فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البجيرمي
- الكتاب
- تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
- المؤلف
- سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه
وَأُخْرَى قَبْلَ الْعَقْدِ لِخَبَرِ: «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» أَيْ عَنْ الْبَرَكَةِ، وَتَحْصُلُ السُّنَّةُ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الْعَقْدِ مِنْ الْوَلِيِّ أَوْ الزَّوْجِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ؛ وَلَوْ أَوْجَبَ وَلِيُّ الْعَقْدِ فَخَطَبَ الزَّوْجُ خُطْبَةً قَصِيرَةً عُرْفًا فَقَبِلَ صَحَّ الْعَقْدُ مَعَ الْخُطْبَةِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ؛ لِأَنَّهَا مُقَدِّمَةُ الْقَبُولِ، فَلَا تَقْطَعُ الْوَلَاءَ كَالْإِقَامَةِ وَطَلَبِ الْمَاءِ وَالتَّيَمُّمِ بَيْنَ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ لَكِنَّهَا لَا تُسَنُّ، بَلْ يُسَنُّ تَرْكُهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ يُونُسَ.
(وَالنِّسَاءُ) بِالنِّسْبَةِ إلَى إجْبَارِهِنَّ فِي التَّزْوِيجِ وَعَدَمِهِ (عَلَى ضَرْبَيْنِ) الْأَوَّلُ (بِكْرٌ) تُجْبَرُ (وَ) الثَّانِي (الثَّيِّبُ) لَا تُجْبَرُ
[حاشية البجيرمي]
يَقُولُ: لَسْت بِمَرْغُوبٍ عَنْك أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
اهـ. شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَسَكَتَ عَنْ قِرَاءَةِ الْآيَةِ وَالدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ مَعَ نَدْبِهِمَا أَيْضًا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، مَعَ أَنَّهَا لَا تُسَمَّى خُطْبَةً إلَّا بِذَلِكَ إمَّا؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: " خَاطِبًا كَرِيمَتَكُمْ " أَيْ لِي أَوْ لِابْنِي أَوْ لِزَيْدٍ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ فَتَاتَكُمْ " الْفَتَى الشَّابُّ وَالْفَتَاةُ الشَّابَّةُ وَالْفَتَى أَيْضًا السَّخِيُّ وَالْكَرِيمُ اهـ.
قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَتَبَرَّكَ الْأَئِمَّةُ بِخُطْبَةِ النِّكَاحِ بِمَا رَوَى الْأَرْبَعَةُ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: «عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خُطْبَةَ الْحَاجَةِ فَلْيَقُلْ: إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1] إلَى قَوْلِهِ ﴿رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 70] ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [الأحزاب: 71] . . . إلَى قَوْلِهِ ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 71] » وَكَانَ أَحْمَدُ إذَا لَمْ تُذْكَرْ هَذِهِ الْخُطْبَةُ فِي عَقْدٍ انْصَرَفَ.
وَكَانَ الْقَفَّالُ يَقُولُ بَعْدَهَا: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِ اللَّهِ يَقْضِي فِيهَا مَا يَشَاءُ وَيْحُكُمْ مَا يُرِيدُ لَا مُؤَخِّرَ لِمَا قَدَّمَ وَلَا مُقَدِّمَ لِمَا أَخَّرَ وَلَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ وَلَا يَفْتَرِقَانِ إلَّا بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ وَكِتَابٍ قَدْ سَبَقَ وَإِنَّ مِمَّا قَضَى اللَّهُ وَقَدَّرَ أَنَّهُ خَطَبَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ فُلَانَةَ ابْنَةَ فُلَانٍ عَلَى صَدَاقِ كَذَا أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ أَجْمَعِينَ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
وَلَفْظُ خُطْبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ زَوَّجَ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ لِعَلِيٍّ ابْنِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ «الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَحْمُودِ بِنِعْمَتِهِ الْمَعْبُودِ بِقُدْرَتِهِ الْمُطَاعِ بِسُلْطَانِهِ الْمَرْهُوبِ مِنْ عَذَابِهِ وَسَطْوَتِهِ النَّافِذِ أَمْرُهُ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ وَسَيَّرَهُمْ بِأَحْكَامِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَجَعَلَ الْمُصَاهَرَةَ سَبَبًا لَاحِقًا وَأَمْرًا مُفْتَرَضًا شَبَّكَ بِهِ الْأَنَامَ وَأَكْرَمَ بِهِ الْأَرْحَامَ فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا﴾ [الفرقان: 54] ، وَلِكُلٍّ قَدَرٍ أَجَلٌ، وَ ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: 38] ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39] » الْآيَةُ: ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ عَنْ الْبَرَكَةِ) إنْ قُلْت هَلَّا قَالَ كَمَا سَبَقَ لَهُ فِي الْخُطْبَةِ أَيْ مَقْطُوعُ الْبَرَكَةِ.
قُلْت: السَّابِقُ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ فَهُوَ أَجْذَمُ وَفِيهِ خَفَاءٌ فَاحْتَاجَ إلَى تَأْوِيلِهِ بِمَا هُوَ أَوْضَحُ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا هُنَا فَأَبْقَاهُ عَلَى أَصْلِهِ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَوْجَبَ وَلِيُّ الْعَقْدِ) فَلَوْ أَوْجَبَ بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ فَقَبِلَ الزَّوْجُ سَاكِتًا انْعَقَدَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
وَهَذِهِ حِيلَةٌ فِي إسْقَاطِ الْمُسَمَّى إذَا كَانَ كَثِيرًا وَلَمْ يَرْضَ بِهِ الزَّوْجُ فَطَرِيقُهُ فِي إسْقَاطِهِ أَنْ يَقْبَلَ سَاكِتًا.
اهـ. ز ي.
قَوْلُهُ: (فَخَطَبَ الزَّوْجُ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يَضُرُّ الْفَصْلُ بِخِطْبَةِ أَجْنَبِيٍّ، وَيُشْعِرُ بِهِ أَيْضًا التَّعْمِيمُ فِيمَا قَبْلَهُ مَعَ التَّقْيِيدِ؛ لَكِنَّ صَنِيعَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ ظَاهِرٌ فِي خِلَافِهِ.
وَعِبَارَةُ ح ل: وَالزَّوْجُ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ الْأَجْنَبِيُّ أَوْ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى عَدَمِ طُولِ الْفَصْلِ بِسُكُوتٍ أَوْ بِمَا ذَكَرَ اهـ.
قَوْلُهُ: (الْفَاصِلَةِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ) خَرَجَ الْخُطْبَةُ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَجَوَابِهَا فَهِيَ مَنْدُوبَةٌ أَيْضًا، فَالْمَنْدُوبُ ثَلَاثُ خُطَبٍ الَّتِي قَبْلَ الْخِطْبَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَ الْعَقْدِ وَاَلَّتِي بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَجَوَابِهَا.
قَوْلُهُ: (كَالْإِقَامَةِ) أَيْ لِلصَّلَاةِ.
وَقَوْلُهُ: " بَيْنَ صَلَاتَيْ الْجَمْعِ " رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ وَيَتَقَيَّدُ بِمَا إذَا لَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا، وَضَبَطَ الْقَفَّالُ الطُّولَ بِأَنْ يَكُونَ زَمَنُهُ فِيهِ لَوْ سَكَتَا فِيهِ لَخَرَجَ الْجَوَابُ عَنْ كَوْنِهِ جَوَابًا، وَالْأَوْلَى ضَبْطُهُ بِالْعُرْفِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. قَالَ شَيْخُنَا: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَضُرُّ الْفَصْلُ بِقَوْلِهِ قُلْ قَبِلْت قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يُحْتَاطُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّهَا لَا تُسَنُّ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَيُسَنُّ الدُّعَاءُ لِلزَّوْجَيْنِ بِالْبَرَكَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ ز ي.
قَوْلُهُ: (كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ يُونُسَ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَبْطَلَ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَعَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ إجْبَارِهِنَّ.
قَوْلُهُ: (بِكْرٌ) لَوْ قَالَ أَبْكَارٌ وَثَيِّبَاتٌ لَكَانَ أَنْسَبَ ق ل، أَيْ لِيُطَابِقَ الْمُبْتَدَأَ وَهُوَ
(فَالْبِكْرُ) وَلَوْ كَبِيرَةً وَمَخْلُوقَةً بِلَا بَكَارَةٍ، أَوْ زَالَتْ بِلَا وَطْءٍ كَسَقْطَةٍ أَوْ حِدَّةِ حَيْضٍ (يَجُوزُ) وَيَصِحُّ (لِلْأَبِ وَالْجَدِّ) أَبِي الْأَبِ وَإِنْ عَلَا عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ أَوْ عَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ (إجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ) أَيْ تَزْوِيجُهَا لِخَبَرِ الدَّارَقُطْنِيِّ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا وَالْبِكْرُ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا» وَلِأَنَّهَا لَمْ تُمَارِسْ الرِّجَالَ بِالْوَطْءِ فَهِيَ شَدِيدَةُ الْحَيَاءِ.
تَنْبِيهٌ: لِتَزْوِيجِ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ الْبِكْرَ بِغَيْرِ إذْنِهَا شُرُوطٌ: الْأَوَّلُ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ.
الثَّانِي: أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ كُفْءٍ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُزَوِّجَهَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ.
الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ الزَّوْجُ
[حاشية البجيرمي]
كِنَايَةٌ عَنْ ضَرْبٍ وَالضَّرْبُ فِي الْمَعْنَى جَمْعٌ.
قَوْلُهُ: (فَالْبِكْرُ) أَيْ وَلَوْ حُكْمًا بِدَلِيلِ الْأَمْثِلَةِ الْآتِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمُخَدَّرَةٌ) الْمُخَدَّرَةُ هِيَ الَّتِي مُلَازِمَةٌ لِبَيْتِهَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ زَالَتْ) أَيْ أَوْ خُلِقَتْ بِبَكَارَةٍ وَزَالَتْ بِلَا وَطْءٍ، كَأَنْ زَالَتْ بِأُصْبُعٍ أَوْ نَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: (لِلْأَبِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَلِ الْمَالَ لِطُرُوِّ سَفَهٍ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى النَّصِّ؛ لِأَنَّ الْعَارَ عَلَيْهِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ وِلَايَةَ تَزْوِيجِهَا تَابِعَةٌ لِوِلَايَةِ مَالِهَا شَرْحُ م ر، أَيْ فَتَكُونُ لِلْقَاضِي.
قَوْلُهُ: (أَيْ تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا) هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْمُرَادِ بِالْإِجْبَارِ هُنَا وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْإِكْرَاهَ ق ل.
قَوْلُهُ: (أَحَقُّ بِنَفْسِهَا) أَيْ فِي اخْتِيَارِهَا لِلزَّوْجِ أَوْ فِي الْإِذْنِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا أَحَقُّ بِنَفْسِهَا فِي الْعَقْدِ كَمَا يَقُولُهُ الْمُخَالِفُ وَهُمْ الْحَنَفِيَّةُ.
وَالْإِمَامُ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ يُصَحِّحُهُ بِدُونِهِمَا مَعًا أَيْ الشُّهُودِ وَالْوَلِيِّ وَلَا حَدَّ فِيهِمَا أَيْضًا، نَعَمْ إنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِبُطْلَانِهِ حُدَّ إنْ عَلِمَ قَبْلَ وَطْئِهِ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (شَدِيدَةُ الْحَيَاءِ) أَيْ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِهَا.
قَوْلُهُ: (الْأَوَّلُ أَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ) هَذَا شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ.
قَوْلُهُ: (عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ) أَيْ بِحَيْثُ لَا تَخْفَى عَلَى أَهْلِ مَحَلَّتِهَا.
وَخَرَجَ بِالْعَدَاوَةِ الْكَرَاهَةُ لِنَحْوِ بُخْلٍ أَوْ عَمًى أَوْ تَشَوُّهِ خِلْقَةٍ فَيُكْرَهُ التَّزْوِيجُ فَقَطْ، وَهَلْ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ وَكِيلُهُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ عَدَمِ الْعَدَاوَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَوَكِيلِهِ؟ اعْتَمَدَ م ر وحج الثَّانِيَ، قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَلَا حَاجَةَ لِاشْتِرَاطِ عَدَمِ عَدَاوَةِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ سَلِيقَةَ الْوَلِيِّ أَيْ طَبِيعَتَهُ تَدْعُوهُ إلَى أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُهَا مِنْ عَدُوِّهَا وَفِيهِ نَظَرٌ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (الثَّانِي أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ كُفْءٍ) هُوَ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ أَيْضًا.
وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ خِصَالَ الْكَفَاءَةِ فِي قَوْلِهِ:
شَرْطُ الْكَفَاءَةِ خَمْسَةٌ قَدْ حُرِّرَتْ ... يُنْبِيكَ عَنْهَا بَيْتُ شِعْرٍ مُفْرَدُ
نَسَبٌ وَدِينٌ حِرْفَةٌ حُرِّيَّةٌ ... فَقْدُ الْعُيُوبِ وَفِي الْيَسَارِ تَرَدُّدُ
وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ وَلَا يَفْتَخِرُ بِهِ أَصْحَابُ الْمُرُوآتِ وَالْبَصَائِرِ، قَالَ الْعَلَّامَةُ مَرْعِيٌّ الْحَنْبَلِيُّ:
قَالُوا الْكَفَاءَةُ سِتَّةٌ فَأَجَبْتهمْ ... قَدْ كَانَ هَذَا فِي الزَّمَانِ الْأَقْدَمِ
أَمَّا بَنُو هَذَا الزَّمَانِ فَإِنَّهُمْ ... لَا يَعْرِفُونَ سِوَى يَسَارِ الدِّرْهَمِ
وَقَوْلُهُ: " حِرْفَةٌ " وَالْأَوْجَهُ مُرَاعَاةُ الْبَلَدِ فِي الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ الَّتِي لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ مَا نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَيْهِ مِنْ رِفْعَةٍ أَوْ دَنَاءَةٍ نُعَوِّلُ عَلَيْهِ وَمَا لَمْ يَنُصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَيْهِ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى عُرْفِ الْبَلَدِ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الزِّيَادِيِّ وَالرَّمْلِيِّ، فَفِي الْأَمْصَارِ التَّاجِرُ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ الزُّرَّاعِ وَفِي الْأَرْيَافِ الزُّرَّاعُ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ التَّاجِرِ حَتَّى لَوْ كَانَ عُرْفُ تِلْكَ الْبَلَدِ أَنَّ ابْنَ الْفَلَّاحِ أَشْرَفُ مِنْ ابْنِ الْعَالِمِ لَمْ يَكُنْ ابْنُ الْعَالِمِ كُفُؤًا لِبِنْتِ الْفَلَّاحِ؛ كَذَا ذَكَرَهُ سم عَنْ م ر. وَفِي شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ مَا يُخَالِفُهُ.
قَوْلُهُ: (الثَّالِثُ إلَخْ) هُوَ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْإِقْدَامِ وَكَذَا الرَّابِعُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ) الْمُرَادُ بِهِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ بِهِ فِيهَا وَلَوْ عَرُوضًا؛ قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
وَمَحَلُّهُ فِي هَذَا مَا لَمْ يَكُونُوا بِبَلَدٍ يَعْتَادُونَ فِيهِ التَّزْوِيجَ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَإِلَّا لَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ
مُعْسِرًا بِالْمَهْرِ.
السَّادِسُ: أَنْ لَا يُزَوِّجَهَا بِمَنْ تَتَضَرَّرُ بِمُعَاشَرَتِهِ كَأَعْمَى أَوْ شَيْخٍ هَرَمٍ.
السَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهَا نُسُكٌ فَإِنَّ الزَّوْجَ يَمْنَعُهَا لِكَوْنِ النُّسُكِ عَلَى التَّرَاخِي وَلَهَا غَرَضٌ فِي تَعْجِيلِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا قَالَهُ ابْنُ الْعِمَادِ.
وَهَلْ هَذِهِ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ شُرُوطٌ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ بِغَيْرِ الْإِذْنِ أَوْ لِجَوَازِ الْإِقْدَامِ فَقَطْ؟ فِيهِ مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ لِهَذَا وَمَا هُوَ مُعْتَبَرٌ لِذَلِكَ، فَالْمُعْتَبَرَاتُ لِلصِّحَّةِ بِغَيْرِ الْإِذْنِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلِيِّهَا عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَأَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ كُفُؤًا، وَأَنْ يَكُونَ مُوسِرًا بِحَالِ صَدَاقِهَا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ شُرُوطٌ لِجَوَازِ الْإِقْدَامِ.
قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ فِي الْإِجْبَارِ أَيْضًا انْتِفَاءُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ انْتَهَى.
وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ ظُهُورُ الْعَدَاوَةِ هُنَا كَمَا اُعْتُبِرَ ثَمَّ لِظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ الْمُجْبِرِ، بَلْ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا حَاجَةَ لِمَا قَالَهُ؛ لِأَنَّ انْتِقَاءَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَلِيِّ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُزَوِّجَهَا إلَّا مِمَّنْ
[حاشية البجيرمي]
لِجَوَازِ الْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ م ر وحج.
قَوْلُهُ: (الْخَامِسُ أَنْ لَا يَكُونَ الزَّوْجُ إلَخْ) هُوَ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ وَقَوْلُهُ مُعْسِرًا بِالْمَهْرِ أَيْ بِالْحَالِّ مِنْهُ دُونَ مَا اُعْتِيدَ تَأْجِيلُهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا بِالْحَالِّ مِنْهُ وَلَوْ زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَيَسَارُهُ بِحَالِّ صَدَاقِهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَوْ زَوَّجَهَا مِنْ مُعْسِرٍ بِهِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ بَخَسَهَا حَقَّهَا، وَلَيْسَ مُفَرَّعًا عَلَى أَنَّ الْيَسَارَ مُعْتَبَرٌ فِي الْكَفَاءَةِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ اهـ. وَلَوْ زَوَّجَ الْوَلِيُّ مَحْجُورَهُ الْمُعْسِرَ بِنْتًا بِإِجْبَارِ وَلِيِّهَا لَهَا ثُمَّ دَفَعَ أَبُو الزَّوْجِ الصَّدَاقَ عَنْهُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ؛؛ لِأَنَّهُ كَانَ حَالَ الْعَقْدِ مُعْسِرًا، فَالطَّرِيقُ أَنْ يَهَبَ الْأَبُ ابْنَهُ قَبْلَ الْعَقْدِ مِقْدَارَ الصَّدَاقِ وَيَقْبِضَهُ لَهُ ثُمَّ يُزَوِّجَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ أَنَّ الْأَبَ يَدْفَعُ عَنْ الِابْنِ مُقَدَّمَ الصَّدَاقِ قَبْلَ الْعَقْدِ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هِبَةً إلَّا أَنَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهَا بَلْ قَدْ يَدَّعِي أَنَّهُ هِبَةٌ ضِمْنِيَّةٌ لِلْوَلَدِ فَإِنَّ دَفْعَهُ لِوَلِيِّ الزَّوْجَةِ فِي قُوَّةٍ أَنْ يَقُولَ مَلَّكْت هَذَا لِابْنِي وَدَفَعْته لَك عَنْ الصَّدَاقِ الَّذِي قُدِّرَ لَهَا، وَانْظُرْ مَا ضَابِطُ الْيَسَارِ بِالْمَهْرِ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ الدَّيْنِ وَالْخَادِمِ وَعَنْ مُؤْنَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ احْتَاجَ إلَى صَرْفِ شَيْءٍ مِنْ الْمَالِ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُوسِرًا أَوْ لَا يُشْتَرَطُ الْفَضْلُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ رَاجِعْهُ وَحَرِّرْهُ، فَإِنَّ شَيْخَنَا تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ كَذَا بِخَطِّ الشَّيْخِ خ ض. قَوْلُهُ: (السَّادِسُ إلَخْ) هُوَ وَمَا بَعْدَهُ ضَعِيفَانِ.
قَوْلُهُ: (شُرُوطٌ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ) مَحَلُّ ذَلِكَ إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنٍ أَمَّا إذَا كَانَتْ بِكْرًا وَأَذِنَتْ فَلَا يُشْتَرَطُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَكُونَ مُوسِرًا) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَمَا لَوْ دَفَعَ وَلِيُّ الصَّغِيرِ عَنْهُ الْمَهْرَ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ مَلَّكَهُ الْمَهْرَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا مَا يَقَعُ لِبَعْضِ الْفَلَّاحِينَ حَيْثُ يَسْتَعِيرُ الزَّوْجُ شَيْئًا مِنْ الصِّيغَةِ وَيَعْقِدُ عَلَيْهِ فَهُوَ عَارِيَّةٌ وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ حِينَئِذٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَمَا عَدَا ذَلِكَ شُرُوطٌ لِجَوَازِ الْإِقْدَامِ) حَاصِلُهُ أَنَّ الشُّرُوطَ سَبْعَةٌ: أَرْبَعَةٌ لِلصِّحَّةِ، وَهِيَ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلِيِّهَا عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ وَلَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ عَدَاوَةٌ مُطْلَقًا وَأَنْ تُزَوَّجَ مِنْ كُفْءٍ وَأَنْ يَكُونَ مُوسِرًا بِحَالِّ الصَّدَاقِ، فَمَتَى فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ كَانَ النِّكَاحُ بَاطِلًا إنْ لَمْ تَأْذَنْ.
وَثَلَاثَةٌ لِجَوَازِ الْمُبَاشَرَةِ، وَهِيَ: كَوْنُهُ بِمَهْرِ مِثْلِهَا وَمِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ وَكَوْنُهُ حَالًّا وَنَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
الشَّرْطُ فِي جَوَازِ إقْدَامٍ وَرَدْ ... حُلُولُ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدْ
كَفَاءَةُ الزَّوْجِ يَسَارُهُ بِحَالِ ... صَدَاقِهَا وَلَا عَدَاوَةٌ بِحَالِ
وَفَقْدُهَا مِنْ الْوَلِيِّ ظَاهِرَا ... شُرُوطُ صِحَّةٍ كَمَا تَقَرَّرَا
قَوْلُهُ: (وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ) مُعْتَمَدٌ وَهَذَا مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ.
قَوْلُهُ: (انْتِفَاءُ الْعَدَاوَةِ) وَلَوْ بَاطِنَةً.
قَوْلُهُ: (لِظُهُورِ الْفَرْقِ) وَهُوَ كَوْنُهَا مُفَارِقَةً لِلْوَلِيِّ مُلَازِمَةً لِلزَّوْجِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا قَالَهُ) أَيْ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ مِنْ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ أَيْ مِنْ اشْتِرَاطِ انْتِفَاءِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْعَدَاوَةِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الشَّرْطَ فِي الْوَلِيِّ انْتِفَاءُ الْعَدَاوَةِ الظَّاهِرَةِ، وَحِينَئِذٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ هُنَاكَ عَدَاوَةً بَاطِنَةً، وَحِينَئِذٍ فَرُبَّمَا زَوَّجَهَا لِعَدُوِّهَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: لَا يُقَالُ يَلْزَمُ مِنْ اشْتِرَاطِ عَدَالَتِهِ انْتِفَاءُ
يَحْصُلُ لَهَا مِنْهُ حَظٌّ وَمَصْلَحَةٌ لِشَفَقَتِهِ عَلَيْهَا، أَمَّا مُجَرَّدُ كَرَاهَتِهَا لَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فَلَا يُؤَثِّرُ لَكِنْ يُكْرَهُ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، وَيُسَنُّ اسْتِئْذَانُ الْبِكْرِ إذَا كَانَتْ مُكَلَّفَةً لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «وَالْبِكْرُ يَسْتَأْمِرُهَا أَبُوهَا» وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ تَطَيُّبًا لِخَاطِرِهَا، وَأَمَّا غَيْرُ الْمُكَلَّفَةِ فَلَا إذْنَ لَهَا.
وَيُسَنُّ اسْتِفْهَامُ الْمُرَاهِقَةِ وَأَنْ لَا تُزَوَّجَ الصَّغِيرَةُ حَتَّى تَبْلُغَ، وَالسُّنَّةُ فِي الِاسْتِئْذَانِ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُرْسِلَ إلَيْهَا نِسْوَةً ثِقَاتٍ يَنْظُرْنَ مَا فِي نَفْسِهَا، وَالْأُمُّ بِذَلِكَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا تَطَّلِعُ عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهَا.
(وَالثَّيِّبُ) الْبَالِغَةُ (لَا يَجُوزُ) وَلَا يَصِحُّ (تَزْوِيجُهَا) وَإِنْ عَادَتْ بَكَارَتُهَا إلَّا بِإِذْنِهَا لِخَبَرِ الدَّارَقُطْنِيِّ السَّابِقِ وَخَبَرِ: «لَا تُنْكِحُوا الْأَيَامَى حَتَّى تَسْتَأْمِرُوهُنَّ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَلِأَنَّهَا عَرَفَتْ مَقْصُودَ النِّكَاحِ فَلَا تُجْبَرُ بِخِلَافِ الْبِكْرِ، فَإِنْ كَانَتْ الثَّيِّبُ صَغِيرَةً غَيْرَ مَجْنُونَةٍ وَغَيْرَ أَمَةٍ لَمْ تُزَوَّجْ سَوَاءٌ احْتَمَلَتْ الْوَطْءَ أَمْ لَا.
(إلَّا بَعْدَ بُلُوغِهَا وَإِذْنِهَا) ؛ لِأَنَّ إذْنَ الصَّغِيرَةِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَامْتَنَعَ تَزْوِيجُهَا إلَى الْبُلُوغِ، أَمَّا الْمَجْنُونَةُ فَيُزَوِّجُهَا الْأَبُ وَالْجَدُّ عِنْدَ عَدَمِهِ قَبْلَ بُلُوغِهَا
لِلْمَصْلَحَةِ
، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَلِسَيِّدِهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا وَكَذَا الْوَلِيُّ السَّيِّدُ عِنْدَ
الْمَصْلَحَةِ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ وُطِئَتْ الْبِكْرُ فِي قُبُلِهَا وَلَمْ تَزُلْ بَكَارَتُهَا كَأَنْ كَانَتْ غَوْرَاءَ فَهِيَ كَسَائِرِ الْأَبْكَارِ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى تَعْلِيمِهِمْ بِمُمَارَسَةِ الرِّجَالِ خِلَافَهُ كَمَا أَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِهِمْ كَذَلِكَ إذَا زَالَتْ بِذَكَرِ حَيَوَانٍ غَيْرِ آدَمِيٍّ كَقِرْدٍ مَعَ أَنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّهَا كَالثَّيِّبِ،
[حاشية البجيرمي]
عَدَاوَتِهِ لِتَنَافِيهِمَا؛؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ عَدَمُ الْفِسْقِ لَا الْعَدَالَةُ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا مُجَرَّدُ كَرَاهَتِهَا) مُقَابِلُ قَوْلِهِ الْعَدَاوَةِ مِنْ قَوْلِهِ انْتِفَاءُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهَا إلَخْ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْكَرَاهِيَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ لَا يُقَالُ لَهُ عَدَاوَةٌ وَقَوْلُهُ لَهُ أَيْ لِلزَّوْجِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ اسْتِفْهَامُ الْمُرَاهِقَةِ) كَأَنْ يَقُولَ أُزَوِّجُك أَوْ أَتَتَزَوَّجِي.
وَعَبَّرَ بِالِاسْتِفْهَامِ دُونَ الِاسْتِئْذَانِ؛ لِأَنَّ الْمُرَاهِقَةَ لَا إذْنَ لَهَا مُعْتَبَرٌ، وَلَكِنَّ إذْنَ الْبَالِغَةِ فِي شُرُوطِ الصِّحَّةِ يَكْفِي فِيهِ السُّكُوتُ وَإِذْنُهَا فِي شُرُوطِ جَوَازِ الْإِقْدَامِ لَا يَكْفِي فِيهِ السُّكُوتُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ النُّطْقِ؛ فَإِذَا اُسْتُؤْذِنَتْ فِي دُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ فَسَكَتَتْ لَا يَكُونُ إذْنًا بِالدُّونِ بَلْ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: «لَا تُنْكِحُوا الْأَيَامَى» فِيهِ أَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَيِّمَ شَامِلَةٌ لِلْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْجَلَالُ أَيْضًا؛ إلَّا أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ «حَتَّى تَسْتَأْمِرُوهُنَّ» أَيْ وُجُوبًا فِي الثَّيِّبِ وَنَدْبًا فِي غَيْرِهَا، فَلَا يُقَالُ الدَّلِيلُ أَعَمُّ مِنْ الْمُدَّعَى.
قَوْلُهُ: (وَإِذْنِهَا) أَيْ الْإِذْنِ بِالصَّرِيحِ أَيْ بِالنُّطْقِ بِهِ مِنْ النَّاطِقَةِ وَبِالْإِشَارَةِ أَوْ الْكِتَابَةِ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْمَجْنُونَةِ فَلَا يُزَوِّجُهَا مُطْلَقًا.
وَمِنْ صَرِيحِ الْإِذْنِ قَوْلُهَا رَضِيت بِمَا يَفْعَلُهُ أَبِي أَوْ أُمِّي أَوْ أَخِي أَوْ عَمِّي أَوْ رَضِيت بِمَا يَرْضَوْنَهُ أَوْ رَضِيت أَنْ أُزَوَّجَ أَوْ رَضِيت فُلَانًا زَوْجًا وَأَمَّا إنْ رَضِيَ أَبِي مَثَلًا فَقَدْ رَضِيت، فَلَيْسَ إذْنًا؛.
اهـ. ق ل. وَيَكْفِي فِي الْبِكْرِ سُكُوتُهَا بَعْدَ اسْتِئْذَانِهَا وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ كَوْنَهُ إذْنًا وَلَمْ تَعْلَمْ الزَّوْجَ وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ غَيْرَ كُفْءٍ، وَتَرَدَّدَ شَيْخُنَا فِي خَرْسَاءَ لَا إشَارَةَ لَهَا مُفْهِمَةٌ وَلَا كِتَابَةَ ثُمَّ رَجَّحَ أَنَّهَا كَالْمَجْنُونَةِ.
وَعِبَارَةُ عب: وَإِذَا لَمْ تَكُنْ ثَيِّبًا بِوَطْءٍ كَفَى سُكُوتُهَا بَعْدَ اسْتِئْذَانِهَا وَلَوْ لِغَيْرِ كُفْءٍ وَغَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ جَهِلَتْ كَوْنَ الصَّمْتِ إذْنًا أَوْ بَكَتْ إلَّا مَعَ صِيَاحٍ وَلَوْ اسْتَأْذَنَهَا بِلَا مَهْرٍ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهُ فَسَكَتَتْ لَمْ تَكُنْ آذِنَةً ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَحْيَا مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لَوْ وُطِئَتْ الْبِكْرُ فِي قُبُلِهَا إلَخْ) وَلَوْ كَانَ لَهَا فَرْجَانِ أَصْلِيَّانِ فَوُطِئَتْ فِي أَحَدِهِمَا وَزَالَتْ بَكَارَتُهَا صَارَتْ ثَيِّبًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَصْلِيًّا وَالْآخَرُ زَائِدًا وَاشْتَبَهَ الْأَصْلِيُّ بِالزَّائِدِ فَلَا تَصِيرُ ثَيِّبًا إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ فِي الزَّائِدِ وَالْوِلَايَةُ ثَابِتَةٌ فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ.
اهـ. زي.
وَقَوْلُهُ " صَارَتْ ثَيِّبًا " أَيْ وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَصْلِيًّا وَالْآخَرُ زَائِدًا وَتَمَيَّزَ وَوَطِئَ فِي الْأَصْلِ فَزَالَتْ بَكَارَتُهَا فَإِنَّهَا تَصِيرُ بِذَلِكَ ثَيِّبًا، بِخِلَافِ مَا إذَا وَطِئَ فِي الزَّائِدِ الْمُتَمَيِّزِ فَإِنَّهَا تَسْتَمِرُّ عَلَى بَكَارَتِهَا وَلَا تَصِيرُ بِذَلِكَ الْوَطْءِ ثَيِّبًا اهـ. وَعِبَارَةُ ق ل: وَلَمَّا تَعَدَّدَ الْفَرْجُ لَمْ يَزَلْ الْإِجْبَارُ بِالْوَطْءِ فِي الزَّائِدِ يَقِينًا وَلَا فِي أَحَدِ الْمُشْتَبِهَيْنِ لِلشَّكِّ فِي زَوَالِ الْوِلَايَةِ وَيَزُولُ بِالْوَطْءِ فِي أَحَدِ الْأَصْلِيَّيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِهَا؛ قَالَهُ شَيْخُنَا.
وَيُتَّجَهُ فِي تَزْوِيجِهَا فِي الثَّالِثَةِ اعْتِبَارُ مَهْرِ بِكْرٍ نَظَرًا لِلْأَصْلِيِّ عَلَى الْآخَرِ وَوُجُوبُ مَهْرِ بِكْرٍ بِالْوَطْءِ فِيهِ بَلْ مَعَ أَرْشِ بَكَارَةٍ إذَا كَانَ الْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ، وَيُتَّجَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُشْتَبِهَيْنِ وَاعْتِبَارِ إذْنِهَا احْتِيَاطًا؛ نَعَمْ لَا حَدَّ هُنَا بِوَطْئِهَا لِلشُّبْهَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَزُلْ بَكَارَتُهَا) وَيَتَقَرَّرُ الْمَهْرُ بِذَلِكَ الْوَطْءِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الصَّدَاقِ.
قَوْلُهُ: (كَسَائِرِ الْأَبْكَارِ) فَيُزَوِّجُهَا أَبُوهَا
وَلَوْ خُلِقَتْ بِلَا بَكَارَةٍ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأَبْكَارِ كَمَا حَكَاهُ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ عَنْ الصَّيْمَرِيِّ وَأَقَرَّهُ.
وَتُصَدَّقُ الْمُكَلَّفَةُ فِي دَعْوَى الْبَكَارَةِ وَإِنْ كَانَتْ فَاسِقَةً قَالَ ابْنُ الْمُقْرِي: بِلَا يَمِينٍ، وَكَذَا فِي دَعْوَى الثُّيُوبَةِ قَبْلَ الْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ وَلَا تُسْأَلُ الْوَطْءَ، فَإِنْ ادَّعَتْ الثُّيُوبَةَ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَدْ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ بِغَيْرِ إذْنِهَا نُطْقًا فَهُوَ الْمُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ لِمَا فِي تَصْدِيقِهَا مِنْ إبْطَالِ النِّكَاحِ، بَلْ لَوْ شَهِدَتْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ عِنْدَ الْعَقْدِ بِثُيُوبَتِهَا لَمْ يَبْطُلْ لِجَوَازِ إزَالَتِهَا بِأُصْبُعٍ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ أَنَّهَا خُلِقَتْ بِدُونِهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَإِنْ أَفْتَى ابْنُ الصَّلَاحِ بِخِلَافِهِ.
فَصْلٌ: فِي مُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ وَمُثْبِتَاتِ الْخِيَارِ فِيهِ (وَالْمُحَرَّمَاتُ) عَلَى قِسْمَيْنِ: تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ وَتَحْرِيمٌ غَيْرُ مُؤَبَّدٍ، وَمِنْ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخَانِ اخْتِلَافُ الْجِنْسِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْآدَمِيِّ نِكَاحُ الْجِنِّيَّةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ خِلَافًا لِلْقَمُولِيِّ قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: 189] .
[حاشية البجيرمي]
بِلَا إذْنٍ.
قَوْلُهُ: (كَمَا أَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِهِمْ) وَهُوَ التَّعْلِيلُ بِمُمَارَسَةِ الرِّجَالِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: كَمَا أَنَّ قَضِيَّتَهُ كَذَلِكَ إذَا زَالَتْ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: " كَذَلِكَ " أَيْ أَنَّهَا كَسَائِرِ الْأَبْكَارِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ خُلِقَتْ بِلَا بَكَارَةٍ إلَخْ) مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ لَوْ وُطِئَتْ إلَخْ بِالْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (عَنْ الصَّيْمَرِيِّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا نِسْبَةً إلَى صَيْمَرَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْعَجَمِ.
قَوْلُهُ: (فِي دَعْوَى الْبَكَارَةِ) أَيْ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ بِدَلِيلِ التَّقْيِيدِ فِيمَا بَعْدُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا، أَيْ إذَا ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهَا ثَيِّبٌ وَأَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ وَهِيَ تَقُولُ أَنَا بِكْرٌ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا فِي دَعْوَى الثُّيُوبَةِ) ظَاهِرُهُ أَنَّهَا تُصَدَّقُ بِلَا يَمِينٍ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ م ر أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ فَالتَّشْبِيهُ فِي أَصْلِ التَّصْدِيقِ لَا فِي كَوْنِهِ بِلَا يَمِينٍ.
وَعِبَارَةُ الرَّحْمَانِيِّ: وَتُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الثُّيُوبَةِ قَبْلَ الْعَقْدِ بِيَمِينٍ لِاقْتِضَاءِ دَعْوَاهَا إبْطَالَ حَقِّ الْوَلِيِّ مِنْ تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ إذْنٍ نُطْقًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُسْأَلُ عَنْ الْوَطْءِ) وَلَا يُكْشَفُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا أَعْلَمُ بِحَالِهَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ ادَّعَتْ الثُّيُوبَةَ بَعْدَ الْعَقْدِ) أَيْ ادَّعَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ أَنَّهَا كَانَتْ ثَيِّبًا قَبْلَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (بَلْ لَوْ شَهِدَتْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ عِنْدَ الْعَقْدِ) أَيْ بِثُيُوبَتِهَا عِنْدَ الْعَقْدِ إلَخْ؛ أَيْ شَهِدَتْ بِأَنَّهَا كَانَتْ ثَيِّبًا عِنْدَ الْعَقْدِ وَوَقَعَتْ تِلْكَ الشَّهَادَةُ بَعْدَ الْعَقْدِ بِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَهُ عِنْدَ الْعَقْدِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وَمُتَعَلِّقُ شَهِدَتْ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ شَهِدَتْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ بَعْدَ الْعَقْدِ أَنَّهَا كَانَتْ ثَيِّبًا عِنْدَ الْعَقْدِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ.
حَادِثَةٌ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا: وَهِيَ أَنَّ بِكْرًا وُجِدَتْ حَامِلًا وَكَشَفَ عَلَيْهَا الْقَوَابِلُ فَرَأَيْنَهَا بِكْرًا هَلْ يَجُوزُ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِالْإِجْبَارِ مَعَ كَوْنِهَا حَامِلًا أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِوَلِيِّهَا تَزْوِيجُهَا بِالْإِجْبَارِ وَهِيَ حَامِلٌ لِاحْتِمَالِ أَنَّ شَخْصًا حَكَّ ذَكَرَهُ عَلَى فَرْجِهَا.
فَأَمْنَى وَدَخَلَ مَنِيُّهُ فِي فَرْجِهَا فَحَمَلَتْ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ زَوَالِ الْبَكَارَةِ فَهُوَ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ فَيَصِحُّ نِكَاحُهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ وُجُودِ الْحَمْلِ، وَاحْتِمَالُ كَوْنِهَا زَنَتْ وَأَنَّ الْبَكَارَةَ عَادَتْ وَالْتَحَمَتْ فِيهِ إسَاءَةُ ظَنٍّ بِهَا، فَعَمِلْنَا بِالظَّاهِرِ مِنْ أَنَّهَا بِكْرٌ مُجْبَرَةٌ وَأَنَّ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِالْإِجْبَارِ أَيْ وَلَا تُحَدُّ أَيْضًا.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
[فَصْلٌ فِي مُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ]
ِ أَيْ اللَّاتِي يَحْرُمُ نِكَاحُهُنَّ وَلَا يَصِحُّ وَالْمُرَادُ التَّحْرِيمُ الذَّاتِيُّ؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ هُنَا لَا الْعَارِضِيُّ بِسَبَبٍ أَوْ إحْرَامٍ أَوْ رِدَّةٍ.
قَوْلُهُ: (وَمُثْبِتَاتٌ) بِكَسْرِ الْبَاءِ، أَيْ فِي الْأُمُورِ الْمُثْبِتَةِ لِلْخِيَارِ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ كَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ، وَأَمَّا قَوْلُ م د عَنْ ق ل بِفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ النِّسَاءُ اللَّاتِي يَثْبُتُ لَهُنَّ الْخِيَارُ فِيهِ فَلَا وَجْهَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّ الْخِيَارَ يَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ.
قَوْلُهُ: (تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ) أَيْ ذَوَاتُ تَحْرِيمٍ مُؤَبَّدٍ، وَكَذَا يُقَدَّرُ فِي الثَّانِي لِيَصِحَّ الْإِبْدَالُ وَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُحَرَّمَاتِ لَا فِي التَّحْرِيمِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ قَبْلَ النِّسَاءِ أَيْ وَتَحْرِيمُ النِّسَاءِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (اخْتِلَافُ الْجِنْسِ) هَذَا سَبَبٌ لِلتَّحْرِيمِ وَلَيْسَ تَحْرِيمًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ فِي قَوْلِهِ وَمِنْ الْأَوَّلِ أَيْ وَمِنْ سَبَبِ الْأَوَّلِ تَأَمَّلْ.
وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ اخْتِلَافُ الْجِنْسِ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ صِحَّةُ مُنَاكَحَةِ كُلٍّ لِلْآخَرِ.
وَعِبَارَةُ م د فِي حَاشِيَةِ التَّحْرِيرِ: الْمُعْتَمَدُ حِلُّ نِكَاحِنَا لَهُمْ وَعَكْسُهُ وَلَهُ وَطْءُ زَوْجَتِهِ مِنْهُمْ وَلَوْ عَلَى
وَالْمُؤَبَّدُ (بِالنَّصِّ) الْقَطْعِيِّ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْآتِيَةِ عَنْ قُرْبٍ (أَرْبَعَ عَشْرَةَ) وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَابٍ: قَرَابَةٌ وَرَضَاعٌ وَمُصَاهَرَةٌ، وَقَدْ بَدَأَ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْقَرَابَةُ بِقَوْلِهِ: (سَبْعٌ) بِتَقْدِيمِ السِّينِ عَلَى الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ يَحْرُمْنَ (بِالنَّسَبِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] الْآيَةَ، وَلِمَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ وَالرَّضَاعِ ضَابِطَانِ: الْأَوَّلُ تَحْرُمُ نِسَاءُ الْقَرَابَةِ إلَّا مَنْ دَخَلَتْ تَحْتَ وَلَدِ الْعُمُومَةِ أَوْ وَلَدِ الْخُؤُولَةِ، وَالثَّانِي يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ أُصُولُهُ وَفُصُولُهُ وَفُصُولُ أَوَّلِ أُصُولِهِ، وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ بَعْدَ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ؛ فَالْأُصُولُ الْأُمَّهَاتُ وَالْفُصُولُ الْبَنَاتُ، وَفُصُولُ أَوَّلِ الْأُصُولِ الْأَخَوَاتُ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ، وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ بَعْدَ الْأَصْلِ
[حاشية البجيرمي]
غَيْرِ صُورَةِ الْآدَمِيِّ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا أَنَّهَا لَا تَنْقُضُ وُضُوءُهُ حِينَئِذٍ اهـ ق ل. وَاَلَّذِي فِي حَاشِيَتِهِ إذَا تَحَقَّقَتْ الذُّكُورَةُ أَوْ الْأُنُوثَةُ نُقِضَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَوْ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ الرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ عَلَى صُورَةِ الْكَلْبِ نَقَضَ لَمْسُهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (خِلَافًا لِلْقَمُولِيِّ) اعْتَمَدَهُ م ر. وَهَلْ يُجْبِرُهَا عَلَى مُلَازَمَةِ الْمَسْكَنِ أَوْ لَا وَهَلْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ التَّشَكُّلِ فِي غَيْرِ صُورَةِ الْآدَمِيَّةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَحْصُلُ النَّفْرَةُ أَوْ لَا؟ وَهَلْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِشُرُوطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ مِنْ أَمْرِ وَلِيِّهَا وَخُلُوِّهَا عَنْ الْمَوَانِعِ أَوْ لَا؟ وَهَلْ إذَا رَآهَا فِي صُورَةٍ غَيْرَ الَّتِي أَلِفَهَا وَادَّعَتْ أَنَّهَا هِيَ فَهَلْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا وَيَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا أَوْ لَا؟ وَهَلْ يُكَلَّفُ الْإِتْيَانَ بِمَا يَأْلَفُونَهُ مِنْ قُوتِهِمْ كَالْعَظْمِ وَغَيْرِهِ إذَا أَمْكَنَ الِاقْتِيَاتُ بِغَيْرِهِ أَمْ لَا؟ وَقَوْلُهُ: " اعْتَمَدَهُ م ر " أَيْ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، أَيْ فَيَجُوزُ لِلْآدَمِيِّ نِكَاحُ الْجِنِّيَّةِ وَعَكْسُهُ، وَيَجُوزُ وَطْؤُهَا إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ وَلَوْ عَلَى صُورَةِ حِمَارٍ مَثَلًا وَتَثْبُتُ أَحْكَامُ النِّكَاحِ لِلْإِنْسِيِّ مِنْهُمَا فَيُنْتَقَضُ وُضُوءُهُ بِلَمْسِهَا وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ بِوَطْئِهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَمِنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا مَا يُنْفِقُهُ عَلَى الْآدَمِيَّةِ لَوْ كَانَتْ زَوْجَةً وَأَمَّا الْجِنِّيُّ مِنْهُمَا فَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِأَحْكَامِنَا ع ش.
قَوْلُهُ: (قَالَ تَعَالَى إلَخْ) هَذَا دَلِيلٌ لِلْقَوْلِ الضَّعِيفِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: 189] أَيْ وَهِيَ مِنْ الْجِنْسِ.
وَرُدَّ هَذَا الِاسْتِدْلَال بِأَنَّ غَايَةَ مَا تُفِيدُهُ الْآيَةُ أَنَّ زَوْجَةَ آدَمَ مِنْهُ وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجِنْسِ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا، وَاسْتَدَلَّ الْقَائِلُ بِالضَّعِيفِ بِأَنَّ النَّبِيَّ «نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْجِنِّ» وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ﴾ [النحل: 72] أَيْ خَلَقَ ﴿لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: 72] وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ ذِكْرُهَا بَدَلَ الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فَامْتَنَّ عَلَيْنَا بِأَنْ خَلَقَ أَزْوَاجَنَا مِنَّا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ وَبِأَنَّ نِكَاحَ الْجِنِّيَّةِ لَا يُفَوِّتُ الِامْتِنَانَ بَلْ كَمَالُهُ، وَأَيْضًا مَنْ قَالَ بِعَدَمِ صِحَّةِ مُنَاكَحَةِ الْجِنِّ قَالَ إنَّ الْجِنَّ مِنْ النَّارِ وَالْإِنْسَ مِنْ الطِّينِ وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَالْمُؤَبَّدُ بِالنَّصِّ إلَخْ) يَقْتَضِي أَنَّ أُخْتَ الزَّوْجَةِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَلَيْسَ مُرَادًا فَفِي مِثْلِ هَذَا الصَّنِيعِ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَخِيرَةَ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ تَحْرِيمُهَا مُؤَبَّدًا بَلْ لِلْجَمْعِ، فَكَانَ الْأَوْلَى إبْقَاءُ الْمَتْنِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَذْفُ الْمُؤَبَّدِ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا كُلَّهَا حَرَامٌ أَعَمُّ مِنْ الْمُؤَبَّدِ وَغَيْرِهِ.
وَأُجِيبَ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْمَجْمُوعِ لَا عَلَى كُلِّ فَرْدٍ؛ لِأَنَّ الْمُؤَبَّدَ ثَلَاثَ عَشَرَةَ وَهُنَّ الْمَذْكُورَاتُ فِي آيَةِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] فَسَبْعٌ بِالنَّسَبِ وَاثْنَانِ بِالرَّضَاعِ وَهُمَا الْمَذْكُورَانِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23] وَأَرْبَعٌ بِالْمُصَاهَرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ) أَيْ لِلتَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ.
قَوْلُهُ: (بِالنَّسَبِ وَالرَّضَاعِ) فِي إدْخَالِ الرَّضَاعِ فِي الْقَرَابَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الضَّابِطِ الْأَوَّلِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ كَمَا قَالَهُ ق ل؛ لِأَنَّ نِسَاءَ الْقَرَابَةِ لَا يَدْخُلُ فِيهِنَّ الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ فِي الضَّابِطِ مَعْطُوفًا مَحْذُوفًا وَالتَّقْدِيرُ نِسَاءُ الْقَرَابَةِ أَيْ وَالرَّضَاعِ.
وَقَوْلُهُ: " إلَّا مَنْ دَخَلَتْ إلَخْ " اسْتِثْنَاءٌ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْمُرَادُ بِالثَّانِي وَلَدُ الْعُمُومَةِ أَوْ الْخُؤُولَةِ وَلَوْ مِنْ الرَّضَاعِ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (ضَابِطَانِ) الضَّابِطُ الْأَوَّلُ لِأَبِي مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيِّ، وَالثَّانِي لِأَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ) أَيْ غَيْرَ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ أَوَّلَ فَصْلٍ
الْأَوَّلُ الْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ.
وَالضَّابِطُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ لِإِيجَازِهِ، وَنَصُّهُ عَلَى الْإِنَاثِ بِخِلَافِ الثَّانِي.
(وَهِيَ) أَيْ السَّبْعُ مِنْ النَّسَبِ الْأَوَّلِ مِنْهَا (الْأُمُّ) أَيْ يَحْرُمُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا وَكَذَا يُقَدَّرُ فِي الْبَاقِي وَضَابِطُ الْأُمِّ هِيَ كُلُّ مَنْ وَلَدَتْك فَهِيَ أُمُّك حَقِيقَةً، أَوْ وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَك ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى كَأُمِّ الْأَبِ (وَإِنْ عَلَتْ) وَأَمِّ الْأُمِّ كَذَلِكَ فَهِيَ أُمُّك مَجَازًا، وَإِنْ شِئْت قُلْت كُلُّ أُنْثَى يَنْتَهِي إلَيْهَا نَسَبُك بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا.
(و) الثَّانِي (الْبِنْتُ) وَضَابِطُهَا كُلُّ مَنْ وَلَدْتهَا فَبِنْتُك حَقِيقَةً، أَوْ وَلَدَتْ مِنْ وَلَدِهَا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى كَبِنْتِ ابْنٍ وَإِنْ نَزَلَ وَبِنْتِ بِنْتٍ (وَإِنْ سَفَلَتْ) فَبِنْتُك مَجَازًا وَإِنْ شِئْت قُلْت: كُلُّ أُنْثَى يَنْتَهِي إلَيْك نَسَبُهَا بِالْوِلَادَةِ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا (و) الثَّالِثُ (الْأُخْتُ) وَضَابِطُهَا كُلُّ مَنْ وَلَدَهَا أَبَوَاك أَوْ
[حاشية البجيرمي]
مِنْ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ هُمْ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ وَأَوْلَادُهُمْ وَلَا يَخْفَى أَنَّ غَيْرَ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ هُوَ الْأَصْلُ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ وَهُمْ الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ وَإِنْ عَلَوْا.
وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ أَوَّلَ فَصْلٍ عَنْ ثَانِي فَصْلٍ فَلَا يَحْرُمْنَ وَهُنَّ أَوْلَادُ الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ اهـ. وَأَمَّا الْأَصْلُ الْأَوَّلُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَحْرُمُ جَمِيعُ فُصُولِهِ فِي قَوْلِهِ وَفُصُولُ أَوَّلِ إلَخْ م د.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ مِنْهَا الْأُمُّ خَبَرٌ، وَلَوْ قَالَ الْأُولَى لَكَانَ أَنْسَبَ بِالْمَعْنَى وَاللَّفْظِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ.
وَتُطْلَقُ الْأُمُّ فِي الْقُرْآنِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا الْأَصْلُ وَمِنْهُ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف: 4] أَيْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَإِنَّهُ أَصْلٌ لِجَمِيعِ الْكُتُبِ فَإِنَّهَا أُنْزِلَتْ مِنْهُ.
ثَانِيهَا الْوَالِدَةُ وَمِنْهُ: ﴿فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] . ثَالِثُهَا الْمُرْضِعَةُ وَمِنْهُ: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23] رَابِعُهَا الْمُشَابِهَةُ لِلْأُمِّ فِي الْحُرْمَةِ وَالتَّعْظِيمِ وَمِنْهُ: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] . خَامِسُهَا الْمَرْجِعُ وَالْمَصِيرُ وَمِنْهُ: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: 9] وَقِيلَ: الْمُرَادُ أُمُّ رَأْسِهِ وَقِيلَ النَّارُ؛ لِأَنَّهُ يَأْوِي إلَيْهَا ق ل عَلَى الشَّيْخِ خَالِدٍ وَقَوْلُهُ: " أُمُّ رَأْسِهِ " أَيْ؛ لِأَنَّهَا حَاوِيَةٌ مَا فِيهَا مِنْ مُخٍّ وَدُهْنٍ وَعَظْمٍ.
قَوْلُهُ: (أَيْ يَحْرُمُ الْعَقْدُ عَلَيْهَا) وَكَذَا يُقَدَّرُ فِي الْبَاقِي بِنَاءً عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ أَنَّ تَعَلُّقَ الْأَحْكَامِ لِلْأَفْعَالِ لَا الذَّوَاتِ، نَحْوَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3] أَيْ تَنَاوُلُهُمَا لِأَعْيُنِهِمَا، قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي طَاقَهُ الْمُكَلَّفُ؛ لِأَنَّ الْعَدَمَ حَاصِلٌ فَلَا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ ثَانِيًا، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الْعَدَمُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ لَكَانَ مَوْجُودًا؛ هَذَا خُلْفٌ.
قَوْلُهُ: (وَأَمُّ الْأُمِّ كَذَلِكَ) أَيْ وَإِنْ عَلَتْ.
قَوْلُهُ: (نَسَبُك) أَيْ اللُّغَوِيُّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعِيَّ إنَّمَا يَكُونُ لِلْأَبِ.
قَوْلُهُ: (وَالْبِنْتُ) أَيْ وَلَوْ احْتِمَالًا كَالْمَنْفِيَّةِ بِلِعَانٍ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ ثَابِتَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّافِي فَلَا يَحُدُّ بِقَذْفِهَا وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهَا وَلَا يُقْتَلُ بِهَا وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُهَا وَلَا الْخَلْوَةَ بِهَا وَلَا السَّفَرَ بِهَا؛ وَخَالَفَ حَجّ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّمْلِيِّ: وَبِنْتٌ وَلَوْ احْتِمَالًا كَالْمَنْفِيَّةِ بِلِعَانٍ وَمَعَ النَّفْيِ فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ لَهَا وَالْحَدِّ بِقَذْفِهِ لَهَا وَالْقَطْعِ بِسَرِقَةِ مَالِهَا وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ لَهَا وَجْهَانِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: أَشْبَهَهُمَا نَعَمْ، وَأَصَحُّهُمَا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ لَا.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَهَلْ يَأْتِي الْوَجْهَانِ فِي انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ بِلَمْسِهَا وَجَوَازِ النَّظَرِ إلَيْهَا وَالْخَلْوَةِ بِهَا أَوْ لَا؟ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ الْمَحْرَمِيَّةُ كَمَا فِي الْمُلَاعِنَةِ وَأَمِّ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ وَبِنْتِهَا وَالْأَقْرَبُ عِنْدِي ثُبُوتُ الْمَحْرَمِيَّةِ وَالْأَوْجَهُ حُرْمَةُ النَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ بِهَا احْتِيَاطًا وَعَدَمُ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِلَمْسِهَا لِلشَّكِّ كَمَا مَرَّ فِي أَسْبَابِ الْحَدَثِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَقَوْلُهُ: " وَهَلْ يَتَأَتَّى الْوَجْهَانِ إلَخْ " قَالَ الرَّشِيدِيُّ: الَّذِي يَظْهَرُ عَدَمُ تَأَتِّيهِمَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا بِالنِّسْبَةِ لِلْبَاطِنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، فَهِيَ إنْ كَانَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ بِأُمِّهَا انْتَقَضَ الْوُضُوءُ بِلَمْسِهَا قَطْعًا وَحُرِّمَ النَّظَرُ وَالْخَلْوَةُ بِهَا كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ لَمْ يُنْتَقَضْ قَطْعًا وَحَلَّ كُلٌّ مِنْ النَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ بِهَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا رَبِيبَةٌ فَلَا وَجْهَ لِجَرَيَانِ الْوَجْهَيْنِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرًا) تَعْمِيمٌ فِي مِنْ الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (يَنْتَهِي إلَيْك نَسَبُهَا بِالْوِلَادَةِ) أَيْ الْأَعَمُّ مِنْ اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ لِيَشْمَلَ بِنْتَ الْبِنْتِ.
وَالْمُرَادُ " يَنْتَهِي " أَيْ يَصِلُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالِانْتِهَاءِ حَقِيقَتَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا لِأُمِّنَا حَوَّاءَ وَلِأَبِينَا آدَمَ، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ؛ (وَالثَّالِثُ الْأُخْتُ) وَلَوْ احْتِمَالًا كَالْمُسْتَلْحَقَةِ، نَعَمْ لَوْ كَانَتْ تَحْتَهُ قَبْلَ
أَحَدُهُمَا فَأُخْتُك.
(و) الرَّابِعُ (الْخَالَةُ) وَضَابِطُهَا كُلُّ أُخْتِ أُنْثَى وَلَدَتْك فَخَالَتُك حَقِيقَةً أَوْ بِوَاسِطَةٍ كَخَالَةِ أُمِّك فَخَالَتُك مَجَازًا، وَقَدْ تَكُونُ الْخَالَةُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ كَأُخْتِ أُمِّ الْأَبِ.
تَنْبِيهٌ: كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُؤَخِّرَ الْخَالَةَ عَنْ الْعَمَّةِ لِيَكُونَ عَلَى تَرْتِيبِ الْآيَةِ.
(و) الْخَامِسُ (الْعَمَّةُ) وَضَابِطُهَا كُلُّ أُخْتِ ذَكَرٍ وَلَدَك بِلَا وَاسِطَةٍ فَعَمَّتُك حَقِيقَةً، أَوْ بِوَاسِطَةٍ كَعَمَّةِ أَبِيك فَعَمَّتُك مَجَازًا.
وَقَدْ تَكُونُ الْعَمَّةُ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ كَأُخْتِ أَبِي الْأُمِّ (و) السَّادِسُ وَالسَّابِعُ (بِنْتُ الْأَخِ وَبِنْتُ الْأُخْتِ) مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ وَبَنَاتِ أَوْلَادِهِمَا وَإِنْ سَفَلْنَ.
تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْبِنْتَ الْمَخْلُوقَةَ مِنْ مَاءِ زِنَاهُ سَوَاءٌ اُتُّفِقَ أَنَّهَا مِنْ مَائِهِ أُمٍّ لَا تَحِلُّ لَهُ؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ إذْ لَا حُرْمَةَ لِمَاءِ الزِّنَا بِدَلِيلِ انْتِفَاءِ سَائِرِ أَحْكَامِ النَّسَبِ مِنْ إرْثٍ وَغَيْرِهِ عَنْهَا، فَلَا تُبَعَّضَ الْأَحْكَامُ كَمَا يَقُولُ الْمُخَالِفُ.
فَإِنَّ مَنْعَ الْإِرْثِ إجْمَاعٌ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ: وَلَكِنْ يُكْرَهُ نِكَاحُهَا خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ حَرَّمَهَا، وَلَوْ أَرْضَعَتْ الْمَرْأَةُ بِلَبَنِ الزَّانِي صَغِيرَةً فَكَبِنْتِهِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.
وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَعَلَى سَائِرِ مَحَارِمِهَا وَلَدُهَا مِنْ زِنًا بِالْإِجْمَاعِ كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى
[حاشية البجيرمي]
اسْتِلْحَاقِهَا وَلَمْ يُصَدَّقْ أَبَاهُ فِي اسْتِلْحَاقِهَا أَوْ كَانَ صَغِيرًا لَمْ يَنْفَسِخْ نِكَاحُهَا، قَالُوا: وَلَيْسَ لَنَا مَنْ يَطَأُ أُخْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرُ هَذَا وَلَا تَنْقُضُ وُضُوءَهُ وَإِذَا مَاتَ وَرِثَتْ مِنْهُ بِالزَّوْجِيَّةِ وَلِأَنَّهَا أَقْوَى مِنْ الْأُخْتِيَّةِ فَلَوْ طَلُقَتْ مِنْهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ عَلَيْهَا إذَا بَانَتْ وَلَهُ رَجْعَتُهَا إذَا لَمْ تَبِنْ.
وَذَكَرَ حَجّ أَنَّ عَكْسَ الْمَسْأَلَةِ مِثْلُهَا بِأَنْ اسْتَلْحَقَ أَبُوهَا زَوْجَهَا وَلَمْ تُصَدِّقْهُ هِيَ، وَبَحَثَ فِيهِ بَعْضُهُمْ مِمَّا يُعْلَمُ رَدُّهُ فِي مَحَلِّهِ؛ ق ل عَلَى الْجَلَالِ مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (فَأُخْتُك) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ) أَيْ جِهَةِ الْأَبِ وَالْأُمِّ أَوْ أَحَدِهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَبَنَاتُ أَوْلَادِهِمَا) أَيْ الْأَخِ وَالْأُخْتِ، فَيَدْخُلُ بَنَاتُ الذُّكُورِ مِنْ أَوْلَادِ الْأَخِ وَمِنْ أَوْلَادِ الْأُخْتِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ سَفَلْنَ) الْمُنَاسِبُ التَّعْبِيرُ بِالتَّرَاخِي فِي جَانِبِ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ.
وَالتَّعْبِيرُ بِالتَّسَفُّلِ فِي الْفُرُوعِ كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ الْفَرْضِيَّيْنِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ بِالنَّسَبِ فَإِنَّ بِنْتَ الزِّنَا لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَاءِ زِنَاهُ) أَيْ وَلَوْ احْتِمَالًا بِأَنْ تَعَاقَبَ عَلَيْهَا رَجُلَانِ، وَاحْتَمَلَ كَوْنَ الْبِنْتِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَيَحِلُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا نِكَاحُهَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ سَوَاءٌ أَتَحَقَّقَ إلَخْ غَيْرَ مُنَافٍ لَهُ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَتَحَقَّقَ أَنَّهَا مِنْ مَائِهِ) أَيْ بِأَنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَعْصُومٌ كَسَيِّدِنَا عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. قَوْلُهُ: (تَحِلُّ لَهُ) أَيْ حَيْثُ وَلَدَتْهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ سَاحَقَتْ الْمَرْأَةُ الْمَزْنِيُّ بِهَا زَوْجَةَ الزَّانِي أَوْ أُخْتَهُ أَوْ أُمَّهُ أَوْ بِنْتَه وَخَرَجَ مَاءُ الزِّنَا مِنْ الْمَرْأَةِ الْمَزْنِيِّ بِهَا فِي فَرْجِ الزَّوْجَةِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهَا وَعَلِقَتْ بِهِ وَوَلَدَتْ بِنْتًا فَلَا تَحِلُّ لَهُ بَلْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَاءُ زِنًا؛ لِأَنَّ مَاءَ الزِّنَا لَا حُرْمَةَ لَهُ عَلَى الزَّانِي وَالْعِبْرَةُ بِالْحُرْمَةِ وَعَدَمِهَا حَالَ خُرُوجِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ م ر، حَتَّى لَوْ أَخْرَجَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِيَدِ أَجْنَبِيَّةٍ وَاسْتَدْخَلَهُ زَوْجَتَهُ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهَا فَهُوَ لَا حُرْمَةَ لَهُ لَوْ أَتَتْ مِنْهُ بِبِنْتٍ فَكَانَتْ تَحِلُّ لَهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَأَمَّا لَوْ أَخْرَجَهُ بِيَدِ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ فَهُوَ حِينَئِذٍ مُحْتَرَمٌ، فَإِذَا اسْتَدْخَلَهُ أَجْنَبِيَّةً فَعَلِقَتْ بِهِ وَأَتَتْ بِبِنْتٍ فَهِيَ حِينَئِذٍ مُحْتَرَمَةٌ؛ وَأَمَّا حَجّ فَيَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ مُحْتَرَمًا حَالَةَ الْخُرُوجِ وَحَالَةَ الِاسْتِدْخَالِ أَيْضًا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرِهِ) أَيْ كَجَوَازِ الْخَلْوَةِ وَجَوَازِ النَّظَرِ لِمَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ اهـ شَيْخُنَا.
قَالَ ع ش عَلَى م ر: فَلَوْ وَطِئَ كَافِرَةً بِالزِّنَا فَهَلْ يَلْحَقُ الْوَلَدُ الْمُسْلِمَ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ يَلْحَقُ الْكَافِرَةَ؟ ذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ إلَى الْأَوَّلِ، وَاعْتَمَدَ م ر تَبَعًا لِوَالِدِهِ الثَّانِي كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي بَابِ اللَّقِيطِ اهـ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يَقُولُ الْمُخَالِفُ) وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ إنَّ الْبِنْتَ الْمَخْلُوقَةَ مِنْ مَاءِ زِنَاهُ لَا تَحِلُّ لَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ: لَا تَرِثُهُ فَكَوْنُهَا لَا تَحِلُّ لَهُ فِيهِ إثْبَاتُ الْمَحْرَمِيَّةِ لَهَا وَكَوْنُهَا لَا تَرِثُهُ فِيهِ إلْحَاقُهَا بِالْأَجَانِبِ فَفِيهِ تَبْعِيضُ الْأَحْكَامِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ يُكْرَهُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ كَرَاهَةَ نِكَاحِ بِنْتِ الزِّنَا لَا يَتَقَيَّدُ بِصَاحِبِ الْمَاءِ، بَلْ كُلُّ شَخْصٍ يُكْرَهُ لَهُ نِكَاحُهَا، فَمَا وَجْهُ هَذَا التَّقْيِيدِ هُنَا اهـ خ ض (قَوْلُهُ فَكَبِنْتِهِ) أَيْ الَّتِي مِنْ الزِّنَا فَهِيَ كَالْأَجْنَبِيَّاتِ، أَوْ الضَّمِيرُ لِلزِّنَا أَيْ فَيَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا.
وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فَكَالْبِنْتِ الْمَخْلُوقَةِ مِنْ مَاءِ زِنَاهُ الْمُرْتَضِعَةِ بِلَبَنِ زِنَاهُ.
وَعِبَارَةُ سم: وَكَالْمَخْلُوقَةِ مِنْ مَاءِ زِنَاهُ الْمُرْتَضِعَةِ بِلَبَنِ زِنَاهُ اهـ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: فَكَبِنْتِهَا فَالْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ فَكَبِنْتِهِ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ أَيْ تَعَلُّقٍ؛ لِأَنَّهَا مِمَّا تَجَنَّاهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ
أَنَّهُ يَرِثُهَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الِابْنَ كَالْعُضْوِ مِنْهَا، وَانْفَصَلَ مِنْهَا إنْسَانًا وَلَا كَذَلِكَ النُّطْفَةُ الَّتِي خُلِقَتْ مِنْهَا الْبِنْتُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَبِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي السَّبَبِ الثَّانِي وَهُوَ الرَّضَاعُ بِقَوْلِهِ: (وَاثْنَانِ بِالرَّضَاعِ وَهُمَا الْأُمُّ الْمُرْضِعَةُ وَالْأُخْتُ مِنْ الرَّضَاعِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23] فَمَنْ ارْتَضَعَ مِنْ امْرَأَةٍ صَارَتْ بَنَاتُهَا الْمَوْجُودَاتُ قَبْلَهُ وَالْحَادِثَاتُ بَعْدَهُ أَخَوَاتٌ لَهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ ذَلِكَ مَعَ وُضُوحِهِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ جَهَلَةِ الْعَوَامّ يَظُنُّونَ أَنَّ الْأُخْتَ مِنْ الرَّضَاعِ هِيَ الَّتِي ارْتَضَعَتْ مَعَهُ دُونَ غَيْرِهَا وَيَسْأَلُونَ عَنْهُ كَثِيرًا فَمُرْضِعَتُك وَمَنْ أَرْضَعْتهَا أَوْ وَلَدْتهَا أَوْ أَبًا مِنْ رَضَاعٍ وَهُوَ الْفَحْلُ أَوْ أَرْضَعْته أَوْ أُرْضِعَتْ مِنْ وَلَدِك بِوَاسِطَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَمُّ رَضَاعٍ، وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ الْبَاقِيَ مِنْ السَّبْعِ بِالرَّضَاعِ بِمَا ذَكَرَ
[حاشية البجيرمي]
عَلَى الْمَرْأَةِ وَعَلَى سَائِرِ مَحَارِمِهَا إلَخْ) حَتَّى الزَّانِي مِنْهُمْ كَأَنْ زَنَى بِأُخْتِهِ فَأَتَتْ بِبِنْتٍ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا بِنْتُ أُخْتِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَبِ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّ بِنْتَ الزِّنَا لَا أَبَ لَهَا، وَالْأَوْلَى لِمَنْ خَرَجَتْ مِنْهُ النُّطْفَةُ.
وَعِبَارَةُ ع ش: وَلَا كَذَلِكَ النُّطْفَةُ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُلِ أَيْ لَيْسَ مِثْلُ ذَلِكَ الْمَنِيَّ يَعْنِي لَمْ يَنْفَصِلْ إنْسَانًا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَاثْنَانِ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ: " وَاثْنَتَانِ " وَهُوَ أَوْفَقُ بِالْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الْمَعْدُودَ مُؤَنَّثٌ.
وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَيَحْرُمْنَ أَيْ السَّبْعَةُ بِالرَّضَاعِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَيْنِ تَأَسِّيًا بِالْآيَةِ، وَسَيَأْتِي يَقُولُ الْمُصَنِّفُ بَعْدُ وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ.
قَوْلُهُ: (فَمُرْضِعَتُك) مُبْتَدَأٌ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ وَلَدْتهَا " مَعْطُوفٌ عَلَى أَرْضَعْتهَا.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ أَبًا " مَعْطُوفٌ عَلَى الْهَاءِ فِي وَلَدْتهَا.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ أَرْضَعْته " مَعْطُوفٌ عَلَى وَلَدْتهَا، وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ: " أُمُّ رَضَاعٍ ". وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " فَمُرْضِعَتُك " أَيْ الَّتِي بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ تَقْرِيبًا وَإِلَّا فَلَبَنُهَا لَا يَحْرُمُ ق ل بِزِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْفَحْلُ) الَّذِي هُوَ حَلِيلُ الْمُرْضِعَةِ الَّذِي اللَّبَنُ لَهُ كَمَا قَالَهُ الْحَلَبِيُّ.
وَقَوْلُهُ: " الَّذِي اللَّبَنُ " لَهُ احْتَرَزَ بِذَلِكَ عَمَّا لَوْ كَانَ اللَّبَنُ لِغَيْرِهِ كَأَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً تُرْضِعُ فَإِنَّ الزَّوْجَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ صَاحِبَ اللَّبَنِ اهـ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (بِوَاسِطَةٍ إلَخْ) يَرْجِعُ إلَى الْخَمْسَةِ الَّتِي قَبْلَهُ سِوَى الْأُولَى، فَاشْتَمَلَتْ عِبَارَتُهُ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ فَرْدًا لِلْأُمِّ.
قَوْلُهُ: (وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ الْبَاقِيَ) فِيهِ أَنَّ الْبَاقِيَ سَيُذْكَرُ فِيمَا يَأْتِي، فَالْمُنَاسِبُ ذِكْرُ هَذَا هُنَاكَ.
وَمَعْنَى وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ أَيْ تَصْوِيرًا لَا حُكْمًا، إذْ الْحُكْمُ ثَابِتٌ بِالْحَدِيثِ، فَقَوْلُهُ: " لِقَوْلِهِ إلَخْ " أَيْ فَثَبَتَ التَّحْرِيمُ بِالنَّصِّ وَأَمَّا التَّصْوِيرُ فَيُقَاسَ عَلَى مَا سَبَقَ، فَالْمُرْتَضِعَةُ بِلَبَنِك أَوْ لَبَنِ فُرُوعِك نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا وَبِنْتُهَا كَذَلِكَ وَإِنْ سَفَلَتْ بِنْتُ رَضَاعٍ وَالْمُرْتَضِعَةُ بِلَبَنِ أَحَدِ أَبَوَيْك نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا أُخْتُ رَضَاعٍ، وَكَذَا مَوْلُودَةُ أَحَدِ أَبَوَيْك رَضَاعًا وَبِنْتُ وَلَدِ الْمُرْضِعَةِ أَوْ الْفَحْلِ نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا وَإِنْ سَفَلَتْ، وَمَنْ أَرْضَعَتْهَا أُخْتُك أَوْ ارْتَضَعَتْ بِلَبَنِ أَخِيك وَبِنْتِهَا نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا وَإِنْ سَفَلَتْ، وَبِنْتُ وَلَدٍ أَرْضَعَتْهُ أُمُّك أَوْ ارْتَضَعَ بِلَبَنِ أَبِيك نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا وَإِنْ سَفَلَتْ بِنْتُ أَخٍ أَوْ أُخْتُ رَضَاعٍ، وَأُخْتُ الْفَحْلِ أَوْ أَبِيهِ أَوْ أَبَى أُمِّهِ أَوْ أَبِي الْمُرْضِعَةِ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا عَمَّةُ رَضَاعٍ، وَأُخْتُ الْمُرْضِعَةِ أَوْ أُمُّهَا أَوْ أُمُّ الْفَحْلِ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا خَالَةُ رَضَاعٍ.
اهـ. شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ: " فَالْمُرْتَضِعَةُ بِلَبَنِك " أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ الْمُرْضِعَةُ زَوْجَةً أَوْ أَمَةً أَوْ مَوْطُوءَةً بِشُبْهَةٍ.
وَقَدْ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ عَلَى عَشَرَةِ أَفْرَادٍ لِلْبِنْتِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَالْمُرْتَضِعَةُ بِلَبَنِك صُورَةٌ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ لَبَنُ فُرُوعِك فِيهِ " أَرْبَعُ صُوَرٍ؛ لِأَنَّ الْفُرُوعَ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، وَيَرْجِعُ لَهُمَا قَوْلُهُ نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا.
وَقَوْلُهُ: " وَبِنْتُهَا " كَذَلِكَ فِيهِ خَمْسُ صُوَرٍ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي بِنْتِهَا يَرْجِعُ لِلْمُرْتَضِعَةِ بِلَبَنِك وَلِلْمُرْتَضِعَةِ بِلَبَنِ فُرُوعِك، وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي الْأُولَى وَاحِدَةٌ وَفِي الثَّانِيَةِ أَرْبَعٌ.
وَقَوْلُهُ: " وَكَذَا مَوْلُودَةُ أَحَدِ أَبَوَيْك إلَخْ " فِيهِ صُورَتَانِ، فَأَفْرَادُ الْأُخْتِ سِتَّةٌ وَقَوْلُهُ نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا تَعْمِيمٌ فِي الْبِنْتِ وَالْوَلَدِ.
وَقَوْلُهُ: " وَمَنْ أَرْضَعَتْهَا أُخْتُك " أَيْ مِنْ نَسَبٍ.
لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «مِنْ النَّسَبِ» وَفِي أُخْرَى: «حَرِّمُوا مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْك مُرْضِعَةُ أَخِيك أَوْ أُخْتِك، وَلَوْ كَانَتْ أُمَّ نَسَبٍ حُرِّمَتْ عَلَيْك؛ لِأَنَّهَا أُمُّك أَوْ مَوْطُوءَةُ أَبِيك وَلَا مُرْضِعَةُ نَافِلَتِك وَهُوَ وَلَدُ الْوَلَدِ وَلَوْ كَانَتْ أُمَّ نَسَبٍ حُرِّمَتْ عَلَيْك؛ لِأَنَّهَا بِنْتُك أَوْ مَوْطُوءَةُ ابْنِك، وَلَا أُمُّ مُرْضِعَةِ وَلَدِك وَلَا
[حاشية البجيرمي]
وَقَوْلُهُ: " أَوْ ارْتَضَعَتْ بِلَبَنِ أَخِيك " أَيْ مِنْ النَّسَبِ.
وَقَوْلُهُ: " بِنْتُ أَخٍ " خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَبِنْتُ وَلَدِ الْمُرْضِعَةِ ". وَقَوْلُهُ: " وَبِنْتُ وَلَدٍ أَرْضَعَتْهُ أُمُّك " أَيْ مِنْ النَّسَبِ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ ارْتَضَعَ بِلَبَنِ أَبِيك " أَيْ مِنْ النَّسَبِ.
وَقَوْلُهُ: " نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا " تَعْمِيمٌ فِي الْبِنْتِ، فَالْأَفْرَادُ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ.
وَقَوْلُهُ: " بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا " تَعْمِيمٌ فِي الْأَبِ بِقِسْمَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: " نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا " تَعْمِيمٌ فِي أُخْتِ الْفَحْلِ وَفِي الْأَبِ بِقِسْمَيْهِ، فَأَفْرَادُ الْعَمَّةُ عَشْرَةٌ مِنْ ضَرْبِ اثْنَيْنِ فِي خَمْسَةٍ.
وَقَوْلُهُ: " بِوَاسِطَةٍ " تَعْمِيمٌ فِي الْأُمِّ بِقِسْمَيْهَا، فَأَفْرَادُ الْخَالَةِ عَشْرَةٌ.
وَقَوْلُهُ: " نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا " رَاجِعٌ لِأُخْتِ الْمُرْضِعَةِ وَلِلْأُمِّ بِقِسْمَيْهِمَا اهـ. وَرَأَيْت لِبَعْضِهِمْ مَا نَصُّهُ: اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ أَعْنِي قَوْلَهُ وَبِنْتُ وَلَدِ الْمُرْضِعَةِ إلَخْ اشْتَمَلَتْ عَلَى وَاحِدٍ وَعِشْرِينَ مِنْ أَفْرَادِ بِنْتِ الْأَخِ وَوَاحِدٍ وَعِشْرِينَ مِنْ أَفْرَادِ بِنْتِ الْأُخْتِ، جُمْلَةُ ذَلِكَ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ، أَخْبَرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: بِنْتُ أَخٍ أَوْ أُخْتِ رَضَاعٍ؛ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَبِنْتُ وَلَدِ الْمُرْضِعَةِ فِيهِ ثَمَانُ صُوَرٍ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْمُرْضِعَةِ صَادِقٌ بِالذَّكَرِ وَبِالْأُنْثَى، وَقَوْلُهُ الْآتِي: نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا تَعْمِيمٌ فِي كُلٍّ مِنْ بِنْتٍ وَوَلَدٍ فَالْبِنْتُ لَهَا صُورَتَانِ فِي صُورَتَيْ الْوَلَدِ أَيْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ ثَمَانِ صُوَرٍ أَيْضًا تُعْلَمُ بِالْبَيَانِ السَّابِقِ؛ فَتُضَمُّ الثَّمَانِيَةُ لِلثَّمَانِيَةِ بِسِتَّةَ عَشَرَ نِصْفُهَا لِبِنْتِ الْأَخِ وَنِصْفُهَا لِبِنْتِ الْأُخْتِ كَمَا عَلِمْت مِنْ كَوْنِ الْوَلَدِ صَادِقًا بِالذَّكَرِ وَبِالْأُنْثَى.
وَقَوْلُهُ وَمَنْ أَرْضَعَتْهَا أُخْتُك فِيهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ لِبِنْتِ الْأُخْتِ؛ لِأَنَّ الْأُخْتَ إمَّا لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ، وَقَوْلُهُ أَوْ ارْتَضَعَتْ بِلَبَنِ أَخِيك فِيهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ لِبِنْتِ الْأَخِ فَضُمَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ لِكُلٍّ مِنْ الثَّمَانِيَةِ بِأَنْ تُضَمَّ ثَلَاثَةَ بِنْتِ الْأَخِ لِثَمَانِيَتِهَا وَتُضَمَّ ثَلَاثَةَ بِنْتِ الْأُخْتِ لِثَمَانِيَتِهَا يَتَحَصَّلُ لِكُلِّ قَبِيلٍ أَحَدَ عَشَرَ، وَقَوْلُهُ وَبِنْتُهَا إلَخْ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ صُورَةً وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَبِنْتَهَا يَرْجِعُ لِمَنْ أَرْضَعَتْهَا أُخْتُك بِأَقْسَامِهَا الثَّلَاثَةِ وَيَرْجِعُ لِلثَّلَاثَةِ التَّعْمِيمُ بِقَوْلِهِ: نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا بِسِتَّةٍ كُلُّهَا لِبِنْتِ الْأُخْتِ وَيَرْجِعُ لِمَنْ ارْتَضَعَتْ بِلَبَنِ أَخِيك بِصُورَةِ الثَّلَاثَةِ وَيَرْجِعُ لِلثَّلَاثَةِ التَّعْمِيمُ الْمَذْكُورُ بِسِتَّةٍ كُلُّهَا لِبِنْتِ الْأَخِ فَضُمَّ السِّتَّةَ الْأُولَى لِلْإِحْدَى عَشْرَةَ الَّتِي لِبِنْتِ الْأُخْتِ وَالسِّتَّةَ الثَّانِيَةَ الَّتِي لِبِنْتِ الْأَخِ يَصِيرُ لِكُلِّ قَبِيلٍ سَبْعَةَ عَشَرَ.
وَقَوْلُهُ وَبِنْتُ وَلَدٍ أَرْضَعَتْهُ أُمُّك إلَخْ اشْتَمَلَتْ عَلَى ثَمَانٍ صُوَرٍ؛ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَبِنْتُ وَلَدٍ أَرْضَعَتْهُ أُمُّك فِيهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ؛ لِأَنَّ الْبِنْتَ قَدْ عَمَّمَ فِيهَا بِقَوْلِهِ نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا وَالْوَلَدُ يَصْدُقُ بِالذَّكَرِ وَبِالْأُنْثَى وَاثْنَانِ فِي اثْنَيْنِ بِأَرْبَعَةٍ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ أَوْ ارْتَضَعَ بِلَبَنِ أَبِيك فِيهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ أَيْضًا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا.
وَهَذِهِ الثَّمَانِيَةُ نِصْفُهَا لِبِنْتِ الْأُخْتِ وَنِصْفُهَا لِبِنْتِ الْأَخِ، فَضُمَّ كُلَّ أَرْبَعَةٍ لِكُلِّ سَبْعَةَ عَشَرَ يَتَحَصَّلُ لِكُلِّ قَبِيلٍ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ.
وَقَوْلُهُ وَأُخْتُ الْفَحْلِ إلَخْ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ عَلَى عَشَرَةِ أَفْرَادٍ لِلْعَمَّةِ أَخْبَرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ عَمَّةُ رَضَاعٍ؛ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَأُخْتُ الْفَحْلِ يَرْجِعُ إلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي: نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا فَفِيهِ صُورَتَانِ وَقَوْلُهُ أَوْ أَبِيهِ أَوْ أَبِي الْمُرْضِعَةِ صُورَتَانِ يَرْجِعُ إلَيْهِمَا قَوْلُهُ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا، بِأَرْبَعَةٍ يَرْجِعُ لَهَا قَوْلُهُ نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا بِثَمَانِيَةٍ تُضَمُّ لِلثِّنْتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ بِعَشَرَةٍ، وَقَوْلُهُ وَأُخْتُ الْمُرْضِعَةِ إلَخْ فِيهِ عَشَرُ صُوَرٍ أَيْضًا لِلْخَالَةِ أَخْبَرَ عَنْهَا بِقَوْلِهِ خَالَةُ رَضَاعٍ يُعْلَمُ بَيَانُهَا مِنْ بَيَانِ صُورَةِ الْعَمَّةِ، فَجُمْلَةُ مَا ذَكَرَهُ لِمَحَارِمِ الرَّضَاعِ سَبْعَةٌ وَثَمَانُونَ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (بِمَا ذَكَرَ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ عَلَى ذَلِكَ.
وَيُمْكِنُ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْهُ كَجَعْلِ الْبَاءِ بِمَعْنَى " عَلَى " وَالْمُبْدَلُ مِنْهُ فِي نِيَّةِ الطَّرْحِ.
قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ) عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ، أَيْ فَيَحْرُمُ أَيْ الْبَاقِي لِقَوْلِهِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الرَّضَاعِ) أَيْ مِنْ أَجْلِ الرَّضَاعِ، فَمِنْ تَعْلِيلِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (وَفِي رِوَايَةٍ) أَتَى بِهَا؛ لِأَنَّ النَّسَبَ أَعَمُّ مِنْ الْوِلَادَةِ الَّتِي فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى، وَأَتَى بِرِوَايَةِ حَرِّمُوا أَيْ اعْتَقَدُوا حُرْمَتَهُ؛ لِأَنَّهَا بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، فَأَفَادَتْ الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ التَّحْرِيمَ مَصْحُوبٌ بِفَسَادِ الْعَقْدِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَفَادٍ مِمَّا قَبْلَهُ عَزِيزِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْك إلَخْ) شُرُوعٌ فِي مَسَائِلَ أَرْبَعٍ مُسْتَثْنَاةٍ مِنْ الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا أُمُّك) إنْ كَانَ الْأَخُ وَالْأُخْتُ شَقِيقَيْنِ لَك أَوْ لِأُمٍّ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ مَوْطُوءَةُ أَبِيك " إنْ كَانَا لِأَبٍ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ وَلَدُ الْوَلَدِ) وَيُرَادِفُ النَّافِلَةَ الْحَفِيدُ، وَأَمَّا السَّبْطُ فَهُوَ وَلَدُ الْبِنْتِ؛ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْحَفِيدَ ابْنُ الِابْنِ فَيَكُونُ
بِنْتُ الْمُرْضِعَةِ، وَلَوْ كَانَتْ الْمُرْضِعَةُ أُمَّ نَسَبٍ كَانَتْ مَوْطُوءَتَك فَيَحْرُمُ عَلَيْك أُمُّهَا وَبِنْتُهَا، فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ يَحْرُمْنَ فِي النَّسَبِ وَلَا يَحْرُمْنَ فِي الرَّضَاعِ فَاسْتَثْنَاهَا بَعْضُهُمْ مِنْ قَاعِدَةٍ: يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ وَالْمُحَقِّقُونَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ عَلَى أَنَّهَا لَا تُسْتَثْنَى لِعَدَمِ دُخُولِهَا فِي الْقَاعِدَةِ؛ لِأَنَّهُنَّ إنَّمَا يَحْرُمْنَ فِي النَّسَبِ لِمَعْنًى لَمْ يُوجَدْ فَيَهِنَّ فِي الرَّضَاعِ كَمَا قَرَّرْته، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْك أُخْتُ أَخِيك سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ نَسَبٍ كَأَنْ كَانَ لِزَيْدٍ أَخٌ لِأَبٍ وَأُخْتٌ لِأُمٍّ فَلِأَخِيهِ نِكَاحُهَا.
أَمْ مِنْ رَضَاعٍ كَأَنْ تُرْضِعُ امْرَأَةٌ زَيْدًا وَصَغِيرَةً أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ فَلِأَخِيهِ لِأَبِيهِ نِكَاحُهَا، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ الْأُخْتُ أُخْتَ أَخِيك لِأَبِيك لِأُمِّهِ كَمَا مَثَّلْنَا أَمْ أُخْتُ أَخِيك لِأُمِّك لِأَبِيهِ، مِثَالُهُ فِي النَّسَبِ أَنْ يَكُونَ لِأَبِي أَخِيك بِنْتٌ مِنْ غَيْرِ أُمِّك فَلَكَ نِكَاحُهَا، وَفِي الرَّضَاعِ أَنْ تَرْتَضِعَ صَغِيرَةٌ بِلَبَنِ أَبِي أَخِيك لِأُمِّك فَلَكَ نِكَاحُهَا.
ثُمَّ شَرَعَ فِي السَّبَبِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْمُصَاهَرَةُ بِقَوْلِهِ: (وَأَرْبَعٌ بِالْمُصَاهَرَةِ وَهِيَ أُمُّ الزَّوْجَةِ) بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ نَسَبٍ
[حاشية البجيرمي]
النَّافِلَةُ أَعَمَّ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا بِنْتُك) أَيْ إنْ كَانَ وَلَدُك، أَيْ الْأَعْلَى أُنْثَى وَقَوْلُهُ أَوْ مَوْطُوءَةُ ابْنِك، أَيْ إنْ كَانَ ذَكَرًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِنْتُ الْمُرْضِعَةِ) أَيْ وَلَا بِنْتُ مُرْضِعَةِ وَلَدِك، فَلَوْ قَالَ وَلِابْنَتِهَا لَكَانَ أَخْصَرُ وَأَظْهَرُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَتْ الْمُرْضِعَةُ أُمَّ نَسَبٍ) أَيْ لِلْوَلَدِ.
قَوْلُهُ: (فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ) جَعَلَهَا أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَلَا أُمُّ إلَخْ، جَعَلَهَا صُورَةً وَاحِدَةً، وَقَدْ نَظَمَهَا شَيْخُنَا م د عَلَى التَّرْتِيبِ فَقَالَ:
مُرْضِعَةُ الْأَخِ أَوْ الْأُخْتِ تَحِلْ ... أَوْ وَلَدُ الْوَلَدِ وَلَوْ أُنْثَى جُعِلْ
كَذَاك أُمُّ مُرْضِعٍ لِلْوَلَدْ ... وَبِنْتُهَا وَهِيَ خِتَامُ الْعَدَدْ
قَوْلُهُ: (فَاسْتَثْنَاهَا بَعْضُهُمْ) أَيْ لِلْمَعْنَى الَّذِي اشْتَرَكَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (لِمَعْنًى لَمْ يُوجَدْ فِيهِنَّ فِي الرَّضَاعِ) أَيْ وَهُوَ الْأُمُومَةُ وَالْبِنْتِيَّةُ وَالْأُخْتِيَّةُ، أَيْ أَنَّهُ سَبَبُ انْتِفَاءِ التَّحْرِيمِ عَنْهُنَّ.
وَقَوْلُهُ: " كَمَا قَرَّرْته " أَيْ فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ كَانَتْ أُمَّ نَسَبٍ إلَخْ ح ل. وَقَوْلُ الْمُحَشِّي: " وَالْأُخْتِيَّةُ " غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي الْأَرْبَعِ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ، وَعِبَارَةُ الزَّرْكَشِيّ: لِأَنَّ أُمَّ الْأَخِ لَمْ تَحْرُمْ لِكَوْنِهَا أُمَّ أَخٍ وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ لِكَوْنِهَا أُمًّا أَوْ حَلِيلَةَ أَبٍ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَكَذَا الْقَوْلُ فِي بَاقِيهِنَّ.
قَوْلُهُ: (فَلِأَخِيهِ) أَيْ لِأَبِيهِ نِكَاحُهَا، وَإِنْ وُجِدَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فَزَيْدٌ عَمُّهُ وَخَالُهُ؛ لِأَنَّهُ أَخُو أَبِيهِ وَأَخُو أُمِّهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَبِيهِ) الْأَحْسَنُ إسْقَاطُ لِأَبِيهِ لِيَشْمَلَ الْأَخَ الشَّقِيقَ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ الْمُرْضِعَةَ لَيْسَتْ أُمَّ زَيْدٍ مِنْ النَّسَبِ فَإِرْضَاعُهَا لِزَيْدٍ لَا يُثْبِتُ التَّحْرِيمَ عَلَى إخْوَتِهِ مُطْلَقًا، عَلَى أَنَّ فِي التَّقْيِيدِ بِهِ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدُ: وَسَوَاءٌ إلَخْ مَا لَا يَخْفَى شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ لِأَبِي أَخِيك) أَيْ لِأُمِّك وَقَوْلُهُ بِنْتٌ مِنْ غَيْرِ أُمِّك بِأَنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّضَاعِ) أَيْ وَمِثَالُهُ فِي الرَّضَاعِ أَنْ تُرْضِعَ صَغِيرَةً إلَخْ.
صُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ رَجُلًا مُتَزَوِّجٌ بِامْرَأَتَيْنِ إحْدَاهُمَا يُقَالُ لَهَا فَاطِمَةُ وَالْأُخْرَى يُقَالُ لَهَا عَائِشَةُ فَأَتَى بِبِنْتٍ مِنْ فَاطِمَةَ، ثُمَّ إنَّ فَاطِمَةَ أَرْضَعَتْ بِنْتًا صَغِيرَةً أَجْنَبِيَّةً وَأَتَى بِوَلَدِ مِنْ عَائِشَةَ يُقَالُ لَهُ زَيْدٌ فَنِسْبَةُ زَيْدٍ لِبِنْتِ فَاطِمَةَ أَنَّهُ أَخُوهَا لِأَبِيهَا وَنِسْبَتُهُ إلَى الرَّضِيعَةِ أَنَّهُ أَخُوهَا لِأَبِيهَا مِنْ الرَّضَاعِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا الرَّجُلَ طَلَّقَ أُمَّ زَيْدٍ فَتَزَوَّجَ بِهَا شَخْصٌ آخَرُ فَأَتَى مِنْهَا بِوَلَدٍ يُقَالُ لَهُ بَكْرٌ فَنِسْبَةُ بَكْرٍ لِزَيْدٍ أَنَّهُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ وَنِسْبَةُ بَكْرٍ لِلرَّضِيعَةِ أَجْنَبِيٌّ فَأَرَادَ بَكْرٌ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا وَيَصْدُقُ عَلَى بَكْرٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِمِنْ ارْتَضَعَ بِلَبَنِ أَبِي أَخِيهِ لِأُمِّهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (بِلَبَنِ أَبِي أَخِيك) أَيْ بِلَبَنِهِ الْحَاصِلِ مِنْ زَوْجَةٍ أُخْرَى غَيْرَ أُمِّك.
قَوْلُهُ: (بِالْمُصَاهَرَةِ) أَيْ بِسَبَبِ الْمُصَاهَرَةِ، وَهِيَ وَصْفٌ شَبِيهٌ بِالْقَرَابَةِ، وَهِيَ فِي أَرْبَعَةٍ: فَزَوْجَةُ الِابْنِ وَبِنْتُ الزَّوْجَةِ أَشْبَهَتَا بِنْتَه، وَزَوْجَةُ الْأَبِ وَأَمُّ الزَّوْجَةِ أَشْبَهَتَا الْأُمَّ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ هِيَ خُلْطَةٌ تُوجِبُ تَحْرِيمًا.
قَوْلُهُ: (أُمُّ الزَّوْجَةِ) وَلَوْ تَأَخَّرَ ثُبُوتُ الْأُمُومَةِ عَنْ النِّكَاحِ كَأَنْ يُطَلِّقَ صَغِيرَةً فَتُرْضِعُهَا امْرَأَةٌ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ:
أَوْ رَضَاعٍ، سَوَاءٌ أَدْخَلَ بِهَا أَمْ لَا لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 23] (وَالرَّبِيبَةُ إذَا دَخَلَ بِالْأُمِّ) بِعَقْدٍ صَحِيحٍ أَوْ فَاسِدٍ لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23] وَذِكْرُ الْحُجُورِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، فَإِنْ قِيلَ لَمْ أُعِيدَ الْوَصْفُ إلَى الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ وَلَمْ يُعَدْ إلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى وَهِيَ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ مَعَ أَنَّ الصِّفَاتِ عَقِبَ الْجُمَلِ تَعُودُ إلَى الْجَمِيعِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ نِسَائِكُمْ الثَّانِي مَجْرُورٌ بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَنِسَائِكُمْ الْأَوَّلُ مَجْرُورٌ بِالْمُضَافِ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْعَامِلُ لَمْ يَجُزْ الْإِتْبَاعُ وَيَتَعَيَّنُ الْقَطْعُ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الدُّخُولِ أَنْ يَقَعَ فِي حَيَاةِ الْأُمِّ، فَلَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَوَطِئَهَا بَعْدَ مَوْتِهَا لَمْ تَحْرُمْ بِنْتُهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى دُخُولًا وَإِنْ تَرَدَّدَ فِيهِ الرُّويَانِيُّ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَمْ يَعْتَبِرُوا الدُّخُولَ فِي تَحْرِيمِ الْأُصُولِ وَاعْتَبِرُوا فِي تَحْرِيمِ الْبِنْتِ الدُّخُولَ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الرَّجُلَ يُبْتَلَى عَادَةً بِمُكَالَمَةِ أُمِّهَا عَقِبَ الْعَقْدِ لِتَرْتِيبِ أُمُورِهِ، فَحُرِّمَتْ بِالْعَقْدِ لِيَسْهُلَ ذَلِكَ بِخِلَافِ بِنْتِهَا.
[حاشية البجيرمي]
وَالرَّبِيبَةُ إذَا دَخَلَ بِالْأُمِّ) أَيْ بِوَطْءٍ وَلَوْ فِي الدُّبُرِ، وَمِثْلُهُ اسْتِدْخَالُ الْمَاءِ وَلَوْ فِي الدُّبُرِ أَيْضًا.
وَالْمُرَادُ الْمَاءُ الْمُحْتَرَمُ حَالَ الْإِنْزَالِ بِأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الزِّنَا لَا حَالَةَ الْإِدْخَالِ، فَلَوْ أَنْزَلَ فِي زَوْجَتِهِ فَسَاحَقَتْ بِنْتَهُ فَحَمَلَتْ مِنْهُ لَحِقَهُ الْوَلَدُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ اسْتِدْخَالَ الْمَاءِ الْمُحْتَرَمِ حُكْمُهُ حُكْمُ الدُّخُولِ فِي لُحُوقِ النَّسَبِ وَعَدَمِ بَيْنُونَتِهَا إذَا طَلُقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَ اسْتِدْخَالِ الْمَنِيِّ، وَفِي ثُبُوتِ الْمُصَاهَرَةِ لَا تَحْلِيلَ وَلَا إحْصَانَ أَيْ لَا تَصِيرُ بِاسْتِدْخَالِ مَاءِ زَوْجِهَا الْمُحْتَرَمِ حَلِيلَةً لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ وَلَا مُحْصَنَةً وَلَا يَجِبُ غُسْلٌ وَمَهْرٌ، فَلَيْسَ اسْتِدْخَالُ الْمَنِيِّ فِيهَا كَالْوَطْءِ وَالْمُعْتَبَرُ الدُّخُولُ فِي الْحَيَاةِ كَمَا ذَكَرَهُ ق ل. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدُّخُولَ بِالْأُمَّهَاتِ يُحَرِّمُ الْبَنَاتِ وَالْعَقْدَ عَلَى الْبَنَاتِ يُحَرِّمُ الْأُمَّهَاتِ.
قَوْلُهُ: (فِي حُجُورِكُمْ) جَمْعُ حَجْرٍ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ فِي الْأَصْلِ حِضْنُ الْإِنْسَانِ وَهُوَ مَا دُونَ إبْطِهِ إلَى الْكَشْحِ يُقَالُ فُلَانٌ فِي حِجْرِ فُلَانٍ أَيْ فِي كَنَفِهِ وَمَنْعَتِهِ.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَفَائِدَةُ قَوْلِهِ فِي حُجُورِكُمْ تَقْوِيَةُ الْعِلَّةِ وَتَمْكِينُهَا.
وَالْمَعْنَى أَنَّ الرَّبَائِبَ إذَا دَخَلْتُمْ بِأُمَّهَاتِهِنَّ فِي احْتِضَانِكُمْ قَوَّى الشَّبَهَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَوْلَادِكُمْ وَصَارَتْ حَقًّا بِأَنْ تَجْرُوهَا مَجْرَاهُمْ لَا تَقْيِيدَ لِلْحُرْمَةِ؛ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قِيلَ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْوَصْفَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] عَائِدٌ إلَى لَفْظِ النِّسَاءِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ لِمَا ذَكَرَهُ.
وَلَا يَخْفَى مَا فِي عِبَارَتِهِ مِنْ التَّسَامُحِ، أَيْ قَوْلُهُ: " إلَى الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ " فِيهِ مُسَامَحَةٌ، إذْ لَا جُمْلَةَ هُنَا بَلْ هُنَا مُفْرَدٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ عَقِبَ الْجُمَلِ فِيهِ مُسَامَحَةٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ السُّؤَالَ فِي جِهَةٍ وَالْجَوَابُ فِي جِهَةٍ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ يَرْجِعُ إلَى قَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ وَهِيَ أَنَّ الصِّفَةَ تَعُودُ لِجَمِيعِ الْمُتَعَاطِفَاتِ تَقَدَّمَتْ أَوْ تَأَخَّرَتْ أَوْ تَوَسَّطَتْ، وَالْجَوَابُ يَرْجِعُ لِقَاعِدَةٍ نَحْوِيَّةٍ وَهِيَ أَنَّهُ إذَا كَانَ هُنَاكَ عَامِلَانِ وَمَعْمُولَانِ وَصِفَتَانِ لِلْمَعْمُولَيْنِ وَاتِّحَادُ الْعَامِلَانِ مَعْنَى وَعَمَلًا وَجَبَ إتْبَاعُ الصِّفَةِ لِمَوْصُوفِهَا فِي الْإِعْرَابِ وَإِلَّا قُطِعَتْ عَنْهُ فِي الْإِعْرَابِ، فَكَانَ الْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: صَدَّ عَنْ الْعَمَلِ بِذَلِكَ الْإِجْمَاعِ.
قَوْلُهُ: (إلَى الْجُمْلَةِ) الْمُرَادُ بِالْجُمْلَةِ الْقِطْعَةُ مِنْ الْكَلَامِ فَلَا يَرِدُ أَنَّهَا مُفْرَدٌ لَا جُمْلَةً.
قَوْلُهُ: (عَقِبَ الْجُمَلِ) الْأُولَى أَنْ يَقُولَ عَقِبَ الْمُتَعَدِّدِ لِيَشْمَلَ الْمُفْرَدَاتِ كَمَا هُنَا.
وَقَوْلُهُ: " الْقَطْعُ " أَيْ تَخْصِيصُهَا بِمَا وَلَّيْتَهُ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجُزْ الْإِتْبَاعَ) أَيْ لِلْأُولَى وَقَوْلُهُ وَيَتَعَيَّنُ الْقَطْعُ أَيْ عَنْ الْأُولَى، وَيَتَعَيَّنُ رُجُوعُهُ لِلثَّانِيَةِ.
اهـ. شَيْخُنَا.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْقَطْعُ النَّحْوِيُّ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِعَامِلٍ مُقَدَّرٍ.
قَوْلُهُ: (وَوَطِئَهَا بَعْدَ مَوْتِهَا) وَلَا يُحَدُّ بِوَطْئِهَا.
قَوْلُهُ: (لَا يُسَمَّى دُخُولًا) وَلِهَذَا لَا حَدَّ بِوَطْءِ الْمَيْتَةِ.
اهـ. مَيْدَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَرَدَّدَ فِيهِ) أَيْ التَّحْرِيمِ.
قَوْلُهُ: (لِمَ لَمْ يَعْتَبِرُوا) الْمُنَاسِبَ لِمَ لَمْ يُعْتَبَرْ؟ أَوْ مَا الْحِكْمَةُ؟ فِي ذَلِكَ وَإِلَّا فَاعْتِبَارُ الدُّخُولِ بِمَا ذَكَرَ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، فَكَيْفَ يَقُولُ لِمَ لَمْ يَعْتَبِرُوا.
قَوْلُهُ: (فِي تَحْرِيمِ الْأُصُولِ) كَأُمِّهَا.
وَقَوْلُهُ: " وَاعْتَبِرُوا إلَخْ " لَوْ قَالَ: وَاعْتَبَرُوهُ فِي تَحْرِيمِ الْبِنْتِ، لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَوْضَحَ ق ل.
قَوْلُهُ: (بِمُكَالَمَةِ أُمِّهَا) وَيُبْتَلَى بِالْخَلْوَةِ بِهَا فَكَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ فِيهِمَا، فَلَا يَحْرُمُ النَّظَرُ وَلَا الْخَلْوَةُ بِهَا تَسْهِيلًا عَلَيْهِمَا.
قَوْلُهُ: (فَحُرِّمَتْ بِالْعَقْدِ لِيَسْهُلَ ذَلِكَ بِخِلَافِ بِنْتِهَا)
تَنْبِيهٌ: مَنْ حُرِّمَ بِالْوَطْءِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ صِحَّةُ الْعَقْدِ كَالرَّبِيبَةِ، وَمَنْ حُرِّمَ بِالْعَقْدِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ.
نَعَمْ لَوْ وَطِئَ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ حُرِّمَ بِالْوَطْءِ فِيهِ لَا بِالْعَقْدِ.
فَائِدَةٌ: الرَّبِيبَةُ بِنْتُ الزَّوْجَةِ وَبَنَاتُهَا وَبِنْتُ ابْنِ الزَّوْجَةِ وَبَنَاتُهَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ تَحْرِيمُ بِنْتِ الرَّبِيبَةِ وَبِنْتِ الرَّبِيبِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَنَاتِ أَوْلَادِ زَوْجَتِهِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ نَفِيسَةٌ يَقَعُ السُّؤَالُ عَنْهَا كَثِيرًا وَكُلُّ مَنْ وَطِئَ امْرَأَةً بِمِلْكِ يَمِينٍ حُرِّمَ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا وَحُرِّمَتْ هِيَ عَلَى آبَائِهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا الْمَوْطُوءَةُ الْحَيَّةُ بِشُبْهَةٍ فِي حَقِّهِ كَأَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا، وَتَحْرُمُ هِيَ عَلَى آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ كَمَا يَثْبُتُ فِي هَذَا الْوَطْءِ النَّسَبُ، وَيُوجِبُ الْعِدَّةَ، لَا الْمَزْنِيُّ بِهَا فَلَا يَثْبُتُ بِزِنَاهَا حُرْمَةُ مُصَاهَرَةٍ فَلِلزَّانِي نِكَاحُ أُمِّ مَنْ زَنَى بِهَا وَبِنْتِهَا، وَلِابْنِهِ وَأَبِيهِ نِكَاحُهَا هِيَ وَبِنْتَهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِالنَّسَبِ وَالصِّهْرِ فَلَا يَثْبُتُ بِالزِّنَا كَالنَّسَبِ، وَلَيْسَتْ مُبَاشَرَةٌ كَلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ بِشَهْوَةٍ كَوَطْءٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ الْعِدَّةَ فَكَذَا لَا تُوجِبُ الْحُرْمَةَ.
[حاشية البجيرمي]
وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ بِنْتُ زَوْجِ الْأُمِّ وَلَا أُمُّهُ وَلَا بِنْتُ زَوْجِ الْبِنْتِ وَلَا أُمُّهُ وَلَا أُمُّ زَوْجَةِ الْأَبِ وَلَا بِنْتُهَا وَلَا أُمُّ زَوْجَةِ الِابْنِ وَلَا بِنْتُهَا وَلَا زَوْجَةُ الرَّبِيبِ، لِخُرُوجِهِنَّ عَنْ الْمَذْكُورَاتِ.
اهـ. ز ي. وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (كَالرَّبِيبَةِ) الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ حُرِّمَ بِالْعَقْدِ) كَالْأُمِّ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ لَوْ وَطِئَ) مُسْتَدْرَكٌ ق ل وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (وَبِنْتِ الرَّبِيبِ) وَهُوَ ابْنُ الزَّوْجَةِ.
قَوْلُهُ: (وَكُلُّ مَنْ وَطِئَ امْرَأَةً) سَوَاءٌ الْوَطْءُ فِي الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ، وَاسْتِدْخَالُ الْمَنِيِّ وَلَوْ فِي الدُّبُرِ كَذَلِكَ.
وَالْمُرَادُ الْوَطْءُ فِي الْحَيَاةِ وَيَشْمَلُ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ مَا هُوَ بِالنَّسَبِ أَوْ الرَّضَاعِ كَمَا يَأْتِي ق ل.
قَوْلُهُ: (امْرَأَةً بِمِلْكِ يَمِينٍ) وَلَوْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ ابْتِدَاءً.
قَوْلُهُ: (بِشُبْهَةٍ فِي حَقِّهِ كَأَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ) أَوْ وَطِئَ الْأَمَةَ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَوْ أَمَةَ فَرْعِهِ، وَكَذَا لَوْ وَطِئَ بِجِهَةٍ قَالَ بِهَا عَالِمٌ يَعْتَدُّ بِخِلَافِهِ بِحَيْثُ يَصِحُّ تَقْلِيدُهُ.
وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الشُّبْهَةِ الْمَذْكُورَةِ يُقَالُ لَهُ شُبْهَةُ الْفَاعِلِ وَهُوَ لَا يَتَّصِفُ بِحِلٍّ وَلَا حُرْمَةٍ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي شُبْهَةُ الْمَحَلِّ فَحَرَامٌ، وَالْقِسْمُ الثَّالِثِ شُبْهَةُ الطَّرِيقِ، فَإِنْ قَلَّدَ الْقَائِلَ بِالْحِلِّ لَا حُرْمَةَ وَإِلَّا حُرِّمَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ شُبْهَتَهُ وَحْدَهُ تُوجِبُ مَا عَدَا الْمَهْرِ مِنْ نَسَبٍ وَعِدَّةٍ إذْ لَا مَهْرَ لِبَغْيٍ وَشُبْهَتُهَا وَحْدُهَا تُوجِبُ الْمَهْرَ فَقَطْ دُونَ النَّسَبِ وَالْعِدَّةِ وَشُبْهَتُهُمَا تُوجِبَ الْجَمِيعَ وَلَا يَثْبُتُ بِهَا مَحْرَمِيَّةٌ مُطْلَقًا، فَلَا يَحِلُّ لِأَبِي الْوَاطِئِ وَابْنِهِ نَظَرٌ وَلَا مَسٌّ وَلَا خَلْوَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُوجِبُ الْعِدَّةَ) أَيْ فَيَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ لَا الْمَحْرَمِيَّةُ، فَلَا يَحِلُّ لِلْوَاطِئِ بِشُبْهَةٍ النَّظَرُ إلَى أُمِّ الْمَوْطُوءَةِ وَبِنْتِهَا وَلَا الْخَلْوَةُ وَلَا الْمُسَافَرَةُ بِهَا وَلَا مَسُّهَا كَالْمَوْطُوءَةِ بَلْ أَوْلَى، فَلَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَدَخَلَ ثَبَتَتْ الْمَحْرَمِيَّةُ.
قَوْلُهُ: (لَا الْمَزْنِيُّ بِهَا) يَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ الزِّنَا مَا لَوْ خَرَجَ مَنِيُّهُ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ ثُمَّ اسْتَدْخَلَتْهُ زَوْجَتُهُ كَمَا لَوْ وَطِئَهَا فِي الدُّبُرِ ثُمَّ سَالَ الْمَنِيُّ وَأَخَذَتْهُ فِي خِرْقَةٍ وَاسْتَدْخَلَتْهُ وَحَبِلَتْ مِنْ ذَلِكَ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. وَلَوْ لَاطَ بِغُلَامٍ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْفَاعِلِ أُمُّ الْغُلَامِ وَبِنْتُهُ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (هِيَ وَبِنْتَهَا) هِيَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ.
وَقَوْلُهُ: " وَبِنْتِهَا " بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ الْخَافِضِ عَلَى طَرِيقِ ابْنِ مَالِكٍ، وَلَمْ يَمْنَعْ التَّوْكِيدَ بِالضَّمِيرِ الْمَذْكُورِ.
وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ تَوْكِيدِ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِتَجْوِيزِ الْعَطْفِ.
وَكَتَبَ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلِهِ: " وَبِنْتِهَا ": لَا مَدْخَلَ لَهُ هُنَا، إذْ بِنْتُ الزَّوْجَةِ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ لَا تَحْرُمُ عَلَى الْأَبِ وَلَا الِابْنُ، فَبِالْأَوْلَى بِنْتُ الْمَزْنِيِّ بِهَا، وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْمُصَاهَرَةُ قَوْلُهُ: (وَالصِّهْرِ) أَيْ قَرَابَةِ الزَّوْجَيْنِ قَوْلُهُ: (فَلَا يَثْبُتُ) أَيْ الصِّهْرُ بِالزِّنَا قَوْلُهُ: (كَالنَّسَبِ) أَيْ كَمَا لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ بِالزِّنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَتْ مُبَاشَرَةٌ) أَيْ لَيْسَتْ الْمُبَاشَرَةُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَوْ بِشُبْهَةٍ كَالْوَطْءِ؛؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَالْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ.
وَلَيْسَ الْكَلَامُ الْآنَ فِي الْوَطْءِ بِالْعَقْدِ أَيْضًا حَتَّى يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُبَاشَرَةِ مَا يَشْمَلُ الْمُبَاشَرَةَ بِالْعَقْدِ، إذْ لَا يَصِحُّ هَذَا هُنَا، إذْ أُمُّ الزَّوْجَةِ تَحْرُمُ بِالْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُبَاشَرَةٌ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا؛ فَقَوْلُهُ: " وَلَيْسَتْ مُبَاشَرَةٌ إلَخْ " كَمَا إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمَسَهَا وَقَبَّلَهَا بِشَهْوَةٍ وَلَمْ يَطَأْهَا فَلَيْسَ اللَّمْسُ وَالْقُبْلَةُ كَالْوَطْءِ فِي تَحْرِيمِ بِنْتِهَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ.
(و) تَحْرُمُ (زَوْجَةُ الْأَبِ) وَهُوَ مَنْ وَلَدَك بِوَاسِطَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَبًا أَوْ جَدًّا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22] قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ يَعْنِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ عِلْمِكُمْ بِتَحْرِيمِهِ.
(و) تَحْرُمُ (زَوْجَةُ الِابْنِ) وَهُوَ مَنْ وَلَدْته بِوَاسِطَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَلَدُك بِهَا، لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: 23] .
تَنْبِيهٌ: لَا فَرْقَ فِي الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ؛ أَمَّا النَّسَبُ فَلِلْآيَةِ، وَأَمَّا الرَّضَاعُ فَلِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: 23] فَكَيْفَ حُرِّمَتْ حَلِيلَةُ الِابْنِ مِنْ الرَّضَاعِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ مَنْطُوقٌ، وَقَدْ عَارَضَهُ هُنَا مَنْطُوقُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» . فَإِنْ قِيلَ: فَمَا فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ فِي الْآيَةِ حِينَئِذٍ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَةَ ذَلِكَ إخْرَاجُ حَلِيلَةِ الْمُتَبَنَّى فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْءِ زَوْجَةُ مَنْ تَبَنَّاهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِابْنٍ لَهُ، وَلَا تَحْرُمُ بِنْتُ زَوْجِ الْأُمِّ وَلَا أُمُّهُ وَلَا بِنْتُ زَوْجِ الْبِنْتِ وَلَا أُمُّهُ وَلَا
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَتَحْرُمُ زَوْجَةُ الْأَبِ) أَيْ مِنْ النَّسَبِ أَوْ الرَّضَاعِ، وَكَذَا زَوْجَةُ الِابْنِ.
وَالتَّقْيِيدُ فِي الْآيَةِ لِإِخْرَاجِ زَوْجَةِ مَنْ تَبَنَّاهُ كَمَا يَأْتِي.
وَكَانَ الصَّوَابُ إسْقَاطَ لَفْظِ تَحْرُمُ؛ لِأَنَّ زَوْجَةَ الْأَبِ مَعْطُوفٌ عَلَى أُمِّ الزَّوْجَةِ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ ق ل. وَخَرَجَ بِزَوْجَةِ الْأَبِ أُمُّهَا وَبِنْتُهَا وَكَذَا يُقَالُ فِي زَوْجَةِ الِابْنِ.
قَوْلُهُ: (مَا نَكَحَ) ذَكَرَ مَا دُونَ مِنْ؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الصِّفَةُ، أَيْ مَنْكُوحَةُ آبَائِكُمْ.
قَوْلُهُ: (إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) هُوَ مُنْقَطِعٌ؛ أَيْ، لَكِنْ مَا قَدْ سَلَفَ، فَلَا مُؤَاخَذَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ بِغَيْرِ شَرْعٍ.
وَانْظُرْ أَيَّ فَائِدَةٍ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ مَعَ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا نُؤَاخَذُ بِمَا وَقَعَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (زَوْجَةُ الِابْنِ) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ وَإِنْ سَفَلَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا، فَهُوَ شَامِلٌ لِزَوْجَةِ ابْنِ الْبِنْتِ، فَتَحْرُمُ عَلَى جَدِّهِ؛ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ مَنْ وَلَدَهُ بِوَاسِطَةٍ؛ إذْ الْوَلَدُ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى.
وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ تَمَسُّكًا بِقَوْلِ الْقَائِلِ:
بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ
وَهُوَ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا عَبَّرُوا بِزَوْجَةِ الْوَلَدِ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا وَهُوَ شَامِلٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. وَقَوْلُهُ: " بَنُونَا " خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَمَا بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وَالْمُرَادُ بِالْأَبَاعِدِ الْأَجَانِبُ.
قَوْلُهُ: (فَلِلْآيَةِ) أَيْ جِنْسِهَا وَإِلَّا فَهُنَاكَ آيَتَانِ، إحْدَاهُمَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22] وَالْأُخْرَى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: 23] .
قَوْلُهُ: (فَلِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ) وَهُوَ: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» .
قَوْلُهُ: (أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ إلَخْ) فَإِنْ قُلْت: الْمَفْهُومُ هُنَا خَاصٌّ وَالْقَاعِدَةُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْعَامِّ.
قُلْت: مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِ زَوْجَةِ الِابْنِ رَضَاعًا.
اهـ. رَحْمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَحْرُمُ بِنْتُ زَوْجِ الْأُمِّ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي عَشْرِ مَسَائِلَ لَا تَحْرُمُ وَالتَّصْرِيحُ بِهَا زِيَادَةُ إيضَاحٍ؛ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ مِنْ مَفَاهِيمِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَخِيرَةَ مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: " زَوْجَةُ الْأَبِ وَزَوْجَةُ الِابْنِ " وَقَدْ اشْتَمَلَ كَلَامُهُ عَلَى أَلْغَازٍ مِنْهَا رَجُلَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا عَمُّ الْآخَرِ؛ وَصُورَةُ ذَلِكَ رَجُلَانِ تَزَوَّجَ كُلٌّ مِنْهُمَا أُمَّ الْآخَرِ فَأَوْلَدَهَا ابْنًا فَكُلٌّ مِنْ ابْنَيْهِمَا عَمُّ الْآخَرِ لِأُمِّهِ.
وَمِنْهَا امْرَأَتَانِ الْتَقَتَا بِرَجُلَيْنِ فَقَالَتَا مَرْحَبًا بِابْنَيْنَا وَزَوْجَيْنَا وَابْنَيْ زَوْجَيْنَا؛ وَصُورَتُهُ رَجُلَانِ تَزَوَّجَ كُلٌّ مِنْهُمَا أُمَّ الْآخَرِ.
وَمِنْهَا رَجُلَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا خَالُ الْآخَرِ؛ وَصُورَتُهُ أَنْ يَنْكِحَ كُلٌّ مِنْ رَجُلَيْنِ بِنْتَ الْآخَرِ فَيُولَدُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا ابْنٌ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الِابْنَيْنِ خَالُ الْآخَرِ، وَمِنْهَا رَجُلَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا ابْنُ خَالِ الْآخَرِ؛ وَصُورَتُهُ أَنْ
أُمُّ زَوْجَةِ الْأَبِ وَلَا بِنْتُهَا وَلَا أُمُّ زَوْجَةِ الِابْنِ وَلَا بِنْتُهَا وَلَا زَوْجَةُ الرَّبِيبِ وَلَا زَوْجَةُ الرَّابِّ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ التَّحْرِيمُ غَيْرُ الْمُؤَبَّدِ بِقَوْلِهِ (و) تَحْرُمُ (وَاحِدَةٌ مِنْ جِهَةِ الْجَمْعِ) فِي الْعِصْمَةِ (وَهِيَ أُخْتُ الزَّوْجَةِ) فَلَا يَتَأَبَّدُ تَحْرِيمُهَا بَلْ تَحِلُّ بِمَوْتِ أُخْتِهَا أَوْ بَيْنُونَتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 23] وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَإِنْ رَضِيَتْ بِذَلِكَ فَإِنَّ الطَّبْعَ يَتَغَيَّرُ.
(وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا خَالَتِهَا) مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ الْخَبَرِ: «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا وَلَا الْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا وَلَا الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا لَا الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى وَلَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحُوهُ.
وَلِمَا مَرَّ مِنْ التَّعْلِيلِ فِي الْأُخْتَيْنِ (وَيَحْرُمُ مِنْ) النِّسَاءِ بِسَبَبِ (الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ) مِنْهُنَّ (مِنْ النَّسَبِ) وَهِيَ السَّبْعَةُ
[حاشية البجيرمي]
يَنْكِحَ كُلٌّ مِنْ رَجُلَيْنِ أُخْتَ الْآخَرِ فَيُولَدُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا ابْنٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا أُمُّ زَوْجَةِ الْأَبِ إلَخْ) وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ بِنْتًا وَابْنُهُ بِامْرَأَةٍ هِيَ أُمٌّ لِلْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ صَحَّ نِكَاحُ كُلٍّ مِنْهُمَا لِانْتِفَاءِ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ وَهِيَ الْقَرَابَةُ وَالرَّضَاعُ وَالْمُصَاهَرَةُ، وَتَحْرُمُ الْمُنَاكَحَةُ بَيْنَ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ وَأُمِّهَا مِنْ الْأَوْلَادِ لِوُجُوبِ سَبَبِ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَادَ الْحَاصِلِينَ مِنْ الْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ أَعْمَامٌ وَعَمَّاتٌ لِأَوْلَادِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ لِكَوْنِهِمْ إخْوَةً وَأَخَوَاتِ أَبِيهِمْ وَأَوْلَادَ أُخْتٍ لِكَوْنِ أُمِّهِمْ أُخْتَهمْ لِأُمِّهِمْ، وَحِينَئِذٍ إذَا حَصَلَ مِنْ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ أَوْلَادٌ ذُكُورٌ وَأَرَادُوا التَّزَوُّجَ بِالْإِنَاثِ مِنْ أَوْلَادِ الْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ امْتَنَعَ عَلَيْهِمْ لِحُرْمَتِهِنَّ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِنَّ بَنَاتَ أَخِيهِمْ لِأُمِّهِمْ وَعَمَّاتِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ الذُّكُورُ مِنْ أَوْلَادِ الْبِنْتِ الْمَذْكُورَةِ التَّزَوُّجَ بِالْإِنَاثِ مِنْ أَوْلَادِ الْكَبِيرَةِ امْتَنَعَ عَلَيْهِمْ لِحُرْمَتِهِنَّ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِنَّ بَنَاتَ أَخِيهِمْ لِأَبِيهِمْ؛ لِأَنَّ وَالِدَهُمْ أَخُوهُمْ لِأَبِيهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَلَا زَوْجَةُ الرَّبِيبِ) وَهُوَ ابْنُ الزَّوْجَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا زَوْجَةُ الرَّابِّ) وَهُوَ زَوْجُ الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ يُرَبِّيهِ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (وَتَحْرُمُ وَاحِدَةٌ) لَا يَخْفَى أَنَّ وَاحِدَةً عَطْفٌ عَلَى سَبْعٍ، فَهِيَ بَدَلٌ مِنْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَى الْبَدَلِ بَدَلٌ وَتَقْدِيرُ الْفِعْلِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ق ل. وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ تَقْدِيرَ الْفِعْلِ لَا بُدَّ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ مِنْ جَعْلِ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى التَّأْبِيدِ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَعْدُودَ إنَّمَا هُوَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَقَطْ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَا مَرَّ إنَّ الْمُتَعَيِّنَ حَذْفُ لَفْظِ الْمُؤَبَّدِ لِيَشْمَلَ هَذِهِ وَيَكُونُ الْعَدَدُ تَامًّا فَتَأَمَّلْ، فَيَكُونُ كَلَامُ ق ل ظَاهِرًا عَلَى هَذَا اهـ. وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْأُخْتِ؛ لِأَنَّهَا الْمَذْكُورَةُ فِي الْآيَةِ أَيْ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: 23] وَإِلَّا فَقَوْلُهُ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ إلَخْ يُؤْخَذُ مِنْهُ تَحْرِيمُ الْجَمْعِ أَيْضًا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا.
قَوْلُهُ: (أُخْتُ الزَّوْجَةِ) قَالَ شَيْخُنَا يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ بَيْنَ امْرَأَةٍ وَأُخْتِهَا وَإِنْ نَفَاهَا وَالِدُهَا بِلِعَانٍ، إذْ هِيَ غَيْرُ مُنْتَفِيَةٍ قَطْعًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَتَى اسْتَلْحَقَهَا لَحِقَتْهُ.
وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الدُّنْيَا، أَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَلَا مَانِعَ مِنْ جَمْعِ الْأُخْتَيْنِ فِي الْجَنَّةِ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ فِيهَا كَمَنْ تَزَوَّجَ إحْدَاهُمَا ثُمَّ مَاتَتْ فِي عِصْمَتِهِ ثُمَّ تَزَوَّجَ الْأُخْرَى وَمَاتَتْ فِي عِصْمَتِهِ فَيَجْتَمِعَانِ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ أَوْ مَاتَ وَلَمْ تَتَزَوَّجْ بَعْدَهُ غَيْرَهُ قَالَهُ الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ شَوْبَرِيٌّ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يَجُوزُ نِكَاحُ الْمَحَارِمِ فِي الْجَنَّةِ مَا عَدَا الْأُصُولَ وَالْفُرُوعَ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ وَهِيَ الْحِقْدُ وَالْبُغْضُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: 43] وَتَحْرِيمُ هَذَا الْجَمْعِ عَامٌّ فِي حَقِّ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمَهُمْ كَمَا فِي الْعُبَابِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ تَجْمَعُوا) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفٌ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ، أَيْ عَلَى قَوْلِهِ: " أُمَّهَاتُكُمْ " وَقَوْلُهُ: " وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ " يَعْنِي عَمَّاتِ أُصُولِهَا وَخَالَاتِهِمْ اهـ م د. قَوْلُهُ: (لَا الْكُبْرَى) دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ أَنَّ الْعَمَّةَ وَالْخَالَةَ هِيَ الْكُبْرَى غَالِبًا ق ل. قَالَ شَيْخُنَا: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَوْكِيدٌ وَمَا فِي حَاشِيَةِ ق ل غَيْرَ ظَاهِرٍ، وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ: قَوْلُهُ: " لَا الْكُبْرَى " هُوَ تَوْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ غَيْرِ الْمُرَتَّبِ، وَفِيهِ دَفْعُ تَوَهُّمِ تَقْيِيدِ الْمَنْعِ بِكَوْنِ الْعَمَّةِ أَوْ الْخَالَةِ هِيَ الْكُبْرَى كَمَا هُوَ الْغَالِبُ اهـ.
قَوْلُهُ: (بِسَبَبِ الرَّضَاعِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ " مِنْ " فِي كَلَامِ الْمَتْنِ لِلتَّعْلِيلِ.
قَوْلُهُ: (مَا يَحْرُمُ) عَبَّرَ بِمَا دُونَ مِنْ نَظَرًا إلَى أَنَّ
الْمُتَقَدِّمَةُ.
وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ زَوْجَةُ وَالِدِهِ مِنْ الرَّضَاعِ وَزَوْجَةُ وَلَدِهِ كَذَلِكَ وَبِنْتُ زَوْجَتِهِ كَذَلِكَ، أَمَّا تَحْرِيمُ الْأُمِّ وَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعِ فَلِمَا مَرَّ.
وَأَمَّا تَحْرِيمُ الْبَوَاقِي فَلِلْحَدِيثِ الْمَارِّ وَهُوَ: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» .
تَنْبِيهٌ: مَنْ حُرِّمَ جَمْعُهُمَا بِنِكَاحٍ حُرِّمَ أَيْضًا فِي الْوَطْءِ بِمِلْكٍ أَوْ مِلْكٍ وَنِكَاحٍ وَلَهُ تَمَلُّكُهُمَا بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا وَلَوْ مُكْرَهًا حُرِّمَتْ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُولَى بِإِزَالَةِ مِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ كِتَابَةٍ، إذْ لَا جَمْعَ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ غَيْرِهَا كَحَيْضٍ وَرَهْنٍ وَإِحْرَامٍ وَرِدَّةٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تُزِيلُ الْمِلْكَ وَلَا الِاسْتِحْقَاقَ، فَلَوْ عَادَتْ الْأُولَى كَأَنْ رُدَّتْ بِعَيْبٍ قَبْلَ وَطْءِ الْأُخْرَى فَلَهُ وَطْءُ أَيَّتُهُمَا شَاءَ بَعْدَ اسْتِبْرَاءِ الْعَائِدَةِ أَوْ بَعْدَ وَطْئِهَا حُرِّمَتْ الْعَائِدَةُ حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُخْرَى، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُبَاحَةً عَلَى انْفِرَادِهَا، فَلَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مَجُوسِيَّةً أَوْ نَحْوَهَا كَمَحْرَمٍ فَوَطِئَهَا جَازَ لَهُ وَطْءُ الْأُخْرَى نَعَمْ لَوْ
[حاشية البجيرمي]
حُرْمَةَ الذَّوَاتِ بِسَبَبِ أَوْصَافِهَا كَالْأُمُومَةِ وَالْبِنْتِيَّةِ فَهُوَ عَلَى حَدِّ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: 3] حَيْثُ عَبَّرَ بِمَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْوَصْفُ أَيْ الطَّيِّبُ، وَهَذَا أَعَمُّ مِمَّا سَبَقَ فَيُغْنِي عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ زَوْجَةُ وَالِدِهِ إلَخْ) الْأَوَّلَانِ تَقَدَّمَا فِي قَوْلِهِ تَنْبِيهٌ لَا فَرْقَ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ النَّسَبِ أَوْ الرَّضَاعِ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَلَمْ تَتَقَدَّمْ؛ قَالَ شَيْخُنَا: يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ وَقَدَّمْنَا إلَخْ أَنَّ هَذَا مِمَّا كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ: " وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَخْ " إلَّا السَّبْعَةُ.
قَوْلُهُ: (وَبِنْتُ زَوْجَتِهِ) لَمْ يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ فِيهَا، وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ فِي أُمِّ الزَّوْجَةِ، فَلَوْ أَبْدَلَهَا بِأُمِّ الزَّوْجَةِ لَكَانَ أَصْوَبَ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (كَذَلِكَ) أَيْ مِنْ الرَّضَاعِ.
قَوْلُهُ: (فَلِمَا مَرَّ) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: 23] .
قَوْلُهُ: (مِنْ حُرِّمَ جَمْعُهُمَا بِنِكَاحٍ حُرِّمَ أَيْضًا إلَخْ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ إذَا حُرِّمَ الْعَقْدُ، فَالْوَطْءُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى، وَلِأَنَّ التَّقَاطُعَ أَيْ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ فِيهِ أَكْثَرُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ وَطِئَ) أَيْ سَوَاءٌ فِي الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ، بِخِلَافِ اسْتِدْخَالِ الْمَنِيِّ فَلَا يُحَرِّمُ الْأُخْرَى هُنَا، فَالْوَطْءُ قَيْدٌ هُنَا بِخِلَافِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي وَطْءِ مِلْكِ الْيَمِينِ وَالشُّبْهَةِ فَإِنَّ اسْتِدْخَالَ الْمَنِيِّ يُحَرِّمُ الْأُمَّ وَالْبِنْتَ.
قَوْلُهُ: (وَاحِدَةً مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْمَمْلُوكَتَيْنِ لَا مِنْ الْمَمْلُوكَةِ وَالْمَنْكُوحَةِ أَيْضًا لِيُلَائِمَ قَوْلَهُ: حُرِّمَتْ الْأُخْرَى إلَخْ " فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْمَمْلُوكَتَيْنِ، وَبِدَلِيلِ مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ " وَلَوْ مَلَكَ أَمَةً ثُمَّ نَكَحَ إلَخْ " فَإِنَّ الَّذِي يَحِلُّ إنَّمَا هُوَ الْمَنْكُوحَةُ دُونَ الْمَمْلُوكَةِ وَإِنْ وُطِئَتْ.
وَقَوْلُهُ وَطِئَ وَاحِدَةً أَيْ حَالَ كَوْنِهَا وَاضِحَةً فَلَا عِبْرَةَ بِوَطْءِ الْخُنْثَى إلَّا إنْ اتَّضَحَ بِالْأُنُوثَةِ كَمَا فِي الْبِرْمَاوِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُكْرَهًا) أَيْ أَوْ جَاهِلًا بِأَنَّهَا أَمَتَهُ.
قَوْلُهُ: (حُرِّمَتْ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُولَى) لِئَلَّا يَحْصُلَ الْجَمْعُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَلَا يُؤَثِّرُ وَطْؤُهَا أَيْ الْأُخْرَى وَإِنْ حَبِلَتْ فِيمَا يَظْهَرُ فِي تَحْرِيمِ الْأُولَى إذْ الْحَرَامُ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ م ر. وَهَلْ الْمُرَادُ حَرُمَ وَطْؤُهَا أَوْ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا؟ الثَّانِي قَرِيبٌ لَكِنَّهُ يَشْمَلُ النَّظَرَ بِشَهْوَةٍ وَفِيهِ بُعْدٌ، ثُمَّ رَأَيْت عَنْ الرَّوْضَةِ التَّقْيِيدَ بِالْوَطْءِ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْأَنْوَارِ وَالْعُبَابِ؛ قَالَهُ ح ل. وَاعْتَمَدَ الدَّفَرِيُّ حُرْمَةَ الْوَطْءِ وَالِاسْتِمْتَاعِ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ فِي الْأَنْوَارِ، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّوْبَرِيُّ ضَعِيفٌ.
وَقَوْلُهُ: " حَتَّى يُحَرِّمَ " الْأُولَى أَيْ الَّتِي وُطِئَتْ.
قَوْلُهُ: (بِإِزَالَةِ مِلْكٍ) كَبَيْعٍ بَتٍّ وَلَوْ لِبَعْضِهَا بِلَا خِيَارٍ، أَوْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (أَوْ نِكَاحٍ) الْأَوْلَى: إنْكَاحٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ كِتَابَةٍ) أَيْ صَحِيحَةٍ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَا جَمْعَ حِينَئِذٍ) أَيْ فِي الْوَطْءِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ غَيْرِهَا) أَيْ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا الِاسْتِحْقَاقَ) أَيْ اسْتِحْقَاقَ التَّمَتُّعِ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ عَادَتْ الْأُولَى) أَيْ الَّتِي كَانَتْ وُطِئَتْ وَحُرِّمَتْ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَعْدَ وَطْئِهَا) وَظَاهِرِ كَلَامه أَنَّ الِاسْتِدْخَالَ هُنَا، أَيْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا فِيمَا تَقَدَّمَ لَيْسَ كَالْوَطْءِ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (حُرِّمَتْ الْعَائِدَةُ) أَيْ حُرِّمَ وَطْؤُهَا، وَكَذَا الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا؛ لَكِنَّ ظَاهِرَ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ وَالْعُبَابِ حُرْمَةُ الْوَطْءِ فَقَطْ ح ل، وَقَدْ عَلِمْت ضَعْفَهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ) أَيْ فِي تَحْرِيمِ الْأُخْرَى أَيْ بِوَطْءِ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مَجُوسِيَّةً) كَأَنْ تَوَلَّدَتَا بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ وَبَلَغَتَا عَاقِلَتَيْنِ وَاخْتَارَتْ إحْدَاهُمَا دِينَ الْكِتَابِيِّ مِنْ أَبَوَيْهَا وَالْأُخْرَى دِينَ الْمَجُوسِيِّ مِنْهُمَا، وَقَوْلُهُمْ إنَّ الْمُتَوَلِّدَةَ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ لَا يَحِلُّ نِكَاحُهَا مَحَلَّهُ فِي حَالِ
مَلَكَ أُمًّا وَبِنْتَهَا فَوَطِئَ إحْدَاهُمَا حُرِّمَتْ الْأُخْرَى مُؤَبَّدًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ.
وَلَوْ مَلَكَ أَمَةً ثُمَّ نَكَحَ مَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا كَأَنْ نَكَحَ أُخْتَهَا الْحُرَّةَ أَوْ عَمَّتَهَا أَوْ خَالَتَهَا أَوْ نَكَحَ امْرَأَةً ثُمَّ مَلَكَ مَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا كَأَنْ مَلَكَ أُخْتَهَا حَلَّتْ الْمَنْكُوحَةُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ دُونَ الْمَمْلُوكَةِ؛ لِأَنَّ فِرَاشَ النِّكَاحِ أَقْوَى، إذْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الطَّلَاقُ وَالظِّهَارُ وَالْإِيلَاءُ وَغَيْرُهَا بِخِلَافِ الْمِلْكِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي مُثْبِتَاتِ الْخِيَارِ بِقَوْلِهِ: (وَتُرَدُّ الْمَرْأَةُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ يَثْبُتُ لِلزَّوْجِ خِيَارُ فَسْخِ نِكَاحِهِ.
(بِخَمْسَةِ عُيُوبٍ) أَيْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، وَإِنْ أَوْهَمَتْ عِبَارَتُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهَا؛ أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: (بِالْجُنُونِ) وَإِنْ تَقَطَّعَ وَكَانَ
[حاشية البجيرمي]
صِغَرِهَا أَمَّا إذَا بَلَغَتْ وَاخْتَارَتْ دِينَ الْكِتَابِيِّ جَازَ نِكَاحُهَا.
قَوْلُهُ: (كَمَحْرَمٍ) كَبِنْتِ أُخْتِهِ مَعَ عَمَّتِهَا وَكَأُخْتِهِ لِأَبِيهِ مَعَ أُخْتِهَا لِأُمِّهَا، فَإِنَّ عَمَّتَهَا وَأُخْتَهَا لِأُمِّهَا يَحِلَّانِ لَهُ وَإِنْ كَانَ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَبِنْتِ أَخِيهَا وَبَيْنَ الْأُخْتِ لِلْأَبِ وَأُخْتِهَا لِأُمِّهَا فِي النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ حُرِّمَتْ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (الْحُرَّةَ) قَيَّدَ بِهَا لِصِحَّةِ النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَكَحَ امْرَأَةً) وَكَذَا لَوْ تَقَارَنَ الْمِلْكُ وَالنِّكَاحُ حَلَّتْ الْمَنْكُوحَةُ لِمَا ذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (دُونَ الْمَمْلُوكَةِ) أَيْ وَإِنْ وُطِئَتْ.
قَوْلُهُ: (حَلَّتْ الْمَنْكُوحَةُ إلَخْ) أَيْ مَا دَامَ النِّكَاحُ بَاقِيًا، فَإِنْ طَلَّقَ الْمَنْكُوحَةَ حَلَّتْ الْأُخْرَى.
اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (دُونَ الْمَمْلُوكَةِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَطَأْ الْمَنْكُوحَةَ.
وَقَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ حُرِّمَ جَمْعُهُمَا بِنِكَاحٍ حُرِّمَ أَيْضًا فِي الْوَطْءِ بِمِلْكٍ أَوْ مِلْكٍ وَنِكَاحٍ، يَقْتَضِي أَنَّ الْمَمْلُوكَةَ لَا تَحْرُمُ إلَّا إنْ وَطِئَ الْمَنْكُوحَةَ فَلْيُحَرَّرْ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ فِرَاشَ النِّكَاحِ أَقْوَى) أَيْ مِنْ فِرَاشِ الْمِلْكِ وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ نَفْسُهُ أَقْوَى مِنْ النِّكَاحِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا طَرَأَ عَلَى النِّكَاحِ أَبْطَلَهُ؛ وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ بِهِ الرَّقَبَةَ وَالْمَنْفَعَةَ وَالنِّكَاحُ لَا يُمْلَكُ بِهِ إلَّا ضَرْبٌ مِنْ الْمَنْفَعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرُهَا) مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ لُحُوقُ الْوَلَدِ فِيهِ بِالْإِمْكَانِ بِخِلَافِ الْمِلْكِ، وَلَا يُجَامِعُهُ الْحِلُّ لِلْغَيْرِ بِخِلَافِ مِلْكِ الْيَمِينِ ح ل.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ شَرَعَ فِي مُثْبِتَاتِ الْخِيَارِ) شُرُوعٌ فِي التَّرْجَمَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْفَصْلِ السَّابِقِ وَالْمَذْكُورُ مِنْهَا هُنَا قِسْمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْعُيُوبُ الْمَذْكُورَةُ، وَمِنْهَا خُلْفُ الشَّرْطِ وَخُلْفُ الظَّنِّ فَلَوْ شَرَطَ كَوْنَهَا بَيْضَاءَ فَبَانَتْ سَمْرَاءَ أَوْ كَوْنَهُ أَبْيَضَ فَبَانَ أَسْمَرَ وَكَوْنَ أَحَدِهِمَا جَمِيلًا فَبَانَ قَبِيحًا وَهَكَذَا، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الْخِيَارُ وَهَلْ مِثْلُهُ الْكُحْلُ وَالدَّعَجُ وَالسِّمَنُ وَغَيْرُهَا مِمَّا ذُكِرَ فِي السَّلَم أَوْ لَا.
وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تُقْصَدُ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّمَتُّعُ، وَلَا كَذَلِكَ الرَّقِيقُ لِمَا مَرَّ فِي السَّلَمِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْخِدْمَةُ وَهِيَ لَا تَخْتَلِفُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي لِمَا ذُكِرَ فِيهِ.
وَمِمَّا يُثْبِتُ الْخِيَارَ عِتْقُهَا تَحْتَ مَنْ بِهِ رِقٌّ وَالْإِعْسَارُ بِالْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْإِعْسَارُ بِالنَّفَقَةِ مُطْلَقًا، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْكِسْوَةِ وَالْمَسْكَنِ.
وَحَاصِلُ الْعُيُوبِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا أَنَّهَا عَشَرَةٌ تَفْصِيلًا سَبْعَةٌ إجْمَالًا لِعُمُومِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ، وَالْعَيْبُ إمَّا مُشْتَرَكٌ وَهُوَ الْجُنُونُ وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ، وَإِمَّا مُخْتَصٌّ بِالزَّوْجِ وَهُوَ الْجَبُّ وَالْعُنَّةُ، أَوْ بِهَا وَهُوَ الرَّتْقُ وَالْقَرَنُ.
وَاسْتُشْكِلَ تَصْوِيرُ فَسْخِهَا بِالْعَيْبِ بِأَنَّهَا إنْ عَلِمَتْ بِهِ فَلَا خِيَارَ وَإِلَّا بَطَلَ النِّكَاحُ لِانْتِفَاءِ الْكَفَاءَةِ.
وَأَجَابَ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِأَنَّ صُورَتَهُ أَنْ تَأْذَنَ فِي مُعَيَّنٍ غَيْرِ كُفْءٍ وَيُزَوِّجُهَا الْوَلِيُّ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ سَلِيمٌ، فَإِنَّ الْمَذْهَبَ صِحَّةُ النِّكَاحِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ.
اهـ. ز ي.
قَوْلُهُ: (خِيَارُ فَسْخِ نِكَاحِهِ) وَفَوَائِدُ الْفَسْخِ ثَلَاثَةٌ: الْأُولَى: أَنَّهُ لَا يُنْقِصُ عَدَدَ الطَّلَاقِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إذَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَفَسَخَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَهْرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ طَلَّقَهَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الْمَهْرِ، الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ إذَا وَطِئَهَا وَتَبَيَّنَ بِهَا عَيْبٌ وَفَسَخَ النِّكَاحَ سَقَطَ الْمُسَمَّى وَيَلْزَمُهُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَلَوْ طَلَّقَ لَزِمَهُ الْمُسَمَّى ع ش. وَقَوْلُهُ: " وَيَلْزَمُهُ مَهْرُ الْمِثْلِ " أَيْ وَيَرْجِعُ بِالزَّائِدِ إنْ كَانَ دَفَعَهُ، وَإِذَا أَرَادَ رُجُوعَهَا اُحْتِيجَ لِعَقْدٍ جَدِيدٍ وَصَحَّ رُجُوعُهَا وَلَوْ فِي الْعِدَّةِ وَلَا تَحْتَاجُ إلَى مُحَلِّلٍ.
وَزَادَ بَعْضُهُمْ رَابِعًا، وَهُوَ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا وَإِنْ فَسَخَ بِمُقَارِنٍ لِلْعَقْدِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَلَهَا السُّكْنَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي قَوْلِهِ: " خِيَارُ فَسْخِ " عَلَى مَعْنَى: " فِي ". وَخَرَجَ بِالزَّوْجِ وَلِيُّهُ وَسَيِّدُهُ فَلَا خِيَارَ لَهُمَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِمَا وَلَا عَارٍ يَلْحَقُهُمَا.
قَوْلُهُ: (بِخَمْسَةِ عُيُوبٍ) كَلَامُهُ فِي الْمُثْبِتَاتِ لِلْخِيَارِ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، وَسَكَتَ عَنْ الْمُثْبِتَاتِ لِلْخِيَارِ إذَا
قَابِلًا لِلْعِلَاجِ.
وَالْجُنُونُ زَوَالُ الشُّعُورِ مِنْ الْقَلْبِ مَعَ بَقَاءِ الْحَرَكَةِ وَالْقُوَّةِ فِي الْأَعْضَاءِ.
وَاسْتَثْنَى الْمُتَوَلِّي مِنْ الْمُتَقَطِّعِ الْخَفِيفَ الَّذِي يَطْرَأُ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ، وَأَمَّا الْإِغْمَاءُ بِالْمَرَضِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ خِيَارٌ كَسَائِرِ الْأَمْرَاضِ، وَمَحَلُّهُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ فِيمَا تَحْصُلُ مِنْهُ الْإِفَاقَةُ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ.
أَمَّا الْمَأْيُوسُ مِنْ زَوَالِهِ فَكَالْجُنُونِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي، وَكَذَا إنْ بَقِيَ الْإِغْمَاءُ بَعْدَ رَدِّ الْمَرَضِ فَيَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ كَالْجُنُونِ وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ الْخَبَلَ بِالْجُنُونِ.
وَالْإِصْرَاعُ نَوْعٌ مِنْ الْجُنُونِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ.
(و) الثَّانِي (الْجُذَامُ) وَهُوَ عِلَّةٌ يَحْمَرُّ مِنْهَا الْعُضْوُ ثُمَّ يَسْوَدُّ ثُمَّ يَتَقَطَّعُ وَيَتَنَاثَرُ.
وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي كُلِّ عُضْوٍ، لَكِنَّهُ فِي الْوَجْهِ أَغْلَبُ (و) الثَّالِثُ (الْبَرَصُ) وَهُوَ بَيَاضٌ شَدِيدٌ يُبَقِّعُ الْجِلْدَ وَيُذْهِبُ دَمَوِيَّتَهُ، هَذَا إذَا كَانَا مُسْتَحْكِمَيْنِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ أَوَائِلِ الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْجُوَيْنِيُّ، قَالَ: وَالِاسْتِحْكَامُ فِي الْجُذَامِ يَكُونُ بِالتَّقَطُّعِ، وَتَرَدَّدَ فِيهِ وَجَوَّزَ الِاكْتِفَاءَ بِاسْوِدَادِهِ.
وَحَكَمَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِاسْتِحْكَامِ الْعِلَّةِ وَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِي الْجُنُونِ الِاسْتِحْكَامَ، قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْجُنُونَ يُفْضِي إلَى الْجِنَايَةِ.
(و) الرَّابِعُ (الرَّتْقُ) وَهُوَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُثَنَّاةِ
[حاشية البجيرمي]
شُرِطَتْ فِي الْعَقْدِ وَمِنْهَا الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْبَكَارَةُ: قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَقَطَّعَ) أَيْ وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَ الْعَقْدِ وَالدُّخُولِ وَلَوْ كَانَ قَابِلًا لِلْعِلَاجِ.
قَوْلُهُ: (الْخَفِيفِ) كَيَوْمٍ فِي سَنَةٍ فَلَا خِيَارَ بِهِ ق ل. قَوْلُهُ: (بِالْمَرَضِ) لَيْسَ قَيْدًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِغْمَاءَ بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ إنْ أَيِسَ مِنْ الْإِفَاقَةِ مِنْهُ كَالْجُنُونِ، وَإِلَّا فَلَا وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَأَمَّا الْإِغْمَاءُ بِالْمَرَضِ فَلَا خِيَارَ فِيهِ كَسَائِرِ الْأَمْرَاضِ، وَمَحَلُّهُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ فِيمَا تَحْصُلُ مِنْهُ الْإِفَاقَةُ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، أَمَّا الْمَأْيُوسُ مِنْ زَوَالِهِ فَكَالْجُنُونِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي.
وَيَثْبُتُ أَيْضًا بِالْإِغْمَاءِ بِغَيْرِ الْمَرَضِ كَالْجُنُونِ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمَأْيُوسُ مِنْ زَوَالِهِ) وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْيُوسِ مِنْ زَوَالِهِ أَيْ بِأَنْ قَالَ الْأَطِبَّاءُ يَزُولُ بَعْدَ مُدَّةٍ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْخِيَارُ وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ، وَلَوْ قِيلَ بِثُبُوتِهِ حِينَئِذٍ لَمْ يَبْعُدْ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ) فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ صَحَّ الْإِلْحَاقُ مَعَ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهُ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ نَوْعًا مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَمَالُ اسْتِغْرَاقٍ.
قَوْلُهُ: (الْخَبَلَ بِالْجُنُونِ) فِي الْقَامُوسِ أَنَّ الْخَبَلَ الْجُنُونُ كَمَا فِي م ر، أَيْ نَوْعٌ مِنْهُ؛ ثُمَّ قَالَ م ر: وَلَعَلَّ الْأَوَّلَ أَيْ الْمُلْحِقَ الْخَبَلَ بِالْجُنُونِ لَمَحَ أَنَّ الْجُنُونَ فِيهِ كَمَالُ الِاسْتِغْرَاقِ بِخِلَافِ الْخَبْلِ بِسُكُونِ الْبَاءِ، فَإِنَّهُ ضَرْبٌ مِنْهُ وَهُوَ قِلَّةُ الْعَقْلِ.
قَوْلُهُ: (وَالْإِصْرَاعُ نَوْعٌ مِنْ الْجُنُونِ) فِيهِ أَنَّهُ مِنْ الْجِنِّ.
وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَالصَّرْعُ مِنْ جُنُونٍ حُكْمُهُ حُكْمُ الْجُنُونِ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الصَّرْعَ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جُنُونٍ لَا يَكُونُ عَيْبًا فَلْيُرَاجَعْ.
وَفِي الْقَامُوسِ: الصَّرْعُ عِلَّةٌ تَمْنَعُ الْأَعْضَاءَ النَّفْسِيَّةَ عَنْ أَفْعَالِهَا مَنْعًا غَيْرَ تَامٍّ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَالْجُذَامُ) هُوَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَجْرُورٌ، وَغَيَّرَهُ الشَّارِحُ إلَى الرَّفْعِ وَهُوَ مَعِيبٌ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ ق ل. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: " وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ " أَيْ وَإِنْ كَانَ مِثْلُهَا فِي ذَلِكَ، أَمَّا الْجُنُونُ فَإِنْ كَانَ مِثْلُهَا فَلَا خِيَارَ لَهُ وَلَا لِوَلِيِّهِ وَلَا لَهَا أَيْضًا؛ لَكِنْ يَبْقَى الْخِيَارُ لِوَلِيِّهَا إنْ كَانَ الْجُنُونُ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ إلَى آخَرِ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَيَتَنَاثَرُ) هُوَ عَطْفُ مُغَايِرٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَقَطَّعُ وَلَا يَنْفَصِلُ.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّهُ فِي الْوَجْهِ أَغْلَبُ) أَيْ وَالْأَطْرَافُ زي.
قَوْلُهُ: (وَالْبَرَصُ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ قَوْلُهُ وَهُوَ بَيَاضٌ شَدِيدٌ بِحَيْثُ إذَا فُرِكَ لَا يَحْمَرُّ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اسْتِحْكَامُهَا بَلْ يَكْفِي حُكْمُ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِكَوْنِهِ جُذَامًا أَوْ بَرَصًا زي وم ر؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَعَافُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحْكِمًا.
وَالِاسْتِحْكَامُ فِي الْبَرَصِ هُوَ وُصُولُهُ إلَى الْعَظْمِ بِحَيْثُ لَوْ فُرِكَ الْعَظْمُ فَرْكًا شَدِيدًا لَا يَحْمَرُّ.
قَوْلُهُ: (مُسْتَحْكِمَيْنِ) بِكَسْرِ الْكَافِ، بِمَعْنَى مُحْكَمَيْنِ، فَالسِّينُ وَالتَّاءُ زَائِدَانِ.
قَوْلُهُ: (وَتَرَدَّدَ فِيهِ) أَيْ فِي كَوْنِ الِاسْتِحْكَامِ يَكُونُ بِالتَّقَطُّعِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: " وَجَوَّزَ الِاكْتِفَاءَ بِاسْوِدَادِهِ " أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَقَطَّعْ.
وَقَوْلُهُ: وَحُكْمُ الْوَاوِ بِمَعْنَى " أَوْ " وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الِاسْتِحْكَامَ قَيْدٌ.
وَمِمَّا جُرِّبَ لِلْجُذَامِ دُهْنُ حَبِّ الْعِنَبِ وَمَرَارَةِ النَّسْرِ أَجْزَاءً مُتَسَاوِيَةً وَيُخْلَطَانِ مَعًا وَيُدْلَكُ بِهِمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ يَبْرَأُ.
وَمِمَّا جُرِّبَ لِلْبَرَصِ مَاءُ الْوَرْدِ يُطْلَى بِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَجَوَّزَ الِاكْتِفَاءَ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (بِاسْتِحْكَامِ الْعِلَّةِ) أَيْ مِنْ جُذَامٍ أَوْ بَرَصٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِي الْجُنُونِ الِاسْتِحْكَامَ)
الْفَوْقِيَّةِ انْسِدَادُ الْفَرْجُ بِاللَّحْمِ يَخْرُجُ الْبَوْلُ مِنْ ثُقْبَةٍ صَغِيرَةٍ كَإِحْلِيلِ الرَّجُلِ قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ.
(و) الْخَامِسُ (الْقَرَنُ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَذَا الرَّاءُ عَلَى الْأَرْجَحِ انْسِدَادُ الْفَرْجِ بِعَظْمٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ بِلَحْمٍ، وَعَلَيْهِ فَالرَّتْقُ وَالْقَرَنُ وَاحِدٌ فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِمَقْصُودِ النِّكَاحِ كَالْبَرَصِ وَأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْبَرَصَ لَا يَمْنَعُهُ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ يُنَفِّرُ مِنْهُ.
وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ إجْبَارُهَا عَلَى شَقِّ الْمَوْضِعِ، فَإِنْ شَقَّتْهُ وَأَمْكَنَ الْوَطْءُ فَلَا خِيَارَ وَلَا تُمَكَّنُ الْأَمَةُ مِنْ الشَّقِّ قَطْعًا إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ.
(وَيُرَدُّ الرَّجُلُ أَيْضًا) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ يَثْبُتُ لِلْمَرْأَةِ فَسْخُ نِكَاحِهَا مِنْهُ (بِخَمْسَةِ عُيُوبٍ) أَيْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا كَمَا مَرَّ
[حاشية البجيرمي]
وَاسْتِحْكَامُهُ بِأَلَّا يَقْبَلَ الْعِلَاجَ وَعَدَمُ اسْتِحْكَامِهِ أَنْ يَقْبَلَ الْعِلَاجِ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّارِحُ غَايَةً فِيمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (يُفْضِي إلَى الْجِنَايَةِ) أَيْ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (وَالرَّتْقُ وَالْقَرَنُ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ مَجْبُوبًا أَوْ عِنِّينًا عِنْدَ شَيْخِنَا خِلَافًا لِحَجَرٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَثْبُتُ لِلزَّوْجِ الْخِيَارُ بِعَيْبِ الزَّوْجَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ أَوْ حَدَثَ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ أَوْ حَدَثَ بَعْدَ الْوَطْءِ، وَلَا خِيَارَ لَهُ بِغَيْرِ مَا فِي الْمَتْنِ كَضِيقِ الْمَنْفَذِ وَالْقُرُوحِ السَّيَّالَةِ وَالْبَوْلِ عِنْدَ الْجِمَاعِ وَالْبَخَرِ وَالصُّنَانِ الْمُسْتَحْكِمِ وَالْخُنُوثَةِ الْوَاضِحَةِ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَمِثْلُ الْبَوْلِ التَّغَوُّطُ عِنْدَ الْجِمَاعِ وَالْإِنْزَالُ قَبْلَهُ وَالْبَهَقُ، وَأَمَّا الْمَرَضُ الدَّائِمُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْجِمَاعُ وَقَدْ أَيِسَ مِنْ زَوَالِهِ فَهُوَ مِنْ طُرُقِ الْعُنَّةِ وَلَيْسَ قِسْمًا مُسْتَقِلًّا خَارِجًا عَنْهَا، وَحِينَئِذٍ يُفَصَّلُ فِيهِ بَيْنَ كَوْنِهِ قَبْلَ الْوَطْءِ أَوْ بَعْدَهُ كَمَا ذَكَرَهُ ح ل وَغَيْرُهُ.
وَقَوْلُهُ: " وَأَمَّا الْمَرَضُ الدَّائِمُ " أَيْ الْقَائِمُ بِالزَّوْجِ، وَمِنْهُ مَا لَوْ حَصَلَ لَهُ كِبَرٌ فِي الْأُنْثَيَيْنِ بِحَيْثُ تُغَطِّي الذَّكَرَ بِهِمَا وَصَارَ الذَّكَرُ لَا يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الْأُنْثَيَيْنِ وَلَا يُمْكِنُهُ الْجِمَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، فَيَثْبُتُ لِزَوْجَتِهِ الْخِيَارُ إذَا لَمْ يَسْبِقْ لَهُ وَطْءٌ؛؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ مُقْتَضَى التَّشْبِيهِ بِالْعُنَّةِ وَذَلِكَ حَيْثُ أَيِسَ مِنْ زَوَالِ كِبَرِهِمَا بِقَوْلِ طَبِيبَيْنِ، بَلْ يَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدٍ عَدْلٍ.
وَلَوْ قِيلَ فِي هَذِهِ إنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْجَبِّ فَيَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ مُطْلَقًا لَكَانَ مُحْتَمَلًا؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَرَضَ يَمْنَعُ مِنْ احْتِمَالِ الْوَطْءِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ الْبُرْءُ مُمْكِنًا فِي نَفْسِهِ اُلْتُحِقَ بِالْعُنَّةِ، بِخِلَافِ الْجَبِّ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِي الْعَادَةِ عَوْدُ الذَّكَرِ أَصْلًا اهـ ع ش عَلَى م ر. وَمِمَّا جَرَّبْته لِوَرَمِ الْأُنْثَيَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ لَحْمًا أَوْ رِيحًا أَوْ الرِّيحُ الْمَعْقُودُ: تَأْخُذُ مِنْ الْحُلْبَةِ جُزْءًا وَمِنْ الزِّرْنِيخِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْبَابُونَجُ جُزْءًا ثُمَّ تَغْلِيهِمَا مَعًا، وَيَشْرَبُ الْعَلِيلُ مِنْهُ قَدْرَ فِنْجَانٍ ثُمَّ يَتَعَوَّدُ عَلَى الْبَاقِي فَإِنَّهُ جَيِّدٌ لِكُلِّ وَرَمٍ سَوَاءٌ كَانَ بَارِدًا أَوْ حَارًّا يَفْعَلُ ذَلِكَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، مُجَرَّبٌ مِرَارًا وَحَصَلَ الشِّفَاءُ بِهِ بَعْدَ مُضِيِّ ثَلَاثِينَ سَنَةٍ.
وَقَوْلُهُمْ كَضِيقِ الْمَنْفَذِ أَيْ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُفْضِيهَا كُلُّ أَحَدٍ، فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُفْضِيهَا كُلُّ أَحَدٍ فَلَهُ الْخِيَارُ كَمَا أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ إذَا كَانَ بِحَيْثُ يُفْضِي كُلُّ أَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ، كَذَا عَبَّرُوا بِالْإِفْضَاءِ، وَفِي كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ كَالرَّمْلِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا بَلْ الشَّرْطُ أَنْ يَتَعَذَّرَ دُخُولُ ذَكَرِ مَنْ بَدَنُهُ كَبَدَنِهَا نَحَافَةً وَضِدُّهَا فَرْجُهَا، زَادَ ابْنُ حَجَرٍ: سَوَاءٌ أَدَّى لِإِفْضَائِهَا أَوْ لَا، فَيُحَرَّر ذَلِكَ وَلْيَنْظُرْ مَا مَعْنَى التَّعَذُّرُ.
وَالْإِفْضَاءُ رَفْعُ مَا بَيْنَ قُبُلِهَا وَدُبُرِهَا وَقِيلَ رَفْعُ مَا بَيْنَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ وَمَخْرَجِ الْبَوْلِ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَعْرِيفِهِ وَمِنْ الْقُرُوحِ السَّيَّالَةِ الْمَرَضُ الْمُسَمَّى بِالْمُبَارَكِ وَالْمُسَمَّى بِالْحَكَّةِ فَلَا خِيَارَ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَيَخْرُجُ الْبَوْلُ مِنْ ثُقْبَةٍ) لَا حَاجَةَ لِهَذَا؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ الْبَوْلِ غَيْرُ مَدْخَلِ الذَّكَرِ، وَلَعَلَّ الشَّارِحَ عَزَاهُ لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَتِهِ ق ل. قَالَ سم: وَيُشْتَرَطُ فِي الرَّدِّ بِسَائِرِ الْعُيُوبِ الْمَذْكُورَةِ كَوْنُ الرَّادِّ جَاهِلًا بِالْعَيْبِ عِنْدَ الْعَقْدِ فَلَا رَدَّ لِلْعَالِمِ بِهِ حِينَئِذٍ إلَّا الْعُنَّةَ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْعِلْمِ بِهِ صُدِّقَ الْمُنْكِرُ بِيَمِينِهِ، أَوْ فِي أَنَّ هَذَا عَيْبٌ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ خَبِيرَيْنِ بِالطِّبِّ، وَكَوْنُ الرَّدِّ عَلَى الْفَوْرِ كَخِيَارِ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ وَلَا يُنَافِيهِ ضَرْبُ الْمُدَّةِ.
قَوْلُهُ: (كَإِحْلِيلِ الرَّجُلِ) أَيْ ذَكَرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى هَذَا الْقِيلِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِمَقْصُودِ النِّكَاحِ) مَا لَمْ يَزُلْ وَلَوْ بِفِعْلِ غَيْرِهَا، وَلَا تُجْبَرُ عَلَى إزَالَتِهِ لِتَضَرُّرِهَا.
قَوْلُهُ: (عَلَى شَقِّ الْمَوْضِعِ) أَيْ حَيْثُ كَانَتْ بَالِغَةً وَلَوْ سَفِيهَةً، أَمَّا الصَّغِيرَةُ فَيَنْبَغِي أَنَّ لِوَلِيِّهَا ذَلِكَ حَيْثُ رَأَى فِيهِ الْمَصْلَحَةَ وَلَا حَظْرَ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي قَطْعِ السِّلْعَةِ.
اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ) ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ قَدْ يُؤَدِّي إلَى نَقْصِ قِيمَتِهَا ق ل وع ش.
قَوْلُهُ: (أَيْ يَثْبُتُ لِلْمَرْأَةِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْعَيْبُ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ أَوْ حَدَثَ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ أَوْ بَعْدَ الْوَطْءِ فِي غَيْرِ الْعُنَّةِ،
وَأَشَارَ إلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: (بِالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ) عَلَى مَا مَرَّ بَيَانًا وَتَحْرِيرًا فِي كُلٍّ مِنْهَا.
(و) الرَّابِعُ (الْجَبُّ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ قَطْعُ جَمِيعِ الذَّكَرِ مَعَ بَقَاءِ الْأُنْثَيَيْنِ أَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ قَدْرُ الْحَشَفَةِ، أَمَّا إذَا بَقِيَ مِنْهُ مَا يُولِجُ قَدْرَهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا عَلَى الْأَصَحِّ، فَلَوْ تَنَازَعَا فِي إمْكَانِ الْوَطْءِ بِهِ قُبِلَ قَوْلُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَخَرَجَ بِهِ الْخَصِيُّ وَهُوَ مَنْ قُلِعَتْ أُنْثَيَاهُ وَبَقِيَ ذَكَرَهُ، فَلَا خِيَارَ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْجِمَاعِ؛ قَالَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِ الْحَاوِي: وَيُقَالُ إنَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْزِلُ فَلَا يَعْتَرِيهِ فُتُورٌ.
(و) الْخَامِسُ (الْعُنَّةُ) فِي الْمُكَلَّفِ قَبْلَ الْوَطْءِ فِي قُبُلِهَا وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ عِلَّةٌ فِي الْقَلْبِ وَالْكَبِدِ أَوْ الدِّمَاغِ أَوْ الْآلَةِ تُسْقِطُ الشَّهْوَةَ النَّاشِرَةَ لِلْآلَةِ فَتَمْنَعُ الْجِمَاعَ.
وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْمُكَلَّفِ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ، فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى الْعُنَّةِ فِي حَقِّهِمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ أَوْ بِيَمِينِهَا بَعْدَ نُكُولِهِ وَإِقْرَارِهِمَا لَغْوٌ.
وَبِقَيْدِ قَبْلَ الْوَطْءِ الْعُنَّةُ الْحَادِثَةُ
[حاشية البجيرمي]
أَمَّا هِيَ إذَا حَدَثَتْ بَعْدَهُ فَلَا خِيَارَ كَمَا يَأْتِي.
وَأَمَّا حُكْمُ وَلِيِّهَا فَسَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (وَالْجُذَامُ وَالْبَرَصُ) وَإِنْ تَمَاثَلَا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَعَافُ مِنْ غَيْرِهِ مَا لَا يَعَافُ مِنْ نَفْسِهِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بَيَانًا) أَيْ تَعْرِيفًا.
وَقَوْلُهُ: " وَتَحْرِيرًا " أَيْ مِنْ كَوْنِ الِاسْتِحْكَامِ شَرْطًا فِي الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ عَلَى طَرِيقَتِهِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي الْجُنُونِ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
وَقَوْلُهُ: " عَلَى مَا مَرَّ " خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ وَهِيَ كَائِنَةٌ عَلَى مَا مَرَّ.
وَبَيَانًا وَتَحْرِيرًا مَنْصُوبَانِ عَلَى التَّمْيِيزِ الْمُحَوَّلِ عَنْ الْمَرْفُوعِ، أَيْ مَرَّ بَيَانُهُ وَتَحْرِيرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَالرَّابِعُ الْجَبُّ) نَعَمْ لَوْ وَجَدَتْهُ مَجْبُوبًا لَكِنَّهَا رَتْقَاءُ فَفِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَنْ جَمَاعَاتٍ ثُبُوتُ الرَّدِّ لِفَوَاتِ التَّمَتُّعِ الْمَقْصُودِ مِنْ النِّكَاحِ، وَعَنْ الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ حَكَى طَرِيقًا آخَرَ أَنَّهُ لَا فَسْخَ قَطْعًا؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ فُسِخَتْ لَمْ تَصِلْ إلَى الْوَطْءِ سم.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ قَدْرُ الْحَشَفَةِ) أَيْ حَشَفَةُ ذَكَرِهِ، وَلَوْ حَدَثَ بِهِ جَبٌّ فَرَضِيَتْ بِهِ فَحَدَثَ بِهَا رَتْقٌ أَوْ قَرَنٌ ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ لِقِيَامِ الْمَانِعِ بِهِ رَمْلِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: " لِفَوَاتِ التَّمَتُّعِ " الْمَقْصُودِ أَخْرَجَ التَّمَتُّعَ بِنَحْوِ لَمْسٍ وَنَظَرٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مَقْصُودَيْنِ مِنْ النِّكَاحِ لِذَاتِهِمَا، فَلَوْ بَقِيَ مِنْهُ قَدْرُ الْحَشَفَةِ وَلَكِنْ عَجَزَ بِهِ عَنْ الْوَطْءِ، فَهُوَ مِثْلُ الْعُنَّةِ فَتُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ وَتُعْتَبَرُ حَشَفَتُهُ بِأَقْرَانِهِ فِي غَيْرِ مَقْطُوعِهَا وَيُعْتَبَرُ فِيهِ حَشَفَتُهُ وَإِنْ جَاوَزَتْ الْعَادَةَ فِي الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ، وَيُصَدَّقُ هُوَ فِي بَقَاءِ قَدْرِهَا لَوْ أَنْكَرَتْهُ.
وَقَوْلُهُ: " حَشَفَةُ ذَكَرِهِ " أَيْ كَبُرَتْ أَوْ صَغُرَتْ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْبَاقِي مِنْ ذَكَرِهِ قَدْرُ حَشَفَةٍ مُعْتَدِلَةٍ أَوْ أَكْثَرُ لَكِنْ دُونَ حَشَفَتِهِ أَوْ صَغُرَتْ حَشَفَتُهُ جِدًّا وَكَانَ الْبَاقِي قَدْرَهَا دُونَ الْمُعْتَدِلَةِ فَلَا خِيَارَ، وَبَقِيَ مَا لَوْ ثَنَى ذَكَرَهُ مَعَ انْتِشَارِهِ وَأَدْخَلَ مِنْهُ قَدْرَ الْحَشَفَةِ فَهَلْ يَكْفِي ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِقَدْرِهَا مَعَ وُجُودِهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي اهـ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (قَدْرُهَا) بِرَفْعِ قَدْرِ بَدَلًا مِنْ مَا الْوَاقِعُ فَاعِلًا لِقَوْلِهِ: " بَقِيَ " أَيْ إنْ بَقِيَ قَدْرٌ يُولَجُ وَأَمْكَنَ وَطْؤُهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي إمْكَانِ الْوَطْءِ بِهِ) أَيْ فِيمَا يُولَجُ قَدْرُهَا.
قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِهِ) أَيْ بِالْمَجْبُوبِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْجَبِّ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَخَرَجَ بِهِ أَيْ الْجَبُّ الْخِصَاءُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا خِيَارَ بِهِ) أَيْ بِالْخِصَاءِ الْمَفْهُومِ مِنْ الْخَصِيِّ.
قَوْلُهُ: (الْعُنَّةُ) أَيْ الْعَجْزُ عَنْ الْوَطْءِ وَلَوْ بِالنِّسْبَةِ لَهَا مُطْلَقًا، أَوْ لِكَوْنِهَا بِكْرًا دُونَ غَيْرِهَا وَإِنْ حَصَلَ بِمَرَضٍ يَدُومُ سم.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ) الْأَوْلَى: " وَهِيَ " إلَّا أَنْ تُؤَوَّلَ الْعُنَّةُ بِالْمَرَضِ أَوْ بِكَوْنِهَا خَامِسَ الْعُيُوبِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورَ مِنْ دَعْوَى الْعُنَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِقْرَارُهُمَا لَغْوٌ) أَيْ وَالدَّعْوَى عَلَيْهِمَا غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ، فَلَيْسَ هُنَاكَ يَمِينٌ مَرْدُودَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَبِقَيْدِ قَبْلَ الْوَطْءِ الْعُنَّةُ الْحَادِثَةُ بَعْدَهُ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: أَمَّا بَعْدَ الْوَطْءِ فَلَا خِيَارَ لَهَا بِالْعُنَّةِ؛ لِأَنَّهَا مَعَ رَجَاءِ زَوَالِهَا عَرَفَتْ قُدْرَتَهُ عَلَى الْوَطْءِ وَوَصَلَتْ إلَى حَقِّهَا مِنْهُ بِخِلَافِ الْجَبِّ اهـ. وَقَوْلُهُ: عَرَفَتْ قُدْرَتَهُ عَلَى الْوَطْءِ وَوَصَلَتْ إلَخْ ". إنْ قُلْت هَذَا التَّعْلِيلَ يَأْتِي فِي الْمَجْبُوبِ إذَا كَانَ الْجَبُّ بَعْدَ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ عَرَفَتْ قُدْرَتَهُ عَلَى الْوَطْءِ وَوَصَلَتْ إلَى حَقِّهَا، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ فِي الْمَجْبُوبِ إلَّا إذَا جَبَّ قَبْلَ الْوَطْءِ مَعَ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ مُطْلَقًا.
فَالْجَوَابُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ مَعَ رَجَاءِ زَوَالِهَا أَيْ الْعُنَّةِ فِي الْعِنِّينِ، بِخِلَافِ الْمَجْبُوبِ فَلَا يَرْجُو زَوَالَ عِلَّتِهِ؛ أَفَادَهُ شَيْخُنَا: وَقَوْلُهُ: " قَبْلَ الْوَطْءِ " بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي التَّحْلِيلِ، فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَلَا يَزُولُ حُكْمُ
بَعْدَهُ وَلَوْ مَرَّةً، بِخِلَافِ حُدُوثِ الْجَبِّ بَعْدَ الْوَطْءِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِهِ خِيَارُ الْفَسْخِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ.
وَفَرَّقَ بِتَوَقُّعِ زَوَالِ الْعُنَّةِ بِحُصُولِ الشِّفَاءِ وَعَوْدِ الدَّاعِيَةِ لِلِاسْتِمْتَاعِ فَهِيَ مُتَرَجِّيَةٌ لِحُصُولِ مَا يُعِفُّهَا بِخِلَافِ الْجَبِّ لِيَأْسِهَا مِنْ تَوَقُّعِ حُصُولِ مَا يُعِفُّهَا.
تَنْبِيهٌ: ثُبُوتُ الْخِيَارِ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ قَالَ بِهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَجَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ؛ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَعَوَّلَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ.
وَفِي الصَّحِيحِ: «فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ» . قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: وَأَمَّا الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ فَإِنَّهُ أَيْ كُلًّا مِنْهُمَا يُعْدِي الزَّوْجَ وَيُعْدِي الْوَلَدَ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْجُذَامُ وَالْبَرَصُ مِمَّا يَزْعُمُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالطِّبِّ وَالتَّجَارِبِ أَنَّهُ يُعْدِي كَثِيرًا، وَهُوَ مَانِعٌ لِلْجِمَاعِ لَا تَكَادُ النَّفْسُ أَنْ تَطِيبَ أَنْ تُجَامِعَ مَنْ هُوَ بِهِ، وَالْوَلَدُ قَلَّمَا يَسْلَمُ مِنْهُ وَإِنْ سَلِمَ أَدْرَكَ نَسْلَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّهُ يُعْدِي وَقَدْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ: «لَا عَدْوَى» ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنْ يُعْدِيَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِنَفْسِهِ، وَالْحَدِيثُ وَرَدَ رَدًّا لِمَا يَعْتَقِدُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ نِسْبَةِ الْفِعْلِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَوْ حَدَثَ بِالزَّوْجِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَيْبٌ كَأَنْ جَبَّ ذَكَرُهُ وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ وَلَوْ بِفِعْلِهَا ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ، بِخِلَافِ حُدُوثِ الْعُنَّةِ بَعْدَ الدُّخُولِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ وَإِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْجَبِّ وَالْعُنَّةِ.
وَلَوْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ تَخَيَّرَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ
[حاشية البجيرمي]
الْعُنَّةِ إلَّا بِالِافْتِضَاضِ بِآلَتِهِ.
اهـ. س ل ق ل.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ حُدُوثِ الْجَبِّ) فَيَتَخَيَّرُ بِهِ، وَمِثْلُهُ حُدُوثُ الرَّتْقِ فِيهَا وَالْقَرَنِ بَعْدَ الْوَطْءِ فَيَتَخَيَّرُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَصَحَّ ذَلِكَ) أَيْ مَجِيءُ الْآثَارِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ) أَيْ الثُّبُوتُ الْمَذْكُورُ.
قَوْلُهُ: (وَعَوَّلَ عَلَيْهِ) أَيْ اعْتَمَدَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ ذَلِكَ ثَابِتٌ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ عُمَرَ وَالشَّافِعِيُّ مُجْتَهِدٌ وَالْمُجْتَهِدُ لَا يُقَلِّدُ مِثْلَهُ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ عَدَمَ التَّقْلِيدِ فِيمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الرَّأْيِ لَا مَا كَانَ عَنْ تَوْقِيفٍ أَيْ سَمَاعٍ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ نَحْوِهِ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ لِيَشْرَحَ بِهِ مُسْتَنَدَ التَّوْقِيفِ وَذَكَرَ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ لِيُظْهِرَ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَعْقُولِ الْمَعْنَى لَا مِنْ التَّعَبُّدِيِّ وَإِنْ كَانَ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَفِي الصَّحِيحِ) أَيْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: «فِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ» الْحَدِيثَ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمَجْذُومِ وَفْدِ ثَقِيفٍ: ارْجِعْ فَقَدْ بَايَعْنَاك» وَفِي الْمَرْفُوعِ: «لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إلَى الْمَجْذُومِينَ» . وَجَاءَ: «كَلِّمْ الْمَجْذُومَ وَبَيْنَك وَبَيْنَهُ قَدْرُ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ» وَهَذَا مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ» ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا أَرَادُوا فِعْلَ شَيْءٍ كَسَفَرِ مَثَلًا يُطَيِّرُونَ الطَّيْرَ، فَإِنْ طَارَ عَلَى الْيَمِينِ يَتَفَاءَلُونَ بِهِ، وَإِنْ طَارَ عَلَى الشِّمَالِ يَتَشَاءَمُونَ بِهِ.
وَبِمَا جَاءَ فِي أَحَادِيثَ «بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ مَعَ الْمَجْذُومِ طَعَامًا وَأَخَذَ بِيَدِهِ وَجَعَلَهَا مَعَهُ فِي الْقَصْعَةِ وَقَالَ: كُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثِقَةً بِاَللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ» . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِاجْتِنَابِ الْمَجْذُومِ إرْشَادِيٌّ وَمُوَاكَلَتِهِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَجَوَازُ الْمُخَالَطَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ قَوِيَ إيمَانُهُ وَعَدَمُ جَوَازِهَا عَلَى مَنْ ضَعُفَ إيمَانُهُ؛ وَمِنْ ثَمَّ بَاشَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصُّورَتَيْنِ لِيُقْتَدَى بِهِ فَيَأْخُذَ الْقَوِيُّ الْإِيمَانِ بِطَرِيقِ التَّوَكُّلِ وَالضَّعِيفُ الْإِيمَانِ بِطَرِيقِ الْحِفْظِ وَالِاحْتِيَاطِ كَمَا ذَكَرَهُ ح ل فِي سِيرَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّجَارِبِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ جَمْعُ تَجْرِبَةٍ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ جَرَّبْت الشَّيْءَ تَجْرِيبًا اخْتَبَرْته مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَالِاسْمُ التَّجْرِبَةُ وَالْجَمْعُ التَّجَارِبُ مِثْلُ الْمَسَاجِدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَدَثَ بِالزَّوْجِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَيْبٌ) هَذَا تَقَدَّمَ، وَأَتَى بِهِ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (عَيْبٌ) أَيْ مِنْ الْخَمْسَةِ.
وَقَوْلُهُ: " وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ " غَايَةٌ فِيمَا عَدَا الْعُنَّةِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَعْمِيمٌ فِي الْحُدُوثِ لَا فِي التَّخْيِيرِ وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ مُسَلَّمًا، فَكَانَ الْأَنْسَبُ لِلشَّارِحِ تَقْدِيمَهُ عَلَى قَوْلِهِ تَخَيَّرَ.
قَوْلُهُ: (بِمُقَارِنِ جَبٍّ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، أَيْ بِجَبٍّ مُقَارِنٍ وَعُنَّةٍ مُقَارِنَةٍ لِلْعَقْدِ، فَإِذَا زَوَّجَهَا فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَجْبُوبٌ أَوْ عِنِّينٌ حَالَةَ الْعَقْدِ فَلَا خِيَارَ لِلْوَلِيِّ بَلْ الْخِيَارُ لَهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا فِي ذَلِكَ وَلَا حَقَّ لِلْوَلِيِّ فِيهِ؛ قَالَ الْعَلَّامَةُ الزِّيَادِيُّ: وَاسْتُشْكِلَ تَصْوِيرُ مُقَارَنَةِ الْعُنَّةِ لِلْعَقْدِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا بَعْدَهُ.
وَأُجِيبَ
وَبَعْدَهُ كَمَا لَوْ حَدَثَ بِهِ، وَلَا خِيَارَ لِوَلِيٍّ بِحَادِثٍ وَكَذَا بِمُقَارِنِ جَبٍّ وَعُنَّةٍ لِلْعَقْدِ، وَيَتَخَيَّرُ بِمُقَارِنِ جُنُونِ الزَّوْجِ وَإِنْ رَضِيَتْ الزَّوْجَةُ بِهِ، وَكَذَا بِمُقَارِنِ جُذَامٍ وَبَرَصٍ فِي الْأَصَحِّ لِلْعَارِ.
وَالْخِيَارُ فِي الْفَسْخِ بِهَذِهِ الْعُيُوبِ إذَا ثَبَتَتْ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّهُ خِيَارُ عَيْبٍ، فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَيُشْتَرَطُ فِي الْفَسْخِ بِعَيْبِ الْعُنَّةِ، وَكَذَا بَاقِي الْعُيُوبِ رَفْعٌ إلَى حَاكِمٍ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَأَشْبَهَ الْفَسْخَ بِالْإِعْسَارِ.
وَتَثْبُتُ الْعُنَّةُ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ عَلَى إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَطْلَعَ لِلشُّهُودِ عَلَيْهَا، وَتَثْبُتُ أَيْضًا بِيَمِينِهَا بَعْدَ نُكُولِهِ، وَإِذَا ثَبَتَتْ ضَرَبَ الْقَاضِي لَهُ سَنَةً كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِطَلَبِ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، فَإِذَا تَمَّتْ رَفَعَتْهُ إلَى الْقَاضِي، فَإِنْ قَالَ: وَطِئْتُ حَلَفَ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ وَاسْتَقَلَّتْ بِالْفَسْخِ كَمَا يَسْتَقِلُّ بِالْفَسْخِ
[حاشية البجيرمي]
بِإِمْكَانِ تَصْوِيرِهَا بِمَا إذَا تَزَوَّجَهَا وَعَنَّ عَنْهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَأَرَادَ تَجْدِيدَ نِكَاحِهَا.
قَوْلُهُ: (وَيَتَخَيَّرُ) أَيْ الْوَلِيُّ بَعْدَ الْعَقْدِ وَلَوْ سَيِّدًا فِي أَمَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ رَضِيَتْ الزَّوْجَةُ بِهِ) أَيْ بَعْدَ الْعَقْدِ أَمَّا لَوْ رَضِيَتْ بِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ وَهِيَ غَيْرُ مُجْبَرَةٍ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْخِيَارُ حَرَّرَهُ ح ل. وَفِي ع ش عَلَى م ر: وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ بَالِغَةً رَشِيدَةً كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَإِنْ رَضِيَتْ؛ لِأَنَّ رِضَا غَيْرِهَا لَا أَثَرَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْخِيَارُ إلَخْ) وَكَذَا الرَّفْعُ لِلْقَاضِي عِنْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا فَوْرِيٌّ أَيْضًا كَمَا فِي م ر. قَوْلُهُ: (إذَا ثَبَتَتْ) أَيْ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مُشَاهَدَتِهَا فِي غَيْرِ الْعُنَّةِ أَوْ الْإِقْرَارِ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعُنَّةِ أَوْ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ الْإِقْرَارِ لَا بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مُشَاهَدَتِهَا، إذْ لَا يُشَاهَدُ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْعُيُوبِ فَإِنَّهَا تُشَاهَدُ فَتُقَامُ الْبَيِّنَةُ عَلَى مُشَاهَدَتِهَا.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (رَفْعٌ إلَى حَاكِمٍ) أَيْ وَإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ثُبُوتِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْعُيُوبِ، وَمِثْلُ الْقَاضِي الْمُحَكِّمُ بِشَرْطِهِ حَيْثُ نَفَّذَ حُكْمَهُ بِأَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا عِنْدَ فَقْدِ الْقَاضِي وَلَوْ قَاضِيًا ضَرُورَةً كَمَا فِي شَرْحِ م ر وع ش عَلَيْهِ.
قَالَ الزِّيَادِيُّ: وَقَدْ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهَا بِالْعُنَّةِ أَيْ الْمُقَارِنَةِ لِلْعَقْدِ، وَالزَّوْجُ مُكَلَّفٌ، بِأَنْ نَكَحَ حُرٌّ أَمَةً بِشَرْطِهِ لِلُزُومِ الدَّوْر، إذْ سَمَاعُهَا يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ النِّكَاحِ وَبُطْلَانُهُ يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانُ دَعْوَاهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ) بِفَتْحِ الْهَاءِ أَيْ صَادِرٌ مِنْ مُجْتَهِدٍ.
قَوْلُهُ: (بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ) أَيْ عِنْدَ الْحَاكِمِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ الْفَسْخُ لِلْعُيُوبِ.
وَقَوْلُهُ: " لَا مَطْلَعَ " بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ الطَّاءِ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أَيْ لَا اطِّلَاعَ، فَسَاوَى تَعْبِيرَ غَيْرِهِ بِلَا اطِّلَاعٍ؛ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لَا بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَطْلَعَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (بِيَمِينِهَا) أَيْ اعْتِمَادًا عَلَى قَرِينَةٍ.
قَوْلُهُ: (ضَرَبَ الْقَاضِي إلَخْ) وَلَوْ غَيْرُ الَّذِي أَثْبَتَ عُنَّتُهُ.
وَفِي ع ش عَلَى م ر مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ ضَرَبَ الْقَاضِي لَهُ سَنَةً هَلْ وَلَوْ أَخْبَرَهُ مَعْصُومٌ بِأَنَّهُ عَجْزٌ خُلُقِيٌّ تَوَقَّفَ سم، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ضَرْبِ السَّنَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَنَاطَ الْحُكْمَ بِهَا لَكِنَّ الْمَعْصُومَ وَاجِبُ التَّصْدِيقِ، فَالْأَقْرَبُ عَدَمُ ضَرْبِ السَّنَةِ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ أَخْبَرَهُ مَعْصُومٌ بِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْهُ نَاقِضٌ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْأَخْذِ بِخَبَرِهِ؛ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (سَنَةً) سَوَاءٌ الْحُرُّ وَالرَّقِيقُ وَابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِ ضَرْبِ الْحَاكِمِ ق ل. وَعِبَارَةُ م ر فِي شَرْحِهِ: وَابْتِدَاؤُهَا مِنْ وَقْتِ الضَّرْبِ لَا الثُّبُوتِ بِخِلَافِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ فَإِنَّهَا مِنْ وَقْتِ الْحَلِفِ لِلنَّصِّ، وَتُعْتَبَرُ السَّنَةُ بِالْأَهِلَّةِ كَمَا فِي م ر.
قَوْلُهُ: (كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَتَابَعَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ، وَقَالُوا: تَعَذُّرُ الْجِمَاعِ قَدْ يَكُونُ لِعَارِضِ حَرَارَةٍ فَتَزُولُ فِي الشِّتَاءِ أَوْ بُرُودَةٍ فَتَزُولُ فِي الصَّيْفِ أَوْ يُبُوسَةٍ فَتَزُولُ فِي الرَّبِيعِ أَوْ رُطُوبَةٍ فَتَزُولُ فِي الْخَرِيفِ فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ وَلَمْ يَطَأْ عَلِمْنَا أَنَّهُ عَجْزٌ خُلُقِيٌّ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ: " قَدْ يَكُونُ لِعَارِضِ حَرَارَةٍ " فِيهِ اكْتِفَاءٌ بِإِحْدَى صِفَتَيْ كُلِّ فَصْلٍ عَنْ الثَّانِيَةِ فِيهِ، إذْ فِي الصَّيْفِ مَعَ الْحَرَارَةِ الْيُبُوسَةُ وَفِي الشِّتَاءِ مَعَ الْبُرُودَةِ الرُّطُوبَةُ وَفِي الرَّبِيعِ مَعَ الرُّطُوبَةِ الْحَرَارَةُ وَفِي الْخَرِيفِ مَعَ الْبُرُودَةِ الْيُبُوسَةُ.
وَاقْتِصَارُهُمْ عَلَى الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لِمُضَادَّتِهَا لِبَعْضِهَا فَالْيُبُوسَةُ فِي الصَّيْفِ وَالرُّطُوبَةُ فِي الشِّتَاءِ ضِدَّانِ وَالْحَرَارَةُ فِي الرَّبِيعِ وَالْبُرُودَةُ فِي الْخَرِيفِ ضِدَّانِ وَإِنْ كَانَ لِشُهْرَتِهَا، فَالْحَرَارَةُ فِي الرَّبِيعِ وَالْبُرُودَةُ فِي الْخَرِيفِ أَشْهَرُ، فَلَوْ ذَكَرُوا فِي كُلِّ فَصْلٍ صِفَتَهُ لَكَانَ أَوْلَى وَأَشْهَرُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِطَلَبِ الزَّوْجَةِ) فَلَوْ سَكَتَتْ لِجَهْلٍ أَوْ دَهْشَةٍ فَلَا بَأْسَ بِتَنْبِيهِهَا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَقَضِيَّتُهُ عَدَمُ وُجُوبِ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِتَقْصِيرِهَا بِعَدَمِ الْبَحْثِ كَمَا قَالَهُ ع ش عَلَى م ر. وَيَكْفِي فِي طَلَبِهَا قَوْلُهَا إنِّي طَالِبَةٌ حَقِّي مِنْ ضَرْبِ الْمُدَّةِ وَالتَّخْيِيرُ عَلَى مُوجَبِ الشَّرْعِ أَيْ مَا أَوْجَبَهُ الشَّارِعُ.
قَوْلُهُ: (رَفَعَتْهُ إلَى الْقَاضِي) أَيْ فَوْرًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَإِنْ ادَّعَتْ جَهْلَ الْفَوْرِيَّةِ عُذِرَتْ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى اهـ. ح ل. وَعِبَارَةُ ق ل: وَالْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ أَيْ لِمَنْ عَلِمَ بِهِ وَبِفَوْرِيَّتِهِ وَيُعْذَرُ مِنْ جَهِلَهُمَا
مَنْ وَجَدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبًا.
خَاتِمَةٌ: حَيْثُ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الْإِصَابَةِ كَانَ الْمُصَدَّقُ نَافِيهَا أَخْذًا بِالْأَصْلِ إلَّا فِي مَسَائِلَ: الْأُولَى: الْعِنِّينُ كَمَا مَرَّ.
الثَّانِيَةُ: الْمَوْلَى وَهُوَ كَالْعِنِّينِ فِي أَكْثَرِ مَا ذُكِرَ الثَّالِثَةُ: إذَا ادَّعَتْ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا أَنَّ الْمُحَلِّلَ وَطِئَهَا وَفَارَقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَأَنْكَرَ الْمُحَلِّلُ الْوَطْءَ، فَتُصَدَّقُ بِيَمِينِهَا لِحَلِّهَا لِلْأَوَّلِ.
الرَّابِعَةُ: إذَا عُلِّقَ طَلَاقُهَا بِعَدَمِ الْوَطْءِ فَادَّعَاهُ وَأَنْكَرَتْهُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ.
وَذَكَرْتُ صُوَرًا أُخْرَى فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ مَنْ أَرَادَهَا فَلْيُرَاجِعْهُ.
[حاشية البجيرمي]
وَأَمْكَنَ وَلَوْ مُخَالِطًا لَنَا اهـ. وَعِبَارَةُ م ر: وَيُقْبَلُ دَعْوَاهُ الْجَهْلَ بِأَصْلِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ أَوْ بِفَوْرِيَّتِهِ إنْ أَمْكَنَ أَنْ لَا يَكُونَ مُخَالِطًا لِلْعُلَمَاءِ وَالْمُرَادُ بِالْعُلَمَاءِ هُنَا مَنْ يَعْرِفُ هَذَا الْحُكْمَ وَإِنْ جَهِلَ غَيْرَهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَالَ وُطِئَتْ) أَيْ وَهِيَ ثَيِّبٌ كَمَا فِي مَتْنِ الْمَنْهَجِ أَوْ بِكْرٌ غَوْرَاءُ كَمَا قَالَهُ ح ل، وَمَا قَالَهُ ح ل ضَعِيفٌ تَبِعَ فِيهِ زي.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ بِكْرًا وَلَوْ غَوْرَاءَ شَهِدَ بِبَكَارَتِهَا أَرْبَعُ نِسْوَةٍ تَحْلِفُ أَنَّهُ لَمْ يَطَأْ دُونَهُ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ م ر فِي شَرْحِهِ آخِرًا، وَضَرَبَ عَلَى غَيْرِ غَوْرَاءَ فِي نُسْخَتِهِ وَالْغَوْرَاءُ هِيَ بَعِيدَةُ الْبَكَارَةِ.
قَوْلُهُ: (وَاسْتَقَلَّتْ بِالْفَسْخِ) لَكِنْ بَعْدَ قَوْلِ الْقَاضِي ثَبَتَتْ عُنَّتُهُ عِنْدِي أَوْ ثَبَتَ حَقُّ الْفَسْخِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْقَاضِي فَلَهَا الْفَسْخُ وَحَيْثُ وَقَعَ الْفَسْخُ فَإِنْ كَانَ بِحَادِثٍ بَعْدَ الْوَطْءِ وَجَبَ الْمُسَمَّى وَإِلَّا فَمَهْرُ الْمِثْلِ ق ل. وَقَوْلُهُ " ثَبَتَتْ عُنَّتُهُ " وَلَا يُشْتَرَطُ قَوْلُ الْقَاضِي حَكَمْتُ بِالْفَسْخِ كَمَا فِي زي، وَعِبَارَتُهُ: وَبَحَثَ السُّبْكِيُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حَكَمْتُ؛ لِأَنَّ الثُّبُوتَ بِغَيْرِ حُكْمٍ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى تَحَقُّقِ السَّبَبِ وَقَدْ وُجِدَ.
فَرْعٌ: لَا نَفَقَةَ لِلْمَفْسُوخِ نِكَاحُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الْعِدَّةِ إنْ كَانَتْ حَائِلًا أَوْ حَامِلًا لِانْقِطَاعِ أَثَرِ النِّكَاحِ، وَلَهَا السُّكْنَى؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ عَنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ تَحْصِينًا لِلْمَاءِ.
اهـ. س ل.
قَوْلُهُ: (إلَّا فِي مَسَائِلَ) ذَكَرَ الشَّارِحُ مِنْهَا أَرْبَعَةً.
قَوْلُهُ: (فِي أَكْثَرِ مَا ذُكِرَ) أَيْ فِي أَكْثَرِ صُوَرِ اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي الْإِصَابَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْكَرَ الْمُحَلِّلُ الْوَطْءَ) أَيْ وَالْفَرْضُ أَنَّهُمَا مُتَّفِقَانِ عَلَى حُصُولِ الطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ: (لِحِلِّهَا لِلْأَوَّلِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا لَا بِالنِّسْبَةِ لِغُرْمِ الْمَهْرِ بِتَمَامِهِ، بَلْ لَا يَغْرَمُ الْمُحَلِّلُ إلَّا نِصْفَ الْمَهْرِ عَمَلًا بِإِنْكَارِهِ الْوَطْءَ فَهُوَ الْمُصَدَّقُ.
قَوْلُهُ: (الرَّابِعَةُ إذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا) كَقَوْلِهِ إنْ لَمْ أَطَأْك فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَقَوْلُهُ: " فَادَّعَاهُ " أَيْ الْوَطْءَ لِأَجْلِ عَدَمِ الْوُقُوعِ.
وَلَوْ شُرِطَتْ بَكَارَتُهَا فَوُجِدَتْ ثَيِّبًا فَقَالَتْ افْتَضَّنِي وَأَنْكَرَ صُدِّقَتْ لِدَفْعِ الْفَسْخِ وَهُوَ لِدَفْعِ كَمَالِ الْمَهْرِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ فَقَالَتْ أَنَا طَاهِرٌ وَلَمْ تَطَأْ فِي هَذَا الطُّهْرِ فَيَقَعُ حَالًا، وَقَالَ أَنَا وَطِئْتُ فِيهِ فَلَا يَقَعُ حَالًا، صُدِّقَ هُوَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْعِصْمَةِ.
وَنَظِيرُهُ مَا أَفْتَى بِهِ الْقَاضِي فِيمَا إذَا لَمْ أُنْفِقْ عَلَيْك الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَادَّعَى الْإِنْفَاقَ فَيُصَدَّقُ لِدَفْعِ الطَّلَاقِ وَهِيَ لِبَقَاءِ النَّفَقَةِ، عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِيهِمَا اهـ أج.
وَنَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
الْقَوْلُ قَوْلُ وَاطِئٍ فِي سِتَّةٍ ... مَضْبُوطَةٍ بِالْحِفْظِ عِنْدَ الثِّقَةِ
الْحِلْفُ فِي التَّحْلِيلِ وَالثُّيُوبَةِ ... وَالْوَطْءِ مَعَ فَرْعٍ أَتَى وَعُنَّةِ
وَمِثْلُ ذَا الْإِيلَاءُ وَالتَّعْلِيقُ ... بِطَلْقَةٍ لِسُنَّةٍ تَحْقِيقُ
وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ أَيْضًا فَقَالَ:
إذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي وَطْئِهِ لَهَا ... فَمَنْ مِنْهُمَا يَنْفِيهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ
سِوَى صُوَرٍ سِتٍّ فَمُثْبِتُهُ هُوَ ال ... مُصَدَّقُ فَاحْفَظْ مَا تَبَيَّنَ نَقْلُهُ
إذَا اخْتَلَفَا فِي الْوَطْءِ قَبْلَ طَلَاقِهَا ... وَجَاءَ لَهُ مِنْهَا عَلَى الْفُرُشِ نَجْلُهُ
فَأَنْكَرَهُ فَالْقَوْلُ فِي ذَاكَ قَوْلُهَا ... وَيَلْزَمُهُ شَرْعًا لَهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ
فَصْلٌ: فِي الصَّدَاقِ
[حاشية البجيرمي]
كَذَلِكَ عِنِّينٌ يَقُولُ وَطِئْتهَا ... زَمَانَ امْتِهَالٍ حَيْثُ يُمْكِنُ فِعْلُهُ
كَذَلِكَ مُولٍ قَالَ إنِّي وَطِئْتهَا ... وَفِئْت فَلَا تَطْلِيقَ يُلْفِي وَمِثْلُهُ
إذَا طَاهِرٌ كَانَتْ وَقَالَ لِسُنَّةٍ ... سَمْتٍ أَنْتِ فِيهَا طَالِقٌ صَحَّ عَقْلُهُ
فَقَالَ بِهَذَا الطُّهْرِ إنِّي وَطِئْتهَا ... وَمَا طَلَّقْت لَمْ يَنْقَطِعْ مِنْهُ حَبْلُهُ
وَمَنْ طَلُقَتْ مِنْهُ ثَلَاثًا وَزُوِّجَتْ ... بِغَيْرٍ وَفِيهَا قَالَ مَا غَابَ قَبْلُهُ
فَقَالَتْ بَلَى قَدْ غَابَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا ... وَأَدْرَكَ ذَاكَ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ حَلُّهُ
وَإِنْ زُوِّجَتْ عُرْسٌ بِشَرْطِ بَكَارَةِ ... فَقَالَتْ لَنَا إنَّ الثُّيُوبَةَ فِعْلُهُ
وَأَنْكَرَهُ فَالْقَوْلُ فِي ذَاكَ قَوْلُهَا ... وَلَيْسَ لَهُ مِنْهَا خِيَارٌ يُنِيلُهُ
وَاسْتُثْنِيَ أَيْضًا مَا لَوْ أَعَسْرَ بِالْمَهْرِ حَتَّى يَمْتَنِعَ فَسْخُهَا بِهِ شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ فِي ذَاكَ قَوْلُهَا لِتَرْجِيحِ جَانِبِهَا بِالْوَلَدِ، فَإِنْ نَفَاهُ عَنْهُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ لِانْتِفَاءِ الْمُرَجَّحِ، وَكَذَا يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ مُؤَاخَذَةً لَهَا بِقَوْلِهَا وُطِئَتْ وَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا سُكْنَى عَمَلًا بِإِنْكَارِهِ الْوَطْءَ؛ شَرْحُ الرَّوْضِ.
وَقَوْلُهُ بَعْدَ سَمْتٍ أَنْتِ فِيهَا، أَيْ إذَا قَالَ لِطَاهِرٍ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ فَقَالَ وَطِئْتُ فِي هَذَا الطُّهْرِ فَلَا طَلَاقَ حَالًا لِكَوْنِهَا بِدْعِيًّا وَقَالَتْ لَمْ تَطَأْ فَيَقَعُ حَالًا صُدِّقَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْعِصْمَةِ.
وَقَوْلُهُ سَمْتٍ أَتَى بِهِ لِأَجْلِ النَّظْمِ.
وَقَوْلُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا أَيْ لِحِلِّهَا لِلْأَوَّلِ لَا لِتَقْرِيرِ مَهْرِهَا، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ بِالنِّسْبَةِ لِدَفْعِ كَمَالِ الْمَهْرِ بَلْ عَلَيْهِ النِّصْفُ فَقَطْ.
وَقَوْلُهُ بَعْدُ فِي ذَاكَ قَوْلُهَا أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِدَفْعِ الْفَسْخِ وَهُوَ لِدَفْعِ كَمَالِ الْمَهْرِ.
فَرْعٌ: سُئِلَ الْعَلَّامَةُ الزِّيَادِيُّ عَنْ شَخْصٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يُسَافِرُ إلَّا بِإِذْنٍ مَنْ أَبِي زَوْجَتِهِ مَثَلًا وَسَافَرَ ثُمَّ ادَّعَى عَلَيْهِ أَبُو الزَّوْجَةِ أَنَّهُ سَافَرَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَالَ إنَّمَا سَافَرْت بِإِذْنِك فَمَنْ يُصَدَّقُ مِنْهُمَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ بِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْعِصْمَةَ بِيَدِهِ فَلَا تُزَالُ إلَّا بِيَقِينٍ.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.
[فَصْلٌ فِي الصَّدَاقِ]
بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا مَأْخُوذٌ مِنْ الصِّدْقِ لِإِشْعَارِهِ بِصِدْقِ رَغْبَةِ الزَّوْجِ فِي الزَّوْجَةِ وَقِيلَ مُشْتَقٌّ مِنْ الصَّدْقِ بِفَتْحِ الصَّادِ وَسُكُونِ الدَّالِ اسْمٌ لِلشَّدِيدِ الصَّلْبِ فَكَأَنَّهُ أَشَدُّ الْأَعْوَاضِ لُزُومًا مِنْ جِهَةِ عَدَمِ سُقُوطِهِ بِالتَّرَاضِي وَيُنْدَبُ كَوْنُهُ مِنْ الْفِضَّةِ وَجَمْعُهُ أَصْدِقَةٌ وَصُدُقٌ وَالْأَوَّلُ جَمْعُ قِلَّةٍ وَالثَّانِي كَثْرَةٍ وَأَشَارَ لِلْأَوَّلِ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ فِي اسْمِ مُذَكِّرٍ رُبَاعِيٍّ بِمَدْ ... ثَالِثِ أَفْعِلَةٍ عَنْهُمْ اطَّرَدْ وَلِلثَّانِي بِقَوْلِهِ وَفَعَلَ لِاسْمٍ رُبَاعِيٍّ بِمَدْ ... قَدْ زِيدَ قَبْلَ لَامٍ إعْلَالًا فَقَدْ وَلَهُ ثَمَانِيَةُ أَسْمَاءٍ مَجْمُوعَةٍ فِي بَيْتٍ صَدَاقٌ وَمَهْرٌ نِحْلَةٌ وَفَرِيضَةٌ ... حِبَاءٌ وَأَجْرٌ ثُمَّ عُقْرٌ عَلَائِقُ وَزَادَ بَعْضُهُمْ ثَلَاثَةً فِي بَيْتٍ فَقَالَ وَطَوْلٌ نِكَاحٌ ثُمَّ خُرْصٌ تَمَامُهَا ... فَفَرْدٌ وَعَشْرٌ عُدَّ ذَاكَ مُوَافِقُ
وَهُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ أَشْهَرُ مِنْ كَسْرِهَا مَا وَجَبَ بِنِكَاحٍ أَوْ وَطْءٍ أَوْ تَفْوِيتِ بُضْعٍ قَهْرًا كَرَضَاعٍ وَرُجُوعِ شُهُودٍ.
[حاشية البجيرمي]
وَيُزَادُ عَلَى ذَلِكَ صَدَقَةٌ فَتَكُونُ اثْنَيْ عَشَرَ وَنَطَقَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ مِنْهَا بِسِتَّةٍ الصَّدَقَةُ وَالنِّحْلَةُ ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] وَنِكَاحٌ ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ [النور: 33] وَأَجْرٌ ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: 25] وَفَرِيضَةٌ ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: 24] وَطَوْلٌ ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: 25] وَوَرَدَتْ السُّنَّةُ بِالْبَاقِي وَالْعُقْرُ بِالضَّمِّ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ لِدِيَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي الْمَهْرِ وَقِيلَ الصَّدَاقُ مَا وَجَبَ بِغَيْرِهِ كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ
قَوْلُهُ (أَشْهَرُ مِنْ كَسْرِهَا) وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ الْكَسْرُ أَفْصَحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْبَصْرِيِّينَ قَوْلُهُ (مَا وَجَبَ بِنِكَاحٍ) هُوَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِمْ مَالٌ لِأَنَّ هَذَا شَامِلٌ لِلْمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ نَعَمْ شُمُولُهُ لِلِاخْتِصَاصِ لَيْسَ مُرَادًا لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ مَا صَحَّ ثَمَنًا صَحَّ صَدَاقًا وَهَذَا مَعْنَاهُ الشَّرْعِيُّ وَأَمَّا مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ فَهُوَ مَا وَجَبَ بِالنِّكَاحِ وَعَلَى هَذَا فَالْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ أَعَمُّ مِنْ اللُّغَوِيِّ عَكْسُ الْمَشْهُورِ أَيْ وَيَكُونُ قَوْلُهُمْ فِي تَوْجِيهِ تَسْمِيَتِهِ صَدَاقًا لِإِشْعَارِهِ بِصِدْقِ رَغْبَةٍ بَاذِلِهِ فِي النِّكَاحِ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِمَا ذُكِرَ فِي الْعَقْدِ فَلَا يَشْمَلُ مَا وَجَبَ بِتَفْوِيتِهِ قَهْرًا أَوْ مَا وَجَبَ بِوَطْءِ الشُّبْهَةِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر فَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ التَّفْوِيضُ لِأَنَّ الْوُجُوبَ وَإِنْ كَانَ مُبْتَدَأً بِالْفَرْضِ وَغَيْرِهِ لَكِنَّ أَصْلَ الْعَقْدِ فَشَمِلَهُ قَوْلُهُ هُنَا بِنِكَاحٍ أَيْ مَا كَانَ أَصْلُهُ النِّكَاحُ وَإِنْ انْضَمَّ إلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ لِأَنَّهُ مَتَى أُطْلِقَ لَا يَنْصَرِفُ إلَّا لِلْعَقْدِ بِخِلَافِ النَّفَقَةِ فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالتَّمْكِينِ
وَالْمُرَادُ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ أَمَّا الْفَاسِدُ فَيَسْتَقِرُّ بِالْوَطْءِ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وَطْءٍ فِيهِ فَلَا اسْتِقْرَارَ وَلَا إرْثَ كَمَا قَالَ الرَّحْمَانِيُّ قَالَ الْعَلَّامَةُ الدَّيْرَبِيُّ نَقْلًا عَنْ مَشَايِخِهِ وَيُؤْخَذُ مِمَّا ذَكَرَهُ أَنَّ الْمَهْرَ قَدْ يَجِبُ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ كَمَا فِي شُهُودِ الطَّلَاقِ إذَا رَجَعُوا فَإِنَّهُمْ يَغْرَمُونَ الْمَهْرَ لِلزَّوْجِ وَقَدْ يَجِبُ لِلْمَرْأَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لِامْرَأَةٍ زَوْجَتَيْنِ بِإِذْنِهَا وَأَرْضَعَتْ زَوْجَتُهُ الْكُبْرَى زَوْجَتَهُ الصُّغْرَى فَإِنَّهُ يَجِبُ الْمَهْرُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ لِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ بِإِرْضَاعِهَا وَيَكُونُ الْمَهْرُ لِسَيِّدَتِهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَقَدْ يَجِبُ لِلرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ كَمَا لَوْ أَرْضَعَتْ زَوْجَةُ الْحُرِّ الْكُبْرَى زَوْجَتَهُ الصُّغْرَى فَيَجِبُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ مَهْرُهَا لِلزَّوْجِ لِأَنَّهَا فَوَّتَتْ عَلَيْهِ بُضْعَهَا وَنِصْفُ مَهْرٍ لِلصَّغِيرَةِ ق ل وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا إلَّا نِصْفُ مَهْرٍ لِلصَّغِيرَةِ.
اهـ.
قَوْلُهُ (أَوْ وَطْءٍ) أَيْ فِي شُبْهَةٍ أَوْ تَفْوِيضٍ أَوْ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا وَسَوَاءٌ كَانَ الْوَطْءُ فِي الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ فَلَا يَجِبُ بِاسْتِدْخَالِ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ زَوْجِهَا أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ فِي الْقُبُلِ وَلَا بِنَحْوِ خَلْوَةٍ وَلَوْ فِي نَحْوِ رَتْقَاءَ كَمَا يَأْتِي وَمُقْتَضَى مَا ذُكِرَ أَنَّ وَطْءَ الْأَجْنَبِيَّةِ فِي دُبُرِهَا يُوجِبُ الْمَهْرَ وَلَعَلَّهُ يُفَارِقُ الذَّكَرَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْوَطْءِ كَالْبَهِيمَةِ أَوْ يُخَصُّ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ بِكَوْنِهِ فِي الزَّوْجَةِ وَهُوَ الْوَجْهُ نَظَرًا لِوُجُودِ الْعَقْدِ فِيهَا فَرَاجِعْهُ ق ل قَوْلُهُ: (كَرَضَاعٍ) كَأَنْ أَرْضَعَتْ زَوْجَتُهُ الْكُبْرَى الصُّغْرَى بِأَنْ كَانَتْ دُونَ سَنَتَيْنِ وَأَرْضَعَتْهَا خَمْسَ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ نِكَاحُ الِاثْنَيْنِ لِأَنَّ الْكُبْرَى صَارَتْ أُمَّ زَوْجَتِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهَا نِصْفُ الْمَهْرِ لِلصَّغِيرَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا مَهْرُهَا لِئَلَّا يَخْلُوَ نِكَاحُهَا مَعَ الْوَطْءِ عَنْ غَيْرِ مَهْرٍ خِلَافًا لِلْقَلْيُوبِيِّ
قَوْلُهُ: (وَرُجُوعِ شُهُودٍ) بِأَنْ شَهِدَ جَمَاعَةٌ شَهَادَةَ حِسْبَةٍ بِأَنَّهُ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ الشَّهَادَةِ وَمِنْ صُوَرِ رُجُوعِ الشُّهُودِ أَنْ يَشْهَدَا بِأَنَّ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ رَضَاعًا مُحَرِّمًا فَيُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا الْقَاضِي ثُمَّ يَرْجِعَانِ عَنْ الشَّهَادَةِ فَيَغْرَمَانِ الْمَهْرَ لِلتَّفْوِيتِ وَلَا يَعُودُ النِّكَاحُ لِأَنَّ رُجُوعَهُمْ لَا يُقْبَلُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ وَمَحَلُّ رُجُوعِ الزَّوْجِ عَلَيْهِمْ بِشُرُوطٍ أَنْ لَا يُصَدِّقَهُمْ وَأَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُمْ عَلَى حَيٍّ وَإِلَّا فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمْ وَأَنْ لَا يَثْبُتَ عَدَمُ النِّكَاحِ بِالْمَرَّةِ فَإِنْ شَهِدُوا بِالطَّلَاقِ مَثَلًا ثُمَّ شَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهَا أُخْتُهُ مِنْ الرَّضَاعِ فَلَا غُرْمَ أَيْضًا وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَرُجُوعِ شُهُودٍ أَنَّهُ مِثَالٌ لِلتَّفْوِيتِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ تَفْوِيتَ الْبُضْعِ حَصَلَ بِالشَّهَادَةِ لَا
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: 4] أَيْ عَطِيَّةً مِنْ اللَّهِ مُبْتَدَأَةً وَالْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ الْأَزْوَاجُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَقِيلَ الْأَوْلِيَاءُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَأْخُذُونَهُ وَيُسَمُّونَهُ نِحْلَةً؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَمْتِعُ بِالزَّوْجِ كَاسْتِمْتَاعِهِ بِهَا أَوْ أَكْثَرَ، فَكَأَنَّهَا تَأْخُذُ الصَّدَاقَ مِنْ غَيْرِ مُقَابِلٍ.
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: 25] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُرِيدِ التَّزْوِيجِ: «الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
(وَيُسْتَحَبُّ) لِلزَّوْجِ (تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ) لِلزَّوْجَةِ (فِي) صُلْبِ (النِّكَاحِ) أَيْ الْعَقْدِ؛ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُخْلِ نِكَاحًا عَنْهُ» ، وَلِأَنَّهُ
[حاشية البجيرمي]
بِالرُّجُوعِ عَنْهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ الْوَاوُ بِمَعْنًى أَوْ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى تَفْوِيتِ فَيَكُونُ مِثَالًا لِوُجُوبِ الصَّدَاقِ لَا لِتَفْوِيتِ الْبُضْعِ لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَمْ يَجِبْ بِرُجُوعِ الشَّاهِدَيْنِ عَنْ الشَّهَادَةِ قَوْلُهُ: (وَآتُوا) الْخِطَابُ لِلْأَزْوَاجِ وَقِيلَ لِلْأَوْلِيَاءِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ شَرْعًا لِشُعَيْبٍ لِآيَةِ ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] أَيْ سِنِينَ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ قَوْلُهُ: (صَدُقَاتِهِنَّ) مَفْعُولٌ ثَانٍ وَنِحْلَةً حَالٌ مِنْ صَدُقَاتِهِنَّ قَوْلُهُ: (مُبْتَدَأَةً) بِالنَّصْبِ صِفَةً لِعَطِيَّةٍ أَيْ لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَمْتِعُ بِالرَّجُلِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَمْتِعُ هُوَ بِهَا فَإِنَّهَا تَسْتَمْتِعُ بِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ بِخُرُوجِ مَنِيِّهَا وَتَرَدُّدِ الذَّكَرِ وَسَرَيَانِ مَنِيِّ الرَّجُلِ فِي رَحِمِهَا وَأَمَّا هُوَ فَيَلْتَذُّ بِالْأَوَّلَيْنِ فَقَطْ وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَقْوَى كَسْبًا مِنْهَا
(فَائِدَةٌ) إذَا قَلَّدَ شَخْصٌ الْحَنَفِيَّ وَعَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ فِي مَذْهَبِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَلَهُ الرُّجُوعُ عَنْ تَقْلِيدِهِ وَتَقْلِيدِ مَذْهَبِ غَيْرِهِ وَيَعْقِدُ عَلَيْهَا بِلَا مُحَلِّلٍ قَالَهُ ابْنُ قَاسِمٍ قَوْلُهُ: (وَيُسَمُّونَهُ إلَخْ) الْأَوْلَى وَيُسَمَّى لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ مِنْ اللَّهِ لَا مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمَرْأَةَ) تَعْلِيلٌ لِلتَّسْمِيَةِ قَوْلُهُ: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أَيْ مُهُورَهُنَّ قَوْلُهُ: (لِمُرِيدِ التَّزْوِيجِ) يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَلِيُّ إذْ الزَّوْجُ يُرِيدُ التَّزَوُّجَ مَعَ أَنَّ الْمَقُولَ لَهُ هُوَ الزَّوْجُ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِمُرِيدِ التَّزَوُّجِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى لِمُرِيدِ تَزْوِيجِ النَّبِيِّ لَهُ وَلِذَا قَالَ الْتَمِسْ أَيُّهَا الطَّالِبُ التَّزَوُّجَ شَيْئًا تَجْعَلُهُ صَدَاقًا إلَخْ وَالْقِصَّةُ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ «أَنَّ امْرَأَةً عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَكَتَ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ زَوِّجْنِيهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ هَلْ مَعَك شَيْءٌ تَصْدُقُهَا إيَّاهُ فَقَالَ مَعِي إزَارِي فَقَالَ إنْ أَعْطَيْتهَا إزَارَك جَلَسْت وَلَا إزَارَ لَك فَقَالَ الْتَمِسْ أَيْ اُطْلُبْ شَيْئًا مِنْ النَّاسِ تَجْعَلُهُ صَدَاقًا وَلَوْ كَانَ مَا تَلْتَمِسُهُ أَيْ تَطْلُبُهُ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ لَمْ أَجِدْ شَيْئًا فَقَالَ هَلْ مَعَك شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ فَقَالَ مَعِي سُورَةُ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ أَصْدِقْهَا إيَّاهُ» فَتَزَوَّجَهَا بِتَعْلِيمِ ذَلِكَ اهـ قَوْلُهُ وَلَوْ خَاتَمًا هَذَا غَايَةٌ فِي الْقِلَّةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ خُصُوصَ الْخَاتَمِ
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ) هَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَيُكْرَهُ إخْلَاؤُهُ عَنْهُ، وَقَدْ يَجِبُ كَمَا لَوْ زَوَّجَ الْقَاصِرَةَ وَلِيُّهَا بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَكَتَ لَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَقَدْ يَحْرُمُ كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ وَلَوْ سَكَتَ لَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ م د.
قَوْلُهُ: (لِلزَّوْجِ) لَوْ قَالَ لِلْعَاقِدِ كَانَ أَوْلَى، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ قَيَّدَ بِالزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ تَارَةً يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ وَتَارَةً يَجِبُ، وَالْمَفْهُومُ الَّذِي فِيهِ تَفْصِيلٌ لَا يُعْتَرَضُ بِهِ ق ل.
قَوْلُهُ: (فِي صُلْبِ النِّكَاحِ) أَيْ أَثْنَاءِ الْعَقْدِ فَلَا اعْتِبَارَ بِالتَّوَافُقِ قَبْلَ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَهُ فِي اسْتِحْبَابٍ أَوْ الْتِزَامٍ، حَتَّى لَوْ خَالَفَ الْمُسَمَّى فِيهِ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ كَانَ هُوَ أَيْ النِّكَاحَ الْمُعْتَبَرَ سم.
وَالصُّلْبُ بِسُكُونِ اللَّامِ وَتُضَمُّ لِلْإِتْبِاعِ وَأَصْلُهُ لُغَةً كُلُّ ظَهْرٍ لَهُ فَقَارٌ أَيْ عِظَامٌ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ فَفِي الْكَلَامِ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ حَيْثُ شَبَّهَ
أَدْفَعُ لِلْخُصُومَةِ؛ وَلِئَلَّا يُشْبِهَ نِكَاحَ الْوَاهِبَةِ نَفْسَهَا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ السَّيِّدَ إذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ أَمَتَهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ ذِكْرُ الْمَهْرِ، وَهُوَ مَا فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِبَعْضِ نُسَخِ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ إذْ لَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَدْخُلَ بِهَا حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الصَّدَاقِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ (فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ) صَدَاقًا بِأَنْ أُخْلِيَ الْعَقْدُ مِنْهُ (صَحَّ الْعَقْدُ) بِالْإِجْمَاعِ، لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُمَا.
وَقَدْ تَجِبُ التَّسْمِيَةُ فِي صُوَرٍ: الْأُولَى: إذَا كَانَتْ الزَّوْجَةُ غَيْرَ جَائِزَةِ التَّصَرُّفِ أَوْ مَمْلُوكَةً لِغَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.
الثَّانِيَةُ: إذَا كَانَتْ جَائِزَةَ التَّصَرُّفِ وَأَذِنَتْ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا وَلَمْ تُفَوِّضْ، فَزَوَّجَهَا هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ.
الثَّالِثَةُ: إذَا كَانَ الزَّوْجُ غَيْرَ جَائِزِ التَّصَرُّفِ.
وَحَلَّ الِاتِّفَاقُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِ الزَّوْجَةِ وَفِيمَا عَدَاهَا عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ فَتَتَعَيَّنُ تَسْمِيَتُهُ بِمَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ إخْلَاؤُهُ مِنْهُ.
وَإِذَا خَلَا الْعَقْدُ مِنْ التَّسْمِيَةِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُفَوِّضَةً اسْتَحَقَّتْ مَهْرَ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ.
[حاشية البجيرمي]
النِّكَاحَ بِشَيْءٍ لَهُ عِظَامٌ وَحَذَفَ الْمُشَبَّهَ بِهِ وَأَثْبَتَ شَيْئًا مِنْ لَوَازِمِهِ وَهُوَ الصُّلْبُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُخْلِ نِكَاحًا عَنْهُ) أَيْ نِكَاحًا لِغَيْرِهِ فَلَا يُنَافِي نِكَاحَ الْوَاهِبَةِ نَفْسَهَا الْآتِي.
اهـ. م د. وَقَوْلُهُ: " فَلَا يُنَافِي إلَخْ " وَعِبَارَةُ م ر كَعِبَارَةِ الشَّارِحِ هُنَا.
وَجَعَلَ الرَّشِيدِيُّ كَلَامَ الرَّمْلِيِّ عَلَى إطْلَاقِهِ.
وَقَالَ مُؤَيِّدًا لَهُ أَيْ مُقَوِّيًا لَهُ، وَأَمَّا الْوَاهِبَةُ نَفْسَهَا فَلَمْ يَقَعْ لَهَا نِكَاحٌ اهـ. وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِمَا ذَكَرَهُ م د بِقَوْلِهِ أَيْ نِكَاحًا لِغَيْرِهِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَدْفَعُ لِلْخُصُومَةِ) أَيْ عِنْدَ التَّنَازُعِ.
قَوْلُهُ: (وَلِئَلَّا يُشْبِهَ نِكَاحَ الْوَاهِبَةِ نَفْسَهَا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: وَقَعَ فِي قَلْبِ أُمِّ شَرِيكٍ الْإِسْلَامُ وَهِيَ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهِيَ بِمَكَّةَ وَأَسْلَمَتْ ثُمَّ جَعَلَتْ تَدْخُلُ عَلَى نِسَاءِ قُرَيْشٍ سِرًّا فَتَدْعُوهُنَّ لِلْإِسْلَامِ وَتُرَغِّبُهُنَّ فِيهِ، حَتَّى ظَهَرَ أَمْرُهَا لِأَهْلِ مَكَّةَ فَأَخَذُوهَا وَقَالُوا: لَوْلَا قَوْمُك لَفَعَلْنَا بِك وَفَعَلْنَا وَلَكِنَّا سَنُرِيك مَا يَصِلُ إلَيْهِمْ، فَحَمَلُونِي عَلَى بَعِيرٍ لَيْسَ تَحْتِي شَيْءٌ ثُمَّ تَرَكُونِي ثَلَاثًا لَا يُطْعِمُونِي وَلَا يَسْقُونِي، وَكَانُوا إذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا أَوْقَفُونِي فِي الشَّمْسِ، إذْ أَتَانِي أَبْرَدُ شَيْءٍ عَلَى صَدْرِي فَتَنَاوَلَتْهُ.
فَإِذَا هُوَ دَلْوٌ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبْت مِنْهُ قَلِيلًا ثُمَّ نُزِعَ مِنِّي وَرُفِعَ ثُمَّ عَادَ فَتَنَاوَلْته فَشَرِبْتُ فَرُفِعَ ثُمَّ عَادَ مِرَارًا فَشَرِبْتُ حَتَّى رَوَيْتُ، ثُمَّ أَفَضْت عَلَى جَسَدِي وَثِيَابِي؛ فَلَمَّا اسْتَيْقَظُوا إذَا هُمْ بِأَثَرِ الْمَاءِ عَلَى ثِيَابِي فَقَالُوا: تَحَلَّلْتِ، فَأَخَذْتِ سِقَاءَنَا فَشَرِبْتِ مِنْهُ فَقُلْت: لَا وَاَللَّهِ وَلَكِنَّهُ كَانَ مِنْ الْأَمْرِ كَذَا وَكَذَا؛ فَقَالُوا: لَئِنْ كُنْتِ صَادِقَةً لَدِينُكِ خَيْرٌ مِنْ دِينِنَا.
فَلَمَّا نَظَرُوا إلَى أَسْقِيَتهمْ وَجَدُوهَا كَمَا تَرَكُوهَا، فَأَسْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ.
«وَأَقْبَلَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ بِغَيْرِ مَهْرٍ فَقَبِلَهَا وَدَخَلَ عَلَيْهَا» . وَفِي ذَلِكَ أَنَّ مَنْ صَدَقَ فِي حُسْنِ الِاعْتِقَادِ عَلَى اللَّهِ وَقَطَعَ طَمَعَهُ عَمَّا سِوَاهُ جَاءَتْهُ الْفُتُوحَاتُ مِنْ الْغَيْبِ.
اهـ. ح ل فِي السِّيرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ لَا مِنْ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) ضَعِيفٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ مُكَاتَبًا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فَقَالَ لَا يُسَنُّ ذِكْرُهُ، إذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ حِينَئِذٍ؛ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِلشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَدْخُلَ بِهَا إلَخْ) لَعَلَّهُ فِي الصَّدَاقِ الْحَالِّ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، وَيُحْتَمَلُ الْعُمُومُ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ التَّعْجِيلِ ق ل. وَذَلِكَ سَبَبٌ لِلْمَحَبَّةِ وَالْأُلْفَةِ وَالْمَوَدَّةِ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهَا) أَيْ وَلَوْ كَانَ الصَّدَاقُ مُؤَجَّلًا.
قَوْلُهُ: (مَنْ أَوْجَبَهُ) أَيْ الدَّفْعَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ) جَعَلَهُ الشَّارِحُ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَضَمِيرُهُ عَائِدٌ لِلزَّوْجِ، وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ خُصُوصًا مَعَ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَهُ.
وَالْأَوْلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ رُجُوعِهِ لِلْعَاقِدِ أَوْ بِنَاؤُهُ لِلْمَفْعُولِ وَضَمِيرُهُ عَائِدٌ لِلصَّدَاقِ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ تَجِبُ التَّسْمِيَةُ) وَظَاهِرٌ أَنَّ أَثَرَ الْوُجُوبِ الْإِثْمُ بِالْمُخَالَفَةِ لَا الْبُطْلَانِ سم عَلَى حَجّ.
وَلَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ عِنْدَ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ جَائِزَةِ التَّصَرُّفِ) لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ، أَيْ وَرَضِيَ الزَّوْجُ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، لِئَلَّا يَفُوتَ عَلَيْهَا الزَّائِدُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَكَذَا يُقَالُ فِي الثَّانِيَةِ كَمَا سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُ م د.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَمْلُوكَةً لِغَيْرِ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) أَيْ وَرَضِيَ الزَّوْجُ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَكَتَ الْوَلِيُّ رَجَعَ لِمَهْرِ الْمِثْلِ فَتَفُوتُ رِعَايَةُ الْمَصْلَحَةِ لَهَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَحَصَلَ الِاتِّفَاقُ) أَيْ مِنْ الزَّوْجَةِ الرَّشِيدَةِ.
قَوْلُهُ: (وَفِيمَا عَدَاهَا) أَيْ مِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ إخْلَاؤُهُ مِنْهُ) فَإِنْ أُخْلِيَ مِنْهُ حَرُمَ وَصَحَّ بِمَهْرِ الْمِثْلِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا وَصَرَّحَ بِهِ سم عَلَى حَجّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ و) إنْ كَانَتْ مُفَوِّضَةً بِأَنْ قَالَتْ رَشِيدَةٌ لِوَلِيِّهَا زَوِّجْنِي بِلَا مَهْرٍ فَفَعَلَ (وَجَبَ الْمَهْرُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ) أَيْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا: الْأَوَّلُ: (أَنْ يَفْرِضَهُ) أَيْ يُقَدِّرَهُ (الزَّوْجُ عَلَى نَفْسِهِ) قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا لِيُفْرَضَ لَهَا لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا وَلَهَا بَعْدَ الْفَرْضِ حَبْسُ نَفْسِهَا لِتَسْلِيمِ الْمَفْرُوضِ الْحَالِّ كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، أَمَّا الْمُؤَجَّلُ فَلَيْسَ لَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا لَهُ
[حاشية البجيرمي]
مُفَوِّضَةً) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى إصْلَاحِ الْمَتْنِ، إذْ مَا ذَكَرَهُ الْمَتْنُ إنَّمَا يَأْتِي فِي الْمُفَوِّضَةِ لَا فِي غَيْرِهَا، إذْ الْوُجُوبُ فِي غَيْرِهَا بِالْعَقْدِ؛ فَأَشَارَ إلَى أَنَّ كَلَامَ الْمَتْنِ عَلَى الْمُفَوِّضَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ " وَإِذَا خَلَا الْعَقْدُ إلَخْ " غَرَضُهُ بِهَذَا إصْلَاحُ الْمَتْنِ، فَإِنَّ الْمَتْنَ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يُسَمَّ فِي الْعَقْدِ صَدَاقٌ لَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ إلَّا بِوَاحِدَةٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَفْوِيضٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إذَا لَمْ يُسَمِّ الصَّدَاقَ وَلَمْ يَكُنْ تَفْوِيضٌ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فَرْضٍ وَلَا وَطْءٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ تَفْوِيضٌ فَلَا يَجِبُ بِالْعَقْدِ شَيْءٌ وَإِنَّمَا يَجِبُ بِوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ وَهَذِهِ هِيَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ صَحَّ الْعَقْدُ وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ مُفَوِّضَةً) سُمِّيَتْ الْمَرْأَةُ مُفَوِّضَةً بِكَسْرِ الْوَاوِ لِتَفْوِيضِ أَمْرِهَا إلَى الْوَلِيِّ بِلَا مَهْرٍ وَالْمُرَادُ بِأَمْرِهَا أَمْرُ بُضْعِهَا وَهُوَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ وَبِفَتْحِهَا لِأَنَّ الْوَلِيَّ فَوَّضَ أَمْرَهَا إلَى الزَّوْجِ أَيْ جَعَلَ لَهُ دَخْلًا فِي إيجَابِهِ إلَى فَرْضِهِ أَوْ إلَى الْحَاكِمِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ قَالَتْ رَشِيدَةٌ) وَمِثْلُهَا السَّفِيهَةُ الْمُهْمَلَةُ زَوِّجْنِي بِلَا مَهْرٍ هُمَا قَيْدَانِ.
وَقَوْلُهُ " فَفَعَلَ " أَيْ زَوَّجَ بِلَا مَهْرٍ قَيْدٌ آخَرُ، فَهُوَ مِنْ تَمَامِ تَصْوِيرِ التَّفْوِيضِ وَهُوَ قَاصِرٌ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ سَكَتَ أَوْ زَوَّجَ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ فَفِي ذَلِكَ يَلْغُو مَا ذَكَرَهُ الْوَلِيُّ وَيَكُونُ تَفْوِيضًا، وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ إلَّا بِوَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ الَّتِي فِي الْمَتْنِ، فَخَرَجَ بِالرَّشِيدَةِ مَا لَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً أَوْ سَفِيهَةً فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فَرْضٍ أَوْ وَطْءٍ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ " زَوِّجْنِي " مَا لَوْ لَمْ تَأْذَنْ وَكَانَتْ مُجْبَرَةً فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَلَا يُقَالُ لَهَا مُفَوَّضَةٌ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهَا " بِلَا مَهْرٍ " مَا لَوْ قَالَتْ زَوِّجْنِي بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ.
وَهَذَا تَفْوِيضُ الْحُرَّةِ، وَأَمَّا تَفْوِيضُ الْأَمَةِ فَلَهُ صُورَتَانِ: أَنْ يَقُولَ سَيِّدُهَا زَوَّجْتُكهَا بِلَا مَهْرٍ أَوْ يَسْكُتُ وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ قَوْلٌ مِنْ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلسَّيِّدِ.
وَأَمَّا لَوْ زَوَّجَ الْأَمَةَ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ أَوْ بِمُؤَجَّلٍ فَيَنْعَقِدُ بِهِ وَلَا يَكُونُ تَفْوِيضًا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ لَهُ لَا لَهَا، وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَشَرْحُهُ: صَحَّ تَفْوِيضُ رَشِيدَةٍ بِقَوْلِهَا لِوَلِيِّهَا زَوِّجْنِي بِلَا مَهْرٍ فَزَوَّجَ لَا بِمَهْرِ مِثْلٍ بِأَنْ نَفَى الْمَهْرَ أَوْ سَكَتَ أَوْ زَوَّجَ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ اهـ.
وَقَوْلُهُ " رَشِيدَةٌ " أَيْ غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا لِتَدْخُلَ السَّفِيهَةُ الَّتِي لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهَا إذْ هِيَ رَشِيدَةٌ حُكْمًا.
وَقَوْلُهُ " بِلَا مَهْرٍ " سَوَاءٌ اقْتَصَرَتْ عَلَى ذَلِكَ أَمْ زَادَتْ لَا فِي الْحَالِ وَلَا بَعْدَ الْوَطْءِ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ فَيَكُونُ تَفْوِيضًا صَحِيحًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَقَوْلُهُ " فَزَوَّجَ لَا بِمَهْرِ " مِثْلٍ؛ لِأَنَّ تَسْمِيَتَهُ مُلْغَاةٌ مِنْ أَصْلِهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُوَافِقْ الْإِذْنَ وَلَا الشَّرْعَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَمِّيَ دُونَ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَلَا يُقَالُ هَذِهِ تَسْمِيَةٌ فَاسِدَةٌ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ، عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ الْفَاسِدَةَ إنَّمَا تُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ إذَا لَمْ يُؤْذِنْ فِي تَرْكِ الْمَهْرِ فَكَانَ هَذَا مُسْتَثْنَى مِنْ التَّسْمِيَةِ أَيْ مَحَلُّ كَوْنِ التَّسْمِيَةِ الْفَاسِدَةِ تُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَفْوِيضٌ مِنْ الْمَرْأَةِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ) هَذَا جَوَابُ قَوْلِهِ " وَإِنْ كَانَتْ مُفَوِّضَةً " وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ " وَإِنْ كَانَتْ مُفَوِّضَةً " مِنْ الْمَتْنِ، وَأَصْلُ الْعِبَارَةِ: وَوَجَبَ الْمَهْرُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، وَقَدْ أَصْلَحَهُ الشَّارِحُ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْعَقْدَ لَا يُوجِبُ الْمَهْرَ إذَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ يُوجِبُهُ فِي غَيْرِ الْمُفَوِّضَةِ كَمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ) نَعَمْ لَوْ نَكَحَ فِي الْكُفْرِ مُفَوِّضَةً ثُمَّ أَسْلَمَا وَاعْتِقَادُهُمْ أَنْ لَا مَهْرَ لِلْمُفَوِّضَةِ بِحَالٍ ثُمَّ وَطِئَ فَلَا شَيْءَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ وَطْئًا بِلَا مَهْرٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ بَاعَهَا ثُمَّ وَطِئَهَا الزَّوْجُ سم، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمَا وَتَرَافَعَا إلَيْنَا حَكَمْنَا بِحُكْمِنَا وَقَوْلُهُ نَعَمْ لَوْ نَكَحَ فِي الْكُفْرِ أَيْ وَهُمَا حَرْبِيَّانِ.
وَعِبَارَةُ م ر: وَمَرَّ فِي نِكَاحِ الْمُشْرِكِ أَنَّ الْحَرْبِيِّينَ لَا الذِّمِّيِّينَ لَوْ اعْتَقَدُوا أَنْ لَا مَهْرَ إلَخْ وَقَوْلُهُ فَلَا شَيْءَ لَهَا.
لَا يُقَالُ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَوْ نَكَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيَّةً عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ وَتَرَافَعَا إلَيْنَا حَكَمْنَا بِحُكْمِنَا فِي الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا أَوْجَبْنَا فِيمَا إذَا لَمْ يُسْلِمَا فَكَيْفَ لَا نُوجِبُهُ إذَا أَسْلَمَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الذِّمِّيِّينَ وَالذِّمِّيُّ مُلْتَزِمٌ لِلْأَحْكَامِ وَمَا هُنَا فِي الْحَرْبِيِّينَ وَهُوَ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لِلْأَحْكَامِ، وَقَوْلُهُ " أَوْ بَاعَهَا ثُمَّ وَطِئَهَا " أَيْ فَلَا مَهْرَ لَهَا وَلَا لِلْبَائِعِ كَمَا قَالَهُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا) فِيهِ أَنَّهُ إنْ قُلْنَا يَجِبُ مَهْرُ
كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ.
وَيُشْتَرَطُ رِضَاهَا بِمَا يَفْرِضُهُ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، فَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُفْرَضْ؛ وَهَذَا كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ إذَا فَرَضَ دُونَ مَهْرِ الْمِثْلِ، أَمَّا إذَا فَرَضَ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا حَالًّا مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ وَبَذَلَهُ لَهَا وَصَدَّقَتْهُ عَلَى أَنَّهُ مَهْرُ مِثْلِهَا فَلَا يُعْتَبَرُ رِضَاهَا؛ لِأَنَّهُ عَبَثٌ.
وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الزَّوْجَيْنِ حَيْثُ تَرَاضَيَا عَلَى مَهْرٍ بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَدَلًا عَنْهُ، بَلْ
[حاشية البجيرمي]
الْمِثْلِ بِالْعَقْدِ فَمَا مَعْنَى الْمُفَوِّضَةِ؟ وَإِنْ قُلْنَا لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ فَكَيْفَ تَطْلُبُ مَا لَمْ يَجِبْ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَمَّا جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ وَهُوَ الْعَقْدُ جَازَ لَهَا الْحَبْسُ، وَإِذَا حَبَسَتْ نَفْسَهَا أَوْ حَبَسَهَا الْوَلِيُّ بِسَبَبِ عَدَمِ تَسْلِيمِ الصَّدَاقِ اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ وَغَيْرَهَا وُجُوبًا مُدَّةُ الْحَبْسِ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ مِنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ سَاغَ لَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْوَطْءِ أَوْ الْمَوْتِ فَكَيْفَ سَاغَ لَهَا طَلَبُ الْفَرْضِ وَحَبْسُ نَفْسِهَا لِتَسَلُّمِهِ؟ وَلِهَذَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عِنْدَ ذِكْرِ هَذَا الْإِشْكَالِ: مَنْ طَلَبَ أَنْ يَلْحَقَ مَا وَضَعَهُ عَلَى الْإِشْكَالِ بِمَا هُوَ بَيِّنٌ فَقَدْ طَلَبَ مُسْتَحِيلًا؟ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْعَقْدَ سَبَبٌ لِوُجُوبِهِ بِنَحْوِ الْفَرْضِ فَلَمَّا جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ وَهُوَ الْعَقْدُ جَازَ لَهَا الطَّلَبُ وَسَيِّدُ الْأَمَةِ وَلَوْ مُكَاتَبَةً كَالْوَلِيِّ كَمَا فِي ق ل. وَلَوْ زَوَّجَ غَرِيبٌ بِنْتَه بِبَلَدٍ وَلَمْ يَسْتَوْفِ مَهْرَهَا، فَلَهُ السَّفَرُ بِهَا إلَى وَطَنِهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ الْبَالِغَةُ الْغَرِيبَةُ إذَا زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ وَلَمْ تَقْبِضْ الصَّدَاقَ لَهَا السَّفَرُ إلَى بَلَدِهَا مَعَ مَحْرَمٍ، وَإِذَا وَفَّى الزَّوْجُ الصَّدَاقَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أُجْرَةُ النَّقْلِ وَالرُّجُوعِ إلَى مَكَانِ الْعَقْدِ عَلَى الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا سَافَرَتْ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ وَلَا نَفَقَةَ لَهَا فِي هَذِهِ الْغَيْبَةِ، قَالَهُ الشَّيْخُ س ل. وَانْظُرْ هَلَّا كَانَتْ مُدَّةُ الْغَيْبَةِ كَمُدَّةِ الْحَبْسِ فَيَكُونُ لَهَا النَّفَقَةُ نَظِيرَ مَا تَقَدَّمَ فِي مُدَّتِهِ؟ وَلَعَلَّ الْجَوَابَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهَا سَافَرَتْ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ، فَلَوْ أَخَّرَهُ عَنْ قَوْلِهِ وَلَا نَفَقَةَ لَهَا فِي هَذِهِ الْغَيْبَةِ لَكَانَ أَوْلَى فَتَأَمَّلْ.
وَفِي شَرْحِ م ر: وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِالشَّامِ وَالْعَقْدُ بِغَزَّةَ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا بِغَزَّةَ اعْتِبَارًا بِمَحَلِّ الْعَقْدِ، فَإِنْ طَلَبَهَا إلَى مِصْرَ فَنَفَقَتُهَا مِنْ الشَّامِ إلَى غَزَّةَ عَلَيْهَا ثُمَّ مِنْ غَزَّةَ إلَى مِصْرَ عَلَيْهِ وَهَلْ مُؤْنَةُ الطَّرِيقِ مِنْ الشَّامِ إلَى غَزَّةَ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ قَالَ الْحَنَّاطِيُّ: نَعَمْ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا نَعَمْ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِأَمْرِهِ وَالثَّانِي لَا؛ لِأَنَّ تَمْكِينَهَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِغَزَّةَ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْحَبْسُ فِي الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ لِوَلِيِّهِمَا وَفِي الْأَمَةِ لِسَيِّدِهَا أَوْ وَلِيِّهِ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَمِثْلُهُمَا السَّفِيهَةُ فَلَا عِبْرَةَ بِتَسْلِيمِهَا نَفْسَهَا.
وَلَوْ بَلَغَتْ الصَّغِيرَةُ وَادَّعَتْ أَنَّ وَلِيَّهَا سَلَّمَهَا بِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ وَأَرَادَتْ حَبْسَ نَفْسِهَا لِلْقَبْضِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا وَجَازَ لَهَا الْحَبْسُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَلَغَ الصَّغِيرُ وَقَدْ تَرَكَ أَبُوهُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ وَادَّعَى أَنَّهُ تَرَكَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ حَيْثُ لَا يُقْبَلُ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الْأَخْذِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ مَا هُنَا تَفْوِيتٌ حَاصِلٌ وَمَا هُنَاكَ تَفْوِيتٌ مَعْدُومٌ اهـ سم.
وَقَوْلُهُ " لِوَلِيِّهِمَا " مَا لَمْ يَرِدْ الْمَصْلَحَةُ فِي التَّسْلِيمِ، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ بِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ تَظْهَرُ ثَمَّ غَالِبًا، وَكَذَا يُقَالُ فِي وَلِيِّ السَّفِيهَةِ اهـ ح ل. وَمِثْلُ الْأَمَةِ الْمُكَاتَبَةُ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ مَنَعَهَا مِنْ جَمِيعِ التَّبَرُّعَاتِ وَلَا يُقَالُ هُوَ بَدَلُ بُضْعِهَا وَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ اهـ ح ل.
قَوْلُهُ: (لِتَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ) أَيْ عَلَى ثِقَةِ مَا قَدَّرَهُ لَهَا وَهَذَا عِلَّةٌ لِلْمُعَلِّلِ مَعَ عِلَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ) أَيْ كَمَا لَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا بِتَسْلِيمِ الْمُسَمَّى الْحَالُّ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمُؤَجَّلُ) أَيْ فِي الْفَرْضِ.
قَوْلُهُ: (فَلَيْسَ لَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا لَهُ) أَيْ لِتَقْبِضَهُ وَإِنْ حَلَّ.
وَقَوْلُهُ " كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ أَيْ كَالْمُؤَجَّلِ الْمُسَمَّى إلَخْ " وَقَوْلُنَا: " وَإِنْ حَلَّ " غَايَةٌ لِلرَّدِّ.
وَلَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمُ نَحْوِ قُرْآنٍ وَطَلَبَ كُلٌّ التَّسْلِيمَ فَاَلَّذِي أَفْتَيْته وَلَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا أَنَّهُمَا إنْ اتَّفَقَا عَلَى شَيْءٍ فَذَاكَ وَإِلَّا فُسِخَ الصَّدَاقُ وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ فَيُسَلَّمُ لِعَدْلٍ وَتُؤْمَرُ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهَا، قَالَ ح ل. وَقَدْ يُقَالُ: تُجْبَرُ هِيَ؛ لِأَنَّ رِضَاهَا بِالتَّعْلِيمِ الَّذِي لَا يَحْصُلُ عَادَةً إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ كَالتَّأْجِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إجْبَارُهَا فِيهِ وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ انْتِهَاءَ الْأَجَلِ مَعْلُومٌ فَيُمْكِنُهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدَهُ وَزَمَنُ التَّعْلِيمِ لَا غَايَةَ لَهُ فَهِيَ إذَا مَكَّنَتْهُ قَدْ يَتَسَاهَلُ فِي التَّعْلِيمِ فَتَطُولُ الْمُدَّةُ عَلَيْهَا بَلْ رُبَّمَا فَاتَ التَّعْلِيمُ بِذَلِكَ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا زي الْجَزْمُ بِذَلِكَ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ مَحَلُّ اشْتِرَاطِ رِضَاهَا.
قَوْلُهُ: (وَبَذَلَهُ لَهَا) لَيْسَ قَيْدًا؛ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَذْكُرْهُ م ر.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ اعْتِبَارَ رِضَاهَا عَبَثٌ أَيْ لَا مَعْنَى لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الزَّوْجَيْنِ بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ) هَذَا
الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا وَيَجُوزُ فَرْضُ مُؤَجَّلٍ بِالتَّرَاضِي وَفَوْقَ مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَالثَّانِي: مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ يَفْرِضُهُ الْحَاكِمُ) إذَا امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ الْفَرْضِ لَهَا أَوْ تَنَازَعَا فِي قَدْرِ الْمَفْرُوضِ كَمْ يُفْرَضُ؛ لِأَنَّ مَنْصِبَهُ فَصْلُ الْخُصُومَاتِ، وَلَكِنْ يَفْرِضُهُ الْحَاكِمُ حَالًّا مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ كَمَا فِي قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ لَا مُؤَجَّلًا وَلَا بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَإِنْ رَضِيَتْ الزَّوْجَةُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْصِبَهُ الْإِلْزَامُ بِمَالٍ حَالٍّ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَلَهَا إذَا فَرَضَهُ حَالًّا تَأْخِيرُ الْقَبْضِ بَلْ لَهَا تَرْكُهُ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا وَيُفْرَضُ مَهْرُ مِثْلٍ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ.
وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ الْحَاكِمِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ حَتَّى لَا يَزِيدَ عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُصَ عَنْهُ إلَّا بِالتَّفَاوُتِ الْيَسِيرِ، وَلَا يَصِحُّ فَرْضُ أَجْنَبِيٍّ مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ.
وَالْفَرْضُ
[حاشية البجيرمي]
مَحَلُّهُ فِيمَا قَبْلَ الْوَطْءِ، أَمَّا بَعْدَهُ فَلَا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِمَا بِقَدْرِهِ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ قِيمَةُ مُسْتَهْلَكٍ، وَهُوَ الْبُضْعُ أَيْ مَنْفَعَتُهُ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: بَدَلُ تَالِفٍ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ الْوَاجِبُ أَحَدُهُمَا) أَيْ مَا تَرَاضَيَا بِهِ وَمَهْرُ الْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: (بِالتَّرَاضِي) أَيْ مِنْ الزَّوْجَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَفْرِضُهُ الْحَاكِمُ) أَيْ بَعْدَ تَقَدُّمِ دَعْوَى صَحِيحَةٍ مِنْهَا عِنْدَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْحَاكِمِ الَّذِي تَقَعُ الدَّعْوَى بَيْنَ يَدَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ مَنْصِبَهُ) بِكَسْرِ الصَّادِ بِوَزْنِ مَسْجِدٍ.
اهـ. مِصْبَاحٌ.
قَوْلُهُ: (فَصْلُ الْخُصُومَةِ) وَإِلْزَامُ الْمُعَانِدِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ) الْمُرَادُ بِالْبَلَدِ بَلَدُ الْفَرْضِ يَوْمَ الْفَرْضِ وَنَقْدُ ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَفِي كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ بَلَدُ الْفَرْضِ فِيمَا يَظْهَرُ، قَالَ: وَعَلَيْهِ فَهَلْ يُعْتَبَرُ يَوْمُ الْعَقْدِ أَوْ الْفَرْضِ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، قَالَ: وَلَا يُنَافِي قَوْلَنَا بَلَدُ الْفَرْضِ مَنْ عَبَّرَ بِبَلَدِ الْمَرْأَةِ لِاسْتِلْزَامِ الْفَرْضِ حُضُورَهَا أَوْ حُضُورَ وَكِيلِهَا؛ فَالتَّعْبِيرُ بِبَلَدِ الْفَرْضِ لِتَدْخُلَ هَذِهِ الصُّورَةُ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (كَمَا فِي قِيَمِ الْمُتْلِفَاتِ) أَيْ مِنْ كَوْنِهَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ حَالَّةً مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ) الْمُنَاسِبُ وَلَا مِنْ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ) أَيْ فِي نُفُوذِ الْحُكْمِ وَجَوَازِ الْإِقْدَامِ عَلَى الْفَرْضِ عِلْمُ الْحَاكِمِ إلَخْ، حَتَّى لَوْ فَرَضَ غَيْرُ عَالِمٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ.
وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: فَإِنْ قُلْتَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا شَرْطًا لِجَوَازِ تَصَرُّفِهِ لَا لِنُفُوذِهِ لَوْ صَادَفَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
قُلْت: لَا بَلْ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُمْ أَنَّهُ شَرْطٌ لَهُمَا؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي مَعَ الْجَهْلِ لَا يَنْفُذُ وَإِنْ صَادَفَ الْحَقَّ، فَعِلْمُهُ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْإِقْدَامِ وَلِلتَّقْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ فَرْضُ أَجْنَبِيٍّ) أَيْ لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَيْنِ الرِّضَا بِهِ، فَإِنْ رَضِيَا بِهِ صَحَّ وَالْمُرَادُ بِالْأَجْنَبِيِّ مَا لَيْسَ وَلِيًّا وَلَا سَيِّدًا وَلَا وَكِيلًا وَلَا وَلَدًا يَلْزَمُهُ إعْفَافُ أَصْلِهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَالِهِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ، وَعِبَارَةُ م ر: وَلَا يَصِحُّ فَرْضُ أَجْنَبِيٍّ وَلَوْ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الزَّوْجِ اهـ. فَيَشْمَلُ مَا إذَا فَرَضَ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَا يَصِحُّ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ جَازَ قَطْعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ عَلَى الْمِنْهَاجِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ) ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ اقْتَضَى اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِالزَّوْجِ أَوْ مَأْذُونِهِ، فَفَارَقَ أَدَاءَ دَيْنِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ عَقْدٌ مَانِعٌ مِنْ أَدَاءِ الْغَيْرِ وَلَوْ عَقَدَ بِنَقْدٍ ثُمَّ تَغَيَّرَتْ الْمُعَامَلَةُ وَجَبَ هُنَا وَفِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مَا وَقَعَ الْعَقْدُ بِهِ زَادَ سِعْرُهُ أَوْ نَقَصَ أَوْ عَزَّ وُجُودُهُ، فَإِنْ فُقِدَ وَلَهُ مِثْلٌ وَجَبَ وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ بِبَلَدِ الْعَقْدِ وَقْتَ الْمُطَالَبَةِ.
اهـ. شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ " وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ بِبَلَدِ الْعَقْدِ " قَالَ ع ش: يَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ مَعْنَى الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الصَّدَاقُ مُعَيَّنًا فِي الْعَقْدِ فَلَا مَعْنَى لِفَقْدِهِ إلَّا تَلَفُهُ، وَالْمَعْنَى إذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يُتَصَوَّرْ فَقْدُهُ إلَّا بِانْقِطَاعِ نَوْعِهِ إذْ التَّلَفُ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا لِلْمُعَيَّنِ، وَإِذَا انْقَطَعَ نَوْعُهُ لَمْ يُتَصَوَّرْ لَهُ مِثْلٌ سم عَلَى حَجّ.
أَقُولُ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِاعْتِبَارِ الشِّقِّ الثَّانِي وَيُرَادُ مِثْلُهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَيَجِبُ مَعَهُ قِيمَةُ الصَّنْعَةِ مَثَلًا إذَا كَانَ الْمُسَمَّى فُلُوسًا وَفُقِدَتْ يَجِبُ مِثْلُهَا نُحَاسًا وَقِيمَةُ صَنْعَتِهَا أَوْ بِاخْتِيَارِ الْأَوَّلِ؛ لَكِنْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّدَاقَ الْمُعَيَّنَ مَضْمُونٌ ضَمَانَ يَدٍ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْفَرْضُ) أَيْ وَالْمَفْرُوضُ الصَّحِيحُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ الْحَاكِمِ.
وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَمَفْرُوضٌ صَحِيحٌ كَمُسَمَّى فَيُشْطَرُ بِطَلَاقٍ قَبْلَ وَطْءٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ طَلَّقَ قَبْلَ فَرْضٍ وَوَطْءٍ فَلَا يُشْطَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] وَبِخِلَافِ الْمَفْرُوضِ
الصَّحِيحُ كَالْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ فَيَتَشَطَّرُ بِطَلَاقٍ بَعْدَ عَقْدٍ وَقَبْلَ وَطْءٍ سَوَاءٌ أَكَانَ الْفَرْضُ مِنْ الزَّوْجَيْنِ أَمْ مِنْ الْحَاكِمِ.
وَالثَّالِثُ: مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ يَدْخُلُ بِهَا) بِأَنْ يَطَأَهَا وَلَوْ فِي حَيْضٍ أَوْ إحْرَامٍ أَوْ دُبُرٍ (فَيَجِبُ) لَهَا (مَهْرُ الْمِثْلِ) وَإِنْ أَذِنَتْ لَهُ فِي وَطْئِهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا مَهْرَ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي مَهْرِ مِثْلِ الْمُفَوِّضَةُ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ مِنْ الْعَقْدِ إلَى الْوَطْءِ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ دَخَلَ بِالْعَقْدِ فِي ضَمَانِهِ، وَاقْتَرَنَ بِهِ الْإِتْلَافُ فَوَجَبَ الْأَكْثَرُ كَالْمَقْبُوضِ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ.
وَلَوْ طَلَّقَ الزَّوْجُ قَبْلَ فَرْضٍ وَوَطْءٍ فَلَا شَطْرَ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ قَبْلَهُمَا وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ كَالْوَطْءِ فِي تَقْرِيرِ الْمُسَمَّى فَكَذَا فِي إيجَابِ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي التَّفْوِيضِ.
وَهَلْ يُعْتَبَرُ مَهْرُ الْمِثْلِ هُنَا بِالْأَكْثَرِ كَمَا مَرَّ
[حاشية البجيرمي]
الْفَاسِدِ كَخَمْرٍ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي التَّشْطِيرِ إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الْوَطْءِ، بِخِلَافِ الْفَاسِدِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ اهـ. وَقَوْلُهُ " وَبِخِلَافِ الْمَفْرُوضِ الْفَاسِدِ " وَإِنَّمَا اقْتَضَى الْفَاسِدُ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ مَهْرَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى لِكَوْنِهِ فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ وَهُنَا دَوَامٌ سَبَقَهُ الْخُلُوُّ عَنْ الْعِوَضِ فَلَمْ يَنْظُرْ لِلْفَاسِدِ.
وَقَوْلُهُ " فَلَا يُؤَثِّرُ فِي التَّشْطِيرِ " أَيْ فَلَا يُشْطَرَ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ إذْ لَا عِبْرَةَ بِهِ بَعْدَ إخْلَاءِ الْعَقْدِ عَنْ الْعِوَضِ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَقَوْلُهُ " بِخِلَافِ الْمُسَمَّى الْفَاسِدِ " أَيْ فَإِنَّهُ يُشْطَرُ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْوَطْءِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَطَأَهَا) أَيْ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا وَإِنْ لَمْ تَزُلْ الْبَكَارَةُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ وَلَوْ بِإِدْخَالِهَا ذَكَرَهُ هَلْ وَلَوْ صَغِيرًا لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهُ.
الْمُعْتَمَدُ نَعَمْ خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ، وَفِي كَلَامِ شَيْخِنَا بِوَطْءٍ.
وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ التَّحْلِيلُ كَالصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَتَأَتَّى جِمَاعُهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّحْلِيلِ أَنْ مَبْنَى التَّحْلِيلَ عَلَى اللَّذَّةِ بِخِلَافِ هَذَا، وَأَيْضًا الْقَصْدُ مِنْهُ التَّنْفِيرُ عَنْ إيقَاعِ الثَّلَاثِ فَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهِ هَذَا كَانَ أَشَدَّ فِي التَّنْفِيرِ وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي نَفْيِهِ.
وَشَمَلَ قَوْلُهُ " بِأَنْ يَطَأَهَا " مَا لَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تُوطَأُ فِي الْعَادَةِ عَلَى مَا فِي الْإِيعَابِ، وَخَرَجَ مَا إذَا أَزَالَ بَكَارَتَهَا بِأُصْبُعِهِ أَوْ بِعُودٍ فَلَا يَتَقَرَّرُ بِهِ الْمَهْرُ وَلَا يَلْزَمُهُ لَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ سِوَى النِّصْفِ فِي غَيْرِ الْمُفَوِّضَةِ كَمَا يَأْتِي فِي الْجِنَايَاتِ، وَخَرَجَ أَيْضًا اسْتِدْخَالُ الْمَنِيِّ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْعِدَّةَ فَقَطْ لَا الْمَهْرَ.
وَقَوْلُهُ " بِأَنْ يَطَأَهَا " قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْجِنَايَاتِ: وَلَوْ أَزَالَ أَيْ الزَّوْجُ بَكَارَتَهَا بِلَا ذَكَرٍ فَلَا شَيْءَ أَوْ غَيْرُهُ بِغَيْرِ ذَكَرٍ فَحُكُومَةٌ اهـ.
وَفِي ع ش عَلَى م ر مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ " أَوْ أَزَالَهَا غَيْرُهُ " أَيْ وَإِنْ أَذِنَ الزَّوْجُ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ افْتِضَاضِهَا أَوْ أَذِنَتْ وَهِيَ غَيْرُ رَشِيدَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فَتَنَبَّهَ لَهُ، فَإِنَّهُ يَقَعُ كَثِيرًا، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ مِنْ أَنَّ الشَّخْصَ يَعْجِزُ عَنْ إزَالَةِ بَكَارَةِ زَوْجَتِهِ فَيَأْذَنُ لِامْرَأَةٍ فِي إزَالَةِ بَكَارَتِهَا فَيَلْزَمُ الْمَرْأَةَ الْمَأْذُونُ لَهَا الْأَرْشُ؛ لِأَنَّ إذْنَ الزَّوْجِ لَهَا لَا يُسْقِطُ الضَّمَانَ.
لَا يُقَالُ هُوَ مُسْتَحِقُّ الْإِزَالَةِ فَيُنَزَّلُ فِعْلُ الْمَرْأَةِ مَنْزِلَةَ فِعْلِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ مُسْتَحِقٌّ لَهَا بِنَفْسِهِ لَا بِغَيْرِهِ اهـ قَالَ سم: وَلَا يَجُوزُ إزَالَةُ بَكَارَتِهَا بِأُصْبُعِهِ أَوْ نَحْوِهَا، إذْ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَجْزُهُ عَنْ إزَالَتِهَا مُثْبِتًا لِلْخِيَارِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى إزَالَتِهَا بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ) أَيْ فَيُصَانُ عَنْ التَّصَوُّرِ بِصُورَةِ الْمُبَاحِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ الرِّفْعَةِ: لِأَنَّ الْبُضْعَ لَا يَتَمَحَّضُ حَقًّا لِلْمَرْأَةِ بَلْ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ فَيُصَانُ عَنْ التَّصَوُّرِ بِصُورَةِ الْمُبَاحَاتِ؟ أَفَادَهُ الْحَلَبِيُّ.
قَالَ شَيْخُنَا: فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ الْوَطْءَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَيْسَ مُسْتَنِدًا لِلْإِبَاحَةِ وَلَيْسَتْ هِيَ الَّتِي أَحَلَّتْهُ وَإِنَّمَا الَّذِي أَحَلَّهُ الْعَقْدُ.
وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّ التَّفْوِيضَ فِيهِ صُورَةُ الْإِبَاحَةِ وَالْوَطْءُ مَصُونٌ عَنْ التَّصَوُّرِ بِصُورَةِ الْمُبَاحِ فَلَوْ لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ بِالْوَطْءِ أَوْ بِالْمَوْتِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ مُتَصَوَّرًا بِصُورَةِ الْمُبَاحِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِيهِ) أَيْ الْوَطْءِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الْمَنْعُ مِنْ الزِّنَا، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا، وَأَمَّا قَوْلُ شَيْخِنَا م د لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ اهـ. وَبَعْضُهُمْ فَسَّرَ حَقَّ اللَّهِ بِقَوْلِهِ بِمَعْنَى أَنَّ إبَاحَتَهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى إذْنِ الشَّارِعِ وَهُوَ أَظْهَرُ.
قَوْلُهُ: (أَكْثَرُ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ إلَخْ) هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ عِنْدَ الْوَطْءِ بِصِفَةٍ، كَعِلْمٍ، لَا تُوجَدُ عِنْدَ الْعَقْدِ فَزَادَ مَهْرُ مِثْلِهَا بِذَلِكَ اُعْتُبِرَ هَذَا الزَّائِدُ.
قَوْلُهُ: (وَاقْتَرَنَ بِهِ) أَيْ بِالدُّخُولِ أَوْ بِالضَّمَانِ لَا بِالْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: (الْإِتْلَافُ) أَيْ إتْلَافُ الْمَنْفَعَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ إدْخَالِ الذَّكَرِ فِيهِ، كَالدَّارِ الْمُسْتَأْجَرَةِ فَإِنَّهَا تَتْلَفُ مَنْفَعَتُهَا بِسُكْنَى الْمُسْتَأْجِرِ لَهَا، فَإِذَا لَمْ يَسْكُنْهَا لَمْ تَتْلَفْ.
قَوْلُهُ: (كَالْمَقْبُوضِ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ) لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِتْلَافُ كَمَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (فَلَا شَطْرَ) لَكِنْ تَجِبُ الْمُتْعَةُ، قَوْلُهُ: (قَبْلَهُمَا) أَيْ قَبْلَ الْفَرْضِ وَالْوَطْءِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَوْتَ كَالْوَطْءِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا مَهْرَ بِالْمَوْتِ
أَوْ بِحَالِ الْعَقْدِ أَوْ الْمَوْتِ؟ أَوْجُهٌ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا بِلَا تَرْجِيحِ أَوْجَهُهَا أَوَّلُهَا؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِالْعَقْدِ وَتَقَرَّرَ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ كَالْوَطْءِ.
وَلَوْ قَتَلَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ أَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ دُخُولٍ سَقَطَ مَهْرُهَا، بِخِلَافٍ مَا لَوْ قَتَلَهَا أَجْنَبِيٌّ أَوْ قَتَلَتْ الْحُرَّةُ نَفْسَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ لَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا.
وَمَهْرُ الْمِثْلِ مَا يُرْغَبُ بِهِ فِي مِثْلِهَا عَادَةً وَرُكْنُهُ الْأَعْظَمُ نَسَبٌ فِي النَّسِيبَةِ لِوُقُوعِ التَّفَاخُرِ بِهِ كَالْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ.
[حاشية البجيرمي]
فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ كَمَا مَرَّ وَكَالْمَوْتِ عِدَّةً وَمَهْرًا وَإِرْثًا لَوْ مُسِخَ أَحَدُهُمَا حَجَرًا فَإِنْ مُسِخَ الزَّوْجُ حَيَوَانًا فَكَذَلِكَ مَهْرًا لَا عِدَّةً وَإِرْثًا عَلَى الْأَوْجَهِ نَظَرًا لِحَيَاتِهِ، وَلَوْ سُحِرَ أَحَدُهُمَا حَيَوَانًا لَمْ تُؤَثِّرْ فِي الْفُرْقَةِ؛ لِأَنَّ السِّحْرَ وَإِنْ كَانَ لَهُ حَقِيقَةٌ وَيُؤَثِّرُ لَكِنَّهُ لَا يَقْلِبُ الْخَوَاصَّ وَلَا يُخْرِجُ الْمَسْحُورَ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَخَوَاصِّهَا سم.
وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا مُسِخَ حَيَوَانًا تَعْتَدُّ عِدَّةَ طَلَاقٍ وَإِنْ مُسِخَ حَجَرًا تَعْتَدُّ عِدَّةَ وَفَاةٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْجَهُهَا أَوَّلُهَا) أَيْ الْأَكْثَرُ مِنْ الْعَقْدِ إلَى الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَتَلَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ إلَخْ) هَذَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ بِالْمَوْتِ.
وَالْمَسْأَلَةُ لَهَا سِتَّةُ أَحْوَالٍ أَرْبَعَةٌ يَسْقُطُ فِيهَا وَاثْنَانِ لَا يَسْقُطُ فِيهِمَا: إذَا قَتَلَ السَّيِّدُ الْأَمَةَ أَوْ زَوْجَهَا أَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا أَوْ زَوْجَهَا يَسْقُطُ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مِمَّنْ لَهُ الْمَهْرُ أَوْ مِمَّنْ فِعْلُهُ كَفِعْلِهِ، وَلَا يَسْقُطُ فِيمَا لَوْ قَتَلَ الزَّوْجُ الْأَمَةَ أَوْ قَتَلَهَا أَجْنَبِيٌّ، وَأَمَّا الْحُرَّةُ فَلَا يَسْقُطُ بِقَتْلِهَا نَفْسَهَا وَيَسْقُطُ بِقَتْلِهَا زَوْجَهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْهَا وَالْفُرْقَةُ إذَا كَانَتْ مِنْهَا أَوْ بِسَبَبِهَا قَبْلَ وَطْءٍ تُسْقِطُ الْمَهْرَ.
وَقَوْلُهُ " وَلَوْ قَتَلَ أَمَتَهُ وَلَوْ مَعَ مُشَارَكَةِ أَجْنَبِيٍّ " أَيْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ أَوْ تَسَبَّبَ فِي ذَلِكَ بِأَنْ وَقَعَتْ فِي بِئْرٍ حَفَرَهَا عُدْوَانًا.
وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ: وَلَوْ قَتَلَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ أَوْ قَتَلَ زَوْجَهَا كَذَلِكَ يَسْقُطُ كُلُّ الْمَهْرِ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ السَّيِّدِ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ فِي صُورَةِ الِاشْتِرَاكِ: يَسْقُطُ مَا يُقَابِلُ السَّيِّدَ وَفِعْلُهَا مَعَ أَحَدٍ يُسْقِطُ النِّصْفَ تَوْزِيعًا عَلَيْهِمَا.
قَوْلُهُ: (أَمَتَهُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ مُكَاتَبَةً أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ مُعَلَّقًا عِتْقُهَا بِصِفَةٍ أَوْ مُوصًى بِهَا أَوْ بِمَنْفَعَتِهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَانْظُرْ لَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ مُبَعَّضَةً وَقَتَلَتْ نَفْسَهَا أَوْ قَتَلَهَا مَالِكُ بَعْضِهَا هَلْ يَسْقُطُ الْمَهْرُ تَغْلِيبًا لِبَعْضِهَا الرَّقِيقِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَوْ لِجَانِبِ سَيِّدِهَا الَّذِي هُوَ مَالِكُ بَعْضِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَوْ لَا يَسْقُطُ تَغْلِيبًا لِبَعْضِهَا الْحُرِّ أَوْ يُقَالُ بِالتَّوْزِيعِ؟ رَاجِعْ وَحَرِّرْ، ثُمَّ رَأَيْت بِبَعْضِ الْهَوَامِشِ مَا نَصُّهُ: أَمَّا الْمُبَعَّضَةُ لَوْ قَتَلَهَا سَيِّدُهَا أَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا فَالْقِيَاسُ أَنَّ لِكُلٍّ حُكْمَهُ كَمَا فِي الْأَنْوَارِ، ثُمَّ رَاجَعْت الْأَنْوَارَ فَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِيهَا فَرَاجِعْهُ.
اهـ. دَيْرَبِيٌ.
وَأَقُولُ: رَاجَعْنَاهُ فَوَجَدْنَاهَا كَالْأَمَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ: وَدَخَلَ فِي الْأَمَةِ الْمُبَعَّضَةُ، وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا م ر. وَقَالَ شَيْخُنَا زي كَالْخَطِيبِ: يَسْقُطُ مَا يُقَابِلُ الرِّقَّ فَقَطْ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا) وَلَوْ مَعَ مُشَارَكَةِ أَجْنَبِيٍّ، وَكَذَا لَوْ قَتَلَتْ الزَّوْجَ أَوْ قَتَلَهُ سَيِّدُهَا أَوْ قَتَلَتْ الْحُرَّةُ زَوْجَهَا؛ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَيْ قَبْلَ الْوَطْءِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ قَتْلُهَا لَهُ بِحَقٍّ اهـ ح ل.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَتَلَتْ الْحُرَّةُ نَفْسَهَا) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ أَنَّ الْحُرَّةَ كَالْمُسَلَّمَةِ إلَى الزَّوْجِ بِالْعَقْدِ إذْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ السَّفَرِ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ، وَفَرَّقَ أَيْضًا بِأَنَّ الْحُرَّةَ إذَا قَتَلَتْ نَفْسَهَا غَنِمَ زَوْجُهَا مِنْ مِيرَاثِهَا فَجَازَ أَنْ يَغْرَمَ مَهْرَهَا بِخِلَافِ الْأَمَةِ، وَأَيْضًا الْغَرَضُ مِنْ نِكَاحِ الْحُرَّةِ الْأُلْفَةُ وَالْمُوَاصَلَةُ دُونَ الْوَطْءِ وَقَدْ وُجِدَا بِالْعَقْدِ وَالْغَرَضُ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ الْوَطْءُ؛ وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ فِيهِ خَوْفُ الْعَنَتِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ قَبْلَ الدُّخُولِ.
وَعِبَارَةُ س ل: قَوْلُهُ " أَوْ قَتَلَتْ الْحُرَّةُ نَفْسَهَا " وَفَارَقَ مَا لَوْ قَتَلَتْ زَوْجَهَا حَيْثُ لَا مَهْرَ بِأَنَّهَا فِي قَتْلِهَا نَفْسَهَا تَفْوِيتٌ لِحَقِّ غَيْرِهَا وَهُمْ الْوَرَثَةُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ وَفِي قَتْلِهَا زَوْجَهَا تَفْوِيتٌ عَلَيْهَا فَسَقَطَ اهـ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الدُّخُولِ) بِخِلَافِ مَا إذَا قَتَلَتْ زَوْجَهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (مَا يُرْغَبُ) أَيْ مَا رُغِبَ فِيهِ بِالْفِعْلِ.
وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ: أَيْ مَا وَقَعَتْ الرَّغْبَةُ بِهِ فِيمَنْ يُمَاثِلُهَا، فَالْمُرَادُ بِالْمُضَارِعِ الْمَاضِي فَسَقَطَ مَا لِبَعْضِهِمْ هُنَا.
قَوْلُهُ: (فِي مِثْلِهَا عَادَةً) خَرَجَ بِقَوْلِهِ " عَادَةً " مَا لَوْ شَذَّ وَاحِدٌ لِفَرْطِ يَسَارِهِ فَرَغِبَ أَوْ شَذَّتْ وَاحِدَةٌ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَرُكْنُهُ الْأَعْظَمُ) أَيْ رُكْنُ الْمِثْلِ الَّذِي يُعْتَبَرُ بِهِ الْمَهْرُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ م ر مَا يُرْغَبُ بِهِ فِي مِثْلِهَا نَسَبًا وَصِفَةً، أَوْ الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِمَهْرِ الْمِثْلِ، أَيْ وَرُكْنُ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي الِاعْتِبَارِ وَرُكْنُهُ الْآخَرُ الصِّفَاتُ.
قَوْلُهُ: (فِي النَّسِيبَةِ) أَمَّا مَجْهُولَةُ النَّسَبِ فَرُكْنُهُ
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ فِي الْعَجَمِ كَالْعَرَبِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ؛ لِأَنَّ الرَّغَبَاتِ تَخْتَلِفُ بِالنَّسَبِ مُطْلَقًا فَيُرَاعَى أَقْرَبُ مَنْ تُنْسَبُ إلَيْهِ، فَأَقْرَبُهُنَّ أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأَبٍ ثُمَّ بَنَاتُ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأَبٍ ثُمَّ عَمَّاتٌ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأَبٍ؛ لِأَنَّ الْمُدْلِي بِجِهَتَيْنِ يُقَدَّمُ عَلَى الْمُدْلِي بِجِهَةٍ، ثُمَّ بَنَاتُ الْأَعْمَامِ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأَبٍ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ اعْتِبَارُ نِسَاءِ الْعَصَبَةِ اُعْتُبِرَ بِذَوَاتِ الْأَرْحَامِ كَالْجَدَّاتِ وَالْخَالَاتِ؛ لِأَنَّهُنَّ أَوْلَى مِنْ الْأَجَانِبِ، وَيُقَدَّمُ مِنْ نِسَاءِ الْأَرْحَامِ الْأُمُّ ثُمَّ الْجَدَّاتُ ثُمَّ الْخَالَاتُ ثُمَّ بَنَاتُ الْأَخَوَاتِ ثُمَّ بَنَاتُ الْأَخْوَالِ.
وَالْمُرَادُ بِالْأَرْحَامِ هُنَا قَرَابَاتُ الْأُمِّ لَا ذَوُو الْأَرْحَامِ الْمَذْكُورُونَ فِي الْفَرَائِضِ؛؛ لِأَنَّ أُمَّهَاتِ الْأُمِّ لَسْنَ مِنْ الْمَذْكُورِينَ فِي الْفَرَائِضِ.
وَيُعْتَبَرُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ سِنٌّ وَعِفَّةٌ وَعَقْلٌ وَجَمَالٌ وَيَسَارٌ وَفَصَاحَةٌ وَبَكَارَةٌ وَثُيُوبَةٌ.
وَمَا اخْتَلَفَ بِهِ غَرَضٌ كَالْعِلْمِ وَالشَّرَفِ؛ لِأَنَّ الْمُهُورَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الصِّفَاتِ.
وَيُعْتَبَرُ مَعَ ذَلِكَ الْبَلَدُ فَإِنْ كَانَ نِسَاءُ الْعَصَبَةِ بِبَلَدَيْنِ هِيَ فِي إحْدَاهُمَا اُعْتُبِرَ بِعَصَبَاتِ بَلَدِهَا، فَإِنْ كُنَّ كُلُّهُنَّ بِبَلْدَةٍ أُخْرَى فَالِاعْتِبَارُ بِهِنَّ لَا بِأَجْنَبِيَّاتِ بَلَدِهَا كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
[حاشية البجيرمي]
الْأَعْظَمُ نِسَاءُ الْأَرْحَامِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي؛ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (كَالْكَفَاءَةِ) أَيْ فِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهَا النَّسَبُ.
قَوْلُهُ: (فَيُرَاعَى أَقْرَبُ إلَخْ) فِي الْعِبَارَةِ نَقْصٌ مُخِلٌّ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: فَيُرَاعَى مِنْ أَقَارِبِهَا لِتُقَاسَ هِيَ عَلَيْهَا أَقْرَبُ مَنْ تُنْسَبُ مِنْ نِسَاءِ الْعَصَبَةِ إلَى مَنْ تُنْسَبُ هَذِهِ الَّتِي طُلِبَ مَعْرِفَةُ مَهْرِهَا إلَيْهِ كَأُخْتٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (مَنْ تُنْسَبُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى مَنْ تُنْسَبُ هِيَ إلَيْهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُرَاعَى أَقْرَبُ امْرَأَةٍ إلَيْهَا مِنْ الْمَنْسُوبَاتِ إلَى أَقْرَبِ جَدٍّ يُنْسَبُ الْكُلُّ إلَيْهِ مِمَّنْ فِي مَحَلِّ الْعُصُوبَةِ لَوْ كُنَّ ذُكُورًا ق ل.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَنَاتُ أَخٍ) أَيْ وَإِنْ سَفَلْنَ، فَتُقَدَّمُ بِنْتُ ابْنِ الْأَخِ عَلَى الْعَمَّةِ؛ لِأَنَّ جِهَةَ الْأُخُوَّةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى جِهَةِ الْعُمُومَةِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ بَنَاتَ الْأُخْتِ هُنَا وَسَيَأْتِي بِذِكْرِهِنَّ فِي نِسَاءِ ذَوِي الْأَرْحَامِ، فَانْظُرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ بَنَاتِ الْأَخِ حَيْثُ قَدَّمَهُنَّ عَلَيْهِنَّ؟
قَوْلُهُ: (ثُمَّ عَمَّاتٌ) لَا بَنَاتُهُنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَنَاتُ الْأَعْمَامِ) أَيْ ثُمَّ بَنَاتُهُنَّ وَإِنْ سَفَلْنَ لِإِدْلَائِهِنَّ بِعَصَبَةٍ.
قَوْلُهُ: (كَالْجَدَّاتِ) أَيْ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ أَمَّا الَّتِي مِنْ قِبَلِ الْأَبِ فَلَيْسَتْ هُنَا مِنْ الرَّحِمِ وَلَا مِنْ الْعَصَبَاتِ لِعَدَمِ دُخُولِهَا فِي تَعْرِيفِ كُلٍّ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ عِبَارَةِ ع ش عَلَى م ر. قَالَ م ر: وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْأُمِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَكَيْفَ لَا تُعْتَبَرُ وَتُعْتَبَرُ أُمُّهَا؛ وَلِذَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: تُقَدَّمُ الْأُمُّ فَالْأُخْتُ لِلْأُمِّ فَالْجَدَّاتُ فَإِنْ اجْتَمَعَ أُمُّ أَبٍ وَأَمُّ أُمٍّ فَوُجُوهٌ أَوْجَهُهَا اسْتِوَاؤُهُمَا اهـ بِالْحَرْفِ.
قَالَ ع ش: قَوْلُهُ " فَإِنْ اجْتَمَعَ أُمُّ أَبٍ " أَيْ لِلْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي قَرَابَتِهَا، أَمَّا أُمُّ أَبِي الْمَنْكُوحَةِ فَلَا تَدْخُلُ فِي الْأَرْحَامِ فِي الضَّابِطِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَيَنْبَغِي أَنَّهَا مِنْ نِسَاءِ الْعَصَبَاتِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِالْأَرْحَامِ هُنَا إلَخْ) أَيْ؛ لِأَنَّ أُمَّهَاتِ الْأُمِّ يُعْتَبَرْنَ هُنَا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَهُنَاكَ ذَوَاتُ فُرُوضٍ، فَلَوْ أُرِيدَ مَا هُنَاكَ خَرَجْت بِقَوْلِهِ " فَإِنْ تَعَذَّرَ اعْتِبَارُ نِسَاءِ الْعَصَبَةِ إلَخْ " وَلِأَنَّ الْعَمَّاتِ هُنَا مِنْ نِسَاءِ الْعَصَبَاتِ وَهُنَاكَ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ.
قَوْلُهُ: (قَرَابَاتُ الْأُمِّ) أَيْ الْأُمُّ وَقَرَابَاتُهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْهُنَّ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْمَذْكُورِينَ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: مِنْ الْمَذْكُورَاتِ؛ لِأَنَّهُنَّ إنَاثٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُعْتَبَرُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ النَّسَبِ، فَإِنْ فَضَّلْتَهُنَّ بِوَصْفٍ أَوْ نَقَصْتَ فَرْضَ مَهْرٍ لَائِقٍ بِالْحَالِ أَيْ حَالِ الْمَرْأَةِ الْمَطْلُوبَةِ مَهْرُهَا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ فَالرَّأْيُ فِي ذَلِكَ مَنُوطٌ بِهِ فَيُقَدِّرُهُ بِاجْتِهَادِهِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ اتِّفَاقٌ عَلَيْهِ وَحَصَلَ تَنَازُعٌ.
اهـ. س ل.
قَوْلُهُ: (وَفَصَاحَةٌ) وَفِي الْكَافِي اعْتِبَارُ حَالِ الزَّوْجِ أَيْضًا مِنْ الْيَسَارِ وَالْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالنَّسَبِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَعْتَبِرُوا الْمَالَ وَالْجَمَالَ فِي الْكَفَاءَةِ؛ لِأَنَّ مَدَارَهَا عَلَى دَفْعِ الْعَارِ وَمَدَارُ الْمَهْرِ عَلَى مَا يَخْتَلِفُ بِهِ الرَّغَبَاتُ ح ل. قَوْلُهُ: (وَبَكَارَةٌ وَثُيُوبَةٌ) اُنْظُرْ لِأَيِّ شَيْءٍ ذَكَرَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ أَحَدَ الْمُتَقَابِلَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ السِّنَّ وَسَكَتَ عَنْ مُقَابِلِهِ وَذَكَرَ الْعَقْلَ وَسَكَتَ عَنْ مُقَابِلِهِ وَهَكَذَا إلَخْ، ثُمَّ ذَكَرَ الْبَكَارَةَ وَمُقَابِلَهَا وَهُوَ الثُّيُوبَةُ؟ تَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ شَيْخُنَا بَعْدَ أَنْ سُئِلَ عَنْهُ اهـ خ ض.
قَوْلُهُ: (اُعْتُبِرَ بِعَصَبَاتِ بَلَدِهَا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ بَعُدْنَ كَبَنَاتِ أَخٍ وَكَانَتْ الْغَائِبَاتُ أَقْرَبَ كَأَخَوَاتٍ، وَقَدْ نَقَلَ ذَلِكَ سم فِي حَوَاشِي الْمَنْهَجِ عَنْ م ر؛ لَكِنْ نُقِلَ فِي حَوَاشِي ابْنِ حَجَرٍ اعْتِبَارُ الْغَائِبَاتِ حِينَئِذٍ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَعِبَارَةُ ح ل: وَلَوْ كَانَ اللَّوَاتِي بِبَلَدِهَا أَبْعَدَ مِنْ اللَّوَاتِي بِغَيْرِهَا فَمَحَلُّ نَظَرٍ قَالَهُ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا اعْتِمَادُ شَبَهِهَا، وَنَقَلَ الشَّيْخُ سم عَنْهُ فِي حَوَاشِي حَجّ مُرَاعَاةَ مَنْ فِي بَلَدِهَا إنْ اسْتَوَيَا اهـ.
(وَلَيْسَ لِأَقَلِّ الصَّدَاقِ وَلَا لِأَكْثَرِهِ حَدٌّ) بَلْ ضَابِطُهُ كُلُّ مَا صَحَّ كَوْنُهُ مَبِيعًا عِوَضًا أَوْ مُعَوَّضًا صَحَّ كَوْنُهُ صَدَاقًا وَمَالًا فَلَا، فَلَوْ عَقَدَ بِمَا لَا يُتَمَوَّلُ وَلَا يُقَابِلُ بِمُتَمَوَّلٍ كَحَبَّتَيْ حِنْطَةٍ لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ وَيُرْجَعُ لِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَكَذَا إذَا أَصْدَقَهَا ثَوْبًا
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لِأَقَلِّ الصَّدَاقِ إلَخْ) وَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا، أَيْ قَلَّ أَوْ كَثُرَ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي الْعَقْدِ.
قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَوَاةً أَوْ قِشْرَةَ بَصَلَةٍ وَنَحْوَهُمَا.
قَوْلُهُ: (حَدٌّ) أَيْ مُعَيَّنٌ يُوقَفُ عِنْدَهُ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْقَصُ عَنْهُ؛ وَهَذَا عِنْدَنَا وَأَمَّا عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فَأَقَلُّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ.
قَوْلُهُ: (عِوَضًا أَوْ مُعَوَّضًا) تَعْمِيمٌ فِيمَا صَحَّ مَبِيعًا، وَنُوقِشَ فِيهِ بِأَنَّ الْمَبِيعَ مُعَوَّضٌ لَا عِوَضَ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَبِيعَ يَصِحُّ كَوْنُهُ ثَمَنًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَبِّرْ بِالْمَبِيعِ بِالْفِعْلِ حَتَّى يُنَافِيَ التَّعْمِيمَ بَلْ بِمَا صَحَّ كَوْنُهُ مَبِيعًا وَهُوَ قَابِلٌ لِكَوْنِهِ ثَمَنًا.
قَوْلُهُ: (صَحَّ كَوْنُهُ صَدَاقًا) أَيْ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يَرِدُ مَا لَوْ جَعَلَ رَقَبَةَ الْعَبْدِ صَدَاقًا لِزَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ حَيْثُ لَا يَصِحُّ بَلْ يَبْطُلُ النِّكَاحُ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّضَادِّ وَلَا جَعْلُ الْأَبِ أُمَّ الْوَلَدِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا مَنْ تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ صَدَاقًا لَهُ وَلَا جَعْلُ ثَوْبٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ صَدَاقًا مَعَ أَنَّ كُلًّا يَصِحُّ جَعْلُهُ ثَمَنًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ يَصِحُّ صَدَاقُهَا فِي الْجُمْلَةِ وَالْمَنْعِ فِي ذَلِكَ لِعَارِضٍ، وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الصَّدَاقِ رَفَعَهُ.
وَنَازَعَ شَيْخُنَا فِي إيرَادِ الثَّوْبِ حَيْثُ قَالَ: وَاسْتِثْنَاءُ مَا لَوْ جَعَلَ ثَوْبًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ مِنْ وُجُوبِ سِتْرِ الْعَوْرَةِ بِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَعَيَّنَ السِّتْرُ بِهِ امْتَنَعَ بَيْعُهُ وَإِصْدَاقُهُ وَإِلَّا صَحَّ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَعَلَى اعْتِبَارِ الْمَفْهُومِ وَهُوَ مَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَا يَصِحُّ جَعْلُهُ صَدَاقًا يَرِدُ عَلَيْهِ صِحَّةُ إصْدَاقِهَا مَا لَزِمَهَا أَوْ لَزِمَ فِيهَا مِنْ قَوَدٍ مَعَ عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِهِ.
وَقَوْلُهُ " إصْدَاقِهَا " أَيْ إصْدَاقِ شَخْصٍ لَهَا مَا لَزِمَهَا مِنْ قَوَدِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيَجْعَلُ ذَلِكَ صَدَاقًا لَهَا، وَلَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً مُشْرِكَةً لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَا يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ فَأَكْثَرَ، وَإِنْ خَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ أَقَلُّ مِنْ أَقَلِّ مُتَمَوَّلٍ لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ.
وَهَلْ الثَّمَنُ مِثْلُهُ فِي الْبَيْعِ أَوَّلًا؟ حَرِّرْهُ، وَصُورَةُ أُمُّ الْوَلَدِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر: أَنْ يَتَزَوَّجَ شَخْصٌ أَمَةً بِالشُّرُوطِ ثُمَّ يَأْتِي مِنْهَا بِوَلَدٍ ثُمَّ يَمْلِكُهَا هِيَ وَوَلَدَهَا فَيَعْتِقُ الْوَلَدُ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَهُ وَيَجْعَلَ أُمَّهُ صَدَاقًا لَهُ لَا يَصِحُّ اهـ.
وَقَالَ شَيْخُنَا: صُورَتُهَا أَنْ يَطَأَ أَمَةً بِشُبْهَةٍ فَيَأْتِي مِنْهَا بِوَلَدٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيَهَا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَهَا صَدَاقًا لِهَذَا الْوَلَدِ لِلدَّوْرِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي دُخُولَهَا فِي مِلْكِهِ، وَإِذَا دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ عَتَقَتْ عَلَيْهِ، وَإِذَا عَتَقَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ جَعْلُهَا صَدَاقًا، وَمَا أَدَّى وُجُودُهُ إلَى عَدَمِهِ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ عَقَدَ بِمَا لَا يُتَمَوَّلُ) أَيْ لَا يُعَدُّ مَالًا عُرْفًا وَإِنْ عُدَّ بِضَمِّهِ إلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَفْهُومِ.
قَوْلُهُ: (بِمَا لَا يُتَمَوَّلُ وَلَا يُقَابَلُ بِمُتَمَوَّلٍ) لَا يَخْفَى أَنَّ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ لَازِمَةٌ لِلْأُخْرَى، إلَّا إنْ أُرِيدَ بِالثَّانِيَةِ نَحْوَ شُفْعَةٍ وَحَدِّ قَذْفٍ لِخُرُوجِهِ عَنْ الْعِوَضِيَّةِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: فَإِنْ عَقَدَ بِمَا لَا يُتَمَوَّلُ وَلَا يُقَابَلُ بِمُتَمَوَّلٍ كَنَوَاةٍ وَحَصَاةٍ وَتَرْكِ شُفْعَةٍ وَحَدِّ قَذْفٍ فَسَدَتْ التَّسْمِيَةُ لِخُرُوجِهِ عَنْ الْعِوَضِيَّةِ اهـ فَقَوْلُهُ لَا يُتَمَوَّلُ أَيْ مِنْ الْمَالِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ كَنَوَاةٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يُقَابَلُ بِمُتَمَوَّلٍ لِإِخْرَاجِ نَحْوِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْقِصَاصِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَتَرَكَ شُفْعَةً وَبِهِ تَعْلَمُ مَا فِي الْحَاشِيَةِ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: " وَتَرْكِ شُفْعَةٍ " بِأَنْ اشْتَرَتْ نَصِيبَ شَرِيكِهِ، وَقَوْلُهُ " وَحَدِّ قَذْفٍ " بِأَنْ قَذَفَتْهُ.
قَوْلُهُ: (كَحَبَّتَيْ حِنْطَةٍ) مِثَالٌ لِمَا لَا يُتَمَوَّلْ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ) وَأَمَّا النِّكَاحُ فَصَحِيحٌ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْمُسَمَّى؛ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ مُشْتَمِلٌ عَلَى عَقْدَيْنِ عَقْدٌ لِلنِّكَاحِ قَصْدًا وَبِالذَّاتِ وَعَقْدٌ لِلصَّدَاقِ تَبَعًا وَبِالْعَرَضِ، فَإِذَا صَحَّ مَا بِالذَّاتِ صَحَّ التَّابِعُ لَهُ أَوْ فَسَدَ هُوَ فَسَدَ وَلَا كَذَلِكَ مَا لَوْ فَسَدَ التَّابِعُ فَإِنَّ الْمَتْبُوعَ بَاقٍ عَلَى الصِّحَّةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُرْجَعُ لِمَهْرِ الْمِثْلِ) وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ الْمُسَمَّى إلَّا فِي صُورَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا: نِكَاحُ الشِّغَارِ، وَالثَّانِيَةُ: إذَا زَوَّجَ عَبْدَهُ لِحُرَّةٍ وَجَعَلَ رَقَبَتَهُ صَدَاقًا لَهَا لِلدَّوْرِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ جَعْلُهُ صَدَاقًا لَمَلَكْته وَلَوْ مَلَكْته لَانْفَسَخَ النِّكَاحُ وَلَوْ انْفَسَخَ لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ فَيَلْزَمُ مِنْ جَعْلِهِ صَدَاقًا عَدَمُ جَعْلِهِ صَدَاقًا.
فَرْعٌ: لَوْ أَصْدَقَهَا مِائَةٌ خَمْسُونَ حَالَّةً وَخَمْسُونَ مُؤَجَّلَةً بِأَجَلٍ مَجْهُولٍ كَمَا يَقَعُ فِي زَمَانِنَا مِنْ قَوْلِهِمْ يَحِلُّ بِمَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ فَسَدَ الصَّدَاقُ وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلَا يُقَالُ بِوُجُوبِ نِصْفِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ التَّوْزِيعِ أَنْ يَكُونَ الْفَاسِدُ مَعْلُومًا وَهُنَا مَجْهُولٌ لِجَهْلِ أَجَلِهِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ يُقَابِلُهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ.
اهـ. م ر وزي.
وَلَوْ دَفَعَ لَهَا مَالًا وَلَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَهْرِ وَادَّعَى أَنَّهُ مِنْهُ صُدِّقَ كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَيْنٌ صُدِّقَ الْآخِذُ فِي نَفْيِ الْعِوَضِ عَنْهُ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي دَفْعِ صَدَاقٍ لِوَلِيِّ
لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ فَلَا يَصِحُّ لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ فِي سِتْرِ الْعَوْرَةِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي أَرَادَ التَّزْوِيجَ عَلَى إزَارِهِ: «إزَارُك هَذَا إنْ أَعْطَيْته إيَّاهَا جَلَسْت وَلَا إزَارَ لَك» وَهَذَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِنَا: مَا صَحَّ مَبِيعًا صَحَّ صَدَاقًا.
وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ الْمَهْرُ عَنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمَ كَأَصْدِقَةِ بَنَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَوْجَاتِهِ، وَأَمَّا إصْدَاقُ أُمِّ حَبِيبَةَ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ فَكَانَ مِنْ النَّجَاشِيِّ إكْرَامًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
(وَيَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ) تُسْتَوْفَى بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ كَتَعْلِيمٍ فِيهِ كُلْفَةٌ وَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ وَكِتَابَةٍ وَنَحْوِهَا إذَا كَانَ يُحْسِنُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُهَا وَالْتَزَمَ فِي الذِّمَّةِ جَازَ وَيَسْتَأْجِرُ لَهَا مَنْ يُحْسِنُهَا، وَإِنْ الْتَزَمَ الْعَمَلَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ لِعَجْزِهِ.
وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْمَعْلُومَةِ الْمَنْفَعَةُ الْمَجْهُولَةُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ صَدَاقًا، وَلَكِنْ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَإِطْلَاقُ التَّعْلِيمِ فِيمَا تَقَدَّمَ شَامِلٌ لِمَا يَجِبُ تَعَلُّمُهُ كَالْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا وَلِلْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالشِّعْرِ وَالْخَطِّ
[حاشية البجيرمي]
مَحْجُورَةٍ أَوْ رَشِيدَةٍ أَذِنَتْ لِلْوَلِيِّ بِأَخْذِهِ نُطْقًا وَإِلَّا فَلَا، وَيُصَدَّقُ الْوَلِيُّ فِي دَعْوَاهُ الْإِذْنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ.
وَلَوْ أَصْدَقَهَا جَارِيَةً ثُمَّ وَطِئَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا حَدَّ أَوْ بَعْدَهُ حُدَّ مَا لَمْ يُعْذَرْ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ مُتَعَرِّضٌ لِعَوْدِ نِصْفِهِ إلَيْهِ فَهُوَ شُبْهَةٌ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (لِلَّذِي أَرَادَ التَّزْوِيجَ) الْأَوْلَى التَّزَوُّجُ.
قَوْلُهُ: (إزَارُك) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ إنْ أَعْطَيْته إلَخْ.
قَوْلُهُ: (جَلَسْتَ وَلَا إزَارَ لَك) أَيْ وَحَقُّ اللَّهِ الَّذِي هُوَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا دَاخِلٌ إلَخْ) يُتَأَمَّلُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي صِحَّةَ بَيْعِهِ وَقَدْ قُدِّمَ فِيهِ الْبُطْلَانُ فَلَا يَصِحُّ لِتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ بِهِ، فَلَوْ قَالَ خَارِجٌ كَانَ أَوْلَى.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِ قَوْلِنَا إلَخْ، وَهُوَ قَوْلُهُ " وَإِلَّا فَلَا " وَعَلَى هَذَا فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الشَّارِحِ.
وَاعْتَرَضَهُ ق ل بِأَنَّ الْإِزَارَ أَوْ الثَّوْبَ يَصِحُّ كَوْنُهُ مَبِيعًا وَإِنْ امْتَنَعَ بَيْعُهُ لِعَارِضٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ دَاخِلًا لَوْ قَالَ مَا صَحَّ أَنْ يَبِيعَهُ الْإِنْسَانُ صَحَّ أَنْ يَجْعَلَهُ صَدَاقًا مَعَ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَنْقُصَ) وَأَنْ يَكُونَ مِنْ الدَّرَاهِمِ م ر.
قَوْلُهُ: (خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ) ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُجَوِّزُ أَقَلَّ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا إصْدَاقُ أُمِّ حَبِيبَةَ إلَخْ) وَهِيَ رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، هَاجَرَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ فَوَلَدَتْ لَهُ حَبِيبَةَ وَبِهَا كَانَتْ تُكْنَى، وَهِيَ رَبِيبَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ فِي حِجْرِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -؛ وَتَنَصَّرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ هُنَاكَ وَثَبَتَتْ هِيَ عَلَى الْإِسْلَامِ، «وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَى النَّجَاشِيِّ فَزَوَّجَهُ إيَّاهَا وَأَصْدَقَهَا النَّجَاشِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ» ، وَاَلَّذِي تَوَلَّى عَقْدَ النِّكَاحِ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَّلَتْهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِيهَا، وَقِيلَ: الَّذِي تَوَلَّى عَقْدَ النِّكَاحِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَقِيلَ: كَانَ الصَّدَاقُ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَجَهَّزَهَا النَّجَاشِيُّ مِنْ عِنْدِهِ وَأَرْسَلَهَا مَعَ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ، وَقِيلَ: «تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَدِينَةِ» ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي كَلَامِ الْعَامِرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَدَّدَ نِكَاحَ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ تَطْيِيبًا لِخَاطِرِهِ» . اهـ. ح ل فِي السِّيرَةِ.
قَوْلُهُ: (تُسْتَوْفَى بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ) فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي مَنْفَعَةِ الْإِجَارَةِ، أَيْ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي تُسْتَوْفَى بِالْإِجَارَةِ، أَيْ يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهَا بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ؛ فَخَرَجَ الْمَنْفَعَةُ الْمُحَرَّمَةُ وَالْفَاقِدَةُ بَعْضَ شُرُوطِ الْإِجَارَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ لَهَا شَرْطَيْنِ: كَوْنُهَا مَعْلُومَةً وَكَوْنُهَا تُسْتَوْفَى بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ بِأَنْ تَكُونَ مُبَاحَةً لَا كَآلَةِ لَهْوٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ الْمُجْبَرَةِ، أَمَّا الْمُجْبَرَةُ فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ إجْبَارِهَا أَنْ يَكُونَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ إلَّا أَنْ تُصُوِّرَ بِمَا إذَا كَانَتْ عَادَتُهُمْ التَّعَامُلَ بِالْمَنَافِعِ، أَوْ تُصُوِّرَ بِمَا إذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ أَمَتَهُ لِعَبْدٍ كَامِلٍ أَوْ لِحُرٍّ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهَا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ ذَلِكَ بِالْمِلْكِ لَا بِالْوِلَايَةِ فَالتَّقْرِيرُ الْأَوَّلُ مُتَعَيَّنٌ.
قَوْلُهُ: (كُلْفَةٌ) وَلَوْ لِلشَّهَادَتَيْنِ كَمَا لَوْ كَانَتْ كَافِرَةً وَأَرَادَتْ الْإِسْلَامَ إذَا كَانَ فِي تَعْلِيمِهَا لَهُمَا كُلْفَةٌ بِأَنْ كَانَتْ أَعْجَمِيَّةً.
قَوْلُهُ: (وَالْتَزَمَ) أَيْ التَّعْلِيمَ فِي الذِّمَّةِ جَازَ.
قَوْلُهُ: (مَنْ يُحْسِنُهَا) أَيْ الْمَنْفَعَةَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ الْتَزَمَ) ابْتِدَاءُ كَلَامٍ لَا غَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَصِحَّ) أَيْ عَقْدُ الصَّدَاقِ حَيْثُ لَمْ يَحْسُنْ، وَأَمَّا النِّكَاحُ فَصَحِيحٌ وَيَنْعَقِدُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: (الْمَجْهُولَةُ) كَسُكْنَى الدَّارِ مُدَّةً مَجْهُولَةً.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ) أَيْ عَلَى الزَّوْجِ وَلَهُ عَلَيْهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي مُقَابَلَةِ
وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَلِتَعْلِيمِهَا هِيَ أَوْ وَلَدِهَا الْوَاجِبِ عَلَيْهَا تَعْلِيمُهُ، وَكَذَا لِعَبْدِهَا عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ؛ فَعَلَى هَذَا لَا يَتَعَذَّرُ تَعْلِيمُ غَيْرِهَا بِطَلَاقِهَا، أَمَّا إذَا أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَهَا بِنَفْسِهِ فَطَلَّقَ قَبْلَ التَّعْلِيمِ بَعْدَ دُخُولِهِ أَوْ قَبْلَهُ تَعَذَّرَ تَعْلِيمُهُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ اخْتِلَاؤُهُ بِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: الْأَجْنَبِيَّةُ يُبَاحُ النَّظَرُ إلَيْهَا لِلتَّعْلِيمِ وَهَذِهِ صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً فَهَلَّا جَازَ تَعْلِيمُهَا، أُجِيبَ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الزَّوْجَيْنِ تَعَلَّقَتْ آمَالُهُ بِالْآخَرِ وَحَصَلَ بَيْنَهُمَا نَوْعُ وُدٍّ فَقَوِيَتْ التُّهْمَةُ فَامْتَنَعَ التَّعْلِيمُ لِقُرْبِ
[حاشية البجيرمي]
سُكْنَى الدَّارِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (كَالْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا) أَيْ مِنْ الْعِلْمِ الْمُحْتَاجَةِ إلَيْهِ وَالْحِرْفَةِ الْمُضْطَرَّةِ إلَيْهَا كَالْخِيَاطَةِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَلِلْقُرْآنِ) مِثَالٌ لِمَا لَا يَجِبُ تَعْلِيمُهُ أَيْ قَدْرًا مِنْهُ فِي تَعْلِيمِهِ كُلْفَةٌ عُرْفًا وَلَوْ دُونَ ثَلَاثِ آيَاتٍ فِيمَا يَظْهَرُ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ قَدْرِهِ أَوْ يُقَدَّرُ بِالزَّمَانِ، فَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْقَدْرِ وَالزَّمَانِ بَطَلَ.
وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ نَوْعِ الْقِرَاءَةِ كَقِرَاءَةِ نَافِعٍ أَوْ حَفْصٍ حَيْثُ غَلَبَتْ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ تَغْلِبْ وَجَبَ تَعْيِينُهُ.
وَعِبَارَةُ م ر: وَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ بِمَا شَرَطَ تَعْلِيمَهُ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعَلِّمَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا وَكَّلَ الْجَاهِلُ مَنْ يُعَلِّمُهُ، وَلَا يَكْفِي التَّقْدِيرُ بِالْإِشَارَةِ إلَى الْمَكْتُوبِ فِي أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْحَرْفِ أَيْ النَّوْعِ الَّذِي يُعَلِّمُهُ لَهَا كَقِرَاءَةِ نَافِعٍ فَيُعَلِّمُهَا مَا شَاءَ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ؛ وَنُقِلَ عَنْ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ يُعَلِّمُهَا مَا غَلَبَ عَلَى قِرَاءَةِ أَهْلِ الْبَلَدِ وَهُوَ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ حَسَنٌ، فَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ فِيهَا شَيْءٌ تَخَيَّرَ.
هَذَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ أَوَّلًا وَجَبَ التَّعْيِينُ فَلْيُحَرَّرْ الْمُعْتَمَدُ مِنْهُمَا، فَإِنْ عَيَّنَ الزَّوْجُ وَالْوَلِيُّ حَرْفًا تَعَيَّنَ، فَلَوْ عَلَّمَهَا غَيْرُهُ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِهِ وَعَلَيْهِ تَعْلِيمُ الْمُعَيَّنِ وَفَاءً بِالشَّرْطِ؛ وَلَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ قُرْآنٍ أَوْ غَيْرِهِ شَهْرًا صَحَّ لَا تَعْلِيمَ سُورَةٍ فِي شَهْرٍ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ اهـ.
وَقَوْلُهُ " وَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الزَّوْجِ وَالْوَلِيِّ " قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عِلْمُ الْمَرْأَةِ لِمَا يَجْعَلُ تَعْلِيمَهُ صَدَاقًا.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُهَا بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ إلَّا إذَا كَانَتْ رَشِيدَةً وَأَذِنَتْ فِيهِ، وَقَدْ يُقَالُ لَمَّا رَضِيَتْ بِجَعْلِ صَدَاقِهَا مِنْ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَهُوَ التَّعْلِيمُ فَكَأَنَّهَا رَدَّتْ الْأَمْرَ إلَى وَلِيِّهَا فِيمَا يَجْعَلُهُ صَدَاقَهَا مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَوْ وُكِّلَ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ لِلْوَكِيلِ.
وَقَوْلُهُ " وَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الزَّوْجِ إلَخْ " وَيَكْفِي فِي عِلْمِهِمَا سَمَاعُهُمَا لَهُ مِمَّنْ تَقْرَؤُهُ عَلَيْهِمَا وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً.
اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (وَالشِّعْرِ) سُئِلَ الْإِمَامُ الْمُزَنِيّ عَنْ صِحَّةِ جَعْلِ الصَّدَاقِ شِعْرًا فَقَالَ: يَجُوزُ إنْ كَانَ مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ، وَهُوَ أَبُو الدَّرْدَاءِ الْأَنْصَارِيُّ:
يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاهُ ... وَيَأْبَى اللَّهُ إلَّا مَا أَرَادَا
يَقُولُ الْمَرْءُ فَائِدَتِي وَزَادِي ... وَتَقْوَى اللَّهِ أَعْظَمُ مَا اسْتَفَادَا
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (وَلِتَعْلِيمِهَا هِيَ) أَيْ وَشَامِلٌ لِتَعْلِيمِهَا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (الْوَاجِبِ إلَخْ) أَيْ بِأَنْ كَانَتْ وَصِيَّةً عَلَيْهِ وَالْوَلَدُ فَقِيرٌ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا لِعَبْدِهَا) لَا يَخْفَى أَنْ تَشْبِيهَ عَبْدِهَا بِوَلَدِهَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ تَعْلِيمِ الْعَبْدِ بِالْوَاجِبِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ كَتَعْلِيمِهَا الشَّامِلِ لِغَيْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا فَلَوْ قَدَّمَهُ عَلَى الْوَلَدِ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا.
وَعِبَارَةُ م د: قَوْلُهُ وَكَذَا عَبْدُهَا أَيْ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا تَعْلِيمُهُ؛ لِأَنَّهُ تَزِيدُ قِيمَتُهُ بِذَلِكَ بِخِلَافِ وَلَدِهَا فَتَشْبِيهُ الْعَبْدِ بِالْوَلَدِ لَيْسَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ فِي مُطْلَقِ الصِّحَّةِ.
قَوْلُهُ: (بِطَلَاقِهِ) أَيْ إيَّاهَا فَهُوَ مُضَافٌ لِفَاعِلِهِ.
قَوْلُهُ: (تَعَذَّرَ تَعْلِيمُهُ) إيَّاهَا شَرْعًا أَيْ بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ، أَحَدُهَا وَثَانِيهَا: أَنْ يُصْدِقَهَا تَعْلِيمَهُ بِنَفْسِهِ لِنَفْسِهَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا تَصِيرَ مَحْرَمًا لَهُ كَإِرْضَاعِهَا زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا تَصِيرَ زَوْجَةً لَهُ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ وَقْعٌ بِأَنْ يَتَعَذَّرَ تَعْلِيمُهُ بِمَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ.
وَالسَّادِسُ: أَنْ تَكُونَ كَبِيرَةً مُطْلَقًا أَوْ صَغِيرَةً تُشْتَهَى.
وَغَالِبُهَا يُؤْخَذُ مِنْ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا صَارَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ) أَيْ وَلَا يُؤْمَنُ الْوُقُوعُ فِي التُّهْمَةِ وَالْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ لَوْ جَوَّزْنَا التَّعْلِيمَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ مِنْ غَيْرِ خَلْوَةٍ أَوْ جَوَّزْنَاهُ بِحُضُورِ مَحْرَمٍ مَثَلًا؛ لِأَنَّ الْمَحْرَمَ قَدْ يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ فَلَا يُؤْمَنُ مِنْ الْوُقُوعِ فِي التُّهْمَةِ وَالْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَلَوْ تَنَازَعَا فِي الْبُدَاءَةِ بِالتَّسْلِيمِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَفْسُدُ الصَّدَاقُ وَيُؤْمَرُ بِدَفْعِ مَهْرِ الْمِثْلِ لِعَدْلٍ ثُمَّ تُؤْمَرُ بِالتَّمْكِينِ هَذَا مَا تَحَرَّرَ فِي الدَّرْسِ وَلَا نَقْلَ فِيهَا فِيمَا عَلِمْت؛ هَكَذَا قَالَ شَيْخُنَا م ر اهـ
الْفِتْنَةِ، بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ فَإِنَّ قُوَّةَ الْوَحْشَةِ بَيْنَهُمَا اقْتَضَتْ جَوَازَ التَّعْلِيمِ.
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالتَّعْلِيمِ الَّذِي يَجُوزُ النَّظَرُ لَهُ هُوَ التَّعْلِيمُ الْوَاجِبُ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، فَمَا هُنَا مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ وَرَجَّحَ هَذَا السُّبْكِيُّ.
وَقِيلَ: التَّعْلِيمُ الَّذِي يُجَوِّزُ النَّظَرَ خَاصٌّ بِالْأَمْرَدِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ، وَرَجَّحَ هَذَا الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ.
تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ تَعْلِيلُهُمْ السَّابِقُ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَحْرُمْ الْخَلْوَةُ بِهَا كَأَنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تُشْتَهَى أَوْ صَارَتْ مَحْرَمًا لَهُ بِرَضَاعٍ أَوْ نَكَحَهَا ثَانِيًا لَمْ يَتَعَذَّرْ التَّعْلِيمُ وَهُوَ كَذَلِكَ.
فُرُوعٌ: لَوْ أَصْدَقَ زَوْجَتَهُ الْكِتَابِيَّةَ تَعْلِيمَ قُرْآنٍ صَحَّ إنْ تَوَقَّعَ إسْلَامَهَا وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ التَّوْرَاةِ أَوْ الْإِنْجِيلِ وَهُمَا كَافِرَانِ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ تَرَافَعَا إلَيْنَا بَعْدَ التَّعْلِيمِ فَلَا شَيْءَ لَهَا سِوَاهُ أَوْ قَبْلَهُ وَجَبَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ.
وَلَوْ أَصْدَقَ الْكِتَابِيَّةَ تَعْلِيمًا لِلشَّهَادَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ فِي تَعْلِيمِهَا كُلْفَةٌ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ.
(وَيَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ) وَبِكُلِّ فُرْقَةٍ وُجِدَتْ لَا مِنْهَا وَلَا بِسَبَبِهَا.
(قَبْلَ الدُّخُولِ) كَإِسْلَامِهِ وَرِدَّتِهِ وَلِعَانِهِ وَإِرْضَاعِ أُمِّهِ لَهَا
[حاشية البجيرمي]
زي.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ) صَوَابُهُ الْأَجْنَبِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَرَجَّحَ هَذَا السُّبْكِيُّ) ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ التَّعْلِيمُ الَّذِي يَجُوزُ النَّظَرُ إلَخْ) لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ جَوَازِ النَّظَرِ هُنَا، فَإِنَّ أَحْكَامَ النَّظَرِ تَقَدَّمَتْ مُسْتَوْفَاةً فِي كَلَامِهِ، فَكَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطَ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ وَذِكْرُ جَوَازِ النَّظَرِ إلَى الْأَمْرَدِ هُنَا سَهْوٌ إذْ الْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي تَعْلِيمِ الزَّوْجَةِ وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهَا تَعْلِيمُهُ أَوْ عَبْدَهَا تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (خَاصٌّ بِالْأَمْرَدِ) أَيْ بِنَاءً عَلَى مَنْعِ النَّظَرِ لِلْأَمْرَدِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تُشْتَهَى) صَوَّرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ شَيْخُنَا الطُّوخِيُّ بِقَوْلِهِ: بِأَنْ كَانَتْ الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى أَمَةً وَزَوْجُهَا سَيِّدُهَا لِرَقِيقٍ كَامِلٍ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهَا الْقُرْآنَ بِنَفْسِهِ اهـ. أَقُولُ: هَذَا التَّصْوِيرُ مُتَعَيِّنٌ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ أَيْ؛ لِأَنَّ الْحُرَّةَ الصَّغِيرَةَ لَا تُزَوَّجُ إلَّا بِنَقْدِ الْبَلَد.
قَوْلُهُ: (أَوْ صَارَتْ مَحْرَمًا لَهُ بِرَضَاعِ) صُوَر هَذِهِ الْمَسْأَلَة شَيْخُنَا الطُّوخِيُّ بِقَوْلِهِ: بِأَنَّ تَزَوَّجَ رَجُلٌ بِامْرَأَةِ كَامِلَةٍ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهَا الْقُرْآنَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ إنَّهُ طَلَّقَهَا قَبْلَ التَّعَلُّمِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْوَطْءِ أَوْ بَعْدَهُ ثُمَّ أَرْضَعَتْ لَهُ زَوْجَةً صَغِيرَةً فَإِنَّ هَذِهِ الْكَبِيرَةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ صَارَتْ مَحْرَمًا لَهُ بِرَضَاعِ؛ لِأَنَّهَا أُمُّ زَوْجَتِهِ؛ وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ " بِرَضَاعِ " سَبَبِيَّةٌ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا.
[فَرْعٌ لَوْ أَصْدَقَ حِفْظَ الْقُرْآنِ]
ِ لَمْ يَجُزْ إذْ حِفْظُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ التَّعْلِيمِ، ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ.
اهـ. شَرْحُ التَّنْبِيهِ لِابْنِ الْمُلَقِّنِ.
قَوْلُهُ: (فِي تَعْلِيمِهَا) أَيْ فِي تَعْلِيمِ الْكِتَابِيَّةِ لِلشَّهَادَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَيَسْقُطُ) أَيْ عَنْ الزَّوْجِ نِصْفُ الْمَهْرِ بِعَوْدِهِ إلَى مِلْكِهِ إنْ كَانَ مِنْ مَالِهِ أَوْ إلَى مِلْكِ دَافِعِهِ عَنْهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ أَوْ قَرِيبٍ، إلَّا إنْ دَفَعَهُ أَبٌ أَوْ جَدٌّ عَنْ مَحْجُورِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ عِنْدَ دَفْعِهِ أَنَّهُ قَرْضٌ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ قَبَضَتْهُ الزَّوْجَةُ أَمْ لَا.
وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَيَتَشَطَّرُ لَكَانَ أَوْلَى.
اهـ. ق ل؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الدَّيْنِ وَالْقَصْدُ هُنَا الْأَعَمُّ مِنْ الدَّيْنِ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (بِالطَّلَاقِ) قَالَ م ر وَلَوْ رَجْعِيًّا بِأَنْ اسْتَدْخَلَتْ مَاءَهُ الْمُحْتَرَمَ، أَيْ فَهُوَ طَلَاقٌ قَبْلَ وَطْءٍ، فَيَتَشَطَّرُ الْمَهْرُ؛ لَكِنْ لَوْ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ هَلْ يَسْتَمِرُّ لَهُ النِّصْفُ أَوْ يَصِيرُ كَأَنْ لَا فُرْقَةَ فَتَسْتَرْجِعُهُ الزَّوْجَةُ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي.
وَعِبَارَةُ ق ل: بِالطَّلَاقِ وَلَوْ بِتَفْوِيضِهِ إيَّاهَا أَوْ بِتَعْلِيقِهِ عَلَى فِعْلِهَا بَائِنًا كَانَ أَوْ رَجْعِيًّا اهـ. أَيْ وَإِنْ رَاجَعَهَا أَيْ يَسْقُطُ النِّصْفُ وَإِنْ رَاجَعَهَا.
وَعِبَارَةُ ح ل: قَوْلُهُ " كَطَلَاقٍ بَائِنٍ " وَلَوْ خُلْعًا، وَمِثْلُهُ الرَّجْعِيُّ بِأَنْ اسْتَدْخَلَتْ مَاءَهُ؛ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ تَسْتَحِقَّ الشَّطْرَ إلَّا إنْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ وَإِلَّا بِأَنْ رَاجَعَ فَيَنْبَغِي عَدَمُ التَّشْطِيرِ، فَإِذَا وَطِئَ بَعْدَ الْمُرَاجَعَةِ اسْتَقَرَّ الْمَهْرُ حُرِّرَ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَبِكُلِّ فُرْقَةٍ إلَخْ) وَمِنْ الْفُرْقَةِ الْمَسْخُ حَيَوَانًا فَمَسْخُهَا وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ يُنْجِزُ الْفُرْقَةَ وَيَسْقُطُ الْمَهْرُ قَبْلَهُ أَيْضًا، وَلَا تَعُودُ الزَّوْجِيَّةُ بِعَوْدِهَا آدَمِيَّةً وَلَوْ فِي الْعِدَّةِ كَعَكْسِهِ الْآتِي.
وَفَارَقَ الرِّدَّةَ بِبَقَاءِ الْجِنْسِيَّةِ فِيهَا.
وَمَسْخُهُ يُنْجِزُ الْفُرْقَةَ أَيْضًا.
وَلَا يَسْقُطُ الْمَهْرُ وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ لِتَعَذُّرِ عَوْدِهِ بِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْمِلْكِ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ السَّنْبَاطِيُّ: تَشْطِيرُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالْأَمْرُ فِي النِّصْفِ الْعَائِدِ إلَى الْإِمَامِ كَبَاقِي أَمْوَالِهِ، وَأَمَّا الْمَسْخُ حَجَرًا فَكَالْمَوْتِ وَلَوْ بَعْدَ مَسْخِهِ حَيَوَانًا، وَلَوْ بَقِيَ
أَوْ أُمِّهَا لَهُ.
(نِصْفُ الْمَهْرِ) أَمَّا فِي الطَّلَاقِ فَلِآيَةِ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] وَأَمَّا الْبَاقِي فَبِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْفُرْقَةُ الَّتِي وُجِدَتْ مِنْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ كَإِسْلَامِهَا بِنَفْسِهَا أَوْ بِالتَّبَعِيَّةِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهَا أَوْ فَسْخِهَا بِعَيْبِهِ أَوْ رِدَّتِهَا وَإِرْضَاعِهَا زَوْجَةً لَهُ صَغِيرَةً أَوْ وُجِدَتْ بِسَبَبِهَا كَفَسْخِهِ بِعَيْبِهَا تُسْقِطُ الْمَهْرَ الْمُسَمَّى ابْتِدَاءً أَوْ الْمَفْرُوضَ الصَّحِيحَ.
وَمَهْرَ
[حاشية البجيرمي]
مِنْهُ جُزْءًا آدَمِيًّا فَحُكْمُ الْآدَمِيِّ بَاقٍ لَهُ مُطْلَقًا، وَلَوْ مُسِخَ بَعْضُهُ حَيَوَانًا وَبَعْضُهُ حَجَرًا فَالْحُكْمُ لِلْأَعْلَى، فَإِنْ كَانَ طُولًا فَهُوَ حَيَوَانٌ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ مَا دَامَ حَيَوَانًا فَإِنْ عَادَ آدَمِيًّا عَادَ إلَيْهِ مِلْكُهُ.
وَإِنْ مَاتَ أَوْ انْقَلَبَ حَجَرًا وَرِثَ عَنْهُ.
وَلَوْ مُسِخَ الرَّجُلُ امْرَأَةً وَعَكْسُهُ تَنَجَّزَتْ الْفُرْقَةُ وَلَا تَعُودُ وَإِنْ عَادَا نَعَمْ إنْ كَانَ انْقِلَابُهُمَا مُجَرَّدَ تَخَيُّلٍ فَلَا فُرْقَةَ.
فَائِدَةٌ: قَالُوا إنَّ الْمَمْسُوخَ لَا يَعِيشُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَأَنَّهُ لَا عَقِبَ لَهُ وَمَا وُجِدَ مِنْ جِنْسِ الْمَمْسُوخِ فَمِنْ نَسْلِ غَيْرِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَقِيلَ مِمَّا وَلَدَهُ الْمَمْسُوخُ قَبْلَ مَوْتِهِ فِي الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ.
قَالَ السُّيُوطِيّ: وَجُمْلَةُ الْمَمْسُوخَاتِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
أَخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَالدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الْمَمْسُوخِ فَقَالَ: ثَلَاثَةَ عَشَرَ: الْفِيلُ وَكَانَ رَجُلًا جَبَّارًا لُوطِيًّا، وَالدُّبُّ وَكَانَ رَجُلًا مُخَنَّثًا يَدْعُو النَّاسَ إلَى نَفْسِهِ، وَالْخِنْزِيرُ وَكَانَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْمَائِدَةِ، وَالْقِرْدُ وَكَانَ مِنْ الْيَهُودِ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ.
وَالْحُرَيْشُ وَكَانَ رَجُلًا دَيُّوثًا يَدْعُو النَّاسَ إلَى حَلِيلَتِهِ، وَالضَّبُّ وَكَانَ رَجُلًا يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ أَيْ قُوتِهِ، وَالْوَطْوَاطُ وَكَانَ رَجُلًا يَسْرِقُ الثِّمَارَ مِنْ الشَّجَرِ، وَالْعَقْرَبُ وَكَانَ رَجُلًا لَا يَسْلَمُ أَحَدٌ مِنْ لِسَانِهِ، وَالدُّعْمُوصُ وَكَانَ رَجُلًا نَمَّامًا، وَالْعَنْكَبُوتُ وَكَانَتْ امْرَأَةً سَحَرَتْ زَوْجَهَا، وَالْأَرْنَبُ وَكَانَتْ امْرَأَةً لَا تَطْهُرُ مِنْ الْحَيْضِ، وَسُهَيْلٌ وَكَانَ رَجُلًا عَشَّارًا، وَالزَّهْرَةُ وَكَانَتْ مِنْ بَنَاتِ الْمُلُوكِ فَبَغَتْ مَعَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ» اهـ. وَالْحُرَيْشُ نَوْعٌ مِنْ الْحَيَّاتِ أَوْ شَبِيهٌ بِهَا وَالدُّعْمُوصُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ نَوْعٌ مِنْ السَّمَكِ.
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ الْمَمْسُوخِينَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ إنْسَانًا، فَلْيُرَاجَعْ مِنْ مَحَلِّهِ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِسَبَبِهَا) أَيْ وَحْدَهَا كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ التَّنْبِيهِ الْآتِي.
قَوْلُهُ: (كَإِسْلَامِهِ) أَيْ وَهِيَ غَيْرُ كِتَابِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (وَرِدَّتِهِ) أَيْ وَحْدَهُ أَوْ مَعَهَا أَيْضًا شَرْحُ الْمَنْهَجِ، وَسَيَأْتِي.
وَكَذَا فِي الْإِسْلَامِ وَلَوْ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لَهَا حِينَئِذٍ مُتْعَةٌ؛ لِأَنَّهَا لِلْإِيحَاشِ وَلَا إيحَاشَ مَعَ نِسْبَةِ الْفِرَاقِ إلَيْهِمَا وَالتَّشَطُّرُ هُنَا لِعَدَمِ إتْلَافِهَا الْمُعَوَّضِ وَهِيَ بِرِدَّتِهَا مَعَهُ لَمْ تُتْلِفْهُ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَإِرْضَاعِ أُمِّهِ) فِي تَعْبِيرِهِ بِالْإِرْضَاعِ دُونَ الرَّضَاعِ إشَارَةٌ إلَى اعْتِبَارِ الْفِعْلِ، فَلَوْ دَبَّتْ زَوْجَتُهُ الصَّغِيرَةُ وَارْتَضَعَتْ أُمَّهُ لَمْ تَسْتَحِقَّ الشَّطْرَ لِانْفِسَاخِهِ بِفِعْلِهَا اهـ س ل.
قَوْلُهُ: (أَوْ أُمِّهَا لَهُ) وَجْهُ كَوْنِهِ لَيْسَ مِنْهَا وَلَا بِسَبَبِهَا أَنَّ فِعْلَ أُمِّهَا لَا يُنْسَبُ إلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْبَاقِي) أَيْ مِنْ الْإِسْلَامِ وَالرِّدَّةِ وَاللِّعَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِالتَّبَعِيَّةِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهَا) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَكَإِسْلَامِهَا وَلَوْ بِتَبَعِيَّةِ أَحَدِ أَبَوَيْهَا اهـ. فَالْغَايَةُ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ، وَبِهِ قَالَ حَجّ.
وَاسْتُشْكِلَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إرْضَاعِ أُمِّهَا لَهُ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَصْفٌ قَامَ بِهَا فَنَزَّلَهُ الشَّارِعُ مِنْ الْأَصْلِ مَنْزِلَةَ فِعْلِهَا، بِخِلَافِ ذَاكَ فَإِنَّهُ فِعْلُ الْأُمِّ وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ حَيْثُ لَمْ يُنَزِّلُهُ الشَّارِعُ مَنْزِلَةَ فِعْلِهَا، قَالَ الْإِسْلَامُ فِي مَسْأَلَةِ التَّبَعِيَّةِ قَامَ بِهَا وَحْدَهَا فَكَانَ الْمَانِعُ مِنْ جِهَتِهَا فَقَطْ، بِخِلَافِ الْأُخُوَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّضَاعِ قَامَتْ بِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ، فَلَيْسَ نِسْبَتُهَا إلَيْهَا بِأَوْلَى مِنْ نِسْبَتِهَا إلَيْهِ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
وَعِبَارَةُ س ل: فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي إذَا كَانَ إسْلَامُهَا تَابِعًا لِإِسْلَامِ أَحَدِ أَبَوَيْهَا أَنَّ الْمَهْرَ يَجِبُ عَلَيْهِ لِإِفْسَادِهِ نِكَاحَ غَيْرِهِ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُرْضِعَةِ إذَا أَفْسَدَتْ بِرَضَاعِهَا النِّكَاحَ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ لَنَفَرَ عَنْ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ الْمُرْضِعَةِ، وَأَيْضًا الْمُرْضِعَةُ قَدْ تَأْخُذُ أُجْرَةَ رَضَاعِهَا فَيُجْبَرُ مَا تَغْرَمُهُ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ اهـ خ ط. وَعِبَارَةُ ق ل: وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَبِ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ.
وَفَارَقَ إرْضَاعَ أُمِّهِ لَهَا وَعَكْسُهُ بِأَنَّ الْإِرْضَاعَ فِعْلٌ اجْتَمَعَ فِيهِ مُقْتَضٍ وَمَانِعٌ وَلِذَلِكَ لَوْ دَبَّتْ فَارْتَضَعَتْ سَقَطَ مَهْرُهَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ رِدَّتِهَا) أَيْ وَحْدَهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِرْضَاعِهَا إلَخْ) فَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ أُمٍّ وَبِنْتِهَا وَلَوْ مِنْ الرَّضَاعِ
الْمِثْلِ فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ هِيَ الْفَاسِخَةُ فَهِيَ الْمُخْتَارَةُ لِلْفُرْقَةِ، فَكَأَنَّهَا أَتْلَفَتْ الْمُعَوَّضَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَيَسْقُطُ الْعِوَضُ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْفَاسِخُ بِعَيْبِهَا فَكَأَنَّهَا هِيَ الْفَاسِخَةُ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ ارْتَدَّا مَعًا فَهَلْ هُوَ كَرِدَّتِهَا فَيَسْقُطُ الْمَهْرُ أَوْ كَرِدَّتِهِ فَبِنِصْفِهِ؟ وَجْهَانِ، صَحَّحَ الْأَوَّلُ الرُّويَانِيُّ وَالنَّشَائِيُّ وَالْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَصَحَّحَ الثَّانِي الْمُتَوَلِّي وَالْفَارِقِيُّ وَابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ وَغَيْرِهِمْ؛ وَهُوَ أَوْجُهُ.
تَتِمَّةٌ: يَجِبُ لِمُطَلَّقَةٍ قَبْلَ وَطْءٍ مُتْعَةٌ إنْ لَمْ يَجِبْ لَهَا شَطْرُ مَهْرٍ بِأَنْ كَانَتْ مُفَوِّضَةً وَلَمْ يُفْرَضْ لَهَا شَيْءٌ، وَادَّعَى
[حاشية البجيرمي]
يَسْقُطُ مَهْرُ الْكَبِيرَةِ وَيَجِبُ لِلصَّغِيرَةِ نِصْفُ الْمَهْرِ وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الْكَبِيرَةِ بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ وَإِنْ كَانَتْ فَوَّتَتْ عَلَيْهِ الْبُضْعَ بِتَمَامِهِ اعْتِبَارًا لِمَا يَجِبُ لَهُ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ؛ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَالَ الْحَلَبِيُّ: وَتَحْرُمُ الْكَبِيرَةُ عَلَيْهِ مُؤَبَّدًا وَكَذَا الصَّغِيرَةُ إنْ كَانَ دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ اهـ. وَقَوْلُهُ: وَإِرْضَاعِهَا زَوْجَةً لَهُ صَغِيرَةً مِثْلُهُ ارْتِضَاعُهَا بِنَفْسِهَا مِنْ أُمِّ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ زَوْجَتِهِ الْكَبِيرَةِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الْمَهْرَ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (كَفَسْخِهِ بِعَيْبِهَا) قَالَ م ر؛ لِأَنَّ فَسْخَهُ النَّاشِئَ عَنْهَا كَفَسْخِهَا.
فَإِنْ قُلْت: لَمْ جَعَلْتُمْ عَيْبَهَا كَفَسْخِهَا لِكَوْنِهِ سَبَبَ الْفَسْخِ وَلَمْ تَجْعَلُوا عَيْبَهُ كَفَسْخِهِ؟ قُلْنَا: الزَّوْجُ بَذَلَ الْعِوَضَ فِي مُقَابَلَةِ مَنَافِعِهَا، فَإِذَا كَانَتْ مَعِيبَةً فَالْفَسْخُ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ إذْ لَمْ يَسْلَمْ لَهُ حَقُّهُ وَالزَّوْجَةُ لَمْ تَبْذُلْ شَيْئًا فِي مُقَابَلَةِ مَنَافِعِ الزَّوْجِ وَالْعِوَضُ الَّذِي مَلَكَتْهُ سَلِيمٌ، فَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَنْ لَا فَسْخَ لَهَا؛ إلَّا أَنَّ الشَّارِعَ أَثْبَتَ لَهَا الْفَسْخَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهَا، فَإِذَا اخْتَارَتْهُ لَزِمَهَا رَدُّ الْبَدَلِ كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ.
اهـ. شَرْحُ الرَّوْضِ وَشَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْمَفْرُوضَ الصَّحِيحَ) أَيْ فِي الْمُفَوِّضَةِ.
قَوْلُهُ: (وَمَهْرَ الْمِثْلِ) أَيْ فِيمَا إذَا لَمْ يُسَمِّ مَهْرًا وَلَمْ تَكُنْ مُفَوِّضَةً.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ) مُتَعَلِّقٌ بِيُسْقِطُ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَتْ هِيَ الْفَاسِخَةُ) يَرْجِعُ لِلْفُرْقَةِ الَّتِي وُجِدْت مِنْهَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
وَهَذَا التَّعْلِيلُ قَاصِرٌ إذْ لَا يَأْتِي فِي نَحْوِ الرَّضَاعِ وَالرِّدَّةِ، وَقَدْ عَلَّلَ تِلْكَ الصُّورَةَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الْفِرَاقَ مِنْ جِهَتِهَا لَكِنْ فِيهِ أَنَّهُ يُشْبِهُ التَّعْلِيلَ بِالْمُدَّعَى اهـ.
قَوْلُهُ: (فَكَأَنَّهَا هِيَ الْفَاسِخَةُ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ بِسَبَبِهَا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَوْجَهُ) مُعْتَمَدٌ.
قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: تَتِمَّةٌ: هَلْ لِلْقَاضِي صَرْفُ مَالِ الْيَتِيمَةِ فِي جِهَازِهَا مَعَ أَنَّهُ يَتْلَفُ بِالِاسْتِعْمَالِ؟ عَنْ ابْنِ الْحَدَّادِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كُنْتُ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي عُبَيْدِ بْنِ حَرْبَوَيْهِ فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْجِيزِيُّ: أَيُّهَا الْقَاضِي فِي حِجْرِي يَتِيمَةٌ وَقَدْ أَذِنْتُ فِي تَزْوِيجِهَا وَطَلَبَ أَهْلُهَا الْجِهَازَ فَمَاذَا تَأْمُرُ؟ فَقَالَ: جَهِّزْ بِقَدْرِ صَدَاقِهَا، فَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: فَقُلْت فِي نَفْسِي أَظُنُّهُ يُجَارِي فِي هَذَا قَوْلَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَقُلْت: أَيَّدَ اللَّهُ الْقَاضِيَ أَعَلَى غَيْرِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهَا أَنْ تَتَجَهَّزَ؟ قَالَ: لَا، قُلْت: فَالْمَحْجُورُ عَلَيْهَا أَوْلَى.
فَالْتَفَتَ إلَى ابْنِ الرَّبِيعِ فَقَالَ: لَا تُجَهِّزْ إنْ أَرَادُوا هَكَذَا وَإِلَّا فَلْيَفْعَلُوا مَا أَرَادُوا فَسُرِرْت بِرُجُوعِهِ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: فَهَذَا ابْنُ الْحَدَّادِ وَابْنُ حَرْبَوَيْهِ تَبِعَا ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَالَ: ثُمَّ رَأَيْت لِابْنِ الْحَدَّادِ الْجَزْمَ بِالْجَوَازِ لِمَا فِيهِ مِنْ رَغْبَةِ الْأَزْوَاجِ فِي الْوَصْلَةِ بِهَا، لَكِنَّ مُقْتَضَى كَلَامِهِ تَخْصِيصُهُ بِالْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ، قَالَ: وَلَعَلَّ مَسْأَلَةَ ابْنِ الْحَدَّادِ وَالْقَاضِي فِي إجْبَارِهِ عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْبَاجِيُّ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَدَمُ إجْبَارِ الْمَرْأَةِ عَلَى الْجِهَازِ خِلَافًا لِمَالِكٍ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (لِمُطَلَّقَةٍ) لَا فَرْقَ فِي الطَّلَاقِ بَيْنَ الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيِّ وَإِنْ رَاجَعَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ م ر لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] خِلَافًا لحج حَيْثُ قَالَ لَا تَجِبُ الْمُتْعَةُ لِلْمُطَلَّقَةِ الرَّجْعِيَّةِ أَخْذًا مِنْ جَعْلِهِمْ الرَّجْعِيَّةَ كَالزَّوْجَةِ فِي غَالِبِ الْأَحْكَامِ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ وَاعْتَمَدَهُ زي وسم.
قَوْلُهُ: (مُتْعَةٍ) الْمُتْعَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا لُغَةً مِنْ التَّمَتُّعِ هَذَا بَيَانٌ لِلْمَأْخُوذَةِ مِنْهُ لَا بَيَانٌ لِمَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ وَمَعْنَاهَا اللُّغَوِيُّ
الْإِمَامُ فِيهِ الْإِجْمَاعَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236] الْآيَةَ وَيَجِبُ أَيْضًا لِمَوْطُوءَةٍ فِي الْأَظْهَرِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] وَلِأَنَّ جَمِيعَ الْمَهْرِ وَجَبَ فِي مُقَابَلَةِ اسْتِيفَاءِ مَنْفَعَةِ الْبُضْعِ فَخَلَا الطَّلَاقُ عَنْ الْجَبْرِ، بِخِلَافِ مَنْ وَجَبَ لَهَا النِّصْفُ فَإِنَّ بُضْعَهَا سَلِمَ لَهَا فَكَانَ النِّصْفُ جَابِرًا لِلْإِيحَاشِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: إنَّ وُجُوبَ الْمُتْعَةِ مِمَّا يَغْفُلُ النِّسَاءُ عَنْ الْعِلْمِ بِهَا فَيَنْبَغِي تَعْرِيفُهُنَّ وَإِشَاعَةُ حُكْمِهَا لِيَعْرِفْنَ ذَلِكَ.
وَفُرْقَةٌ لَا بِسَبَبِهَا بِأَنْ كَانَتْ مِنْ الزَّوْجِ كَرِدَّتِهِ وَلِعَانِهِ كَطَلَاقٍ فِي إيجَابِ الْمُتْعَةِ.
[حاشية البجيرمي]
مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ الْإِنْسَانُ وَعُرْفًا مَالٌ يَجِبُ لِمُطَلَّقَةٍ لَمْ يَجِبْ لَهَا نِصْفُ مَهْرٍ إنْ كَانَتْ الْفُرْقَةُ لَا بِسَبَبِهَا وَلَا بِسَبَبِهِمَا وَلَا بِمِلْكِهِ لَهَا وَلَا بِمَوْتٍ وَالْمُتْعَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْمَتَاعِ وَهُوَ مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ، وَانْظُرْ هَلْ مَعْنَى وُجُوبِهَا لُزُومِهَا لِذِمَّةِ الزَّوْجِ مُوَسَّعًا أَوْ مُضَيَّقًا فَيَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهَا أَوْ يَتَوَقَّفُ دَفْعُهَا عَلَى طَلَبِهَا؟ رَاجِعْهُ،.
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجِبْ لَهَا شَطْرُ مَهْرٍ) بِأَنْ لَمْ يَجِبْ لَهَا مَهْرٌ أَصْلًا كَالْمُفَوِّضَةِ أَوْ وَجَبَ لَهَا الْمَهْرُ كُلُّهُ.
قَوْلُهُ: (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) أَيْ لَا مُؤَاخَذَةَ وَلَا تَبِعَةَ أَيْ مِنْ مَهْرٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَفْرِضُوا) أَيْ وَلَمْ تَفْرِضُوا إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: " فَرِيضَةً " أَيْ مَهْرًا، وَقَوْلُهُ: " وَمَتِّعُوهُنَّ " أَيْ أَعْطُوهُنَّ مَا يَتَمَتَّعْنَ بِهِ.
وَقَالَ ق ل: دُخُولُ أَوْ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ مُفِيدٌ لِانْتِفَاءِ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: 24] وَلَا حَاجَةَ لِجَعْلِهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ كَمَا قِيلَ.
قَوْلُهُ: (وَمَتِّعُوهُنَّ) أَيْ النِّسَاءَ الْمَذْكُورَاتِ أَيْ الْمُطَلَّقَاتِ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ وَلَا فَرْضٍ، وَذَلِكَ يُفْهِمُ عَدَمَ إيجَابِهَا فِي حَقِّ غَيْرِهِنَّ وَهُوَ مُعَارَضٌ بِعُمُومِ " وَلِلْمُطَلَّقَاتِ "، فَالْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال عَلَى إيجَابِ الْمُتْعَةِ لِلْمُطَلَّقَةِ غَيْرِ الْمُفَوِّضَةِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمُفَوِّضَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: مَفْهُومُ الْآيَةِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ إيجَابِ الْمُتْعَةِ لِلْمُفَوِّضَةِ الَّلَمْ يَمَسَّهَا الزَّوْجُ أَيْ وَلَمْ يُفْرَضْ لَهَا وَأَلْحَقَ بِهَا الشَّافِعِيُّ الْمَمْسُوسَةَ قِيَاسًا.
قَوْلُهُ: (فَخَلَا الطَّلَاقُ عَنْ الْجَبْرِ) فَجَبَرْنَا ذَلِكَ بِالْمُتْعَةِ.
وَالْأَصَحُّ الْجَدِيدُ أَنَّهَا تَجِبُ بِالطَّلَاقِ لَا الْعَقْدِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ طَلَّقَ الْأَمَةَ الْمُفَوِّضَةَ قَبْلَ الْفَرْضِ وَالدُّخُولِ ثُمَّ اشْتَرَاهَا فَعَلَى الْجَدِيدِ لَا مُتْعَةَ عَلَيْهِ إذْ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ تَلْزَمُهُ لِثُبُوتِهَا قَبْلَ الشِّرَاءِ فَيَسْتَحِقُّهَا السَّيِّدُ.
وَجَزَمَ الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ بِنَفْيِ الْوُجُوبِ؛.
اهـ. شَرْحُ التَّنْبِيهِ لِابْنِ الْمُلَقِّنِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ إنْ وَجَبَ لَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ لَمْ تَجِبْ لَهَا الْمُتْعَةُ بِأَنْ كَانَتْ الْفُرْقَةُ لَا مِنْهَا وَلَا بِسَبَبِهَا كَطَلَاقِهِ وَإِسْلَامِهِ وَرِدَّتِهِ وَلِعَانِهِ وَوَطْءِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ لَهَا أَوْ مِلْكِهِ لَهَا أَوْ إرْضَاعِ أُمِّهِ لَهَا أَوْ أُمِّهَا لَهُ وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي غَيْرِ الْمُفَوِّضَةِ أَوْ فِي الْمُفَوِّضَةِ بَعْدَ الْفَرْضِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَدْخُولًا بِهَا فَتَجِبُ الْمُتْعَةُ مَعَ الْمَهْرِ أَوْ كَانَتْ مُفَوِّضَةً وَفُورِقَتْ قَبْلَ فَرْضٍ وَوَطْءٍ فَتَجِبُ لَهَا الْمُتْعَةُ فَقَطْ.
وَيُشْتَرَطُ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَدْخُولِ بِهَا وَالْمُفَوِّضَةِ أَنْ تَكُونَ الْفُرْقَةُ لَا بِسَبَبِهَا وَلَا بِسَبَبِهِمَا وَلَا بِمِلْكِهِ لَهَا.
وَلَا بِمَوْتٍ بِأَنْ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ كَطَلَاقِهِ وَلِعَانِهِ إلَخْ مَا تَقَدَّمَ.
أَمَّا إذَا كَانَتْ بِسَبَبِهَا كَإِسْلَامِهَا وَرِدَّتِهَا وَمِلْكِهَا لَهُ وَفَسْخِهَا بِعَيْبِهِ أَوْ فَسْخِهِ بِعَيْبِهَا أَوْ بِسَبَبِهِمَا كَأَنْ ارْتَدَّا مَعًا أَوْ سُبِيَا مَعًا أَوْ كَانَتْ بِمِلْكِهِ لَهَا أَوْ بِمَوْتٍ لِأَحَدِهِمَا فَلَا مُتْعَةَ فِي ذَلِكَ لِكُلٍّ مِنْ الْمَدْخُولِ بِهَا وَالْمُفَوِّضَةِ، بَلْ الْمَهْرُ فَقَطْ لِلْمَدْخُولِ بِهَا.
وَلَا مَهْرَ وَلَا مُتْعَةَ لِلْمُفَوِّضَةِ فِي غَيْرِ الْمَوْتِ، أَمَّا فِيهِ فَيَجِبُ الْمَهْرُ لَا الْمُتْعَةُ كَالْمَدْخُولِ بِهَا فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ: (سَلِمَ لَهَا) سَلِمَ بِوَزْنِ فَرِحَ مِنْ السَّلَامَةِ.
قَوْلُهُ: (وَفُرْقَةٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ كَطَلَاقِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: وَتَجِبُ بِفُرْقَةٍ إلَخْ، أَيْ فَكَمَا تَجْرِي الْمُتْعَةُ فِي مَعْرِفَةِ الطَّلَاقِ تَجْرِي فِي فُرْقَةِ الْفَسْخِ، حَتَّى لَوْ انْفَسَخَ بِوَطْءِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ وَجَبَتْ الْمُتْعَةُ.
قَوْلُهُ: (لَا بِسَبَبِهَا) أَيْ وَلَا بِسَبَبِهِمَا كَأَنْ ارْتَدَّا مَعًا وَلَا بِسَبَبِ مِلْكِهِ لَهَا وَلَا بِسَبَبِ مَوْتٍ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا.
وَقَوْلُهُ: " كَرِدَّتِهِ " أَيْ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ الْمُغَلَّبَ هُنَا جَانِبُهَا، بِخِلَافِ تَشْطِيرِ الْمَهْرِ كَمَا مَرَّ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ لِلْإِيحَاشِ وَفِعْلُهَا يُنَافِيه ق ل.