل. قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهَا إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لِلْمُحْيِي وَإِنْ نَفَاهَا، فَقَوْلُهُ: " كَانَتْ لُقَطَةً " ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (وَبِغَيْرِ الْوَاثِقِ) أَيْ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَمْ يَثِقْ إلَخْ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: الْوَاثِقُ أَيْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَقَوْلُهُ: الْوَاثِقُ بِهَا أَيْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى ثِقَةٍ) أَيْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَالْحَالِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْقِيَامِ بِهَا) أَيْ بِحِفْظِهَا وَمِنْ بِمَعْنَى الْبَاءِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِيهِ) أَيْ فِي أَخْذِهَا.
قَوْلُهُ: (وَسُنَّ إشْهَادٌ بِهَا) عِبَارَةُ سم: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الِالْتِقَاطِ وَلَا يَجِبُ، وَيَذْكُرَ فِي الْإِشْهَادِ بَعْضَ الصِّفَاتِ وَلَا يَسْكُتَ عَنْهَا لِيَكُونَ فِي الْإِشْهَادِ فَائِدَةٌ.
وَقَوْلُهُ " وَسُنَّ إشْهَادٌ " أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمُلْتَقِطُ عَدْلًا.
وَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ فِي الشَّاهِدِ بِالْمَسْتُورِ قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ، وَقَدْ يُقَالُ بِعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِالْمَسْتُورِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مَعَ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَالنِّكَاحِ بِأَنَّ النِّكَاحَ يَشْتَهِرُ غَالِبًا بَيْنَ النَّاسِ فَاكْتُفِيَ فِيهِ بِالْمَسْتُورِ، وَالْغَرَضُ مِنْ الْإِشْهَادِ هُنَا أَمْنُ الْخِيَانَةِ فِيهَا وَجَحْدُ الْوَارِثِ لَهَا فَلَمْ يُكْتَفَ بِالْمَسْتُورِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. وَمَحَلُّ سَنِّ الْإِشْهَادِ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَيْهَا مُتَغَلِّبًا إذَا عَلِمَ بِهَا أَخَذَهَا وَإِلَّا امْتَنَعَ الْإِشْهَادُ وَالتَّعْرِيفُ اهـ. قَوْلُهُ: (مَعَ تَعْرِيفِ شَيْءٍ مِنْ اللُّقَطَةِ) أَيْ مِنْ أَوْصَافِهَا، وَالْمَحَلُّ لِلْإِضْمَارِ وَلَا يَسْتَوْعِبُهَا لِلشُّهُودِ، فَإِنْ خَالَفَ كُرِهَ وَلَا يَضْمَنُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَوْعَبَ الْأَوْصَافَ فِي التَّعْرِيفِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ؛ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِحَصْرِ الشُّهُودِ وَعَدَمِ تُهْمَتِهِمْ.
قَالَ سم عَلَى الْمَنْهَجِ: وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ اسْتِيعَابَهَا لِلشُّهُودِ يُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِهَا حَرُمَ وَضَمِنَ اهـ، فَمَحَلُّ سَنِّ الْإِشْهَادِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَكْتُمُ) أَيْ لَا يَكْتُمُ اللُّقَطَةَ بِأَنْ لَا يُعَرِّفَهَا، وَلَا يُغَيِّبَهَا عَنْ النَّاسِ بِأَنْ يَتْرُكَ تَعْرِيفَهَا؛ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ.
شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى النَّدْبِ) مُتَعَلِّقٌ بِ " حَمَلُوا " وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى النَّدْبِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْعَدْلَيْنِ، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ الْإِشْهَادُ وَاجِبًا لَمْ يَكْفِ الْعَدْلُ.
قَوْلُهُ: (وَتَصِحُّ لُقَطَةُ الْمُبَعَّضِ) لَوْ قَالَ " لَقْطُ الْمُبَعَّضِ " لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ اللُّقَطَةَ اسْمٌ لِلْعَيْنِ وَالْمَوْصُوفُ بِالصِّحَّةِ إنَّمَا هُوَ الْفِعْلُ، وَسَوَاءٌ تَسَاوَى الرِّقُّ وَالْحُرِّيَّةُ أَوْ لَا؛ وَلَا يُنَافِيهِ التَّشْبِيهُ بَعْدَهُ أَعْنِي قَوْلَهُ " كَشَخْصَيْنِ

وَيَتَمَلَّكَانِهَا بِحَسَبِ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ كَشَخْصَيْنِ الْتَقَطَا.
وَفِي مُنَاوَبَةٍ لِذِي نَوْبَةٍ كَبَاقِي الْأَكْسَابِ، كَوَصِيَّةٍ وَهِبَةٍ وَرِكَازٍ، وَالْمُؤَنُ كَأُجْرَةِ طَبِيبٍ وَحَجَّامٍ وَثَمَنِ دَوَاءٍ، فَالْأَكْسَابُ لِمَنْ حَصَلَتْ فِي نَوْبَتِهِ، وَالْمُؤَنُ عَلَى مَنْ وَجَبَ سَبَبُهَا فِي نَوْبَتِهِ، وَأَمَّا أَرْشُ الْجِنَايَةِ فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ، وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ كَالْجِنَايَةِ مِنْهُ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ وَكَلَامُ الْمِنْهَاجِ يَشْمَلُهُمَا.

وَكُرِهَ اللَّقْطُ لِفَاسِقٍ لِئَلَّا تَدْعُوَهُ نَفْسُهُ إلَى الْخِيَانَةِ، فَيَصِحُّ اللَّقْطُ مِنْهُ كَمَا يَصِحُّ مِنْ مُرْتَدٍّ وَكَافِرٍ مَعْصُومٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَاصْطِيَادِهِمْ وَاحْتِطَابِهِمْ، وَتُنْزَعُ اللُّقَطَةُ مِنْهُمْ وَتُسَلَّمُ لِعَدْلٍ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ لِعَدَمِ أَمَانَتِهِمْ.
وَيُضَمُّ لَهُمْ مُشْرِفٌ فِي التَّعْرِيفِ فَإِنْ تَمَّ التَّعْرِيفُ تَمَلَّكُوا.
وَتَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَيَنْزِعُ اللُّقَطَةَ مِنْهُمَا وَلِيُّهُمَا،

[حاشية البجيرمي]

الْتَقَطَا " قَالَ سم: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ صِحَّةُ الْتِقَاطِ الْمُبَعَّضِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ وَوَقَعَ الِالْتِقَاطُ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ، وَلَا يَخْلُو عَنْ إشْكَالٍ لِأَنَّهُ فِي نَوْبَةِ سَيِّدِهِ كَالْقِنِّ اهـ. ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ م ر أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إذْنِ السَّيِّدِ إذَا كَانَتْ مُهَايَأَةً وَحَصَلَتْ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي غَيْرِ الْمُهَايَأَةِ إلَى إذْنِ السَّيِّدِ؛ فَإِنْ نَهَاهُ السَّيِّدُ عَنْ الِالْتِقَاطِ فَالْتَقَطَ صَحَّ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحُرِّيَّةِ، وَيَخْتَصُّ بِهَا حِينَئِذٍ الْمُبَعَّضُ الْمَذْكُورُ.
وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنٍ إلَّا فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ وَحْدَهُ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي كَوْنِ اللُّقَطَةِ فِي أَيِّ النَّوْبَتَيْنِ صُدِّقَ الْمُبَعَّضُ عَلَى النَّصِّ لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ، فَلَوْ كَانَتْ فِي يَدِ السَّيِّدِ فَهُوَ الْمُصَدَّقُ وَلَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِمَا أَوْ لَا فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَاَلَّذِي يَظْهَرُ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ وَجُعِلَتْ بَيْنَهُمَا اهـ سم.
قَوْلُهُ: (كَبَاقِي الْأَكْسَابِ) يَرْجِعُ لِلْمُهَايَأَةِ وَعَدَمِهَا.
وَقَوْلُهُ " وَالْمُؤَنِ " بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى " بَاقِي ". قَوْلُهُ: (فَالْأَكْسَابُ إلَخْ) قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْكَسْبِ وَالْمُؤَنِ بِوَقْتِ الِاحْتِيَاجِ لِلْمُؤَنِ وَإِنْ وُجِدَ سَبَبُهَا فِي نَوْبَةِ الْآخِرَةِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْكَسْبِ بِوُجُودِهِ وَفِي الْمُؤَنِ بِوَقْتِ وُجُودِ سَبَبِهَا كَالْمَرَضِ اهـ. فَقَوْلُ الشَّارِحِ " وَالْمُؤَنُ عَلَى مَنْ وَجَدَ إلَخْ " ضَعِيفٌ، فَإِذَا مَرِضَ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ وَاحْتِيجَ لِلدَّوَاءِ فِي نَوْبَتِهِ هُوَ لَزِمَهُ، وَعَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ تَكُونُ عَلَى السَّيِّدِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا أَرْشُ الْجِنَايَةِ) أَيْ مِنْهُ بِدَلِيلِ مَا سَيَذْكُرُهُ.
وَالضَّابِطُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ أَنَّ الْمُبَعَّضَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ الْعِبْرَةُ فِيهِ بِذِي النَّوْبَةِ إلَّا فِي الْجِنَايَةِ مِنْهُ أَوْ عَلَيْهِ فَلَا يَتْبَعُ النَّوْبَةَ بَلْ الرَّقَبَةَ م د، وَلَوْ جَعَلَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ شَامِلًا لِلْجِنَايَةِ مِنْهُ وَعَلَيْهِ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (فَيَشْتَرِكَانِ فِيهِ) فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا بِحَسَبِ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، فَإِذَا كَانَ نِصْفُهُ رَقِيقًا وَنِصْفُهُ حُرًّا تَعَلَّقَ نِصْفُ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِنِصْفِ الرَّقِيقِ فَيُبَاعُ فِيهِ أَوْ يَفْدِيهِ السَّيِّدُ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْمُبَعَّضِ؛ لَكِنْ قَوْلُ الشَّارِحِ " لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ إلَخْ " يُفْهَمُ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ مَا يُقَابِلُ النِّصْفَ الْحُرَّ بِالرَّقَبَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَعَلُّقِهِ لَهَا لِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِالرَّقَبَةِ بَيْعُهَا فِيهِ وَالنِّصْفُ الْحُرُّ لَا يُبَاعُ، فَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِالتَّعَلُّقِ بِالرَّقَبَةِ مَا يَشْمَلُ التَّعَلُّقَ بِالذِّمَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِهِ الْحُرِّ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ) فَإِذَا كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا وَقَطَعَ شَخْصٌ يَدَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ رُبُعُ الدِّيَةِ نَظَرًا لِلْحُرِّيَّةِ وَيَكُونُ لَهُ أَيْ لِلْمُبَعَّضِ، وَيَجِبُ عَلَى الْقَاطِعِ أَيْضًا رُبُعُ الْقِيمَةِ نَظَرًا لِنِصْفِهِ الرَّقِيقِ وَيَكُونُ لِلسَّيِّدِ.
قَوْلُهُ: (يَشْمَلُهُمَا) أَيْ الْجِنَايَةَ مِنْهُ وَالْجِنَايَةَ عَلَيْهِ، وَفِي نُسْخَةٍ.
" يَشْمَلُهَا " أَيْ الْجِنَايَةَ بِقِسْمَيْهَا، وَهُمَا صَحِيحَتَانِ.

قَوْلُهُ: (وَكُرِهَ اللَّقْطُ لِفَاسِقٍ) إنْ الْتَقَطَهَا لِلتَّمَلُّكِ وَأَمَّا لَقْطُهَا لِلْحِفْظِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ ق ل. وَقَوْلُهُ " لِفَاسِقٍ " أَيْ مَا لَمْ يَعْلَمْ الْخِيَانَةَ مِنْ نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يَصِحُّ مِنْ مُرْتَدٍّ) وَالْأَوْجَه أَنَّهُ كَالْحَرْبِيِّ، فَلِمَنْ أَخَذَهَا مِنْهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بَعْدَ أَنْ يُعَرِّفَهَا خ ض. وَيُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحِ بَعْدُ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ فَلَهُ أَنْ يُعَرِّفَهَا وَيَتَمَلَّكَهَا.
قَوْلُهُ: (فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) أَيْ لَا بِدَارِ الْحَرْبِ، فَمَا وُجِدَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَلَا مُسْلِمَ فِيهَا فَغَنِيمَةٌ الْخُمُسُ لِأَهْلِهِ وَالْبَاقِي لِلْوَاجِدِ، أَمَّا إذَا كَانَ بِهَا مُسْلِمٌ فَلُقَطَةٌ احْتِرَامًا لِلْمُسْلِمِ وَتَغْلِيبًا لَهُ.
اهـ. زِيَادِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: " وَالْبَاقِي لِلْوَاجِدِ " أَيْ الْوَاجِدِ لَهَا وَهُوَ الْكَافِرُ الْمَعْصُومُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ " فِي دَارِ الْإِسْلَامِ " رَاجِعٌ لِلْكَافِرِ الْمَعْصُومِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَتُنْزَعُ اللُّقَطَةُ مِنْهُمْ) أَيْ يَنْزِعُهَا الْحَاكِمُ مِنْهُمْ فَقَطْ وَيُسَلِّمُهَا لِلْعَدْلِ وَأُجْرَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ إنْ كَانَ مُنْتَظِمًا وَإِلَّا فَعَلَى الْمُلْتَقِطِ، فَإِنْ قَصَّرَ فَلَا ضَمَانَ.
وَهَذَا فِي غَيْرِ الْكَافِرِ، وَكَذَا فِي الْكَافِرِ إنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فِي دِينِهِ وَإِلَّا لَمْ تُنْتَزَعْ مِنْهُ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (مُشْرِفٌ) أَيْ مُرَاقِبٌ وَأُجْرَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَأَمَّا مُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ فَعَلَيْهِمْ إنْ قَصَدُوا التَّمَلُّكَ لِأَنَّ عَلَيْهِمْ تَعْرِيفَهَا

وَيُعَرِّفُهَا وَيَتَمَلَّكُهَا لَهُمَا إنْ رَآهُ حَيْثُ يَجُوزُ الِاقْتِرَاضُ لَهُمَا لِأَنَّ التَّمْلِيكَ فِي مَعْنَى الِاقْتِرَاضِ، فَإِنْ لَمْ يَرَهُ حَفِظَهَا أَوْ سَلَّمَهَا لِلْقَاضِي وَكَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ السَّفِيهُ إلَّا أَنَّهُ يَصِحُّ تَعْرِيفُهُ دُونَهُمَا.

؛ وَمَنْ أَخَذَ لُقَطَةً لَا لِخِيَانَةٍ بِأَنْ لَقَطَهَا لِحِفْظٍ أَوْ تَمَلُّكٍ أَوْ اخْتِصَاصٍ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ خِيَانَةً وَلَا غَيْرَهَا، أَوْ قَصَدَ أَحَدَهُمَا وَنَسِيَهُ فَأَمِينٌ وَإِنْ قَصَدَ الْخِيَانَةَ بَعْدَ أَخْذِهَا مَا لَمْ يَتَمَلَّكْ أَوْ يَخْتَصَّ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، وَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا وَإِنْ لَقَطَهَا لِحِفْظٍ وَإِنْ أَخَذَهَا لِلْخِيَانَةِ فَضَامِنٌ وَلَيْسَ لَهُ تَعْرِيفُهَا.
وَلَوْ دَفَعَ لُقَطَةً لِقَاضٍ لَزِمَهُ قَبُولُهَا.
(وَإِذَا أَخَذَهَا) أَيْ اللُّقَطَةَ الْمُلْتَقِطُ الْوَاثِقُ بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ (فَعَلَيْهِ) حِينَئِذٍ (أَنْ يَعْرِفَ) بِفَتْحِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ (سِتَّةَ أَشْيَاءَ) وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ تَرْجِعُ إلَى أَرْبَعَةٍ وَتَرْكِ مَعْرِفَةَ اثْنَيْنِ كَمَا سَيَظْهَرُ: الْأَوَّلَ أَنْ يَعْرِفَ (وِعَاءَهَا) وَهُوَ بِكَسْرِ الْوَاوِ

[حاشية البجيرمي]

وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ عَدْلٍ.
قَوْلُهُ: (تَمَلَّكُوا) أَيْ حَتَّى الْمُرْتَدِّ إنْ أَسْلَمَ وَتَكُونُ مَوْقُوفَةً قَبْلَ إسْلَامِهِ كَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ) أَيْ لَهُمَا نَوْعُ تَمْيِيزٍ؛ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ فِي اللُّقَطَةِ الِاكْتِسَابُ لَا الْأَمَانَةُ وَالْوِلَايَةُ شَرْحِ م ر، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا نَوْعُ تَمْيِيزٍ لَمْ يَصِحَّ الْتِقَاطُهُمَا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَنْزِعَهَا مِنْهُمَا؛.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْزِعُ اللُّقَطَةَ مِنْهُمَا) فَإِنْ قَصَّرَ فِي نَزْعِهَا مِنْهُمَا فَتَلِفَتْ وَلَوْ بِإِتْلَافِهِمَا ضَمِنَ فِي مَالِ نَفْسِهِ ثُمَّ يُعَرِّفُ التَّالِفَ، فَإِنْ لَمْ يَقْتَصِرْ فَلَا ضَمَانَ شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَم ر. وَقَوْلُهُ " فَإِنْ يُقَصِّرْ فَلَا ضَمَانَ " أَيْ عَلَى الْوَلِيِّ وَلَا عَلَى الصَّبِيِّ وَلَا عَلَى الْمَجْنُونِ أَيْضًا فِي التَّلَفِ، وَأَمَّا الْإِتْلَافُ فَالضَّمَانُ فِيهِ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ اهـ خ ض. فَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ إتْلَافِهِمَا ضَاعَتْ عَلَى صَاحِبِهَا.
قَوْلُهُ: (إنْ رَآهُ) أَيْ مَصْلَحَةً بِأَنْ احْتَاجَ إلَى النَّفَقَةِ أَوْ الْكِسْوَةِ وَلَهُمَا مَا يُوَفَّى كَدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ أَوْ مَتَاعٍ كَاسِدٍ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (حَيْثُ يَجُوزُ) فَهُوَ تَقْيِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ وَبَيَانٌ لَهُ، وَلَيْسَ زَائِدًا عَلَيْهِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ كَأَنَّهُ قَالَ: وَذَلِكَ حَيْثُ يَجُوزُ إلَخْ كَمَا عَبَّرَ بِهِ بَعْضُهُمْ.
قَوْلُهُ: (يَصِحُّ تَعْرِيفُهُ) وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ جَوَازِ إبْقَائِهَا فِي يَدِهِ لِأَنَّ يَدَهُ لَا تَصْلُحُ لِلْمَالِ، فَإِنْ قَصَّرَ الْوَلِيُّ فِي انْتِزَاعِهَا مِنْهُ فَتَلِفَتْ أَوْ أَتْلَفَهَا ضَمِنَهَا الْوَلِيُّ أَيْ غَيْرُ الْحَاكِمِ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ فِي مَالِهِ أَصَالَةً لَا قَرَارًا، فَلَا يُطَالَبُ السَّفِيهُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيِّ إنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ مُعْتَرِضًا بِهِ مَا أَفْهَمَهُ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي قَوْلِ الْقَرَارِ الضَّمَانُ عَلَى الْوَلِيِّ وَإِنْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ يُونُسَ فِي التَّعْجِيزِ، كَمَا لَوْ قَصَّرَ بِتَرْكِ مَا احْتَطَبَهُ فِي يَدِهِ حَتَّى تَلِفَ أَوْ أَتْلَفَهُ لِأَنَّ عَلَيْهِ حِفْظَهُ ثُمَّ يُعَرِّفُ التَّالِفَةَ، ثُمَّ إنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي تَمَلُّكِهَا لَهُ تَمَلَّكَ لَهُ قِيمَتَهَا هُوَ أَوْ السَّفِيهُ بِإِذْنِهِ بَعْدَ قَبْضِ الْحَاكِمِ إيَّاهَا مِنْ الْوَلِيِّ إذْ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُمْكِنُ تَمَلُّكُهُ.
اهـ. سم.
وَقَوْلُهُ " ضَمِنَهَا الْوَلِيُّ أَيْ غَيْرُ الْحَاكِمِ إلَخْ " عِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَيَضْمَنُ أَيْ فِي مَالِ نَفْسِهِ وَلَوْ الْحُكْمُ فِيمَا يَظْهَرُ.
اهـ. سم.

قَوْلُهُ: (أَوْ تَمَلُّكٍ) أَيْ فِيمَا يُمْلَكُ أَيْ بَعْدَ التَّعْرِيفِ بِشُرُوطِهِ، وَقَوْلُهُ " أَوْ اخْتِصَاصٍ " أَيْ فِيمَا لَا يُمْلَكُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَصَدَ أَحَدَهُمَا) أَيْ الْخِيَانَةَ وَغَيْرَهَا.
وَوَجْهُهُ فِي قَصْدِ الْخِيَانَةِ أَنَّهُ لَمَّا نَسِيَهَا ضَعُفَ قَصْدُهَا فَكَانَ أَمِينًا وَإِنْ كَانَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا لِلْحِفْظِ أَوْ التَّمَلُّكِ، فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ قَصَدَ الْخِيَانَةَ) غَايَةٌ، أَيْ فَلَا يَكُونُ ضَامِنًا بِمُجَرَّدِ قَصْدِ الْخِيَانَةِ بَلْ إنَّمَا يَكُونُ ضَامِنًا، إنْ تَمَلَّكَ أَوْ اخْتَصَّ بَعْدَ التَّعْرِيفِ.
قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يَتَمَلَّكْ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ فَأَمِينٌ.
أَيْ فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الِاخْتِصَاصِ أَمِينًا مَا لَمْ يُتْلِفْ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَإِنْ تَلِفَ فَلَا ضَمَانَ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي الْغَصْبِ، شَرْحِ م ر. وَانْظُرْ مَا مَعْنَى الْأَمَانَةِ فِي الِاخْتِصَاصِ مَعَ أَنَّهُ إنْ تَلِفَ بِتَقْصِيرٍ لَا يَضْمَنُ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا) هَذَا اسْتِطْرَادٌ لِأَنَّ مَحَلَّهُ سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَخَذَهَا لِلْخِيَانَةِ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ: لَا لِخِيَانَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَضَامِنٌ) وَيَبْرَأُ بِالدَّفْعِ لِحَاكِمٍ أَمِينٍ م ر. قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِمَنْ أَخَذَ لِلْخِيَانَةِ تَعْرِيفُهَا أَيْ لِيَتَمَلَّكَهَا بَعْدَهُ، فَالْمَنْفِيُّ التَّمَلُّكُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ دَفْعُهَا لِلْقَاضِي مَا لَمْ يَقْصِدْ الْحِفْظَ وَيَتْرُكُ الْخِيَانَةَ فَإِنْ عَرَّفَهَا فَمُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَعُدْ إلَى قَصْدِ الْأَمَانَةِ وَالْحِفْظِ ق ل. قَوْلُهُ: (وَلَوْ دَفَعَ) أَيْ الْخَائِنُ أَوْ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (تَرْجِعُ إلَى أَرْبَعَةٍ) لِأَنَّ الْوِعَاءَ وَالْعِفَاصَ وَاحِدٌ وَالْعَدَّ وَالْوَزْنَ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْقَدْرَ يَشْمَلُهُمَا كَمَا يَشْمَلُ أَيْضًا الْكَيْلَ وَالذَّرْعَ.
قَوْلُهُ؛ (مَعْرِفَةُ اثْنَيْنِ) كَانَ الْوَجْهُ أَنْ يَقُولَ: وَتَرْكُ مَعْرِفَةِ أَرْبَعَةٍ كَزِيَادَةِ الْكَيْلِ وَالذَّرْعِ كَمَا يَأْتِي ق ل. قَوْلُهُ: (وَأَصْلُهُ) أَيْ فِي اللُّغَةِ.
وَقَوْلُهُ " كَمَا فِي تَحْرِيرِ التَّنْبِيهِ " هُوَ لِأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَهُوَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ، وَتَحْرِيرُ التَّنْبِيهِ لِلْإِمَامِ النَّوَوِيِّ.

وَالْمَدُّ مَا هِيَ فِيهِ مِنْ جِلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَ) الثَّانِيَ أَنْ يَعْرِفَ (عِفَاصَهَا) وَهُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَأَصْلُهُ كَمَا فِي تَحْرِيرِ التَّنْبِيهِ عَنْ الْخَطَّابِيِّ الْجِلْدُ الَّذِي يَلْبَسُ رَأْسَ الْقَارُورَةِ وَهِيَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ كَصَاحِبِ التَّنْبِيهِ لِأَنَّهُمَا جَمَعَا بَيْنَ الْوِعَاءِ وَالْعِفَاصِ وَالْمَحْكِيُّ فِي تَحْرِيرِ التَّنْبِيهِ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْعِفَاصَ هُوَ الْوِعَاءُ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ فَيَعْرِفُ عِفَاصَهَا وَهِيَ الْوِعَاءُ مِنْ جِلْدٍ وَخِرْقَةٍ وَغَيْرِهِمَا انْتَهَى فَأَطْلَقَ الْعِفَاصَ عَلَى الْوِعَاءِ تَوَسُّعًا، (وَ) الثَّالِثَ: أَنْ يَعْرِفَ (وِكَاءَهَا) وَهُوَ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَبِالْمَدِّ مَا تُرْبَطُ بِهِ مِنْ خَيْطٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَ) الرَّابِعَ: أَنْ يَعْرِفَ (جِنْسَهَا) مِنْ نَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَ) الْخَامِسَ: أَنْ يَعْرِفَ (عَدَدَهَا) كَاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (وَ) السَّادِسَ: أَنْ يَعْرِفَ (وَزْنَهَا) كَدِرْهَمٍ فَأَكْثَرَ.
أَمَّا كَوْنُهَا تَرْجِعُ إلَى أَرْبَعٍ فَإِنَّ الْعِفَاصَ وَالْوِعَاءَ وَاحِدٌ كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَالْعَدَدُ وَالْوَزْنُ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِالْقَدْرِ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْقَدْرِ شَامِلَةٌ لِلْوَزْنِ وَالْعَدَدِ وَالْكَيْلِ وَالذَّرْعِ.
وَالسَّابِعَ: وَهُوَ الْمَتْرُوكُ مِنْ كَلَامِهِ أَنْ يَعْرِفَ صِنْفَهَا أَهَرَوِيَّةً أَمْ مَرْوِيَّةً.
وَالثَّامِنَ: أَنْ يَعْرِفَ صِفَتَهَا مِنْ صِحَّةٍ وَتَكْسِيرٍ وَنَحْوِهِمَا، وَمَعْرِفَةُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ تَكُونُ عَقِبَ الْأَخْذِ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ.
وَهِيَ سُنَّةٌ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ.
وَفِي الْكَافِي أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَجَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ، وَيَنْدُبُ كَتْبُ الْأَوْصَافِ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَنَّهُ الْتَقَطَهَا فِي وَقْتِ كَذَا.

(وَ) يَجِبُ عَلَيْهِ (أَنْ يَحْفَظَهَا) لِمَالِكِهَا (فِي حِرْزِ مِثْلِهَا) إلَى ظُهُورِهِ لِأَنَّهَا فِيهَا مَعْنَى الْأَمَانَةِ وَالْوِلَايَةِ وَالِاكْتِسَابِ، فَالْأَمَانَةُ وَالْوِلَايَةُ أَوَّلًا وَالِاكْتِسَابُ آخِرًا بَعْدَ التَّعْرِيفِ.
وَهَلْ الْمُغَلَّبُ فِيهَا الْأَمَانَةُ وَالْوِلَايَةُ لِأَنَّهُمَا نَاجِزَانِ أَوْ الِاكْتِسَابُ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ؟ وَجْهَانِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، وَالْمُرَجَّحُ فِيهَا تَغْلِيبُ الِاكْتِسَابِ لِأَنَّهُ يَصِحُّ الْتِقَاطُ الْفَاسِقِ

[حاشية البجيرمي]

وَقَوْلُهُ " الْقَارُورَةُ هِيَ مِنْ الزُّجَاجِ وَقَالَ م د هِيَ ظَرْفُ الشَّيْءِ وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ الْقَارُورَةُ إنَاءٌ مِنْ زُجَاجٍ وَالْجَمْعُ الْقَوَارِيرُ وَالْقَارُورَةُ أَيْضًا وِعَاءُ الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ وَهِيَ الْقَوْصَرَّةُ وَتُطْلَقُ الْقَارُورَةُ عَلَى الْمَرْأَةِ لِأَنَّ الْوَلَدَ أَوْ الْمَنِيَّ يَقَرُّ فِي رَحِمِهَا كَمَا يَقَرُّ الشَّيْءُ فِي الْإِنَاءِ أَوْ تَشْبِيهًا بِآنِيَةِ الزُّجَاجِ لِضَعْفِهَا.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ) الْمُنَاسِبُ هُوَ أَيْ الْجِلْدُ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ أُنِّثَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ آنِيَةً.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمَا) أَيْ الْمُصَنِّفَ وَصَاحِبَ التَّنْبِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ الْوِعَاءُ) الْأَوْلَى وَهُوَ كَمَا فِي نُسْخَةٍ.
وَيُجَابُ عَنْ التَّأْنِيثِ بِمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (انْتَهَى) أَيْ كَلَامُ الرَّوْضَةِ.
وَقَوْلُهُ " فَأَطْلَقَ " أَيْ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى الْعِفَاصِ، بِخِلَافِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوِعَاءِ فَجَعَلَ لَهُ مَعْنًى يَخُصُّهُ.
قَوْلُهُ: (تَوَسُّعًا) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ إطْلَاقٌ لُغَوِيٌّ فَلَا تَوَسُّعَ فِيهِ.
اهـ. ق ل، فَإِنَّ عِبَارَةَ الْقَامُوسِ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْوِعَاءِ الَّذِي فِيهِ النَّفَقَةُ جِلْدًا أَوْ خِرْقَةً وَغِلَافُ الْقَارُورَةِ وَالْجِلْدُ الَّذِي يُغَطَّى بِهِ رَأْسُهَا كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ حَجّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرُهُ) كَجِلْدٍ.
قَوْلُهُ: (جِنْسَهَا) بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلنَّوْعِ وَالصِّفَةِ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِمَا، فَلَا حَاجَةَ لِمَا زَادَهُ الشَّارِحُ مَعَ أَنَّهُ عَدَّ الصِّفَةَ وَأَسْقَطَ النَّوْعَ ق ل. قَوْلُهُ: (كَدِرْهَمٍ) كَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ يَقُولَ كَرَطْلٍ مَثَلًا لِأَنَّ الدِّرْهَمَ مِنْ الْعَدِّ، إلَّا إنْ قَيَّدَ بِالْوَزْنِ ق ل. وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الدِّرْهَمَ مُتَضَمِّنٌ لِلْوَزْنِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْعِفَاصَ وَالْوِعَاءَ وَاحِدٌ) أَيْ عَلَى قَوْلِ الرَّوْضَةِ.
وَغَايَرَ أَوَّلًا بَيْنَهُمَا مُجَارَاةً لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ ق ل هَذَا لَا يُلَائِمُ مَا قَرَّرَ بِهِ الْمَتْنُ مِنْ تَغَايُرِهِمَا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْقَدْرِ) الْمُنَاسِبُ: فَإِنَّ الْقَدْرَ.
قَوْلُهُ: (أَهَرَوِيَّةً) بِفَتَحَاتٍ نِسْبَةً إلَى هَرَاةَ قَرْيَةٌ بِالْعَجَمِ، وَمَرْوِيَّةٌ بِسُكُونِ الرَّاءِ نِسْبَةً إلَى مَرْوَ قَرْيَةٌ كَذَلِكَ وَالنِّسْبَةُ إلَيْهَا مَرْوَزِيٌّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ.
قَوْلُهُ: (وَمَعْرِفَةُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ) الْأَوْلَى الْأَشْيَاءُ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ سُنَّةٌ) أَيْ بِقَيْدِ كَوْنِ الْمَعْرِفَةِ الْمَذْكُورَةِ عَقِبَ الْأَخْذِ، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ التَّمَلُّكِ فَوَاجِبَةٌ ق ل عَلَى الْغَزِّيِّ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهَا وَاجِبَةٌ) هُوَ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ (وَيُنْدَبُ كَتْبُ الْأَوْصَافِ) أَيْ خَوْفًا مِنْ نِسْيَانِهَا.
قَوْلُهُ: (فِي وَقْتِ كَذَا) أَيْ وَفِي مَكَانِ كَذَا.

قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ عَلَيْهِ) أَخَذَ الشَّارِحُ الْوُجُوبَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ السَّابِقِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ إلَخْ، فَالْمَعْنَى: وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَهَا فَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلْوُجُوبِ لِأَنَّ " عَلَى " لِلْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: (مَعْنَى الْأَمَانَةِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُلْتَقِطَ أَمِينٌ فِيمَا لَقَطَهُ وَالشَّرْعُ وَلَّاهُ حِفْظَهُ كَالْوَلِيِّ فِي مَالِ الطِّفْلِ، مَنْهَجٌ.
قَوْلُهُ: (أَوَّلًا) أَيْ قَبْلَ التَّعْرِيفِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَجَّحُ فِيهَا) أَيْ اللُّقَطَةِ،

وَالذِّمِّيِّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمُغَلَّبَ ذَلِكَ لَمَا صَحَّ الْتِقَاطُهُمَا.

(ثُمَّ إذَا أَرَادَ) الْمُلْتَقِطُ (تَمَلُّكَهَا عَرَّفَهَا سَنَةً) أَيْ مِنْ يَوْمِ التَّعْرِيفِ تَحْدِيدًا، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ لَا تَتَأَخَّرُ فِيهَا الْقَوَافِلُ غَالِبًا وَتَمْضِي فِيهَا الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ.
قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَرِّفْ سَنَةً لَضَاعَتْ الْأَمْوَالُ عَلَى أَرْبَابِهَا، وَلَوْ جَعَلَ التَّعْرِيفَ أَبَدًا لَامْتَنَعَ مِنْ الْتِقَاطِهَا فَكَانَ فِي السُّنَّةِ نَظَرٌ لِلْفَرِيقَيْنِ مَعًا.
وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ السُّنَّةُ مُتَّصِلَةً بَلْ تَكْفِي وَلَوْ مُفَرَّقَةً عَلَى الْعَادَةِ إنْ كَانَتْ غَيْرَ حَقِيرَةٍ، وَلَوْ مِنْ الِاخْتِصَاصَاتِ فَيُعَرِّفُهَا أَوَّلًا كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ طَرَفَيْهِ أُسْبُوعًا ثُمَّ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً طَرَفَهُ أُسْبُوعًا أَوْ أُسْبُوعَيْنِ ثُمَّ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ كُلَّ شَهْرٍ كَذَلِكَ بِحَيْثُ لَا يَنْسَى أَنَّهُ تَكْرَارٌ لِمَا مَضَى.
وَإِنَّمَا جَعَلَ التَّعْرِيفَ فِي الْأَزْمِنَةِ الْأُوَلِ أَكْثَرَ لِأَنَّ طَلَبَ الْمَالِكِ فِيهَا أَكْثَرُ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: قِيلَ وَمُرَادُهُمْ أَنْ يُعَرِّفَ كُلَّ مُدَّةٍ مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَلَوْ مَاتَ الْمُلْتَقِطُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ بَنَى وَارِثُهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ

وَلَوْ الْتَقَطَ اثْنَانِ لُقَطَةً عَرَّفَهَا كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَ سَنَةٍ كَمَا قَالَ السُّبْكِيُّ إنَّهُ الْأَشْبَهُ، وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الرِّفْعَةِ لِأَنَّهَا لُقَطَةٌ وَاحِدَةٌ؛ وَالتَّعْرِيفُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا لِكُلِّهَا لَا لِنِصْفِهَا لِأَنَّهَا إنَّمَا تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ التَّمَلُّكِ.

[حاشية البجيرمي]

وَرُجُوعُ الضَّمِيرِ لِلْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ بَعِيدٌ إذْ لَوْ رَجَعَ إلَيْهَا لَقَالَ " مِنْهَا " وَقَدْ صَرَّحَ الشَّارِحُ بِاللُّقَطَةِ فِيمَا مَرَّ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّهَا أَيْ اللُّقَطَةَ فِيهَا مَعْنَى الْأَمَانَةِ وَالْوِلَايَةِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (تَغْلِيبٌ) أَيْ تَقْدِيمُ مُرَاعَاةِ الِاكْتِسَابِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ.
قَوْلُهُ: (الْفَاسِقُ وَالذِّمِّيُّ) وَكَذَا الصَّبِيُّ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَاتِ.
قَوْلُهُ: (ذَلِكَ) أَيْ الِاكْتِسَابُ.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ إذَا أَرَادَ إلَخْ) خَرَجَ مَا لَوْ الْتَقَطَهَا لِلْحِفْظِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ وَلَوْ بَقِيَتْ عِنْدَهُ سِنِينَ.
وَهَذَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ وُجُوبُ التَّعْرِيفِ مُطْلَقًا.
وَعِبَارَةُ م د: " إذَا أَرَادَ تَمَلُّكَهَا " لَيْسَ بِقَيْدٍ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ التَّعْرِيفُ عَلَى مَنْ الْتَقَطَ لِلْحِفْظِ عَلَى الصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ مِنْ يَوْمِ التَّعْرِيفِ) لَا مِنْ الِالْتِقَاطِ، فَالتَّعْرِيفُ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى) أَيْ الْحِكْمَةُ فِي تَعْرِيفِهَا سَنَةً.
قَوْلُهُ: (وَتَمْضِي إلَخْ) اُنْظُرْ وَجْهَ مَدْخَلِيَّةِ ذَلِكَ فِي الْحِكْمَةِ إذْ لَا دَخْلَ لِلْفُصُولِ فِي ذَلِكَ وَلَا مُنَاسَبَةَ، وَيُمْكِنُ الْمُنَاسَبَةُ بِأَنْ كَانَتْ الْعَادَةُ جَرَتْ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ بِأَنَّ الْقَوَافِلَ كَانَتْ تُسَافِرُ كُلُّ قَافِلَةٍ مِنْهَا فِي فَصْلٍ مِنْ الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ.
قَوْلُهُ: (لَوْ لَمْ يُعَرِّفْ) أَيْ الْمُلْتَقِطُ.
قَوْلُهُ: (لَامْتُنِعَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ النُّونِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
قَوْلُهُ: (نَظَرٌ) أَيْ رِعَايَةٌ وَمَصْلَحَةٌ وَرِفْقٌ.
قَوْلُهُ: (لِلْفَرِيقَيْنِ) أَيْ الْمَالِكِ وَالْمُلْتَقِطِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْعَادَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِسَنَةٍ، أَيْ عَلَى الْعَادَةِ فِي الْقَدْرِ وَالْمَحَلِّ، فَقَوْلُهُ " فَيُعَرِّفُهَا أَوَّلًا إلَخْ " بَيَانٌ لِلْقَدْرِ، وَقَوْلُهُ " وَعَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ " بَيَانٌ لِلْمَحَلِّ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَتْ) أَيْ اللُّقَطَةُ وَهَذَا قَيْدٌ لِقَوْلِ الْمَتْنِ عَرَّفَهَا سَنَةً، وَمَفْهُومُهُ سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَيُعَرَّفُ حَقِيرٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مِنْ الِاخْتِصَاصَاتِ) بِأَنْ كَانَ اخْتِصَاصًا عَظِيمَ الْمَنْفَعَةِ يَكْثُرُ أَسَفُ فَاقِدِهِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (طَرَفَيْهِ) أَيْ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ إلَخْ) إلَى أَنْ يُتِمَّ أَسَابِيعَ أَخْذًا مِمَّا قَبْلَهُ شَرْحِ م ر. قَالَ الرَّشِيدِيُّ: التَّعْبِيرُ بِيُتِمَّ أَيْ فِي قَوْلِهِ إلَى أَنْ يُتِمَّ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يُحْسَبُ مِنْ السَّبْعَةِ الْأُسْبُوعَانِ الْأَوَّلَانِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ كُلُّ شَهْرٍ كَذَلِكَ) أَيْ إلَى آخِرِ السَّنَةِ فَالْمَرَّةُ الْمَذْكُورَةُ تَقْرِيبِيَّةٌ.
وَالضَّابِطُ مَا ذُكِرَ، وَهُوَ أَنَّهُ بِحَيْثُ لَا يَنْسَى أَنَّهُ تَكْرَارٌ لِمَا مَضَى حَتَّى لَوْ فُرِضَ أَنَّ الْمَرَّةَ فِي الْأَسَابِيعِ الَّتِي بَعْدَ التَّعْرِيفِ كُلُّ يَوْمٍ لَا تَدْفَعُ النِّسْيَانَ وَجَبَ مَرَّتَانِ كُلَّ أُسْبُوعٍ ثُمَّ مَرَّةٌ كُلَّ أُسْبُوعٍ شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ (قِيلَ إلَخْ) هَذَا فِي مُقَابَلَةِ التَّقْرِيرِ السَّابِقِ، فَأَشَارَ إلَى أَنَّ الزَّرْكَشِيّ نَقَلَ أَنَّ مُرَادَهُمْ مِنْهُ أَنْ يُعَرِّفَهَا طَرَفَيْ النَّهَارِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ طَرَفَهُ فَقَطْ ثَلَاثَةً أُخْرَى ثُمَّ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً فِي طَرَفِ يَوْمٍ مِنْهَا ثَلَاثَةً أُخْرَى ثُمَّ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةً أُخْرَى، وَهُوَ ضَعِيفٌ م د.

قَوْلُهُ: (كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَ سَنَةٍ) بِأَنْ يَكُونَ يَوْمًا وَيَوْمًا ثُمَّ جُمُعَةً وَجُمُعَةً ثُمَّ شَهْرًا وَشَهْرًا.
قَوْلُهُ: (إنَّهُ الْأَشْبَهُ) أَيْ الْمُشَابِهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُشْتَرَكِ فِيهَا، وَيَكْفِي تَعْرِيفُ أَحَدِهِمَا وَلَوْ بِلَا إذْنِ الْآخَرِ، وَيَكْفِي إذْنُهُمَا لِأَجْنَبِيٍّ، وَلَوْ أَسْقَطَ أَحَدُهُمَا حَقَّهُ مِنْ الِالْتِقَاطِ لَمْ يَسْقُطْ، وَمِثْلُهُمَا الْوَارِثُ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الرِّفْعَةِ) حَيْثُ قَالَ: يُعَرِّفُهَا كُلُّ وَاحِدٍ سَنَةً.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا لُقَطَةٌ وَاحِدَةٌ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِ السُّبْكِيّ.

تَنْبِيهٌ: قَدْ يُتَصَوَّرُ التَّعْرِيفُ سَنَتَيْنِ وَذَلِكَ إذَا قَصَدَ الْحِفْظَ فَعَرَّفَهَا سَنَةً ثُمَّ قَصَدَ التَّمْلِيكَ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهِ سَنَةً مِنْ حِينَئِذٍ، وَيُبَيِّنُ فِي التَّعْرِيفِ زَمَنَ وِجْدَانِ اللُّقَطَةِ، وَيَذْكُرُ نَدْبًا اللَّاقِطُ وَلَوْ بِنَائِبِهِ بَعْضَ أَوْصَافِهَا فِي التَّعْرِيفِ فَلَا يَسْتَوْعِبُهَا لِئَلَّا يَعْتَمِدَهَا الْكَاذِبُ، فَإِنْ اسْتَوْعَبَهَا ضَمِنَ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْفَعُهُ إلَى مَنْ يُلْزِمُ الدَّفْعُ بِالصِّفَاتِ.
وَيُعَرِّفُهَا فِي بَلَدِ الِالْتِقَاطِ وَ (عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ) عِنْدَ خُرُوجِ النَّاسِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى وُجُودِ صَاحِبِهَا (وَ) يَجِبُ التَّعْرِيفُ (فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ) وَلْيُكْثِرْ مِنْهُ فِيهِ، لِأَنَّ طَلَبَ الشَّيْءِ فِي مَكَانِهِ أَكْثَرُ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ الْمَسَاجِدُ فَيُكْرَهُ التَّعْرِيفُ فِيهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ وَإِنْ أَفْهَمَ كَلَامُ الرَّوْضَةِ التَّحْرِيمَ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَلَا يُكْرَهُ التَّعْرِيفُ فِيهِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ، وَلِأَنَّهُ مَجْمَعُ النَّاسِ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ وَالْأَقْصَى كَذَلِكَ.
وَلَوْ أَرَادَ الْمُلْتَقِطُ سَفَرًا اسْتَنَابَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ مَنْ يَحْفَظُهَا وَيُعَرِّفُهَا، فَإِنْ سَافَرَ بِهَا أَوْ اسْتَنَابَ بِغَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ مَعَ وُجُودِهِ ضَمِنَ لِتَقْصِيرِهِ وَإِنْ الْتَقَطَ فِي الصَّحْرَاءِ وَهُنَاكَ قَافِلَةٌ تَبِعَهَا وَعَرَّفَ فِيهَا إذْ لَا فَائِدَةَ فِي التَّعْرِيفِ فِي الْأَمَاكِنِ الْخَالِيَةِ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَفِي بَلَدٍ يَقْصِدُهَا قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ سَوَاءٌ أَقَصَدَهَا ابْتِدَاءً أَمْ لَا حَتَّى لَوْ قَصَدَ بَعْدَ قَصْدِهِ الْأَوَّلِ بَلْدَةً أُخْرَى.
وَلَوْ بَلْدَتَهُ الَّتِي سَافَرَ مِنْهَا عَرَّفَ فِيهَا وَلَا يُكَلَّفُ الْعُدُولَ عَنْهَا إلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَيُعَرَّفُ حَقِيرٌ لَا يَعْرِضُ عَنْهُ غَالِبًا مُتَمَوِّلًا كَانَ أَوْ مُخْتَصًّا وَلَا يَتَقَدَّرُ بِشَيْءٍ بَلْ هُوَ مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ فَاقِدَهُ لَا يُكْثِرُ أَسَفَهُ عَلَيْهِ وَلَا يُطَوِّلُ طَلَبَهُ لَهُ غَالِبًا إلَى أَنْ يَظُنَّ إعْرَاضَ فَاقِدِهِ عَنْهُ غَالِبًا، وَعَلَيْهِ مُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ إنْ قَصَدَ تَمَلُّكًا وَلَوْ بَعْدَ لَقْطِهِ لِلْحِفْظِ أَوْ مُطْلَقًا وَإِنْ لَمْ يَتَمَلَّكْ لِوُجُوبِ التَّعْرِيفِ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (قَدْ يُتَصَوَّرُ إلَخْ) لَكِنَّ التَّعْرِيفَ الْأَوَّلَ سُنَّةٌ وَالثَّانِيَ وَاجِبٌ م د؛ لَكِنْ فِي شَرْحِ م ر الْوُجُوبُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ حِينَئِذٍ) أَيْ مِنْ حِينِ قَصَدَ التَّمَلُّكَ.
قَوْلُهُ: (وَيُبَيِّنُ فِي التَّعْرِيفِ) أَيْ يَذْكُرُ زَمَنَ وِجْدَانِ اللُّقَطَةِ وَمَكَانَهُ وُجُوبًا فِيهِمَا، وَمَحَلَّهُ فِي الْمَكَانِ مَا لَمْ يَكُنْ التَّعْرِيفُ وَاقِعًا فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ ذِكْرُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ الْكَاذِبَ قَدْ يَرْفَعُ اللَّاقِطَ إلَى حَاكِمٍ يُلْزِمُ اللَّاقِطَ دَفْعَ اللُّقَطَةِ لِمَنْ وَصَفَهَا لَهُ.
قَوْلُهُ: (إلَى مَنْ يُلْزِمُ الدَّفْعَ بِالصِّفَاتِ) أَيْ إلَى حَاكِمٍ مَذْهَبُهُ إلْزَامُ اللَّاقِطِ دَفْعَ اللُّقَطَةِ لِمَنْ وَصَفَهَا بِصِفَاتِهَا.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ خُرُوجِ النَّاسِ) أَيْ مِنْ الْجَمَاعَاتِ قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ التَّعْرِيفُ) الْأَوْلَى عَدَمُ ذِكْرِهِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ، وَيَقُولُ: وَلْيُكْثِرْ مِنْ التَّعْرِيفِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَلْيُكْثِرْ مِنْهُ) أَيْ مِنْ التَّعْرِيفِ.
قَوْلُهُ: (فَيُكْرَهُ التَّعْرِيفُ فِيهَا) أَيْ فِي الْمَسَاجِدِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ بِرَفْعِ صَوْتٍ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ ق ل. وَيُكْرَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ وَسَائِرُ الْعُقُودِ كَالْبَيْعِ إلَّا النِّكَاحَ فَيُسَنُّ عَقْدُهُ فِيهِ، وَكَذَا يُكْرَهُ نَشْدُ الضَّالَّةِ فِيهِ وَيُنْدَبُ أَنْ يُقَالَ لِلْعَاقِدِ فِيهِ لَا رَبَّحَ اللَّهُ تِجَارَتَك وَلِلْمُنْشِدِ لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك، وَيُكْرَهُ السُّؤَالُ فِيهِ إذَا لَمْ يَتَأَذَّ بِهِ نَحْوُ مُصَلٍّ وَلَمْ يَتَخَطَّ الرِّقَابَ وَلَمْ يَمْشِ أَمَامَ الصُّفُوفِ وَإِلَّا حَرُمَ، وَلَا يُكْرَهُ إعْطَاؤُهُ إلَّا إنْ تَأَذَّى بِهِ النَّاسُ فَيُكْرَهُ لِلْإِعَانَةِ عَلَى الْأَذَى، بَلْ لَوْ قِيلَ يَحْرُمُ لَمْ يَبْعُدْ وَلَا يُكْرَهُ بِبَابِ الْمَسْجِدِ؛ اهـ مِنْ أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ لِلْمُنَاوِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَمُقْتَضَى ذَلِكَ) أَيْ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ، أَيْ قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ مَجْمَعُ النَّاسِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَقْصَى كَذَلِكَ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُمَا لَيْسَا كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَيُكْرَهُ فِيهِمَا كَغَيْرِهِمَا م ر. قَوْلُهُ: (تَبِعَهَا) أَيْ إنْ كَانَتْ لِجِهَةِ مَقْصِدِهِ ق ل. قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ) أَيْ إنْ لَمْ يُرِدْ اتِّبَاعَ الْقَافِلَةِ فَلَا يُضَيِّقُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ أَبَدًا.
قَوْلُهُ: (عَرَّفَ مِنْهَا) أَيْ فَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِتَغَيُّرِ الْقَصْدِ.
قَوْلُهُ: (بِشَيْءٍ) أَيْ بِزَمَنٍ مَخْصُوصٍ.
قَوْلُهُ: (إلَى أَنْ يُظَنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " وَيُعَرَّفُ حَقِيرٌ " وَمَرَاتِبُ الْحَقِيرِ مُخْتَلِفَةٌ فَإِنَّ النِّصْفَ يُعَرَّفُ أَكْثَرَ مِنْ الْفَلْسِ، وَأَمَّا مَا يَعْرَضُ عَنْهُ غَالِبًا فَلَا يُعَرَّفُ كَزَبِيبَةٍ وَزِبْلٍ يَسِيرٍ بَلْ يَسْتَبِدُّ أَيْ يَسْتَقِلُّ بِهِ وَاجِدُهُ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُعَرِّفُ زَبِيبَةً فَضَرَبَهُ بِالدُّرَّةِ وَقَالَ: " إنَّ مِنْ الْوَرَعِ مَا يَمْقُتُ اللَّهُ عَلَيْهِ " وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَحْصُلُ لِلْمُقَلِّشِينَ فَإِنْ كَانَ الْحَاصِلُ حَقِيرًا كَانَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ، أَوْ غَيْرَ حَقِيرٍ وَجَبَ تَعْرِيفُهُ سَنَةً، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُقَلِّشِ الِاسْتِقْلَالُ بِالْأَخْذِ مِنْ غَيْرِ تَعْرِيفٍ م د. وَالْمُقَلِّشُ هُوَ الَّذِي يُفَتِّشُ فِي التُّلُولِ وَغَيْرِهَا عَلَى الدَّرَاهِمِ وَغَيْرِهَا وَمِنْهُ الْمُكَرْبِلُونَ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ مُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ) أَيْ إنْ كَانَ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَإِنْ رَأَى وَلِيُّهُ تَمَلُّكَ اللُّقَطَةِ لَهُ لَمْ يَصْرِفْ مُؤْنَةَ تَعْرِيفِهَا مِنْ مَالِهِ بَلْ يَرْفَعُ

فصول الكتاب · 38 فصل · 529 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب · 529 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
فَصْلٌ: فِي السِّوَاكِ
فَصْلٌ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ
فَصْلٌ: فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ
دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ بِلَا سَبَبٍ
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ
فَصْلٌ: فِي الِاعْتِكَافِ
فَصْلٌ فِي السَّلَمِ
فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِفَصْلٌ: فِي الشَّرِكَةِفَصْلٌ: فِي الْإِقْرَارِفَصْلٌ: فِي الْغَصْبِفَصْلٌ: فِي الشُّفْعَةِفَصْلٌ: فِي الْقِرَاضِفَصْلٌ: فِي الْمُسَاقَاةِفَصْلٌ: فِي الْإِجَارَةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَقْفِ
فَصْلٌ: فِي اللَّقِيطِ
فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ
فَصْلٌ: فِي الظِّهَارِفَصْلٌ: فِي اللِّعَانِفَصْلٌ: فِي الِاسْتِبْرَاءِ
فَصْلٌ: فِي الرَّضَاعِ
فَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِفَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْفَيْءِفَصْلٌ: فِي الْجِزْيَةِفَصْلٌ: فِي الْأَطْعِمَةِ
فَصْلٌ: فِي الْأُضْحِيَّةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَلَاءِفَصْلٌ فِي التَّدْبِيرِخَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل