فَصْلٌ: فِي الْإِجَارَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البجيرمي
- الكتاب
- تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
- المؤلف
- سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه
وَهِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَشْهَرُ مِنْ ضَمِّهَا وَفَتْحِهَا لُغَةً اسْمٌ لِلْأُجْرَةِ وَشَرْعًا تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ بِعِوَضٍ بِشُرُوطٍ تَأْتِي وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَةُ ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ [الطلاق: 6] وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّ الْإِرْضَاعَ بِلَا عَقْدٍ تَبَرُّعٌ لَا يُوجِبُ أُجْرَةً وَإِنَّمَا يُوجِبُهَا ظَاهِرًا الْعَقْدُ فَتَعَيَّنَ وَخَبَرُ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْمُزَارَعَةِ وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ» وَالْمَعْنَى فِيهَا أَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا إذْ لَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ مَرْكُوبٌ وَمَسْكَنٌ وَخَادِمٌ فَجُوِّزَتْ لِذَلِكَ كَمَا جُوِّزَ بَيْعُ الْأَعْيَانِ وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ صِيغَةٌ وَأُجْرَةٌ وَمَنْفَعَةٌ وَعَاقِدَانِ مُكْرٍ وَمُكْتَرٍ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَحَدِ الْأَرْكَانِ وَهُوَ الْمَنْفَعَةُ بِقَوْلِهِ وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً مَعْلُومَةً قَابِلَةً لِلْبَذْلِ وَالْإِبَاحَةِ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ (مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ) مُدَّةَ الْإِجَارَةِ (صَحَّتْ إجَارَتُهُ)
بِصِيغَةٍ وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي، كَأَجَرْتك هَذَا الثَّوْبَ مَثَلًا فَيَقُولُ الْمُسْتَأْجِرُ: قَبِلْت أَوْ اسْتَأْجَرْت.
وَتَنْعَقِدُ أَيْضًا بِقَوْلِ الْمُؤَجِّرِ لِدَارٍ مَثَلًا: أَجَرْتُك مَنْفَعَتَهَا
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَعْطَى شَخْصٌ إلَخْ) . صُورَةُ ذَلِكَ: خُذْ هَذِهِ الدَّابَّةَ وَاجْرِ وَرَاءَهَا وَلَك نِصْفُ مَا حَصَلَ مِنْهَا مَثَلًا.
وَصُورَةُ الثَّانِيَةِ: خُذْ هَذِهِ الدَّابَّةَ وَأَلْقِ نَظَرَك عَلَيْهَا وَمُؤْنَتُهَا مِنْ عِنْدِي، فَالْفَوَائِدُ كُلُّهَا لِلْمَالِكِ وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ فِي الْأُولَى، وَكَذَا الثَّانِيَةُ إنْ كَانَ عَمَلُهُ يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَتَعَهَّدُهَا) كَمَا يَقَعُ لِلْفَلَّاحِينَ حَيْثُ يُعْطِي أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عِجْلًا مَثَلًا لِيُرَبِّيَهُ وَيَكُونَ بَيْنَهُمَا أَنْصَافًا.
قَوْلُهُ: (لَا تَحِلُّ بِعَمَلِهِ) وَهُوَ التَّعَهُّدُ.
[فَصْلٌ فِي الْإِجَارَةِ]
ِ مِنْ آجَرَهُ بِالْمَدِّ يُؤَاجِرُهُ إيجَارًا.
وَيُقَالُ أَجَرَهُ بِالْقَصْرِ يَأْجُرُهُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا أَجْرًا ق ل. وَذَكَرَهَا بَعْدَ الْمُسَاقَاةِ لِمُنَاسَبَتِهَا لَهَا فِي اللُّزُومِ وَالتَّأْقِيتِ.
قَوْلُهُ: (اسْمٌ لِلْأُجْرَةِ) وَقَدْ اُشْتُهِرَتْ فِي الْعَقْدِ م ر، وَلَيْسَ بَيْنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ مُنَاسَبَةٌ بَلْ الْغَالِبُ أَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ أَعَمُّ مِنْ الشَّرْعِيِّ.
قَوْلُهُ: (تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ) أَيْ بِصِيغَةٍ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: " تَمْلِيكُ " عَقْدُ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُمْلَكُ بِهِ الْمَنْفَعَةُ، وَإِنَّمَا يُمْلَكُ بِهِ الِانْتِفَاعُ ح ل، وَكَذَا تَخْرُجُ بِهِ الْعَارِيَّةُ، وَهِيَ خَارِجَةٌ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: " بِعِوَضٍ " قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يُوجِبُهَا) أَيْ الْأُجْرَةَ بِمَعْنَى الْمُسَمَّى الْعَقْدُ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ تَجِبُ بِلَا عَقْدٍ فِيمَا إذَا فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ أَوْ الشَّرِكَةُ أَوْ الْمُسَاقَاةُ أَوْ الْقِرَاضُ.
قَوْلُهُ: (ظَاهِرًا) قَيَّدَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ حَقِيقَةً إلَّا بِتَمَامِ الْمُدَّةِ ح ل؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتَبَيَّنُ عَدَمُ وُجُوبِهَا، كَمَا إذَا خَرِبَتْ الدَّارُ الْمُسْتَأْجَرَةُ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لَهَا أُجْرَةٌ مَرْحُومِيٌّ: وَرُدَّ بِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِالْعَقْدِ وَإِنَّمَا الَّذِي يَتَبَيَّنُ عَدَمُ الِاسْتِقْرَارِ.
وَتَوَقَّفَ شَيْخُنَا فِي قَوْلِهِ: " ظَاهِرًا " وَقَالَ: لَا مَفْهُومَ لَهُ.
اهـ. س ل، بَلْ الْعَقْدُ يُوجِبُهَا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
قَوْلُهُ: (فَتَعَيَّنَ) أَيْ لِإِيجَابِ الْأُجْرَةِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ الْحَاجَةَ) بَلْ الضَّرُورَةَ؛؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ أَقْوَى مِنْ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهَا شِدَّةُ الِاحْتِيَاجِ، وَهُوَ الِاضْطِرَارُ.
قَوْلُهُ: (فَجُوِّزَتْ لِذَلِكَ) أَيْ لِلْحَاجَةِ.
قَوْلُهُ: (بَيْعُ الْأَعْيَانِ) أَيْ لِيَنْتَفِعَ بِهَا مَنْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَعَاقِدَانِ) الْمُنَاسِبُ لِكَوْنِهَا أَرْبَعَةً أَنْ يَقُولَ: وَعَاقِدٌ.
قَوْلُهُ: (مَنْفَعَةً) مَنْفَعَةً مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ.
وَجُمْلَةُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْقُيُودِ ثَمَانِيَةٌ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مُحْتَرَزَ قَوْلِهِ: " وَالْإِبَاحَةُ " وَلَعَلَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُمَا قَيْدٌ وَاحِدٌ لِتَلَازُمِهِمَا، فَإِنَّ مَا يَقْبَلُ الْبَذْلَ لَا يَكُونُ حَرَامًا لِذَاتِهِ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَالْإِبَاحَةِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي) أَيْ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ كَانَتْ أَوَّلًا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ الْمُتَقَدِّمِ.
قَوْلُهُ: (هَذَا الثَّوْبَ) أَيْ
سَنَةً مَثَلًا عَلَى الْأَصَحِّ، فَيَقْبَلُ الْمُسْتَأْجِرُ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ أَجَرْتُك، وَيَكُونُ ذِكْرُ الْمَنْفَعَةِ تَأْكِيدًا كَقَوْلِ الْبَائِعِ بِعْتُك عَيْنَ هَذِهِ الدَّارِ وَرَقَبَتَهَا، فَخَرَجَ بِمَنْفَعَةٍ الْعَيْنُ وَبِمَقْصُودَةٍ التَّافِهَةُ كَاسْتِئْجَارِ بَيَّاعٍ عَلَى كَلِمَةٍ لَا تُتْعِبُ وَبِمَعْلُومَةٍ الْقِرَاضُ وَالْجَعَالَةُ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ، وَبِقَابِلَةٍ لِمَا ذُكِرَ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ فَإِنَّ الْعَقْدَ عَلَيْهَا لَا يُسَمَّى إجَارَةً وَبِعِوَضٍ هِبَةُ الْمَنَافِعِ وَالْوَصِيَّةُ بِهَا وَالشَّرِكَةُ وَالْإِعَارَةُ، وَبِمَعْلُومٍ الْمُسَاقَاةُ وَالْجَعَالَةُ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ بِعِوَضٍ مَجْهُولٍ كَالْحَجِّ بِالرِّزْقِ، وَدَلَالَةِ الْكَافِرِ لَنَا عَلَى قَلْعَةٍ بِجَارِيَةٍ مِنْهَا، وَبِبَقَاءِ عَيْنِهِ مَا تَذْهَبُ عَيْنُهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ كَالشَّمْعِ لِلسِّرَاجِ فَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَذَكَرْت لَهَا شُرُوطًا أُخَرَ أَوْضَحْتهَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ.
وَإِنَّمَا تَصِحُّ إجَارَةُ مَا أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ هَذِهِ الشُّرُوطِ (إذَا قُدِّرَتْ مَنْفَعَتُهُ) فِي الْعَقْدِ (بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ) الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ بِتَعْيِينِ (مُدَّةٍ) فِي الْمَنْفَعَةِ الْمَجْهُولَةِ الْقَدْرِ كَالسُّكْنَى وَالرَّضَاعِ وَسَقْيِ الْأَرْضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، إذْ السُّكْنَى وَمَا يُشْبِعُ
[حاشية البجيرمي]
سَنَةً مَثَلًا بِكَذَا حَتَّى يَصِحَّ الْعَقْدُ، فَلَا يَصِحُّ بِمُجَرَّدِ تَعْيِينِ الثَّوْبِ.
قَوْلُهُ: (وَتَنْعَقِدُ أَيْضًا) إنَّمَا فَصَلَهُ عَمَّا قَبْلَهُ لِكَوْنِهِ فِيهِ خِلَافٌ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ فَبِاتِّفَاقٍ.
قَوْلُهُ: (أَجَرْتُك مَنْفَعَتَهَا سَنَةً) أَيْ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ إضَافَةِ الْإِجَارَةِ لِلْعَيْنِ كَمَا فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ أَوْ لِلْمَنْفَعَةِ كَمَا فِي الْمِثَالِ الثَّانِي لِوُضُوحِ الْمُرَادِ، وَسَنَةً لَيْسَ مَفْعُولًا فِيهِ لِأَجَرَ؛ لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ وَزَمَنُهُ يَسِيرٌ بَلْ لِمُقَدَّرٍ.
أَيْ أَجَرْتُكَهُ وَانْتَفِعْ بِهِ سَنَةً كَمَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة: 259] إنَّ التَّقْدِيرَ وَأَلْبَثَهُ مِائَةَ عَامٍ شَرْحِ الْمَنْهَجِ مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ أَجَرْتُك) أَيْ الدَّارَ مَثَلًا، فَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ أَنْ يَذْكُرَ الْمَفْعُولَ إمَّا ضَمِيرًا أَوْ اسْمًا ظَاهِرًا.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ بِمَنْفَعَةِ) يُتَأَمَّلْ فِيهِ.
وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ: وَشَرْعًا عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ إلَخْ، ثُمَّ قَالَ: فَخَرَجَ بِمَنْفَعَةِ الْعَيْنِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ.
قَوْلُهُ: (الْعَيْنِ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ دَابَّةٍ لِلَبَنِهَا أَوْ نِتَاجِهَا.
قَوْلُهُ: (عَلَى كَلِمَةٍ لَا تُتْعِبُ) وَإِنْ رُوِّجَتْ السِّلْعَةُ إذْ لَا قِيمَةَ لَهَا، فَإِنْ أَتْعَبَتْ بِتَرَدُّدٍ أَوْ كَلَامٍ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ ق ل. وَاسْتَشْكَلَ الْأَذْرَعِيُّ صِحَّةَ الْإِجَارَةِ لِنَحْوِ الْفَصْدِ دُونَ كَلِمَةِ " لَا تُتْعِبُ ".
قَوْلُهُ: (عَلَى عَمَلٍ) رَاجِعٌ لِلْجَعَالَةِ.
قَوْلُهُ: (مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ) خُرُوجُهُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (هِبَةِ الْمَنَافِعِ) كَأَنْ وَهَبَهُ مَنْفَعَةَ دَارِهِ سَنَةً.
قَوْلُهُ: (وَالْوَصِيَّةُ بِهَا) أَيْ الْمَنَافِعِ.
قَوْلُهُ: (وَالشَّرِكَةُ) ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِكَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِلشَّرِيكَيْنِ مَنْفَعَةً مَعْلُومَةً إلَخْ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الشَّرِيكَيْنِ يَنْتَفِعُ بِنَصِيبِ صَاحِبِهِ لَكِنْ لَا بِعِوَضٍ بَلْ مَجَّانًا اهـ م د. قَوْلُهُ: (وَالْإِعَارَةُ) خُرُوجُهَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا لَا مِلْكَ فِيهَا فَلَمْ تَدْخُلْ.
قَوْلُهُ: (بِعِوَضٍ مَجْهُولٍ) لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ الْجَعَالَةُ عَلَى عَمَلٍ مَعْلُومٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ فَتَدْخُلُ فِي الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ فَيَقْتَضِي أَنَّهَا إجَارَةٌ، إلَّا أَنْ يُزَادَ فِيهِ بِصِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ، تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (كَالْحَجِّ بِالرَّزْقِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ النَّفَقَةَ مِثَالَانِ لِلْجَعَالَةِ، وَمِثَالُ الْمُسَاقَاةِ ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ إذَا فَصَّلَ لَهُ الْأَعْمَالَ وَبَيَّنَ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَرِ يُقَالُ إنَّ الْعَمَلَ مَعْلُومٌ وَالْعِوَضَ مَجْهُولٌ، أَيْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ كَمْ يَخُصُّ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَرِ وَسْقٌ أَوْ وَسْقَانِ مَثَلًا، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ نِصْفًا مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (كَالشَّمَعِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانُهَا لَحْنٌ م د. صَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ: خِلَافُ الْأَفْصَحِ؛؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إسْكَانُهَا كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ وَالْمُزْهِرِ لِلسُّيُوطِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَذَكَرْت لَهَا) أَيْ لِلْمَنْفَعَةِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ) أَيْ التَّقْدِيرُ.
وَقَوْلُهُ: " بِتَعْيِينِ مُدَّةٍ " يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إجَارَةُ الْإِمَامِ لِلْأَذَانِ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ الْمُدَّةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَ مِنْ مَالِهِ أَوْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ الْآحَادِ فَيُشْتَرَطُ بَيَانُ الْمُدَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَرْعٌ: يَدْخُلُ فِي الْإِجَارَةِ لِلْأَذَانِ الْإِقَامَةُ وَلَا يَجُوزُ إجَارَةٌ لَهَا وَحْدَهَا إذْ لَا كُلْفَةَ اهـ مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَالسُّكْنَى) كَأَنْ يَقُولَ أَجَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ سَنَةً أَوْ شَهْرًا لِتَسْكُنَهَا، فَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنْ تَسْكُنَهَا لَمْ يَجُزْ كَمَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ سم.
وَمِثْلُهُ: عَلَى أَنْ تَنْتَفِعَ بِهَا اهـ زي.
وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَذْكُرْ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ شَرْطًا بِخِلَافِهِ فِي تَسْكُنَهَا أَوْ لِتَنْتَفِعَ بِهَا.
قَوْلُهُ: (إذْ السُّكْنَى إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهَا مَجْهُولَةَ الْقَدْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْكُنُ فِيهَا جَمِيعَ اللَّيْلِ
الصَّبِيَّ مِنْ اللَّبَنِ وَمَا تُرْوَى بِهِ الْأَرْضُ مِنْ السَّقْيِ يَخْتَلِفُ وَلَا يَنْضَبِطُ، فَاحْتِيجَ فِي مَنْفَعَتِهِ إلَى تَقْدِيرِهِ بِمُدَّةٍ
(أَوْ) أَيْ وَالْأَمْرُ الثَّانِي بِتَعْيِينِ مَحِلِّ (عَمَلٍ) فِي الْمَنْفَعَةِ الْمَعْلُومَةِ الْقَدْرِ فِي نَفْسِهَا كَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَالرُّكُوبِ إلَى مَكَان فَتَعْيِينُ الْعَمَلِ فِيهَا طَرِيقٌ إلَى مَعْرِفَتِهَا، فَلَوْ قَالَ لِتَخِيطَ لِي ثَوْبًا لَمْ يَصِحَّ، بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُبَيِّنَ مَا يُرِيدُ مِنْ الثَّوْبِ مِنْ قَمِيصٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَنْ يُبَيِّنَ نَوْعَ الْخِيَاطَةِ أَهِيَ فَارِسِيَّةٌ أَوْ رُومِيَّةٌ إلَّا أَنْ تَطَّرِدَ عَادَةٌ بِنَوْعٍ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: بَقِيَ عَلَى الْمُصَنِّفِ قِسْمٌ ثَالِثٌ وَهُوَ تَقْدِيرُهَا بِهِمَا مَعًا كَقَوْلِهِ فِي اسْتِئْجَارِ عَيْنٍ: اسْتَأْجَرْتُك لِتَعْمَلَ لِي كَذَا شَهْرًا.
أَمَّا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ الزَّمَنِ وَمَحِلِّ الْعَمَلِ كَاكْتَرَيْتُكَ لِتَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ بَيَاضَ النَّهَارِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ قَدْ يَتَقَدَّمُ وَقَدْ يَتَأَخَّرُ.
كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي قَفِيزِ حِنْطَةٍ بِشَرْطِ كَوْنِ وَزْنِهِ كَذَا لَا يَصِحُّ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَزِيدَ أَوْ يَنْقُصَ، وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الثَّوْبُ صَغِيرًا يُقْطَعُ بِفَرَاغِهِ فِي الْيَوْمِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ.
[حاشية البجيرمي]
وَالنَّهَارِ فَقَدْ تَقِلُّ وَقَدْ تَكْثُرُ قَوْلُهُ: (وَمَا يُشْبِعُ الصَّبِيَّ) أَيْ وَإِرْضَاعُ مَا يُشْبِعُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فِي مَنْفَعَتِهِ) أَيْ فِي مَنْفَعَةٍ هِيَ هُوَ، فَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (بِتَعْيِينِ) أَيْ أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الْمَنْفَعَةِ بِتَعْيِينِ مَحَلِّ عَمَلٍ، فَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ كَلَامَ الْمَتْنِ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْعَمَلِ فَقَطْ كَالْخِيَاطَةِ لَا يَكْفِي.
قَوْلُهُ: (كَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ) أَيْ فَإِنَّ خِيَاطَةَ الثَّوْبِ تَتْمِيمُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْلُومِ سَوَاءٌ كَانَ الثَّوْبُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا.
غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ فِي خِيَاطَةِ الثَّوْبِ إبْهَامًا لِاحْتِمَالِ الثَّوْبِ لِلصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، لَكِنَّ الْإِبْهَامَ لَا يُنَافِي الْعِلْمَ كَمَا فِي الْعِلْمِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى الْإِبْهَامِ بِخِلَافِ السُّكْنَى إنْ أُضِيفَتْ إلَى الدَّارِ فَإِنَّهَا مَجْهُولَةٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ.
وَلَمَّا كَانَ فِي الثَّوْبِ نَوْعُ إبْهَامٍ اُحْتِيجَ إلَى تَعْيِينِهِ بِنَحْوِ إشَارَةٍ لِتَعْيِينِ الْمَنْفَعَةِ.
قَوْلُهُ: (فَتَعْيِينُ الْعَمَلِ) أَيْ مَحَلُّ الْعَمَلِ بِنَحْوِ إشَارَةٍ.
وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ " طَرِيقٌ " وَقَوْلُهُ " فِيهَا " أَيْ فِي الْمَنْفَعَةِ الْمَعْلُومَةِ، وَقَوْلُهُ: " إلَى مَعْرِفَتِهَا " أَيْ تَمْيِيزِهَا وَتَعْيِينِهَا.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ قَالَ لِتَخِيطَ إلَخْ) هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى تَعْيِينِ الْمَحَلِّ.
وَقَوْلُهُ: " لَمْ يَصِحَّ " أَيْ لِعَدَمِ تَعْيِينِ مَحَلِّ الْعَمَلِ.
وَقَوْلُهُ: " بَلْ يُشْتَرَطُ " إضْرَابٌ انْتِقَالِيٌّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ ثَابِتٌ وَانْتَقَلَ عَنْهُ لِحُكْمٍ آخَرَ، وَفِي عِبَارَتِهِ نَقْصٌ تَقْدِيرُهُ: بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُعَيِّنَ الثَّوْبَ وَأَنْ يُبَيِّنَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَوْ رُومِيَّةٌ) الرُّومِيَّةُ بِغُرْزَتَيْنِ وَالْفَارِسِيَّةُ بِغُرْزَةٍ وَاحِدَةٍ ق ل.
قَوْلُهُ: (بِهِمَا مَعًا) أَيْ بِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ، يَعْنِي أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ يَصِحُّ أَنْ يُقَدَّرَ بِالْمُدَّةِ فَقَطْ وَأَنْ يُقَدَّرَ بِمَحَلِّ الْعَمَلِ فَقَطْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُقَدَّرُ بِهِمَا مَعًا مُجْتَمِعَيْنِ كَمَا تَوَهَّمَ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ الْمَسْأَلَةَ الْبَاطِلَةَ الْآتِيَةَ فِي قَوْلِهِ: أَمَّا لَوْ جَمَعَ إلَخْ.
هَكَذَا يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ الرَّوْضِ وَقَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، لَكِنْ يُنَافِيهِ قَوْلُ الشَّارِحِ: " مَعًا " وَكَذَا تَمْثِيلُ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اجْتِمَاعِهَا، وَهُوَ يُقَوِّي اعْتِرَاضَ الْقَلْيُوبِيِّ بِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: " بَقِيَ إلَخْ " نَظَرًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِتَعْمَلَ لِي كَذَا شَهْرًا " إنْ كَانَ " كَذَا " كِنَايَةً عَنْ مُعَيَّنٍ كَخِيَاطَةِ هَذَا الثَّوْبِ فَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الْبَاطِلِ الَّذِي سَيَذْكُرُهُ بَعْدُ؛ وَإِنْ كَانَ كِنَايَةً عَنْ عَمَلٍ فَقَطْ كَخِيَاطَةٍ أَوْ بِنَاءٍ فَمِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا لَا تَنْضَبِطُ مَنْفَعَتُهُ كَالسُّكْنَى وَالْإِرْضَاعِ يَجِبُ فِيهِ التَّقْدِيرُ بِالزَّمَنِ فَقَطْ، وَمَا تَنْضَبِطُ إمَّا أَنْ يُقَدَّرَ بِالزَّمَنِ أَوْ بِمَحَلِّ الْعَمَلِ كَأَجَرْتُكَ هَذِهِ الدَّابَّةَ لِتَرْكَبَهَا شَهْرًا أَوْ لِتَرْكَبَهَا إلَى مَكَّةَ.
وَسُئِلَ شَيْخُنَا عَمَّا يَقَعُ فِي بِلَادِ الْأَرْيَافِ مِنْ اسْتِئْجَارِ الدَّوَابِّ لِحَمْلِ الزَّرْعِ فِي سُنْبُلِهِ مِنْ مَكَانِ ضَمِّهِ إلَى مَكَانِ دِرَاسِهِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِقَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي يُسْتَوْفَى فِيهَا الْحَمْلُ.
فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذِهِ إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ يَسْتَحِقُّ فِيهَا الْأَجِيرُ أُجْرَةَ مِثْلِهِ، فَلَوْ عَيَّنَ مُدَّةً تَعَيَّنَتْ وَصَحَّتْ كَالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِمَحَلِّ الْعَمَلِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَأْجِرُونَ عَلَى حَمْلِ زَرْعٍ مُبْهَمٍ بَلْ يَقُولُونَ: هَذَا الزَّرْعُ أَوْ الزَّرْعُ الْفُلَانِيُّ، نَعَمْ لَوْ لَمْ يَعْرِفْ الْأَجِيرُ الزَّرْعَ وَإِنْ عَرَفَ قَدْرَ أَرْضِهِ بِالْمِسَاحَةِ لَمْ تَصِحَّ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ يَكُونُ قَصِيرًا وَيَكُونُ طَوِيلًا وَيَخْتَلِفُ بِالْبُعْدِ وَعَدَمِهِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (لِتَعْمَلَ لِي كَذَا) أَيْ خِيَاطَةً أَوْ بِنَاءً مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (أَمَّا لَوْ جَمَعَ إلَخْ) مُقَابِلٌ لِمَا فِي الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَصِحَّ) نَعَمْ إنْ قَصَدَ التَّقْدِيرَ بِالْمَحَلِّ.
وَذِكْرُ النَّهَارِ لِلتَّعْجِيلِ لَا لِلتَّحْدِيدِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (فِي قَفِيزِ) هُوَ
وَشُرِطَ فِي الْعَاقِدَيْنِ وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّالِثُ مَا شُرِطَ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ ثُمَّ نَعَمْ إسْلَامُ الْمُشْتَرِي شَرْطٌ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ عَبْدًا مُسْلِمًا، وَهُنَا لَا يُشْتَرَطُ فَيَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ اسْتِئْجَارُ الْمُسْلِمِ إجَارَةَ ذِمَّةٍ وَكَذَا إجَارَةَ عَيْنٍ عَلَى الْأَصَحِّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْ الْمَنَافِعِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْمَجْمُوعِ بِأَنْ يُؤَجِّرَهُ لِمُسْلِمٍ.
وَلَا تَنْعَقِدُ الْإِجَارَةُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ مَوْضُوعٌ لِمِلْكِ الْأَعْيَانِ فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَنَافِعِ، كَمَا لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَكَلَفْظِ الْبَيْعِ لَفْظُ الشِّرَاءِ، وَلَا يَكُونُ كِنَايَةً فِيهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ بِعْتُك يُنَافِي قَوْلَهُ سَنَةً مَثَلًا فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ فِيهَا كِنَايَةٌ، وَتَرِدُ الْإِجَارَةُ عَلَى عَيْنٍ كَإِجَارَةِ مُعَيَّنٍ مِنْ عَقَارٍ وَرَقِيقٍ وَنَحْوِهِمَا، كَاكْتَرَيْتُكَ لِكَذَا سَنَةٍ، وَإِجَارَةُ الْعَقَارِ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى الْعَيْنِ وَعَلَى ذِمَّةٍ كَإِجَارَةِ مَوْصُوفٍ مِنْ دَابَّةٍ وَنَحْوِهَا لِحَمْلٍ مَثَلًا، وَإِلْزَامُ ذِمَّتِهِ عَمَلًا كَخِيَاطَةٍ وَبِنَاءٍ وَمَوْرِدُ الْإِجَارَةِ الْمَنْفَعَةُ لَا الْعَيْنُ عَلَى الْأَصَحِّ سَوَاءٌ أَوَرَدَتْ عَلَى الْعَيْنِ أَمْ عَلَى الذِّمَّةِ.
وَشُرِطَ فِي الْأُجْرَةِ وَهِيَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ مَا مَرَّ فِي الثَّمَنِ، فَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا مَعْلُومَةً جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً إلَّا أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً فَتَكْفِي رُؤْيَتُهَا، فَلَا تَصِحُّ إجَارَةُ دَارٍ أَوْ دَابَّةٍ بِعِمَارَةٍ وَعَلَفٍ لِلْجَهْلِ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ ذَكَرَ مَعْلُومًا وَأَذِنَ لَهُ خَارِجَ الْعَقْدِ فِي صَرْفِهِ فِي الْعِمَارَةِ
[حاشية البجيرمي]
مِكْتَلٌ يَسَعُ اثْنَيْ عَشَرَ صَاعًا اهـ. أج.
قَوْلُهُ: (وَبِهَذَا) أَيْ بِقَوْلِهِ قَدْ يَتَأَخَّرُ
قَوْلُهُ: (مَا شُرِطَ فِي الْمُتَبَايِعَيْنِ) أَيْ مِنْ إطْلَاقِ التَّصَرُّفِ وَعَدَمِ الْإِكْرَاهِ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْأَعْمَى لَا يَكُونُ مُؤَجِّرًا وَإِنْ جَازَ لَهُ إجَارَةُ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْهَلُهَا.
اهـ. س ل.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ يُؤْمَرُ) أَيْ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ، أَمَّا إجَارَةُ الذِّمَّةِ فَلَا إذْ يُمْكِنُ الْمُسْلِمُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لَهُ كَافِرًا يَنُوبُ عَنْهُ فِي خِدْمَةِ الْكَافِرِ ق ل؛ لِأَنَّ صُورَةَ الذِّمَّةِ أَنْ يَقُولَ الْكَافِرُ لِمُسْلِمٍ أَلْزَمْت ذِمَّتَك خِدْمَتِي شَهْرًا مَثَلًا.
وَقَالَ ق ل أَيْضًا: وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤَجِّرَ السَّيِّدُ لِلْعَبْدِ نَفْسَهُ وَإِنْ صَحَّ بَيْعُهَا لَهُ اهـ. وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَلَا يَصِحُّ اكْتِرَاءُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ وَإِنْ صَحَّ شِرَاؤُهُ نَفْسَهُ اهـ، أَيْ لِإِفْضَائِهِ إلَى الْعِتْقِ فَاغْتُفِرَ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْإِجَارَةِ.
اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَنْعَقِدُ إلَخْ) هَذَا مُتَعَلِّقٌ بِالصِّيغَةِ فَالْمُنَاسِبُ ذِكْرُهُ عَقِبَهَا.
قَوْلُهُ: (عَلَى عَيْنٍ) أَيْ عَلَى مَنْفَعَةِ مُعَيَّنٍ.
وَعِبَارَةُ زي: قَوْلُهُ وَتُرَدُّ الْإِجَارَةُ عَلَى عَيْنٍ أَيْ عَلَى مَنْفَعَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِعَيْنٍ؛ لِأَنَّ مَوْرِدَ الْإِجَارَةِ الْمَنْفَعَةُ، وَالْمُرَادُ بِالْعَيْنِ هُنَا مُقَابِلُ الذِّمَّةِ، وَفِي قَوْلِهِمْ مَوْرِدُهَا الْمَنْفَعَةُ لَا الْعَيْنُ مُقَابِلُ الْمَنْفَعَةِ؛ فَلَا تَنَافِيَ.
قَوْلُهُ: (لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى الْعَيْنِ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَقَارَ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ وَمَحَلُّهُ فِي الْعَقَارِ الْكَامِلِ، أَمَّا بَعْضُهُ إذَا كَانَ النِّصْفَ فَأَقَلَّ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ قَرْضُهُ، وَمِثْلُ الْعَقَارِ السَّفِينَةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا زي.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى ذِمَّةِ) أَيْ عَلَى مَنْفَعَةِ مَا فِي الذِّمَّةِ إذْ هِيَ فِي الصُّورَتَيْنِ وَارِدَةٌ عَلَى الْمَنْفَعَةِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهَا) كَرَقِيقٍ وَلَا يُقَالُ هُوَ دَاخِلٌ فِي الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ بِهَا فِي الْعُرْفِ ذَاتُ الْأَرْبَعِ.
فَرْعٌ: ذَهَبَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ إلَى صِحَّةِ اسْتِئْجَارِ الْأَجِيرِ بِنَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ وَيُحْمَلُ عَلَى الْوَسَطِ اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَإِلْزَامِ ذِمَّتِهِ) مَعْطُوفٌ عَلَى مَجْرُورِ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ كَإِجَارَةِ مَوْصُوفٍ.
قَوْلُهُ: (لَا الْعَيْنُ عَلَى الْأَصَحِّ) مُقَابِلُ الْأَصَحِّ أَنَّهَا وَارِدَةٌ عَلَى الْعَيْنِ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ.
وَعِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ: قَالَ الشَّيْخَانِ: وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ، وَأَوْرَدَ لَهُ الْإِسْنَوِيُّ فَوَائِدَ مِنْهَا إجَارَةُ مَا اسْتَأْجَرَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَإجَارَةُ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ إنْ قُلْنَا الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ صَحَّ أَوْ الْعَيْنُ فَلَا لِعَدَمِ قَبْضِهَا فِي الْأَوَّلِ وَلِنَجَاسَتِهَا فِي الثَّانِي، وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ لَفْظِيًّا اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ) أَيْ فِي تَفْصِيلِ الْأَرْكَانِ، وَإِلَّا فَهِيَ فِي الْإِجْمَالِ ثَالِثٌ.
قَوْلُهُ: (كَوْنُهَا مَعْلُومَةً) لَا يُقَالُ يُشْكِلُ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ صِحَّةُ الِاسْتِئْجَارِ لِلْحَجِّ بِالرِّزْقِ وَهُوَ مَجْهُولٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ ذَلِكَ بِإِجَارَةٍ بَلْ نَوْعُ جَعَالَةٍ يُغْتَفَرُ فِيهَا الْجَهْلُ بِالْجُعْلِ.
اهـ. س ل.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ تَكُونَ) مُسْتَثْنًى مِنْ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (لِلْجَهْلِ فِي ذَلِكَ) فَتَصِيرُ الْأُجْرَةُ مَجْهُولَةً، فَإِنْ صَرَفَ وَقَصَدَ الرُّجُوعَ بِهِ رَجَعَ وَإِلَّا فَلَا وَيُصَدِّقُ الْمُسْتَأْجَرَ فِي أَصْلِ الْإِنْفَاقِ وَقَدْرِهِ؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَنَهُ، وَمَحَلُّهُ إذَا ادَّعَى قَدْرًا لَائِقًا فِي الْعَادَةِ كَمَا يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الْوَصِيِّ وَالْوَلِيِّ، شَرْحِ م ر؛ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصُّنَّاعِ إنْ قَالُوا صَرَفَ
أَوْ الْعَلَفِ صَحَّ، وَلَا لِسَلْخِ شَاةٍ بِجِلْدِهَا وَلَا لِطَحْنِ الْبُرِّ مَثَلًا بِبَعْضِ دَقِيقِهِ كَثُلُثِهِ لِلْجَهْلِ بِثَخَانَةِ الْجِلْدِ وَبِقَدْرِ الدَّقِيقِ وَلِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأُجْرَةِ حَالًا.
وَفِي مَعْنَى الدَّقِيقِ النُّخَالَةُ.
وَتَصِحُّ إجَارَةُ امْرَأَةٍ مَثَلًا بِبَعْضِ رَقِيقٍ حَالًا لِإِرْضَاعِ بَاقِيهِ لِلْعِلْمِ بِالْأُجْرَةِ، وَالْعَمَلُ الْمُكْتَرَى لَهُ إنَّمَا وَقَعَ فِي مِلْكِ غَيْرِ الْمُكْتَرِي تَبَعًا.
وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ إجَارَةِ الذِّمَّةِ تَسْلِيمُ الْأُجْرَةِ فِي الْمَجْلِسِ، وَأَنْ تَكُونَ حَالَّةً كَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّهَا سَلَمٌ فِي الْمَنَافِعِ، فَلَا يَجُوزُ فِيهَا تَأْخِيرُ الْأُجْرَةِ وَلَا تَأْجِيلُهَا وَلَا الِاسْتِبْدَالُ عَنْهَا وَلَا الْحَوَالَةُ بِهَا وَلَا عَلَيْهَا، وَلَا الْإِبْرَاءُ مِنْهَا.
[حاشية البجيرمي]
عَلَيْنَا كَذَا فِي نَظِيرِ حَمْلِنَا؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ عَمَلُهُمْ فِي الْعِمَارَةِ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَ عَلَيْهِ الْأُجْرَةَ اهـ.
قَوْلُهُ: (مَعْلُومًا) أَيْ قَدْرًا مَعْلُومًا مِنْ الدَّرَاهِمِ كَعَشْرَةٍ.
قَوْلُهُ: (خَارِجَ الْعَقْدِ) عِبَارَةُ م ر فِي شَرْحِهِ: فَإِنْ كَانَ فِي صُلْبِهِ فَلَا يَصِحُّ كَأَجَرْتُكَهَا بِدِينَارٍ عَلَى أَنْ تَصْرِفَهُ فِي عِمَارَتِهَا أَوْ عَلَفِهَا لِلْجَهْلِ بِالصَّرْفِ فَتَصِيرُ الْأُجْرَةُ مَجْهُولَةً، فَإِذَا صَرَفَ وَقَصَدَ الرُّجُوعَ بِهِ رَجَعَ وَإِلَّا فَلَا؛ وَالْأَوْجُهُ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْجَهْلِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، فَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِالصَّرْفِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ كَبَيْعِ زَرْعٍ بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُدَهُ الْبَائِعُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ هُنَاكَ شَرْطٌ بَطَلَتْ مُطْلَقًا وَإِلَّا كَأَجَرْتُكَهَا بِعِمَارَتِهَا، فَإِنْ عُيِّنَتْ صَحَّتْ وَإِلَّا فَلَا.
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا صِحَّةُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي زَمَانِنَا مِنْ تَسْوِيغِ النَّاظِرِ الْمُسْتَحِقِّ بِاسْتِحْقَاقِهِ عَلَى سَاكِنِ الْوَقْفِ فِيمَا يَظْهَرُ اهـ.
قَوْلُهُ: (صَحَّ) قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى اتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبَضِ لِوُقُوعِهِ ضِمْنًا، شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا لِسَلْخِ شَاةٍ) الضَّابِطُ أَنْ يَجْعَلَ الْأُجْرَةَ شَيْئًا يَحْصُلُ بِعَمَلِ الْأَجِيرِ،.
اهـ. س ل.
قَوْلُهُ: (بِجِلْدِهَا) أَوْ بِجِلْدِ غَيْرِهَا إذَا لَمْ يُسْلَخْ، بِخِلَافِ مَا إذَا سُلِخَ فَيَصِحُّ ح ل.
قَوْلُهُ: (بِبَعْضِ دَقِيقِهِ) وَكَذَا بِبَعْضِ دَقِيقِ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يُطْحَنْ، بِخِلَافِ مَا إذَا طُحِنَ فَتَصِحُّ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَلِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأُجْرَةِ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهَا فِي الْحَالِ كَأَنْ عَيَّنَ لَهُ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنْ الْحَبِّ وَسَلَّمَهُ لَهُ فِي الْحَالِ صَحَّ، كَذَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَتَصِحُّ إجَارَةُ امْرَأَةٍ إلَخْ) خَرَجَ بِالْمَرْأَةِ وَنَحْوِهَا اسْتِئْجَارُ شَاةٍ لِإِرْضَاعِ طِفْلٍ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: أَوْ سَخْلَةٍ، فَلَا يَصِحُّ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ مَعَ عَدَمِ قُدْرَةِ الْمُؤَجِّرِ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَنْفَعَةِ كَالِاسْتِئْجَارِ لِضِرَابِ الْفَحْلِ، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ لِإِرْضَاعِ سَخْلَةٍ شَرْحِ م ر. وَقَوْلُهُ: " لِعَدَمِ " الْحَاجَةِ أَيْ؛ وَلِأَنَّهَا قَدْ لَا تَنْقَادُ لِلْإِرْضَاعِ، بِخِلَافِ الْهِرَّةِ فَإِنَّهَا تَنْقَادُ بِطَبْعِهَا لِصَيْدِ الْفَأْرِ فَصَحَّ اسْتِئْجَارُهَا لَهُ، سم عَلَى حَجّ.
وَمِنْ طُرُقِ اسْتِحْقَاقِ أُجْرَةِ الْهِرَّةِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا لِعَدَمِ مَالِكٍ لَهَا وَيَتَعَهَّدَهَا بِالْحِفْظِ وَالتَّرْبِيَةِ فَيَمْلِكَهَا بِذَلِكَ كَالْوُحُوشِ الْمُبَاحَةِ حَيْثُ تَمْلِكُهَا بِالِاصْطِيَادِ اهـ.
فَرْعٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ إلَى آخَرَ بَيْضًا يَخْدُمُهُ إلَى أَنْ يُفْرِخَ وَقَالَ لَهُ: لَك مِنْهُ كَذَا هَلْ ذَلِكَ صَحِيحٌ أَوْ لَا؟ وَالْجَوَابُ عَنْهُ إنْ اسْتَأْجَرَهُ بِبَعْضِهِ حَالًّا صَحَّ وَاسْتَحَقَّهُ شَائِعًا وَإِلَّا كَانَ إجَارَةً فَاسِدَةً، فَالْفَرْخُ لِلْمَالِكِ وَعَلَيْهِ لِلْمَقُولِ لَهُ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الِاسْتِئْجَارِ لِإِرْضَاعِ الرَّقِيقِ؛ اهـ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (مَثَلًا) أَيْ أَوْ رَجُلًا ذَا لَبَنٍ، أَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ وَارِدَةً عَلَى الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَحْصُلُ الرَّجُلُ امْرَأَةً، وَالْبَهِيمَةُ لَيْسَتْ كَالْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ.
وَصُورَةُ اسْتِئْجَارِ الْمَرْأَةِ أَنْ يَقُولَ: اسْتَأْجَرْتُك لِإِرْضَاعِ هَذَا الرَّقِيقِ بِرُبْعِهِ لِإِرْضَاعِ بَاقِيهِ، وَإِنْ قَالَ: بِرُبْعِهِ لِإِرْضَاعِ كُلِّهِ، فَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: لَا يَصِحُّ لِوُقُوعِ الْعَمَلِ فِي مِلْكِ غَيْرِ الْمُكْتَرِي قَصْدًا، وَهُوَ الْوَجْهُ وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا م ر قَلْيُوبِيٌّ، فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ مَتَى اكْتَرَاهَا بِرُبْعِهِ حَالًّا لِإِرْضَاعِ بَاقِيهِ أَوْ لِإِرْضَاعِ كُلِّهِ أَوْ أَطْلَقَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (بِبَعْضِ رَقِيقٍ) أَيْ بَعْضِ مُعَيَّنٍ.
قَوْلُهُ: (حَالًّا) خَرَجَ بِهِ مَا إذَا اسْتَأْجَرَهَا بِبَعْضِهِ بَعْدَ الْفِطَامِ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَالْعَمَلُ الْمُكْتَرَى لَهُ) وَهُوَ الْإِرْضَاعُ.
قَوْلُهُ: (إنَّمَا وَقَعَ فِي مِلْكِ غَيْرِ الْمُكْتَرِي) وَالْغَيْرُ هُوَ الْمَرْأَةُ الْمُرْضِعَةُ وَالْمُكْتَرِي هُوَ مَالِكُ الرَّقِيقِ؛ لِأَنَّهُ اكْتَرَاهَا لِلْإِرْضَاعِ.
وَهَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ حَاصِلُهُ أَنَّ عَمَلَ الْأَجِيرِ يَجِبُ كَوْنُهُ فِي خَالِصِ مِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ وَهُنَا فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، فَأَجَابَ بِأَنَّ الْغَيْرَ وَقَعَ تَبَعًا لَا قَصْدًا.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ إجَارَةِ الذِّمَّةِ إلَخْ) دُخُولٌ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ ظَاهِرٌ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ،
وَإِجَارَةُ الْعَيْنِ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهَا تَسْلِيمُ الْأُجْرَةِ فِي الْمَجْلِسِ مُعَيَّنَةً كَانَتْ الْأُجْرَةُ أَوْ فِي الذِّمَّةِ كَالثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ، ثُمَّ إنْ عَيَّنَ لِمَكَانِ التَّسْلِيمِ مَكَانًا تَعَيَّنَ وَإِلَّا فَمَوْضِعُ الْعَقْدِ.
وَيَجُوزُ فِي الْأُجْرَةِ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ تَعْجِيلُ الْأُجْرَةِ وَتَأْجِيلُهَا إنْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ فِي الذِّمَّةِ كَالثَّمَنِ (وَإِطْلَاقُهَا يَقْتَضِي تَعْجِيلَ الْأُجْرَةِ) فَتَكُونُ حَالَّةً كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ (إلَّا أَنْ يُشْتَرَطُ التَّأْجِيلُ) فِي صُلْبِ الْعَقْدِ فَتَتَأَجَّلُ كَالثَّمَنِ، وَيَجُوزُ الِاسْتِبْدَالُ عَنْهَا وَالْحَوَالَةُ بِهَا وَعَلَيْهَا وَالْإِبْرَاءُ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً لَمْ يَجُزْ التَّأْجِيلُ؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تُؤَجَّلُ وَتُمْلَكُ فِي الْحَالِ بِالْعَقْدِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُعَيَّنَةً أَوْ مُطْلَقَةً أَمْ فِي الذِّمَّةِ، مِلْكًا مُرَاعًى، بِمَعْنَى أَنَّهُ كُلَّمَا مَضَى زَمَنٌ عَلَى السَّلَامَةِ بَانَ أَنَّ الْمُؤَجِّرَ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ مِنْ الْأُجْرَةِ عَلَى مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ إنْ قَبَضَ الْمُكْتَرِي
[حاشية البجيرمي]
فَكَمَّلَ الشَّارِحُ ذَلِكَ بِبَيَانِ إجَارَةِ الذِّمَّةِ وَبَقِيَّةِ حُكْمِ إجَارَةِ الْعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا الِاسْتِبْدَالُ إلَخْ) إذْ لَا تَسْلِيمَ فِي الْمَجْلِسِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ إنْ عَيَّنَ لِمَكَانِ التَّسْلِيمِ) أَيْ تَسْلِيمِ الْعَيْنِ، وَهَذَا مُتَعَلِّقٌ بِإِجَارَةِ الذِّمَّةِ فَالْمُنَاسِبُ ذِكْرُهُ عَقِبَهَا.
قَوْلُهُ: (تَعَيَّنَ) وَجْهٌ.
ذَلِكَ أَنَّ إجَارَةَ الذِّمَّةِ لَمَّا أَشْبَهَتْ السَّلَمَ بِتَسْلِيمِ الْأُجْرَةِ فِي الْمَجْلِسِ جُعِلَ مَحَلُّ الْعَمَلِ كَمَحَلِّ الْمُسَلَّمِ فِيهِ.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ فِي الْأُجْرَةِ إلَخْ) دُخُولٌ عَلَى الْمَتْنِ.
وَهَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ: وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ إجَارَةِ الذِّمَّةِ إلَخْ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (تَعْجِيلُ الْأُجْرَةِ وَتَأْجِيلُهَا) أَيْ بِأَنْ يُصَرِّحَ بِذَلِكَ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ وَإِلَّا فَالْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي التَّعْجِيلَ.
قَوْلُهُ: (وَإِطْلَاقُهَا) أَيْ إجَارَةُ الْعَيْنِ بِأُجْرَةٍ فِي الذِّمَّةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ قَبْلَهُ،.
اهـ. قَلْيُوبِيٌّ.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ التَّأْجِيلُ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ سم؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ لَيْسَ دَاخِلًا فِي الْإِطْلَاقِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِجَارَةَ إمَّا إجَارَةُ عَيْنٍ أَوْ إجَارَةُ ذِمَّةٍ، وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ مُعَيَّنَةً أَوْ فِي الذِّمَّةِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ، وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِحُلُولِهَا أَوْ بِتَأْجِيلِهَا أَوْ يُطْلِقَ فَالْجُمْلَةُ اثْنَا عَشَرَ، فَإِنْ صَرَّحَ بِحُلُولِهَا أَوْ أَطْلَقَ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ صَحَّ وَكَانَتْ مُؤَجَّلَةً كَالثَّمَنِ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ صَرَّحَ بِحُلُولِهَا أَوْ يُطْلِقُ فَالْجُمْلَةُ اثْنَا عَشَرَ، فَإِنْ صَرَّحَ بِحُلُولِهَا أَوْ أَطْلَقَ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ وَالْأُجْرَةُ مُعَيَّنَةٌ صَحَّ وَكَانَتْ حَالَّةً، وَإِنْ صَرَّحَ بِتَأْجِيلِهَا فَسَدَ الْعَقْدُ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْأُجْرَةَ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ صَحَّ وَكَانَتْ حَالَّةً وَلَا كَلَامَ، وَإِنْ صَرَّحَ بِتَأْجِيلِهَا فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ؛ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ مُعَيَّنَةً أَوْ فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهَا كَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وَإِنْ صَرَّحَ بِتَأْجِيلِهَا فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ مُعَيَّنَةً أَوْ فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهَا كَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وَإِنْ صَرَّحَ بِحُلُولِهَا أَوْ أَطْلَقَ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ وَالْأُجْرَةِ فِي الذِّمَّةِ صَحَّ وَكَانَتْ حَالَّةً، وَإِنْ صَرَّحَ بِتَأْجِيلِهَا صَحَّ وَكَانَتْ مُؤَجَّلَةً كَالثَّمَنِ فِي الذِّمَّةِ وَالْأُجْرَةِ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ إنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، كَذَلِكَ لَا تَقْبَلُ التَّأْجِيلَ وَإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ قَبِلَتْهُ.
وَهَذَا كُلُّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ شَرْحِ سم.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً لَمْ يَجُزْ التَّأْجِيلُ) كَأَجَرْتُكَ الدَّارَ بِهَذِهِ الدِّينَارِ مُؤَجَّلًا إلَى شَهْرٍ، وَهَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ: إنْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ فِي الذِّمَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَتُمْلَكُ) أَيْ الْأُجْرَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ إجَارَةَ عَيْنٍ أَوْ ذِمَّةً.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُطْلَقَةً) أَيْ لَمْ يُصَرِّحْ بِتَعْيِينِهَا وَلَا بِكَوْنِهَا فِي الذِّمَّةِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْمُقَابَلَةِ.
وَانْظُرْ مَا صُورَتُهُ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ: أَجَرْتُك هَذَا بِدِينَارٍ مَثَلًا كَانَتْ الْأُجْرَةُ حَالَّةً فِي الذِّمَّةِ فَلَيْسَتْ قِسْمًا ثَالِثًا، وَكَذَا إذَا كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ عَنْ الْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ تَكُونُ حَالَّةً فِي الذِّمَّةِ تَأَمَّلْ، فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يَقُولَ مُعَيَّنَةً أَمْ فِي الذِّمَّةِ مُطْلَقَةً مَا فِي الذِّمَّةِ أَمْ حَالَّةً أَمْ مُؤَجَّلَةً اهـ.
قَوْلُهُ: (مِلْكًا مُرَاعًى إلَخْ) هَذَا رَاجِعٌ لِإِجَارَةِ الْعَيْنِ فَقَطْ، وَأَمَّا إجَارَةُ الذِّمَّةِ فَتَسْتَقِرُّ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ بِالتَّلَفِ بَلْ يُبَدِّلُهَا بِغَيْرِهَا، وَيَنْبَنِي عَلَى مِلْكِهَا بِالْعَقْدِ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ حَتَّى بِالْوَطْءِ لَوْ كَانَتْ أَمَةً أَوْ كَانَتْ إجَارَةَ وَقْفٍ عَلَى بُطُونٍ، وَبِهَذَا صَرَّحَ سم بِقَوْلِهِ: وَقَضِيَّةُ مِلْكِهَا بِالْعَقْدِ أَنَّ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ التَّصَرُّفَ فِي جَمِيعِهَا؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ فِي الْحَالِ، وَهُوَ مَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ فَأَفْتَى بِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِلْبَطْنِ الثَّانِي عَلَى النَّاظِرِ إذَا مَاتَ الْبَطْنُ الْأَوَّلُ قَبْلَ فَرَاغِ الْمُدَّةِ بَلْ عَلَى تَرِكَةِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ؛ وَخَالَفَ الْقَفَّالُ وَمَنْ تَبِعَهُ فِي الْأَمْرَيْنِ اهـ. وَعِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ: وَلَوْ قَبَضَ النَّاظِرُ أُجْرَةً مُعَجَّلَةً وَصَرَفَهَا عَلَى أَرْبَابِ الْوَقْفِ، ثُمَّ انْتَقَلَ الْوَقْفُ عَنْهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ بِأَنْ كَانَ وَقْفَ تَرْتِيبٍ رَجَعَ مُسْتَحِقُّو الْبَطْنِ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ لَا عَلَى النَّاظِرِ وَلَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ؛ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ اهـ. وَقَوْلُهُ: " رَجَعَ مُسْتَحِقُّو الْبَطْنِ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ ". فَإِنْ خَرَجَ الْأَوَّلُ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ حَيٌّ طُولِبَ بِمَا أَخَذَهُ مِنْ مُدَّةِ خُرُوجِهِ عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ أَخَذَ مِنْ تَرِكَتِهِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ تَرِكَةٌ كَانَ كَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يُلْزَمُ بِهِ أَحَدٌ، اهـ أج مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (كُلَّمَا مَضَى زَمَنٌ) كُلَّمَا ظَرْفِيَّةٌ فِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِ وَجَوَابُهُ
الْعَيْنَ أَوْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ فَامْتَنَعَ، فَلَا تَسْتَقِرُّ كُلُّهَا إلَّا بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ سَوَاءٌ انْتَفَعَ الْمُكْتَرِي أَمْ لَا لَتَلِفَ الْمَنْفَعَةِ تَحْتَ يَدِهِ وَتَسْتَقِرُّ فِي إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ أُجْرَةُ مِثْلٍ بِمَا يَسْتَقِرُّ بِهِ مُسَمًّى فِي صَحِيحَةِ سَوَاءٌ أَكَانَ مِثْلَ الْمُسَمَّى أَمْ أَقَلَّ أَمْ أَكْثَرَ.
هَذَا هُوَ الْغَالِبُ وَقَدْ تُخَالِفُهَا فِي أَشْيَاءَ: مِنْهَا التَّخْلِيَةُ فِي الْعَقَارِ، وَمِنْهَا الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُكْتَرِي، وَمِنْهَا الْعَرْضُ عَلَيْهِ وَامْتِنَاعَهُ مِنْ الْقَبْضِ إلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَلَا تَسْتَقِرُّ فِيهَا الْأُجْرَةُ فِي الْفَاسِدَةِ وَيَسْتَقِرُّ بِهَا الْمُسَمَّى فِي الصَّحِيحَةِ.
وَشُرِطَ فِي إجَارَةِ دَابَّةٍ إجَارَةَ عَيْنٍ لِرُكُوبٍ أَوْ حَمْلٍ رُؤْيَةُ الدَّابَّةِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَشُرِطَ فِي إجَارَتِهَا إجَارَةَ ذِمَّةٍ لِرُكُوبٍ ذِكْرُ جِنْسِهَا كَإِبِلٍ أَوْ خَيْلٍ وَنَوْعِهَا كَبَخَاتِيٍّ أَوْ عِرَابٍ، وَذُكُورَةٍ أَوْ أُنُوثَةٍ، وَصِفَةِ سَيْرِهَا مِنْ كَوْنِهَا مُهَمْلِجَةً أَوْ بَحْرًا أَوْ قَطُوفًا؛ لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ تَخْتَلِفُ بِذَلِكَ.
وَشُرِطَ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ وَالذِّمَّةِ لِلرُّكُوبِ ذِكْرُ قَدْرِ سُرًى وَهُوَ السَّيْرُ لَيْلًا أَوْ قَدْرِ تَأْوِيبٍ وَهُوَ السَّيْرُ نَهَارًا حَيْثُ لَمْ يَطَّرِدْ عُرْفٌ، فَإِنْ اطَّرَدَ عُرْفٌ حُمِلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وَشُرِطَ فِيهِمَا لِحَمْلٍ رُؤْيَةُ الْمَحْمُولِ إنْ حَضَرَ أَوْ امْتِحَانُهُ بِيَدٍ أَوْ تَقْدِيرُهُ حَضَرَ أَوْ غَابَ، وَذِكْرُ جِنْسِ مَكِيلٍ، وَعَلَى مُكْرِي دَابَّةٍ لِرُكُوبٍ إكَافٌ وَهُوَ مَا تَحْتَ الْبَرْذعَةِ وَبَرْذعَةٌ وَحِزَامٌ وَثَفَرٌ وَبَرَةٌ وَهِيَ الْحَلْقَةُ تُجْعَلُ فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ وَخِطَامٌ وَهُوَ زِمَامٌ يُجْعَلُ فِي الْحَلْقَةِ وَيُتْبَعُ فِي نَحْوِ سَرْجٍ وَحِبْرٍ وَكُحْلٍ وَخَيْطٍ وَصَبْغٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ عُرْفٌ مُطَرِّدٌ فِي مَحِلِّ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي
[حاشية البجيرمي]
بِإِنْ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ " إنَّهُ " وَمَا وَاقِعَةٌ عَلَى زَمَنٍ، فَيَكُونُ ذِكْرُ زَمَنٍ بَعْدَهُ إظْهَارًا فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَسْتَقِرُّ كُلُّهَا إلَخْ) وَالْعِبْرَةُ فِي الْأُجْرَةِ إذَا كَانَتْ نَقْدًا بِنَقْدِ بَلَدِ الْعَقْدِ وَقْتَهُ، فَإِنْ كَانَ بِبَادِيَةٍ اُعْتُبِرَ أَقْرَبُ الْبِلَادِ إلَيْهَا كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ، فَإِنْ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ فَالْعِبْرَةُ بِمَوْضِعِ إتْلَافِ الْمَنْفَعَةِ، وَإِذَا حَلَّتْ الْأُجْرَةُ الْمُؤَجَّلَةُ وَقَدْ تَغَيَّرَ النَّقْدُ وَجَبَ مِنْ نَقْدِ يَوْمِ الْعَقْدِ لَا يَوْمِ تَمَامِ الْعَمَلِ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُكْتَرِي) أَيْ فِي الْمَنْقُولِ.
وَقَوْلُهُ: " وَمِنْهَا الْعَرْضُ " أَيْ فِي الْمَنْقُولِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَامْتِنَاعَهُ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَعِيَّةِ، أَيْ مَعَ امْتِنَاعِهِ إلَخْ.
فَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (مُهَمْلِجَةً) الْمُهَمْلِجَةُ بِوَزْنِ مُدَحْرِجَةٍ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ سَرِيعَةُ السَّيْرِ مَعَ حُسْنِهِ، وَالْقُطُوفُ بَطِيئَتُهُ وَالْبَحْرُ مَا بَيْنَهُمَا؛ فَلِذَا وَسَطُهَا، وَهِيَ مُنَوَّنَةٌ كَمَا قَالَهُ ع ش.
قَوْلُهُ: (سُرًى) بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مُنَوَّنًا مَقْصُورًا ق ل.
قَوْلُهُ: (حُمِلَ إلَخْ) فَإِنْ شُرِطَ خِلَافُهُ اُتُّبِعَ.
قَوْلُهُ: (وَشُرِطَ فِيهِمَا) أَيْ فِي إجَارَةِ الْعَيْنِ وَالذِّمَّةِ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ امْتِحَانُهُ إلَخْ " أَيْ اخْتِبَارُهُ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: أَوْ امْتِحَانُهُ بِيَدٍ، أَيْ إنْ حَضَرَ أَيْ وَكَانَ فِي ظَرْفٍ أَوْ حَجَرًا أَوْ فِي ظُلْمَةٍ تَخْمِينًا لِوَزْنِهِ.
قَوْلُهُ: (وَذِكْرُ جِنْسِ مَكِيلٍ) خَرَجَ الْمَوْزُونُ فَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ جِنْسِهِ، فَلَوْ قَالَ أَجَرْتُكَهَا لِتَحْمِلَ عَلَيْهَا مِائَةَ رِطْلٍ وَلَوْ بِدُونِ مِمَّا شِئْت صَحَّ وَيَكُونُ رِضًا مِنْهُ بِأَضَرِّ الْأَجْنَاسِ، شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَيُحْسَبُ الظَّرْفُ مِنْ الْوَزْنِ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: وَثَفَرٌ بِالْمُثَلَّثَةِ وَهُوَ مَا يُجْعَلُ تَحْتَ دُبُرِ الدَّابَّةِ ق ل وَيُسَمَّى بِذَلِكَ لِمُجَاوَرَتِهِ لِثُفْرِ الدَّابَّةِ بِسُكُونِ الْفَاءِ وَهُوَ حَيَاهَا زي.
قَوْلُهُ: وَبَرَةٌ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مُخَفَّفَةً مَحْذُوفَةَ اللَّامِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ فَأَصْلُهَا بُرَوٌ حُذِفَتْ لَامُهَا وَعُوِّضَ عَنْهَا هَاءُ التَّأْنِيثِ قَوْلُهُ وَهِيَ الْحَلْقَةُ أَيْ الْمُسَمَّاةُ بِالْخِزَامِ بِالْخَاءِ وَالزَّايِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحَلْقَةِ) وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الرُّكُوبِ بِدُونِهَا.
قَوْلُهُ: (وَحِبْرٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحْبَرُ بِهِ الْكُتُبُ أَيْ يُحْسَنُ.
وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْقَلَمَ وَاجِبٌ عَلَى الْوَرَّاقِ أَيْ النَّاسِخِ كَإِبْرَةِ الْخَيَّاطِ.
وَيَجِبُ فِي الْإِجَارَةِ لِلنَّسْخِ بَيَانُ عَدَدِ الْأَوْرَاقِ وَالْأَسْطُرِ فِي كُلِّ صَفْحَةٍ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلتَّقْدِيرِ بِالْمُدَّةِ وَالْقِيَاسُ جَوَازُهُ وَأَنَّهُ يَجِبُ عِنْدَ تَقْدِيرِ الْعَمَلِ بَيَانُ قَدْرِ الْحَوَاشِي وَقِطَعِ الْوَرَقِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ اهـ. وَالْحَوَاشِي هِيَ الْبَيَاضُ الْخَالِي عَنْ الْكِتَابَةِ، وَقَوْلُهُ: " وَقِطَعِ الْوَرِقِ " بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الطَّاءِ كَنِصْفِ الْفَرْخِ أَوْ رُبْعِهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَسَكَتُوا عَنْ بَيَانِ دِقَّةِ الْخَطِّ وَغِلَظِهِ وَعَنْ رُؤْيَةِ خَطِّ النَّاسِخِ وَهُوَ أَمْرٌ مُهِمٌّ، وَإِذَا غَلِطَ النَّاسِخُ فِي كِتَابَتِهِ لَا أُجْرَةَ لَهُ وَيَغْرَمُ أَرْشَ الْوَرَقِ قَالَهُ زي.
وَقَوْلُهُ: " إذَا غَلِطَ النَّاسِخُ فِي كِتَابَتِهِ " أَيْ غَلَطًا فَاحِشًا.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَإِبْرَةِ الْخَيَّاطِ وَمِرْوَدِ الْكَحَّالِ وَذَرُورِهِ وَمَرْهَمِ الْجَرَايِحِيِّ وَصَابُونِ الْغَسَّالِ وَمَائِهِ وَوُقُودِ الْخَبَّازِ ق ل. وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ حَذْفُهُ؛ لِأَنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ فِي
اللُّغَةِ، فَمَنْ اطَّرَدَ فِي حَقِّهِ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ أَوْ اخْتَلَفَ الْعُرْفُ فِي مَحِلِّ الْإِجَارَةِ وَجَبَ الْبَيَانُ.
وَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ مُدَّةً تَبْقَى فِيهَا الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ غَالِبًا، فَيُؤَجَّرُ الرَّقِيقُ وَالدَّارُ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَالدَّابَّةُ عَشْرَ سِنِينَ وَالثَّوْبُ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، وَالْأَرْضُ مِائَةَ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ.
(وَلَا تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ) سَوَاءٌ كَانَتْ وَارِدَةً عَلَى الْعَيْنِ أَمْ عَلَى الذِّمَّةِ (بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ) وَلَا بِمَوْتِهِمَا بَلْ تَبْقَى إلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ، فَلَا تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ كَالْبَيْعِ وَيَخْلُفُ الْمُسْتَأْجَرَ وَارِثُهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْأَجِيرِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّهُ مَوْرِدُ الْعَقْدِ لَا؛ لِأَنَّهُ عَاقِدٌ فَلَا يُسْتَثْنَى ذَلِكَ مِنْ عَدَمِ الِانْفِسَاخِ، لَكِنْ اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ مَسَائِلُ: مِنْهَا مَا لَوْ أَجَّرَ عَبْدَهُ الْمُعَلَّقَ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، فَوُجِدَتْ مَعَ مَوْتِهِ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ أَجَّرَ أُمَّ وَلَدِهِ وَمَاتَ فِي الْمُدَّةِ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ.
وَمِنْهَا الْمُدَبَّرُ فَإِنَّهُ كَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ.
وَاسْتُثْنِيَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرْته فِي شَرْحِ
[حاشية البجيرمي]
نَحْوِ سَرْجٍ.
قَوْلُهُ: (وَتَصِحُّ الْإِجَارَةُ إلَخْ) تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ فِي الْمَتْنِ مُدَّةً، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالْمُدَّةُ الَّتِي تُقَدَّرُ بِهَا الْإِجَارَةُ هِيَ الَّتِي تَبْقَى فِيهَا الْعَيْنُ، وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهُ عَقِبَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ فَيَجِبُ الْمُسَمَّى إنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ صَحِيحَةً وَتَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ إنْ كَانَتْ فَاسِدَةً، وَلَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ بَيْنَهُمَا إلَّا إذَا لَمْ يَحْصُلْ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ فَفِي الصَّحِيحَةِ يَجِبُ الْمُسَمَّى وَفِي الْفَاسِدَةِ لَا يَجِبُ شَيْءٌ إذَا لَمْ يَسْتَوْلِ عَلَى الْعَيْنِ وَإِلَّا فَتَجِبُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ لِتَقْصِيرِهِ.
قَوْلُهُ: (مُدَّةً تَبْقَى فِيهَا الْعَيْنُ) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمُؤَجِّرَ يَقُولُ أَجَرْتُك هَذِهِ الْعَيْنَ مُدَّةَ بَقَائِهَا.
فَإِنَّهُ مَجْهُولٌ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِجَارَةِ، بَلْ أَنْ يَعْقِدَ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ فِيهِ وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ ابْتِدَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، فَلَوْ قَالَ: أَجَرْتُك سَنَةً أَوْ شَهْرًا وَلَمْ يَقُلْ مِنْ الْآنَ صَحَّ وَحُمِلَ عَلَى مَا يَتَّصِلُ بِالْعَقْدِ، أَمَّا انْتِهَاءُ الْمُدَّةِ فَشَرْطٌ حَتَّى لَوْ قَالَ أَجَرْتُكَ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ لَمْ يَصِحَّ.
فَرْعٌ: لَوْ أَجَرَ الْعَيْنَ مُدَّةً لَا تَبْقَى فِيهَا فَهَلْ تَبْطُلُ فِي الْكُلِّ أَوْ فِي الزَّائِدِ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا تَبْطُلُ فِي الزَّائِدِ وَتَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ، فَإِذَا أَخْلَفَ ذَلِكَ وَبَقِيَتْ عَلَى حَالِهَا بَعْدَ الْمُدَّةِ الَّتِي اُعْتُبِرَتْ لِبَقَائِهَا بِالْقَدْرِ الزَّائِدِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ صِحَّةُ الْإِجَارَةِ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ الْبُطْلَانَ فِي الزَّائِدِ لِظَنٍّ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (فَيُؤَجِّرُ الرَّقِيقَ إلَخْ) مَا لَمْ يَبْلُغْ الرَّقِيقُ الْعُمْرَ الْغَالِبَ وَإِلَّا فَسَنَةً سَنَةً ح ل.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ إلَخْ) شُرُوعٌ فِي أَحْكَامِ الْإِجَارَةِ وَذَكَرَ لَهَا أَحْكَامًا ثَلَاثَةً.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْعَيْنِ) أَيْ عَلَى مَنْفَعَةٍ مُرْتَبِطَةٍ وَمُتَعَلِّقَةٍ بِالْعَيْنِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَخْلُفُ الْمُسْتَأْجِرَ إلَخْ) وَإِذَا مَاتَ الْمُؤَجِّرُ تُرِكَتْ الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ عِنْدَ الْمُسْتَأْجِرِ إلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَلَوْ الْتَزَمَ عَمَلًا فِي ذِمَّتِهِ وَمَاتَ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَرِكَةٌ سَتُؤَجَّرُ مِنْهَا وَإِلَّا فَإِنْ قَامَ الْوَارِثُ بِهِ فَذَاكَ وَإِلَّا فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ سم.
قَوْلُهُ (الْأَجِيرِ الْمُعَيَّنِ) أَيْ فِي الْعَقْدِ كَالْمُكْتَرِي لِخِيَاطَةِ الثَّوْبِ، وَلَوْ قَالَ: نَعَمْ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْأَجِيرِ إلَخْ كَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ) أَيْ الْأَجِيرَ مِنْ حَيْثُ مَنْفَعَتِهِ لَا مِنْ حَيْثُ عَيْنِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْرِدًا.
قَوْلُهُ: (لَا؛ لِأَنَّهُ عَاقِدٌ) أَيْ فَفِي الْأَجِيرِ الْمُعَيَّنِ جِهَتَانِ: كَوْنُهُ مَوْرِدًا وَكَوْنُهُ عَاقِدًا، وَالِانْفِسَاخُ مِنْ الْأُولَى لَا مِنْ الثَّانِيَةِ؛ فَلِذَلِكَ لَا يُسْتَثْنَى.
قَوْلُهُ: (مِنْ عَدَمِ الِانْفِسَاخِ) أَيْ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ اسْتَثْنَى مِنْهُ) أَيْ مِنْ الِانْفِسَاخِ اسْتِثْنَاءٌ صُورِيٌّ، فَإِنَّ الِانْفِسَاخَ فِي الثَّلَاثَةِ لِأَجْلِ الْعِتْقِ وَفَوَاتِ الْمَنْفَعَةِ لَا لِأَجْلِ مَوْتِ الْعَاقِدِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَمُتْ الْعَاقِدُ فِي الْأُولَى بَطَلَتْ.
قَوْلُهُ: (الْمُعَلَّقَ إلَخْ) كَأَنْ قَالَ لَهُ إنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ أَجَرَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَاتَّفَقَ أَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ مَعَ مَوْتِ السَّيِّدِ.
فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ، لَكِنْ لَا بِمَوْتِ الْعَاقِدِ بَلْ لِمَا اقْتَرَنَ بِهِ مِنْ وُجُودِ الصِّفَةِ كَمَا قَالَهُ الْمَرْحُومِيُّ فَلَا حَاجَةَ لِلِاسْتِثْنَاءِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ مَوْتِهِ) أَيْ السَّيِّدِ.
وَقَيَّدَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الِانْفِسَاخِ بِالْمَوْتِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا: م د قَوْلُهُ: " مَعَ مَوْتِهِ " لَيْسَ بِقَيْدٍ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ لِيَظْهَرَ وَجْهُ الِاسْتِثْنَاءِ وَإِلَّا فَهُوَ يُعْتَقُ بِوُجُودِ الصِّفَةِ مُطْلَقًا وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (تَنْفَسِخُ
الْبَهْجَةِ وَغَيْرِهِ.
.
وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ نَاظِرِ الْوَقْفِ مِنْ حَاكِمً أَوْ مَنْصُوبِهِ أَوْ مَنْ شُرِطَ لَهُ النَّظَرُ عَلَى جَمِيعِ الْبُطُونِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ النَّاظِرُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْوَقْفِ وَأَجَرَ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ انْفَسَخَتْ كَمَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ.
وَلَوْ أَجَرَ الْبَطْنَ الْأَوَّلَ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ الْعَيْنَ الْمَوْقُوفَةَ مُدَّةً وَمَاتَ الْبَطْنُ الْمُؤَجِّرُ قَبْلَ تَمَامِهَا، وَشَرَطَ الْوَاقِفُ لِكُلِّ بَطْنٍ مِنْهُمْ النَّظَرَ فِي حِصَّتِهِ مُدَّةَ اسْتِحْقَاقِهِ فَقَطْ، أَوْ أَجَّرَ الْوَلِيُّ صَبِيًّا أَوْ مَا لَهُ مُدَّةٌ لَا يَبْلُغُ فِيهَا الصَّبِيُّ بِالسِّنِّ فَبَلَغَ فِيهَا بِالِاحْتِلَامِ وَهُوَ رَشِيدٌ انْفَسَخَتْ فِي الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ انْتَقَلَ اسْتِحْقَاقُهُ بِمَوْتِ الْمُؤَجِّرِ لِغَيْرِهِ، وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ وَلَا نِيَابَةَ.
وَلَا تَنْفَسِخُ فِي الصَّبِيِّ [] ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ تَصَرَّفَ فِيهِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ.
(وَتَبْطُلُ) أَيْ وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ (بِتَلَفِ) كُلِّ (الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ) كَانْهِدَامِ كُلِّ الدَّارِ لِزَوَالِ الِاسْمِ
[حاشية البجيرمي]
بِمَوْتِهِ) قَدْ يُقَالُ انْفِسَاخُهَا بِعِتْقِهَا بِمَوْتِهِ لَا بِمَوْتِهِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمُدَبَّرِ فَلَا اسْتِثْنَاءَ.
قَوْلُهُ: (بِمَوْتِ نَاظِرِ الْوَقْفِ) أَيْ إذَا أَجَرَهُ مُدَّةً وَمَاتَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَامَّةٌ تُوجَدُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ وَوُجُودُهَا بَعْدَ مَوْتِهِ حُكْمًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ عَقْدُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَكَأَنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ بَعْدَهُ، وَبِهَذَا فَارَقَ مَا يَأْتِي؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ ثَابِتَةٌ مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (عَلَى جَمِيعِ الْبُطُونِ) الظَّاهِرُ أَنَّ التَّصْرِيحَ بِهِ لَيْسَ قَيْدًا بَلْ مِثْلُهُ مَا لَوْ شُرِطَ النَّظَرُ لِلْأَرْشَدِ فَالْأَرْشَدِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الرَّمْلِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ عَدَمِ انْفِسَاخِهَا بِمَوْتِ النَّاظِرِ الْمَذْكُورِ اهـ م د.
قَوْلُهُ: (هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْوَقْفِ) بِأَنْ قَالَ الْوَاقِفُ: وَقَفْتُ كَذَا عَلَى زَيْدٍ مُدَّةَ حَيَاتِهِ ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ مَثَلًا وَشَرَطَ النَّظَرَ لَهُ وَلَمْ يُقَيِّدْ بِمُدَّةِ حَيَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ عَائِدٌ عَلَيْهِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (انْفَسَخَتْ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ انْتَقَلَ لِغَيْرِهِ وَلَا حَقَّ لِوَارِثِهِ فِيهِ ق ل، قَدْ يُقَالُ: انْفِسَاخُهَا بِمَوْتِهِ لِكَوْنِهِ أَجَرَ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ أَجَرَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَجَرَ إلَخْ) هَلَّا قَالَ: وَمَا لَوْ أَجَرَ إلَخْ.
وَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: " مَا لَوْ كَانَ إلَخْ " وَيَجْعَلُ مَسْأَلَةَ إيجَارِ الْوَلِيِّ مَسْأَلَةَ الْوَلِيِّ مَسْأَلَةً مُسْتَقِلَّةً تَأَمَّلْ.
وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَلَا تَنْفَسِخُ بِبُلُوغٍ بِغَيْرِ سِنٍّ.
قَوْلُهُ: (لِكُلِّ بَطْنٍ مِنْهُمْ) الْمُرَادُ لِكُلِّ شَخْصٍ سَوَاءٌ كَانَ بَطْنًا أَوْ بَعْضَهَا ق ل، أَوْ الْمُرَادُ بِالْبَطْنِ أَفْرَادُهَا أَيْ أَفْرَادُ كُلِّ بَطْنٍ.
قَوْلُهُ: (مُدَّةَ اسْتِحْقَاقِهِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ أَطْلَقَ الْوَاقِفُ شَرْطَ النَّظَرِ لِكُلِّ بَطْنٍ أَوْ قَيَّدَهُ بِنَحْوِ الْأَرْشَدِ مِنْهُمْ وَمَا لَوْ تَأَخَّرَ التَّدْبِيرُ أَوْ الْإِيلَادُ أَوْ التَّعْلِيقُ عَنْ الْإِيجَارِ، فَلَا تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ بِالْمَوْتِ لِعَدَمِ تَقْيِيدِ النَّظَرِ بِاسْتِحْقَاقِ الْمُؤَجِّرِ فِي الْأُولَى وَتَقَدُّمِ اسْتِحْقَاقِ الْمَنْفَعَةِ عَلَى سَبَبِ الْعِتْقِ فِي الثَّانِيَةِ سم.
قَوْلُهُ: (مُدَّةً لَا يَبْلُغُ فِيهَا الصَّبِيُّ) فَإِنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ يَبْلُغُ فِيهَا بِالسِّنِّ فَبَلَغَ بِهِ تَبَيَّنَ بُطْلَانُهَا فِيمَا زَادَ إنْ بَلَغَ رَشِيدًا وَإِلَّا اسْتَمَرَّتْ ق ل. قَوْلُهُ: (انْفَسَخَتْ) جَوَابُ لَوْ.
قَوْلُهُ: (لِغَيْرِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِ " انْتَقَلَ " وَقَوْلُهُ: " وَلَا وِلَايَةَ لَهُ " أَيْ لِلْمُؤَجِّرِ، وَقَوْلُهُ: " عَلَيْهِ " أَيْ الْوَقْفِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ) كَالْحَاكِمِ وَمَنْ شُرِطَ لَهُ النَّظَرُ.
قَوْلُهُ: " وَلَا نِيَابَةَ " كَمَنْصُوبِ الْحَاكِمِ، بِخِلَافِهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى أَعْنِي قَوْلَهُ: " وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ نَاظِرِ الْوَقْفِ إلَخْ " شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَنْفَسِخُ) عَطْفٌ عَلَى انْفَسَخَتْ، فَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَ إجَارَةِ الصَّبِيِّ عَنْ إجَارَةِ الْوَقْفِ وَجَعْلَهَا مَسْأَلَةً مُسْتَقِلَّةً؛ لِأَنَّ جَوَابَهَا مُخَالِفٌ لِجَوَابِ مَا قَبْلَهَا.
قَوْلُهُ: (أَيْ وَتَنْفَسِخُ إلَخْ) لَا حَاجَةَ لِتَأْوِيلِ الْبُطْلَانِ بِالِانْفِسَاخِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَذِكْرُ الْمُسْتَقْبَلِ بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ ق ل. وَقَدْ يُقَالُ لَهُ حَاجَةٌ؛ لِأَنَّ الْبُطْلَانَ يُوهِمُ بُطْلَانَهَا مِنْ أَصْلِهَا مَعَ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ إلَّا مِنْ حِينِ عُرُوضِ الْمَانِعِ، وَالْبُطْلَانُ مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ ثَلَاثَةٍ: التَّلَفُ، وَكَوْنُهُ لِكُلِّ الْعَيْنِ، وَكَوْنُ الْإِجَارَةِ إجَارَةَ عَيْنٍ.
أَمَّا التَّعَيُّبُ وَتَلَفُ الْبَعْضِ فَيُثْبِتُ الْخِيَارَ لَا الْفَسْخَ، وَأَمَّا التَّلَفُ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ فَيَجِبُ فِيهِ الْإِبْدَالُ فَلَا فَسْخَ وَلَا خِيَارَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَيْنَ الْمُؤَجَّرَةَ إذَا تَلِفَتْ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ كَمَوْتِ الدَّابَّةِ وَسَلِمَ الْمَحْمُولُ أَوْ غَرِقَتْ السَّفِينَةُ وَسَلِمَ الْحَمْلُ وَمَوْتِ الْخَيَّاطِ وَالْبَنَّاءِ وَالصَّبَّاغِ وَالْمُعَلِّمِ وَسَلِمَ الثَّوْبُ وَالْبِنَاءُ وَالصَّبِيُّ الْمُتَعَلِّمُ وَجَبَ قِسْطُ الْأُجْرَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، أَمَّا عَكْسُ ذَلِكَ كَأَنْ غَرِقَتْ الْحُمُولُ وَسَلِمَتْ السَّفِينَةُ أَوْ انْكَسَرَتْ الْجَرَّةُ الْمَحْمُولَةُ وَسَلِمَ الْحَامِلُ فَلَا أُجْرَةَ لِلْمَاضِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ عَلَى الْمَحَلِّ، وَأَمَّا إذَا تَلِفَ الثَّوْبُ بِسَرِقَةٍ بَعْدَ خِيَاطَةِ بَعْضِهِ أَوْ قَبْلَ تَكْمِيلِ صَبْغِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَلُ مُسَلَّمًا بِأَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْمَالِكِ أَوْ فِي بَيْتِهِ وَجَبَ الْقِسْطُ وَإِلَّا أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَمَلُ مُسَلَّمًا فَلَا يَجِبُ الْقِسْطُ كَغَرَقِ الْمَحْمُولِ وَسَلَامَةِ السَّفِينَةِ.
وَفَوَاتِ الْمَنْفَعَةِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ الْمَقْبُوضِ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِتَلَفِهِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ فِي الْبَيْعِ حَصَلَ عَلَى جُمْلَةِ الْمَبِيعِ، وَالِاسْتِيلَاءَ عَلَى الْمَنَافِعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا لَا يَحْصُلُ إلَّا شَيْئًا فَشَيْئًا.
وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِسَبَبِ انْقِطَاعِ مَاءِ أَرْضٍ اُسْتُؤْجِرَتْ لِزِرَاعَةٍ لِبَقَاءِ الِاسْمِ مَعَ إمْكَانِ زَرْعِهَا بِغَيْرِ الْمُنْقَطِعِ، بَلْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْعَيْبِ عَلَى التَّرَاخِي.
وَتَنْفَسِخُ بِحَبْسِ غَيْرِ مُكْتَرٍ لِلْمُعَيِّنِ مُدَّةَ حَبْسِهِ إنْ قَدَّرَ بِمُدَّةٍ سَوَاءٌ أَحَبَسَهُ الْمُكْرِي أَمْ غَيْرُهُ لِفَوَاتِ الْمَنْفَعَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَا تَنْفَسِخُ بِبَيْعِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ لِلْمُكْتَرِي، أَوْ لِغَيْرِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُكْتَرِي، وَلَا بِزِيَادَةِ أُجْرَةٍ وَلَا بِظُهُورِ طَالِبٍ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا وَلَوْ كَانَتْ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (بِتَلَفِ كُلِّ الْعَيْنِ) سَوَاءٌ كَانَ التَّلَفُ حِسًّا كَمَا مَثَّلَ أَوْ شَرْعًا، كَامْرَأَةٍ اُكْتُرِيَتْ لِخِدْمَةِ مَسْجِدٍ مُدَّةً فَحَاضَتْ فِيهَا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ: " فَحَاضَتْ " قِيَاسُ مَا يَأْتِي فِي غَصْبِ الدَّابَّةِ، وَنَحْوُهُ تَخْصِيصُ الِانْفِسَاخِ بِمُدَّةِ الْحَيْضِ دُونَ مَا بَعْدَهَا وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُسْتَأْجِرِ؛ لَكِنَّ ظَاهِرَ إطْلَاقِ الشَّارِحِ الِانْفِسَاخُ فِي الْجَمِيعِ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ خَالَفَتْ وَخَدَمَتْ بِنَفْسِهَا هَلْ تَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَتْ إجَارَةَ ذِمَّةٍ اسْتَحَقَّتْ الْأُجْرَةَ وَإِنْ كَانَتْ إجَارَةَ عَيْنٍ لَمْ تَسْتَحِقَّ؛ قَالَ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ (الْمُسْتَأْجَرَةِ) أَيْ إجَارَةَ عَيْنٍ، بِخِلَافِ الْمُسْتَأْجَرَةِ إجَارَةَ ذِمَّةٍ كَأَنْ أَسْلَمَهُ دَابَّةً عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ فَتَلِفَتْ، فَلَا تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ بِتَلِفِهَا وَلَوْ بِفِعْلِ الْمُسْتَأْجِرِ وَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِتَعَيُّبِهَا وَعَلَى الْمُؤَجِّرِ إبْدَالُهَا، فَإِنْ امْتَنَعَ اكْتَرَى الْحَاكِمُ عَلَيْهِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَكَأَنَّهُ عِنْدَ يَسَارِهِ دُونَ إعْسَارِهِ فَيَتَخَيَّرُ الْمُسْتَأْجِرُ أَيْ عِنْدَ الْإِعْسَارِ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (كَانْهِدَامِ كُلِّ الدَّارِ) سَوَاءٌ هَدَمَهَا الْمُؤَجِّرُ أَوْ الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ، أَوْ انْهَدَمَتْ بِنَفْسِهَا.
وَفِي هَدْمِ الْمُسْتَأْجِرِ لَهَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ قَاعِدَةِ: مَنْ اسْتَعْجَلَ بِشَيْءٍ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ.
كَمَا لَوْ جَبَّتْ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ زَوْجِهَا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهَا الْخِيَارُ أَوْ اسْتَعْجَلَتْ إلْقَاءَ الْحَمْلِ أَوْ الْحَيْضَ لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ.
وَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ انْهَدَمَ بَعْضُهَا فَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَكِنْ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ.
اهـ. م د. وَقَوْلُهُ: " عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ " أَيْ بِحِرْمَانِ الِانْفِسَاخِ بِأَنْ تَبْقَى الْإِجَارَةُ إلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لِزَوَالِ الِاسْمِ) فِيهِ أَنَّ الِاسْمَ لَا يَزُولُ؛ فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ الثَّانِي إلَّا أَنْ يُقَالَ: إطْلَاقُ الِاسْمِ عَلَيْهَا فِي حَالِ الِانْهِدَامِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ.
قَوْلُهُ: (مَعَ إمْكَانِ) فَلَوْ لَمْ يُمْكِنُ ذَلِكَ بِأَنْ لَمْ يَتَأَتَّ سَوْقُ مَاءٍ إلَيْهَا أَصْلًا انْفَسَخَتْ الْإِجَارَةُ اهـ مَرْحُومِيٌّ
وَأُجْرَةُ سَوْقِ الْمَاءِ إلَيْهَا عَلَى الْمُؤَجِّرِ لَا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْعَيْبِ عَلَى التَّرَاخِي) وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهَا لِلزِّرَاعَةِ قَبْلَ انْحِسَارِ الْمَاءِ عَنْهَا فَانْحَسَرَ عَنْ بَعْضِهَا دُونَ الْبَعْضِ الْآخَرِ، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِيمَا لَمْ يَنْحَسِرْ الْمَاءُ عَنْهُ دُونَ مَا انْحَسَرَ عَنْهُ وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُسْتَأْجِرِ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَهُوَ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّهُ خِيَارُ تَفْرِيقِ صَفْقَةٍ.
اهـ. زي.
وَالصُّورَةُ أَنَّهُ قَدْ رَآهَا قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى تَصِحَّ الْإِجَارَةُ، وَكَذَا لَهُ الْخِيَارُ إنْ تَأَخَّرَ انْحِسَارُ الْمَاءِ عَنْهَا عَنْ أَوَانِ الزَّرْعِ.
قَوْلُهُ: (بِحَبْسِ غَيْرِ مُكْتَرٍ) مُضَافٌ لِفَاعِلِهِ أَيْ مِنْ مُكْرٍ أَوْ أَجْنَبِيٍّ.
وَلَوْ كَانَ حَبْسُ الْمُكْرِي لِأَجْلِ الْأُجْرَةِ، وَأَمَّا حَبْسُ الْأَجْنَبِيِّ فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ ظُلْمًا أَوْ عَنْ جِهَةِ الْمُكْرِي كَدَيْنٍ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ فَلَا تَنْفَسِخُ مُدَّةَ الْحَبْسِ.
قَوْلُهُ: (لِلْمُعَيِّنِ) خَرَجَ مَا فِي الذِّمَّةِ، فَلَا تَنْفَسِخُ بِذَلِكَ بَلْ يُبْدَلُ.
وَفِي نُسْخَةٍ لِلْعَيْنِ: وَهُوَ تَحْرِيفٌ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: " حَبْسِهِ ".
قَوْلُهُ: (مُدَّةَ حَبْسِهِ) ظَرْفٌ لِتَنْفَسِخَ وَانْفِسَاخُ الْإِجَارَةِ فِي هَذِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ كُلَّمَا مَضَى زَمَنٌ يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ لَا تَسْتَقِرُّ أُجْرَتُهُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ.
وَظَاهِرُ قَوْلِ الشَّارِحِ مُدَّةَ حَبْسِهِ أَنَّهُ بَعْدَ زَوَالِ الْحَبْسِ لَا تَعُودُ الْإِجَارَةُ بِلَا عَقْدٍ، وَكَوْنُ الشَّيْءِ يَعُودُ صَحِيحًا بِلَا عَقْدٍ بَعْدَ انْفِسَاخِهِ مِمَّا لَا نَظِيرَ لَهُ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (إنْ قُدِّرَ) أَيْ عَقْدُ الْإِجَارَةِ.
وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: إنْ قُدِّرَتْ؛ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَخَرَجَ بِالتَّقْدِيرِ بِالْمُدَّةِ التَّقْدِيرُ بِالْمَحَلِّ كَأَنْ آجَرَ دَابَّةً لِرُكُوبِهَا إلَى مَكَان وَحُبِسَتْ مُدَّةَ إمْكَانِ الْمَسِيرِ إلَيْهِ فَلَا تَنْفَسِخُ إذْ لَا يَتَعَذَّرُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَحَبَسَهُ) أَيْ الْمُعَيَّنَ وَقَوْلُهُ الْمُكْرَى وَلَوْ لِقَبْضِ الْأُجْرَةِ ح ل.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْقَبْضِ) أَيْ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ قَبْضَ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ شَامِلٌ لِمَا بَعْدَ قَبْضِ الْعَيْنِ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ قَبْضُ الْمَنْفَعَةِ أَيْ اسْتِيفَاؤُهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَنْفَسِخُ بِبَيْعِ الْعَيْنِ) وَلَا خِيَارَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُكْتَرِي) وَحِينَئِذٍ يَأْخُذُهَا الْمُشْتَرِي مَسْلُوبَةَ الْمَنْفَعَةِ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْمُسْتَأْجِرُ وَعَلَيْهِ دَفْعُ الْأُجْرَةِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِظُهُورِ طَالِبٍ) هَذِهِ
إجَارَةَ وَقْفٍ لِجَرَيَانِهَا بِالْغِبْطَةِ فِي وَقْتِهَا، كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَ مُولِيهِ ثُمَّ زَادَتْ الْقِيمَةُ أَوْ ظَهَرَ طَالِبٌ بِالزِّيَادَةِ، وَلَا بِإِعْتَاقِ رَقِيقٍ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى سَيِّدِهِ بِأُجْرَةِ مَا بَعْدَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِ حَالَةَ مِلْكِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ وَاسْتَقَرَّ مَهْرُهَا بِالدُّخُولِ ثُمَّ أَعْتَقَهَا لَا تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ.
تَنْبِيهٌ: يَجُوزُ إبْدَالُ مُسْتَوْفٍ وَمُسْتَوْفًى بِهِ كَمَحْمُولٍ مِنْ طَعَامٍ وَغَيْرِهِ، وَمُسْتَوْفًى فِيهِ كَأَنْ اكْتَرَى دَابَّةً لِرُكُوبٍ فِي طَرِيقٍ إلَى قَرْيَةٍ بِمِثْلِ الْمُسْتَوْفِي وَالْمُسْتَوْفَى بِهِ وَالْمُسْتَوْفَى فِيهِ أَوْ بِدُونِ مِثْلِهَا الْمَفْهُومِ بِالْأَوْلَى.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَكَمَا لَوْ أَكْرَى مَا اكْتَرَاهُ لِغَيْرِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي وَالثَّالِثُ فَلِأَنَّهُمَا طَرِيقَانِ لِلِاسْتِيفَاءِ كَالرَّاكِبِ لَا مَعْقُودٌ عَلَيْهِمَا.
وَلَا يَجُوزُ إبْدَالُ مُسْتَوْفًى مِنْهُ كَدَابَّةٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا مَعْقُودٌ عَلَيْهِ أَوْ مُتَعَيِّنٌ بِالْقَبْضِ إلَّا فِي إجَارَةِ ذِمَّةٍ، فَيَجِبُ إبْدَالُهُ لِتَلَفٍ أَوْ تَعْيِيبٍ.
وَيَجُوزُ مَعَ سَلَامَةٍ مِنْهُمَا بِرِضَا مُكْتَرٍ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ.
(وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَجِيرِ) فِي تَلِفِ مَا بِيَدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ عَلَى الْعَيْنِ الْمُكْتَرَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ إلَّا بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَيْهَا وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ إنْ قُدِّرَتْ بِزَمَنٍ، أَوْ مُدَّةِ إمْكَانِ الِاسْتِيفَاءِ إنْ قُدِّرَتْ بِمَحِلِّ عَمَلٍ اسْتِصْحَابًا لِمَا كَانَ كَالْوَدِيعِ، فَلَوْ اكْتَرَى دَابَّةً وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا فَتَلِفَتْ أَوْ اكْتَرَاهُ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ صَبْغِهِ فَتَلِفَ لَمْ يَضْمَنْ سَوَاءٌ انْفَرَدَ الْأَجِيرُ بِالْيَدِ أَمْ لَا، كَأَنْ
[حاشية البجيرمي]
دَاخِلَةٌ فِيمَا قَبْلَهَا ق ل.
قَوْلُهُ: (بِالْغِبْطَةِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغِبْطَةِ هُنَا الْمَصْلَحَةُ؛ لِأَنَّ الْغِبْطَةَ مَا لَهُ وَقْعٌ وَهُوَ لَا يُشْتَرَطُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ ظَهَرَ طَالِبٌ) أَيْ بَعْدَ زَمَنِ الْخِيَارِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِإِعْتَاقِ رَقِيقٍ) كَأَنْ أَجَرَ عَبْدَهُ مُدَّةً ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي أَثْنَائِهَا وَخَرَجَ بِإِعْتَاقِهِ عِتْقُهُ كَأَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ ثُمَّ أَجَرَهُ فَوُجِدَتْ الصِّفَةُ فَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْعِتْقَ قَبْلَهَا، شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَقَدْ مَرَّ فِي الشَّرْحِ وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ عَلَى مَيَاسِيرِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالَهُ م ر وع ش. قَوْلُهُ: (وَاسْتَقَرَّ مَهْرُهَا) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا أَعْتَقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ يَكُونُ الْمَهْرُ لَهَا، مَعَ أَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ وَالْعَقْدُ وُجِدَ فِي مِلْكِهِ حَرَّرَهُ.
قَوْلُهُ: (يَجُوزُ إبْدَالُ مُسْتَوْفٍ) كَالرَّاكِبِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهَا بِمَا شَاءَ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرَرِ.
فَإِنْ شُرِطَ عَدَمُ إبْدَالِهِ فَسَدَ الْعَقْدُ بِخِلَافِ مَا بَعْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يَفْسُدُ وَيُعْمَلُ بِالشَّرْطِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: فَإِنْ شُرِطَ عَدَمُ إبْدَالِ الْمَحْمُولِ اُتُّبِعَ.
قَوْلُهُ: (بِمِثْلِ) مُتَعَلِّقٌ بِإِبْدَالِ فِي الثَّلَاثَةِ.
وَقَوْلُهُ " أَمَّا الْأَوَّلُ " أَيْ جَوَازُ إبْدَالِ الْأَوَّلِ، وَكَذَا يُقَدَّرُ فِيمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فَكَمَا) أَيْ فَقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ أَكْرَى إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ إمَّا مَعْقُودٌ عَلَيْهِ) أَيْ إنْ كَانَتْ إجَارَةَ عَيْنٍ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ مُتَعَيِّنٌ بِالْقَبْضِ " أَيْ إنْ كَانَتْ إجَارَةَ ذِمَّةٍ ع ش.
قَوْلُهُ: (وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَجِيرِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا وَكَانَ الْأَجِيرُ مُكَلَّفًا، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا بِإِجَارَةٍ مَعَهُ فَلَا ضَمَانَ إلَّا بِالْإِتْلَافِ، وَإِنْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ مَعَ وَلِيِّهِ فَلَا ضَمَانَ إلَّا بِالتَّقْصِيرِ، وَالضَّمَانُ عَلَى وَلِيِّهِ لَا عَلَيْهِ.
وَحَمَلَ الشَّارِحُ الْأَجِيرَ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْمُسْتَأْجِرَ لِدَابَّةٍ مَثَلًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: " فَلَوْ اكْتَرَى دَابَّةً إلَخْ ".
وَحَمَلَهُ سم عَلَى مَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِعَمَلٍ كَخِيَاطَةٍ وَأَلْحَقَ الْمُسْتَأْجِرَ بِهِ فَقَالَ: وَكَالْأَجِيرِ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ الْمُسْتَأْجِرُ اهـ. وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ الْأَجِيرِ مَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِعَمَلٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ فِيهِ تَغْلِيبٌ.
وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَالْمُكْتَرِي أَمِينٌ وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ كَأَجِيرٍ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ أَمِينٌ) هَذَا رَاجِعٌ لِلْأَجِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ) الْأَوْلَى؛ وَلِأَنَّهُ بِالْعَطْفِ عَطَفَ عِلَّةً عَلَى عِلَّةٍ، وَالثَّانِيَةُ رَاجِعَةٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: "؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ حَقِّهِ إلَخْ " إذْ لَا حَقَّ لِلْأَجِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ) غَايَةٌ فِي الْمَتْنِ، إذْ لَا يَلْزَمُهَا رَدُّهَا حِينَ فَرَاغِ الْمُدَّةِ بَلْ التَّخْلِيَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَالِكِ إذَا طَلَبَهَا كَالْوَدِيعَةِ اهـ سم.
قَوْلُهُ: (اسْتِصْحَابًا) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: " وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَجِيرِ بِالنَّظَرِ لِمَا بَعْدَ الْغَايَةِ أَعْنِي قَوْلَهُ وَلَوْ بَعْدَ إلَخْ ".
قَوْلُهُ: (كَالْوَدِيعِ) أَيْ فِي أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ، وَإِنَّمَا تَلْزَمُهُ التَّخْلِيَةُ فَقَطْ، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَكَالْوَدِيعِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا) لَيْسَ قَيْدًا.
قَوْلُهُ: (فَتَلِفَتْ) أَيْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ الْآتِيَ: كَأَنْ تَرَكَ الِانْتِفَاعَ إلَخْ حُرِّرَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَكْتَرَاهُ إلَخْ) هَذَا هُوَ الْأَجِيرُ وَقَوْلُهُ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ لِحِرَاسَةٍ كَالرَّاعِي.
وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْخُفَرَاءَ الَّذِينَ يَحْرُسُونَ الْأَسْوَاقَ بِاللَّيْلِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَا تَقْصِيرَ، وَمِنْ التَّقْصِيرِ النَّوْمُ
قَعَدَ الْمُكْتَرِي مِنْهُ حَتَّى يَعْمَلَ أَوْ أَحْضَرَ مَنْزِلَهُ لِيَعْمَلَ كَعَامِلِ الْقِرَاضِ (إلَّا بِعُدْوَانٍ) كَأَنْ تَرَكَ الِانْتِفَاعَ بِالدَّابَّةِ فَتَلِفَتْ بِسَبَبٍ، كَانْهِدَامِ سَقْفِ إصْطَبْلِهَا عَلَيْهَا فِي وَقْتِ لَوْ انْتَفَعَ بِهَا فِيهِ عَادَةً لَسَلِمَتْ وَكَأَنْ ضَرَبَهَا أَوْ نَخَعَهَا بِاللِّجَامِ فَوْقَ عَادَةٍ فِيهِمَا، أَوْ أَرْكَبَهَا أَثْقَلَ مِنْهُ، أَوْ أَسْكَنَ مَا اكْتَرَاهُ حَدَّادًا أَوْ قَصَّارَ دَقٍّ وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ، أَوْ حَمَّلَ الدَّابَّةَ مِائَةَ رِطْلِ شَعِيرٍ بَدَلَ مِائَةِ رِطْلِ بُرٍّ أَوْ عَكْسَهُ، أَوْ حَمَّلَهَا عَشَرَةَ أَقْفِزَةِ بُرٍّ بَدَلَ عَشَرَةِ أَقْفِزَةِ شَعِيرٍ فَيَصِيرَ ضَامِنًا لَهَا لِتَعَدِّيهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَمَّلَهَا عَشْرَةَ أَقْفِزَةِ شَعِيرٍ بَدَلَ عَشْرَةِ أَقْفِزَةِ بُرٍّ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ لِخِفَّةِ الشَّعِيرِ مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَجْمِ.
[حاشية البجيرمي]
وَالنِّسْيَانُ وَالْغَيْبَةُ إذَا لَمْ يَسْتَحْفِظْ مِثْلَهُ أَوْ أَحْفَظَ مِنْهُ أَوْ دَخَلَ اللَّيْلُ وَلَمْ يُبَادِرْ حَتَّى سُرِقَتْ وَلَوْ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، ح ل وَز ي مَعَ زِيَادَةٍ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ فَرْضِ ذَلِكَ فِي الْبُيُوتِ وَنَحْوِهَا أَنَّ خَفِيرَ الْجُرْنِ وَخَفِيرَ الْغَيْطِ وَنَحْوَهُمَا عَلَيْهِمَا الضَّمَانُ حَيْثُ قَصَّرُوا.
اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (لَمْ يَضْمَنْ) لَكِنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ الْعَيْنَ كَمَا تَسَلَّمَهَا، فَلَوْ تَعَجَّلَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهَا لِصَاحِبِهَا.
وَمِنْهُ مَا يَقَعُ مِنْ دَفْعِ كِرَاءِ الْمَحْمُولِ مُعَجَّلًا ثُمَّ تَغْرَقُ السَّفِينَةُ قَبْلَ وُصُولِهَا مَكَانَ التَّسْلِيمِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُتَعَجِّلِ رَدُّهَا لِتَبَيُّنِ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِهَا.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِعُدْوَانٍ) وَمِنْ التَّعَدِّي مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَرْعَى دَابَّةً فَأَعْطَاهَا لِآخَرَ يَرْعَاهَا فَتَلِفَتْ فَيَضْمَنُهَا كُلٌّ مِنْهُمَا وَالْقَرَارُ عَلَى مَنْ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ حَيْثُ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِلْكَهُ، وَإِلَّا فَالْقَرَارُ عَلَى الْأَوَّلِ.
وَكَذَا لَوْ أَسْرَفَ الْخَبَّازُ فِي الْوَقُودِ أَوْ مَاتَ الْمُتَعَلِّمُ مِنْ ضَرْبِ الْمُعَلِّمِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ شَرْحِ م ر. وَلَوْ كَانَ الضَّرْبُ مِثْلَ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّمَ يَحْصُلُ بِدُونِ ضَرْبٍ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ س ل. وَمِثْلُهُمْ الْحَمَّامِيُّ إذَا اُسْتُحْفِظَ عَلَى الْأَمْتِعَةِ وَالْتَزَمَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَفْرَادَ الْأَمْتِعَةِ قِطْعَةً قِطْعَةً، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَفْرَادِ الضَّائِعِ صُدِّقَ الْغَارِمُ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي التَّعَدِّي وَعَدَمِهِ صُدِّقَ الْأَجِيرُ بِيَمِينِهِ فِي نَفْيِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَبَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الضَّمَانِ سم، نَعَمْ إنْ أَخْبَرَ عَدْلَانِ خَبِيرَانِ بِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ تَعَدٍّ لَمْ يُصَدَّقْ وَعُمِلَ بِقَوْلِهِمَا اهـ.
قَوْلُهُ: (كَانْهِدَامِ سَقْفِ إصْطَبْلِهَا إلَخْ) وَأَمَّا لَوْ لُسِعَتْ بِحَيَّةٍ فِي الْمَكَانِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ انْهِدَامِ الْإِصْطَبْلِ أَنَّ ذَاكَ مِنْ بَابِ الْجِنَايَةِ بِخِلَافِ هَذَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سُرِقَتْ.
اهـ. عَزِيزِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: " إصْطَبْلِهَا " هَمْزَةُ قَطْعٍ لَا هَمْزَةُ وَصْلٍ.
قَوْلُهُ: (فِي وَقْتٍ لَوْ انْتَفَعَ بِهَا) أَيْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالِانْتِفَاعِ بِهَا فِيهِ.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ ضَمَانَ الدَّابَّةِ بِوَضْعِهَا فِي الْأَصْلِ فِي وَقْتٍ جَرَى الْعَادَةُ بِالِانْتِفَاعِ بِهَا فِيهِ ضَمَانُ جِنَايَةٍ لَا ضَمَانُ يَدٍ، خِلَافًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ز ي، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ تَتْلَفْ بِذَلِكَ م ر، كَأَنْ سُرِقَتْ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الضَّمَانَيْنِ أَنَّ ضَمَانَ الْيَدِ يَحْصُلُ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا، فَإِنْ سُرِقَتْ مَثَلًا ضَمِنَ وَضَمَانُ الْجِنَايَةِ إنَّمَا يَضْمَنُهَا بِوُجُودِ السَّبَبِ، وَهُوَ هُنَا الْهَدْمُ بِسَبَبِ الرَّبْطِ أج.
وَمِثْلُ السَّرِقَةِ لَسْعُ عَقْرَبٍ أَوْ حَيَّةٍ أَوْ نَزَلَتْ عَلَيْهَا صَاعِقَةٌ، أَيْ فَيَضْمَنُ ضَمَانَ الْيَدِ.
وَعِبَارَةُ م ر: وَالْأَوْجَهُ أَنَّ التَّلَفَ الْحَاصِلَ بِالرَّبْطِ يُضْمَنُ ضَمَانَ جِنَايَةٍ لَا ضَمَانَ يَدٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَوْ لَمْ تَتْلَفْ بِذَلِكَ، خِلَافًا لِمَا رَجَّحَهُ السُّبْكِيُّ وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيّ اهـ. وَقَالَ سم: وَلَوْ غُصِبَتْ الْعَيْنُ مِنْهُ لَمْ يَضْمَنْهَا وَإِنْ تَرَكَ السَّعْيَ فِي رَدِّهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ أَوْ تَرَكَ الِانْتِفَاعَ بِهَا فِي وَقْتِهِ فَمَاتَتْ فِيهِ لَمْ يَضْمَنْهَا وَكَذَا لَوْ تَلِفَتْ بِمَا لَا يُعَدُّ تَقْصِيرًا مِنْهُ كَانْهِدَامِ السَّقْفِ عَلَيْهَا فِي لَيْلٍ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِاسْتِعْمَالِهَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (لَسَلِمَتْ) أَيْ مِنْ التَّلَفِ بِهَذَا السَّبَبِ.
وَوَجْهُ كَوْنِهِ تَعَدِّيًا أَنَّهُ لَمَّا نَشَأَ الِانْهِدَامُ عَلَيْهَا مِنْ تَرْكِهِ لَهَا كَانَ كَأَنْ بِفِعْلِهِ.
قَوْلُهُ: (فَوْقَ عَادَةٍ) هَذَا ضَمَانُ يَدٍ فَمَتَى تَلِفَتْ، وَلَوْ بِغَيْرِ مَا ذُكِرَ ضَمِنَهَا، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ أج.
قَوْلُهُ: (مِائَةَ رِطْلِ شَعِيرٍ إلَخْ) أَيْ لِاجْتِمَاعِ الْبُرِّ بِسَبَبِ ثِقَلِهِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَالشَّعِيرِ لِخِفَّتِهِ يَأْخُذُ مِنْ ظَهْرِ الدَّابَّةِ أَكْثَرَ، فَضَرَرُهُمَا مُخْتَلِفٌ شَرْحِ م ر بِتَغْيِيرٍ.
وَأَيْضًا الشَّعِيرُ وَإِنْ كَانَ أَخَفَّ يَتَمَوَّجُ بِسَبَبِ الْهَوَاءِ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَرَرٌ لِلدَّابَّةِ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ الشَّعِيرَ أَخَفُّ مِنْ الْبُرِّ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَجُوزُ إبْدَالُ الْمُسْتَوْفَى بِهِ بِمِثْلِهِ أَوْ بِدُونِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَضُرُّ إبْدَالُ الْمَوْزُونِ بِمِثْلِهِ وَبِدُونِهِ وَبِأَثْقَلَ، وَالْمَكِيلُ يَضُرُّ إبْدَالُهُ بِأَثْقَلَ مِنْهُ فَقَطْ مَيْدَانِيٌّ، أَيْ وَيَجُوزُ إبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ وَبِدُونِهِ، فَقَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ يَجُوزُ إبْدَالُ الْمُسْتَوْفَى بِهِ بِمِثْلِهِ وَبِدُونِهِ أَيْ إذَا كَانَ مَكِيلًا، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بِمِثْلِهِ أَيْ مِثْلِهِ فِي الْحَجْمِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ اسْتِوَائِهِمَا) فَلَا يَرِدُ عَدَمُ جَوَازِ إبْدَالِ مِائَةِ رِطْلِ بُرٍّ بِمِائَةِ رِطْلِ شَعِيرٍ كَمَا تَقَدَّمَ لِعَدَمِ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَجْمِ؛ لِأَنَّ
تَنْبِيهٌ: لَا أُجْرَةَ لِعَمَلٍ كَحَلْقِ رَأْسٍ وَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ بِلَا شَرْطِ أُجْرَةٍ، وَإِنْ عُرِفَ ذَلِكَ الْعَمَلُ بِهَا لِعَدَمِ الْتِزَامِهَا مَعَ صَرْفِ الْعَامِلِ مَنْفَعَتَهُ.
هَذَا إذَا كَانَ حُرًّا مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ، أَمَّا لَوْ كَانَ عَبْدًا أَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلَا إذْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ بِمَنَافِعِهِمْ، وَهَذَا بِخِلَافِ دَاخِلِ الْحَمَّامِ بِلَا إذْنٍ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ الْحَمَّامِ بِسُكُونِهِ فِيهِ، وَبِخِلَافِ عَامِلِ الْمُسَاقَاةِ إذَا عَمِلَ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ لِلْإِذْنِ فِي أَصْلِ الْعَمَلِ الْمُقَابَلِ بِعِوَضٍ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ قَطَعَ الْخَيَّاطُ ثَوْبًا وَخَاطَهُ قَبَاءً وَقَالَ لِمَالِكِهِ: بِذَا أَمَرَتْنِي.
فَقَالَ الْمَالِكُ: بَلْ أَمَرْتُك بِقَطْعِهِ قَمِيصًا صُدِّقَ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْإِذْنِ فَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَذِنَ لَهُ فِي قَطْعِهِ قَبَاءً وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ إذَا حَلَفَ.
وَلَهُ عَلَى الْخَيَّاطِ أَرْشُ نَقْصِ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ الْقَطْعَ بِلَا إذْنٍ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا بِلَا تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَمَقْطُوعًا وَصَحَّحَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي قَطْعِهِ قَبَاءً.
وَالثَّانِي: مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مَقْطُوعًا قَمِيصًا وَمَقْطُوعًا قَبَاءً وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ وَقَالَ: لَا يَتَّجِهُ غَيْرُهُ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْقَطْعِ مَأْذُونٌ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ أَوْ كَانَ مَقْطُوعًا قَبَاءً أَكْثَرَ قِيمَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
.
وَيَجِبُ عَلَى الْمُكْرِي تَسْلِيمُ
[حاشية البجيرمي]
حَجْمَ الشَّعِيرِ أَكْبَرُ.
بَقِيَ مَا لَوْ ابْتَلَّ الْمَحْمُولُ وَثَقُلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَهَلْ يَثْبُتُ لِلْمُكْرِي الْخِيَارُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهِ وَبِدَابَّتِهِ أَخْذًا مِمَّا لَوْ مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى الْمَحَلِّ الْمُعَيَّنِ حَيْثُ قَالُوا فِيهِ لَا يَلْزَمُ الْمُؤَجِّرَ نَقْلُهُ إلَيْهِ لِثِقَلِ الْمَيِّتِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (تَنْبِيهٌ: لَا أُجْرَةَ لِعَمَلٍ) وَمِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَوْ جَلَسَ إنْسَانٌ عِنْدَ الطَّبَّاخِ وَقَالَ: أَطْعِمْنِي رَطْلًا مِنْ اللَّحْمِ وَلَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا فَأَطْعَمَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّقْدِيمِ لَهُ مُسَلِّطٌ لَهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ حَتَّى يُضْمَنَ بِالْإِتْلَافِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الثَّمَنَ، وَالْبَيْعُ إنْ صَحَّ أَوْ فَسَدَ يُعْتَبَرُ فِيهِ ذِكْرُ الثَّمَنِ اهـ مِنْ الْقَوْلِ التَّامِّ فِي آدَابِ دُخُولِ الْحَمَّامِ لِابْنِ الْعِمَادِ.
وَلَوْ دَفَعَ الثَّوْبَ إلَى الْقَصَّارِ أَوْ الْخَيَّاطِ أَوْ نَحْوِهِمَا وَعَرَّضَ بِالْأُجْرَةِ كَقَوْلِهِ: اعْمَلْ وَأَنَا أُرْضِيك، أَوْ مَا تَرَى مِنِّي إلَّا مَا يَسُرُّك؛ فَعَمِلَ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَيَسْتَحِقُّ عَامِلُ الزَّكَاةِ أُجْرَتَهُ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهَا الْإِمَامُ عِنْدَ بَعْثِهِ.
قَوْلُهُ: (بِهَا) أَيْ بِالْأُجْرَةِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: " عُرِفَ ".
قَوْلُهُ: (فَلَا) أَيْ فَلَا لَا أُجْرَةَ بَلْ الْأُجْرَةُ ثَابِتَةٌ لَهُ.
فَرْعٌ: لَوْ أَكْرَى بَيْتًا يَضَعُ فِيهِ مِائَةَ إرْدَبٍّ فَوَضَعَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ أَرْضًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الضَّرَرِ، وَإِنْ كَانَ غُرْفَةً فَطَرِيقَانِ: إحْدَاهُمَا يُخَيَّرُ الْمُؤَجِّرُ بَيْنَ الْمُسَمَّى وَأُجْرَةِ الْمِثْلِ لِلزِّيَادَةِ، وَالثَّانِيَةُ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا الْمُسَمَّى وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ وَالثَّانِي أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِكُلٍّ اهـ عَمِيرَةَ.
قَوْلُهُ: (بِلَا إذْنٍ) خَرَجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ دَخَلَ بِإِذْنٍ فَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ، وَمِثْلُ الْحَمَّامِ السَّفِينَةُ مَرْحُومِيٌّ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْحَمَّامَ وَالسَّفِينَةَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٌ، فَإِنْ دَخَلَهُمَا بِلَا إذْنٍ وَجَبَتْ الْأُجْرَةُ وَإِلَّا فَلَا خِلَافًا لِابْنِ الرِّفْعَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ بِجُلُوسِهِ فِيهِمَا صَارَ غَاصِبًا لِتِلْكَ الْبُقْعَةِ بِخِلَافِ وَضْعِ الْمَتَاعِ عَلَى الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ غَاصِبًا لَهَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النَّقْلِ أَوْ الرُّكُوبِ، فَهُوَ أَيْ الدُّخُولُ بِلَا إذْنٍ نَظِيرُ مَا لَوْ وَجَدَهُ يُتْلِفُ مَالَهُ وَسَكَتَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الضَّمَانُ زِيَادِيٌّ.
قَوْلُهُ: (قَبَاءً) بِفَتْحِ الْقَافِ جَمْعُهُ أَقْبِيَةٌ كَقَضَاءٍ وَأَقْضِيَةٍ.
قَوْلُهُ: (بِذَا أَمَرَتْنِي) أَيْ فَتَلْزَمُكَ الْأُجْرَةُ لِي.
قَوْلُهُ: (بَلْ أَمَرْتُك بِقَطْعِهِ) أَيْ فَلَا أُجْرَةَ لَك وَيَلْزَمُك أَرْشُ نَقْصِهِ ح ل. وَلَوْ أَحْضَرَ الْخَيَّاطُ ثَوْبًا فَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: لَيْسَتْ هَذِهِ ثَوْبِي، وَقَالَ الْخَيَّاطُ: بَلْ هِيَ ثَوْبُك؛ صُدِّقَ الْخَيَّاطُ بِيَمِينِهِ ح ل؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، أَيْ وَصَارَ الْخَيَّاطُ مُقِرًّا بِهَا لِمَنْ يُنْكِرُهَا فَلَا يَسْتَحِقُّهَا إلَّا بِإِقْرَارٍ جَدِيدٍ سم.
قَوْلُهُ: (فَيَحْلِفُ) مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ صُدِّقَ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ، فَهُوَ رَاجِعٌ لِأَصْلِ الْمَسْأَلَةِ لَا لِقَوْلِهِ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْإِذْنِ م د.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ أَثْبَتَ إلَخْ) هَذَا لَا يُلَائِمُ الْمُدَّعِيَ وَإِنَّمَا يُلَائِمُ الْمُعْتَمَدَ الْآتِيَ، وَالْمُنْتِجُ لِهَذَا الْقَوْلِ إنَّمَا هُوَ التَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي الْقَطْعِ أَصْلًا.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ عَلَى الْمُكْرِي إلَخْ) وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ مَا ذَكَرَ وَاجِبًا عَلَى الْمُكْرِي أَنَّهُ
مِفْتَاحِ الدَّارِ إلَى الْمُكْتَرِي إذَا سَلَّمَهَا إلَيْهِ لِتَوَقُّفِ الِانْتِفَاعِ عَلَيْهِ، وَإِذَا تَسَلَّمَهُ الْمُكْتَرِي فَهُوَ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ فَلَا يَضْمَنُهُ بِلَا تَفْرِيطٍ وَهَذَا فِي مِفْتَاحِ غَلْقٍ مُثَبِّتٍ.
أَمَّا الْقُفْلُ الْمَنْقُولُ وَمِفْتَاحُهُ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُكْتَرِي وَإِنْ اُعْتِيدَ، وَعِمَارَتُهَا عَلَى الْمُؤَجِّرِ سَوَاءٌ أَقَارَنَ الْخَلَلُ الْعَقْدَ كَدَارٍ لَا بَابَ لَهَا أَمْ عَرَضَ لَهَا دَوَامًا، فَإِنْ بَادَرَ وَأَصْلَحَهَا فَذَاكَ وَإِلَّا فَلِلْمُكْتَرِي الْخِيَارُ وَرَفْعُ الثَّلْجِ عَنْ السَّطْحِ فِي دَوَامِ الْإِجَارَةِ عَلَى الْمُؤَجِّرِ؛ لِأَنَّهُ كَعِمَارَةِ الدَّارِ وَتَنْظِيفِ عَرْصَةِ الدَّارِ مِنْ ثَلْجٍ وَكُنَاسَةٍ عَلَى الْمُكْتَرِي إنْ حَصَلَا فِي دَوَامِ الْمُدَّةِ، فَإِنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ أُجْبِرَ عَلَى نَقْلِ الْكُنَاسَةِ دُونَ الثَّلْجِ.
وَلَوْ كَانَ التُّرَابُ أَوْ الرَّمَادُ أَوْ الثَّلْجُ مَوْجُودًا عِنْدَ الْعَقْدِ كَانَتْ إزَالَتُهُ عَلَى الْمُؤَجِّرِ إذْ يَحْصُلُ بِهِ التَّسْلِيمُ التَّامُّ.
فَصْلٌ: فِي الْجَعَالَةِ وَجِيمُهَا مُثَلَّثَةٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَهُوَ لُغَةً اسْمٌ لِمَا يُجْعَلُ لِلْإِنْسَانِ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ وَشَرْعًا الْتِزَامُ عِوَضٍ مَعْلُومٍ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ مَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ عَسُرَ عِلْمُهُ، وَذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ كَصَاحِبِ التَّنْبِيهِ وَالْغَزَالِيِّ وَتَبِعَهُمْ فِي الرَّوْضَةِ
[حاشية البجيرمي]
يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ أَوْ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهِ، بَلْ إنَّهُ إنْ تَرَكَهُ ثَبَتَ لِلْمُكْتَرِي الْخِيَارُ كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ بَادَرَ إلَخْ شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا فِي مِفْتَاحِ غَلْقٍ) كَالضَّبَّةِ، قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: أَغْلَقْت الْبَابَ بِالْهَمْزِ أَوْثَقْته بِالْغَلْقِ، وَغَلَّقْته بِالتَّشْدِيدِ مُبَالَغَةٌ وَتَكْثِيرٌ وَغَلَقَهُ غَلْقًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَسْتَحِقُّهُ) أَيْ تَسْلِيمَهُمَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ بَادَرَ) أَيْ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ اهـ م د.
قَوْلُهُ: (وَأَصْلَحَهَا) أَيْ فَذَاكَ ظَاهِرٌ، فَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ كَمَا قَالَهُ الْمَرْحُومِيُّ، أَوْ التَّقْدِيرُ: فَلَا خِيَارَ لِلْمُكْتَرِي كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَمَا بَعْدَهُ.
فَرْعٌ: لَوْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ عَلَى مَتَاعِ الْمُسْتَأْجِرِ وَجَبَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ التَّنْحِيَةُ سم، أَيْ وَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا مِنْ الْأَمْتِعَةِ التَّالِفَةِ وَإِنْ وَعَدَهُ بِالْإِصْلَاحِ؛ لِأَنَّا لَمْ نُوجِبْ عَلَيْهِ الْإِصْلَاحَ وَقَدْ خُيِّرَ الْمُسْتَأْجِرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَعَدَمِهِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (عَنْ السَّطْحِ) أَيْ سَطْحٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَجَمَلُونٍ، كَأَنْ كَانَ عَقْدًا بِطُوبٍ.
قَوْلُهُ: (وَتَنْظِيفُ عَرْصَةِ الدَّارِ) الْعَرْصَةُ كُلُّ بُقْعَةٍ بَيْنَ الدُّورِ لَا بِنَاءَ فِيهَا، وَجَمْعُهَا عِرَاصٌ وَعَرَصَاتٌ.
قَوْلُهُ: (مِنْ ثَلْجٍ وَكُنَاسَةٍ) أَمَّا الْكُنَاسَةُ وَهِيَ مَا يَسْقُطُ مِنْ الْقُشُورِ وَالطَّعَامِ وَنَحْوِهِمَا فَلِحُصُولِهَا بِفِعْلِهِ، وَأَمَّا الثَّلْجُ فَلِلتَّسَامُحِ بِنَقْلِهِ؛ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ فِيهِ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُكْتَرِيَ نَقْلُهُ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُؤَجِّرَ شَرْحِ الْمَنْهَجِ؛ فَإِذَا تَرَكَ لَك الْمُؤَجِّرُ لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُكْتَرِي.
قَوْلُهُ: (دُونَ الثَّلْجِ) وَمِثْلُهُ تَفْرِيغُ الْحُشِّ فَهُوَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ ق ل. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْكُنَاسَةِ وَالثَّلْجِ أَنَّ الْكُنَاسَةَ يُعْتَادُ نَقْلُهَا شَيْئًا فَشَيْئًا بِخِلَافِ الثَّلْجِ.
فَرْعٌ: لَوْ امْتَلَأَ الْحُشُّ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ هَلْ يَلْزَمُ الْمُؤَجِّرَ تَفْرِيغُ الْجَمِيعِ أَوْ تَفْرِيغُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَقَطْ، وَالظَّاهِرُ الثَّانِي؛ وَعَلَيْهِ لَوْ تَضَرَّرَ الْمُكْتَرِي وَأَوْلَادُهُ بِرَائِحَةِ الْبَاقِي مِنْ الْحُشِّ هَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ أَوْ لَا؟ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَإِلَّا ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ اهـ ع ش عَلَى م ر مَعَ تَصَرُّفٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ التُّرَابُ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ إنْ حَصَلَ فِي دَوَامِ الْمُدَّةِ.
وَأَمَّا التُّرَابُ الْحَاصِلُ مِنْ الرِّيَاحِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ فَلَا يَلْزَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا.
[فَصْلٌ فِي الْجِعَالَةِ]
قَوْلُهُ: (وَجِيمُهَا مُثَلَّثَةٌ) وَفِيهَا لُغَتَانِ أُخْرَيَانِ جَعِيلَةٌ وَجَعَلٌ أج.
وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ؛ لِأَنَّهُ الْقِيَاسُ.
قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: لِفَاعِلِ الْفِعَالِ، وَيَلِيهِ الْفَتْحُ ثُمَّ الضَّمُّ.
قَوْلُهُ: (ابْنُ مَالِكٍ) أَيْ وَغَيْرُهُ، وَاقْتَصَرَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى كَسْرِهَا سم.
قَوْلُهُ: (مَعْلُومٍ) فَلَوْ قَالَ عَلَى أَنْ أُرْضِيَك أَوْ نَحْوَهُ وَجَبَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهَا إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي، " وَمَعْلُومٍ " لَيْسَ بِقَيْدٍ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْعِلْجِ الْآتِيَةِ.
قَوْلُهُ: (عَسُرَ عِلْمُهُ) فَإِنْ سَهُلَ عِلْمُهُ اُشْتُرِطَ ضَبْطُهُ بِمَا يَأْتِي ضَبْطُهُ بِهِ كَمَا فِي بِنَاءِ الْحَائِطِ وَالْخِيَاطَةِ كَمَا
عَقِبَ الْإِجَارَةِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي غَالِبِ الْأَحْكَامِ، إذْ الْجَعَالَةُ لَا تُخَالِفُ الْإِجَارَةَ إلَّا فِي أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ: صِحَّتُهَا عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ عَسُرَ عِلْمُهُ كَرَدِّ الضَّالِّ وَالْآبِقِ، وَصِحَّتُهَا مَعَ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَكَوْنُهَا جَائِزَةً وَكَوْنُ الْعَامِلِ لَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ.
وَذَكَرَهَا فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ تَبَعًا لِلْجُمْهُورِ عَقِبَ بَابِ اللَّقِيطِ؛ لِأَنَّهَا طَلَبُ الْتِقَاطِ الضَّالَّةِ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ خَبَرُ الَّذِي رَقَاهُ الصَّحَابِيُّ بِالْفَاتِحَةِ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
[حاشية البجيرمي]
يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (عَقِبَ الْإِجَارَةِ) وَهُوَ أَنْسَبُ مِنْ ذِكْرِهَا عَقِبَ بَابِ اللَّقِيطِ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا فِي أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ) بَلْ سِتَّةٌ، وَالْخَامِسُ: عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ، وَالسَّادِسُ: جَهْلُ الْعِوَضِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ اهـ م ر أج.
قَوْلُهُ: (الَّذِي رَقَاهُ الصَّحَابِيُّ) وَكَانَ الْمُرْقَى لَدِيغًا وَكَانَ رَئِيسَ الْعَرَبِ وَذَلِكَ «أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ كَانَ مَعَ جَمَاعَةٍ فَمَرَّ عَلَى مَحَلٍّ فِيهِ عَرَبٌ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُوهُمْ فَبَاتُوا بِالْوَادِي، فَلُدِغَ رَئِيسُ الْعَرَبِ فَأُتِيَ لَهُ بِكُلِّ دَوَاءٍ فَلَمْ يَنْجَحْ أَيْ لَمْ يَنْفَعْ، فَقَالَ: اسْأَلُوا هَذَا الْحَيَّ الَّذِي نَزَلَ عِنْدَكُمْ، فَسَأَلُوهُمْ فَقَالُوا: نَعَمْ لَكِنْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِجُعْلٍ، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنْ الْغَنَمِ، فَقَرَأَ أَبُو سَعِيدٍ الْفَاتِحَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَصَارَ يَتْفُلُ فَنَشِطَ كَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالِ بَعِيرٍ، فَتَوَقَّفُوا فِي قِسْمَةِ ذَلِكَ الْقَطِيعِ حَتَّى جَاءُوا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: إنَّ أَحَقَّ وَفِي رِوَايَةٍ إنَّ أَحْسَنَ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» فَيَكُونُ الدَّلِيلُ قَوْلُ النَّبِيِّ وَتَقْرِيرُهُ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ فِعْلَ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ.
وَلَعَلَّ الْقِصَّةَ حَصَلَ فِيهَا تَعَبٌ كَذَهَابِهِ لِمَوْضِعِ الْمَرِيضِ فَلَا يَقُولُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ لَا تَعَبَ فِيهَا فَلَا تَصِحُّ الْجِعَالَةُ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَّهُ قَرَأَهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ مَثَلًا.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالتَّعَبِ بِالنِّسْبَةِ لِلْفَاعِلِ بِأَنْ كَانَ يُتْعِبُهُ مَا لَا يُتْعِبُ غَيْرَهُ مَثَلًا، فَإِنْ جَعَلَ الشِّفَاءَ غَايَةً لِذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْجُعْلَ إلَّا إذَا وُجِدَ، وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْهُ غَايَةً كَأَنْ قَالَ لِتَقْرَأَ عَلَى عِلَّتِي كَذَا سَبْعًا اسْتَحَقَّ بِقِرَاءَتِهَا سَبْعًا وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الشِّفَاءُ.
فَائِدَةٌ: مَا يَقَعُ مِنْ كَوْنِ الشَّخْصِ يَقِيسُ بِشِبْرِهِ الْعِصَابَةَ أَوْ الطَّاقِيَّةَ مَثَلًا فَهُوَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ السِّحْرِ وَالْإِخْبَارِ بِالْمُغَيَّبَاتِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَالَ شَيْخُنَا: وَالْمُخَلِّصُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَقِيسُ وَيَكْتُبُ مَا يُنَاسِبُ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُولَ هَذَا مِنْ اللَّهِ أَوْ مِنْ الْأَرْضِ اهـ.
قَالَ الشَّيْخُ الدِّيرِيّ فِي الْفَوَائِدِ: مِنْ خَوَاصِّ سُورَةِ الْهُمَزَةِ إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْلَمَ حَالَ إنْسَانٍ هَلْ بِهِ عَيْنُ إنْسٍ أَوْ جِنٍّ أَوْ غَيْرِهِ؟ فَلْتَأْخُذْ أَثَرَهُ وَتَقِيسَهُ قِيَاسًا جَيِّدًا وَتَقْرَأَهَا عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ قِرَاءَتِهَا تَقُولُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَقْسَمْتُ عَلَيْك يَا مَيْمُونُ يَا أَبَا نُوحٍ أَنْ تَنْزِلَ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ وَتُبَيِّنَ مَا بِصَاحِبِهِ، إنْ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَقَصِّرْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْإِنْسِ فَطَوِّلْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ اللَّهِ فَأَبْقِهِ عَلَى حَالِهِ بِحَقِّ هَذِهِ السُّورَةِ الشَّرِيفَةِ الْوَحَا الْعِجْلَ السَّاعَةَ؛ ثُمَّ تَقِيسُ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ، فَإِنْ قَصُرَ تَكْتُبُ لَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [الإسراء: 45] إلَى ﴿نُفُورًا﴾ [الإسراء: 46] وقَوْله تَعَالَى ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: 115] إلَى آخِرِ السُّورَةِ وَقَوْلَهُ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ [الرحمن: 33] إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَنْتَصِرَانِ﴾ [الرحمن: 35] وَتَكْتُبُ لَهُ مَعَ ذَلِكَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ وَالْفَاتِحَةَ وَيَحْمِلُهُ صَاحِبُ الْأَثَرِ الْمَذْكُورِ؛ وَإِنْ طَالَ يَكْتُبُ لَهُ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: 1] بِتَمَامِهَا أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا يُكْتَبُ لِلْعَيْنِ؛ وَإِنْ بَقِيَ بِحَالِهِ يُكْتَبُ لَهُ آيَاتُ الشِّفَاءِ وَآخِرُ سُورَةِ الْحَشْرِ: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [الحشر: 21] إلَخْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي مَعْرِفَةِ قِيَاسِ الْأَثَرِ: بَعْدَ قِيَاسِهِ قِيَاسًا جَيِّدًا يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ الَّتِي هِيَ سُورَةُ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1] إلَخْ.
ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ قِرَاءَتِهِمَا تَقِيسُهُ فَهُوَ إمَّا أَنْ يَقْصُرَ أَوْ يَطُولَ أَوْ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا تَكْتُبُ فِي حَالَةٍ مِنْ الْحَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ؛ وَلَا تَقُلْ لِصَاحِبِ الْأَثَرِ هَذَا الشَّيْءُ الَّذِي بِك مِنْ الْجِنِّ أَوْ الْإِنْسِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَالطَّلْسَمَاتُ الَّتِي تُكْتَبُ فِي الْمَنَافِعِ وَهِيَ مَجْهُولَةُ الْمَعْنَى هَلْ يَحِلُّ كِتَابَتُهَا؟ الْجَوَابُ: يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ كَمَا فِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ.
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهُوَ الرَّاقِي كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَالْقَطِيعُ ثَلَاثُونَ رَأْسًا مِنْ الْغَنَمِ.
وَأَيْضًا الْحَاجَةُ قَدْ تَدْعُو إلَيْهَا فَجَازَتْ كَالْإِجَارَةِ وَيُسْتَأْنَسُ لَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: 72] وَكَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ كَالْوَسْقِ، وَلَمْ أَسْتَدِلُّ بِالْآيَةِ؛ لِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلِنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا وَإِنْ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ.
وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: عَمَلٌ وَجُعْلٌ وَصِيغَةٌ وَعَاقِدٌ.
وَشُرِطَ فِي الْعَاقِدِ وَهُوَ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ اخْتِيَارٌ، وَإِطْلَاقُ تَصَرُّفٍ مُلْتَزِمٍ وَلَوْ غَيْرَ الْمَالِكِ، فَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُ مُكْرَهٍ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمَحْجُورِ سَفَهٍ وَعِلْمُ عَامِلٍ وَلَوْ مُبْهَمًا بِالِالْتِزَامِ، فَلَوْ قَالَ: إنْ رَدَّهُ زَيْدٌ فَلَهُ كَذَا.
فَرَدَّهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِذَلِكَ أَوْ: مَنْ رَدَّ آبَقِيَ فَلَهُ كَذَا فَرَدَّهُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا.
وَأَهْلِيَّةُ عَمَلِ عَامِلٍ فَيَصِحُّ مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِذَلِكَ وَلَوْ عَبْدًا وَصَبِيًّا وَمَجْنُونًا وَمَحْجُورَ سَفَهٍ، وَلَوْ بِلَا إذْنٍ بِخِلَافِ صَغِيرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ مَعْدُومَةٌ كَاسْتِئْجَارِ أَعْمَى لِلْحِفْظِ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ) الْقَطِيعُ فِي اللُّغَةِ الطَّائِفَةُ مِنْ الْغَنَمِ أَوْ الْبَقَرِ، فَتَفْسِيرُ الشَّارِحِ لَهُ بِالثَّلَاثِينَ؛ لِأَنَّهُ الْوَاقِعُ فِي تِلْكَ الرُّقْيَةِ.
وَاسْتَنْبَطَ مِنْ ذَلِكَ الزَّرْكَشِيّ جَوَازَهَا عَلَى مَا يَنْفَعُ الْمَرِيضَ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رُقْيَةٍ أَيْ إذَا كَانَ فِيهِ كُلْفَةٌ ز ي.
قَوْلُهُ: (وَأَيْضًا الْحَاجَةُ إلَخْ) هَذَا دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ بَعْدَ النَّقْلِيِّ ق ل. قَوْلُهُ " فَجَازَتْ " كَالْإِجَارَةِ وَلَمْ يُسْتَغْنَ عَنْهَا بِالْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَقَعُ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ.
اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَأْنَسُ إلَخْ) الِاسْتِئْنَاسُ هُوَ الْإِشْعَارُ بِالْمَطْلُوبِ مِنْ غَيْرِ صَرَاحَةٍ فِي الدَّلَالَةِ.
اهـ. م د.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: اسْتَأْنَسْتُ بِهِ وَتَأَنَّسْتُ إذَا سَكَنَ الْقَلْبُ وَلَمْ يَنْفِرْ اهـ. فَمَا فِي حَاشِيَةِ الْمَدَابِغِيِّ مِنْ أَنَّ الِاسْتِئْنَاسَ هُوَ الْإِشْعَارُ إلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعُرْفِ.
قَوْلُهُ: (مَا يُقَرِّرُهُ) أَيْ يُوَافِقُهُ، إنَّمَا دَلِيلُنَا مَا وَرَدَ فِي شَرْعِنَا.
قَوْلُهُ: (عَمَلٌ) فِي عِدَّةٍ مِنْ الْأَرْكَانِ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِعَدِّهِ مِنْهَا ذِكْرُهُ فَقَطْ فِي الْعَقْدِ وَالْمُتَأَخِّرُ إنَّمَا هُوَ ذَاتُ الْعَمَلِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَعَاقِدٌ) الْمُرَادُ بِالْعَاقِدِ مَا يَشْمَلُ الْعَامِلَ، وَلَكِنْ فِي جَعْلِ الْعَامِلِ مِنْ الْأَرْكَانِ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ مِنْهُ وَلَا حُضُورُهُ وَقْتَ خِطَابِ الْمَالِكِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ جَعَلَهُ مِنْ الْأَرْكَانِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُتَمِّمٌ لِلْمَقْصُودِ مِنْ الْعَقْدِ وَمُحَصِّلٌ لِثَمَرَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ) أَيْ فِي الْعَدِّ لَا فِي الذِّكْرِ وَالْوَضْعِ، وَإِلَّا فَقَدْ ذَكَرَ أَوَّلًا الْعَمَلَ أج فَهُوَ أَوَّلٌ فِي عَدِّهِ الْآتِي وَإِلَّا فَهُوَ أَخِيرٌ فِي عَدِّهِ السَّابِقِ إجْمَالًا.
قَوْلُهُ: (تَصَرُّفٍ مُلْتَزِمٍ) بِالْإِضَافَةِ قَوْلُهُ: (وَلَوْ غَيْرَ الْمَالِكِ) وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ اسْتِحْقَاقَ الرَّادِّ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ وَضْعُ يَدِهِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ بَلْ يَضْمَنُهُ.
وَأُجِيبُ بِفَرْضِهِ فِيمَا إذَا أَذِنَ الْمَالِكُ لِمَنْ شَاءَ فِي الرَّدِّ وَالْتَزَمَ الْأَجْنَبِيُّ الْجُعْلَ، فَلَوْ قَالَ أَجْنَبِيٌّ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ مُخْتَارٌ: مَنْ رَدَّ عَبْدَ زَيْدٍ فَلَهُ كَذَا اسْتَحَقَّهُ الرَّادُّ الْعَالِمُ بِهِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ عَلَى الْمَنْقُولِ؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ مَوْضُوعَةٌ لِلِالْتِزَامِ ز ي وَمَرْحُومِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: " بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ " أَيْ فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً، وَيُصَوَّرُ أَيْضًا بِأَنْ تَكُونَ لِلْأَجْنَبِيِّ وِلَايَةٌ عَلَى الْمَالِكِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُ مُكْرَهٍ) أُخِذَ مِنْهُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ شَرْطٌ فِي الْمُلْتَزِمِ فَقَطْ، فَيُقْرَأُ " اخْتِيَارُ " بِلَا تَنْوِينٍ مُضَافًا لِمُلْتَزِمِ.
قَوْلُهُ: (وَأَهْلِيَّةُ عَمَلِ عَامِلٍ) الْمُرَادُ بِالْأَهْلِيَّةِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْعَمَلِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ.
وَفِي نُسْخَةٍ: " وَأَهْلِيَّةُ عَمَلٍ مُعَيَّنٍ " أَيْ عَمَلُ عَامِلٍ مُعَيَّنٍ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ لَا يُشْتَرَطُ أَهْلِيَّتُهُ لِلْعَمَلِ، وَلَعَلَّ صُورَتَهُ أَنْ يَكُونَ حَالَ النِّدَاءِ غَيْرَ أَهْلٍ كَصَغِيرٍ لَا يَقْدِرُ ثُمَّ يَصِيرُ أَهْلًا وَيُرَدُّ لِكَوْنِهِ سَمِعَ حِينَ النِّدَاءِ أَوْ بَلَغَهُ النِّدَاءُ حِينَ صَيْرُورَتِهِ قَادِرًا كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَمَجْنُونًا) قَالَ سم: قُلْتُ وَمَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ مَنْ عَمِلَ مَجْنُونًا مُعَيَّنًا كَانَ أَيْ الْعَامِلُ الْمَجْنُونُ أَوْ لَا مُخَالِفَ لِمَا قَالُوهُ مِنْ انْفِسَاخِ الْجِعَالَةِ بِجُنُونِ الْعَامِلِ، إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجُنُونِ الْمُقَارِنِ وَالطَّارِئِ فَلَا يَضُرُّ الْأَوَّلَ وَلَا يَضُرُّ الثَّانِيَ؛ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِانْفِسَاخَ بِالْجُنُونِ يَخْتَصُّ بِالْعَامِلِ الْمُعَيَّنِ لِعَدَمِ ارْتِبَاطِ الْعَقْدِ بِغَيْرِ الْعَيْنِ، فَلَوْ طَرَأَ لِأَحَدٍ جُنُونٌ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَكَانَ الْعَامِلُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ ثُمَّ رَدَّهُ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ أَوْ قَبْلَهَا اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ إذْ لَا مَعْنَى لِانْفِسَاخِ الْعَقْدِ بِجُنُونِهِ مَعَ عَدَمِ ارْتِبَاطِهِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِلَا إذْنٍ) أَيْ مِنْ السَّيِّدِ وَالْوَلِيِّ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ صَغِيرٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُرَدُّ مَعَ عَدَمِ قُدْرَتِهِ فَهُوَ مَعْلُومُ الِانْتِفَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُحَالٌ، وَإِنْ
(وَالْجَعَالَةُ جَائِزَةٌ) مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَلِكُلٍّ مِنْ الْمَالِكِ وَالْعَامِلِ الْفَسْخُ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْفَسْخُ ابْتِدَاءً مِنْ الْعَامِلِ الْمُعَيَّنِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْفَسْخُ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، فَإِنْ فَسَخَ الْمَالِكُ أَوْ الْعَامِلُ الْمُعَيَّنُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ أَوْ فَسَخَ الْعَامِلُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ.
أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ غَرَضُ الْمَالِكِ.
وَإِنْ فَسَخَ الْمَالِكُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَا عَمِلَهُ الْعَامِلُ؛ لِأَنَّ جَوَازَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي التَّسْلِيطَ عَلَى رَفْعِهِ، وَإِذَا ارْتَفَعَ لَمْ يَجِبْ الْمُسَمَّى كَسَائِرِ الْفُسُوخِ لَكِنَّ عَمَلَ الْعَامِلِ وَقَعَ مُحْتَرَمًا فَلَا يَفُوتُ عَلَيْهِ فَرَجَعَ إلَى بَدَلِهِ وَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
(وَهِيَ) أَيْ لَفْظُ الْجَعَالَةِ أَيْ الصِّيغَةُ فِيهَا وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي (أَنْ يَشْتَرِطَ) الْعَاقِدُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ (فِي رَدِّ ضَالَّتِهِ) الَّتِي هِيَ اسْمٌ لِمَا ضَاعَ مِنْ الْحَيَوَانِ كَمَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ، أَوْ فِي رَدِّ مَا سِوَاهَا أَيْضًا مِنْ مَالٍ وَأَمْتِعَةٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ فِي عَمَلٍ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ (عِوَضًا) كَثِيرًا كَانَ أَوْ قَلِيلًا.
(مَعْلُومًا) ؛ لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فَافْتَقَرَتْ إلَى صِيغَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ كَالْإِجَارَةِ بِخِلَافِ طَرَفِ الْعَامِلِ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ صِيغَةٌ، فَلَوْ عَمِلَ أَحَدٌ بِقَوْلِ أَجْنَبِيٍّ قَالَ زَيْدٌ مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا وَكَانَ كَاذِبًا فَلَا شَيْءَ لَهُ لِعَدَمِ الِالْتِزَامِ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَهُ عَلَى زَيْدٍ مَا الْتَزَمَهُ إنْ كَانَ الْمُخْبِرُ ثِقَةً،
[حاشية البجيرمي]
كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ سَمَاعَهُ حَالَ عَدَمِ قُدْرَتِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِمَا صَرَّحُوا بِهِ أَنَّهُ إذَا قَدَرَ بَعْدَ سَمَاعِ النِّدَاءِ وَرُدَّ اسْتَحَقَّ الْمَشْرُوطَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ كَلَامُ الشَّارِحِ فِي الْعَامِلِ الْمُعَيَّنِ وَقَوْلُهُمْ إذَا قَدَرَ بَعْدَ سَمَاعِ النِّدَاءِ، وَرُدَّ اسْتَحَقَّ مَحَلُّهُ فِي الْعَامِلِ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَلَا نَظَرَ، وَلَا مُخَالَفَةَ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (جَائِزَةٌ) لَا يَخْفَى أَنَّ عَادَةَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَذْكُرُ الْجَوَازَ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْعِ وَالْفَسَادِ لَا فِي مُقَابَلَةِ اللُّزُومِ، فَمَا سَلَكَهُ الشَّارِحُ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ جَوَازِهَا قَبْلَ ذِكْرِ حَقِيقَتِهَا غَيْرُ مُنَاسِبٍ فَتَأَمَّلْ ق ل. قَوْلُهُ: (فَلِكُلٍّ مِنْ الْمَالِكِ وَالْعَامِلِ) أَمَّا الْمَالِكُ وَالْعَامِلُ الْمُعَيَّنُ فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الْفَسْخُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَبَعْدَهُ، هَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ وَأَمَّا الْعَامِلُ الْمُبْهَمُ فَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ إلَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ فَالصُّوَرُ خَمْسٌ.
قَوْلُهُ: (ابْتِدَاءً) أَيْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا فَهُوَ تَعْلِيقٌ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالْعَمَلِ، فَلَوْ قَالَ شَخْصٌ: فَسَخْتُ الْجِعَالَةَ لَغَا إذْ لَا عَقْدَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَفْسَخَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ فَسَخَ الْمَالِكُ) أَيْ فِيمَا إذَا عَقَدَ مَعَ مُعَيَّنٍ، وَالْمُرَادُ بِالْمَالِكِ مُلْتَزِمُ الْعِوَضِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ فَسَخَ الْعَامِلُ) سَوَاءٌ كَانَ مُعَيَّنًا أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (فِي الصُّورَتَيْنِ) أَيْ الْفَسْخِ قَبْلَ الشُّرُوعِ مُطْلَقًا، وَالْفَسْخِ مِنْ الْعَامِلِ بَعْدَ الشُّرُوعِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى رَفْعِهِ) أَيْ فَسْخِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَعَ مُحْتَرَمًا) أَيْ مَضْمُونًا.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَفْظُ الْجِعَالَةِ) فِيهِ أَنَّ لَفْظَ مُذَكَّرٌ فَكَيْفَ يَجْعَلُهُ تَفْسِيرًا لِلضَّمِيرِ الْمُؤَنَّثِ؟ فَالْأَوْلَى حَذْفُ " لَفْظُ " إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ اللَّفْظَ لَمَّا كَانَ عِبَارَةً عَنْ الصِّيغَةِ كَانَ مُؤَوَّلًا بِالْمُؤَنَّثِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ أَيْ لَفْظُ الْجِعَالَةِ إلَى أَنَّ فِي كَلَامِهِ اسْتِخْدَامًا إذْ ذُكِرَتْ أَوَّلًا بِمَعْنَى الْعَقْدِ وَأَعَادَ عَلَيْهَا الضَّمِيرَ بِمَعْنَى اللَّفْظِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَشْتَرِطَ) أَيْ دَالٌّ أَنْ يَشْتَرِطَ، أَيْ دَالُّ الِاشْتِرَاطِ؛ وَيَشْتَرِطُ مَعْنَاهُ يَلْتَزِمُ.
قَوْلُهُ: (الْعَاقِدُ) الْمُرَادُ بِهِ الْمُلْتَزِمُ لَا مَا يَعُمُّهُ وَالْعَامِلُ.
قَوْلُهُ: (فِي رَدِّ ضَالَّتِهِ) الرَّدُّ لَيْسَ قَيْدًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: " أَوْ فِي عَمَلٍ كَخِيَاطَةٍ إلَخْ " وَلَا الضَّالَّةُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: " أَوْ فِي رَدِّ مَا سِوَاهَا مِنْ مَالٍ إلَخْ " وَلَا الْإِضَافَةُ لَهُ كَقَوْلِهِ: مَنْ رَدَّ عَبْدَ زَيْدٍ مَثَلًا فَلَهُ كَذَا لِصِحَّةِ الْتِزَامِ الْأَجْنَبِيِّ بَعْدَ إذْنِ الْمَالِكِ فِي الرَّدِّ اهـ. قَوْلُهُ: (كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ) وَيَصِفُهَا؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ لَا تُغْتَفَرُ إلَّا إذَا عَسُرَ الْعِلْمُ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ كَاذِبًا) حَاصِلُهُ أَنَّهُ مَتَى كَانَ كَاذِبًا لَمْ يَلْزَمْ الْمَالِكَ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ عَدْلًا، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَإِنْ كَانَ ثِقَةً لَزِمَهُ لِتَرَجُّحِ طَمَاعِيَةِ الْعَامِلِ بِوُثُوقِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعَامِلُ لِضَعْفِ طَمَاعِيَتِهِ بِخَبَرِ غَيْرِ الثِّقَةِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (فَلَا شَيْءَ لَهُ لِعَدَمِ الِالْتِزَامِ) وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى زَيْدٍ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي تَرْوِيجِ قَوْلِهِ س ل. قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَلَوْ قَالَ أَحَدُ شَرِيكَيْنِ فِي رَقِيقٍ.
مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا وَإِنْ لَمْ يَقُلْ عَلِيَّ فَرَدَّهُ شَرِيكُهُ اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ أَيْ عَلَى الْقَائِلِ، وَمِثْلُهُ مَا لَوْ رَدَّهُ غَيْرُ الشَّرِيكِ.
وَمِنْهُ يُؤْخَذُ جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا: وَهِيَ أَنَّ شَخْصًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ شَرِكَةٌ فِي بَهَائِمَ فَسُرِقَتْ الْبَهَائِمُ أَوْ غُصِبَتْ فَسَعَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فِي تَخْلِيصِهَا وَرَدِّهَا وَغَرِمَ عَلَى ذَلِكَ دَرَاهِمَ وَلَمْ يَلْتَزِمْ شَرِيكُهُ مِنْهَا شَيْئًا، وَهُوَ أَنَّ الْغَارِمَ لَا
وَإِلَّا فَهُوَ كَمَا لَوْ رَدَّ عَبْدَ زَيْدٍ غَيْرَ عَالَمٍ بِإِذْنِهِ وَالْتِزَامِهِ.
وَلِمَنْ رَدَّهُ مِنْ أَقْرَبَ مِنْ الْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ قِسْطُهُ مِنْ الْجُعْلِ، فَإِنْ رَدَّهُ مِنْ أَبْعَدَ مِنْهُ فَلَا زِيَادَةَ لَهُ لِعَدَمِ الْتِزَامِهَا، أَوْ مِنْ مِثْلِهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَلَهُ كُلُّ الْجُعْلِ لِحُصُولِ الْغَرَضِ.
وَقَوْلُهُ عِوَضًا مَعْلُومًا إشَارَةٌ إلَى الرُّكْنِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْجُعْلُ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الثَّمَنِ فَمَا لَا يَصِحُّ ثَمَنًا لِجَهْلٍ أَوْ نَجَاسَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ كَالْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ مَعَ الْجَهْلِ لَا حَاجَةَ إلَى احْتِمَالِهِ هُنَا كَالْإِجَارَةِ بِخِلَافِهِ فِي الْعَمَلِ وَالْعَامِلِ وَلِأَنَّهُ لَا يَكَادُ أَحَدٌ يَرْغَبُ فِي الْعَمَلِ مَعَ جَهْلِهِ بِالْجُعْلِ.
فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْعَقْدِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْعِلْجِ إذَا جَعَلَ لَهُ الْإِمَامُ إنْ دَلَّنَا عَلَى قَلْعَةٍ جَارِيَةٍ مِنْهَا، وَمَا لَوْ وَصَفَ الْجُعْلَ بِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ كَوْنُهُ ثَمَنًا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ فَاحْتِيطَ لَهُ بِخِلَافِ الْجَعَالَةِ.
وَشُرِطَ فِي الْعَمَلِ وَهُوَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ كُلْفَةٌ وَعَدَمُ تَعَيُّنِهِ، فَلَا جُعْلَ فِيمَا لَا كُلْفَةَ فِيهِ وَلَا فِيمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ كَأَنْ قَالَ: مَنْ دَلَّنِي عَلَى مَالِي فَلَهُ كَذَا وَالْمَالُ بِيَدِ غَيْرِهِ، أَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الرَّدُّ لِنَحْوِ غَصْبٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ كُلْفَةٌ؛ لِأَنَّ مَا لَا كُلْفَةَ فِيهِ وَمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ شَرْعًا لَا يُقَابَلَانِ بِعِوَضٍ، وَمَا لَا يَتَعَيَّنُ شَامِلٌ لِلْوَاجِبِ عَلَى الْكِفَايَةِ كَمَنْ حُبِسَ ظُلْمًا فَبَذَلَ مَالًا لِمَنْ يَتَكَلَّمُ فِي خَلَاصِهِ بِجَاهِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي فَتَاوِيهِ، وَعَدَمُ تَأْقِيتِهِ؛ لِأَنَّ تَأْقِيتَهُ قَدْ يُفَوِّتُ الْغَرَضَ
[حاشية البجيرمي]
رُجُوعَ لَهُ عَلَى شَرِيكِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا غَرِمَهُ، وَمِنْ الِالْتِزَامِ مَا لَوْ قَالَ كُلُّ شَيْءٍ غَرِمْته أَوْ صَرَفْته كَانَ عَلَيْنَا، وَيُغْتَفَرُ الْجَهْلُ فِي مِثْلِهِ لِلْحَاجَةِ.
اهـ. ع ش عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ رَدَّ عَبْدَ زَيْدٍ) أَيْ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ، إلَّا أَنْ يَعْتَقِدَ صِدْقَ الْقَائِلِ فِيمَا يَظْهَرُ سم.
لَا يُقَالُ لَا وَجْهَ لِهَذَا مَعَ قَوْلِ الشَّارِحِ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ صَادِقًا فِي الْوَاقِعِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ الْعَامِلُ، وَإِنَّمَا اعْتَقَدَهُ اهـ.
قَوْلُهُ: (قِسْطُهُ مِنْ الْجُعْلِ) فَإِنْ رَدَّهُ مِنْ نِصْفِ الطَّرِيقِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْجُعْلِ، أَوْ مِنْ ثُلُثِهِ اسْتَحَقَّ ثُلُثَهُ؛ وَمَحَلُّهُ إذَا تَسَاوَتْ الطَّرِيقُ سُهُولَةً وَحُزُونَةً أَيْ صُعُوبَةً، وَإِلَّا كَأَنْ كَانَتْ أُجْرَةُ النِّصْفِ ضِعْفَ أُجْرَةِ النِّصْفِ الْآخَرِ اسْتَحَقَّ ثُلُثَيْ الْجُعْلِ شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ الْتِزَامِهَا) مَحَلُّ اسْتِحْقَاقِ كُلِّ الْجُعْلِ إذَا قَطَعَ الْمَسَافَةَ الْمُعَيَّنَةَ، فَلَوْ رَدَّهُ وَرَأَى الْمَالِكَ فِي نِصْفِ الطَّرِيقِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْجُعْلِ شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (يُفْسِدُ الْعَقْدَ) وَلِلْعَامِلِ فِي جُعْلٍ فَاسِدٍ يَقْصِدُ أُجْرَةَ مِثْلٍ كَالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، بِخِلَافِ مَا لَا يُقْصَدُ كَالدَّمِ؛ شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِهِ فِي الْعَمَلِ وَالْعَامِلِ) أَيْ فَيُغْتَفَرُ فِيهِمَا لِلْحَاجَةِ.
قَوْلُهُ: (الْعِلْجِ) هُوَ فِي الْأَصْلِ الْكَافِرُ الْغَلِيظُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْكَافِرُ مُطْلَقًا، قَوْلُهُ: (جَارِيَةٍ مِنْهَا) لَيْسَتْ قَيْدًا.
وَعِبَارَةُ م ر: وَيُسْتَثْنَى مِنْ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِالْجُعْلِ مَا لَوْ جَعَلَ الْإِمَامُ لِمَنْ يَدُلُّ عَلَى قَلْعَةٍ جُعْلًا كَجَارِيَةٍ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ مَعَ جَهَالَةِ الْعِوَضِ أج.
قَوْلُهُ: (بِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ) أَيْ وَكَانَ مُعَيَّنًا، كَأَنْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ الثَّوْبُ الَّذِي صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، فَاسْتَغْنَى بِوَصْفِهِ عَنْ مُشَاهَدَتِهِ، فَيَصِحُّ هَهُنَا دُونَ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَا يَقُومُ فِيهِ وَصْفُ الْمُعَيَّنِ مَقَامَ التَّعَيُّنِ م د.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ قَالَ مَنْ دَلَّنِي إلَخْ) هَكَذَا بِخَطِّ الْمُؤَلِّفِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِيهِ سَقْطًا كَمَا يَدُلُّ لَهُ عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَهِيَ: فَلَا جُعْلَ فِيمَا لَا كُلْفَةَ فِيهِ كَأَنْ قَالَ: مَنْ دَلَّنِي عَلَى مَالِي فَلَهُ كَذَا فَدَلَّهُ وَالْمَالُ بِيَدِ غَيْرِهِ، وَلَا كُلْفَةَ وَلَا فِيمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ كَأَنْ قَالَ: مَنْ رَدَّ مَالِي فَلَهُ كَذَا فَرَدَّهُ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الرَّدُّ لِنَحْوِ غَصْبٍ إلَخْ مَرْحُومِيٌّ.
وَأَجَابَ أج بِأَنَّ الْوَاوَ فِي قَوْلِهِ: " وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ " بِمَعْنَى " أَوْ " فَيَكُونُ تَصْوِيرًا لِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ، وَلَكِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَمَا قَبْلَهُ تَصْوِيرٌ لِمَا لَا كُلْفَةَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (كَمَنْ حُبِسَ ظُلْمًا) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا حُبِسَ بِحَقٍّ لَا يَسْتَحِقُّ مَا جُعِلَ لَهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمَحْبُوسَ إذَا جَاعَلَ الْعَامِلَ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَ مَنْ يُطْلِقُهُ عَلَى وَجْهٍ جَائِزٍ كَأَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَنْتَظِرَ الْمَدِينُ إلَى أَنْ يَبِيعَ غِلَالَهُ مَثَلًا اسْتَحَقَّ مَا جُعِلَ لَهُ وَإِلَّا فَلَا.
وَوَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا يَقَعُ كَثِيرًا بِمِصْرِنَا مِنْ أَنَّ الزَّيَّاتِينَ وَالطَّحَّانِينَ وَنَحْوَهُمْ، كَالْمَرَاكِبِيَّةِ يَجْعَلُونَ لِمَنْ يَمْنَعُ عَنْهُمْ الْمُحْتَسِبَ وَأَعْوَانَهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ كَذَا هَلْ ذَلِكَ مِنْ الْجِعَالَةِ أَوْ لَا؟ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ الْجِعَالَةِ؛ لِأَنَّ دَفْعَ مَا يَلْتَزِمُهُ مِنْ الْمَالِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ مَا يَلْتَزِمُهُ الْإِنْسَانُ فِي مُقَابَلَةِ تَخْلِيصِهِ مِنْ الْحَبْسِ، وَهَذَا مِثْلُهُ ع ش عَلَى م ر. وَمِنْ ذَلِكَ الْحِمَايَةُ الَّتِي تَقَعُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ.
قَوْلُهُ: (لِمَنْ يَتَكَلَّمُ فِي خَلَاصِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إذَا تَكَلَّمَ فِي خَلَاصِهِ اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ إطْلَاقُ الْمَحْبُوسِ بِكَلَامِهِ.
وَقِيَاسُ
فَيَفْسُدُ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْعَمَلُ الَّذِي يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا عَسُرَ عِلْمُهُ لِلْحَاجَةِ كَمَا فِي الْقِرَاضِ بَلْ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَعْسُرْ عِلْمُهُ اُعْتُبِرَ ضَبْطُهُ إذْ لَا حَاجَةَ إلَى احْتِمَالِ الْجَهْلِ.
فَفِي بِنَاءِ حَائِطٍ يَذْكُرُ مَوْضِعَهُ وَطُولَهُ وَعَرْضَهُ وَارْتِفَاعَهُ وَمَا يَبْنِي بِهِ، وَفِي الْخِيَاطَةِ يُعْتَبَرُ وَصْفُهَا وَوَصْفُ الثَّوْبِ.
(وَإِذَا رَدَّهَا) أَيْ الضَّالَّةَ، أَوْ رَدَّ غَيْرَهَا مِنْ الْمَالِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِ الْخِيَاطَةِ مَثَلًا (اسْتَحَقَّ) الْعَامِلُ
[حاشية البجيرمي]
نَظَائِرِهِ أَنَّهُ إنْ جَعَلَ الْخَلَاصَ غَايَةً لِلتَّكَلُّمِ لَمْ يَسْتَحِقَّ إلَّا بِالْخَلَاصِ، وَفِي كَلَامِ سم جَوَازُ الْجِعَالَةِ عَلَى رَدِّ الزَّوْجَةِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهَا نَقْلًا عَنْ الرَّافِعِيِّ ثُمَّ تَوَقَّفَ فِيهِ.
وَأَقُولُ: الْأَقْرَبُ مَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَهُوَ قِيَاسُ مَا أَفْتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَنْ حُبِسَ ظُلْمًا ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ) أَيْ الْبَذْلُ جَائِزٌ، أَيْ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ تُقَابَلُ بِمَالٍ مَرْحُومِيٌّ وم ر.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ تَأْقِيتَهُ قَدْ يُفَوِّتُ الْغَرَضَ) فَلَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي إلَى شَهْرٍ فَلَهُ كَذَا لَمْ يَصِحَّ كَمَا فِي الْقِرَاضِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْمُدَّةِ يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْعَقْدِ فَقَدْ لَا يَظْفَرُ بِهِ فِيهَا فَيَضِيعُ سَعْيُهُ، وَلَا يَحْصُلُ الْغَرَضُ سَوَاءٌ أَضُمُّ إلَيْهِ مِنْ مَحَلِّ كَذَا أَمْ لَا شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (بَلْ أَوْلَى) ؛ لِأَنَّهُ إذَا اُغْتُفِرَ الْجَهْلُ فِي الْقِرَاضِ مُطْلَقًا فَلَأَنْ يُغْتَفَرَ الْجَهْلُ الَّذِي عَسُرَ عِلْمُهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ح ل
قَوْلُهُ: (اسْتَحَقَّ إلَخْ) وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ هُنَا وَفِي الْمُسَاقَاةِ كَمَا أَفَادَهُ السُّبْكِيُّ جَوَازُ الِاسْتِنَابَةِ فِي الْإِمَامَةِ وَالتَّدْرِيسِ وَسَائِرِ الْوَظَائِفِ الَّتِي تَقْبَلُ النِّيَابَةَ، أَيْ وَلَوْ بِدُونِ عُذْرٍ فِيمَا يَظْهَرُ، وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ الْوَاقِفُ إذَا اسْتَنَابَ مِثْلَهُ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ، وَيَسْتَحِقُّ الْمُسْتَنِيبُ أَيْ صَاحِبُ الْوَظِيفَةِ جَمِيعَ الْمَعْلُومِ، وَإِنْ أَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، إذْ الْمُسْتَنِيبُ لَمْ يُبَاشِرْ وَالنَّائِبُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ النَّاظِرُ فَلَا وِلَايَةَ لَهُ، شَرْحِ م ر. وَقَوْلُهُ: " الَّتِي تَقْبَلُ النِّيَابَةَ " أَيْ بِخِلَافِ مَا لَا يَقْبَلُ النِّيَابَةَ، كَالْمُتَفَقِّهِ أَيْ طَالِبِ الْفِقْهِ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ حَتَّى عِنْدَ السُّبْكِيّ إذْ لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ أَنْ يَتَفَقَّهَ عَنْ غَيْرِهِ؛ ابْنُ حَجَرٍ.
أَيْ إذَا كَانَ مُدَرِّسٌ لَهُ طَلَبَةٌ طَالِبُونَ لِلْفِقْهِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُنِيبَ غَيْرَهُ عَلَى كَلَامِهِ.
قَالَ سم: اعْتَمَدَ م ر جَوَازَ الِاسْتِنَابَةِ لِلْمُتَفَقِّهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إحْيَاءُ الْبُقْعَةِ بِتَعَلُّمِ الْفِقْهِ فِيهَا وَذَلِكَ حَاصِلٌ مَعَ الِاسْتِنَابَةِ، وَيَجُوزُ الِاسْتِنَابَةُ لِلْأَيْتَامِ الْمُنْزَلِينَ بِمَكَاتِبِ الْأَيْتَامِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ يَتِيمًا مِثْلَهُ اَ هـ. وَقَوْلُهُ: " أَوْ خَيْرًا مِنْهُ " أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْوَظِيفَةِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ قِرَاءَةَ جُزْءٍ مَثَلًا وَكَانَ الْمُسْتَنِيبُ عَالِمًا لَا يُشْتَرَطُ فِي النَّائِبِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بَلْ يَكْفِي كَوْنُهُ يُحْسِنُ قِرَاءَةَ الْجُزْءِ كَقِرَاءَةِ الْمُسْتَنِيبِ لَهُ اهـ. وَقَوْلُهُ: " وَيَسْتَحِقُّ الْمُسْتَنِيبُ جَمِيعَ الْمَعْلُومِ " أَيْ وَالنَّائِبُ مَا الْتَزَمَهُ لَهُ صَاحِبُ الْوَظِيفَةِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ بَاشَرَ شَخْصٌ بِلَا اسْتِنَابَةٍ مِنْ صَاحِبِهَا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُبَاشِرُ لَهَا عِوَضًا لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ لَهُ، وَكَذَا صَاحِبُ الْوَظِيفَةِ حَيْثُ لَمْ يُبَاشِرْ لَا شَيْءَ لَهُ، إلَّا إذَا مَنَعَهُ النَّاظِرُ وَنَحْوُهُ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ فَيَسْتَحِقُّ لِعُذْرِهِ بِتَرْكِ الْمُبَاشَرَةِ.
وَمِنْ هَذَا يُؤْخَذُ جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا، وَهِيَ: أَنَّ رَجُلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ إمَامَةُ شَرِكَةٍ بِمَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ مَاتَ الْأَخُ، ثُمَّ إنَّ الرَّجُلَ صَارَ يُبَاشِرُ الْإِمَامَةَ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَابَةٍ مِنْ وَلَدِ أَخِيهِ وَهُوَ أَنَّ وَلَدَ الْأَخِ لَا شَيْءَ لَهُ لِعَدَمِ مُبَاشَرَتِهِ لَهُ وَلَا شَيْءَ لِلْعَمِّ زِيَادَةً عَلَى مَا يُقَابِلُ نِصْفَهُ الْمُقَرَّرَ لَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْعَمَّ حَيْثُ عَمِلَ بِلَا اسْتِنَابَةٍ كَانَ مُتَبَرِّعًا وَوَلَدُ الْأَخِ حَيْثُ لَمْ يُبَاشِرْ وَلَمْ يَسْتَنِبْ لَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ إنَّمَا جَعَلَ الْمَعْلُومَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُبَاشَرَةِ، فَمَا يَخُصُّ وَلَدَ الْأَخِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ النَّاظِرُ لِمَصَالِح الْمَسْجِدِ؛ فَتَنَبَّهْ لَهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ كَثِيرًا.
وَوَقَعَ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ إفْتَاءٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَاحْذَرْهُ فَإِنَّهُ خَطَأٌ،.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. فَرْعٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ أَنَّ صَاحِبَ الْخَطَابَةِ يَسْتَنِيبُ خَطِيبًا يَخْطُبُ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ النَّائِبَ يَسْتَنِيبُ آخَرَ؛ هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَيَسْتَحِقُّ مَا جَعَلَهُ لَهُ صَاحِبُ الْوَظِيفَةِ أَمْ لَا؟ وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ إنْ حَصَلَ لَهُ عُذْرٌ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ وَعَلِمَ بِهِ الْمُسْتَنِيبُ أَوْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى رِضَا صَاحِبِ الْوَظِيفَةِ بِذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مِثْلَهُ وَيَسْتَحِقَّ مَا جُعِلَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ تَدُلَّ الْقَرِينَةُ عَلَى الرِّضَا بِغَيْرِهِ لَا تَجُوزُ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى صَاحِبِ الْوَظِيفَةِ
حِينَئِذٍ عَلَى الْجَاعِلِ (ذَلِكَ الْعِوَضَ الْمَشْرُوطَ لَهُ) فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ وَلِلْمَالِكِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْجُعْلِ الَّذِي شَرَطَهُ لِلْعَامِلِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، أَوْ بِتَغْيِيرِ جِنْسِهِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ عَمَلِ الْعَامِلِ سَوَاءٌ أَكَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ أَمْ بَعْدَهُ، كَمَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ بَلْ أَوْلَى كَأَنْ يَقُولَ مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ عَشَرَةٌ.
ثُمَّ يَقُولَ فَلَهُ خَمْسَةٌ أَوْ عَكْسَهُ أَوْ يَقُولَ: مَنْ رَدَّهُ فَلَهُ دِينَارٌ، ثُمَّ يَقُولَ فَلَهُ دِرْهَمٌ فَإِنْ سَمِعَ الْعَامِلُ ذَلِكَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ اُعْتُبِرَ النِّدَاءُ الْأَخِيرُ، وَلِلْعَامِلِ مَا ذُكِرَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ الْعَامِلُ أَوْ كَانَ بَعْدَ الشُّرُوعِ اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ الْأَخِيرَ فَسْخٌ لِلْأَوَّلِ، وَالْفَسْخُ مِنْ الْمَالِكِ فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ يَقْتَضِي الرُّجُوعَ إلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ، فَلَوْ عَمِلَ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ الْأَوَّلَ خَاصَّةً وَمَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ الثَّانِيَ اسْتَحَقَّ الْأَوَّلُ نِصْفَ
[حاشية البجيرمي]
لِعَدَمِ مُبَاشَرَتِهِ، وَعَلَيْهِ لِمَنْ اسْتَنَابَهُ مِنْ بَاطِنِهِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ.
اهـ. ع ش. وَوَقَعَ السُّؤَالُ فِيهِ أَيْضًا عَنْ مَسْجِدٍ انْهَدَمَ وَتَعَطَّلَتْ شَعَائِرُهُ هَلْ يَسْتَحِقُّ أَرْبَابُ الشَّعَائِرِ الْمَعْلُومَ أَمْ لَا؟ وَالْجَوَابُ عَنْهُ: الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ إنَّ مَنْ تُمْكِنُهُ الْمُبَاشَرَةُ مَعَ الِانْهِدَامِ كَقِرَاءَةِ حِزْبِهِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَلَوْ صَارَ كَوْمًا اسْتَحَقَّ الْمَعْلُومَ إنْ بَاشَرَ، وَمَنْ لَا تُمْكِنُهُ الْمُبَاشَرَةُ كَبَوَّابِ الْمَسْجِدِ وَفَرَّاشِهِ اسْتَحَقَّ كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى عَدَمِ الْمُبَاشَرَةِ وَيَجِبُ عَلَى إمَامِهِ الصَّلَاةُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فِيهِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَمْرَانِ الصَّلَاةُ فِيهِ وَكَوْنُهُ إمَامًا، وَهَذَا كُلُّهُ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ عَوْدُهُ وَإِلَّا وَجَبَ عَلَى النَّاظِرِ الْقَطْعُ عَلَى الْمُسْتَحَقِّينَ وَعَوْدُهُ وَإِلَّا نَقَلَ مَعْلُومَهُمْ لِأَقْرَبَ الْمَسَاجِدِ إلَيْهِ.
اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (فِي الْجُعْلِ) وَمِثْلُهُ الْعَمَلُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَا يَجُوزُ) أَيْ التَّصَرُّفُ فِي الثَّمَنِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ أَوْلَى) وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَجَازَ فِيهِ ذَلِكَ، فَهَذَا أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ) أَيْ النِّدَاءَ الْأَخِيرَ، أَيْ أَصْلًا، سَوَاءٌ كَانَ التَّغْيِيرُ قَبْلَ الشُّرُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؛ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ: " لِأَنَّ النِّدَاءَ الْأَخِيرَ إلَخْ " عِلَّةٌ قَاصِرَةٌ لِعَدَمِ شُمُولِهَا لِمَا إذَا كَانَ التَّغْيِيرُ قَبْلَ الشُّرُوعِ، وَلِهَذَا جَعَلَ هَذَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ مُلْحَقًا بِالتَّغْيِيرِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ الثَّانِيَ) أَيْ عَمِلَا مَعًا بِأَنْ رَدَّا مَعًا الضَّالَّةَ مَثَلًا ق ل. وَلَوْ قَالَ لِوَاحِدٍ: إنْ رَدَدْته فَلَكَ دِينَارٌ وَلِآخَرَ إنْ رَدَدْته أَرْضَيْتُك فَرَدَّاهُ فَلِلْأَوَّلِ نِصْفُ الدِّينَارِ وَلِلْآخَرِ نِصْفُ أُجْرَةِ عَمَلٍ مِثْلِهِ، فَلَوْ قَالَ: إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَلَكَ كَذَا فَأَمَرَ رَقِيقَهُ بِرَدِّهِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْإِعْتَاقِ؛ وَلَا يَضُرُّ فِي اسْتِحْقَاقِ الْجُعْلِ طَرَيَانُ حُرِّيَّتِهِ أَيْ عَدَمُ أَصَالَتِهَا كَمَا لَوْ أَعَانَهُ أَجْنَبِيٌّ فِيهِ وَلَمْ يَقْصِدْ الْمَالِكَ.
وَأَفْتَى أَيْضًا فِي وَلَدٍ قَرَأَ عِنْدَ فَقِيهٍ مُدَّةً ثُمَّ نُقِلَ إلَى فَقِيهٍ آخَرَ فَطَلَعَ عِنْدَهُ سُورَةٌ يَعْمَلُ لَهَا سُرُورٌ كَالْأَصَارِيفِ مَثَلًا وَحَصَلَ لَهُ فُتُوحٌ بِأَنَّهُ لِلثَّانِي وَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ الْأَوَّلُ، اهـ شَرْحِ م ر اهـ.
فِي فَتَاوَى الْكَفُورِيِّ الْمَالِكِيِّ مَا نَصُّهُ: مَسْأَلَةٌ: هَلْ لِمُعَلِّمِ الْأَطْفَالِ أَخْذُ الصِّرَافَةِ وَإِنْ لَمْ تُشْرَطْ هُنَاكَ أَمْ لَا؟ الْجَوَابُ: لَهُ أَخْذُهَا وَإِنْ لَمْ تُشْرَطْ، أَيْ يُقْضَى لَهُ بِهَا عَلَى الْأَبِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَخْذِهَا مِنْهُ إذَا امْتَنَعَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَ حَيْثُ جَرَى الْعُرْفُ بِهَا زِيَادَةً عَلَى الْأُجْرَةِ وَلَا حَدَّ فِيهَا وَأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إلَى حَالِ الْأَبِ فِي يُسْرِهِ وَعُدْمِهِ، وَيُنْظَرُ فِيهَا أَيْضًا إلَى حَالِ الصَّبِيِّ فَإِنْ كَانَ حَافِظًا فَتَكُونُ حِذْقَتُهُ أَيْ صِرَافَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي لَا يَحْفَظُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْأَبُ تَرْكَهَا؛ وَمَحَلُّ الْحِذْقَةِ مِنْ السُّوَرِ مَا تَقَرَّرَ بِهِ الْعُرْفُ بَيْنَ النَّاسِ مِثْلَ " لَمْ يَكُنْ " وَ " عَمَّ " وَ " تَبَارَكَ " وَ " الْفَتْحِ " وَ " الصَّافَّاتِ ". وَالْعُرْفُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ، وَلَا يَقْضِي بِهَا فِي مِثْلِ الْأَعْيَادِ وَالْمَوَاسِمِ وَتُسْتَحَبُّ هُنَاكَ أَيْضًا.
قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَإِذَا قُلْنَا يَقْضِي بِالْحِذْقَةِ فَمَاتَ الْأَبُ قَبْلَ أَخْذِهَا وَالْقَضَاءِ بِهَا فَلَا شَيْءَ لِلْمُعَلِّمِ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا مَاتَ الْمُعَلِّمُ فَلَا شَيْءَ لِوَرَثَتِهِ عَلَى الْأَبِ، إذَا وَقَفَ الصَّبِيُّ فِي غَيْرِ الْمُتَشَابِهِ فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يَضُرُّ بِالْحِذْقَةِ وَإِلَّا ضَرَّ وَلَا حِذْقَةَ فَإِنْ أَخْرَجَ الْوَالِدُ وَلَدَهُ مِنْ عِنْدِ الْمُعَلِّمِ وَالْبَاقِي عَلَى مَحَلِّ الْحِذْقَةِ يَسِيرٌ فَهِيَ لَازِمَةٌ، وَإِنْ بَقِيَ كَالسُّدُسِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُعَلِّمُ أَيْضًا فَيَلْزَمُ الْأَبَ بِحِسَابِ مَا مَضَى، اهـ وَهُوَ كَلَامٌ نَفِيسٌ فَاحْفَظْهُ.
أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَالثَّانِي نِصْفَ الْمُسَمَّى الثَّانِي.
وَالْمُرَادُ بِالسَّمَاعِ الْعِلْمُ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ فِيمَا ذُكِرَ لِجَمِيعِ الْعَمَلِ لَا لِلْمَاضِي خَاصَّةً.
تَتِمَّةٌ: لَوْ تَلِفَ الْمَرْدُودُ قَبْلَ وُصُولِهِ كَأَنْ مَاتَ الْآبِقُ بِغَيْرِ قَتْلِ الْمَالِكِ لَهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ وَلَوْ بِقُرْبِ دَارِ سَيِّدِهِ، أَوْ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (الْعِلْمُ) وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ فِيمَا ذُكِرَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ السَّابِقِ اسْتَحَقَّ الْأَوَّلُ نِصْفَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، فَالْمُرَادُ بِهِ نِصْفُ أُجْرَةِ الْمُدَّةِ بِكَمَالِهَا لَا الْمَاضِي قَبْلَ النِّدَاءِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا مِنْ ابْتِدَاءِ الْعَمَلِ إلَى تَمَامِهِ، فَلَوْ اشْتَرَكَا فِي بَعْضِهِ فَلَهُ نِصْفُ أُجْرَةِ مِثْلِ قِسْطِ مَا عَمِلَ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (تَتِمَّةٌ) نَاقَشَ ق ل فِي جَعْلِ مَا ذَكَرَ تَتِمَّةً مَعَ كَوْنِهِ مَفْهُومَ الْمَتْنِ، فَإِنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ إذَا رَدَّهَا اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَرُدَّهَا لَا يَسْتَحِقُّهُ.
قَوْلُهُ: (لَوْ تَلِفَ الْمَرْدُودُ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَخْ) قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَيَدُ الْعَامِلِ عَلَى الْمَأْخُوذِ إلَى رَدِّهِ يَدُ أَمَانَةٍ، وَلَوْ رَفَعَ يَدَهُ عَنْهُ وَخَلَّاهُ بِتَفْرِيطٍ كَأَنْ خَلَّاهُ بِمَضْيَعَةٍ ضَمِنَهُ لِتَقْصِيرِهِ، وَإِنْ خَلَّاهُ بِلَا تَفْرِيطٍ كَأَنْ خَلَّاهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ لَمْ يَضْمَنْهُ وَنَفَقَتُهُ عَلَى مَالِكِهِ، فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مُدَّةَ الرَّدِّ فَمُتَبَرِّعٌ إلَّا إنْ أَذِنَ لَهُ الْحَاكِمُ أَوْ أَشْهَدَ عِنْدَ فَقْدِهِ لِيَرْجِعَ.
وَلَوْ كَانَ رَجُلَانِ بِبَادِيَةٍ وَنَحْوِهَا فَمَرِضَ أَحَدُهُمَا أَوْ غُشِيَ عَلَيْهِ وَعَجَزَ عَنْ السَّيْرِ وَجَبَ عَلَى الْآخَرِ الْمُقَامُ عِنْدَهُ إلَّا إنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ نَحْوِهَا فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَإِذَا أَقَامَ مَعَهُ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ، فَإِنْ مَاتَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَخْذُ مَالِهِ وَإِيصَالُهُ إلَى وَرَثَتِهِ إنْ كَانَ ثِقَةً، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثِقَةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْأَخْذُ وَإِنْ جَازَ لَهُ وَلَا يَضْمَنُهُ فِي الْحَالَيْنِ، وَالْحَاكِمُ يَحْبِسُ الْآبِقَ إذَا وَجَدَهُ انْتِظَارًا لِسَيِّدِهِ، فَإِنْ أَبْطَأَ سَيِّدُهُ بَاعَهُ الْحَاكِمُ وَحَفِظَ ثَمَنَهُ، فَإِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ الثَّمَنِ وَإِنْ سَرَقَ الْآبِقُ قُطِعَ كَغَيْرِهِ، وَلَوْ عَمِلَ شَخْصٌ حُرٌّ لِغَيْرِهِ عَمَلًا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْجَارٍ وَلَا جَعَالَةً فَدَفَعَ عَلَيْهِ مَالًا عَلَى ظَنِّ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ لَمْ يَحِلَّ لِلْعَامِلِ أَخْذُهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَذْلُ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْبَذْلُ وَدَفَعَهُ إلَيْهِ هَدِيَّةً حَلَّ، وَلَوْ أُكْرِهَ مُسْتَحِقٌّ عَلَى عَدَمِ مُبَاشَرَةِ وَظِيفَتِهِ اسْتَحَقَّ الْمَعْلُومَ كَمَا أَفْتَى بِهِ التَّاجُ الْفَزَارِيّ.
وَاعْتِرَاضُ الزَّرْكَشِيّ لَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ مَا شُرِطَ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّ حِينَئِذٍ؟ يُرَدُّ بِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى شَرْعًا وَعُرْفًا مِنْ تَنَاوُلِ الشَّرْطِ لَهُ لِعُذْرِهِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى مِنْ مُدَرِّسٍ يَحْضُرُ مَوْضِعَ الدَّرْسِ وَلَا يَحْضُرُ أَحَدٌ مِنْ الطَّلَبَةِ، أَوْ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ لَا يَحْضُرُونَ؛ بَلْ يَظْهَرُ الْجَزْمُ بِالِاسْتِحْقَاقِ هُنَا؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ يُمْكِنُهُ الِاسْتِنَابَةُ فَيَحْصُلُ غَرَضُ الْوَاقِفِ بِخِلَافِ الْمُدَرِّسِ، نَعَمْ لَوْ أَمْكَنَهُ إعْلَامُ النَّاظِرِ بِهِمْ وَعَلِمَ أَنَّهُ يَجْبُرُهُمْ عَلَى الْحُضُورِ فَالظَّاهِرُ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ.
وَقَدْ أَفَادَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ ذَلِكَ أَيْضًا، بَلْ جَعَلَهُ أَصْلًا مَقِيسًا عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ أَوْ الْمُدَرِّسَ لَوْ حَضَرَ وَلَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ اسْتَحَقَّ؛ لِأَنَّ حُضُورَ الْمُصَلِّي وَالْمُتَعَلِّمِ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الِانْتِصَابُ لِذَلِكَ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْإِمَامَ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ مِنْ الْمُصَلِّينَ دُونَ الْمُدَرِّسِ.
وَأَفْتَى أَيْضًا فِيمَنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ قَطْعَهُ عَنْ وَظِيفَتِهِ إنْ غَابَ، أَيْ لَمْ يُبَاشِرْ وَظِيفَتَهُ فَغَابَ لِعُذْرٍ كَخَوْفِ طَرِيقٍ بِعَدَمِ سُقُوطِ حَقِّهِ بِغَيْبَتِهِ، قَالَ: وَلِذَلِكَ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ.
وَأَفْتَى الْوَالِدُ بِحِلِّ النُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ بِالْمَالِ لِمَنْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ خَيْرٌ مِنْهُ، أَيْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَقْسَامِ الْجِعَالَةِ، فَيَسْتَحِقُّهُ النَّازِلُ وَيَسْقُطُ حَقُّهُ وَإِنْ لَمْ يُقَرِّرْ النَّاظِرُ الْمَنْزُولَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ اهـ شَرْحِ م ر. وَإِنْ لَمْ يُقَرِّرْ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْأَوَّلِ بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُ إلَّا إنْ شَرَطَهُ.
وَقَوْلُ م ر: وَلَوْ أُكْرِهَ عَنْ مُبَاشَرَةِ وَظِيفَتِهِ اسْتَحَقَّ الْمَعْلُومَ، وَمِثْلُ الْإِكْرَاهِ مَا لَوْ عُزِلَ عَنْ وَظِيفَتِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقُرِّرَ فِيهَا غَيْرُهُ إذْ لَا يَنْفُذُ عَزْلُهُ، نَعَمْ إنْ تَمَكَّنَ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا فَيَنْبَغِي تَوَقُّفُ اسْتِحْقَاقِ الْمَعْلُومِ عَلَيْهَا، سم عَلَى حَجّ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا: وَهِيَ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ شُيُوخِ الْعُرْبَانِ شُرِطَ لَهُمْ طِينٌ مُرْصَدٌ عَلَى خَفْرِ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ وَفِيهِمْ كِفَايَةٌ لِذَلِكَ وَقُوَّةٌ وَبِيَدِهِمْ تَقْرِيرٌ بِذَلِكَ مِمَّنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّقْرِيرِ كَالْبَاشَا وَتَصَرَّفُوا فِي الطِّينِ الْمُرْصَدِ مُدَّةً، ثُمَّ إنَّ مُلْتَزِمَ الْبَلَدِ أَخْرَجَ الْمَشْيَخَةَ عَنْهُمْ ظُلْمًا وَدَفَعَهَا لِغَيْرِهِمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ مِثْلَهُمْ فِي الْكِفَايَةِ بِالْقِيَامِ بِذَلِكَ بَلْ وَإِنْ كَانُوا أَقْوَى مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورِينَ حَيْثُ صَحَّ تَقْرِيرُهُمْ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ ذَلِكَ عَنْهُمْ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
وَقَوْلُهُ: " وَلَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ مِنْ الطَّلَبَةِ " أَيْ لَمْ يَحْضُرْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمُقَرَّرِينَ فِي وَظِيفَةِ الطَّلَبِ
غُصِبَ أَوْ تَرَكَهُ الْعَامِلُ أَوْ هَرَبَ وَلَوْ فِي دَارِ الْمَالِكِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ لَهُ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ وَإِنْ حَضَرَ الْآبِقُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ اكْتَرَى مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ.
فَأَتَى بِبَعْضِ الْأَعْمَالِ وَمَاتَ، حِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّ مِنْ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ.
وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْحَجِّ الثَّوَابُ، وَقَدْ حَصَلَ بِبَعْضِ الْعَمَلِ وَهُنَا لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنْ الْمَقْصُودِ، وَإِذَا رَدَّ الْآبِقَ عَلَى سَيِّدِهِ فَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ لِقَبْضِ الْجُعْلِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالتَّسْلِيمِ، وَلَا حَبْسَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ وَكَذَا لَا يَحْبِسُهُ لِاسْتِيفَاءِ مَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَيُصَدَّقُ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ إذَا أَنْكَرَ شَرْطَ الْجُعْلِ لِلْعَامِلِ بِأَنْ اخْتَلَفَا فِيهِ فَقَالَ الْعَامِلُ: شَرَطْتَ لِي جُعْلًا وَأَنْكَرَ الْمَالِكُ أَوْ أَنْكَرَ سَعْيَ الْعَامِلِ فِي رَدِّ الْآبِقِ بِأَنْ قَالَ: لَمْ تَرُدَّهُ، وَإِنَّمَا رَجَعَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الشَّرْطِ وَالرَّدِّ، فَإِنْ اخْتَلَفَ الْمُلْتَزِمُ مِنْ مَالِكٍ أَوْ غَيْرِهِ وَالْعَامِلُ فِي قَدْرِ الْجُعْلِ بَعْدَ فَرَاغِ الْعَمَلِ تَحَالَفَا وَفُسِخَ الْعَقْدُ، وَوَجَبَ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْإِجَارَةِ
فَصْلٌ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُخَابَرَةِ وَكِرَاءِ الْأَرْضِ
[حاشية البجيرمي]
لِأَنَّ غَرَضَ الْوَاقِفِ إحْيَاءُ الْمَحَلِّ وَهُوَ حَاصِلٌ بِحُضُورِ غَيْرِ أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ.
وَقَوْلُهُ: " وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الِانْتِصَابُ " هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ الْمَعْلُومَ مَشْرُوطٌ بِحُضُورِهِ، وَالْمُتَّجَهُ خِلَافُهُ فِي الْمُدَرِّسِ بِخِلَافِ الْإِمَامِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ حُضُورَ الْإِمَامِ بِدُونِ الْمُقْتَدِينَ يَحْصُلُ بِهِ إحْيَاءُ الْبُقْعَةِ بِالصَّلَاةِ فِيهَا وَلَا كَذَلِكَ الْمُدَرِّسُ فَإِنَّ حُضُورَهُ بِدُونِ مُتَعَلِّمٍ لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَحُضُورُهُ يُعَدُّ عَبَثًا.
وَقَوْلُهُ: " بِعَدَمِ سُقُوطِ حَقِّهِ بِغَيْبَتِهِ " أَيْ وَإِنْ طَالَتْ مَا دَامَ الْعُذْرُ قَائِمًا، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ اسْتَنَابَ أَوْ عَجَزَ عَنْ الِاسْتِنَابَةِ، أَمَّا لَوْ غَابَ لِعُذْرٍ وَقَدَرَ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَيَنْبَغِي سُقُوطُ حَقِّهِ لِتَقْصِيرِهِ.
وَقَوْلُهُ: " بِحِلِّ النُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ " وَمِنْ ذَلِكَ الْجَوَامِكُ الْمُقَرَّرُ فِيهَا فَيَجُوزُ لِمَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لَهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ مِنْ غَيْرِ جِهَةٍ بِبَيْتِ الْمَالِ النُّزُولُ عَنْهُ، وَيَصِيرُ الْحَالُ فِي تَقْرِيرِ مَنْ أَسْقَطَ حَقَّهُ لَهُ مَوْكُولًا إلَى نَظَرِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّقْرِيرِ فِيهِ كَالْبَاشَا، فَيُقَرِّرُ مَنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي تَقْرِيرِهِ مِنْ الْمَفْرُوغِ لَهُ أَوْ غَيْرِهِ.
وَلَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ يُقْرَأَ فِي مَدْرَسَتِهِ كِتَابٌ بِعَيْنِهِ وَلَمْ يَجِدْ الْمُدَرِّسُ مَنْ فِيهِ أَهْلِيَّةٌ لِسَمَاعِ ذَلِكَ الْكِتَابِ وَالِانْتِفَاعِ مِنْهُ قَرَأَ غَيْرَهُ، لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ شَرْطُ الْوَاقِفِ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ وَفُعِلَ مَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَا يَقْصِدُ تَعْطِيلَ وَقْفِهِ؛ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (يَسْتَحِقُّ) عِبَارَةُ م ر: فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ.
وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ إبْدَالُ " حِينَئِذٍ " بِقَوْلِهِ: حَيْثُ يَسْتَحِقُّ إلَخْ.
فَلَعَلَّهُ تَحْرِيفٌ مِنْ النَّاسِخِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنْ الْمَقْصُودِ) الْأَوْلَى لَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ بِحَذْفِ شَيْءٌ وَمِنْ كَمَا قَالَهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (بِإِذْنِ الْمَالِكِ) فَإِنْ تَعَذَّرَ فَبِإِذْنِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَبِالْإِشْهَادِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ لَمْ يَرْجِعْ وَإِنْ قَصَدَ الرُّجُوعَ ق ل. تَنْبِيهٌ: حَاصِلُ مَا هُنَا كَالْإِجَارَةِ أَنَّهُ إنْ سَلِمَ الْعَامِلُ وَوَصَلَ مَا عَمِلَ فِيهِ إلَى الْمَالِكِ اسْتَحَقَّ جَمِيعَ الْجُعْلِ، وَإِنْ سَلِمَ الْعَامِلُ وَحْدَهُ وَتَلِفَ مَعْمُولُهُ قَبْلَ تَمَامِ عَمَلِهِ، فَإِنْ وَقَعَ مُسَلَّمًا لِلْمَالِكِ كَأَنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ أَوْ فِي مِلْكِهِ وَظَهَرَ أَثَرُهُ عَلَى الْمَحَلِّ وَأَمْكَنَ الْإِتْمَامُ عَلَيْهِ كَخِيَاطَةِ بَعْضِ الثَّوْبِ وَتَعْلِيمِ بَعْضِ مَا جُوعِلَ عَلَيْهِ وَبَعْضِ الْبِنَاءِ اسْتَحَقَّ الْقِسْطَ، وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَقَعْ مُسَلَّمًا لِلْمَالِكِ بِمَا مَرَّ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ عَلَى الْمَحَلِّ كَجَرَّةٍ انْكَسَرَتْ أَوْ لَمْ يُمْكِنُ الْإِتْمَامُ عَلَيْهِ كَثَوْبٍ احْتَرَقَ بَعْدَ خِيَاطَةِ بَعْضِهِ وَمُتَعَلِّمٍ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ تَعَلُّمِهِ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
اهـ. ق ل
[فَصْلٌ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُخَابَرَةِ]
ِ ذَكَرَهُمَا عَقِبَ الْجِعَالَةِ؛ لِأَنَّ فِي كُلٍّ عَمَلًا مَجْهُولًا.
وَالْمُخَابَرَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْخَبْرِ أَيْ الزَّرْعُ، قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: خَبَرْت الْأَرْضَ شَقَقْتهَا لِلزِّرَاعَةِ فَأَنَا خَبِيرٌ وَمِنْهُ الْمُخَابَرَةُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ الْمَكَاسِبِ الزِّرَاعَةُ ثُمَّ الصِّنَاعَةُ ثُمَّ التِّجَارَةُ حَيْثُ خَلَتْ مِنْ الْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ وَالْأَيْمَانِ الْفَاجِرَةِ، قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: يَنْبَغِي لِلصَّانِعِ وَالتَّاجِرِ أَنْ يَقْصِدَ بِصَنْعَتِهِ أَوْ تِجَارَتَهُ الْقِيَامَ بِفَرْضٍ مِنْ
فَالْمُزَارَعَةُ تَسْلِيمُ الْأَرْضِ لِرَجُلٍ لِيَزْرَعَهَا بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَالْبَذْرُ مِنْ الْمَالِكِ.
وَالْمُخَابَرَةُ كَالْمُزَارَعَةِ لَكِنَّ الْبَذْرَ مِنْ الْعَامِلِ.
وَكِرَاءُ الْأَرْضِ سَيَأْتِي.
فَلَوْ كَانَ بَيْنَ الشَّجَرِ نَخْلًا كَانَ أَوْ عِنَبًا أَرْضٌ لَا زَرْعَ فِيهَا صَحَّتْ الزِّرَاعَةُ عَلَيْهَا مَعَ الْمُسَاقَاةِ عَلَى الشَّجَرِ تَبَعًا لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، إنْ اتَّحَدَ عَقْدٌ وَعَامِلٌ بِأَنْ يَكُونَ عَامِلُ الْمُزَارَعَةِ هُوَ عَامِلُ الْمُسَاقَاةِ
[حاشية البجيرمي]
فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَإِنَّ الصِّنَاعَاتِ لَوْ تُرِكَتْ لَبَطَلَتْ الْمَعَايِشُ وَهَلَكَتْ الْخَلْقُ، وَلَوْ أَقْبَلَ كُلُّهُمْ عَلَى صَنْعَةٍ وَاحِدَةٍ تَعَطَّلَتْ الْبَوَاقِي وَهَلَكُوا؛ وَعَلَى هَذَا حُمِلَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» أَيْ اخْتِلَافُ هِمَمِهِمْ فِي الصِّنَاعَاتِ وَالْحِرَفِ.
وَمِنْ الصِّنَاعَاتِ مَا هِيَ مُهِمَّةٌ وَمَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا لِخَسَّتِهَا كَالْحِجَامَةِ لِخُبْثِ كَسْبِ صَاحِبِهَا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ» فَيَنْبَغِي لِذِي الْهِمَّةِ وَالْمُرُوءَةِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِصَنْعَةٍ مُهِمَّةٍ لِيَكُونَ فِي قِيَامِهِ بِهَا كِفَايَةُ الْمُسْلِمِينَ بِمُهِمٍّ فِي الدِّينِ.
وَيَجْتَنِبُ أَيْضًا صِنَاعَةَ الْغِشِّ وَالصِّيَاغَةِ وَمِنْ ذَلِكَ خِيَاطَةُ الْإِبْرَيْسَمِ لِلرِّجَالِ وَصِيَاغَةِ الصَّائِغِ خَوَاتِيمَ الذَّهَبِ لِلرِّجَالِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَاصِي وَالْأُجْرَةُ الْمَأْخُوذَةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْحُرْمَةِ قَزَّازَةُ الشُّدُودِ الْحَرِيرَ لِلرِّجَالِ؛ ذَكَرَهُ عَبْدُ الْبَرِّ الَأُجْهُورِيُّ.
وَعِبَارَةُ ع ش: أَفْضَلُ الْكَسْبِ الزِّرَاعَةُ ثُمَّ الصِّنَاعَةُ ثُمَّ التِّجَارَةُ أَيْ لِمَا فِي الزِّرَاعَةِ مِنْ مَزِيدِ التَّوَكُّلِ وَنَفْعِ الطُّيُورِ وَغَيْرِهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَكْتَسِبُ بِالتِّجَارَةِ مَنْ لَهُ مَنْ يَتَّجِرُ لَهُ وَمِمَّنْ يَكْتَسِبُ بِالصِّنَاعَةِ مَنْ لَهُ صُنَّاعٌ تَحْتَ يَدِهِ وَهُوَ لَا يُبَاشِرُ وَمِمَّنْ يَكْتَسِبُ بِالزِّرَاعَةِ مَنْ لَهُ مَنْ يَزْرَعُ لَهُ وَهُوَ لَا يُبَاشِرُ اهـ ح ل.
وَفِي الْحَدِيثِ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» اهـ؛؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيهِ إيصَالُ النَّفْعِ إلَى الْكَاسِبِ وَإِلَى غَيْرِهِ وَالسَّلَامَةُ عَنْ الْبَطَالَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى الْفُضُولِ؛ لِأَنَّ فِي الْكَسْبِ كَسْرُ النَّفْسِ وَالتَّعَفُّفُ عَنْ ذُلِّ السُّؤَالِ.
وَكَانَ دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَعْمَلُ الزَّرَدَ يَبِيعُهُ لِقَوْمِهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ حَاجَةٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا ابْتَغَى الْأَكْلَ مِنْ طَرِيقِ الْأَفْضَلِ.
وَقَدْ كَانَ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْكُلُ مِنْ سَعْيِهِ الَّذِي يَكْتَسِبُهُ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِالْجِهَادِ، وَهُوَ أَشْرَفُ الْمَكَاسِبِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِمَا فِيهِ مِنْ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ.
وَكَانَ نُوحٌ نَجَّارًا وَإِبْرَاهِيمُ بَزَّازًا وَإِدْرِيسُ خَيَّاطًا، وَنَحْوُ هَذَا لَا يُفِيدُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَاتُونَ مِنْ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ صَاحِبُ كِتَابِ: بَصَائِرُ الْقُدَمَاءِ وَسَرَائِرُ الْحُكَمَاءِ صِنَاعَةَ كُلِّ مَنْ عُلِمَتْ صِنَاعَتُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فَقَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بَزَّازًا وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ عُمَرُ دَلَّالًا يَسْعَى بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَكَانَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ حَدَّادًا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَدْعَانَ نَخَّاسًا أَيْ دَلَّالًا يَبِيعُ الْجَوَارِيَ، وَكَانَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ عَوَّادًا يَضْرِبُ بِالْعُودِ.
وَكَانَ الْحَكَمُ بْنُ الْعَاصِ يَخْصِي الْغَنَمَ، وَكَانَ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ بَيْطَارًا يُعَالِجُ الْخَيْلَ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إلَّا وَلَهُ صِنَاعَةٌ، وَكَذَلِكَ أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كَمَا تَقَدَّمَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَكَذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ فَمِنْهُمْ الْقَفَّالُ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ كَانَا يَصْنَعَانِ الْأَقْفَالِ إلَى أَنْ فَعَلَ قُفْلًا بِمِفْتَاحِهِ وَزْنَ ثَلَاثِ حَبَّاتِ شَعِيرٍ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ وَسَأَلَتْهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَلَمْ يُجِبْهَا، فَخَايَلَتْ عَلَيْهِ فَتَرَكَ الصَّنْعَةَ وَاشْتَغَلَ بِالْعِلْمِ.
وَالزَّجَّاجَانِ كَانَا يَصْنَعَانِ الزُّجَاجَ، وَالْفَرَّاءُ كَانَ يَصْنَعُ الْفِرَاءَ، وَالْإِسْنَوِيُّ كَانَ نَجَّارًا وَالشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ الْمَحَلِّيُّ كَانَ تَاجِرًا تَحْتَ الرَّبْعِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ بَقِيَّةِ الْعُلَمَاءِ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ.
قَوْلُهُ: (فَالْمُزَارَعَةُ تَسْلِيمُ الْأَرْضِ) أَيْ بِعَقْدٍ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ عَامَلْتُك عَلَى الْأَرْضِ لِتَزْرَعَهَا وَالْغَلَّةُ الْحَاصِلَةُ بَيْنَنَا نِصْفَانِ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (لِرَجُلٍ) أَيْ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَكِرَاءُ الْأَرْضِ سَيَأْتِي) أَيْ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ أَكْرَاهُ إيَّاهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ كَانَ بَيْنَ الشَّجَرِ) الْمُنَاسِبُ ذِكْرُ هَذَا بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ لَمْ يَجُزْ بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ اسْتِقْلَالًا فِي جَانِبِ الْمُزَارَعَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ دُخُولٌ عَلَى الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَكُونَ عَامِلُ الْمُزَارَعَةِ) أَيْ فَلَا يَضُرُّ تَعَدُّدُهُ فَالْمُرَادُ بِاتِّحَادِهِ أَنْ لَا تُفْرَدَ الْمُسَاقَاةُ بِعَامِلٍ وَالْمُزَارَعَةُ بِعَامِلٍ.
قَوْلُهُ: (وَقُدِّمَتْ الْمُسَاقَاةُ) أَيْ فِي صِيغَةِ الْعَقْدِ أَيْ لَمْ تَتَأَخَّرْ الْمُسَاقَاةُ، فَيَدْخُلُ مَا لَوْ كَانَا مَعًا كَعَامَلْتُكَ
وَعَسُرَ إفْرَادُ الشَّجَرِ بِالسَّقْيِ وَقُدِّمَتْ الْمُسَاقَاةُ عَلَى الْمُزَارَعَةِ لِتَحْصِيلِ التَّبَعِيَّةِ، وَأَنْ تَفَاوَتَ الْجُزْءَانِ الْمَشْرُوطَانِ مِنْ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَخَرَجَ بِالْمُزَارَعَةِ الْمُخَابَرَةُ فَلَا تَصِحُّ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ لِعَدَمِ وُرُودِهَا كَذَلِكَ (وَإِذَا) أَفْرَدَتْ الْمُزَارَعَةَ أَوْ الْمُخَابَرَةَ بِأَنْ (دَفَعَ) مُطْلِقٌ التَّصَرُّفَ (إلَى رَجُلٍ أَرْضًا) أَيْ مَكَّنَهُ مِنْهَا (لِيَزْرَعَهَا) وَكَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْمَالِكِ (وَشَرَطَ لَهُ) أَيْ لِلْعَامِلِ (جُزْءًا) كَثِيرًا كَانَ أَوْ قَلِيلًا (مَعْلُومًا) كَالثُّلُثِ (مِنْ زَرْعِهَا) وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُزَارَعَةِ أَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ وَشَرَطَ لَلْمَالِك كَمَا مَرَّ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُخَابَرَةِ (لَمْ يَجُزْ) فِي الصُّورَتَيْنِ لِلنَّهْيِ عَنْ الْأُولَى فِي مُسْلِمٍ وَعَنْ الثَّانِيَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَالْمَعْنَى فِي الْمَنْعِ فِيهِمَا أَنَّ تَحْصِيلَ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ مُمْكِنَةٌ بِالْإِجَارَةِ فَلَمْ يَجُزْ الْعَمَلُ فِيهَا بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا كَالْمَوَاشِي بِخِلَافِ الشَّجَرِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَيْهِ، فَجُوِّزَتْ الْمُسَاقَاةُ لِلْحَاجَةِ وَالْمُغَلُّ فِي الْمُخَابَرَةِ لِلْعَامِلِ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ يَتْبَعُ الْبَذْرَ وَعَلَيْهِ لِلْمَالِكِ أُجْرَةُ مِثْلِ الْأَرْضِ، وَفِي الْمُزَارَعَةِ لِلْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ وَعَمَلِ دَوَابِّهِ وَعَمَلِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ آلَاتِهِ، سَوَاءٌ أَحَصَلَ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ أَمْ لَا أَخْذًا مِنْ نَظِيرِهِ فِي الْقِرَاضِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِبُطْلَانِ مَنْفَعَتِهِ إلَّا لِيَحْصُلَ لَهُ بَعْضُ الزَّرْعِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ وَانْصَرَفَ كُلُّ الْمَنْفَعَةِ لِلْمَالِكِ اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ.
وَطَرِيقُ جَعْلِ الْغَلَّةِ لَهُمَا فِي صُورَةِ إفْرَادِ الْأَرْضِ بِالْمُزَارَعَةِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْمَالِكُ الْعَامِلَ بِنِصْفِ الْبَذْرِ شَائِعًا لِيَزْرَعَ لَهُ
[حاشية البجيرمي]
عَلَى كَذَا ق ل؛ لِأَنَّ عَامَلْتُك يَشْمَلُ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ، وَقَوْلُهُ كَذَلِكَ أَيْ تَابِعَةٌ.
قَوْلُهُ: (أَيْ مَكَّنَهُ مِنْهَا) تَفْسِيرٌ لِدَفْعٍ دَفَعَ بِهِ مَا يُقَالُ إنَّ الْأَرْضَ غَيْرُ مَنْقُولَةٍ فَلَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجُزْ) أَيْ يَحْرُمُ وَلَا يَصِحُّ ق ل.
قَوْلُهُ: (فِي الصُّورَتَيْنِ) أَمَّا فِي الْمُخَابَرَةِ فَوِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَيَضْمَنُ الْعَامِلُ أُجْرَةَ الْأَرْضِ إذَا أَخَّرَ حَتَّى فَاتَ الزَّرْعُ، وَأَمَّا فِي الْمُزَارَعَةِ فَمُخَالِفٌ الْإِمَامَ أَحْمَدَ وَلَا يَضْمَنُ الْعَامِلُ فِيهَا أُجْرَةَ الْأَرْضِ إذَا أَخَّرَ حَتَّى فَاتَ الزَّرْعُ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، إذَا وَقَعَ ذَلِكَ مَعَ صِحَّةِ الْعَقْدِ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ الْحِفْظَ.
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (مُمْكِنَةٌ) الْمُنَاسِبُ مُمْكِنٌ.
وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ " تَحْصِيلَ " اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَالْمَوَاشِي) وَسَيَأْتِي تَصْوِيرُهُ فِي كَلَامٍ فِي التَّتِمَّةِ الْآتِيَةِ، وَهُوَ مَا لَوْ أَعْطَاهَا لَهُ لِيَتَعَهَّدَهَا أَوْ يَعْمَلَ عَلَيْهَا وَالْفَوَائِدُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ بَاطِلٌ.
فَرْعٌ: مَوْتُ الْعَامِلِ وَهَرَبُهُ فِي الْمُزَارَعَةِ كَالْمُسَاقَاةِ، وَكَذَا كُلُّ مَنْ الْتَزَمَ عَمَلًا بِذِمَّتِهِ وَمَاتَ قَبْلَ إتْمَامِهِ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الشَّجَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا تَصِحُّ إجَارَتُهُ، وَأَمَّا اسْتِئْجَارُ شَخْصٍ لِخِدْمَتِهِ فَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ إجَارَةِ الشَّجَرِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (نَمَاءُ) هُوَ بِالْمَدِّ الزِّيَادَةُ، أَمَّا بِلَا مَدٍّ فَاسْمٌ لِصِغَارِ النَّمْلِ سم.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ إلَخْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ مَجَّانًا، سم.
قَوْلُهُ: (فِي الْقِرَاضِ) أَيْ الْفَاسِدِ فَإِنَّ الْمَالِكَ يَلْزَمُهُ فِيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْعَامِلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رِبْحٌ، وَإِلَّا فَالْقِرَاضُ الصَّحِيحُ إذَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ رِبْحٌ لَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ.
قَوْلُهُ: (بِبُطْلَانِ مَنْفَعَتِهِ) أَيْ إتْلَافِهَا.
قَوْلُهُ: (وَطَرِيقُ جَعْلِ الْغَلَّةِ لَهُمَا إلَخْ) وَمَنْ زَارَعَ عَلَى أَرْضٍ بِجُزْءٍ مِنْ الْغَلَّةِ فَعَطِلَ بَعْضُهَا لَزِمَهُ أُجْرَتُهُ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الْمُصَنِّفُ، لَكِنْ غَلَّطَهُ التَّاجُ الْفَزَارِيّ وَهُوَ الْأَوْجُهُ، وَلَوْ تَرَكَ الْفَلَاحُ السَّقْيَ مَعَ صِحَّةِ الْمُعَامَلَةِ حَتَّى فَسَدَ الزَّرْعُ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ، وَعَلَيْهِ حِفْظُهُ شَرْحِ م ر. وَكَتَبَ ع ش عَلَى قَوْلِهِ: " وَهُوَ الْأَوْجُهُ "، وَخَرَجَ بِالْمُزَارَعَةِ الْمُخَابَرَةُ فَتُضْمَنُ وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ، قَالَ سم: كَأَنَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْمُخَابِرَ فِي مَعْنَى مُسْتَأْجِرِ الْأَرْضِ فَيَلْزَمُهُ أُجْرَتُهَا وَإِنْ عَطَّلَهَا بِخِلَافِ الْمُزَارِعِ فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَجِيرِ عَلَى عَمَلٍ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إذَا عَطَّلَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ مَنْفَعَتَهَا وَلَا بَاشَرَ إتْلَافَهَا فَلَا وَجْهَ لِلُّزُومِ.
وَقَوْلُهُ: " مَعَ صِحَّةِ الْمُعَامَلَةِ " أَيْ بِخِلَافِهِ مَعَ فَسَادِهَا، إذْ لَا يَلْزَمُهُ عَمَلٌ وَقَدْ بَذَرَ الْبَذْرَ بِالْإِذْنِ.
اهـ. رَشِيدِيٌّ.
وَقَالَ الْحِفْنِيُّ: قَوْلُهُ: " وَطَرِيقُ جَعْلِ الْغَلَّةِ لَهُمَا إلَخْ " الْفَرْقُ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ أَنَّ الْأُجْرَةَ فِي الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ عَيْنٌ وَفِي الثَّانِيَةِ عَيْنٌ وَمَنْفَعَةٌ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْمَالِكُ الْعَامِلَ) أَيْ وَدَوَابَّهُ وَآلَاتِهِ فَيَكُونُ نِصْفُ الْبَذْرِ وَنِصْفُ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ مَعًا أُجْرَةً لِنِصْفِ عَمَلِ الْعَامِلِ وَآلَاتِهِ وَدَوَابِّهِ جَمِيعًا، وَيَجُوزُ كَوْنُ الْأُجْرَةِ نِصْفَ الْبَذْرِ وَحْدَهُ وَيُعِيرُهُ الْمَالِكُ نِصْفَ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ، وَيَجُوزُ كَوْنُ الْأُجْرَةِ نِصْفَ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَيُقْرِضُهُ الْمَالِكُ أَوْ يَهَبُهُ نِصْفَ الْبَذْرِ، وَيَجُوزُ كَوْنُ نِصْفِ الْبَذْرِ وَنِصْفِ
النِّصْفَ الْآخَرَ فِي الْأَرْضِ، وَيُعِيرَهُ نِصْفَ الْأَرْضِ شَائِعًا أَوْ يَسْتَأْجِرَ الْعَامِلَ بِنِصْفِ الْبَذْرِ شَائِعًا وَنِصْفِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ كَذَلِكَ لِيَزْرَعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ مِنْ الْبَذْرِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ مِنْ الْأَرْضِ، فَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي الزَّرْعِ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ وَلَا أُجْرَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ يَسْتَحِقُّ مِنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ مِنْ الزَّرْعِ، وَلِلْمَالِكِ مِنْ مَنْفَعَتِهِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ مِنْ الزَّرْعِ، وَطَرِيقُ جَعْلِ الْغَلَّةِ لَهُمَا فِي الْمُخَابَرَةِ وَلَا أُجْرَةَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْعَامِلُ نِصْفَ الْأَرْضِ بِنِصْفِ الْبَذْرِ وَنِصْفِ عَمَلِهِ وَمَنَافِعِ دَوَابِّهِ وَآلَاتِهِ، أَوْ بِنِصْفِ الْبَذْرِ وَيَتَبَرَّعَ بِالْعَمَلِ وَالْمَنَافِعِ.
وَلَا بُدَّ فِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ مِنْ رِعَايَةِ الرُّؤْيَةِ وَتَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ شُرُوطِ الْإِجَارَةِ.
(وَإِنْ أَكْرَاهُ إيَّاهَا) أَيْ الْأَرْضَ لِلزِّرَاعَةِ (بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) أَوْ بِهِمَا مَعًا أَوْ بِعُرُوضٍ كَالْفُلُوسِ وَالثِّيَابِ (أَوْ شَرَطَ لَهُ طَعَامًا مَعْلُومًا فِي ذِمَّتِهِ) قَدْرُهُ وَجِنْسُهُ وَنَوْعُهُ وَصِفَتُهُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ الْمُكْتَرِي (جَازَ) ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ بَلْ نَقَلَ بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ.
[حاشية البجيرمي]
مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ مَعًا أَوْ أَحَدَهُمَا أُجْرَةً لِعَمَلِ الْعَامِلِ وَحْدَهُ وَيُعِيرُ لِلْمَالِكِ نِصْفَ مَنْفَعَةِ نَفْسِهِ أَوْ عَكْسُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ ق ل. قَوْلُهُ: (مِنْ رِعَايَةِ الرُّؤْيَةِ) أَيْ رُؤْيَةِ الْأُجْرَةِ وَالْمُؤَجِّرُ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ شَرَطَ " أَيْ الْمُكْرِي، وَقَوْلُهُ: " لَهُ " أَيْ لِمُكْرِي، وَقَوْلُهُ: " فِي ذِمَّتِهِ " أَيْ الْمُكْتَرِي.
وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَوْ بِطَعَامٍ مَعْلُومٍ إلَخْ، بَدَلَ قَوْلِهِ: وَشَرَطَ إلَخْ، وَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: بِذَهَبٍ.
فَائِدَةٌ: كُلُّ مَنْ زَرَعَ أَرْضًا بِبَذْرِهِ فَالزَّرْعُ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَلَّاحًا يَزْرَعُ بِالْمُقَاسَمَةِ عَلَى مَا عَلَيْهِ عَمَلُ الشَّامِ، وَأَنَا أَرَاهُ وَأَرَى وَجْهَهُ مِنْ جِهَةِ الْفِقْهِ أَنَّ الْفَلَّاحَ كَأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ الْبَذْرِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِالشَّرْطِ الْمَعْلُومِ بَيْنَهُمَا فَثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا عُرِفَ هَذَا وَتَعَدَّى شَخْصٌ عَلَى أَرْضٍ وَغَصَبَهَا وَهِيَ فِي يَدِ الْفَلَّاحِ فَزَرَعَهَا عَلَى الْعَادَةِ لَا تَقُولُ الزَّرْعُ لِلْغَاصِبِ بَلْ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَى يَدِ الْمُقَاسَمَةِ؛ وَهَذِهِ فَائِدَةٌ تَنْفَعُك فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ اهـ مِنْ فَتَاوَى السُّبْكِيّ، وَمِنْهَا نُقِلَتْ.
وَهُوَ غَرِيبٌ، أَيْ مَا قَالَهُ السُّبْكِيُّ، إذَا فِيهِ دُخُولُ الْبَذْرِ فِي مِلْكِ صَاحِبِ الْأَرْضِ بِمُجَرَّدِ قَصْدِ الْفَلَّاحِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ فَلْيُحَرَّرْ.
ثُمَّ رَأَيْتُ فِي كِتَابِ: " الْبَرَكَةُ فِي فَضْلِ السَّعْيِ وَالْحَرَكَةِ وَمَا يُنْجِي بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْهَلَكَةِ " لِلْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَصَّابِيِّ مَا نَصُّهُ: وَعِنْدَ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْمُزَارَعَةَ وَهِيَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا لَا تَجُوزُ إلَّا عَلَى بَيَاضٍ يَتَخَلَّلُ النَّخْلَ وَالْعِنَبَ تَبَعًا لَهُمَا، وَلَا تَجُوزُ عَلَى أَرْضٍ لَا نَخِيلَ فِيهَا وَلَا عِنَبَ سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْمَالِكِ أَوْ الْعَامِلِ؛ لِمَا رَوَى ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْمُزَارَعَةِ» وَقَالَ: أَحْمَدُ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ جَازَ وَتِلْكَ الْمُزَارَعَةُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعَامِلِ لَمْ يَجُزْ وَهِيَ الْمُخَابَرَةُ، وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى جَوَازِهَا مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْمَالِكِ أَوْ الْعَامِلِ.
وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ: زَارَعْتُكَ عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى أَنَّ لَك نِصْفَ زَرْعِهَا أَوْ ثُلُثَهُ؛ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ» . قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَزَارَعَ عَلِيٌّ وَسَعْدٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ وَآلُ أَبِي بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَامَلَ عُمَرُ عَلَى أَنَّهُ إذَا جَاءَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَلِكَ، قَالَ النَّوَوِيُّ: تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ وَالْمُخَابَرَةُ، وَصَنَّفَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِيهَا جُزْءًا وَبَيَّنَ عِلَلَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِالنَّهْيِ وَجَمَعَ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْبَابِ، ثُمَّ تَابَعَهُ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ: ضَعَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثَ النَّهْيِ وَقَالَ: هُوَ مُضْطَرِبٌ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَأَبْطَلَهَا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ وَهِيَ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُخَابَرَةِ، وَتَأْوِيلُ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّهُ إذَا شَرَطَ لِوَاحِدٍ مِنْهَا زَرْعَ قِطْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَلِآخَرَ أُخْرَى قُلْت بِصِحَّتِهَا؛ وَالْقَوْلُ بِجَوَازِهَا حَسَنٌ يَنْبَغِي
تَتِمَّةٌ: لَوْ أَعْطَى شَخْصٌ آخَرَ دَابَّةً لِيَعْمَلَ عَلَيْهَا، أَوْ يَتَعَهَّدَهَا وَفَوَائِدُهَا بَيْنَهُمَا لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى يُمْكِنُهُ إيجَارُ الدَّابَّةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إيرَادِ عَقْدٍ عَلَيْهَا فِيهِ غَرَرٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْفَوَائِدُ لَا تَحْصُلُ بِعَمَلِهِ.
وَلَوْ أَعْطَاهَا لَهُ لِيَعْلِفَهَا مِنْ عِنْدِهِ بِنِصْفِ دَرِّهَا فَفَعَلَ ضَمِنَ لَهُ الْمَالِكُ الْعَلَفَ، وَضَمِنَ الْآخَرُ لِلْمَالِكِ نِصْفَ الدَّرِّ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمَشْرُوطُ لَهُ لِحُصُولِهِ بِحُكْمِ بَيْعٍ فَاسِدٍ، وَلَا يَضْمَنُ الدَّابَّةَ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُقَابَلَةٍ بَعُوضٍ.
وَإِنْ قَالَ: لِتَعْلِفْهَا بِنِصْفِهَا فَفَعَلَ فَالنِّصْفُ الْمَشْرُوطُ مَضْمُونٌ عَلَى الْعَالِفِ لِحُصُولِهِ بِحُكْمِ الشِّرَاءِ الْفَاسِدِ دُونَ النِّصْفِ الْآخَرِ.
فَصْلٌ: فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْوَاوِ الْأَرْضُ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا وَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا أَحَدٌ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ هُوَ الَّذِي لَمْ
[حاشية البجيرمي]
الْمَصِيرُ إلَيْهِ لِصِحَّةِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ وَلِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ لِذَلِكَ اهـ كَلَامُهُ.
وَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى بِهِ الْآنَ مُرَاعَاةً لِأَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ اهـ لِكَاتِبِهِ عَمَّهُ اللَّهُ بِالْغُفْرَانِ.
قَوْلُهُ: (لَوْ أَعْطَى شَخْصٌ إلَخْ) هَذِهِ تَقَدَّمَتْ بِعَيْنِهَا فِي الْمُسَاقَاةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ أَعَادَهَا تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهَا أج.
قَوْلُهُ: (لِيَعْمَلَ عَلَيْهَا) أَيْ وَأُجْرَةُ الْعَمَلِ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَفَوَائِدُهَا) أَيْ مَا يَحْصُلُ مِنْهَا مِنْ أُجْرَةٍ وَنَحْوِهَا ق ل.
قَوْلُهُ: (لَا تَحْصُلُ بِعَمَلِهِ) وَهُوَ التَّعَهُّدُ.
قَوْلُهُ: (نِصْفَ الدَّرِّ) أَيْ بَدَلَهُ.
قَوْلُهُ: (لِحُصُولِهِ) أَيْ الدَّرِّ أَوْ الْمَذْكُورِ مِنْ الدَّرِّ وَالْعَلَفِ، وَهُوَ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ أَظْهَرُ فِي الْأَوَّلِ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَضْمَنُ الدَّابَّةَ) أَيْ فَهِيَ أَمَانَةٌ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهَا لِأَجْلِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَهِيَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ اهـ م د. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا غَيْرُ مُقَابَلَةٍ بِعِوَضٍ) هَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَهَا مُعَارَةً مَعَهُ لِأَخْذِ اللَّبَنِ الَّذِي هُوَ لَهُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ مِنْهَا فَتَكُونُ مَضْمُونَةً فَرَاجِعْ وَتَأَمَّلْ ق ل؛ لَكِنْ نَحْنُ مَعَ الشَّارِحِ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ فَاسِدَ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ.
قَوْلُهُ: (فَالنِّصْفُ الْمَشْرُوطُ مَضْمُونٌ) وَيَضْمَنُ لَهُ الْمَالِكُ جَمِيعَ الْعَلَفِ بِمِثْلِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ.
قَوْلُهُ: (دُونَ النِّصْفِ الْآخَرِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ حُكْمُ الْأَمَانَةِ فِي يَدِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَسْتَعْمِلُ الدَّابَّةَ ق ل. فَرْعٌ: لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ: سَمِّنْ هَذِهِ الشَّاةَ وَلَك نِصْفُهَا أَوْ هَاتَيْنِ عَلَى أَنَّ لَك إحْدَاهُمَا، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ وَاسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِلنِّصْفِ الَّذِي سَمَّنَهُ لِلْمَالِكِ.
وَهَذِهِ الْحَالَةُ مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي الْفَرَارِيجِ بِدَفْعِ كَاشِفِ الْبَرِيَّةِ أَوْ مُلْتَزِمِ الْبَلَدِ لِبَعْضِ أَهْلِ الْبُيُوتِ الْمِائَةَ أَوْ الْأَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ، وَيَقُولُ لَهُمْ: رَبُّوهَا وَلَكُمْ نِصْفُهَا؛ فَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ وَمَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ يَفْعَلُ هَكَذَا؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا عَظِيمًا عَلَى النَّاسِ اهـ خَطِيبٌ عَلَى الْمِنْهَاجِ.
اهـ. .
[فَصْلٌ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ]
أَيْ عِمَارَةِ الْأَرْضِ الْخَرِبَةِ، فَشَبَّهَ الْعِمَارَةَ بِالْإِحْيَاءِ وَأَطْلَقَهُ عَلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَالْجَامِعُ الِانْتِفَاعُ فِي كُلٍّ مِنْ الْإِحْيَاءِ وَالْعِمَارَةِ أَوْ شَبَّهَ الْأَرْضَ الْخَرِبَةَ بِالْمَيِّتِ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا فِي النَّفْسِ.
وَإِثْبَاتُ الْإِحْيَاءِ تَخَيُّلٌ، وَالْجَامِعُ عَدَمُ النَّفْعِ فِي كُلٍّ، قَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَرْضُ مِلْكٌ لِلَّهِ ثُمَّ مَلَّكَهَا لِلشَّارِعِ ثُمَّ رَدَّهَا الشَّارِعُ عَلَى أُمَّتِهِ الْمُسْلِمِينَ.
وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَقِبَ الْمُزَارَعَةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَعَلِّقٌ بِالْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (لَا مَالَك لَهَا) يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ لَا مَالِكَ لَهَا مَعْلُومٌ، فَيَكُونُ مِنْ الْمَوَاتِ مَا ظَهَرَ فِيهِ أَثَرُ مِلْكٍ كَغَرْسِ شَجَرٍ وَأَسَاسِ جُدْرَانٍ وَنَحْوِ أَوْتَادٍ، فَيَكُونُ أَعَمَّ مِنْ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ وَإِنْ أَرَادَ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالِكٌ أَصْلًا لَمْ يَكُنْ مَا ذَكَرَ مِنْ الْمَوَاتِ، أَيْ فَلَا يَشْمَلُ الْعَامِرَ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ مَالِكُهُ، وَيُسَاوِي كَلَامَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَالْمُرَادُ: لَمْ يَعْمُرْ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا عِبْرَةَ بِعِمَارَتِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا يَأْتِي ق ل. وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي تَعْرِيفِ الْمَوَاتِ أَرْبَعُ عِبَارَاتٍ: عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ وَعِبَارَةُ الْمَاوَرْدِيُّ وَعِبَارَةُ ابْنِ الرِّفْعَةِ وَعِبَارَةُ الزَّرْكَشِيّ، وَهِيَ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى أَوْ بَيْنَ بَعْضِهَا الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ أَوْ التَّرَادُفُ
يَكُنْ غَامِرًا وَلَا حَرِيمًا لِعَامِرٍ قَرُبَ مِنْ الْعَامِرِ أَوْ بَعُدَ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ أَخْبَارٌ كَخَبَرِ: «مَنْ عَمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
(وَإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ جَائِزٌ) بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُهَذَّبِ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ لِحَدِيثِ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ وَمَا أَكَلَتْ الْعَوَافِي» أَيْ طُلَّابُ الرِّزْقِ: " مِنْهَا فَهُوَ صَدَقَةٌ " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَهُوَ قِسْمَانِ: أَصْلِيٌّ وَهُوَ مَا لَمْ يُعْمَرْ قَطُّ، وَطَارِئٌ وَهُوَ مَا خَرِبَ بَعْدَ عِمَارَتِهِ.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ: بِقَاعُ الْأَرْضِ إمَّا مَمْلُوكَةٌ أَوْ مَحْبُوسَةٌ عَلَى الْحُقُوقِ الْعَامَّةِ أَوْ الْخَاصَّةِ، وَإِمَّا مُنْفَكَّةٌ عَنْ الْحُقُوقِ الْعَامَّةِ أَوْ الْخَاصَّةِ وَهِيَ الْمَوَاتُ.
وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْمُحَيِّي مَا أَحْيَاهُ (بِشَرْطَيْنِ) الْأَوَّلُ: (أَنْ يَكُونَ الْمُحَيِّي مُسْلِمًا) وَلَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ
[حاشية البجيرمي]
اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا أَحَدٌ) خَرَجَ الشَّوَارِعُ وَالْمَقَابِرُ وَحَرِيمُ الْعَامِرِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ عَمَرَ) بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ مِنْ الْعِمَارَةِ، أَمَّا عَمَّرَ بِالتَّشْدِيدِ فَمِنْ التَّعْمِيرِ بِالسِّنِّ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 18] وَمِنْ الثَّانِي قَوْلُهُ: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: 96] ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ [فاطر: 37] الْآيَةَ أج وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ تُعْلَمْ الرِّوَايَةُ.
وللدنوشري بَيْتٌ مِنْ الطَّوِيلِ:
وَعَمَّرَ بِالتَّشْدِيدِ فِي السِّنِّ قَدْ أَتَى ... كَمَا أَنَّ فِي الْبُنْيَانِ تَخْفِيفُهُ وَجَبْ
قَوْلُهُ: (فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا) أَيْ مُسْتَحِقٌّ لَهَا يَمْلِكُهَا كَمَا فِي رِوَايَةِ: " فَهِيَ لَهُ " ق ل، فَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ) أَيْ عِمَارَةُ الْأَرْضِ الْخَرِبَةِ وَإِنَّمَا أَوَّلْنَاهُ بِذَلِكَ لِيَكُونَ لِلشَّرْطِ الثَّانِي فَائِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ.
قَوْلُهُ: (فِيهَا أَجْرٌ) أَيْ فِي إحْيَائِهَا أَيْ بِسَبَبِ إحْيَائِهَا، فَ " فِي " سَبَبِيَّةٌ كَمَا فِي: «دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ» الْحَدِيثَ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: " أَجْرٌ " وَمِنْ قَوْلِهِ " صَدَقَةٌ " عَدَمُ جَوَازِ إحْيَاءِ الْكَافِرِ لِعَدَمِ أَجْرِهِ وَثَوَابِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُثَابُ عَلَى صَدَقَتِهِ وَعِتْقِهِ مِنْ كُلِّ مَا لَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَعُهُ فِي الدُّنْيَا بِالْجَاهِ وَالْمَالِ وَالْأَوْلَادِ وَفِي الْآخِرَةِ يُخَفَّفُ عَنْهُ مِنْ عَذَابِ غَيْرِ الْكُفْرِ، وَمِنْ ثَمَّ جَازَ إحْيَاؤُهُ فِي دَرَاهِمِ.
قَوْلُهُ: (الْعَوَافِي) جَمْعُ عَافِيَةٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْهَا) أَيْ مِنْ زَرْعِهَا، فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَوْ أَنَّ مِنْ لِلتَّعْلِيلِ وَالتَّبْعِيضِ مَعًا أَيْ مِنْ أَجَلِهَا وَمِمَّا يَنْبُتُ مِنْهَا فَيَشْمَلُ أَكْلَ الْعُمْلَةِ كَمَا قَالَهُ أج؛ لِأَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ الْأُجْرَةَ مِنْ أَجَلِهَا.
وَيُنَافِيهِ قَوْلُهُ بَعْدُ: «فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ» ؛ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تَكُونُ صَدَقَةً فَالتَّبْعِيضُ أَوْلَى.
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» وَلِهَذَا لَمْ يَحْتَجْ فِي الْمِلْكِ هُنَا إلَى لَفْظٍ؛ لِأَنَّهُ إعْطَاءٌ عَامٌّ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقَطَعَهُ أَرْضَ الدُّنْيَا كَأَرْضِ الْجَنَّةِ لِيَقْطَعَ مِنْهُمَا مَا شَاءَ لِمَنْ شَاءَ، وَمِنْ ثَمَّ أَفْتَى السُّبْكِيُّ بِكُفْرِ مُعَارِضِ أَوْلَادِ تَمِيمٍ فِيمَا أَقَطَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ بِأَرْضِ الشَّامِ.
اهـ. حَجّ.
وَنُوزِعَ السُّبْكِيُّ فِيمَا أَفْتَى بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْآحَادِ وَلَا نُكَفِّرُ بِخَبَرِ الْآحَادِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا اُشْتُهِرَ عَنْ الصَّحَابَةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ قِسْمَانِ) هَذَا إنَّمَا يَجْرِي عَلَى طَرِيقَةِ الرَّافِعِيِّ الشَّامِلَةِ لِمَا لَمْ يَعْمُرْ قَطُّ أَوْ عَمُرَ ثُمَّ خَرِبَ، بِخِلَافِهِ عَلَى كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ فَإِنَّ الثَّانِيَ مِنْ الْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ إلَّا أَنْ يُصَوَّرَ بِمَا عَمُرَ جَاهِلِيَّةً فَقَطْ ثُمَّ خَرِبَ.
قَوْلُهُ: (بِقَاعُ الْأَرْضِ) بِكَسْرِ الْبَاءِ جَمْعُ بُقْعَةٍ مِثْلُ كَلْبَةٍ وَكِلَابٍ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ الْأَرْضِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
قَوْلُهُ: (الْعَامَّةِ) كَالْمَسَاجِدِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ وَالْخَاصَّةِ، كَأَنْ وَقَفَ رِبَاطًا عَلَى طَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ) أَيْ الْمُنْفَكَّةُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يَمْلِكُ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الشَّرْطَيْنِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِلْجَوَازِ، فَجَعْلُهُمَا لِلْمِلْكِ خُرُوجٌ عَنْ مَوْضُوعِهِ فَتَأَمَّلْ ق ل، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الشَّارِحِ صَحِيحًا أَيْضًا؛؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالشَّرْطَيْنِ أَيْضًا.
وَلَعَلَّ الْحَامِلَ لِلشَّارِحِ عَلَى مَا صَنَعَهُ صِحَّةُ الشَّرْطِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ جَعْلُهُ شَرْطًا لِلْإِحْيَاءِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْأَرْضِ حُرَّةً هُوَ عَيْنُ الْمَوَاتِ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِهِ.
قَوْلُهُ:
بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ بِحَرَمٍ، أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ أَمْ لَا بِخِلَافِ الْكَافِرِ وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ كَالِاسْتِعْلَاءِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ بِدَارِنَا.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ عَنْ الْجُورِيِّ بِضَمِّ الْجِيمِ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ مَوَاتَ الْأَرْضِ كَانَ مِلْكًا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى أُمَّتِهِ.
وَلِلذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ الِاحْتِطَابُ وَالِاحْتِشَاشُ وَالِاصْطِيَادُ بِدَارِنَا، وَلَا يَجُوزُ إحْيَاءٌ فِي عَرَفَةَ وَلَا الْمُزْدَلِفَةِ وَلَا مِنًى لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْوُقُوفِ بِالْأَوَّلِ وَالْمَبِيتِ بِالْآخَرَيْنِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَيَنْبَغِي إلْحَاقُ الْمُحَصَّبِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُسَنُّ لِلْحَجِيجِ الْمَبِيتُ بِهِ اهـ. لَكِنْ قَالَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ: لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، فَمَنْ أَحْيَا شَيْئًا مِنْهُ مَلَكَهُ انْتَهَى، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ: أَمَّا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ بِبِلَادِهِمْ فَلَهُمْ إحْيَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِهِمْ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْنَا فِيهِ، وَكَذَا لِلْمُسْلِمِ إحْيَاؤُهَا إنْ لَمْ يَذُبُّونَا عَنْهَا بِخِلَافِ مَا يَذُبُّونَا عَنْهَا وَقَدْ صُولِحُوا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ
(وَ) الشَّرْطُ الثَّانِي (أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ) الَّتِي يُرَادُ مِلْكُهَا بِالْإِحْيَاءِ (حُرَّةً) وَهِيَ الَّتِي (لَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا مِلْكٌ لِمُسْلِمٍ) وَلَا لِغَيْرِهِ.
فَإِنْ جَرَى عَلَيْهِ مِلْكٌ وَإِنْ كَانَ خَرَابًا فَهُوَ لِمَالِكِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، فَإِنْ جُهِلَ مَالِكُهُ وَالْعِمَارَةُ إسْلَامِيَّةٌ فَمَالٌ
[حاشية البجيرمي]
وَلَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ) أَيْ وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ فِيمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَصْدٍ كَإِحْيَاءِ الْمَسْكَنِ وَالزَّرِيبَةِ، بِخِلَافِ حَفْرِ الْبِئْرِ فِي الْمَوَاتِ إذَا حَفَرَ بِهَا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ فَلَا يَمْلِكُهَا؛ لِأَنَّ مِلْكَهَا يَحْتَاجُ إلَى قَصْدِ الْمِلْكِ وَقَصْدُهُ لَاغٍ.
نَعَمْ تُحْمَلُ عَلَى الِارْتِفَاقِ فَيَكُونُ أَوْلَى بِهَا مِنْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ) الْمُرَادُ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ مَا بَنَاهُ الْمُسْلِمُونَ كَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ، أَوْ أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ كَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ، أَوْ فُتِحَ عَنْوَةٍ كَخَيْبَرِ وَمِصْرَ وَسَوَادِ الْعِرَاقِ، أَوْ صُلْحًا.
وَالْأَرْضُ لَنَا وَهُمْ يَدْفَعُونَ الْخَرَاجَ، وَفِي هَذِهِ عِمَارَتُهَا فَيْءٌ وَمَوَاتُهَا مُتَحَجِّرٌ لِأَهْلِ الْفَيْءِ، وَحِفْظُهُ عَلَى الْإِمَامِ وَإِنْ صَالَحْنَاهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ فَمَوَاتُهَا مُتَحَجِّرٌ لَهُمْ، وَمَعْمُورُهَا مِلْكٌ لَهُمْ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَرْضَ إمَّا بِدَارِ كُفْرٍ لَا أَمَانَ لِأَهْلِهَا أَوْ بِدَارِ كُفْرٍ لَهُمْ أَمَانٌ، وَعَلَى كُلٍّ فَإِمَّا إنْ تَكُونَ عَامِرَةً أَوْ خَرَابًا فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، أَوْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ عَامِرَةٌ عِمَارَةً جَاهِلِيَّةٍ أَوْ عِمَارَةً إسْلَامِيَّةٍ أَوْ عِمَارَةً مَشْكُوكًا فِيهَا أَوْ خَرَابًا، فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا فَالْجُمْلَةُ ثَمَانِيَةٌ، وَلَا تَخْفَى أَحْكَامُهَا؛.
اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِحَرَمٍ) تَعْمِيمٌ ثَانٍ أَيْ مَا لَمْ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (كَالِاسْتِعْلَاءِ) فِي نُسْخَةٍ كَالِاسْتِيلَاءِ وَهِيَ غَيْرُ طَاهِرَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهَا تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْإِحْيَاءَ نَفْسُ الِاسْتِيلَاءِ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَا ذُكِرَ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ اسْتِيلَاءٌ إلَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وَأَمَّا بِإِذْنِهِ فَلَا بَلْ هُوَ كَالِاسْتِيلَاءِ، فَكَلَامُ الشَّارِحِ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ: (عَلَى أُمَّتِهِ) أَيْ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ لِيُلَائِمَ مَا قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ رُجُوعُهُ لِأُمَّةِ الدَّعْوَى فَيَشْمَلُ إحْيَاءَ الْكَافِرِ فِي بِلَادِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَلِلذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ الِاحْتِطَابُ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخْلَفُ وَلَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ.
وَخَرَجَ الْحَرْبِيُّ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إلَّا أَنَّهُ إذَا أَخَذَهُ مَلَكَهُ.
قَوْلُهُ: (لِلْحَجِيجِ) جَمْعُ حَاجٍّ، وَقَوْلُهُ: لَيْسَ ذَلِكَ أَيْ الْمَبِيتَ.
قَوْلُهُ: (بِبِلَادِهِمْ) وَهِيَ مَا فُتِحَتْ صُلْحًا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ فَعَامِرُهَا مَمْلُوكٌ لَهُمْ وَمَوَاتُهَا مُتَحَجِّرٌ لَهُمْ.
قَوْلُهُ: (مَا يَذُبُّونَا) بِحَذْفِ النُّونِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لِلتَّخْفِيفِ وَهُوَ بِكَسْرِ الذَّالِ وَضَمِّهَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا) أَيْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ جَرَى عَلَيْهَا مِلْكٌ لِمُسْلِمٍ أج.
قَوْلُهُ: (وَلَا لِغَيْرِهِ) إلَّا جَاهِلِيًّا لَمْ يُعْرَفْ سم، وَيُعْرَفُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ حَيْثُ قَالَ: " وَالْعِمَارَةُ جَاهِلِيَّةٌ إلَخْ " فَفِي مَفْهُومِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مِلْكٌ لِمُسْلِمٍ تَفْصِيلٌ فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا جَرَى عَلَيْهَا مِلْكُ مُسْلِمٍ إنْ عُرِفَ فَهِيَ لَهُ وَإِلَّا فَمَالٌ ضَائِعٌ، وَإِنْ جَرَى عَلَيْهَا مِلْكُ كَافِرٍ فَإِنْ عُرِفَ فَهِيَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ فَإِنْ كَانَ جَاهِلِيًّا مَلَكَ بِالْإِحْيَاءِ وَإِلَّا فَمَالٌ ضَائِعٌ؛ فَالْأَقْسَامُ خَمْسَةٌ اهـ م د.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ جَرَى عَلَيْهِ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ الْأَرْضِ.
وَفِي نُسْخَةٍ: " عَلَيْهَا " وَالْمُرَادُ عُلِمَ وَتُحُقِّقَ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ لِمَالِكِهِ) أَيْ إنْ عُرِفَ.
فَرْعٌ: لَوْ رَكِبَ الْأَرْضَ مَاءٌ أَوْ رَمْلٌ أَوْ طِينٌ فَهِيَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ مِلْكٍ أَوْ وَقْفٍ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الرَّمَلُ مَثَلًا مَمْلُوكًا فَلِمَالِكِهِ أَخْذُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْحَسِرْ عَنْهَا، وَلَوْ انْحَسَرَ مَاءُ النَّهْرِ عَنْ جَانِبٍ مِنْهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ،
ضَائِعٌ الْأَمْرُ فِيهِ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فِي حِفْظِهِ أَوْ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ أَوْ اقْتِرَاضِهِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ إلَى ظُهُورِ مَالِكِهِ أَوْ جَاهِلِيَّةٍ، فَيُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ كَالرِّكَازِ نَعَمْ إنْ كَانَ بِبِلَادِهِمْ وَذَبُّونَا عَنْهُ وَقَدْ صُولِحُوا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ فَظَاهِرٌ أَنَّا لَا نَمْلِكُهُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ حَرِيمُ عَامِرٍ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِمَالِكِ الْعَامِرِ، وَحَرِيمُ الْعَامِرِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَمَامِ الِانْتِفَاعِ بِالْعَامِرِ، فَالْحَرِيمُ لِقَرْيَةٍ مُحَيَّاةٍ نَادٍ وَهُوَ مُجْتَمَعُ الْقَوْمِ لِلْحَدِيثِ وَمُرْتَكَضِ الْخَيْلِ وَنَحْوِهَا، وَمُنَاخُ إبِلٍ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُنَاخُ فِيهِ،
[حاشية البجيرمي]
وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ إقْطَاعُهُ أَيْ إعْطَاؤُهُ لِأَحَدٍ كَالنَّهْرِ وَحَرِيمِهِ.
وَلَوْ زَرَعَهُ أَحَدٌ لَزِمَهُ أُجْرَتُهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ قَدْرُ حِصَّتِهِ إنْ كَانَتْ لَهُ فِي مَالِ الْمَصَالِحِ.
نَعَمْ لِلْإِمَامِ دَفْعُهُ لِمَنْ يَرْتَفِقُ بِهِ بِمَا لَا يَضُرُّ الْمُسْلِمِينَ، وَمِثْلُهُ مَا يَنْحَسِرُ عَنْهُ الْمَاءُ مِنْ الْجَزَائِرِ فِي الْبَحْرِ وَيَجُوزُ زَرْعُهُ، وَنَحْوُهُ لِمَنْ لَمْ يَقْصِدْ إحْيَاءَهُ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْبِنَاءُ وَلَا الْغِرَاسُ وَلَا مَا يَضُرُّ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا مَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا تَبَعًا لِشَيْخِنَا م ر، وَبَالَغَ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ ذَكَرَ شَيْئًا مِمَّا يُخَالِفُهُ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (أَوْ اقْتِرَاضُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ) بِأَنْ يَجْعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ قَرْضًا عَلَيْهِ فَهُوَ قَرْضٌ حُكْمِيٌّ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " أَوْ اقْتِرَاضُهُ " أَيْ اقْتِرَاضُ ثَمَنِهِ لَا اقْتِرَاضُ الْعَقَارِ إذْ لَا يُقْتَرَضُ.
قَوْلُهُ: (إلَى ظُهُورِ مَالِكِهِ) أَيْ إنْ رُجِيَ وَإِلَّا كَانَ مِلْكًا لِبَيْتِ الْمَالِ فَلَهُ إقْطَاعُهُ رَقَبَةً أَوْ مَنْفَعَةً إنْ لَمْ يَبِعْ، لَكِنْ يَسْتَحِقُّ فِي الْأَخِيرِ الِانْتِقَاعَ بِهِ مُدَّةَ الْإِقْطَاعِ خَاصَّةً.
وَيُؤْخَذُ مِمَّا ذُكِرَ مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى مِنْ أَخْذِ الظَّلَمَةِ الْمُكُوسَ وَجُلُودَ الْبَهَائِمِ وَنَحْوَهَا كَالْأَكَارِعِ الَّتِي تُذْبَحُ وَتُؤْخَذُ قَهْرًا، وَتَعَذَّرَ رَدُّ ذَلِكَ لَهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ لِجَهْلِهِمْ وَهُوَ صَيْرُورَتُهَا لِبَيْتِ الْمَالِ، فَيَحِلُّ بَيْعُهَا وَأَكْلُهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ شَرْحِ م ر مُلَخَّصًا.
قُلْت: هَذَا ظَاهِرٌ فِي غَيْرِ الْجُلُودِ وَالْأَكَارِعِ وَالرُّءُوسِ وَنَحْوِهَا، فَإِنَّ أَصْحَابَهَا مَضْبُوطَةٌ مَعْلُومَةٌ يَعْلَمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَالَهُ، وَبِفَرْضِ عَدَمِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ صَارَ مُشْتَرَكًا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا أَكْلُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَإِنَّهُ بَنَاهُ عَلَى التَّعَذُّرِ وَلَا تَعَذُّرَ.
صَرَّحَ بِذَلِكَ كُلِّهِ سم مُتَعَقِّبًا شَيْخَهُ م ر اهـ أج.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ إنْ كَانَ بِبِلَادِهِمْ إلَخْ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ تَقَدَّمَتْ فَهِيَ مُكَرَّرَةٌ.
قَوْلُهُ: (حَرِيمٌ إلَخْ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَحْرِيمِ التَّصَرُّفِ فِيهِ لِغَيْرِ صَاحِبِ الدَّارِ سم.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ) أَيْ كَالْمَمْلُوكِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ق ل: فِيهِ تَجَوُّزٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الِانْتِفَاعَ بِهِ وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ غَيْرِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ بِمَا لَا يَضُرُّ مَالِكَ الْعَامِرِ.
قَوْلُهُ: (فَالْحَرِيمُ لِقَرْيَةٍ إلَخْ) وَحَرِيمُ النَّهْرِ كَالنِّيلِ مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ لَهُ لِتَمَامِ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَمَا يُحْتَاجُ لَهُ لِإِلْقَاءِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ فِيهِ لَوْ أُرِيدَ حَفْرُهُ أَوْ تَنْظِيفُهُ فَيَمْتَنِعُ الْبِنَاءُ فِيهِ وَلَوْ مَسْجِدًا وَيُهْدَمُ مَا بُنِيَ فِيهِ كَمَا نُقِلَ عَنْ إجْمَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَقَدْ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِذَلِكَ فِي مِصْرِنَا حَتَّى أَلَّفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ وَأَطَالُوا لِيَنْزَجِرَ النَّاسُ فَلَمْ يَنْزَجِرُوا وَلَا يُغَيَّرُ هَذَا الْحُكْمُ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَإِنْ بَعُدَ عَنْ الْمَاءِ بِحَيْثُ لَمْ يَصِرْ مِنْ حَرِيمِهِ لِاحْتِمَالِ عَوْدِهِ إلَيْهِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ حَرِيمًا لَا يَزُولُ وَصْفُهُ بِزَوَالِ مَتْبُوعِهِ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ اهـ شَرْحِ م ر.
وَقَوْلُهُ: " وَلَوْ مَسْجِدًا وَيُهْدَمُ " قَالَ الشَّيْخُ فِي حَاشِيَتِهِ: وَمَعَ وُجُوبِ هَدْمِهِ لَا تَحْرُمُ الصَّلَاةُ فِيهِ؛ لِأَنَّ غَايَةَ أَمْرِهِ أَنَّهَا صَلَاةٌ فِي حَرِيمِ النَّهْرِ وَهِيَ جَائِزَةٌ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْبِنَاءِ، فَمَعَ وُجُودِهِ كَذَلِكَ، أَيْ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ مِنْ وَاضِعِهِ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّ وَقْفَ الْبِنَاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْإِزَالَةَ.
وَبَقِيَ مَا إذَا مَاتَ الْوَاضِعُ هَلْ يُعْتَبَرُ إذْنُ كُلِّ مَنْ آلَ إلَيْهِ إرْثُ ذَلِكَ أَوْ عُلِمَ رِضَاهُ إذْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْمِلْكِ بِالْوَضْعِ الْمَذْكُورِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؟ يَنْبَغِي نَعَمْ كَذَا ظَهَرَ لِي فَلْيُتَأَمَّلْ.
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: وَعَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ الْمَذْكُورِ إمَامٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ خَدَمَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ مِمَّنْ لَهُ وَظِيفَةٌ فِيهِ كَقِرَاءَةٍ يَنْبَغِي اسْتِحْقَاقُهُمْ الْمَعْلُومَ كَمَا فِي الْمَسْجِدِ الْمَوْقُوفِ وَقْفًا صَحِيحًا؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ وَالْإِمَامَةَ وَنَحْوَهُمَا لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى مَسْجِدٍ وَاعْتِقَادُ الْوَاقِفِ صِحَّةَ وَقْفِيَّتِهِ مَسْجِدًا لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ الشَّرْطِ، وَتَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ؛ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْقَصْرِ مُجَاوَزَةُ مَحَلِّهِ فَهُوَ كَسَاحَةٍ بَيْنَ الدُّورِ فَاحْفَظْهُ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ اهـ. وَقَوْلُهُ: " يَنْبَغِي اسْتِحْقَاقُهُمْ الْمَعْلُومَ " لَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ اسْتِحْقَاقِهِمْ لَهُ مِنْ حَيْثُ الشَّرْطُ إذَا كَانَ الْوَاقِفُ يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَةَ مَا جُعِلَ الْمَعْلُومُ مِنْهُ، أَمَّا إذَا كَانَ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِأَنْ جَعَلَ الْمَعْلُومَ مِنْ أَمَاكِنَ بِجَوَانِبِ الْمَسْجِدِ أَوْ أَسْفَلِهِ فِي الْحَرِيمِ أَيْضًا كَمَا هُوَ وَاقِعٌ كَثِيرًا فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا دَخْلَ لِشَرْطِ الْوَاقِفِ فِيهِ لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِ وَقْفِيَّتِهِ، ثُمَّ إنْ كَانَ مَنْ لَهُ الْمَعْلُومُ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ فِي بَيْتِ
وَمَطْرَحُ رَمَادٍ وَسِرْجِينٌ وَنَحْوُهَا كَمَرَاحِ غَنَمٍ وَمَلْعَبِ صِبْيَانٍ.
وَالْحَرِيمُ لِبِئْرِ اسْتِقَاءٍ مُحَيَّاةٍ مَوْضِعُ نَازِحٍ مِنْهَا وَمَوْضِعُ دُولَابٍ إنْ كَانَ الِاسْتِقَاءُ بِهِ، وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَسْتَقِي بِهِ النَّازِحُ وَمَا يَسْتَقِي بِهِ بِالدَّابَّةِ وَنَحْوِهِمَا كَالْمَوْضِعِ الَّذِي يَصُبُّ فِيهِ النَّازِحُ الْمَاءَ، وَمُتَرَدَّدُ الدَّابَّةِ إنْ كَانَ الِاسْتِقَاءُ بِهَا، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَطْرَحُ فِيهِ مَا يَخْرُجُ مِنْ مَصَبِّ الْمَاءِ أَوْ نَحْوِهِ، وَالْحَرِيمُ لِبِئْرٍ قَنَاةٌ مَا لَوْ حَفَرَ فِيهِ نَقَصَ مَاؤُهَا أَوْ خِيفَ انْهِيَارُهَا.
وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِصَلَابَةِ الْأَرْضِ وَرَخَاوَتِهَا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى
[حاشية البجيرمي]
الْمَالِ جَازَ لَهُ تَعَاطِيهِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْحَرِيمِ تُصْرَفُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ فِي بَيْتِ الْمَالِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَعَاطِيهِ اهـ رَشِيدِيٌّ عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (مُحَيَّاةٍ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَلْ هُوَ مُضِرٌّ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْمَمْلُوكَةَ لَا حَرِيمَ لَهَا ق ل، أَوْ؛ لِأَنَّ مِثْلَهَا الْمَمْلُوكَةُ فَلَيْسَ قَيْدًا.
وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْإِحْيَاءِ.
قَوْلُهُ: (نَادٍ) بِالتَّخْفِيفِ.
قَوْلُهُ: (لِلْحَدِيثِ) وَإِنْ لَمْ يَتَحَدَّثُوا، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَمُرْتَكَضُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ خَيْلٌ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَدَثَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَكَذَا يُقَالُ فِي مُنَاخِ الْإِبِلِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (وَمُنَاخُ) بِضَمِّ الْمِيمِ.
قَوْلُهُ: (وَمَطْرَحُ رَمَادٍ) أَيْ مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ، أَيْ بِأَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
أَمَّا لَوْ اتَّسَعَ الْحَرِيمُ وَاعْتِيدَ طَرْحُ الرَّمَادِ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ ثُمَّ اُحْتِيجَ إلَى عِمَارَةِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَعَ بَقَاءِ مَا زَادَ عَلَيْهِ فَيَجُوزُ عِمَارَتُهُ لِعَدَمِ تَفْوِيتِ مَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ، وَأَمَّا لَوْ أُرِيدَ عِمَارَةُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِتَمَامِهِ وَتَكْلِيفُهُمْ طَرْحَ الرَّمَادِ فِي غَيْرِهِ بِجِوَارِهِ وَلَوْ قَرِيبًا مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ؛ لِأَنَّهُ بِاعْتِيَادِهِمْ الرَّمْيَ فِيهِ صَارَ مِنْ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ.
وَكَذَا يَجُوزُ الْغِرَاسُ فِيهِ بِمَا لَا يَمْنَعُ مِنْ انْتِفَاعِهِمْ بِالْحَرِيمِ كَأَنْ غَرَسَ فِي مَوَاضِعَ يَسِيرَةٍ بِحَيْثُ لَا يُفَوِّتُ مَنَافِعَهُمْ الْمَقْصُودَةَ مِنْ الْحَرِيمِ.
وَفِي سم عَلَى حَجّ فَرْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الِانْتِفَاعُ بِحَرِيمِ الْأَنْهَارِ كَحَافَّاتِهَا بِوَضْعِ الْأَحْمَالِ وَالْأَثْقَالِ وَجَعْلِ زَرْبِيَةٍ مِنْ قَصَبٍ وَنَحْوِهِ لِحِفْظِ الْأَمْتِعَةِ فِيهَا كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ الْيَوْمَ فِي سَاحِلِ بُولَاقَ وَمِصْرَ الْقَدِيمَةِ وَنَحْوِهَا، يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِيهِ إنْ فَعَلَهُ لِلِارْتِفَاقِ بِهِ وَلَمْ يَضُرَّ بِانْتِفَاعِ غَيْرِهِ وَلَا ضَيِّقَ عَلَى الْمَارَّةِ وَنَحْوِهِمْ وَلَا عَطَّلَ أَوْ نَقَصَ مَنْفَعَةَ النَّهْرِ كَانَ جَائِزًا وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ عِوَضٍ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا حَرُمَ وَلَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ لِلْمَصَالِحِ.
وَالثَّانِي: مَا يَحْدُثُ فِي خِلَالِ النَّهْرِ مِنْ الْجَزَائِرِ، وَالْوَجْهُ الَّذِي لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ خِلَافًا لِمَا وَقَعَ لِبَعْضِهِمْ امْتِنَاعُ أَحْيَائِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ النَّهْرِ أَوْ حَرِيمِهِ لِاحْتِيَاجِ رَاكِبِ الْبَحْرِ وَالْمَارِّ بِهِ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا لِوَضْعِ الْأَحْمَالِ وَالِاسْتِرَاحَةِ وَالْمُرُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ هِيَ أَوْلَى بِمَنْعِ إحْيَائِهَا مِنْ الْحَرِيمِ الَّذِي يَتَبَاعَدُ عَنْهُ الْمَاءُ، وَقَدْ تَقَرَّرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ بِذَلِكَ.
اهـ. م ر. وَهَلْ يَتَوَقَّفُ الِانْتِفَاعُ بِهَا عَلَى إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي فَلَا إثْمَ بِذَلِكَ وَإِنْ لَزِمَتْ الْأُجْرَةُ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوُهَا) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى " نَادٍ " وَمِنْهُ مَرْعَى الْبَهَائِمِ إنْ قَرُبَ عُرْفًا وَاسْتَقَلَّ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَكَذَا إنْ بَعُدَ وَمَسَّتْ حَاجَتُهُمْ لَهُ وَلَوْ فِي بَعْضِ السَّنَةِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الْمُحْتَطَبُ.
وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ مَنْعُ الْمَارَّةِ مِنْ رَعْيِ مَوَاشِيهِمْ فِي مَرَافِقِهَا الْمُبَاحَةِ شَرْحِ م ر. وَقَوْلُهُ: " وَاسْتَقَلَّ " أَيْ بِأَنْ كَانَ مَقْصُودًا لِلرَّعْيِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَسْتَقِلَّ مَرْعَى وَإِنْ كَانَتْ الْبَهَائِمُ تَرْعَى فِيهِ عِنْدَ الْخَوْفِ مِنْ الْإِبْعَادِ.
اهـ. رَشِيدِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مَوْضِعُ نَازِحٍ) وَهُوَ الشَّخْصُ الْقَائِمُ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ لِيَسْتَقِيَ كَمَا قَالَهُ الْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْهَاجِ، قَالَ م ر: وَهَلْ يُعْتَبَرُ قَدْرُ مَوْقِفِ النَّازِحِ مِنْ سَائِرِ جَوَانِبِ الْبِئْرِ أَوْ مِنْ أَحَدِهَا فَقَطْ؟ الْأَقْرَبُ اعْتِبَارُ الْعَادَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوُهُمَا) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى مَوْضِعُ، أَيْ نَحْوُ مَوْضِعِ النَّازِحِ وَمَوْضِعِ الدُّولَابِ.
قَوْلُهُ: (وَمُتَرَدَّدُ الدَّابَّةِ) بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ، أَيْ مَحَلُّ تَرَدُّدِهَا وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمَدَارِ.
قَوْلُهُ: (لِبِئْرِ قَنَاةٍ) قَالَ الشرنبلالي: الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِئْرُ الْقَنَاةِ حُفْرَةٌ فِي الْأَرْضِ تَنْبُعُ مِنْهَا عَيْنٌ وَتَسِيلُ فِي الْقَنَاةِ، وَقَالَ ع ن: بِأَنْ
مَوْضِعٍ نَازِحٍ وَلَا غَيْرِهِ مِمَّا مَرَّ فِي بِئْرِ الِاسْتِقَاءِ، وَالْحَرِيمُ لِدَارٍ مَمَرٌّ وَفِنَاءٌ لِجُدْرَانِهَا وَمَطْرَحٌ نَحْوُ رَمَادٍ كَكُنَاسَةٍ وَثَلْجٍ.
وَلَا حَرِيمَ لِدَارٍ مَحْفُوفَةٍ بِدُورٍ بِأَنْ أُحْيِيَتْ كُلُّهَا مَعًا؛ لِأَنَّ مَا يُجْعَلُ حَرِيمًا لَهَا لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ حَرِيمًا لِأُخْرَى، وَيَتَصَرَّفُ كُلٌّ مِنْ الْمُلَّاكِ فِي مِلْكِهِ عَادَةً وَإِنْ أَدَّى إلَى ضَرَرِ جَارِهِ أَوْ إتْلَافِ مَالِهِ كَمَنْ حَفَرَ بِئْرَ مَاءٍ أَوْ حَشٍّ فَاخْتَلَّ بِهِ جِدَارُ جَارِهِ، أَوْ تَغَيَّرَ بِمَا فِي الْحَشِّ مَاءُ بِئْرِهِ، فَإِنْ جَاوَزَ الْعَادَةَ فِيمَا ذُكِرَ ضَمِنَ بِمَا جَاوَزَ فِيهِ كَأَنْ دَقَّ دَقًّا عَنِيفًا أَزْعَجَ الْأَبْنِيَةَ، أَوْ حَبَسَ الْمَاءَ فِي مِلْكِهِ فَانْتَشَرَتْ النَّدَاوَةُ إلَى جِدَارِ جَارِهِ.
وَلَهُ أَنْ يَتَّخِذَ مِلْكَهُ وَلَوْ بِحَوَانِيتَ بَزَّازِينَ حَمَّامًا وَإِصْطَبْلًا وَطَاحُونَةً وَحَانُوتَ حَدَّادٍ إنْ أَحْكَمَ جُدْرَانَهُ بِمَا يَلِيقُ بِمَقْصُودِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ الْمِلْكَ وَإِنْ ضَرَّ الْمَالِكَ بِنَحْوِ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ.
(وَصِفَةُ الْإِحْيَاءِ) الَّذِي يُمْلَكُ بِهِ الْمَوَاتُ شَرْعًا (مَا كَانَ فِي الْعَادَةِ) الَّتِي هِيَ الْعُرْفُ الَّذِي يَعُدُّ مِثْلَهُ (عِمَارَةً لِلْمُحْيَا)
[حاشية البجيرمي]
كَانَ الْمَاءُ يَأْتِي فِي تِلْكَ الْقَنَاةِ إلَى تِلْكَ الْبِئْرِ فَيَجْتَمِعُ فِيهَا ثُمَّ يَعْلُو وَيَطْلُعُ.
قَوْلُهُ: (انْهِيَارُهَا) أَيْ سُقُوطُهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْحَرِيمُ) أَيْ لِدَارٍ أُحْيِيَتْ فِي مَوَاتٍ وَأَمَّا مَا بَيْنَ الْأَزِقَّةِ فَلَا يَخْتَصُّ بِدَارٍ دُونَ أُخْرَى فَهُوَ مُشْتَرَكٌ كَالشَّارِعِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَفِنَاءٌ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمَدَّةِ أَيْ مَا حَوَالَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا حَرِيمَ لِدَارٍ) فِيهِ تَنَافٍ؛ لِأَنَّهُ نَفَى الْحَرِيمَ، ثُمَّ أَثْبَتَهُ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ مَا يُجْعَلُ إلَخْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ هُنَاكَ حَرِيمًا.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَنْفِيَّ فِي الْأَوَّلِ الِاخْتِصَاصُ وَالثَّابِتُ الْمُشْتَرَكُ وَالتَّقْدِيرُ، وَلَا حَرِيمَ مُخْتَصٌّ أَيْ بَلْ مُشْتَرَكٌ؛ لِأَنَّ مَا يُجْعَلُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (مَعًا) أَوْ جُهِلَ الْحَالُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَدَّى) أَيْ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ عَادَةً.
وَالْحَاصِلُ أَنْ يُمْنَعُ مَا يَضُرُّ بِالْمِلْكِ دُونَ الْمَالِكِ كَتَأَذِّيه بِرَائِحَةِ الْمَدْبَغَةِ وَدُخَانِ الْحَمَّامِ وَنَحْوِهِمَا.
وَاخْتَارَ الرُّويَانِيُّ فِي الْجَمِيعِ أَنَّ الْحَاكِمَ يَجْتَهِدُ وَيَمْنَعُ مِمَّا ظَهَرَ فِيهِ قَصْدُ التَّعَنُّتِ، وَمِنْهُ إطَالَةُ الْبِنَاءِ وَمَنْعُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَهُوَ حَسَنٌ.
وَاخْتَارَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَابْنُ رَزِينٍ فِي فَتَاوِيهِمَا مَنْعَهُ مِنْ كُلِّ مُؤْذٍ لَمْ تَجْرِ بِهِ الْعَادَةُ،.
اهـ. إسْعَادٌ.
اهـ. زي
قَوْلُهُ: (أَوْ حَشٍّ) هُوَ بَيْتُ الْخَلَاءِ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّهَا.
اهـ. مُخْتَارٌ ع ش. قَالَ فِي التَّقْرِيبِ الْحُشُّ الْبُسْتَانُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ حَشًّا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَتَغَوَّطُونَ فِيهِ فَلَمَّا اتَّخَذُوا الْكُنُفَ وَجَعَلُوهَا خَلَفًا عَنْهُ أَطْلَقُوا عَلَيْهَا ذَلِكَ الِاسْمَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ جَاوَزَ الْعَادَةَ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ: " عَادَةً ".
قَوْلُهُ: (فِيمَا ذَكَرَ) أَيْ فِي مِلْكِهِ.
قَوْلُهُ: (ضَمِنَ) أَيْ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا قَوِيًّا، كَأَنْ شَهِدَ بِهِ خَبِيرَانِ لِتَقْصِيرِهِ؛ وَلِهَذَا أَفْتَى الْوَالِدُ بِضَمَانِ مَنْ جَعَلَ دَارِهِ بَيْنَ النَّاسِ مَعْمَلُ نَشَادِرٍ وَشَمَّهُ أَطْفَالٌ وَمَاتُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ الْعَادَةَ، شَرْحِ م ر. وَمِثْلُهُ فَتْحُ السَّرَابِ فَيَضْمَنُ السِّرَابَاتِيِّ، أَيْ إذَا كَانَ بِغَيْرِ إنْذَارٍ، فَإِنْ أَنْذَرَ وَلَوْ بِوَكِيلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَإِنْ قَصَّرَ الْوَكِيلُ كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْوَكِيلِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ إطْفَاءُ الْجِيرِ وَمَعْمَلُ بَارُودٍ.
وَالضَّابِطُ: أَنَّهُ يُمْنَعُ مِمَّا خَالَفَ الْعَادَةَ مِمَّا يَضُرُّ دُونَ مَا هُوَ عَلَى الْعَادَةِ.
وَإِذَا عَمِلَ شَخْصٌ طَعَامًا وَكَانَتْ تَتَأَذَّى مِنْهُ حَامِلٌ كَسَمَكٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ لَهَا شَيْئًا مِنْهُ، لَكِنْ لَا مَجَّانًا بَلْ بِثَمَنِهِ، وَمِثْلُهُ فِي الضَّمَانِ كُلُّ مَا لَهُ رَائِحَةٌ وَيَتْلَفُ بِهِ شَيْءٌ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ لِتَقْصِيرِهِ،.
اهـ. عَبْدُ رَبِّهِ الدَّيْوِيُّ.
وَيَنْفَعُ الْحَامِلَ مِنْ شَمِّ الْأَطْعِمَةِ الْمُضِرَّةِ فِي الْإِجْهَاضِ أَوْ شَمِّ السَّرَابِ أَوْ الْجِيرِ أَنْ تُحْرِقَ قِطْعَةً خِرْقَةً مِنْ صُوفٍ وَتَشُمُّهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ نَافِعٌ مِنْ الْإِجْهَاضِ.
قَوْلُهُ: (بِمَا جَاوَزَ فِيهِ) أَيْ بِسَبَبِ مَا جَاوَزَ إلَخْ، أَوْ الْبَاءُ زَائِدَةٌ كَمَا سَقَطَتْ مِنْ شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ أَنْ يَتَّخِذَ إلَخْ) مِنْهُ مَا لَوْ اتَّخَذَهُ مَسْجِدًا وَحَمَّامًا وَخَانًا وَسَبِيلًا وَهُوَ فِي دَرْبٍ مُنْسَدٍّ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ الشُّرَكَاءُ كَمَا اعْتَمَدَهُ ابْنُ حَجٍّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَاعْتَمَدَهُ زي فِي حَاشِيَتِهِ، خِلَافًا لِمَا فِي الْإِسْعَادِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: بَزَّازِينَ جَمْعُ بَزَّازٍ نِسْبَةٌ إلَى الْبَزِّ بِالْفَتْحِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الثِّيَابِ وَقِيلَ الثِّيَابُ خَاصَّةً مِنْ أَمْتِعَةِ الْبَيْتِ وَقِيلَ أَمْتِعَةُ التَّاجِرِ مِنْ الثِّيَابِ.
اهـ. مِصْبَاحٌ.
قَوْلُهُ (جُدْرَانَهُ) أَيْ كُلًّا مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ الْمِلْكَ) عِبَارَةُ م ر لِتَصَرُّفِهِ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ وَلَمَا فِي مَنْعِهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَصِفَةُ الْإِحْيَاءِ إلَخْ) مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: " مَا كَانَ إلَخْ " وَاقِعَةٌ عَلَى فِعْلٍ، وَجُمْلَةُ: " كَانَ عِمَارَةً " فِي مَحَلِّ رَفْعٍ صِفَةٌ لِمَا.
قَوْلُهُ: (يُعَدُّ مِثْلُهُ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَفَاعِلُهُ ضَمِيرٌ يَعُودُ لِلْعُرْفِ، وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ لَا: يُعِدُّ الْعُرْفُ مِثْلَهُ عِمَارَةً.
قَوْلُهُ: (عِمَارَةً) بِالنَّصْبِ خَبَرُ كَانَ؛ لِأَنَّ اسْمَهَا ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى " مَا ". قَوْلُهُ: (لِلْمُحْيَا) هُوَ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى
وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْغَرَضِ مِنْهُ.
وَضَابِطُهُ أَنْ يُهَيِّئَ الْأَرْضَ لِمَا يُرِيدُهُ، فَيُعْتَبَرُ فِي مَسْكَنٍ تَحْوِيطٌ لِلْبُقْعَةِ بِآجُرٍّ أَوْ لَبِنٍ أَوْ طِينٍ أَوْ أَلْوَاحِ خَشَبٍ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَنَصْبُ بَابِ وَسَقْفِ بَعْضِ الْبُقْعَةِ لِيُهَيِّئَهَا لِلسُّكْنَى.
وَفِي زَرِيبَةٍ لِلدَّوَابِّ أَوْ غَيْرِهَا كَثِمَارٍ وَغِلَالٍ التَّحْوِيطُ وَنَصْبُ الْبَابِ لَا السَّقْفِ عَمَلًا بِالْعَادَةِ، وَلَا يَكْفِي التَّحْوِيطُ بِنَصْبِ سَعَفٍ أَوْ أَحْجَارٍ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ.
وَفِي مَزْرَعَةِ جَمْعٍ نَحْوَ تُرَابٍ كَقَصَبٍ وَشَوْكٍ حَوْلَهَا لِيَنْفَصِلَ الْمُحْيَا عَنْ غَيْرِهِ، وَتَسْوِيَتُهَا بِطَمٍّ مُنْخَفِضٍ وَكَسْحٍ مُسْتَعْلٍ وَيُعْتَبَرُ حَرْثُهَا إنْ لَمْ تُزْرَعْ إلَّا بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ.
إلَّا بِمَا يُسَاقُ إلَيْهَا فَلَا بُدَّ مِنْهُ لِتَتَهَيَّأَ لِلزِّرَاعَةِ وَتَهْيِئَةُ مَاءٍ لَهَا إنْ لَمْ يَكْفِهَا مَطَرٌ مُعْتَادٌ، وَفِي بُسْتَانٍ تَحْوِيطٌ وَلَوْ بِجَمْعِ تُرَابٍ حَوْلَ أَرْضِهِ وَتَهْيِئَةِ مَاءٍ لَهُ بِحَسَبِ الْعَادَةِ وَغَرْسٌ لِيَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ اسْمُ الْبُسْتَانِ.
وَمَنْ شَرَعَ فِي إحْيَاءِ مَا يَقْدِرُ عَلَى إحْيَائِهِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى كِفَايَتِهِ، أَوْ نَصَبَ عَلَيْهِ عَلَامَةً كَنَصْبِ أَحْجَارٍ أَوْ أَقَطَعَهُ لَهُ إمَامٌ فَمُتَحَجِّرٌ لِذَلِكَ الْقَدْرِ، وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَكِنْ لَوْ أَحْيَاهُ آخَرُ مَلَكَهُ وَلَوْ طَالَتْ عُرْفًا مُدَّةُ تَحَجُّرِهِ بِلَا عُذْرٍ
[حاشية البجيرمي]
اسْمِ الْمَفْعُولِ.
قَوْلُهُ: (وَضَابِطُهُ) أَيْ الْإِحْيَاءِ.
قَوْلُهُ: (تَحْوِيطٌ لِلْبُقْعَةِ) وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ لِلْبُقْعَةِ أَرْبَعَ حِيطَانٍ.
قَوْلُهُ: (بِحَسَبِ الْعَادَةِ) وَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ التَّحْوِيطِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْبِنَاءِ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ فِي الْمَسْكَنِ؛ وَلَوْ شَرَعَ فِي الْإِحْيَاءِ لِنَوْعٍ فَأَحْيَاهُ لِنَوْعٍ آخَرَ كَأَنْ قَصَدَ إحْيَاءَهُ لِلزِّرَاعَةِ بَعْدَ أَنْ قَصَدَهُ لِلسُّكْنَى مَلَكَهُ اعْتِبَارًا بِالْقَصْدِ الطَّارِئِ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ نَوْعًا وَأَحْيَاهُ بِمَا لَا يُقْصَدُ بِهِ نَوْعٌ آخَرُ كَأَنْ حَوَّطَ الْبُقْعَةَ بِحَيْثُ تَصْلُحُ زَرِيبَةً بِقَصْدِ السُّكْنَى لَمْ يَمْلِكْهَا، خِلَافًا لِلْإِمَامِ اهـ أج.
وَعِبَارَةُ الْعَبَّادِيِّ: وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ صِفَةَ الْإِحْيَاءِ مُخْتَلِفَةٌ بِاعْتِبَارِ مَا يَقْصِدُهُ الْمُحْيِي مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ طُرُقُ الْأَصْحَابِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ، وَزَادَ الْإِمَامُ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَصْدَ إلَى الْإِحْيَاءِ هَلْ يُعْتَبَرُ لِحُصُولِ الْمِلْكِ فَقَالَ مَا لَا يَفْعَلُهُ فِي الْعَادَةِ إلَّا الْمُتَمَلِّكُ كَبِنَاءِ الدَّارِ وَاِتِّخَاذِ الْبُسْتَانِ يُفِيدُ الْمِلْكَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَصْدٌ وَمَا يَفْعَلُهُ الْمُتَمَلِّكُ وَغَيْرُهُ كَحَفْرِ الْبِئْرِ فِي الْمَوَاتِ وَكَزِرَاعَةِ قِطْعَةٍ مِنْ الْمَوَاتِ اعْتِمَادًا عَلَى مَاءِ السَّمَاءِ إنْ انْضَمَّ إلَيْهِ قَصْدٌ أَفَادَ الْمِلْكَ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يُفِيدُهُ، وَمَا لَا يَكْتَفِي بِهِ الْمُتَمَلِّكُ كَتَسْوِيَةِ مَوْضِعِ النُّزُولِ وَتَنْقِيَتِهِ عَنْ الْحِجَارَةِ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ وَإِنْ قَصَدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي زَرِيبَةٍ لِلدَّوَابِّ) الزَّرِيبَةُ فِي الْأَصْلِ حَظِيرَةُ الْغَنَمِ.
وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الْعُمُومُ لِجَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ، وَجَمْعُهَا زَرَائِبَ مِثْلُ كَرِيمَةٍ وَكَرَائِمَ.
اهـ. مِصْبَاحٌ.
قَوْلُهُ: (وَنَصْبُ) بِالرَّفْعِ، وَكَذَا سَقْفٌ وَالْمُرَادُ بِنَصْبِ الْبَابِ تَرْكِيبُهُ.
قَوْلُهُ: (سَعَفٍ) هُوَ جَرِيدُ النَّخْلِ زي وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ السَّعَفُ أَغْصَانُ النَّخْلَةِ مَا دَامَتْ بِالْخُوصِ فَإِنْ زَالَ الْخُوصُ عَنْهَا قِيلَ لَهُ جَرِيدٌ وَالْوَاحِدَةُ سَعَفَةٌ مِثْلُ قَصَبٍ وَقَصَبَةٍ.
قَوْلُهُ: (مَزْرَعَةٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ أَفْصَحُ مِنْ ضَمِّهَا وَكَسْرِهَا، فَهُوَ مُثَلَّثُ الرَّاءِ.
قَوْلُهُ: (وَكَسَحٍّ مُسْتَعْلٍ) أَيْ إزَالَتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَتَهْيِئَةُ مَاءٍ لَهَا) بِشِقِّ سَاقِيَةٍ مِنْ نَهْرٍ أَوْ حَفْرِ بِئْرٍ أَوْ قَنَاةٍ إنْ لَمْ يَكْفِهَا مَطَرٌ مُعْتَادٌ، وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ إلَى تَهْيِئَةِ مَاءٍ، فَلَا تُعْتَبَرُ الزِّرَاعَةُ؛ لِأَنَّهَا اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَةٍ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الْإِحْيَاءِ، وَكَمَا لَا يُشْتَرَطُ فِي إحْيَاءِ الْمَسْكَنِ أَنْ يَسْكُنَهُ، فَإِحْيَاءُ الْمَزْرَعَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَوْ أَرْبَعَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِجَمْعِ إلَخْ) فَأَحَدُهُمَا أَعْنِي التَّحْوِيطَ أَوْ الْجَمْعَ كَافٍ، خِلَافًا لِمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْمِنْهَاجِ مِنْ اشْتِرَاطِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَتَهْيِئَةُ مَاءٍ لَهُ) إنْ لَمْ يَكْفِهِ مَطَرٌ كَالْمَزْرَعَةِ، م ر. قَوْلُهُ: (لِيَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ) وَبِهَذَا فَارَقَ عَدَمَ اعْتِبَارِ الزَّرْعِ فِي الْمَزْرَعَةِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْوَجْهُ اعْتِبَارُ غَرْسٍ يُسَمَّى بِهِ بُسْتَانًا، فَلَا تَكْفِي شَجَرَةٌ وَلَا شَجَرَتَانِ فِي الْمَكَانِ الْوَاسِعِ.
قَوْلُهُ: (مَا يَقْدِرُ إلَخْ) وَأَمَّا لَوْ شَرَعَ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إحْيَائِهِ أَوْ زَادَ عَلَى كِفَايَتِهِ فَلِغَيْرِهِ أَنْ يُحْيِيَ الزَّائِدَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَقَطَعَهُ لَهُ إمَامٌ) أَيْ لَا لِتَمْلِيكِ رَقَبَتِهِ، أَمَّا لَوْ أَقَطَعَهُ لِتَمْلِيكِ رَقَبَتِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ.
وَسَكَتُوا عَنْ الْإِقْطَاعَاتِ الْمَعْرُوفَةِ لِلْجُنْدِيِّ فِي أَرْضٍ عَامِرَةٍ لِلِاسْتِغْلَالِ بِحَيْثُ تَكُونُ مَنَافِعُهَا لَهُ مَا لَمْ يَنْزِعْهَا الْإِمَامُ مِنْهُ، وَسَكَتُوا عَنْ مِلْكِهِ الْمَنْفَعَةَ؛ لَكِنْ فِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ جَوَازُ إجَارَتِهَا، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْجُنْدِيَّ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمَا يَحْصُلُ لِلْجُنْدِيِّ مِنْ الْفَلَّاحِ مِنْ مُغَلٍّ وَغَيْرِهِ فَحَلَالٌ بِطَرِيقِهِ.
اهـ. زي بِأَنْ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ.
وَلَمْ يُحْيِ قَالَ لَهُ الْإِمَامُ: أَحْيِ أَوْ اُتْرُكْ، فَإِنْ اسْتَمْهَلَ بِعُذْرٍ أُمْهِلَ مُدَّةً قَرِيبَةً.
تَنْبِيهٌ: مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَظَهَرَ فِيهِ مَعْدِنٌ ظَاهِرٌ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ بِلَا عِلَاجٍ كَنِفْطٍ وَكِبْرِيتٍ وَقَارٍ وَمُومْيَا، أَوْ مَعْدِنٌ بَاطِنٌ، وَهُوَ مَا لَا يَخْرُجُ إلَّا بِعِلَاجٍ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ مَلَكَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، وَقَدْ مَلَكَهَا بِالْإِحْيَاءِ.
وَخَرَجَ بِظُهُورِهِ مَا لَوْ عَلِمَهُ قَبْلَ الْإِحْيَاءِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ الْمَعْدِنَ الْبَاطِنَ دُونَ الظَّاهِرِ كَمَا رَجَّحَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ وَأَقَرَّ النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ صَاحِبَ التَّنْبِيهِ.
أَمَّا بُقْعَتُهُمَا فَلَا يَمْلِكُهَا بِإِحْيَائِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِهِمَا لِفَسَادِ قَصْدِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدِنَ لَا يُتَّخَذُ دَارًا وَلَا بُسْتَانًا وَلَا
[حاشية البجيرمي]
فَرْعٌ: فِي فَتَاوَى السُّيُوطِيّ رَجُلٌ بِيَدِهِ رِزْقَةٌ اشْتَرَاهَا ثُمَّ مَاتَ فَوَضَعَ شَخْصٌ يَدَهُ عَلَيْهَا بِتَوْقِيعٍ سُلْطَانِيٍّ فَهَلْ لِلْوَرَثَةِ مُنَازَعَتُهُ.
الْجَوَابُ: إنْ كَانَتْ الرِّزْقَةُ وَصَلَتْ إلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ بِأَنْ أَقَطَعَهُ السُّلْطَانُ إيَّاهَا أَيْ مَلَّكَهُ إيَّاهَا وَمَنَعَ مِنْهُ غَيْرَهُ وَهِيَ أَرْضٌ مَوَاتٌ فَهُوَ يَمْلِكُهَا وَيَصِحُّ مِنْهُ بَيْعُهَا وَيَمْلِكُهَا الْمُشْتَرِي مِنْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَهِيَ لِوَرَثَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ وَضْعُ الْيَدِ عَلَيْهَا لِأَمْرٍ سُلْطَانِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ أَقَطَعَهُ إيَّاهَا وَهِيَ غَيْرُ مَوَاتٍ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ الْآنَ فَإِنَّ الْمُقْطَعُ لَا يَمْلِكُهَا بَلْ يَنْتَفِعُ بِهَا بِحَسَبِ مَا يُقِرُّهَا السُّلْطَانُ وَلِلسُّلْطَانِ انْتِزَاعُهَا مَتَى شَاءَ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُقْطَعِ بَيْعُهَا، فَإِنْ بَاعَ فَفَاسِدٌ.
وَإِذَا أَعْطَاهَا السُّلْطَانُ لِأَحَدٍ نَفَذَ وَلَا يُطَالَبُ اهـ. وَأَقُولُ: مَا تَضَمَّنَهُ كَلَامُهُ مِنْ أَنَّ إقْطَاعَ السُّلْطَانِ لِغَيْرِ الْمَوَاتِ لَا يَكُونُ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ مَمْنُوعٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ، وَحِينَئِذٍ فَإِذَا أَقَطَعَهُ غَيْرَ الْمَوَاتِ تَمْلِيكًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ الْمُجِيبُ فِي الشِّقِّ الْأَوَّلِ.
اهـ. سم عَلَى حَجّ.
وَبَقِيَ مَا لَوْ شَكَّ هَلْ هُوَ إقْطَاعُ تَمْلِيكٍ أَوْ إرْفَاقٌ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّمْلِيكِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (فَمُتَحَجِّرٌ) أَيْ مَانِعُ لِغَيْرِهِ مِنْهُ بِمَا فَعَلَهُ م ر، وَلَكِنْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: وَلَكِنْ لَوْ أَحْيَاهُ آخَرُ مَلَكَهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ مَانِعٌ مِنْ جَوَازِ الْإِقْدَامِ عَلَى إحْيَائِهِ اهـ قَالَ ع ش: وَهَلْ يَلْزَمُ الثَّانِيَ لِلْأَوَّلِ شَيْءٌ فِي مُقَابَلَةِ آلَاتِهِ وَمَا صَرَفَهُ عَلَيْهِ أَوْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ خُذْ بِنَاءَك أَوْ اُتْرُكْهُ، فَإِذَا تَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (لَوْ أَحْيَاهُ آخَرُ مَلَكَهُ) إلَّا أَنَّهُ يَأْثَمُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ اسْتَمْهَلَ) أَيْ طَلَبَ الْإِمْهَالَ.
قَوْلُهُ: (مُدَّةً قَرِيبَةً) أَيْ يَتَأَتَّى فِيهَا الْعِمَارَةُ عَادَةً يُقَدِّرُهَا الْإِمَامُ بِرَأْيِهِ، فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِالْعِمَارَةِ بَطَلَ حَقُّهُ؛ شَرْحِ الْمَنْهَجِ
قَوْلُهُ: (بِلَا عِلَاجٍ) أَيْ بَعْدَ الْوُصُولِ إلَيْهِ بِنَحْوِ حَفْرٍ.
سم.
قَوْلُهُ: (كَنِفْطٍ) بِكَسْرِ النُّونِ أَفْصَحُ مِنْ فَتْحِهَا مَا يُرْمَى بِهِ كَالْبَارُودِ.
قَوْلُهُ: (وَكِبْرِيتٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَهِيَ عَيْنٌ تَجْرِي تُضِيءُ فِي الْمَعْدِنِ فَإِذَا فَارَقَهُ وَجَمَدَ مَاؤُهَا زَالَ ضَوْءُهُ وَصَارَ كِبْرِيتًا أَحْمَرَ وَأَبْيَضَ وَأَصْفَرَ وَكَدُرَا، وَالْأَحْمَرُ مِنْهُ يُضْرَبُ بِهِ الْمِثْلُ فِي الْعِزَّةِ فَيُقَالُ: أَعَزُّ مِنْ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ؛ زِيَادِيٌّ.
وَيُقَالُ إنَّ مَعْدِنَهُ بِلَادُ وَادِي النَّمْلِ الَّذِي مَرَّ بِهِ سَيِّدُنَا سُلَيْمَانُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ.
اهـ. زي.
قَوْلُهُ: (وَقَارٍ) أَيْ زِفْتٍ.
قَوْلُهُ: (وَمُومْيَا) بِضَمِّ أَوَّلِهِ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ وَهُوَ شَيْءٌ يُلْقِيهِ الْبَحْرُ إلَى السَّاحِلِ فَيَجْمُدُ وَيَصِيرُ كَالْقَارِ وَقِيلَ حِجَارَةٌ سُودٌ بِالْيَمَنِ وَمِنْهُ نَوْعٌ مِنْ عِظَامِ مَوْتَى الْكُفَّارِ وَهُوَ مُتَنَجِّسٌ.
اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (إنَّمَا يَمْلِكُ الْمَعْدِنَ الْبَاطِنَ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَعْدِنِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي حَالَةِ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، فَإِنْ عَلِمَهُمَا لَمْ يَمْلِكْهُمَا وَلَا بُقْعَتَهُمَا، وَإِنْ جَهِلَهُمَا مَلَكَهُمَا وَبُقْعَتَهُمَا زي.
وَوَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ الْمَعْدِنِ الْبَاطِنِ كَالْمِلْحِ وَنَحْوِهِ إذَا كَانَ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ إلَّا بِعَمَلٍ، وَاعْتَادَ الْوُلَاةُ الِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ إذَا هَلَكَ الْوَالِي الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ خَلَفَهُ مَنْ بَعْدَهُ فَمَرَّةً يَسْتَأْجِرُ الْوَالِي عُمَّالًا يَعْمَلُونَ فِي الْمَعْدِنِ الْمَذْكُورِ وَمَرَّةً يُكْرِهُهُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ فَلِمَنْ يَكُونُ الْمُتَحَصِّلُ مِنْ الْمَعْدِنِ لِلْوَالِي أَمْ لِلْعُمَّالِ.
وَلَوْ جَاءَ رَجُلٌ لِصٌّ وَأَخَذَ مِنْ الْمَعْدِنِ بِنَفْسِهِ فَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ فَأَجَابَ ابْنُ حَجَرٍ بِأَنَّ مَنْ أَخَذَ مِنْ مَعْدِنٍ شَيْئًا لَمْ يَرَهُ غَيْرُهُ مَلَكَهُ مَا لَمْ يَنْوِ بِهِ غَيْرَهُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْأَجِيرِ بِأَنْ نَوَى نَفْسَهُ أَوْ أَطْلَقَ وَمَا لَمْ يَنْوِ نَفْسَهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَجِيرِ.
اهـ. عَنَانِيٌّ اهـ. قَوْلُهُ: (صَاحِبَ التَّنْبِيهِ) هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ.
مَزْرَعَةً أَوْ نَحْوَهَا، وَالْمِيَاهُ الْمُبَاحَةُ مِنْ الْأَوْدِيَةِ كَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ وَالْعُيُونِ فِي الْجِبَالِ وَغَيْرِهَا وَسُيُولِ الْأَمْطَارِ يَسْتَوِي النَّاسُ فِيهَا لِخَبَرِ: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ فِي الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ» فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَحَجُّرُهَا وَلَا لِلْإِمَامِ إقْطَاعُهَا بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ أَرَادَ قَوْمٌ سَقْيَ أَرْضِهِمْ مِنْ الْمِيَاهِ الْمُبَاحَةِ فَضَاقَ الْمَاءُ عَنْهُمْ سَقَى الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، وَحَبَسَ كُلٌّ مِنْهُمْ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ ارْتِفَاعٌ وَانْخِفَاضٌ أُفْرِدَ كُلُّ طَرَفٍ بِسَقْيٍ وَمَا أُخِذَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ الْمُبَاحِ فِي إنَاءٍ أَوْ بِرْكَةٍ أَوْ حُفْرَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِلْكٌ عَلَى الصَّحِيحِ كَالِاحْتِطَابِ وَالِاحْتِشَاشِ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَحَافِرُ بِئْرٍ بِمَوَاتٍ لَا لِلتَّمْلِيكِ بَلْ لِلِارْتِفَاقِ بِهَا لِنَفْسِهِ مُدَّةَ إقَامَتِهِ هُنَاكَ أَوْلَى بِهَا مِنْ غَيْرِهِ حَتَّى يَرْتَحِلَ لِحَدِيثِ: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وَالْبِئْرُ الْمَحْفُورَةُ فِي الْمَوَاتِ لِلتَّمَلُّكِ أَوْ فِي مِلْكِهِ يَمْلِكُ الْحَافِرُ مَاءَهَا؛ لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ كَالثَّمَرَةِ وَاللَّبَنِ.
(وَيَجِبُ) عَلَيْهِ (بَذْلُ الْمَاءِ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ بَلْ بِسِتَّةٍ كَمَا سَتَعْرِفُهُ) الْأَوَّلُ (أَنْ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (لِفَسَادِ قَصْدِهِ) أَيْ بِسَبَبِ مَنْعِهِ لِلْغَيْرِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ الْعَامِّ النَّفْعِ كَالْمَاءِ، فَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ عِلَّةُ فَسَادِ قَصْدِهِ.
وَقَوْلُهُ: "؛ لِأَنَّ الْمَعْدِنَ " أَيْ هَذِهِ الْبُقْعَةَ لَا يُتَّخَذُ دَارًا أَيْ؛ لِأَنَّ مَا فِيهَا عَامُّ النَّفْعِ كَمَحَلِّ الْمِيَاهِ الْمُبَاحَةِ كَنِيلِ مِصْرَ، شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا بُسْتَانًا) فِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْبُقْعَةِ وَهِيَ يُمْكِنُ اتِّخَاذُهَا دَارًا مَثَلًا، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى لَا تُتَّخَذُ أَيْ عَادَةً.
قَوْلُهُ: (وَالْمِيَاهُ الْمُبَاحَةُ) دُخُولٌ عَلَى كَلَامِ الْمَتْنِ؛ لِأَنَّ الْمَتْنَ بَيَّنَ حُكْمَ الْمَاءِ الْمَمْلُوكِ الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَتِهِ، فَكَمَّلَ الشَّارِحُ الْفَائِدَةَ بِبَيَانِ حُكْمِ الْمُبَاحِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمَاءِ) أَيْ مَاءِ السَّمَاءِ وَمَاءِ الْعُيُونِ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا، وَالْكَلَأُ مَرَاعِي الْأَرْضِ الَّتِي لَا مَالِكَ لَهَا، وَالنَّارُ الَّتِي ضُرِبَتْ فِي حَطَبٍ مُبَاحٍ.
اهـ. ح ل. أَمَّا الْمَمْلُوكُ فَالْجَمْرُ نَفْسُهُ لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنٍ، وَأَمَّا الْجُرْمُ الْمُضِيءُ فَالْوَجْهُ عَدَمُ مَنْعِ مَنْ يَقْتَبِسُ مِنْهُ ضَوْءًا زي وَسَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَضَاقَ إلَخْ) خَرَجَ مَا إذَا كَانَ يَفِي بِالْجَمِيعِ، فَيَسْقِي مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ مَتَى شَاءَ شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (سَقَى الْأَعْلَى) أَيْ الْأَوَّلُ، فَالْأَوَّلُ حَالَ الْإِحْيَاءِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمَنْهَجِ فَإِنَّهُ قَالَ عَقِبَ " فَضَاقَ الْمَاءُ عَنْهُمْ " وَبَعْضُهُمْ أَحْيَا أَوَّلًا سَقَى الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ أَيْ وَإِنْ زَادَ عَلَى مَرَّةٍ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مَا لَمْ يُجَاوِزْ أَرْضَهُ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مَا دَامَتْ لَهُ حَاجَةٌ، وَإِنْ هَلَكَ زَرْعُ الْأَسْفَلِ قَبْلَ انْتِهَاءِ النَّوْبَةِ إلَيْهِ، فَإِنْ أَحْيَوْا مَعًا أَوْ جَهِلَ السَّابِقُ أَقْرَعَ، قَالَ ق ل: وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْأَعْلَى؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُحْيِيَ يَحْرِصُ عَلَى الْقُرْبِ مِنْ الْمَاءِ م د. وَمَحَلُّ الْإِقْرَاعِ فِي ذَلِكَ إذَا اسْتَوَوْا فِي الْقُرْبِ إلَى الْمَاءِ، أَمَّا إذَا قَرُبَ أَحَدُهُمْ إلَى الْمَاءِ فَهُوَ الْأَحَقُّ بِالسَّقْيِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ) أَيْ إنْ اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ ح ل.
وَقَالَ ق ل: قَوْلُهُ: " حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ " لَيْسَ قَيْدًا بَلْ الْمُعْتَبَرُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
قَوْلُهُ: (وَمَا أُخِذَ) الْأَخْذُ قَيْدٌ مُعْتَبَرٌ، وَخَرَجَ بِهِ الْمَاءُ الدَّاخِلُ فِي نَهْرٍ حَفَرَهُ فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ، لَكِنَّ مَالِكَ النَّهْرِ أَحَقُّ بِهِ كَالسَّبِيلِ يَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ، شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَقَوْلُهُ: " أَوْ حُفْرَةٍ أَيْ بِمِلْكِهِ، فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ، فَإِنْ سَدَّ عَلَيْهِ مَثَلًا أَوْ قَصَدَ تَمَلُّكَهُ مَلَكَهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (مِنْ هَذَا الْمَاءِ) وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ الْمُبَاحَاتِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِرْكَةٍ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: بِرْكَةُ الْمَاءِ مَعْرُوفَةٌ وَالْجَمْعُ بِرَكٌ مِثْلُ سِدْرَةٍ وَسِدَرٍ اهـ. وَفِي حَاشِيَةِ ع ش عَلَى الْمَنْهَجِ أَنَّ السُّيُوطِيّ نَقَلَ عَنْهُ أَنَّ فِيهَا لُغَةً بِضَمِّ الْبَاءِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) كَيَدٍ وَلَوْ رَدَّهُ إلَى مَحَلِّهِ لَمْ يَصِرْ شَرِيكًا بِهِ بَلْ هُوَ عَلَى إبَاحَتِهِ، أَيْ فَهُوَ.
بَاقٍ عَلَى إبَاحَتِهِ، وَلَا يَحْرُمُ إعَادَتُهُ لِلْمَاءِ عَلَى الْأَوْجُهِ عِنْدَ شَيْخِنَا.
اهـ. ح ل. وَقَالَ الْخَطِيبُ: وَسَأَلْت عَنْ شَخْصٍ أَخَذَ مَاءً مِنْ النَّهْرِ ثُمَّ صَبَّهُ فِيهِ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالِهِ؟ فَتَوَقَّفْت فِي ذَلِكَ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ مَاءَ النَّهْرِ لَا يُمْلَكُ وَلِأَنَّ الْمَاءَ الْمَصْبُوبَ مَوْجُودٌ فِي النَّهْرِ لَمْ يَتْلَفْ.
قَوْلُهُ: (بِلَا لِلِارْتِفَاقِ) أَيْ الِانْتِفَاعِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَرْتَحِلَ) فَإِذَا ارْتَحَلَ صَارَ كَغَيْرِهِ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ وَإِنْ عَادَ إلَيْهَا، كَمَا لَوْ حَفَرَهَا بِقَصْدِ ارْتِفَاقِ الْمَارَّةِ أَوْ لَا بِقَصْدِ شَيْءٍ فَإِنَّهُ فِيهَا كَغَيْرِهِ كَمَا فُهِمَ مِنْ ضَمِيرِ لِارْتِفَاقِهِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (لِلتَّمَلُّكِ) أَيْ بِقَصْدِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَالِكِ الْمَاءِ ق ل. وَفِيهِ قُصُورٌ، وَالْأَوْلَى قَوْلُ سم عَلَى مُسْتَحِقِّهِ كَأَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مَوَاتٍ لِلتَّمَلُّكِ أَوْ فِي مِلْكِهِ أَوْ انْفَجَرَ فِيهِ عَيْنٌ أَوْ اخْتِصَاصٌ كَأَنْ حَفَرَهَا فِي مَوَاتٍ لِلِارْتِفَاقِ بِهَا.
قَوْلُهُ: (بَذْلُ الْمَاءِ) أَيْ التَّمْكِينُ مِنْهُ بِأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَالْمَاءُ قَيْدٌ، وَخَرَجَ الدَّلْوُ وَنَحْوُهُ فَلَا يَجِبُ.
وَقَوْلُهُ " بِثَلَاثَةِ " الْأَوْلَى حَذْفُ التَّاءِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ بِسِتَّةٍ) وَنَظَمَهَا الْمَدَابِغِيُّ بِقَوْلِهِ:
يَفْضُلَ عَنْ حَاجَتِهِ) لِنَفْسِهِ وَمَاشِيَتِهِ وَشَجَرِهِ وَزَرْعِهِ (وَ) الشَّرْطُ الثَّانِي (أَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ غَيْرُهُ لِنَفْسِهِ) فَيَجِبُ بَذْلُ الْفَاضِلِ مِنْهُ عَنْ شُرْبِهِ لِشُرْبِ غَيْرِهِ الْمُحْتَرَمِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَقَوْلُهُ: (أَوْ لِبَهِيمَتِهِ) أَيْ يَجِبُ بَذْلُ مَا فَضَلَ عَنْ مَاشِيَتِهِ وَزَرْعِهِ لِبَهِيمَةِ غَيْرِهِ الْمُحْتَرَمَةِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلَأَ» . تَنْبِيهٌ: أَطْلَقَ الْمُصَنِّفُ الْحَاجَةَ وَقَيَّدَهَا الْمَاوَرْدِيُّ بِالنَّاجِزَةِ، قَالَ: فَلَوْ فَضَلَ عَنْهُ الْآنَ وَاحْتَاجَ إلَيْهِ فِي ثَانِي الْحَالِ وَجَبَ بَذْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَخْلَفُ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْمُحْتَرَمِ غَيْرُهُ كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ وَتَارِكِ الصَّلَاةِ وَكَذَا تَارِكُ الْوُضُوءِ فِي الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمُرْتَدُّ وَالْحَرْبِيُّ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْبَهِيمَةُ الْمَأْكُولَةُ إذَا وُطِئَتْ مُحْتَرَمَةً، فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهَا لَا تُذْبَحُ فَيَجِبُ الْبَذْلُ لَهَا.
(وَ) الشَّرْطُ الثَّالِثُ (أَنْ يَكُونَ) الْمَاءُ الْفَاضِلُ عَمَّا تَقَدَّمَ (مِمَّا يُسْتَخْلَفُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ يَخْلُفُهُ مَاءٌ غَيْرُهُ (فِي بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ) فِي جَبَلٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا الَّذِي لَا يُخْلَفُ كَالْقَارِ فِي إنَاءٍ أَوْ حَوْضٍ مَسْدُودٍ فَلَا يَجِبُ بَذْلُ فَضْلِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ فِي صُورَةِ الِاسْتِخْلَافِ لَا يَلْحَقُهُ، ضَرَرٌ بِالِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِخِلَافِهِ فِي غَيْرِهِ.
وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِ الْمَاءِ كَلَأٌ مُبَاحٌ تَرْعَاهُ الْمَوَاشِي، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلَأَ» أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَاشِيَةَ إنَّمَا تَرْعَى بِقُرْبِ الْمَاءِ، فَإِذَا مُنِعَ مِنْ الْمَاءِ فَقَدْ مُنِعَ مِنْ الْكَلَإِ وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ أَنْ لَا يَجِدَ مَالِكُ الْمَاشِيَةِ عِنْدَ الْكَلَإِ مَاءً مُبَاحًا، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ بَذْلُهُ.
وَالشَّرْطُ السَّادِسُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى صَاحِبِ الْبِئْرِ فِي وُرُودِ الْمَاشِيَةِ إلَى مَائِهِ ضَرَرٌ فِي زَرْعٍ وَلَا مَاشِيَةٍ، فَإِنْ لَحِقَهُ فِي وُرُودِهَا ضَرَرٌ مُنِعَتْ، لَكِنْ يَجُوزُ لِلرُّعَاةِ اسْتِقَاءُ
[حاشية البجيرمي]
وَوَاجِبٌ بِذَلِكَ لِلْمَا الْفَاضِلِ ... لِحُرْمَةِ الرُّوحِ بِلَا مُقَابِلِ
إنْ كَانَ فِي بِئْرٍ وَنَحْوِهَا وَثَمْ ... كَلَأٌ مُبَاحٌ قَدْ رَعَاهُ الْمُحْتَرَمْ
وَلَمْ يَكُنْ مَاءٌ مُبَاحٌ وَالضَّرَرْ ... قَدْ انْتَفَى عَنْ صَاحِبِ الْمَا فِي الشَّجَرْ
قَوْلُهُ: (وَزَرْعِهِ) اقْتَضَى هَذَا تَقْدِيمَ زَرْعِ صَاحِبِ الْمَاءِ عَلَى نَفْسِ غَيْرِهِ وَمَاشِيَتِهِ، الْأَوْجَهُ تَقْدِيمُ ذِي رُوحٍ لِغَيْرِهِ عَلَى زَرْعِهِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ ق ل.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْآدَمِيِّينَ) أَيْ وَغَيْرِهِمْ، بِدَلِيلِ إخْرَاجِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ بَعْدَ مِنْ غَيْرِ الْمُحْتَرَمِ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ: إلَخْ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ أَيْ يَجِبُ تَقْدِيرُهُ، مَعْنَاهُ يَجِبُ، فَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ لَفْظِ " أَيْ "؛ لِأَنَّهَا مُؤَوَّلَةٌ بِمَعْنَاهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ لِبَهِيمَتِهِ) خَرَجَ بِهِ زَرْعُ الْغَيْرِ، فَلَا يَجِبُ بَذْلُ الْمَاءِ لِأَجْلِهِ مُطْلَقًا كَمَا سَيَذْكُرُهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (لِتَمْنَعُوا) مُتَعَلِّقٌ بِالْمَنْفِيِّ وَاللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ، وَالْمَعْنَى إنْ مَنَعْتُمْ فَضْلَ الْمَاءِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَنْعُ الْكَلَإِ؛ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ إذَا عَطِشَتْ لَا تَأْكُلُ وَهِيَ عَطْشَانَةُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَطَشَ يَسُدُّ مُنَافِسَ شَهْوَةِ الْأَكْلِ وَقَدْ يَجِدُ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ عِنْدَ مَا يَقُومُ بِهِ الْعَطَشُ لِوُجُودِ الْحَرَارَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ الْعَطَشِ وَمِثْلُ الْعَطَشِ حَرَارَةُ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ أَوْ تَعَبُ أَوْ مَرَضٌ، شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا تَارِكُ الْوُضُوءِ) كَأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِلَا طَهَارَةٍ، فَهُوَ فِي الْمَعْنَى تَارِكٌ الصَّلَاةَ، فَلَا يَجِبُ بَذْلُ الْمَاءِ لَهُ لِإِهْدَارِهِ.
فَإِنْ قُلْتَ: يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الْوُضُوءِ تَرْكُ الصَّلَاةِ فَلِمَ فَصَلَهُ عَنْهَا وَقَالَ فِي الْأَصَحِّ؟ قُلْت: لَعَلَّ صُورَتَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَيَكُونُ لَهُ شُبْهَةٌ حَيْثُ اسْتَعْمَلَ أَحَدَ الطَّهُورَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَهِيمَةُ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ مُحْتَرَمَةٌ خَبَرٌ وَقَوْلُهُ إذَا وُطِئَتْ مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُمَا أَيْ وَطِئَهَا آدَمِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لَا تُذْبَحُ) أَيْ بِسَبَبِ الْوَطْءِ، أَيْ لَا يَجِبُ ذَبْحُهَا بَلْ يُسْتَحَبُّ خِلَافًا لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْقَائِلِ بِوُجُوبِ ذَبْحِهَا سَتْرًا عَلَى الْوَاطِئِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَجِبُ بَذْلُ فَضْلِهِ) أَيْ مَجَّانًا، وَإِلَّا فَيَجِبُ بَذْلُهُ لِلْمُضْطَرِّ بِعِوَضٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ إلَخْ) هَلْ هَذَا قَيْدٌ مُعْتَبَرٌ فَلَا يَجِبُ بَذْلُ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ يُعْلَفُ بِعَلَفٍ مَمْلُوكٍ أَوْ يَرْعَى فِي كَلَإٍ مَمْلُوكٍ، وَلَعَلَّهُ؛ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ حَيْثُ لَمْ يَعُدَّ الْمَاءَ أَيْ يُهَيِّئُ الْمَاءَ كَالْعَلَفِ مَثَلًا ح ل وَشَرْحِ م ر كَالشَّارِحِ، وَاسْتَظْهَرَ الرَّشِيدِيُّ أَنَّهُ أَيْ الْمُبَاحَ لَيْسَ بِقَيْدٍ فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ) أَتَى بِهِ لِلِاسْتِدْلَالِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ وَإِنْ تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (عَلَى صَاحِبِ الْبِئْرِ)
فَضْلِ الْمَاءِ لَهَا وَلَا يَجِبُ بَذْلُهُ لِزَرْعِ الْغَيْرِ كَسَائِرِ الْمَمْلُوكَاتِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بَذْلُهُ لِلْمَاشِيَةِ لِحُرْمَةِ الرُّوحِ، وَلَا يَجِبُ بَذْلُ فَضْلِ الْكَلَإِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَخْلَفُ فِي الْحَالِ وَيُتَمَوَّلُ فِي الْعَادَةِ وَزَمَنُ رَعْيِهِ يَطُولُ بِخِلَافِ الْمَاءِ، وَحَيْثُ لَزِمَهُ بَذْلُ الْمَاءِ لِلْمَاشِيَةِ لَزِمَهُ أَنْ يُمَكِّنَهَا مِنْ وُرُودِ الْبِئْرِ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِهِ وَإِلَّا فَلَا كَمَا مَرَّ وَحَيْثُ لَزِمَهُ الْبَذْلُ لَمْ يَجُزْ أَخْذُ عِوَضٍ عَلَيْهِ وَإِنْ صَحَّ بَيْعُ الطَّعَامِ لِلْمُضْطَرِّ لِصِحَّةِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْبَذْلُ إعَارَةُ آلَةِ الِاسْتِقَاءِ.
تَتِمَّةٌ: يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ الْمَاءِ التَّقْدِيرُ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ لَا بِرَيِّ الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَوَازِ الشُّرْبِ مِنْ مَاءِ السِّقَاءِ بِعِوَضٍ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي شُرْبِ الْآدَمِيِّ أَهْوَنُ مِنْهُ فِي شُرْبِ الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ وَيَجُوزُ الشُّرْبُ وَسَقْيُ الدَّوَابِّ مِنْ الْجَدْوَلِ وَالْأَنْهَارِ الْمَمْلُوكَةِ إذَا كَانَ السَّقْيُ لَا يَضُرُّ بِمَالِكِهَا إقَامَةً لِلْإِذْنِ الْعُرْفِيِّ مَقَامَ اللَّفْظِيِّ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ لَوْ كَانَ النَّهْرُ لِمَنْ لَا يُعْتَبَرُ إذْنُهُ كَالْيَتِيمِ وَالْأَوْقَافِ الْعَامَّةِ فَعِنْدِي فِيهِ وَقْفَةٌ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ.
وَالْقَنَاةُ أَوْ الْعَيْنُ الْمُشْتَرَكَةُ يُقَسَّمُ مَاؤُهَا عِنْدَ ضِيقِهِ عَنْهُمْ بِنَصْبِ خَشَبَةٍ فِي عُرْضِ النَّهْرِ فِيهَا ثُقَبٌ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ مُتَفَاوِتَةٌ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ مِنْ الْقَنَاةِ أَوْ الْعَيْنِ، وَلِلشُّرَكَاءِ الْقِسْمَةُ مُهَايَأَةً وَهِيَ أَمْرٌ يَتَرَاضَوْنَ عَلَيْهِ كَأَنْ يَسْقِيَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَوْمًا، أَوْ بَعْضُهُمْ يَوْمًا وَبَعْضُهُمْ أَكْثَرَ بِحَسَبِ حِصَّتِهِ.
وَإِذَا سَقَى زَرْعَهُ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ ضَمِنَ الْمَاءَ بِبَدَلِهِ وَالْغَلَّةُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ الْمَالِكُ لِلْبَذْرِ، فَإِنْ غَرِمَ الْبَدَلَ وَتَحَلَّلَ مِنْ صَاحِبِ الْمَاءِ كَانَتْ الْغَلَّةُ أَطْيَبَ لَهُ مِمَّا لَوْ غَرِمَ الْبَدَلَ فَقَطْ؛ وَلَوْ أَشْعَلَ نَارًا فِي حَطَبٍ مُبَاحٍ لَمْ يَمْنَعْ أَحَدًا الِانْتِفَاعَ بِهَا، وَلَا الِاسْتِصْبَاحَ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ الْحَطَبُ لَهُ فَلَهُ الْمَنْعُ مِنْ الْأَخْذِ مِنْهَا كَالْمَاءِ لَا الِاصْطِلَاءِ بِهَا وَلَا الِاسْتِصْبَاحِ مِنْهَا.