حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيبصفحات 239-256
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ

صفحات 239-256
عن هذه الطبعة
عَلَم
البجيرمي
الكتاب
تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
المؤلف
سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه

فَقَدْ أَتَى بِالْأَصْلِ أَمَّا غَيْرُ أَعْضَاءِ الْأَصْغَرِ فَلَا تَرْتَفِعُ جَنَابَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ.

قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلُ حَيْضٍ وَجَنَابَةٍ كَفَتْ نِيَّةُ أَحَدِهِمَا قَطْعًا

أَوْ يَنْوِي اسْتِبَاحَةَ مُفْتَقِرٍ إلَى غُسْلٍ كَأَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى غُسْلٍ، فَإِنْ نَوَى مَا لَا يُفْتَقَرُ إلَيْهِ كَالْغُسْلِ لِيَوْمِ الْعِيدِ لَمْ يَصِحَّ، أَوْ يَنْوِيَ أَدَاءَ فَرْضِ الْغُسْلِ أَوْ فَرْضِ الْغُسْلِ أَوْ الْغُسْلِ الْمَفْرُوضِ أَوْ أَدَاءَ الْغُسْلِ، وَكَذَا الطَّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ، أَمَّا إذَا نَوَى الْغُسْلَ فَقَطْ فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي.
وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُضُوءِ فِي فَصْلِهِ، وَتَكُونُ النِّيَّةُ مَقْرُونَةً بِأَوَّلِ مَا يُغْسَلُ مِنْ الْبَدَنِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ أَعْلَاهُ أَمْ مِنْ أَسْفَلِهِ؛ إذْ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ.
فَلَوْ نَوَى بَعْدَ غَسْلِ جُزْءٍ مِنْهُ وَجَبَ إعَادَةُ غَسْلِهِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَإِذَا اغْتَسَلَ مِنْ إنَاءٍ كَإِبْرِيقٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ غَسْلِ مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْفُلُ عَنْهُ، أَوْ يَحْتَاجُ إلَى الْمَسِّ فَيَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ، أَوْ إلَى كُلْفَةٍ فِي لَفِّ خِرْقَةٍ عَلَى يَدِهِ.

(وَ) الثَّانِي (إزَالَةُ النَّجَاسَةِ إنْ كَانَتْ عَلَى) شَيْءٍ مِنْ (بَدَنِهِ) عَلَى الْمُصَحَّحِ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ.

[حاشية البجيرمي]

الْوَجْهِ) أَيْ الَّذِي انْغَسَلَ مَعَهُ بَاطِنُ اللِّحْيَةِ هُوَ الْأَصْلُ فَصَحَّ التَّعْلِيلُ أَيْ: وَأَمَّا غَسْلُ الرَّأْسِ فَهُوَ بَدَلٌ عَنْ مَسْحِهَا، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ؛ إذْ يُغْتَفَرُ فِي الْأَصْلِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْبَدَلِ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا غَسَلَهُ) أَيْ مَعَ بَاطِنِ اللِّحْيَةِ.

[فَرْعٌ اجْتَمَعَ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلُ حَيْضٍ وَجَنَابَةٍ]

قَوْلُهُ: (وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلُ حَيْضٍ إلَخْ) . فَرْعٌ: لَوْ حَلَفَتْ الْحَائِضُ أَنْ لَا تَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَكَانَ عَلَيْهَا حَدَثُ حَيْضٍ وَجَنَابَةٍ وَنَوَتْ رَفْعَ حَدَثِ الْحَيْضِ وَقُلْنَا بِانْدِرَاجِ حَدَثِ الْجَنَابَةِ، هَلْ تَحْنَثُ؛ لِأَنَّهَا تَعَرَّضَتْ لِرَفْعِ مَا عَلَيْهَا مِنْ الْأَحْدَاثِ فِي الْجُمْلَةِ أَمْ لَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْوِ إلَّا رَفْعًا خَاصًّا، الْمَيْلُ إلَى الثَّانِي أَقْرَبُ؛ لِأَنَّ حَدَثَ الْجَنَابَةِ يَرْتَفِعُ ضِمْنًا، وَإِنْ اسْتَثْنَتْهُ اهـ.

قَوْلُهُ: (أَوْ يَنْوِي اسْتِبَاحَةَ إلَخْ) هُوَ عَطْفٌ عَلَى فَيَنْوِي رَفْعَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (مِمَّا يَتَوَقَّفُ) بَيَانٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يَتَوَقَّفُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (كَالْغُسْلِ) أَيْ كَنِيَّةِ الْغُسْلِ لِيَوْمِ الْعِيدِ، وَهُوَ تَصْوِيرٌ لِنِيَّةِ مَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْغَسْلِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا الطَّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ) فِيهِ أَنَّهَا تَصْدُقُ بِالْوُضُوءِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَرِينَةَ حَالِهِ تُخَصِّصُ كَمَا أَنَّهَا خَصَّصَتْ الْحَدَثَ فِي كَلَامِهِ بِالْأَكْبَرِ، وَعِبَارَةُ الْإِطْفِيحِيِّ قَوْلُهُ وَالطَّهَارَةُ لِلصَّلَاةِ، أَوْ الْغُسْلُ لَهَا فِيمَا يَظْهَرُ م ر. وَانْظُرْ هَلْ مِثْلُهُ الطُّهْرُ عَنْ الْجَنَابَةِ أَوْ عَنْ الْحَيْضِ أَوْ عَنْ النِّفَاسِ؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ اهـ. قَوْلُهُ: (وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ) وَهُوَ أَنَّ الْغُسْلَ يَكُونُ عِبَادَةً وَعَادَةً بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا عِبَادَةً هَذَا هُوَ الْفَرْقُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي قَدَّمَهُ أَنَّهُ يَكُونُ عَنْ حَدَثٍ وَعَنْ خَبَثٍ اهـ م د. قَوْلُهُ: (يَنْبَغِي لَهُ) أَيْ يُنْدَبُ إلَخْ.
وَتَرْتَفِعُ الْجَنَابَةُ عَنْ كَفِّهِ وَعَنْ مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ أَيْ: إذَا نَوَى رَفْعَ الْجَنَابَةِ عَنْهُمَا أَمَّا الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى كَفِّهِ بِمَسِّهِ حَالَ النِّيَّةِ النَّاقِضِ اهـ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَيَحْتَاجُ إلَى غَسْلِ كَفِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ بَعْدَ رَفْعِ حَدَثِ الْوَجْهِ بِنِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ مِنْ نِيَّاتِ الْوُضُوءِ لِتَعَذُّرِ الِانْدِرَاجِ حِينَئِذٍ، فَإِنَّ جَنَابَةَ الْيَدِ ارْتَفَعَتْ ثُمَّ طَرَأَ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ عَلَيْهَا بِالْمَسِّ أَيْ: فَالشَّرْطُ أَنْ لَا يُقَدِّمَ غَسْلَ كَفَّيْهِ عَلَى الْوَجْهِ فَلَوْ أَخَّرَهُ بِالْكُلِّيَّةِ عَنْ غَسْلِ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ، وَنَوَى كَفَى فَتَأَمَّلْ م د. وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسَمَّى بِالدَّقِيقَةِ أَوْ دَقِيقَةِ الدَّقِيقَةِ، فَالدَّقِيقَةُ النِّيَّةُ عِنْدَ غَسْلِ مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ، وَدَقِيقَةُ الدَّقِيقَةِ بَقَاءُ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ عَلَى كَفِّهِ، وَهَذَا إذَا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ عَنْ الْمَحَلِّ وَالْيَدِ مَعًا أَوْ أَطْلَقَ، فَإِنْ نَوَى رَفْعَ الْجَنَابَةِ عَنْ الْمَحَلِّ فَقَطْ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ رَفْعِ حَدَثٍ أَصْغَرَ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَمْ تَرْتَفِعْ عَنْهَا فَهَذَا مُخَلِّصٌ لَهُ مِنْ غَسْلِ يَدِهِ ثَانِيًا اهـ. قَوْلُهُ: (بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ.
قَوْلُهُ: (قَدْ غَفَلَ) بَابُهُ نَصَرَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ﴾ [النساء: 102] اهـ.

قَوْلُهُ: (إزَالَةُ النَّجَاسَةِ) أَيْ زَوَالُ النَّجَاسَةِ، وَلَوْ مَعْفُوًّا عَنْهَا؛ إذْ الْفِعْلُ لَيْسَ شَرْطًا.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْمُصَحَّحِ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ)

وَقَدْ عَرَفْت مِمَّا تَقَدَّمَ ضَعْفَهُ، وَأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ يَكْفِي لَهُمَا غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا لَوْ اغْتَسَلَتْ مِنْ جَنَابَةٍ وَحَيْضٍ، وَلِأَنَّ وَاجِبَهُمَا غَسْلُ الْعُضْوِ، وَقَدْ حَصَلَ.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَ النَّجَسُ حُكْمِيًّا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَيَرْفَعُهُمَا الْمَاءُ مَعًا، وَلِلسَّابِعَةِ فِي الْمُغَلَّظَةِ حُكْمُ هَذِهِ الْغَسْلَةِ، فَإِنْ كَانَ النَّجَسُ عَيْنِيًّا وَلَمْ يَزُلْ بَقِيَ الْحَدَثُ، أَمَّا غَيْرُ السَّابِعَةِ فِي النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ فَلَا يَرْتَفِعُ حَدَثُ ذَلِكَ الْمَحَلِّ لِبَقَاءِ نَجَاسَتِهِ.

(وَ) الثَّالِثُ (إيصَالُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ) أَجْزَاءِ (الشَّعْرِ) ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَإِنْ كَثُفَ وَيَجِبُ نَقْضُ الضَّفَائِرِ إنْ لَمْ يَصِلْ

[حاشية البجيرمي]

لَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُتَبَادِرُ بَلْ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ النَّوَوِيِّ بِأَنْ يُرَادَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ مَعَ تَعْمِيمِ الْبَدَنِ وَلَوْ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: (يَكْفِي لَهُمَا غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ) وَالْمُرَادُ بِهَا فِي الْحُكْمِيَّةِ الْأُولَى مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَطْلُوبَةِ، وَفِي الْمُغَلَّظَةِ السَّابِعَةُ مَعَ التُّرَابِ وَلَا يُعْتَدُّ بِالنِّيَّةِ إلَّا حِينَئِذٍ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا.
وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ الشَّيْخُ، وَفِي الْعَيْنِيَّةِ مُزِيلَةُ الْعَيْنِ اهـ طب عَلَى الْمَنْهَجِ فَقَوْلُهُ: وَفِي الْعَيْنِيَّةِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَفِي الْحُكْمِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (حُكْمِيًّا) أَيْ أَوْ عَيْنِيًّا وَكَانَ مَاءُ الْغَسْلَةِ الْوَاحِدَةِ يُزِيلُهَا وَيَصِلُ إلَى الْمَحَلِّ بِشَرْطِهِ أَيْ الْمَاءِ أَيْ بِأَنْ لَا يَتَغَيَّرَ الْمَاءُ اهـ اج بِزِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَرْفَعُهُمَا الْمَاءُ) جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ أَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ تَكْفِي لَهُمَا فِيمَا إذَا كَانَ النَّجَسُ حُكْمِيًّا، وَأَمَّا النَّجَاسَةُ الْعَيْنِيَّةُ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ.
فَإِنْ كَانَ النَّجِسُ.
قَوْلُهُ: (حُكْمُ هَذِهِ الْغَسْلَةِ) أَيْ فَيَكْفِي غَسْلَةٌ لَهَا وَلِلنَّجَاسَةِ.
قَوْلُهُ: (بَقِيَ الْحَدَثُ) أَيْ عَلَى مَحَلِّ النَّجَاسَةِ وَلَوْ كَلْبِيَّةً وَارْتَفَعَ عَمَّا عَدَاهُ، وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَا يَرْتَفِعُ فِي الْمُغَلَّظَةِ إلَّا بِالسَّابِعَةِ مَعَ التَّتْرِيبِ.
وَبِهِ يُلْغَزُ وَيُقَالُ: جُنُبٌ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ طَهُورٍ أَلْفَ مَرَّةٍ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْجَنَابَةِ وَلَيْسَ بِبَدَنِهِ مَانِعٌ حِسِّيٌّ وَلَمْ يَطْهُرْ طَبَلَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَرْتَفِعُ) الْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ فَلَا يَرْتَفِعُ بِهَا أَيْ بِغَيْرِ السَّابِعَةِ.
قَوْلُهُ: (إيصَالُ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْمَلُ الْوُصُولَ وَلَوْ بِغَيْرِ فِعْلِ فَاعِلٍ.
فَإِنْ قُلْت: لِمَ وَجَبَ تَعْمِيمُ الْبَدَنِ بِالْغَسْلِ مِنْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ مَعَ أَنَّهُ دُونَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فِي الْقَدْرِ بِيَقِينٍ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ تَعْمِيمَ الْبَدَنِ بِخُرُوجِهِ أَوْ بِالْجِمَاعِ مِنْ غَيْرِ خُرُوجِهِ لَيْسَ هُوَ لِلْقَذَرِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَا فِيهِ مِنْ اللَّذَّةِ الَّتِي تَسْرِي فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ حَتَّى تُمِيتَهُ وَتُنْسِيَهُ ذِكْرَ رَبِّهِ وَالنَّظَرَ إلَيْهِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَنَا الشَّارِعُ بِإِجْرَاءِ الْمَاءِ عَلَى سَطْحِ الْبَدَنِ كُلِّهِ بِحَسَبِ سَرَيَانِ اللَّذَّةِ، فَهُوَ، وَإِنْ كَانَ فَرْعًا عَنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فَهُوَ أَقْوَى لَذَّةً مِنْ أَصْلِهِ، فَلِذَلِكَ أُمِرْنَا بِإِجْرَاءِ الْمَاءِ الْمُنْعِشِ لِلْبَدَنِ مِنْ ضَعْفِهِ أَوْ فُتُورِهِ أَوْ مَوْتِهِ، فَيَقُومُ أَحَدُنَا بَعْدَ الْغُسْلِ يُنَاجِي رَبَّهُ بِبَدَنٍ حَيٍّ فَكُلُّ مَوْضِعٍ لَمْ يَمَسَّهُ الْمَاءُ فَهُوَ كَالْعُضْوِ الْمَيِّتِ أَوْ الْمُشْرِفِ عَلَى الْمَوْتِ، أَوْ كَبَدَنِ السَّكْرَانِ أَوْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَلَا يَكَادُ يَحْضُرُ ذَلِكَ الْمَحَلُّ مَعَ رَبِّهِ فِي صَلَاتِهِ أَبَدًا، وَإِذَا لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ إذْ الصَّلَاةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِجَمِيعِ الْبَدَنِ كَمَا أَنَّهَا لَا تَصِحُّ خَارِجَ حَضْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَبَدًا.
وَسَمِعْت سَيِّدِي عَلِيًّا الْخَوَّاصَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: إنَّمَا وَجَبَ تَعْمِيمُ الْبَدَنِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ لِأَنَّ الْغَفْلَةَ فِيهِ عَنْ اللَّهِ أَكْثَرَ مِنْ الْغَفْلَةِ فِي الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ بِنَقْضِ الطَّهَارَةِ بِالْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّهَا لَا تَقَعُ إلَّا مِنْ شَخْصٍ غَافِلٍ عَنْ شُهُودِ نَظَرِ رَبِّهِ إلَيْهِ فِي صَلَاتِهِ، وَذَلِكَ مُبْطِلٌ عِنْدَ أَهْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَأَمَّا وُجُوبُ تَعْمِيمِ الْبَدَنِ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ إذَا انْقَطَعَ دَمُهُمَا فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِزِيَادَةِ الْقَذَرِ الْحَاصِلِ بِالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، لَا سِيَّمَا إنْ عَرَفَتْ مَثَلًا وَانْتَشَرَ دَمُهَا وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى دَمَ الْحَيْضِ أَذًى وَأَبْطَلَ صَلَاةَ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ مَعَ وُجُودِهِ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ حَتَّى تَغْسِلَ أَثَرَ ذَلِكَ الدَّمِ فَقَطْ أَوْ بَعْدَ تَعْمِيمِ بَدَنِهَا أَوْ تَتَيَمَّمَ، وَقَدْ جَوَّزَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَطْءَ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا وَغَسَلَتْ فَرْجَهَا فَقَطْ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ إلَى الْوَطْءِ وَخَافَ مِنْ الْوُقُوعِ فِيمَا لَا يَنْبَغِي اهـ ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ.

الْمَاءُ إلَى بَاطِنِهَا إلَّا بِالنَّقْضِ، لَكِنْ يُعْفَى عَنْ بَاطِنِ الشَّعْرِ الْمَعْقُودِ وَلَا يَجِبُ غَسْلُ الشَّعْرِ النَّابِتِ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْأَنْفِ، وَإِنْ كَانَ يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ النَّجَاسَةِ لِغِلَظِهَا.

(وَ) إلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ (الْبَشَرَةِ) حَتَّى الْأَظْفَارِ وَمَا يَظْهَرُ مِنْ صِمَاخَيْ الْأُذُنَيْنِ وَمِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ قُعُودِهَا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَمَا تَحْتَ الْقُلْفَةِ وَمَوْضِعِ شَعْرٍ نَتَفَهُ قَبْلَ غُسْلِهِ.
قَالَ الْبَغَوِيّ: وَمِنْ بَاطِنِ جُدَرِيٍّ اتَّضَحَ.

[حاشية البجيرمي]

وَرُوِيَ: «أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ جَاءُوا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنَا لِمَاذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ فِي الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَهُمَا أَقْذَرُ مِنْ النُّطْفَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا أَكَلَ حَبَّاتٍ مِنْ الشَّجَرَةِ وَتَحَوَّلَ سَرَيَانُهَا فِي عُرُوقِهِ وَشَعْرِهِ وَسُرَّتِهِ، فَإِذَا جَامَعَ الْإِنْسَانُ نَزَلَ الْمَنِيُّ مِنْ أَصْلِ كُلِّ شَعْرَةٍ فَافْتَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي شُكْرًا لِمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنْ اللَّذَّةِ الَّتِي يُصِيبُهَا مِنْهُ أَيْ مِنْ الْمَنِيِّ قَالُوا لَهُ صَدَقْت يَا مُحَمَّدُ» . كَذَا رَأَيْته لِبَعْضِهِمْ.

قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَثُفَ) إنَّمَا وَجَبَ غَسْلُ الْكَثِيفِ هُنَا دُونَ الْوُضُوءِ لِقِلَّةِ الْمَشَقَّةِ هُنَا لِعَدَمِ تَكَرُّرِهِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ، بَلْ رُبَّمَا تَكَرَّرَ كُلَّ وَقْتٍ فَخُفِّفَ فِيهِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ يُعْفَى عَنْ بَاطِنِ الشَّعْرِ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ مَا تَعَقَّدَ بِنَفْسِهِ يُعْفَى حَتَّى عَنْ كَثِيرِهِ، وَأَمَّا مَا تَعَقَّدَ بِفِعْلِهِ فَقَالَ حَجّ وسم: لَا يُعْفَى عَنْهُ أَصْلًا.
وَقَالَ ق ل: يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ وَيُعْفَى أَيْضًا عَمَّا تَحْتَ طُبُوعٍ عَسُرَ زَوَالُهُ، أَوْ حَصَلَتْ لَهُ بِإِزَالَتِهِ مُثْلَةٌ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَيَمُّمٍ عَنْ مَحَلِّهِ خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَغَيْرِهِ، وَفِي الْإِطْفِيحِيِّ مَا نَصُّهُ: وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ بَاطِنِ عُقَدِهِ إنْ تَعَقَّدَ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَثُرَ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ قَصَّرَ صَاحِبُهُ بِأَنْ لَمْ يُتَعَهَّدْ بِدُهْنٍ وَنَحْوِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ تَعَهُّدَهُ، أَمَّا إذَا تَعَقَّدَ بِفِعْلِهِ فَلَا يَبْعُدُ عَدَمُ الْعَفْوِ عَنْهُ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِتَعَدِّيهِ بِفِعْلِهِ، وَإِنْ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي الْعَفْوُ عَنْ قَلِيلِهِ ع ش. قَالَ ق ل: وَلَوْ بَقِيَ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَثَلًا شَيْءٌ، وَلَوْ وَاحِدَةً بِلَا غَسْلٍ، ثُمَّ أَزَالَهَا بِقَصٍّ أَوْ نَتْفٍ مَثَلًا لَمْ يَكْفِ فَلَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ مَوْضِعِهَا.
وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر: فَلَوْ غَسَلَ أُصُولَ شَعْرِهِ دُونَ أَطْرَافِهِ بَقِيَتْ الْجَنَابَةُ فِيهَا وَارْتَفَعَتْ عَنْ أُصُولِهَا، فَلَوْ حَلَقَ شَعْرَهُ الْآنَ أَوْ قَصَّ مِنْهُ مَا يَزِيدُ عَلَى مَا لَمْ يَغْسِلْهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَلَمْ يَجِبْ غَسْلُ مَا ظَهَرَ بِالْقَطْعِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَغْسِلْ الْأُصُولَ، أَوْ غَسَلَ ثُمَّ قَصَّ مِنْ الْأَطْرَافِ مَا يَنْتَهِي لِحَدِّ الْمَغْسُولِ بِلَا زِيَادَةٍ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا ظَهَرَ بِالْحَلْقِ أَوْ الْقَصِّ لِبَقَاءِ جَنَابَتِهِ بِعَدَمِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَيْهِ اهـ.

قَوْلُهُ: (أَجْزَاءُ الْبَشَرَةِ) أَيْ ظَاهِرُهَا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى الْأَظْفَارِ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِالْبَشَرَةِ مَا يَشْمَلُ الْأَظْفَارَ بِخِلَافِ نَقْضِ الْوُضُوءِ، فَالْبَشَرَةُ هُنَا أَعَمُّ مِنْ النَّاقِضِ فِي الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ) وَلَوْ بِكْرًا، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا حَيْثُ عُدَّ مِنْ الظَّاهِرِ وَبَيْنَ دَاخِلِ الْفَمِ حَيْثُ عُدَّ مِنْ الْبَاطِنِ بِأَنَّ بَاطِنَ الْفَمِ لَيْسَ لَهُ حَالَةٌ يَظْهَرُ فِيهَا تَارَةً وَيَسْتَتِرُ فِيهَا أُخْرَى، وَمَا يَظْهَرُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ يَظْهَرُ فِيمَا لَوْ جَلَسَتْ عَلَى قَدَمَيْهَا، وَيَسْتَتِرُ فِيمَا لَوْ قَامَتْ، أَوْ قَعَدَتْ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ، فَكَانَ كَمَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَهُوَ مِنْ الظَّاهِرِ فَعُدَّتْ مِنْهُ فَوَجَبَ غَسْلُهَا دَائِمًا كَمَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ بِخِلَافِ دَاخِلِ الْفَمِ ابْنُ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَمَا تَحْتَ الْقُلْفَةِ مِنْ الْأَقْلَفِ) لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةُ الْإِزَالَةِ، وَلِهَذَا لَوْ أَزَالَهَا إنْسَانٌ لَمْ يَضْمَنْهَا فَمَا تَحْتَهَا كَالظَّاهِرِ لِوُجُوبِ إزَالَتِهَا شَرْحُ الرَّوْضِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْقُلْفَةُ بِضَمِّ الْقَافِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَبِفَتْحِهِمَا مَا يَقْطَعُهُ الْخَاتِنُ مِنْ ذَكَرِ الْغُلَامِ، وَيُقَالُ لَهَا: غُرْلَةُ بِمُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ وَرَاءٍ سَاكِنَةٍ شَرْحُ الرَّوْضِ، وَمَحَلُّ وُجُوبِ غَسْلِ مَا تَحْتَ الْقُلْفَةِ إنْ تَيَسَّرَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا وَجَبَ إزَالَتُهَا، وَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ صَلَّى كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَلَا يَتَيَمَّمُ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَإِذَا مَاتَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ عِنْدَ م ر. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُغَسَّلُ وَيُيَمَّمُ بَدَلًا عَنْ مَحَلِّ الْقُلْفَةِ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (نَتْفُهُ قَبْلَ غَسْلِهِ) أَوْ شَوْكَةٌ لَوْ قُلِعَتْ بَقِيَ لَهَا

فَائِدَةٌ: لَوْ اتَّخَذَ لَهُ أُنْمُلَةً أَوْ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ مِنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ وَمِنْ نَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُ مَا ظَهَرَ مِنْ الْأُصْبُعِ وَالْأَنْفِ بِالْقَطْعِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ لِلْمُعَذِّرِ فَصَارَتْ الْأُنْمُلَةُ وَالْأَنْفُ كَالْأَصْلِيِّينَ، وَلَا يَجِبُ فِي الْغُسْلِ مَضْمَضَةٌ، وَلَا اسْتِنْشَاقٌ، بَلْ يُسَنُّ كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَغَسْلِ الْمَيِّتِ.

(وَسُنَنُهُ) أَيْ الْغُسْلِ كَثِيرَةٌ الْمَذْكُورُ مِنْهَا هُنَا (خَمْسَةُ أَشْيَاءَ) . وَسَأَذْكُرُ مِنْهَا أَشْيَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ: الْأُولَى (التَّسْمِيَةُ) مَقْرُونَةً بِالنِّيَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَجْمُوعُ هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ أَكْمَلُهَا.

(وَ) الثَّانِيَةُ (الْوُضُوءُ) كَامِلًا (قَبْلَهُ) لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ: وَسَوَاءٌ أَقَدَّمَ الْوُضُوءَ كُلَّهُ أَمْ بَعْضَهُ أَمْ أَخَّرَهُ أَمْ فَعَلَهُ فِي أَثْنَاءِ الْغُسْلِ فَهُوَ مُحَصِّلٌ لِلسُّنَّةِ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُهُ.

ثُمَّ إنْ تَجَرَّدَتْ الْجَنَابَةُ عَنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ كَأَنْ احْتَلَمَ، وَهُوَ جَالِسٌ مُتَمَكِّنٌ نَوَى سُنَّةَ الْغُسْلِ، وَإِلَّا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ.

[حاشية البجيرمي]

غَوْرَاجٌ.
قَوْلُهُ: (جُدَرِيٍّ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَبِفَتْحِهِمَا.
قَوْلُهُ: (اتَّضَحَ) بِأَنْ صَارَ بَاطِنُهُ مُثَقَّبًا.

قَوْلُهُ: (أُنْمُلَةً أَوْ أَنْفًا) وَكَذَا لَوْ اتَّخَذَ رِجْلًا أَوْ يَدًا مِنْ خَشَبٍ ق ل. قَوْلُهُ: (وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُهُ) أَيْ إنْ الْتَحَمَ.
قَوْلُهُ: (كَالْأَصْلِيَّيْنِ) أَيْ فِي وُجُوبِ غَسْلِهِمَا لَا فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِلَمْسِ ذَلِكَ وَلَا تَكْفِي النِّيَّةُ عِنْدَهُمَا اج مَعَ زِيَادَةٍ لِسُلْطَانٍ.
وَقَالَ م ر: تَكْفِي اهـ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ فِي الْغُسْلِ مَضَمْضَةٌ) أَيْ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمَا وَلَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى الْوُجُوبِ.
قَالَ م ر: لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُجَرَّدَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ إلَّا إنْ كَانَ بَيَانًا لِمُجْمَلٍ تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ أَيْ: بَلْ الثَّابِتُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفِعْلُ لَا عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ لِشَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يُسَنُّ) أَيْ سُنَّةً مُسْتَقِلَّةً، وَإِنْ كَانَا مَوْجُودَيْنِ فِي الْوُضُوءِ الْمَسْنُونِ لِلْغُسْلِ وَلَمْ يُغْنِ الْوُضُوءُ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ لَنَا قَوْلًا بِوُجُوبِ كِلَيْهِمَا كَمَا فِي ابْنِ حَجَرٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ مَطْلُوبَانِ لِلْغُسْلِ زِيَادَةً عَلَى الْوُضُوءِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِمَا، وَتَرْكُهُمَا مَكْرُوهٌ كَتَرْكِ الْوُضُوءِ.

قَوْلُهُ: (وَسُنَنُهُ أَيْ الْغُسْلِ) فِيهِ تَغْيِيرٌ لِإِعْرَابِ الْمَتْنِ لِأَنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ: كَثِيرَةٌ الَّذِي قَدَّرَهُ خَبَرًا عَنْ قَوْلِهِ: وَسُنَنُهُ، وَجَعَلَ: " خَمْسَةٌ " خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَالشَّارِحُ يَرْتَكِبُ مِثْلَ هَذَا كَثِيرًا.
وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا حَلُّ مَعْنَى لَا حَلُّ إعْرَابٍ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْإِعْرَابَ وَهُوَ تَغْيِيرُ أَوَاخِرِ الْكَلِمِ لَمْ يَتَغَيَّرْ لِأَنَّ الرَّفْعَ عَلَى حَالِهِ.
قَوْلُهُ: (التَّسْمِيَةُ) وَيُقْصَدُ بِهَا الذِّكْرُ.
قَوْلُهُ: (مَقْرُونَةٌ بِالنِّيَّةِ) أَيْ الْقَلْبِيَّةِ، وَإِلَّا فَيُتَعَذَّرُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّسْمِيَةِ وَالنِّيَّةِ اللَّفْظِيَّةِ مَعًا فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ بَيَانُ أَكْمَلِهَا أَيْ وَهُوَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَقَلُّهَا بِسْمِ اللَّهِ، وَقِيلَ: تُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ؛ لِأَنَّهَا قُرْآنٌ اهـ سم نَقْلًا عَنْ الْجَوَاهِرِ اج.
وَيُسَنُّ لَهُ الذِّكْرُ بَعْدَهَا كَالْوُضُوءِ م د. وَمَا نَقَلَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ ضَعِيفٌ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهَا قُرْآنٌ فِيهِ شَيْءٌ إذَا كَانَ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ الْحُرْمَةَ فَافْهَمْ.

قَوْلُهُ: (كَامِلًا) وَقِيلَ: يُؤَخِّرُ غَسْلَ قَدَمَيْهِ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ إلَّا رِجْلَيْهِ أَخَّرَهُمَا عَنْ الْغُسْلِ» م ر. وَهَذَا مُقَابِلُ قَوْلِ الشَّارِحِ كَامِلًا فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ أَقَدَّمَ الْوُضُوءَ كُلَّهُ) لَوْ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَهَلْ يَنْوِي بِالْوُضُوءِ الْفَرِيضَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ قَبْلَهُ أَوْ يَنْوِي بِهِ السُّنَّةَ لِأَنَّ وُضُوءَهُ انْدَرَجَ فِي الْغُسْلِ.
الْجَوَابُ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ نَوَى بِهِ الْفَرِيضَةَ، وَإِلَّا نَوَى بِهِ السُّنَّةَ فَيَقُولُ: نَوَيْت سُنَّةَ الْوُضُوءِ لِلْغُسْلِ، وَكَذَا يَقُولُ: إذَا قَدَّمَهُ إنْ تَجَرَّدَتْ جَنَابَتُهُ عَنْ الْحَدَثِ وَإِلَّا فَنِيَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ.
اهـ. ابْنُ شَرَفٍ.

قَوْلُهُ: (نَوَى سُنَّةَ الْغُسْلِ) أَيْ بِأَنْ يَقُولَ: نَوَيْت الْوُضُوءَ لِسُنَّةِ الْغُسْلِ، أَوْ الْوُضُوءَ الْمَسْنُونَ لِلْغُسْلِ، أَوْ يَقُولَ: نَوَيْت الْوُضُوءَ سُنَّةَ الْغُسْلِ، وَلَا يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ سُنَّةَ الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ وُضُوءٍ، وَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ: نَوَيْت الطَّهَارَةَ لِسُنَّةِ الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ وُضُوءٍ، وَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ: نَوَيْت الطَّهَارَةَ لِسُنَّةِ الْغُسْلِ أَوْ أَدَاءِ الطَّهَارَةِ لِسُنَّةِ الْغُسْلِ، وَالْمَمْنُوعُ إنَّمَا هُوَ نِيَّةُ رَفْعِ الْمَنْعِ أَوْ الِاسْتِبَاحَةِ، وَهَذَا مَحَلُّهُ إذَا قَدَّمَهُ عَلَى الْغُسْلِ أَمَّا إذَا أَخَّرَهُ، فَإِنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ، وَإِلَّا نَوَى سُنَّةَ الْغُسْلِ كَمَا قَالَهُ ح ل. وزي وَفَائِدَةُ بَقَاءِ الْوُضُوءِ مَعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ صِحَّةُ الصَّلَاةِ بَعْدَ رَفْعِ الْحَدَثِ بِنِيَّتِهِ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ

وَإِنْ قُلْنَا يَنْدَرِجُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ فَإِنْ تَرَكَ الْوُضُوءَ أَوْ الْمَضْمَضَةَ أَوْ الِاسْتِنْشَاقَ كُرِهَ لَهُ، وَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَتَدَارَكَ ذَلِكَ.

(وَ) الثَّالِثَةُ (إمْرَارُ الْيَدِ) فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ الثَّلَاثِ (عَلَى) مَا أَمْكَنَهُ مِنْ (الْجَسَدِ) فَيَدْلُكُ مَا وَصَلَتْ إلَيْهِ يَدُهُ مِنْ بَدَنِهِ

[حاشية البجيرمي]

خِلَافٍ ع ش. قَوْلُهُ: (وَإِلَّا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ) ظَاهِرُهُ، وَإِنْ أَخَّرَ الْوُضُوءَ عَنْ الْغُسْلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ وَهُوَ الْقَائِلُ بِعَدَمِ الِانْدِرَاجِ.
قَالَ سم: وَلَا يَضُرُّ فِي صِحَّةِ وُضُوئِهِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ اعْتِقَادُ زَوَالِهِ أَيْ زَوَالِ الْوُضُوءِ بِالْغُسْلِ نَظَرًا لِمُرَاعَاةِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ زَوَالِهِ، فَتَكُونُ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ مُجَوِّزَةً لِهَذِهِ النِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يُقَلِّدْ الْمُخَالِفُ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُسَنُّ لِفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ التَّيَمُّمُ عَلَى نَحْوِ صَخْرَةٍ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ جَوَّزَهُ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ هَذَا عَلَى تَقْلِيدِ الْقَائِلِ بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ تَقْلِيدِهِ لَا يَكُونُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ فِي شَيْءٍ بَلْ لَا يَصِحُّ الْقَوْلُ حِينَئِذٍ بِالسُّنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ مُقَلِّدًا لِذَلِكَ الْقَائِلِ يَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ الْمَذْكُورُ.
قَوْلُهُ: (نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ) أَوْ غَيْرَهُ مِنْ نِيَّاتِ الْوُضُوءِ، وَلَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَقَبْلَ الْغُسْلِ لَا تُنْدَبُ لَهُ إعَادَتُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ م ر. لِأَنَّ هَذَا الْوُضُوءَ لَا يُبْطِلُهُ الْحَدَثُ، وَإِنَّمَا يُبْطِلُهُ الْجِمَاعُ.
وَبِهِ يُلْغَزُ فَيُقَالُ: لَنَا وُضُوءٌ لَا يُبْطِلُهُ الْحَدَثُ، وَقَدْ نَظَمَ السُّيُوطِيّ ذَلِكَ فَقَالَ: قُلْ لِلْفَقِيهِ وَلِلْمُفِيدْ ... وَلِكُلِّ ذِي بَاعٍ مَدِيدْ مَا قُلْت فِي مُتَوَضِّئٍ ... قَدْ جَاءَ بِالْأَمْرِ السَّدِيدْ لَا يَنْقُضُونَ وُضُوءَهُ ... مَهْمَا تَغَوَّطَ أَوْ يَزِيدْ وَوُضُوءُهُ لَمْ يُنْتَقَضْ ... إلَّا بِإِيلَاجٍ جَدِيدْ وَنَظَمَ الْجَوَابَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: يَا مُبْدِيَ اللُّغْزِ السَّدِيدْ ... يَا وَاحِدَ الْعَصْرِ الْفَرِيدْ هَذَا الْوُضُوءُ هُوَ الَّذِي ... لِلْغُسْلِ سُنَّ كَمَا تُفِيدْ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُنْتَقَضْ ... إلَّا بِإِيلَاجٍ جَدِيدْ وَخَالَفَ ابْنُ حَجَرٍ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ التَّعْلِيلِ أَعْنِي الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ.

قَوْلُهُ: (وَإِنْ قُلْنَا يَنْدَرِجُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ إلَخْ) أَيْ فَلَا يَحْصُلُ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ إلَّا بِنِيَّتِهِ رَفْعَ الْحَدَثِ وَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ الْغُسْلِ، وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ كَالصَّرِيحِ فِي هَذَا.
اهـ. سم فِي شَرْحِ الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ أَوْجَبَهُ) أَيْ الْوُضُوءَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْمَضْمَضَةَ أَوْ الِاسْتِنْشَاقَ) أَيْ اللَّتَانِ هُمَا سُنَّتَانِ مُسْتَقِلَّتَانِ لِلْغُسْلِ غَيْرُ اللَّتَيْنِ فِي الْوُضُوءِ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ لَهُ أَيْضًا.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ سُنَّتَانِ فِي الْغُسْلِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ كَذَلِكَ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَاجِبَانِ فِيهِمَا.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَرْضَانِ فِي الْغُسْلِ، سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ كَمَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَيْنِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَتَدَارَكَ ذَلِكَ) ظَاهِرُهُ: وَلَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْغُسْلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلَا تَفُوتُ سُنَنُ الْغُسْلِ بِالْفَرَاغِ مِنْهُ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ لِاعْتِبَارِ التَّرْتِيبِ فِي أَفْعَالِ الْوُضُوءِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ.

قَوْلُهُ: (إمْرَارُ الْيَدِ) وَغَيْرُ الْيَدِ مِثْلُهَا وَلَوْ نَحْوَ عُودٍ فِي الْأَمَاكِنِ الضَّيِّقَةِ كَطَيَّاتِ السُّرَّةِ.
وَقَالَ الْمُزَنِيّ مِنَّا بِوُجُوبِهِ مُطْلَقًا كَمَالِكٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ أَيْ غَيْرُ الْمُزَنِيِّ: هُوَ وَاجِبٌ فِي الْأَزَبِّ فَقَطْ، وَالْأَزَبُّ بِالزَّايِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ كَثِيرُ الشَّعْرِ وَالْأَصَحُّ نَدْبُهُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ الثَّلَاثِ) أَيْ الْمَطْلُوبَةِ شَرْعًا، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ.
لَكِنْ كَانَ الْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَذْكُرَ قَبْلَ هَذَا سَنَّ التَّثْلِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (مَا وَصَلَتْ إلَيْهِ يَدُهُ) لَيْسَ قَيْدًا فَيَسْتَعِينُ عَلَى بَقِيَّةِ بَدَنِهِ بِخِرْقَةٍ، أَوْ نَحْوِهَا أَخْذًا مِنْ التَّعْلِيلِ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ، فَلَوْ لَمْ يَقُلْ عَلَى مَا أَمْكَنَهُ لَكَانَ أَوْلَى ق ل. أَيْ لِأَنَّ مَنْ أَوْجَبَهُ أَوْجَبَهُ فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَحْصُلُ جَعْلُ قَوْلِهِ خُرُوجًا إلَخْ عِلَّةً لَهُ اهـ شَيْخُنَا ح ف. وَقَرَّرَ شَيْخُنَا أَنَّ قَوْلَهُ: مَا وَصَلَتْ إلَيْهِ يَدُهُ إحْدَى طَرِيقَتَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِعَانَةٌ فِي غَيْرِ مَا وَصَلَتْ إلَيْهِ يَدُهُ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا وَهِيَ الَّتِي نَقَلَهَا ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ سَحْنُونَ، وَهِيَ

احْتِيَاطًا وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْآيَةَ وَالْأَحَادِيثَ لَيْسَ فِيهِمَا تَعَرُّضٌ لِوُجُوبِهِ.

وَيَتَعَهَّدُ مَعَاطِفَهُ كَأَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِكَفِّهِ فَيَجْعَلَهُ عَلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي فِيهَا انْعِطَافٌ وَالْتِوَاءٌ كَالْإِبْطِ وَالْأُذُنَيْنِ وَطَبَقَاتِ الْبَطْنِ وَدَاخِلِ السُّرَّةِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الثِّقَةِ بِوُصُولِ الْمَاءِ، وَيَتَأَكَّدُ فِي الْأُذُنِ فَيَأْخُذُ كَفًّا مِنْ مَاءٍ وَيَضَعُ الْأُذُنَ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَى مَعَاطِفِهِ وَزَوَايَاهُ.

(وَ) الرَّابِعَةُ (الْمُوَالَاةُ) وَهِيَ غَسْلُ الْعُضْوِ قَبْلَ جَفَافِ مَا قَبْلَهُ كَمَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ.

(وَ) الْخَامِسَةُ (تَقْدِيمُ) غَسْلِ جِهَةِ (الْيُمْنَى) مِنْ جَسَدِهِ ظَهْرًا وَبَطْنًا (عَلَى) غَسْلِ جِهَةِ (الْيُسْرَى) بِأَنْ يَفِيضَ الْمَاءُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي طَهُورِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

وَقَدَّمْنَا أَنَّ سُنَنَ الْغُسْلِ كَثِيرَةٌ: فَمِنْهَا التَّثْلِيثُ تَأَسِّيًا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي الْوُضُوءِ.
وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يَتَعَهَّدَ مَا ذُكِرَ، ثُمَّ يَغْسِلَ رَأْسَهُ وَيَدْلُكَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ بَاقِيَ جَسَدِهِ كَذَلِكَ بِأَنْ يَغْسِلَ، وَيَدْلُكَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ

[حاشية البجيرمي]

الْمُعْتَمَدَةُ عِنْدَهُمْ فَكَلَامُ الشَّارِحِ صَحِيحٌ، وَمَنْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ نَظَرَ لِلطَّرِيقَةِ الْأُخْرَى الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا خَلِيلٌ وَهِيَ غَيْرُ مُعْتَمَدَةٍ عِنْدَهُمْ.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَدَنِهِ) . تَنْبِيهٌ: الْأَجْسَامُ وَالْأَجْسَادُ سَوَاءٌ وَالْجِسْمُ وَالْجَسَدُ جَمِيعُ الشَّخْصِ، وَالْأَجْسَامُ أَعَمُّ مِنْ الْأَبَدَانِ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ مِنْ الْجَسَدِ مَا سِوَى الرَّأْسِ وَالْأَطْرَافِ، وَقِيلَ الْبَدَنُ أَعَالِي الْجَسَدِ دُونَ أَسَافِلِهِ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ) وَهُوَ الْإِمَامُ مَالِكٌ الْقَائِلُ بِوُجُوبِ إمْرَارِ الْيَدِ عَلَى الْبَدَنِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ.
وَقَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: إنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: الْمُبَالَغَةُ فِي إنْعَاشِ الْبَدَنِ مِنْ الضَّعْفِ الْحَاصِلِ لَهُ مِنْ سَرَيَانِ لَذَّةِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ وَالْجِمَاعِ.
وَوَجْهُ الثَّانِي الِاكْتِفَاءُ بِمُرُورِ الْمَاءِ عَلَى سَطْحِ الْبَدَنِ فَإِنَّهُ يُحْيِي بِالطَّبْعِ كُلَّ مَا مَرَّ عَلَيْهِ مِنْ الْبَدَنِ اهـ ذَكَرَهُ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ.

قَوْلُهُ: (وَيَتَعَهَّدُ مَعَاطِفَهُ) هَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ شَرْحِ الْمَتْنِ بَلْ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَ ذَلِكَ، وَيَذْكُرُهُ فِي السُّنَنِ الَّتِي زَادَهَا.
قَوْلُهُ: (كَالْإِبْطِ) بِسُكُونِ الْبَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَطَبَقَاتِ الْبَطْنِ) بِسُكُونِ الطَّاءِ وَبِكَسْرِهَا أَيْ الْعَظِيمِ الْبَدَنِ شَرْحُ الْبَهْجَةِ وَهِيَ أَعَمُّ أَيْ بِكَسْرِ الطَّاءِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهَا أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ الطَّبَقَاتُ فِي الْبَطْنِ أَوْ فِي غَيْرِهَا، وَالطَّبَقَاتُ هِيَ الطَّيَّاتُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَاءٍ وَيَضَعُ الْأُذُنَ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ وَيُمِيلُ رَأْسَهُ عِنْدَ غَسْلِ أُذُنَيْهِ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِيهَا الْمَاءُ فَيَضُرَّهُ أَوْ يُفْطِرَ بِهِ لَوْ كَانَ صَائِمًا، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فَيَجُوزُ لَهُ الِانْغِمَاسُ وَصَبُّ الْمَاءِ عَلَى رَأْسِهِ.
وَإِنْ أَمْكَنَ الْإِمَالَةَ، وَعَلَيْهِ فَهَلْ إذَا وَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ إلَى الصِّمَاخَيْنِ بِسَبَبِ الِانْغِمَاسِ مَعَ إمْكَانِ الْإِمَالَةِ يَبْطُلُ صَوْمُهُ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُهُمْ: يَتَأَكَّدُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ فِي حَقِّهِ أَوَّلًا.
لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ مَأْذُونٍ فِيهِ فِيهِ نَظَرٌ، وَقِيَاسُ الْفِطْرِ: لَوْ وَصَلَ مَاءُ الْمَضْمَضَةِ إذَا بَالَغَ الْفِطْرَ، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَحَلَّ الْفِطْرِ إذَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِ وُصُولُ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِ أُذُنَيْهِ لَوْ انْغَمَسَ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ فَلَا يَثْبُتُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الطَّلَبِ بِخِلَافِ الْوُصُولِ مِنْ غُسْلِ تَبَرُّدٍ أَوْ تَنَظُّفٍ فَيَضُرُّ لِعَدَمِ تَوَلُّدِهِ مِنْ مَأْمُورٍ بِهِ.
قَوْلُهُ: (إلَى مَعَاطِفِهِ) أَيْ الْأُذُنِ وَذَكَّرَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ الْعُضْوِ وَإِلَّا فَالْأُذُنُ مُؤَنَّثَةٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إلَى مَعَاطِفِهِ أَيْ الرَّجُلِ، فَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى فَاعِلِ يَتَعَهَّدُ اهـ. قَوْلُهُ: (وَزَوَايَاهُ) مُرَادِفٌ.

قَوْلُهُ: (وَهِيَ غَسْلُ الْعُضْوِ) وَالْمُرَادُ بِالْعُضْوِ هُنَا الْجُزْءُ مِنْ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ الْجُنُبَ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ: (ظَهْرًا وَبَطْنًا) أَيْ مُقَدَّمًا وَمُؤَخَّرًا فَيُقَدِّمُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ مُقَدَّمَهُ ثُمَّ مُؤَخَّرَهُ ثُمَّ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ، بِخِلَافِ غُسْلِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ مُقَدَّمَهُ الْأَيْمَنَ ثُمَّ الْأَيْسَرَ ثُمَّ الْمُؤَخَّرَ كَذَلِكَ لِمَشَقَّةِ تَحْرِيفِهِ، فَلَوْ فَعَلَ هُنَا مَا يَأْتِي كَانَ آتِيًا بِأَصْلِ السُّنَّةِ فِيمَا يَظْهَرُ بِالنَّظَرِ لِمُقَدَّمِ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ دُونَ مُؤَخَّرِهِ لِتَأَخُّرِهِ عَنْ مُقَدَّمِ الْأَيْسَرِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: «كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ» أَيْ يَخْتَارُ الْبَدْءَ بِالْأَيَامِنِ.

قَوْلُهُ: (وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ) أَيْ كَيْفِيَّةُ الْغُسْلِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى أَوَّلًا ثُمَّ يُزِيلَ مَا عَلَى جَسَدِهِ مِنْ قَذَرٍ كَمَنِيٍّ ثُمَّ يَتَعَهَّدَ مَعَاطِفَهُ ثُمَّ يَغْسِلَ رَأْسَهُ إلَخْ؛ لِأَنَّ

الْمُقَدَّمَ ثُمَّ الْمُؤَخَّرَ ثُمَّ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ مَرَّةً ثُمَّ ثَانِيَةً ثُمَّ ثَالِثَةً، كَذَلِكَ لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ، فَإِنْ كَانَ جَارِيًا كَفَى فِي التَّثْلِيثِ أَنْ يُمِرَّ عَلَيْهِ ثَلَاثَ جِرْيَاتٍ، لَكِنْ قَدْ يَفُوتُهُ الدَّلْكُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ غَالِبًا تَحْتَ الْمَاءِ؛ إذْ رُبَّمَا يَضِيقُ نَفَسُهُ، وَإِنْ كَانَ رَاكِدًا انْغَمَسَ فِيهِ ثَلَاثًا بِأَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ مِنْهُ وَيَنْقُلَ قَدَمَيْهِ أَوْ يَنْتَقِلَ فِيهِ مِنْ مَقَامِهِ إلَى آخَرَ ثَلَاثًا، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى انْفِصَالِ جُمْلَتِهِ، وَلَا رَأْسِهِ كَمَا فِي التَّسْبِيعِ مِنْ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ، فَإِنَّ حَرَكَتَهُ تَحْتَ الْمَاءِ كَجَرْيِ الْمَاءِ عَلَيْهِ، وَلَا يُسَنُّ تَجْدِيدُ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، فَيُسَنُّ تَجْدِيدُهُ إذَا صَلَّى بِالْأُولَى صَلَاةً كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي بَابِ النَّذْرِ مِنْ زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» .

[حاشية البجيرمي]

مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ هُوَ الْكَيْفِيَّةَ الْكَامِلَةَ بَلْ الْكَيْفِيَّةُ الْكَامِلَةُ مَا ذُكِرَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِ الْمُحَشِّينَ أَنَّ قَوْلَهُ: وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ رَاجِعٌ لِلتَّثْلِيثِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَوْهَمَهُ فِي ذَلِكَ عِبَارَةُ الشَّارِحِ حَيْثُ لَمْ يَحْصُرْ السُّنَنَ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَكَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ يَحْصُرَهَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ كَمَا فَعَلَ م ر. وَغَيْرُهُ، هَذَا، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرِ بَدَنِهِ مَرَّةً ثُمَّ ثَانِيَةً كَذَلِكَ ثُمَّ ثَالِثَةً بِذَلِكَ أَوْ دُونَهُ لَا تَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ التَّثْلِيثِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَحْصُلُ بِخِلَافِ تَكْرِيرِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ بَدَنَ الْمُغْتَسِلِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ م د. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا تَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ التَّثْلِيثِ أَيْ الْأَكْمَلُ أَيْ لَا يَحْصُلُ بِهِ أَكْمَلُ فَضِيلَةِ التَّثْلِيثِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ أَصْلُ السُّنَّةِ.
قَوْلُهُ: (مَا ذُكِرَ) أَيْ الْمَعَاطِفُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ) أَيْ بِالصَّبِّ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَلَا يُطْلَبُ فِيهِ تَيَامُنٌ.
نَعَمْ يُسَنُّ ذَلِكَ لِنَحْوِ أَقْطَعَ لَا يَتَأَتَّى لَهُ الْإِفَاضَةُ، وَفِي التَّخْلِيلِ فَيُخَلِّلُ شَعْرَ الْجَبْهَةِ الْيُمْنَى أَوَّلًا.
قَوْلُهُ: (وَيَدْلُكُ شِقَّهُ) بِكَسْرِ الشِّينِ أَيْ جَنْبَهُ، وَالشِّقُّ نِصْفُ الشَّيْءِ.
مُنَاوِيٌّ عَلَى الشَّمَائِلِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ) أَيْ الْمُقَدَّمَ ثُمَّ الْمُؤَخَّرَ، وَصَرِيحُ كَلَامِ التَّحْرِيرِ كَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَغْسِلُ الرَّأْسَ ثَلَاثًا، ثُمَّ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ مِنْ مُقَدَّمِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مِنْ مُؤَخَّرِهِ ثَلَاثًا ثُمَّ مُقَدَّمِهِ الْأَيْسَرِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مُؤَخَّرِهِ ثَلَاثًا، فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى شِقٍّ حَتَّى يُثَلِّثَ مَا قَبْلَهُ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَحَدُ كَيْفِيَّاتِهِ، وَإِلَّا فَلَوْ غَسَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مَرَّةً ثُمَّ أَعَادَ الْغُسْلَ ثَانِيَةً كَذَلِكَ ثُمَّ ثَالِثَةً، كَذَلِكَ حَصَلَ التَّثْلِيثُ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الِانْغِمَاسِ كَمَا مَرَّ، وَاسْتُفِيدَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ تَثْلِيثُ وَاحِدٍ أَيْ مِنْ الْمَغْسُولِ عَلَى تَثْلِيثِ مَا قَبْلَهُ، وَفَارَقَ الْوُضُوءَ بِعَدَمِ التَّرْتِيبِ أَيْ فِي الْغُسْلِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا يُوَافِقُ مَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةَ هِيَ كَمَالُ السُّنَّةِ، وَأَمَّا الْكَيْفِيَّةُ الَّتِي تُحَصِّلُ أَصْلَ السُّنَّةِ فَهِيَ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ ثَلَاثًا ثُمَّ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَيَنْقُلُ قَدَمَيْهِ) أَيْ لِأَجْلِ تَثْلِيثِ بَاطِنِ قَدَمَيْهِ بِأَنْ يُفَرِّقَهُمَا بَعْدَ أَنْ كَانَا مُنْضَمَّيْنِ مَعَ بَقَائِهِ فِي مَكَانِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَنْتَقِلُ فِيهِ) أَيْ فِي حَالِ انْغِمَاسِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَحْتَاجُ إلَى انْفِصَالِ جُمْلَتِهِ) أَيْ فِي الصُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ فِي الرَّاكِدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا رَأْسِهِ) أَيْ فِي الْأَخِيرَةِ مِنْهُمَا.
وَقَوْلُهُ (كَمَا فِي التَّسْبِيعِ) أَيْ فِي الْكَيْفِيَّةِ الثَّانِيَةِ بَلْ يُسَبِّعُ تَحْتَ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ حَرَكَتَهُ) أَيْ الْمُنْتَقِلِ فَهُوَ رَاجِعٌ لِلصُّورَةِ الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُسَنُّ تَجْدِيدُ الْغُسْلِ) بَلْ يُكْرَهُ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ جَدَّدَ وُضُوءَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ صَلَاةً مَا بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا غَيْرُ مَشْرُوعٍ اهـ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْوُضُوءِ) أَيْ لِأَنَّ مُوجِبَ الْوُضُوءِ أَغْلَبُ وُقُوعًا.
وَاحْتِمَالُ عَدَمِ الشُّعُورِ بِهِ أَقْرَبُ فَيَكُونُ الِاحْتِيَاطُ فِيهِ أَهَمَّ شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (إذَا صَلَّى بِالْأَوَّلِ صَلَاةً مَا) وَلَوْ رَكْعَةً أَوْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ لَا غَيْرُ ذَلِكَ كَسَجْدَةِ تِلَاوَةٍ أَوْ شُكْرٍ لِعَدَمِ كَوْنِهِمَا صَلَاةً، وَكَذَا الطَّوَافُ وَإِنْ كَانَ مُلْحَقًا بِالصَّلَاةِ، وَكَذَا خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ فَلَوْ لَمْ يُصَلِّ بِهِ كَانَ مَكْرُوهًا، وَيَصِحُّ، وَقِيلَ حَرَامٌ.
وَالْكَلَامُ فِي الْمَاءِ الْمَمْلُوكِ أَوْ الْمُبَاحِ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةً مَا) أَيْ وَلَوْ سُنَّةَ الْوُضُوءِ، وَفِي كَلَامِ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَكْرِيّ غَيْرُ سُنَّةِ الْوُضُوءِ فِيمَا يَظْهَرُ أَيْ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّسَلْسُلُ إلَّا إذَا قُلْنَا: لَا سُنَّةَ لِلْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ بِلَالٍ اهـ. وَقَوْلُهُ: لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّسَلْسُلُ: أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا مُفَوَّضٌ إلَيْهِ فَلَهُ قَطْعُهُ بِتَرْكِ سُنَّةِ الْوُضُوءِ.
وَقَوْلُهُ: (كَانَ مَكْرُوهًا) أَيْ تَنْزِيهًا لَا تَحْرِيمًا بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَعَلَّلَ الْحُرْمَةَ بِأَنَّهُ تَعَاطِي عِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ، وَرَدَّهُ م ر بِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ النَّظَافَةُ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ.
قَالَ فِي الْإِيعَابِ: وَقَدْ يُقَالُ: قِيَاسُ مَا يَأْتِي مِنْ حُرْمَةِ إعَادَةِ الصَّلَاةِ لَا فِي جَمَاعَةِ الْحُرْمَةِ هُنَا، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ غَايَةَ تَجْدِيدِهِ أَنَّهُ كَالْغَسْلَةِ الرَّابِعَةِ، وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ

وَلِأَنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يَجِبُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَنُسِخَ الْوُجُوبُ وَبَقِيَ أَصْلُ الطَّلَبِ.

وَيُسَنُّ أَنْ تُتْبِعَ الْمَرْأَةُ غَيْرُ الْمُحْرِمَةِ وَالْمُحِدَّةِ لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَثَرِ الدَّمِ مِسْكًا فَتَجْعَلُهُ فِي قُطْنَةٍ وَتُدْخِلَهَا الْفَرْجَ بَعْدَ غُسْلِهَا وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْأَثَرِ، وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ بِلَا عُذْرٍ كَمَا فِي التَّنْقِيحِ وَالْمِسْكُ فَارِسِيُّ مُعَرَّبٌ الطِّيبُ الْمَعْرُوفُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ الْمِسْكَ أَوْ لَمْ تَمْسَحْ بِهِ فَنَحْوَهُ مِمَّا فِيهِ حَرَارَةٌ كَالْقِسْطِ وَالْأَظْفَارِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ طِيبًا فَطِينًا فَإِنْ لَمْ تَجِدْهُ كَفَى الْمَاءُ أَمَّا الْمُحْرِمَةُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الطِّيبُ بِأَنْوَاعِهِ.
وَالْمُحِدَّةُ تَسْتَعْمِلُ قَلِيلَ قِسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ.

وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ مَاءُ الْوُضُوءِ فِي مُعْتَدِلِ الْجَسَدِ عَنْ مُدٍّ تَقْرِيبًا وَهُوَ

[حاشية البجيرمي]

فَإِنْ قُلْت: قِيَاسُ قَوْلِهِمْ يَحْرُمُ التَّلَبُّسُ بِعِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ حُرْمَتُهُ وَحُرْمَةُ الرَّابِعَةِ.
قُلْت: الْقَصْدُ مِنْ التَّجْدِيدِ، وَالرَّابِعَةُ مَزِيدُ النَّظَافَةِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَقْصُودَ الْوُضُوءِ فَكَانَ مُؤَكَّدًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِبَادَةً أُخْرَى مُغَايِرَةً حَتَّى يَحْرُمَ التَّلَبُّسُ بِهَا عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ تَعَاطِي الْعِبَادَةِ الْفَاسِدَةِ فِي شَيْءٍ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الصَّلَاةَ بِالْأَوَّلِ شَرْطٌ لِنَدْبِ الثَّانِي لَا لِجَوَازِهِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ بِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ فَسُومِحَ فِيهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا مَقْصُودَةٌ بِالذَّاتِ فَفِي تَكْرَارِهَا اخْتِرَاعُ عِبَادَةٍ لَمْ تَرِدْ شَوْبَرِيٌّ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ بِالْأَوَّلِ صَلَاةً كُرِهَ التَّجْدِيدُ، نَعَمْ إنْ عَارَضَهُ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ قُدِّمَتْ عَلَى التَّجْدِيدِ؛ لِأَنَّهَا أَوْلَى مِنْهُ، كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ.
قَالَ ع ش: وَيَنْبَغِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ الصَّلَاةُ الْكَامِلَةُ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا ثُمَّ فَسَدَتْ لَمْ يُسَنَّ لَهُ التَّجْدِيدُ اهـ. وَلَوْ تَوَضَّأَ الْجُنُبُ لِلْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ مَثَلًا، ثُمَّ أَرَادَ الْغُسْلَ فِي الْحَالِ، فَهَلْ يُسَنُّ الْوُضُوءُ لِلْغُسْلِ أَوْ لَا.
اكْتِفَاءً بِوُضُوءِ نَحْوِ الْأَكْلِ، كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ لِلْإِحْرَامِ مِنْ مَكَان قَرِيبٍ مِنْ مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ عَنْ غُسْلِ دُخُولِهَا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَا يَبْعُدُ الثَّانِي أَعْنِي الِاكْتِفَاءَ.
اهـ. إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ كَانَ إلَخْ) لَوْ سَكَتَ عَنْ هَذِهِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ كَانَ كَذَلِكَ اهـ ق ل. لَكِنْ نُسِخَ مِنْ أَصْلِهِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ أَصْلٌ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، فَإِنَّ الْمَنْسُوخَ وُجُوبُهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَأَصْلُ الطَّلَبِ بَاقٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نِفَاسٍ) لَا اسْتِحَاضَةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِلْقَلْيُوبِيِّ.

قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَاسْتَثْنَى الزَّرْكَشِيّ الْمُسْتَحَاضَةَ أَيْضًا فَقَالَ: يَنْبَغِي لَهَا أَنْ لَا تَسْتَعْمِلَ لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِخُرُوجِ الدَّمِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ فَلَا يَبْقَى لَهُ فَائِدَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَتُدْخِلُهَا الْفَرْجَ) أَيْ الْمَحَلَّ الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ فَيُطْلَبُ لِلصَّائِمَةِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفْطِرٍ ق ل. عَلَى الْمَحَلِّيّ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ م ر. أَمَّا الصَّائِمَةُ فَلَا تَسْتَعْمِلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (بَعْدَ غُسْلِهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الْغُسْلُ قَوْلُهُ: (بِالْأَثَرِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ: أَثَرِ الدَّمِ.
قَوْلُهُ: (مُعَرَّبٌ) وَهُوَ لَفْظٌ اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي مَعْنًى وُضِعَ لَهُ فِي غَيْرِ لُغَتِهِمْ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى مَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ كَمَا فِي مَتْنِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ.
وَقِيلَ وَقَعَ فِي الْقُرْآنِ مِثْلُ قِسْطَاسٍ.
وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا تَوَافَقَتْ فِيهِ اللُّغَاتُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (الطِّيبُ الْمَعْرُوفُ) وَهُوَ أَفْضَلُ الطِّيبِ وَأَحَبُّهُ إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُهُ: (كَالْقِسْطِ وَالْأَظْفَارِ) نَوْعَانِ مِنْ الطِّيبِ، وَالْأَظْفَارُ شَيْءٌ مِنْ الطِّيبِ أَسْوَدُ عَلَى شَكْلِ ظُفُرِ الْإِنْسَانِ وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ تَجِدْ طِيبًا) التَّرْتِيبُ لِكَمَالِ السُّنَّةِ لَا لِأَصْلِهَا شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَفَى الْمَاءُ) أَيْ مَاءُ الْغُسْلِ فِي دَفْعِ الرَّائِحَةِ لَا عَنْ السُّنَّةِ مَرْحُومِيٌّ.
وَقِيلَ: مَاءٌ آخَرُ غَيْرُ مَاءِ الْغُسْلِ عِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
فَالْمَاءُ كَافٍ أَيْ مَاءُ الْغُسْلِ فِي دَفْعِ الْكَرَاهَةِ أَوْ مَاءٌ آخَرُ فِي حُصُولِ السُّنَّةِ، وَيُقَدَّمُ عَلَى الْمَاءِ بَعْدَ الطِّينِ نَوَى الزَّبِيبِ ثُمَّ مُطْلَقُ النَّوَى.
ثُمَّ مَا لَهُ رِيحٌ طَيِّبٌ، ثُمَّ الْمِلْحُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُحِدَّةُ تَسْتَعْمِلُ) أَيْ يُسَنُّ لَهَا ذَلِكَ كَمَا يُؤْخَذُ م ر خِلَافًا لِمَا فِي ح ل عَلَى الْمَنْهَجِ، وَعِبَارَةُ م ر: وَتُتْبِعُ الْأُنْثَى غَيْرُ الْمُحْرِمَةِ وَالْمُحِدَّةِ لِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ وَلَوْ خَلِيَّةً أَوْ بِكْرًا أَوْ عَجُوزًا أَوْ ثُقْبَةَ أُنْثَى انْسَدَّ فَرْجُهَا أَوْ خُنْثَى حُكِمَ بِأُنُوثَتِهِ إثْرَهُ أَيْ الدَّمِ مِسْكًا تَطْيِيبًا لِلْمَحَلِّ لَا لِسُرْعَةِ الْعُلُوقِ، فَيُكْرَهُ تَرْكُهُ أَمَّا الْمُحْرِمَةُ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهَا اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ مُطْلَقًا، وَكَذَا الْمُحِدَّةُ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهَا تَطْيِيبُ الْمَحَلِّ بِقَلِيلِ قِسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ، وَلَوْ لَمْ تَجِدْ سِوَى الْمَاءِ كَفَى فِي دَفْعِ الْكَرَاهَةِ لَا عَنْ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ، وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُنْدَبُ تَطْيِيبُ مَا أَصَابَهُ دَمُ الْحَيْضِ مِنْ بَقِيَّةِ بَدَنِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ

رِطْلٌ وَثُلُثٌ بَغْدَادِيٌّ، وَالْغُسْلُ عَنْ صَاعٍ تَقْرِيبًا وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ سَفِينَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ وَيُوَضِّئُهُ الْمُدُّ»

وَيُكْرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ، وَإِنْ كَثُرَ وَبِئْرٍ مُعَيَّنَةٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُسْتَبْحِرِ.

فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْإِحْيَاءِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَلِّمَ أَوْ يَسْتَحِدَّ أَوْ يُخْرِجَ دَمًا أَوْ يُبَيِّنَ مِنْ نَفْسِهِ جُزْءًا وَهُوَ جُنُبٌ؛ إذْ يُرَدُّ إلَيْهِ سَائِرُ أَجْزَائِهِ فِي الْآخِرَةِ فَيَعُودُ جُنُبًا، وَيُقَالُ: إنَّ كُلَّ شَعْرَةٍ تُطَالِبُ بِجَنَابَتِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْكَشِفَ لِلْغُسْلِ فِي خَلْوَةٍ

[حاشية البجيرمي]

أَمَّا الصَّائِمَةُ فَلَا تَسْتَعْمِلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَشَمِلَ تَعْبِيرُهُ بِأَثَرِ الدَّمِ الْمُسْتَحَاضَةَ إذَا شَفِيَتْ، وَهُوَ مَا تَفَقَّهَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَفْتَى الْوَالِدُ بِحُرْمَةِ جِمَاعِ مَنْ تَنَجَّسَ ذَكَرُهُ قَبْلَ غَسْلِهِ، وَيَنْبَغِي تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ السَّلَسِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِحِلِّ وَطْءِ الْمُسْتَحَاضَةِ مَعَ جَرَيَانِ دَمِهَا اهـ. وَفِي اج عَلَى مُخْتَصَرِ الْبُخَارِيِّ مَا نَصُّهُ: تَتِمَّةٌ فِعْلُهَا لِلطِّيبِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ مَنْدُوبٌ لَا وَاجِبٌ، وَهَلْ يُطْلَبُ لِذَوَاتِ الزَّوْجِ أَوْ مُطْلَقًا؟ يُنْظَرُ.
فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ طُلِبَ مُطْلَقًا، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ مُعَلَّلٌ فَمَا تِلْكَ الْعِلَّةُ؟ فَقِيلَ: إنَّمَا ذَلِكَ لِأَجْلِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ نَتِنٌ، وَتَبْقَى الْأَيَّامُ الْمُتَوَالِيَةُ عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ، فَيُكْتَسَبُ مِنْهُ رَائِحَةٌ، فَرُبَّمَا يَتَأَذَّى مِنْهَا الزَّوْجُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا.
وَقِيلَ: إنَّ الْمَحَلَّ يَلْحَقُهُ مِنْ الدَّمِ رِخْوٌ وَإِنْ الطِّيبُ يَصْلُحُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا يُنْدَبُ لِذَاتِ الزَّوْجِ وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِي غَيْرِهَا، وَيَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ يُحَرِّكُ شَهْوَةَ الْجِمَاعِ مِنْهَا فَلَا تَفْعَلُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُحَرِّكُ عِنْدَهَا ذَلِكَ فَحَسَنٌ أَنْ تَفْعَلَ؛ لِأَنَّ الطِّيبَ مِنْ السُّنَّةِ لَا سِيَّمَا لِمَنْفَعَةٍ تَلْحَقُهُ اهـ.

قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَنْقُصَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مُتَعَدِّيًا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 4] وَقَاصِرًا وَإِنْ اخْتَلَفَ الْفَاعِلُ عَلَيْهِمَا، فَقَوْلُهُ مَاءُ الْوُضُوءِ يَجُوزُ فِي لَفْظِ مَاءِ الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ يَنْقُصُ، وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُهُ، وَهَذَا أَوْلَى، لِأَنَّ نِسْبَةَ النَّقْصِ إلَى الْمُغْتَسِلِ أَوْلَى.
قَالَ الشَّيْخُ سُلْطَانُ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ عَدَمُ النَّقْصِ لَا الِاقْتِصَارُ عَلَى الْمُدِّ وَالصَّاعِ، وَعَبَّرَ آخَرُونَ بِأَنَّهُ يُنْدَبُ الْمُدُّ وَالصَّاعُ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يُنْدَبُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِمَا، قَالَ الْخَطِيبُ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ الرِّفْقَ مَحْبُوبٌ اهـ. وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا م د أَفْهَمَ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا بَأْسَ بِهَا مَا لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ الْإِسْرَافِ.
قَوْلُهُ: (رِطْلٌ وَثُلُثٌ بَغْدَادِيٌّ) وَهُوَ بِالْمِصْرِيِّ رِطْلٌ تَقْرِيبًا.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (عَنْ سَفِينَةَ) بِوَزْنِ مَدِينَةٍ وَهُوَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْمُهُ مِهْرَانُ، وَقِيلَ عِيسَى فَسَفِينَةُ لَقَبُهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ الشَّيْءَ الثَّقِيلَ، فَلَقَّبَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَفِينَةَ اهـ.

قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ) لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي طَهُورِ ذَلِكَ الْمَاءِ شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (مَعِينَةٍ) أَيْ جَارِيَةٍ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ أَوْ بِبِئْرٍ مَعِينَةٍ بِزِيَادَةِ الْبَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الْكَرَاهَةِ.

قَوْلُهُ: (أَوْ يَسْتَحِدُّ) أَيْ بِحَلْقِ الْعَانَةِ.
قَوْلُهُ: (إذْ يُرَدُّ إلَيْهِ سَائِرُ أَجْزَائِهِ) فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الَّذِي يُرَدُّ إلَيْهِ مَا مَاتَ عَلَيْهِ لَا جَمِيعُ أَظْفَارِهِ الَّتِي قَلَّمَهَا فِي عُمُرِهِ، وَلَا شَعْرِهِ كَذَلِكَ فَرَاجِعْهُ.
اهـ. ق ل. أَيْ لِأَنَّهَا لَوْ رُدَّتْ إلَيْهِ جَمِيعُهَا لَتَشَوَّهَتْ خِلْقَتُهُ مِنْ طُولِهَا.
وَعِبَارَةُ م د إذْ يُرَدُّ إلَيْهِ سَائِرُ أَجْزَائِهِ أَيْ الْأَصْلِيَّةُ فَقَطْ كَالْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ بِخِلَافِ نَحْوِ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ، فَإِنَّهُ يَعُودُ إلَيْهِ مُنْفَصِلًا عَنْ بَدَنِهِ لِتَبْكِيتِهِ أَيْ تَوْبِيخِهِ حَيْثُ أُمِرَ بِأَنْ لَا يُزِيلَهُ حَالَةَ الْجَنَابَةِ أَوْ نَحْوِهَا اهـ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَكُونُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ثُمَّ عِنْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ يَصِيرُونَ طِوَالًا.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: «إنَّهُمْ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَطُولُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي عَرْضِ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ أَبْنَاءُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَإِنَّهُمْ جُرْدٌ مُرْدٌ» . فَإِنْ قُلْت: فَبِمَ يُعْرَفُ الرِّجَالُ مِنْ النِّسَاءِ؟ قُلْت عَلَى الرِّجَالِ إكْلِيلٌ وَعَلَى النِّسَاءِ حُلَّةٌ كَالْمِقْنَعَةِ.

[فَرْعٌ قُطِعَ عُضْوُ مُسْلِمٍ ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ مُرْتَدًّ]

1 فَرْعٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا لَوْ قُطِعَ عُضْوُ مُسْلِمٍ ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ مُرْتَدًّا هَلْ تَعُودُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتُعَذَّبَ وَلَوْ كَانَتْ

أَوْ بِحَضْرَةِ مَنْ يَجُوزُ لَهُ نَظَرُهُ إلَى عَوْرَتِهِ، وَالسَّتْرُ أَفْضَلُ.

وَمَنْ اغْتَسَلَ لِجَنَابَةٍ وَنَحْوِهَا كَحَيْضٍ وَجُمُعَةٍ وَنَحْوِهَا كَعِيدٍ حَصَلَ غُسْلُهُمَا، كَمَا لَوْ نَوَى الْفَرْضَ وَتَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، أَوْ نَوَى أَحَدَهُمَا حَصَلَ فَقَطْ اعْتِبَارًا بِمَا نَوَاهُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَنْدَرِجْ النَّفَلُ فِي الْفَرْضِ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فَأَشْبَهَ سُنَّةَ الظُّهْرِ مَعَ فَرْضِهِ، فَإِنْ قِيلَ: لَوْ نَوَى بِصَلَاتِهِ الْفَرْضَ دُونَ التَّحِيَّةِ حَصَلَتْ التَّحِيَّةُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ إشْغَالُ الْبُقْعَةِ بِصَلَاةٍ وَقَدْ حَصَلَ، وَلَيْسَ الْقَصْدُ هُنَا النَّظَافَةَ فَقَطْ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ الْمَاءِ.

وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ فَرْضَانِ كَغُسْلِ جَنَابَةٍ وَحَيْضٍ كَفَاهُ الْغُسْلُ لِأَحَدِهِمَا، وَكَذَا لَوْ سُنَّ فِي حَقِّهِ سُنَّتَانِ كَغُسْلَيْ عِيدٍ وَجُمُعَةٍ، وَلَا يَضُرُّ التَّشْرِيكُ بِخِلَافِ نَحْوِ الظُّهْرِ مَعَ سُنَّتِهِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الطَّهَارَاتِ عَلَى التَّدَاخُلِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ.

وَلَوْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ أَوْ أَجْنَبَ ثُمَّ أَحْدَثَ أَوْ أَجْنَبَ

[حاشية البجيرمي]

انْفَصَلَتْ حَالَةَ الْإِسْلَامِ، وَفِيمَا لَوْ قُطِعَ مِنْ كَافِرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ مُسْلِمًا فَهَلْ تَعُودُ لَهُ يَدُهُ وَتُنَعَّمُ، وَإِنْ كَانَتْ انْفَصَلَتْ حَالَةَ الْكُفْرِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالظَّاهِرُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهَا تَعُودُ وَتُنَعَّمُ فِيمَا لَوْ قُطِعَتْ فِي الْكُفْرِ، وَتُعَذَّبُ فِيمَا لَوْ قُطِعَتْ قَبْلَ الرِّدَّةِ.
لَا يُقَالُ: تَعْذِيبُ الْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَتَنْعِيمُ الْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ فِي الْكُفْرِ تَعْذِيبٌ لِلْأُولَى، وَقَدْ قُطِعَتْ مُتَّصِفَةً بِالْإِسْلَامِ وَتَنْعِيمُ الثَّانِيَةِ وَقَدْ قُطِعَتْ فِي الْكُفْرِ.
لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَقْطُوعَةُ فِي الْإِسْلَامِ سُلِبَتْ الْأَعْمَالُ الصَّادِرَةُ مِنْهَا بِارْتِدَادِ صَاحِبِهَا، وَالْمَقْطُوعَةُ فِي الْكُفْرِ سَقَطَتْ الْمُؤَاخَذَةُ لَهَا بِمَا صَدَرَ مِنْهَا لِإِسْلَامِ صَاحِبِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] ذَكَرَهُ ع ش عَلَى م ر.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ اغْتَسَلَ إلَخْ) وَلَوْ طُلِبَ مِنْهُ أَغْسَالٌ مُسْتَحَبَّةٌ كَعِيدٍ وَكُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ وَجُمُعَةٍ وَنَوَى أَحَدَهَا حَصَلَ الْجَمِيعُ لِمُسَاوَاتِهَا لِمَنْوِيِّهِ، وَقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَسْبَابُ أَغْسَالٍ وَاجِبَةٍ وَنَوَى أَحَدَهَا؛ لِأَنَّ مَبْنَى الطَّهَارَةِ عَلَى التَّدَاخُلِ ح ل. وَالْمُرَادُ بِحُصُولِ غَيْرِ الْمَنْوِيِّ سُقُوطُ طَلَبِهِ.
قَوْلُهُ: (حَصَلَ غُسْلُهُمَا) حَاصِلُهُ أَنْ يُقَالَ: إمَّا أَنْ يَكُونَا وَاجِبَيْنِ شَرْعًا، أَوْ مَنْدُوبَيْنِ ذَلِكَ أَوْ يَكُونَا وَاجِبَيْنِ جَعْلًا أَوْ أَحَدُهُمَا جَعْلًا وَالْآخَرُ شَرْعًا، أَوْ أَحَدُهُمَا شَرْعًا، وَالْآخَرُ مَنْدُوبًا كَذَلِكَ، فَالْأَوَّلُ بِقِسْمَيْهِ تَكْفِي لَهُمَا نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَالثَّانِي بِقِسْمَيْهِ لَا بُدَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ نِيَّةٍ، وَالثَّالِثُ هُوَ كَلَامُ الشَّارِحِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ اغْتَسَلَ لِجَنَابَةٍ إلَخْ.
وَوَجْهُ وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي الْوَاجِبَيْنِ جَعْلًا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ النَّذْرُ أَسْبَابُهُ مُخْتَلِفَةٌ اشْتَرَطَ النِّيَّةَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَوَجْهُ وُجُوبِ النِّيَّةِ لَهُمَا فِيمَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا وَاجِبًا شَرْعًا، وَالْآخَرُ جَعْلًا أَنَّ نِيَّةَ أَحَدِهِمَا لَا تَتَضَمَّنُ الْآخَرَ بِخِلَافِ الْوَاجِبَيْنِ شَرْعًا فَإِنَّ الْمَنْعَ وَاحِدٌ أَيْ الْمَمْنُوعُ مِنْ أَحَدِهِمَا كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مَمْنُوعٌ مِنْ الْآخَرِ، وَوَجْهُهُ فِيمَا لَوْ طُلِبَ مِنْهُ أَغْسَالٌ مُسْتَحَبَّةٌ كَعِيدٍ وَكُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ، وَنَوَى أَحَدَهَا مِنْ أَنَّهُ يَحْصُلُ الْجَمِيعُ لِمُسَاوَاتِهَا لِمَنْوِيِّهِ، وَلِأَنَّ مَبْنَى الطَّهَارَةِ عَلَى التَّدَاخُلِ إطْفِيحِيٌّ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْجَنَابَةِ ثُمَّ لَلْجُمُعَة.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (فَإِنْ قِيلَ: لَوْ نَوَى إلَخْ) هَذَا وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ نَوَى أَحَدَهُمَا حَصَلَ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (إشْغَالُ الْبُقْعَةِ) التَّعْبِيرُ بِهِ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: شَغْلُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ شَغَلَ قَالَ تَعَالَى: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا﴾ [الفتح: 11] وَالْجَمْعُ أَشْغَالٌ، وَشَغَلَهُ مِنْ بَابِ قَطَعَ فَهُوَ شَاغِلٌ، وَلَا تَقُلْ: أَشْغَلَ لِأَنَّهُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ ع ش. قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ الْقَصْدُ هُنَا) أَيْ فِي نَحْوِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ.

قَوْلُهُ: (فَرْضَانِ) أَيْ أَوْ أَكْثَرُ وَكَذَا قَوْلُهُ سَنَتَانِ.
وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِحُصُولِ غَيْرِ الْمَنْوِيِّ سُقُوطُ طَلَبِهِ فَلَا يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ الْجَمِيعِ إلَّا إذَا نَوَاهَا بِخِلَافِ التَّحِيَّةِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُهَا إنْ نَوَاهَا، أَوْ أَطْلَقَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (كَفَاهُ الْغُسْلُ لِأَحَدِهِمَا) لَيْسَ هَذَا تَكْرَارًا مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَى الْمَرْأَةِ إلَخْ.
لِأَنَّ ذَاكَ فِي النِّيَّةِ، وَهَذَا فِي الْغُسْلِ وَأَيْضًا هَذَا أَعَمُّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَضُرُّ التَّشْرِيكُ) أَيْ فِي الْغُسْلِ لَا فِي النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْكَلَامِ أَنَّهُ نَوَى إحْدَى الْفَرِيضَتَيْنِ أَوْ السُّنَّتَيْنِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالتَّشْرِيكِ حَصَّلَ الْغُسْلَيْنِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْآخَرَ الَّذِي لَمْ يَنْوِ وَهَذَا يُؤْخَذُ مِنْ عِبَارَةِ م ر فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ نَحْوِ الظُّهْرِ مَعَ سُنَنِهِ) أَيْ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ

وَأَحْدَثَ مَعًا كَفَى الْغُسْلُ لِانْدِرَاجِ الْوُضُوءِ فِي الْغُسْلِ.

تَتِمَّةٌ: يُبَاحُ لِلرِّجَالِ دُخُولُ الْحَمَّامِ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ غَضُّ الْبَصَرِ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُمْ وَصَوْنُ عَوْرَاتِهِمْ عَنْ الْكَشْفِ بِحَضْرَةِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُمْ النَّظَرُ إلَيْهَا، وَقَدْ رُوِيَ: «أَنَّ الرَّجُلَ إذَا دَخَلَ الْحَمَّامَ عَارِيًّا لَعَنَهُ مَلَكَاهُ» . رَوَاهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: 11] ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: 12] وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ دُخُولُ الْحَمَّامِ إلَّا بِمِئْزَرٍ» .

أَمَّا النِّسَاءُ فَيُكْرَهُ لَهُنَّ بِلَا عُذْرٍ لِخَبَرِ: «مَا مِنْ امْرَأَةٍ تَخْلَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إلَّا هَتَكَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَلِأَنَّ أَمْرَهُنَّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي السَّتْرِ، وَلِمَا فِي خُرُوجِهِنَّ وَاجْتِمَاعِهِنَّ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالشَّرِّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخَنَاثَى كَالنِّسَاءِ.
وَيَجِبُ أَنْ لَا يَزِيدَ فِي الْمَاءِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَلَا الْعَادَةِ.

(وَآدَابُهُ) : أَنْ يَقْصِدَ التَّطْهِيرَ وَالتَّنْظِيفَ لَا التَّرَفُّهَ وَالتَّنَعُّمَ، وَأَنْ يُسَلِّمَ الْأُجْرَةَ قَبْلَ دُخُولِهِ، وَأَنْ يُسَمِّيَ لِلدُّخُولِ ثُمَّ يَتَعَوَّذَ كَمَا فِي دُخُولِ الْخَلَاءِ، وَأَنْ يَذْكُرَ بِحَرَارَتِهِ حَرَارَةَ نَارِ جَهَنَّمَ لِشَبَهِهِ بِهَا.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَلَا بَأْسَ بِقَوْلِهِ لِغَيْرِهِ عَافَاكَ اللَّهُ وَلَا بِالْمُصَافَحَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُخَالِطَ النَّاسَ وَالتَّنْظِيفُ وَالسِّوَاكُ وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ وَإِزَالَةُ رِيحٍ كَرِيهَةٍ وَحُسْنُ الْأَدَبِ مَعَهُمْ.

[حاشية البجيرمي]

فَالتَّشْرِيكُ فِيهِ يَضُرُّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ مَبْنَى الطَّهَارَاتِ عَلَى التَّدَاخُلِ) أَيْ إذَا كَانَتْ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَحْدَثَ إلَخْ) هَذَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَجْنَبَ وَأَحْدَثَ مَعًا) أَيْ بِأَنْ وَطِئَ بِلَا حَائِلٍ.

قَوْلُهُ: (يُبَاحُ لِلرِّجَالِ دُخُولُ الْحَمَّامِ) وَأَوَّلُ مَنْ اتَّخَذَهُ سَيِّدُنَا سُلَيْمَانُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِبِلْقِيسَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِهَا شَعْرٌ فَنَفَرَ مِنْهَا فَسَأَلَ الْجِنَّ فَقَالُوا: نَحْتَالُ لَك بِحِيلَةٍ حَتَّى تَكُونَ كَالْفِضَّةِ الْبَيْضَاءِ، فَصَنَعُوا لَهَا الْحَمَّامَ لِيَذْهَبَ الشَّعْرُ فِيهِ بِالنُّورَةِ وَصَنَعُوا لَهُ أَيْضًا الْقَزَازَ وَالصَّابُونَ وَالطَّاحُونَ وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ: حَمَّامُ طَاحُونٍ قَزَازُ نُورَةٍ ... صَابُونُ صُنْعِ الْجِنِّ هَذَا ثَابِتٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَّامَاتٌ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ.
وَقَالَ: «سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَبْوَابٌ يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامَاتُ فَلَا تَدْخُلُوهَا إلَّا بِمِئْزَرٍ» . وَقِيلَ: كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي زَمَنِهِ وَلَمْ يَدْخُلْهَا.
فَائِدَةٌ: إذَا دَخَلَ إنْسَانٌ الْحَمَّامَ وَغَرَفَ عَلَى رَأْسِهِ سَبْعَ طَاسَاتٍ مِنْ الْمَاءِ الْحَارِّ أَمِنَ مِنْ الدَّوْخَةِ، وَإِذَا شَرِبَ خَمْسَ جَرَعَاتٍ مِنْ الْمَاءِ الْحَارِّ أَمِنَ مِنْ وَجَعِ الْقَلْبِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمِصْرِيُّ عَلَى الْأَزْهَرِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (لَعَنَهُ مَلَكَاهُ) أَيْ الْحَافِظَانِ

قَوْلُهُ: (أَمَّا النِّسَاءُ فَيُكْرَهُ لَهُنَّ) أَيْ مَعَ عَدَمِ ظُهُورِ شَيْءٍ مِنْ عَوْرَاتِهِنَّ لِأَحَدٍ وَقَرَّرَ شَيْخُنَا ح ف. أَنَّ دُخُولَ النِّسَاءِ الْحَمَّامَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ مِنْهُنَّ كَشْفُ عَوْرَاتِهِنَّ وَعَدَمُ تَسَتُّرِهِنَّ حَتَّى فِي الطُّرُقِ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى، الزَّوْجِ أَنْ يَأْذَنَ لِزَوْجَتِهِ فِي الذَّهَابِ إلَيْهِ قَوْلُهُ: (وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخَنَاثَى كَالنِّسَاءِ) لَعَلَّ صُورَتَهُ مَعَ السَّتْرِ وَعَدَمِ الْخَلْوَةِ فَهُنَّ حِينَئِذٍ كَالنِّسَاءِ فِي كَرَاهَةِ دُخُولِ الْحَمَّامِ إلَّا لِعُذْرٍ، فَإِنَّ اخْتِلَاءَ الْخُنْثَى بِالْخُنْثَى حَرَامٌ لِاحْتِمَالِ اخْتِلَافِهِمَا أَوْ يُصَوَّرُ بِدُخُولِ كُلِّ خُنْثَى وَحْدَهُ أَوْ أَنَّ الْخَنَاثَى مَحَارِمُ كَإِخْوَةٍ اهـ م د.

قَوْلُهُ: (وَآدَابُهُ) أَيْ.
الْحَمَّامِ أَيْ آدَابُ دَاخِلِهِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُسَمِّيَ لِلدُّخُولِ) وَأَنْ يَمْكُثَ فِي كُلِّ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهِ زَمَنًا لَطِيفًا دُخُولًا وَخُرُوجًا، وَأَنْ يَغْتَسِلَ عِنْدَ خُرُوجِهِ بِمَاءٍ مُعْتَدِلٍ إلَى الْبُرُودَةِ أَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُ يَشُدُّ الْبَدَنَ اهـ ق ل.

فَصْلٌ: فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ (وَالِاغْتِسَالَاتُ الْمَسْنُونَةُ) كَثِيرَةٌ الْمَذْكُورُ مِنْهَا هُنَا (سَبْعَةَ عَشَرَ غُسْلًا) بِتَقْدِيمِ السِّينِ عَلَى الْمُوَحَّدَةِ وَسَأَذْكُرُ الْأَوَّلَ مِنْ السَّبْعَةَ عَشَرَ (غُسْلُ الْجُمُعَةِ) لِمَنْ يُرِيدُ حُضُورَهَا وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ لِحَدِيثِ: «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَلْيَغْتَسِلْ» . وَلِخَبَرِ الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ لَمْ يَأْتِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ» . وَرُوِيَ: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» أَيْ مُتَأَكِّدٌ وَصَرَفَ هَذَا عَنْ الْوُجُوبِ خَبَرُ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.

وَوَقْتُهُ مِنْ الْفَجْرِ الصَّادِقِ؛ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ عَلَّقَتْهُ بِالْيَوْمِ

[حاشية البجيرمي]

[فَصْلٌ فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ]

ِ قَوْلُهُ: (فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ) اُنْظُرْ لِمَ غَيَّرَ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ وَلَمْ يَقُلْ فِي الِاغْتِسَالَاتِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جَمْعُ قِلَّةٍ، وَلَعَلَّهُ طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ.
قَوْلُهُ: (الْمَسْنُونَةُ) الْأَوْلَى الْمَسْنُونَاتُ؛ لِأَنَّ جَمْعَ الْقِلَّةِ لِمَا لَا يَعْقِلُ الْأَفْصَحُ فِيهِ الْمُطَابَقَةُ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَجَمْعُ كَثْرَةٍ لِمَا لَا يَعْقِلُ ... الْأَفْصَحُ الْإِفْرَادُ فِيهِ يَأْفُلُ فِي غَيْرِهِ فَالْأَفْصَحُ الْمُطَابَقَةْ ... نَحْوُ هِبَاتٍ وَافِرَاتٍ لَائِقَةْ وَاسْتَعْمَلَ هُنَا جَمْعَ الْقِلَّةِ فِي الْكَثْرَةِ.
قَوْلُهُ: (سَبْعَةَ عَشَرَ) أَيْ بَعْدَ غَسْلِ الطَّوَافِ غُسْلَيْنِ كَمَا يَأْتِي فِي الشَّرْحِ أَوْ بَعْدَ غُسْلِ رَمْيِ الْجِمَارِ فِي الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ غُسْلَيْنِ نَظَرًا لِلتَّعْجِيلِ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ: إنَّهَا سِتَّةَ عَشَرَ فَقَطْ.
وَيُسَنُّ الْوُضُوءُ لِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْأَغْسَالِ، كَمَا يُسَنُّ لِلْوَاجِبِ، وَيُسَنُّ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ، وَلَوْ فَاتَتْ هَذِهِ الْأَغْسَالُ لَمْ تُقْضَ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (لِمَنْ يُرِيدُ حُضُورَهَا) وَإِنْ حَرُمَ حُضُورُهُ كَامْرَأَةٍ بِغَيْرِ إذْنِ حَلِيلِهَا.
قَالَ ع ش: وَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُكَلَّفِ وَمَنُوطٌ بِوَلِيِّ غَيْرِهِ لَكِنْ هَلْ الْعِبْرَةُ بِإِرَادَةِ الْوَلِيِّ الْحُضُورَ أَوْ الصَّبِيِّ أَوْ هُمَا، وَالْأَقْرَبُ النَّظَرُ إلَى حُضُورِ الْوَلِيِّ وَإِرَادَةِ حُضُورِ الصَّبِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ) كَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ.
قَوْلُهُ: (إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَخْ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ إذَا جَاءَ فَلْيَغْتَسِلْ أَنَّ الْغُسْلَ يَعْقُبُ الْمَجِيءَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا التَّقْدِيرُ: إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ وَلَفْظُهُ: «إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمَا أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ» وَهُوَ صَرِيحٌ فِي تَأَخُّرِ الرَّوَاحِ عَنْ الْغُسْلِ وَذُكِرَ الْمَجِيءُ فِي قَوْلِهِ: «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ» الْجُمُعَةَ لِلْغَالِبِ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ شَامِلٌ لِمُجَاوِرِ الْجَامِعِ وَمَنْ هُوَ مُقِيمٌ بِهِ وَالْمَجِيءُ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ فِي الْجَامِعِ يَحْصُلُ بِأَنْ يَتَهَيَّأَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ كَمَا قَالَهُ الْبَابِلِيُّ، وَفِي قَوْلِهِ: أَحَدُكُمْ تَغْلِيبُ الْمُذَكَّرِ عَلَى الْمُؤَنَّثِ بِدَلِيلِ خَبَرِ ابْنِ حِبَّانَ: «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَلْيَغْتَسِلْ» . قَوْلُهُ: (وَلِخَبَرِ الْبَيْهَقِيّ إلَخْ) أَتَى بِالْحَدِيثِ الثَّانِي لِشُمُولِهِ سَنَّ الْغُسْلِ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَلِمَنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، وَلِأَجْلِ قَوْلِهِ فِيهِ: وَمَنْ لَمْ يَأْتِهَا؛ إذْ الْأَوَّلُ مَخْصُوصٌ بِالرِّجَالِ، وَفِيهِ أَمْرٌ فَاحْتَاجَ الشَّارِحُ إلَى الْإِتْيَانِ بِالْحَدِيثِ الثَّانِي لِيُبَيِّنَّ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ لِلْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: (وَرُوِيَ: غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ) وَعِنْدَ مَالِكٍ: غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَرْضٌ، وَبِهِ قَالَتْ الظَّاهِرِيَّةُ.
قَوْلُهُ: (وَصَرْفُ هَذَا) أَيْ الْمَذْكُورِ فِي الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ.
وَضَابِطُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْغُسْلِ الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ مَا يُشْرَعُ لِسَبَبٍ مَاضٍ كَانَ وَاجِبًا كَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْمَوْتِ، وَمَا شُرِعَ لِمَعْنًى فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَانَ مُسْتَحَبًّا كَاغْتِسَالِ الْحَجِّ وَاسْتَثْنَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ الثَّانِي الْغُسْلَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَكَذَا الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْإِسْلَامُ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (مَنْ تَوَضَّأَ إلَخْ) وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الْمَاءِ تَيَمَّمَ تَيَمُّمًا عَنْ الْحَدَثِ وَتَيَمُّمًا عَنْ الْغُسْلِ، وَهَلْ يَكْفِي عَنْهُمَا وَاحِدٌ بِنِيَّتِهِمَا كَالْغُسْلِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ تَيَمُّمَيْنِ؟ فِيهِ نَظَرٌ سم قَالَ ق ل: وَيَظْهَرُ الْأَوَّلُ كَمَا فِي الْغُسْلِ.
قَوْلُهُ: (فَبِهَا) أَيْ فَبِالسُّنَّةِ أَيْ بِمَا جَوَّزَتْهُ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْوُضُوءِ أَخَذَ أَيْ عَمِلَ وَنِعْمَتْ الْخَصْلَةُ الْوُضُوءُ، فَالضَّمِيرُ فِي بِهَا

كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى» الْحَدِيثَ، وَتَقْرِيبُهُ مِنْ ذَهَابِهِ إلَى الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَبْلُغُ فِي الْمَقْصُودِ مِنْ انْتِفَاءِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ،

لَوْ تَعَارَضَ الْغُسْلُ وَالتَّبْكِيرُ فَمُرَاعَاةُ الْغُسْلِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهِ

[حاشية البجيرمي]

عَائِدٌ عَلَى مَعْلُومٍ بِالْقَرِينَةِ، وَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ، وَالْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ، وَاجِبٌ.
قَوْلُهُ: (فَالْغُسْلُ) أَيْ مَعَ الْوُضُوءِ أَفْضَلُ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْوُضُوءِ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ: كَيْفَ يَكُونُ الْغُسْلُ الْمَنْدُوبُ أَفْضَلَ مِنْ الْوُضُوءِ الْوَاجِبِ وَيُنْدَبُ لِصَائِمٍ خَشِيَ مُفْطِرًا تَرْكُ الْغُسْلِ كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.

قَوْلُهُ: (مِنْ الْفَجْرِ الصَّادِقِ) وَقِيلَ: وَقْتُهُ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ وَيَنْتَهِي بِجُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَهُ ق ل. وَالصَّوَابُ بِفَرَاغِ صَلَاتِهَا بِسَلَامِ الْإِمَامِ وَلَا يُبْطِلُهُ طُرُوُّ حَدَثٍ، وَلَوْ أَكْبَرَ، وَلَا تُسَنُّ إعَادَتُهُ عِنْدَ طُرُوُّ مَا ذُكِرَ كَمَا تُصَرِّحُ بِهِ عِبَارَةُ الْمَجْمُوعِ خِلَافًا لِمَا فِي الْعُبَابِ كَالتَّجْرِيدِ، قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ.
وَاعْتَمَدَ ع ش سُنَّ إعَادَتُهُ اهـ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى) اُنْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِالرَّوَاحِ هَلْ هُوَ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَنْزِلِ إلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى لَوْ طَالَ الْمَشْيُ مِنْ الْمَنْزِلِ إلَى الْمَسْجِدِ بِزَمَانٍ كَثِيرٍ يَصْدُقُ عَلَيْهِ الرَّوَاحُ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الرَّوَاحَ اسْمٌ لِلذَّهَابِ إلَى الْمَسْجِدِ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي كَمَا يَتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ إلَخْ.
فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَكْتُبُونَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِمْ، وَنُقِلَ عَنْ الزِّيَادِيِّ مَا يُوَافِقُ.
نَعَمْ الْمَشْيُ لَهُ ثَوَابٌ آخَرُ زَائِدٌ عَلَى مَا يُكْتَبُ لَهُ فِي مُقَابَلَةِ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غَيْرِهِ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (الْحَدِيثَ) بِالنَّصْبِ أَيْ اقْرَأْ الْحَدِيثَ وَتَتِمَّتُهُ: «فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ أَيْ الْخُطْبَةَ أَيْ طَوَوْا الصُّحُفَ فَلَمْ يَكْتُبُوا أَحَدًا» وَهَؤُلَاءِ غَيْرُ الْحَفَظَةِ وَظِيفَتُهُمْ كِتَابَةُ حَاضِرِي الْجُمُعَةِ وَاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ: «فِي الْخَامِسَةِ كَاَلَّذِي يُهْدِي عُصْفُورًا وَفِي السَّادِسَةِ بَيْضَةً» . فَمَنْ جَاءَ فِي أَوَّلِ سَاعَةٍ مِنْهَا، وَمَنْ جَاءَ فِي آخِرِهَا مُشْتَرِكَانِ فِي تَحْصِيلِ الْبَدَنَةِ مَثَلًا، لَكِنَّ بَدَنَةَ الْأَوَّلِ أَكْمَلُ مِنْ بَدَنَةِ الْآخَرِ، وَبَدَنَةُ الْمُتَوَسِّطِ مُتَوَسِّطَةٌ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَالَ ح ل: وَفِيهِ أَنَّ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَالزَّوَالِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَيَّامِ الشِّتَاءِ لَا يَبْلُغُ سِتَّ سَاعَاتٍ.
وَأَجَابَ عَنْهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ السَّاعَاتِ الْفَلَكِيَّةِ الَّتِي هِيَ مِنْ الْأَرْبَعِ وَالْعِشْرِينَ مِقْدَارَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ الَّتِي كُلُّ وَاحِدَةٍ خَمْسَ عَشْرَةَ دَرَجَةً، بَلْ تَرْتِيبُ دَرَجَاتِ السَّابِقِينَ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ فِي الْفَضِيلَةِ فَلَا يَخْتَلِفُ الْحَالُ فِي يَوْمِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ حَتَّى لَوْ حَضَرُوا كُلُّهُمْ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى كَانَ الْأَوَّلُ أَفْضَلَ مِنْ الثَّانِي، وَالثَّانِي أَفْضَلَ مِنْ الثَّالِثِ وَهَكَذَا اهـ. وَقَوْلُهُ: لَا يَبْلُغُ سِتَّ سَاعَاتٍ مِثْلُهُ فِي شَرْحِ م ر. قَالَ سم: وَلِي فِيهِ نَظَرٌ؛ إذْ أَقَلُّ أَيَّامِ الشِّتَاءِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دَرَجَةً وَهِيَ عَشْرُ سَاعَاتٍ فَلَكِيَّةٍ، وَابْتِدَاءُ الْيَوْمِ عِنْدَ أَهْلِ الْفَلَكِ مِنْ الشَّمْسِ فَمِنْ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ يَخُصُّهُ خَمْسُ سَاعَاتٍ وَابْتِدَاءُ الْيَوْمِ عَلَى الرَّاجِحِ هُنَا مِنْ الْفَجْرِ فَمَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَالزَّوَالِ يَبْلُغُ سِتَّ سَاعَاتٍ فِي أَقَلِّ أَيَّامِ الشِّتَاءِ فَتَأَمَّلْ اهـ. قَوْلُهُ: (مِنْ ذَهَابِهِ) بِفَتْحِ الذَّالِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: 18] . قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَقْصُودِ مِنْ انْتِفَاءِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ) أَيْ فِي أَصْلِ طَلَبِهِ، فَلَا يُنَافِي طَلَبُ التَّيَمُّمِ بَدَلَهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمَاءِ ق ل. وَقَالَ شَيْخُنَا: هَذَا التَّعْلِيلُ خَاصٌّ بِالْغُسْلِ فَيَقْتَضِي أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يُسَنُّ قُرْبُهُ مِنْ ذَهَابِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مَقِيسٌ عَلَى الْغُسْلِ، ثُمَّ رَأَيْت؛ سم؛ ذَكَرَ مَا نَصُّهُ: وَانْظُرْ لَوْ تَيَمَّمَ بَدَلًا عَنْ غُسْلِ الْجُمُعَةِ هَلْ يَكُونُ تَقْرِيبُهُ مِنْ ذَهَابِهِ أَفْضَلَ أَيْضًا كَالْغُسْلِ الظَّاهِرُ؟ نَعَمْ اهـ.

قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهِ) وَلِتَعَدِّي أَثَرِهِ إلَى الْغَيْرِ وَهُوَ دَفْعُ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ وَلِمَزِيدِ الِاهْتِمَامِ بِهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْفَاضِلِ عَلَى بَقِيَّةِ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ، وَمِنْ ثَمَّ انْفَرَدَتْ الْجُمُعَةُ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْمَكْتُوبَاتِ الْخَمْسِ بِخِلَافِ التَّبْكِيرِ فَإِنَّ نَفْعَهُ قَاصِرٌ عَلَى الْمُبَكِّرِ.
وَوَقْتُ جَوَازِهِ مِنْ الْفَجْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَصِحُّ الْغُسْلُ إلَّا عِنْدَ الرَّوَاحِ إلَيْهَا.
وَنَقَلَ الْبِرْمَاوِيُّ عَلَى الْغَزِّيِّ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ فِيهِ قَوْلًا بِالْوُجُوبِ عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ

وَلَا يَبْطُلُ غُسْلُ الْجُمُعَةِ بِالْحَدَثِ وَلَا بِالْجَنَابَةِ فَيَغْتَسِلُ وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ بِلَا عُذْرٍ عَلَى الْأَصَحِّ.

(وَ) الثَّانِي وَالثَّالِثُ (غُسْلُ الْعِيدَيْنِ) الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى لِكُلِّ أَحَدٍ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ يَوْمُ زِينَةٍ، فَالْغُسْلُ لَهُ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ.
وَيَدْخُلُ وَقْتُ غُسْلِهِمَا بِنِصْفِ اللَّيْلِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَحَبُّ فِعْلَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ السَّوَادِ يُبَكِّرُونَ إلَيْهِمَا مِنْ قُرَاهُمْ، فَلَوْ لَمْ يَكْفِ الْغُسْلُ لَهُمَا قَبْلَ الْفَجْرِ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَعُلِّقَ بِالنِّصْفِ الثَّانِي لِقُرْبِهِ مِنْ الْيَوْمِ كَمَا قِيلَ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ.

(وَ) الرَّابِعُ: غُسْلُ صَلَاةِ (الِاسْتِسْقَاءِ) عِنْدَ الْخُرُوجِ لَهَا

(وَ) الْخَامِسُ غُسْلُ صَلَاةِ (الْخُسُوفِ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ لِلْقَمَرِ

(وَ) السَّادِسُ غُسْلُ صَلَاةِ (الْكُسُوفِ) بِالْكَافِ لِلشَّمْسِ وَتَخْصِيصُ الْخُسُوفِ بِالْقَمَرِ وَالْكُسُوفِ بِالشَّمْسِ هُوَ الْأَفْصَحُ كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَحُكِيَ عَكْسُهُ.
وَقِيلَ الْكُسُوفُ بِالْكَافِ أَوَّلُهُ فِيهِمَا وَالْخُسُوفُ آخِرُهُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

(وَ) السَّابِعُ (الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ) سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَيِّتُ مُسْلِمًا أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْغَاسِلُ طَاهِرًا أَمْ لَا كَحَائِضٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا

[حاشية البجيرمي]

وَنُقِلَ عَنْ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اغْتَسِلُوا، وَلَوْ كَأْسًا بِدِينَارٍ» اهـ. أَيْ اغْتَسِلُوا لِلْجُمُعَةِ، وَلَوْ بَلَغَ ثَمَنُ مِلْءِ الْكَأْسِ مَاءً دِينَارًا، وَانْظُرْ لَوْ تَعَارَضَ الْبُكُورُ وَالتَّيَمُّمُ بَدَلَ الْغُسْلِ، وَالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ الْبُكُورِ شَوْبَرِيٌّ.
وَفِي ع ش عَلَى م ر: وَإِذَا تَعَارَضَ التَّبْكِيرُ وَالتَّيَمُّمُ قُدِّمَ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ يُعْطَى حُكْمَ الْمُبْدَلِ مِنْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا قُدِّمَ؛ لِأَنَّهُ قِيلَ بِوُجُوبِهِ، وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَفِي سَنِّهِ خِلَافٌ فَضْلًا عَنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى سِنِّهِ اهـ. قَوْلُهُ: (فَيَغْتَسِلُ) أَيْ لِلْجَنَابَةِ أَيْ وَيَتَوَضَّأُ لِلْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَفِي كَلَامِهِ اكْتِفَاءٌ؛ إذْ هُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ) . قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْعُهُودِ: أُخِذَ عَلَيْنَا الْعَهْدُ أَنْ لَا نَتَهَاوَنَ بِتَرْكِ السُّنَنِ الشَّرْعِيَّةِ، وَنَقُولُ: الْأَمْرُ سَهْلٌ كَمَا عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَهَوِّنِينَ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ مَثَلًا وَالتَّطَيُّبِ وَالتَّزَيُّنِ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْبُدَاءَةِ بِخَلْعِ النَّعْلِ، فَقَدْ كَانَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الْخَوَّاصُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ: إنْ لِكُلِّ سُنَّةٍ مِنْ السُّنَنِ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ، فَلَا يَنَالُ تِلْكَ الدَّرَجَةَ إلَّا فَاعِلُ تِلْكَ السُّنَّةِ اهـ.

قَوْلُهُ: (وَغُسْلُ الْعِيدَيْنِ) وَلَوْ لِحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ.
وَقَوْلُهُ: وَيَدْخُلُ وَقْتُهُمَا بِنِصْفِ اللَّيْلِ أَيْ وَيَخْرُجُ بِغُرُوبِ شَمْسِ يَوْمِهِ؛ لِأَنَّهُ لِلْيَوْمِ، وَلَا نَظَرَ إلَى خُرُوجِ وَقْتِ صَلَاتِهِ بِالزَّوَالِ؛ لِأَنَّ غُسْلَهُ لَيْسَ لِلصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ أَهْلَ السَّوَادِ) الْمُرَادُ بِهِمْ أَهْلُ الْقُرَى وَالْبَوَادِي الَّذِينَ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ، سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَضِيئُونَ غَالِبًا لِكَوْنِهِمْ أَهْلَ قُرًى أَوْ لِكَوْنِ مَحَلِّهِمْ يُرَى سَوَادًا مِنْ بُعْدٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَضْرَةِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ أَنَّ مَنْ لَمْ تَلْحَقُهُمْ مَشَقَّةٌ كَالْقَاطِنِينَ فِي بِلَادِ الْمُدُنِ لَا يَدْخُلُ وَقْتُ غُسْلِهِمْ لِلْعِيدِ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ الْعِلَّةِ وُجُودًا وَعَدَمًا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ هَذَا حِكْمَةُ الْمَشْرُوعِيَّةِ لَا عِلَّةُ الْحُكْمِ كَمَا قَالُوا فِي الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَرِدُ شَيْءٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.

قَوْلُهُ: (عِنْدَ الْخُرُوجِ لَهَا) وَسَيَأْتِي أَنَّهُ بِإِرَادَةِ فِعْلِهَا لِمَنْ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا وَبِاجْتِمَاعِ مَنْ يَغْلِبُ فِعْلُهُ لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً وَيَخْرُجُ الْيَوْمُ بِفِعْلِهَا ق ل. وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ هُنَا أَنَّهُ يَدْخُلُ بِمُجَرَّدِ الْخُرُوجِ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ غَالِبُ النَّاسِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِإِرَادَةِ الْخُرُوجِ وَقْتُ الِاجْتِمَاعِ فِي الْعَادَةِ م د.

قَوْلُهُ: (غُسْلُ صَلَاةِ الْخُسُوفِ) وَيَدْخُلُ وَقْتُهُمَا بِأَوَّلِ التَّغَيُّرِ وَيَخْرُجُ بِالِانْجِلَاءِ ق ل.

قَوْلُهُ: (أَوَّلُهُ) أَيْ التَّغَيُّرُ الْمَفْهُومُ مِنْ الْخُسُوفِ وَالْكُسُوفِ.
وَقَوْلُهُ: (فِيهِمَا) أَيْ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ) هُوَ عَكْسُ مَا قَبْلَهُ م د. وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بَلْ مِنْ جُمْلَةِ الْغَيْرِ الْكُسُوفَانِ وَالْخُسُوفَانِ.

قَوْلُهُ: (مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ) وَلَوْ عَصَى بِهِ كَأَنْ غَسَّلَ شَهِيدًا أَوْ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً أَخْذًا بِإِطْلَاقِهِمْ، وَكَذَا يُطْلَبُ لِمُغَسِّلِ الْجُزْءِ اج.
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْغُسْلَ سُنَّةٌ وَلَوْ عَصَى بِهِ مُطْلَقًا هُوَ مَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا ح ف، خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ لِأَجْلِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لِذَاتِهِ كَالشَّهِيدِ لَمْ يُنْدَبْ لَهُ، أَوْ لِعَارِضٍ كَتَغْسِيلِ الْأَجْنَبِيَّةِ نُدِبَ لَهُ، وَتَعْبِيرُهُ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَلَوْ يَمَّمَ الْمَيِّتَ لِلْعَجْزِ عَنْ غُسْلِهِ وَلَوْ شَرْعًا سُنَّ

فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ فِي غُسْلِ مَيِّتِكُمْ غُسْلٌ إذَا غَسَّلْتُمُوهُ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَيُسَنُّ الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّهِ.

(وَ) الثَّامِنُ (غُسْلُ الْكَافِرِ) وَلَوْ مُرْتَدًّا (إذَا أَسْلَمَ) تَعْظِيمًا لِلْإِسْلَامِ، وَقَدْ أَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ بِهِ لَمَّا أَسْلَمَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً أَسْلَمُوا، وَلَمْ يَأْمُرُهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْغُسْلِ، هَذَا إنْ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ كُفْرِهِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَإِلَّا وَجَبَ

[حاشية البجيرمي]

الْغُسْلُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَالتَّيَمُّمُ.
وَقَالَ الرَّحْمَانِيُّ: فَإِنْ يَمَّمَهُ سُنَّ لَهُ الْوُضُوءُ وَيَفُوتُ غُسْلُ غَاسِلِ الْمَيِّتِ إمَّا بِالْإِعْرَاضِ، أَوْ بِطُولِ الْفَصْلِ قَالَهُ بَعْضُهُمْ.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: إنَّ الْأَقْرَبَ أَنَّهُ لَا يَفُوتُ بِطُولِ الْفَصْلِ.
وَفِي ع ش عَلَى م ر. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَغْسَالَ الْمَسْنُونَةَ لَا تُقْضَى لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ لِلْوَقْتِ فَقَدْ فَاتَ أَوْ لِلسَّبَبِ فَقَدْ زَالَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي غُسْلِ الْكُسُوفِ وَنَحْوِهِ.
أَمَّا غُسْلُ غَاسِلِ الْمَيِّتِ وَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ فَلَا يَظْهَرُ فِيهَا الْفَوَاتُ، بَلْ الظَّاهِرُ طَلَبُ الْغُسْلِ فِيهَا وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ خُصُوصًا، وَسَبَبُ الْغُسْلِ مِنْ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ احْتِمَالُ الْإِنْزَالِ، نَعَمْ إنْ عَرَضَتْ لَهُ جَنَابَةٌ بَعْدَ نَحْوِ الْجُنُونِ فَاغْتَسَلَ مِنْهَا اُحْتُمِلَ فَوَاتُهُ، وَانْدِرَاجُهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ اهـ. قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: وَلَوْ غَسَّلَ مَوْتَى فَقَدْ نَقَلَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ ابْنِ الْمُلَقِّنِ أَنَّ الْأَوْجَهَ طَلَبُ غُسْلٍ وَاحِدٍ عَنْ الْمُتَعَدِّدِ؛ لِأَنَّ الْأَغْسَالَ الْمَنْدُوبَةَ تَتَدَاخَلُ، وَإِنْ نَوَى بَعْضَهَا اهـ. وَلَوْ تَعَدَّدَ الْغَاسِلُ سُنَّ الْغُسْلُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ حَيْثُ بَاشَرُوا كُلُّهُمْ الْغُسْلَ بِخِلَافِ الْمُعَاوِنِينَ بِمُنَاوَلَةِ الْمَاءِ أَوْ نَحْوِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ يُبَاشِرَ كُلٌّ جَمِيعَ بَدَنِهِ أَوْ بَعْضَهُ كَيَدِهِ مَثَلًا، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَوْجُودُ مِنْهُ إلَّا الْعُضْوَ الْمَذْكُورَ وَغَسَّلُوهُ وَهُوَ قَرِيبٌ كَمَا قَالَهُ ع ش عَلَى م ر. وَأَصْلُ طَلَبِهِ إزَالَةُ ضَعْفِ بَدَنِ الْغَاسِلِ بِمُخَالَطَةِ جَسَدٍ خَالٍ عَنْ الرُّوحِ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَيِّتُ مُسْلِمًا أَمْ لَا إلَخْ) لَوْ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ كَافِرًا لَكَانَ أَخْصَرَ، وَأَوْلَى لِأَنَّ بَعْضَ أَئِمَّتِنَا قَالَ بِنَجَاسَةِ مِيتَةِ الْكَافِرِ بَعْدَ الْمَوْتِ كَمَا نَقَلَهُ شَيْخُنَا م د فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ حَمَلَهُ) أَيْ أَوْ مَسَّهُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ حَمَلَهُ أَيْ أَرَادَ حَمْلَهُ لِيَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ، الْأَوْلَى بَقَاءُ الْحَمْلِ عَلَى حَالِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلْيَتَوَضَّأْ) أَيْ قَبْلَ حَمْلِهِ وَبَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ إلَخْ) وَهُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ لِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا كَمَا قِيلَ بِوُجُوبِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي غُسْلِ مَيِّتِكُمْ) وَقِيسَ بِمَيِّتِنَا مَيِّتُ غَيْرِنَا.

وَقَوْلُهُ: (غُسْلُ) أَيْ وَاجِبٌ.
قَوْلُهُ: (الْكَافِرِ) أَيْ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
قَوْلُهُ: (إذَا أَسْلَمَ) أَيْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَإِنَّمَا أَوَّلْنَاهُ بِذَلِكَ لِيَشْمَلَ الصَّغِيرَ التَّابِعَ لِأَحَدِ أُصُولِهِ أَوْ لِسَابِيهِ، كَمَا بَحَثَهُ سم الْعَبَّادِيُّ فِي شَرْحِهِ لِهَذَا الْمَحَلِّ، وَعِبَارَةُ الْعَلَّامَةِ الشَّوْبَرِيِّ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ تَبِعَ صَغِيرٌ أَحَدَ أُصُولِهِ وَلَوْ أُنْثَى فِي الْإِسْلَامِ أَمَرَهُ بِالْغُسْلِ إنْ كَانَ مُمَيِّزًا، وَغَسَّلَهُ إنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، وَكَذَا لَوْ تَبِعَ سَابِيهِ الْكَامِلَ؛ إذْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ كَالْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ كَامِلٍ لَا وَلِيَّ لَهُ فَفِي مَنْ يَأْمُرُ، أَوْ يُغَسِّلُ نَظَرٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، فَالْمُسْلِمُونَ كَمَا فِي أَمْرِ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ بِالصَّلَاةِ وَضَرَبَهُ عَلَيْهَا قَالَهُ الشَّيْخُ.
وَيُسَنُّ لَهُ أَيْضًا إزَالَةُ شَعْرِ جَمِيعِ بَدَنِهِ مِنْ رَأْسِهِ وَغَيْرِهِ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد: «أَلْقِ عَنْك شَعْرَ الْكُفْرِ» اهـ. إلَّا لِحْيَةَ ذَكَرٍ، وَكَوْنُهُ بَعْدَ الْغُسْلِ أَوْلَى إنْ كَانَ مُحْدِثًا حَدَثًا أَكْبَرَ لِيَنْفَصِلَ الشَّعْرُ مِنْهُ وَهُوَ طَاهِرٌ مِنْ الْجَنَابَةِ أَوْ نَحْوِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا حَدَثًا أَكْبَرَ فَقِيلَ: الْغُسْلُ أَوْلَى لِيُزِيلَ مَاؤُهُ دَنَسَ أَثَرِ الشَّعْرِ، وَبِمَا تَقَرَّرَ يُجْمَعُ بَيْنَ كَلَامَيْنِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ كَمَا فِي خ ض. قَوْلُهُ: (وَقَدْ أَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) هُوَ فِي قُوَّةِ التَّعْلِيلِ، فَالْمَعْنَى وَلِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَغَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ أَمَرَهُ بِالْغُسْلِ الَّذِي لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ لِحَمْلِهِمْ الْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ لَا بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ لَا حَاجَةَ لِلْأَمْرِ بِهِ فَسَقَطَ مَا قِيلَ: إنَّ قَيْسًا كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ جُنُبًا، فَالْأَمْرُ إنَّمَا كَانَ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ لَا بِغُسْلِ الْإِسْلَامِ كَمَا ذَكَرَهُ ق ل فِي حَاشِيَةِ التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (هَذَا إنْ لَمْ يَعْرِضْ إلَخْ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ مَنْ عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ كَفَاهُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ عَنْ غُسْلِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ ق ل، وَغَيْرُهُ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ غُسْلَانِ غُسْلٌ عَنْ الْجَنَابَةِ، وَغُسْلٌ لِلْإِسْلَامِ أَوْ يَنْوِيهِمَا مَعًا.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا وَجَبَ) قَالَ سم: وَكَانَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ حَيْثُ سَقَطَتْ عَنْهُ دُونَهُ قِلَّةُ الْمَشَقَّةِ فِيهِ لِعَدَمِ تَعَدُّدِهِ اهـ.

قَوْلُهُ: (قَدْ عُلِمَ) أَيْ مِنْ

عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا عِبْرَةَ بِالْغُسْلِ فِي الْكُفْرِ عَلَى الْأَصَحِّ.

تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ وَقْتَ الْغُسْلِ بَعْدَ إسْلَامِهِ لِتَصِحَّ النِّيَّةُ، وَلِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى تَأْخِيرِ الْإِسْلَامِ بَعْدَهُ بَلْ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ تَكْفِيرُ مَنْ قَالَ لِكَافِرٍ جَاءَهُ لِيُسْلِمَ: اذْهَبْ فَاغْتَسِلْ ثُمَّ أَسْلِمْ لِرِضَاهُ بِبَقَائِهِ عَلَى الْكُفْرِ تِلْكَ اللَّحْظَةَ.

(وَ) التَّاسِعُ غُسْلُ (الْمَجْنُونِ) وَإِنْ تَقَطَّعَ جُنُونُهُ

(وَ) الْعَاشِرُ غُسْلُ (الْمُغْمَى عَلَيْهِ) وَلَوْ لَحْظَةً (إذَا أَفَاقَا) وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُمَا إنْزَالٌ لِلِاتِّبَاعِ فِي الْإِغْمَاءِ.
رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَفِي مَعْنَاهُ الْجُنُونُ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّهُ يُقَالُ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: قَلَّ مَنْ جُنَّ إلَّا وَأَنْزَلَ.

(وَ) الْحَادِيَ عَشَرَ (الْغُسْلُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا، وَلَوْ فِي حَالِ حَيْضِ الْمَرْأَةِ وَنِفَاسِهَا.

(وَ) الثَّانِي عَشَرَ الْغُسْلُ (لِدُخُولِ مَكَّةَ) الْمُشَرَّفَةِ وَلَوْ كَانَ حَلَالًا عَلَى الْمَنْصُوصِ فِي الْأُمِّ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ هَذَا مِنْ أَغْسَالِ الْحَجِّ إلَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَقَعُ فِيهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ مَا لَوْ أَحْرَمَ الْمَكِّيُّ بِعُمْرَةٍ مِنْ مَحَلٍّ قَرِيبٍ كَالتَّنْعِيمِ وَاغْتَسَلَ لَمْ يُنْدَبْ لَهُ الْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ.

(وَ) الثَّالِثَ عَشَرَ الْغُسْلُ (لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) وَالْأَفْضَلُ كَوْنُهُ بِنَمِرَةَ وَيَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ فِي غَيْرِهَا، وَقَبْلَ الزَّوَالِ بَعْدَ الْفَجْرِ، لَكِنَّ تَقْرِيبَهُ لِلزَّوَالِ أَفْضَلُ كَتَقْرِيبِهِ مِنْ ذَهَابِهِ فِي غُسْلِ الْجُمُعَةِ.

[حاشية البجيرمي]

قَوْلِهِ: وَالْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ.
قَوْلُهُ: (تَكْفِيرُ مَنْ قَالَ إلَخْ) هَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ، أَمَّا هُوَ فَلَا.
وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَطْعُ الصَّلَاةِ إذَا كَانَ مُحْرِمًا بِهَا إذَا سَأَلَهُ أَنْ يُلَقِّنَهُ الشَّهَادَةَ قِيَاسًا عَلَى إنْقَاذِ الْغَرِيقِ، بَلْ هَذَا أَعْظَمُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إنْقَاذًا مِنْ الْخُلُودِ فِي النَّارِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْعَزِيزِيُّ، وَأَمَّا إذَا جَاءَهُ شَخْصٌ لِيَتُوبَ فَأَمَرَهُ بِالتَّأْخِيرِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ الذَّنْبِ وَاجِبَةٌ فِي الْحَالِ.

قَوْلُهُ: (وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ) وَإِنْ تَكَرَّرَ الْإِغْمَاءُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ تَعَمَّدَهُ.
وَغَيْرِهِ وَفِي حَاشِيَةِ ع ش عَلَى م ر: وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِهِ السَّكْرَانُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَجَازًا اهـ. وَيُقَيَّدُ الْإِغْمَاءُ بِغَيْرِ إغْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، أَمَّا هُوَ فَإِنَّهُ، وَإِنْ جَازَ عَلَيْهِمْ وَوَقَعَ لَهُمْ لَا يَنْقُضُ طَهَارَتَهُمْ فَلَا يُسَنُّ مِنْهُ الْغُسْلُ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «إنَّهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُغْمَى عَلَيْهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ» وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى نَدْبِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَتَحَقَّقْ إلَخْ) صَرِيحٌ فِي عَدَمِ نَدْبِ الْغُسْلِ لِلْجُنُونِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْإِنْزَالِ، وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي غُسْلِ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ فَيُطْلَبُ مِنْهُ حِينَئِذٍ غُسْلَانِ.
قَوْلُهُ: (قَلَّ مَنْ جُنَّ) قَلَّ مَعْنَاهَا النَّفْيُ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ كَالْمَعْدُومِ، وَالتَّقْدِيرُ مَا شَخْصٌ جُنَّ إلَّا اشْتَهَى، وَأَنْزَلَ أَيْ غَالِبًا، فَقَوْلُهُ: وَأَنْزَلَ مَعْطُوفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ: الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: قَلَّ مَنْ جُنَّ، وَلَمْ يُنْزِلْ.
قَوْلُهُ: (إلَّا وَأَنْزَلَ) . فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا كَانَ وَاجِبًا عَمَلًا بِالْمَظِنَّةِ كَالْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ الَّذِي هُوَ مَظِنَّةٌ لِخُرُوجِ الرِّيحِ فَيَجِبُ الْغُسْلُ إنْ لَمْ يُعْلَمْ عَدَمُ خُرُوجِ الْمَنِيِّ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّهُ لَا عَلَامَةَ عَلَى خُرُوجِ الرِّيحِ بِخِلَافِ الْمَنِيِّ لِمُشَاهَدَتِهِ أَيْ مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ، فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْجُنُونَ قَدْ يَطُولُ زَمَنُهُ ح ل. وَلَمْ يُسَنَّ الْغُسْلُ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ مِنْ النَّوْمِ لِكَثْرَةِ تَكْرَارِهِ.
فَخَفَّفَ فِيهِ لِلْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ.

قَوْلُهُ: (عِنْدَ الْإِحْرَامِ) أَيْ عِنْدَ إرَادَتِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِهِمَا) أَوْ مُطْلَقًا فَإِنْ فَقَدْت الْمَاءَ تَيَمَّمْت مَعَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ النَّظَافَةَ إذَا فَاتَتْ بَقِيَتْ الْعِبَادَةُ.

قَوْلُهُ: (وَلِدُخُولِ مَكَّةَ) أَيْ وَلِدُخُولِ الْكَعْبَةِ أَيْضًا اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَالَ الرَّشِيدِيُّ عَلَى م ر بَعْدَ قَوْلِهِ: وَلِدُخُولِ مَكَّةَ أَيْ إذَا لَمْ يَغْتَسِلْ لِدُخُولِ الْحَرَمِ مِنْ مَحَلٍّ قَرِيبٍ مِنْ مَكَّةَ أَخْذًا مِمَّا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (يَقَعُ فِيهِ) أَيْ قَدْ يَقَعُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (مَا لَوْ أَحْرَمَ الْمَكِّيُّ إلَخْ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ إذَا اغْتَسَلَ لِنَحْوِ جُمُعَةٍ أَوْ كُسُوفٍ أَوْ عِيدٍ.
وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ غُسْلَيْنِ قَرُبَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ لَا يُنْدَبُ الثَّانِي مَا لَمْ يَحْصُلْ لِبَدَنِهِ تَغَيُّرُ رِيحٍ، وَإِلَّا نُدِبَ.
قَوْلُهُ: (كَالتَّنْعِيمِ) خَرَجَ بِهِ مَا إذَا أَحْرَمَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ أَوْ الْجِعْرَانَةِ فَيَغْتَسِلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ.

قَوْلُهُ: (وَقَبْلَ الزَّوَالِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِنَمِرَةَ.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّ تَقْرِيبَهُ إلَخْ) وَيَنْتَهِي الْغُسْلُ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ

(وَ) الرَّابِعَ عَشَرَ الْغُسْلُ (لِلْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ) عَلَى طَرِيقَةٍ ضَعِيفَةٍ لِبَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالْمَذْهَبُ فِي الرَّوْضَةِ وَحَكَاهُ فِي الزَّوَائِدِ عَنْ الْجُمْهُورِ.
وَنَصَّ الْإِمَامُ اسْتِحْبَابَهُ لِلْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ بَعْدَ صُبْحِ يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.

(وَ) الْخَامِسَ عَشَرَ الْغُسْلُ (لِرَمْيِ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ) لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَلَا غُسْلَ لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: اكْتِفَاءً بِغُسْلِ الْعِيدِ وَلِأَنَّ وَقْتَهُ مُتَّسِعٌ بِخِلَافِ رَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

(وَ) السَّادِسَ عَشَرَ وَالسَّابِعَ عَشَرَ الْغُسْلُ (لِلطَّوَافِ) أَيْ لِكُلٍّ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالْوَدَاعِ، وَهَذَا مَا جَرَى عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي مَنْسَكِهِ الْكَبِيرِ.
وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا: إنَّ الِاغْتِسَالَ لِلْحَلْقِ مَسْنُونٌ لَكِنَّهُ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِكَثِيرٍ.
قَالَ: وَزَادَ فِي الْقَدِيمِ ثَلَاثَةَ أَغْسَالٍ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالْوَدَاعِ وَلِلْحَلْقِ.
قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْجَدِيدَ عَدَمُ الِاسْتِحْبَابِ لِهَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمِنْهَاجِ انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.

وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَغْسَالَ الْمَسْنُونَةَ لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، بَلْ مِنْهَا الْغُسْلُ مِنْ الْحِجَامَةِ وَمِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَمَّامِ عِنْدَ إرَادَةِ الْخُرُوجِ

[حاشية البجيرمي]

بِفَجْرِ يَوْمِ الْعِيدِ.

قَوْلُهُ: (عَلَى طَرِيقَةٍ ضَعِيفَةٍ) وَعَلَيْهَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالْغُرُوبِ ق ل. قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ الْوُقُوفُ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَهُوَ فِي آخِرِ الْمُزْدَلِفَةِ.
قَالَ ق ل: وَلَوْ حَمَلَ الشَّارِحُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ لَوَافَقَ الرَّاجِحَ اهـ. أَقُولُ: هَذَا الْحَمْلُ لَا يَتَأَتَّى؛ إذْ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي الْمَبِيتِ.
وَهَذَا فِي الْوُقُوفِ فَمَا صَنَعَهُ الشَّارِحُ أَوْلَى اهـ اج.
وَيَدْخُلُ وَقْتُ هَذَا الْغُسْلِ بِنِصْفِ اللَّيْلِ سم.

قَوْلُهُ: (وَلِرَمْيِ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ) أَيْ فَيُسَنُّ ثَلَاثَةُ أَغْسَالٍ إنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ فِي يَوْمَيْنِ وَإِلَّا فَغُسْلَانِ، وَالْمُتَّجَهُ دُخُولُهُ بِالْفَجْرِ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ لَا بِدُخُولِ وَقْتِهِ وَهُوَ الزَّوَالُ سم.
قَالَ ق ل: وَفِيهِ بَحْثٌ وَالْأَوْلَى دُخُولُهُ بِالزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ مُوَسَّعٌ بِبَقِيَّةِ الْيَوْمِ، بَلْ وَبَقِيَّةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ فَرَاجِعْهُ اهـ م د. وَقَوْلُهُ: وَالْأَوْلَى دُخُولُهُ بِالزَّوَالِ ضَعِيفٌ، وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ: وَيُنْدَبُ الْغُسْلُ لِرَمْيِ الْجِمَارِ الثَّلَاثَةِ كُلَّ يَوْمٍ، وَالْأَفْضَلُ كَوْنُ الْغُسْلِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالْفَجْرِ اهـ. قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ الْجِمَارُ جِمَارًا؛ لِأَنَّ آدَمَ كَانَ يَرْمِي إبْلِيسَ فَيُجْمِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَالْإِجْمَارُ الْإِسْرَاعُ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ.
قَوْلُهُ: (اكْتِفَاءً بِغُسْلِ الْعِيدِ) أَيْ إنْ رَمَاهَا يَوْمَهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ وَقْتَهُ مُتَّسِعٌ) أَيْ فَيَجُوزُ فِعْلُهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيَكْتَفِي بِالْغُسْلِ فِيهَا لِلرَّمْيِ عَنْ الْغُسْلِ لَهَا أَيْ لِجَمْرِ الْعَقَبَةِ.
وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ رَمْيِ) إلَخْ أَيْ فَإِنَّ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً، وَهِيَ الثَّانِيَةُ فَقَطْ.
قَالَ شَيْخُنَا م د: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ اكْتِفَاءً بِغُسْلِ الْعِيدِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ لِلْعِيدِ، وَلَا لِلْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ نُدِبَ الْغُسْلُ لِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وَالسَّادِسَ عَشَرَ إلَخْ) هَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: إنَّ التَّفْصِيلَ لَا يُطَابِقُ الْإِجْمَالَ وَهُوَ قَوْلُهُ أَوَّلًا: سَبْعَةَ عَشَرَ، ثُمَّ عَدَّ سِتَّةَ عَشَرَ فَجَعَلَ الشَّارِحُ الطَّوَافَ اثْنَيْنِ لِلْمُطَابَقَةِ.
وَيُجَابُ أَيْضًا: بِأَنْ يُجْعَلَ الطَّوَافُ فِي أَصْلِهِ وَاحِدًا، وَأَنَّ السَّابِعَ عَشَرَ الْغُسْلُ لِدُخُولِ مَدِينَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ اهـ. قُلْت: وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ أَيْضًا بِأَنْ يَجْعَلَ غُسْلَ رَمْيِ الْجِمَارِ غُسْلَيْنِ لِلْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ نَظَرًا لِلتَّعْجِيلِ أَيْ لِمَنْ عَجَّلَ النَّفْرَ قَبْلَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، وَعَدَّهُ لِلرَّمْيِ غُسْلَيْنِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ لِكُلِّ يَوْمٍ إلَخْ اج اهـ. قَوْلُهُ: (هَذَا مَا جَرَى عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ) ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (تَبَعًا لِكَثِيرٍ) أَيْ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لِلْكَثِيرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَحْرِيفٌ.
وَقَوْلُهُ: قَالَ أَيْ النَّوَوِيُّ.
وَقَوْلُهُ: وَحَاصِلُهُ أَيْ حَاصِلُ كَلَامِ النَّوَوِيِّ حَيْثُ قَالَ: وَزَادَ فِي الْقَدِيمِ، فَإِنَّ هَذَا يُفْهِمُ أَنَّ الْجَدِيدَ عَدَمُ الِاسْتِحْبَابِ، وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ) أَيْ عَدَمُ الِاسْتِحْبَابِ، وَوَجْهُهُ اتِّسَاعُ وَقْتِهَا فَلَا يَلْزَمُ اجْتِمَاعُ النَّاسِ لَهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ حَتَّى يُطْلَبَ التَّنْظِيفُ لَهَا، فَهَذَا تَوْجِيهُ الْقَوْلِ الْجَدِيدِ، أَمَّا طَوَافُ الْقُدُومِ فَلَا يُسَنُّ لَهُ عَلَيْهِمَا أَيْ عَلَى الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ اكْتِفَاءً بِغُسْلِ دُخُولِ مَكَّةَ، فَإِنَّهُ يُنْدَبُ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ عِنْدَ دُخُولِهَا.

قَوْلُهُ: (مِنْ الْحِجَامَةِ) أَيْ

وَلِلِاعْتِكَافِ، وَلِكُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ.
وَقَيَّدَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِمَنْ يَحْضُرُ الْجَمَاعَةَ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلِدُخُولِ الْحَرَمِ وَلِحَلْقِ الْعَانَةِ.
وَلِبُلُوغِ الصَّبِيِّ بِالسِّنِّ وَلِدُخُولِ الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، فَيَكُونُ هُوَ السَّابِعَ عَشَرَ، وَعِنْدَ سَيْلَانِ الْوَادِي وَلِتَغَيُّرِ رَائِحَةِ الْبَدَنِ، وَعِنْدَ كُلِّ اجْتِمَاعٍ مِنْ مَجَامِعِ الْخَيْرِ، أَمَّا الْغُسْلُ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَلَا يُسَنُّ لَهَا لِمَا

[حاشية البجيرمي]

وَالْفَصْدِ أَيْ بَعْدَهُمَا، وَالْأَقْرَبُ نَدْبُ الْغُسْلِ مِنْ الْحِجَامَةِ وَالْفَصْدِ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ بَدَنُهُ لِأَنَّهُمَا مَظِنَّةُ التَّغَيُّرِ.
وَقَوْلُ م ر تَغَيُّرُ بَدَنٍ لَا مَفْهُومَ لَهُ ع ش. قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَمَّامِ إلَخْ) أَيْ وَكَذَا لِدُخُولِهِ فَيُسَنُّ لِدَاخِلِهِ الْغُسْلُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ لِلْأَثَرِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَيْهَقِيّ، وَمَعْنَاهُ إذَا دَخَلَهُ فَعَرِقَ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْهُ حَتَّى يَغْتَسِلَ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ خ ض. وَفِي حَاشِيَةِ الرَّحْمَانِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ: وَيُسَنُّ الْغُسْلُ عِنْدَ دُخُولِ الْحَمَّامِ لِلتَّنْظِيفِ مِنْ الْأَعْرَاقِ الْحَاصِلَةِ بِسَبَبِهِ، وَيُسَنُّ الْغُسْلُ أَيْضًا عِنْدَ إرَادَةِ الْخُرُوجِ مِنْهُ بَعْدَ الْغُسْلِ الْأَوَّلِ فَهُمَا غُسْلَانِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ غُسْلُ إرَادَةِ الْخُرُوجِ بِمَاءٍ بَيْنَ الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ، بَلْ إلَى الْبُرُودَةِ أَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُ يَشُدُّ الْبَدَنَ فَيَقْوَى عَلَى مُلَاقَاةِ الْهَوَاءِ بَعْدَ خُرُوجِهِ لَا بِصِرْفِ الْبَارِدِ، لَا سِيَّمَا زَمَنَ الشِّتَاءِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَوْقَعَ فِي مَرَضٍ مَخُوفٍ، وَأَفْتَى الشِّهَابُ ابْنُ حَجَرٍ بِكَوْنِ الْمَاءِ الْمُغْتَسَلِ بِهِ بَعْدُ بَارِدًا صِرْفًا.
قَالَ: لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُنْعِشُ الْبَدَنَ فَحَرِّرْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّارِحُ فِيمَا تَقَدَّمَ شَيْئًا مِنْ آدَابِ الْحَمَّامِ، وَمِنْهَا تَرْكُ مَسِّ الْمَاءِ الْحَارِّ قَبْلَ الْعَرَقِ وَالصَّمْتُ، وَإِذَا خَرَجَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَنْوِي بِهِمَا سُنَّةَ الْخُرُوجِ مِنْهُ، وَكُرِهَ دُخُولُهُ قُبَيْلَ الْمَغْرِبِ وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ انْتِشَارِ الشَّيَاطِينِ، وَهُوَ مَأْوَاهَا غَالِبًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَكُرِهَ أَيْضًا صَبُّ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الرَّأْسِ دَاخِلَهُ، وَشُرْبُهُ عَقِبَهُ؛ وَفِيهِ لَا دَلْكُ غَيْرِهِ لِمُبَاحٍ مِنْ بَدَنِهِ.
قَوْلُهُ: (لِلِاعْتِكَافِ) وَإِنْ تَكَرَّرَ لَكِنْ إنْ طَالَ زَمَنُهُ عُرْفًا وَيَدْخُلُ وَقْتُ غُسْلِهِ بِإِرَادَتِهِ أَوْ بَعْدَ نِيَّتِهِ اهـ ق ل. قَوْلُهُ: (وَلِكُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (بِمَنْ يَحْضُرُ الْجَمَاعَةَ) أَيْ جَمَاعَةَ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُسَنُّ لِكُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ إنْ لَمْ يَحْضُرْ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
أَمَّا الْغُسْلُ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَغَيْرُ مُسْتَحَبٍّ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لِشِدَّةِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ فِيهِ اهـ م ر. قَوْلُهُ: (وَلِدُخُولِ الْحَرَمِ) أَيْ حَرَمِ مَكَّةَ وَحَرَمِ الْمَدِينَةِ، وَحَرَمُ كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْسَعُ مِنْ بَلْدَتِهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ وَفِي ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ قَوْلُهُ وَلِدُخُولِهِ الْمَدِينَةَ أَيْ لَا لِدُخُولِ حَرَمِهَا، فَاعْتَمَدَ عَدَمَ النَّدْبِ لِدُخُولِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ فَلْيُحَرَّرْ، وَفِيهِ عَلَى الشَّرْحِ قَوْلُهُ وَلِدُخُولِ الْمَدِينَةِ بَعْدَ دُخُولِهَا كَمَا فِي الْحَرَمِ، وَقِيلَ عِنْدَ إرَادَةِ دُخُولِهَا اهـ. قَوْلُهُ: (وَلِحَلْقِ الْعَانَةِ) وَكَذَا حَلْقُ الرَّأْسِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ ق ل. وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَلِإِزَالَةِ الْعَانَةِ لِيَشْمَلَ إزَالَتَهَا بِغَيْرِ الْحَلْقِ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ق ل. وَعِبَارَةُ الرَّحْمَانِيِّ: وَحَلْقُ الْعَانَةِ أَيْ إزَالَتُهَا، وَلَوْ بِغَيْرِ حَلْقٍ، وَالْأَفْضَلُ لِلذَّكَرِ الْحَلْقُ وَلِغَيْرِهِ النَّتْفُ، وَقَالُوا فِي حِكْمَتِهِ، إنَّهُ يُضْعِفُ الشَّهْوَةَ، وَالْحَلْقُ يُقَوِّيهَا وَعَكَسَ الْمَالِكِيَّةُ.
وَقَالُوا: لِأَنَّ نَتْفَهَا يُرْخِي الْفَرْجَ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: مِنْهُمْ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الشَّابَّةِ وَغَيْرِهَا أَمَّا هِيَ فَتَنْتِفُ وَغَيْرُهَا فَتَحْلِقُ، وَالْعَانَةُ اسْمٌ لِلشَّعْرِ الَّذِي فَوْقَ الذَّكَرِ وَحَوْلَهُ وَحَوْلَ قُبُلِ الْأُنْثَى وَالْغَالِبُ نَبَاتُهَا قَبْلَ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً رَحْمَانِيٌّ، وَيُسَنُّ الْغُسْلُ لِلْمُعْتَدَّةِ بَعْدَ فَرَاغِ الْعِدَّةِ كَمَا فِي التَّنْقِيحِ.
قَوْلُهُ: (وَلِبُلُوغِ الصَّبِيِّ بِالسِّنِّ) اُنْظُرْ وَجْهَهُ، وَلَعَلَّهُ لِاحْتِمَالِ بُلُوغِهِ بِالْإِنْزَالِ قَبْلُ، وَالْمُرَادُ بِالصَّبِيِّ بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلصَّبِيَّةِ كَمَا قَالُوا: إنَّ ذَلِكَ مِنْ أَسْرَارِ اللُّغَةِ، وَأَنَّ بُلُوغَهُ بِالِاحْتِلَامِ فَيُطْلَبُ مِنْهُ غُسْلَانِ وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ ق ل. قَوْلُهُ: (وَعِنْدَ سَيْلَانِ الْوَادِي) أَيْ مِنْ الْمَطَرِ، وَكَذَا مِنْ النِّيلِ فِي أَيَّامِ الزِّيَادَةِ كُلَّ يَوْمٍ ق ل. قَوْلُهُ: (مِنْ مَجَامِعِ الْخَيْرِ) أَوْ مُبَاحٌ كَمَا بَحَثَهُ فِي الْإِيعَابِ.
قَالَ: لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى مَعْصِيَةٍ لَا حُرْمَةَ لَهُ اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَنْعَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةً لِذَاتِهِ، فَيَخْرُجُ مَا إذَا كَانَ طَاعَةً فِي نَفْسِهِ كَحُضُورِ نَحْوِ الشَّابَّةِ لِلْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الْأَمْنِ، وَحَرَامٌ مَعَ عَدَمِهِ أَوْ مَعَ عَدَمِ إذْنِ الزَّوْجِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِاسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِخَارِجٍ فَيُطْلَبُ مِنْ حَيْثُ مُطْلَقُ الِاجْتِمَاعِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ الْغَيْرِ، وَهُوَ الَّذِي يَقْرُبُ، وَيَحْتَمِلُ عَدَمَ الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنْ الْحُضُورِ فَلَا تُؤْمَرُ بِمَا هُوَ مِنْ تَوَابِعِ الْحُضُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.

فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَشَقَّةِ، وَآكَدُ هَذِهِ الِاغْتِسَالَاتِ غُسْلُ الْجُمُعَةِ ثُمَّ غُسْلُ غَاسِلِ الْمَيِّتِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الزَّرْكَشِيّ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا أَرَادَ الْغُسْلَ لِلْمَسْنُونَاتِ نَوَى أَسْبَابَهَا إلَّا الْغُسْلَ مِنْ الْجُنُونِ فَإِنَّهُ يَنْوِي الْجَنَابَةَ، وَكَذَا الْمُغْمَى عَلَيْهِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ انْتَهَى.
وَمَحَلُّ هَذَا إذَا جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ: قَلَّ مَنْ جُنَّ إلَّا وَأَنْزَلَ، أَمَّا إذَا جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ ثُمَّ أَفَاقَ قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يَنْوِي السَّبَبَ كَغَيْرِهِ.

فصول الكتاب · 38 فصل · 529 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب · 529 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
فَصْلٌ: فِي السِّوَاكِ
فَصْلٌ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ
فَصْلٌ: فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ
دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ بِلَا سَبَبٍ
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ
فَصْلٌ: فِي الِاعْتِكَافِ
فَصْلٌ فِي السَّلَمِ
فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِفَصْلٌ: فِي الشَّرِكَةِفَصْلٌ: فِي الْإِقْرَارِفَصْلٌ: فِي الْغَصْبِفَصْلٌ: فِي الشُّفْعَةِفَصْلٌ: فِي الْقِرَاضِفَصْلٌ: فِي الْمُسَاقَاةِفَصْلٌ: فِي الْإِجَارَةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَقْفِ
فَصْلٌ: فِي اللَّقِيطِ
فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ
فَصْلٌ: فِي الظِّهَارِفَصْلٌ: فِي اللِّعَانِفَصْلٌ: فِي الِاسْتِبْرَاءِ
فَصْلٌ: فِي الرَّضَاعِ
فَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِفَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْفَيْءِفَصْلٌ: فِي الْجِزْيَةِفَصْلٌ: فِي الْأَطْعِمَةِ
فَصْلٌ: فِي الْأُضْحِيَّةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَلَاءِفَصْلٌ فِي التَّدْبِيرِخَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل