فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البجيرمي
- الكتاب
- تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
- المؤلف
- سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه
[حاشية البجيرمي]
أَيْ لَا رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَلَا رَجُلٍ وَيَمِينٍ؛؛ لِأَنَّ دَعْوَاهَا الْخُلْعَ لَيْسَ فِيهَا مَالٌ وَلَا يُقْصَدُ بِهَا مَالٌ.
قَوْلُهُ: (فَيَسْتَحِقُّهُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ لَهُ ثَانِيًا لِثُبُوتِهِ فِي ضِمْنِ مُعَاوَضَةٍ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ زي.
وَعِبَارَتُهُ: قَوْلُهُ: " إلَّا أَنْ يَعُودَ وَيَعْتَرِفَ بِالْخُلْعِ " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ وَكَذَّبَهُ الْمُقِرُّ لَهُ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ وَلَوْ رَجَعَ الْمُقَرُّ لَهُ وَصَدَّقَهُ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا بِإِقْرَارٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ فِي ضِمْنِ مُعَاوَضَةٍ بِخِلَافِ ذَاكَ، وَيُغْتَفَرُ فِي الضِّمْنِيِّ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ) ؛ لِأَنَّهَا تَزْعُمُ أَنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ رَجْعِيًّا وَالرَّجْعِيَّةُ لَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا.
وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا أَقَرَّتْ بِالطَّلَاقِ مَجَّانًا، أَمَّا إذَا أَنْكَرَتْ الطَّلَاقَ رَأْسًا فَلَهَا النَّفَقَةُ أَبَدًا، وَإِذَا مَاتَ تَرِثُهُ إذَا مَاتَ فِي الْعِدَّةِ، وَإِذَا مَاتَتْ لَا يَرِثُهَا عَمَلًا بِدَعْوَاهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ فِي صِفَةِ عِوَضِهِ) مُرَادُهُ بِهَا مَا يَشْمَلُ الْجِنْسَ فَصَحَّ التَّمْثِيلُ بِمَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ فِي اخْتِلَافِ الْجِنْسِ اخْتِلَافَ صِفَةٍ أَيْضًا، فَكَأَنَّ الشَّارِحَ قَالَ اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ عِوَضِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا اخْتِلَافُ جِنْسٍ أَيْضًا أَمْ لَا عَشْمَاوِيٌّ؛ وَبِهَذَا انْدَفَعَ قَوْلُ ق ل الْآتِي فِي قَوْلِهِ قَوْلُهُ كَدَرَاهِمَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (كَدَرَاهِمَ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ مِنْ الْجِنْسِ لَا مِنْ الصِّفَةِ ق ل.
قَوْلُهُ: (كَالْمُتَبَايِعِينَ) فِيهِ إحَالَةٌ عَلَى مَجْهُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ اخْتِلَافَ الْمُتَبَايِعَيْنِ، لَكِنْ ذَكَرَهُ غَيْرُهُ.
وَالْقَوْلُ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ الْوَاقِعِ فِي مَسْأَلَتِهِ وَهِيَ الْأُولَى قَوْلُ الزَّوْجِ بِيَمِينِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَانْظُرْ هَلْ الْمُرَادُ بِيَمِينِهِ الْوَاقِعِ فِي التَّحَالُفِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ يَمِينٍ أُخْرَى؟ قَالَ شَيْخُنَا: الظَّاهِرُ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ يَبْدَأُ بِهِ) أَيْ وَهُوَ الزَّوْجُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ كَالْبَائِعِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ س ل: وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِالزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ يَبْقَى لَهَا.
قَوْلُهُ: (بِفَسْخِ الْعِوَضِ) أَيْ بَعْدَ التَّحَالُفِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (مَهْرُ مِثْلٍ) فَاعِلُ: " يَجِبُ ".
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَنْوِيَا شَيْئًا) بَقِيَ مَا لَوْ اخْتَلَفَتْ نِيَّتُهُمَا قَدْرًا أَوْ صِفَةً أَوْ نَوْعًا، وَالْحُكْمُ التَّحَالُفُ كَمَا تَقَدَّمَ ق ل.
[فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ] وَهُوَ مَصْدَرُ طَلَقَ بِالتَّخْفِيفِ وَاسْمُ مَصْدَرٍ لِطَلَّقَ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَمَصْدَرُهُ التَّطْلِيقُ وَذَكَرَهُ عَقِبَ الْخُلْعِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فُرْقَةٌ وَهُوَ لَفْظٌ جَاهِلِيٌّ جَاءَ الشَّرْعُ بِتَقْرِيرِهِ فَلَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَعْنِي الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي حَلِّ الْعِصْمَةِ أَيْضًا لَكِنْ لَا يَحْصُرُونَهُ فِي الثَّلَاثِ فَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ عَادِلٍ رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ كَانَ النَّاسُ فِي الِابْتِدَاءِ يُطَلِّقُونَ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ وَلَا عَدَدٍ وَكَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَإِذَا قَارَبَتْ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا كَذَلِكَ ثُمَّ رَاجَعَهَا بِقَصْدِ مُضَارَّتِهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] وَرُوِيَ «أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ
هُوَ لُغَةً حَلُّ الْقَيْدِ وَشَرْعًا حَلُّ عَقْدِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ وَعَرَّفَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ بِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَمْلُوكٌ لِلزَّوْجِ يُحْدِثُهُ بِلَا سَبَبٍ فَيَقْطَعُ النِّكَاحَ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ الْكِتَابُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وَالسُّنَّةُ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْحَلَالِ أَبْغَضَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الطَّلَاقِ» . وَأَرْكَانُهُ خَمْسَةٌ: صِيغَةٌ وَمَحِلٌّ وَوِلَايَةٌ وَقَصْدٌ وَمُطَلِّقٌ وَشَرْطٌ فِي الْمُطَلِّقِ وَلَوْ بِالتَّعْلِيقِ تَكْلِيفٌ، فَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ
[حاشية البجيرمي]
عِدَّتُهَا وَلَوْ طَلَّقَهَا أَلْفَ مَرَّةٍ كَانَتْ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ ثَابِتَةً لَهُ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَشَكَتْ أَنَّ زَوْجَهَا يُطَلِّقُهَا وَيُرَاجِعُهَا يُضَارِرْهَا بِذَلِكَ فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] » يَعْنِي الطَّلَاقَ الَّذِي تُمْلَكُ الرَّجْعَةُ عَقِبَهُ مَرَّتَانِ.
اهـ. م د وَتَعْتَرِيه الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ فَيَكُونُ وَاجِبًا كَطَلَاقِ الْمَوْلَى أَوْ الْحَكَمَيْنِ كَمَا مَرَّ وَيَكُونُ حَرَامًا كَطَلَاقِ الْبِدْعَةِ وَيَكُونُ مَنْدُوبًا كَطَلَاقِ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ لَا يَمِيلُ إلَيْهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَبِأَمْرِ أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ لِغَيْرِ تَعَنُّتٍ وَمِنْهُ طَلَاقُ سَيِّئَةِ الْخُلُقِ بِحَيْثُ لَا يَصْبِرُ عَلَى عِشْرَتِهَا لَا مُطْلَقًا لِأَنَّ سُوءَ الْخُلُقِ غَالِبٌ فِي النِّسَاءِ أَشَارَ إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ «الصَّالِحَةُ فِي النِّسَاءِ كَالْغُرَابِ الْأَعْصَمِ» كِنَايَةٌ عَنْ نُدْرَةِ وُجُودِهَا إذْ الْأَعْصَمُ وَهُوَ أَبْيَضُ الْجَنَاحَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا كَذَلِكَ قِ ل عَلَى الْجَلَالِ
قَوْلُهُ (هُوَ لُغَةً حَلُّ الْقَيْدِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَيْدِ أَعَمُّ مِنْ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ لِيَكُونَ بَيْنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ عَلَاقَةٌ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَوِيُّ خِلَافَ ظَاهِرِ التَّعْبِيرِ بِالْحَلِّ وَالْمُرَادُ بِالْحَلِّ الْمَعْنَوِيِّ إزَالَةُ الْعَلَقَةِ الَّتِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَوْلُهُ (تَصَرُّفٌ) سَمَّاهُ تَصَرُّفًا لِأَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَ الِانْتِفَاعِ بِهِ أَيْ بِالطَّلَاقِ قَوْلُهُ (بِلَا سَبَبٍ) أَيْ بِلَا سَبَبٍ خَاصٍّ وَقَيَّدَ بِذَلِكَ لِإِخْرَاجِ الْفَسْخِ فَإِنَّ لَهُ أَسْبَابًا خَاصَّةً كَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ قَوْلُهُ (وَالْأَصْلُ فِيهِ) أَيْ فِي وُقُوعِهِ اهـ ع ش عَلَى م ر قَوْلُهُ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] أَيْ عَدَدُ الطَّلَاقِ الَّذِي تُمْلَكُ الرَّجْعَةُ عَقِبَهُ مَرَّتَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ الْمُضَافِ قَبْلَ الْمُبْتَدَأِ لِيَكُونَ الْمُبْتَدَأُ عَيْنَ الْخَبَرِ قَوْلُهُ ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 229] أَيْ بِالرَّجْعَةِ
قَوْلُهُ (لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْحَلَالِ) الْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّنْفِيرُ عَنْ الطَّلَاقِ لَا حَقِيقَةُ الْبُغْضِ وَهُوَ الِانْتِقَامُ أَوْ إرَادَتُهُ مِنْ فَاعِلِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْحَرَامِ لَا فِي الْحَلَالِ اهـ وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ النَّسْلِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْ النِّكَاحِ وَلَمَا فِيهِ مِنْ إيذَاءِ الزَّوْجَةِ وَأَهْلِهَا وَأَوْلَادِهَا إنْ كَانَ لَهَا أَوْلَادٌ قَالَهُ ح ل وَمَا الْمَانِعُ مِنْ كَوْنِ الْبُغْضِ مَعْنَاهُ الْكَرَاهَةُ وَعَدَمُ الرِّضَا وَهَذَا صَادِقٌ بِالْمَكْرُوهِ كَالْحَرَامِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ وَصْفُهُ بِالْحِلِّ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْجَائِزُ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر
قَوْلُهُ (وَوِلَايَةٌ وَقَصْدٌ) فِيهِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَصْفٌ لِلْمُطَلِّقِ فَالْمُنَاسِبُ جَعْلُهُمَا مِنْ شُرُوطِهِ كَمَا ذَكَرَهُ ح ل قَوْلُهُ (وَقَصْدٌ) أَيْ قَصْدُ اللَّفْظِ لِمَعْنَاهُ أَيْ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَعْنَاهُ وَمَحَلِّهِ عِنْدَ وُجُودِ الصَّارِفِ كَالْمُدَرِّسِ وَاَلَّذِي يَحْكِي كَلَامَ غَيْرِهِ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ صَارِفٌ فَلَا يُشْتَرَطُ قَصْدٌ قَوْلُهُ (وَمُطَلِّقٌ) لَمْ يَقُلْ زَوْجٌ لِأَنَّ الْمُطَلِّقَ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ الزَّوْجِ كَالْقَاضِي فِي طَلَاقِهِ عَنْ الْمُوَلَّى قَوْلُهُ (وَلَوْ بِالتَّعْلِيقِ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا حَالَ التَّعْلِيقِ وَإِنْ جُنَّ حَالَ الْوُقُوعِ أَخْرَجَ بِهِ مَا لَوْ قَالَ الْمُرَاهِقُ إذَا بَلَغْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ بَلَغَ وَكَذَا الْمَجْنُونُ لَوْ قَالَ إذَا أَفَقْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَفَاقَ لِأَنَّا إذَا أَوْقَعْنَا الطَّلَاقَ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ الْإِفَاقَةِ أَوْقَعْنَاهُ بِقَوْلِهِمَا السَّابِقِ وَقَوْلُهُمَا لَا يَصِحُّ فِي الْحَالِ فَكَذَا لَا يَصِحُّ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ زي
قَوْلُهُ (فَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ) شَمَلَ النَّائِمَ وَظَاهِرُهُ وَإِنْ عَصَى بِالنَّوْمِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ كَأَنْ نَامَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ اسْتِيقَاظُهُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَمَّا لَوْ اسْتَعْمَلَ مَا يَجْلِبُ النَّوْمَ بِحَيْثُ تَقْضِي الْعَادَةُ أَنَّ مِثْلَهُ يُوجِبُ النَّوْمَ فَفِيهِ نَظَرٌ وَقَدْ يُقَالُ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ اسْتِعْمَالِ الدَّوَاءِ الْمُزِيلِ لِلْعَقْلِ بِأَنَّ الْعَقْلَ مِنْ الْكُلِّيَّاتِ الَّتِي يَجِبُ حِفْظُهَا فِي سَائِرِ الْمِلَلِ بِخِلَافِ النَّوْمِ فَإِنَّهُ قَدْ يُطْلَبُ اسْتِعْمَالُ مَا يُحَصِّلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ رَاحَةِ الْبَدَنِ فِي الْجُمْلَةِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر قَوْلُهُ
مُكَلَّفٍ لِخَبَرِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» إلَّا السَّكْرَانَ فَيَصِحُّ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَاخْتِيَارًا، فَلَا يَصِحُّ مِنْ مُكْرَهٍ وَإِنْ لَمْ يُوَرِّ لِإِطْلَاقِ خَبَرِ: «لَا طَلَاقَ فِي إغْلَاقٍ» أَيْ إكْرَاهٍ.
وَشَرْطُ الْإِكْرَاهِ قُدْرَةُ مُكْرِهٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى تَحْقِيقِ مَا هَدَّدَ بِهِ بِوِلَايَةٍ أَوْ تَغَلُّبٍ عَاجِلًا ظُلْمًا وَعَجْزُ مُكْرَهٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ عَنْ
[حاشية البجيرمي]
«رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» تَتِمَّتُهُ «عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» صَحَّحَهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَحَيْثُ رُفِعَ عَنْهُمْ الْقَلَمُ بَطَلَ تَصَرُّفُهُمْ وَالْمُرَادُ قَلَمُ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَأَمَّا قَلَمُ خِطَابِ الْوَضْعِ فَهُوَ ثَابِتٌ فِي حَقِّهِمْ بِدَلِيلِ ضَمَانِ مَا أَتْلَفُوهُ وَلَكِنْ يُرَدُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الطَّلَاقَ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَهُوَ رَبْطُ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ فَكَانَ مُقْتَضَاهُ وُقُوعَهُ عَلَيْهِمْ وَيُجَابُ بِأَنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ يَلْزَمُهُ حُكْمٌ تَكْلِيفِيٌّ كَحُرْمَةِ الزَّوْجَةِ عَلَيْهِمْ وَخِطَابُ التَّكْلِيفِ مَرْفُوعٌ فَيَلْزَمُ مِنْ رَفْعِ اللَّازِمِ وَهُوَ خِطَابُ التَّكْلِيفِ رَفْعُ الْمَلْزُومِ فِي خُصُوصِ مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ وَأَمَّا خِطَابُ الْوَضْعِ فِي غَيْرِهَا فَثَابِتٌ كَالْإِتْلَافِ لِأَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوهُ
قَوْلُهُ (إلَّا السَّكْرَانَ) أَيْ الْمُتَعَدِّيَ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ فَيَكُونُ مُتَّصِلًا فَيَقَعُ مِنْهُ أَيْ وَلَوْ بِكِنَايَةٍ إنْ نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ خِلَافًا لِابْنِ الرِّفْعَةِ حَيْثُ لَا يَقَعُ بِكِنَايَةٍ وَإِنْ نَوَى وَلَوْ ادَّعَى بَعْدَ إفَاقَتِهِ عَدَمَ التَّعَدِّي صُدِّقَ بِيَمِينِهِ أَيْ إذَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى كَذِبِهِ فَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى كَذِبِهِ كَأَنْ كَانَ مُدْمِنَ خَمْرٍ فَلَا يُصَدَّقُ أَصْلًا كَمَا هُوَ مُعْتَمَدٌ م ر فِي دَرْسِهِ وَعِبَارَةُ م ر وَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَأَقَرَّهُ جَمْعٌ مِنْ عَدَمِ نُفُوذِ طَلَاقِ السَّكْرَانِ بِالْكِنَايَةِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى النِّيَّةِ وَهِيَ مُسْتَحِيلَةٌ مِنْهُ فَمَحَلُّ نُفُوذِ تَصَرُّفِهِ السَّابِقِ إنَّمَا هُوَ بِالصَّرِيحِ فَقَطْ مَرْدُودٌ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ بِأَنَّ الصَّرِيحَ يُعْتَبَرُ فِيهِ قَصْدُ لَفْظِهِ لِمَعْنَاهُ كَمَا تَقَرَّرَ وَالسَّكْرَانُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَيْضًا فَكَمَا أَوْقَعُوهُ بِهِ وَلَمْ يَنْظُرُوا لِذَلِكَ فَكَذَلِكَ هِيَ لِلتَّغْلِيظِ عَلَيْهِ اهـ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَعْنَوِيٌّ فَإِنَّ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ عَنَى أَنَّهُ لَيْسَ مُخَاطَبًا خِطَابَ تَكْلِيفٍ حَالَ عَدَمِ فَهْمِهِ لِاسْتِحَالَتِهِ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ مُكَلَّفٌ عَنَى أَنَّهُ مُكَلَّفٌ حُكْمًا أَيْ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُكَلَّفِينَ.
اهـ.
قَوْلُهُ (كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ) أَيْ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ قَوْلُهُ (تَغْلِيظًا عَلَيْهِ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ فَيَصِحُّ مِنْهُ قَوْلُهُ (مِنْ مُكْرَهٍ) أَيْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَخَرَجَ مَا كَانَ بِحَقٍّ كَطَلَاقِ الْمَوْلَى وَاحِدَةً بِإِكْرَاهِ الْقَاضِي لَهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ وَهَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَ الْقَاضِي يَأْمُرُهُ أَوَّلًا بِالْوَطْءِ فَإِنْ امْتَنَعَ طَالَبَهُ بِالطَّلَاقِ فَإِنْ امْتَنَعَ أَكْرَهَهُ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْقَاضِي يُخَيِّرُهُ بَيْنَهُمَا أَيْ بَيْنَ الْوَطْءِ وَالطَّلَاقِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ يَكُونُ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ.
اهـ. م د مُلَخَّصًا وَقَوْلُهُ (وَإِنْ لَمْ يُوَرِّ) كَأَنْ يَقْصِدَ غَيْرَ زَوْجَتِهِ أَوْ يَقْصِدَ بِالطَّلَاقِ الْحَلَّ مِنْ الْوَثَاقِ أَوْ بِطَلَّقْتُ الْإِخْبَارَ كَاذِبًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَالْغَايَةُ لِلرَّدِّ عَلَى الْخِلَافِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَقَعُ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَمِنْ الْإِكْرَاهِ مَا لَوْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّهَا قَبْلَ نَوْمِهِ فَغَلَبَهُ النَّوْمُ وَلَوْ قَبْلَ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ بِحَيْثُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ دَفْعِهِ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَتَمَكَّنَ مِنْهُ قَبْلَ غَلَبَتِهِ بِوَجْهٍ أَيْ فَإِنْ تَمَكَّنَ وَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى غَلَبَهُ النَّوْمُ حَنِثَ وَظَاهِرُ التَّعْبِيرِ بِالتَّمَكُّنِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْحِنْثِ النَّوْمُ بِوُجُودِ مَنْ يَسْتَحْيِ مِنْ الْوَطْءِ بِحُضُورِهِمْ عَادَةً عِنْدَهُ كَمَحْرَمِهِ وَزَوْجَةٍ لَهُ وَلَوْ قِيلَ بِعَدَمِ الْحِنْثِ وَجُعِلَ ذَلِكَ عُذْرًا وَيُرَادُ بِالتَّمَكُّنِ التَّمَكُّنُ الْمُعْتَادُ فِي مِثْلِهِ لَمْ يَبْعُدْ وَيَبَرُّ مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ بِإِدْخَالِ الْحَشَفَةِ فَقَطْ مَا لَمْ يُرِدْ بِالْوَطْءِ قَضَاءَ الْوَطَرِ.
اهـ.
وَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَطَأَنَّهَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَوَجَدَهَا حَائِضًا وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ وَجَدَهَا مَرِيضَةً مَرَضًا لَا تُطِيقُ مَعَهُ الْوَطْءَ فَلَا حِنْثَ وَتُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهَا وَمَا لَوْ حَلَفَتْ لَتَصُومَنَّ غَدًا فَحَاضَتْ وَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنه غَدًا فَأَعْسَرَ قَوْلُهُ «فِي إغْلَاقٍ» بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُكْرِهَ أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَابًا لَا يَخْرُجُ مِنْهُ إلَّا بِالطَّلَاقِ قَوْلُهُ (وَشَرْطُ الْإِكْرَاهِ) أَيْ مُطْلَقًا لَا بِقَيْدٍ كَوْنُهُ عَلَى الطَّلَاقِ قَوْلُهُ (قُدْرَةُ مُكْرِهٍ) ذَكَرَ الشَّارِحُ لِلْإِكْرَاهِ شُرُوطًا ثَلَاثَةً وَبَقِيَ أَنْ لَا تَظْهَرَ مِنْهُ قَرِينَةُ اخْتِيَارٍ بِأَنْ عَدَلَ عَنْ اللَّفْظِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ إلَى غَيْرِهِ فَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى ثَلَاثٍ مِنْ الطَّلْقَاتِ أَوْ عَلَى صَرِيحٍ أَوْ تَعْلِيقٍ أَوْ عَلَى أَنْ يَقُولَ طَلَّقْت أَوْ عَلَى طَلَاقِ مُبْهَمَةٍ فَخَالَفَ بِأَنْ وَحَّدَ أَوْ ثَنَّى أَوْ كَنَّى أَوْ نَجَّزَ أَوْ سَرَّحَ أَوْ طَلَّقَ مُعَيَّنَةً وَقَعَ بَلْ لَوْ وَافَقَ الْمُكْرِهَ وَنَوَى الطَّلَاقَ وَقَعَ لِاخْتِيَارِهِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ لِأَنَّ صَرِيحَ الطَّلَاقِ فِي حَقِّ الْمُكْرَهِ كِنَايَةٌ لَا يَقَعُ إلَّا بِالنِّيَّةِ قَوْلُهُ (بِوِلَايَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقُدْرَةٍ قَوْلُهُ (عَاجِلًا ظُلْمًا) حَالَانِ مِنْ مَا وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا وَهِيَ أَنَّ شَخْصًا
دَفْعِهِ بِهَرَبٍ وَغَيْرِهِ وَظَنَّهُ أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ حَقَّقَ مَا هَدَّدَهُ بِهِ، وَيَحْصُلُ الْإِكْرَاهُ بِتَخْوِيفٍ بِمَحْذُورٍ كَضَرْبٍ شَدِيدٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَحَبْسٍ.
ثُمَّ شَرَعَ الْمُصَنِّفُ فِي الرُّكْنِ الثَّانِي وَهُوَ الصِّيغَةُ بِقَوْلِهِ: (وَالطَّلَاقُ ضَرْبَانِ) فَقَطْ (صَرِيحٌ) وَهُوَ مَا لَا يَحْتَمِلُ ظَاهِرُهُ غَيْرَ الطَّلَاقِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ لِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ كَمَا سَيَأْتِي، فَلَوْ قَالَ: لَمْ أَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ لَمْ يُقْبَلْ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ فِيهِ الْإِجْمَاعَ (وَكِنَايَةٌ) وَهُوَ مَا يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ فَيَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ لِإِيقَاعِهِ كَمَا سَيَأْتِي، فَانْحَصَرَ الطَّلَاقُ فِي هَذَيْنِ
[حاشية البجيرمي]
يَعْتَادُ الْحِرَاثَةَ لِشَخْصٍ فَتَشَاجَرَ مَعَهُ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ إنَّهُ لَا يَحْرُثُ لَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَشَكَاهُ لِشَادِّ الْبَلَدِ فَأَكْرَهَهُ عَلَى الْحِرَاثَةِ لَهُ تِلْكَ السَّنَةَ وَهَدَّدَهُ بِالضَّرْبِ وَنَحْوِهِ إنْ لَمْ يَحْرُثْ لَهُ وَهُوَ أَنَّهُ لَا حِنْثَ لِأَنَّ هَذَا إكْرَاهٌ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا يُشْتَرَطُ تَجَدُّدُ الْإِكْرَاهِ مِنْ الشَّادِّ الْمَذْكُورِ بَلْ يَكْفِي مَا وُجِدَ مِنْهُ أَوَّلًا حَيْثُ أَكْرَهَهُ عَلَى الْفِعْلِ جَمِيعَ السَّنَةِ عَلَى الْعَادَةِ بَلْ لَوْ قَالَ لَهُ اُحْرُثْ جَمِيعَ السِّنِينَ وَكَانَ حَلَفَ إنَّهُ لَا يَحْرُثُ لَهُ أَصْلًا لَا فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا لَمْ يَحْنَثْ مَا دَامَ الشَّادُّ مُتَوَلِّيًا فَإِنْ عُزِلَ وَتَوَلَّى غَيْرُهُ وَلَمْ يُكْرِهْهُ عَلَى الْحَرْثِ حَنِثَ بِالْحَرْثِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِعَمَلٍ فَحَلَفَ إنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ فَأُكْرِهَ عَلَيْهِ حَنِثَ لِأَنَّ هَذَا إكْرَاهٌ بِحَقٍّ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر
قَوْلُهُ (وَعَجْزُ مُكْرَهٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ عَنْ دَفْعِهِ) لَا يُقَالُ هُوَ عِنْدَ قُدْرَةِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْهَرَبِ مَثَلًا لَا يَصِيرُ الْمُكْرِهُ قَادِرًا عَلَى مَا هَدَّدَ بِهِ فَلَا حَاجَةَ لِهَذَا الْقَيْدِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّا نَقُولُ قُدْرَةُ الْمُكْرَهِ بِالْفَتْحِ عَلَى الْهَرَبِ لَا تُنَافِي قُدْرَةَ الْمُكْرِهِ عَلَى مَا هَدَّدَ بِهِ كَمَا فِي ح ل قَوْلُهُ (وَظَنُّهُ) فَلَوْ بَانَ خِلَافُ ظَنِّهِ فَيَنْبَغِي عَدَمُ الْوُقُوعِ أَيْضًا قَوْلُهُ (بِتَخْوِيفٍ) الضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ مَا يَسْهُلُ ارْتِكَابُهُ عَلَى الْمُكْرَهِ بِفَتْحِ الرَّاءِ لَيْسَ إكْرَاهًا وَعَكْسُهُ إكْرَاهٌ ق ل عَلَى الْجَلَالِ قَوْلُهُ (كَضَرْبٍ شَدِيدٍ) وَيَخْتَلِفُ الضَّرْبُ وَغَيْرُهُ بِاخْتِلَافِ طَبَقَاتِ النَّاسِ وَأَحْوَالِهِمْ حَتَّى قَالَ الدَّارِمِيُّ إنَّ الضَّرْبَ الْيَسِيرَ بِحَضْرَةِ الْمَلَأ إكْرَاهٌ فِي حَقِّ ذَوِي الْمُرُوآتِ وَقَالَ الشَّاشِيُّ إنَّ الِاسْتِخْفَافَ فِي حَقِّ الْوَجِيهِ إكْرَاهٌ وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ إنَّ الشَّتْمَ فِي حَقِّ أَهْلِ الْمُرُوءَةِ إكْرَاهٌ كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ وَهَلْ مِنْ ذَلِكَ الزِّنَا بِزَوْجَتِهِ أَوْ قَتْلُ وَلَدِهِ أَوْ الْفُجُورُ بِهِ؟ وَهَلْ وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ اعْتَادَ الْقِيَادَةَ عَلَيْهَا وَفِي الرَّوْضِ أَنَّ التَّخْوِيفَ بِقَتْلِ الْوَلَدِ إكْرَاهٌ فِي الطَّلَاقِ وَفِي كَلَامِ شَيْخِنَا أَنَّ مِنْ الْإِكْرَاهِ التَّهْدِيدَ بِقَتْلِ بَعْضِ مَعْصُومٍ وَإِنْ عَلَا أَوْ سَفَلَ وَكَذَا رَحِمٍ وَنَحْوَ جَرْحِهِ جَرْحًا شَدِيدًا أَوْ فُجُورًا بِهِ وَلَيْسَ مِنْ الْإِكْرَاهِ قَوْلُ مَنْ ذَكَرَ طَلِّقْ زَوْجَتَك وَإِلَّا قَتَلْت نَفْسِي مَا لَمْ يَكُنْ نَحْوَ فَرْعٍ أَوْ أَصْلٍ ح ل بِزِيَادَةٍ مِنْ ق ل
قَوْلُهُ (كَحَبْسٍ) أَيْ طَوِيلٍ عُرْفًا.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ وَمِنْهُ حَبْسُ دَوَابِّهِ حَبْسًا يُؤَدِّي إلَى التَّلَفِ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر وَمِنْ الْإِكْرَاهِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا طَلِّقْنِي وَإِلَّا أَطْعَمْتُك سُمًّا مَثَلًا وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ ق ل وَبِرْمَاوِيٌّ قَوْلُهُ (الثَّانِي) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الْأَوَّلُ لِأَنَّهَا أَوَّلُ الْأَرْكَانِ قَوْلُهُ (صَرِيحٌ إلَخْ) وَالْعِبْرَةُ فِي الْكُفَّارِ فِي الصَّرِيحِ بِمَا يَعْتَقِدُونَ صَرَاحَتَهُ وَإِنْ خَالَفَ مَا عِنْدَنَا لِأَنَّا نَعْتَبِرُ اعْتِقَادَهُمْ فِي عُقُودِهِمْ فَكَذَا فِي طَلَاقِهِمْ وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَتَرَافَعُوا إلَيْنَا أَيْ إلَى حَاكِمِنَا وَأَمَّا الْمُفْتِي فَيُجِيبُ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ ق ل مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ ع ش عَلَى م ر قَوْلُهُ (لِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ) أَيْ إرَادَتِهِ فَلَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي مِنْ اعْتِبَارِ قَصْدِ لَفْظِ الطَّلَاقِ لِمَعْنَاهُ شَرْحُ الْمَنْهَجِ أَيْ عِنْدَ وُجُودِ الصَّارِفِ اهـ وَشَرْطُ وُقُوعِهِ بِصَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ رَفْعُ صَوْتِهِ بِحَيْثُ يُسْمِعُ نَفْسَهُ لَوْ كَانَ صَحِيحَ السَّمْعِ وَلَا عَارِضَ وَلَا يَقَعُ بِغَيْرِ لَفْظٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ قَالَهُ م ر فِي شَرْحِهِ
وَقَوْلُهُ (وَلَا يَقَعُ بِغَيْرِ لَفْظٍ) أَيْ وَلَا بِصَوْتٍ خَفِيٍّ بِحَيْثُ لَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَقَوْلُهُ (عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ) أَشَارَ بِهِ إلَى خِلَافِ سَيِّدِنَا مَالِكٍ فَإِنَّهُ قَالَ يَقَعُ بِنِيَّتِهِ.
اهـ. حَجّ بِالْمَعْنَى قَوْلُهُ (لَمْ يُقْبَلْ) الْمُنَاسِبُ لَمْ يُفِدْ إذْ هُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَأَيْضًا هُوَ لَوْ قَالَ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ وَلَكِنَّ قَبُولَهُ لَا يُفِيدُ شَيْئًا إذْ عَدَمُ النِّيَّةِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الصَّرِيحِ شَيْخُنَا وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ لَمْ يُقْبَلْ صَوَابُهُ لَا يَمْنَعُ الْوُقُوعَ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ وَإِنْ قَبِلْنَاهُ اهـ أَيْ لِأَنَّ قَوْلَهُ السَّابِقَ فَلَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةِ إيقَاعٍ لَا يُلَائِمُهُ قَوْلُهُ (فِيهِ) أَيْ فِي عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَى نِيَّةِ الْإِيقَاعِ أَوْ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ (وَكِنَايَةٍ) وَهِيَ التَّكَلُّمُ بِكَلَامٍ يُرِيدُ غَيْرُهُ مَعْنَاهُ وَلَعَلَّ هَذَا بِحَسَبِ اللُّغَةِ وَأَمَّا عِنْدَ أَهْلِ الشَّرْعِ فَهِيَ لَفْظٌ يَحْتَمِلُ الْمُرَادَ وَغَيْرَهُ فَيَحْتَاجُ فِي الِاعْتِدَادِ بِهِ لِنِيَّةِ الْمُرَادِ
الْقِسْمَيْنِ؛ وَمَا وَقَعَ لِلدَّمِيرِيِّ فِي قَوْلِهِ لَنَا طَلَاقٌ يَقَعُ بِلَا صَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ وَصُوَرُهُ بِاعْتِرَافِ الزَّوْجَيْنِ بِفِسْقِ الشُّهُودِ حَالَةَ الْعَقْدِ هُوَ عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ، وَالصَّحِيحُ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّهَا فُرْقَةُ فَسْخٍ.
تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ طَلَاقٌ بِنِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا بِتَحْرِيكِ لِسَانِهِ بِكَلِمَةِ الطَّلَاقِ إذَا لَمْ يَرْفَعْ صَوْتَهُ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ مَعَ اعْتِدَالِ سَمْعِهِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِكَلَامٍ.
(فَالصَّرِيحُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ) فَقَطْ كَمَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ (الطَّلَاقُ) أَيْ مَا اُشْتُقَّ مِنْهُ لِاشْتِهَارِهِ فِيهِ لُغَةً وَعُرْفًا (وَ) كَذَا (الْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ) بِفَتْحِ السِّينِ أَيْ مَا اُشْتُقَّ مِنْهُمَا عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا لِوُرُودِهِمَا فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَاهُ.
وَأَمْثِلَةُ الْمُشْتَقِّ مِنْ الطَّلَاقِ كَطَلَّقْتُكِ وَأَنْتِ طَالِقٌ وَيَا مُطَلَّقَةُ يَا طَالِقُ لَا أَنْتِ طَلَاقٌ وَالطَّلَاقُ فَلَيْسَا بِصَرِيحَيْنِ بَلْ كِنَايَتَانِ؛ لِأَنَّ الْمَصَادِرَ إنَّمَا
[حاشية البجيرمي]
لِخَفَائِهِ فَهِيَ نِيَّةُ أَحَدِ مُحْتَمَلَاتِ اللَّفْظِ لَا نِيَّةُ مَعْنًى مُغَايِرٍ لِمَدْلُولِهِ.
اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَا يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ) وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لِلَّفْظِ إشْعَارٌ قَرِيبٌ بِالْفُرْقَةِ وَلَمْ يَشِعْ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ شَرْعًا وَلَا عُرْفًا.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَيَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ لِإِيقَاعِهِ) لَوْ قَالَ لِإِرَادَتِهِ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي.
قَوْلُهُ.
(إلَى نِيَّةٍ) وَلَوْ أَنْكَرَ نِيَّتَهُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَكَذَا وَارِثُهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ نَوَى، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ هِيَ أَوْ وَارِثُهَا أَنَّهُ نَوَى؛ لِأَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى النِّيَّةِ يُمْكِنُ بِالْقَرَائِنِ اهـ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (وَالصَّحِيحُ فِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ النِّكَاحِ مِنْ أَصْلِهِ فَلَا طَلَاقَ وَلَا فَسْخَ وَإِنْ حَصَلَ وَطْءٌ وَيَكُونُ وَطْءَ شُبْهَةٍ إنْ لَمْ يَعْلَمَا بِالْحَالِ وَإِلَّا كَانَ زِنًا وَكَانَ الْأَوْجَهُ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ لَمْ يُوجَدْ النِّكَاحُ مِنْ أَصْلِهِ.
قَوْلُهُ: (أَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ) أَيْ قَوْلُهُ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَفْظَانِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَقَعُ طَلَاقٌ بِنِيَّةٍ) خَرَجَ بِالطَّلَاقِ الْعَدَدُ فَيَقَعُ بِالنِّيَّةِ.
فَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَنَوَى ثَلَاثًا أَوْ اثْنَتَيْنِ وَقَعَ، أَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَنَوَى ثَلَاثًا أَوْ اثْنَتَيْنِ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى مَا ذَكَرَهُ وَقَعَ.
فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَقَعُ الثَّلَاثُ مَعَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً؟ أُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ وَاحِدَةً حَالٌ أَيْ حَالَ كَوْنِك مُتَوَحِّدَةً عَنْ الزَّوَاجِ أَيْ مُنْفَرِدَةً عَنْهُ وَهَذَا يَتَحَقَّقُ مَعَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ، وَلَيْسَ وَاحِدَةٌ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ طَلْقَةً وَاحِدَةً.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ) وَكَذَا مَا اُشْتُقَّ مِنْ الْخُلْعِ وَالْمُفَادَاةِ إنْ ذَكَرَ الْمَالَ أَوْ نَوَاهُ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ مَا اُشْتُقَّ مِنْهُ) أَيْ أَوْ هُوَ نَفْسُهُ فِي نَحْوِ أَوْقَعْت عَلَيْك الطَّلَاقَ أَوْ يَلْزَمُنِي الطَّلَاقُ أَوْ الطَّلَاقُ لَازِمٌ لِي أَوْ عَلَيَّ الطَّلَاقُ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَصْدَرَ يَكُونُ صَرِيحًا إذَا وَقَعَ فَاعِلًا أَوْ مَفْعُولًا أَوْ مُبْتَدَأً.
قَوْلُهُ: (كَطَلَّقْتُكِ) أَتَى بِالْكَافِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ إذَا حُذِفَ الْمَفْعُولُ لَا يَقَعُ إلَّا إذَا دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ وَلَاحَظَهُ كَمَا إذَا قَالَ شَخْصٌ: طَلَّقْت زَوْجَتك؟ فَقَالَ: طَلَّقْت الْمَعْنَى طَلَّقْتهَا، فَإِذَا لَاحَظَ ذَلِكَ وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا، أَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي، فَقَالَ: طَلَّقْت وَنَوَى الْمَفْعُولَ، أَيْ طَلَّقْتُك.
وَكَذَا الْمُبْتَدَأُ أَوْ الْخَبَرُ إذَا حُذِفَ أَحَدُهُمَا لَا يَقَعُ إلَّا إذَا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَلَاحَظَهُ، كَمَا إذَا قَالَ لَهُ شَخْصٌ: أَزَوْجَتُك طَالِقٌ؟ فَقَالَ: طَالِقٌ، التَّقْدِيرُ: زَوْجَتِي طَالِقٌ، أَوْ هِيَ طَالِقٌ، فَإِذَا لَاحَظَ ذَلِكَ وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا.
وَمِثَالُ الْخَبَرِ مَا إذَا قَالَ: نِسَاءُ الْمُسْلِمِينَ طَوَالِقُ وَأَنْتِ يَا زَوْجَتِي أَوْ وَزَوْجَتِي، التَّقْدِيرُ: طَالِقٌ، وَلَاحَظَ ذَلِكَ وَقَعَ، وَإِلَّا فَلَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: طَلَّقْت نِسَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَزَوْجَتِي فَإِنَّهَا تَطْلُقُ وَإِنْ لَمْ يُقَدِّرْ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ مُسَلَّطٌ عَلَى الْكُلِّ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ اهـ:
فَرْعٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّنْ تَشَاجَرَ مَعَ زَوْجَتِهِ فَقَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ سَكَتَ سَكْتَةً طَوِيلَةً تَزِيدُ عَلَى سَكْتَةِ التَّنَفُّسِ أَوْ الْعِيِّ فَقَالَ زَوَّدْتُك أَلْفَ طَلْقَةٍ وَلَمْ يَقْصِدْ طَلَاقًا، فَهَلْ يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ رَجْعِيٌّ فَقَطْ أَمْ ثَلَاثٌ؟ وَأَجَابَ شَيْخُنَا ع ش: بِأَنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ بِقَوْلِهِ الثَّانِي زَوَّدْتُك إلَخْ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ بِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ أَنْتِ طَالِقٌ وَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا مَا دَامَتْ الْعِدَّةُ بَاقِيَةً وَلَمْ يَكُنْ سَبَقَهَا طَلْقَتَانِ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَيَا مُطَلَّقَةُ) بِفَتْحِ اللَّامِ مُشَدَّدَةٍ أَمَّا بِكَسْرِهَا فَكِنَايَةُ طَلَاقٍ مِنْ النَّحْوِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ مَحَلُّ التَّطْلِيقِ وَقَدْ
تُسْتَعْمَلُ فِي الْأَعْيَانِ تَوَسُّعًا.
وَيُقَاسُ بِمَا ذَكَرَ فَارَقْتُك وَسَرَّحْتُك فَهُمَا صَرِيحَانِ، وَكَذَا أَنْتِ مُفَارَقَةٌ وَمُسَرَّحَةٌ وَيَا مُفَارَقَةُ وَيَا مُسَرَّحَةُ، وَأَنْتِ فِرَاقٌ وَالْفِرَاقُ وَسَرَاحٌ وَالسَّرَاحُ كِنَايَاتٌ.
فُرُوعٌ: لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وِثَاقٍ أَوْ مِنْ الْعَمَلِ أَوْ سَرَّحْتُك إلَى كَذَا كَانَ كِنَايَةً إنْ قَصَدَ أَنْ يَأْتِيَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ الْحَلِفِ وَإِلَّا فَصَرِيحٌ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِيمَنْ يَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ مِنْ ذِرَاعِهِ أَوْ فَرَسِهِ أَوْ رَأْسِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلَوْ أَتَى بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ بَدَلَ الطَّاءِ كَأَنْ يَقُولَ أَنْتِ تَالِقٌ كَانَ كِنَايَةً كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ سَوَاءٌ أَكَانَتْ لُغَتُهُ كَذَلِكَ أَمْ لَا، وَلَوْ قَالَ: نِسَاءُ الْمُسْلِمِينَ طَوَالِقُ لَمْ تَطْلُقْ مِنْهُ زَوْجَتُهُ إنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقَهَا بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ.
وَتَرْجَمَةُ لَفْظِ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ صَرِيحٌ لِشُهْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا فِي مَعْنَاهَا عِنْدَ أَهْلِهَا دُونَ تَرْجَمَةِ الْفِرَاقِ وَالسَّرَاحِ
[حاشية البجيرمي]
أَضَافَهُ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ وَهُوَ الزَّوْجَةُ فَلَا بُدَّ فِي وُقُوعِهِ مِنْ صَرْفِهِ بِالنِّيَّةِ إلَى مَحَلِّهِ وَهُوَ الزَّوْجُ بِأَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ هُوَ الْمُطَلِّقُ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ: أَنَا مِنْك طَالِقٌ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالطَّلَاقُ) الْوَاوُ بِمَعْنَى: " أَوْ " وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: " طَلَاقٌ ".
قَوْلُهُ: (فِي الْأَعْيَانِ) أَيْ فِي حَالَةِ الْإِخْبَارِ كَمَا هُوَ صُورَتُهُ، أَمَّا إذَا كَانَ الْمَصْدَرُ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ الْأَخْبَارِ كَأَنْ قَالَ أَوْقَعْت عَلَيْك الطَّلَاقَ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف. وَذَكَرَهُ الرَّشِيدِيُّ عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (تَوَسُّعًا) لِكَوْنِ الْمَصْدَرِ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي فَلَمَّا كَانَ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْأَعْيَانِ إلَّا تَوَسُّعًا كَانَ كِنَايَةً.
قَوْلُهُ: (وَيَا مُفَارَقَةُ) أَيْ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ، أَمَّا بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ فَكِنَايَةٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (كِنَايَاتٌ) وَكَذَا أَنْتَ فُرْقَةٌ أَوْ سَرْحَةٌ أَوْ طَلْقَةٌ سم وَمِنْ الْكِنَايَةِ فَارْقِينِي.
لَا يُقَالُ إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْفِرَاقِ وَهُوَ صَرِيحٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ قَدْ أَسْنَدَهُ إلَيْهَا وَالْفِرَاقُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (فُرُوعٌ) أَيْ أَرْبَعَةٌ.
وَحَاصِلُهُ تَقْيِيدُ الصَّرِيحِ بِمَا إذَا لَمْ يُتْبِعْهُ بِمَا يُخْرِجُهُ عَنْ الصَّرَاحَةِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ كِنَايَةً) فِي كَوْنِهِ كِنَايَةً نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَنْتِ طَالِقٌ صَرِيحٌ بِاتِّفَاقٍ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَا تُخْرِجُهَا عَنْ الصَّرَاحَةِ؛ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهَا تَصِيرُ كَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَانَ كَالِاسْتِثْنَاءِ كَمَا قَالَ م ر. وَاَلَّذِي فِي م ر. مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ صَرِيحٌ، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنْ نَحْوِ مِنْ وَثَاقٍ مُلْحَقٌ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَيَجْرِي فِيهِ تَفْصِيلُهُ مِنْ النِّيَّةِ قَبْلَ تَمَامِ الصِّيغَةِ فَيَقَعُ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ غَيْرُ ظَاهِرٍ، إذْ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا قَصَدَ أَنْ يَأْتِيَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ وَقَصَدَ بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ؛ إذْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ يَقْتَضِي عَدَمَ الْوُقُوعِ، وَفِيهِ أَنَّهُ وُجِدَ فِي بَعْضِ نُسَخِ شَرْحِ م ر. أَنَّهُ كِنَايَةٌ أَيْ عِنْدَ قَصْدِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَتُهُ، وَبِمَا فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ صَرَّحَ فِي الْفَتَاوَى.
وَذَكَرَ الرَّشِيدِيُّ عَلَى م ر. مَا حَاصِلُهُ نَقْلًا عَنْ الشِّهَابِ: أَنَّهُ إنْ قَصَدَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ صِيغَةِ الطَّلَاقِ كَانَتْ صِيغَةُ الطَّلَاقِ كِنَايَةً إنْ نَوَى بِهَا طَلَاقَ زَوْجَتِهِ وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا؛ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (إنْ قَصَدَ أَنْ يَأْتِيَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ) أَيْ وَتَلَفَّظَ بِذَلِكَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ وَنَوَاهُ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْحَلِفِ كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِلَّا وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ.
قَوْلُهُ: (وَيَجْرِي ذَلِكَ فِيمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ مِنْ ذِرَاعِهِ إلَخْ) فَهُوَ كَالِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَيُشْتَرَطُ شُرُوطُهُ وَالْعَامِّيُّ وَالْعَالِمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَكَانَتْ لُغَتَهُ إلَخْ) وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ بَلْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ شَيْءٌ وَإِنْ نَوَى لِاخْتِلَافِ الْمَادَّةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ التَّلَاقِي بِمَعْنَى الِاجْتِمَاعِ وَالطَّلَاقُ مَعْنَاهُ الْفِرَاقُ.
وَفَصَّلَ الْبُلْقِينِيُّ فَقَالَ: إنْ كَانَتْ لُغَتَهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ وَإِلَّا لَمْ يَقَعْ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَاعْتَمَدَ هَذَا التَّفْصِيلَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَالطَّبَلَاوِيُّ؛ لَكِنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّهُ كِنَايَةٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ لُغَتَهُ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَطْلُقْ مِنْهُ زَوْجَتُهُ) فَلَوْ قَالَ: وَأَنْتِ يَا زَوْجَتِي، لَمْ تَطْلُقْ أَيْضًا لِعَطْفِهِ عَلَى مَا لَيْسَ مَحَلًّا لِطَلَاقِهِ مَعَ حَذْفِ أَحَدِ رُكْنَيْ الْإِسْنَادِ وَهُوَ طَالِقٌ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْأَصَحِّ) أَيْ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ ضَعِيفًا، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ لَكِنَّ الْحُكْمَ هُنَا مُسَلَّمٌ.
قَالَ ع ش: وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا، وَهِيَ أَنَّ شَخْصًا أَغْلَقَ عَلَى زَوْجَتِهِ الْبَابَ ثُمَّ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يَفْتَحُ لَهَا أَحَدٌ ثُمَّ غَابَ عَنْهَا ثُمَّ رَجَعَ وَفَتَحَ لَهَا هَلْ يَقَعُ الطَّلَاقُ أَمْ لَا وَهُوَ عَدَمُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ لِمَا ذُكِرَ اهـ. وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى سَائِرِ الْمَذَاهِبِ، إنْ قَصَدَ طَلْقَةً مُجْمَعًا عَلَيْهَا وَقَعَ وَاحِدَةً وَإِنْ قَصَدَ تَعَدُّدَ الطَّلَاقِ بِتَعَدُّدِ الْمَذَاهِبِ وَقَعَ ثَلَاثًا.
قَوْلُهُ:
فَإِنَّهَا كِنَايَةٌ كَمَا صَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِي صَرَاحَتِهَا بِالْعَرَبِيَّةِ فَضَعُفَا بِالتَّرْجَمَةِ.
(وَلَا يَفْتَقِرُ) وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِصَرِيحِهِ (إلَى النِّيَّةِ) إجْمَاعًا إلَّا فِي الْمُكْرَهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ النِّيَّةُ إنْ نَوَاهُ وَقَعَ عَلَى الْأَصَحِّ وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا الْوَكِيلُ فِي الطَّلَاقِ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ إذَا طَلَّقَ عَنْ مُوَكِّلِهِ بِالصَّرِيحِ النِّيَّةُ إنْ كَانَ لِمُوَكِّلِهِ زَوْجَةٌ أُخْرَى كَمَا رَجَّحَهُ فِي الْخَادِمِ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ زَوْجَتَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَمْيِيزٍ، قَالَ: أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِمُوَكِّلِهِ غَيْرُهَا فَفِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ نَظَرٌ لِتَعَيُّنِ الْمَحَلِّ الْقَابِلِ لِلطَّلَاقِ مِنْ أَهْلِهِ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقَالُ إنَّ الصَّرِيحَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ بِخِلَافِ الْكِنَايَةِ مَعَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ قَصْدُ لَفْظِ الطَّلَاقِ لِمَعْنَاهُ وَلَا يَكْفِي قَصْدُ حُرُوفِ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ مَعْنَاهُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَصْدُ اللَّفْظِ لِمَعْنَاهُ، وَالصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى قَصْدِ الْإِيقَاعِ بِخِلَافِ الْكِنَايَةِ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ.
فُرُوعٌ:
قَوْلُهُ الطَّلَاقُ لَازِمٌ لِي أَوْ وَاجِبٌ عَلَيَّ صَرِيحٌ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فَرْضٌ عَلَيَّ لِلْعُرْفِ فِي ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ الطَّلَاقُ وَسَكَتَ فَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ: إنَّهُ صَرِيحٌ؛ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَهُوَ الْحَقُّ فِي هَذَا الزَّمَنِ لِاشْتِهَارِهِ فِي مَعْنَى التَّطْلِيقِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
وَقَوْلُهُ لَهَا طَلَّقَك اللَّهُ وَلِغَرِيمِهِ أَبْرَأَك اللَّهُ وَلِأَمَتِهِ أَعْتَقَك اللَّهُ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْعِتْقِ، إذْ لَا يُطَلِّقُ اللَّهُ وَلَا يُبْرِئُ اللَّهُ وَلَا يَعْتِقُ اللَّهُ وَالزَّوْجَةُ طَالِقٌ وَالْغَرِيمُ بَرِيءٌ وَالْأَمَةُ مُعْتَقَةٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ بَاعَك اللَّهُ أَوْ أَقَالَك اللَّهُ فَإِنَّهُ كِنَايَةٌ؛ لِأَنَّ الصِّيَغَ هُنَا قَوِيَّةٌ لِاسْتِقْلَالِهَا بِالْمَقْصُودِ بِخِلَافِ صِيغَتَيْ الْبَيْعِ
[حاشية البجيرمي]
وَتَرْجَمَةُ لَفْظِ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ صَرِيحٌ) وَتَرْجَمَةُ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ: سن بوش فسن أَنْت وبوش طَالِقٌ؛ أَفَادَهُ الْبَابِلِيُّ.
قَوْلُهُ: (إلَى النِّيَّةِ) أَيْ نِيَّةِ إيقَاعِهِ هَذَا هُوَ الْمَنْفِيُّ، أَمَّا نِيَّةُ قَصْدِ الطَّلَاقِ لِمَعْنَاهُ فَلَا بُدَّ مِنْهَا إنْ كَانَ هُنَاكَ صَارِفٌ فِي كُلٍّ مِنْ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا فِي الْمُكْرَهِ إلَخْ) فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى قَصْدِ الْإِيقَاعِ وَقَصْدِ اللَّفْظِ لِمَعْنَاهُ فَصَرِيحُهُ كِنَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (إنْ نَوَاهُ وَقَعَ عَلَى الْأَصَحِّ) وَلَيْسَ لَنَا صَرِيحٌ يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ إلَّا هَذَا.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الْوَكِيلُ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ نِيَّةُ الزَّوْجَةِ لَا نِيَّةُ الطَّلَاقِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ قِ ل. وَصُورَةُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَهُ زَوْجَتَانِ وَعَيَّنَ لَهُ وَاحِدَةً وَكَّلَهُ فِي طَلَاقِهَا فَيُشْتَرَطُ فِي الْوَكِيلِ قَصْدُهَا بِالطَّلَاقِ وَلَوْ كَانَ لَفْظُهُ صَرِيحًا.
قَوْلُهُ: (النِّيَّةُ) أَيْ نِيَّةُ الزَّوْجَةِ.
قَوْلُهُ: (لِتَرَدُّدِهِ) أَيْ الطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ: (فَفِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ) أَيْ نِيَّةِ الزَّوْجَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَهْلِهِ) أَيْ أَهْلِ الطَّلَاقِ، أَيْ الْأَهْلِ لِلطَّلَاقِ وَهُوَ الْوَكِيلُ.
قَوْلُهُ: (وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (مَعَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ قَصْدُ لَفْظِ الطَّلَاقِ لِمَعْنَاهُ) دَخَلَ فِيهِ الْهَازِلُ وَاللَّاعِبُ وَمَنْ ظَنَّ مُخَاطَبَتَهُ لِأَجْنَبِيَّةٍ فَإِذَا هِيَ زَوْجَتُهُ، بِخِلَافِ مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ وَالْحَاكِي فَإِنَّهُمَا لَمْ يَقْصِدَا اللَّفْظَ لِمَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ قَصْدِ مَعْنَاهُ) كَالْعِتْقِ فَلَوْ قُلْت لِمَنْ يَضْرِبُ عَبْدَك عَبْدٌ مَا هُوَ لَك حُرٌّ مِثْلُك لَمْ يَعْتِقْ.
قَوْلُهُ: (يُشْتَرَطُ فِيهِ قَصْدُ اللَّفْظِ لِمَعْنَاهُ) فَخَرَجَ الْأَعْجَمِيُّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ مَعْنَى الطَّلَاقِ، وَخَرَجَ أَيْضًا مَا لَوْ قَالَ شَخْصٌ لِقَوْمٍ تَضَجَّرَ مِنْهُمْ طَلَّقْتُكُمْ وَفِيهِمْ زَوْجَتُهُ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا فِيهِمْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَقْصُودَ لَهُ هُوَ الْفِرَاقُ اللُّغَوِيُّ لَا الْخَاصُّ الَّذِي هُوَ حَلُّ الْعِصْمَةِ، وَكَذَا إذَا قَالَ لِمَنْ اسْمُهَا طَالِقٌ يَا طَالِقُ وَلَمْ يَقْصِدْ طَلَاقًا فَلَا يَقَعْ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (لَازِمٌ لِي) أَوْ يَلْزَمُنِي وَمِثْلُهُ طَلَاقُك لَازِمٌ لِي كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ وَأَقَرَّاهُ، وَقِيلَ إنَّهُ كِنَايَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ، وَقِيلَ لَغْوٌ سم.
قَوْلُهُ: (لِلْعُرْفِ) أَيْ بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ؛؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عُرْفًا بِخِلَافِ الْوَاجِبِ زي.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ كِنَايَةٌ) لِاحْتِمَالِهِ أَنَّ الطَّلَاقَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَيَقَعُ بِهِ وَاحْتِمَالُهُ الطَّلَاقُ فَرْضٌ عَلَيَّ فَلَا يَقَعُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ إنَّهُ صَرِيحٌ) مُعْتَمَدٌ، وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ الطَّلَاقُ بِالثَّلَاثِ إنْ رُحْت دَارَ أَبِيك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَرَاحَتْ وَقَعَ الثَّلَاثُ اعْتِبَارًا بِأَوَّلِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ م ر، وَقَالَ وَلَدُهُ يَقَعُ طَلْقَةً فَالْأَوَّلُ قَسَمٌ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (لِاشْتِهَارِهِ فِي مَعْنَى التَّطْلِيقِ) قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ صَرَاحَةٍ عَلَى الْفِرَاقِ أَوْ السَّرَاحِ سم.
قَوْلُهُ: (إذْ لَا يُطَلِّقُ اللَّهُ) الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَحْكُمُ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ أَوْ الْإِبْرَاءِ إلَّا بَعْدَ صُدُورِ طَلَاقٍ مِنْ الزَّوْجِ وَصُدُورِ عِتْقٍ وَإِبْرَاءٍ، هَذَا هُوَ الْمُرَادُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الصِّيَغَ هُنَا) أَيْ فِي نَحْوِ طَلَّقَك اللَّهُ قَوِيَّةٌ لِاسْتِقْلَالِهَا بِالْمَقْصُودِ لِعَدَمِ
وَالْإِقَالَةِ.
(وَالْكِنَايَةُ كُلُّ لَفْظٍ احْتَمَلَ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ) وَلَا يُخَالِفُ هَذَا قَوْلَ الْبَغَوِيِّ فِي تَهْذِيبِهِ هِيَ كُلُّ لَفْظٍ يُنْبِئُ عَنْ الْفُرْقَةِ وَإِنْ دَقَّ وَلَا قَوْلَ الرَّافِعِيِّ هِيَ مَا احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ فَصَاعِدًا وَهِيَ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي أَظْهَرُ لِرُجُوعِ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ.
(وَتَفْتَقِرُ) فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِهَا (إلَى النِّيَّةِ) إجْمَاعًا، إذْ اللَّفْظُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ تُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا، وَأَلْفَاظُهَا كَثِيرَةٌ لَا تَكَادُ تَنْحَصِرُ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بَعْضَهَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِقَوْلِهِ: (مِثْلُ أَنْتِ خَلِيَّةٌ) أَيْ خَالِيَةٌ مِنِّي وَكَذَا يُقَدَّرُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِيمَا بَعْدَهُ (وَ) أَنْتِ (بَتَّةٌ) بِمُثَنَّاةٍ قَبْلَ آخِرِهِ أَيْ مَقْطُوعَةُ الْوَصْلَةِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْبَتِّ وَهُوَ الْقَطْعُ.
تَنْبِيهٌ: تَنْكِيرُ أَلْبَتَّةَ جَوَّزَهُ الْفَرَّاءُ وَالْأَصَحُّ وَهُوَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا مُعَرَّفًا بِاللَّامِ.
(وَ) أَنْتِ (بَائِنٌ) مِنْ الْبَيْنِ وَهُوَ الْفِرَاقُ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ بَائِنٌ هُوَ اللُّغَةُ الْفُصْحَى وَالْقَلِيلُ بَائِنَةٌ.
[حاشية البجيرمي]
تَوَقُّفِهَا عَلَى شَيْءٍ آخَرَ، بِخِلَافِ صِيغَتَيْ الْبَيْعِ وَالْإِقَالَةِ فَإِنَّهُمَا غَيْرُ مُسْتَقِلَّيْنِ بِالْمَقْصُودِ لِتَوَقُّفِهِمَا عَلَى الْقَبُولِ.
وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الشَّخْصُ إذَا أَضَافَهُ إلَى اللَّهِ كَانَ صَرِيحًا وَكُلَّ مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الشَّخْصُ إذَا أَضَافَهُ إلَى اللَّهِ كَانَ كِنَايَةً؛ وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ بِقَوْلِهِ:
مَا فِيهِ الِاسْتِقْلَالُ بِالْإِنْشَاءِ ... وَكَانَ مُسْنَدًا لِذِي الْآلَاءِ
فَهُوَ صَرِيحٌ ضِدُّهُ كِنَايَهْ ... فَكُنْ لِذَا الضَّابِطِ ذَا دِرَايَهْ
قَوْلُهُ: (وَلَا يُخَالِفُ هَذَا قَوْلَ الْبَغَوِيِّ) أَيْ فِي تَعْرِيفِ الْكِنَايَةِ.
قَوْلُهُ: (يُنْبِئُ عَنْ الْفُرْقَةِ) أَيْ إنْبَاءً غَيْرَ ظَاهِرٍ وَغَيْرَ قَوِيٍّ، وَإِلَّا فَالصَّرِيحُ يُنْبِئُ عَنْ الْفُرْقَةِ لَكِنَّ دَلَالَةَ ظَاهِرِهِ قَوِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ دَقَّ) أَيْ وَإِنْ خَفِيَ مَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي أَظْهَرُ) وَلَوْ كَانَ غَيْرَ الطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَيُفْتَقَرُ إلَخْ) صَنِيعُ الشَّارِحِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، وَلَوْ حَذَفَ " فِي " مِنْ قَوْلِهِ " فِي وُقُوعِ " وَجَعَلَ " يُفْتَقَرُ " مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ كَانَ أَوْلَى كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (خَلِيَّةٌ) بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيْ مِنْ الزَّوْجِ وَهُوَ خَالٍ مِنْهَا فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ، أَيْ خَالِيَةٌ؛ وَالْأَصْلُ فِي الْخَلِيَّةِ النَّاقَةُ تُطْلَقُ مِنْ عِقَالِهَا وَيُخَلَّى عَنْهَا.
مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ تَكُونِي طَالِقًا هَلْ تَطْلُقُ أَمْ لَا لِاحْتِمَالِ هَذَا اللَّفْظِ الْحَالَ وَالِاسْتِقْبَالَ؟ وَهَلْ هُوَ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ؟ إنْ قُلْتُمْ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ فِي الْحَالِ فَمَتَى يَقَعُ أَبِمُضِيِّ لَحْظَةٍ أَمْ لَا يَقَعُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ مُبْهَمٌ؟ الْجَوَابُ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ كِنَايَةٌ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ وُقُوعَ الطَّلَاقِ فِي الْحَالِ طَلُقَتْ أَوْ التَّعْلِيقَ احْتَاجَ إلَى ذِكْرِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَهُوَ وَعْدٌ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ سم عَلَى حَجّ ع ش عَلَى م ر. فَإِنْ نَوَى بِذَلِكَ الْأَمْرَ عَلَى حَذْفِ اللَّامِ أَيْ لِتَكُونِي فَهُوَ إنْشَاءٌ فَتَطْلُقُ فِي الْحَالِ بِلَا شَكٍّ سم.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَهُ كُونِي طَالِقًا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ.
اهـ. م د. وَقَوْلُهُ " الظَّاهِرُ إلَخْ " مَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي ضِمْنِ تَعْلِيقٍ كَقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ تَكُونِي طَالِقًا، وَإِلَّا وَقَعَ عِنْدَ وُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (يُقَدَّرُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ) أَيْ جِنْسُهُ لَا شَخْصُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي قَوْلِهِ وَأَنْتِ حَرَامٌ يُقَدَّرُ عَلَيَّ لَا مِنِّي كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا، أَيْ فَيُقَدَّرُ فِي كُلِّ مَحَلٍّ مَا يُنَاسِبُهُ مِنْ: عَنِّي أَوْ عَلَيَّ أَوْ الْبَاءِ أَوْ الْمَفْعُولِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ الَّتِي يَجِبُ تَعْرِيفُهَا مَا كَانَتْ بِمَعْنَى قَطْعًا أَوْ لَا مَحَالَةَ أَوْ لَا بُدَّ فَرَاجِعْهُ ق ل. وَهِيَ هُنَا بِمَعْنَى مَقْطُوعَةِ الْوَصْلَةِ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ، وَعِبَارَةُ الصِّحَاحِ: لَا أَفْعَلُهُ بَتَّةً وَلَا أَفْعَلُهُ أَلْبَتَّةَ لِكُلِّ أَمْرٍ لَا رَجْعَةَ فِيهِ وَنَصَبَهُ عَلَى الْمَصْدَرِ اهـ. وَبِهَذَا يُعْلَمُ انْدِفَاعُ اعْتِرَاضِ ق ل. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: تَنْكِيرُهَا لُغَةً اهـ. قَالَ ع ش عَلَيْهِ: قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَنْ الْعَرَبِ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ اهـ.
قَوْلُهُ: (بَائِنٌ) وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ بَيْنُونَةً لَا تَحِلِّينَ بَعْدَهَا.
اهـ. ق ل.
(وَ) أَنْتِ (حَرَامٌ) أَيْ مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ مَمْنُوعَةٌ لِلْفُرْقَةِ.
(وَ) أَنْتِ (كَالْمَيِّتَةِ) أَيْ فِي التَّحْرِيمِ شَبَّهَ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ كَتَحْرِيمِ الْمَيِّتَةِ وَاغْرُبِي بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ رَاءٍ أَيْ صِيرِي غَرِيبَةً بِلَا زَوْجٍ، وَأَمَّا اُعْزُبِي بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ فَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِمَعْنَاهُ كَمَا سَيَأْتِي.
(وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَك) أَيْ؛ لِأَنِّي طَلَّقْتُك وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْمَدْخُولُ بِهَا وَغَيْرُهَا.
(وَتَقَنَّعِي) أَيْ اُسْتُرِي رَأْسَك بِالْقِنَاعِ؛ لِأَنِّي طَلَّقْتُك وَالْقِنَاعُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَالْمِقْنَعَةُ بِكَسْرِ الْمِيمِ مَا تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا وَمَحَاسِنَهَا.
(وَابْعُدِي) أَيْ مِنِّي؛ لِأَنِّي طَلَّقْتُك (وَاذْهَبِي) أَيْ عَنِّي؛ لِأَنِّي طَلَّقْتُك وَهُمَا بِمَعْنَى اُعْزُبِي بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ (وَالْحَقِي بِأَهْلِك) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَجَعَلَهُ الْمُطَرِّزِيُّ خَطَأً أَيْ؛ لِأَنِّي طَلَّقْتُك سَوَاءٌ أَكَانَ لَهَا.
أَهْلٌ أَمْ لَا.
(وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) مِنْ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَأَنْتِ حَرَامٌ) وَكَذَا عَلَيَّ الْحَرَامُ فَكِنَايَةٌ إنْ قَصَدَ بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا، وَمَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِاَللَّهِ مِنْ قَوْلِهِ أَنْتِ حَرَامٌ أَيْ عَلَيَّ وَمِثْلُهُ حَلَالُ اللَّهِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ أَبَدًا وَمِثْلُ عَلَيَّ الْحَرَامُ الْحَرَامُ يَلْزَمُنِي.
اهـ. ز ي. وَقَوْلُهُ " عَلَيَّ الْحَلَالُ " كِنَايَةٌ إنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ وَإِلَّا فَلَا قَالَ ع ش: وَخَرَجَ بِأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ مَا لَوْ حَذَفَ أَنْتِ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ عَلَيَّ الْحَرَامُ وَقُوَّةُ كَلَامِهِ تُعْطِي أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِمَا أَفْتَى بِهِ وَالِدُهُ كَالشَّرَفِ الْمُنَاوِيِّ؛ لَكِنْ فِي فَتَاوَى الشَّارِحِ أَنَّ عَلَيَّ الْحَرَامُ أَوْ الْحَرَامُ يَلْزَمُنِي كِنَايَةٌ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ حَيْثُ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ إذَا لَمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلَاقَ.
فَرْعٌ: يَقَعُ كَثِيرًا أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ عَلَيَّ الْحَرَامُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ الْحَرَامَ عِنْدَ مَالِكٍ مَعْنَاهُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ كَانَ حَلِفًا بِالثَّلَاثِ لِتَضَمُّنِ ذَلِكَ نِيَّةَ الْعَدَدِ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ فَلَهُ تَقْلِيدُ الشَّافِعِيِّ فِي عَدَمِ الْعَدَدِ فَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ؛ هَكَذَا ظَهَرَ فَلْيُنْظَرْ فِيهِ اهـ، كَذَا بِخَطِّ الرَّشِيدِيِّ.
وَمِنْ الْكِنَايَةِ أَيْضًا مَا لَوْ زَادَ عَلَى قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَلْفَاظًا تُؤَكِّدُ بَعْدَهُ عَنْهَا كَأَنْتِ حَرَامٌ كَالْخِنْزِيرِ أَوْ كَالْمَيْتَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَمِنْ ذَلِكَ مَا اشْتَهَرَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ مِنْ قَوْلِهِ أَنْتِ حَرَامٌ كَمَا حَرُمَ لَبَنُ أُمِّي أَوْ إنْ أَتَيْتُك أَتَيْتُك مِثْلَ أُمِّي وَأُخْتِي أَوْ مِثْلَ الزَّانِي فَلَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ كَوْنِهِ كِنَايَةً، وَلَيْسَ مِنْ الْكِنَايَةِ مَا لَوْ قَالَتْ لَهُ أَنَا ذَاهِبَةٌ بَيْتَ أَبِي مَثَلًا فَقَالَ لَهَا الْبَابُ مَفْتُوحٌ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (فَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بِمَعْنَاهُ) وَهُوَ قَوْلُهُ اُبْعُدِي وَاذْهَبِي فَإِنَّهُمَا بِمَعْنَى اُعْزُبِي.
قَوْلُهُ: (أَيْ؛ لِأَنِّي طَلَّقْتُك) أَتَى الشَّارِحُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْكِنَايَاتِ بِالْمَعْنَى الْمُوقِعِ لِلطَّلَاقِ وَتَرَكَ الِاحْتِمَالَ الْآخَرَ.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرُهَا) ؛ لِأَنَّهَا مَحَلٌّ لِلْعِدَّةِ فِي الْجُمْلَةِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ غَيْرَهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَابْعُدِي) بِضَمِّ الْعَيْنِ كَشَرُفَ يَشْرُفُ.
قَوْلُهُ: (وَهُمَا بِمَعْنَى اُعْزُبِي) وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَاهُ صِيرِي عَزَبًا، وَهُوَ بِضَمِّ الزَّايِ وَكَسْرِهَا مِنْ بَابِ دَخَلَ وَجَلَسَ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ.
قَوْلُهُ: (بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ) أَيْ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا هَمْزَةُ وَصْلٍ مَتَى كَانَتْ مَكْسُورَةً، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مَفْتُوحَةً مَعَ كَسْرِ الْحَاءِ، فَإِنَّ الْهَمْزَةَ لِلْقَطْعِ تَثْبُتُ فِي الْحَالَيْنِ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ " فَتْحُ الْحَاءِ " أَيْ مِنْ الْحَقِي.
قَوْلُهُ: (وَجَعَلَهُ الْمُطَرِّزِيُّ خَطَأً) وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَكُونُ خَطَأً إلَّا إنْ قَصَدَ بِهِ مَعْنَى الْأَوَّلِ أَمَّا لَوْ قُدِّرَ لَهُ مَفْعُولٌ كَلَفْظِ نَفْسِك، فَلَا خَفَاءَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ خَطَأً.
اهـ. رَشِيدِيٌّ عَلَى م ر. وَقَوْلُهُ " وَجَعَلَهُ الْمُطَرِّزِيُّ خَطَأً " وَجْهُهُ أَنَّ الثُّلَاثِيَّ تُكْسَرُ هَمْزَةُ الْأَمْرِ فِيهِ عِنْدَ الْأَمْرِ بِهِ نَحْوُ اعْلَمِي، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْقِيلِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ مِنْ الْحَقْ الرُّبَاعِيِّ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الثُّلَاثِيِّ وَهُوَ الْحَقْ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمِصْبَاحِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ؛ لِأَنِّي طَلَّقْتُك) هَلْ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ الْإِخْبَارُ بِالطَّلَاقِ فِيمَا مَضَى أَوْ الْإِنْشَاءُ، وَكَذَا يُقَالُ فِي نَظَائِرِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَمَا أَشْبَهَ إلَخْ) مِنْ ذَلِكَ اذْهَبِي يَا مُسَخَّمَةُ يَا مُلَطَّمَةُ.
وَمِنْهُ أَيْضًا مَا لَوْ حَلَفَ شَخْصٌ بِالطَّلَاقِ عَلَى شَيْءٍ فَقَالَ شَخْصٌ آخَرُ وَأَنَا مِنْ دَاخِلِ يَمِينِك فَيَكُونُ كِنَايَةً فِي حَقِّ الثَّانِي كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. وَمِنْهَا أَنْتِ بَارِزَةٌ مِنِّي وَمِثْلُهُ نَزَلْت عَنْك.
فَرْعٌ: حَرَّرَ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ قَالَ ثَلَاثًا أَنَّهُ إنْ لَمْ يُفَصِّلْ ثَلَاثًا بِأَكْثَرَ مِنْ سَكْتَةِ التَّنَفُّسِ وَالْعِيِّ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ مُطْلَقًا وَإِنْ فَصَلَ بِذَلِكَ وَلَمْ تَنْقَطِعْ نِسْبَتُهُ عَنْهُ عُرْفًا كَانَ كَالْكِنَايَةِ، فَإِنْ نَوَى أَنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ الْأَوَّلِ وَبَيَانٌ لَهُ أَثَّرَ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ انْقَطَعَتْ نِسْبَتُهُ عَنْهُ عُرْفًا وَلَمْ يُؤَثِّرْ مُطْلَقًا اهـ كَذَا بِخَطِّ الرَّشِيدِيِّ.
أَلْفَاظِ الْكِنَايَاتِ كَ تَجَرَّدِي، وَتَزَوَّدِي، أَيْ اسْتَعِدِّي لِلُّحُوقِ بِأَهْلِك، وَلَا حَاجَةَ لِي فِيك، أَيْ؛ لِأَنِّي طَلَّقْتُك، وَذُوقِي أَيْ مَرَارَةَ الْفِرَاقِ وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك، أَيْ خَلَّيْت سَبِيلَك كَمَا يُخَلَّى الْبَعِيرُ فِي الصَّحْرَاءِ وَزِمَامُهُ عَلَى غَارِبِهِ؛ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الظَّهْرِ وَارْتَفَعَ مِنْ الْعُنُقِ لِيَرْعَى كَيْفَ شَاءَ، وَلَا أَنْدَهُ سَرْبَك مِنْ النَّدْهِ وَهُوَ الزَّجْرُ، أَيْ لَا أَهْتَمُ بِشَأْنِك؛ لِأَنِّي طَلَّقْتُك.
وَالسَّرْبُ بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ الْإِبِلُ وَمَا يُرَاعَى مِنْ الْمَالِ أَمَّا بِكَسْرِ السِّينِ فَالْجَمَاعَةُ مِنْ الظِّبَاءِ وَالْبَقَرِ وَيَجُوزُ كَسْرُ السِّينِ هُنَا.
وَخَرَجَ بِقَيْدِ شَبَهِ مَا ذَكَرَ مَا لَا يُشْبِهُهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ نَحْوُ: بَارَكَ اللَّهُ لِي فِيك وَأَطْعِمِينِي وَاسْقِينِي وَزَوِّدِينِي وَقُومِي وَاقْعُدِي وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ وَإِنْ نَوَاهُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَصْلُحُ لَهُ.
(فَإِنْ نَوَى بِجَمِيعِ ذَلِكَ) أَيْ بِلَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِهِ (الطَّلَاقَ) فِيهِ (وَقَعَ) إنْ اقْتَرَنَ بِكُلِّ اللَّفْظِ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ، وَقِيلَ: يَكْفِي اقْتِرَانُهَا بِأَوَّلِهِ وَيَنْسَحِبُ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ، وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَصَوَّبَهُ الزَّرْكَشِيّ؛ وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَكْفِي اقْتِرَانُهَا بِبَعْضِ اللَّفْظِ سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ إذْ الْيَمِينُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بِتَمَامِهَا.
تَنْبِيهٌ: اللَّفْظُ الَّذِي يُعْتَبَرُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِهِ هُوَ لَفْظُ الْكِنَايَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ، لَكِنْ مَثَّلَ لَهُ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (أَيْ خَلَّيْت سَبِيلَك) أَيْ طَلَّقْتُك وَصِرْت مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِك.
قَوْلُهُ: (لَا أَهْتَمُّ بِشَأْنِك) هَذَا تَفْسِيرٌ مُرَادٌ وَالْمَعْنَى الْأَصْلِيُّ لَا أَزْجُرُ جَمَاعَتَك الَّتِي أَنْتِ مَعَهُمْ، أَيْ لَيْسَ لِي تَسَلُّطٌ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَمَا يُرْعَى مِنْ الْمَالِ) أَيْ غَيْرِ الظِّبَاءِ وَالْبَقَرِ وَالْوَحْشِ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ ح ل، وَالْأَوْلَى مِنْ الْحَيَوَانِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الظِّبَاءِ) وَكَذَا الْقَطَا وَالْوُحُوشُ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَعَمَّ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَسِرْبَ الْقَطَا هَلْ مَنْ يُعِيرُ جَنَاحَهُ ... لَعَلِّي إلَى مَنْ قَدْ هَوِيت أَطِيرُ
قَوْلُهُ: (يُقَيِّدُ شَبَهَ مَا ذَكَرَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَاتِ.
قَوْلُهُ: (نَحْوُ بَارَكَ اللَّهُ فِيك) أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ بِوَجْهٍ، بِخِلَافِ بَارَكَ اللَّهُ لَك فَكِنَايَةٌ سم.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوُ ذَلِكَ) مِنْهُ عَلَيَّ السُّخَامُ لَا أَفْعَلُ كَذَا فَلَيْسَ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً؛ لِأَنَّ لَفْظَ السُّخَامِ لَا يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ غَايَتُهُ أَنَّ مَنْ يَذْكُرُهَا يُرِيدُ التَّبَاعُدَ عَنْ لَفْظِ الطَّلَاقِ كَمَا ذَكَرَهُ ع ش عَلَى م ر. وَكُلِي وَاشْرَبِي كِنَايَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ كُلِي أَلَمَ الْفِرَاقِ وَاشْرَبِي شَرَابَهُ أَوْ كُلِي وَاشْرَبِي مِنْ كِيسِك؛ لِأَنِّي طَلَّقْتُك؛ شَرْحُ التَّنْبِيهِ.
قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: وَلَوْ أَتَى بِكِنَايَةٍ ثُمَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ نَوَى الطَّلَاقَ بِالْكِنَايَةِ لِيَدْفَعَ وُقُوعَ الثَّلَاثِ لِمُصَادَفَتِهِ الْبَيْنُونَةَ لَمْ يُقْبَلْ لِاتِّهَامِهِ حِينَئِذٍ اهـ. وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ صَرِيحًا فِي الطَّلَاقِ أُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الصَّرِيحِ وَإِنْ كَانَ كِنَايَةً عِنْدَنَا، وَأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ كِنَايَةً عِنْدَهُمْ يُعْطَى حُكْمَهَا وَإِنْ كَانَ صَرِيحًا عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ عُقُودَهُمْ تَلْحَقُ بِمُعْتَقَدِهِمْ فَكَذَا طَلَاقُهُمْ.
قَالَ م ر: وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَتَرَافَعُوا إلَيْنَا وَأَمَّا أَحْلَلْتُك لِلْأَزْوَاجِ فَكِنَايَةٌ وَكَذَا أَنْتِ حُرَّةٌ أَوْ لَا حَاجَةَ لِي فِيك أَوْ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ نَوَى بِجَمِيعِ ذَلِكَ) أَيْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَعَلَى ذِكْرِهِ يَكُونُ قَوْلُهُ بِكُلِّ اللَّفْظِ بَدَلًا مِنْهُ بِجَعْلِ الْبَاءِ بِمَعْنَى فِي وَهُوَ أَعْنِي قَوْلَهُ فِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِنَوَى وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ، وَقَوْلُهُ بِكُلِّ اللَّفْظِ بَدَلٌ مِنْ فِيهِ كَمَا عَلِمْت وَمَعْنَى الْعِبَارَةِ: فَإِنْ نَوَى بِكُلِّ لَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ الْكِنَايَةَ وَكَانَتْ نِيَّتُهُ مُقْتَرِنَةً بِكُلِّ اللَّفْظِ وَقَعَ وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ، وَكَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي وَالْمُعْتَمَدُ الثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: (بِكُلِّ اللَّفْظِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ نِيَّةٍ مُقْتَرِنَةٍ بِكُلِّ اللَّفْظِ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْسَحِبُ) أَيْ يَنْعَطِفُ وَيُعْطَى حُكْمُهُ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ قَلْبًا، وَالتَّقْدِيرُ: وَيَنْسَحِبُ الْأَوَّلُ عَلَى مَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي فِيهِ النِّيَّةُ.
قَوْلُهُ: (وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَالَ الرَّمْلِيُّ: فَالْحَاصِلُ الِاكْتِفَاءُ بِهَا قَبْلَ فَرَاغِ لَفْظِهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَالْأَوْجَهُ مَجِيءُ هَذَا الْخِلَافِ فِي الْكِنَايَةِ الَّتِي لَيْسَتْ لَفْظًا كَالْكِتَابَةِ.
قَوْلُهُ: (إذْ الْيَمِينُ) عِلَّةٌ لِصِحَّةِ اقْتِرَانِهَا بِآخِرِهِ.
قَوْلُهُ: (يُعْتَبَرُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِهِ) أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ اشْتِرَاطِ اقْتِرَانِهَا بِجَمِيعِ اللَّفْظِ أَوْ بِبَعْضِهِ.
الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ بِقَرْنِهَا بِأَنْتِ مِنْ أَنْتِ بَائِنٌ مَثَلًا، وَصَوَّبَ فِي الْمُهِمَّاتِ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْكِنَايَاتِ.
وَالْأَوْجَهُ الِاكْتِفَاءُ بِمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّ أَنْتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُزْءًا مِنْ الْكِنَايَةِ فَهُوَ كَالْجُزْءِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا الْمَقْصُودَ لَا يَتَأَدَّى بِدُونِهِ.
(وَإِنْ لَمْ يَنْوِ) بِلَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ (لَمْ يَقَعْ) طَلَاقٌ لِعَدَمِ قَصْدِهِ وَإِشَارَةِ نَاطِقٍ وَإِنْ فَهِمَهَا كُلُّ أَحَدٍ بِطَلَاقٍ كَأَنْ قَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ طَلِّقْنِي فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ اذْهَبِي لَغْوٌ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ عُدُولَهُ عَنْ الْعِبَارَةِ إلَى الْإِشَارَةِ يُفْهِمُ أَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ لِلطَّلَاقِ وَإِنْ قَصَدَهُ بِهَا فَهِيَ لَا تُقْصَدُ لِلْإِفْهَامِ إلَّا نَادِرًا.
وَيُعْتَدُّ بِإِشَارَةِ أَخْرَسَ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْكِتَابَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ فِي الْعُقُودِ كَالْبَيْعِ وَفِي الْأَقَارِيرِ وَفِي الدَّعَاوَى وَفِي الْحُلُولِ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَاسْتَثْنَى فِي الدَّقَائِقِ شَهَادَتَهُ وَإِشَارَتَهُ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهَا وَلَا يَحْنَثُ بِهَا فِي الْحَلِفِ عَلَى عَدَمِ الْكَلَامِ، فَإِنْ فَهِمَ طَلَاقَهُ مَثَلًا بِإِشَارَتِهِ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ فَطِنٍ وَغَيْرِهِ فَصَرِيحَةٌ لَا تَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ، وَإِنْ اخْتَصَّ بِطَلَاقِهِ بِإِشَارَتِهِ فَطِنُونَ فَكِنَايَةٌ تَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ.
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (هُوَ لَفْظُ الْكِنَايَةِ) كَبَائِنٍ مِنْ أَنْتِ بَائِنٌ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ لِعَدَمِ قَصْدِهِ) فَلَوْ ادَّعَتْ زَوْجَتُهُ أَنَّهُ نَوَى وَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَتْ وَحُكِمَ بِالطَّلَاقِ فَرُبَّمَا اعْتَمَدَتْ عَلَى قَرَائِنَ مِنْهُ تُجَوِّزُ الْحَلِفَ سم.
وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا حَلَلْت حَرُمْت وَقَعَتْ عَلَيْهِ طَلْقَةٌ، فَلَوْ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الثَّانِيَةُ، فَلَوْ رَاجَعَهَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الثَّالِثَةُ وَبَانَتْ مِنْهُ الْبَيْنُونَةَ الْكُبْرَى.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. وَالْمُخَلِّصُ لَهُ الصَّبْرُ مِنْ غَيْرِ مُرَاجَعَةٍ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ ثُمَّ يَعْقِدُ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِشَارَةٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ لَغْوٌ أَيْ فِي الطَّلَاقِ أَمَّا الْعَدَدُ فَلَا يُلْغَى، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَقَعَ الْعَدَدُ بِالْإِشَارَةِ مَعَ نِيَّتِهِ حِينَ التَّلَفُّظِ بِطَالِقٍ أَوْ مَعَ قَوْلِهِ هَكَذَا، وَيُصَدَّقُ فِي الْعَدَدِ.
قَالَ فِي التَّنْبِيهِ: وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ وَقَعَ الثَّلَاثُ تَنْزِيلًا لِلْإِشَارَةِ مَنْزِلَةَ النِّيَّةِ وَإِنْ قَالَ أَرَدْت بِعَدَدِ الْأُصْبُعَيْنِ الْمَقْبُوضَيْنِ قُبِلَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (فَهِيَ لَا تُقْصَدُ لِلْإِفْهَامِ) أَيْ مِنْ النَّاطِقِ ق ل؛ وَهُوَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا نَادِرًا) أَيْ بِقَرِينَةٍ عُرْفِيَّةٍ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (وَيُعْتَدُّ بِإِشَارَةِ أَخْرَسَ) ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَصْلِيٌّ أَوْ طَارِئٌ وَمِنْهُ مَنْ اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ وَلَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ بِخِلَافِ مَنْ رُجِيَ بُرْؤُهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَإِنْ أَلْحَقُوهُ بِهِ فِي اللِّعَانِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُضْطَرُّ إلَى اللِّعَانِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْكِتَابَةِ) بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ أَيْ الْخَطِّ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ كِتَابَتَهُ كِنَايَةٌ كَالنَّاطِقِ.
قَوْلُهُ: (وَاسْتَثْنَى فِي الدَّقَائِقِ شَهَادَتَهُ إلَخْ) فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِالْإِشَارَةِ أَيْ؛ لِأَنَّهَا يُحْتَاطُ لَهَا وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِإِشَارَتِهِ، أَيْ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَبْطُلُ بِحَرْفَيْنِ أَوْ بِحَرْفٍ مُفْهِمٍ، أَيْ بِالنُّطْقِ بِذَلِكَ؛ فَلَوْ بَاعَ فِي صَلَاتِهِ بِالْإِشَارَةِ انْعَقَدَ الْبَيْعُ وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ.
وَبِهِ يُلْغِزُ وَيُقَالُ: لَنَا إنْسَانٌ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فِي الصَّلَاةِ عَامِدًا عَالِمًا وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ الثَّلَاثَةَ بِقَوْلِهِ:
إشَارَةُ الْأَخْرَسِ مِثْلُ نُطْقِهِ ... فِيمَا عَدَا ثَلَاثَةٍ لِصِدْقِهِ
فِي الْحِنْثِ وَالصَّلَاةِ وَالشَّهَادَةِ ... تِلْكَ ثَلَاثَةٌ بِلَا زِيَادَةِ
قَوْلُهُ " وَالشَّهَادَةِ " أَيْ أَدَائِهَا، وَأَمَّا تَحَمُّلُهَا فَيَصِحُّ مِنْهُ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَحْنَثُ بِهَا فِي الْحَلِفِ) سَوَاءٌ كَانَ الْحَلِفُ بِالْعِبَارَةِ أَمْ بِالْإِشَارَةِ عَلَى الرَّاجِحِ، خِلَافًا لِلزَّرْكَشِيِّ حَيْثُ خَصَّ عَدَمَ الْحِنْثِ بِالْحَلِفِ بَعْدَ الْخَرَسِ.
اهـ. بَابِلِيٌّ.
وَعِبَارَةُ ح ل: وَلَا فِي حِنْثٍ كَأَنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ ثُمَّ خَرِسَ أَوْ أَشَارَ بِالْحَلِفِ عَلَى عَدَمِ الْكَلَامِ ثُمَّ أَشَارَ بِهِ لَا حِنْثَ اهـ. وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ: إنَّهُ لَوْ حَلَفَ الْأَخْرَسُ بِالْإِشَارَةِ ثُمَّ تَكَلَّمَ بِهَا فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِهَا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُعِدُّهُ الْعُرْفُ تَكَلُّمًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ عَلَى عَدَمِ الْكَلَامِ وَهُوَ نَاطِقٌ ثُمَّ إنَّهُ تَكَلَّمَ بِالْإِشَارَةِ فَإِنَّ الْعُرْفَ لَا يُعِدُّهُ تَكَلُّمًا اهـ. وَلَعَلَّ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا هُوَ الظَّاهِرُ فَحَرِّرْ ذَلِكَ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ إشَارَتَهُ إلَى الْقُرْآنِ مَعَ الْجَنَابَةِ فِيهَا خِلَافٌ، وَمَالَ شَيْخُنَا كَالْخَطِيبِ إلَى الْحُرْمَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يُوجِبُوهَا عَلَيْهِ لِلْعَاجِزِ عَنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ اهـ كَمَا فِي ق ل.
قَوْلُهُ: (فَصَرِيحَةٌ) كَأَنْ يُقَالَ عِنْدَ الْمُخَاصَمَةِ طَلَّقَهَا فَيُشِيرُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ إلَيْهَا شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ اخْتَصَّ بِطَلَاقِهِ) أَيْ بِفَهْمِ طَلَاقِهِ
تَتِمَّةٌ: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ أَبْرَأْتنِي مِنْ دَيْنِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةً صَحِيحَةً وَقَعَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهَا إنْ أَبْرَأْتنِي مِنْ دَيْنِك فَزَوْجَتِي طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ بَرَاءَةً صَحِيحَةً وَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ مَحْضٌ.
وَلَوْ قَالَ
[حاشية البجيرمي]
فَطِنُونَ أَيْ أَوْ فَطِنٌ، فَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ إشَارَتَهُ بِالطَّلَاقِ أَحَدٌ فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً فَيَتَوَلَّى أَمْرَهُ وَلِيُّهُ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ إشَارَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَكِنَايَةٌ تَحْتَاج إلَى النِّيَّةِ) وَإِنْ انْضَمَّ إلَيْهَا قَرَائِنُ وَتُعْرَفُ نِيَّتُهُ فِيمَا إذَا أَتَى بِإِشَارَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ بِإِشَارَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ أُخْرَى وَكَأَنَّهُمْ اغْتَفَرُوا تَعْرِيفَهُ بِهَا مَعَ أَنَّهَا كِنَايَةٌ وَلَا اطِّلَاعَ لَنَا بِهَا عَلَى نِيَّةِ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ، فَقَوْلُ الْمُتَوَلِّي وَيُعْتَبَرُ فِي الْأَخْرَسِ أَنْ يَكْتُبَ مَعَ لَفْظِ الطَّلَاقِ إنِّي قَصَدْت الطَّلَاقَ لَيْسَ بِقَيْدٍ اهـ؛ أَيْ بَلْ مِثْلُ الْكِنَايَةِ الْإِشَارَةُ اهـ. وَمِنْ الْكِنَايَةِ كِتَابَةٌ مَنْ نَاطِقٍ أَوْ أَخْرَسَ، فَإِنْ نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ وَقَعَ؛ لِأَنَّهَا طَرِيقٌ فِي إفْهَامِ الْمُرَادِ كَالْعِبَارَةِ وَقَدْ اقْتَرَنَتْ بِالنِّيَّةِ؛ فَلَوْ كَتَبَ الزَّوْجُ إذَا بَلَغَك كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلُقَتْ بِبُلُوغِهِ لَهَا رِعَايَةً لِلشَّرْطِ أَوْ كَتَبَ إذَا قَرَأْت كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَرَأَتْهُ أَوْ فَهِمَتْهُ مُطَالَعَةً وَإِنْ لَمْ تَتَلَفَّظْ بِشَيْءٍ مِنْهُ طَلُقَتْ رِعَايَةً لِلشَّرْطِ فِي الْأُولَى وَلِحُصُولِ الْمَقْصُودِ فِي الثَّانِيَةِ، وَكَذَا إنْ قُرِئَ عَلَيْهَا وَهِيَ أُمِّيَّةٌ وَعَلِمَ الزَّوْجُ حَالَهَا؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي حَقِّ الْأُمِّيِّ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابَةِ وَقَدْ وُجِدَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ أُمِّيَّةٍ لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ حَالُهَا عَلَى الْأَقْرَبِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا اهـ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ " كِتَابَةً " وَضَابِطُ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ كُلُّ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الْخَطُّ كَرَقٍّ وَثَوْبٍ سَوَاءٌ كَتَبَ بِحِبْرٍ أَوْ نَحْوِهِ وَنَقَرَ صُوَرَ الْأَحْرُفِ فِي حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ خَطَّهَا عَلَى الْأَرْضِ، فَلَوْ رَسَمَ صُورَتَهَا فِي هَوَاءٍ أَوْ مَاءٍ فَلَيْسَ كِتَابَةً فِي الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَهُ الزِّيَادِيُّ.
وَقَوْلُهُ " فَإِنْ نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ " فَلَوْ تَلَفَّظَ النَّاطِقُ بِمَا كَتَبَهُ وَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ قِرَاءَةَ مَا كَتَبَهُ فَيُقْبَلُ ظَاهِرًا فِي الْأَصَحِّ، أَيْ فَيَقَعُ إذَا قَصَدَ الْإِنْشَاءَ أَوْ أَطْلَقَ اهـ. وَقَوْلُهُ " فَلَوْ كَتَبَ " خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِكِتَابَةِ طَلَاقِ زَوْجِهِ وَلَوْ بِقَوْلِهِ اُكْتُبْ زَوْجَةُ فُلَانٍ طَالِقٌ فَكَتَبَ هُوَ، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ كَمَا فِي الْحَلَبِيِّ وَغَيْرِهِ؛ قَالَ ع ش: لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الْكِتَابَةُ وَالنِّيَّةُ مِنْ وَاحِدٍ اهـ. قُلْت: وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَعْنِي قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِطُ أَنْ تَكُونَ الْكِتَابَةُ إلَخْ، أَنَّهُ لَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِالْكِتَابَةِ وَالنِّيَّةِ أَنَّهُ يَكْفِي وَيَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَبِهِ صَرَّحَ الْبِرْمَاوِيُّ.
وَقَوْلُهُ " بِبُلُوغِهِ " أَيْ وُقُوعِهِ فِي يَدِهَا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَرَمْيِهِ فِي حِجْرِهَا أَوْ أَمَامَهَا، وَلَا يَكْفِي إخْبَارُهَا بِهِ فَإِنْ انْمَحَى كُلُّهُ قَبْلَ وُصُولِهِ لَمْ تَطْلُقْ كَمَا لَوْ ضَاعَ وَلَوْ بَقِيَ أَثَرُهُ بَعْدَ الْمَحْوِ وَأَمْكَنَ قِرَاءَتُهُ طَلُقَتْ، وَلَوْ ذَهَبَ سَوَابِقُهُ وَلَوَاحِقُهُ كَالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَبَقِيَتْ مَقَاصِدُهُ وَقَعَ بِخِلَافِ مَا لَوْ ذَهَبَ مَوْضِعُ الطَّلَاقِ أَوْ انْمَحَقَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهَا جَمِيعُ الْكِتَابِ وَلَا مَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنْهُ.
وَلَوْ كَتَبَ إذَا بَلَغَك نِصْفُ كِتَابِي هَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَبَلَغَهَا كُلُّهُ طَلُقَتْ، وَكَذَا لَوْ كَتَبَ أَمَّا بَعْدُ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ فِي الْحَالِ.
وَلَوْ ادَّعَتْ وُصُولَ كِتَابِهِ بِالطَّلَاقِ فَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً أَنَّهُ بِخَطِّهِ لَمْ تُسْمَعْ إلَّا بِرُؤْيَةِ الشَّاهِدِ الْكِتَابَةَ وَحَفِظَهُ عِنْدَهُ لِوَقْتِ الشَّهَادَةِ.
وَقَوْلُهُ " إذَا قَرَأَتْ كِتَابِي " أَيْ الْمَقْصُودَ مِنْهُ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ " أَنْتِ طَالِقٌ " نَحْوُ أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَتَّةٌ مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ فَلَا يَقَعُ بِهِ وَإِنْ نَوَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْكِنَايَةِ كِنَايَةٌ؛ كَذَا قِيلَ.
وَرُدَّ بِأَنَّ الَّذِي فِي الرَّافِعِيِّ الْجَزْمُ بِالْوُقُوعِ؛ لِأَنَّا إذَا اعْتَبَرْنَا الْكِتَابَة قَدَّرْنَا أَنَّهُ تَلَفَّظَ بِالْمَكْتُوبِ كَمَا قَالَهُ الْحَلَبِيُّ.
وَقَوْلُهُ " فَقَرَأَتْهُ " وَإِنْ لَمْ تَفْهَمْهُ وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ التَّعْلِيقِ أُمِّيَّةً، وَعَلِمَ بِذَلِكَ وَتَعَلَّمَتْ الْقِرَاءَةَ بَعْدَ ذَلِكَ لِقُدْرَتِهَا عَلَى مُقْتَضَى التَّعْلِيقِ وَهُوَ قِرَاءَتُهَا بِنَفْسِهَا، وَنَحْنُ لَا نَكْتَفِي بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ إلَّا حَيْثُ لَا نَقْدِرُ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ.
وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ إنَّمَا أَرَدْت الْقِرَاءَةَ بِاللَّفْظِ قُبِلَ قَوْلُهُ فَلَا تَطْلُقُ إلَّا بِهَا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ إطْلَاقِ قِرَاءَتِهَا إيَّاهُ عَلَى مُطَالَعَتِهَا إيَّاهَا وَإِنْ لَمْ تَتَلَفَّظْ بِهِ وَبَيْنَ إجْرَاءِ ذِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ الْقُرْآنُ عَلَى قَلْبِهِ وَنَظَرُهُ فِي الْمُصْحَفِ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا عِلْمُهَا بِمَا فِي الْكِتَابِ وَالْقِرَاءَةُ الْمُحَرَّمَةُ لَا تَكُونُ إلَّا بِالتَّلَفُّظِ بِحُرُوفِهِ.
وَلَوْ قَالَ إذَا بَلَغَك أَوْ جَاءَك خَطِّي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَذَهَبَ بَعْضُهُ وَبَقِيَ الْبَعْضُ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا بَقِيَ ذِكْرُ الطَّلَاقِ اهـ. وَقَوْلُهُ " وَكَذَا إنْ قُرِئَ عَلَيْهَا " قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: مُقْتَضَاهُ اشْتِرَاطُ قِرَاءَتِهِ عَلَيْهَا فَلَوْ طَالَعَهُ وَفَهِمَهُ أَوْ قَرَأَهُ خَالِيًا ثُمَّ أَخْبَرَهَا بِذَلِكَ لَمْ تَطْلُقْ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِذَلِكَ إذْ الْغَرَضُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ شَرْحُ م ر اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا مَتَى كَانَتْ قَارِئَةً وَعَلِمَ بِهَا الزَّوْجُ لَمْ تَطْلُقْ إلَّا بِقِرَاءَتِهَا.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الْمُبَرِّئَ لَمْ يَجْعَلْ الْبَرَاءَةَ فِي مُقَابَلَةِ الطَّلَاقِ إذْ لَا يَظْهَرُ لَهُ فِيهِ عِوَضٌ وَبِفَرْضِهِ فَهُوَ
لِزَوْجَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ وَوَجَدْت فِيهِ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِك وَلَمْ أُكَسِّرْهُ عَلَى رَأْسِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَوَجَدَ فِي الْبَيْتِ هُونًا لَهَا لَمْ تَطْلُقْ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْخُوَارِزْمِيُّ وَرَجَّحَهُ الزَّرْكَشِيّ لِلِاسْتِحَالَةِ، وَقِيلَ: تَطْلُقُ قُبَيْلَ مَوْتِهِ أَوْ مَوْتِهَا لِلْيَأْسِ، وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ قَبَّلْت ضَرَّتَك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَبَّلَهَا مَيِّتَةً لَمْ تَطْلُقْ، بِخِلَافِ تَعْلِيقِهِ بِتَقْبِيلِ أُمِّهِ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ بِتَقْبِيلِهِ لَهَا مَيِّتَةً إذْ قُبْلَةُ الزَّوْجَةِ قُبْلَةُ شَهْوَةٍ وَلَا شَهْوَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْأُمُّ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ؛ لِأَنَّ قُبْلَتَهَا قُبْلَةُ شَفَقَةٍ وَكَرَامَةٍ؛ أَكْرَمَنَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَجَمِيعَ أَهْلِنَا وَمَشَايِخِنَا وَأَصْحَابِنَا وَالْمُسْلِمِينَ بِالنَّظَرِ إلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ.
فَصْلٌ وَالتَّرْجَمَةُ بِالْفَصْلِ سَاقِطَةٌ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَهُوَ فِي الطَّلَاقِ السُّنِّيِّ وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ اصْطِلَاحَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ أَضْبَطُ
[حاشية البجيرمي]
نَادِرٌ لَا يُنْظَرُ إلَيْهِ فَجُعِلَ مِنْ بَابِ التَّعْلِيقِ الْمَحْضِ، وَإِذَا قَالَ لَهَا: إنْ أَبْرَأْتِينِي مِنْ صَدَاقِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ شُرِطَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ عِلْمُ الزَّوْجَيْنِ بِقَدْرِ الْمُبَرَّأِ مِنْهُ، فَإِنْ جَهِلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا لَمْ يَقَعْ.
وَظَاهِرٌ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْجَهْلِ بِهِ حَالًّا وَإِنْ أَمْكَنَ الْعِلْمُ بِهِ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ وَكَوْنِهَا رَشِيدَةً وَأَنْ تُجِيبَهُ فَوْرًا فِي مَجْلِسِ التَّوَاجُبِ وَأَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِالْمَالِ الْمُبَرَّأِ مِنْهُ زَكَاةٌ، فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ زَكَاةٌ لَمْ يَقَعْ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقِّينَ مَلَكُوا بَعْضَهُ فَلَمْ يُبَرَّأْ مِنْ كُلِّهِ، وَلَوْ أَبْرَأَتْهُ ثُمَّ ادَّعَتْ جَهْلَهَا بِقَدْرِهِ فَإِنْ زَوَّجَتْ صَغِيرَةً صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا أَوْ بَالِغَةً وَدَلَّ الْحَالُ عَلَى جَهْلِهَا لِكَوْنِهَا مُجْبَرَةً لَمْ تُسْتَأْذَنْ فَكَذَلِكَ.
فَرْعٌ: يَقَعُ كَثِيرًا أَنْ تَحْصُلَ مُشَاجَرَةٌ بَيْنَ الرَّجُلِ وَزَوْجَتِهِ فَتَقُولُ لَهُ: أَبْرَأْتُك، فَيَقُولُ لَهَا: إنْ صَحَّتْ بَرَاءَتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ.
وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهَا إنْ أَبْرَأَتْهُ مِنْ مَعْلُومٍ وَهِيَ رَشِيدَةٌ وَقَعَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا لِتَعْلِيقِهِ عَلَى مُجَرَّدِ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ، وَقَدْ وَجَدْت لَا بَائِنًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ عِوَضًا فِي مُقَابَلَةِ الطَّلَاقِ لِصِحَّةِ الْبَرَاءَةِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُبَرَّأُ مِنْهُ مَجْهُولًا فَلَا بَرَاءَةَ وَلَا وُقُوعَ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. وَقَوْلُهُ لِتَعْلِيقِهِ عَلَى مُجَرَّدِ صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ إلَخْ، نَعَمْ لَوْ قَالَتْ أَرَدْت الْإِبْرَاءَ عِوَضًا عَنْ الطَّلَاقِ وَصَدَّقَهَا الزَّوْجُ عَلَى ذَلِكَ وَقَعَ بَائِنًا.
اهـ. حَجّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ مَحْضٌ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّةَ لَا غَرَضَ لَهَا فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ فَكَانَ تَعْلِيقًا مَحْضًا، وَعَلَى فَرْضِ غَرَضٍ لَهَا فَهُوَ نَادِرٌ كَمَا عَلِمْت، بِخِلَافِ زَوْجَتِهِ فَإِنَّ لَهَا غَرَضًا فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا وَمِلْكِ بُضْعِهَا فَكَانَ تَعْلِيقًا عَلَى الْبَرَاءَةِ فَكَانَ بَائِنًا.
قَوْلُهُ: (هُونًا) ضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ (هَاؤُنَا) بِهَاءٍ بَعْدَهَا أَلْفٌ وَبَعْدَ الْأَلْفِ هَمْزَةٌ مَضْمُومَةٌ وَاَلَّذِي فِي الْمِصْبَاحِ أَنَّ أَصْلَهُ هَاوُونَ بِوَاوَيْنِ لِجَمْعِهِ عَلَى هَوَاوِينَ فَخُفِّفَ بِحَذْفِ الْوَاوِ الثَّانِي ثُمَّ خُفِّفَ بِفَتْحِ الْوَاوِ فَصَارَ هَاوُنًا إذْ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فَاعِلٌ بِالضَّمِّ وَلَامُهُ وَاوٌ فَفُقِدَ النَّظِيرُ مَعَ ثِقَلِ الضَّمَّةِ عَلَى الْوَاوِ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ قِرَاءَتُهُ بِفَتْحِ الْوَاوِ بَعْدَ الْأَلْفِ لَا بِالْهَمْزَةِ فَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ غَيْرُ صَحِيحٍ لَكِنَّ الْمَشْهُورَ قِرَاءَتُهُ بِوَاوٍ سَاكِنَةٍ بَعْدَ الْهَاءِ بِدُونِ أَلْفٍ وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعْرَبٌ كَأَنَّهُ مِنْ الْهَوْنِ وَقَالَ فِي الْمُخْتَارِ الْهَاوَنُ بِفَتْحِ الْوَاوِ الَّذِي يُدَقُّ فِيهِ.
اهـ. وَالْهَاوَنُ مِثَالٌ، فَمِثْلُهُ كُلُّ مَا يَتَعَذَّرُ كَسْرُهُ عَلَى رَأْسِهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُمْكِنُ بِرَدِّ الْهَوْنِ بِمِبْرَدٍ حَتَّى يَرِقَّ جِدًّا وَيَكْسِرَهُ فِي رَأْسِهَا فَلَا وُقُوعَ حِينَئِذٍ وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الْحَالِفِ الْكَسْرُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا فِي وَقْتِ الْحَلِفِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَطْلُقْ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ حَالًا كَمَا قَالَهُ م ر فِي شَرْحِهِ، كَالتَّعْلِيقِ بِالْمُحَالِ كَأَنْ لَمْ تَصْعَدِي السَّمَاءَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ يَقَعُ حَالًا لِاسْتِحَالَتِهِ.
اهـ. م ر. وَمَحَلُّ كَوْنِ التَّعْلِيقِ بِإِنْ فِي النَّفْيِ لِلتَّرَاخِي إذَا كَانَ الْمَنْفِيُّ مُمْكِنًا، فَإِنْ كَانَ مُسْتَحِيلًا كَمَا هُنَا وَقَعَ حَالًا.
فَرْعٌ: كِتَابَةُ الْكِنَايَةِ لَا تُؤَثِّرُ لِانْضِمَامِ ضَعِيفٍ إلَى ضَعِيفٍ خِلَافًا لِلْقَاضِي.
اهـ. ابْنُ الْمُلَقِّنِ.
فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَقَعُ بِكِتَابَةِ الْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ كَمَا قَالَهُ م ر وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (لِلِاسْتِحَالَةِ) أَيْ اسْتِحَالَةِ كَسْرِهِ.
[فَصْلٌ أَقْسَام الطَّلَاقِ]
فَصْلٌ
ذَكَرَهُ بَعْدَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ أَقْسَامٌ خَاصَّةٌ مِنْهُ أَيْ الطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرُهُ) الْغَيْرُ هُوَ الْبِدْعِيُّ فَقَطْ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ
يَنْقَسِمُ إلَى سُنِّيٍّ وَبِدْعِيٍّ، وَثَانِيهِمَا وَهُوَ أَشْهَرُ يَنْقَسِمُ إلَى سُنِّيٍّ وَبِدْعِيٍّ وَلَا وَلَا وَسَيُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
فَائِدَةٌ: يَنْقَسِمُ الطَّلَاقُ إلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ: وَاجِبٍ كَطَلَاقِ الْحُكْمِ فِي الشِّقَاقِ، وَمَنْدُوبٍ كَطَلَاقِ زَوْجَةٍ حَالُهَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ كَأَنْ تَكُونَ غَيْرَ عَفِيفَةٍ، وَحَرَامٍ كَالطَّلَاقِ الْبِدْعِيِّ كَمَا سَيَأْتِي، وَمَكْرُوهٍ كَطَلَاقِ مُسْتَقِيمَةِ الْحَالِ وَعَلَيْهِ حُمِلَ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ» . وَأَشَارَ الْإِمَامُ إلَى الْمُبَاحِ بِطَلَاقِ مَنْ لَا يَهْوَاهَا الزَّوْجُ وَلَا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِمُؤْنَتِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِمْتَاعٍ بِهَا.
(وَالنِّسَاءُ فِيهِ) أَيْ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ (ضَرْبَانِ ضَرْبٌ فِي طَلَاقِهِنَّ سُنَّةٌ) أَيْ لَا تَحْرِيمَ فِيهِ (وَبِدْعَةٌ) أَيْ حَرَامٌ (وَهُنَّ
[حاشية البجيرمي]
ثُنَائِيَّةٌ أَوْ تَحْتَهُ الْبِدْعِيُّ وَاَلَّذِي لَا وَلَا عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ ثُلَاثِيَّةٌ، وَيَكُونُ الَّذِي لَا وَلَا عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ دَاخِلًا فِي السُّنِّيِّ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (وَفِيهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ السُّنِّيِّ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (أَحَدُهُمَا) وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ.
قَوْلُهُ: (أَضْبَطُ) ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ أَفْرَادًا، أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَحْرُمَ أَوْ لَا اهـ م د.
قَوْلُهُ: (إلَى سُنِّيٍّ وَبِدْعِيٍّ) وَفَسَّرَ قَائِلُهُ السُّنِّيَّ بِالْجَائِزِ وَالْبِدْعِيَّ بِالْحَرَامِ فَيَكُونُ الْقِسْمُ الثَّالِثُ عَلَى الِاصْطِلَاحِ الثَّانِي دَاخِلًا فِي السُّنِّيِّ.
قَوْلُهُ: (وَبِدْعِيٍّ) أَيْ فَيَحْرُمُ.
قَوْلُهُ: (وَسَيُعْلَمُ ذَلِكَ) أَيْ الِاصْطِلَاحُ الثَّانِي مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ: وَضَرْبٌ لَيْسَ فِي طَلَاقِهِنَّ سُنَّةٌ وَلَا بِدْعَةٌ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (إلَى الْأَحْكَامِ) أَيْ إلَى ذِي الْأَحْكَامِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الطَّلَاقَ يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ.
وَفِيهِ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ السُّنِّيِّ وَالْبِدْعِيِّ، مَثَلًا طَلَاقُ غَيْرِ الْعَفِيفَةِ إذَا وَقَعَ زَمَنَ الْبِدْعَةِ حَرَامٌ مِنْ جِهَةِ الْبِدْعَةِ مَنْدُوبٌ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ الْعِفَّةِ وَقِسْ الْبَاقِي، نَعَمْ يُسْتَثْنَى الْوَاجِبُ إذَا وَقَعَ زَمَنَ الْبِدْعَةِ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ مِنْ حَيْثُ الْبِدْعَةُ.
قَوْلُهُ: (وَاجِبٌ) الْمُرَادُ بِهِ الْمَطْلُوبُ طَلَبًا شَدِيدًا أَيْ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إذَا تَرَكَهُ يُعَاقَبُ أَوْ إذَا تَرَكَهُ يُلَامُ وَإِنْ لَمْ يُعَاقَبْ فَيَشْمَلُ الْأَقْسَامَ الَّتِي ذَكَرَهَا م د وَهِيَ: طَلَاقُ الْحَكَمِ فِي الشِّقَاقِ إذَا رَأَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً، وَطَلَاقُ الْمُوَلَّى وَمِثْلُ ذَلِكَ عَاجِزٌ عَنْ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ بِأَمْرِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ بِهِ لِغَيْرِ تَعَنُّتٍ، وَكَذَا طَلَاقُ سَيِّئَةِ الْأَخْلَاقِ بِحَيْثُ لَا يَصْبِرُ عَلَى عِشْرَتِهَا لَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ عَدَمَ سُوءِ خُلُقِهَا مُحَالٌ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: «الصَّالِحَةُ مِنْ النِّسَاءِ كَالْغُرَابِ الْأَعْصَمِ» أَيْ الْأَبْيَضِ الْجَنَاحَيْنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا اهـ.
قَوْلُهُ: (كَطَلَاقِ الْحَكَمِ) ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ، وَالْوَكِيلُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ فَيَكُونُ الطَّلَاقُ وَاجِبًا حَيْثُ ظَهَرَتْ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ.
وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ: الْحَكَمَيْنِ.
وَلَعَلَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ أَوْلَى إذْ الطَّلَاقُ إنَّمَا هُوَ مِنْ حُكْمِ الزَّوْجِ فَقَطْ، نَعَمْ الطَّلَاقُ إذَا كَانَ خُلْعًا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِ حُكْمِهَا فَمَنْ عَبَّرَ بِالْحُكْمَيْنِ نُظِرَ لِذَلِكَ، إلَّا أَنَّ عِبَارَتَهُ لَا تَشْمَلُ الطَّلَاقَ مَجَّانًا فَتَأَمَّلْ.
وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر: وَانْظُرْ مَا مَعْنَى الْوُجُوبِ عَلَى الْحَكَمَيْنِ مَعَ أَنَّهُمَا وَكِيلَانِ وَالْوَكِيلُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ حَيْثُ دَامَ عَلَى الْوَكَالَةِ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ اهـ، أَيْ أَوْ يُقَالُ لِتَعَلُّقِ وَكَالَتِهِمَا بِنَظَرِ الْحَاكِمِ، وَلِذَلِكَ اُشْتُرِطَ فِيهِمَا الْإِسْلَامُ وَإِنْ كَانَ الزَّوْجَانِ كَافِرَيْنِ اهـ.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ عَفِيفَةٍ) أَيْ أَوْ غَيْرَ مُصَلِّيَةٍ وَطَلَاقُ مَنْ خَافَ أَنْ لَا يُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ فِي الزَّوْجِيَّةِ وَمَنْ رَأَى رِيبَةً يَخَافُ مَعَهَا عَلَى الْفِرَاشِ أَيْ الزَّوْجَةِ شَوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَحَرَامٌ كَالطَّلَاقِ الْبِدْعِيِّ) أَيْ وَكَطَلَاقِ مَنْ قَسَمَ لِغَيْرِهَا وَلَمْ يُوَفِّهَا حَقَّهَا مِنْ الْقَسْمِ وَلَمْ يَسْتَرْضِهَا شَوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَطَلَاقِ مُسْتَقِيمَةِ الْحَالِ) أَيْ وَهُوَ يَهْوَاهَا وَيُحِبُّهَا.
قَوْلُهُ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ» أَفْعَلُ تَفْضِيلٌ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ اقْتَضَى أَنَّهُ الْحَلَالُ مَبْغُوضٌ وَالطَّلَاقُ أَبْغَضُ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْهُ التَّنْفِيرُ؛ لِأَنَّ الْحَلَالَ لَا يُبْغَضُ بَلْ يُحَبُّ.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.
وَقَوْلُهُ " وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْهُ التَّنْفِيرُ " أَيْ فَلَيْسَ الْمُرَادُ الْبُغْضُ الْحَقِيقِيُّ، وَحِينَئِذٍ لَا يُرَدُّ أَنَّ الطَّلَاقَ تَعْتَرِيه الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ.
قَوْلُهُ: (وَأَشَارَ الْإِمَامُ إلَى الْمُبَاحِ) عَبَّرَ بِأَشَارَ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ طَلَاقُهَا غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَلَيْسَ نَصًّا فِي الْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ خِلَافَ الْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (مَنْ لَا يَهْوَاهَا) أَيْ وَهِيَ مُسْتَقِيمَةُ الْحَالِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ) أَيْ الْجَوَازِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (سُنَّةٌ) أَيْ خَالِيَةٌ مِنْ الثَّوَابِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَا تَحْرِيمَ فِيهِ إلَخْ)
ذَوَاتُ الْحَيْضِ) وَأَشَارَ إلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ (فَالسُّنَّةُ) أَيْ السُّنِّيُّ أَنْ يُوقِعَ الطَّلَاقَ عَلَى مَدْخُولٍ بِهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ وَلَا صَغِيرَةٍ وَلَا آيِسَةٍ فِي طُهْرٍ غَيْرِ مُجَامِعٍ فِيهِ وَلَا فِي حَيْضٍ قَبْلَهُ وَذَلِكَ لِاسْتِعْقَابِهِ الشُّرُوعَ فِي الْعِدَّةِ وَعَدَمِ النَّدَمِ فِيمَنْ ذَكَرْت وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] أَيْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَشْرَعْنَ فِيهِ فِي الْعِدَّةِ.
وَأَشَارَ إلَى
[حاشية البجيرمي]
فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُصَدَّقُ بِالْقَسَمِ الَّذِي لَا وَلَا، فَإِنَّهُ لَا تَحْرِيمَ فِيهِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِأَنْ يُوقِعَ الطَّلَاقَ فِي طُهْرٍ إلَخْ، أَوْ يُقَالَ لَا تَحْرِيمَ مَعَ إمْكَانِ ذَلِكَ فِيهِ فَيَخْرُجُ الَّذِي لَا وَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّحْرِيمُ.
وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: قَوْلُهُ " أَيْ لَا تَحْرِيمَ فِيهِ " هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي الَّذِي لَا وَلَا فَهُوَ أَيْضًا لَا تَحْرِيمَ فِيهِ، وَلَا يَخْلُو عَنْ وَاحِدٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ، فَهَذَا التَّقْسِيمُ مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ خَالٍ عَنْ الْمَعْنَى وَإِلَّا فَالسُّنِّيُّ وَاَلَّذِي لَا وَلَا لَا تَحْرِيمَ فِيهِمَا عَلَى مَا ذُكِرَ.
وَعِبَارَةُ سم: قَوْلُهُ " لَا تَحْرِيمَ فِيهِ " أَيْ مَعَ كَوْنِهِ قَابِلًا لِلتَّحْرِيمِ لِيَخْرُجَ عَنْ هَذَا الضَّرْبِ نَحْوُ الصَّغِيرَةِ مِمَّنْ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا تَحْرِيمَ فِي طَلَاقِهِنَّ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَحِلِّهِ قَبُولٌ لِلتَّحْرِيمِ فَإِنَّهُنَّ لَا يَحِضْنَ فَافْتَرَقَا اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ الْمُخْتَلِعَةَ بِعِوَضٍ مِنْهَا طَلَاقُهَا قَابِلٌ لِلتَّحْرِيمِ فِي ذَاتِهِ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا فِي ذَاتِهَا فَمَا تَمَّ الْفَرْقُ إلَّا أَنَّ التَّفْرِقَةَ مَحْضُ اصْطِلَاحٍ، وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ أَيْ لَا تَحْرِيمَ فِيهِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّنَّةِ مَا قَابَلَ الْبِدْعَةَ وَهُوَ الْجَوَازُ لَا حَقِيقَتُهَا وَهِيَ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ حَرَامٌ) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْبِدْعَةِ، وَإِنْ نُدِبَ أَوْ أُبِيحَ أَوْ كُرِهَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (وَهُنَّ) أَيْ الضَّرْبُ، وَأَنَّثَهُ بِاعْتِبَارِ خَبَرِهِ وَهُوَ ذَوَاتُ الْحَيْضِ.
قَوْلُهُ: (فَالسُّنَّةُ أَنْ يُوقِعَ إلَخْ) مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ السُّنَّةَ صِفَةُ مَحْذُوفٍ هُوَ الْمُبْتَدَأُ أَيْ فَالطَّلَاقُ.
وَقَوْلُهُ " أَنْ تُوقِعَ " خَبَرٌ أَيْ الْمَصْدَرُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ وَهُوَ الْإِيقَاعُ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْإِخْبَارُ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ يَكُونُ عَيْنَ الْمُبْتَدَأِ فِي الْمَعْنَى وَالْإِيقَاعُ غَيْرُ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَفْظِيٌّ وَالْإِيقَاعُ فِعْلٌ نَفْسَانِيٌّ.
وَيُجَابُ بِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ أَيْ ذُو إيقَاعٍ، وَقَوْلُهُ " أَيْ يُوقِعَ " قَيْدٌ وَعَلَى مَدْخُولٍ بِهَا قَيْدٌ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَ وَلَا مُخْتَلِعَةٍ وَالْمَالُ مِنْ عِنْدِهَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (أَيْ السُّنِّيُّ) الْيَاءُ لَيْسَتْ لِلنَّسَبِ بَلْ هِيَ تَسْمِيَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ، إذْ لَوْ كَانَتْ لِلنَّسَبِ لَاقْتَضَى أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ لَا يَكُونُ إلَّا سُنَّةً مَعَ أَنَّهُ تَدْخُلُ فِيهِ الْأَحْكَامُ الَّتِي فِي الْفَائِدَةِ مَا عَدَا الْحَرَامَ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الْجَائِزِ.
وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْيَاءُ لِلنِّسْبَةِ وَالسُّنَّةُ الْمَنْسُوبُ إلَيْهَا بِمَعْنَى الطَّرِيقَةِ فَيَصْدُقُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ.
وَالْيَاءُ فِي الْبِدْعِيِّ لَيْسَتْ لِلنَّسَبِ وَإِلَّا لَكَانَ خَاصًّا بِالْحَرَامِ مَعَ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْمَنْدُوبُ وَالْمَكْرُوهُ وَالْمُبَاحُ بَلْ وَالْوَاجِبُ أَيْ فَيَكُونُ التَّقْسِيمُ إلَى سُنِّيٍّ أَوْ بِدْعِيٍّ وَإِلَى وَاجِبٍ وَغَيْرِهِ تَقْسِيمًا اعْتِبَارِيًّا تَجْتَمِعُ فِيهِ الْأَقْسَامُ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ لَا حَقِيقِيًّا، وَقَوْلُهُ " أَيْ السُّنِّيُّ " لَمَّا كَانَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ السُّنَّةَ يُوهِمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّنَّةِ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ فَسَّرَهُ الشَّارِحُ بِمَا يَدْفَعُ ذَلِكَ فَقَالَ أَيْ السُّنِّيُّ يَعْنِي الْإِيقَاعَ الْمَنْسُوبَ لِلسُّنَّةِ بِمَعْنَى الْجَائِزِ لَا مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ.
قَوْلُهُ: (لَيْسَتْ بِحَامِلٍ إلَخْ) لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ طَلَاقَ هَؤُلَاءِ لَا يَتَّصِفُ بِسُنَّةٍ وَلَا بِبِدْعَةٍ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ مُدَّتَهُ لَا تَخْتَلِفُ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى تَقْسِيمِهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، فَإِنْ قُسِّمَ قِسْمَيْنِ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ مِنْ السُّنِّيِّ.
(فِي طُهْرٍ) مُتَعَلِّقٌ بِيُوقِعُ أَيْ لَا مَعَ آخِرِهِ وَإِلَّا وَقَعَ بِدْعِيًّا، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ: وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي آخِرِ طُهْرِكِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ بِدْعِيٌّ.
قَوْلُهُ: (غَيْرِ مُجَامِعٍ فِيهِ) أَيْ وَقَدْ اسْتَوْفَتْ حَقَّهَا مِنْ الْقَسْمِ.
أَمَّا لَوْ لَمْ تَسْتَوْفِهِ وَطَلُقَتْ فَبِدْعِيٌّ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ فِي التَّنْبِيهِ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (وَلَا فِي حَيْضٍ قَبْلَهُ) أَيْ وَلَا مُجَامِعٍ فِي حَيْضٍ قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ الطُّهْرِ غَيْرَ الْمُجَامِعِ فِيهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ الْبِدْعِيِّ كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ وَهِيَ مِمَّنْ تَحْبَلُ أَوْ فِي حَيْضٍ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ) أَيْ سَبَبُ كَوْنِهِ سُنِّيًّا لِاسْتِعْقَابِهِ، وَهُوَ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ وَالشُّرُوعُ فَاعِلُهُ، وَالتَّقْدِيرُ: أَنْ يُعْقِبَ الطَّلَاقَ الشُّرُوعُ.
وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَنُصِبَ الشُّرُوعُ، وَالتَّقْدِيرُ: أَنْ يُطْلِقَ الطَّلَاقُ الشُّرُوعَ فِي الْعِدَّةِ عَقِبَهُ؛ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، فَالسُّنِّيُّ مَا اسْتَعْقَبَتْ فِيهِ الْمُطَلَّقَةُ الْعِدَّةَ مَعَ عَدَمِ احْتِمَالِ النَّدَمِ ح ل. قَوْلُهُ (وَقَدْ قَالَ تَعَالَى إلَخْ) كَذَا لَفْظُهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ،
الْقِسْمِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: وَالْبِدْعَةُ أَنْ يُوقِعَ الطَّلَاقَ عَلَى مَدْخُولٍ بِهَا فِي الْحَيْضِ أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ وَهِيَ مِمَّنْ تَحْبَلُ أَوْ فِي حَيْضٍ قَبْلَهُ، وَإِنْ سَأَلَتْهُ طَلَاقًا بِلَا عِوَضٍ أَوْ اخْتَلَعَهَا أَجْنَبِيٌّ وَذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ فِيمَا إذَا طَلَّقَهَا فِي حَيْضٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] وَزَمَنُ الْحَيْضِ لَا يُحْسَبُ مِنْ الْعِدَّةِ وَمِثْلُهُ النِّفَاسُ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ تَضَرُّرُهَا بِطُولِ مُدَّةِ التَّرَبُّصِ وَلِأَدَائِهِ إلَى النَّدَمِ فِيمَنْ تَحْبَلُ إذَا ظَهَرَ حَمْلُهَا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُطَلِّقُ الْحَائِلَ دُونَ الْحَامِلِ وَعِنْدَ النَّدَمِ قَدْ لَا يُمْكِنُهُ التَّدَارُكُ فَيَتَضَرَّرُ هُوَ وَالْوَلَدُ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْإِيقَاعِ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ فَلَا يَحْرُمُ فِي الْحَيْضِ لَكِنْ إنْ وُجِدَتْ الصِّفَةُ فِي الطُّهْرِ سُمِّيَ سُنِّيًّا وَإِنْ وُجِدَتْ فِي الْحَيْضِ سُمِّيَ بِدْعِيًّا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْبِدْعِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَا إثْمَ فِيهِ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ فِي كُلِّ الطُّرُقِ كَمَا قَالَهُ فِي الزَّوَائِدِ.
نَعَمْ إنْ أَوْقَعَ الصِّفَةَ فِي الْحَيْضِ بِاخْتِيَارِهِ فَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَأْثَمُ بِإِيقَاعِهِ فِي
[حاشية البجيرمي]
وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ عَنْ الْعِلَّةِ قَبْلَهُ وَلَمْ يَقُلْ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسَاوِيًا لِلْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ إذْ يَدْخُلُ فِي الْآيَةِ الْقِسْمُ الَّذِي لَيْسَ فِي طَلَاقِهِنَّ سُنَّةٌ وَلَا بِدْعَةٌ، وَتَخْرُجُ عَنْهُ الْمُخْتَلِعَةُ إذَا طَلُقَتْ فِي الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَشْرَعُ فِي الْعِدَّةِ بِالطَّلَاقِ، فَمَا كَانَ يُؤْخَذُ مِنْ الْآيَةِ الْحُكْمُ فِي بَعْضٍ قَالَ: وَقَدْ قَالَ تَعَالَى إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَيْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَشْرَعْنَ إلَخْ) أَيْ وَفِي وَقْتٍ لَا يُؤَدِّي الطَّلَاقُ فِيهِ إلَى النَّدَمِ، فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى الْآيَةِ؛ لِأَنَّهَا بِدُونِهِ تَصْدُقُ بِأَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَ فِيهِ مَعَ أَنَّ هَذَا حَرَامٌ.
وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَيْ وَقْتُهَا وَهُوَ الطُّهْرُ، فَإِنَّ اللَّامَ فِي الْأَزْمَانِ وَمَا يُشْبِهُهَا لِلتَّأْقِيتِ، وَظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِدَّةَ بِالْأَطْهَارِ وَأَنَّ طَلَاقَ الْمُعْتَدَّةِ بِالْأَقْرَاءِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الطُّهْرِ وَأَنَّهُ يَحْرُمُ فِي الْحَيْضِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ أَيْ الضِّدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، كَيْفَ وَقَدْ صَحَّ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّهُ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» . فَإِنْ قُلْتَ: إنَّ الْأَمْرَ لِلْمُخَاطَبِ بِالْأَمْرِ لِغَيْرِهِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا لَهُ.
قُلْت: مَحِلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُخَاطَبِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَقَدْ يُقَالُ أَمْرُ غَيْرِ الْمُخَاطَبِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ «فَلْيُرَاجِعْهَا» .
قَوْلُهُ: (وَالْبِدْعَةُ) أَنْ يُوقِعَ الطَّلَاقَ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَمْ بَائِنًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ أَنْ يُوقِعَ قَيْدٌ يُخْرِجُ التَّعْلِيقَ، وَالطَّلَاقُ قَدْ يُخْرِجُ الْفَسْخَ وَالْحَيْضَ، وَالطُّهْرُ الْمَوْصُوفُ بِالْجِمَاعِ فِيهِ قَيْدٌ يُخْرِجُ إيقَاعَ الطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ فَهُوَ سُنِّيٌّ، وَكُلُّهُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ؛ وَسَيَأْتِي أَيْضًا فِي ثَالِثِ التَّنْبِيهَاتِ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ الْحُكْمِ عَلَى إيقَاعِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ بِأَنَّهُ بِدْعِيٌّ سَبْعُ صُوَرٍ لَا يَكُونُ فِيهَا بِدْعِيًّا.
اهـ. م د. قَوْلُ: (مَدْخُولٍ بِهَا) أَيْ لَيْسَتْ بِحَامِلٍ إلَى آخِرِ مَا سَبَقَ، فَفِي كَلَامِهِ اكْتِفَاءٌ، أَيْ وَلَيْسَتْ مُخْتَلِعَةً أَيْ وَعِوَضُ الْخُلْعِ مِنْ مَالِهَا.
وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَذْكُرَ الْقُيُودَ السَّابِقَةَ هُنَا أَيْضًا أَوْ يَذْكُرَهَا فِي الْقِسْمِ وَيَسْتَغْنِي عَنْ ذِكْرِهَا فِي كُلٍّ مِنْ الْقِسْمَيْنِ، فَكَانَ يَقُولُ عَقِبَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَهُنَّ ذَوَاتُ الْحَيْضِ الْمَدْخُولُ بِهِنَّ الْغَيْرُ الْآيِسَاتُ إلَخْ؛ عَلَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ لِمَا سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ فِي قَوْلِهِ: وَضَرْبٌ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحَيْضِ) أَيْ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضِ لَا فِي آخِرِهِ وَإِلَّا كَانَ سُنِّيًّا.
قَوْلُهُ: (أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ) وَهَذَا الطُّهْرُ يُحْسَبُ لَهَا مِنْ الْعِدَّةِ، وَإِنَّمَا حَرُمَ الطَّلَاقُ فِيهِ لِأَدَائِهِ إلَى النَّدَمِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ فَلَيْسَ كُلَّمَا اسْتَعْقَبَ الطَّلَاقُ الْعِدَّةَ تَنْتَفِي عَنْهُ الْحُرْمَةُ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ مِمَّنْ تَحْبَلُ) قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ فَقَطْ، فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحْبَلُ لِكَوْنِهَا صَغِيرَةً أَوْ آيِسَةً وَجَامَعَهَا فِي طُهْرٍ طَلَّقَهَا فِيهِ لَمْ يَكُنْ سُنِّيًّا وَلَا بِدْعِيًّا كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ) أَيْ سَبَبُ كَوْنِهِ بِدْعِيًّا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَدَارَ كَوْنِهِ بِدْعِيًّا عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا تَأَخُّرِ الشُّرُوعِ فِي الْعِدَّةِ عَنْ الطَّلَاقِ أَوْ النَّدَمِ عِنْدَ ظُهُورِ الْحَمْلِ وَإِنْ شَرَعَتْ فِي الْعِدَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَدَائِهِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِمُخَالَفَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَزَمَنُ الْحَيْضِ) مِنْ تَمَامِ الْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ: (قَدْ لَا يُمْكِنُهُ التَّدَارُكُ) لِكَوْنِهِ اسْتَوْفَى عَدَدَ الطَّلَاقِ، أَوْ لِعَدَمِ الرِّضَا بِهِ، أَيْ بِالتَّدَارُكِ، أَيْ عَدَمِ الرِّضَا مِنْهَا بِرَدِّهَا لَهُ بِنِكَاحٍ إذَا كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا بَيْنُونَةً صُغْرَى.
قَوْلُهُ:
الْحَيْضِ كَإِنْشَائِهِ الطَّلَاقَ فِيهِ.
وَخَرَجَ بِقَيْدِ الطَّلَاقِ فِي السُّنِّيِّ وَالْبِدْعِيِّ الْفُسُوخُ فَإِنَّهَا لَا تَنْقَسِمُ إلَى سُنِّيٍّ وَلَا إلَى بِدْعِيٍّ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ:؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ مَضَارَّ زَائِدَةٍ فَلَا يَلِيقُ بِهَا تَكْلِيفُ مُرَاقَبَةِ الْأَوْقَاتِ، وَبِقَيْدِ قَوْلِهِ فِي الْحَيْضِ مَا إذَا وَافَقَ قَوْلَهُ: (أَنْتِ) زَمَنَ الطُّهْرِ (وَطَالِقٌ) زَمَنَ الْحَيْضِ فَهَلْ يَكُونُ سُنِّيًّا أَوْ بِدْعِيًّا، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ عَزِيزَةُ النَّقْلِ ذَكَرَهَا ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي غَيْرِ مَظِنَّتِهَا فِي بَابِ الْكَفَّارَاتِ وَنَقَلَ فِيهَا عَنْ ابْنِ شُرَيْحٍ وَأَقَرَّهُ أَنَّهُ قَالَ: يَحْسِبُ لَهَا الزَّمَنَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ قَوْلُهُ أَنْتِ فَقَطْ قَرْءًا وَيَكُونُ الطَّلَاقُ سُنِّيًّا، قَالَ: وَهُوَ مِنْ بَابِ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى أَوَّلِ أَجْزَائِهِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِقَوْلِهِ أَنْتِ بِمُفْرَدِهِ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا يَقَعُ بِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ انْتَهَى.
تَنْبِيهَاتٌ: أَحَدُهَا: قَضِيَّةُ تَقْيِيدِ الْمُصَنِّفِ بِالْجِمَاعِ قَصَرَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مُرَادًا، بَلْ لَوْ اسْتَدْخَلَتْ مَاءَهُ الْمُحْتَرَمَ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ.
وَكَذَا الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ لِثُبُوتِ النَّسَبِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ بِهِ.
التَّنْبِيهُ الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِ حَصْرُ الْبِدْعِيِّ فِيمَا ذَكَرَهُ، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ بَقِيَ مِنْهُ قِسْمٌ آخَرُ مَذْكُورٌ فِي الرَّوْضَةِ وَهُوَ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ زَوْجَتَانِ وَقَسَمَ لِأَحَدِهِمَا ثُمَّ طَلَّقَ الْأُخْرَى قَبْلَ الْمَبِيتِ عِنْدَهَا وَلَوْ نَكَحَ حَامِلًا مِنْ زِنًا ثُمَّ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا
[حاشية البجيرمي]
فَخَرَجَ) الْأَوْلَى وَخَرَجَ بِالْوَاوِ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْبِدْعِيِّ) أَيْ مِنْ نَدْبِ الرَّجْعَةِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ الطُّرُقِ) أَيْ طُرُقِ نَقْلِ الْمَسَائِلِ عَنْ الْإِمَامِ، فَإِنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ لَهَا طَرِيقٌ فِي النَّقْلِ.
قَوْلُهُ: (إنْ أَوْقَعَ الصِّفَةَ إلَخْ) أَيْ كَأَنْ عَلَّقَ بِدُخُولِهِ نَفْسِهِ دَارَ زَيْدٍ ثُمَّ إنَّهُ دَخَلَ زَمَنَ الْحَيْضِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا) أَيْ الْفُسُوخُ.
وَقَوْلُهُ " لِدَفْعِ مَضَارَّ " أَيْ يَتَضَرَّرُ بِهَا الزَّوْجُ أَوْ الزَّوْجَةُ.
وَقَوْلُهُ " زَائِدَةٍ " أَيْ عَنْ مَضَارِّ طُولِ الْعِدَّةِ وَالنَّدَمِ.
" فَلَا يَلِيقُ بِهَا " أَيْ بِالْمَضَارِّ الْمَذْكُورَةِ أَوْ فَلَا يَلِيقُ بِالْفُسُوخِ.
وَقَوْلُهُ " تَكْلِيفُ الْمُرَاقَبَةِ " أَيْ تَكْلِيفُهُ الْمُرَاقَبَةَ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ أَوْ تَكْلِيفُهَا إنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهَا.
قَوْلُهُ: (فَهَلْ يَكُونُ إلَخْ) الْمُنَاسِبُ: فَفِيهِ تَرَدُّدٌ قِيلَ سُنِّيٌّ وَقِيلَ بِدْعِيٌّ.
وَقَوْلُهُ " سُنِّيًّا " أَيْ نَظَرًا لِقَوْلِهِ أَنْتِ.
وَقَوْلُهُ " أَوْ بِدْعِيًّا " أَيْ نَظَرًا لِقَوْلِهِ طَالِقٌ.
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ خِلَافًا لِلشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (فِي غَيْرِ مَظِنَّتِهَا) أَيْ مَوْضِعِهَا وَقَوْلُهُ فِي بَابِ الْكَفَّارَاتِ بَدَلٌ مِنْ غَيْرِ.
قَوْلُهُ: (يُحْسَبُ لَهَا إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَحْسِبُ لَهَا قَرْءًا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِقَوْلِهِ طَالِقٌ وَإِنَّ الطَّلَاقَ بِدْعِيٌّ لَا إثْمَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَظُنُّ دَوَامَ طُهْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يَقَعُ بِمَجْمُوعِ إلَخْ) أَيْ فَتَبَيَّنَ بِآخِرِهِ الْوُقُوعُ بِأَوَّلِهِ كَمَا يَتَبَيَّنُ بِآخِرِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ بِأَوَّلِهَا، وَهَذَا مُسَلَّمٌ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ لَا فِي الْمَقِيسِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا بِآخِرِ الصِّيغَةِ فِي الطَّلَاقِ.
وَقَوْلُهُ " بِمَجْمُوعِ إلَخْ " هَذَا يَرُدُّ عَلَى الْقَائِلِ بِأَنَّهُ سُنِّيٌّ وَأَنَّ زَمَنَ أَنْتِ يُحْسَبُ قَرْءًا فَكَيْفَ يَكُونُ قَرْءًا مَعَ أَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا يَقَعُ بَعْدَهُ فَيَكُونُ بَعْضُ الْعِدَّةِ مُتَقَدِّمًا عَلَى الطَّلَاقِ؟ فَالْحُكْمُ بِأَنَّهُ سُنِّيٌّ مِنْ أَعْجَبْ الْعَجَائِبِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ خَوْفُ الْحَمْلِ، أَيْ حَيْثُ كَانَ عَالِمًا بِاسْتِدْخَالِهَا لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَحْرُمْ زي.
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ اسْتِدْخَالِهَا فِي الْقُبُلِ أَوْ فِي الدُّبُرِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا لَوْ وَطِئَ فِي الدُّبُرِ) هُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْجِمَاعِ، وَلَعَلَّهُ ذَكَرَهُ لِلْخِلَافِ فِيهِ ق ل.
قَوْلُهُ: (لِثُبُوتِ النَّسَبِ) الَّذِي اعْتَمَدَهُ م ر فِي بَابِ الِاسْتِبْرَاءِ أَنَّ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ لَا يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ وَلَا الِاسْتِيلَادُ، أَيْ وَإِنْ وَجَبَتْ بَيْنَ الْعِدَّةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فَهَذِهِ مُنَاقَشَةٌ فِي الْعِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِثُبُوتِ النَّسَبِ، وَأَمَّا الْحُكْمُ وَهُوَ أَنَّهُ بِدْعِيٌّ فَمُسَلَّمٌ؛ لِأَنَّهُ تَجِبُ بِهِ الْعِدَّةُ.
قَوْلُهُ: (فِي حَقِّ مَنْ لَهُ زَوْجَتَانِ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْحُرْمَةَ فِيهِ لِمَعْنًى غَيْرِ الْمُرَادِ هُنَا الَّذِي هُوَ عَدَمُ الشُّرُوعِ فِي الْعِدَّةِ؛ قَالَهُ ق ل.
وَقَوْلُهُ " فَإِنَّهُ بِدْعِيٌّ " لِعَدَمِ شُرُوعِهَا فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا تُقَدَّمُ عِدَّةُ وَطْءِ الشُّبْهَةِ حِينَئِذٍ؛ قَالَهُ شَيْخُنَا م د. قِيلَ: وَمِنْهُ مَا لَوْ طَلَّقَهَا حَالَ مَرَضِهِ طَلَاقًا بَائِنًا قَاصِدًا حِرْمَانَهَا مِنْ الْإِرْثِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ كَالزَّكَاةِ إذَا أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْ النِّصَابِ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ قَاصِدًا الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ فَهُمَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَكَحَ حَامِلًا مِنْ زِنًا) أَيْ وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيضُ.
وَيُلْغَزُ بِهَا وَيُقَالُ: لَنَا امْرَأَةٌ تَزَوَّجَتْ وَهِيَ حَامِلٌ وَصَحَّ ذَلِكَ.
وَصُورَتُهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ نَكَحَ حَامِلًا إلَخْ، ثُمَّ فَرْضُهُمْ ذَلِكَ فِيمَنْ نَكَحَهَا حَامِلًا مِنْ الزِّنَا قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهَا لَوْ زَنَتْ وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ فَحَمَلَتْ جَازَ لَهُ طَلَاقُهَا وَإِنْ طَالَتْ عِدَّتُهَا لِعَدَمِ صَبْرِ النَّفْسِ عَلَى عِشْرَتِهَا حِينَئِذٍ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ غَيْرَ أَنَّ كَلَامَهُمْ يُخَالِفُهُ اهـ. قَالَ سم: قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَشْرَعُ فِي الْعِدَّةِ إلَّا بَعْدَ الْوَضْعِ أَيْ؛ لِأَنَّ الرَّحِمَ مَعْلُومُ الشُّغْلِ، فَلَا مَعْنًى لِلشُّرُوعِ فِي الْعِدَّةِ
نُظِرَ إنْ لَمْ تَحِضْ فَبِدْعِيٌّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَشْرَعُ فِي الْعِدَّةِ إلَّا بَعْدَ الْوَضْعِ وَالنِّفَاسِ، وَإِلَّا فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ فَسُنِّيٌّ أَوْ فِي الْحَيْضِ فَبِدْعِيٌّ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ.
وَأَمَّا الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ إذَا حَبِلَتْ مِنْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا طَاهِرًا فَإِنَّهُ بِدْعِيٌّ.
التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ: يُسْتَثْنَى مِنْ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ صُوَرٌ: مِنْهَا الْحَامِلُ إذَا حَاضَتْ فَلَا يَحْرُمُ طَلَاقُهَا؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا بِالْوَضْعِ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً وَقَالَ لَهَا سَيِّدُهَا إنْ طَلَّقَكِ الزَّوْجُ الْيَوْمَ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَسَأَلَتْ الزَّوْجَ الطَّلَاقَ لِأَجْلِ الْعِتْقِ فَطَلَّقَهَا لَمْ يَحْرُمْ، فَإِنَّ دَوَامَ الرِّقِّ أَضَرُّ بِهَا مِنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ وَقَدْ لَا يَسْمَحُ بِهِ السَّيِّدُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ يَمُوتُ فَيَدُومُ أَسْرُهَا بِالرِّقِّ؛ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ بَحْثًا وَهُوَ حَسَنٌ.
وَمِنْهَا طَلَاقُ الْمُتَحَيِّرَةِ فَلَيْسَ بِسُنِّيٍّ وَلَا بِدْعِيٍّ.
وَمِنْهَا طَلَاقُ الْحَكَمَيْنِ فِي صُورَةِ الشِّقَاقِ، وَمِنْهَا طَلَاقُ الْمَوْلَى إذَا طُولِبَ وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ الرَّافِعِيُّ، وَمِنْهَا مَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ طَلْقَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي
[حاشية البجيرمي]
مَعَ ذَلِكَ إذْ لَا دَلَالَةَ لِمُضِيِّ الزَّمَنِ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْبَرَاءَةِ، وَإِنَّمَا شَرَعَتْ فِيهَا مَعَهُ إذَا حَاضَتْ لِمُعَارَضَةِ الْحَيْضِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ الدَّلَالَةُ عَلَى الْبَرَاءَةِ لِحَمْلِ الزِّنَا فَلَمْ يُنْظَرْ إلَيْهِ مَعَ وُجُودِ الْحَيْضِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ دَخَلَ بِهَا) هَذَا الْقَيْدُ لِأَجْلِ وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمُطَلَّقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (نَظَرَ إنْ لَمْ تَحِضْ) أَيْ فِي حَالَةِ الْحَمْلِ فَلَوْ كَانَتْ لَا تَحِيضُ أَبَدًا وَطَلَّقَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا يَكُونُ الطَّلَاقُ بِدْعِيًّا؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا بِالْأَشْهُرِ وَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِذَلِكَ مَعَ وُجُودِ الْحَمْلِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا لَا تَشْرَعُ فِي الْعِدَّةِ) هَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ هُنَا، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ فِيهَا فِي الْعَدَدِ أَنَّ زَمَنَ الطُّهْرِ يُحْسَبُ قَرْءًا إذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْحَمْلِ حَيْضٌ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُسْقِطَ قَوْلَهُ إلَّا بَعْدَ الْوَضْعِ وَالنِّفَاسِ لِمَا عَلِمْتَ، وَيَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى صُورَةِ مَا إذَا لَمْ يَسْبِقْ لَهَا حَيْضٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الطُّهْرَ الَّذِي طَلَّقَهَا فِيهِ لَا يُسَمَّى قَرْءًا لِأَنَّ الْقَرْءَ طُهْرٌ بَيْنَ دَمَيْنِ.
وَذَكَرَ الْحَلَبِيُّ عَلَى الْمَنْهَجِ مَا يُؤَيِّدُهُ، لَكِنَّ كَلَامَ م ر فِي شَرْحِهِ يُوَافِقُ مَا هُنَا مَعَ الْإِشْكَالِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بَعْدَ الْوَضْعِ) أَيْ إنْ كَانَتْ الْعِدَّةُ بِالْأَقْرَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ بِالْأَشْهُرِ فَمِنْ حِينِ الطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَتْ تَحِيضُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي الطُّهْرِ ظَاهِرُهُ وَإِنْ وَطِئَ فِيهِ فَرَاجِعْهُ.
اهـ. م د. وَقَدْ رَاجَعْتُهُ فَوَجَدْتُهُ كَذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِهِ فَقَالَ: قَوْلُهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ أَيْ وَإِنْ جَامَعَهَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ فِيهَا الْمَعْنَى السَّابِقَ مِنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا، يَعْنِي إذَا وُطِئَتْ الزَّوْجَةُ بِشُبْهَةٍ فَحَمَلَتْ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ وَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ طَاهِرًا فَهُوَ بِدْعِيٌّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَشْرَعُ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ الْحَمْلِ مُقَدَّمَةٌ مُطْلَقًا.
وَيُلْغَزُ بِذَلِكَ وَيُقَالُ: لَنَا رَجُلٌ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ وَلَا فِي حَيْضٍ قَبْلَهُ وَهُوَ بِدْعِيٌّ.
قَوْلُهُ: (إذَا حَبِلَتْ مِنْهُ) أَيْ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ طَلَّقَهَا) أَيْ زَوْجُهَا طَاهِرًا أَيْ وَلَوْ جَامَعَهَا فِيهِ وَفِي الْحَيْضِ بِالْأَوْلَى، وَسَوَاءٌ كَانَتْ تَحِيضُ أَوْ لَا لِتَقَدُّمِ عِدَّةِ الشُّبْهَةِ مُطْلَقًا؛ وَبِذَلِكَ فَارَقَتْ الَّتِي قَبْلَهَا.
قَوْلُهُ: (يُسْتَثْنَى مِنْ الطَّلَاقِ إلَخْ) أَيْ مِنْ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ بِدْعِيٌّ وَحَرَامٌ، فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ لَا يُقَالُ لَهَا بِدْعِيٌّ وَلَا تَحْرُمُ بَلْ يُقَالُ لَهَا لَا سُنِّيٌّ وَلَا بِدْعِيٌّ وَيَجْرِي فِيهَا النَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْوُجُوبُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (إذَا حَاضَتْ) أَيْ فِي حَالَةِ الْحَمْلِ.
قَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا بِالْوَضْعِ) فَلَا أَثَرَ لِلْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ بِالْوَضْعِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا مَا لَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً إلَخْ) وَيُلْغَزُ بِذَلِكَ وَيُقَالُ: لَنَا رَجُلٌ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ فِي الْحَيْضِ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ بَلْ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (فَسَأَلَتْ الزَّوْجَ إلَخْ) لَيْسَ قَيْدًا بَلْ الْمَدَارُ عَلَى عِلْمِ الزَّوْجِ بِالتَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ، أَيْ وَكَانَتْ حَائِضًا كَمَا هُوَ الْفَرْضُ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ هَذَا التَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (طَلَاقُ الْمُتَحَيِّرَةِ) يُتَأَمَّلُ فِيهِ، إذْ لَيْسَ هُنَا حَيْضٌ مُحَقَّقٌ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْمُتَحَيِّرَةَ الَّتِي رُدَّتْ لِعَادَتِهَا قَدْرًا وَوَقْتًا فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ طَلَاقَهَا فِي زَمَنِ عَادَةِ الْحَيْضِ بِدْعِيٌّ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ زَمَنَ الْبِدْعَةِ وَلَوْ احْتِمَالًا.
وَعِبَارَةُ م د: مَحِلُّهُ إذَا وَقَعَ طَلَاقُهَا أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ وَبَقِيَ مِنْهُ مَا يَسَعُ حَيْضًا وَطُهْرًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْعِدَدِ وَإِلَّا فَبِدْعِيٌّ.
قَوْلُهُ: (طَلَاقُ الْحَكَمَيْنِ) أَيْ حَيْثُ رَأَيَاهُ مَصْلَحَةً وَالْمُرَادُ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ، بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ فِيمَا سَبَقَ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ.
قَوْلُهُ: (طَلَاقُ الْمَوْلَى) أَيْ الْمَوْلَى الَّذِي لَمْ يُرِدْ الْوَطْءَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ) أَيْ فِي اسْتِثْنَائِهِ، الرَّافِعِيُّ وَجْهُ التَّوَقُّفِ أَنَّ سَبَبَهُ إيلَاؤُهُ فَكَانَ
الْحَيْضِ ثَانِيَةً.
وَمِنْهَا مَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى عِوَضٍ، لِإِطْلَاقِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] وَلِحَاجَتِهَا إلَى الْخَلَاصِ بِالْمُفَارَقَةِ مِنْ حَيْثُ افْتَدَتْ بِالْمَالِ، وَهَذَا لَيْسَ بِسُنِّيٍّ وَلَا بِدْعِيٍّ وَهُوَ وَارِدٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَضَرْبٌ لَيْسَ فِي طَلَاقِهِنَّ سُنَّةٌ وَلَا بِدْعَةٌ) عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ (وَهُنَّ أَرْبَعٌ) الْأُولَى (الصَّغِيرَةُ) الَّتِي لَمْ تَحِضْ (وَ) الثَّانِيَةُ (الْآيِسَةُ) ؛ لِأَنَّ عِدَّتَهُمَا بِالْأَشْهُرِ فَلَا ضَرَرَ يَلْحَقُهُمَا (وَ) الثَّالِثَةُ (الْحَامِلُ) الَّتِي ظَهَرَ حَمْلُهَا؛ لِأَنَّ عِدَّتَهَا بِوَضْعِهَا فَلَا تَخْتَلِفُ الْمُدَّةُ فِي حَقِّهَا وَلَا نَدَمَ بَعْدَ ظُهُورِ الْحَمْلِ (وَ) الرَّابِعَةُ (الْمُخْتَلِعَةُ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا) إذْ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا.
تَتِمَّةٌ: مَنْ طَلَّقَ بِدْعِيًّا سُنَّ لَهُ الرَّجْعَةُ ثَمَّ بَعْدَهَا إنْ شَاءَ طَلَّقَ بَعْدَ تَمَامِ طُهْرٍ، لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ
[حاشية البجيرمي]
يُقَالُ بِدْعِيٌّ لِلتَّغْلِيظِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ ثَانِيَةً) وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ هَذَا بِدْعِيًّا؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَأْنِفُ لِلطَّلَاقِ الثَّانِي عِدَّةً لِعَدَمِ لُزُومِهَا بِهِ مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مَا لَوْ خَالَعَهَا) أَيْ وَكَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا؛ لِأَنَّ الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا سَتَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا فِيهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى عِوَضٍ) أَيْ مِنْهَا وَكَانَتْ رَشِيدَةً أَيْ سَوَاءٌ بَاشَرَتْ الْخُلْعَ أَوْ أَذِنَتْ لِأَجْنَبِيٍّ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْأَجْنَبِيُّ يُخَالِعُ مِنْ مَالِهِ فَبِدْعِيٌّ وَلَوْ بِإِذْنِهَا.
قَوْلُهُ: (لِإِطْلَاقِ) أَيْ فَهُوَ شَامِلٌ لِزَمَنِ الْحَيْضِ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ طَلَاقُ الْحَكَمَيْنِ وَمَا بَعْدَهُ، أَيْ مَا ذَكَرَ فِي التَّنْبِيهِ الثَّالِثِ مِنْ الْأَقْسَامِ السَّبْعِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ وَارِدٌ إلَخْ) فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ انْحِصَارُ هَذَا الضَّرْبِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِمَا فِي التَّنْبِيهِ الثَّالِثِ أَوْ رَاجِعٌ لِلْأَخِيرِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا كَانَ الْأَخِيرُ وَارِدًا مَعَ أَنَّ الْمَتْنَ ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَهُ بِاَلَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا وَهَذَا أَعَمُّ.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ فِي طَلَاقِهِنَّ سُنَّةٌ إلَخْ) أَيْ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ سُنِّيًّا وَلَا بِدْعِيًّا وَإِنْ كَانَ جَائِزًا.
قَوْلُهُ: (وَهُنَّ) أَيْ هَذَا الضَّرْبُ وَأَنَّثَهُ وَجَمَعَهُ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ.
قَوْلُهُ: (الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَحِضْ) سَوَاءٌ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ أَمْ لَا بِأَنْ اسْتَدْخَلَتْ مَاءَهُ الْمُحْتَرَمَ لِتَكُونَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْآيِسَةِ وَالْحَامِلِ اهـ ب ش.
قَوْلُهُ: (الَّتِي لَمْ تَحِضْ) كَأَنَّهُ تَفْسِيرٌ مُرَادٌ لِلصَّغِيرَةِ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي هَذَا التَّعْمِيمِ مُسَلَّمٌ.
قَوْلُهُ: (الَّتِي ظَهَرَ حَمْلُهَا) أَيْ مِنْهُ لَا مِنْ شُبْهَةٍ وَلَا مِنْ زِنًا.
وَقَيَّدَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ طَلَاقَ الْحَامِلِ الَّتِي لَمْ يَظْهَرْ حَمْلُهَا بِدْعِيٌّ لِمَا فِيهِ مِنْ النَّدَمِ، قَالَ ق ل: وَهُوَ تَصْوِيرٌ لِقَوْلِهِ وَلَا نَدَمَ وَإِلَّا فَلَا يَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (الْمُخْتَلِعَةُ) هِيَ مَحَلُّ الْقِسْمِ الرَّابِعِ وَلَا حَاجَةَ لِتَقْيِيدِهَا بِعَدَمِ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مُطْلَقًا بِخُلْعٍ أَوْ لَا، قَالَ سم: وَلَعَلَّ الْعَدَدَ كَانَ خَمْسًا بَدَلَ قَوْلِهِ أَرْبَعٌ وَكَانَ قَوْلُهُ: الَّتِي إلَخْ مَقْرُونًا بِالْوَاوِ لِإِتْمَامِ الْخَمْسِ فَغَيَّرَهُ النُّسَّاخُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الَّتِي دَخَلَ بِهَا أَوْ يَقُولَ وَاَلَّتِي إلَخْ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ وَيَقُولَ خَمْسٌ بَدَلَ أَرْبَعٍ.
قَوْلُهُ: (تَتِمَّةٌ مَنْ طَلَّقَ بِدْعِيًّا) أَيْ بِسَبَبِ الْحَيْضِ سُنَّ لَهُ الرَّجْعَةُ، وَكُرِهَ تَرْكُهَا مَا دَامَ زَمَنُ الْبِدْعَةِ فَيَنْتَهِي سَنُّ الرَّجْعَةِ بِزَوَالِ زَمَنِ الْبِدْعَةِ وَهُوَ فِي طُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ أَوْ فِي حَيْضٍ قَبْلَهُ بِفَرَاغِهِ مَعَ زَمَنِ الْحَيْضِ بَعْدَهُ وَفِي حَيْضٍ خَالٍ عَنْ الْوَطْءِ بِفَرَاغِهِ وَبِالرَّجْعَةِ سَقَطَ الْإِثْمُ؛ لِأَنَّهُ لَحِقَهَا وَقَدْ وَفَّاهُ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ وَإِنْ كَانَتْ تَوْبَةً خِلَافًا لِمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ نَظَرًا لِمَا ذُكِرَ وَهُوَ انْتِهَاءُ زَمَنِ الْبِدْعَةِ وَلِأَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَنْحَصِرُ فِي الرَّجْعَةِ لِحُصُولِهَا بِمُسَامَحَتِهَا مَثَلًا.
وَقَوْلُهُ: " أَيْ بِسَبَبِ الْحَيْضِ " لَيْسَ قَيْدًا بَلْ كُلُّ مَنْ طَلَّقَ طَلَاقًا بِدْعِيًّا أَعَمُّ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبِ حَيْضٍ أَوْ كَانَ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ وَهِيَ مِمَّنْ تَحْبَلُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ؛ لَكِنَّ كَوْنَ الرَّجْعَةِ سُنَّةً فِي حَقِّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ هُوَ الْوَارِدُ فِي السُّنَّةِ فِي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فِي غَيْرِهِ فَهِيَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، فَلَعَلَّ الْمُحَشِّي قَيَّدَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ الْوَارِدَ فِي الْحَدِيثِ: وَقَوْلُهُ: " وَهُوَ فِي طُهْرٍ أَيْ وَزَوَالِ زَمَنِ الْبِدْعَةِ فِي طُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ إلَخْ، وَقَوْلُهُ: " مَعَ زَمَنِ الْحَيْضِ " أَيْ مَعَ فَرَاغِ زَمَنِ الْحَيْضِ أَيْضًا وَالشُّرُوعِ فِي الطُّهْرِ.
قَوْلُهُ: (سُنَّ لَهُ الرَّجْعَةُ) أَوْ تَجْدِيدُ النِّكَاحِ إنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا اهـ إمْدَادٌ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ تَمَامِ طُهْرٍ) الْأَوْلَى حَذْفُ تَمَامٍ
- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا» أَيْ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا إنْ أَرَادَ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِمَا
وَلَوْ قَالَ لِحَائِضٍ مَمْسُوسَةٍ أَوْ نُفَسَاءَ أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ حِينَ تَطْهُرُ، وَلَوْ قَالَ لِمَنْ فِي طُهْرٍ لَمْ تُمَسَّ فِيهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَقَعَ فِي الْحَالِ فِي وَإِنْ مُسَّتْ فِيهِ فَحِينَ تَطْهُرُ بَعْدَ الْحَيْضِ أَوْ لِلْبِدْعَةِ وَقَعَ فِي الْحَالِ إنْ مُسَّتْ فِيهِ أَوْ حَيْضٍ قَبْلَهُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً أَوْ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ أَوْ أَفْضَلَهُ أَوْ أَعْدَلَهُ أَوْ أَجْمَلَهُ فَكَالسُّنَّةِ أَوْ طَلْقَةً قَبِيحَةً أَوْ أَقْبَحَ الطَّلَاقِ أَوْ أَسْمَجَهُ أَوْ أَفْحَشَهُ فَكَالْبِدْعَةِ، وَقَوْلُهُ لَهَا طَلَّقْتُك طَلَاقًا كَالثَّلْجِ أَوْ كَالنَّارِ يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ وَيَلْغُو التَّشْبِيهُ الْمَذْكُورُ.
فَصْلٌ: فِيمَا يَمْلِكُهُ الزَّوْجُ مِنْ الطَّلْقَاتِ وَفِي الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّعْلِيقِ وَالْمَحَلِّ الْقَابِلِ لِلطَّلَاقِ وَشُرُوطِ الْمُطَلِّقِ وَقَدْ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ عَدَدُ الطَّلْقَاتِ بِقَوْلِهِ: (وَيَمْلِكُ الْحُرُّ) عَلَى زَوْجَتِهِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً (ثَلَاثَ
[حاشية البجيرمي]
لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الشُّرُوعِ فِيهِ، فَبِأَوَّلِهِ يَجُوزُ الطَّلَاقُ.
قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمُرَاجَعَةِ، وَإِنَّمَا أَبُوهُ أُمِرَ وَالْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ كَمَا فِي الْأُصُولِ، أَيْ فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَدْبِ الرَّجْعَةِ، فَاسْتِفَادَةُ النَّدْبِ مِنْهُ حِينَئِذٍ إنَّمَا هِيَ مِنْ الْقَرِينَةِ وَالْقَرِينَةُ هُنَا اللَّامُ فِي قَوْلِهِ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِنَّ اللَّامَ فِيهِ لَامُ الْأَمْرِ.
قَالَ: ع ش: وَالظَّاهِرُ مِنْ عَدَالَةِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ حَيْثُ طَلَّقَهَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِحَيْضِهَا وَلَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ حُرْمَةُ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَالَ لِحَائِضٍ مَمْسُوسَةٍ قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَالَ لِحَائِضٍ مَمْسُوسَةٍ) أَيْ مَدْخُولٍ) أَيْ مَدْخُولٍ بِهَا فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولًا بِهَا لَمْ يَكُنْ طَلَاقُهَا سُنِّيًّا وَلَا بِدْعِيًّا فَيَقَعُ فِي الْحَالِ كَمَا قَالَهُ الْمَدَابِغِيُّ، أَيْ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ قَالَ لِلْبِدْعَةِ أَوْ لِلسُّنَّةِ فَالتَّقْيِيدُ بِالنَّظَرِ لِقَوْلِهِ الْآتِي أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ إلَخْ.
هَذَا كُلُّهُ إذَا قَالَهُ لِمَنْ يَكُونُ طَلَاقُهَا سُنِّيًّا لَا بِدْعِيًّا، فَلَوْ قَالَهُ لِمَنْ لَا يَتَّصِفُ طَلَاقُهَا بِذَلِكَ وَقَعَ فِي الْحَالِ مُطْلَقًا وَيَلْغُو ذِكْرُ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نُفَسَاءَ) أَيْ مَمْسُوسَةٍ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (لِلْبِدْعَةِ) اللَّامُ لِلتَّوْقِيتِ أَيْ فِي وَقْتِ الْبِدْعَةِ أَوْ عِنْدَهَا، وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّامَ إنْ دَخَلَتْ عَلَى مَا يَتَكَرَّرُ كَانَتْ لِلتَّوْقِيتِ كَأَنْتِ طَالِقٌ لِرَمَضَانَ؛ الْمَعْنَى إذَا جَاءَ وَقْتُ رَمَضَانَ طَلُقَتْ وَإِنْ دَخَلَتْ عَلَى مَا لَا يَتَكَرَّرُ كَانَتْ لِلتَّعْلِيلِ فَتَطْلُقُ فِي الْحَالِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِرِضَا زَيْدٍ فَتَطْلُقُ وَإِنْ سَخِطَ.
قَوْلُهُ: (فَكَالسُّنَّةِ) أَيْ فَإِنْ كَانَتْ فِي حَالِ سُنَّةٍ وَقَعَ فِي الْحَالِ وَإِلَّا فَبِوُجُودِ الصِّفَةِ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ.
وَعِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ: فَكَالسُّنَّةِ، أَيْ فَكَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَكَالسُّنَّةِ أَيْ فِيمَا مَرَّ فَلَا يَقَعُ فِي حَالِ بِدْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَى بِالْمَدْحِ مَا وَافَقَ الشَّرْعَ كَمَا فِي م ر.
قَوْلُهُ: (فَكَالْبِدْعَةِ) قَالَ م ر: أَيْ فِيمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ الْأَوْلَى بِالذَّمِّ مَا خَالَفَ الشَّرْعَ.
قَوْلُهُ: (يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي الْحَالِ) خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنْ قَصَدَ التَّشْبِيهَ بِالثَّلْجِ فِي الْبَيَاضِ وَبِالنَّارِ فِي الْإِضَاءَةِ طَلُقَتْ فِي زَمَنِ السُّنَّةِ، أَوْ التَّشْبِيهَ بِالثَّلْجِ فِي الْبُرُودَةِ وَبِالنَّارِ فِي الْحَرَارَةِ وَالْإِحْرَاقِ طَلُقَتْ فِي الْبِدْعَةِ شَرْحُ الرَّوْضِ.
[فَصْلٌ فِيمَا يَمْلِكُهُ الزَّوْجُ حُرًّا كَانَ أَوْ رَقِيقًا مِنْ الطَّلْقَاتِ]
وَهِيَ ثَلَاثٌ لِلْحُرِّ وَثِنْتَانِ لِلرَّقِيقِ، وَفِي الِاسْتِثْنَاءِ هَلْ يَنْفَعُ أَمْ لَا وَالتَّعْلِيقُ هَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ وَالْمَحَلُّ الْقَابِلُ لِلطَّلَاقِ أَنْ يَكُونَ زَوْجَةً وَلَوْ رَجْعِيَّةً لَا مَمْلُوكَةً لَهُ وَفِي شُرُوطِ الْمُطَلِّقِ وَهِيَ التَّكْلِيفُ وَعَدَمُ الْإِكْرَاهِ وَالنَّوْمِ، فَهَذَا الْفَصْلُ مَعْقُودٌ لِخَمْسِ مَسَائِلَ.
قَوْلُهُ: (وَيَمْلِكُ الْحُرُّ) أَيْ كَامِلُ الْحُرِّيَّةِ ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ أَيْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَمَّا هُوَ فَلَا يَنْحَصِرُ طَلَاقُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ كَمَا لَا يَنْحَصِرُ عَدَدُ زَوْجَاتِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ فِي الطَّلَاقِ كَغَيْرِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَى الْحَصْرِ قِيلَ: يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَهَا مِنْ غَيْرِ مُحَلِّلٍ، وَادَّعَى الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ الْأَصَحُّ وَقِيلَ لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحْلِيلِ لِمَا خُصَّ بِهِ مِنْ حُرْمَةِ نِسَائِهِ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكٍ عَلَى غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53]
طَلْقَاتٍ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] فَأَيْنَ الثَّالِثَةُ؟ فَقَالَ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] » وَإِنَّمَا لَمْ يَعْتَبِرُوا رِقَّ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الطَّلَاقِ بِالزَّوْجِ لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بِالنِّسَاءِ» . وَلَا يَحْرُمُ جَمْعُ الطَّلْقَاتِ «؛ لِأَنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ لَمَّا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا تَبِينُ بِاللِّعَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فَلَوْ كَانَ إيقَاعُ الثَّلَاثِ حَرَامًا لَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ لِيَعْلَمَهُ هُوَ وَمَنْ حَضَرَهُ.
(وَ) يَمْلِكُ (الْعَبْدُ طَلْقَتَيْنِ) فَقَطْ وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ حُرَّةً لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا: «طَلَاقُ الْعَبْدِ طَلْقَتَانِ»
[حاشية البجيرمي]
قِيلَ نَزَلَتْ فِي طَلْحَةَ لَمَّا قَالَ إنْ مَاتَ لَأَتَزَوَّجَن بِعَائِشَةَ وَلِأَنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6] وَلِأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُهُ فِي الْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ فِي الْجَنَّةِ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا كَمَا قَالَ الْقُشَيْرِيُّ.
وَقِيسَ بِزَوْجَتِهِ أَمَتُهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الطَّاوُسِيُّ وَالْبَارِزِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا بِلَا تَرْجِيحٍ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ وَلَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، لَكِنَّ الْمَنْعَ أَقْوَى مَعْنًى وَخَرَجَ بِالْمَدْخُولَةِ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فَإِنْ كَانَتْ أَمَتُهُ لَمْ تَحْرُمْ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ زَوْجَتُهُ حَرُمَتْ إنْ مَاتَ عَنْهَا.
وَفِيمَنْ فَارَقَهَا فِي حَيَاتِهِ أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْأَدِلَّةِ، وَحُكِيَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ.
هَذَا إذَا لَمْ تَخْتَرْ الْمُخَيَّرَةُ فِرَاقَهُ، فَإِنْ اخْتَارَتْ فِرَاقَهُ فَمِنْهُمْ مَنْ طَرَدَ فِيهَا الْخِلَافَ؛ وَالْأَظْهَرُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ الْقَطْعُ بِالْحِلِّ وَإِلَّا فَلَا مَعْنًى لِلتَّخْيِيرِ، وَجَزَمَ بِهِ الْإِمَامُ، وَحَكَوْا فِيهِ الِاتِّفَاقَ، وَالْأَصَحُّ التَّحْرِيمُ ذَكَرَهُ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْخَصَائِصِ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً) وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَجَعَلَ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ النِّسَاءِ كَالْعِدَّةِ؛ وَاخْتَارَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (سُئِلَ عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] فَإِنْ قِيلَ: الطَّلَاقُ لَيْسَ مَرَّتَيْنِ بَلْ ثَلَاثٌ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ أَيْ عَدَدِ الطَّلَاقِ الَّذِي تَحِلُّ بَعْدَهُ الرَّجْعَةُ مَرَّتَانِ أَيْ طَلْقَتَانِ، وَلَمْ يَقُلْ ثِنْتَانِ أَوْ طَلْقَتَانِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَلْقَةً مَرَّةً ثُمَّ أُخْرَى مَرَّةً.
اهـ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي تَفْسِيرِهِ، قَالَ: وَالْحُكْمُ عِنْدَنَا فِي إيقَاعِ الثِّنْتَيْنِ فِي مَرَّةٍ الْكَرَاهَةُ وَقَوْلُهُ عَنْ قَوْله تَعَالَى إلَخْ عَنْ بِمَعْنَى بَعْدُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: 19] أَيْ سُئِلَ بَعْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] ؛ لِأَنَّ السُّؤَالَ بَعْدَهُ لَا عَنْهُ.
قَوْلُهُ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] أَيْ طَلَاقٌ لَا إثْمَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ» أَيْ مُعْتَبَرٌ بِهِمْ أَيْ أَصَالَةً فَلَا يَرِدُ مَا لَوْ فَوَّضَ إلَيْهَا الطَّلَاقَ أَوْ تَوَكَّلَتْ فِي طَلَاقِ بِنْتِهَا مَثَلًا وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا أَوْ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ عَرْضِيٌّ، قَالَ ق ل: وَالْمُرَادُ بِالرِّجَالِ وَلَوْ احْتِمَالًا فَيَدْخُلُ الْخُنْثَى؛ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِي الْوُقُوعِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِيمَا لَوْ عَقَدَ الْخُنْثَى عَلَى أُنْثَى ثُمَّ طَلَّقَهَا ثُمَّ اتَّضَحَ بِالذُّكُورَةِ فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ صِحَّةُ الْعَقْدِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ لِتَبَيُّنِ صِحَّةِ النِّكَاحِ اهـ.
وَقَوْلُهُ: فَإِنَّهُ إلَخْ " غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى لَا يَكُونُ زَوْجًا فِي حَالِ إشْكَالِهِ وَحِينَئِذٍ فَنِكَاحُهُ بَاطِلٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَحْرُمُ جَمْعُ الطَّلْقَاتِ) وَلَوْ مَعَ أَكْثَرَ مِنْهَا نَحْوُ سَبْعِينَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ عُمَيْرًا الْعَجْلَانِيَّ) صَوَابُهُ عُوَيْمِرٌ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
وَالْعَجْلَانِيُّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الْجِيمِ نِسْبَةً إلَى عَجْلَانَ اسْمُ قَبِيلَةٍ، مَنْقُولٌ مِنْ قَوْلِهِمْ هُوَ عَجْلَانُ بِمَعْنَى مُسْتَعْجِلٍ كَمَا فِي الْمُغْرِبِ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ كَانَ إيقَاعُ الثَّلَاثِ حَرَامًا إلَخْ) بَيَانٌ لِوَجْهِ الدَّلَالَةِ.
وَقَدْ يُقَالُ عَدَمُ نَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ فَائِدَةِ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ حَصَلَتْ قَبْلَهُ بِاللِّعَانِ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الطَّلَاقَ ثَلَاثًا وَقَعَ مِنْهُ جَاهِلًا بِأَنَّ اللِّعَانَ يَحْرُمُ.
قَالَ الرَّمْلِيُّ بَعْدَ سَوْقِ عِبَارَةٍ طَوِيلَةٍ: وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الشِّيعَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ مِنْ وُقُوعِ وَاحِدَةٍ أَيْ فِيمَا إذَا جَمَعَ الثَّلَاثَ طَلْقَاتٍ فَقَطْ وَإِنْ اخْتَارَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ لَا يُعْبَأُ بِهِ وَاقْتَدَى بِهِ مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ، قَالَ السُّبْكِيُّ: وَابْتَدَعَ بَعْضُ أَهْلِ زَمَانِنَا أَيْ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْعِزُّ بْنُ جَمَاعَةَ: إنَّهُ ضَالٌّ،،،، مُضِلٌّ أَيْ إنْ ثَبَتَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَمْلِكُ الْعَبْدُ) أَيْ مَنْ فِيهِ رِقٌّ كَمَا ذَكَرَهُ، وَبِهَذَا يُلْغَزُ وَيُقَالُ: لَنَا عَبْدٌ يَمْلِكُ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْهُ سَيِّدُهُ.
قَوْلُهُ: (لِمَا
وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُبَعَّضُ وَالْمُدَبَّرُ كَالْقِنِّ وَإِنَّمَا لَمْ يَعْتَبِرُوا حُرِّيَّةَ الزَّوْجَةِ لِمَا مَرَّ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ يَمْلِكُ الْعَبْدُ ثَالِثَةً كَذِمِّيٍّ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلْقَتَيْنِ ثُمَّ الْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَاسْتُرِقَّ ثُمَّ أَرَادَ نِكَاحَهَا فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَمْلِكُ عَلَيْهَا الثَّالِثَةَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ بِالطَّلْقَتَيْنِ، وَطَرَيَانُ الرِّقِّ لَا يَمْنَعُ الْحِلَّ السَّابِقَ بِخِلَافِ مَا لَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً ثُمَّ اُسْتُرِقَّ فَإِنَّهَا تَعُودُ لَهُ بِطَلْقَةٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ رَقَّ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ عَدَدِ الْعَبِيدِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ: (وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الطَّلَاقِ) لِوُقُوعِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ وَهُوَ الْإِخْرَاجُ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا، وَلِصِحَّتِهِ شُرُوطٌ خَمْسَةٌ: وَهِيَ (إذَا وَصَلَهُ بِهِ) أَيْ بِالْيَمِينِ وَنَوَاهُ قَبْلَ فَرَاغِهِ
[حاشية البجيرمي]
مَرَّ) أَيْ وَهُوَ قَوْلُهُ: «الطَّلَاقُ بِالرِّجَالِ» وَهُوَ شَامِلٌ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ.
قَوْلُهُ: (قَدْ يَمْلِكُ الْعَبْدُ ثَالِثَةً) فِيهِ تَجَوُّزٌ لَا يَخْفَى لِكَوْنِهِ كَانَ حُرًّا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ.
فَرْعٌ: لَوْ طَلَّقَ أَحَدَهُمَا دُونَ مَالِهِ ثُمَّ رَاجَعَ أَوْ جَدَّدَ رَجَعَتْ إلَيْهِ بِمَا بَقِيَ وَإِذَا اسْتَوْفَى مَالَهُ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ عَادَتْ بِمَالِهِ اهـ ق ل. وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ: وَلِحُرٍّ ثَلَاثٌ وَلِغَيْرِهِ ثِنْتَانِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ الزَّوْجَةُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا حُرَّةً أَمْ لَا، فَمَنْ طَلَّقَ دُونَ مَالِهِ وَرَاجَعَ أَوْ جَدَّدَ وَلَوْ بَعْدَ زَوْجٍ عَادَتْ لَهُ بِبَقِيَّتِهِ أَيْ بِبَقِيَّةِ مَالِهِ دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ الطَّلَاقِ لَمْ يُحْوِجْ إلَى زَوْجٍ آخَرَ، فَالنِّكَاحُ الثَّانِي وَالدُّخُولُ فِيهِ لَا يَهْدِمَانِهِ كَوَطْءِ السَّيِّدِ أَمَتَهُ الْمُطَلَّقَةَ، أَمَّا مَنْ طَلَّقَ بِمَالِهِ فَتَعُودُ إلَيْهِ بِمَالِهِ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الثَّانِي بِهَا أَفَادَ حِلَّهَا لِلْأَوَّلِ وَلَا يُمْكِنُ بِنَاءُ الْعَقْدِ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ لِاسْتِغْرَاقِهِ فَكَانَ نِكَاحًا مُفْتَتَحًا بِأَحْكَامِهِ اهـ وَقَوْلُهُ " وَلِغَيْرِهِ " أَيْ حَالَ تَطْلِيقِهِ وَإِنْ طَرَأَ عِتْقُهُ بَعْدُ، فَإِنْ عَتَقَ بَعْدَ وَاحِدَةٍ عَادَتْ لَهُ بِبَقِيَّةِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ حُرًّا قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا، وَلَوْ تَقَارَنَا كَأَنْ عَلَّقَ سَيِّدُهُ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ وَعَلَّقَ الْعَبْدُ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ بِهَا فَوَجَدَتْ مِلْكَ الثَّلَاثِ فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: " حُرَّةً أَمْ لَا " خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي اعْتِبَارِهِ الزَّوْجَةَ كَالْعِدَّةِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا.
قَوْلُهُ: (كَذِمِّيٍّ) أَيْ حُرٍّ.
قَوْلُهُ: (وَاسْتُرِقَّ) أَيْ بَعْدَ نَقْضِهِ الْعَهْدَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَرَادَ نِكَاحَهَا) أَيْ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَنْقَطِعُ بِرِقِّ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بَعْدَ أَنْ كَانَ حُرًّا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَنْهَجُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ إلَخْ) هَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي قَوْلِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً إلَخْ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْخِلَافِ، وَانْظُرْ مَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، بَلْ قَدْ يُقَالُ الثَّانِي أَوْلَى بِمِلْكِ الثَّالِثَةِ.
قَوْلُهُ: (وَطَرَيَانُ الرِّقِّ لَا يَمْنَعُ الْحِلَّ السَّابِقَ) ظَاهِرُهُ بَقَاءُ النِّكَاحِ السَّابِقِ وَلَيْسَ مُرَادًا فَمُرَادُهُ الْحِلُّ بِالنِّكَاحِ أَيْ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ حِلٌّ فِي الْجُمْلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ) مُشْتَقٌّ مِنْ الثَّنْيِ أَيْ الرُّجُوعِ وَالصَّرْفِ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ رَجَعَ عَنْ مُقْتَضَى كَلَامِهِ وَصَرَفَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ؛ وَقَدْ يُقَالُ: كَيْفَ هَذَا مَعَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ وَلَا عُمُومَ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا؟ وَيُجَابُ بِأَنَّ اصْطِلَاحَ الْفُقَهَاءِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فِي الطَّلَاقِ) وَكَذَا فِي سَائِرِ الْعُقُودِ وَالْحُلُولِ، وَلَعَلَّ تَقْيِيدَهُ بِالطَّلَاقِ لِدَفْعِ تَكْرَارِهِ مَعَ ذِكْرِهِ لَهُ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ، وَأَيْضًا الْكَلَامُ فِي الطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ: (خَمْسَةٌ) أَيْ بِجَعْلِ التَّلَفُّظِ مَعَ الْإِسْمَاعِ شَرْطًا وَإِنْ كَانَا شَرْطَيْنِ، بِدَلِيلِ أَخْذِ مُحْتَرَزِ كُلٍّ مِنْهُمَا.
وَزَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْخَمْسَةِ مَعْرِفَةَ مَعْنَاهُ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُغْنِي عَنْهَا قَصْدُهُ رَفْعَ حُكْمِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ مَعْنَاهُ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ عَدَمَ جَمْعِ الْمُفَرَّقِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْإِقْرَارِ.
قَوْلُهُ: (إذَا وَصَلَهُ) أَيْ الْمُسْتَثْنَى.
قَوْلُهُ: (بِهِ أَيْ بِالْيَمِينِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ الْمُطَلِّقِ قَدْ لَا تَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ بِأَنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ وَالْحَلِفَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَثٌّ أَوْ مَنْعٌ أَوْ تَحْقِيقُ خَبَرٍ، وَالْمِثَالُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَعِبَارَةُ ق ل: قَوْلُهُ: بِهِ " أَيْ بِالْيَمِينِ، لَوْ قَالَ أَيْ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُنَا وَفِيمَا بَعْدَهُ لَكَانَ أَنْسَبَ وَأَعَمَّ وَأَوْلَى اهـ؛ أَيْ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَثٌّ أَوْ مَنْعٌ أَوْ تَحْقِيقُ خَبَرٍ كَمَا عَلِمْت، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ هَذَا تَعْرِيفٌ لِلْحَلِفِ لَا لِلْيَمِينِ وَالْيَمِينُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَنَوَاهُ قَبْلَ فَرَاغِهِ) أَيْ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، أَيْ فَيَكْفِي اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِأَيِّ جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَذَا إنْ أَخَّرَهُ، فَإِنْ قَدَّمَهُ كَانَتْ إلَّا وَاحِدَةً طَالِقًا
وَقَصَدَ بِهِ رَفْعَ حُكْمِ الْيَمِينِ وَتَلَفَّظَ بِهِ مُسْمِعًا بِهِ نَفْسَهُ وَلَمْ يَسْتَغْرِقْ، فَلَوْ انْفَصَلَ زَائِدًا عَلَى سَكْتَةِ التَّنَفُّسِ ضَرَّ أَمَّا لَوْ سَكَتَ لِتَنَفُّسٍ، أَوْ انْقِطَاعِ صَوْتٍ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعَدُّ فَاصِلًا بِخِلَافِ الْكَلَامِ الْأَجْنَبِيِّ وَلَوْ يَسِيرًا أَوْ نَوَاهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْيَمِينِ ضَرَّ، بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَاهُ قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بِتَمَامِهَا وَذَلِكَ صَادِقٌ بِأَنْ يَنْوِيَهُ أَوَّلَهَا أَوْ آخِرَهَا أَوْ مَا بَيْنَهُمَا أَوْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ رَفْعَ حُكْمِ الْيَمِينِ أَوْ قَصَدَ بِهِ رَفْعَ الْيَمِينِ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ أَوْ تَلَفَّظَ بِهِ وَلَمْ يُسْمِعْ بِهِ نَفْسَهُ عِنْدَ اعْتِدَالِ سَمْعِهِ أَوْ اسْتَغْرَقَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ضَرَّ، وَالْمُسْتَغْرِقُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالْآمِدِيُّ.
فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَطَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَيَصِحُّ تَقْدِيمُ الْمُسْتَثْنَى عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَأَنْتِ إلَّا وَاحِدَةً طَالِقٌ ثَلَاثًا وَالِاسْتِثْنَاءُ يُعْتَبَرُ مِنْ الْمَلْفُوظِ لَا مِنْ الْمَمْلُوكِ فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسًا إلَّا ثَلَاثًا وَقَعَ طَلْقَتَانِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ وَقَعَ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَثْنَى مِنْ طَلْقَةٍ بَعْضَ طَلْقَةٍ بَقِيَ بَعْضُهَا وَمَتَى بَقِيَ كَمُلَتْ.
تَنْبِيهٌ: يُطْلَقُ الِاسْتِثْنَاءُ شَرْعًا عَلَى التَّعْلِيقِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ
[حاشية البجيرمي]
ثَلَاثًا نَوَاهُ قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِهِ أَيْ يَقْصِدُ حَالَ الْإِتْيَانِ بِهِ إخْرَاجَهُ مِمَّا بَعْدَهُ لِيَرْتَبِطَ بِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَتَلَفَّظَ بِهِ إلَخْ) فَلَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ فِي الْإِتْيَانِ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَوْ الْمَشِيئَةِ الْآتِيَةِ صُدِّقَتْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَنْكَرَتْ سَمَاعَهَا لَهُ فَيُصَدَّقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ سَمَاعِهَا عَدَمُ إتْيَانِهِ بِهِ، فَلَوْ قَالَ أَنَا أَتَيْت بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي قَلْبِي وَلَمْ أَتَلَفَّظْ بِهِ لَمْ يُقْبَلْ لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ أَنَا نَوَيْت التَّعْلِيقَ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ مَثَلًا وَأَنْكَرَتْ فَلَا يُصَدَّقُ ظَاهِرًا وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَيُدَيَّنُ بَاطِنًا فَيَعْمَلُ بِذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَسْمَعَهُ غَيْرُهُ فَلَوْ قَالَ: قُلْت أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت زِيَادًا وَأَنْكَرَتْ الشَّرْطَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ سم عَلَى حَجّ.
ثُمَّ ذَكَرَ فَرْقًا بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ وَبَيْنَ التَّعْلِيقِ بِصِفَةٍ غَيْرِهِمَا فَقَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ حَيْثُ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا إسْمَاعُ الْغَيْرِ وَبَيْنَ التَّعْلِيقِ بِصِفَةٍ غَيْرِهِمَا حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إسْمَاعُ الْغَيْرِ، أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالصِّفَةِ لَيْسَ رَافِعًا لِلطَّلَاقِ وَلَا لِبَعْضِهِ بَلْ مُخَصِّصٌ لَهُ بِبَعْضِ الْأَحْوَالِ، بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ فَإِنَّ مَا ادَّعَاهُ فِيهِمَا رَافِعٌ لِلطَّلَاقِ مِنْ أَصْلِهِ جَمِيعِهِ أَيْ فِي التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ أَوْ بَعْضِهِ كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ انْفَصَلَ) شُرُوعٌ فِي الْمُحْتَرَزَاتِ عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا إذَا نَوَاهُ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ فَرَاغِهَا فَلَوْ قَالَ قَبْلَهُ لَكَانَ أَوْلَى.
اهـ. ق ل.
فَرْعٌ: لَوْ شَكَّ هَلْ قَصَدَ الِاسْتِثْنَاءَ أَوْ لَا طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَصْدِ وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ الْإِتْيَانِ بِهِ، وَسُئِلَ م ر عَمَّا لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَأَنْشَأَ لَهُ غَيْرَهُ هَلْ يَنْفَعُهُ أَوْ لَا؟ أَجَابَ: إنْ اعْتَقَدَ الْحَالِفُ أَنَّهُ يَنْفَعُهُ نَفَعَهُ وَإِلَّا فَلَا، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ قَبْلَ عِلْمِهِ أَنَّ مَشِيئَةَ الْغَيْرِ لَا تَنْفَعُهُ؛ أَمَّا إذَا عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ.
وَخَالَفَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ لَا تَنْفَعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ فِي جَهْلِهِ بِهَذَا الْحُكْمِ.
وَعِبَارَةُ ق ل: وَلَوْ أَنْشَأَ لَهُ غَيْرَهُ لَمْ يَكْفِ إلَّا إنْ اعْتَقَدَ نَفْعَهُ لِجَهْلِهِ مَثَلًا؛ قَالَهُ شَيْخُنَا م ر اهـ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلَوْ انْفَصَلَ.
وَقَالَ م د: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى أَوْ نَوَاهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْيَمِينِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُسْتَغْرِقُ إلَخْ) فِي مَقَامِ التَّعْلِيلِ أَيْ مَا لَمْ يُتْبِعْهُ بِغَيْرِهِ وَإِلَّا فَصَحِيحٌ كَمَا فِي ق ل، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا ثِنْتَيْنِ وَقَعَ عَلَيْهَا ثِنْتَانِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَعَكْسُهُ، وَالْمَعْنَى هُنَا إلَّا ثَلَاثًا لَا تَقَعُ إلَّا ثِنْتَيْنِ تَقَعَانِ.
وَمِنْ الْمُسْتَغْرِقِ مَا لَوْ قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ السَّابِقَةَ وَيَنْوِي عِنْدَ قَوْلِهِ أَنْتِ.
قَوْلُهُ: (كَمُلَتْ) أَيْ؛ لِأَنَّ الطَّلْقَةَ لَا تَتَبَعَّضُ وَغُلِّبَ جَانِبُ الْبَقَاءِ لِاعْتِضَادِهِ بِالِاسْتِمْرَارِ ق ل.
قَوْلُهُ: (يُطْلَقُ الِاسْتِثْنَاءُ شَرْعًا إلَخْ) وَسُمِّيَتْ كَلِمَةُ الْمَشِيئَةِ اسْتِثْنَاءً لِصَرْفِهَا الْكَلَامَ عَنْ الْجَزْمِ وَالثُّبُوتِ حَالًا مِنْ حَيْثُ التَّعْلِيقُ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (بِمَشِيئَةِ اللَّهِ) أَيْ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا بِدَلِيلِ تَمْثِيلِهِ، وَجَمِيعُ شُرُوطِ الِاسْتِثْنَاءِ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْإِنْشَاءِ سِوَى الِاسْتِغْرَاقِ.
قَوْلُهُ: (إنْ شَاءَ اللَّهُ) أَوْ إذَا أَوْ مَتَى أَوْ مَهْمَا، وَكَذَا فِي النَّفْيِ.
وَمِثْلُ مَشِيئَةِ اللَّهِ مَشِيئَةُ الْمَلَائِكَةِ بِخِلَافِ
تَعَالَى طَلَاقَك وَقَصَدَ التَّعْلِيقَ بِالْمَشِيئَةِ فِي الْأُولَى وَبِعَدَمِهَا فِي الثَّانِيَةِ قَبْلَ فَرَاغِ الطَّلَاقِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ عَلَيْهِ مِنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَدَمِهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِالْمَشِيئَةِ التَّعْلِيقَ بِأَنْ سَبَقَ إلَى لِسَانِهِ لِتَعَوُّدِهِ بِهَا كَمَا هُوَ الْأَدَبُ أَوْ قَصَدَهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الطَّلَاقِ أَوْ قَصَدَ بِهَا التَّبَرُّكَ أَوْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ أَمْ لَا حَنِثَ، وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ.
وَكَذَا يَمْنَعُ التَّعْلِيقُ بِالْمَشِيئَةِ انْعِقَادَ نِيَّةِ وُضُوءٍ وَصَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَغَيْرِهَا عِنْدَ قَصْدِ التَّعْلِيقِ وَانْعِقَادِ تَعْلِيقٍ وَانْعِقَادِ عِتْقٍ وَانْعِقَادِ يَمِينٍ وَانْعِقَادِ نَذْرٍ وَانْعِقَادِ كُلِّ تَصَرُّفٍ غَيْرِ مَا ذُكِرَ مِمَّا حَقُّهُ الْجَزْمُ كَبَيْعٍ وَإِقْرَارٍ وَإِجَارَةٍ.
وَلَوْ قَالَ: يَا طَالِقُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَعَ طَلْقَةٌ فِي الْأَصَحِّ نَظَرًا لِصُورَةِ النِّدَاءِ الْمُشْعِرِ بِحُصُولِ الطَّلَاقِ حَالَتَهُ.
وَالْحَاصِلُ لَا يُعَلَّقُ بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ قَدْ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الْقُرْبِ مِنْهُ وَتَوَقُّعِ الْحُصُولِ كَمَا يُقَالُ لِلْقَرِيبِ مِنْ الْوُصُولِ أَنْتَ وَاصِلٌ وَلِلْمَرِيضِ الْمُتَوَقَّعِ شِفَاؤُهُ أَنْتَ صَحِيحٌ فَيَنْتَظِمُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي مِثْلِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَهُوَ التَّعْلِيقُ بِقَوْلِهِ: (وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ) أَيْ الطَّلَاقِ قِيَاسًا عَلَى الْعِتْقِ (بِالصِّفَةِ) فَتَطْلُقُ عِنْدَ وُجُودِهَا فَإِذَا قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ كَذَا أَوْ فِي غُرَّتِهِ أَوْ فِي رَأْسِهِ أَوْ فِي أَوَّلِهِ وَقَعَ الطَّلَاقُ مَعَ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلَةِ
[حاشية البجيرمي]
مَشِيئَةِ الْآدَمِيِّينَ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى وُقُوعِ الْمَشِيئَةِ مِنْهُمْ، أَوْ عَدَمِهَا فَيَقَعُ الطَّلَاقُ حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَحْنَثْ) لَيْسَ فِي الْكَلَامِ أَدَاةُ شَرْطٍ يَكُونُ هَذَا جَوَابًا لَهُ، وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ: فَإِنْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ بِالْمَشِيئَةِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ) شُرُوعٌ فِي مَسَائِلَ سِتَّةٍ لَا تَمْنَعُ الْوُقُوعَ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ) بِخِلَافِ الْعِبَادَةِ.
وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ اشْتِرَاطِ قَصْدِ رَفْعِ حُكْمِ الْيَمِينِ، وَقَدْ قَالُوا إنَّ الْإِطْلَاقَ يُبْطِلُ النِّيَّاتِ لَا غَيْرَهَا وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَكَذَا إلَخْ.
وَالضَّابِطُ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمَشِيئَةِ يَرْفَعُ كُلَّ عَقْدٍ وَحَلٍّ وَيُبْطِلُ كُلَّ عِبَادَةٍ، فَإِنْ أَطْلَقَ وَكَانَ فِي الْعِبَادَةِ مَنَعَ الِانْعِقَادَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا فَلَا يَمْنَعُهُ اهـ م د. وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ صُوَرَ الْحِنْثِ سِتَّةٌ، وَعِبَارَةُ الْعَنَانِيِّ: وَأَلْحَقَ الْإِطْلَاقَ هُنَا بِالتَّبَرُّكِ وَفِي الْوُضُوءِ بِالتَّعْلِيقِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ جَزْمٌ فَتَبْطُلُ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ بِخِلَافِ مَا هُنَا، وَأَيْضًا فَقَدْ أَتَى بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَلَمْ يَأْتِ بِمَا يُنَافِيه بَلْ بِمَا يُلَائِمُهُ اهـ. وَلَوْ شَكَّ هَلْ قَصَدَ التَّعْلِيقَ أَوْ لَا وَهَلْ ذَكَرَ الْمَشِيئَةَ أَوْ لَا فَهُوَ مِثْلُ التَّبَرُّكِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ قَصْدِ التَّعْلِيقِ) أَيْ وَكَذَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، فَلَوْ قَالَ: عِنْدَ عَدَمِ قَصْدِ التَّبَرُّكِ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ مَانِعٌ فِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَانْعِقَادِ تَعْلِيقٍ) نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَذَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ إلَخْ لَكِنْ مَعَ قَصْدِ التَّعْلِيقِ فِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لَا مَعَ الْإِطْلَاقِ وَلَا مَعَ قَصْدِ التَّبَرُّكِ وَنَحْوِهِ، فَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَذْكُرَ الْقَيْدَ الْمُتَقَدِّمَ فِي هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ دُونَ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الطَّلَاقِ الِاحْتِيَاطُ فِي كُلٍّ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْإِيضَاحِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّعْلِيقَ اللَّفْظِيَّ بِالْمَشِيئَةِ عِنْدَ قَصْدِ التَّعْلِيقِ يَضُرُّ مُطْلَقًا فَيَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعِبَادَةِ وَانْعِقَادَ سَائِرِ الْعُقُودِ وَيَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَعِنْدَ قَصْدِ التَّبَرُّكِ لَا يَضُرُّ مُطْلَقًا فَيَقَعُ الطَّلَاقُ وَتَصِحُّ الْعِبَادَةُ وَتَنْعَقِدُ الْعُقُودُ، وَأَمَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَتَبْطُلُ الْعِبَادَةُ فَقَطْ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِ طَلَاقٍ وَلَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ تَصَرُّفٍ مِنْ عَقْدٍ أَوْ حَلٍّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَالَ يَا طَالِقُ إلَخْ) تَقْيِيدٌ لِكَوْنِ التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ يَمْنَعُ مِنْ الْوُقُوعِ عِنْدَ قَصْدِ التَّعْلِيقِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ إلَّا فِي حَالَةِ النِّدَاءِ.
وَالْفَرْقُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ النِّدَاءَ يُشْعِرُ بِحُصُولِ الطَّلَاقِ وَالْحَاصِلُ لَا يُعَلَّقُ، بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الْقُرْبِ فَيَصِحُّ التَّعْلِيقُ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَاصِلُ) وَهُوَ الطَّلَاقُ الَّذِي وَصَفَهَا بِهِ لَا يُعَلَّقُ بِالْمَشِيئَةِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ) أَيْ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الْقُرْبِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ: (فَيَنْتَظِمُ) أَيْ يَصِحُّ التَّعْلِيقُ بِالْمَشِيئَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَشِيئَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ إلَخْ) وَالْأَعَمُّ أَنَّ التَّعْلِيقَ إمَّا بِالشَّرْطِ كَالْأَدَوَاتِ الْآتِيَةِ، وَإِمَّا بِالصِّفَةِ نَحْوُ طَلَاقًا حَسَنًا أَوْ قَبِيحًا أَوْ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ أَوْ أَقْبَحَهُ، وَإِمَّا بِالْأَوْقَاتِ نَحْوُ إلَى شَهْرِ كَذَا؛ وَبِهَذَا يُعْلَمُ مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مِنْ التَّخْلِيطِ فَلْيُتَأَمَّلْ ق ل، أَيْ حَيْثُ ذَكَرَ الْأَوْقَاتَ أَمْثِلَةً لِلصِّفَةِ.
وَعِبَارَةُ سم: وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالصِّفَةِ كَأَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا سُنِّيًّا أَوْ بِدْعِيًّا وَلَيْسَتْ فِي حَالِ سُنَّةٍ فِي الْأَوَّلِ وَلَا فِي حَالِ بِدْعَةٍ فِي الثَّانِي، فَتَطْلُقُ إذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ فِي ذَلِكَ الْحَالِ وَقَالَ سُنِّيًّا أَوْ بِدْعِيًّا فَتَطْلُقُ فِي الْحَالِ.
قَوْلُهُ: (قِيَاسًا عَلَى الْعِتْقِ) لِمَا وَرَدَ فِي الْعِتْقِ وَلَمْ يَرِدْ فِي الطَّلَاقِ قِيسَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا قَالَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ هَذَا مِنْ التَّعْلِيقِ بِالْوَقْتِ لَا بِالصِّفَةِ الَّتِي الْكَلَامُ فِيهَا، فَكَانَ عَلَى الْمَتْنِ أَنْ يَقُولَ وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ
الْأَوْلَى مِنْهُ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ فِي نَهَارِ شَهْرِ كَذَا أَوْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ فَتَطْلُقُ بِأَوَّلِ فَجْرِ يَوْمٍ مِنْهُ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ فِي آخِرِ شَهْرِ كَذَا أَوْ سَلْخِهِ فَتَطْلُقُ بِآخِرِ جُزْءٍ مِنْ الشَّهْرِ، إنْ عَلَّقَ بِأَوَّلِ آخِرِهِ طَلُقَتْ بِأَوَّلِ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ آخِرِهِ، وَلَوْ عَلَّقَ بِآخِرِ أَوَّلِهِ طَلُقَتْ بِآخِرِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ أَوَّلِهِ، وَلَوْ عَلَّقَ بِانْتِصَافِ الشَّهْرِ طَلُقَتْ بِغُرُوبِ شَمْسِ الْخَامِسَ عَشَرَ وَإِنْ نَقَصَ الشَّهْرُ؛ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ عَلَّقَ بِنِصْفِ نِصْفِهِ الْأَوَّلِ طَلُقَتْ بِطُلُوعِ فَجْرِ الثَّامِنِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ نِصْفِهِ سَبْعُ لَيَالٍ وَنِصْفٌ وَسَبْعَةُ أَيَّامٍ وَنِصْفٌ وَاللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ فَيُقَابَلُ نِصْفُ لَيْلَةٍ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَيُجْعَلُ ثَمَانِي لَيَالٍ وَسَبْعَةُ أَيَّامٍ نِصْفًا وَسَبْعُ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ نِصْفًا، وَلَوْ عَلَّقَ بِمَا بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ طَلُقَتْ بِالْغُرُوبِ إنْ عَلَّقَ نَهَارًا وَبِالْفَجْرِ إنْ عَلَّقَ لَيْلًا إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ وَجُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ إذْ لَا فَاصِلَ بَيْنَ الزَّمَانَيْنِ.
وَقَوْلُهُ: (وَالشَّرْطِ) مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلَى الصِّفَةِ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ، وَقَدْ اُسْتُؤْنِسَ لِجَوَازِ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ بِالشَّرْطِ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» انْتَهَى وَأَدَوَاتُ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ وَالصِّفَاتِ: إنْ وَهِيَ أُمُّ الْبَابِ نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَمَنْ، بِفَتْحِ الْمِيمِ كَمَنْ دَخَلَتْ مِنْ
[حاشية البجيرمي]
بِالصِّفَةِ وَالزَّمَانِ وَالشَّرْطِ، وَجُمْلَةُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ صُوَرِ التَّعْلِيقِ بِالْأَوْقَاتِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ فِي غُرَّتِهِ) الْغُرَّةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَقَعَ الطَّلَاقُ) أَيْ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعَةِ السَّابِقَةِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلَةِ الْأُولَى) وَذَلِكَ بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، وَلَوْ [رُئِيَ الْهِلَالُ قَبْلَهَا] ؛ لِأَنَّ الظَّرْفِيَّةَ تَتَحَقَّقُ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ) مَعْطُوفٌ عَلَى نَهَارٍ.
قَوْلُهُ: (بِأَوَّلِ فَجْرِ يَوْمٍ) عِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ بِفَجْرِ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ، فَفِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ قَلْبٌ.
قَوْلُهُ: (بِأَوَّلِ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْهُ) سَوَاءٌ كَانَ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ أَوْ التَّاسِعَ وَالْعِشْرِينَ بِأَنْ كَانَ نَاقِصًا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ آخِرُ أَوَّلِهِ) أَيْ مِنْ الْأَيَّامِ الَّتِي هِيَ الْمَقْصُودَةُ، فَلَا يُرَدُّ أَنَّ أَوَّلَهُ اللَّيْلُ وَآخِرَهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ.
قَوْلُهُ: (وَنِصْفٌ) أَيْ مِنْ لَيْلَةٍ.
وَقَوْلُهُ: بَعْدُ " وَنِصْفٌ " أَيْ مِنْ يَوْمٍ.
قَوْلُهُ: (فَيُقَابِلُ نِصْفَ لَيْلَةٍ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ نِصْفُ يَوْمٍ بِنِصْفِ لَيْلَةٍ، فَالْعِبَارَةُ مَقْلُوبَةٌ.
وَالْمُرَادُ بِاللَّيْلَةِ الثَّامِنَةُ وَالْمُرَادُ بِالْيَوْمِ الثَّامِنُ أَيْضًا وَالْمُرَادُ بِنِصْفِ اللَّيْلَةِ نِصْفُهَا الثَّانِي وَالْمُرَادُ بِنِصْفِ الْيَوْمِ نِصْفُهُ الْأَوَّلِ.
وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا مَضَى مِنْ الشَّهْرِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ كَانَ مَعَهَا ثَمَانِي لَيَالٍ وَاللَّيْلَةُ الثَّامِنَةُ نِصْفُهَا مِنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَنِصْفُهَا مِنْ الثَّانِي وَالْيَوْمُ الثَّامِنُ نِصْفُهُ مِنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ وَنِصْفُهُ مِنْ النِّصْفِ الثَّانِي، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ نِصْفُ نِصْفِهِ سَبْعُ لَيَالٍ وَنِصْفٌ وَسَبْعَةُ أَيَّامٍ وَنِصْفٌ وَمَعْنَى قَوْلِهِ، فَيُقَابَلُ نِصْفُ لَيْلَةٍ أَيْ النِّصْفُ الثَّانِي مِنْهَا الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ النِّصْفُ النِّصْفَ الثَّانِي مِنْ نِصْفِ شَهْرٍ.
وَقَوْلُهُ بِنِصْفِ يَوْمٍ أَيْ نِصْفِهِ الْأَوَّلِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ النِّصْفُ الْأَوَّلُ، بِمَعْنَى أَنَّنَا نُعْطِي النِّصْفَ الْأَوَّلَ مِنْ الْيَوْمِ الثَّامِنِ لِلنِّصْفِ الثَّانِي مِنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ الشَّهْرِ وَنَأْخُذُ بَدَلَهُ النِّصْفَ الثَّانِي مِنْ اللَّيْلَةِ فَيَصِيرُ النِّصْفُ الْأَوَّلُ ثَمَانِيَ لَيَالٍ وَسَبْعَةَ أَيَّامٍ وَالنِّصْفُ الثَّانِي ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَ لَيَالٍ.
قَوْلُهُ: (عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ جُزْءٍ) فِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْغُرُوبِ وَالْفَجْرَ مِنْ النَّهَارِ قَطْعًا، وَهَذِهِ مُنَاقَشَةٌ فِي الْعِلَّةِ وَالْحُكْمُ مُسَلَّمٌ.
فَرْعٌ: لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ لَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ وَقَعَ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " لَا قَلِيلٌ " يَقْتَضِي وُقُوعَ الْكَثِيرِ وَهُوَ الثَّلَاثُ وَقَوْلُهُ وَلَا كَثِيرٌ يَقْتَضِي رَفْعَهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَالْوَاقِعُ لَا يَرْتَفِعُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ لَا كَثِيرٌ وَلَا قَلِيلٌ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ طَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا كَثِيرًا يَقْتَضِي وُقُوعَ الْقَلِيلِ وَهُوَ طَلْقَةٌ، وَقَوْلُهُ وَلَا قَلِيلٌ يَقْتَضِي رَفْعَهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَالْوَاقِعُ لَا يَرْتَفِعُ.
اهـ. زِيَادِيٌّ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَا فَاصِلَ بَيْنَ الزَّمَانَيْنِ) كَيْفَ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ وَلَوْ عَلَّقَ بِمَا بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إلَخْ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ بَيْنَهُمَا فَاصِلًا.
قَوْلُهُ: (وَالشَّرْطِ) مَعْطُوفٌ عَلَى الصِّفَةِ عَطْفَ مُغَايِرٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَدَوَاتُ، أَيْ بِشُرُوطِ الِاسْتِثْنَاءِ السَّابِقَةِ مَا عَدَا الِاسْتِغْرَاقَ لِعَدَمِ تَصَوُّرِهِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ اُسْتُؤْنِسَ إلَخْ) جَعَلَهُ اسْتِئْنَاسًا وَلَمْ يَجْعَلْهُ دَلِيلًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا شَرَطَ شَرْطًا فَإِنَّهُ يُوَفِّي بِهِ.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَأَدَوَاتُ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ إلَخْ) التَّعْلِيقُ عِبَارَةٌ عَنْ الرَّبْطِ الْحَاصِلِ الْمُتَكَلَّمِ وَالشَّرْطُ هُنَا هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْأَدَاةُ وَأَمَّا الشَّرْطُ فِي كَلَامِ الْمَتْنِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْأَدَوَاتُ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ فِي
نِسَائِي الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ وَإِذَا وَمَتَى وَمَتَى مَا بِزِيَادَةِ مَا وَكُلَّمَا نَحْوُ كُلَّمَا دَخَلَتْ الدَّارَ وَاحِدَةٌ مِنْ نِسَائِي فَهِيَ طَالِقٌ وَأَيُّ كَأَيِّ وَقْتٍ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ طَالِقٌ.
وَمِنْ الْأَدَوَاتِ إذْ مَا عَلَى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ وَمَهْمَا وَهِيَ بِمَعْنَى مَا وَمَا الشَّرْطِيَّةُ وَإِذْ مَا وَأَيًّا مَا كَلِمَةٌ وَأَيَّانَ وَهِيَ كَمَتَى فِي تَعْمِيمِ الْأَزْمَانِ وَأَيْنَ وَحَيْثُمَا لِتَعْمِيمِ الْأَمْكِنَةِ وَكَيْفَ وَكَيْفَمَا لِلتَّعْلِيقِ عَلَى الْأَحْوَالِ.
وَفِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ أَنَّ التَّعْلِيقَ يَكُونُ بِلَا فِي بَلَدٍ عَمَّ الْعُرْفُ فِيهَا كَقَوْلِ أَهْلِ بَغْدَادَ أَنْتِ طَالِقٌ لَا دَخَلْت الدَّارَ، وَيَكُونُ التَّعْلِيقُ أَيْضًا بِلَوْ كَأَنْتِ طَالِقٌ لَوْ دَخَلْت الدَّارَ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَهَذِهِ الْأَدَوَاتُ لَا تَقْتَضِينَ الْوُقُوعَ بِالْوَضْعِ فَوْرًا فِي الْمُعَلَّقِ
[حاشية البجيرمي]
كَلَامِ الْمَتْنِ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْفِعْلُ وَعَطْفُ الصِّفَاتِ عَلَى الشَّرْطِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مُرَادِفٌ، وَأَمَّا الصِّفَةُ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي كَلَامِ الْمَتْنِ فَلَيْسَ فِيهَا أَدَاةُ شَرْطٍ كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أَوْ الْبِدْعَةِ، وَلَيْسَتْ فِي زَمَنِ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ إذَا وُجِدَ زَمَانُ مَا عَلَّقَ بِهِ.
وَجُمْلَةُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْأَدَوَاتِ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَقَدْ نَظَمَ ابْنُ الْوَرْدِيِّ ضَابِطَ أَدَوَاتِ التَّعْلِيقِ بِقَوْلِهِ بَعْدَ أَنْ سُئِلَ بِقَوْلِ الْقَائِلِ:
أَدَوَاتُ التَّعْلِيقِ تَخْفَى عَلَيْنَا ... هَلْ لَكُمْ ضَابِطٌ لِكَشْفِ غِطَاهَا
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ:
كُلَّمَا لِلتَّكْرَارِ وَهِيَ وَمَهْمَا ... إنْ إذَا أَيُّ مَنْ مَتَى مَعْنَاهَا
لِلتَّرَاخِي مَعَ الثُّبُوتِ إذَا لَمْ ... يَكُ مَعَهَا إنْ شِئْت أَوْ أَعْطَاهَا
أَوْ ضَمَانٌ وَالْكُلُّ فِي جَانِبِ النَّفْيِ ... لِفَوْرٍ لَا إنْ فَذَاكَ فِي سِوَاهَا
وَقَوْلُ النَّاظِمِ: " مَعَ الثُّبُوتِ " أَيْ كَأَنْ قَالَ إذَا دَخَلْت الدَّارَ أَوْ أَيَّ وَقْتٍ أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ بَقِيَّةِ الْأَدَوَاتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَقَوْلُهُ: " فِي جَانِبِ النَّفْيِ " كَأَنْ قَالَ إذَا لَمْ تَفْعَلِي كَذَا مَثَلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
أَدَوَاتُ التَّعْلِيقِ فِي النَّفْيِ ... لِلْفَوْرِ سِوَى إنْ وَفِي الثُّبُوتِ رَأَوْهَا
لِلتَّرَاخِي إلَّا إذَا إذَنْ مَعَ الْمَا ... لَوْ شِئْتِي وَكُلَّمَا كَرَّرُوهَا
قَوْلُهُ: (بِالشَّرْطِ وَالصِّفَاتِ) صَرِيحُ هَذَا أَنَّ الصِّفَةَ وَالشَّرْطَ وَاحِدٌ وَهُوَ عَطْفُ مُرَادِفٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا عَرَفْت، إذْ لَا تُسَمَّى الشُّرُوطُ أَوْصَافًا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ إلَخْ) أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ شَرْحُ م ر.
مَسْأَلَةٌ: إذَا قَالَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَانْسَقَطَتْ مِنْ الْحَائِطِ أَوْ مِنْ السَّقْفِ وَاعْتَقَدَتْ أَنَّ هَذَا لَيْسَ دُخُولًا فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهَا ذَلِكَ كَمَا قَرَّرَهُ الْعَلَّامَةُ قَايِتْبَاي.
فَرْعٌ: رَجُلٌ تَشَاجَرَ مَعَ زَوْجَتِهِ فَقَالَ لَهَا إنْ ذَهَبْتِ إلَى بَيْتِ أُمِّك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَذَهَبَتْ بَعْدَ يَوْمٍ مَثَلًا، فَلَا حِنْثَ إذْ الْقَرِينَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ ذَهَابُهَا وَقْتَ الْحَلِفِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُشَاجَرَةٌ بَيْنَهُمَا فَيَحْنَثُ بِذَهَابِهَا وَلَوْ بَعْدَ ذَلِكَ.
اهـ. م ر. وَلَوْ حَلَفَ لَيَشْكِيَنَّ فُلَانًا بَرَّ بِتَعْيِينِهِ عَلَيْهِ رَسُولُ الْقَاضِي ع ش. وَلَوْ حَلَفَ الزَّوْجُ بِالطَّلَاقِ أَنَّهَا مَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِ أَبِيهَا فَخَرَجَتْ فَقَالَ الْأَبُ لَمْ آذَنْ فِي ذَلِكَ وَقَالَ الزَّوْجُ أَذِنْت صُدِّقَ الزَّوْجُ بِيَمِينِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْإِذْنِ.
وَلَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهَا لَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ فَاسْتَأْذَنَتْهُ فَأَذِنَ لَهَا ثُمَّ خَرَجَتْ مَرَّةً أُخْرَى بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ بَرَّ بِالْإِذْنِ الْأَوَّلِ س ل. قَوْلُهُ: (فَأَنْتِ طَالِقٌ) وَلَوْ حَذَفَ الْفَاءَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَإِنَّهُ تَعْلِيقٌ.
وَقِيلَ: لَا يَكُونُ تَعْلِيقًا لِعَدَمِ الرَّابِطِ بَلْ يُتَخَيَّرُ.
قَوْلُهُ: (وَكُلَّمَا دَخَلْت الدَّارَ) رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْأَدَوَاتِ إلَخْ) دَفَعَ بِهِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ الْحَصْرِ فِي عِبَارَتِهِ السَّابِقَةِ.
عَلَيْهِ وَلَا تَرَاخِيًا إنْ عَلَّقَ بِمُثْبَتٍ كَالدُّخُولِ فِي غَيْرِ خُلْعٍ، أَمَّا فِيهِ فَإِنَّهَا تُفِيدُ الْفَوْرِيَّةَ فِي بَعْضِ صِيَغِهِ كَإِنْ وَإِذَا كَإِنْ صُمْت أَوْ إذَا ضَمِنْت لِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَكَذَا تُفِيدُ الْفَوْرَ فِي التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ نَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ أَوْ إذَا شِئْت.
وَلَا تَقْتَضِي هَذِهِ الْأَدَوَاتُ تَكْرَارًا فِي الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ بَلْ إذَا وُجِدَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي غَيْرِ نِسْيَانٍ وَلَا إكْرَاهٍ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ وَلَمْ يُؤَثِّرْ وُجُودُهَا ثَانِيًا إلَّا فِي كُلَّمَا، فَإِنَّ التَّعْلِيقَ بِهَا يُفِيدُ التَّكْرَارَ؛ فَلَوْ قَالَ مَنْ لَهُ عَبِيدٌ وَتَحْتَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ إنْ طَلَّقْتُ وَاحِدَةً فَعَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي حُرٌّ أَوْ ثِنْتَيْنِ فَعَبْدَانِ أَوْ ثَلَاثًا فَثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةً فَأَرْبَعَةٌ وَطَلَّقَ أَرْبَعًا مَعًا أَوْ مُرَتِّبًا عِتْقَ عَشَرَةٍ وَاحِدٌ بِطَلَاقِ الْأُولَى وَاثْنَانِ بِطَلَاقِ الثَّانِيَةِ وَثَلَاثَةٌ بِطَلَاقِ الثَّالِثَةِ وَأَرْبَعَةٌ بِطَلَاقِ الرَّابِعَةِ وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ عَشَرَةٌ، وَلَوْ عَلَّقَ بِكُلَّمَا فَخَمْسَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ فِيهَا أَرْبَعَةَ آحَادٍ وَاثْنَتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثَةً وَأَرْبَعَةً فَيَعْتِقُ وَاحِدٌ بِطَلَاقِ الْأُولَى وَثَلَاثٌ بِطَلَاقِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَ بِهِ طَلَاقُ وَاحِدَةٍ وَطَلَاقُ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعَةٌ بِطَلَاقِ الثَّالِثَةِ؛ وَلِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ طَلَاقُ وَاحِدَةٍ وَطَلَاقُ وَاحِدَةٍ ثَلَاثٌ وَسَبْعَةٌ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (عَلَى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ) فِيهِ أَنَّ الْخِلَافَ الَّذِي فِيهَا إنَّمَا هُوَ فِي الْحَرْفِيَّةِ وَالِاسْمِيَّةِ فَتَكُونُ ظَرْفَ زَمَانٍ كَمَا قَالَ الْمُبَرِّدُ وَابْنُ السَّرَّاجِ وَالْفَارِسِيُّ، لَا فِي كَوْنِهَا مِنْ أَدَوَاتِ التَّعْلِيقِ أَوْ لَا فِيمَا يَظْهَرُ؛ فَلْيُرَاجَعْ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَمَا الشَّرْطِيَّةُ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهَا لِغَيْرِ الْعَاقِلِ وَالْأَدَوَاتُ هُنَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الزَّوْجَةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْعَاقِلِ مَجَازًا لِتَشْبِيهِ الزَّوْجَةِ بِغَيْرِ الْعَاقِلِ لِنَقْصِ عَقْلِهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِذْ مَا وَأَيًّا مَا) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ كَلِمَةٌ خَبَرٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ بِالنِّسْبَةِ لِأَيًا مَا؛ لِأَنَّ أَيًّا كَلِمَةٌ وَمَا الزَّائِدَةُ كَلِمَةٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا وَقَوْلُهُ وَأَيَّانَ عَطْفٌ عَلَى إذْ مَا.
قَوْلُهُ: (بِلَا) أَيْ بِمَعْنَى إنْ، وَكَذَا لَوْ ق ل. وَقَوْلُهُ: " عَمَّ الْعُرْفُ فِيهَا " أَيْ فِي تِلْكَ الْبَلَدِ أَنْ (لَا) لِلتَّعْلِيقِ.
قَوْلُهُ: (بِالْوَضْعِ) فَإِنْ قَصَدَ الْفَوْرَ فِي حَالَةِ التَّرَاخِي عَمِلَ بِهِ أَوْ قَصَدَ التَّرَاخِي فِي حَالَةِ التَّرَاخِي عَمِلَ بِهِ أَوْ قَصَدَ التَّكْرَارَ عِنْدَ عَدَمِ إفَادَتِهَا لَهُ عَمِلَ بِهِ أَوْ قَصَدَ عَدَمَ التَّكْرَارِ عِنْدَ إفَادَتِهَا لَهُ عَمِلَ بِهِ، فَهَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ بِالْوَضْعِ.
وَاحْتَرَزَ أَيْضًا بِهِ عَنْ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْفَوْرِ نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ الْآنَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَهِيَ لِلْفَوْرِ، أَوْ قَالَ إذَا لَمْ تَدْخُلِي بَعْدَ سَنَةٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَهِيَ لِلتَّرَاخِي بِالْقَرِينَةِ؛ وَقَرَّرَ شَيْخُنَا الْحِفْنِيُّ مَا نَصُّهُ: أَمَّا إذَا أَرَادَ فَوْرِيَّةً أَوْ تَرَاخِيًا فِيمَا لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ بِوَضْعٍ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِإِرَادَتِهِ كَمَا أَفْهَمَهُ قَوْلُهُ بِالْوَضْعِ.
قَوْلُهُ: (فِي بَعْضِ صِيَغِهِ) أَيْ التَّعْلِيقِ.
قَوْلُهُ: (كَإِنْ وَإِذَا) أَيْ وَلَوْ فَقَطْ شَيْخُنَا وح ل.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا تُفِيدُ الْفَوْرَ فِي التَّعْلِيقِ) أَيْ فِي بَعْضِ صِيَغِهِ أَيْضًا وَهُوَ إنْ وَإِذَا وَلَوْ فَقَطْ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَقْتَضِي هَذِهِ الْأَدَوَاتُ تَكْرَارًا إلَخْ) وَلَوْ قَيْدٌ بِالْأَبَدِ كَإِنْ خَرَجْت أَبَدًا إلَّا بِإِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَهُوَ عَلَى مَعْنَاهُ مِنْ عَدَمِ التَّكْرَارِ زي.
قَوْلُهُ: (عِتْقَ عَشَرَةٍ) أَيْ مُبْهَمَةٍ وَعَلَيْهِ تَعْيِينُهُمْ.
قَوْلُهُ: (فَخَمْسَةَ عَشَرَ) ؛ لِأَنَّ فِيهَا صِفَةَ الْوَاحِدَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَصِفَةَ الِاثْنَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَصِفَةَ الثَّلَاثَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَصِفَةَ الْأَرْبَعَةِ كَذَلِكَ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ فِي مُثْبِتِ الْمَنْفِيِّ وَكُلُّ الْأَدَوَاتِ فِيهِ لِلْفَوْرِ إلَّا إنْ فَقَطْ ق ل وَفِي شَرْحِ الْمَنُوفِيِّ الصَّغِيرِ وَكُلُّهَا تَقْتَضِي الْفَوْرَ فِي طَرَفِ النَّفْيِ إلَّا لَفْظَةَ إنْ فَقَطْ فَإِنَّهَا لِلتَّرَاخِي فَإِذَا قَالَ إذَا لَمْ أَفْعَلْ أَوْ تَفْعَلِي كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَمَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْفِعْلُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَفْعَلْ طَلُقَتْ، وَكَذَا إذَا قَالَ مَتَى لَمْ أُطَلِّقْك أَوْ مَهْمَا أَوْ كُلَّمَا أَوْ أَيْ حِينَ أَوْ زَمَانَ لَمْ أَفْعَلْ أَوْ تَفْعَلِي كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَمَضَى زَمَنٌ يَسَعُ الْفِعْلَ وَلَمْ يَفْعَلْ طَلُقَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ كَلَفْظِ إذَا لَمْ أَفْعَلْ، فَإِنْ عَلَّقَ بِإِنْ كَقَوْلِهِ إنْ لَمْ أَفْعَلْ أَوْ تَفْعَلِي كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ حَتَّى يَحْصُلَ الْيَأْسُ مِنْ الْفِعْلِ فَإِنَّهَا لِلتَّرَاخِي كَمَا تَقَدَّمَ هَذَا مُلَخَّصُ مَا فِي الرَّوْضَةِ.
وَيَتَعَيَّنُ التَّفَطُّنُ لِمَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ الْعَوَامّ مِنْ قَوْلِهِمْ إذَا لَمْ أَفْعَلْ أَوْ تَفْعَلِي كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ بِصِيغَةِ إذَا، وَيَمْضِي عَلَى ذَلِكَ زَمَانٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْفِعْلُ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ مَعَ التَّمَادِي عَلَى الْمُعَاشَرَةِ، بَقِيَ الْحِنْثُ ظَانِّينَ عَدَمَهُ.
اهـ. م د، أَيْ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِمُضِيِّ لَحْظَةٍ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ.
قَوْلُهُ: (فَيَعْتِقُ وَاحِدٌ بِطَلَاقِ الْأُولَى) وَالْحَاصِلُ أَنَّك تَجْمَعُ الْأَعْدَادَ وَهِيَ وَاحِدٌ وَاثْنَتَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ ثُمَّ تَزِيدُ ثَلَاثَةً لِتَكْرَارِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَاثْنَيْنِ لِتَكَرُّرِهِمَا مَرَّةً فَالْجُمْلَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ: وَضَابِطُ هَذَا وَغَيْرِهِ أَنَّ جُمْلَةَ مَجْمُوعِ الْآحَادِ هُوَ الْجَوَابُ فِي غَيْرِ كُلَّمَا وَيُزَادُ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ مَا تَكَرَّرَ مِنْهَا فِيهَا، مِثَالُهُ فِي الْأَرْبَعِ أَنْ يُقَالَ: مَجْمُوعُ الْآحَادِ وَاحِدٌ وَاثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ
بِطَلَاقِ الرَّابِعَةِ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ طَلَاقُ وَاحِدَةٍ وَطَلَاقُ ثِنْتَيْنِ غَيْرِ الْأُولَيَيْنِ وَطَلَاقُ أَرْبَعَةٍ وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ وَهُوَ الْمَحِلُّ بِقَوْلِهِ: (وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ) الْمُعَلَّقُ (قَبْلَ النِّكَاحِ) بَعْدَ وُجُودِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا طَلَاقَ إلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الْخَامِسِ وَهُوَ شُرُوطُ الْمُطَلِّقِ بِقَوْلِهِ: (وَأَرْبَعٌ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُمْ) بِتَنْجِيزٍ وَلَا تَعْلِيقٍ: الْأَوَّلُ (الصَّبِيُّ) وَالثَّانِي (الْمَجْنُونُ، وَ) الثَّالِثُ (النَّائِمُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ.
عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» صَحَّحَهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
وَحَيْثُ ارْتَفَعَ عَنْهُمْ الْقَلَمُ بَطَلَ تَصَرُّفُهُمْ، نَعَمْ لَوْ طَرَأَ الْجُنُونُ مِنْ سُكْرٍ تَعَدَّى بِهِ صَحَّ تَصَرُّفُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ فِي هَذَا الْجُنُونِ وَقَعَ طَلَاقُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْهُ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
وَالْمُبَرْسَمُ وَالْمَعْتُوهُ وَهُوَ النَّاقِصُ الْعَقْلِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ كَالْمَجْنُونِ
[حاشية البجيرمي]
وَأَرْبَعَةٌ وَجُمْلَتُهَا عَشَرَةٌ وَتَكَرَّرَ فِيهَا الْوَاحِدُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بَعْدَ الْأَوَّلِ وَالِاثْنَانِ مَرَّةً فَقَطْ وَجُمْلَتُهَا خَمْسَةٌ تُزَادُ عَلَى الْعَشَرَةِ.
وَهَذَا ضَابِطٌ سَهْلٌ قَرِيبٌ ق ل عَلَى الْمَحَلِّيِّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ صَدَقَ بِهِ) أَيْ بِالطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَطَلَاقُ ثِنْتَيْنِ) أَيْ بِانْضِمَامِهِمَا لِلْأُولَى.
قَوْلُهُ: (طَلَاقُ وَاحِدَةٍ) أَيْ فِي ضِمْنِ الْأَرْبَعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَطَلَاقُ ثَلَاثٍ) أَيْ بِانْضِمَامِهَا إلَى مَا قَبْلَهَا، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ لَا طَلَاقُ ثِنْتَيْنِ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الثِّنْتَيْنِ لَا تَصْدُقُ إلَّا فِي الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرِ الْأُولَيَيْنِ) أَيْ غَيْرِ اللَّذَيْنِ وَقَعَا بِطَلَاقِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُمَا وَقَعَا بِهِ فَلَا يَقَعَانِ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ) كَمَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ إنْ تَزَوَّجْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ أَوْ كُلُّ امْرَأَةٍ تَزَوَّجْتهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثُمَّ تَزَوَّجَ الْمُعَيَّنَةَ أَوْ غَيْرَهَا لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِوُقُوعِهِ فَلِلشَّافِعِيِّ نَقْضُهُ كَمَا قَالَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ وَغَيْرُهُ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ ق ل.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَوْ حَكَمَ بِصِحَّةِ تَعْلِيقِ ذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ حَاكِمٌ نُقِضَ؛ لِأَنَّهُ إفْتَاءٌ لَا حُكْمٌ إذْ شَرْطُهُ وُقُوعُ دَعْوَى مُلْزِمَةٍ وَقَبْلَ الْوُقُوعِ لَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ، نَعَمْ نُقِلَ عَنْ الْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ دَعْوَى كَذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَا يُنْقَضُ حُكْمٌ بِذَلِكَ صَدَرَ مِمَّنْ يَرَى ذَلِكَ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ؛ وَتَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْمِلْكِ بَاطِلٌ كَذَلِكَ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ زي جَوَازُ النَّقْضِ مُطْلَقًا.
اهـ. خَضِرٌ الشَّوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (الْمُعَلَّقُ) لَوْ أَبْقَى كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ طَلَاقِ الْأَجْنَبِيَّةِ لَكَانَ أَوْلَى كَمَا قَالَهُ ق ل. وَالْحَاصِلُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ صَادِقٌ بِمَا إذَا نَجَّزَ الطَّلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ وَبِمَا إذَا عَلَّقَهُ ثُمَّ نَكَحَهَا وَالشَّارِحُ قَصَرَهُ عَلَى الثَّانِي وَالْأَوَّلُ يُعْلَمُ مِنْهُ بِالْأَوْلَى، وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ: وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ وَلَمْ يُبْقِهِ عَلَى إطْلَاقِهِ لِيَشْمَلَ نَحْوَ قَوْلِهِ لِأَجْنَبِيَّةٍ أَنْتِ طَالِقٌ بِالتَّنْجِيزِ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: «لَا طَلَاقَ إلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ» هَذَا يَدُلُّ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ بِأَنْ يَقُولَ لَا طَلَاقَ يَقَعُ إلَّا بَعْدَ النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَهُ وَنَحْوُهُ نَقُولُ لَا طَلَاقَ يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (وَأَرْبَعٌ) بِحَذْفِ التَّاءِ لِحَذْفِ الْمَعْدُودِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَعْلِيقٍ) وَإِنْ وُجِدَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْكَمَالِ.
قَوْلُهُ: (الصَّبِيُّ) خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ اهـ م د.
قَوْلُهُ: (وَالْمَجْنُونُ) غَيْرُ الْمُتَعَدِّي.
قَوْلُهُ: «رُفِعَ الْقَلَمُ» أَيْ قَلَمُ التَّكْلِيفِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ وَإِنْ كَانَتْ إتْلَافَاتُهُمْ مُعْتَبَرَةً؛؛ لِأَنَّهُ مِنْ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (صَحَّ تَصَرُّفُهُ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَقَعَ طَلَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ وَكَانَ يَجْعَلُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ دَلِيلًا لَهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَوْ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَلَوْ طَلَّقَ إلَخْ، بَقَاءُ التَّفْرِيعِ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْجُنُونِ أَيْ الْوَاقِعِ فِي السُّكْرِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُبَرْسَمُ) هُوَ مَنْ أَصَابَهُ الْبَرْسَامُ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهُوَ مَرَضٌ يَعْتَرِي الدِّمَاغَ يُخَلِّطُ الْعَقْلَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْبَرْسَامُ دَاءٌ مَعْرُوفٌ وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الطِّبِّ أَنَّهُ وَرَمٌ حَارٌّ يَعْرِضُ لِلْحِجَابِ الَّذِي بَيْنَ الْكَبِدِ وَالْأَمْعَاءِ ثُمَّ يَتَّصِلُ بِالدِّمَاغِ قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ الْبَرْسَامُ مُعَرَّبٌ وَبُرْسِمَ الرَّجُلُ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ.
وَقَوْلُهُ: " وَالْمَعْتُوهُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ عَتَهَ عَتَهًا مِنْ بَابِ تَعِبَ نَقَصَ عَقْلُهُ مِنْ غَيْرِ جُنُونٍ أَوْ دَهْشَةٍ وَفِي التَّهْذِيبِ الْمَعْتُوهُ الْمَدْهُوشُ مِنْ
(وَ) الرَّابِعُ (الْمُكْرَهُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَتِهِ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَلِخَبَرِ: «لَا طَلَاقَ فِي إغْلَاقٍ» أَيْ إكْرَاهٍ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
فَإِنْ ظَهَرَ مِنْ الْمُكْرَهِ قَرِينَةُ اخْتِيَارٍ مِنْهُ لِلطَّلَاقِ كَأَنْ أُكْرِهَ عَلَى ثَلَاثِ طَلْقَاتٍ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً أَوْ عَلَى طَلَاقٍ صَرِيحٍ فَكَنَّى وَنَوَى أَوْ عَلَى تَعْلِيقٍ فَنَجَّزَ أَوْ بِالْعَكْسِ لِهَذِهِ الصُّوَرِ وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُ تُشْعِرُ بِاخْتِيَارِهِ فِيمَا أَتَى بِهِ.
وَشَرْطُ حُصُولِ الْإِكْرَاهِ قُدْرَةُ الْمُكْرِهِ بِكَسْرِ الرَّاءِ عَلَى تَحْقِيقِ مَا هَدَّدَ بِهِ الْمُكْرَهَ بِفَتْحِهَا تَهْدِيدًا عَاجِلًا ظُلْمًا بِوِلَايَةٍ أَوْ تَغَلُّبٍ وَعَجْزُ الْمُكْرَهِ بِفَتْحِ الرَّاءِ عَنْ دَفْعِ الْمُكْرِهِ بِكَسْرِهَا بِهَرَبٍ أَوْ غَيْرِهِ كَاسْتِغَاثَةٍ بِغَيْرِهِ وَظَنُّهُ أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ مِنْ فِعْلِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ حَقَّقَ فِعْلَ مَا خَوَّفَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ إلَّا بِهَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، فَخَرَجَ بِعَاجِلًا مَا لَوْ قَالَ لَأَقْتُلَنَّك غَدًا فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، وَبِظُلْمًا مَا لَوْ قَالَ وَلِيُّ الْقِصَاصِ لِلْجَانِي طَلِّقْ زَوْجَتَك وَإِلَّا اقْتَصَصْتُ مِنْك لَمْ يَكُنْ إكْرَاهًا.
وَيَحْصُلُ الْإِكْرَاهُ بِتَخْوِيفٍ بِضَرْبٍ شَدِيدٍ أَوْ حَبْسٍ طَوِيلٍ أَوْ إتْلَافِ مَالٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْثِرُ الْعَاقِلُ لِأَجْلِهِ الْإِقْدَامَ عَلَى مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ.
وَيَخْتَلِفُ الْإِكْرَاهُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَسْبَابِ الْمُكْرَهِ عَلَيْهَا فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ إكْرَاهًا فِي شَخْصٍ دُونَ آخَرَ وَفِي سَبَبٍ دُونَ آخَرَ، فَالْإِكْرَاهُ بِإِتْلَافِ مَالٍ لَا يَضِيقُ عَلَى الْمُكْرَهِ بِفَتْحِ الرَّاءِ كَخَمْسَةِ دَرَاهِمَ فِي حَقِّ الْمُوسِرِ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ عَلَى الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَحَمَّلُهُ وَلَا يُطَلِّقُ بِخِلَافِ الْمَالِ الَّذِي يَضِيقُ عَلَيْهِ، وَالْحَبْسُ فِي الْوَجِيهِ إكْرَاهٌ وَإِنْ قَلَّ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَالضَّرْبُ الْيَسِيرُ فِي أَهْلِ الْمُرُوآتِ إكْرَاهٌ.
وَخَرَجَ بِقَيْدِ طَلَاقِ زَوْجَتِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مَا إذَا أَكْرَهَهُ عَلَى طَلَاقِ زَوْجَةِ نَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ لَهُ طَلِّقْ زَوْجَتِي وَإِلَّا قَتَلْتُك فَطَلَّقَهَا وَقَعَ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِذْنِ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ طَلَّقْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا فَطَلَّقَهَا طَلْقَةً أَوْ أَكْثَرَ وَقَعَ الْمُنَجَّزُ فَقَطْ وَلَا يَقَعُ مَعَهُ الْمُعَلَّقُ
[حاشية البجيرمي]
غَيْرِ مَسٍّ أَوْ جُنُونٍ.
اهـ. مِصْبَاحٌ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ النَّاقِصُ الْعَقْلِ) أَيْ عَنْ خَبْلٍ لَا عَنْ عَدَمِ مَعْرِفَةِ تَصَرُّفٍ ق ل.
قَوْلُهُ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ» أَيْ الْمُؤَاخَذَةُ بِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ وَاقِعٌ مِنْهُمْ وَالْإِتْلَافُ مَضْمُونٌ.
قَوْلُهُ: (فَطَلَّقَ وَاحِدَةً) وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهَا، فَالضَّابِطُ أَنَّهُ مَتَى خَالَفَ وَقَعَ الطَّلَاقُ أَوْ وَافَقَهُ وَنَوَى مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ.
قَوْلُهُ: (فَكَنَّى) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ بِعَاجِلًا مَا لَوْ قَالَ إلَخْ) يُسْتَثْنَى مَا إذَا ذَكَرَ زَمَنًا قَرِيبًا جِدًّا أَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ لَا يَتَخَلَّفُ.
اهـ. فَتْحُ الْبَارِي عَلَى الْبُخَارِيِّ؛ لَكِنْ ضُعِّفَ م ر. وَلَوْ عَلَّقَ بِفِعْلِهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا فَفِعْلُهُ كَذَلِكَ وَقَعَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ وَقَدْ ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَنْسَى فَنَسِيَ لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْسَ بَلْ أُنْسِيَ، فَلَوْ فَعَلَهُ عَامِدًا عَالِمًا مُخْتَارًا مَثَلًا لَمْ يَقَعْ فِيمَا يَظْهَرُ لِعَدَمِ وُجُودِ الصِّفَةِ؛ إذْ الْمَقْصُودُ حِينَئِذٍ مُجَرَّدُ التَّعْلِيقِ اهـ سم، ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ تَدْخُلِي الدَّارَ الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَنَسِيَتْ الْحَلِفَ وَدَخَلَتْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَهَلْ يَتَخَلَّصُ بِذَلِكَ الدُّخُولُ، قَالَ الزَّرْكَشِيّ، فِيهِ احْتِمَالٌ وَالْأَقْرَبُ الِانْحِلَالُ اهـ. فَإِنْ صَحَّ مَا رَجَّحَهُ اسْتَفَدْنَا مِنْهُ أَنَّ فِعْلَ النَّاسِي يُوجِبُ الِانْحِلَالَ إذَا كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ انْتِفَاءَ الْفِعْلِ، وَقِيَاسُهُ أَنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ كَذَلِكَ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُمْ إنَّهُ لَا أَثَرَ لِفِعْلِ النَّاسِي فِي بِرٍّ وَلَا حِنْثٍ مَحَلُّهُ إذَا كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ الْفِعْلَ.
قَوْلُهُ: (تَتِمَّةٌ) هِيَ فِي الدَّوْرِ وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ الْمُعَلَّقِ عَدَمُ وُقُوعِهِ هَلْ يَصِحُّ أَمْ لَا وَفِيمَا يَتَّبِعُ ذَلِكَ م د.
قَوْلُهُ: (وَقَعَ الْمُنَجَّزُ فَقَطْ إلَخْ) قَالَ الرَّافِعِيُّ: لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمُنَجَّزِ وَالْمُعَلَّقِ مُمْتَنِعٌ وَوُقُوعَ أَحَدِهِمَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وَالْمُنَجَّزِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى مِنْ حَيْثُ افْتِقَارُ الْمُعَلَّقِ إلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْجَزَاءَ سَابِقًا عَلَى الشَّرْطِ بِقَوْلِهِ قَبْلَهُ وَالْجَزَاءُ لَا يَتَقَدَّمُ فَيَلْغُوا اهـ عَمِيرَةُ.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَقَعَ الْمُنَجَّزُ دُونَ الْمُعَلَّقِ وَقِيلَ فِي مَسْأَلَةِ التَّطْلِيقِ لَا يَقَعُ شَيْءٌ لَا مِنْ الْمُنَجَّزُ وَلَا مِنْ الْمُعَلَّقِ لِلدَّوْرِ، وَنُقِلَ عَنْ النَّصِّ وَالْأَكْثَرِينَ؛ وَاشْتُهِرَتْ الْمَسْأَلَةُ بِابْنِ سُرَيْجٍ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي أَظْهَرَهَا، لَكِنْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهَا لِتَصْرِيحِهِ فِي كِتَابِهِ الزِّيَادَاتِ بِوُقُوعِ الْمُنَجَّزِ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: أَخْطَأَ مَنْ لَمْ يُوقِعْ الطَّلَاقَ خَطَأً فَاحِشًا؛ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَدِدْت لَوْ مُحِيَتْ هَذِهِ
لِزِيَادَتِهِ عَلَى الْمَمْلُوكِ، وَقِيلَ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الْمُنَجَّزُ لَوَقَعَ الْمُعَلَّقُ قَبْلَهُ بِحُكْمِ التَّعْلِيقِ، وَلَوْ وَقَعَ الْمُعَلَّقُ لَمْ يَقَعْ الْمُنَجَّزُ، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ الْمُنَجَّزُ لَمْ يَقَعْ الْمُعَلَّقُ؛ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسَمَّى السُّرَيْجِيَّةُ مَنْسُوبَةً لِابْنِ سُرَيْجٍ وَجَرَى عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ مَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي عَدَمِ الْوُقُوعِ، وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَدِدْت لَوْ مُحِيَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَابْنُ سُرَيْجٍ بَرِيءٌ مِمَّا نُسِبَ إلَيْهِ فِيهَا.
وَلَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمُسْتَحِيلٍ عُرْفًا كَصُعُودِ السَّمَاءِ وَالطَّيَرَانِ أَوْ عَقْلًا كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ أَوْ شَرْعًا كَنَسْخِ صَوْمِ رَمَضَانَ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنَجِّزْ الطَّلَاقَ، وَإِنَّمَا عَلَّقَهُ عَلَى صِفَةٍ لَمْ تُوجَدْ.
وَالْيَمِينُ فِيمَا ذُكِرَ مُنْعَقِدَةٌ حَتَّى يَحْنَثَ بِهَا الْمُعَلِّقُ عَلَى الْحَلِفِ.
وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ كَلَّمْتِ زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَكَلَّمَتْ حَائِطًا مَثَلًا وَهُوَ يَسْمَعُ لَمْ يَحْنَثْ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُكَلِّمْهُ.
[حاشية البجيرمي]
الْمَسْأَلَةُ وَابْنُ سُرَيْجٍ بَرِيءٌ مِمَّا نُسِبَ إلَيْهِ فِيهَا اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (لِزِيَادَتِهِ عَلَى الْمَمْلُوكِ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِلدَّوْرِ كَمَا فِي الَّذِي بَعْدَهُ وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ لِزِيَادَتِهِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَزِدْ وَقَعَ أَيْ الْمُنَجَّزُ وَالْمُعَلَّقُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ وَقَعَ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ فِي وُقُوعِ الْمُنَجَّزِ دَوْرًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الْمُنَجَّزُ إلَخْ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَقَعُ الْمُنَجَّزِ لِلدَّوْرِ، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ الْمُنَجَّزُ لَمْ يَقَعْ الْمُعَلَّقُ بِحُكْمِ التَّعْلِيقِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَقَعُ هَذَا وَلَا هَذَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَقَعْ الْمُنَجَّزُ) ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ اسْتَوْفَى عَدَدَ الطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَقَعْ الْمُعَلَّقُ) أَيْ بِمُقْتَضَى التَّعْلِيقِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) نَعَمْ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ ق ل.
فَرْعٌ: سُئِلَ ع ش عَمَّنْ قَالَ عَلَيَّ الطَّلَاقُ لَا أَشْتَكِي فُلَانًا إلَّا لِلْكَاشِفِ هَلْ يَحْنَثُ إذَا لَمْ يَشْتَكِهِ لِلْكَاشِفِ؟ فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ إنْ اشْتَكَى لِغَيْرِ الْكَاشِفِ حَنِثَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَكِهِ لَا لِلْكَاشِفِ وَلَا لِغَيْرِهِ فَلَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى إنْ حَصَلَ مِنِّي شَكْوَى لَا تَكُونُ إلَّا لِلْكَاشِفِ، فَإِذَا تَرَكَ الشَّكْوَى مُطْلَقًا فَلَا حِنْثَ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (مِمَّا نُسِبَ إلَيْهِ فِيهَا) أَيْ مِنْ الدَّوْرِ الْمُقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ) أَيْ فِي الثُّبُوتِ وَأَمَّا فِي النَّفْيِ فَإِنَّهُ يَقَعُ حَالًا كَمَا فِي شَرْحِ م ر وَحَوَاشِيهِ، وَمَا نَقَلَهُ زي فِي حَاشِيَتِهِ عَنْ عَمِيرَةَ مِنْ عَدَمِ الْوُقُوعِ حَالًا ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (كَصُعُودِ السَّمَاءِ) أَيْ كَقَوْلِهِ إنْ صَعِدْت السَّمَاءَ، أَمَّا لَوْ قَالَ إنْ لَمْ تَصْعَدِي السَّمَاءَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ حَالًا لِتَحَقُّقِ الْحِنْثِ بِمُضِيِّ لَحْظَةٍ، وَاَلَّذِي قَالَهُ ز ي أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ فِي الثَّانِيَةِ إلَّا بِالْيَأْسِ فَيُرَاجَعُ؛ قَالَهُ م د. وَهُوَ مُقْتَضَى قَاعِدَةِ الْأَدَوَاتِ السَّابِقَةِ؛ لِأَنَّهَا فِي النَّفْيِ لِلْفَوْرِ سِوَى إنْ وَالْأَوَّلُ يَخُصُّهَا بِغَيْرِ الْمُسْتَحِيلِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَطْلُقْ) وَهَذَا إذَا عَلَّقَ إثْبَاتًا كَمَا عَلِمْتَ، فَإِنْ عَلَّقَ نَفْيًا كَإِنْ لَمْ تَصْعَدِي السَّمَاءَ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ نَحْوَهُ وَقَعَ حَالًا لِلْيَأْسِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُمْ إنَّ إنْ فِي النَّفْيِ لِلتَّرَاخِي أَيْ فِي الْمُمْكِنِ أَمَّا الْمُسْتَحِيلُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ إنْ وَغَيْرِهَا.
فَرْعٌ: لَوْ قَالَ عَلَيَّ الطَّلَاقُ الثَّلَاثَ لَا أَفْعَلُ كَذَا ثُمَّ فَعَلَهُ وَلَهُ زَوْجَاتٌ فَعِنْدَ م ر لَهُ أَنْ يَحْصُرَ الطَّلَاقَ فِي وَاحِدَةٍ قَبْلَ الْحِنْثِ لَا بَعْدَهُ وَلَيْسَ لَهُ تَوْزِيعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهِنَّ، وَعِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ لَهُ أَنْ يَحْصُرَ قَبْلَ الْحِنْثِ وَبَعْدَهُ وَلَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوْ الْبَيْنُونَةِ لِلَّذِي عَيَّنَهَا لَهُ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً وَقْتَ الْحَلِفِ؛ وَهَذَا إنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ زَوْجَاتِي وَإِلَّا وَقَعَ عَلَى الْكُلِّ.
فَرْعٌ: فَعَلَتْ نَاسِيَةً فَظَنَّتْ انْحِلَالَ الْيَمِينِ فَدَخَلَتْ ثَانِيَةً عَامِدَةً لَمْ يَحْنَثْ لِعُذْرِهَا، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَأَخْبَرَهَا شَخْصٌ أَنَّهُ أَذِنَ لَهَا فَخَرَجَتْ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ تَبَيَّنَ كَذِبُ الْمُخْبِرِ لِعُذْرِهَا، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ وَأَفْتَاهُ مُفْتٍ بِعَدَمِ الْحِنْثِ فَفَعَلَ فَتَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْإِفْتَاءِ لِعُذْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ.
قَوْلُهُ: (وَالْيَمِينُ فِيمَا ذُكِرَ مُنْعَقِدَةٌ إلَخْ) أَيْ فَعَدَمُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِذَلِكَ لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْيَمِينِ حَتَّى يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، أَيْ فَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَحْلِفُ ثُمَّ قَالَ إنْ صَعِدْت السَّمَاءَ فَأَنْتِ طَالِقٌ؛ يَحْنَثُ وَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ اهـ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَحْنَثَ بِهَا الْمُعَلِّقُ عَلَى الْحَلِفِ) كَأَنْ قَالَ إنْ حَلَفْتُ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ فَقَالَ مَا ذَكَرَ أَيْ إنْ صَعِدْت السَّمَاءَ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ وَنَحْوُهُ مِمَّا بَعْدَهُ، فَإِنَّ زَوْجَتَهُ تَطْلُقُ بِهَذَا التَّعْلِيقِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ حَلِفٌ أَفَادَهُ شَيْخُنَا
[فَرْعٌ لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِنَحْوِ دُخُولِهِ فَحُمِلَ سَاكِتًا قَادِرًا عَلَى الِامْتِنَاعِ وَأُدْخِلَ]
قَوْلُهُ: (فَكَلَّمَتْ حَائِطًا مَثَلًا) أَوْ بَهِيمَةً أَوْ شَخْصًا غَيْرَهُ
وَلَوْ قَالَ لَهَا إنْ كَلَّمْتِ رَجُلًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَكَلَّمَتْ أَبَاهَا أَوْ أَحَدًا مِنْ مَحَارِمِهَا طَلُقَتْ لِوُجُودِ الصِّفَةِ، فَإِنْ قَالَ: قَصَدْتُ مَنْعَهَا مِنْ مُكَالَمَةِ الْأَجَانِبِ قُبِلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ.
وَفُرُوعُ الطَّلَاقِ لَا تَنْحَصِرُ، وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ لِهَذَا الْمُخْتَصَرِ الَّذِي عَمَّ نَفْعُهُ فِي الْوُجُودِ وَنَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَرَحِمَ مُؤَلِّفَهُ وَشَارِحِيهِ.
فَصْلٌ: فِي الرَّجْعَةِ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا عِنْدَ الْجَوْهَرِيِّ وَالْكَسْرُ أَكْثَرُ عِنْدَ الْأَزْهَرِيِّ وَهِيَ لُغَةً الْمَرَّةُ مِنْ الرُّجُوعِ وَشَرْعًا رَدُّ الْمَرْأَةِ إلَى النِّكَاحِ مِنْ طَلَاقٍ غَيْرِ بَائِنٍ فِي الْعِدَّةِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا سَيَأْتِي.
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] أَيْ فِي الْعِدَّةِ ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة: 228] أَيْ رَجْعَةً كَمَا قَالَهُ
[حاشية البجيرمي]
وَلَوْ بِقَصْدِ زَيْدٍ.
اهـ. م د، أَيْ بِقَصْدِ سَمَاعِهِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَحْنَثْ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ.
تَنْبِيهٌ: الْمُكْرَهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ بِحَقٍّ كَالْمُخْتَارِ كَمَا فِي الْمَوْلَى وَلَوْ ادَّعَى وُقُوعَ الطَّلَاقِ مِنْهُ حَالَ صِبَاهُ أَوْ جُنُونِهِ أَوْ نَوْمِهِ أَوْ إكْرَاهِهِ وَأَمْكَنَ نَحْوُ الصِّبَا وَعَهْدِ الْجُنُونِ وَوُجِدَ نَحْوُ الْإِكْرَاهِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَإِلَّا فَلَا ق ل. قَوْلُهُ: (أَوْ أَحَدًا مِنْ مَحَارِمِهَا) أَيْ أَوْ زَوْجِهَا.
قَوْلُهُ: (قُبِلَ مِنْهُ) مِثْلُهُ فِي شَرْحِ م ر.
فَرْعٌ: لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِنَحْوِ دُخُولِهِ فَحُمِلَ سَاكِتًا قَادِرًا عَلَى الِامْتِنَاعِ وَأُدْخِلَ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا إذَا عَلَّقَ بِجِمَاعِهِ فَعَلَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ وَلَا أَثَرَ لِاسْتِدَامَتِهِمَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالِابْتِدَاءِ اهـ شَرْحُ م ر.
[فَصْلٌ فِي الرَّجْعَةِ]
ِ ذَكَرَهَا عَقِبَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهَا وَالْمُسَبَّبُ يُؤَخَّرُ عَنْ السَّبَبِ.
وَعِبَارَةُ زي: وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ الرَّجْعَةَ عَقِبَ الطَّلَاقِ إشْعَارًا بِأَنَّهَا فِي حُكْمِ ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ كَمَا سَيَظْهَرُ فِي بَعْضِ فُرُوعِهَا وَإِنْ ظَهَرَ فِي بَعْضٍ آخَرَ أَنَّهَا فِي حُكْمِ اسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ، أَيْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَهُ؛ وَلِذَلِكَ لَا يُطْلَقُ التَّرْجِيحُ فِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ أَنَّهَا ابْتِدَاءُ نِكَاحٍ أَوْ اسْتِدَامَةٌ؛ وَسَكَتَ كَالْأَصْحَابِ عَنْ سَنِّ الرَّجْعَةِ وَعَدَمِهِ لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْحَالِ اهـ. وَأَصْلُهَا الْإِبَاحَةُ وَتَعْتَرِيهَا أَحْكَامُ النِّكَاحِ، فَتَجِبُ عَلَى مَنْ طَلَّقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُوَفِّيَ لَهَا لَيْلَتَهَا، وَتَحْرُمُ فِيمَا إذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا عَدَمُ قَسْمٍ أَوْ عَجْزٍ عَنْ الْإِنْفَاقِ أَوْ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَتُكْرَهُ حَيْثُ سُنَّ الطَّلَاقُ، وَتُنْدَبُ حَيْثُ طَلُقَتْ بِدْعِيًّا.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ) أَيْ الرَّجْعَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا الْمَرَّةُ إلَخْ وَلَا يُعَارِضُهُ مَا ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ أَنَّ فَعْلَةَ لِلْمَرَّةِ وَفِعْلَةَ بِالْكَسْرِ لِلْهَيْئَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ اصْطِلَاحٌ نَحْوِيٌّ وَمَا هُنَا أَمْرٌ لُغَوِيٌّ بِاعْتِبَارِ مَا نُقِلَ عَنْ الْعَرَبِ قَوْلُهُ (مِنْ الرُّجُوعِ) أَيْ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ قَوْلُهُ (رَدُّ الْمَرْأَةِ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى الْمَفْعُولِ بَعْدَ حَذْفِ الْفَاعِلِ أَيْ رَدُّ الزَّوْجِ أَوْ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ مِنْ وَكِيلٍ إلَى النِّكَاحِ أَيْ الْكَامِلِ؛ وَإِلَّا فَهِيَ فِي حُكْمِ الْمَنْكُوحَةِ بِدَلِيلِ لُحُوقِ الظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ وَالطَّلَاقِ وَاللِّعَانِ وَالتَّوَارُثِ، أَوْ يُقَالُ إلَى النِّكَاحِ أَيْ مُوجِبِهِ وَهُوَ الْحِلُّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ طَلَاقٍ) خَرَجَ وَطْءُ الشُّبْهَةِ وَالظِّهَارُ وَكَذَا الْإِيلَاءُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْعِدَّةِ) مُتَعَلِّقٌ بِ (رَدُّ) وَهُوَ إيضَاحٌ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَهَا صَارَ بَائِنًا ق ل.
قَوْلُهُ: (عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ) أَشَارَ إلَى شُرُوطِ الرَّجْعَةِ أَيْ مِنْ كَوْنِهَا قَابِلَةً لِلْحِلِّ مُعَيَّنَةً لَمْ يَسْتَوْفِ عَدَدَ طَلَاقِهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِيهَا) أَيْ الرَّجْعَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ [البقرة: 228] أَيْ أَزْوَاجُهُنَّ جَمْعُ بَعْلٍ وَالتَّاءُ لِتَأْنِيثِ الْجَمْعِ كَالْعُمُومَةِ عَلَى أَنَّهَا جَمْعُ عَمٍّ أَوْ الْبُعُولَةُ مَصْدَرٌ عَلَى تَقْدِيرِ مَصْدَرٍ وَأَهْلُ بُعُولَتِهِنَّ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228] أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ لَيْسَ عَلَى بَابِهِ إذْ لَا حَقَّ لِغَيْرِهِمْ.
قَوْلُهُ: (أَيْ فِي الْعِدَّةِ) وَعِبَارَةُ الْخَطِيبِ: أَيْ فِي التَّرَبُّصِ الْمَفْهُومِ مِنْ يَتَرَبَّصْنَ
الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ رَاجِعْ حَفْصَةَ فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ وَإِنَّهَا زَوْجَتُك فِي الْجَنَّةِ» .
أَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ: مَحِلٌّ وَصِيغَةٌ وَمُرْتَجَعٌ وَأَمَّا الطَّلَاقُ فَهُوَ سَبَبٌ لَا رُكْنٌ، وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِشُرُوطِ الرُّكْنِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مَحِلٌّ بِقَوْلِهِ: (وَشُرُوطُ) صِحَّةِ (الرَّجْعَةِ أَرْبَعَةٌ) وَتَرَكَ خَامِسًا وَسَادِسًا كَمَا سَتَعْرِفُهُ: الْأَوَّلُ (أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ دُونَ الثَّلَاثِ) فِي الْحُرِّ وَدُونَ اثْنَيْنِ فِي الرَّقِيقِ، وَلَوْ قَالَ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ لَمْ يَسْتَوْفِ عَدَدَ الطَّلَاقِ لَشَمِلَ ذَلِكَ أَمَّا إذَا اسْتَوْفَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا سُلْطَةَ لَهُ عَلَيْهَا.
(وَ) الثَّانِي (أَنْ يَكُونَ) الطَّلَاقُ (بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا) فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَلَا رَجْعَةَ لَهُ لِبَيْنُونَتِهَا وَكَالْوَطْءِ اسْتِدْخَالُ الْمَنِيِّ الْمُحْتَرَمِ.
(وَ) الثَّالِثُ (أَنْ لَا يَكُونَ الطَّلَاقُ بِعِوَضٍ) مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا فَإِنْ كَانَ عَلَى عِوَضٍ فَلَا رَجْعَةَ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي الْخُلْعِ.
(وَ) الرَّابِعُ (أَنْ تَكُونَ) الرَّجْعَةُ (قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ) فَإِذَا انْقَضَتْ فَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ
[حاشية البجيرمي]
وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ رَاجِعْ حَفْصَةَ» إلَخْ هِيَ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، وَكَانَتْ قَبْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَحْتَ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَتُوُفِّيَ عَنْهَا بِجِرَاحَاتٍ أَصَابَتْهُ بِبَدْرٍ، وَكَانَتْ وِلَادَتُهَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِخَمْسِ سِنِينَ وَمَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَقَدْ بَلَغَتْ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَطَلَّقَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَسَبَبُ ذَلِكَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي بَيْتِهَا فَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي زِيَارَةِ أَبِيهَا فَأَذِنَ لَهَا فَأَرْسَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى مَارِيَةَ وَأَدْخَلَهَا فِي بَيْتِ حَفْصَةَ وَوَاقَعَهَا فَرَجَعَتْ حَفْصَةُ فَأَبْصَرَتْ مَارِيَةَ فِي بَيْتِهَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ تَدْخُلْ حَتَّى خَرَجَتْ مَارِيَةُ ثُمَّ دَخَلَتْ وَقَالَتْ لَهُ: إنِّي رَأَيْت مَنْ كَانَ مَعَك فِي الْبَيْتِ، وَغَضِبَتْ وَبَكَتْ وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ جِئْتَ إلَيَّ شَيْئًا مَا جِئْتَ بِهِ إلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَائِك فِي يَوْمِي وَفِي بَيْتِي عَلَى فِرَاشِي.
فَلَمَّا رَأَى فِي وَجْهِهَا الْغَيْرَةَ قَالَ: اُسْكُتِي فَهِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ أَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَاك» وَفِي رِوَايَةٍ: «أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أُحَرِّمَهَا عَلَى نَفْسِي وَلَا أَقْرَبَهَا أَبَدًا قَالَتْ: بَلَى.
وَحَلَفَ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «قَدْ حَرَّمْتهَا عَلَيَّ وَمَعَ هَذَا أُخْبِرُك أَنَّ أَبَاك الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِ أَبِي بَكْرٍ فَاكْتُمِي هَذَا عَلَيَّ فَأَخْبَرَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَقَالَتْ لَهَا: قَدْ أَرَاحَنَا اللَّهُ مِنْ مَارِيَةَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَقَصَّتْ عَلَيْهَا الْقِصَّةَ وَكَانَتَا مُتَصَادِقَتَيْنِ؛ فَأَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَنَّ حَفْصَةَ قَدْ نَبَّأَتْ عَائِشَةَ بِمَا أَسَرَّهُ إلَيْهَا مِنْ أَمْرِ مَارِيَةَ وَأَمْرِ الْخِلَافَةِ فَطَلَّقَهَا، فَلَمَّا أَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ بِبَعْضِ مَا أَسَرَّتْهُ لَهَا حَفْصَةُ وَهُوَ أَمْرُ مَارِيَةَ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضِهِ وَهُوَ أَمْرُ الْخِلَافَةِ خَوْفًا أَنْ يَنْتَشِرَ ذَلِكَ فِي النَّاسِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: مَنْ أَنْبَأَك هَذَا؟ قَالَ: نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَحْرِيمِ مَارِيَةَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] إلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] فَلَمَّا أَفْشَتْ حَفْصَةُ سِرَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَّقَهَا فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ يَأْمُرُهُ بِمُرَاجَعَتِهَا؛ لِأَنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ وَأَنَّهَا إحْدَى زَوْجَاتِهِ فِي الْجَنَّةِ» اهـ مُلَخَّصًا مِنْ سِيرَةِ ح ل.
قَوْلُهُ: (مَحَلٌّ) هُوَ الزَّوْجَةُ.
وَقَوْلُهُ: " وَمُرْتَجِعٌ " وَهُوَ الزَّوْجُ.
قَوْلُهُ: (وَشُرُوطُ صِحَّةِ الرَّجْعَةِ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَشَرْطٌ فِي الْمَحَلِّ كَوْنُهُ زَوْجَةً مَوْطُوءَةً مُعَيَّنَةً قَابِلَةً لِحِلِّ مُطَلَّقَتِهِ مَجَّانًا لَمْ يَسْتَوْفِ عَدَدَ طَلَاقِهَا.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ) وَلَوْ بِتَطْلِيقِ الْقَاضِي عَلَى الْمَوْلَى، وَيَكْفِي فِي تَخْلِيصِهَا مِنْهُ أَصْلُ الطَّلَاقِ فَلَا يُقَالُ مَا فَائِدَةُ طَلَاقِ الْقَاضِي حَيْثُ جَازَتْ الرَّجْعَةُ مِنْ الْمَوْلَى ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَالَ) أَيْ بَدَلَ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الدُّخُولِ) وَلَوْ فِي الدُّبُرِ، وَلَوْ لَمْ تَزُلْ بَكَارَتُهَا كَأَنْ كَانَتْ غَوْرَاءَ إذْ لَا يَنْقُصُ عَنْ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ كَمَا قَالَهُ ع ش.
قَوْلُهُ: (اسْتِدْخَالُ الْمَنِيِّ) وَلَوْ فِي الدُّبُرِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ) صَادِقٌ بِالْمُقَارَنَةِ وَفِي التُّحْفَةِ مَنْعُ الرَّجْعَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلْيُرَاجَعْ شَوْبَرِيُّ.
وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، أَيْ بِأَنْ كَانَتْ فِي أَثْنَائِهَا أَوْ كَانَتْ لَمْ تَشْرَعْ فِيهَا بِأَنْ طَلُقَتْ فِي الْحَيْضِ فَلَهُ الرَّجْعَةُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ تَشْرَعْ فِي الْعِدَّةِ إلَّا بِمَجِيءِ الطُّهْرِ.
فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ مَعَ أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ.
وَالْخَامِسُ: كَوْنُ الْمُطَلَّقَةِ قَابِلَةً لِلْحِلِّ لِلْمَرَاجِعِ فَلَوْ أَسْلَمَتْ الْكَافِرَةُ وَاسْتَمَرَّ زَوْجُهَا وَرَاجَعَهَا فِي كُفْرِهِ لَمْ يَصِحَّ أَوْ ارْتَدَّتْ الْمُسْلِمَةُ لَمْ تَصِحَّ مُرَاجَعَتُهَا فِي حَالِ رِدَّتِهَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّجْعَةِ الْحِلُّ وَالرِّدَّةُ تُنَافِيه، وَكَذَا لَوْ ارْتَدَّ الزَّوْجُ أَوْ ارْتَدَّا مَعًا.
وَضَابِطُ ذَلِكَ انْتِقَالُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إلَى دِينٍ يَمْنَعُ دَوَامَ النِّكَاحِ.
وَالسَّادِسُ: كَوْنُهَا مُعَيَّنَةً، فَلَوْ طَلَّقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ وَأَبْهَمَ ثُمَّ رَاجَعَ أَوْ طَلَّقَهُمَا جَمِيعًا ثُمَّ رَاجَعَ إحْدَاهُمَا لَمْ تَصِحَّ الرَّجْعَةُ إذْ لَيْسَتْ الرَّجْعَةُ فِي احْتِمَالِ الْإِبْهَامِ كَالطَّلَاقِ لِشَبَهِهَا بِالنِّكَاحِ لَا يَصِحُّ مَعَ الْإِبْهَامِ، وَلَوْ تَعَيَّنَتْ وَنَسِيَتْ لَمْ تَصِحَّ رَجْعَتُهَا أَيْضًا فِي الْأَصَحِّ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى شَيْءٍ وَشَكَّ فِي حُصُولِهِ فَرَاجَعَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ حَاصِلًا فَفِي صِحَّةِ الرَّجْعَةِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَهُ شَيْخُ النَّوَوِيِّ الْكَمَالُ سَلَّارٌ فِي مُخْتَصَرِ الْبَحْرِ إنَّهَا تَصِحُّ.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ حِلُّ الْمُطَلَّقَةِ (وَإِذَا طَلَّقَ الْحُرُّ امْرَأَتَهُ) بِغَيْرِ عِوَضٍ مِنْهُ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً طَلْقَةً (وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ) يُعَدُّ وَطْؤُهَا وَلَوْ فِي الدُّبُرِ بِنَاءً
[حاشية البجيرمي]
فَرْعٌ: لَوْ شَكَّ فِي الطَّلَاقِ فَرَاجَعَ احْتِيَاطًا ثُمَّ إنَّهُ اتَّضَحَ لَهُ الْحَالُ صَحَّتْ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بِخِلَافِ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِيهَا بِهِمَا أَيْ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَظَنِّ الْمُكَلَّفِ.
وَإِنَّمَا كَانَ نِكَاحُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ امْرَأَةً بَاطِلًا إذَا تَبَيَّنَ رَجُلًا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ فِي الْمَعْقُودِ لَهُ وَعَلَيْهِ خِلَافًا لِلْقَلْيُوبِيِّ ح ف.
قَوْلُهُ: (مَعَ أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ) أَيْ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ بِتَمَامِهِ لَا الْفَصْلَ الْآتِي كَمَا فَهِمَ الْمُحَشِّي؛ لِأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَصْلِ التَّرْجَمَةُ فَقَطْ، فَظَنَّ أَنَّ الْإِشَارَةَ لِقَوْلِهِ فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
وَمُرَادُ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ: " مَعَ أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ إلَخْ " أَيْ فَلَا يُقَالُ إنَّ هَذَا مُغْنٍ عَمَّا يَأْتِي، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعَ بِمَعْنَى عَلَى فَهُمَا فَصْلٌ وَاحِدٌ ذَكَرَ فِي أَوَّلِهِ الْمَنْطُوقَ وَفِي أَثْنَائِهِ الْمَفْهُومَ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ أَسْلَمَتْ الْكَافِرَةُ إلَخْ) بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْلَمَ.
هُوَ فَقَطْ وَكَانَتْ تَحِلُّ لَهُ أَوْ أَسْلَمَا مَعًا مُطْلَقًا، فَإِنَّ النِّكَاحَ يَدُومُ فِيهِمَا سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّجْعَةِ الْحِلُّ وَالرِّدَّةُ تُنَافِيه) وَصِحَّةُ رَجْعَةِ الْمُحْرِمِ لِإِفَادَتِهَا نَوْعًا مِنْ الْحِلِّ كَالنَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَضَابِطُ ذَلِكَ) أَيْ عَدَمِ صِحَّةِ الرَّجْعَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ طَلَّقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ إلَخْ) عِبَارَةُ م ر فِي شَرْحِهِ: وَاسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِهِ عَدَمُ صِحَّةِ رَجْعَةٍ مُبْهَمَةٍ كَمَا لَوْ طَلَّقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ ثُمَّ قَالَ رَاجَعْتُ الْمُطَلَّقَةَ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ لَا يَقْبَلُ الْإِبْهَامَ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَاجَعَ إحْدَاهُمَا) أَيْ مُبْهَمَةً.
قَوْلُهُ: (لِشَبَهِهَا) أَيْ الرَّجْعَةِ بِالنِّكَاحِ أَيْ فَهِيَ كَابْتِدَاءِ النِّكَاحِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَقَوْلُهُ وَهُوَ أَيْ النِّكَاحُ.
قَوْلُهُ: (لَوْ تَعَيَّنَتْ وَنَسِيَتْ إلَخْ) عِبَارَةُ م د: وَلَوْ تَعَيَّنَتْ وَنَسِيَتْ لَمْ تَصِحَّ رَجْعَتُهَا أَيْ إذَا قَصَدَ رَجْعَةَ الْمُطَلَّقَةِ إمَّا إذَا رَاجَعَ مُعَيَّنَةً فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا الَّتِي نَسِيَتْ فَيَصِحُّ اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ كَذَا بِهَامِشٍ فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (وَشَكَّ فِي حُصُولِهِ) أَيْ الشَّيْءِ كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى فِعْلِهَا الشَّيْءَ وَشَكَّ هَلْ فَعَلَتْهُ أَوْ لَا فَرَاجَعَ احْتِيَاطًا ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهَا فَعَلَتْهُ.
قَوْلُهُ: (الْكَمَالُ سَلَّارٌ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ لَفْظٌ أَعْجَمِيٌّ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ وَمَعْنَاهُ رَئِيسُ الْجَيْشِ.
[فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ حِلُّ الْمُطَلَّقَةِ]
ِ وَهُوَ الرَّجْعَةُ فِي الرَّجْعِيَّةِ وَتَجْدِيدُ الْعَقْدِ فِي الْبَائِنِ بِدُونِ الثَّلَاثِ وَالْمُحَلَّلُ فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا.
وَالتَّرْجَمَةُ بِالْفَصْلِ سَاقِطَةٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا ثَابِتَةٌ، وَهَذَا عَلَى ثُبُوتِ الْفَصْلِ السَّابِقِ وَأَمَّا عَلَى سُقُوطِهِ فَمَا هُنَا ثَابِتٌ وَلَا بُدَّ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا طَلَّقَ) خَرَجَ الْفَسْخُ فَلَا رَجْعَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ.
قَوْلُهُ: (الْحُرُّ) قَيَّدَ بِهِ لِقَوْلِهِ بَعْدَ وَاحِدَةٍ أَوْ
عَلَى أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِدَّةَ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَكَذَا لَوْ اسْتَدْخَلَتْ مَاءَهُ الْمُحْتَرَمَ فَإِنَّ الرَّجْعَةَ تَثْبُتُ بِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
(فَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا) بِغَيْرِ إذْنِهَا وَإِذْنِ سَيِّدِهَا (مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232] وَلَوْ كَانَ حَقُّ الرَّجْعَةِ بَاقِيًا لَمَا كَانَ يُبَاحُ لَهُنَّ النِّكَاحُ.
تَنْبِيهٌ: يُرَدُّ عَلَيْهِ مَا إذَا خَالَطَ الرَّجْعِيَّةَ مُخَالَطَةَ الْأَزْوَاجِ بِلَا وَطْءٍ، فَإِنَّ الْعِدَّةَ لَا تَنْقَضِي وَلَا رَجْعَةَ لَهُ بَعْدَ الْأَقْرَاءِ أَوْ الْأَشْهُرِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَالْمِنْهَاجِ وَأَصْلَيْهِمَا.
وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ مَا إذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَحَمَلَتْ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَإِنَّ لَهُ الرَّجْعَةَ فِي عِدَّةِ الْحَمْلِ عَلَى الْأَصَحِّ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي عِدَّتِهِ وَلَكِنْ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا.
[حاشية البجيرمي]
ثِنْتَيْنِ، وَإِلَّا فَالْعَبْدُ مِثْلُهُ إذَا طَلَّقَ طَلْقَةً.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ عِوَضٍ مِنْهَا) أَوْ مِنْ غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (طَلْقَةً وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ فَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا) تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ السَّابِقِ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ دُونَ ثَلَاثٍ وَأَنْ يَكُونَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ اهـ م د. وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، بَلْ هُوَ عَيْنُ مَا تَقَدَّمَ لَا مَفْهُومُهُ بَلْ الْمَفْهُومُ قَوْلُهُ الْآتِي: " فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا "، وَقَوْلُهُ: " فَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا " إلَّا أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّ هَذَا تَوْطِئَةٌ لِلْمَفْهُومِ.
قَوْلُهُ: (لَوْ اسْتَدْخَلَتْ مَاءَهُ) وَلَوْ فِي الدُّبُرِ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً حَالَتَيْ الْإِنْزَالِ وَالِاسْتِدْخَالِ وَتُصَدَّقُ فِي نَفْيِ الْوَطْءِ وَنَفْيِ اسْتِدْخَالِ الْمَنِيِّ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى هَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ اسْتِدْلَالًا عَلَى الْمَفْهُومِ، فَكَانَ الْأَنْسَبُ لِلشَّارِحِ تَأْخِيرَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا كَانَ لَهُ إعَادَةُ نِكَاحِهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، يُشِيرُ لِذَلِكَ قَوْلُ الشَّارِحِ، وَلَوْ كَانَ حَقُّ الرَّجْعَةِ بَاقِيًا إلَخْ فَقَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى أَيْ لِمَفْهُومِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: 232] أَيْ الْعِدَّةَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: 232] أَيْ فَلَا تَمْنَعُوهُنَّ أَيْ مِنْ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ الْمُطَلِّقِينَ لَهُنَّ؛؛ لِأَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا أَبُو الدَّحْدَاحِ ثُمَّ نَدِمَ فَخَطَبَهَا بَعْدَ عِدَّتِهَا فَرَضِيَتْ وَمَنَعَهَا أَخُوهَا أَنْ تَتَزَوَّجَهُ أَيْ لَا تَحْبِسُوهُنَّ وَلَا تَمْنَعُوهُنَّ مِنْ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ الَّذِينَ يَرْغَبُونَ وَيَصْلُحُونَ لَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا أَيْ النِّسَاءُ وَالْمُرِيدُونَ نِكَاحَهُنَّ.
قَوْلُهُ: (يُرَدُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قَوْلِهِ فَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا، فَإِنَّ الْمُعَاشَرَةَ لَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِمُضِيِّ الْأَقْرَاءِ أَوْ الْأَشْهُرِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا رَجْعَةَ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ مِنْهُمَا؛ قَالَ ق ل: قَدْ يُقَالُ لَا إيرَادَ؛ لِأَنَّ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ لُحُوقِ الطَّلَاقِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ سم.
وَبِخَطِّ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْعِدَّةَ لَا تَنْقَضِي أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ، أَيْ فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ لِلْغَيْرِ فِي حُكْمِ الزَّوْجَةِ وَبِالنِّسْبَةِ لِلزَّوْجِ فِي حُكْمِ الْأَجْنَبِيَّةِ، فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مُرَاجَعَتُهَا إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ؛ ذَكَرَهُ م د. وَابْتِدَاءُ الْعِدَّةِ الَّتِي يَحِلُّ النِّكَاحُ بَعْدَهَا مِنْ حِينِ التَّفْرِيقِ فَقَدْ تَبَعَّضَتْ الْأَحْكَامُ فَإِنَّهُ يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ فَقَطْ لَا الْإِيلَاءُ وَلَا الظِّهَارُ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا كِسْوَةَ وَلَا تَرِثُهُ، وَيَجِبُ لَهَا السُّكْنَى وَلَا يُحَدُّ بِوَطْئِهَا كَمَا قَالَهُ م ر.
قَوْلُهُ: (الرَّجْعِيَّةَ) خَرَجَ الْبَائِنُ.
قَوْلُهُ: (مُخَالَطَةَ الْأَزْوَاجِ) الْمُرَادُ أَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْهَا وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ كَاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ، كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (بِلَا وَطْءٍ) أَيْ أَوْ بِوَطْءٍ بِلَا حَمْلٍ فَقَوْلُهُ بِلَا وَطْءٍ، لَيْسَ بِقَيْدٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَنْهَجِ وَغَيْرِهِ.
وَهَذَا التَّعْمِيمُ فِي الرَّجْعِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَأَمَّا الْبَائِنُ فَإِنْ عَاشَرَهَا بِلَا وَطْءٍ فَإِنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي فَإِنْ كَانَ يَطَؤُهَا فَهِيَ كَالرَّجْعِيَّةِ فَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا، فَإِذَا أَرَادَتْ التَّزْوِيجَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْحَاكِمُ ثُمَّ تَعْتَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ وَطْأَهَا زِنًا وَوَطْءُ الزِّنَا لَا يُؤَثِّرُ فَمُقْتَضَاهُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ مَعَ الْوَطْءِ تَدَبَّرْ.
قَوْلُهُ: (وَلَا رَجْعَةَ لَهُ بَعْدَ الْأَقْرَاءِ إلَخْ) أَيْ احْتِيَاطًا فِيهِمَا أَوْ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْمُفْتَى بِهِ وَحِينَئِذٍ فَهِيَ كَالْبَائِنِ بَعْدَ مُضِيِّ عِدَّتِهَا الْأَصْلِيَّةِ إلَّا فِي لُحُوقِ الطَّلَاقِ خَاصَّةً فَلَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا إيلَاءٌ وَلَا ظِهَارٌ وَلَا لِعَانٌ وَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا كِسْوَةَ وَتَجِبُ لَهَا السُّكْنَى، وَلَا يُحَدُّ بِوَطْئِهَا كَمَا رَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ فِي النَّفَقَةِ وَأَفْتَى بِجَمِيعِهَا الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - شَرْحُ م ر. وَاعْتَمَدَ الطُّوخِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ نَحْوَ أُخْتِهَا وَأَرْبَعًا سِوَاهَا، وَاعْتَمَدَ الشَّيْخُ سُلْطَانُ خِلَافَهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي عَدَمِ الرَّجْعَةِ، أَيْ فَقَالَ لَهُ الرَّجْعَةُ بَعْدَ مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (وَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ) أَيْ قَوْلِهِ مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا.
قَوْلُهُ: (فَحَمَلَتْ) فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ فَتُقَدِّمُ عِدَّةَ الطَّلَاقِ فَتَكُونُ فِي عِدَّتِهِ.
قَوْلُهُ:
وَشَرْطٌ فِي الْمُرْتَجَعِ وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي الِاخْتِيَارُ وَأَهْلِيَّةُ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَى إذْنٍ فَتَصِحُّ رَجْعَةُ سَكْرَانَ وَسَفِيهٍ وَمُحْرِمٍ لَا مَجْنُونٍ وَمُكْرَهٍ وَلِوَلِيِّ مَنْ جُنَّ وَقَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ طَلَاقُ رَجْعَةٍ حَيْثُ يُزَوِّجُهُ بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ.
وَشَرْطٌ فِي الصِّيغَةِ وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّالِثُ لَفْظٌ يُشْعِرُ بِالْمُرَادِ بِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا مَرَّ فِي الضَّمَانِ وَذَلِكَ إمَّا صَرِيحٌ وَهُوَ رَدَدْتُكِ إلَيَّ وَرَجَعْتُك وَارْتَجَعْتُك وَرَاجَعْتُك وَأَمْسَكْتُك لِشُهْرَتِهَا فِي ذَلِكَ وَوُرُودِهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَفِي مَعْنَاهَا سَائِرُ مَا اُشْتُقَّ مِنْ مَصَادِرِهَا كَأَنْتِ مُرَاجَعَةٌ.
وَمَا كَانَ بِالْعَجَمِيَّةِ وَإِنْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ، وَإِمَّا كِنَايَةً كَتَزَوَّجْتُكِ وَنَكَحْتُك وَيُشْتَرَطُ فِيهَا تَنْجِيزٌ وَعَدَمُ تَأْقِيتٍ، فَلَوْ قَالَ: رَاجَعْتُكِ إنْ شِئْتِ فَقَالَتْ: شِئْتُ، أَوْ رَاجَعْتُك شَهْرًا لَمْ تَحْصُلْ الرَّجْعَةُ
[حاشية البجيرمي]
مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي عِدَّتِهِ) ؛ لِأَنَّ عِدَّةَ وَطْءِ الشُّبْهَةِ مُقَدَّمَةٌ حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ: (وَشَرْطٌ فِي الْمُرْتَجِعِ إلَخْ) هَذَا فِي الْمَعْنَى مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: بَدَأَ بِشُرُوطِ الْمَحَلِّ وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ لِيَكُونَ الْكَلَامُ عَلَى الْأَرْكَانِ كُلِّهَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَوَقَّفَ) أَيْ النِّكَاحُ عَلَى إذْنٍ أَيْ فَلَا تَتَوَقَّفُ الرَّجْعَةُ مِنْ الْعَبْدِ وَالسَّفِيهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا اسْتِدَامَةٌ فَيُغْتَفَرُ فِيهَا ذَلِكَ وَإِنْ تَوَقَّفَ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهِمَا عَلَى إذْنِ مَالِكِ أَمْرِهِمَا.
قَوْلُهُ: (فَتَصِحُّ رَجْعَةُ سَكْرَانَ) أَيْ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا ع ش.
قَوْلُهُ: (وَسَفِيهٍ) أَيْ وَعَبْدٍ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ وَالسَّيِّدِ.
اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (وَمُحْرِمٍ) وَمِثْلُهُ مَنْ طَلَّقَ أَمَةً وَتَحْتَهُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ؛ لِأَنَّهَا دَوَامٌ كَمَا مَرَّ وَهُمَا أَهْلٌ لِلنِّكَاحِ فِي الْجُمْلَةِ.
وَوَجْهُ إدْخَالِ الْمُحْرِمِ أَنَّهُ أَهْلٌ لِلنِّكَاحِ وَإِنَّمَا الْإِحْرَامُ مَانِعٌ أَيْ فَهُوَ أَهْلٌ لِلنِّكَاحِ فِي الْجُمْلَةِ.
لَا يُقَالُ هَذَا يَصْدُقُ بِالْمُرْتَدِّ فَيُقَالُ إنَّهُ أَهْلٌ لِلنِّكَاحِ فِي الْجُمْلَةِ لَوْلَا الرِّدَّةُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَالرِّدَّةِ فَرْقٌ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُزِيلُ أَثَرَ النِّكَاحِ كَمَا سَيُصَرَّحُ بِهِ بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ مَانِعٌ كَلَا مَانِعٍ قَالَهُ ح ل، وَصَحَّتْ رَجْعَةُ الْمُحْرِمِ لِإِفَادَتِهَا نَوْعًا مِنْ الْحِلِّ كَالنَّظَرِ وَالْخَلْوَةِ اهـ.
قَوْلُهُ: (لَا مَجْنُونٍ) بِأَنْ طَلَّقَ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ أَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ وَوُجِدَتْ حَالَ جُنُونِهِ اهـ س ل.
قَوْلُهُ: (وَمُكْرَهٍ) وَنَائِمٍ وَمُبَرْسَمٍ وَمَعْتُوهٍ.
قَوْلُهُ: (وَلِوَلِيِّ مَنْ جُنَّ) أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ جَوَازٌ بَعْدَ امْتِنَاعٍ، قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: وَانْظُرْ إذَا طَلَّقَ الصَّبِيُّ وَحَكَمَ الْحَنْبَلِيُّ بِصِحَّةِ طَلَاقِهِ هَلْ لِوَلِيِّهِ الرَّجْعَةُ حَيْثُ يُزَوِّجُهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ قِيَاسِ الْمَجْنُونِ اهـ. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ الرَّجْعَةَ قِيَاسًا عَلَى ابْتِدَاءِ النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَ بَائِنًا عِنْدَ الْحَنْبَلِيِّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّعَدِّي إلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا وَهُوَ عَدَمُ الرَّجْعَةِ، فَإِنْ كَانَ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ وَبِمُوجِبِهِ وَكَانَ مِنْ مُوجِبِهِ عِنْدَهُ امْتِنَاعُ الرَّجْعَةِ احْتَاجَ فِي رَدِّهَا إلَى عَقْدٍ جَدِيدٍ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَيْهِ) اقْتَضَى هَذَا وُجُوبَ الرَّجْعَةِ لَهُ كَابْتِدَاءِ النِّكَاحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَجِبُ لِإِمْكَانٍ أَنْ يُزَوِّجَهُ غَيْرَهَا، وَنُظِرَ فِيهِ بِأَنَّ فِيهِ غَرَامَةً لِصَدَاقٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ وَالْوَلِيُّ مَمْنُوعٌ مِنْ مِثْلِهِ فَتَأَمَّلْ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ مَعْنَاهُ مَا مَرَّ) الَّذِي مَرَّ الْكِتَابَةُ وَإِشَارَةُ الْأَخْرَسِ.
قَوْلُهُ: (إلَيَّ) هُوَ شَرْطٌ فِي رَدَدْتُكِ فَقَطْ فَإِنَّ الْفِعْلَ بِدُونِهَا مُجْمَلٌ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ رَدَّهَا عَلَى أَهْلِهَا فَلَمْ يَقْبَلْهَا فَيَحْتَاجُ لِلْمُتَعَلِّقِ، بِخِلَافِ بَاقِي الصِّيَغِ وَمِثْلُ إلَيَّ: إلَى نِكَاحِي.
وَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرَهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِضَافَةِ إلَيْهَا بِاسْمٍ ظَاهِرٍ كَزَيْنَبِ أَوْ ضَمِيرٍ أَوْ اسْمِ إشَارَةٍ كَهَذِهِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ وم ر: وَيُسَنُّ فِي ذَلِكَ الْإِضَافَةُ كَأَنْ يَقُولَ إلَيَّ أَوْ إلَى نِكَاحِي إلَّا رَدَدْتُكِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ وَحْدَهُ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ إلَى الْفَهْمِ ضِدُّ الْقَبُولِ فَقَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ الرَّدُّ إلَى أَهْلِهَا بِسَبَبِ الْفِرَاقِ، فَاشْتُرِطَ ذَلِكَ فِي صَرَاحَتِهِ خِلَافًا لِجَمْعٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَرَجَعْتُكِ) بِتَخْفِيفِ الْجِيمِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ﴾ [التوبة: 83] وَمِثْلُهُ رَاجَعْت زَوْجَتِي إلَى عَقْدِ نِكَاحِي.
قَالَ ز ي: وَاسْتُشْكِلَ قَوْلُ الْمُرْتَجِعِ رَاجَعْت زَوْجَتِي إلَى نِكَاحِي مَعَ أَنَّ الْمُرْتَجَعَةَ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ نِكَاحِهِ بَلْ هِيَ زَوْجَةٌ حُكْمًا فِي النَّفَقَةِ وَغَيْرِهَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ رَاجَعْتهَا إلَى نِكَاحٍ كَامِلٍ غَيْرِ صَائِرٍ لِبَيْنُونَةٍ بِانْقِضَاءِ عِدَّةٍ.
قَالَ ح ل: فَلَوْ أَسْقَطَ الضَّمِيرَ نَحْوُ رَاجَعْت كَانَ لَغْوًا اهـ. قَالَ ع ش عَلَى م ر: وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْهُ مَا لَوْ وَقَعَ جَوَابًا لِقَوْلِ شَخْصٍ لَهُ أَرَاجَعْتَ امْرَأَتَكَ الْتِمَاسًا كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الطَّلَاقِ اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَحَقُّقُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَلَوْ شَكَّ فِيهِ فَرَاجَعَ احْتِيَاطًا ثُمَّ اتَّضَحَ لَهُ الْحَالُ صَحَّ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعُقُودِ بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُكْتَفَ بِالْوُضُوءِ فِيمَنْ شَكَّ ثُمَّ بَانَ حَدَثُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ جَازِمًا بِالنِّيَّةِ
وَسُنَّ إشْهَادٌ عَلَيْهَا خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ اسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ السَّابِقِ وَإِنَّمَا وَجَبَ الْإِشْهَادُ عَلَى النِّكَاحِ لِإِثْبَاتِ الْفِرَاشِ وَهُوَ ثَابِتٌ هُنَا.
[حاشية البجيرمي]
وَالْعِبَادَاتُ يُعْتَبَرُ لِصِحَّتِهَا مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَعَ ظَنِّ الْمُكَلَّفِ لِئَلَّا يَكُونَ مُتَرَدِّدًا فِي النِّيَّةِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَأَمْسَكْتُكِ) وَإِنْ لَمْ يَقُلْ إلَيَّ أَوْ إلَى نِكَاحِي عَلَى الْمُعْتَمَدِ ق ل. وَنَبَّهَ الزَّرْكَشِيّ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ أَشْهَرُ فِي مَعْنَى الرَّجْعَةِ مِنْ الْإِمْسَاكِ وَإِنْ كَانَ الْإِمْسَاكُ مُتَكَرِّرًا فِي الْقُرْآنِ بِخِلَافِ الرَّدِّ، وَيَجُوزُ مَسَكْتُكِ فِي لُغَةٍ وَلَوْ قَالَ اخْتَرْت رَجْعَتَك فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ؛ قَالَهُ النَّوَوِيُّ.
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقُولَ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ اشْهَدُوا عَلَيَّ أَنِّي رَاجَعْت زَوْجَتِي.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (وَوُرُودِهَا) أَيْ وُرُودِ مَجْمُوعِهَا وَهُوَ الرَّدُّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228] وَالْإِمْسَاكُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: 229] وَالرَّجْعَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: 230] . قَوْلُهُ: (سَائِرُ مَا اُشْتُقَّ مِنْ مَصَادِرِهَا) أَيْ مِمَّا هُوَ مُنَاسِبٌ لَهُ أَوْ لَهَا، فَلَوْ قَالَ أَنْتِ مُرَاجِعَةٌ بِكَسْرِ الْجِيمِ أَوْ أَنَا مُرَاجَعٌ بِفَتْحِهَا كَانَ لَغْوًا.
اهـ. ح ل، وَأَمَّا الْمَصَادِرُ فَكِنَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْتِ مُرَاجَعَةٌ) أَوْ مُرْتَجَعَةٌ وَيَقُومُ مَقَامَ الضَّمِيرِ هَذِهِ أَوْ فُلَانَةُ وَلَوْ حَاضِرَةٌ فَلَا يَكْفِي رَاجَعْتُ فَقَطْ؛ وَهَلْ يَكْفِي الْإِضَافَةُ إلَى جُزْئِهَا؟ رَاجِعْهُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَأَقُولُ: رَاجَعْتُهُ فَوَجَدْتُ ع ش صَرَّحَ بِمَا نَصُّهُ: وَلَوْ أَضَافَ الرَّجْعَةَ إلَى بَعْضِهَا كَأَنْ قَالَ رَاجَعْت يَدَكِ أَوْ رِجْلَكِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ تَوْقِيتُهُ وَلَا تَعْلِيقُهُ لَا يَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَى الْجُزْءِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَمَا كَانَ بِالْعَجَمِيَّةِ وَإِنْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ) وَعَلَى هَذَا إذَا أَتَى بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ هَلْ مَا كَانَ صَرِيحًا بِالْعَرَبِيَّةِ إذَا أَتَى بِهِ بِالْعَجَمِيَّةِ يَكُونُ صَرِيحًا أَوْ يَكُونُ كِنَايَةً وَتَكُونُ الْكِنَايَةُ كِنَايَةً بَاقِيَةً عَلَى حَالِهَا، سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ شَيْخُنَا فِي دَرْسِهِ وَتَحَرَّرَ أَنَّ الصَّرِيحَ بِالْعَرَبِيَّةِ إذَا أَتَى بِهِ بِالْعَجَمِيَّةِ يَكُونُ صَرِيحًا وَالْكِنَايَةَ كِنَايَةٌ اهـ. خ ض.
قَوْلُهُ: (كَتَزَوَّجْتُكِ) أَيْ سَوَاءٌ جَرَى ذَلِكَ فِي عَقْدٍ أَمْ لَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ كِنَايَةً، فَإِذَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَلِيِّ عَقْدُ النِّكَاحِ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ فَهُوَ كِنَايَةٌ فِي الرَّجْعَةِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ صَرِيحًا فِي شَيْءٍ لَا يَكُونُ صَرِيحًا فِي غَيْرِهِ كَالطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ، فَإِنْ نَوَى فِيمَا إذَا عَقَدَ عَلَى الرَّجْعِيَّةِ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ الرَّجْعَةَ حَصَلَتْ وَإِلَّا فَلَا وَلَا يَلْزَمُ الْمَالُ الَّذِي عَقَدَ بِهِ اهـ م د.
قَوْلُهُ: (وَنَكَحْتُكِ) أَيْ أَوْ رَفَعْتُ التَّحْرِيمَ وَاخْتَرْتُ رَجْعَتَك أَوْ أَعَدْت حِلَّك سم.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ فِيهَا) أَيْ الصِّيغَةِ.
قَوْلُهُ: (إنْ شِئْتِ) أَيْ بِكَسْرِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ، أَمَّا إذَا ضَمَّ التَّاءَ مِنْ شِئْتُ فَيَصِحُّ أَوْ فَتَحَ الْهَمْزَةَ مِنْ إنْ أَوْ أَبْدَلَهَا بِإِذْ صَحَّتْ الرَّجْعَةُ لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّحْوِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ يُفَرَّقُ بَيْنَ النَّحْوِيِّ وَغَيْرِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا ذَكَرَهُ ز ي.
قَوْلُهُ: (شَهْرًا) هَلْ مِثْلُهُ مَا لَوْ أَتَى بِمَا يُبْعِدُ بَقَاءَ الدُّنْيَا إلَيْهِ، وَكَذَا فِي ح ل، وَفِي ع ش عَلَى م ر: قَوْلُهُ وَعَدَمُ تَوْقِيتٍ شَمَلَ مَا لَوْ قَالَ رَاجَعْتُكِ بَقِيَّةَ عُمْرِك فَلَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ، وَقَدْ يُقَالُ بِصِحَّتِهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ رَاجَعَهَا بَقِيَّةَ حَيَاتِهَا.
قَوْلُهُ: (وَسُنَّ إشْهَادٌ عَلَيْهَا) سَوَاءٌ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ وَهُوَ وَاضِحٌ أَوْ كِنَايَةٍ عَلَى اللَّفْظِ الْمَنْطُوقِ بِهِ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ، وَيُسَنُّ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهَا أَيْضًا وَيُثَابُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إرْشَادٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِمَحْضِ الْإِرْشَادِ ق ل، فَلَوْ عَلِمْنَا بِالطَّلَاقِ وَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ وَعَاشَرَهَا وَادَّعَى أَنَّهُ رَاجَعَهَا فَلَا يُصَدَّقُ وَلَا يُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَهَذَا هُوَ فَائِدَةُ سُنِّيَّةِ الْإِشْهَادِ.
قَوْلُهُ: (خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ) وَهُوَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَقَوْلٌ قَدِيمٌ فِي الْأُمِّ، وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ وُجُوبُ الِاشْتِرَاطِ وَاسْتِحْبَابُهُ كَمَا فِي شَرْحِ الدَّمِيرِيِّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ اسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ) أَيْ فِي غَالِبِ الْأَحْكَامِ، وَلِذَلِكَ لَا يَحْنَثُ بِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُرَاجِعُ حَنِثَ بِرَجْعَتِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ ق ل. وَانْظُرْ مَعْنَى هَذِهِ الظَّرْفِيَّةِ وَمَا مَعْنَى كَوْنِهَا فِي حُكْمِ الِاسْتِدَامَةِ مَعَ أَنَّهَا اسْتِدَامَةٌ، وَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: لِأَنَّهَا اسْتِدَامَةٌ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لِإِثْبَاتِ الْفِرَاشِ) الْمُرَادُ بِهِ الزَّوْجِيَّةُ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ الشَّارِحُ فِي بَابِ اللِّعَانِ، فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ اُسْتُحِبَّ الْإِشْهَادُ عِنْدَ إقْرَارِهَا بِالرَّجْعَةِ خَوْفَ جُحُودِهَا.
وَلَوْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ وَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ رَاجَعَهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا وَأَنْكَرَتْ الزَّوْجَةُ الرَّجْعَةَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَلَا يُصَدَّقُ الزَّوْجُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَلَوْ صَدَّقَتْهُ الزَّوْجَةُ فِي ذَلِكَ فَلَا يُشْتَرَطُ الْبَيِّنَةُ.
اهـ. ع ش.
تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَحْصُلُ بِفِعْلٍ غَيْرِ الْكِتَابَةِ وَإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ الْمُفْهِمَةِ كَوَطْءٍ وَمُقَدَّمَاتِهِ وَإِنْ نَوَى بِهِ الرَّجْعَةَ لِعَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَيْهَا.
(فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا) بِوَضْعِ حَمْلٍ أَوْ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ (كَانَ لَهُ) إعَادَةُ (نِكَاحِهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ) بِشُرُوطِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي بَابِهِ لِبَيْنُونَتِهَا حِينَئِذٍ وَحَلَفَتْ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِغَيْرِ أَشْهُرٍ مِنْ أَقْرَاءٍ أَوْ وَضْعٍ إذَا أَنْكَرَهُ الزَّوْجُ فَتُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ إنْ أَمْكَنَ وَإِنْ خَالَفَتْ عَادَتَهَا؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ مُؤْتَمَنَاتٌ عَلَى أَرْحَامِهِنَّ.
وَخَرَجَ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ غَيْرُهُ كَنَسَبٍ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (قَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ) أَيْ مِنْ أَنَّ الصِّيغَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ لَفْظًا أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ ح ل.
قَوْلُهُ: (غَيْرِ الْكِتَابَةِ وَإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُمَا مُلْحَقَانِ بِالْقَوْلِ فِي كَوْنِهِمَا كِنَايَتَيْنِ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (الْمُفْهِمَةِ) فَإِنْ فَهِمَهَا كُلُّ أَحَدٍ فَهِيَ صَرِيحَةٌ وَإِلَّا فَكِنَايَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِهَا الرَّجْعَةُ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَوَطْءٍ) مِثَالٌ لِمَا لَا تَحْصُلُ بِهِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهَا تَحْصُلُ بِهِ عِنْدَهُ، فَلَوْ كَانَتْ شَافِعِيَّةً فَوَطِئَهَا وَهُوَ حَنَفِيٌّ فَلَهُ الطَّلَبُ وَعَلَيْهَا الْهَرَبُ وَعَلَيْهِ بِهِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَإِنْ رَاجَعَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهَا فِي تَحْرِيمِ الْوَطْءِ كَالْبَائِنِ، فَكَذَا فِي الْمَهْرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ فِي رِدَّتِهَا أَوْ رِدَّتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَتْ أَوْ أَسْلَمَ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يُزِيلُ أَثَرَ الرِّدَّةِ وَالرَّجْعَةَ لَا تُزِيلُ أَثَرَ الطَّلَاقِ، قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ: " مَهْرُ الْمِثْلِ " أَيْ مَهْرُ بِكْرٍ إنْ كَانَتْ بِكْرًا وَمَهْرُ ثَيِّبٍ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ عَلِمَتْ بِالتَّحْرِيمِ قَالَ شَيْخُنَا وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ عَقْدُ وَاحِدٍ أَوْجَبَ مَهْرَيْنِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُوجِبَ مُخْتَلِفٌ؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْأَوَّلِ نَفْسُ الْعَقْدِ وَالْمُوجِبَ لِلثَّانِي وَطْءُ الشُّبْهَةِ.
قَالَ ح ل: وَلَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ لِاتِّحَادِ الشُّبْهَةِ مَا لَمْ يَدْفَعْ مَهْرَ الْأَوَّلِ قَبْلَ الْوَطْءِ الثَّانِي اهـ.
تَنْبِيهٌ: الرَّجْعِيَّةُ زَوْجَةٌ فِي خَمْسِ آيَاتٍ: الْأُولَى فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: 12] الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241] الثَّالِثَةُ: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: 3] الرَّابِعَةُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: 226] الْخَامِسَةُ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] .
قَوْلُهُ: (وَإِنْ نَوَى بِهِ الرَّجْعَةَ) نَعَمْ لَوْ صَدَرَ ذَلِكَ مِنْ كَافِرٍ وَاعْتَقَدَهُ رَجْعَةً ثُمَّ أَسْلَمُوا وَتَرَافَعُوا إلَيْنَا أَقْرَرْنَاهُمْ كَمَا نُقِرُّهُمْ عَلَى الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ، بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ دَوَامٌ فَيُتَوَسَّعُ فِيهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَرَافَعَ حَنَفِيَّانِ فَلَا نُقِرُّهُمْ إلَّا إنْ حَكَمَ لَهُمَا حَاكِمٌ بِصِحَّتِهِ بِرْمَاوِيٌّ مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ) قَيْدٌ أَوَّلٌ وَقَوْلُهُ (بِغَيْرِ أَشْهُرٍ) قَيْدٌ ثَانٍ، وَقَوْلُهُ (إنْ أَمْكَنَ) قَيْدٌ ثَالِثٌ، وَكَذَا تُصَدَّقُ فِي بَقَاءِ الْعِدَّةِ، وَإِنْ وَصَلَتْ إلَى سِنِّ الْيَأْسِ وَلَهَا النَّفَقَةُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَقْرَاءٍ) وَلَوْ بِاسْتِعْجَالِهَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ وَضْعٍ) وَإِنْ اسْتَعْجَلَتْهُ بِدَوَاءٍ وَيَحْرُمُ إنْ نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ، وَإِلَّا فَيُكْرَهُ، وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ كَتْمُهُ عَنْ النِّسَاءِ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (إذَا أَنْكَرَهُ الزَّوْجُ) خَرَجَ مِمَّا لَوْ مَاتَ فَتَعْتَدُّ لِوَفَاةٍ وَلَا تُصَدَّقُ فِي انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا قَبْلَ مَوْتِهِ وَلَا تَرِثُهُ، وَقَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا صُدِّقَتْ وَلَوْ مَاتَتْ فَادَّعَى وَارِثُهَا الِانْقِضَاءَ قَبْلَ مَوْتِهَا صُدِّقَ الْوَارِثُ فِي عِدَّةِ أَشْهُرٍ ق ل وَبِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَتُصَدَّقُ) أَيْ بِيَمِينِهَا كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا النِّكَاحُ وَلَهَا النَّفَقَةُ عَمَلًا بِإِنْكَارِهِ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَالَفَتْ عَادَتَهَا) أَيْ فِي الْحَيْضِ بِأَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا فِي كُلِّ شَهْرَيْنِ حَيْضَةً فَادَّعَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ حَيْضَةً ح ف.
قَوْلُهُ: (مُؤْتَمَنَاتٌ عَلَى أَرْحَامِهِنَّ) حَيْضًا.
وَحَمْلًا، وَالْمُؤْتَمَنُ عَلَى الشَّيْءِ يُصَدَّقُ فِيهِ بِيَمِينِهِ.
قَوْلُهُ: (كَنَسَبٍ) صُورَتُهُ أَنْ تَأْتِيَ بِوَلَدٍ فَيَقُولَ الزَّوْجُ هُوَ مُسْتَعَارٌ وَلَمْ تَلِدِيهِ فَيُصَدَّقُ الزَّوْجُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى وِلَادَتِهَا، وَأَمَّا إذَا وَافَقَهَا عَلَى أَنَّهَا وَلَدَتْهُ وَأَنْكَرَ كَوْنَهُ مِنْهُ فَإِنَّهَا تُصَدَّقُ وَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ إلَّا بِاللِّعَانِ بَعْدَ النَّفْيِ، وَقَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
فَإِنْ قُلْتَ: النِّسَاءُ مُؤْتَمَنَاتٌ عَلَى ذَلِكَ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا لَمَّا تَعَلَّقَ بِالْغَيْرِ لَمْ يُقْبَلْنَ فِيهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَعِبَارَةُ سم: قَوْلُهُ كَنَسَبٍ أَيْ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا.
لَا يُقَالُ هَذَا يُخَالِفُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَتَتْ الزَّوْجَةُ بِوَلَدٍ لِلْإِمْكَانِ لَحِقَهُ وَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ إلَّا بِنَفْيِهِ بِشَرْطِهِ وَهُوَ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا مُخَالَفَةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا سَلَّمَ أَنَّهَا أَتَتْ بِهِ وَمَا هُنَا
وَاسْتِيلَادٍ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَبِغَيْرِ الْأَشْهُرِ انْقِضَاؤُهَا بِالْأَشْهُرِ، وَبِالْإِمْكَانِ مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ أَوْ غَيْرُهُ، فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ وَيُمْكِنُ انْقِضَاؤُهَا بِوَضْعٍ لِتَمَامٍ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَحْظَتَيْنِ مِنْ حِينِ إمْكَانِ اجْتِمَاعِهِمَا بَعْدَ النِّكَاحِ وَلِمُصَوَّرٍ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا
[حاشية البجيرمي]
فِيمَا إذَا أَنْكَرَ إتْيَانَهَا بِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَاسْتِيلَادٍ) ذِكْرُهُ هُنَا اسْتِطْرَادِيٌّ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الرَّجْعَةِ لَا فِي الِاسْتِيلَادِ.
وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ تَدَّعِيَ الْأَمَةُ أَنَّ السَّيِّدَ وَطِئَهَا وَأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِنْهُ وَيُنْكِرُ السَّيِّدُ الْوَطْءَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى إقْرَارِ السَّيِّدِ بِأَنَّهُ وَطِئَ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مُحَقَّقٌ فَلَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) أَيْ عَلَى الْوِلَادَةِ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ مِنْ إمْكَانِ الْوَطْءِ يُمْكِنُ فِيهَا ذَلِكَ فِي النَّسَبِ وَبَعْدَ إقْرَارِهِ بِالْوَطْءِ بِالنِّسْبَةِ لِلِاسْتِيلَادِ.
قَوْلُهُ: (وَبِغَيْرِ الْأَشْهُرِ انْقِضَاؤُهَا بِالْأَشْهُرِ) فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، وَلَوْ انْعَكَسَتْ الصُّورَةُ فَادَّعَى الِانْقِضَاءَ وَقَالَ طَلَّقْتُك فِي رَمَضَانَ فَقَالَتْ بَلْ فِي شَوَّالٍ صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا؛ لِأَنَّهَا غَلَّظَتْ عَلَى نَفْسِهَا؛ كَذَا قَالَاهُ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ خَاصَّةً وَأَمَّا النَّفَقَةُ فِي الْمُدَّةِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَا يَقُولُهُ الزَّوْجُ فَإِنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّهَا كَمَا ذَكَرُوهُ فِي الْعِدَّةِ وَصَرَّحَ بِهِ هُنَا صَاحِبُ الشَّامِلِ وَالْكَافِي وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ نَصِّ الْإِمْلَاءِ ق ل. وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا، وَحَكَى فِي الْحَاوِي فِي النَّفَقَةِ وَجْهَيْنِ اهـ خ ض.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرُهُ) أَيْ كَقُرْبِ الزَّمَنِ مِنْ الطَّلَاقِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ) وَاضِحٌ فِي الْآيِسَةِ، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَكَانَ يَنْبَغِي تَصْدِيقُهُ بِلَا يَمِينٍ.
وَجَعْلُ الْآيِسَةِ لَا يُمْكِنُ حَيْضُهَا مَحَلُّ نَظَرٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى حَيْضِهَا قَبُولُ قَوْلِهَا وَإِنْ خَالَفَتْ الْعَادَةَ فَكَيْفَ يَنْتَفِي الْإِمْكَانُ لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ اسْتِقْرَاءَ حَدِّ الْيَأْسِ نَاقِصٌ؟ وَمَا دَامَتْ الْمَرْأَةُ حَيَّةً فَحَيْضُهَا مُمْكِنٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْيَأْسُ يُقَوِّي جَانِبَ الزَّوْجِ فَيُصَدَّقُ.
قَوْلُهُ: (وَيُمْكِنُ انْقِضَاؤُهَا بِوَضْعٍ لِتَمَامِ إلَخْ) وَلَا بُدَّ مِنْ انْفِصَالِ جَمِيعِ الْحَمْلِ حَتَّى لَوْ خَرَجَ بَعْضُهُ فَرَاجَعَهَا صَحَّتْ الرَّجْعَةُ، وَلَوْ وَلَدَتْ ثُمَّ رَاجَعَهَا ثُمَّ وَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ صَحَّتْ وَإِلَّا فَلَا اهـ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ) أَيْ عَدَدِيَّةٍ لَا هِلَالِيَّةٍ، أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي فِي الْمِائَةِ وَالْعِشْرِينَ.
قَوْلُهُ: (وَلَحْظَتَيْنِ) أَيْ لَحْظَةٍ لِلْوَطْءِ وَلَحْظَةٍ لِلْوَضْعِ، فَلَوْ أَتَتْ بِهِ تَامًّا لِدُونِ ذَلِكَ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا وَلَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِهِ؛ لِأَنَّا نَحْكُمُ بِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِ.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَكَانَ أَقَلُّهُ ذَلِكَ لِمَا اسْتَنْبَطَهُ الْعُلَمَاءُ اتِّبَاعًا لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: 15] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: 14] اهـ.
قَالَ شَيْخُنَا، أَيْ فَإِذَا كَانَ فِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ وَهُمَا مُدَّةُ الرَّضَاعِ كَانَ الْبَاقِي وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ مُدَّةَ الْحَمْلِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ حِينِ إمْكَانِ اجْتِمَاعِهِمَا) أَيْ عَادَةً وَلَا نَظَرَ لِإِمْكَانِهِ خَرْقًا لِلْعَادَةِ مِنْ نَحْوِ وَلِيٍّ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلِمُصَوَّرٍ) أَيْ وَلَدٌ مُصَوَّرٌ أَيْ فِيهِ صُورَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ خَفِيَّةٌ بِقَوْلِ الْقَوَابِلِ، وَهَذِهِ يَثْبُتُ بِهَا الِاسْتِيلَادُ وَيَجِبُ فِيهَا لِغُرَّةٍ ق ل. قَوْلُهُ: (بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا) عَبَّرُوا بِهَا دُونَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ هُنَا بِالْعَدَدِ دُونَ الْأَهِلَّةِ شَرْحُ م ر. قَالَ سم فِي حَاشِيَةِ الْمَنْهَجِ بَعْدَ قَوْلِهِ " بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا ": ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْعَدَدِ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِي ثَمَانِينَ، وَكَذَا نَقَلَهُ فِي الشَّامِلِ وَالْحَاوِي، وَنَقَلَ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَيَشْهَدُ لَهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ اهـ بُرُلُّسِيٌّ.
وَقَالَ م ر: فِي شَرْحِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلِمُصَوَّرٍ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» اهـ.
وَقَوْلُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ يُجْمَعُ خَلْقُهُ أَيْ مَادَّةُ خَلْقِهِ وَهُوَ الْمَنِيُّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَفِي رِوَايَةٍ: «إنَّ النُّطْفَةَ إذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ مِنْهَا بَشَرًا طَارَتْ تَحْتَ كُلِّ ظُفْرٍ وَشَعْرٍ وَعِرْقٍ وَعُضْوٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى» وَفِي رِوَايَةٍ: «إنَّهَا تَمْكُثُ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ تَصِيرُ دَمًا فِي الرَّحِمِ فَذَلِكَ جَمْعُهَا، ثُمَّ يَكُونُ عَقِبَ تِلْكَ الْأَرْبَعِينَ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ عَلَقَةً أَيْ قِطْعَةَ دَمٍ تَجَمَّدُ شَيْئًا فَشَيْئًا مِثْلَ ذَلِكَ أَيْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَقِبَ هَذِهِ الْأَرْبَعِينَ الثَّانِيَةِ تَكُونُ أَيْضًا فِي هَذَا الْمَحَلِّ مُضْغَةً أَيْ قِطْعَةَ لَحْمٍ قَدْرَ مَا يُمْضَغُ وَتَقْوَى شَيْئًا فَشَيْئًا مِثْلَ ذَلِكَ أَيْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَقِبَ هَذِهِ الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ يُرْسِلُ اللَّهُ الْمَلَكَ الْمُوَكَّلَ بِالرَّحِمِ مِنْ
وَلَحْظَتَيْنِ وَلِمُضْغَةٍ بِثَمَانِينَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ، وَبِأَقْرَاءٍ لِحُرَّةٍ طَلُقَتْ فِي طُهْرٍ سُبِقَ بِحَيْضٍ بِاثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ وَفِي حَيْضٍ بِسَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلَحْظَةٍ، وَلِغَيْرِ حُرَّةٍ طَلُقَتْ فِي طُهْرٍ سُبِقَ بِحَيْضٍ، بِسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ وَفِي حَيْضٍ بِإِحْدَى وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَحْظَةٍ.
[حاشية البجيرمي]
الِابْتِدَاءِ يَقُولُ أَيْ رَبِّ نُطْفَةً أَيْ رَبِّ عَلَقَةً أَيْ رَبِّ مُضْغَةً، فَيَنْفُخُ فِيهِ بَعْدَ تَشَكُّلِهِ عَلَى هَيْئَةِ الْإِنْسَانِ الرُّوحَ وَهُوَ مَا يَعِيشُ بِهِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى» . وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ إرْسَالَ الْمَلَكِ فِي أَوَّلِ الْأَرْبَعِينَ الرَّابِعَةِ، وَفِي أُخْرَى فِي الثَّانِيَةِ، وَفِي أُخْرَى فِي الثَّالِثَةِ، وَفِي أُخْرَى فِي الْأُولَى.
قَدْ انْتَشَرَتْ أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ وَقَعَ الْجَمْعُ بَيْنَهَا بِأَقْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ: مِنْهَا أَنَّهُ بَعْدَ الْأُولَى لِتَصْوِيرِهِ الْخَفِيِّ، وَالثَّانِيَةِ: لِتَصْوِيرِهِ الظَّاهِرِ، وَالثَّالِثَةِ: لِتَشَكُّلِهِ، وَالرَّابِعَةِ: لِنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ بَعْدَ الْأُولَى لِمَبَادِي تَخْطِيطِهِ الْخَفِيِّ، وَبَعْدَ الثَّانِيَةِ لِمَبَادِي تَخْطِيطِهِ الظَّاهِرِ، وَبَعْدَ الثَّالِثَةِ لِمَبَادِي تَشَكُّلِهِ، وَهَكَذَا وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَاضْطِرَابِ الْأَقْوَالِ فِيهِ، فَإِنَّهُ زُبْدَةُ مَا يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ، وَتَعْبِيرُ الْأَحَادِيثِ بِثُمَّ الْمُقْتَضِيَةِ التَّرَاخِيَ مُؤَوَّلٌ فَرَاجِعْهُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (وَلِمُضْغَةٍ) أَيْ وَلَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ الْقَوَابِلِ أَنَّهَا أَصْلُ آدَمِيٍّ وَإِلَّا لَمْ تَنْقَضِ بِهَا الْعِدَّةُ كَالْعَلَقَةِ، وَيَثْبُتُ بِهَا حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ إذْ شَهِدْنَ بِأَنَّهَا أَصْلُ آدَمِيٍّ مِنْ الْأَحْكَامِ وُجُوبُ الْغُسْلِ، وَثُبُوتُ النِّفَاسِ وَفِطْرُ الصَّائِمَةِ ق ل.
قَوْلُهُ: (بِثَمَانِينَ يَوْمًا) وَيُشْتَرَطُ هُنَا شَهَادَةُ الْقَوَابِلِ أَنَّهَا أَصْلُ آدَمِيٍّ وَإِلَّا لَمْ تَنْقَضِ بِهَا الْعِدَّةُ شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ: " شَهَادَةُ الْقَوَابِلِ " أَيْ أَرْبَعٌ مِنْهُنَّ وَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِوَاحِدَةٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِمْ لِمَنْ غَابَ زَوْجُهَا وَأَخْبَرَهَا عَدْلٌ أَنْ تَتَزَوَّجَ بَاطِنًا؛ وَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا هُنَا مِنْ اشْتِرَاطِ الْأَرْبَعِ عَلَى الظَّاهِرِ كَمَا لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ عِنْدَ حَاكِمٍ دُونَ الْبَاطِنِ فَيَكْتَفِي بِوَاحِدَةٍ حِينَئِذٍ اهـ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (سُبِقَ بِحَيْضٍ) أَيْ لِيُحْسَبَ قَرْءًا؛ لِأَنَّهُ طُهْرٌ مُحْتَوَشٌ بَيْنَ دَمَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُسْبَقْ بِحَيْضٍ فَأَقَلُّ إمْكَانِ انْقِضَاءِ الْأَقْرَاءِ لِلْحُرَّةِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ؛ لِأَنَّ الطُّهْر الَّذِي طَلُقَتْ فِيهِ لَيْسَ بِقَرْءٍ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُحْتَوَشٍ بَيْنَ دَمَيْنِ وَلِغَيْرِهَا اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَقَوْلُهُ (لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُحْتَوَشٍ بَيْنَ دَمَيْنِ) فِي الْمِصْبَاحِ وَاحْتَوَشَ الْقَوْمُ بِالصَّيْدِ أَحَاطُوا بِهِ وَقَدْ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ فَيُقَالُ احْتَوَشُوهُ وَالْمَفْعُولُ مُحْتَوَشٌ بِالْفَتْحِ وَمِنْهُ احْتَوَشَ الدَّمُ الطُّهْرَ كَأَنَّ الدِّمَاءَ أَحَاطَتْ بِالطُّهْرِ وَاكْتَنَفَتْهُ مِنْ طَرَفَيْهِ فَالطُّهْرُ مُحْتَوَشٌ بَيْنَ دَمَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بِاثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَحْظَتَيْنِ) لَحْظَةٌ لِلْقَرْءِ الْأَوَّلِ وَلَحْظَةٌ لِلطَّعْنِ فِي حَيْضَةٍ ثَالِثَةٍ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُطَلِّقَهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الطُّهْرِ لَحْظَةٌ ثُمَّ تَحِيضُ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثُمَّ تَطْهُرُ أَقَلَّ الطُّهْرِ ثُمَّ تَحِيضُ وَتَطْهُرُ كَذَلِكَ ثُمَّ تَطْعَنُ فِي الْحَيْضِ لَحْظَةً؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَاللَّحْظَةُ الْأَخِيرَةُ فِي جَمِيعِ صُوَرِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِالْأَقْرَاءِ لِيَتَبَيَّنَ تَمَامُ الْقَرْءِ الْأَخِيرِ لَا مِنْ الْعِدَّةِ فَلَا رَجْعَةَ فِيهَا.
اهـ. شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ " ثُمَّ تَطْعَنُ " بِضَمِّ الْعَيْنِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا، فَالْأَوَّلُ مِنْ بَابِ قَتَلَ وَالثَّانِي مِنْ بَابِ نَفَعَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمِصْبَاحِ.
قَوْلُهُ: (بِسَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَلَحْظَةٍ) أَيْ مِنْ الْحَيْضَةِ الرَّابِعَةِ بِأَنْ يُطَلِّقَهَا آخِرَ جُزْءٍ مِنْ الْحَيْضِ.
وَقَوْلُهُ " وَلَحْظَةٍ " لَمْ يَقُلْ وَلَحْظَتَيْنِ؛ لِأَنَّ اللَّحْظَةَ الْأُولَى هِيَ آخِرُ الْحَيْضِ الَّذِي طَلَّقَ فِيهِ وَهُوَ غَيْرُ مَحْسُوبٍ مِنْ الْمُدَّةِ.
قَوْلُهُ: (طَلُقَتْ فِي طُهْرٍ إلَخْ) فَإِنْ جَهِلَتْ الْمُطَلَّقَةُ أَنَّهَا طَلُقَتْ فِي طُهْرٍ أَوْ فِي حَيْضٍ حُمِلَ أَمْرُهَا عَلَى الْحَيْضِ لِلشَّكِّ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا.
تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ: وَحَرُمَ عَلَيْهِ تَمَتُّعٌ بِهَا أَيْ بِالرَّجْعِيَّةِ بِوَطْءٍ وَغَيْرِهِ كَالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا مُفَارَقَةٌ كَالْبَائِنِ، وَعُزِّرَ مُعْتَقِدُ تَحْرِيمِهِ لِإِقْدَامِهِ عَلَى مَعْصِيَةٍ عِنْدَهُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ بِوَطْءٍ لِشُبْهَةِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي حُصُولِ الرَّجْعَةِ بِهِ وَعَلَيْهِ بِوَطْءٍ مَهْرُ مِثْلٍ.
وَقَوْلُهُ " وَعُزِّرَ مُعْتَقِدُ تَحْرِيمِهِ " أَيْ إذَا رُفِعَ إلَى مُعْتَقِدِ تَحْرِيمِهِ أَيْضًا فَحِينَئِذٍ الْحَنَفِيُّ لَا يُعَزِّرُ الشَّافِعِيَّ وَإِنْ اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ؛ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّ يَرَى حِلَّهُ وَالشَّافِعِيُّ يُعَزِّرُ الْحَنَفِيَّ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ وَإِنْ اعْتَقَدَ حِلَّهُ عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعَقِيدَةِ الْحَاكِمِ لَا الْخَصْمِ اهـ. ز ي وَقَوْلُهُ " وَالشَّافِعِيُّ يُعَزِّرُ الْحَنَفِيَّ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ إلَخْ " هَذَا فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعْزِيرُ مَنْ وَطِئَ فِي نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ مِنْ أَتْبَاعِ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَعْزِيرُ حَنَفِيٍّ صَلَّى بِوُضُوءٍ لَا نِيَّةَ فِيهِ أَوْ قَدْ مَسَّ فَرْجَهُ
(وَ) إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ جَدَّدَ نِكَاحَهَا (تَكُونُ مَعَهُ عَلَى مَا بَقِيَ) لَهُ (مِنْ) عَدَدِ (الطَّلَاقِ) لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ أَفْتَى بِذَلِكَ وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ مُخَالِفٌ
(فَإِنْ طَلَّقَهُمَا) أَيْ الْحُرُّ (ثَلَاثًا) أَوْ الْعَبْدُ وَلَوْ مُبَعَّضًا طَلْقَتَيْنِ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ فِي نِكَاحٍ أَوْ أَنْكِحَةٍ (لَمْ تَحِلَّ) أَيْ الْمُطَلَّقَةُ (لَهُ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ) فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَعَلَى وُجُودِ مَا عَدَا الْأَوَّلِ مِنْهَا فِي غَيْرِهَا: الْأَوَّلُ (انْقِضَاءُ عِدَّتِهَا مِنْهُ) أَيْ الْمُطَلِّقِ (وَ) الثَّانِي (تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِهِ) وَلَوْ عَبْدًا أَوْ مَجْنُونًا (وَ) الثَّالِثُ (دُخُولُهُ بِهَا وَإِصَابَتُهَا) بِدُخُولِ حَشَفَةٍ أَوْ قَدْرِهَا مِنْ مَقْطُوعِهَا وَلَوْ كَانَ عَلَيْهَا حَائِلٌ كَأَنْ لَفَّ عَلَيْهَا خِرْقَةً، فَإِنَّهُ يَكْفِي تَغْيِيبُهَا فِي قُبُلِهَا خَاصَّةً لَا فِي غَيْرِهِ كَدُبُرِهَا كَمَا لَا يَحْصُلُ بِهِ التَّحْصِينُ، وَسَوَاءٌ أَوْلَجَ هُوَ أَمْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ فِي يَقَظَةٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ أَوْلَجَ فِيهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ.
(وَ) الرَّابِعُ (بَيْنُونَتُهَا مِنْهُ)
[حاشية البجيرمي]
وَمَالِكِيٍّ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ قَلِيلٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ أَوْ بِمُسْتَعْمَلٍ، أَوْ تَرَكَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا يَقُولُهُ.
وَأَمَّا الْقَاعِدَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا فَعَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْأَصْحَابَ صَرَّحُوا بِهَا فَيَتَعَيَّنُ فَرْضُهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَأَمْثَالِهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْأَوْجَهُ الْأَخْذُ بِمَا أَفَادَتْهُ عِبَارَتُهُ هُنَا مِنْ مُقْتَضَى الْحِلِّ، فَالْحَنَفِيُّ لَا يُعَزَّرُ فَلْيُحَرَّرْ سم.
وَقَوْلُهُ " فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ " أَيْ وَلَا عَلَيْهَا وَإِنْ تَكَرَّرَ وَعَلِمَا بِالْحُرْمَةِ.
انْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ جَدَّدَ نِكَاحَهَا قَوْلُهُ: (ثُمَّ جَدَّدَ نِكَاحَهَا تَكُونُ مَعَهُ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ هِيَ تَكُونُ مَعَهُ عَلَى مَا بَقِيَ وَلَوْ رَاجَعَهَا فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِتَجْدِيدِ نِكَاحِهَا، فَلَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّوَهُّمِ.
وَعِبَارَةُ سم: وَإِذَا رَاجَعَهَا أَوْ نَكَحَهَا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.
قَوْلُهُ: (أَفْتَى بِذَلِكَ) أَيْ الْكَوْنِ، أَيْ كَوْنِهَا مَعَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ مُخَالِفٌ) فَهُوَ إجْمَاعٌ سُكُوتِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَحِلَّ) أَيْ الْمُطَلَّقَةُ لَهُ أَيْ لَا بِنِكَاحٍ وَلَا بِمِلْكِ يَمِينٍ.
وَصُورَةُ التَّحْلِيلِ الشَّرْعِيِّ أَنْ يَعْقِدَ فِي الْمُلَفَّقَةِ وَلِيُّ صَغِيرٍ لَهُ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَيَدْخُلُ بِهَا وَيُوجَدُ مِنْهُ وَطْءٌ مَعَ انْتِشَارِ آلَتِهِ بَعْدَ حُكْمِ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ شَافِعِيٍّ بِصِحَّةِ ذَلِكَ النِّكَاحِ ثُمَّ يُطَلِّقُ الصَّبِيُّ عِنْدَ حَاكِمٍ حَنْبَلِيٍّ وَيَحْكُمُ بِصِحَّةِ طَلَاقِهِ وَأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَى مُطَلَّقَتِهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ دَعْوَى لِيَكُونَ حُكْمُهُ رَافِعًا لِلْخِلَافِ إذْ يُشْتَرَطُ لِلْحُكْمِ الرَّافِعِ لِلْخِلَافِ دَعْوَى، وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ الْحَنْبَلِيِّ أَنْ لَا يَبْلُغَ الْمُطَلِّقُ عَشْرَ سِنِينَ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ لِلْمُطَلَّقَةِ مِنْ عِدَّةٍ، أَوْ أَنْ يُطَلِّقَ وَلِيُّ الصَّغِيرِ الْمَذْكُورِ إذَا رَأَى فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً وَيَحْكُمُ حَاكِمٌ مَالِكِيٌّ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ، فَإِذَا تَوَفَّرَتْ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ جَازَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ نِكَاحُهَا اهـ شَبْشِيرِيٌّ وَقَرَّرَهُ الْعَلَّامَةُ الْحِفْنِيُّ.
فَائِدَةٌ: فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْوَلَدَ إذَا كَانَ دُونَ عَشْرِ سِنِينَ يَصِحُّ نِكَاحُهُ بِنَفْسِهِ وَيَصِحُّ طَلَاقُهُ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهِ، فَإِنْ بَلَغَ عَشْرًا وَجَبَتْ الْعِدَّةُ.
وَهَذِهِ الْعَمَلُ بِهَا أَحْسَنُ مِنْ الْعَمَلِ بِالْمُلَفَّقَةِ، فَإِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ دَعَا عَلَى مَنْ يَعْمَلُ بِهَا وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مُحَلِّلٌ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُحَلِّلٌ فَلَا يَكْفِي عِنْدَهُمْ كَمَا أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْحَنَابِلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى وُجُودٍ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَبَعْدَ وُجُودٍ إلَخْ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ عَلَى بِمَعْنَى مَعَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ عَبْدًا) أَيْ بَالِغًا عَاقِلًا، وَقَوْلُهُ " أَوْ مَجْنُونًا " أَيْ بَالِغًا.
قَوْلُهُ: (إصَابَتُهَا) عَطْفُ تَفْسِيرٍ.
قَوْلُهُ: (بِدُخُولِ حَشَفَةٍ) وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَدْرِهَا) أَيْ وَتَعْتَرِفُ بِذَلِكَ عَلَيْهِ، فَلَوْ عَقَدَ لَهَا عَلَى آخَرَ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَلَمْ تَعْتَرِفْ بِإِصَابَةٍ وَلَا عَدَمِهَا وَأَذِنَتْ فِي تَزْوِيجِهَا مِنْ الْأَوَّلِ ثُمَّ ادَّعَتْ عَدَمَ إصَابَةِ الثَّانِي فَالظَّاهِرُ تَصْدِيقُهَا سَوَاءٌ كَانَ قَبْلَ عَقْدِ زَوَاجِهَا الْأَوَّلِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي عَنْ الْقَمُولِيِّ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ كَوْنِ الْإِنْكَارِ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مَفْرُوضٌ فِيمَنْ أَخْبَرَتْ أَوَّلًا بِالتَّحْلِيلِ ثُمَّ أَنْكَرَتْهُ، وَمَا هُنَا فِيمَنْ لَمْ يَسْبِقْ إقْرَارٌ وَإِذْنُهَا فِي التَّزْوِيجِ مِنْ الْأَوَّلِ يَجُوزُ أَنَّهَا بَنَتْهُ عَلَى ظَنِّهَا أَنَّ الْعَقْدَ بِمُجَرَّدِهِ مُبِيحٌ حِلَّهَا لِلْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِفَرْضِ عِلْمِهَا يُحْمَلُ نِسْيَانُهَا اهـ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَكْفِي تَغْيِيبُهَا) وَإِنْ انْتَفَى قَصْدُ الزَّوْجَيْنِ كَنَوْمٍ وَجُنُونٍ مِنْهُمَا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَا يَحْصُلُ بِهِ التَّحْصِينُ) وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ صُوَرَ الْفَرْقِ بِقَوْلِهِ:
الدُّبُرُ مِثْلُ الْقُبُلِ فِي الْإِتْيَانِ ... لَا الْحِلِّ وَالتَّحْلِيلِ وَالْإِحْصَانِ