حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيبصفحات 451-486
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ

صفحات 451-486
عن هذه الطبعة
عَلَم
البجيرمي
الكتاب
تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
المؤلف
سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه

وَيُسَنُّ أَنْ لَا تَنْقُصَ عَنْ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا أَوْ مَا قِيمَتُهُ ذَلِكَ، فَإِنْ تَنَازَعَا فِي قَدْرِهَا قَدَّرَهَا الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِالْحَالِ مُعْتَبِرًا حَالَهُمَا مِنْ يَسَارِ الزَّوْجِ وَإِعْسَارِهِ وَنَسَبِهَا وَصِفَاتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] .

ثُمَّ شَرَعَ فِي أَحْكَامِ الْوَلِيمَةِ وَاشْتِقَاقِهَا كَمَا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ مِنْ الْوَلْمِ وَهُوَ الِاجْتِمَاعُ لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ يَجْتَمِعَانِ وَهِيَ تَقَعُ عَلَى كُلِّ طَعَامٍ يُتَّخَذُ لِسُرُورٍ حَادِثٍ مِنْ عُرْسٍ وَإِمْلَاكٍ وَغَيْرِهِمَا لَكِنَّ اسْتِعْمَالَهَا مُطْلَقَةً فِي الْعُرْسِ أَشْهَرُ.

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ أَنْ لَا تَنْقُصَ إلَخْ) لَعَلَّ مَحَلَّ اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ إذَا زَادَ نِصْفُ الْمَهْرِ عَلَى الثَّلَاثِينَ، وَقَدْ يَتَعَارَضَانِ بِأَنْ يَكُونَ الثَّلَاثُونَ أَضْعَافَ مَهْرِ الْمِثْلِ فَاَلَّذِي يُتَّجَهُ فِي رِعَايَةِ الْأَقَلِّ مِنْ نِصْفِ الْمَهْرِ وَالثَّلَاثِينَ.
قَالَ جَمْعٌ: وَهَذَا أَدْنَى الْمُسْتَحَبِّ حَجّ ز ي. قَالَ حَجّ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ مَحَلَّ هَذَا حَيْثُ لَا تَنَازُعَ، وَإِلَّا فَقَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ يُقَدِّرُ الْقَاضِي عِنْدَ التَّنَازُعِ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيرُ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ الْمُسْتَنِدُ إلَى النَّظَرِ بِحَالِهِمَا وَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِينَ دِرْهَمًا بَلْ وَعَلَى نِصْفِ الْمَهْرِ سم.
وَيُسَنُّ أَنْ لَا تَبْلُغَ نِصْفَ مَهْرِ الْمِثْلِ أَيْ وَلَوْ كَانَ النِّصْفُ يَنْقُصُ عَنْ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، فَيَنْبَغِي اعْتِبَارُهُ وَإِنْ فَاتَتْ السَّنَةُ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ قِيلَ بِامْتِنَاعِ الزِّيَادَةِ عَلَى نِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (قَدَّرَهَا الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ) أَيْ وُجُوبًا وَإِنْ زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُمَا إنْ تَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ جَازَ وَلَوْ زَادَ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ بِخِلَافِ مَا لَوْ فَرَضَهَا الْقَاضِي فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ.
اهـ. ز ي. قَوْلُهُ: (بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِالْحَالِ) أَيْ بِقَدْرِ حَالِهِمَا أَيْ وَقْتَ الْفِرَاقِ.
اهـ. ع ش.

قَوْلُهُ: (الْوَلِيمَةِ) ذَكَرهَا عَقِبَ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْوَلَائِمِ وَلِيمَةُ الْإِمْلَاكِ الَّذِي هُوَ الْعَقْدُ، وَالصَّدَاقُ مُلَازِمٌ لِعَقْدِ النِّكَاحِ فَلَمَّا ذَكَرَ الصَّدَاقَ كَأَنَّهُ ذَكَرَ عَقْدَ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِلْوَلِيمَةِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ يَجْتَمِعَانِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ لَهَا عَلَى الطَّعَامِ اهـ؛ أَيْ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ إلَّا بَعْدَهَا لَا لَهَا كَذَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا، وَلِأَنَّهُ خَاصٌّ بِوَلِيمَةِ الْعُرْسِ، وَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ شَامِلٌ لَهَا وَلِغَيْرِهَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا خَصَّ الزَّوْجَيْنِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ.
قَوْلُهُ: (لِسُرُورٍ حَادِثٍ) قَالَ الرَّاغِبُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ أَنَّ السُّرُورَ انْشِرَاحُ الصَّدْرِ بِلَذَّةِ طُمَأْنِينَةِ الصَّدْرِ عَاجِلًا وَآجِلًا، وَالْفَرَحُ انْشِرَاحُ الصَّدْرِ بِلَذَّةٍ عَاجِلَةٍ غَيْرَ آجِلَةٍ وَذَلِكَ فِي اللَّذَّاتِ الْبَدَنِيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَقَدْ يُسَمَّى الْفَرَحُ سُرُورًا لَكِنْ عَلَى نَظَرِ مَنْ لَا يَعْتَبِرُ الْحَقَائِقَ وَيَتَصَوَّرُ أَحَدَهُمَا بِصُورَةِ الْآخَرِ.
اهـ. مُنَاوِيٌّ.
وَعِبَارَةُ ح ل: قَوْلُهُ لِسُرُورٍ كَالْخِتَانِ وَالْقُدُومِ مِنْ السَّفَرِ إنْ طَالَ عُرْفًا فِي غَيْرِ بَعْضِ النَّوَاحِي الْقَرِيبَةِ، وَخَرَجَ بِالسُّرُورِ مَا يُتَّخَذُ لِلْمُصِيبَةِ فَلَيْسَ مِنْ أَفْرَادِ الْوَلِيمَةِ وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ: أَنْ مَا يُتَّخَذُ لِلْمُصِيبَةِ مِنْ أَفْرَادِ الْوَلِيمَةِ وَأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالسُّرُورِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، وَعَلَيْهِ جَرَى شَيْخُنَا؛ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: الْوَلِيمَةُ اسْمٌ لِكُلِّ دَعْوَةٍ لِطَعَامٍ يُتَّخَذُ لِحَادِثِ سُرُورٍ أَوْ غَيْرِهِ اهـ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: لِحَادِثِ سُرُورٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَيَشْمَلُ الْوَضِيمَةَ وَهِيَ وَلِيمَةُ الْحُزْنِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَا نَابَهُمْ مِنْ الضَّيْمِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ عُرْسٍ) أَيْ دُخُولٍ بِالزَّوْجَةِ.
وَقَوْلُهُ: " وَإِمْلَاكٍ " أَيْ عَقْدٍ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ عَطْفُهُ مُغَايِرًا.
أَوْ الْمُرَادُ بِالْعُرْسِ أَعَمُّ مِنْ الدُّخُولِ وَالْعَقْدِ وَالْإِمْلَاكِ لِلْعَقْدِ، فَيَكُونُ عَطْفٌ خَاصٌّ عَلَى عَامٍّ.
وَقِيلَ: الْعُرْسُ الْعَقْدُ وَالْإِمْلَاكُ الدُّخُولُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: الْإِمْلَاكُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مَصْدَرُ أَمْلَكْتُهُ امْرَأَةً بِمَعْنَى زَوَّجْتُهُ إيَّاهَا، قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: مَلَكْتُ امْرَأَةً أَمْلِكُهَا مِنْ بَابِ ضَرَبَ زَوَّجْتهَا وَيَتَعَدَّى بِالتَّضْعِيفِ وَالْهَمْزَةِ إلَى ثَانٍ فَيُقَالُ مَلَّكْتُهُ امْرَأَةً وَأَمْلَكْته امْرَأَةً.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّ اسْتِعْمَالَهَا إلَخْ) فِي الصِّحَاحِ: الْوَلِيمَةُ يَدْخُلُ وَقْتُهَا بِالْعَقْدِ فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ لِمَا تَقَدَّمَهُ وَإِنْ اتَّصَلَ بِهَا ح ل. وَانْظُرْ هَلْ تُسَنُّ أَوْ لَا؟ وَلَا تَفُوتُ بِطَلَاقٍ وَلَا مَوْتٍ وَلَا بِطُولِ الزَّمَنِ فِيمَا يَظْهَرُ كَالْعَقِيقَةِ وَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ أَوْ الْإِمَاءِ وَلَوْ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ دُخُولٍ وَاحِدٍ وَتَكْفِي وَاحِدَةٌ قَصَدَ بِهَا الْجَمِيعَ وَإِنْ تَعَدَّدَ الْعَقْدُ أَوْ الدُّخُولُ قَبْلَ فِعْلِهَا؟ وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَ فَإِنْ قَصَدَ

وَالْوَلِيمَةُ عَلَى الْعُرْسِ) الْعُرْسُ بِضَمِّ الْعَيْنِ مَعَ ضَمِّ الرَّاءِ وَإِسْكَانِهَا الِابْتِنَاءُ بِالزَّوْجَةِ (مُسْتَحَبَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ لِثُبُوتِهَا عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا وَفِعْلًا، فَفِي الْبُخَارِيِّ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَمَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ، وَأَنَّهُ أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ

[حاشية البجيرمي]

بِهَا وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا بَقِيَ طَلَبُ غَيْرِهَا.
وَسُئِلَ شَيْخُنَا م ر: هَلْ تَتَدَاخَلُ الْوَلَائِمُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ تَتَدَاخَلُ ق ل. قَوْلُهُ: (عَلَى الْعُرْسِ) أَيْ لِأَجْلِ الْعُرْسِ، فَعَلَى لِلتَّعْلِيلِ.
وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: الْوَلِيمَةُ لِعُرْسِ إلَخْ، قَالَ سم: وَلَيْسَ قَوْلُهُ عَلَى الْعُرْسِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِهِ إذْ الْوَلِيمَةُ مُسْتَحَبَّةٌ لِغَيْرِ الْعُرْسِ أَيْضًا، بَلْ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ وَلِاخْتِصَاصِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ بِوُجُوبِ الْإِجَابَةِ إلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (الْعُرْسُ بِضَمِّ الْعَيْنِ) وَأَمَّا بِكَسْرِ الْعَيْنِ فَهِيَ الْمَرْأَةُ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ تَقُولُ عِرْسِي وَهِيَ لِي فِي عَوْمَرَهْ ... بِئْسَ امْرُؤٌ وَإِنَّنِي بِئْسَ الْمَرَهْ وَأَمَّا الزَّوْجُ فَيُقَالُ لَهُ عَرُوسٌ وَأَمَّا عِرْسَةٌ بِالتَّاءِ مَعَ كَسْرِ الْعَيْنِ فَالْحَيَوَانُ الْمَعْرُوفُ الْمُعَادِي لِلْفَأْرِ.
قَوْلُهُ: الِابْتِنَاءُ بِمُوَحَّدَةٍ فَتَاءٌ فَوْقِيَّةٌ فَنُونٌ هُوَ الدُّخُولُ بِالزَّوْجَةِ وَالِاجْتِمَاعِ بِهَا بَعْدَ الْإِمْلَاكِ ق ل قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ بَنَى عَلَى أَهْلِهِ دَخَلَ بِهَا وَأَصْلُهُ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إذَا تَزَوَّجَ بَنَى لِلْعَرُوسِ خِبَاءً جَدِيدًا وَغَمَرَهُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَوْ بُنِيَ لَهُ تَكْرِيمًا ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى كُنِّيَ بِهِ عَنْ الْجِمَاعِ وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ بَنَى عَلَيْهَا وَبَنَى بِهَا وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ وَيُطْلَقُ الْعُرْسُ أَيْضًا عَلَى طَعَامِ الزِّفَافِ وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا نَظَمَ بَعْضُهُمْ أَسْمَاءَ الْوَلَائِمِ فَقَالَ وَلِيمَةُ عُرْسٍ ثُمَّ خَرْصُ وِلَادَةٍ ... عَقِيقَةُ مَوْلُودٍ وَكِيرَةُ ذِي بِنَا وَضَيْمَةُ مَوْتٍ ثُمَّ إعْذَارُ خَاتِنٍ ... نَقِيعَةُ سَفَرٍ وَالْمُؤْدِبُ لِلثَّنَا . اهـ. زي قَوْلُهُ: " لِلثَّنَاءِ " أَيْ لِفِعْلِ مَا يُطْلَقُ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ كَخَتْمِ كِتَابٍ أَوْ قُرْآنٍ فَيُسَمَّى مَأْدُبَةً.
قَوْلُهُ: (مُؤَكَّدَةٌ) فَغَيْرُهَا مُسْتَحَبٌّ دُونَهَا، أَيْ أَقَلُّ مِنْهَا، فَقَيْدُ الِاسْتِحْبَابِ لَا مَفْهُومَ لَهُ إلَّا مِنْ حَيْثُ التَّأْكِيدُ ق ل. قَوْلُهُ: (فَفِي الْبُخَارِيِّ إلَخْ) هَذَا وَمَا بَعْدَهُ مِثَالٌ لِلْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: (أَوْلَمَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ) وَهِيَ أُمُّ سَلَمَةَ وَاسْمُهَا هِنْدٌ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أَبِي سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ ابْنِ عَمَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُرَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَخُوهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَلِي اللَّهَ أَنْ يَأْجُرَك فِي مُصِيبَتِك وَيُخْلِفَك خَيْرًا قَالَتْ: وَمَنْ يَكُونُ خَيْرًا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ وَلَمَّا اعْتَدَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُهَا مَعَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَكَانَ خَطَبَهَا أَبُو بَكْرٍ فَأَبَتْ وَخَطَبَهَا عُمَرُ فَأَبَتْ فَلَمَّا جَاءَهَا حَاطِبٌ قَالَتْ: مَرْحَبًا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، تَقُولُ لَهُ إنِّي امْرَأَةٌ مُسِنَّةٌ وَإِنِّي أُمُّ أَيْتَامٍ؛ لِأَنَّهَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَانَ مَعَهَا أَرْبَعُ بَنَاتٍ بُرَّةُ وَسَلَمَةُ وَعَمْرَةُ وَدُرَّةُ وَإِنِّي شَدِيدَةُ الْغَيْرَةِ.
فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لَهَا: أَمَّا قَوْلُك إنِّي امْرَأَةٌ مُسِنَّةٌ فَأَنَا أَسَنُّ مِنْك وَلَا يُعَابُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ أَسَنَّ مِنْهَا، وَأَمَّا قَوْلُكِ إنِّي أُمُّ أَيْتَامٍ فَإِنَّ كُلَّهُمْ عَوْلَةٌ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، وَأَمَّا قَوْلُكِ إنِّي شَدِيدَةُ الْغَيْرَةِ فَإِنِّي أَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَ ذَلِكَ عَنْك وَفِي لَفْظٍ: أَنَّهَا قَالَتْ زِيَادَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ: لَيْسَ لِي هَهُنَا أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي فَيُزَوِّجُنِي.
فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهَا: أَمَّا مَا ذَكَرْت مِنْ أَوْلِيَائِك فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِك يَكْرَهُنِي فَقَالَتْ لِابْنِهَا: زَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَزَوَّجَهُ عَلَى مَتَاعٍ مِنْهُ رَحًى وَجَفْنَةٌ وَفِرَاشٌ حَشْوُهُ لِيفٌ قِيمَةُ كُلِّ الْمَتَاعِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَقِيلَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا.
قَالَتْ: فَتَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَدْخَلَنِي بَيْتَ زَيْنَبَ أُمِّ الْمَسَاكِينِ بَعْدَ أَنْ مَاتَتْ، فَإِذَا جَرَّةٌ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ شَعِيرٍ وَإِذَا رَحًى وَبُرْمَةٌ وَقَدْ رَأَى ظَرْفَ الْأُدْمِ فَأَخَذْتُ ذَلِكَ الشَّعِيرَ فَطَحَنْته ثُمَّ عَصَدْته فِي الْبُرْمَةِ فَكَانَ ذَلِكَ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَطَعَامَ أَهْلِهِ لَيْلَةَ عُرْسِهِ» وَمَاتَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فِي وِلَايَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَكَانَ عُمْرُهَا أَرْبَعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ وَصَلَّى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ تَزْوِيجَ وَلَدِهَا لَهَا إنَّمَا كَانَ بِالْعُصُوبَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ابْنَ ابْنِ عَمِّهَا ذَكَرَهُ ح ل فِي السِّيرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّهُ أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ) وَهِيَ بِنْتُ حُيَيٍّ وَكَانَ أَبُوهَا رَئِيسَ الْيَهُودِ وَكَانَتْ تُحِبُّ ابْنَ عَمِّهَا، فَرَأَتْ أَنَّ الْقَمَرَ سَقَطَ

وَأَقِطٍ» وَأَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَقَدْ تَزَوَّجَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» . وَأَقَلُّهَا لِلْمُتَمَكِّنِ شَاةٌ وَلِغَيْرِهِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ.
قَالَ النَّشَائِيُّ: وَالْمُرَادُ أَقَلُّ الْكَمَالِ شَاةٌ لِقَوْلِ التَّنْبِيهِ وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَوْلَمَ مِنْ الطَّعَامِ جَازَ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِوَقْتِ الْوَلِيمَةِ، وَاسْتَنْبَطَ السُّبْكِيُّ مِنْ كَلَامِ الْبَغَوِيِّ أَنَّ وَقْتَهَا مُوَسَّعٌ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِهِ وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهَا بَعْدَ الدُّخُولِ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُولِمْ عَلَى نِسَائِهِ إلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ» . فَتَجِبُ الْإِجَابَةُ إلَيْهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ وَإِنْ خَالَفَ الْأَفْضَلَ.

(وَالْإِجَابَةُ إلَيْهَا وَاجِبَةٌ) عَيْنًا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا» وَخَبَرُ مُسْلِمٍ: «شَرُّ الطَّعَامِ

[حاشية البجيرمي]

فِي حِجْرِهَا، فَأَخْبَرَتْهُ بِذَلِكَ فَلَطَمَهَا عَلَى وَجْهِهَا وَقَالَ لَهَا: تَزْعُمِينَ أَنَّك تَتَزَوَّجِينَ بِمَلِكِ يَثْرِبَ، فَلَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ خَيْبَرَ وَمَلَكَ غَنَائِمَهَا فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَطَلَبَ مِنْهُ جَارِيَةً يَتَسَرَّى بِهَا، فَقَالَ لَهُ: «اذْهَبْ فَخُذْ وَاحِدَةً» فَأَخَذَهَا.
فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ: إنَّهَا لَا تَصْلُحُ إلَّا لَك.
فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ وَأَعْتَقَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا وَتَزَوَّجَ بِهَا وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا فِي رُجُوعِهِ مِنْ خَيْبَرَ.
قَالَ فِي الْخَصَائِصِ وَشَرْحِهَا: وَاخْتَصَّ بِإِبَاحَةِ اصْطِفَاءِ أَيْ اخْتِيَارِ مَا شَاءَ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقَسْمِ لَهَا مِنْ جَارِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ وَمِنْ صَفَايَاهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ تَصْغِيرُ حَيِّي بْنِ أَخَطَبَ الْيَهُودِيِّ مِنْ نَسْلِ هَارُونَ أَخِي مُوسَى - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - زَوْجَةِ سَلَامِ بْنِ أَبِي الْحَقِيقِ بِالتَّصْغِيرِ شَرِيفِ خَيْبَرَ قُتِلَ فَسُبِيَتْ «فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا ذُكِرَ لَهُ جَمَالُهَا.
وَكَانَتْ عَرُوسًا، فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغَ الصَّهْبَاءَ وَحَلَّتْ لَهُ أَيْ طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ فَبَنَى بِهَا وَصَنَعَ حَيْسًا مِنْ التَّمْرِ وَسَوِيقًا وَهُوَ مَا يُعْمَلُ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَرَبِ وَضَعَهُ فِي نِطْعٍ، ثُمَّ قَالَ لِأَنَسٍ: ائْذَنْ لِمَنْ حَوْلَك» فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةً عَلَيْهَا.
وَإِنَّمَا أَخَذَهَا مِنْهُ رِعَايَةً لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ ؛ لِأَنَّهَا بِنْتُ بَعْضِ مُلُوكِهِمْ، فَخَافَ مِنْ اخْتِصَاصِ دِحْيَةَ تَغَيَّرَ خَاطِرِ نُظَرَائِهِ، وَكَانَتْ رَأَتْ أَنَّ الْقَمَرَ سَقَطَ فِي حِجْرِهَا اهـ. مُنَاوِيٌّ.
وَجَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ وَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنْ اللَّيْلِ، وَإِنَّ عُمْرَهَا لَمْ يَبْلُغْ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَوْلَمَ بِتَمْرٍ وَسَوِيقٍ.
قَوْلُهُ: (بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ) وَفِي السِّيرَةِ الْحَلَبِيَّةِ: وَجَعَلَ وَلِيمَتَهَا حَيْسًا فِي نِطْعٍ صَغِيرٍ، وَالْحَيْسُ تَمْرٌ وَأَقِطٌ هُوَ لَبَنٌ غَيْرُ مَنْزُوعِ الزُّبْدِ وَسَمْنٌ؛ فَفِي الْبُخَارِيِّ: «فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرُوسًا فَقَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْنِي بِهِ وَبَسَطَ نِطْعًا فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ وَجَعَلَ الرَّجُلُ بِالسَّمْنِ وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْأَقِطِ، وَذَكَرَ أَيْضًا السَّوِيقَ» . وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَيْسَ خَلْطُ السَّمْنِ وَالتَّمْرِ وَالْأَقِطِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُخْلَطُ مَعَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ السَّوِيقُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَلِيمَةَ عَلَى صَفِيَّةَ كَانَتْ نَهَارًا، وَذَهَبَ ابْنُ الصَّلَاحِ إلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِعْلُهَا لَيْلًا؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ إنْ ثَبَتَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهَا لَيْلًا أَيْ لِأَحَدٍ مِنْ نِسَائِهِ، وَقَدْ جَاءَ: " لَا بُدَّ لِلْعُرْسِ مِنْ وَلِيمَةٍ " قَالَ ع ش عَلَى م ر: أَيْ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال عَلَى سَنِّهَا لَيْلًا بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَعَلَهَا كَذَلِكَ اهـ. قَوْلُهُ: (وَأَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ) هَذَا مِثَالٌ لِلْقَوْلِ.
قَوْلُهُ: (أَوْلِمْ) هُوَ أَمْرٌ لِلنَّدْبِ كَسَائِرِ الْوَلَائِمِ ق ل. قَوْلُهُ: (أَقَلُّ الْكَمَالِ) أَيْ لَا أَقَلَّ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِقَوْلِ التَّنْبِيهِ إلَخْ.
وَفِعْلُ النَّبِيُّ لَهَا بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ بَيَانٌ لِلْجَوَازِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الطَّعَامِ) الْمُرَادُ بِالطَّعَامِ مَا يَشْمَلُ الْمَشْرُوبَ.
قَوْلُهُ: (فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِهِ) أَيْ بِالْعَقْدِ، وَلَا يَفُوتُ بِطَلَاقٍ وَلَا بِمَوْتٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِعْلُهَا بَعْدَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ قَضَاءً فَرَاجِعْهُ ق ل. قَوْلُهُ: (بَعْدَ الدُّخُولِ) قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَنْتَهِي بِمُدَّةِ الزِّفَافِ لِلْبِكْرِ سَبْعًا وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثًا اهـ، أَيْ فَفِعْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ يَقَعُ قَضَاءً فَلَوْ قَدَّمَهَا عَلَى الْعَقْدِ لَمْ تَكُنْ وَلِيمَةَ عُرْسٍ فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ التَّسَرِّي كَالنِّكَاحِ فِي اسْتِحْبَابِ الْوَلِيمَةِ وَوُجُوبِ الْإِجَابَةِ وَيُسْتَحَبُّ تَعَدُّدُهَا بِتَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ وَلَوْ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي الْعَقِيقَةِ عَنْ أَوْلَادِهِ.
اهـ. دَيْرَبِيٌ.

قَوْلُهُ: (وَالْإِجَابَةُ إلَيْهَا وَاجِبَةٌ) أَيْ وَلَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَإِنْ خَالَفَ الْأَفْضَلَ، خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ فِي التَّوْشِيحِ.
وَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَقْصِدَ بِإِجَابَتِهِ الِاقْتِدَاءَ بِالسُّنَّةِ وَإِقَامَةِ الْمَطْلُوبِ وَإِكْرَامِ أَخِيهِ وَزِيَارَتِهِ لِيُثَابَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَكُونُ مِنْ الْمُتَزَاوِرِينَ وَالْمُتَحَابِّينَ

طَعَامُ الْوَلِيمَةِ تُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ وَتُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» . قَالُوا: وَالْمُرَادُ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ؛ لِأَنَّهَا الْمَعْهُودَةُ عِنْدَهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا: «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ» . وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ الْوَلَائِمِ فَالْإِجَابَةُ إلَيْهَا مُسْتَحَبَّةٌ، لِمَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: «دُعِيَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ إلَى خِتَانٍ فَلَمْ يُجِبْ وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ يُدْعَى لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» .

وَقَوْلُهُ: (إلَّا لِعُذْرٍ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَكْثَرِ شُرُوطِ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ فَإِنَّ شُرُوطَهُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا أَنْ لَا يَخُصَّ بِالدَّعْوَةِ الْأَغْنِيَاءَ لِغِنَاهُمْ لِخَبَرِ: «شَرُّ الطَّعَامِ» . وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي مُسْلِمًا.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّ مُسْلِمًا أَيْضًا، وَمِنْهَا أَنْ يَدْعُوَهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فَتُسَنُّ الْإِجَابَةُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَتُكْرَهُ فِي

[حاشية البجيرمي]

فِي اللَّهِ لَا قَضَاءَ شَهْوَةٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (تُدْعَى لَهَا الْأَغْنِيَاءُ) فِيهِ أَنَّ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ التَّخْصِيصَ لِلْأَغْنِيَاءِ تَجِبُ الْإِجَابَةُ مَعَهُ، وَهُوَ يُخَالِفُ مَا سَيُصَرِّحُ بِهِ ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ حَجَرٍ أَجَابَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مَقَامَيْنِ بَيَانُ مَا جُبِلَ عَلَيْهِ النَّاسُ فِي طَعَامِ الْوَلِيمَةِ وَهُوَ الرِّيَاءُ أَيْ شَأْنُهَا ذَلِكَ، وَلَيْسَ مِنْ لَازِمِ ذَلِكَ وُجُودُهُ بِالْفِعْلِ وَبَيَانُ مَا جُبِلُوا عَلَيْهِ فِي إجَابَتِهَا وَهُوَ التَّوَاصُلُ وَالتَّحَابُّ وَهُوَ إنَّمَا يَحْصُلُ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ قَصْدٌ مُوغِرٌ لِلْقَصْدِ وَمِنْ شَأْنِ التَّخْصِيصِ ذَلِكَ.
اهـ. ح ل. قَوْلُهُ: (وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ إلَخْ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِجَابَةَ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ وَاجِبَةٌ حَيْثُ حَكَمَ بِالْعِصْيَانِ عَلَى عَدَمِ الْإِجَابَةِ مَعَ أَنَّهُ إذَا خُصَّ الْأَغْنِيَاءُ لَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ أَيْ الْخَالِيَةَ عَنْ تَخْصِيصِ الْأَغْنِيَاءِ وَوُجِدَتْ بَقِيَّةُ الشُّرُوطِ، أَوْ أَنَّ قَوْلَهُ شَرُّ الطَّعَامِ إلَخْ هَذَا إخْبَارٌ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْغَيْبِ لِبَيَانِ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النَّاسُ فِي الْوَلَائِمِ مِنْ الرِّيَاءِ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ وُجُودُ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ أَيْ فِي كُلِّ الْوَلَائِمِ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ: وَمَنْ لَمْ يُجِبْ الدَّعْوَةَ بِأَنْ انْتَفَى تَخْصِيصُ الْأَغْنِيَاءِ.
وَقَوْلُهُ: " وَمَنْ لَمْ يُجِبْ " مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ مُدْرَجٌ فِي الْحَدِيثِ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ النَّبِيَّ سَمِعَهُ، وَأَقَرَّهُ.
قَالَ ع ش: وَلَيْسَ هَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ: " وَمَنْ لَمْ يُجِبْ إلَخْ " مِنْ الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا هُوَ مُدْرَجٌ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِدْلَالِ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ، إلَّا أَنْ يُقَالَ أَقَرَّهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ أَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهِ.
الصَّحَابَةُ وَسَكَتُوا عَلَيْهِ فَصَارَ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا.
قَوْلُهُ: (قَالُوا وَالْمُرَادُ إلَخْ) تَبَرَّأَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْوَلِيمَةِ عَامٌّ يَشْمَلُ الْعُرْسَ وَغَيْرَهُ، فَهُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ، أَيْ عَلَى أَنَّهَا وَلِيمَةُ الْعُرْسِ اهـ. وَانْظُرْ لِمَ تَبَرَّأَ مِنْهُ مَعَ أَنَّهُ مُؤَيِّدٌ بِالْحَدِيثِ الْآتِي؟ وَعِبَارَةُ ح ل: وَجْهُ التَّبَرِّي مِنْهُ وَاضِحُ وَهُوَ أَنَّ هَذَا التَّخْصِيصَ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ مَعَ مَجِيءِ التَّعْمِيمِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي سَاقَهُ بَعْدَهُ اهـ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا الْمَعْهُودَةُ عِنْدَهُمْ) أَيْ الْعَرَبِ؛ وَلِأَنَّهَا الْمُرَادَةُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
وَقَوْلُهُ: " وَيُؤَيِّدُهُ " أَيْ هَذَا الْمُرَادُ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ الْوَلَائِمِ) يَشْمَلُ وَلِيمَةَ التَّسَرِّي كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ) هَذَا لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ بَلْ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، فَلَوْ قَالَ لَا وَاجِبَةَ لِمَا فِي مُسْنَدِ إلَخْ لَسَلِمَ مِنْ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (إلَّا لِعُذْرٍ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ.
وَظَاهِرُ نَفْيِ الْوُجُوبِ بَقَاءُ الِاسْتِحْبَابِ، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ قَدْ تُكْرَهُ وَقَدْ تَحْرُمُ وَسَيَأْتِي لَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (إلَى أَكْثَرِ شُرُوطِ) لَوْ قَالَ إلَى كَثْرَةِ شُرُوطِ إلَخْ، لَكَانَ أَظْهَرَ فِي الْمُرَادِ، وَقَدْ أَوْصَلَهَا بَعْضُهُمْ إلَى نَحْوِ عِشْرِينَ شَرْطًا ق ل. قَوْلُهُ: (لِغِنَاهُمْ) خَرَجَ مَا لَوْ خَصَّ الْفُقَرَاءَ لِفَقْرِهِمْ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْوُجُوبِ.
وَقَوْلُهُ: " أَنْ لَا يَخُصَّ الْأَغْنِيَاءَ " صَادِقٌ بِثَلَاثِ صُوَرٍ: بِأَنْ عَمَّ النَّوْعَيْنِ أَوْ خَصَّ الْفُقَرَاءَ لِفَقْرِهِمْ أَوْ خَصَّ الْأَغْنِيَاءَ لِكَوْنِهِمْ أَهْلَ حِرْفَتِهِ أَوْ جِيرَانِهِ وَالْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا أَهْلُ مَحَلَّتِهِ وَمَسْجِدِهِ دُونَ أَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ.
وَالْمُرَادُ بِالْأَغْنِيَاءِ هُنَا مَنْ يَقْصِدُ التَّجَمُّلَ بِحُضُورِهِ لِنَحْوِ وَجَاهَةٍ أَوْ جَاهٍ كَمَشَايِخِ الْبُلْدَانِ وَالْأَسْوَاقِ، فَالْمُرَادُ الْغِنَى عُرْفًا لَا غِنَى الزَّكَاةِ أَوْ الْعَاقِلَةِ أَيْ الْمُتَزَيِّنُونَ بِالْمُلَابِسِ الْفَاخِرَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَالٌ أَصْلًا، فَهُمْ عَلَى حَدِّ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَمَا مِثْلُهُ إلَّا كَفَارِغِ بُنْدُقٍ خَلِيٌّ مِنْ الْمَعْنَى وَلَكِنْ يُفَرْقِعُ اهـ ع ش مَعَ زِيَادَةٍ.

الثَّالِثِ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ؛ نَعَمْ إنْ اتَّخَذَهَا الْوَلِيُّ مِنْ مَالِهِ وَهُوَ أَبٌ أَوْ جَدٌّ فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ الْوُجُوبُ، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَدْعُوَهُ لِخَوْفٍ مِنْهُ لَوْ لَمْ يَحْضُرْ أَوْ طَمَعًا فِي جَاهِهِ أَوْ إعَانَتِهِ عَلَى بَاطِلٍ.
وَمِنْهَا أَنْ يُعَيِّنَ الْمَدْعُوَّ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ لَا إنْ نَادَى فِي النَّاسِ كَأَنْ فَتَحَ الْبَابَ وَقَالَ لِيَحْضُرَ مَنْ أَرَادَ.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَعْتَذِرَ الْمَدْعُوُّ إلَى الدَّاعِي وَيَرْضَى بِتَخَلُّفِهِ.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَسْبِقَ الدَّاعِيَ غَيْرُهُ فَإِنْ جَاءَا مَعًا أَجَابَ أَقْرَبُهُمَا رَحِمًا ثُمَّ دَارًا، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَدْعُوهُ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ فَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ كُرِهَتْ إجَابَتُهُ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ عَيْنَ الطَّعَامِ حَرَامٌ حَرُمَتْ إجَابَتُهُ، وَإِلَّا فَلَا وَتُبَاحُ الْإِجَابَةُ.
وَلَا تَجِبُ إذَا كَانَ فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ الزَّرْكَشِيّ: لَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ فِي زَمَانِنَا هَذَا انْتَهَى.
وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي) أَيْ صَاحِبُ الْوَلِيمَةِ مُسْلِمًا، فَلَوْ كَانَ كَافِرًا لَمْ تَجِبْ إجَابَتُهُ، لَكِنْ يُسَنُّ إنْ رُجِيَ إسْلَامُهُ أَوْ كَانَ قَرِيبًا أَوْ جَارًا وَكَذَا لَا يَلْزَمُ ذِمِّيًّا إجَابَةُ مُسْلِمٍ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّاعِي قَرَابَةٌ أَمْ صَدَاقَةٌ أَوْ لَا؛ وَلَعَلَّ وَجْهَ عَدَمِ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَعْوَةِ الْآخَرِ أَنَّ طَلَبَهَا لِلتَّوَدُّدِ وَهُوَ مُنْتَفٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ.
وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلدُّنْيَا وَإِلَّا فَهُوَ مُكَلَّفٌ بِالْفُرُوعِ، وَيَحْرُمُ مَيْلُ الْقَلْبِ لِلْكَافِرِ ع ش م ر عَلَى م ر مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَدْعُوَهُ إلَخْ) لَعَلَّ هَذَا مِمَّا لَمْ تَحْصُلْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي كَلَامِهِ إذْ الدُّعَاءُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، لَا يُقَالُ إنَّهُ عُذْرٌ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا وَكَتَبَ ق ل عَلَى قَوْلِهِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ: أَيْ لِنَوْعِ الْمَدْعُوِّ، فَلَوْ جَعَلَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ يَوْمًا وَجَبَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (فَتُسَنُّ الْإِجَابَةُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي) مَا لَمْ يَكُنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِضِيقِ مَنْزِلِهِ وَكَثْرَةِ النَّاسِ، وَإِلَّا كَانَتْ كَوَلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ دُعِيَ النَّاسُ إلَيْهَا أَفْوَاجًا فَيَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْضُرْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ الْإِجَابَةُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ.
اهـ. ح ل. قَوْلُهُ: (مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ) خَرَجَ السَّفِيهُ وَالصَّبِيُّ فَلَا يُجِيبُهُ غَيْرُهُ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ لِعِصْيَانِهِ بِذَلِكَ، ثُمَّ إنْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ أَنْ يُولِمَ كَانَ كَالْحُرِّ؛ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الدَّعْوَةِ أَيْضًا قَالَهُ م ر وحج.
قَالَ سم: هَلَّا جُعِلَ إذْنُهُ لَهُ فِي الْوَلِيمَةِ إذْنًا فِي الدَّعْوَةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَبٌ أَوْ جَدٌّ) خَرَجَ غَيْرُهُمَا لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّمْلِيكِ.
قَوْلُهُ: (لَوْ لَمْ يَحْضُرْ) الْأَوْلَى لَوْ لَمْ يَدْعُهُ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ طَمَعًا " عُطِفَ عَلَى خَوْفٍ، وَنَصْبُهُ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَلَوْ قَالَ: أَوْ طَمَعٍ لَكَانَ أَنْسَبَ بِمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (أَوْ طَمَعًا فِي جَاهِهِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ دَعَاهُ لِلتَّوَدُّدِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا فَتَجِبُ الْإِجَابَةُ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَائِبِهِ) بِأَنْ شَافَهَهُ بِالدَّعْوَى.
وَأَمَّا لَوْ عَلِمَ بِدَعْوَاهُ مِنْ غَيْرِ النَّائِبِ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْوُجُوبِ، أَيْ وَلَوْ كَانَ الدَّاعِي أَوْ نَائِبُهُ صَبِيًّا مُمَيِّزًا مَا لَمْ يُعْهَدْ عَلَيْهِ كَذِبٌ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ كَأُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَ لَا بِكِنَايَةٍ كَإِنْ شِئْت أَنْ تَحْضُرَ فَافْعَلْ أَوْ إذَا رَأَيْت أَنْ تُجَمِّلَنِي فَافْعَلْ، وَإِنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّأَدُّبِ أَوْ الِاسْتِعْطَافِ مَعَ ظُهُورِ الرَّغْبَةِ فِي حُضُورِ الْمَدْعُوِّ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يُحْتَاطُ لَهُ فَلَا يَكْفِي بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ.
وَالْقَرِينَةُ الْمَذْكُورَةُ غَايَةُ مَا تَقْتَضِي نَدْبَ الْحُضُورِ، كَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ.
وَفِي كَلَامِ شَيْخِنَا وُجُوبُ الْإِجَابَةِ حِينَئِذٍ.
اهـ. ح ل. قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِيَحْضُرَ مَنْ أَرَادَ) فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ.
قَوْلُهُ: (وَيَرْضَى بِتَخَلُّفِهِ) أَيْ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ وَطَلَاقَةِ وَجْهٍ لَا بِنَحْوِ غَضَبٍ وَعُبُوسٍ ق ل. قَوْلُهُ: (أَجَابَ أَقْرَبُهُمَا) فَإِنْ اسْتَوَيَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ) أَيْ وَالْوَلِيمَةُ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ ق ل، وَقَوْلُهُ أَكْثَرُ لَيْسَ قَيْدًا.
قَوْلُهُ: (حُرِّمَتْ إجَابَتُهُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ إنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ عَيْنَ الطَّعَامِ مِنْ الْحَرَامِ، فَلَا تَحْرُمُ الْإِجَابَةُ بَلْ تُكْرَهُ كَمَا قَدَّمَهُ.
قَوْلُهُ: (وَتُبَاحُ إلَخْ) مُسْتَأْنَفٌ كَمَا قَالَهُ م د؛ لَكِنْ عَلَيْهِ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ: " وَلَا تَجِبُ " فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ تَمَامِ قَوْلِهِ وَإِلَّا فَلَا، أَيْ فَلَا تَحْرُمُ؛ وَلَكِنْ تُبَاحُ الْإِجَابَةُ تَأَمَّلْ، هَكَذَا قِيلَ وَالْأَوْلَى أَنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ وَلَيْسَ رَاجِعًا لِقَوْلِهِ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ فِيهِ الْكَرَاهَةُ كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (إذَا كَانَ فِي مَالِهِ شُبْهَةٌ) أَيْ حَرَامٌ وَإِنْ قَلَّ.
وَعِبَارَةُ م ر فِي شَرْحِهِ: وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي مَالِ الدَّاعِي شُبْهَةٌ أَيْ قَوِيَّةٌ بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ فِي مَالِهِ حَرَامًا وَلَا يَعْلَمُ عَيْنَهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامًا فِيمَا يَظْهَرُ، خِلَافًا لِمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ بَعْضِهِمْ مِنْ التَّقْيِيدِ؛ لَكِنْ يُؤَيِّدُهُ عَدَمُ كَرَاهَةِ مُعَامَلَتِهِ وَالْأَكْلِ مِنْهُ إلَّا حِينَئِذٍ، وَيُرَدُّ بِأَنَّهُ يُحْتَاطُ لِلْوُجُوبِ مَا لَا يُحْتَاطُ لِلْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ الْآنَ مَالٌ يَنْفَكُّ عَنْ شُبْهَةٍ اهـ. قَوْلُهُ: (وَلَكِنْ لَا بُدَّ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ الْقَائِلِ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فِي زَمَانِنَا.
قَوْلُ: (وَلَيْسَ فِي مَوْضِعِ

الظَّنِّ أَنَّ فِي مَالِ الدَّاعِي شُبْهَةً، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الدَّاعِي امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً وَلَيْسَ فِي مَوْضِعِ الدَّعْوَةِ مَحْرَمٌ لَهَا وَلَا لِلْمَدْعُوِّ وَإِنْ لَمْ يَخْلُ بِهَا، وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الدَّاعِي ظَالِمًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ شِرِّيرًا أَوْ مُتَكَلِّفًا طَالِبًا لِلْمُبَاهَاةِ وَالْفَخْرِ؛ قَالَهُ فِي الْإِحْيَاءِ.
وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّ حُرًّا، فَلَوْ دَعَا عَبْدًا لَزِمَتْهُ إنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ، وَكَذَا الْمُكَاتَبُ إنْ لَمْ يَضُرَّ حُضُورُهُ بِكَسْبِهِ، فَإِنَّ ضَرَّ وَأَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فَوَجْهَانِ، وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ؛ وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ فِي إجَابَةِ الدَّعْوَى كَالرَّشِيدِ.
وَمِنْهَا أَنْ يَدْعُوَهُ فِي وَقْتِ الْوَلِيمَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَقْتُهَا.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْمَدْعُوُّ قَاضِيًا، وَفِي مَعْنَاهُ كُلُّ ذِي وِلَايَةٍ عَامَّةٍ.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ مَعْذُورًا بِمُرَخِّصٍ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يَتَأَذَّى بِحُضُورِهِ أَوْ لَا يَلِيقُ بِهِ مُجَالَسَتُهُ كَالْأَرَاذِلِ.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْمَدْعُوُّ أَمْرَدَ يُخَافُ مِنْ حُضُورِهِ رِيبَةً أَوْ تُهْمَةً أَوْ قَالَةً.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مُنْكَرٌ لَا يَزُولُ بِحُضُورِهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالضَّرْبِ بِالْمَلَاهِي، فَإِنْ كَانَ يَزُولُ بِحُضُورِهِ وَجَبَ حُضُورُهُ لِلدَّعْوَةِ وَإِزَالَةُ الْمُنْكَرِ.
وَمِنْ الْمُنْكَرِ فُرُشٌ

[حاشية البجيرمي]

الدَّعْوَةِ مَحْرَمٌ) أَيْ لِيَأْمَنَ مَعَهُ مِنْ الْخَلْوَةِ الْمُحَرَّمَةِ.
وَهَذَا الْقَيْدُ قَدْ يُنَافِي قَوْلَهُ الْآتِي وَإِنْ لَمْ يَخْلُ بِهَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ق ل: قَوْلُهُ وَلَيْسَ إلَخْ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ تَدَافُعٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَيْسَ فِي مَوْضِعِ الدَّعْوَةِ مَحْرَمٌ أَيْ لِيَأْمَنَ مَعَهُ مِنْ رِيبَةٍ أَوْ تُهْمَةٍ، فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ الْآتِي وَإِنْ لَمْ يَخْلُ بِهَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ شِرِّيرًا) أَيْ كَثِيرِ الشَّرِّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُتَكَلِّفًا) أَيْ كَلَّفَ نَفْسَهُ مَا لَا يُطِيقُ مِنْ الطَّعَامِ الْكَثِيرِ؛ أَفَادَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فِي وَقْتِ الْوَلِيمَةِ) وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ بِأَنْ يَدْعُوهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي، أَمَّا لَوْ دَعَاهُ قَبْلَ وَقْتِهَا كَأَنْ جَعَلُوا الْوَلِيمَةَ لِلْعُرْسِ قَبْلَ الْعَقْدِ فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ.
وَمَحَلُّ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَسَنِّهَا فِي الثَّانِي إذَا لَمْ يَكُنْ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ غَرَضًا، أَمَّا إذَا كَانَ غَرَضٌ أَوْ عُذْرٌ كَأَنْ جَعَلَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ يَوْمًا أَوْ لِضِيقِ مَنْزِلِهِ عَنْ كُلِّهِمْ أَوْ عَجْزِهِ عَنْ طَعَامٍ يَكْفِي الْجَمِيعَ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَتَجِبُ الْإِجَابَةُ فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ وَلَوْ شَهْرًا.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ تَقَدَّمَ وَقْتُهَا) أَيْ أَنَّ أَوَّلَ ابْتِدَائِهِ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ وَيَنْتَهِي أَدَاؤُهَا بِالْأُسْبُوعِ فِي الْبِكْرِ وَالثَّلَاثِ فِي الثَّيِّبِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَكُونَ الْمَدْعُوُّ قَاضِيًا) وَالْأَوْجَهُ اسْتِثْنَاءُ أَبْعَاضِهِ وَنَحْوِهِمْ فَتَلْزَمُهُ إجَابَتُهُمْ لِعَدَمِ نُفُوذِ حُكْمِهِ لَهُمْ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِمُرَخِّصٍ) أَيْ مِمَّا يَأْتِي هُنَا فَلَا يُنَافِي أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَعْذَارِ الْجَمَاعَةِ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ، وَلَيْسَ عُذْرًا هُنَا لِوُجُودِ ذَلِكَ فِي مَقْصِدِهِ م د. قَوْلُهُ: (كَالْأَرَاذِلِ) وَالزَّحْمَةِ وَالْعَدَاوَةِ كَذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إنْ تَضَرَّرَ.
اهـ. ز ي. وَالْمُرَادُ بِالْأَرَاذِلِ الْأَرَاذِلُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا أَمَّا فِي الدِّينِ فَتَحْرُمُ مُجَالَسَتُهُمْ ق ل. قَوْلُهُ: (أَمْرَدَ) أَيْ جَمِيلًا، بِدَلِيلِ تَقْيِيدِهِ بِخَوْفِ نَحْوِ رِيبَةٍ.
وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمَدْعُوَّةَ كَذَلِكَ ق ل. وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: وَغَيْرِهِ وَمِنْ الْعُذْرِ كَوْنُهُ أَمْرَدَ جَمِيلًا يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ رِيبَةٍ أَوْ تُهْمَةٍ وَإِنْ أَذِنَ الْوَلِيُّ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَكَوْنُ النِّسَاءِ بِنَحْوِ أَسْطُحَةِ الدَّارِ وَمَرَافِقِهَا بِحَيْثُ يَنْظُرْنَ لِلرِّجَالِ أَوْ يَخْتَلِطْنَ بِهِمْ وَلَوْ أَمْكَنَهُ التَّحَرُّزُ عَنْ رُؤْيَتِهِنَّ لَهُ كَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ بِحَيْثُ لَا يُرَى شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَوُجُودُ مَنْ يُضْحِكُ النَّاسَ بِالْفُحْشِ وَالْكَذِبِ.
قَوْلُهُ: (رِيبَةً أَوْ تُهْمَةً) الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الرِّيبَةَ هِيَ الَّتِي لَا تَكُونُ بِمُجَرَّدِ التَّوَهُّمِ بَلْ بِالظَّنِّ، بِخِلَافِ التُّهْمَةِ فَهِيَ أَدْوَنُ مِنْهَا، وَالْقَالَةُ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ قَوْلٌ لَا يَلِيقُ بِهِ كَغِيبَةٍ أَوْ نَمِيمَةٍ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مُنْكَرٌ) أَيْ وَلَوْ فِي اعْتِقَادِ الْمَدْعُوِّ فَقَطْ كَفُرُشِ حَرِيرٍ لِلرِّجَالِ وَشُرْبِ نَبِيذٍ، نَعَمْ يَجُوزُ الْحُضُورُ إنْ اعْتَقَدَ الْفَاعِلُ الْجَوَازَ كَالْحَنَفِيِّ فِي الْمِثَالَيْنِ لَكِنَّهُ إذَا حَضَرَ لَا يُنْكِرُ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ قَاعِدَةِ إنَّ شَرْطَ الْإِنْكَارِ كَوْنُ الْمُنْكَرِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ يَعْتَقِدُ الْفَاعِلُ حُرْمَتَهُ.
وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ سُقُوطُ الْوُجُوبِ دُونَ الْجَوَازِ فِيمَا لَوْ كَانَ هُنَاكَ مَالِكِيٌّ يَتَطَهَّرُ بِالْمُسْتَعْمَلِ أَوْ حَنَفِيٌّ يَتْرُكُ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ كَانَ الْفَاعِلُ يَرَى التَّحْرِيمَ دُونَ الْمَدْعُوِّ، فَالْوَجْهُ سُقُوطُ الْوُجُوبِ وَحُرْمَةُ الْحُضُورِ إذْ حُضُورُ الْمُنْكَرِ وَلَوْ فِي اعْتِقَادِ الْفَاعِلِ فَقَطْ لِغَيْرِ إنْكَارِهِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ إقْرَارًا عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَهُوَ حَرَامٌ.
اهـ. سم.
وَقَوْلُهُ: " وَلَوْ فِي اعْتِقَادِ الْمَدْعُوِّ فَقَطْ " وَلَا يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي فِي السِّيَرِ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الَّذِي يُنْكِرُ بِاعْتِقَادِ الْفَاعِلِ تَحْرِيمَهُ؛ لِأَنَّ مَا هُنَا فِي وُجُوبِ الْحُضُورِ وَوُجُوبُهُ مَعَ وُجُودِ مُحَرَّمٍ فِي اعْتِقَادِهِ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَيْهِ فَسَقَطَ وُجُوبُ الْحُضُورِ لِذَلِكَ، وَأَمَّا الْإِنْكَارُ فَفِيهِ إضْرَارٌ بِالْفَاعِلِ وَلَا يَجُوزُ إضْرَارُهُ إلَّا إذَا اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا اعْتَقَدَ الْمُنْكِرُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُعَامَلُ بِقَضِيَّةِ اعْتِقَادِ غَيْرِهِ.
اهـ. حَجّ.
اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (وَالضَّرْبُ بِالْمَلَاهِي) أَيْ آلَةِ لَهْوٍ يَسْمَعُهَا أَوْ يَعْلَمُ أَنَّهَا تُضْرَبُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِمَحَلِّ حُضُورِهِ بِأَنْ كَانَتْ بِبَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ

غَيْرُ حَلَالٍ كَالْمَغْصُوبِ وَالْمَسْرُوقِ وَفُرُشُ جُلُودِ النُّمُورِ وَفُرُشُ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ.
وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ صُورَةُ حَيَوَانٍ فِي غَيْرِ أَرْضٍ وَبِسَاطٌ وَمِخَدَّةٌ، وَالْمَرْأَةُ إذَا دَعَتْ النِّسَاءَ فَكَمَا ذَكَرْنَا فِي الرِّجَالِ؛ قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
وَقِيَاسُ مَا مَرَّ عَنْ

[حاشية البجيرمي]

الدَّارِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ بِجِوَارِهِ اهـ ح ل. وَعِبَارَةُ س ل: وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِمَحَلِّ الْحُضُورِ أَوْ بِبَيْتٍ آخَرَ مِنْ الدَّارِ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَالسُّبْكِيُّ.
وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَارِ بِأَنَّ فِي مُفَارَقَةِ دَارِهِ ضَرَرًا عَلَيْهِ وَلَا فِعْلَ مِنْهُ بِخِلَافِ هَذَا، فَإِنَّهُ تَعَمَّدَ الْحُضُورَ بِمَحِلِّ الْمَعْصِيَةِ بِلَا ضَرُورَةٍ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا قَالَاهُ، أَيْ الْأَذْرَعِيُّ وَالسُّبْكِيُّ، مِنْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ آلَاتِ اللَّهْوِ فِي مَحَلِّ الْحُضُورِ أَوْ غَيْرِهِ هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي لَا يَسُوغُ غَيْرَهُ، وَتَسْلِيمٌ أَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ الْأَوَّلِينَ الْحِلُّ أَيْ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِمَحَلِّ الْحُضُورِ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ مُقِرًّا عَلَى الْمَعْصِيَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ اهـ. قَالَ ع ش: قَوْلُهُ: " فَإِنَّهُ تَعَمَّدَ الْحُضُورَ إلَخْ " قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ عَلَى ظَنِّ أَنْ لَا مَعْصِيَةَ بِالْمَكَانِ ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ كَأَنْ حَضَرَ مَعَ الْمُجْتَمِعِينَ فِي مَحَلِّ الدَّعْوَةِ ثُمَّ سَمِعَ الْآلَاتِ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَوْ حَضَرَ أَصْحَابُ الْآلَاتِ بَعْدَ حُضُورِهِ لِمَحَلِّ الدَّعْوَةِ عَدَمُ وُجُوبِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ أَخْذًا بِقَوْلِهِمْ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِالْمَدْعُوِّ إلَخْ اهـ. قَوْلُهُ: (وَجَبَ حُضُورُهُ لِلدَّعْوَةِ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: هَذَا إنْ لَمْ يَزُلْ أَيْ الْمُنْكَرُ بِهِ أَيْ الْمَدْعُوِّ وَإِلَّا وَجَبَتْ أَوْ سُنَّتْ إجَابَتُهُ إجَابَةً لِلدَّعْوَى وَإِزَالَةً لِلْمُنْكَرِ اهـ. وَقَوْلُهُ إجَابَةً لِلدَّعْوَى رَاجِعٌ لِلْوُجُوبِ وَالسُّنِّيَّةِ وَكَذَا قَوْلُهُ وَإِزَالَةً لِلْمُنْكَرِ.
وَلَا يُقَالُ إزَالَةُ الْمُنْكَرِ تَقْتَضِي الْوُجُوبَ لَا النَّدْبَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ سَنُّهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا إجَابَةٌ لِوَلِيمَةِ غَيْرِ عُرْسٍ وَوُجُوبُهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ فِي الْإِجَابَةِ إزَالَةً لِلْمُنْكَرِ فَفِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ تَجِبُ الْإِجَابَةُ مِنْ الْحَيْثِيَّتَيْنِ وَفِي وَلِيمَةِ غَيْرِهِ تُسَنُّ مِنْ حَيْثُ الْوَلِيمَةُ وَتَجِبُ مِنْ حَيْثُ إزَالَةُ الْمُنْكَرِ فَلَا تَنَافِيَ.
قَوْلُهُ: (فُرُشٌ غَيْرُ حَلَالٍ) هَذَا لَا يَتَنَاوَلُ نَصْبَهُ عَلَى الْجُدْرَانِ مَعَ أَنَّهُ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَمَحَلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحُضُورِ، أَمَّا مُجَرَّدُ الدُّخُولِ فَلَا يَحْرُمُ بَلْ يُكْرَهُ كَمَا فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ فَمَا فِي غَيْرِهِ عَنْهُمْ مِنْ التَّحْرِيمِ ضَعِيفٌ، أَمَّا دُخُولُ مَحَلٍّ بِبَابِهِ أَوْ مَمَرِّهِ صُوَرٌ مُحَرَّمَةٌ فَلَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَحَلُّ امْتِهَانٍ لَا يَعْظُمُ فَأَشْبَهَ الْأَرْضَ؛ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ بِحُجْرَةٍ أَوْ بَيْتٍ آخَرَ مِنْ مَحَلِّ الدَّعْوَةِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا مِنْهَا عَلَى الْأَوْجَهِ بَلْ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ، فَفِي حُضُورِ الدَّارِ الَّتِي هُوَ فِيهَا إقْرَارٌ عَلَيْهِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: كَانَ شَيْخُنَا ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي أَيَّامِ زِينَةِ الْمَحْمَلِ لَا يَشُقُّ الْمَدِينَةَ وَلَا يَنْظُرُ إلَى زِينَتِهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ اهـ. وَيُتَّجَهُ أَنَّ مَحَلَّ حُرْمَةِ الْمُرُورِ أَيَّامَ الزِّينَةِ حَيْثُ لَا حَاجَةَ وَيَسْهُلُ عَلَيْهِ الْمُرُورُ بِغَيْرِ مَحَلِّهَا وَلَمْ يَكُنْ فَاعِلُوهَا مُكْرَهِينَ عَلَى التَّزْيِينِ بِخُصُوصِ الْمُحَرَّمِ اهـ ابْنُ حَجَرٍ.
وَجَمَعَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ بَيْنَ مَا فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَمَا فِي الْكَبِيرِ فَقَالَ: هُمَا مَسْأَلَتَانِ، فَالدُّخُولُ مَكْرُوهٌ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالْحُضُورُ مُحَرَّمٌ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي غَيْرِهِ اهـ ز ي. قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: وَمَتَى جَلَسَ شُهُودُ النِّكَاحِ عَلَى الْحَرِيرِ فَسَقَوْا وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ بِهِمْ، وَأَمَّا سَتْرُ الْجُدْرَانِ بِهِ وَنَصْبُهُ وَفُرُشُ جُلُودِ النُّمُورِ فَحَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخُيَلَاءِ وَالْكِبْرِ اهـ ع ش. وَالْمُزَرْكَشُ بِالنَّقْدِ كَذَلِكَ وَخَرَجَ بِالْفُرُشِ بَسْطُهُ عَلَى الْأَرْضِ يُدَاسُ وَرَفْعُهُ عَلَى عُودٍ أَوْ فَوْقَ حَائِطٍ مَثَلًا فَلَا حُرْمَةَ.
فَرْعٌ: قَالَ شَيْخُنَا: وَعُلِمَ مِمَّا ذَكَرَ أَنَّ مَا يَقَعُ فِي مِصْرَ مِنْ الزِّينَةِ بِأَمْرِ وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّفَرُّجُ عَلَيْهِ وَالْمُرُورُ عَلَيْهِ إلَّا لِحَاجَةٍ مَعَ الْإِنْكَارِ، وَيَحْرُمُ فِعْلَهُ إلَّا الْقَدْرَ الَّذِي يَحْصُلُ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهِ؛ وَنَازَعَهُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضِ ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ ق ل. قَوْلُهُ: (وَصُورَةُ حَيَوَانٍ) وَلَوْ لِمَا لَا نَظِيرَ لَهُ كَبَقَرٍ لَهُ مِنْقَارٌ أَوْ جَنَاحٌ ق ل وح ل. قَوْلُهُ: (فِي غَيْرِ أَرْضٍ) بِأَنْ كَانَتْ مَرْفُوعَةً كَأَنْ كَانَتْ عَلَى سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ ثِيَابٍ مَلْبُوسَةٍ أَوْ وِسَادَةٍ مَنْصُوبَةٍ.
وَخَرَجَ بِمَا ذَكَرَ صُوَرُ حَيَوَانٍ مَبْسُوطَةٌ كَأَنْ كَانَتْ عَلَى بِسَاطٍ يُدَاسُ وَمَخَادَّ يُتَّكَأُ عَلَيْهَا أَوْ مَرْفُوعَةً، لَكِنْ قُطِعَ رَأْسُهَا؛ وَصُوَرُ شَجَرٍ وَشَمْسٍ وَقَمَرٍ فَلَا يَمْنَعَ طَلَبَ الْإِجَابَةِ، فَإِنَّ مَا يُدَاسُ مِنْهَا.
وَيُطْرَحُ مُهَانٌ مُبْتَذَلٌ وَغَيْرُهُ لَا يُشْبِهُ حَيَوَانًا فِيهِ رُوحٌ، بِخِلَافِ صُوَرِ الْحَيَوَانِ الْمَرْفُوعَةِ فَإِنَّهَا تُشْبِهُ الْأَصْنَامَ.
اهـ. شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ ثِيَابٍ مَلْبُوسَةٍ " قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ تَبَعًا لِابْنِ حَجَرٍ: الْمُرَادُ بِهِ الْمَلْبُوسُ بِالْقُوَّةِ أَعْنِي مَا شَأْنَهُ أَنْ

الْأَذْرَعِيِّ فِي الْأَمْرَدِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا خَافَتْ مِنْ حُضُورِهَا رِيبَةً أَوْ تُهْمَةً أَوْ قَالَةً لَا تَجِبُ عَلَيْهَا الْإِجَابَةُ وَإِنْ أَذِنَ الزَّوْجُ وَأَوْلَى، خُصُوصًا فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي كَثُرَ فِيهِ اخْتِلَاطُ الْأَجَانِبِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُبَالَاةٍ بِكَشْفِ

[حاشية البجيرمي]

يُلْبَسَ، وَمِنْهُ الْمَوْضُوعُ عَلَى الْأَرْضِ لَا لِيُدَاسَ؛ ثُمَّ قَالَا: وَيَجُوزُ لُبْسُ مَا عَلَيْهِ صُوَرُ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ وَدَوْسُهُ وَوَضْعُهُ فِي صُنْدُوقٍ أَوْ مُغَطَّى، وَقَوْلُهُ: " مَنْصُوبَةً " وَعَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ يُحْمَلُ مَا جَاءَ:؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «امْتَنَعَ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - مِنْ أَجْلِ النُّمْرُقَةِ الَّتِي عَلَيْهَا التَّصَاوِيرُ فَقَالَتْ: أَتُوبُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَاذَا أَذْنَبْت؟ فَسَأَلَتْ عَنْ سَبَبِ امْتِنَاعِهِ مِنْ الدُّخُولِ، فَقَالَ: مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟ قَالَتْ: اشْتَرَيْتهَا لَك لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ التَّصَاوِيرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالنُّمْرُقَةُ وِسَادَةٌ صَغِيرَةٌ، أَيْ فَهِيَ كَانَتْ مَنْصُوبَةً حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ إرَادَةِ دُخُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَوْلُهُ: " وَالنُّمْرُقَةُ " بِالضَّمِّ لِلْمُفْرَدِ وَتُجْمَعُ عَلَى نَمَارِقَ وَهِيَ الْوَسَائِدُ جَمْعُ وِسَادَةٍ؛ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: " وَبِفَعَائِلَ اجْمَعْنَ فِعَالَهُ " إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: " لَكِنْ قُطِعَ رَأْسُهَا " وَكَقَطْعِ الرَّأْسِ هُنَا فَقْدُ كُلِّ مَا لَا حَيَاةَ بِدُونِهِ.
وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّ فَقْدَ النِّصْفِ الْأَسْفَلِ كَفَقْدِ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ لِلْحَيَوَانِ بِدُونِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ ح ل. وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ: وَكَفَقْدِ الرَّأْسِ فَقْدُ مَا لَا حَيَاةَ بِدُونِهِ، نَعَمْ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ فَقْدُ الْأَعْضَاءِ الْبَاطِنَةِ كَالْكَبِدِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْمَلْحَظَ الْمُحَاكَاةُ وَهِيَ حَاصِلَةٌ بِدُونِ ذَلِكَ اهـ. وَيَظْهَرُ أَيْضًا أَنَّ خَرْقَ نَحْوِ بَطْنِهِ لَا يَجُوزُ اسْتِدَامَتُهُ وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مَعَهُ الْحَيَاةُ فِي الْحَيَوَانِ أَيْ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْمُحَاكَاةِ وَلَا شَيْءَ لِمُصَوِّرٍ، وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ ضَعِيفٌ بَلْ شَاذٌّ وَلَا أَرْشَ عَلَى كَاسِرِهِ.
وَتَصْوِيرُ الْحَيَوَانِ حَرَامٌ مُطْلَقًا وَلَوْ عَلَى أَرْضٍ وَلَوْ بِلَا رَأْسٍ أَوْ مِنْ طِينٍ أَوْ حَلَاوَةٍ وَيَصِحُّ بَيْعُهَا، وَلَا يَحْرُمُ التَّفَرُّجُ عَلَيْهَا وَلَا اسْتِدَامَتُهَا كَمَا قَالَهُ الرَّمْلِيُّ، وَخَالَفَهُ الزِّيَادِيُّ فِي الْأَخِيرَيْنِ فَحَرَّمَهُمَا؛ وَهُوَ كَبِيرَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ» أَيْ مِنْ أَشَدِّهِمْ وَفِي رِوَايَةٍ: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» وَالْمُرَادُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ.
وَفِي رِوَايَةٍ زِيَادَةُ: «نَحْوَ الْجَرَسِ وَمَا فِيهِ بَوْلٌ مَنْقُوعٌ» قَالَ ع ش عَلَى م ر: وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ أَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ لَا تَمْتَنِعُ مِنْ دُخُولِ بَيْتٍ فِيهِ صُورَةٌ وَلَوْ عَلَى نَقْدٍ، وَخَالَفَهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الزَّوَاجِرِ، وَالْأَقْرَبُ مَا فِي الزَّوَاجِرِ؛ وَوَجْهُهُ أَنَّ حَمْلَ النَّقْدِ وَالتَّعَامُلَ بِهِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ صُورَةٌ إنَّمَا هُوَ لِلْعُذْرِ فِي الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ وَعَدَمِ إرَادَةِ تَعْظِيمِهِ وَالْعُذْرُ فِي الِاحْتِيَاجِ وَالضَّرُورَةِ لَا يَزِيدُ عَلَى مُلَازَمَةِ الْحَيْضِ لِلْحَائِضِ، وَمَعَ ذَلِكَ وَرَدَ النَّصّ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ حَائِضٌ اهـ. وَيُسْتَثْنَى لُعَبُ الْبَنَاتِ وَكَذَا الصِّبْيَانِ، أَيْ الَّذِينَ يَلْعَبُونَ بِهِ مِنْ تَصْوِيرِ شَكْلٍ يُسَمُّونَهُ عَرُوسَةً؛ «لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَلْعَبُ بِهَا عِنْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ بِبَيْتِ أَبِيهَا قَبْلَ أَنْ يَنْقُلَهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي بَيْتِهِ» ، كَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ.
وَلَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِ ذَلِكَ كَانَ بِبَيْتِهِ أَيْضًا إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ هُوَ الْمَنْقُولُ، ثُمَّ رَأَيْت نَقْلًا عَنْ شَيْخِنَا الْعَزِيزِيِّ مَا نَصُّهُ: وَوَرَدَ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - كَانَتْ تَلْعَبُ بِمَا ذُكِرَ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهَا أَيْ حِينَ كَانَتْ صَغِيرَةً وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَحْضُرُ عِنْدَهَا فِي بَيْتِ أَبِيهَا؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا انْقَطَعَ عَنَّا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ، أَيْ كَانَ يَأْتِينَا الْبَيْتَ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ، أَيْ فَلَيْسَ لَعِبُهَا بِمَا ذُكِرَ كَانَ بَعْدَ التَّزْوِيجِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَخَذَهَا بَيْتَهُ كَانَ عُمْرُهَا تِسْعَ سِنِينَ.
اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّفَرُّجَ عَلَى الْجُلُودِ الْمُصَوَّرَةِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا خَيَالُ الظِّلِّ حَلَالٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الرَّمْلِيِّ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِالْحُرْمَةِ.
وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: رَأَيْت خَيَالَ الظِّلِّ أَكْبَرَ عِبْرَةٍ ... لِمَنْ هُوَ فِي عِلْمِ الْحَقِيقَةِ رَاقِي شُخُوصٌ لِأَرْوَاحٍ تَمُرُّ وَتَنْقَضِي ... نَرَى الْكُلَّ يَفْنَى وَالْمُحَرِّكُ بَاقِي اهـ قَوْلُهُ: (وَمِخَدَّةٌ) أَيْ يُتَّكَأُ عَلَيْهَا، وَهِيَ بِكَسْرِ الْمِيمِ.
قَوْلُهُ: (فَكَمَا ذَكَرْنَا فِي الرِّجَالِ) كَلَامُهُ الْأَوَّلُ رُبَّمَا يَشْمَلُهَا ق ل. قَوْلُهُ: (عَنْ الْأَذْرَعِيِّ) لَمْ يَتَقَدَّمُ لَهُ نَفْلُ ذَلِكَ عَنْ الْأَذْرَعِيِّ، فَلَعَلَّهُ فِي الْوَاقِعِ مَنْسُوبٌ لَهُ فَظَنَّ أَنَّهُ عَزَاهُ لَهُ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَأَوْلَى) أَيْ مِنْ الْأَمْرَدِ.
قَوْلُهُ: (خُرِقَ) أَيْ رُفِعَ فِيهِ السِّيَاجُ أَيْ الْحَيَاءُ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ السِّيَاجُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْجِيمِ

مَا هُوَ عَوْرَةٌ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مُشَاهَدٌ وَلِابْنِ الْحَاجِّ الْمَالِكِيِّ اعْتِنَاءٌ زَائِدٌ بِالْكَلَامِ عَلَى مِثْلِ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ بِاعْتِبَارِ زَمَانِهِ، فَكَيْفَ لَهُ بِزَمَانٍ خُرِقَ فِيهِ السِّيَاجُ وَزَادَ بَحْرُ فَسَادِهِ وَهَاجَ، وَلَا تَسْقُطُ إجَابَةٌ بِصَوْمٍ، فَإِنْ شَقَّ عَلَى الدَّاعِي صَوْمُ نَفْلٍ مِنْ الْمَدْعُوِّ فَالْفِطْرُ لَهُ أَفْضَلُ، وَيَأْكُلُ الضَّيْفُ مِمَّا قُدِّمَ لَهُ بِلَا لَفْظٍ وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ إلَّا بِأَكْلٍ، وَيَمْلِكُ الضَّيْفُ مَا الْتَقَمَهُ بِوَضْعِهِ

[حاشية البجيرمي]

مَا أُحِيطَ بِهِ عَلَى الْكَرْمِ وَنَحْوِهِ مِنْ الشَّوْكِ وَنَحْوِهِ وَالْجَمْعُ أَسْوِجَةٌ وَسَوْجٌ وَالْأَصْلُ بِضَمَّتَيْنِ مِثْلُ كِتَابٍ وَكُتُبٍ لَكِنْ سُكِّنَتْ الْوَاوُ اسْتِثْقَالًا لِلضَّمَّةِ اهـ. فَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَ الْحَيَاءَ بِالسِّيَاجِ بِجَامِعِ أَنَّ فِي كُلٍّ مَنْعًا فَالْحَيَاءُ يَمْنَعُ مِنْ الْفَوَاحِشِ، وَالسِّيَاجُ يَمْنَعُ الطَّارِقَ.
وَالْخَرْقُ تَرْشِيحٌ.
وَإِضَافَةُ بَحْرٍ إلَى فَسَادٍ مِنْ إضَافَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ إلَى الْمُشَبَّهِ أَيْ فَسَادُهُ الَّذِي هُوَ كَالْبَحْرِ فِي الْكَثْرَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَسْقُطُ إجَابَةٌ بِصَوْمٍ) وَاجِبٍ أَوْ مَنْدُوبٍ، أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ مِنْ الْأَعْذَارِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْحُضُورُ لَا الْأَكْلُ كَمَا فِي الْقَسْمِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ الْحُضُورُ لِلْإِينَاسِ لَا لِلْجِمَاعِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الْأَكْلُ وَلَوْ لُقْمَةً وَاحِدَةً كَمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ.
1 - فَرْعٌ: لَوْ دَعَاهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لِلْحُضُورِ نَهَارًا لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ، فَإِنْ أَرَادَ فَلْيَدْعُهُمْ عِنْدَ الْغُرُوبِ؛ قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الْبُلْقِينِيُّ مَا لَوْ دَعَاهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَالْمَدْعُوُّونَ كُلُّهُمْ مُكَلَّفُونَ صَائِمُونَ فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ إذْ لَا فَائِدَةَ إلَّا مُجَرَّدُ نَظَرِ الطَّعَامِ وَالْجُلُوسُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إلَى آخِرِهِ مُشِقٌّ اهـ. قَوْلُهُ: (فَالْفِطْرُ لَهُ أَفْضَلُ) وَيُنْدَبُ كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ أَنْ يَنْوِيَ بِفِطْرِهِ إدْخَالَ السُّرُورِ عَلَيْهِ؛ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (وَيَأْكُلُ الضَّيْفُ) الْمُرَادُ بِهِ هُنَا كُلُّ مَنْ حَضَرَ طَعَامَ غَيْرِهِ وَحَقِيقَتُهُ الْغَرِيبُ، وَمِنْ ثَمَّ تَأَكَّدَ ضِيَافَتُهُ وَإِكْرَامُهُ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهَا شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مِمَّا قُدِّمَ لَهُ) فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِمَّا خُصَّ بِهِ غَيْرُهُ عَالِيًا كَانَ أَوْ سَافِلًا، وَأَفْهَمْت " مِنْ " حُرْمَةِ أَكْلِ جَمِيعِ مَا قُدِّمَ لَهُ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الصَّبَّاغِ.
وَنُظِرَ فِيهِ إذَا قَلَّ وَاقْتَضَى الْعُرْفُ أَكْلَ جَمِيعِهِ، وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ لِلْقَرِينَةِ الْقَوِيَّةِ فَإِنْ دَلَّتْ عَلَى أَكْلِ الْجَمِيعِ حَلَّ وَإِلَّا امْتَنَعَ وَصَرَّحَ الشَّيْخَانِ بِكَرَاهَةِ الْأَكْلِ فَوْقَ الشِّبَعِ وَآخَرُونَ بِحُرْمَتِهِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ الَّذِي لَا يَضُرُّهُ وَالثَّانِي عَلَى خِلَافِهِ وَيَضْمَنُهُ لِصَاحِبِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ رِضَاهُ بِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ.
اهـ. ابْنُ حَجَرٍ.
وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ التَّحْرِيمَ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الضَّرَرِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ، وَالْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ عَلَى غَيْرِهَا كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي؛ وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ؛ لِأَنَّهَا مُؤْذِيَةٌ لِلْمِزَاجِ، فَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ هَذِهِ الْعِلَّةِ لَا عَلَى كَوْنِهِ مَالَ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ زي.
وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَوْ كَانَ يَأْكُلُ كَعَشَرَةٍ مَثَلًا وَمُضِيفُهُ جَاهِلٌ بِحَالِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ فَوْقَ مَا يَقْتَضِيهِ الْعُرْفُ فِي مِقْدَارِ الْأَكْلِ لِانْتِفَاءِ الْإِذْنِ اللَّفْظِيِّ وَالْعُرْفِ فِيمَا وَرَاءَهُ، قَالَ: فَلَوْ كَانَ الطَّعَامُ قَلِيلًا فَأَكَلَ لُقَمًا كِبَارًا مُسْرِعًا حَتَّى يَأْكُلَ أَكْثَرَ الطَّعَامِ وَيُحْرَمُ أَصْحَابُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ اهـ. وَقَوْلُهُ: " عَالِيًا كَانَ أَوْ سَافِلًا " أَيْ فَيَحْرُمُ عَلَى مِنْ خُصَّ بِالسَّافِلِ إكْرَامَ غَيْرِهِ مُطْلَقًا أَوْ قَبْلَ كِفَايَتِهِ مَثَلًا، وَمِنْهُ تَنَاقُلُ الْأَوَانِي بِالْأَطْعِمَةِ، وَلَوْ انْكَسَرَتْ ضَمِنُوهَا؛ لِأَنَّهَا عَارِيَّةٌ قِ ل. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: فَيَحْرُمُ عَلَى ذِي النَّفِيسِ تَلْقِيمُ ذِي الْخَسِيسِ دُونَ عَكْسِهِ مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَالْمُفَاوَتَةُ بَيْنَهُمْ مَكْرُوهَةٌ أَيْ إنْ خَشِيَ مِنْهَا حُصُولَ ضَغِينَةٍ اهـ. وَقَوْلُهُ: " وَاقْتَضَى الْعُرْفُ أَكْلَ جَمِيعِهِ " وَعَلَيْهِ جَمِيعُهُ وَعَلَيْهِ حَمْلُ مَا فِي الْحَدِيثِ: «الْإِنَاءُ تَسْتَغْفِرُ لِلَاعِقِهَا» وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ فِي لَحْسِ الْإِنَاءِ تَوَاضُعًا وَفِي تَرْكِهِ تَكَبُّرًا، ثُمَّ إنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنْ الْإِنَاءِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً كَمَا أَنَّهُ يُسَبِّحُ اللَّهَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُكْتَبُ لِلَاحِسِهِ أَجْرُ مُسْتَغْفِرٍ مُدَّةَ لَحْسِهِ لِلْإِنَاءِ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْإِنَاءَ لَا يَزَالُ يَسْتَغْفِرُ لِلَاحِسِهِ حَتَّى يَنْزِلَهُ طَعَامٌ آخَرُ.
اهـ. ابْنُ الْعِمَادِ.
قَوْلُهُ: (بِلَا لَفْظٍ) إنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ انْتِظَارٌ لِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ) أَيْ وَلَا يَجُوزُ فَيَحْرُمُ أَنْ يَنْقُلَهُ لِغَيْرِهِ أَوْ بِإِطْعَامِ نَحْوَ هِرَّةٍ مِنْهُ، وَلَا يُطْعِمُ مِنْهُ سَائِلًا إلَّا إنْ عَلِمَ الرِّضَا بِهِ بِخِلَافِ الضِّيَافَةِ الْمُشْتَرَطَةِ عَلَى الذِّمِّيِّ.
قَوْلُهُ: (وَيَمْلِكُ الضَّيْفُ إلَخْ) أَيْ مِلْكًا مُرَاعًى، بِمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا أَكَلَهُ أَكَلَ مَمْلُوكًا لَهُ، وَلَا يَتِمُّ مِلْكُهُ إلَّا بِالِازْدِرَادِ فَلَا يُسَوَّغُ لَهُ إنْ أَخْرَجَهُ مِنْ

فِي فَمِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي وَلِلضَّيْفِ أَخْذُ مَا يُعْلَمُ رِضَا الْمُضِيفِ بِهِ، وَيَحِلُّ نَثْرُ سُكَّرٍ وَغَيْرِهِ فِي الْإِمْلَاكِ وَلَا يُكْرَهُ النَّثْرُ فِي الْأَصَحِّ، وَيَحِلُّ الْتِقَاطُهُ وَلَكِنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى وَيُسَنُّ لِلضَّيْفِ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمُضِيفِ وَأَنْ يَقُولَ الْمَالِكُ

[حاشية البجيرمي]

فَمِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ الْأَكْلِ، فَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامَ زَيْدٍ فَضَيَّفَهُ زَيْدٌ وَأَكَلَ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَكَلَ مِلْكَهُ لَا مِلْكَ زَيْدٍ.
وَكَتَبَ ق ل عَلَى قَوْلِ الشَّارِح: " بِوَضْعِهِ فِي فَمِهِ ". هَذَا مَا اعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ، وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ لَا يَتِمُّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ إلَّا بِالِازْدِرَادِ، فَلَوْ لَفَظَهُ قَبْلَهُ عَادَ لِمَالِكِهِ اهـ. وَمِثْلُهُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْجَلَالِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ مَا يَقَعُ مِنْ تَفْرِقَةِ نَحْوِ لَحْمٍ عَلَى الْأَضْيَافِ يَمْلِكُهُ مِلْكًا تَامًّا بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَكَذَا الضِّيَافَةُ الْمَشْرُوطَةُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ يَمْلِكُهَا بِوَضْعِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَهُ الِارْتِحَالُ بِهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا بِمَا شَاءَ؛ قَالَهُ شَيْخُنَا م ر. قَالَ شَيْخُنَا: وَكَذَا لَوْ فَعَلَ الضَّيْفُ فِيمَا قُدِّمَ لَهُ فِعْلًا يَسْرِي إلَى التَّلَفِ وَفِيهِ وَقْفَةٌ اهـ. وَفِيهَا أَيْضًا فَرْعٌ لَا يَضْمَنُ مَا قُدِّمَ لَهُ مِنْ طَعَامٍ وَإِنَائِهِ وَحَصِيرٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ سَوَاءٌ قَبْلَ الْأَكْلِ وَبَعْدَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ دَفْعُ نَحْوِ هِرَّةٍ عَنْهُ وَيَضْمَنُ إنَاءً حَمَلَهُ بِغَيْرِ إذْنٍ وَيَبْرَأُ بِعَوْدِهِ مَكَانَهُ اهـ. قَوْلُهُ: (وَلِلضَّيْفِ أَخْذُ مَا يَعْلَمُ رِضَا الْمُضِيفِ بِهِ) شَمَلَ الطَّعَامَ وَالنَّقْدَ وَغَيْرَهُمَا.
وَتَخْصِيصُهُ بِالطَّعَامِ رَدَّهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَتَفَطَّنْ لَهُ وَلَا تَغْتَرَّ بِمَنْ وَهَمَ فِيهِ؛ ابْنُ حَجَرٍ زي.
وَلَوْ دَخَلَ عَلَى آكِلِينَ فَأَذِنُوا لَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَكْلُ إلَّا إنْ ظَنَّ أَنَّهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ لَا لِنَحْوِ حَيَاءٍ، وَمِنْ ثَمَّ حُرِّمَ إجَابَةُ مَنْ عَرَّضَ بِالضِّيَافَةِ تَجَمُّلًا وَأَكَلُ هَدِيَّةِ مَنْ ظُنَّ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُهْدِي إلَّا خَوْفَ الْمَذَمَّةِ.
وَلَوْ تَنَاوَلَ ضَيْفٌ إنَاءَ طَعَامٍ فَانْكَسَرَ مِنْهُ ضَمِنَهُ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ فِي حُكْمِ الْعَارِيَّةِ.
اهـ. ابْنُ حَجَرٍ ز ي. وَسُمِّيَ الضَّيْفُ ضَيْفًا بِاسْمِ مَلَكٍ يَأْتِي بِرِزْقِهِ لِمَنْ يُضَيِّفُهُ قَبْلَ مَجِيئِهِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَيُنَادِي فِيهِمْ هَذَا رِزْقُ فُلَانٍ كَمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ مَأْخُوذٌ مِنْ الضِّيَافَةِ وَهِيَ الْإِكْرَامُ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْغَرِيبُ وَمِنْ ثَمَّ تَأَكَّدَتْ ضِيَافَتُهُ.
وَإِكْرَامُهُ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهَا، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَنْ أَكَلَ طَعَامَ غَيْرِهِ مَعَ ظَنِّ رِضَاهُ.
وَضِدُّهُ الطُّفَيْلِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى طُفَيْلٍ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ كَانَ يَحْضُرُ وَلِيمَةَ كُلِّ عُرْسٍ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّطَفُّلِ وَهُوَ حُضُورُ طَعَامِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ وَبِغَيْرِ عِلْمٍ رِضَاهُ؛ فَهُوَ حَرَامٌ، فَلَوْ دَعَا عَالِمًا أَوْ صُوفِيًّا فَحَضَرَ بِجَمَاعَتِهِ حَرُمَ حُضُورُ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ رِضَا الْمَالِكِ بِهِمْ.
اهـ. ق ل. وَقَوْلُهُ: " فَهُوَ حَرَامٌ " بَلْ يَفْسُقُ بِهِ إنْ تَكَرَّرَ لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ: «يَدْخُلُ سَارِقًا وَيَخْرُجُ مُعَيَّرًا» وَإِنَّمَا لَمْ يَفْسُقْ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ لِلشُّبْهَةِ شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ: " يَدْخُلُ سَارِقًا " وَعَلَيْهِ فَلَوْ دَخَلَ وَأَخَذَ مَا يُسَاوِي رُبْعَ دِينَارٍ قُطِعَ إنْ دَخَلَ بِقَصْدِ السَّرِقَةِ وَإِلَّا فَلَا، كَذَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الشَّوْبَرِيِّ، وَفِيهِ وَقْفَةٌ؛ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الدُّخُولِ بِخِلَافِ نَحْوِ دَاخِلِ الْحَمَّامِ فَإِنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي الدُّخُولِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ نَثْرُ سُكَّرٍ) هُوَ الرَّمْيُ مُفَرَّقًا وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْإِمْلَاكِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفِي سَبَبِيَّةٌ أَيْ بِسَبَبِ إمْلَاكٍ وَهِيَ وَلِيمَةُ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَفِي الْمُخْتَارِ: الْإِمْلَاكُ التَّزَوُّجُ وَقَدْ أَمْلَكْنَا فُلَانًا فُلَانَةَ أَيْ زَوَّجْنَاهُ إيَّاهَا، وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: فِي إمْلَاكٍ أَيْ عَقْدِ النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُكْرَهُ النَّثْرُ فِي الْأَصَحِّ) نَعَمْ إنْ ظَنَّ ازْدِحَامَ السَّفَلَةِ الْمُضِرِّ بِهِمْ حُرِّمَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ابْنُ حَجَرٍ زي، وَمِثْلُهُ التَّمْرُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَغَيْرُهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَكِنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَتَرْكُهُمَا أَيْ تَرْكُ ذَلِكَ وَالْتِقَاطُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ يُشْبِهُ النُّهْبَةَ وَالْأَوَّلُ تَسَبُّبٌ إلَى مَا يُشْبِهُهَا، نَعَمْ إنْ عُرِفَ أَنَّ النَّاثِرَ لَا يُؤْثِرُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَمْ يَقْدَحْ الِالْتِقَاطُ فِي مُرُوءَةِ الْمُلْتَقِطِ لَمْ يَكُنْ التَّرْكُ أَوْلَى وَيُكْرَهُ أَخْذُ النِّثَارِ مِنْ الْهَوَاءِ بِإِزَارٍ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُ أَوْ الْتَقَطَهُ أَوْ بَسَطَ حِجْرَهُ لَهُ فَوَقَعَ فِيهِ مَلَكَهُ وَإِنْ لَمْ يَبْسُطْ حِجْرَهُ لَمْ يَمْلِكْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ قَصْدُ تَمَلُّكٍ وَلَا فِعْلٍ، نَعَمْ هُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ.
وَلَوْ أَخَذَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَمْلِكُهُ وَلَوْ سَقَطَ مِنْ حِجْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْصِدَ أَخْذَهُ أَوْ قَامَ فَسَقَطَ بَطَلَ اخْتِصَاصُهُ بِهِ، وَلَوْ نَفَضَهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ.
اهـ. وَقَوْلُهُ: " لَمْ يَمْلِكْهُ " لِبَقَائِهِ عَلَى مِلْكِ النَّاثِرِ وَلَمْ يَأْذَنْ فِي أَخْذِهِ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ أَوْلَى بِهِ، ذَكَرَهُ ح ل وزي؛ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ.
وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الْعَزِيزِيِّ: لَمْ يَمْلِكْهُ أَيْ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ مَمْلُوكٌ وَقَدْ وَقَعَ مَعَ شَخْصٍ هُوَ أَوْلَى بِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْإِحْيَاءِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَحَجَّرَ عَلَى أَرْضٍ وَأَحْيَاهَا غَيْرُهُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا أَوْ أَنَّ صَيْدًا دَخَلَ فِي مِلْكِ شَخْصٍ فَدَخَلَ غَيْرُهُ وَأَخَذَهُ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ، بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ هُنَا كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ النِّثَارَ أَصْلُهُ مَمْلُوكٌ اهـ. وَعِبَارَةُ م ر: وَحَيْثُ كَانَ أَوْلَى بِهِ وَأَخَذَهُ غَيْرُهُ فَفِي مِلْكِهِ وَجْهَانِ جَارِيَانِ: فِيمَا لَوْ عَشَّشَ طَائِرٌ فِي مِلْكِهِ فَأَخَذَ فَرْخَهُ غَيْرُهُ،

لِضَيْفِهِ وَلِغَيْرِهِ كَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ إذَا رَفَعَ يَدَهُ مِنْ الطَّعَامِ: كُلْ، وَيُكَرِّرُهُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ اكْتَفَى مِنْهُ وَلَا يَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ.
وَذُكِرَتْ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ مَسَائِلُ مُهِمَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَصْلِ لَا بَأْسَ بِمُرَاجَعَتِهَا.

فَصْلٌ: فِي الْقَسْمِ وَالنُّشُوزِ وَالْقَسَمُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ السِّينِ مَصْدَرُ قَسَمْت الشَّيْءَ وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَالنَّصِيبُ وَالْقَسَمُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالسِّينِ الْيَمِينُ وَالنُّشُوزُ هُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الطَّاعَةِ.
وَيَجِبُ الْقَسْمُ لِزَوْجَتَيْنِ أَوْ زَوْجَاتٍ وَلَوْ كُنَّ إمَاءً، فَلَا مَدْخَلَ لِإِمَاءٍ غَيْرِ

[حاشية البجيرمي]

وَفِيمَا إذَا وَقَعَ الثَّلْجُ فِي مِلْكِهِ فَأَخَذَهُ وَفِيمَا إذَا أَحْيَا مَا تَحَجَّرَهُ غَيْرُهُ؛ لَكِنَّ الْأَصَحَّ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا الْمِلْكُ كَالْإِحْيَاءِ مَا عَدَا النِّثَارَ لِقُوَّةِ الِاسْتِيلَاءِ فِيهَا اهـ. تَتِمَّةٌ: سُئِلَ السُّيُوطِيّ عَنْ حُكْمِ بَوْسِ الْخُبْزِ وَدَوْسِهِ.
فَأَجَابَ بِأَنَّ بَوْسَهُ مِنْ الْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ فَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ إكْرَامَهُ لِأَجْلِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي إكْرَامِهِ فَحَسَنٌ، قَالَ: وَدَوْسُهُ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً بَلْ مُجَرَّدُ إلْقَائِهِ فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ دَوْسٍ مَكْرُوهٌ لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ اهـ. وَصُورَةُ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ فِي حَوَاشِي التُّحْفَةِ لِابْنِ قَاسِمِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ لِلضَّيْفِ أَنْ يَدْعُو لِلْمُضِيفِ إلَخْ) أَيْ بِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يَقُولَ: «أَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ الْأَخْيَارُ وَذَكَرُكُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَأَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصَّائِمُونَ، اللَّهُمَّ اُخْلُفْ عَلَى بَاذِلِيهِ وَهَنِّ آكِلِيهِ وَاطْرَحْ الْبَرَكَةَ فِيهِ» .

[فَصْلٌ فِي الْقَسْمِ وَالنُّشُوزِ]

ِ ذَكَرَ الْقَسْمَ عَقِبَ الْوَلِيمَةِ نَظَرًا إلَى الْمُتَعَارَفِ مِنْ فِعْلِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهُوَ عَقِبَهَا وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ تَأْخِيرَهَا عَنْهُ كَمَا مَرَّ.
وَعَقَّبَهُ بِالنُّشُوزِ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ بَعْدَهُ غَالِبًا، وَجَمَعَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ أَحَدِهِمَا وُجُودُ الْآخَرِ وَعَكْسُهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ وُجُوبُ الْقَسْمِ فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ كَغَيْرِهِ فِيهِ وَفِي عَدَدِ الطَّلَاقِ وَفِي مَنْعِهِ تَزَوُّجَهُ فِي عِدَّةِ غَيْرِهِ وَتَحْرِيمِ جَمْعِهِ بَيْنَ نَحْوِ الْأُخْتَيْنِ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَوُجُوبُ الْقَسْمِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَكْفُرُ جَاحِدُهُ، فَإِنْ تَرَكَهُ مَعَ اعْتِقَادِهِ وُجُوبَهُ فَسَقَ.
قَوْلُهُ: (وَالنُّشُوزُ) مَعْنَاهُ لُغَةً الِارْتِفَاعُ سُمِّيَ بِهِ الْخُرُوجُ عَنْ الطَّاعَةِ لِأَنَّ فِيهِ ارْتِفَاعًا عَنْ أَدَاءِ الْحَقِّ إلَى الْغَيْرِ وَيُطْلَقُ لُغَةً أَيْضًا عَلَى الْخُرُوجِ عَنْ الطَّاعَةِ مُطْلَقًا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: 128] وَشَرْعًا الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ الزَّوْجِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ نَشَزَ إذَا ارْتَفَعَ لِأَنَّ فِيهِ ارْتِفَاعًا عَنْ أَدَاءِ الْحَقِّ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَالْقَسْمِ وَالشِّقَاقِ، وَعَلَى هَذَا قِيلَ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّرْجَمَةِ وَعِشْرَةِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودُ الْبَابِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ مِنْ لَازِمِ بَيَانِ أَحْكَامِ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزِ بَيَانَ بَقِيَّةِ أَحْكَامِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ أَيْ بَعْضِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ لَا كُلِّهَا فَيُغْنِي الْقَسْمُ وَالنُّشُوزُ عَنْ عِشْرَةِ النِّسَاءِ، قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَيُسَمَّى النُّشُوزُ شِقَاقًا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا بَغَضَ شَخْصًا يُعْطِيه شِقَّهُ اهـ. وَحُقُوقُ الزَّوْجِ عَلَيْهَا طَاعَتُهُ وَمُلَازَمَةُ الْمَسْكَنِ وَحُقُوقُهَا عَلَيْهِ الْمَهْرُ وَالْقَسْمُ وَالنَّفَقَةُ وَنَحْوُهَا، وَأَمَّا الْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ فَهِيَ حَقٌّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (مَصْدَرُ قَسَمْت الشَّيْءَ) أَيْ جَزَّأْته وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْعَدْلُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ.
قَوْلُهُ: (بِالْكَسْرِ) أَيْ مَعَ سُكُونِ السِّينِ وَبِفَتْحِهَا أَيْ السِّينِ جَمْعُ قِسْمَةٍ؛ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَلِفِعْلَةٍ فَعْلٌ.
قَوْلُهُ: (الْخُرُوجُ عَنْ الطَّاعَةِ) أَيْ وَلَوْ مِنْ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الْأَعَمِّ.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (لِزَوْجَتَيْنِ أَوْ زَوْجَاتٍ) لَوْ قَالَ: يَجِبُ الْقَسْمُ لِزَوْجَاتٍ لَكَانَ أَخْصَرَ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ زَوْجَاتٍ أَيْ حَقِيقَةً فَلَا دَخْلَ لِلرَّجْعِيَّةِ.
وَشَمِلَ قَوْلُهُ زَوْجَاتٍ لَوْ

زَوْجَاتٍ فِيهِ وَإِنْ كُنَّ مُسْتَوْلَدَاتٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] . وَقَدْ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْقَسْمُ بِقَوْلِهِ: (وَالتَّسْوِيَةُ فِي الْقَسْمِ) فِي الْمَبِيتِ (بَيْنَ) الزَّوْجَتَيْنِ وَ (الزَّوْجَاتِ) الْحَرَائِرِ (وَاجِبَةٌ) عَلَى الزَّوْجِ وَلَوْ قَامَ بِهِمَا أَوْ بِهِنَّ عُذْرٌ كَمَرَضٍ وَحَيْضٍ وَرَتْقٍ وَقَرْنٍ وَإِحْرَامٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأُنْسُ لَا الْوَطْءُ.
وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ أَوْ بَيْنَهُنَّ فِي التَّمَتُّعِ بِوَطْءٍ وَغَيْرِهِ، لَكِنَّهَا تُسَنُّ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا: " الْحَرَائِرِ " مَا لَوْ كَانَ

[حاشية البجيرمي]

كُنَّ مِنْ الْجِنِّ أَوْ بَعْضُهُنَّ مِنْ الْإِنْسِ وَالْبَعْضُ الْآخَرُ مِنْ الْجِنِّ فَتَسْتَحِقُّ الْجِنِّيَّةُ الْقَسْمَ وَإِنْ جَاءَتْ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ بَنِي آدَمَ حَيْثُ عُرِفَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُرَى عَلَى صُورَتِهَا الْأَصْلِيَّةِ فَتَزَوُّجُهُ بِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا إنَّمَا تَجِيءُ عَلَى غَيْرِ صُورَتِهَا الْأَصْلِيَّةِ رِضًا مِنْهُ بِمَجِيئِهَا عَلَى أَيِّ صُورَةٍ كَانَتْ كَمَا قَالَهُ ع ش عَلَى م ر. فَرْعٌ: لَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ الْقَسْمِ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ ذَكَرَهُ فِي الْبَيَانِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كُنَّ إمَاءً) بِأَنْ تَزَوَّجَ رَقِيقٌ أَمَتَيْنِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَسْمُ بَيْنَهُمَا، أَوْ تَزَوَّجَ حُرٌّ بِالشُّرُوطِ أَمَةً فَسَقِمَتْ ثُمَّ تَزَوَّجَ أَمَةً أُخْرَى فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَسْمُ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (فَلَا مَدْخَلَ لِإِمَاءٍ غَيْرِ زَوْجَاتٍ) قَالَ م ر وَلَا يَجِبُ الْقَسْمُ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالسُّرِّيَّةِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ السُّرِّيَّةَ بِالْمَبِيتِ وَيُعَطِّلَ الزَّوْجَةَ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ) أَيْ فِي الْقَسْمِ كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ، وَالْأَحْسَنُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ لِوُجُوبِ الْقَسْمِ؛ إذْ رُجُوعُهُ لِلْقَسْمِ يُوهِمُ أَنَّهُ لَا دَخْلَ لَهُنَّ لَا وُجُوبًا وَلَا نَدْبًا مَعَ أَنَّهُ يُنْدَبُ لَهُنَّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بِقَوْلِهِ: " فَلَا يَجِبُ الْقَسْمُ " يَعْنِي فِي مِلْكِ الْيَمِينِ؛ لَكِنَّهُ يُسَنُّ كَيْ لَا يَحْقِدَ بَعْضُ الْإِمَاءِ عَلَى بَعْضٍ وَالْحِقْدُ الْبُغْضُ وَالْجَمْعُ أَحْقَادٌ.
قَوْلُهُ: ﴿أَلا تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 3] أَيْ فِي الْوَاجِبِ فَلَا يَتَعَارَضُ مَعَ آيَةِ: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 129] ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَنْدُوبِ أَوْ الْأَعَمِّ، أَوْ الْآيَةَ الْأُولَى فِي الْقَسْمِ الْحِسِّيِّ الْآتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالثَّانِيَةَ فِي الْمَعْنَوِيِّ الْمُتَعَلِّقِ بِالْقَلْبِ كَالْمَحَبَّةِ؛ وَعَلَيْهِ حَدِيثُ: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تُؤَاخِذْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: 3] أَيْ فَانْكِحُوا وَاحِدَةً، وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ﴾ [النساء: 3] أَيْ أَوْ ائْتُوا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ: قَوْلُهُ: " فِي الْبَيْتِ " قَيْدٌ بِهِ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ التَّسْوِيَةُ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي مِقْدَارِ الزَّمَانِ، وَإِلَّا فَالْقَسْمُ وَاجِبٌ نَهَارًا، لَكِنْ لَا تَجِبُ فِيهِ التَّسْوِيَةُ فِي الزَّمَانِ.
وَلَوْ أَسْقَطَهُ أَوْ عَمَّمَهُ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا يَأْتِي ق ل. وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ فِي إقَامَةِ غَيْرِ أَصْلٍ اهـ وَلَا تَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي التَّمَتُّعِ وَلَا فِي الْكِسْوَةِ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (الْحَرَائِرِ) أَيْ أَوْ الْإِمَاءِ؛ لِأَنَّهُنَّ إذَا انْفَرَدْنَ فَهُنَّ كَالْحَرَائِرِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَزِيدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَاجِبَةٌ) ، أَيْ فِي حَقِّ غَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَمَّا هُوَ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَقَدْ قَالَ فِي الْخَصَائِصِ وَشَرْحِهَا: وَاخْتُصَّ بِإِبَاحَةِ تَرْكِ الْقَسْمِ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ أَيْ عَدَمِ وُجُوبِهِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ فِي وُجُوبِ الْقَسْمِ عَلَيْهِ شُغْلًا عَنْ لَوَازِمِ الرِّسَالَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْإِصْطَخْرِيِّ، وَصَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْوَجِيزِ، وَاخْتَارَهُ الْبُلْقِينِيُّ، وَتَبِعَهُ الْمُؤَلِّفُ حَيْثُ قَالَ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: 51] أَيْ تُبْعِدُ مَنْ تَشَاءُ فَلَا تَقْسِمُ لَهَا، وَتُقَرِّبُ مَنْ تَشَاءُ فَتَقْسِمُ لَهَا عَلَى أَحَدِ التَّفَاسِيرِ؛ وَلِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالْأَرْبَعَةُ عَنْ أَنَسٍ: «كَانَ يَطُوفُ عَلَى جَمِيعِ نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ» وَالطَّوَافُ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ أَنَّ الْقَسْمَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ جَمْعٍ شَافِعِيَّةٍ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ كَالْجُمْهُورِ

تَحْتَهُ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ، فَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَانِ وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةٌ، لِحَدِيثٍ فِيهِ مُرْسَلٍ.
وَإِذَا قَامَ بِالزَّوْجَةِ نُشُوزٌ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ إثْمٌ كَمَجْنُونَةٍ بِأَنْ خَرَجَتْ عَنْ طَاعَةِ زَوْجِهَا كَأَنْ خَرَجَتْ مِنْ مَسْكَنِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ لَمْ تَفْتَحْ لَهُ الْبَابَ لِيَدْخُلَ أَوْ لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ نَفْسِهَا لَا تَسْتَحِقُّ قَسْمًا، كَمَا لَا تَسْتَحِقُّ نَفَقَةً

وَلِلزَّوْجِ إعْرَاضٌ عَنْ زَوْجَاتِهِ بِأَنْ لَا يَبِيتَ عِنْدَهُنَّ لِأَنَّ الْمَبِيتَ حَقُّهُ فَلَهُ تَرْكُهُ.
وَيُسَنُّ أَنْ لَا يُعَطِّلَهُنَّ بِأَنْ يَبِيتَ عِنْدَهُنَّ وَيُحْصِنَهُنَّ كَوَاحِدَةٍ لَيْسَ تَحْتَهُ غَيْرُهَا فَلَهُ الْإِعْرَاضُ عَنْهَا.
وَيُسَنُّ أَنْ لَا يُعَطِّلَهَا وَأَدْنَى دَرَجَاتِهَا أَنْ لَا يُخَلِّيَهَا كُلَّ أَرْبَعِ لَيَالٍ عَنْ لَيْلَةٍ اعْتِبَارًا بِمَنْ لَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَدُورَ عَلَيْهِنَّ بِمَسْكَنِهِنَّ، وَلَيْسَ لَهُ

[حاشية البجيرمي]

الْوُجُوبُ وَهُوَ الَّذِي قَالَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَغَوِيُّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِقَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَقَوْلُهُ: " وَلَا أَمْلِكُ " وَهُوَ الْحُبُّ الْقَهْرِيُّ.
وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ وُجُوبِ الْقَسْمِ وَبِأَنَّهُ بِرِضَا صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ وَبِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ سَفَرٍ، قَالَ فِي الْخَادِمِ: وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ فَقَالَ وَلَا نَعْلَمُ حَالَ النَّاسِ يُخَالِفُ حَالَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ «كَانَ يَقْسِمُ لِنِسَائِهِ فَإِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ» . اهـ. مُنَاوِيٌّ عَلَى الْخَصَائِصِ وَعِبَارَةُ الْقَسْطَلَّانِيِّ.
وَأَمَّا وَطْءُ الْكُلِّ فِي سَاعَةٍ فَلِأَنَّ الْقَسْمَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ كَمَا هُوَ وَجْهٌ لِأَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ وَجَزَمَ بِهِ الْإِصْطَخْرِيُّ، أَوْ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ مِنْ سَفَرٍ وَأَرَادَ الْقَسْمَ وَلَا وَاحِدَةَ أَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى بِالْبُدَاءَةِ بِهَا وَطِئَ الْكُلَّ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ بِاسْتِطَابَتِهِنَّ أَوْ الدَّوَرَانِ كَانَ فِي يَوْمِ الْقُرْعَةِ لِلْقِسْمَةِ قَبْلَ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى سَاعَةً لَيْسَ لِأَزْوَاجِهِ فِيهَا حَقٌّ يَدْخُلُ فِيهَا عَلَى جَمِيعِ أَزْوَاجِهِ فَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ بِهِنَّ وَفِي مُسْلِمٍ أَنَّ تِلْكَ السَّاعَةَ كَانَتْ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَاسْتَغْرَبَ هَذَا الْأَخِيرَ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: إنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى ثُبُوتِ مَا ذَكَرَهُ مُفَصَّلًا اهـ بِحُرُوفِهَا اهـ. قَوْلُهُ: (عَلَى الزَّوْجِ) أَيْ بِنَفْسِهِ إنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا وَإِنْ كَانَ بِهِ عُنَّةٌ أَوْ مَرَضٌ أَوْ جَبٌّ، وَعَلَى وَلِيِّ الصَّبِيِّ الْمُطِيقِ لِلْوَطْءِ فَإِنْ جَارَ فَالْإِثْمُ عَلَى وَلِيِّهِ وَعَلَى وَلِيِّ الْمَجْنُونِ أَنْ يَدُورَ بِهِ إنْ كَانَ لَهُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ كَأَنْ يَنْفَعَهُ الْجِمَاعُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مُطَالَبَةُ بَعْضِ الزَّوْجَاتِ بِقَضَاءِ حَقِّهَا مِنْ قَسْمٍ وَقَعَ مِنْهُ أَيْ بِأَنْ جُنَّ الزَّوْجُ بَعْضَ قَسْمِهِ لِبَعْضِ نِسَائِهِ فَإِنَّ الْوَلِيَّ يَطُوفُ بِهِ عَلَى الْبَاقِيَاتِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَثِمَ بِهِ الْوَلِيُّ.
اهـ. قِ ل. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ: «إذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ أَوْ سَاقِطٌ» وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَايَةٍ مِنْ الْعَدْلِ فِي الْقَسْمِ.
قَوْلُهُ: (فَلِلْحُرَّةِ لَيْلَتَانِ وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةٌ) وَلَا يَجُوزُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرُ؛ وَلِهَذَا كَانَ التَّعْبِيرُ بِمَا قَالَهُ مُعْتَبَرًا بِخِلَافِ مَنْ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ وَلِحُرَّةٍ مِثْلَا أَمَةٍ.
اهـ. ق ل؛ أَيْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صَادِقٌ بِأَنْ يَجْعَلَ لِلْأَمَةِ ثُلُثَ لَيْلَةٍ وَلِلْحُرَّةِ ثُلُثَيْهَا وَصَادِقٌ بِأَنْ يَجْعَلَ لِلْأَمَةِ لَيْلَتَيْنِ وَلِلْحُرَّةِ أَرْبَعًا مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثَةِ إلَّا بِالرِّضَا.
وَلَوْ بَاتَ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مُحْرِمًا وَعِنْدَ وَاحِدَةٍ حَلَالًا فَقَدْ أَدَّى حَقَّهَا لِحُصُولِ الْأُنْسِ.
فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ؟ قُلْت: يُتَصَوَّرُ بِصُوَرٍ: مِنْهَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ رَقِيقًا، وَمِنْهَا مَا إذَا نَكَحَ الْأَمَةَ أَوَّلًا ثُمَّ أَيْسَرَ بَعْدَ نِكَاحِهَا وَنَكَحَ الْحُرَّةَ عَلَيْهَا، وَمِنْهَا مَا لَوْ كَانَتْ الْحُرَّةُ لَا تَصْلُحُ لِلتَّمَتُّعِ فَإِنَّهَا لَا تَمْنَعُ نِكَاحَ الْأَمَةِ، وَمِنْهَا مَا لَوْ كَانَتْ لَقِيطَةً أَقَرَّتْ بَعْدَ نِكَاحِهَا بِالرِّقِّ، فَهَذِهِ صُوَرٌ تَجْتَمِعُ فِيهَا الْحُرَّةُ مَعَ الْأَمَةِ ز ي. قَوْلُهُ: (أَوْ لَمْ تَفْتَحْ لَهُ الْبَابَ) وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخِدْمَةِ وَهِيَ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا إلَّا مُلَازَمَةُ الْبَيْتِ وَالتَّمْكِينُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا كَانَتْ قَفَلَتْهُ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ الْفَتْحِ لِكَوْنِ الْمِفْتَاحِ مَعَهَا أَوْ أَنَّهُ أَرَادَ قَضَاءَ حَاجَتِهِ مِنْهَا وَتَوَقَّفَ عَلَى الْفَتْحِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (لَا تَسْتَحِقُّ قَسْمًا) وَهَلْ لَهُ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا أَوْ لَا؟ الظَّاهِرُ لَا حَيْثُ لَزِمَ عَلَى ذَلِكَ تَأْخِيرُ حَقِّ غَيْرِهَا.
اهـ. ح ل

قَوْلُهُ: (وَلِلزَّوْجِ إعْرَاضٌ عَنْ زَوْجَاتِهِ) أَيْ بَعْدَ تَمَامِ دَوْرِهِنَّ أَوْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمَبِيتِ، وَكَرِهَ الْمُتَوَلِّي إعْرَاضَهُ اهـ. قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَا يَبِيتَ عِنْدَهُنَّ) أَيْ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ تَمَامِ دَوْرِهِنَّ لَا فِي أَثْنَائِهِ لِفَوَاتِ حَقِّ مَنْ بَقِيَ مِنْهُنَّ، حَتَّى لَوْ طَلُقَتْ وَاحِدَةٌ مِمَّنْ بَقِيَ وَجَبَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ نِكَاحِهَا لِيُوَفِّيَهَا حَقَّهَا ح ل. قَوْلُهُ: (وَيُحْصِنَهُنَّ) أَيْ يُعِفَّهُنَّ عَنْ الزِّنَا بِالْوَطْءِ فَتَكُونُ السُّنَّةُ فِي حَقِّهِ الْمَبِيتَ وَالْوَطْءَ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوْلَى أَنْ يَدُورَ إلَخْ)

أَنْ يَدْعُوَهُنَّ لِمَسْكَنِ إحْدَاهُنَّ إلَّا بِرِضَاهُنَّ وَلَا أَنْ يَجْمَعَهُنَّ بِمَسْكَنٍ إلَّا بِرِضَاهُنَّ وَلَا أَنْ يَدْعُوَ بَعْضًا لِمَسْكَنِهِ وَيَمْضِيَ لِبَعْضٍ آخَرَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّخْصِيصِ الْمُوحِشِ إلَّا بِرِضَاهُنَّ أَوْ بِقُرْعَةٍ أَوْ غَرَضٍ كَقُرْبِ مَسْكَنِ مَنْ يَمْضِي إلَيْهَا دُونَ الْأُخْرَى.
وَالْأَصْلُ فِي الْقَسْمِ لِمَنْ عَمَلَهُ نَهَارًا اللَّيْلُ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ السُّكُونِ وَالنَّهَارُ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ تَبَعٌ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْمَعَاشِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: 67] وَالْأَصْلُ فِي الْقَسْمِ لِمَنْ عَمَلُهُ لَيْلًا كَحَارِسِ النَّهَارُ

[حاشية البجيرمي]

مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ ثُمَّ إنْ كَانَ لِلزَّوْجِ مَسْكَنٌ يَلِيقُ بِهِنَّ دَعَاهُنَّ إلَيْهِ وَلَزِمَهُنَّ الْإِجَابَةُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْأَوْلَى أَنْ يَدُورَ عَلَيْهِنَّ فَمَا ذَكَرَهُ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ مَسْكَنٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ وَكَانَ الْأَوْلَى لَهُ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَيْهِ.
وَعِبَارَةُ مَتْنِ الْمِنْهَاجِ مَعَ شَرْحِهِ لِلرَّمْلِيِّ: فَإِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِمَسْكَنٍ وَأَرَادَ الْقَسْمَ دَارَ عَلَيْهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ تَوْفِيَةً لِحَقِّهِنَّ وَإِنْ انْفَرَدَ بِمَسْكَنٍ فَالْأَفْضَلُ الْمُضِيُّ إلَيْهِنَّ صَوْنًا لَهُنَّ وَلَهُ دُعَاؤُهُنَّ لِمَسْكَنِهِ وَعَلَيْهِنَّ الْإِجَابَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّهُ فَمَنْ امْتَنَعَتْ، أَيْ وَقَدْ لَاقَ مَسْكَنُهُ بِهَا فِيمَا يَظْهَرُ فَهِيَ نَاشِزَةٌ، إلَّا ذَاتَ قَدْرٍ لَمْ تَعْتَدْ الْبُرُوزَ فَيَذْهَبُ لَهَا كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَإِنْ اسْتَغْرَبَهُ الرُّويَانِيُّ، وَإِلَّا نَحْوَ مَعْذُورَةٍ بِمَرَضٍ فَيَذْهَبُ أَوْ يُرْسِلُ لَهَا مَرْكَبًا إنْ أَطَاقَتْ مَعَ مَنْ يَقِيهَا مِنْ نَحْوِ مَطَرٍ اهـ. وَكَتَبَ ق ل عَلَى قَوْلِهِ: " وَالْأَوْلَى أَنْ يَدُورَ إلَخْ ". فَلَوْ انْفَرَدَ مَسْكَنٌ وَدَعَاهُنَّ إلَيْهِ لَزِمَ مَنْ لَا عُذْرَ لَهَا الْحُضُورُ إلَيْهِ وَأُجْرَةُ حُضُورِهَا عَلَيْهَا لَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ تَتِمَّةِ التَّسْلِيمِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا، وَهَذَا مَا لَمْ تَكُنْ مَعْذُورَةً فَإِنْ كَانَتْ مَعْذُورَةً فَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَا يَلْزَمُهَا الْحُضُورُ إلَيْهِ كَمَا فِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَهُنَّ) وَلَوْ لَمْ تَكُنْ صَاحِبَةُ الْمَنْزِلِ فِيهِ، وَبَحَثَ الزَّرْكَشِيّ جَوَازَ جَمْعِهِنَّ بِخَيْمَةٍ فِي السَّفَرِ لِمَشَقَّةِ الِانْفِرَادِ مَعَ عَدَمِ تَأَبُّدِ الضَّرُورَةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ هَكَذَا قَالَهُ ز ي. وَقَوْلُهُ: " بِخَيْمَةٍ فِي السَّفَرِ " وَكَذَا بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي سَفِينَةٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: حَيْثُ أُفْرِدَ كُلٌّ بِمَحَلٍّ ح ل. وَقَوْلُهُ " لِمَشَقَّةِ الِانْفِرَادِ " أَيْ مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ حَتَّى لَوْ سَهُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ جَازَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِرِضَاهُنَّ) فَإِنْ رَضِينَ بِهِ جَازَ، لَكِنْ يُكْرَهُ وَطْءُ إحْدَاهُنَّ بِحَضْرَةِ الْبَقِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ الْمُرُوءَةِ، وَلَا تَلْزَمُهَا الْإِجَابَةُ إلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَ فِي دَارٍ حَجْرٍ أَوْ عُلْوٍ وَسُفْلٍ جَازَ إسْكَانُهُنَّ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُنَّ إنْ تَمَيَّزَتْ الْمَرَافِقُ وَلَاقَتْ الْمَسَاكِنُ بِهِنَّ.
اهـ. شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ: " لَكِنْ يُكْرَهُ وَطْءُ إلَخْ " الْمَدَارُ عَلَى عِلْمِهِ بِعِلْمِ إحْدَى ضَرَّاتِهَا بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَجَسُّسٍ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِحُضُورِهَا، وَمَحَلُّ الْكَرَاهَةِ حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ أَذِيَّةَ غَيْرِهَا وَلَمْ يَرَيْنَ شَيْئًا مِنْ عَوْرَتِهَا وَإِلَّا حَرُمَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ الْقَوْلُ بِالتَّحْرِيمِ وَعَلَى الْحَالَةِ الْأُولَى يُحْمَلُ الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ.
وَيَحْرُمُ التَّمْكِينُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ عُلْوٍ وَسُفْلٍ وَالْخِيَرَةُ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي تَسْكِينِ بَعْضِهِنَّ فِي الْعُلْوِ وَبَعْضِهِنَّ فِي السُّفْلِ لِلزَّوْجِ حَيْثُ كَانَا أَيْ الْعُلْوُ وَالسُّفْلُ لَائِقَيْنِ بِهِنَّ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (أَوْ بِقُرْعَةٍ إلَخْ) أَيْ وَلَوْ خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ عَلَى شَرِيفَةٍ لَمْ تَعْتَدْ الْبُرُوزَ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا فِي الْحَاشِيَةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلزَّوْجِ مَسْكَنٌ وَدَعَاهُنَّ إلَيْهِ لَزِمَهُنَّ الْإِجَابَةُ إلَّا مَنْ كَانَتْ ذَاتَ قَدْرٍ أَوْ مَرَضٍ فَلَا تَلْزَمُهَا الْإِجَابَةُ بَلْ يَلْزَمُهُ الذَّهَابُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ وَهُنَا بِالْقُرْعَةِ.
قَوْلُهُ: (كَقُرْبِ مَسْكَنٍ) وَكَخَوْفٍ عَلَيْهَا مِنْ الْفَجَرَةِ.
قَوْلُهُ: (اللَّيْلُ) وَهُوَ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَوْ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، لَكِنْ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَالْأَذْرَعِيُّ: الْوَجْهُ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ وَآخِرِهِ قِ ل. قَوْلُهُ: (أَوْ بَعْدَهُ) وَهُوَ أَوْلَى، وَعَلَيْهِ التَّوَارِيخُ الشَّرْعِيَّةُ فَإِنَّ أَوَّلَ الشَّهْرِ اللَّيَالِي زي.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الَّذِي) التِّلَاوَةُ: " هُوَ الَّذِي " وَإِنَّمَا أَسْنَدَ الْإِبْصَارَ إلَى النَّهَارِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُبْصِرُ فِيهِ بِسُهُولَةٍ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَتَعَبٍ فَهُوَ سَبَبٌ بِخِلَافِ السُّكُونِ فِي اللَّيْلِ؛ وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ: قَوْلُهُ: مُبْصِرًا أَسْنَدَ الْإِبْصَارَ إلَيْهِ مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضٍ لِلْإِبْصَارِ بِذَاتِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ لِتُبْصِرُوا فِيهِ بِخِلَافِ اللَّيْلِ.
وَقَالَ ح ل: لَمْ يَقُلْ لِتُبْصِرُوا فِيهِ كَمَا فِي جَانِبِ اللَّيْلِ.
قَالَ الْقَاضِي: تَفْرِقَةً بَيْنَ الظَّرْفِ الْمُجَرَّدِ

لِأَنَّهُ وَقْتُ سُكُونِهِ وَاللَّيْلَ تَبَعٌ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ مَعَاشِهِ، فَلَوْ كَانَ يَعْمَلُ تَارَةً بِالنَّهَارِ وَتَارَةً بِاللَّيْلِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْسِمَ لِوَاحِدَةٍ لَيْلَةً تَابِعَةً وَنَهَارًا مَتْبُوعًا وَلِأُخْرَى عَكْسَهُ.

(وَ) مَنْ عِمَادُ قَسْمِهِ اللَّيْلُ (لَا يَدْخُلُ) نَهَارًا (عَلَى غَيْرِ الْمَقْسُومِ لَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ) لِتَحْرِيمِهِ حِينَئِذٍ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ، فَإِنْ فَعَلَ وَطَالَ مُكْثُهُ لَزِمَهُ لِصَاحِبَةِ النَّوْبَةِ الْقَضَاءُ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ نَوْبَةِ الْمَدْخُولِ عَلَيْهَا، أَمَّا دُخُولُهُ لِحَاجَةٍ كَوَضْعِ مَتَاعٍ أَوْ أَخْذِهِ أَوْ تَسْلِيمِ نَفَقَةٍ أَوْ تَعْرِيفِ خَبَرٍ فَجَائِزٌ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ أَيْ وَطْءٍ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتُ عِنْدَهَا» . وَلَا يَقْضِي إذَا دَخَلَ لِحَاجَةٍ وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ؛ لِأَنَّ النَّهَارَ تَابِعٌ مَعَ وُجُودِ الْحَاجَةِ وَلَهُ مَا سِوَى وَطْءٍ مِنْ

[حاشية البجيرمي]

وَالظَّرْفِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ، أَيْ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ سَبَبًا لِلسُّكُونِ أَيْ مَحَلًّا تَسْكُنُونَ فِيهِ، وَالنَّهَارَ سَبَبٌ لِلْإِبْصَارِ أَيْ مُقْتَضٍ لِلْإِبْصَارِ بِذَاتِهِ أَيْ جَعَلَكُمْ مُبْصِرِينَ فِيهِ اهـ. وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ مُجَرَّدًا أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدًا عَنْ السَّبَبِيَّةِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ اللَّيْلِ السُّكُونُ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ كَانَ يَعْمَلُ تَارَةً إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا: فَالْمُعْتَبَرُ فِي حَقِّهِ وَقْتُ فَرَاغِهِ مِنْ عَمَلِهِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا قِ ل. وَعِبَارَةُ م ر: وَإِنْ كَانَ تَارَةً يَعْمَلُ لَيْلًا وَتَارَةً نَهَارًا لَمْ يُجْزِ نَهَارُهُ عَنْ لَيْلِهِ وَلَا عَكْسُهُ، أَيْ وَالْأَصْلُ فِي حَقِّهِ وَقْتُ السُّكُونِ لِتَفَاوُتِ الْغَرَضِ وَلَوْ كَانَ عَمَلُهُ بَعْضَ اللَّيْلِ وَبَعْضَ النَّهَارِ، فَالْأَوْجَهُ أَنَّ مَحَلَّ السُّكُونِ هُوَ الْأَصْلُ وَالْعَمَلُ هُوَ التَّبَعُ وَأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَمَلُهُ فِي بَيْتِهِ كَخِيَاطَةٍ وَكِتَابَةٍ؛ فَظَاهِرُ تَمْثِيلِهِمْ بِالْحَارِسِ وَالْأَتُونِيِّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ التَّاءِ فَفِي الْمِصْبَاحِ أَتُونٌ كَرَسُولٍ عَدَمُ الِاعْتِبَارِ بِهَذَا الْعَمَلِ فَيَكُونُ اللَّيْلُ فِي حَقِّهِ هُوَ الْأَصْلُ إذْ الْقَصْدُ الْأُنْسُ وَهُوَ حَاصِلٌ وَالْمُرَادُ بِالْأَتُونِيِّ مَا يُحْمَى عَلَى دُسْتِ الْحَمَّامِ.

قَوْلُهُ: (لَا يَدْخُلُ نَهَارًا) لَوْ قَالَ: وَلَا يَدْخُلُ فِي تَابِعٍ إلَخْ لَكَانَ أَعَمَّ وَأَوْلَى، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ مَعَ احْتِمَالِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ لِلْأَصْلِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ الْمُفْهِمِ جَوَازَ الدُّخُولِ لِلْحَاجَةِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ فِي الْأَصْلِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ فَإِنَّ الدُّخُولَ فِي الْأَصْلِ يَمْتَنِعُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ دَخَلَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَطَالَ مُكْثُهُ) أَيْ عُرْفًا، فَإِنْ لَمْ يَطُلْ فَلَا قَضَاءَ وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ لِتَعَدِّيهِ ق ل. وَقَوْلُهُ: " مِنْ نَوْبَةٍ " لَيْسَ بِقَيْدٍ لِيَشْمَلَ مَا لَيْسَ مِنْ نَوْبَةِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِأَنْ تَرَكَ الْمَبِيتَ عِنْدَهُنَّ رَأْسًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَعْرِيفُ خَبَرٍ) أَيْ تَحْتَاجُ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ إلَخْ) لَعَلَّ هَذَا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَإِلَّا فَالْمُقَرَّرُ فِي السِّيَرِ وَالْخَصَائِصِ أَنَّهُ كَانَ يَدُورُ عَلَيْهِنَّ بِمَسِيسٍ أَيْ وَطْءٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، وَرُبَّمَا دَارَ عَلَى الْكُلِّ بِالْوَطْءِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ.
وَكَانَ يَفْعَلُ هَذَا بَعْدَ الْعَصْرِ فَإِنْ كَانَ لَهُ شَاغِلٌ فِيهِ فَعَلَهُ بَعْدَ الْمَغْرِبِ.
وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ كَانَ يُرْضِي الضَّرَّاتِ أَوْ أَنَّ اللَّهَ خَصَّهُ بِوَقْتٍ لَا حَقَّ لِلزَّوْجَاتِ فِيهِ يَدْخُلُ فِيهِ عَلَى مَنْ اخْتَارَ مِنْهُنَّ أَوْ عَلَى كُلٍّ مِنْهُنَّ وَهَذَا كَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ أَوْ الْمَغْرِبِ رَاجِعْ الْمَوَاهِبَ.
قَوْلُهُ: (أَيْ وَطْءٍ) أَمَّا بِوَطْءٍ فَيَحْرُمُ لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ زي، أَيْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ حَقُّ الْغَيْرِ وَيُشِيرُ إلَيْهِ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَبْلُغَ إلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا) يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ النَّهَارَ قَبْلَ اللَّيْلِ، فِي رِوَايَةِ م ر خِلَافَهُ حَيْثُ قَالَ: حَتَّى يَبْلُغَ الَّتِي جَاءَتْ نَوْبَتُهَا فَيَبِيتُ عِنْدَهَا، وَعِبَارَةُ ح ل: أَيْ كَانَ يَدْخُلُ فِي الْيَوْمِ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ إذَا انْتَهَى إلَى صَاحِبَةِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَاتَ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ طَوَافَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي التَّبَعِ لَا فِي الْأَصْلِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ طَالَ الزَّمَنُ) أَيْ وَإِنْ اسْتَغْرَقَتْهُ الْحَاجَةُ زي، وَقَالَ ق ل: ظَاهِرُهُ وَإِنْ زَادَ فِيهِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ كَثِيرًا اهـ؛ لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ إذَا طَوَّلَهُ قَضَى مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ قَوْلُهُ: (وَلَهُ مَا سِوَى وَطْءٍ) أَمَّا الْوَطْءُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ إيقَاعُهُ.
وَيُلْغَزُ وَيُقَالُ: لَنَا زَوْجَةٌ يَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا وَطْؤُهَا وَهِيَ طَاهِرٌ خَالِيَةٌ مِنْ الْمَوَانِعِ.
وَلَوْ قَدَّمَ الشَّارِحُ هَذَا عَلَى الْحَدِيثِ لَكَانَ أَنْسَبَ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَعِبَارَتُهُ: وَلَهُ دُخُولٌ فِي أَصْلٍ عَلَى أُخْرَى لِضَرُورَةٍ كَمَرَضِهَا الْمَخُوفِ وَلَهُ دُخُولٌ فِي غَيْرِهِ أَيْ فِي غَيْرِ الْأَصْلِ وَهُوَ التَّبَعُ لِحَاجَةٍ كَوَضْعِ مَتَاعٍ وَلَهُ تَمَتُّعٌ بِغَيْرِ وَطْءٍ فِيهِ أَيْ فِي دُخُولِهِ فِي غَيْرِ الْأَصْلِ أَمَّا بِوَطْءٍ فَيَحْرُمُ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَطُوفُ عَلَيْنَا» إلَخْ وَقَوْلُهُ وَلَوْ تَمَتَّعَ بِغَيْرِ وَطْءٍ فِيهِ، وَكَذَا فِي الْأَصْلِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَإِنْ كَانَ ذَكَرَهُمْ لَهُ فِي غَيْرِ الْأَصْلِ،

اسْتِمْتَاعٍ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ.
وَخَرَجَ بِقَيْدِ النَّهَارِ اللَّيْلُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَوْ لِحَاجَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ ذَاتِ النَّوْبَةِ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَرَضِهَا الْمَخُوفِ وَشِدَّةِ الطَّلْقِ وَخَوْفِ النَّهْبِ وَالْحَرِيقِ.
ثُمَّ إنْ طَالَ مُكْثُهُ عُرْفًا قَضَى مِنْ نَوْبَةِ الْمَدْخُولِ عَلَيْهَا مِثْلَ مُكْثِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ لَا يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ، فَإِنْ لَمْ يَطُلْ مُكْثُهُ لَمْ يَقْضِ لِقِلَّتِهِ، وَيَأْثَمُ مَنْ تَعَدَّى بِالدُّخُولِ وَإِنْ لَمْ يَطُلْ مُكْثُهُ.
وَلَوْ جَامَعَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهَا فِي نَوْبَةِ غَيْرِهَا عَصَى وَإِنْ قَصُرَ الزَّمَنُ وَكَانَ لِضَرُورَةٍ؛ قَالَ الْإِمَامُ: وَاللَّائِقُ بِالتَّحْقِيقِ الْقَطْعُ بِأَنَّ الْجِمَاعَ يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ وَيُصْرَفُ التَّحْرِيمُ إلَى إيقَاعِ الْمَعْصِيَةِ لَا إلَى مَا وَقَعَتْ بِهِ الْمَعْصِيَةُ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْجِمَاعِ لَا لِعَيْنِهِ بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَيَقْضِي الْمُدَّةَ دُونَ الْجِمَاعِ لَا إنْ قَصُرَتْ، وَمَحِلُّ وُجُوبِ الْقَضَاءِ مَا إذَا بَقِيَتْ الْمَظْلُومَةُ فِي نِكَاحِهِ، فَلَوْ مَاتَتْ الْمَظْلُومَةُ بِسَبَبِهَا فَلَا قَضَاءَ لِخُلُوصِ الْحَقِّ لِلْبَاقِيَاتِ، وَلَوْ فَارَقَ الْمَظْلُومَةَ تَعَذَّرَ

[حاشية البجيرمي]

وَسُكُوتُهُمْ عَنْهُ فِي الْأَصْلِ رُبَّمَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ ذَلِكَ ح ل وَقِ ل وس ل. وَبَحْثُ حُرْمَتِهِ أَيْ التَّمَتُّعِ إنْ أَفْضَى إلَى الْوَطْءِ إفْضَاءً قَوِيًّا كَمَا فِي قُبْلَةِ الصَّائِمِ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ ذَاتَ الْجِمَاعِ مُحَرَّمَةٌ ثَمَّ إجْمَاعًا لَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ إذَا وَقَعَ وَقَعَ جَائِزًا، وَإِنَّمَا الْحُرْمَةُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ حَقُّ الْغَيْرِ فَاحْتِيطَ لَهُ لِذَلِكَ وَلِكَوْنِهِ مُفْسِدًا لِلْعِبَادَةِ مَا لَمْ يُحْتَطْ هُنَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ إنْ طَالَ مُكْثُهُ إلَخْ) . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ فِي الْأَصْلِ لِضَرُورَةٍ وَطَالَ زَمَنُ الضَّرُورَةِ أَوْ أَطَالَهُ فَإِنَّهُ يَقْضِي الْجَمِيعَ، وَإِنْ دَخَلَ فِي التَّابِعِ لِحَاجَةٍ وَطَالَ زَمَنُ الْحَاجَةِ فَلَا قَضَاءَ، وَإِنْ أَطَالَهُ قَضَى الزَّائِدَ فَقَطْ زي.
وَنَظَمَ الْمُحَشِّي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لِلزَّوْجِ أَنْ يَدْخُلَ لِلضَّرُورَةِ ... لِضَرَّةٍ لَيْسَتْ بِذَاتِ النَّوْبَةِ فِي الْأَصْلِ مَعَ قَضَاءِ كُلِّ الزَّمَنْ ... إنْ طَالَ أَوْ أَطَالَهُ فَأَتْقَنْ وَإِنْ يَكُنْ فِي تَابِعٍ لِحَاجَةِ ... وَقَدْ أَطَالَهُ لِتِلْكَ الْحَاجَةِ قَضَى الَّذِي زِيدَ فَقَطْ وَلَا يَجِبْ ... قَضَاؤُهُ فِي الطُّولِ هَذَا مَا انْتُخِبْ وَإِنْ يَكُنْ دُخُولُهُ لَا لِغَرَضْ ... عَصَى وَيَقْضِي لَا جِمَاعًا إنْ عَرَضْ وَقَوْلُهُ فِي النَّظْمِ: " وَقَدْ أَطَالَهُ إلَخْ " كَأَنْ كَانَ يُمْكِنُ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي خَمْسٍ دَرَجَ فَقَضَاهَا فِي عَشَرَةٍ.
وَقَوْلُهُ: " قَضَاؤُهُ فِي الطُّولِ " أَيْ فِيمَا إذَا طَالَ بِنَفْسِهِ.
وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا فَقَالَ: دُخُولُ زَوْجٍ طَالَ أَوْ أَطَالَهْ ... فِي الْأَصْلِ يَقْضِيه بِلَا مَحَالَهْ وَلْيَقْضِ زَائِدًا بِمَا أَطَالَا ... فِي تَابِعٍ دُونَ الَّذِي قَدْ طَالَا قَوْلُهُ: (قَضَى مِنْ نَوْبَةِ الْمَدْخُولِ عَلَيْهَا) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيَأْثَمُ مَنْ تَعَدَّى بِالدُّخُولِ) أَيْ لَا لِحَاجَةٍ وَلَا لِضَرُورَةٍ أَيْ فِي الْأَصْلِ أَوْ التَّابِعِ ق ل. قَوْلُهُ: (وَلَوْ جَامَعَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهَا فِي نَوْبَةِ غَيْرِهَا) أَيْ فِي الْأَصْلِ أَوْ التَّابِعِ.
نَعَمْ يَجُوزُ غَيْرُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعَاتِ فِي التَّابِعِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ) أَيْ الدُّخُولُ لِضَرُورَةٍ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَايَةِ.
قَوْلُهُ: (لَا يُوصَفُ بِالتَّحَرُّمِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ خُصُوصُ كَوْنِهِ وَطْئًا، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ صَرْفُ زَمَنِ صَاحِبَةِ الْوَقْتِ لِغَيْرِهَا فَمَعْصِيَةٌ تُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ.
قَوْلُهُ: (وَيُصْرَفُ) أَيْ التَّحْرِيمُ الْوَاقِعُ فِي كَلَامِهِمْ.
قَوْلُهُ: (إلَى إيقَاعِ الْمَعْصِيَةِ) أَيْ إيقَاعِ الْوَطْءِ فِي هَذَا الزَّمَنِ.
وَقَوْلُهُ: " لَا إلَى مَا وَقَعَتْ بِهِ الْمَعْصِيَةُ " وَهُوَ الْجِمَاعُ نَفْسُهُ، وَفِيهِ أَنَّ الْوَطْءَ لَيْسَ مَعْصِيَةً فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَيُصْرَفُ التَّحْرِيمُ إلَى الْإِقْدَامِ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ صَرْفِ الزَّمَنِ لَهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ إنَّ تَحْرِيمَ الْجِمَاعِ فِيهِ نَظَرٌ، وَقَوْلُهُ: " لِأَمْرٍ خَارِجٍ " وَهُوَ كَوْنُهُ فِي نَوْبَةِ الْغَيْرِ قَوْلُهُ: (فَلَوْ مَاتَتْ الْمَظْلُومَةُ بِسَبَبِهَا) أَيْ بِسَبَبِ نَوْبَتِهَا الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهَا أَيْ الَّتِي حَصَلَ الظُّلْمُ بِسَبَبِهَا فَالْمَيِّتَةُ هِيَ الْمَظْلُومَةُ، وَكَانَ الْأَوْضَحُ وَالْأَخْصَرُ فَلَوْ مَاتَتْ فَلَا قَضَاءَ، فَفِي كَلَامِهِ وَضْعُ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ أج بِالْمَعْنَى.
وَقَرَّرَ شَيْخُنَا مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ فَلَوْ مَاتَتْ الْمَظْلُومَةُ أَيْ فَلَوْ مَاتَتْ الَّتِي وَقَعَ الظُّلْمُ بِسَبَبِهَا وَهِيَ الَّتِي أُعْطِيت مِنْ نَوْبَةِ غَيْرِهَا، وَهَذَا التَّفْرِيعُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِمَا قَبْلَهُ إذْ مَا قَبْلَهُ فِي الْمَظْلُومَةِ نَفْسِهَا، وَهَذَا التَّفْرِيعُ فِيمَنْ وَقَعَ الظُّلْمُ بِسَبَبِهَا.
قَوْلُهُ: " لِخُلُوصِ الْحَقِّ

الْقَضَاءُ، أَمَّا مَنْ عِمَادُ قَسْمِهِ النَّهَارُ فَلَيْلُهُ كَنَهَارِ غَيْرِهِ وَنَهَارُهُ كَلَيْلِ غَيْرِهِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ.
هَذَا كُلُّهُ فِي الْمُقِيمِ، أَمَّا الْمُسَافِرُ فَعِمَادُ قَسْمِهِ وَقْتُ نُزُولِهِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا؛ قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
تَنْبِيهٌ: أَقَلُّ نُوَبِ الْقَسْمِ لِمُقِيمٍ عَمَلُهُ نَهَارًا لَيْلَةٌ، وَلَا يَجُوزُ تَبْعِيضُهَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَشْوِيشِ الْعَيْشِ وَعُسْرِ ضَبْطِ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ، وَلَا بِلَيْلَةٍ وَبَعْضِ أُخْرَى.
وَأَمَّا «طَوَافُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ» فَمَحْمُولٌ عَلَى رِضَاهُنَّ، أَمَّا الْمُسَافِرُ فَقَدْ مَرَّ حُكْمُهُ، وَأَمَّا مَنْ عِمَادُ قَسْمِهِ النَّهَارُ كَالْحَارِسِ فَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَبْعِيضُهُ كَتَبْعِيضِ اللَّيْلِ مِمَّنْ يَقْسِمُ لَيْلًا وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِسُهُولَةِ الضَّبْطِ.
وَالِاقْتِصَارُ عَلَى اللَّيْلَةِ أَفْضَلُ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِيَقْرَبَ عَهْدُهُ بِهِنَّ، وَيَجُوزُ لَيْلَتَيْنِ وَثَلَاثًا بِغَيْرِ رِضَاهُنَّ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ رِضَاهُنَّ وَإِنْ تَفَرَّقْنَ فِي الْبِلَادِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْمُهَاجَرَةِ وَالْإِيحَاشِ لِلْبَاقِيَاتِ بِطُولِ الْمُقَامِ عِنْدَ الضَّرَّةِ، وَقَدْ يَمُوتُ فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَيَفُوتُ حَقُّهُنَّ.
وَتَجِبُ الْقُرْعَةُ

[حاشية البجيرمي]

لِلْبَاقِيَاتِ " أَيْ؛ لِأَنَّ الْمَظْلُومَ بِسَبَبِهَا إذَا مَاتَتْ لَمْ يَبْقَ لَهَا حَقٌّ حَتَّى يُؤْخَذَ مِنْ حَقِّهَا لِغَيْرِهَا.
وَبِمَا تَقَرَّرَ أَوَّلًا تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ الْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ: فَلَوْ مَاتَتْ الْمَظْلُومُ بِحَذْفِ التَّاءِ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَهَا يُوهِمُ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلَى الْمَظْلُومَةِ، وَلَيْسَ مُرَادًا؛ وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي نَقْلًا عَنْ أج غَيْرُ ظَاهِرٍ وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ مَا قَالَهُ أج هُوَ الظَّاهِرُ، فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ بِسَبَبِهَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَلْجَأَ الْقَائِلَ إلَى مَا قَالَهُ.
قَوْلُهُ: (تَعَذَّرَ الْقَضَاءُ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ رَدَّهَا، لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهَا لِعِصْمَتِهِ وَلَوْ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ إذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ وَيَقْضِي لَهَا حَقَّهَا.
وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهَهُ حَاكِمٌ عَلَى الْعَقْدِ عَلَيْهِ صَحَّ مَعَ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّهُ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ كَمَا قَالَهُ ح ل. قَوْلُهُ: (أَمَّا مَنْ عِمَادُ قَسْمِهِ النَّهَارُ) هَذَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (وَقْتُ نُزُولِهِ) مَا لَمْ تَكُنْ خَلْوَتُهُ فِي سَيْرِهِ وَإِلَّا فَوَقْتُهَا هُوَ الْعِمَادُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنْ كَانَ فِي مِحَفَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَحَالَةُ النُّزُولِ يَكُونُ مَعَ الْجَمَاعَةِ فِي خَيْمَةٍ مَثَلًا وَعِمَادُ الْمَجْنُونِ وَقْتُ إفَاقَتِهِ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ.
قَوْلُهُ: (قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا) ظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِتَوْزِيعِ مَرَّاتِ النُّزُولِ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ، وَقَدْ يُوَجَّهُ بِأَنَّ أَوْقَاتَ النُّزُولِ لَا تَنْضَبِطُ وَتَشُقُّ مُرَاعَاةُ التَّفَاوُتِ فَسُومِحَ فِيهِ، وَمَحَلُّهُ فِي نُزُولٍ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْقَسْمُ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُقِيمِ، أَمَّا نُزُولٌ يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ كَيَوْمَيْنِ بِلَيْلَتَيْهِمَا وَمَعَهُ زَوْجَتَانِ مَثَلًا فَيَجِبُ الْقَسْمُ بَيْنَهُمَا كَالْمُقِيمِ سم بِأَنْ يَجْعَلَ لِوَاحِدَةٍ لَيْلَةً مَعَ يَوْمٍ وَالْأُخْرَى كَذَلِكَ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ إحْدَاهُمَا بِجَمِيعِ هَذِهِ الْإِقَامَةِ وَيَجْعَلَ لِلْأُخْرَى وَقْتَ النُّزُولِ الْحَاصِلِ عَقِبَ السَّفَرِ عَنْ هَذِهِ الْإِقَامَةِ.
اهـ. م ر سم.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ تَبْعِيضُهَا) بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَ التَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ.
هَكَذَا فِي غَالِبِ النُّسَخِ، وَاَلَّذِي فِي بَعْضٍ آخَرَ بِبَعْضِهَا بِبَاءَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ مَعَ كَسْرِ الْأُولَى، وَهِيَ أَنْسَبُ بِالْمَعْطُوفِ الْآتِي وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَلَا بِلَيْلَةٍ وَبَعْضِ أُخْرَى " وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَلَا يَجُوزُ بِبَعْضِهَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ تَشْوِيشِ الْعَيْشِ) ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ادَّعَتْ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا أَنَّ وَقْتَهَا دَخَلَ قَبْلَ مَجِيئِهِ لَهَا فَيَحْصُلُ التَّشْوِيشُ الْمَذْكُورُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِلَيْلَةٍ) أَيْ وَلَا يَجُوزُ الْقَسْمُ بِلَيْلَةٍ وَبَعْضِ لَيْلَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا طَوَافُهُ إلَخْ) وَارِدٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَلَا يَجُوزُ تَبْعِيضُهَا.
قَوْلُهُ: (فَمَحْمُولٌ عَلَى رِضَاهُنَّ) بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْقَسْمِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
قَوْلُهُ: (فَقَدْ مَرَّ حُكْمُهُ) وَهُوَ أَنَّ أَقَلَّ نُوَبِ قَسْمِهِ وَقْتُ نُزُولِهِ، وَوَقْتُ الِارْتِحَالِ تَابِعٌ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الظَّاهِرُ) أَيْ عَدَمُ الْجَوَازِ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ رِضَاهُنَّ) أَفْهَمَ جَوَازَ الزِّيَادَةِ وَلَوْ مُشَاهَرَةً أَيْ شَهْرًا مَثَلًا، وَمُسَانَهَةً أَيْ سَنَةً مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَفَرَّقْنَ فِي الْبِلَادِ) فَإِذَا كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ فِي مِصْرَ يَبِيتُ عِنْدَهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ وَبَعْدَهَا يَبِيتُ فِي الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ مَثَلًا، وَإِذَا ذَهَبَ إلَى الْبَلْدَةِ الْأُخْرَى يَمْكُثُ عِنْدَهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ وَبَعْدَهَا يَمْكُثُ فِي مَحَلٍّ مُعْتَزَلٍ عَنْهَا مُدَّةَ إقَامَتِهِ.
وَعِبَارَةُ سم عَلَى حَجّ: وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَثُرَ السُّؤَالُ عَنْهُ أَنَّهُ مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ بِمَكَّةَ وَأُخْرَى بِمِصْرَ مَثَلًا فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ إحْدَاهُمَا أَزْيَدَ مِنْ ثَلَاثٍ، فَإِذَا بَاتَ ثَلَاثًا امْتَنَعَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْأُخْرَى وَيَبِيتَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا؛ وَهَذَا الْحُكْمُ مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى اهـ. قَوْلُهُ: (إلَى الْمُهَاجَرَةِ) أَيْ الْهَجْرِ ضِدُّ الْوَصْلِ، فَالْمُفَاعَلَةُ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا وَالْإِيحَاشُ ضِدُّ الْأُنْسِ.
قَوْلُهُ: (وَتَجِبُ الْقُرْعَةُ إلَخْ)

لِلِابْتِدَاءِ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عِنْدَ عَدَمِ رِضَاهُنَّ تَحَرُّزًا عَنْ التَّرْجِيحِ مَعَ اسْتِوَائِهِنَّ فِي الْحَقِّ، فَيَبْدَأُ بِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهَا فَإِذَا مَضَتْ نَوْبَتُهَا أَقْرَعَ بَيْنَ الْبَاقِيَاتِ، ثُمَّ بَيْنَ الْأَخِيرَتَيْنِ؛ فَإِذَا تَمَّتْ النَّوْبَةُ رَاعَى التَّرْتِيبَ.
وَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَةِ الْقُرْعَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَدَأَ بِلَا قُرْعَةٍ فَإِنَّهُ يَقْرَعُ بَيْنَ الْبَاقِيَاتِ فَإِذَا تَمَّتْ النَّوْبَةُ أَقْرَعَ لِلِابْتِدَاءِ.

(وَإِذَا أَرَادَ) الزَّوْجُ (السَّفَرَ) لِنَقْلَةِ وَلَوْ سَفَرًا قَصِيرًا حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَصْحِبَ بَعْضَهُنَّ دُونَ بَعْضٍ وَلَوْ بِقُرْعَةٍ، فَإِنْ سَافَرَ بِبَعْضِهِنَّ وَلَوْ بِقُرْعَةٍ قَضَى لِلْمُتَخَلِّفَاتِ، وَلَوْ نَقَلَ بَعْضَهُنَّ بِنَفْسِهِ وَبَعْضَهُنَّ بِوَكِيلِهِ قَضَى لِمَنْ مَعَ الْوَكِيلِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَهُنَّ بَلْ يَنْقُلَهُنَّ أَوْ يُطَلِّقَهُنَّ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ قَطْعِ أَطْمَاعِهِنَّ مِنْ الْوِقَاعِ، فَأَشْبَهَ الْإِيلَاءَ بِخِلَافِ مَا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ الدُّخُولِ إلَيْهِنَّ وَهُوَ حَاضِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ رَجَاؤُهُنَّ.
وَفِي بَاقِي الْأَسْفَارِ الطَّوِيلَةِ أَوْ الْقَصِيرَةِ الْمُبَاحَةِ إذَا أَرَادَ اسْتِصْحَابَ بَعْضِهِنَّ.
(أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ) وُجُوبًا كَمَا اقْتَضَاهُ إيرَادُ الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا عِنْدَ تَنَازُعِهِنَّ.
(وَخَرَجَ بِاَلَّتِي تَخْرُجُ عَلَيْهَا) سَهْمُ

[حاشية البجيرمي]

الْحَاصِلُ أَنَّ الزَّوْجَاتِ إنْ كُنَّ أَرْبَعًا وَجَبَ ثَلَاثُ قُرَعٍ؛ لِأَنَّ الرَّابِعَةَ تَتَعَيَّنُ، وَإِنْ كُنَّ ثَلَاثًا وَجَبَ قُرْعَتَانِ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَةَ تَتَعَيَّنُ، وَإِنْ كُنَّ اثْنَتَيْنِ وَجَبَتْ وَاحِدَةٌ زي.
وَلَهُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِقُرْعَةٍ وَاحِدَةٍ لَهُنَّ بِأَنْ يَكْتُبَ أَسْمَاءَ النِّسَاءِ كُلَّهُنَّ وَيُخْرِجَهَا عَلَى اللَّيَالِيِ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَةِ الْقُرْعَةِ ظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ إعَادَتَهَا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا رُبَّمَا خَرَجَتْ مُخَالِفَةً لِلْقُرْعَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ: (أَقْرَعَ لِلِابْتِدَاءِ) وَكَذَا لِلْبَاقِي كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَعِبَارَتُهُ: فَإِذَا تَمَّتْ النُّوَبُ أَعَادَ الْقُرْعَةَ لِلْجَمِيعِ فَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يُعَبِّرَ بِالنُّوَبِ دُونَ النَّوْبَةِ.

قَوْلُهُ: (لِنَقْلَةِ) هَذِهِ دَخِيلَةٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
ق ل قَالَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحُهُ: فَلَوْ غَيَّرَ نِيَّةَ النَّقْلَةِ بِنِيَّةِ السَّفَرِ لِغَيْرِهَا فَهَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ وَالْإِثْمُ بِذَلِكَ أَوْ يَسْتَمِرُّ حُكْمُهُمَا إلَى أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْبَاقِيَاتِ؟ وَجْهَانِ، قَالَ الزَّرْكَشِيّ: نَصُّ الْأُمِّ يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِالثَّانِي اهـ. قَوْلُهُ: (حَرُمَ إلَخْ) الْمَسْأَلَةُ لَهَا خَمْسَةُ أَحْوَالٍ يَحْرُمُ فِي اثْنَيْنِ مِنْهَا، وَهُمَا أَنْ يَسْتَصْحِبَ بَعْضَهُنَّ وَيُبْقِيَ بَعْضَهُنَّ عَلَى عِصْمَتِهِ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ أَوْ يَتْرُكَ الْجَمِيعَ، وَيَحِلُّ فِيمَا إذَا اسْتَصْحَبَ الْكُلَّ أَوْ طَلَّقَ الْكُلَّ أَوْ اسْتَصْحَبَ بَعْضًا وَطَلَّقَ بَعْضًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ سَافَرَ بِبَعْضِهِنَّ) أَيْ لِنَقْلَةٍ.
قَوْلُهُ: (قَضَى لِلْمُتَخَلِّفَاتِ) أَيْ مِنْ نَوْبَةِ الَّتِي اسْتَصْحَبَهَا.
نَعَمْ لَوْ عَجَزَ عَنْ اسْتِصْحَابِ جَمِيعِهِنَّ دَفْعَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهُ اسْتِصْحَابُ بَعْضِهِنَّ أَوَّلًا بِالْقُرْعَةِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُرْسِلُ لِأَخْذِ الْبَاقِي أَوْ يَأْخُذُهُنَّ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (قَضَى لِمَنْ مَعَ الْوَكِيلِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ اسْتِصْحَابِهِ لِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ مَحْرَمًا لَهَا أَوْ عَبْدًا لَهَا مَمْسُوحًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَهُنَّ) أَيْ بِغَيْرِ رِضَاهُنَّ م د. قَوْلُهُ: (بَلْ يَنْقُلُهُنَّ) أَيْ أَوْ يَنْقُلُ بَعْضًا وَيُطَلِّقُ بَعْضًا، فَأَوْ مَانِعَةُ خُلُوٍّ فَتُجَوِّزُ الْجَمْعَ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُلَ بَعْضَهُنَّ بِنَفْسِهِ وَالْبَعْضَ الْآخَرَ بِوَكِيلِهِ إلَّا بِقُرْعَةٍ، وَظَاهِرٌ أَنَّ ذَلِكَ مَحَلَّهُ إذَا كَانَ الْوَكِيلُ مَحْرَمًا لِمَنْ يَنْقُلُهَا وَإِلَّا فَيَحْرُمُ مُطْلَقًا كَمَا أَفَادَهُ خ ض. قَوْلُهُ: (أَوْ يُطَلِّقُهُنَّ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِي ذَلِكَ) أَيْ تَرْكِهِنَّ، فَهَذَا عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَهُنَّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فَأَشْبَهَ الْإِيلَاءَ أَيْ فَكَانَ غَيْرَ جَائِزٍ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْوِقَاعِ) أَيْ الْجِمَاعِ.
قَوْلُهُ: (وَفِي بَاقِي الْأَسْفَارِ) الْبَاقِي هُوَ السَّفَرُ لِغَيْرِ نَقْلَةٍ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ إمَّا لِنَقْلَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (وَفِي بَاقِي الْأَسْفَارِ) أَيْ لَا لِنَقْلَةٍ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَقْرَعَ الَّذِي بَعْدَهُ فَهُوَ دُخُولٌ عَلَى الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (الْمُبَاحَةِ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ مُصَاحَبَةَ الْمُسَافِرَةِ رُخْصَةٌ وَهِيَ لَا تُنَاطُ بِالْمَعْصِيَةِ.
وَيَجِبُ عَلَيْهَا السَّفَرُ بِطَلَبِهِ كَرُكُوبِ بَحْرٍ إنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ فِيهِ إنْ أُمِنَ الطَّرِيقُ وَالْمَقْصِدُ، وَالِامْتِنَاعُ مِنْهُ لِعِصْيَانِهِ بِهِ نُشُوزٌ؛؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْعُهَا لِلْمَعْصِيَةِ، بَلْ لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ.
وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر: وَامْتِنَاعُ الْمَرْأَةِ مِنْ السَّفَرِ مَعَ الزَّوْجِ نُشُوزٌ وَلَوْ كَانَ سَفَرُهُ مَعْصِيَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْعُهَا لِمَعْصِيَةٍ بَلْ لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ.
وَمَحَلُّ مَا ذَكَرَ مَا لَمْ تَكُنْ مَعْذُورَةً بِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ كَشِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ لَا تُطِيقُ السَّفَرَ مَعَهُ، وَلَيْسَ مِنْهُ مُجَرَّدُ مُفَارَقَةِ أَهْلِهَا وَعَشِيرَتِهَا اهـ. قَوْلُهُ: (كَمَا اقْتَضَاهُ) أَيْ الْوُجُوبُ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ تَنَازُعِهِنَّ) مُتَعَلِّقٌ بِأَقْرَعَ.
قَوْلُهُ: (بِاَلَّتِي تَخْرُجُ عَلَيْهَا) أَيْ لَهَا.
قَوْلُهُ: (سَهْمٌ) فِي إقْحَامِ سَهْمٍ تَغْيِيرُ إعْرَابِ الْمَتْنِ اللَّفْظِيِّ وَهُوَ مَعِيبٌ، عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْعَةِ

(الْقُرْعَةِ) لِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ» . وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِهَا أَمْ فِي يَوْمِ غَيْرِهَا.
وَإِذَا خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِصَاحِبَةِ النَّوْبَةِ لَا تَدْخُلُ نَوْبَتُهَا فِي مُدَّةِ السَّفَرِ، بَلْ إذَا رَجَعَ وَفَّى لَهَا نَوْبَتَهَا وَإِذَا خَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِوَاحِدَةٍ فَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ بِغَيْرِهَا وَلَهُ تَرْكُهَا.
وَلَوْ سَافَرَ بِوَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ عَصَى وَقَضَى، فَإِنْ رَضِينَ بِوَاحِدَةٍ جَازَ بِلَا قُرْعَةٍ وَسَقَطَ الْقَضَاءُ وَلَهُنَّ الرُّجُوعُ قَبْلَ سَفَرِهَا؛ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَكَذَا بَعْدَهُ مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ أَيْ يَصِلْ إلَيْهَا وَإِذَا سَافَرَ بِالْقُرْعَةِ لَا يَقْضِي لِلزَّوْجَاتِ الْمُتَخَلِّفَاتِ مُدَّةَ سَفَرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْمُسْتَصْحَبَةَ وَإِنْ فَازَتْ بِصُحْبَتِهِ.
فَقَدْ لَحِقَهَا مِنْ تَعَبِ السَّفَرِ وَمَشَقَّتِهِ مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ، وَالْمُتَخَلِّفَةُ وَإِنْ فَاتَهَا حَظُّهَا مِنْ الزَّوْجِ فَقَدْ تَرَفَّهَتْ بِالرَّاحَةِ وَالْإِقَامَةِ، فَتَقَابَلَ الْأَمْرَانِ فَاسْتَوَيَا.
وَخَرَجَ بِالْأَسْفَارِ الْمُبَاحَةِ غَيْرُهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ فِيهَا بَعْضَهُنَّ بِقُرْعَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا، فَإِنْ فَعَلَ عَصَى وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ لِلْمُتَخَلِّفَاتِ.
وَخَرَجَ بِالزَّوْجَاتِ الْإِمَاءُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ بَعْضَهُمْ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ، فَإِنْ وَصَلَ الْمَقْصِدَ وَصَارَ مُقِيمًا قَضَى مُدَّةَ الْإِقَامَةِ لِخُرُوجِهِ عَنْ حُكْمِ السَّفَرِ، هَذَا إنْ

[حاشية البجيرمي]

سَهْمُهَا لَا فِعْلُهَا ق ل مُلَخَّصًا.
وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَيْضًا تَأْنِيثُ الْفِعْلِ مَعَ تَذْكِيرِ الْفَاعِلِ.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ) أَيْ السَّفَرُ قَوْلُهُ: (عَصَى) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُسَاكِنْهَا كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَقَضَى) أَيْ جَمِيعَ الْمُدَّةِ وَإِنْ لَمْ يَبِتْ مَعَهَا مَا لَمْ يُخَلِّفْهَا فِي بَلَدٍ، فَإِنْ خَلَّفَهَا فِي بَلَدٍ لَمْ يَقْضِ لَهُنَّ اهـ. وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى: قَوْلُهُ: " وَقَضَى " أَيْ ذَهَابًا وَإِيَابًا وَإِقَامَةً أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ رَضِينَ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ عِنْدَ تَنَازُعِهِنَّ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُنَّ الرُّجُوعُ) مَا لَمْ يُسْرِعْ فِي الْخُرُوجِ، فَإِنْ خَرَجَ وَسَافَرَ حَتَّى جَازَ لَهُ التَّرَخُّصُ امْتَنَعَ عَلَيْهِنَّ الرُّجُوعُ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ لَهُنَّ الرُّجُوعَ قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَ الشُّرُوعِ فِي السَّفَرِ.
وَعِبَارَةُ م ر فِي شَرْحِهِ: وَلَهُنَّ قَبْلَ سَفَرِهَا الرُّجُوعُ، وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ بَلْ قَبْلَ بُلُوغِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ بَعِيدٌ اهـ. فَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ سَفَرِهَا) أَيْ قَبْلَ بُلُوغِ مَحَلٍّ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ) أَيْ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْهَا، فَإِذَا بَلَغَ سَفَرَهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَلَا رُجُوعَ وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزْ ذَلِكَ.
وَلَمَّا كَانَ فِي الْعِبَارَةِ إيهَامُ خِلَافِ الْمُرَادِ قَالَ الشَّارِحُ: أَيْ يَصِلُ إلَيْهَا.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (أَيْ يَصِلُ إلَيْهَا) دَفَعَ بِهِ أَنَّ مَسَافَةَ الْقَصْرِ لَا يُتَصَوَّرُ مُجَاوَزَتُهَا إذْ لَا آخِرَ لَهَا، فَالْمُرَادُ مُجَاوَزَةُ أَوَّلِهَا.
اهـ. قِ ل. قَوْلُهُ: (مُدَّةَ سَفَرِهِ) أَيْ ذَهَابًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ: فَإِنْ وَصَلَ الْمَقْصِدَ إلَخْ؛ وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ بَعْدُ: وَلَا يَقْضِي مُدَّةَ الرُّجُوعِ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ هُنَا: " مُدَّةَ سَفَرِهِ " شَامِلًا لِلذَّهَابِ وَالْإِيَابِ لِمَا مَرَّ حَتَّى يَلْزَمَ عَلَيْهِ التَّكْرَارُ مَعَ قَوْلِهِ الْآتِي: وَلَا يَقْضِي مُدَّةَ الرُّجُوعِ اهـ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى فِيهِ) أَيْ سُقُوطِ الْقَضَاءِ عَنْهُ لِلْمُتَخَلِّفَاتِ مَعَ وُجُوبِهِ عَلَى الزَّوْجِ دَائِمًا وَلَوْ قَامَ بِهَا عُذْرٌ م د. قَوْلُهُ: (مِنْ تَعَبِ السَّفَرِ) بَيَانٌ لِمَا.
قَوْلُهُ: (مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الصُّحْبَةِ وَالتَّمَتُّعِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ فَاتَهَا حَظُّهَا) أَيْ سُرُورُهَا وَهُوَ الصُّحْبَةُ وَالتَّمَتُّعُ.
قَوْلُهُ: (فَقَدْ تَرَفَّهَتْ) أَيْ تَنَعَّمَتْ، وَمِنْهُ وَقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ [سبأ: 34] أَيْ مُتَنَعِّمُوهَا.
قَوْلُهُ: (الْأَمْرَانِ) وَهُوَ رَاحَةٌ فِي مُقَابَلَةِ رَاحَةٍ وَمَشَقَّةٌ فِي مُقَابَلَةِ مَشَقَّةٍ.
قَوْلُهُ: (فَاسْتَوَيَا) ظَاهِرُهُ رُجُوعُ ضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ لِلْأَمْرَيْنِ وَالْمُنَاسِبُ فَاسْتَوَيَتَا بِإِرْجَاعِ الضَّمِيرِ عَلَى الْمَرْأَتَيْنِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِالْأَسْفَارِ الْمُبَاحَةِ إلَخْ) قَدْ وَافَقَهُ شَيْخُنَا عَلَى ذَلِكَ وَخَالَفَهُمَا غَيْرُهُمَا.
وَيَدُلُّ لَهُ مَا مَرَّ بِقَوْلِهِمْ: وَيَجِبُ عَلَيْهَا إلَخْ مَا تَقَدَّمَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَاكَ مِنْ حَيْثُ طَاعَتُهَا لَهُ وَهَذَا مِنْ حَيْثُ التَّغْلِيظُ عَلَيْهِ ق ل. أَوْ يُقَالُ إنَّ ذَاكَ فِي سَفَرِهِ لِنَقْلَةٍ وَهَذَا فِي سَفَرِهِ لِغَيْرِهَا.
وَالْمُرَادُ بِالْمُبَاحِ مَا قَابَلَ الْحَرَامَ الصَّادِقَ بِالْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ كَمَا نُقِلَ عَنْ تَقْرِيرِ الزِّيَادِيِّ.
قَوْلُهُ: (عَصَى وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ لِلْمُتَخَلِّفَاتِ) أَيْ إنْ رَجَعَ أَوْ سَافَرْنَ لَهُ يُعَدُّ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ طَاعَتُهُ فَلَوْ خَالَفَتْ سَقَطَ حَقُّهَا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ق ل. قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِالزَّوْجَاتِ) أَيْ الدَّاخِلَاتِ تَحْتَ قَوْلِهِ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، فَإِنَّ ضَمِيرَهُ رَاجِعٌ لِلزَّوْجَاتِ فِي أَوَّلِ الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ وَصَلَ الْمَقْصِدَ)

سَاكَنَ الْمَصْحُوبَةَ أَمَّا إذَا اعْتَزَلَهَا مُدَّةَ الْإِقَامَةِ فَلَا يَقْضِي كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي وَلَا يَقْضِي مُدَّةَ الرُّجُوعِ كَمَا لَا يَقْضِي مُدَّةَ الذَّهَابِ.

تَنْبِيهٌ: مَنْ وَهَبَتْ مِنْ الزَّوْجَاتِ حَقَّهَا مِنْ الْقَسْمِ لِغَيْرِهَا لَمْ يَلْزَمْ الزَّوْجَ الرِّضَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ إسْقَاطَ حَقِّهِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، فَإِنْ رَضِيَ بِالْهِبَةِ وَوَهَبَتْ لِمُعَيَّنَةٍ مِنْهُنَّ بَاتَ عِنْدَهَا لَيْلَتَيْهِمَا كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا وَهَبَتْ سَوْدَةُ نَوْبَتَهَا لِعَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَإِنْ وَهَبَتْ لِلزَّوْجِ فَقَطْ كَانَ لَهُ التَّخْصِيصُ لِوَاحِدَةٍ فَأَكْثَرَ؛ لِأَنَّهَا جَعَلَتْ الْحَقَّ لَهُ فَيَضَعُهُ حَيْثُ شَاءَ وَلَوْ وَهَبَتْ لَهُ وَلِبَعْضِ الزَّوْجَاتِ أَوْ لَهُ وَلِلْجَمِيعِ قَسَمَ ذَلِكَ عَلَى الرُّءُوسِ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَلَا يَجُوزُ لِلْوَاهِبَةِ أَنْ تَأْخُذَ عَلَى الْمُسَامَحَةِ بِحَقِّهَا عِوَضًا لَا مِنْ الزَّوْجِ وَلَا مِنْ الضَّرَائِرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْنٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ؛

[حاشية البجيرمي]

لَيْسَ قَيْدًا بَلْ يَأْتِي هُنَا مَا مَرَّ فِي بَابِ الْقَصْرِ مِمَّا يَقْطَعُ السَّفَرَ، وَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ مُدَّةَ سَفَرِهِ، وَهُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِ الشَّارِحِ لَا يَقْضِي لِلزَّوْجَاتِ مُدَّةَ السَّفَرِ وَلِقَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ رَضِينَ جَازَ وَسَقَطَ الْقَضَاءُ وَلَيْسَ رَاجِعًا لِمَسْأَلَةِ الْإِمَاءِ.
وَالْمَقْصِدُ بِكَسْرِ الصَّادِ.
مَوْضِعُ الْقَصْدِ، وَفَتَحَ النَّاسُ صَادَهُ خَطَأً إذْ هُوَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَصَارَ مُقِيمًا) أَيْ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ قَبْلَ وُصُولِهِ مُطْلَقًا، أَوْ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ صِحَاحٍ.
قَالَ ق ل: قَالَ شَيْخُنَا كَغَيْرِهِ: وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَقْضِي مُدَّةَ عَدَمِ التَّرَخُّصِ إنْ سَاكَنَ الْمَصْحُوبَةَ.
وَخَرَجَ بِالسَّفَرِ مَا لَوْ خَرَجَتْ لِحَاجَتِهَا فِي الْبَلَدِ بِإِذْنِهِ كَأَنْ كَانَتْ مَاشِطَةً أَوْ بَلَّانَةً أَوْ قَيِّمَةً عَلَى الْحَمَّامِ أَوْ مُغَنِّيَةً أَوْ قَابِلَةً وَخَرَجَتْ بِإِذْنِهِ، فَلَا يَسْقُطُ قَسْمُهَا وَنَفَقَتُهَا؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ وَلَمْ تُسَافِرْ؛ وَهَذَا مَا أَفْتَى بِهِ م ر انْتَهَى زي.
قَوْلُهُ: (هَذَا) أَيْ مَحَلُّ وُجُوبِ الْقَضَاءِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ وَهَبَتْ إلَخْ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا بِأَنْ وَهَبَتْ قَبْلَ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ بَعْضِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي الْجُمْلَةِ.
وَتَسْمِيَتُهَا هِبَةً بِالنَّظَرِ لِلصُّورَةِ وَاللَّفْظِ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَيْسَ عَيْنًا وَلَا مَنْفَعَةً.
وَلَا يُعْتَبَرُ رِضَا غَيْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْهِبَةِ، أَمَّا هُنَا فَيُعْتَبَرُ رِضَا الزَّوْجِ وَهُوَ غَيْرُ مَوْهُوبٍ لَهُ، وَحِينَئِذٍ هَذِهِ الْهِبَةُ تَخْرُجُ عَنْ قَوَاعِدِ الْهِبَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ هُنَا لَيْسَ عَيْنًا وَلَا مَنْفَعَةً، وَحِينَئِذٍ يُلْغَزُ فَيُقَالُ: لَنَا هِبَةٌ لَيْسَتْ بِعَيْنٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ، وَيُقَالُ أَيْضًا: لَنَا هِبَةٌ تَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَاءِ غَيْرِ الْوَاهِبِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ.
قَوْلُهُ: (لِمُعَيَّنَةٍ) خَرَجَ مَا لَوْ وَهَبَتْهُ لِمُبْهَمَةٍ، فَهُوَ بَاطِلٌ ق ل، أَيْ فَيَسْتَمِرُّ حَقُّهَا.
قَوْلُهُ: (بَاتَ عِنْدَهَا) وَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لَيْلَتَيْهِمَا) كُلَّ لَيْلَةٍ فِي مَحَلِّهَا.
وَلَيْسَ لَهُ تَقْدِيمُ لَيْلَةِ الْوَاهِبَةِ عَلَى مَحَلِّهَا وَلَهُ تَأْخِيرُهَا إلَى مُلَاصَقَةِ لَيْلَةِ الْمَوْهُوبَةِ، وَلَا يَضُرُّ تَقْدِيمُ لَيْلَةِ مَنْ بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِهِ ق ل. وَمَحَلُّ بَيَانِهِ عِنْدَ الْمَوْهُوبَةِ لَيْلَتَيْنِ مَا دَامَتْ الْوَاهِبَةُ تَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ فَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ طَاعَتِهِ لَمْ يَبِتْ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهَا إلَّا لَيْلَتَهَا كَمَا قَالَهُ س ل.

قَوْلُهُ: (لَمَّا وَهَبَتْ سَوْدَةُ) أَيْ لِإِرَادَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَاقَهَا لِكِبَرِهَا عِ ش. وَسَوْدَةُ بِفَتْحِ السِّينِ بِنْتُ زَمْعَةَ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ بَابِ الضِّدِّيَّةِ وَإِلَّا فَهِيَ مِنْ أَجْمَلِ نِسَائِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَصَدَرَ مِنْهَا ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ عَقْلِهَا لَمَّا رَأَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ عَائِشَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا إلَّا هِيَ وَهِيَ كَبِرَتْ وَصَارَتْ لَا تُشْتَهَى فَخَافَتْ أَنْ يَكْرَهَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُطَلِّقَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَا أُرِيدُ مِنْك مَا تُرِيدُ النِّسَاءُ وَلَكِنْ أُحِبُّ أَنْ أُحْشَرَ فِي زُمْرَةِ نِسَائِك أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنِّي وَهَبْتُ نَوْبَتِي لِعَائِشَةَ» اهـ. وَقَالَ ع ش: أَيْ لِإِرَادَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلَاقَهَا لِكِبَرِهَا.
قَوْلُهُ: (عَلَى الرُّءُوسِ) فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ لَيْلَةٌ مِنْ لَيَالِيِهَا وَلَهُ لَيْلَةٌ أَيْضًا يَخُصُّ بِهَا مَنْ شَاءَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
وَعِبَارَةُ ق ل: فَعَلَيْهِ لَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ وَلَهُنَّ كَانَ لَهُ رُبْعُ لَيْلَةٍ وَلِكُلِّ زَوْجَةٍ كَذَلِكَ فَتُجْعَلُ الْوَاهِبَةُ كَالْمَعْدُومَةِ وَفِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَدْوَارٍ أَيْ لَيَالٍ يَجْتَمِعُ لَيْلَةً فَيُقْرِعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ خَصَّهَا بِهِ، وَهَكَذَا كُلَّمَا اجْتَمَعَتْ لَيْلَةٌ وَكَذَا بَقِيَّةُ الصُّوَرِ.
هَذَا إذَا وَهَبَتْهَا دَائِمًا، فَإِنْ وَهَبَتْ لَيْلَةً فَقَدْ جَعَلَهَا أَرْبَاعًا وَأَقْرَعَ أَيْضًا وَيَخُصُّ بِرُبْعِهِ مَنْ شَاءَ: وَفِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ: أَنَّهَا تُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ اللَّيَالِي لَا بِحَسَبِ الْأَجْزَاءِ، فَيَخُصُّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ لَيَالِي الْوَاهِبَةِ لَيْلَةً بِالْقُرْعَةِ فِي الدَّوْرِ الْأَوَّلِ وَيَخُصُّ بِلَيْلَتِهِ مَنْ شَاءَ، وَرَدَ الْقَوْلُ بِالتَّوْزِيعِ بِحَسَبِ الْأَجْزَاءِ.
نَعَمْ يَظْهَرُ فِيمَا إذَا وَهَبَتْ لَيْلَةً وَاحِدَةً فَقَطْ لِلْجَمِيعِ اهـ قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ إلَخْ) ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْهِبَةَ لَيْسَتْ عَلَى قَوَاعِدِ الْهِبَاتِ وَيَلْزَمُهَا رَدُّ الْعِوَضِ إنْ كَانَتْ أَخَذَتْهُ وَتَسْتَحِقُّ الْقَضَاءَ

لِأَنَّ مُقَامَ الزَّوْجِ عِنْدَهَا لَيْسَ بِمَنْفَعَةٍ مَلَكَتْهَا عَلَيْهِ.
وَقَدْ اسْتَنْبَطَ السُّبْكِيُّ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمِنْ خُلْعِ الْأَجْنَبِيِّ جَوَازَ النُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ، وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُهُ أَنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ بِهِ جَائِزٌ وَأَخْذَهُ حَلَالٌ لِإِسْقَاطِ الْحَقِّ لَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَنْزُولِ لَهُ بَلْ يَبْقَى الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ إلَى نَاظِرِ الْوَظِيفَةِ يَفْعَلُ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ شَرْعًا، وَبَسَطَ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ فَاسْتَفِدْهَا.
وَلِلْوَاهِبَةِ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَتْ، فَإِذَا رَجَعَتْ خَرَجَ فَوْرًا، وَلَا تَرْجِعُ فِي الْمَاضِي قَبْلَ الْعِلْمِ بِالرُّجُوعِ.
وَإِنْ بَاتَ الزَّوْجُ فِي نَوْبَةِ وَاحِدَةٍ عِنْدَ غَيْرِهَا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا وَهَبَتْ حَقَّهَا وَأَنْكَرَتْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.

(وَإِذَا تَزَوَّجَ) حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ فِي دَوَامِ نِكَاحِهِ (جَدِيدَةً) وَلَوْ مُعَادَةً بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ (خَصَّهَا) كُلٌّ مِنْهُمَا وُجُوبًا (بِسَبْعِ لَيَالٍ)

[حاشية البجيرمي]

لِأَنَّهَا لَمْ تُسْقِطْهُ مَجَّانًا وَإِنْ عَلِمَتْ بِالْفَسَادِ، وَقَالَ ق ل: قَالَ شَيْخُنَا: مَا لَمْ تَعْلَمْ بِالْفَسَادِ.
هَذَا وَقَالَ سم: قَوْلُهُ: " وَلَا يَجُوزُ لِلْوَاهِبَةِ إلَخْ " فِيهِ أَنَّ الْقَسْمَ حَقُّهَا مُخْتَصٌّ بِهَا وَأَخْذُ الْعِوَضِ عَلَى الْحَقِّ مِنْ الِاخْتِصَاصِ جَائِزٌ، إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ هَذَا الْحَقَّ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ إذَا كَانَ فِي نِكَاحِهِ غَيْرَهَا وَأَرَادَ الْمَبِيتَ عِنْدَهَا وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ وَبِأَنَّ هَذَا الْحَقَّ مُشْتَرَكٌ؛ لِأَنَّ لِلزَّوْجِ فِيهِ شَائِبَةً؛ وَلِهَذَا لَوْ وَهَبَتْ لِغَيْرِهَا فَلَهُ أَنْ لَا يَرْضَى فَضَعُفَ تَعَلُّقُهَا بِهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ مُقَامَ الزَّوْجِ) أَيْ مُكْثَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ اسْتَنْبَطَ السُّبْكِيُّ إلَخْ) لَكِنَّ الِاسْتِنْبَاطَ مِنْ مَسْأَلَةِ الْخُلْعِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ عِوَضٌ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ هُنَا لَا عِوَضَ فِيهَا، فَأَخْذُ مَسْأَلَةِ النُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ مِنْهَا بَعِيدٌ، إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ كَلَامُ الشَّارِحِ أَيْ اُسْتُنْبِطَ جَوَازُ النُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِ عِوَضٍ وَيَكُونُ النُّزُولُ بِعِوَضٍ مَأْخُوذًا مِنْ خُلْعِ الْأَجْنَبِيِّ وَالنُّزُولُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ مَأْخُوذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) أَيْ مِنْ مَفْهُومِ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ فِيهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: " لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَيْنٍ وَلَا مَنْفَعَةَ " م د، أَيْ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ إذَا كَانَ الْحَقُّ عَيْنًا أَوْ مَنْفَعَةً يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَى إسْقَاطِهِ كَالنُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ.
قَوْلُهُ: (جَوَازُ النُّزُولِ عَنْ الْوَظَائِفِ) أَيْ بِعِوَضٍ وَدُونِهِ لَكِنْ لِمَنْ هُوَ مِثْلُ النَّازِلِ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، وَلَا يَصِحُّ التَّقْرِيرُ مِنْ الْحَاكِمِ، وَإِذَا قَرَّرَ الْحَاكِمُ غَيْرَ الْمَنْزُولِ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى النَّازِلِ بِمَا دَفَعَهُ لَهُ إلَّا إنْ شَرَطَهُ؛ ق ل مَعَ زِيَادَةٍ قَلِيلَةٍ.
قَوْلُهُ: (إنْ أَخَذَ الْعِوَضَ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ أَنَّ بَذْلَ الْعِوَضِ مُطْلَقًا وَأَخْذَهُ إنْ كَانَ النَّازِلُ أَهْلًا وَهُوَ حِينَئِذٍ لِإِسْقَاطِ حَقِّ النَّازِلِ فَهُوَ مُجَرَّدُ افْتِدَاءٍ، وَبِهِ فَارَقَ مَنْعَ بَيْعِ حَقِّ التَّحَجُّرِ وَشَبَهَهُ كَمَا هُنَا لَا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَنْزُولِ لَهُ بِهَا أَوْ بِشَرْطِ حُصُولِهَا لَهُ بَلْ يَلْزَمُ نَاظِرَ الْوَظِيفَةِ تَوْلِيَةُ مَنْ تَقْتَضِيه الْمَصْلَحَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَلَوْ غَيْرَ الْمَنْزُولِ لَهُ.
قَوْلُهُ: (لِإِسْقَاطِ الْحَقِّ) وَلَيْسَ لِبَاذِلِ الْعِوَضِ الرُّجُوعُ فِيهِ إنْ لَمْ يُقَرَّرْ، إلَّا أَنْ يَشْرِطَ بِأَنْ يَقُولَ وَلِيُّ الرُّجُوعِ فِي الْعِوَضِ إنْ لَمْ أُقَرِّرْهُ، وَكَذَا لَيْسَ لِصَاحِبِ الْوَظِيفَةِ الرُّجُوعُ فِيهَا إنْ لَمْ يُقَرِّرْ الْمَنْزُولُ لَهُ إلَّا أَنْ يَشْرِطَ بِأَنْ يَقُولَ أَسْقَطْت حَقِّي مِنْ هَذِهِ الْوَظِيفَةِ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ لِفُلَانٍ بِشَرْطِ أَنْ يُقَرِّرَ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ يُقَرِّرْ رَجَعَتْ، فَإِنَّ لَهُ الرُّجُوعَ.
اهـ. مَيْدَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي التَّوْلِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلِلْوَاهِبَةِ الرُّجُوعُ) ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ وَالْمُسْتَقْبِلُ لَمْ يُقْبَضْ؛ شَرْحُ التَّنْبِيهِ.
وَشَمِلَ إطْلَاقُهُمْ الرُّجُوعَ فِي بَعْضِ اللَّيْلَةِ، وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ فِي الرُّجُوعِ نَصُّهَا: فَيَخْرُجُ وُجُوبًا بَعْدَ رُجُوعِهَا مِنْ عِنْدِ الْمَوْهُوبِ لَهَا فَوْرًا وَلَوْ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ إنْ أَمْكَنَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَمُلَتْ اللَّيْلَةُ عِنْدَهَا؛ وَالْأَوْلَى عَدَمُ التَّمَتُّعِ وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي قَضَاءُ بَقِيَّةِ اللَّيْلَةِ حَيْثُ لَمْ يَنْعَزِلْ عَنْهَا فِي مَسْكَنٍ اهـ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَلَا تَرْجِعُ فِي الْمَاضِي) أَيْ لَا يَقْضِي لَهَا مَا مَضَى قَبْلَ عِلْمِهِ بِالرُّجُوعِ وَلَوْ لَيَالِيَ ق ل، بِخِلَافِ مَا فَاتَ بَعْدَ عِلْمِهِ، وَكَذَا بَعْدَ عِلْمِ الضَّرَّةِ الْمُسْتَوْفِيَةِ دُونَ الزَّوْجِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَارْتَضَاهُ م ر سم، وَبِخِلَافِ مَنْ أُبِيحَ لَهُ أَكْلُ ثَمَرِ بُسْتَانٍ ثُمَّ رَجَعَ الْمُبِيحُ حَيْثُ يَغْرَمُ الْمُبَاحُ لَهُ مَا أَكَلَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالرُّجُوعِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ فِي الرَّوْضِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَفَرَّقَ بِأَنَّهُ يُتَسَامَحُ فِي الْمَنَافِعِ مَا لَا يُتَسَامَحُ فِي الْأَعْيَانِ كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ، وَفَرَّقَ ح ل أَيْضًا فَقَالَ: لِأَنَّ الضَّمَانَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ وَفَرَّقَ ق ل بِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْغَرَامَاتِ وَالْإِتْلَافَاتِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) أَيْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا تَزَوَّجَ جَدِيدَةً إلَخْ) بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: " وَالتَّسْوِيَةُ فِي الْقَسْمِ وَاجِبَةٌ " فَكَأَنَّهُ قَالَ: إلَّا إذَا تَزَوَّجَ جَدِيدَةً إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فِي دَوَامِ نِكَاحِهِ) : لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّ مَعَهُ غَيْرَهَا مِمَّنْ بَاتَ عِنْدَهَا وَإِلَّا فَلَا وُجُوبَ ق ل؛ لَكِنْ يُسَنُّ وَدَوَامُ

مُتَوَالِيَةٍ بِلَا قَضَاءٍ لِلْبَاقِيَاتِ، (إنْ كَانَتْ بِكْرًا) عَلَى خِلْقَتِهَا أَوْ زَالَتْ بِغَيْرِ وَطْءٍ (وَبِثَلَاثِ) لَيَالٍ مُتَوَالِيَةٍ بِلَا قَضَاءٍ لِلْبَاقِيَاتِ (إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا) لِخَبَرِ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «سَبْعٌ لِلْبِكْرِ وَثَلَاثٌ لِلثَّيِّبِ» وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ زَوَالُ الْحِشْمَةِ بَيْنَهُمَا وَلِهَذَا سَوَّى بَيْنَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ؛ لِأَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالطَّبْعِ لَا يَخْتَلِفُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ كَمُدَّةِ الْعُنَّةِ وَالْإِيلَاءِ.
وَزَيْدٌ " لِلْبِكْرِ "؛ لِأَنَّ حَيَاءَهَا أَكْثَرُ.
وَالْحِكْمَةُ فِي الثَّلَاثِ وَالسَّبْعِ أَنَّ الثَّلَاثَ مُغْتَفِرَةٌ فِي الشَّرْعِ وَالسَّبْعَ عَدَدُ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَمَا زَادَ عَلَيْهَا تَكْرَارٌ، فَإِنَّ فَرْقَ ذَلِكَ لِمَا يُحْسَبُ؛ لِأَنَّ الْحِشْمَةَ لَا تَزُولُ بِالْمُفَرَّقِ وَاسْتَأْنَفَ وَقَضَى الْمُفَرَّقَ لِلْأُخْرَيَاتِ.
تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي الثَّيِّبِ الْمَذْكُورَةِ مَنْ كَانَتْ ثُيُوبَتُهَا بِوَطْءٍ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، وَخَرَجَ بِهَا مَنْ حَصَلَتْ ثُيُوبَتُهَا بِمَرَضٍ أَوْ وَثْبَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَيُسَنُّ تَخْيِيرُ الثَّيِّبِ بَيْنَ ثَلَاثٍ بِلَا قَضَاءٍ وَبَيْنَ سَبْعٍ بِقَضَاءٍ كَمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - حَيْثُ قَالَ

[حاشية البجيرمي]

النِّكَاحِ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ جَدِيدَةً.
قَوْلُهُ: (جَدِيدَةً) أَيْ جَدَّدَهَا مَنْ فِي عِصْمَتِهِ زَوْجَةً يَبِيتُ عِنْدَهَا وَلَوْ أَمَةً أَوْ كَافِرَةً، فَخَرَجَ بِالْجَدِيدَةِ مَنْ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا بَعْدَ تَوْفِيَةِ حَقِّ الزِّفَافِ فَإِنَّهُ إذَا رَاجَعَهَا لَا زِفَافَ لَهُمَا بِخِلَافِ الْبَائِنِ، وَخَرَجَ بِمَنْ فِي عِصْمَتِهِ إلَخْ مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ غَيْرُهَا أَوْ كَانَتْ وَلَمْ يَبِتْ عِنْدَهَا فَلَا يَثْبُتُ لِلْجَدِيدَةِ حَقُّ الزِّفَافِ؛ وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَ أَصْلِ الرَّوْضَةِ: لَوْ نَكَحَ جَدِيدَتَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ فِي نِكَاحِهِ غَيْرُهُمَا وَجَبَ لَهُمَا حَقُّ الزِّفَافِ وَيُقْرِعُ لِلِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَرَادَ الْقَسْمَ وَإِذَا أَعْتَقَ مُسْتَفْرَشَةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثَبَتَ لَهَا حَقُّ الزِّفَافِ.
اهـ. س ل. وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر: وَلَا حَقَّ لِرَجْعِيَّةٍ أَيْ يَتَرَتَّبُ عَلَى الرَّجْعَةِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ مَبِيتِ السَّبْعِ ثُمَّ رَاجَعَهَا قَضَى لَهَا مَا بَقِيَ مِنْهَا، وَبَقِيَ مَا لَوْ طَلَّقَهَا طَلَاقًا بَائِنًا بَعْدَ أَنْ بَاتَ عِنْدَهَا بَعْضَ السَّبْعِ كَثَلَاثَةٍ مَثَلًا ثُمَّ جَدَّدَ النِّكَاحَ فَهَلْ يَبِيتُ عِنْدَهَا بَقِيَّةَ السَّبْعِ الْأُوَلِ الثَّابِتَةِ لَهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ وَالسَّبْعِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ الثَّانِي أَوْ يَسْقُطُ مَا بَقِيَ مِنْ السَّبْعِ الْأُوَلِ وَيَلْزَمُهُ سَبْعَةٌ لِلْعَقْدِ الثَّانِي فَقَطْ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي اهـ. قَوْلُهُ: (كُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ.
قَوْلُهُ.
(مُتَوَالِيَةٍ) أَيْ السَّبْعِ وَالثَّلَاثِ وَيَلْزَمُهُ مِنْ اللَّيَالِي دُخُولُ الْأَيَّامِ وَعَبَّرَ بِاللَّيَالِيِ نَظَرًا لِأَصَالَتِهَا فِي الْمَبِيتِ، وَلَمْ يَقُلْ مُتَّصِلَةً؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْفَوْرِ مَا لَمْ يَدُرْ الدَّوْرُ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (إنْ كَانَتْ بِكْرًا) الْمُرَادُ جَدِيدَةً وَبِكْرًا عِنْدَ الزِّفَافِ وَعِنْدَ الْعَقْدِ، فَخَرَجَ مَا إذَا كَانَتْ بِكْرًا عِنْدَ الْعَقْدِ ثَيِّبًا عِنْدَ الدُّخُولِ فَلَهَا ثَلَاثٌ فَقَطْ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ بِكْرًا جَدِيدَةً عِنْدَ الدُّخُولِ وَكَانَتْ رَجْعِيَّةً بِأَنْ اسْتَدْخَلَتْ مَاءَهُ فَطَلَّقَهَا رَجْعِيًّا ثُمَّ دَخَلَ بِهَا بَعْدَ الرَّجْعَةِ فَلَا حَقَّ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِرَجْعِيَّةٍ، فَالْمُرَادُ بِالْجَدِيدَةِ مَنْ أَنْشَأَ عَلَيْهَا عَقْدًا حَتَّى لَوْ لَمْ يُوَفِّ لِلْجَدِيدَةِ حَقَّهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثُمَّ رَاجَعَهَا لَمْ يَفُتْ حَقُّ الزِّفَافِ؛ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى النِّكَاحِ؛ ابْنُ حَجَرٍ رَحْمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ زَالَتْ بِغَيْرِ وَطْءٍ) أَيْ وَلَمْ تُوطَأْ بَعْدَهُ، أَمَّا إذَا وُطِئَتْ كَانَتْ ثَيِّبًا.
قَوْلُهُ: (وَبِثَلَاثِ لَيَالٍ) لَوْ قَالَ مِنْ اللَّيَالِي لِيَبْقَى تَنْوِينُ ثَلَاثٍ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَكَانَ أَوْلَى قِ ل. قَوْلُهُ: (زَوَالُ الْحِشْمَةِ) أَيْ الِاسْتِحْيَاءِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمُخْتَارِ، وَهَذَا جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَتْ مُسْتَفْرَشَةً لِسَيِّدِهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَأَعْتَقَهَا السَّيِّدُ وَتَزَوَّجَ بِهَا كَانَ لَهَا ثَلَاثٌ.
قَوْلُهُ: (وَالسَّبْعُ عَدَدُ أَيَّامِ الدُّنْيَا) أَيْ فَإِذَا بَاتَهَا عِنْدَهَا فَكَأَنَّهُ بَاتَ عِنْدَهَا أَيَّامَ الدُّنْيَا.
قَوْلُهُ: (وَقَضَى الْمُفَرَّقَ لِلْأُخْرَيَاتِ) أَيْ قَضَى الْمُفَرَّقَ الَّذِي بَاتَ فِيهِ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ لَا مُطْلَقًا، وَذَلِكَ كَمَا إذَا كَانَ يَبِيتُ لَيْلَةً عِنْدَ الْجَدِيدَةِ وَلَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ مَثَلًا فَإِنَّهُ إنَّمَا يَقْضِي مَا بَاتَ فِيهِ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ وَلَا يَقْضِي مَا بَاتَ فِيهِ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ شَرْحِ م ر، وَعِبَارَتُهُ: أَمَّا لَوْ لَمْ يُوَالِ فَلَا يُحْسَبُ بَلْ يَجِبُ لَهَا سَبْعٌ أَوْ ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَةً ثُمَّ يَقْضِي مَا لِلْبَاقِيَاتِ مِنْ نَوْبَتِهَا مَا بَاتَهُ عِنْدَهَا مُفَرَّقًا اهـ. قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) كَوَطْءٍ فِي دُبُرِهَا عَمِيرَةُ وَكَزَوَالِهَا بِحِدَّةِ حَيْضٍ أَوْ أُصْبُعٍ.
وَالْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ حَرَامٌ كَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ» . اهـ. فَتْحُ الْبَارِي.
قَوْلُهُ: (وَبَيْنَ سَبْعٍ بِقَضَاءٍ) أَيْ يُقْضَى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ سَبْعًا سم عَلَى حَجّ، أَيْ فَإِذَا كَانَ تَحْتَهُ قَبْلَ الْجَدِيدَةِ ثَلَاثٌ بَاتَ عِنْدَهُنَّ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ إحْدَى وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ سَبْعَةٌ.
هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِ، وَنَازَعَ فِيهِ الشَّيْخُ س ل وَغَيْرُهُ فَقَالَ: يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ السَّبْعُ مِنْ نَوْبَتِهَا فَقَطْ كَمَا يُفِيدُهُ التَّعْبِيرُ بِالْقَضَاءِ، قَالَ ع ش: وَكَيْفِيَّةُ الْقَضَاءِ أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ وَيَدُورُ فَاللَّيْلَةُ

لَهَا: «إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَك وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ وَإِنْ شِئْتُ ثَلَّثْت عِنْدَك وَدُرْتُ» أَيْ بِالْقَسْمِ الْأَوَّلِ بِلَا قَضَاءٍ وَإِلَّا لَقَالَ: وَثَلَّثْتُ عِنْدَهُنْ، كَمَا قَالَ: وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ.
وَلَا يَتَخَلَّفُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْجَمَاعَاتِ وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ كَعِيَادَةِ الْمَرْضَى وَتَشْيِيعِ الْجَنَائِزِ مُدَّةَ الزِّفَافِ إلَّا لَيْلًا فَيَتَخَلَّفُ وُجُوبًا تَقْدِيمًا لِلْوَاجِبِ، وَهَذَا مَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَأَمَّا لَيَالِي الْقَسْمِ فَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي الْخُرُوجِ وَعَدَمِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَخْرُجَ فِي لَيْلَةِ الْجَمِيعِ أَوْ لَا يَخْرُجَ أَصْلًا، فَإِنْ خَصَّ لَيْلَةَ بَعْضِهِنَّ بِالْخُرُوجِ أَثِمَ.

[حاشية البجيرمي]

الَّتِي تَخُصُّهَا يَبِيتُهَا عَنْد وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِالْقُرْعَةِ أَيْضًا، وَفِي الدَّوْرِ الثَّانِي يَبِيتُ لَيْلَتَهَا عِنْدَ الثَّانِيَةِ بِالْقُرْعَةِ أَيْضًا، وَكَذَا يَفْعَلُ فِي بَقِيَّةِ الْأَدْوَارِ إلَى أَنْ تَتِمَّ السَّبْعُ وَتَمَامُهَا مِنْ أَرْبَعَةٍ وَثَمَانِينَ لَيْلَةً؛ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ كُلِّ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَيْلَةٌ فَتَحْصُلُ السَّبْعُ بِمَا ذُكِرَ، فَإِذَا ضَرَبْت السَّبْعَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ وَهِيَ أَقَلُّ مَا يَحْصُلُ فِيهِ الْقَضَاءُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ بَلَغَ أَرْبَعَةً وَثَمَانِينَ اهـ. وَقَوْلُهُ: " مِنْ كُلِّ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَيْلَةٌ "، وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ ثَلَاثَةٌ دَائِرٌ عَلَيْهِنَّ: الْأُولَى خَدِيجَةُ، وَالثَّانِيَةُ عَائِشَةُ، وَالثَّالِثَةُ حَفْصَةُ، ثُمَّ تَزَوَّجَ ثَيِّبًا يُقَالُ لَهَا فَاطِمَةُ وَبَاتَ عِنْدَهَا سَبْعًا فَصَارَ لِلْبَاقِيَاتِ إحْدَى وَعِشْرُونَ لَيْلَةً؛ وَلَهُ فِي الْقَضَاءِ طَرِيقَتَانِ: الْأُولَى أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثِ سَبْعًا وَلَاءً، وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ خَدِيجَةَ لَيْلَتَهَا ثُمَّ كَذَا عَائِشَةُ ثُمَّ كَذَا صَفِيَّةُ؛ فَإِذَا جَاءَتْ لَيْلَةُ فَاطِمَةَ ضَرَبَ الْقُرْعَةَ بَيْنَ الثَّلَاثِ، فَكُلُّ مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ بَاتَهَا عِنْدَهَا.
ثُمَّ يَدُورُ فَإِذَا جَاءَتْ لَيْلَتُهَا ضَرَبَ الْقُرْعَةَ بَيْنَ الْبَاقِيَتَيْنِ، ثُمَّ يَبِيتُ عِنْدَ مَنْ خَرَجَتْ لَهَا الْقُرْعَةُ، ثُمَّ يَدُورُ وَيَبِيتُ لَيْلَتَهَا عِنْدَ الثَّالِثَةِ اهـ. قَالَ الزِّيَادِيُّ: فَإِنْ سَبَّعَ لِلثَّيِّبِ بِغَيْرِ طَلَبِهَا أَوْ طَلَبَتْ دُونَهَا فَالزَّائِدُ عَلَى الثَّلَاثِ هُوَ الَّذِي يَقْضِيه، فَإِذَا أَجَابَهَا بِخَمْسٍ قَضَى يَوْمَيْنِ وَلَا يَجُوزُ إجَابَتُهَا لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا أُجِيبَتْ لِلسَّبْعِ لِقَضَائِهَا كُلِّهَا فَفِي إجَابَتِهَا إلَيْهَا مَصْلَحَةٌ لِلْأُخْرَيَاتِ بِخِلَافِ إجَابَتِهَا لِخَمْسٍ.
وَدَخَلَ فِي الْجَدِيدَةِ الْأَمَةُ الْمُسْتَفْرَشَةُ إذَا أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا وَتَزَوَّجَهَا وَالْبَائِنُ دُونَ الرَّجْعِيَّةِ اهـ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: نَعَمْ إنْ خَيَّرَهَا فَسَكَتَتْ أَوْ فَوَّضَتْ إلَيْهِ الْإِقَامَةَ تَخَيَّرَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، فَإِنْ أَقَامَ السَّبْعَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا أَوْ اخْتَارَتْ دُونَ السَّبْعِ لَمْ يَقْضِ سِوَى مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَطْمَعْ فِي حَقِّ غَيْرِهَا وَهِيَ الْبِكْرُ، وَلَوْ زَادَ الْبِكْرَ عَلَى السَّبْعِ قَضَى الزَّائِدَ فَقَطْ مُطْلَقًا وَوَجْهُهُ أَنَّهَا لَمْ تَطْمَعْ بِوَجْهٍ جَائِزٍ فَكَانَ مَحْضَ تَعَمُّدٍ اهـ. وَقَوْلُهُ: " فَإِنْ أَقَامَ السَّبْعَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا " وَعَلَيْهِ فَلَوْ ادَّعَى عَلَى الْجَدِيدَةِ أَنَّهَا اخْتَارَتْ السَّبْعَةَ وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ طَلَبِهَا.
وَقَوْلُهُ: " مُطْلَقًا " أَيْ سَوَاءٌ طَلَبَتْ أَمْ لَا.
وَقَوْلُهُ: "؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَطْمَعْ فِي حَقِّ غَيْرِهَا " أَيْ فِي حَقٍّ شُرِعَ لِغَيْرِهَا فَإِنَّ الْخَمْسَ مَثَلًا لَمْ تُشْرَعْ لِأَحَدٍ اهـ ع ش. قَوْلُهُ: «كَمَا فَعَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُمِّ سَلَمَةَ» وَكَانَتْ ثَيِّبًا فَاخْتَارَتْ الثَّلَاثَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَتَخَلَّفُ بِسَبَبِ ذَلِكَ) أَيْ لَيَالِي الزِّفَافِ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْجَمَاعَاتِ، أَيْ بَلْ يَخْرُجُ لِمَا ذَكَرَ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَنْ الْخُرُوجِ أَيْ فِي النَّهَارِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ اتِّفَاقًا كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا ح ف. قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ) أَيْ فِي أَنَّهُ لَا يَتَخَلَّفُ لِمَا ذَكَرَ إلَّا لَيْلًا، فَقَالَ، أَيْ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: يَتَخَلَّفُ عَمَّا ذُكِرَ مِنْ الْخُرُوجِ لِلْجَمَاعَاتِ وَمَا بَعْدَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا.
قَالَ ق ل: وَهَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا فَقَالَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِلْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى وَنَحْوِ ذَلِكَ إلَّا بِرِضَاهَا انْتَهَى.
وَمُرَادُهُ بِشَيْخِهِ الزِّيَادِيِّ، وَاَلَّذِي قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ وَالْحَفْنَاوِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ وَلَا يَتَخَلَّفُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَنْ الْخُرُوجِ أَيْ فِي النَّهَارِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي تَرْكِ الْخُرُوجِ لِمَا ذُكِرَ اتِّفَاقًا، وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي وُجُوبِ تَخَلُّفِهِ لَيْلًا، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَخَلُّفُهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا وَإِنْ كَانَ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَأَعْمَالِ الْبِرِّ؛ وَهَذَا كُلُّهُ ذَكَرَهُ م ر فِي شَرْحِهِ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ: وَلَهُ تَرْتِيبُ الْقَسْمِ عَلَى لَيْلَةٍ، فَمَا وَقَعَ فِي الْحَوَاشِي غَيْرُ مُحَرَّرٍ.
وَقَوْلُ ق ل سَابِقًا يَتَخَلَّفُ وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ الزِّيَادِيِّ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ م ر. وَعِبَارَةُ م ر فِيمَا مَرَّ وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّامِلِ عَنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّ مَنْ عِمَادُهُ اللَّيْلُ وَلَا يَجُوزُ خُرُوجُهُ فِيهِ بِغَيْرِ رِضَاهَا لِجِنَازَةٍ وَإِجَابَةِ دَعْوَةٍ مَرْدُودٌ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي لَيَالِي الزِّفَافِ فَقَطْ عَلَى مَا يَأْتِي؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ فِيهَا لِمَنْدُوبٍ تَقْدِيمًا لِوَاجِبِ حَقِّهَا؛ كَذَا قَالَاهُ، لَكِنْ أَطَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي رَدِّهِ وَاعْتَمَدُوا عَدَمَ الْحُرْمَةِ، أَيْ وَعَلَيْهِ فَهِيَ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ كَمَا مَرَّ اهـ بِحُرُوفِهِ؛ فَيَجُوزُ التَّخَلُّفُ لِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَلَا يَجِبُ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ النُّشُوزُ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا خَافَ) الزَّوْجُ (نُشُوزَ الْمَرْأَةِ) بِأَنْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ نُشُوزِهَا فِعْلًا كَأَنْ يَجِدَ مِنْهَا إعْرَاضًا وَعُبُوسًا بَعْدَ لُطْفٍ وَطَلَاقَةِ وَجْهٍ، أَوْ قَوْلًا كَأَنْ تُجِيبَهُ بِكَلَامٍ خَشِنٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ بِلِينٍ (وَعَظَهَا) اسْتِحْبَابًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] كَأَنْ يَقُولَ لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ فِي الْحَقِّ الْوَاجِبِ لِي عَلَيْك وَاحْذَرِي الْعُقُوبَةَ، بِلَا هَجْرٍ وَلَا ضَرْبٍ.
وَيُبَيِّنُ لَهَا أَنَّ النُّشُوزَ يُسْقِطُ النَّفَقَةَ وَالْقَسْمَ فَلَعَلَّهَا تُبْدِي عُذْرًا أَوْ تَتُوبُ عَمَّا وَقَعَ مِنْهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ.
وَحَسُنَ أَنْ يَذْكُرَ لَهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا بَاتَتْ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (وَإِذَا خَافَ) أَيْ ظَنَّ لَا عَلِمَ بِدَلِيلِ تَمْثِيلِهِ، وَقَوْلُهُ: بِأَنْ ظَهَرَتْ إلَخْ وَحَمْلُ الْخَوْفِ عَلَى الظَّنِّ هُوَ إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ وَهُوَ الْمُلَائِمُ هُنَا، وَحَمْلُهُ عَلَى الْعِلْمِ طَرِيقَةٌ أُخْرَى غَيْرُ مُنَاسَبَةٍ هُنَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْمَحَلِّيِّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشِّقَاقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِسَبَبٍ مِنْهَا أَوْ بِسَبَبٍ مِنْهُ أَوْ بِسَبَبٍ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَالسَّبَبُ مِنْهَا أَنْ تَظْهَرَ أَمَارَاتُ نُشُوزِهَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالسَّبَبُ مِنْهُ مَا سَيَأْتِي فِي التَّتِمَّةِ وَهُوَ مَا لَوْ مَنَعَهَا الزَّوْجُ حَقَّهَا كَقَسْمٍ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ نُشُوزِهَا) كَذَا فِي الْمَنْهَجِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْوَعْظَ يَكْفِي لَهُ أَمَارَاتُ النُّشُوزِ، وَأَمَّا الْهَجْرُ وَالضَّرْبُ فَيَفْتَقِرَانِ إلَى الْعِلْمِ بِالنُّشُوزِ؛ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: " فَإِنْ أَبَتْ إلَّا النُّشُوزَ " مَعْنَاهُ: فَإِنْ تَحَقَّقَ نُشُوزُهَا بِاسْتِمْرَارِهَا عَلَى النُّشُوزِ بَعْدَ الْوَعْظِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (كَأَنْ يَجِدَ) مِثَالٌ لِأَمَارَاتِ نُشُوزِهَا الْمَظْنُونُ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا نُشُوزًا مَظْنُونًا لِاحْتِمَالِهِ الْخُرُوجَ عَنْ الطَّاعَةِ وَعَدَمَهُ، وَالْأَمَارَةُ فِيهِ عَلَى النُّشُوزِ كَوْنُ مَا ذُكِرَ بَعْدَ اللُّطْفِ وَالطَّلَاقَةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ لُطْفٍ) هُوَ قَيْدٌ مُعْتَبَرٌ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَادَةً لَهَا لَمْ يَكُنْ نُشُوزًا، وَكَذَا قَوْلُهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ بِلِينٍ.
وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ: خَرَجَ بِالْبُعْدِيَّةِ مَنْ هِيَ دَائِمًا كَذَلِكَ فَلَيْسَ نُشُوزًا إلَّا إنْ زَادَ، وَقَوْلُهُ إعْرَاضًا وَعُبُوسًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ كَرَاهَةٍ؛ وَبِذَلِكَ فَارَقَ السَّبَّ وَالشَّتْمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِسُوءِ الْخُلُقِ لَكِنَّ لَهُ تَأْدِيبَهَا عَلَيْهِ وَلَوْ بِلَا حَاكِمٍ.
قَوْلُهُ: (خَشِنٍ) بِكِسْرَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ الْأُشْمُونِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمَتْنِ: وَفِعِلٌ أَوْلَى وَفَعِيلٌ بِفَعِلٍ لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْقَامُوسِ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ، وَيُجْمَعُ عَلَى خُشُنٌ بِضَمَّتَيْنِ كَنَمِرٍ وَنُمُرٍ، وَالْمُرَادُ بِالْخَشِنِ هُنَا الْقَوْلُ الصَّعْبُ.
قَوْلُهُ: (وَعَظَهَا إلَخْ) وَهَذِهِ الْأُمُورُ عَلَى التَّرْتِيبِ فَلَا يَرْتَقِي مَرْتَبَةً هُوَ يَرَى مَا دُونَهَا كَافِيًا كَمَا فِي الصَّائِلِ، وَلَا يَبْلُغُ حَدَّ التَّعْزِيرِ مَعَ أَنَّهُ مِنْهُ؛ وَلِذَلِكَ يَضْمَنُ بِهِ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى ظَاهِرُهُ حَمْلُ الْخَوْفِ فِي الْآيَةِ عَلَى الظَّنِّ وَهُوَ إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ، وَعَلَيْهِ فَالْآيَةُ تَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ فِيمَا بَعْدُ، وَمَنْ حَمَلَ الْخَوْفَ فِي الْآيَةِ عَلَى الْعِلْمِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى تَقْدِيرٍ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْوَعْظِ وَالْهَجْرِ وَالضَّرْبِ سَائِغٌ عِنْدَ الْعِلْمِ بِالنُّشُوزِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فِي الْحَقِّ) الْحَقُّ الْوَاجِبُ لِلزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَرْبَعَةٌ: طَاعَتُهُ، وَمُعَاشَرَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَسْلِيمُ نَفْسِهَا إلَيْهِ، وَمُلَازَمَةُ الْمَسْكَنِ.
وَالْحَقُّ الْوَاجِبُ لَهَا عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا: مُعَاشَرَتُهَا بِالْمَعْرُوفِ، وَمُؤْنَتُهَا، وَالْمَهْرُ، وَالْقَسْمُ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (بِلَا هَجْرٍ) أَيْ فِي الْمَضْجَعِ فَيَحْرُمُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إنْ فَوَّتَ حَقًّا لَهَا مِنْ قَسْمٍ وَإِلَّا فَلَا يَحْرُمُ شَوْبَرِيٌّ.
وَعِبَارَةُ م ر: الْمُرَادُ نَفْيُ هَجْرٍ يُفَوِّتُ حَقَّهَا مِنْ نَحْوِ قَسْمٍ لِحُرْمَتِهِ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ هَجْرِهَا فِي الْمَضْجَعِ فَلَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّهُ اهـ. قَوْلُهُ: (إذَا بَاتَتْ) أَيْ صَارَتْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا.
وَقَوْلُهُ: " لَعَنَتْهَا " أَيْ سَبَّتْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ اللَّعْنَ الْحَقِيقِيَّ كَمَا فِي شُرَّاحِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى مُعَيَّنٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَلَائِكَةُ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ بِمَا كُلِّفْنَا بِهِ، أَوْ أَنَّ اللَّعْنَ مَنُوطٌ بِالْوَصْفِ أَعْنِي الْهَاجِرَةَ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: وَأَمَّا لَعْنُ إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ مِمَّنْ اتَّصَفَ بِمَعْصِيَةٍ كَكَافِرٍ أَوْ فَاسِقٍ فَظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَأَشَارَ الْغَزَالِيُّ لِتَحْرِيمِهِ إلَّا إنْ عُلِمَ مَوْتُهُ عَلَى الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ اللَّعْنَ

الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا رَاضٍ عَنْهَا دَخَلَتْ الْجَنَّةَ» . (فَإِنْ أَبَتْ) مَعَ وَعْظِهِ (إلَّا النُّشُوزَ هَجَرَهَا) فِي الْمَضْجَعِ، أَيْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّ فِي الْهَجْرِ أَثَرًا ظَاهِرًا فِي تَأْدِيبِ النِّسَاءِ.
وَالْمُرَادُ أَنْ يَهْجُرَ فِرَاشَهَا فَلَا يُضَاجِعُهَا فِيهِ.
وَخَرَجَ بِالْهِجْرَانِ فِي الْمَضْجَعِ الْهِجْرَانُ بِالْكَلَامِ فَلَا يَجُوزُ الْهَجْرُ بِهِ لَا لِزَوْجَةٍ وَلَا لِغَيْرِهَا فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَيَجُوزُ فِيهَا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ» وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد: «فَمَنْ هَجَرَهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ» وَحَمَلَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ التَّحْرِيمَ عَلَى مَا إذَا قَصَدَ بِهَجْرِهَا رَدَّهَا لِحَظِّ نَفْسِهِ، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ رَدَّهَا عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَإِصْلَاحَ دِينِهَا فَلَا تَحْرِيمَ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: يَجُوزُ هَجْرُ الْمُبْتَدِعِ وَالْفَاسِقِ وَنَحْوِهِمَا، وَمَنْ رُجِيَ بِهَجْرِهِ صَلَاحُ دِينِ الْهَاجِرِ أَوْ الْمَهْجُورِ.
وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ هَجْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَنَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّحَابَةَ عَنْ كَلَامِهِمْ، وَكَذَا هَجْرُ السَّلَفِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.

[حاشية البجيرمي]

الْإِبْعَادُ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا يَدْرِي مَا يُخْتَمُ لِهَذَا الْكَافِرِ أَوْ الْفَاسِقِ.
وَأَمَّا الَّذِينَ لَعَنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَعْيَانِهِمْ فَيَجُوزُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِمَ بِمَوْتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ اهـ. وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تُصْبِحَ) أَيْ تَعُودَ لِطَاعَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَبَتْ) أَيْ امْتَنَعَتْ.
قَوْلُهُ: (إلَّا النُّشُوزَ) أَيْ لَمْ تَأْبَهْ بَلْ اسْتَمَرَّتْ عَلَيْهِ.
وَفِيهِ أَنَّ هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ نَفْيٍ وَلَيْسَ مَوْجُودًا هُنَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَاقِعٌ بَعْدَ نَفْيٍ تَقْدِيرًا، وَالتَّقْدِيرُ: فَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِكُلِّ شَيْءٍ إلَّا النُّشُوزَ؛ فَالْحَصْرُ إضَافِيٌّ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِطَاعَةِ زَوْجِهَا وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، وَالتَّقْدِيرُ: فَإِنْ امْتَنَعَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُرْضِي الزَّوْجَ إلَّا النُّشُوزَ وَهُوَ لَا يَرْضَى وَمَا قَبْلَهُ يَرْضَى.
وَهَذَا بِالنَّظَرِ لِلَّفْظِ، وَإِنْ نُظِرَ لِلْمَعْنَى اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى امْتَنَعَتْ مِنْ الَّذِي يَرْضَى وَمَنْ فِعْلِ مَا يُغْضِبُ، وَمِنْهُ النُّشُوزُ فَيَكُونُ مُتَّصِلًا، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالنَّظَرِ لِلَّفْظِ أَيْضًا، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: امْتَنَعَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لَا يُرْضَى إلَّا النُّشُوزَ فَلَمْ تَمْتَنِعْ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمَضْجَعِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا، أَيْ الْفِرَاشِ.
قَوْلُهُ: (لِظَاهِرِ الْآيَةِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِلْآيَةِ؛ لِأَنَّهَا نَصٌّ فِي ذَلِكَ لَا ظَاهِرَةٌ فِيهِ شَيْخُنَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمَضْجَعِ مُحْتَمِلٌ لِهِجْرَانِ الْفِرَاشِ وَلِمَنْعِ نَحْوِ قَسْمٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الشَّوْبَرِيِّ: الْمَضْجَعُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا أَيْ الْوَطْءُ أَوْ الْفِرَاشُ.
قَوْلُهُ: (فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) وَفِي بَعْضِ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ: وَإِنَّمَا يَحْرُمُ هَجْرُ أَكْثَرَ مِنْ الثَّلَاثِ إنْ وَاجَهَهُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ حَتَّى بِالسَّلَامِ، وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ وَإِنْ مَكَثَ سِنِينَ.
اهـ. ابْنُ حَجَرٍ.
وَالتَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: " فَوْقَ ثَلَاثَةٍ " مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْأَبَوَيْنِ وَالْأَنْبِيَاءِ، أَمَّا هَؤُلَاءِ فَلَا يَجُوزُ هَجْرُهُمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ لِفَضْلِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ كَمَا لَا يَخْفَى ذَكَرَهُ الشَّوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (دَخَلَ النَّارَ) أَيْ اسْتَحَقَّ دُخُولَهَا أَوْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الزَّجْرِ.
قَوْلُهُ: (لِحَظِّ نَفْسِهِ) أَوْ لِلْأَمْرَيْنِ مَعًا كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ حَجَرٍ ح ل وم ر. قَوْلُهُ: (صَلَاحُ دِينِ الْهَاجِرِ) مِنْ وَضْعِ الظَّاهِرِ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ.
قَوْلُهُ: (وَصَاحِبَيْهِ) وَهُمَا مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ وَهُمْ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: 118] الْآيَةَ.
وَتُؤْخَذُ أَسْمَاءُ الثَّلَاثَةِ مِنْ لَفْظِ مَكَّةَ الْمِيمُ لِمُرَارَةَ وَالْكَافُ لِكَعْبٍ وَالْهَاءُ لِهِلَالٍ، وَآخِرُ أَسْمَاءِ آبَائِهِمْ عَكَّةُ، وَمُرَارَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ.
وَسَبَبُ هَجْرِهِمْ أَنَّهُمْ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَهَجَرَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَا جَمِيعُ الصَّحَابَةِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَجَنَّبُوا نِسَاءَهُمْ وَشَقَّ عَلَيْهِمْ مَا حَصَلَ لَهُمْ مَشَقَّةً شَدِيدَةً وَصَارُوا يَبِيتُونَ عَلَى الْأَسْطِحَةِ وَيُصْعَقُونَ إلَى أَنْ نَزَلَتْ الْآيَةُ بِتَوْبَتِهِمْ بَعْدَ خَمْسِينَ يَوْمًا، «فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَقَالَ لَهُ: أَبْشِرْ فَإِنَّ هَذَا الْيَوْمَ أَفْضَلُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْك الشَّمْسُ فِيهِ» وَاسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنْ يَوْمِ إسْلَامِهِ.

(فَإِنْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ) أَيْ أَصَرَّتْ عَلَى النُّشُوزِ بَعْدَ الْهَجْرِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الْوَعْظِ (ضَرَبَهَا) ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ لِظَاهِرِ الْآيَةِ؛ فَتَقْدِيرُهَا: وَاَللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ فَإِنْ نَشَزْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ، وَالْخَوْفُ هُنَا بِمَعْنَى الْعِلْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ [البقرة: 182] . تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَضْرِبُ إلَّا إذَا تَكَرَّرَ مِنْهَا النُّشُوزُ، وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ، وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ جَوَازُ الضَّرْبِ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ النُّشُوزُ لِظَاهِرِ الْآيَةِ.
وَإِنَّمَا يَجُوزُ الضَّرْبُ إذَا أَفَادَ ضَرْبُهَا فِي ظَنِّهِ، وَإِلَّا فَلَا يَضْرِبُهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: " غَيْرَ مُبَرِّحٍ " الْمُبَرِّحُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْوَجْهِ وَالْمَهَالِكِ.
وَالْأَوْلَى لَهُ الْعَفْوُ عَنْ الضَّرْبِ.
وَخَبَرُ النَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ عَلَى

[حاشية البجيرمي]

وَأُجِيبَ بِتَسْلِيمِ ذَلِكَ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَ إسْلَامِهِ كَانَ لَوْ أَتَى بِالْإِسْلَامِ قُبِلَ مِنْهُ حَالًا بِلَا خِلَافٍ بِخِلَافِ يَوْمِ التَّوْبَةِ فَإِنَّ تَوْبَتَهُ كَانَتْ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ.
فَرْعٌ: لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَوَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُك أَوْ زَيْدًا، ثُمَّ دَخَلَتْ يَبْغِي جَوَازَ تَرْكِ الْكَلَامِ مُطْلَقًا وَيَكُونُ هَذَا الْحَلِفُ عُذْرًا مُسَوِّغًا لِتَرْكِهِ دَائِمًا، وَلَا يَكُونُ مِنْ الْهَجْرِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ لِعَدَمِ اسْتِلْزَامِهَا الْهَجْرَ الْمَحْرَمَ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَدْخُلَ الدَّارَ فَلَا يَحْصُلُ هَجْرٌ وِفَاقًا فِي ذَلِكَ لِلرَّمْلِيِّ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْهَجْرِ الْمُرَتَّبِ إلَخْ) إذْ الْهَجْرُ بَعْدَ الْوَعْظِ.
قَوْلُهُ: (ضَرَبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ) وَلَوْ ضَرَبَهَا وَادَّعَى أَنَّهُ بِسَبَبِ نُشُوزٍ وَادَّعَتْ عَدَمَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
فَقَوْلُهُ مَقْبُولٌ فِي نُشُوزِهَا بِيَمِينِهِ بِالنِّسْبَةِ لِجَوَازِ الضَّرْبِ لَا لِسُقُوطِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَوْ رَمَى عَيْنَ إنْسَانٍ وَادَّعَى أَنَّهُ نَظَرَ إلَى حُرْمَتِهِ فِي دَارِهِ مِنْ كُوَّةٍ وَأَنْكَرَ الْمُرْمَى النَّظَرَ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ الْمُصَدَّقُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بِشِدَّةِ احْتِيَاجِ الزَّوْجِ إلَى تَأْدِيبِ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهَا مُخَالَفَتَهُ، وَلَوْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ لَاشْتَدَّ ضَرَرُهُ وَعُطِّلَ غَرَضُهُ شَوْبَرِيٌّ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَحَلُّهُ فِيمَا لَمْ تُعْلَمْ جَرَاءَتُهُ وَاشْتِهَارُهُ وَإِلَّا لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا صُدِّقَتْ فِي أَنَّهُ تَعَدَّى بِضَرْبِهَا فَيُعَزِّرُهُ الْقَاضِي ع ش عَلَى م ر وَح ل. وَالْمُبَرِّحُ هُوَ مَا يَعْظُمُ أَلَمُهُ بِأَنْ يُخْشَى مِنْهُ مُبِيحُ تَيَمُّمٍ، فَإِنْ لَمْ تَنْزَجِرْ بِهِ حَرُمَ الْمُبَرِّحُ وَغَيْرُهُ.
وَيُؤَيِّدُ تَفْسِيرِي لِلْمُبَرِّحِ بِمَا ذُكِرَ قَوْلُ الْأَصْحَابِ بِضَرْبِهَا بِمِنْدِيلٍ مَلْفُوفٍ أَوْ بِيَدِهِ لَا بِسَوْطٍ وَلَا بِعَصًا.
اهـ. ابْنُ حَجَرٍ.
وَفِي شَرْحِ م ر: أَنَّهُ يَضْرِبُ بِنَحْوِ الْعَصَا وَالسَّوْطِ، قَالَ الْحَلَبِيُّ: وَلَا يَبْلُغُ ضَرْبُ الْحُرَّةِ أَرْبَعِينَ وَغَيْرِهَا عِشْرِينَ اهـ. وَسُئِلَ الشِّهَابُ م ر عَنْ أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ ادَّعَى عَدَمَ تَمَكُّنِهِ مِنْ وَطِئَهَا فَادَّعَتْ أَنَّهُ يُرِيدُ وَطْأَهَا فِي الدُّبُرِ أَوْ فِي الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ.
فَأَجَابَ بِأَنَّهَا تُصَدَّقُ بِيَمِينِهَا اهـ م د. قَوْلُهُ: (لِظَاهِرِ الْآيَةِ) فَإِنَّ ظَاهِرَهَا يُصَدِّقُ بِالضَّرْبِ غَيْرِ الْمُبَرِّحِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ﴾ [النساء: 34] أَيْ تَظُنُّونَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَإِنْ نَشَزْنَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ نَشَزْنَ) أَيْ تَحَقَّقَ نُشُوزُهُنَّ.
قَوْلُهُ: (وَالْخَوْفُ هُنَا بِمَعْنَى الْعِلْمِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَ تَقْدِيرِ: فَإِنْ نَشَزْنَ إلَخْ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: فَإِنْ تَحَقَّقَ النُّشُوزُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ [البقرة: 182] أَيْ جَوْرًا، قَالَ الْجَلَالُ: جَنَفًا أَيْ مَيْلًا عَنْ الْحَقِّ خَطَأً أَوْ إثْمًا بِأَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ تَخْصِيصِ غَنِيٍّ مَثَلًا اهـ. وَفِيهِ أَنَّ تَخْصِيصَ الْغَنِيِّ فِي الْوَصِيَّةِ لَا إثْمَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (إذَا أَفَادَ ضَرْبُهَا) عِبَارَةُ م ر: أَيْ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُفِيدُ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَلَا يَضْرِبُهَا) أَيْ يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ عُقُوبَةٌ بِلَا فَائِدَةٍ وَإِنَّمَا ضَرَبَ لِلْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ مُطْلَقًا، أَيْ أَفَادَ أَمْ لَا، وَلَوْ لِلَّهِ لِعُمُومِ الْمَصْلَحَةِ كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ إلَخْ) فِيهِ تَجْرِيدٌ كَأَنَّهُ جَرَّدَ مِنْ نَفْسِهِ شَخْصًا خَاطَبَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْمَعَارِفِ وَمِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. قَوْلُهُ: (الْمُبَرِّحُ) وَهُوَ مَا يَعْظُمُ أَلَمُهُ عُرْفًا وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يُخْشَ مِنْهُ مَحْذُورُ تَيَمُّمٍ، لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا) تَكَرَّرَ النُّشُوزُ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى الْعَفْوُ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا)

الضَّرْبِ بِغَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِيه، وَهَذَا بِخِلَافِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ فَالْأَوْلَى لَهُ عَدَمُ الْعَفْوِ؛ لِأَنَّ ضَرْبَهُ لِلتَّأْدِيبِ مَصْلَحَةٌ لَهُ وَضَرْبُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ مَصْلَحَةٌ لِنَفْسِهِ.

(وَيَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ قَسْمُهَا) الْوَاجِبُ لَهَا، وَالنُّشُوزُ يَحْصُلُ بِخُرُوجِهَا مِنْ مَنْزِلِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا إلَى الْقَاضِي لِطَلَبِ الْحَقِّ مِنْهُ وَلَا إلَى اكْتِسَابِهَا النَّفَقَةَ إذَا أَعْسَرَ بِهَا الزَّوْجُ وَلَا إلَى اسْتِفْتَاءٍ إذَا لَمْ يَكُنْ زَوْجُهَا فَقِيهًا وَلَمْ يَسْتَفْتِ لَهَا، وَيَحْصُلُ أَيْضًا بِمَنْعِهَا الزَّوْجَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَلَوْ غَيْرَ الْجِمَاعِ حَيْثُ لَا عُذْرَ لَا مَنْعُهَا لَهُ مِنْهُ تَدَلُّلًا وَلَا الشَّتْمُ لَهُ وَلَا الْإِيذَاءُ

[حاشية البجيرمي]

أَيْ كَوْنُ الْأَوْلَى لِلزَّوْجِ الْعَفْوُ عَنْ الضَّرْبِ، بِخِلَافِ وَلِيِّ الصَّبِيِّ فَإِنَّ الْأَوْلَى لَهُ عَدَمُهُ وَالْفَرْقُ مَا ذَكَرَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِالضَّرْبِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ؛ لِأَنَّ ضَرْبَ التَّأْدِيبِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، وَلَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ يَضْرِبُ فِيهِ الْمُسْتَحِقُّ مِنْ مَنْعِهِ حَقَّهُ إلَّا هَذَا وَالْعَبْدُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ حَقِّ سَيِّدِهِ، وَوَجْهُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ الْحَاجَةَ مَاسَّةٌ إلَى ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ إثْبَاتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا اطِّلَاعَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ؛ قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ اهـ خ ض وسم.
وَلِلزَّوْجِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنْ عِيَادَةِ أَبَوَيْهَا وَمِنْ شُهُودِ جِنَازَتِهِمَا وَجِنَازَةِ وَلَدِهَا وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَ.
اهـ. س ل وَمِّ د عَلَى التَّحْرِيرِ.

قَوْلُهُ: (وَيَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ النُّشُوزَ إنْ صَادَفَ أَوَّلَ فَصْلٍ مَنَعَ وُجُوبَ الْكِسْوَةِ وَتَوَابِعِهَا وَإِنْ حَصَلَ فِي أَثْنَاءِ فَصْلٍ أَسْقَطَ مَا وَجَبَ، ثُمَّ إنْ عَادَتْ لِلطَّاعَةِ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ فَالْكِسْوَةُ لَا تَعُودُ لَهَا بَلْ يَأْخُذُهَا الزَّوْجُ وَتَكْسُو نَفْسَهَا إلَى تَمَامِ الْفَصْلِ وَنَفَقَةُ الْيَوْمِ الَّذِي عَادَتْ لِلطَّاعَةِ فِيهِ لَا تَعُودُ، وَكَذَا سُكْنَى الْيَوْمِ لَا تَعُودُ، وَتَعُودُ نَفَقَةُ الْيَوْمِ الْمُسْتَقْبِلِ وَالسُّكْنَى دُونَ الْكِسْوَةِ.
وَلَوْ عَجَّلَ الزَّوْجُ نَفَقَةً وَكِسْوَةً لِلْمُسْتَقْبَلِ جَازَ وَمَلَكَتْهَا وَتُسْتَرَدُّ إنْ وُجِدَ مَسْقِطٌ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ سَبَبٌ أَوَّلٌ وَالتَّمْكِينُ سَبَبٌ ثَانٍ، وَلَوْ نَشَزَتْ الزَّوْجَةُ وَصَارَ الزَّوْجُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مُدَّةَ نُشُوزِهَا ظَانًّا وُجُوبَ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِبَدَلِ مَا أَنْفَقَهُ عَلَيْهَا مُدَّةَ نُشُوزِهَا كَمَا لَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا بِظَنِّ الْحَمْلِ فَبَانَ خِلَافُهُ صَرَّحَ بِهِ م ر وَغَيْرُهُ.
وَلَيْسَ مِثْلُ ذَلِكَ إذَا أَنْفَقَ عَلَى مَا صَارَ إلَيْهِ بِنِكَاحٍ أَوْ شِرَاءٍ فَاسِدٍ فَلَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ وَالْمُشْتَرِي بِمَا أَنْفَقَاهُ فِي النِّكَاحِ وَالشِّرَاءِ الْفَاسِدَيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُمَا شَرَطَا فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ يَضْمَنَا ذَلِكَ بِوَضْعِ الْيَدِ بِخِلَافِهِ.
قَوْلُهُ: (بِخُرُوجِهَا مِنْ مَنْزِلِ زَوْجِهَا إلَخْ) وَلَوْ خَرَجَتْ لِحَاجَتِهَا فِي الْبَلَدِ بِإِذْنِهِ كَأَنْ تَكُونَ بَلَّانَةً أَوْ مَاشِطَةً أَوْ مُغَنِّيَةً أَوْ دَايَةً تُوَلِّدُ النِّسَاءَ فَإِنَّهَا لَا يَسْقُطُ حَقُّهَا مِنْ الْقَسْمِ وَلَا مِنْ النَّفَقَةِ اهـ زي.
وَقَوْلُهُ: " بِإِذْنِهِ " أَيْ أَوْ عَلِمَتْ رِضَاهُ، فَمِثْلُ إذْنِهِ مَا لَوْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَكَانَتْ تَعْلَمُ رِضَاهُ وَمِنْهُ مَا لَوْ اسْتَأْذَنَتْهُ لِلذَّهَابِ إلَى بَيْتِ أَبِيهَا فَأَذِنَ وَذَهَبَتْ وَبَاتَتْ فَإِنَّهَا تَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ وَإِنْ مَكَثَتْ إيَامًا، وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ فَرْضِهِمْ الْكَلَامَ فِي السَّفَرِ وَهَذَا لَيْسَ بِسَفَرٍ؛ كَذَا قَرَّرَهُ الْمُحَشِّي فِي دَرْسِهِ وَنُوزِعَ فِيهِ، وَكَذَا بِخَطِّ الشَّيْخِ خِضْرِ الشَّوْبَرِيِّ بِهَامِشِ الزِّيَادِيِّ.
وَالْمُنَازَعَةُ ظَاهِرَةٌ، وَالْمَاشِطَةُ هِيَ الَّتِي تُحَفِّفُ الْإِنَاثَ وَتُرَقِّقُ الْحَوَاجِبَ وَتُكَحِّلُ الْإِنَاثَ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ إذْنِهِ) وَلَوْ لِغَرَضِهِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَلَوْ حَبَسَتْ الزَّوْجَةُ الزَّوْجَ فَإِنْ كَانَ بِحَقٍّ اسْتَحَقَّتْ الْقَسْمَ كَالنَّفَقَةِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ لَمْ تَسْتَحِقُّ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهَا، وَأَمَّا لَوْ حَبَسَهَا فَإِنْ كَانَ بِحَقٍّ لَمْ تَسْتَحِقَّ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَاَلَّذِي مَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا زي عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ أَيْضًا، وَمَالَ شَيْخُنَا الشَّبْشِيرِيُّ إلَى الِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ جِهَتِهِ وَهِيَ مَظْلُومَةٌ اهـ خ ض. قَوْلُهُ: (لِطَلَبِ الْحَقِّ) أَيْ لِتَخْلِيصِ الْحَقِّ مِنْهُ أَيْ الْقَاضِي مِنْ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (بِمَنْعِهَا الزَّوْجَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ) وَلَوْ لِبَخَرٍ مُسْتَحْكِمٍ بِفِيهِ أَوْ صُنَانٍ مُسْتَحْكِمٍ بِهِ أَوْ لِأَكْلِ ذِي رِيحٍ كَرِيهٍ كَثُومٍ وَبَصَلٍ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ ذَلِكَ بِهَا وَأَرَادَتْ أَنْ لَا تُمَكِّنَهُ إلَّا بَعْدَ إزَالَةِ نَحْوِ صُنَانٍ غَيْرِ مُسْتَحْكِمٍ وَرِيحٍ كَرِيهٍ وَأَرَادَ التَّمْكِينَ مَعَ وُجُودِ ذَلِكَ أُجِيبَتْ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَزْهَدَهَا بَعْدَ ذَلِكَ م ر ح ل. وَخَالَفَ ع ش، وَنَصُّهُ: أَوْ لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ نَفْسِهَا أَيْ وَلَوْ بِنَحْوِ قُبْلَةٍ وَإِنْ مَكَّنَتْهُ مِنْ الْجِمَاعِ حِينَئِذٍ أَيْ حَيْثُ لَا عُذْرَ فِي امْتِنَاعِهَا مِنْهُ، وَإِلَّا كَأَنْ كَانَ بِهِ صُنَانٌ أَوْ بَخْرٌ مُسْتَحْكِمٌ وَتَأَذَّتْ بِهِ تَأَذِّيًا لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً لَمْ تُعَدَّ نَاشِزَةً وَتُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ إنْ لَمْ تَدُلَّ قَرِينَةٌ عَلَى كَذِبِهَا اهـ. وَسُئِلَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ عَمَّا إذَا امْتَنَعَتْ الزَّوْجَةُ مِنْ تَمْكِينِ الزَّوْجِ لِتَشَعُّثِهِ وَكَثْرَةِ أَوْسَاخِهِ هَلْ تَكُونُ نَاشِزَةً أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ لَا تَكُونُ نَاشِزَةً بِذَلِكَ، وَمِثْلُهُ كُلُّ مَا تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى إزَالَتِهِ أَخْذًا مِمَّا فِي الْبَيَانِ أَنَّ كُلَّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْإِنْسَانُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ إزَالَتُهُ انْتَهَتْ، أَيْ حَيْثُ تَأَذَّتْ

لَهُ بِاللِّسَانِ أَوْ غَيْرِهِ بَلْ تَأْثَمُ بِهِ وَتَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ.
(وَ) يَسْقُطُ بِهِ أَيْضًا حَيْثُ لَا عُذْرَ (نَفَقَتُهَا) وَتَوَابِعُهَا كَالسُّكْنَى وَآلَاتِ التَّنْظِيفِ وَنَحْوِهَا، فَإِنْ كَانَ بِهَا عُذْرٌ كَأَنْ كَانَتْ مَرِيضَةً أَوْ مُضْنَاةً لَا تَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ أَوْ بِفَرْجِهَا قَرْحٌ أَوْ كَانَتْ مُسْتَحَاضَةً أَوْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْلًا أَيْ كَبِيرَ الْآلَةِ يَضُرُّهَا وَطْؤُهُ فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا لِعُذْرِهَا.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ تَنَاوَلَهُ نُشُوزُ بَعْضِ الْيَوْمِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَمُرَادُهُمْ بِالسُّقُوطِ هُنَا مَنْعُ الْوُجُوبِ لَا

[حاشية البجيرمي]

بِذَلِكَ تَأَذِّيًا لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً؛ وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ مِنْ أَهْلِ جِيرَانِ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ أَوْ مِمَّنْ هُوَ مُعَاشِرٌ لَهُ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا: وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا ظَهَرَ بِبَدَنِهِ الْمُبَارَكُ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَخْبَرَ طَبِيبَانِ أَنَّهُ مِمَّا يُعْدِي أَوْ لَمْ يُخْبِرَا بِذَلِكَ لَكِنْ تَأَذَّتْ بِهِ تَأَذِّيًا لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً بِمُلَازَمَتِهِ مَعَ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ تَعَاطِي مَا يُنَظِّفُ بِهِ بَدَنَهُ فَلَا تَصِيرُ نَاشِزَةً بِامْتِنَاعِهَا، وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْ الطَّبِيبَانِ الْمَذْكُورَانِ بِمَا ذُكِرَ وَكَانَ مُلَازِمًا عَلَى النَّظَافَةِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ بِبَدَنِهِ مِنْ الْعُفُونَاتِ مَا تَتَأَذَّى بِهِ وَجَبَ عَلَيْهَا تَمْكِينُهُ وَلَا عِبْرَةَ بِمُجَرَّدِ نُفْرَتِهَا.
وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ الْقُرُوحُ السَّيَّالَةُ وَنَحْوُهَا مِنْ كُلِّ مَا لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ وَلَا يُعْمَلُ بِقَوْلِهَا فِي ذَلِكَ أَيْ فِي كَوْنِهِ يُعْدِي وَفِي كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَنَظِّفٍ بَلْ بِشَهَادَةِ مَنْ يَعْرِفُ لِكَثْرَةِ عِشْرَتِهِ لَهُ ع ش عَلَى م ر. وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَهِيَ، أَيْ الْكِتَابِيَّةُ الْخَالِصَةُ، كَمُسْلِمَةٍ فِي نَحْوِ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ وَقَسْمٍ وَطَلَاقٍ بِجَامِعِ الزَّوْجِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ فَلَهُ إجْبَارُهَا كَالْمُسْلِمَةِ عَلَى غُسْلٍ مِنْ حَدَثٍ أَكْبَرَ كَحَيْضٍ وَجَنَابَةٍ، وَيُغْتَفَرُ عَدَمُ النِّيَّةِ مِنْهَا لِلضَّرُورَةِ كَمَا فِي الْمُسْلِمَةِ الْمَجْنُونَةِ، وَعَلَى تَنْظِيفٍ بِغَسْلِ وَسَخٍ مِنْ نَجَسٍ وَنَحْوِهِ وَبِاسْتِحْدَادٍ وَنَحْوِهِ، وَعَلَى تَرْكِ تَنَاوُلِ خَبِيثٍ كَخِنْزِيرٍ وَبَصَلٍ وَمُسْكِرٍ لِتَوَقُّفِ التَّمَتُّعِ أَوْ كَمَالِهِ عَلَى ذَلِكَ اهـ. وَقَوْلُهُ: " مِنْ نَجَسٍ " وَلَوْ مَعْفُوًّا عَنْهُ، وَقَوْلُهُ: " وَنَحْوُهُ " شَامِلٌ لِلثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، وَهُوَ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفَتِّرُ الشَّهْوَةَ وَيُقَلِّلُ الرَّغْبَةَ ح ل. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَغَسْلُ نَجَاسَةِ مَلْبُوسٍ ظَهَرَ رِيحُهَا أَوْ لَوْنُهَا وَاسْتِعْمَالُ دَوَاءٍ يَمْنَعُ الْحَبَلَ وَإِلْقَاءُ أَوْ إفْسَادُ نُطْفَةٍ اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّحِمِ لِحُرْمَتِهِ وَلَوْ قَبْلَ تَخَلُّقِهَا عَلَى الْأَوْجَهِ، وَعَلَى فِعْلِ مَا اعْتَادَهُ مِنْهَا حَالَ التَّمَتُّعِ مِمَّا تَدْعُو إلَيْهِ وَيُرْغَبُ فِيهِ أَخْذًا مِنْ جَعْلِهِمْ إعْرَاضَهَا وَعُبُوسَهَا بَعْدَ لُطْفِهَا وَطَلَاقَةِ وَجْهِهَا أَمَارَةَ نُشُوزٍ، وَبِهِ يُعْلَمُ إطْلَاقُ بَعْضِهِمْ وُجُوبَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِاعْتِيَادٍ وَعَدَمِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ مَكْرُوهٍ كَكَلَامٍ حَالَ الْجِمَاعِ فَقَدْ سُئِلَ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ.
وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْته أَوَّلًا نَقْلُ بَعْضِهِمْ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّ عَلَيْهَا رَفْعَ فَخِذَيْهَا وَالتَّحَرُّكَ لَهُ، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ وُجُوبَ رَفْعٍ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ الْوَطْءُ دُونَ التَّحَرُّكِ، وَبَعْضُهُمْ وُجُوبَهُ أَيْضًا لَكِنْ إنْ طَلَبَهُ وَبَعْضُهُمْ وُجُوبَهُ لِمَرِيضٍ وَهَرَمٍ فَقَطْ؛ وَهُوَ أَوْجَهُ.
وَلَوْ تَوَقَّفَ عَلَى اسْتِعْلَائِهَا لِنَحْوِ مَرَضٍ اضْطَرَّهُ لِلِاسْتِعْلَاءِ لَمْ يَبْعُدْ وُجُوبُهُ أَيْضًا اهـ. وَقَوْلُهُ: " وَبِاسْتِحْدَادٍ " أَيْ حَلْقِ عَانَةٍ وَنَحْوِهِ كَنَتْفِ الْإِبْطِ وَاللِّحْيَةِ، وَلَا تَجِبُ إزَالَتُهَا عَلَى الْخَلِيَّةِ وَإِنْ قَصَدَتْ بِبَقَائِهَا التَّشَبُّهَ بِالرِّجَالِ اهـ. وَقَوْلُهُ: " لِتَوَقُّفِ التَّمَتُّعِ " أَيْ فِي الْغُسْلِ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ كَمَالَةِ " أَيْ فِي التَّنْظِيفِ وَمَا بَعْدَهُ؛ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَنَفِيًّا يَرَى الْحِلَّ أَوْ عَكْسَهُ لَمْ تُجْبَرْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالْعِلَّةُ لِلْأَغْلَبِ أَوْ لِمَا شَأْنُهُ ذَلِكَ ق ل. قَوْلُهُ: (تَدَلُّلًا) أَيْ تَحَبُّبًا وَإِظْهَارًا لِلْجَمَالِ وَالْمَحَبَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَتَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ) وَالْمُؤَدِّبُ لَهَا هُوَ الزَّوْجُ، فَيَتَوَلَّى تَأْدِيبَهَا بِنَفْسِهِ وَلَا يَرْفَعُهَا إلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً وَعَارًا وَتَنْكِيدًا لِلِاسْتِمْتَاعِ فِيمَا بَعْدُ وَتَوْحِيشًا لِلْقُلُوبِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَتَمَتْ أَجْنَبِيًّا.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَيَنْبَغِي تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ وَإِلَّا فَيَتَعَيَّنُ الرَّفْعُ إلَى الْقَاضِي.
قَوْلُهُ: (وَيَسْقُطُ بِهِ نَفَقَتُهَا) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَمْتِعُ بِهَا، وَإِلَّا لَمْ تَسْقُطْ.
اهـ. م ر مَيْدَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُضْنَاةً) مِنْ الضَّنَا بِالْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ وَهُوَ الْهُزَالُ الشَّدِيدُ.
قَوْلُهُ: (لَا تَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ) يَرْجِعُ لِلْمَرِيضَةِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (قَرْحٌ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّهَا الْجِرَاحَةُ كَمَا عَبَّرَ بِهَا م ر، وَفِي نُسْخَةٍ: قُرُوحٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا) أَيْ وَلَا قَسْمُهَا.
قَوْلُهُ: (تَنَاوَلَهُ) أَيْ النُّشُوزُ.
قَوْلُهُ: (وَمُرَادُهُمْ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمُرَادَ غَيْرُ مُرَادٍ بَلْ مُرَادُهُمْ الْأَعَمُّ مِنْ سُقُوطِ مَا

سُقُوطُ مَا وَجَبَ، حَتَّى لَوْ نَشَزَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ وَطَلَعَ الْفَجْرُ وَهِيَ نَاشِزَةٌ.
فَلَا وُجُوبَ؛ وَلَا يُقَالُ سَقَطَتْ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ فَرْعُ الْوُجُوبِ.
وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ سُقُوطِ الْكِسْوَةِ بِالنُّشُوزِ اكْتِفَاءً.
بِجَعْلِهِمْ الْكِسْوَةَ تَابِعَةً لِلنَّفَقَةِ تَجِبُ بِوُجُوبِهَا وَتَسْقُطُ بِسُقُوطِهَا، وَسَيَأْتِي تَحْرِيرُ ذَلِكَ فِي فَصْلِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

تَتِمَّةٌ: لَوْ مَنَعَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ حَقَّهَا كَقَسْمٍ وَنَفَقَةٍ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي تَوْفِيَتَهُ إذَا طَلَبَتْهُ لِعَجْزِهَا عَنْهُ، فَإِنْ أَسَاءَ خُلُقَهُ وَأَذَاهَا بِضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ بِلَا سَبَبٍ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا يُعَزِّرُهُ، فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ وَطَلَبَتْ تَعْزِيرَهُ مِنْ الْقَاضِي عَزَّرَهُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ لِتَعَدِّيهِ عَلَيْهَا.
وَإِنَّمَا لَمْ يُعَزِّرْهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ جَوَازَهُ إذَا طَلَبَتْهُ؛ لِأَنَّ إسَاءَةَ الْخُلُقِ تَكْثُرُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَالتَّعْزِيرُ عَلَيْهَا يُورِثُ وَحْشَةً بَيْنَهُمَا فَيَقْتَصِرُ أَوَّلًا عَلَى النَّهْيِ لَعَلَّ الْحَالَ يَلْتَئِمُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ عَادَ عَزَّرَهُ.
وَإِنْ قَالَ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ إنَّ صَاحِبَهُ مُتَعَدٍّ عَلَيْهِ تَعَرَّفَ الْقَاضِي الْحَالَ الْوَاقِعَ بَيْنَهُمَا بِثِقَةٍ يُخْبِرُهُمَا وَيَكُونُ الثِّقَةُ جَارًا لَهُمَا.
فَإِنْ عُدِمَ أَسَكَنَهُمَا بِجَنْبِ

[حاشية البجيرمي]

وَجَبَ وَمَنْعِ مَا لَمْ يَجِبْ.
وَالْمِثَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ النُّشُوزَ قَبْلَ الْفَجْرِ يُسْقِطُ نَفَقَةَ الْيَوْمِ الْمَاضِي؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا كَانَ اللَّيْلُ تَابِعًا لِلنَّهَارِ وَيَمْنَعُ نَفَقَةَ الْيَوْمِ الَّذِي طَلَعَ فَجْرُهُ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ أَيْضًا، أَيْ؛ لِأَنَّ الْفَجْرَ جُزْءٌ مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ، وَالنَّفَقَةُ تَجِبُ بِفَجْرِ كُلِّ يَوْمٍ وَإِنْ رَجَعَتْ فِي أَثْنَائِهِ.
اهـ. قَلْيُوبِيٌّ.
وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَنْعُ قَبْلَ الْحُصُولِ وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ مُرَادُهُ الْأَعَمُّ، فَيُجَابُ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ مَنْعُ الْوُجُوبِ أَيْ مَا يَشْمَلُ مَنْعَ الْوُجُوبِ.
وَقَوْلُهُ: " لَا سُقُوطُ مَا وَجَبَ " أَيْ لَا خُصُوصُ سُقُوطِ مَا وَجَبَ الَّذِي فَهِمَهُ الْبَعْضُ وَاعْتُرِضَ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ تَمْثِيلُهُ.
وَحَاصِلُ مَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا أَنَّ قَوْلَهُ مَنْعُ الْوُجُوبِ أَيْ مَا يَعُمُّ مَنْعَ الْوُجُوبِ أَوْ الْمُرَادُ مَنْعُ الْوُجُوبِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا.
قَوْلُهُ: (وَسَيَأْتِي تَحْرِيرُ ذَلِكَ) حَاصِلُهُ أَنَّ النُّشُوزَ إذَا صَادَفَ أَوَّلَ فَصْلِ الْكِسْوَةِ سَقَطَتْ كِسْوَةُ ذَلِكَ الْفَصْلِ وَلَوْ رَجَعَتْ إلَى الطَّاعَةِ فِيهِ، وَإِذَا طَرَأَ النُّشُوزُ فِي أَثْنَاءِ فَصْلٍ تَبَيَّنَ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَوَجَبَ عَلَيْهَا رَدُّ كِسْوَةِ جَمِيعِ الْفَصْلِ وَإِنْ عَادَتْ إلَى الطَّاعَةِ فِي الْحَالِ.
وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ عَدَمِ اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا فَإِنْ كَانَ يَسْتَمْتِعُ بِهَا فَلَا سُقُوطَ كَمَا تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: (لَوْ مَنَعَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ حَقَّهَا) شُرُوعٌ فِي نُشُوزِ الزَّوْجِ أَوْ نُشُوزِهِمَا.
قَوْلُهُ (أَلْزَمَهُ الْقَاضِي) أَيْ إنْ كَانَ مُكَلَّفًا، وَإِلَّا أَلْزَمَ وَلِيَّهُ بِمَا ذُكِرَ وَالْإِنْفَاقُ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ اهـ زِيَادِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَسَاءَ خُلُقَهُ) الْخُلُقُ السَّجِيَّةُ وَالطَّبْعُ، وَهُوَ بِضَمَّتَيْنِ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهُ بِإِسْكَانِ اللَّامِ.
قَوْلُهُ: (وَأَذَاهَا بِضَرْبٍ) أَوْ غَيْرِهِ بِلَا سَبَبٍ وَلَوْ كَانَ يَتَعَدَّى عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا يَكْرَهُ صُحْبَتَهَا لِمَرَضٍ أَوْ كِبَرٍ أَوْ نَحْوِهِ وَيُعْرِضُ عَنْهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَيُسَنُّ لَهَا اسْتِعْطَافُهُ بِمَا يُحِبُّ كَأَنْ تَسْتَرْضِيَهُ بِتَرْكِ بَعْضِ حَقِّهَا، كَمَا أَنَّهُ يُسَنُّ لَهُ إذَا كَرِهَتْ صُحْبَتَهُ لِمَا ذُكِرَ أَنْ يَسْتَعْطِفَهَا بِمَا تُحِبُّ مِنْ زِيَادَةِ النَّفَقَةِ وَنَحْوِهَا كَمَا مَرَّ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا لَمْ يُعَزِّرْهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى) بَلْ فِي الثَّانِيَةِ وَمَا بَعْدَهَا بِخِلَافِهَا فَيُعَزِّرُهَا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَالتَّعْزِيرُ عَلَيْهَا) أَيْ لِأَجْلِهَا.
قَوْلُهُ: (بِثِقَةٍ) وَلَوْ عَبْدًا وَامْرَأَةً وَلَمْ يُشْتَرَطْ تَعَدُّدُهُ لِعُسْرِهِ، فَالْمُرَادُ بِهِ عَدْلُ الرِّوَايَةِ كَمَا قَالَهُ حَجّ؛ ثُمَّ قَالَ أَيْضًا: وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ إنَّهُ رَجَعَ عَنْ ظُلْمِهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ ظَاهِرَةٍ.
قَوْلُهُ: (يَخْبُرُهُمَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ ثَالِثِهِ أَيْ يَعْرِفُ أَحْوَالَهُمَا ق ل. قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: خَبَرَ الْأَمْرَ عَلِمَهُ وَبَابُهُ نَصَرَ وَالِاسْمُ الْخُبْرُ بِالضَّمِّ وَهُوَ الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عُدِمَ) أَيْ الْجَارُ الثِّقَةُ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ جَارًا وَكَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ.
قَوْلُهُ: (مُنِعَ الظَّالِمُ) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ فَلَا يُعَزَّرُ الزَّوْجُ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ، فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ أَحَالَ بَيْنَهُمَا بِلَا طَلَاقٍ وَيَسْتَمِرُّ وُجُوبُ النَّفَقَةِ فِي مُدَّةِ الْإِحَالَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الزِّيَادِيِّ وَقَرَّرَهُ شَيْخُنَا، قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ أَحَالَ بِلَا طَلَاقٍ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بَيْنَهُمَا إلَى أَنْ يَرْجِعَا عَنْ حَالِهِمَا، قَالَ الزِّيَادِيُّ: فَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُحَالُ بَيْنَهُمَا ابْتِدَاءً خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ وَإِنَّمَا يُحَالُ بَيْنَهُمَا إذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَالُ وَمَنَعَ الظَّالِمَ مِنْهُمَا فَلَمْ يَمْتَنِعْ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ بَلْ يَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ مِنْ جَرَاءَتِهِ أَنَّهُ لَوْ اخْتَلَى بِهَا أَفْرَطَ فِي إضْرَارِهَا أَحَالَ وُجُوبًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ابْتِدَاءً مَرَّةً.
وَقَوْلُهُ: " أَحَالَ بَيْنَهُمَا " أَيْ فِي الْمَسْكَنِ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ زِيَادَةُ الْمُؤْنَةِ؛؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ السُّكْنَى تَعُودُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ ع ش. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَيْلُولَةَ لَا يَتَأَتَّى مَعَهَا قَوْلُهُ: فَإِنْ اشْتَدَّ الشِّقَاقُ إلَخْ؛ وَلِذَا ذَكَرَ م ر الْحَيْلُولَةَ فِي تَعَدِّي الزَّوْجِ فَقَطْ.
وَقَدْ يُقَالُ: يُمْكِنُ اشْتِدَادُ الشِّقَاقِ مَعَ الْحَيْلُولَةِ بِصُعُودِ حَائِطٍ أَوْ

ثِقَةٍ يَتَعَرَّفُ حَالَهُمَا ثُمَّ يُنْهِي إلَيْهِ مَا يَعْرِفُهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لِلْقَاضِي حَالَهُمَا مَنَعَ الظَّالِمَ مِنْهُمَا مِنْ عَوْدِهِ لِظُلْمِهِ، فَإِنْ اشْتَدَّ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا بَعَثَ الْقَاضِي حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا لِيَنْظُرَا فِي أَمْرِهِمَا، وَالْبَعْثُ وَاجِبٌ وَمِنْ أَهْلِهِمَا سُنَّةٌ، وَهُمَا وَكِيلَانِ لَهُمَا لَا حَكَمَانِ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ، فَيُوَكِّلُ هُوَ حَكَمَهُ بِطَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ وَتُوَكِّلُ هِيَ حَكَمَهَا بِبَذْلِ عِوَضٍ وَقَبُولِ طَلَاقٍ بِهِ، وَيُفَرِّقَا بَيْنَهُمَا إنْ رَأَيَاهُ صَوَابًا.
وَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا إسْلَامٌ وَحُرِّيَّةٌ وَعَدَالَةٌ وَاهْتِدَاءٌ إلَى الْمَقْصُودِ مِنْ بَعْثِهِمَا لَهُ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ فِيهِمَا ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُمَا وَكِيلَانِ لِتَعَلُّقِ وَكَالَتِهِمَا بِنَظَرِ الْحَاكِمِ كَمَا فِي أَمِينِهِ.
وَيُسَنُّ كَوْنُهُمَا ذَكَرَيْنِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ رَأْيُهُمَا بَعَثَ الْقَاضِي اثْنَيْنِ غَيْرَهُمَا حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى شَيْءٍ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ الزَّوْجَانِ بِبَعْثِ الْحَكَمَيْنِ وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ أَدَّبَ الْقَاضِي الظَّالِمَ مِنْهُمَا وَاسْتَوْفَى لِلْمَظْلُومِ حَقَّهُ.

[حاشية البجيرمي]

بِخُرُوجِ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ اشْتَدَّ الشِّقَاقُ) أَيْ الْخِلَافُ، مَأْخُوذٌ مِنْ الشِّقِّ وَهُوَ النَّاحِيَةُ كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ صَارَ فِي نَاحِيَةٍ، وَقَبْلَهُ مَرْتَبَةٌ حَذَفَهَا الشَّارِحُ تَقْدِيرُهَا: فَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ الظَّالِمُ مِنْهُمَا عَنْ ظُلْمِهِ أَحَالَ الْقَاضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بِأَنْ يَنْقُلَهُ مِنْ عِنْدِهَا أَوْ هِيَ مِنْ عِنْدِهِ، فَإِنْ اشْتَدَّ الشِّقَاقُ بَعْدَ أَنْ أَحَالَ بَيْنَهُمَا إلَخْ قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الشِّقَاقُ الْخِلَافُ وَالْعَدَاوَةُ.
وَقَوْلُهُ: " وَمِنْ أَهْلِهِمَا " أَيْ وَكَوْنُهُ مِنْ أَهْلِهِمَا سُنَّةٌ.
قَوْلُهُ: (بَعَثَ) أَيْ وُجُوبًا كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: 35] إلَى قَوْلِهِ: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35] وَالضَّمِيرَانِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ يُرِيدَا﴾ [النساء: 35] وَقَوْلِهِ: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35] مَرْجِعُ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا الْحَكَمَانِ وَالثَّانِي الزَّوْجَانِ، وَقِيلَ هُمَا لِلْحَكَمَيْنِ، وَقِيلَ لِلزَّوْجَيْنِ.
وَفِي الْآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَصْلَحَ نِيَّتَهُ فِيمَا يَتَحَرَّاهُ أَصْلَحَ اللَّهُ مُبْتَغَاهُ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَهُمَا وَكِيلَانِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ رَشِيدَانِ، فَلَا يُوَلِّي عَلَيْهِمَا فِي حَقِّهِمَا إذْ الْبُضْعُ حَقُّهُ وَالْمَالُ حَقُّهَا وَقِيلَ حَاكِمَانِ لِتَسْمِيَتِهِمَا فِي الْآيَةِ حَكَمَيْنِ، وَقَدْ يُوَلِّي عَلَى الرَّشِيدِ كَالْمُفْلِسِ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ التَّوْلِيَةَ عَلَى الْمُفْلِسِ فِي غَيْرِ ذَاتِهِ وَهُوَ الْمَالُ بِخِلَافِهِ هُنَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِلَافِ اشْتِرَاطُ الرِّضَا بِالْبَعْثِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي اهـ. وَيَنْعَزِلَانِ بِمَا يَنْعَزِلُ بِهِ الْوَكِيلُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، فَلَوْ جُنَّ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَلَوْ بَعْدَ اسْتِعْلَامِ الْحَكَمَيْنِ حَالَهُمَا انْعَزَلَ حُكْمُهُ؛ لَا إنْ غَابَ؛ لِأَنَّهُمَا إنْ جَعَلَا وَكِيلَيْنِ فَالْوَكِيلُ يَنْعَزِلُ بِالْجُنُونِ أَوْ حَكَمَيْنِ فَيُعْتَبَرُ دَوَامُ الْخُصُومَةِ وَبَعْدَ الْجُنُونِ لَا يُعْرَفُ دَوَامُهَا.
اهـ. شَرْحُ الْبَهْجَةِ.
قَوْلُهُ: (بِطَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ) وَلَا يَجُوزُ لِوَكِيلٍ فِي طَلَاقٍ أَنْ يُخَالِعَ؛ لِأَنَّ وَكِيلَهُ وَإِنْ أَفَادَهُ مَالًا فَوَّتَ عَلَيْهِ الرَّجْعَةَ وَلَا لِوَكِيلٍ فِي خُلْعٍ أَنْ يُطَلِّقَ مَجَّانًا.
اهـ. س ل. وَمِنْ هَذَا تَعْلَمُ مُنَاسَبَةَ ذِكْرِ الْخُلْعِ عَقِبَ هَذَا الْفَصْلِ، وَأَيْضًا الْغَالِبُ حُصُولُ الْخُلْعِ عَقِبَ الشِّقَاقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَبُولِ طَلَاقٍ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ عَلَى بَابِهَا.
قَوْلُهُ (وَيُفَرَّقَا) عَطْفٌ عَلَى " لِيَنْظُرَا ". قَوْلُهُ: (إنْ رَأَيَاهُ صَوَابًا) وَيَلْزَمُ كُلًّا مِنْ الْحَكَمَيْنِ أَنْ يَحْتَاطَ، فَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِحَكَمِهِ: خُذْ مَالِي مِنْهُ وَطَلِّقْ أَوْ خَالِعْ أَوْ عَكْسُهُ تَعَيَّنَ أَخْذُ الْمَالِ أَوَّلًا، وَإِنْ قَالَ: طَلِّقْ أَوْ خَالِعْ ثُمَّ خُذْ جَازَ تَقْدِيمُ أَخْذِ الْمَالِ وَعَكْسُهُ؛ كَذَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، لَكِنْ نُقِلَ عَنْ الْعَلَّامَةِ الزِّيَادِيِّ مُخَالَفَتُهُ فَلْيُرَاجَعْ اهـ بِرْمَاوِيٌّ.
وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْفِيَ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ عَنْ الْآخَرِ شَيْئًا إذَا اخْتَلَى بِهِ ق ل. قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا) أَيْ الْحَكَمَيْنِ إسْلَامٌ أَيْ وَإِنْ كَانَ الزَّوْجَانِ كَافِرَيْنِ، وَكَذَا التَّكْلِيفُ اللَّازِمُ لِلْعَدَالَةِ بِرْمَاوِيٌّ.
فَلَا بُدَّ مِنْهُ وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمَا وَكِيلَيْنِ لِتَعَلُّقِ وَكَالَتِهِمَا بِنَظَرِ الْحَاكِمِ، وَالْمُرَادُ عَدَالَةُ الرِّوَايَةِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: وَيُسَنُّ كَوْنُهُمَا ذَكَرَيْنِ ق ل. تَنْبِيهٌ: شَرَطَ فِي حُكْمِهَا الرُّشْدَ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ خُلْعِ السَّفِيهَةِ دُونَ حُكْمِهِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ خُلْعِ السَّفِيهِ فَيَصِحُّ تَوْكِيلُهُ فِيهِ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَاهْتِدَاءٌ إلَى الْمَقْصُودِ) وَهُوَ الْإِصْلَاحُ أَوْ التَّفْرِيقُ.
قَوْلُهُ: (بَعَثَ غَيْرَهُمَا) فَإِنْ عَجَزَا عَنْ تَوَافُقِهِمَا أُدِّبَ الظَّالِمُ وَاسْتَوْفَى لِلْمَظْلُومِ حَقَّهُ، أَيْ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَهُ.

فَصْلٌ: فِي الْخُلْعِ وَهُوَ لُغَةً مُشْتَقٌّ مِنْ خَلَعَ الثَّوْبَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الزَّوْجَيْنِ لِبَاسُ الْآخَرِ قَالَ تَعَالَى ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187] فَكَأَنَّهُ بِمُفَارَقَةِ الْآخَرِ نَزَعَ لِبَاسَهُ وَشَرْعًا فُرْقَةٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَلَوْ بِلَفْظِ مُفَادَاةٍ بِعِوَضٍ مَقْصُودٍ رَاجِعٍ لِجِهَةِ الزَّوْجِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: (وَالْخُلْعُ جَائِزٌ عَلَى عِوَضٍ مَعْلُومٍ) يُقَيَّدُ بِمَا ذُكِرَ، فَخَرَجَ بِمَقْصُودٍ الْخُلْعُ بِدَمٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ رَجْعِيٌّ

[حاشية البجيرمي]

[فَصْلٌ فِي الْخُلْعِ]

ذَكَرَهُ عَقِبَ النُّشُوزِ وَالشِّقَاقِ لِتَرَتُّبِهِ عَلَيْهِمَا غَالِبًا، وَإِلَّا فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُذْكَرَ بَعْدَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ خَاصٌّ مِنْهُ وَالْعَامُّ يُقَدَّمُ فِي الذِّكْرِ عَلَى الْخَاصِّ.
وَلَفْظُ الْخُلْعِ اسْمُ مَصْدَرٍ لَاخْتَلَعَ وَمَصْدَرٌ سَمَاعِيٌّ لَخَلَعَ وَأَمَّا الْمَصْدَرُ الْقِيَاسِيُّ فَهُوَ خَلْعٌ بِفَتْحِ الْخَاءِ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ فَعْلٌ قِيَاسُ مَصْدَرِ الْمُعَدَّى ... مِنْ ذِي ثَلَاثَةٍ كَرَدَّ رَدَّا وَأَصْلُ وَضْعِهِ الْكَرَاهَةُ وَقَدْ يُسْتَحَبُّ كَأَنْ كَانَتْ تُسِيءُ عِشْرَتَهَا مَعَهُ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَاجِبًا وَلَا حَرَامًا وَلَا مُبَاحًا وَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْجَعَالَةِ مَشُوبٌ بِالْمُعَاوَضَةِ لِأَنَّ بُضْعَ الْمَرْأَةِ فِي مَعْنَى الْمَمْلُوكِ لِلزَّوْجِ بِالْمَهْرِ فَإِذَا خَالَعَهَا فَقَدْ رَدَّ بُضْعَهَا.
وَجَوَّزَهُ الشَّارِعُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَهُوَ مُخَلِّصٌ مِنْ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ فِي الْحَلِفِ عَلَى النَّفْيِ مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا وَعَلَى الْإِثْبَاتِ الْمُطْلَقِ وَكَذَا الْمُقَيَّدُ عِنْدَ شَيْخِنَا وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْوَجْهُ.
وَخَالَفَ شَيْخُنَا م ر فِي هَذَا الْقِسْمِ كَحَلِفِهِ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ لَيَدْخُلَنَّ الدَّارَ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَلَا يَخْلُصُ فِيهِ الْخُلْعُ عِنْدَ م ر إنْ وَقَعَ الْخُلْعُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الْبِرِّ بِاخْتِيَارِهِ، إلَّا بِأَنْ وَقَعَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ فَيُتَّجَهُ أَنَّهُ يُخَلِّصُهُ سم عَلَى حَجّ مُلَخَّصًا.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَنْفَعُهُ الْخُلْعُ مُطْلَقًا أَيْ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْقِدَ بَعْدَ الْخُلْعِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَائِهَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ خَلَعَ الثَّوْبَ) قَيَّدَ بِهِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا لِبَاسُ الْآخَرِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْخَلْعِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (لِبَاسُ الْآخَرِ) أَيْ كَلِبَاسِهِ.
قَوْلُهُ: (هُنَّ لِبَاسٌ) وَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَ اللِّبَاسِ وَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُلَاصِقُ صَاحِبَهُ وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمُعَانَقَةِ وَالْمُضَاجَعَةِ كَمَا يُلَاصِقُ اللِّبَاسُ صَاحِبَهُ وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا يَسْتُرُ صَاحِبَهُ بِالتَّزَوُّجِ عَمَّا يُكْرَهُ مِنْ الْفَوَاحِشِ كَمَا يَسْتُرُ الثَّوْبُ الْعَوْرَةَ ذَكَرَهُ ابْنُ يَعْقُوبَ عَلَى الْمُخْتَصَرِ، فَاللِّبَاسُ عَلَى الْأَوَّلِ حِسِّيٌّ وَعَلَى الثَّانِي مَعْنَوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَكَأَنَّهُ) أَيْ فَصَحَّ كَوْنُهُ مُشْتَقًّا مِنْ الْخَلْعِ بِمَعْنَى النَّزْعِ؛ لَكِنْ عَلَى التَّشْبِيهِ أَيْ تَشْبِيهِ الْمُفَارَقَةِ بِالنَّزْعِ الْمَذْكُورِ، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ.
وَقَوْلُهُ: " لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الزَّوْجَيْنِ إلَخْ " تَوْطِئَةٌ لِهَذَا.
اهـ. شَيْخُنَا.
وَلَا وَجْهَ لِلَفْظِ " كَأَنَّ "؛ لِأَنَّهَا لِلشَّكِّ أَوْ الظَّنِّ وَنَزْعُ الزَّوْجَةِ قَدْ تَحَقَّقَ بِالْفِرَاقِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ " كَأَنَّ " تَأْتِي لِلتَّحْقِيقِ أَوْ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِ " كَأَنَّ " نَظَرًا لِنَزْعِ اللِّبَاسِ الْحِسِّيِّ اهـ. قَالَ شَيْخُنَا: هَذَا يَأْتِي فِي كُلِّ فُرْقَةٍ كَالطَّلَاقِ وَالْفَسْخِ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ كُلَّ فُرْقَةٍ تُسَمَّى خُلْعًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ عِلَّةَ التَّسْمِيَةِ لَا تُوجِبُ التَّسْمِيَةَ.
قَوْلُهُ: (فُرْقَةٍ) أَيْ لَفْظٍ دَالٍّ عَلَى فُرْقَةٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَقَرَّرَ شَيْخُنَا أَنَّهُ نَفْسُ الْفُرْقَةِ لَا دَالُّهَا خِلَافًا لِمَا وَقَعَ لِلْمُحَشِّي؛ وَكَلَامُ الْمُحَشِّي هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ هُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْفُرْقَةِ لَا نَفْسِهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِلَفْظِ مُفَادَاةٌ) الْغَايَةُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّهُمَا كِنَايَتَانِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (بِعِوَضٍ) أَيْ وَلَوْ مَنْفَعَةً أَوْ دَيْنًا أَوْ عَيْنًا إلَّا فِي خُلْعِ الْأَعْمَى إذَا وَقَعَ عَلَى عَيْنٍ فَلَا يَثْبُتُ الْمُسَمَّى بَلْ مَهْرُ الْمِثْلِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ فِي الْكَلَامِ عَلَى بَيْعِ الْغَائِبِ فَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ.
اهـ. مَنُوفِيٌّ.
أَمَّا فُرْقَةٌ بِلَا عِوَضٍ أَوْ بِعِوَضٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ كَدَمٍ أَوْ بِمَقْصُودٍ رَاجِعٍ لِغَيْرِ مَنْ ذُكِرَ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ خُلْعًا بَلْ يَكُونُ رَجْعِيًّا.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (رَاجِعٍ لِجِهَةِ الزَّوْجِ) فَلَوْ رَجَعَ لَا لِجِهَةِ الزَّوْجِ كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا عَلَى الْبَرَاءَةِ مِمَّا لَهَا عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهُ رَجْعِيٌّ، وَهَلْ يُبَرَّأُ الْأَجْنَبِيُّ أَوْ لَا؟

وَلَا مَالٍ، وَدَخَلَ بِرَاجِعٍ لِجِهَةِ الزَّوْجِ وُقُوعُ الْعِوَضِ لِلزَّوْجِ وَلِسَيِّدِهِ وَمَا لَوْ خَالَعَتْ بِمَا ثَبَتَ لَهَا مِنْ قَوَدٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَخَرَجَ بِهِ مَا لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِالْبَرَاءَةِ مِمَّا لَهَا عَلَى غَيْرِهِ فَيَصِحُّ رَجْعِيًّا، وَخَرَجَ بِمَعْلُومِ الْعِوَضِ الْمَجْهُولُ كَثَوْبٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَيَقَعُ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ.
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: 4] وَالْأَمْرُ بِهِ فِي خَبَرِ

[حاشية البجيرمي]

الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُبَرَّأُ، فَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى إبْرَائِهِ وَإِبْرَاءِ غَيْرِهِ فَأَبْرَأَتْهُمَا بَرَاءَةً صَحِيحَةً بِأَنْ كَانَتْ بَالِغَةً عَاقِلَةً رَشِيدَةً عَالِمَةً بِالْقَدْرِ الْمُبَرَّأِ مِنْهُ هَلْ يَقَعُ بَائِنًا نَظَرًا لِرُجُوعِ بَعْضِهِ لِلزَّوْجِ أَوْ رَجْعِيًّا نَظَرًا لِرُجُوعِ الْبَعْضِ الْآخَرِ لِغَيْرِهِ؟ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ، وَعَلَيْهِ هَلْ يُبَرَّأُ كُلٌّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَالزَّوْجِ أَمْ لَا؟ حَرَّرَ.
اهـ. ح ل. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُبَرَّأُ كُلٌّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ وُجِدَتْ صَحِيحَةً كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا وَصَرَّحَ بِهِ الْبِرْمَاوِيُّ.
وَقَوْلُهُ: " الْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ " أَيْ؛ لِأَنَّ رُجُوعَهُ لِغَيْرِ الزَّوْجِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَانِعٌ لِلْبَيْنُونَةِ أَوْ غَيْرُ مُقْتَضٍ لَهَا فَعَلَى الثَّانِي الْبَيْنُونَةُ وَاضِحَةٌ، وَكَذَا عَلَى الْأَوَّلِ إذْ كَوْنُهُ مَانِعًا لَهَا إنَّمَا يُتَّجَهُ إنْ انْفَرَدَ لَا إنْ انْضَمَّ إلَيْهِ مُقْتَضٍ لَهَا كَذَا فِي التُّحْفَةِ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (جَائِزٌ) أَيْ صَحِيحٌ وَإِنْ كُرِهَ أَوْ حَرُمَ كَالْبِدْعِيِّ أَيْ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، كَأَنْ وَقَعَ فِي زَمَنِ حَيْضٍ بِعِوَضٍ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ.
وَضَابِطُ مَسَائِلِ الْبَابِ أَنَّ الطَّلَاقَ إمَّا أَنْ يَقَعَ بِالْمُسَمَّى بَائِنًا إنْ صَحَّتْ الصِّيغَةُ وَالْعِوَضُ أَوْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ إنْ فَسَدَ الْعِوَضُ فَقَطْ وَكَانَ مَقْصُودًا أَوْ رَجْعِيًّا إنْ فَسَدَتْ الصِّيغَةُ أَوْ كَانَ الْعِوَضُ فَاسِدًا غَيْرَ مَقْصُودٍ كَدَمٍ وَقَدْ نُجِزَ أَوْ عُلِّقَ بِمَا وُجِدَ، أَوْ لَا يَقَعُ أَصْلًا إنْ عُلِّقَ بِمَا لَمْ يُوجَدْ ذَكَرَهُ الْمَدَابِغِيُّ.
وَقَوْلُهُ: " إنْ فَسَدَتْ الصِّيغَةُ " كَخَالَعْتُكَ عَلَى هَذَا الدِّينَارِ عَلَى أَنَّ لِي الرَّجْعَةَ.
فَرْعٌ: سُئِلَ شَيْخُنَا زي عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ ثُمَّ اُحْتِيجَ لَهُ فِي دُخُولِهَا فَقِيلَ لَهُ خَالِعْ زَوْجَتَك فَقَالَ عَلَيَّ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ لَا أُخَالِعُهَا وَلَا أُوَكِّلُ فِي خُلْعِهَا، فَهَلْ إذَا خَالَعَ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ أَوْ لَا؟ وَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: يَقَعُ بِالْخُلْعِ طَلْقَةٌ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِهَا فَلَا يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ خِضْرٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ الدَّيْرَبِيُّ: أَيْ إذَا خَالَعَ بِنَفْسِهِ أَمَّا لَوْ وَكَّلَ فِي خُلْعِهَا وَقَعَ عَلَيْهِ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يُوَكِّلُ وَقَدْ وَكَّلَ قَبْلَ وُجُودِ الْخُلْعِ قَوْلُهُ: (مَعْلُومٌ) كَانَ الْأَوْلَى حَذْفُهُ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ يَصِحُّ وَلَوْ كَانَ الْعِوَضُ مَجْهُولًا لَكِنْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَعِبَارَةُ ق ل: قَوْلُهُ مَعْلُومٌ لَيْسَ قَيْدًا إلَّا مِنْ حَيْثُ لُزُومُ الْمُسَمَّى كَمَا سَيَذْكُرُهُ، فَلَوْ سَكَتَ عَنْهُ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (بِمَا ذَكَرَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ مَقْصُودٍ رَاجِعٍ لِجِهَةِ الزَّوْجِ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهِ) كَالْحَشَرَاتِ لَا نَحْوِ الْمَيْتَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلِسَيِّدِهِ) أَيْ وَرُجُوعُ الْعِوَضِ لِسَيِّدِهِ أَيْ الزَّوْجِ، يُفِيدُ أَنَّهُ إذَا اُشْتُرِطَ ابْتِدَاءً لِلسَّيِّدِ لَمْ يَكُنْ عِوَضًا لِجِهَةِ الزَّوْجِ فَيَقَعُ رَجْعِيًّا شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَمَا لَوْ خَلَعَتْ إلَخْ) بِخِلَافِ تَعْبِيرِ بَعْضِهِمْ بِيَأْخُذَهُ الزَّوْجُ فَإِنَّهُ لَا يَشْمَلُ هَذَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ قَوَدٍ) وَيَسْقُطُ الْقَوَدُ عَنْ الزَّوْجِ وَتَبِينُ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهَا غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ صَحِيحٌ يُقَابَلُ بِمَالٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرِهِ) كَحَدِّ قَذْفٍ أَوْ تَعْزِيرٍ، وَيُبَرَّأُ الزَّوْجُ مِنْ ذَلِكَ وَتَبِينُ وَيَلْزَمُهَا مَهْرُ الْمِثْلِ لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْعِوَضِ الْفَاسِدِ الَّذِي لَا يُقَابَلُ بِمَالٍ وَهُوَ يَرْجِعُ فِيهِ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَكَانَ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَسْقُطَ حَدُّ الْقَذْفِ وَالتَّعْزِيرِ، وَلَكِنْ لَمَّا تَضَمَّنَ ذَلِكَ مِنْهَا الرِّضَا وَالْمُسَامَحَةَ مِنْهُمَا سَقَطَ.
وَعِبَارَةُ ح ل: وَالظَّاهِرُ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ وَالتَّعْزِيرِ مَعَ الْمَقْصُودِ فَيَجِبُ فِي الْخُلْعِ عَلَيْهِمَا مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَخْتَصُّ بِمَالٍ يُقَابَلُ بِمَالٍ بِدَلِيلِ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ.
قَوْلُهُ: (فَيَصِحُّ رَجْعِيًّا) وَلَوْ قَالَ فَيَقَعُ لَكَانَ أَوْلَى إذْ فِي صِحَّةِ الْخُلْعِ مَعَ كَوْنِ الطَّلَاقِ رَجْعِيًّا تَنَاقُضٌ وَتَأَمَّلْ؛ قَالَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِمَعْلُومٍ الْمَجْهُولُ) وَمِثْلُهُ أَيْضًا مَا لَوْ طَلَّقَهَا عَلَى إسْقَاطِ حَقِّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ وَبَقِيَ مَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى رَضَاعَةِ وَلَدِهِ سَنَتَيْنِ مَثَلًا ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهَا بِأُجْرَةٍ مِثْلِ مَا يُقَابِلُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ أَوْ بِالْقِسْطِ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ بِاعْتِبَارِ مَا يُقَابِلُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَجْهُولِ وَالْوَاجِبُ مَعَ جَهْلِ الْعِوَضِ مَهْرُ الْمِثْلِ ع ش عَلَى م ر.

الْبُخَارِيِّ فِي امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ بِقَوْلِهِ: «اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» وَهُوَ أَوَّلُ خُلْعٍ وَقَعَ فِي الْإِسْلَامِ.
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَمْلِكَ الزَّوْجُ الِانْتِفَاعَ بِالْبُضْعِ بِعِوَضٍ جَازَ لَهُ أَنْ يُزِيلَ ذَلِكَ الْمِلْكَ بِعِوَضٍ كَالشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فَالنِّكَاحُ كَالشِّرَاءِ وَالْخُلْعُ كَالْبَيْعِ، وَأَيْضًا فِيهِ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الْمَرْأَةِ غَالِبًا وَلَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ مَطْلُوبُ الشَّرْعِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ» قَالَ فِي التَّنْبِيهِ: إلَّا فِي حَالَتَيْنِ: الْأُولَى: أَنْ يَخَافَا أَوْ أَحَدُهُمَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَيَخْلَعُهَا ثُمَّ يَفْعَلُ الْأَمْرَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ.
وَذَكَرْت فِي شَرْحِهِ صُوَرًا أُخْرَى لَا كَرَاهَةَ فِيهَا فَمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَلْيُرَاجِعْهُ.

وَأَرْكَانُ الْخُلْعِ خَمْسَةٌ: مُلْتَزِمٌ لِلْعِوَضِ وَبُضْعٌ وَعِوَضٌ وَصِيغَةٌ وَزَوْجٌ وَشَرْطٌ فِيهِ صِحَّةُ طَلَاقِهِ فَيَصِحُّ مِنْ عَبْدٍ وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، وَيُدْفَعُ الْعِوَضُ لِمَالِكِ أَمْرِهِمَا مِنْ سَيِّدٍ وَوَلِيٍّ، وَشُرِطَ فِي الْمُلْتَزِمِ قَابِلًا كَانَ أَوْ مُلْتَمِسًا إطْلَاقُ

[حاشية البجيرمي]

وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَخَرَجَ أَيْ مِنْ صِحَّتِهِ بِالْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ صِحَّتِهِ مِنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (فَيَقَعُ إلَخْ) وَحِينَئِذٍ فَالتَّقْيِيدُ بِمَعْلُومٍ لِيَصِحَّ بِالْمُسَمَّى كَمَا عَلِمْت.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ) الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ الِاسْتِدْلَالَ عَلَيْهِ قَبْلَ تَعْرِيفِهِ كَمَا هُوَ عَادَتُهُ كَمَا صَنَعَ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾ [النساء: 4] إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْخُلْعِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْهَدِيَّةِ أَوْ الْهِبَةِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَعْنَى: فَإِنْ طِبْنَ أَيْ وَلَوْ فِي مُقَابَلَةِ فَكِّ الْعِصْمَةِ، فَهُوَ شَامِلٌ لِلْمُدَّعِي، وَنَفْسًا تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْفَاعِلِ أَيْ طَابَتْ نُفُوسُهُنَّ.
وَفِيهِ أَنَّ الْآيَةَ وَالْحَدِيثَ الْآتِي قَاصِرَانِ عَلَى مَا إذَا كَانَ عِوَضُ الْخُلْعِ مِنْ الصَّدَاقِ وَالْمُدَّعَى أَعَمَّ، إلَّا أَنْ يُقَالَ يُقَاسُ غَيْرُ الصَّدَاقِ عَلَيْهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
وَأَصْرَحُ مِنْ هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] ح ل. قَالَ بَعْضُهُمْ أُخِذَ مِنْ هَذَا أَيْ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: 4] أَنَّ الشَّخْصَ إذَا مَرِضَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ لِزَوْجَتِهِ شَيْئًا مِنْ صَدَاقِهَا الْبَاقِي عَلَيْهِ ثُمَّ تَدْفَعُهُ لَهُ عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ لِيَصْرِفَهُ فِي دَوَاءٍ لَهُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ بِهِ عَسَلَ نَحْلٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: 69] . قَوْلُهُ: (فِي امْرَأَةِ قَيْسِ بْنِ ثَابِتٍ) وَاسْمُهَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ حَيْثُ طَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَى حَدِيقَتِهَا الَّتِي أَصْدَقَهَا إيَّاهَا فَفَعَلَ.
قَوْلُهُ: «اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ» عِبَارَةُ م ر فِي شَرْحِهِ: خُذْ الْحَدِيقَةَ، فَلَعَلَّهُمَا رِوَايَتَانِ.
وَالْحَدِيقَةُ اسْمُ بُسْتَانٍ عِ ش. قَوْلُهُ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ» هَذَا إمَّا مِنْ بَابِ التَّنْفِيرِ؛ لِأَنَّ الْحَلَالَ أَيْ الْمُبَاحَ لَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ، أَوْ الْمُرَادُ بِالْحَلَالِ مَا قَابَلَ الْحَرَامَ فَهُوَ بُغْضُ الْمَكْرُوهِ وَبُغْضُهُ عَدَمُ رِضَاهُ بِهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف. قَوْلُهُ: (إلَّا فِي حَالَتَيْنِ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: " مَكْرُوهٌ ". قَوْلُهُ: ﴿أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 229] أَيْ الْوَاجِبَةَ عَلَى كُلِّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَيْ تَرْكُ إقَامَةِ أَحْكَامِ اللَّهِ مِنْ وَاجِبِ الزَّوْجِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ) كَأَنْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دُخُولِهَا وَإِنْ صَلَّيْت الظُّهْرَ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَقَوْلُهُ عَلَى شَيْءٍ أَيْ أَوْ تَرْكِ شَيْءٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْكِهِ كَقَوْلِهِ إنْ تَرَكْت الزِّنَا بِفُلَانَةَ فِي هَذَا النَّهَارِ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَيَخْلَعُهَا إلَخْ) أَيْ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ كَرَاهَةِ الطَّلَاقِ.

قَوْلُهُ: (وَبُضْعٌ) يُصَدَّقُ بِالرَّجْعِيَّةِ.
فَإِنْ قُلْت: لِمَ عَبَّرَ بِالْبُضْعِ وَلَمْ يَقُلْ وَزَوْجَةٌ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الزَّوْجَةَ دَخَلَتْ فِي قَوْلِهِ مُلْتَزِمٌ، فَلَوْ ذَكَرَهَا ثَانِيًا لَزِمَ التَّكْرَارُ.
اهـ. ح ل. قَوْلُهُ: (وَعِوَضٌ) أَيْ وَلَوْ تَقْدِيرًا كَمَا تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: (فَيَصِحُّ مِنْ عَبْدٍ) لَا مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ.
قَوْلُهُ: (بِسَفَهٍ) أَوْ فَلَسٍ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِمَا.
قَوْلُهُ: (لِمَالِكِ أَمْرِهِمَا) أَوْ لَهُمَا بِإِذْنِهِ.
قَوْلُهُ: (قَابِلًا) كَأَنْ قَالَ: طَلَّقْتهَا عَلَى أَلْفٍ فِي ذِمَّتِك، فَيَقْبَلُ الْمُلْتَزِمُ.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ مُلْتَمِسًا " كَأَنْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي عَلَى أَلْفٍ فِي ذِمَّتِي، فَيَقُولُ:

تَصَرُّفٍ مَالِيٍّ، فَلَوْ اخْتَلَعَتْ أَمَةٌ وَلَوْ مُكَاتَبَةً بِلَا إذْنِ سَيِّدِهَا بِعَيْنٍ مِنْ مَالِهِ أَوْ غَيْرِهِ بَانَتْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فِي ذِمَّتِهَا أَوْ بِدَيْنٍ فَبِالدَّيْنِ تَبِينُ، ثُمَّ مَا ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهَا إنَّمَا تُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَالْيَسَارِ وَإِنْ اخْتَلَعَتْ بِإِذْنِهِ.
فَإِنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي كَسْبِهَا وَمِمَّا فِي يَدِهَا مِنْ مَالِ تِجَارَةٍ، وَإِنْ قَدَّرَ لَهَا دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا تَعَلَّقَ الْمُقَدَّرُ بِذَلِكَ أَيْضًا وَإِنْ عَيَّنَ لَهَا عَيْنًا مِنْ مَالِهِ تَعَيَّنَتْ.
وَلَوْ اخْتَلَعَتْ مَحْجُورَةٌ بِسَفَهٍ طَلُقَتْ رَجْعِيًّا وَلَغَا ذِكْرُ الْمَالِ أَوْ مَرِيضَةٌ مَرَضَ مَوْتٍ صَحَّ؛ وَحُسِبَ مِنْ الثُّلُثِ زَائِدٌ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ.

[حاشية البجيرمي]

طَلَّقْتُك عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (إطْلَاقُ تَصَرُّفٍ) أَيْ لِيَصِحَّ الْتِزَامُهُ الْمَالَ وَيَجِبُ دَفْعُهُ حَالًّا، فَخَرَجَتْ السَّفِيهَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا يَصِحُّ الْتِزَامُهَا الْمَالَ فَيَقَعُ خُلْعُهَا رَجْعِيًّا، وَخَرَجَتْ الْأَمَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا يَجِبُ عَلَيْهَا دَفْعُ الْمَالِ حَالًّا.
هَذَا مُرَادُهُ، وَإِلَّا فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ خُلْعَ الْأَمَةِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُطْلَقَةَ التَّصَرُّفِ الْمَالِيِّ؛ قَالَهُ الْحَلَبِيُّ.
وَعِبَارَةُ ق ل: قَوْلُهُ وَشَرْطٌ فِي الْمُلْتَزِمِ أَيْ لِيَقَعَ الْخُلْعُ بِمَا الْتَزَمَ أَيْ مَعَ لُزُومِهِ حَالًّا لَا لِصِحَّتِهِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ مُطْلَقًا كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ اخْتَلَعَتْ أَمَةٌ) أَيْ رَشِيدَةٌ وَإِلَّا وَقَعَ رَجْعِيًّا.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرِهِ) عَطْفٌ عَلَى ضَمِيرِ مَالِهِ، فَالْمَعْنَى أَوْ مَالِ غَيْرِ السَّيِّدِ؛ وَلَكِنْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ أَيْ كَالِاخْتِصَاصِ.
قَوْلُهُ: (فَبِالدَّيْنِ تَبِينُ) مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُكَاتَبَةِ، أَمَّا هِيَ فَتَبِينُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ لَا بِالْمُسَمَّى خِلَافًا لِلشَّارِحِ زي، أَيْ فَيَكُونُ فِي ذِمَّتِهَا وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ بِالْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ مُؤَجَّلٌ بِأَجَلٍ مَجْهُولٍ فِي حَقِّ مَنْ هِيَ كَالْحُرَّةِ فِي الِاسْتِقْلَالِ بِالتَّصَرُّفِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ) هَذَا فِيمَا إذَا سَمَّتْ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَأَمَّا إذَا سَمَّتْ قَدْرَ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ فَهُوَ الْوَاجِبُ، أَوْ سَمَّتْ أَكْثَرَ فَالْوَاجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَإِنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ صَحَّ الْخُلْعُ بِمَا سَمَّتْ وَتَعَلَّقَ بِكَسْبِهَا إنْ كَانَ قَدْرَ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ تَعَلَّقَ الزَّائِدُ بِذِمَّتِهَا فَتُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَالْيَسَارِ.
قَوْلُهُ: (فِي كَسْبِهَا) أَيْ مِنْ حِينِ الْخُلْعِ لَا مِنْ حِينِ الْإِذْنِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ عَيَّنَ لَهَا عَيْنًا مِنْ مَالِهِ) فَإِنْ زَادَتْ عَلَى مَا عَيَّنَهُ أَوْ قَدْرِهِ تَعَلَّقَ الزَّائِدُ بِذِمَّتِهَا شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (مَحْجُورَةٌ) أَيْ حُرَّةٌ وَلَوْ بِإِذْنِ وَلِيِّهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْتِزَامِ الْمَالِ وَلَيْسَ لِوَلِيِّهَا صَرْفُ مَالِهَا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ مَا لَمْ يُخْشَ عَلَى مَالِهَا مِنْ الزَّوْجِ وَلَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهُ إلَّا بِالْخُلْعِ وَإِلَّا جَازَ صَرْفُهُ حِينَئِذٍ فِي الْخُلْعِ، وَلَوْ خَالَعَهَا فَلَمْ تَقْبَلْ لَمْ يَقَعْ طَلَاقٌ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِاخْتَلَعْتُ أَيْ قَبِلْت الْخُلْعَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الطَّلَاقَ بِالْخُلْعِ وَلَمْ يُضْمِرْ الْتِمَاسَ قَبُولِهَا فَيَقَعُ رَجْعِيًّا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا كَمَا هُوَ الْفَرْضُ.
قَوْلُهُ: (طَلُقَتْ رَجْعِيًّا) أَيْ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ.
قَوْلُهُ: (وَلَغَا ذِكْرُ الْمَالِ) وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ الْوَلِيُّ.
وَالْحِيلَةُ فِي صِحَّةِ خُلْعِ السَّفِيهَةِ أَيْ يَخْتَلِعُ لَهَا أَجْنَبِيٌّ مِنْ مَالِهِ، قَالَ م ر: وَمِنْ خُلْعِ الْأَجْنَبِيِّ قَوْلُ أُمِّهَا الرَّشِيدَةِ مَثَلًا خَالِعْهَا عَلَى مُؤَخَّرِ صَدَاقِهَا فِي ذِمَّتِي فَيُجِيبُهَا فَيَقَعُ بَائِنًا بِمِثْلِ الْمُؤَخَّرِ فِي ذِمَّةِ السَّائِلَةِ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ مِثْلٍ مُقَدَّرٌ فِي نَحْوِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَنْوِ نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ، فَلَوْ قَالَتْ: وَهُوَ كَذَا لَزِمَهَا مَا سَمَّتْهُ زَادَ أَوْ نَقَصَ؛ لِأَنَّ الْمِثْلِيَّةَ الْمُقَدَّرَةَ تَكُونُ مِثْلًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ؛ وَبِنَحْوِ ذَلِكَ أَفْتَى الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَذَكَرَ فِي الْفُرُوعِ مَا نَصُّهُ: لَوْ أَرَادَ وَلِيُّ السَّفِيهَةِ اخْتِلَاعَهَا عَلَى مُؤَخَّرِ صَدَاقِهَا مَنَعْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْوِيتِ عَلَيْهَا، فَالطَّرِيقُ أَنْ يَخْتَلِعَهَا عَلَى قَدْرِ مَا لَهَا عَلَى الزَّوْجِ فِي ذِمَّتِهِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ وَاجِبًا لِلزَّوْجِ عَلَى الْأَبِ وَدَيْنُ الْمَرْأَةِ بَاقٍ بِحَالِهِ، فَإِذَا أَرَادَ الزَّوْجُ التَّخَلُّصَ مِنْهُ فَلْيَقُلْ مَا ذُكِرَ فَتَكُونُ الْمَرْأَةُ مُحْتَالَةً بِمَا لَهَا عَلَى الزَّوْجِ عَلَى أَبِيهَا، قَالَ ع ش. وَهَذِهِ الْحِيلَةُ صَحِيحَةٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، لَكِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ فِي بَابِ الزَّكَاةِ وَفِي الشُّفْعَةِ.
قَالَ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ: وَمِثْلُهُ فِي رَحْمَةِ الْأُمَّةِ.
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: إنَّهُ يَجُوزُ الِاحْتِيَالُ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ سِلْعَةً مَجْهُولَةً عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ مُسْقِطًا لِلشُّفْعَةِ أَوْ أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِبَعْضِ الْمِلْكِ ثُمَّ يَبِيعُهُ الْبَاقِي أَوْ يَهَبُهُ لَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ الِاحْتِيَالُ عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ اهـ. وَقَالَ أَيْضًا: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إنَّ مَنْ قَصَدَ الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ فَوَهَبَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا أَوْ بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ قَبْلَ الْحَوْلِ سَقَطَتْ عَنْهُ الزَّكَاةُ وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا عَاصِيًا، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: لَا تَسْقُطُ.
فَالْأَوَّلُ مُخَفِّفٌ وَالثَّانِي مُشَدِّدٌ.
وَوَجْهُ الْأَوَّلِ حَمَلَهُ عَلَى تَغْيِيرِ نِيَّتِهِ

(وَتَمْلِكُ الْمَرْأَةُ) الْمُخْتَلِعَةُ (بِهِ نَفْسَهَا) أَيْ بُضْعَهَا الَّذِي اسْتَخْلَصَتْهُ بِالْعِوَضِ (وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا) فِي الْعِدَّةِ لِانْقِطَاعِ سَلْطَنَتِهِ بِالْبَيْنُونَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ تَسَلُّطِهِ عَلَى بُضْعِهَا (إلَّا بِنِكَاحٍ) أَيْ بِعَقْدٍ (جَدِيدٍ) عَلَيْهَا بِأَرْكَانِهِ، وَشُرُوطِهِ الْمُتَقَدِّمِ بَيَانُهَا فِي مَوْضِعِهِ.
وَيَصِحُّ عِوَضُ الْخُلْعِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا دَيْنًا وَعَيْنًا وَمَنْفَعَةً لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] وَلَوْ قَالَ: إنْ أَبْرَأْتِينِي مِنْ صَدَاقِك أَوْ مِنْ دَيْنِك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَبْرَأَتْهُ وَهِيَ جَاهِلَةٌ بِقَدْرِهِ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ لَمْ يَصِحَّ فَلَمْ يُوجَدْ مَا عَلَّقَ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ.
وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي كَفِّهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ وَقَعَ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ عَلَى

[حاشية البجيرمي]

الْفَاسِدَةِ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ إزَالَةِ الْعَيْنِ، وَوَجْهُ الثَّانِي حَمَلَهُ عَلَى اسْتِصْحَابِهَا مُخَادَعَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ اهـ. وَقَوْلُهُ: " مَكْرُوهَةٌ " أَيْ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ إنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ اهـ. ثُمَّ رَأَيْت فِي فَتَاوَى الشَّلَبِيِّ الْحَنَفِيِّ مَا نَصُّهُ: سُئِلَ فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِابْنَةِ عَمِّهِ وَدَخَلَ بِهَا وَأَصَابَهَا ثُمَّ حَصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالِدِهَا تَشَاجُرٌ فَسَأَلَهُ وَالِدُهَا الْمَذْكُورُ عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً عَلَى بَقِيَّةِ صَدَاقِهَا عَلَيْهِ وَمُنَجَّمِهَا وَعَلَى جَمِيعِ مَا عَلَيْهِ لَهَا مِنْ الْحُقُوقِ.
فَأَجَابَ: سُؤَالَهُ إلَى ذَلِكَ وَطَلَّقَهَا الطَّلْقَةَ الْمَسْئُولَ عَنْهَا ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَ وَالِدِهَا وَزَوْجِهَا تَبَارُؤٌ عَامٌّ مُطْلَقٌ فَهَلْ حَقُّ الزَّوْجَةِ الْمَذْكُورَةِ يَكُونُ لَازِمًا لِأَبِيهَا أَمْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ عَلَى زَوْجِهَا، وَإِذَا غَرِمَ زَوْجُهَا مَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى وَالِدِهَا بَعْدَ الْبَرَاءَةِ الصَّادِرَةِ بَيْنَهُمَا وَالْحَالُ أَنَّ الزَّوْجَةَ الْمَذْكُورَةَ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً لِلطَّلَاقِ وَمَا حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ؟ جَوَابُهُ لِلشَّيْخِ نَاصِرِ الدِّينِ الطَّبَلَاوِيِّ الشَّافِعِيِّ: الْبَرَاءَةُ مِنْ الْوَالِدِ دُونَ الزَّوْجَةِ: " لَا تَصِحُّ، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي مُقَابَلَتِهَا وَحَقُّ الزَّوْجَةِ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى الْعِصْمَةِ.
وَوَافَقَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْحَنْبَلِيُّ.
وَكَتَبَ سَيِّدِي الْجَدُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مَا صُورَتُهُ: إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ صَغِيرَةً لَا يَنْفُذُ الْخُلْعُ عَلَيْهَا فِي حَقِّ وُجُوبِ الْمَالِ لَكِنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ بِقَبُولِ الْأَبِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً تَوَقَّفَ الْخُلْعُ عَلَى قَبُولِهَا.
وَوَجَدْت فِي وَرَقَةٍ بِخَطِّهِ مَا نَصُّهُ فِي رَجُلٍ مُتَزَوِّجٍ بِامْرَأَةٍ، فَسَأَلَهُ وَالِدُهَا بِمَا نَصُّهُ: أَنْ يُطَلِّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً عَلَى بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْ حَالِّ صَدَاقِهَا وَمُؤَجَّلِهِ عَلَيْهِ وَجُمْلَتُهُ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا عَلَى ثَلَاثِ فُصُولٍ كَسَاوٍ مِنْ غَيْرِ إذْنِهَا، فَأَجَابَهُ لِذَلِكَ وَطَلَّقَهَا الطَّلْقَةَ الْمَسْئُولَةَ عَلَى الْحُكْمِ الْمَشْرُوحِ، فَهَلْ وَالْحَالُ مَا ذَكَرَ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ الْإِبْرَاءُ الْمَذْكُورُ وَوَقَعَ الْمَوْقِعَ أَمْ لَا؟ وَإِذَا لَمْ يَقَعْ الْإِبْرَاءُ مَوْقِعَهُ وَقُلْتُمْ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ يَقَعُ رَجْعِيًّا أَمْ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَمْ لَا؟ أَجَابَ الْجَمَالُ الصَّاغَانِيُّ: يَقَعُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا وَلَا شَيْءَ عَلَى الْأَبِ، فَإِنْ ضَمِنَ لَهُ بَرَاءَتَهُ مِنْ ذَلِكَ وَالْحَالُ مَا ذَكَرَ وَقَعَ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ عَلَى الْأَبِ.
وَكَتَبْت تَحْتَ خَطِّهِ مَا نَصُّهُ: يَقَعُ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا وَلَوْ ضَمِنَ الْأَبُ الْبَرَاءَةَ عَنْ الْمَهْرِ لِلزَّوْجِ وَلَا يَلْزَمُ الْأَبَ شَيْءٌ بِالضَّمَانِ الْمَذْكُورِ اهـ. وَذَكَرَ الرَّمْلِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ كَلَامًا يَنْبَغِي الْوُقُوفُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَحُسِبَ مِنْ الثُّلُثِ زَائِدٌ) ؛ لِأَنَّ التَّبَرُّعَ إنَّمَا هُوَ بِهِ بِخِلَافِ مَهْرِ الْمِثْلِ فَأَقَلُّ مِنْهُ فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَسَعْهُ أَيْ الزَّائِدُ الثُّلُثَ فُسِخَ الْمُسَمَّى وَرَجَعَ لِمَهْرِ الْمِثْلِ ق ل.

قَوْلُهُ: (وَلَا رَجْعَةَ) مُرَادُهُ اللُّغَوِيَّةُ.
قَالَ ق ل: فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهَا الرَّجْعَةَ وَقَعَ رَجْعِيًّا وَلَا مَالَ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِنِكَاحٍ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ إنْ أُرِيدَ الرَّجْعَةُ اصْطِلَاحًا، فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا مُطْلَقُ الرَّدِّ إلَيْهِ كَانَ مُتَّصِلًا اهـ. قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ عِوَضُ الْخُلْعِ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَذْكُرَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: وَالْخُلْعُ جَائِزٌ عَلَى عِوَضٍ بِأَنْ يَقُولَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَا فِي كَفِّهَا) أَيِّ شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ) فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا، وَإِذَا كَانَ صَحِيحًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ عَالِمًا بِهِ أَوْ جَاهِلًا، وَإِذَا كَانَ فَاسِدًا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا أَوْ غَيْرَ مَقْصُودٍ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا وَعَلِمَ بِهِ الزَّوْجُ بَانَتْ بِهِ أَوْ جَهِلَهُ بَانَتْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَكَذَا إنْ كَانَ فَاسِدًا مَقْصُودًا عَلِمَهُ الزَّوْجُ أَوْ جَهِلَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ وَعَلِمَ بِهِ الزَّوْجُ وَقَعَ رَجْعِيًّا وَلَا مَالَ، وَإِنْ جَهِلَهُ وَقَعَ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ م ر. قَوْلُهُ: (وَقَعَ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ) وَإِنْ

الْأَرْجَحِ فِي الزَّوَائِدِ، وَشُرِطَ فِي الصِّيغَةِ مَا مَرَّ فِيهَا فِي الْبَيْعِ عَلَى مَا يَأْتِي وَلَكِنْ لَا يَضُرُّ هُنَا تَخَلُّلُ كَلَامٍ يَسِيرٍ.
وَلَفْظُ الْخُلْعِ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ فَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ لِنِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ تَكَرَّرَ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ، وَهَذَا مَا جَرَى عَلَيْهِ فِي الْمِنْهَاجِ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِ؛ وَقِيلَ: كِنَايَةٌ فِي الطَّلَاقِ، وَهَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْأُمِّ.
وَالْأَصَحُّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ الْخُلْعَ وَالْمُفَادَاةَ إنْ ذُكِرَ مَعَهُمَا الْمَالُ فَهُمَا صَرِيحَانِ فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُ يُشْعِرُ بِالْبَيْنُونَةِ وَإِلَّا فَكِنَايَتَانِ.

(وَيَجُوزُ الْخُلْعُ فِي الطُّهْرِ) الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ نَدَمٌ بِظُهُورِ الْحَمْلِ لِرِضَاهُ بِأَخْذِ الْعِوَضِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ جَوَازُهُ فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
(وَ) يَجُوزُ أَيْضًا فِي (الْحَيْضِ) ؛ لِأَنَّهَا بِبَذْلِهَا الْفِدَاءَ لِخَلَاصِهَا رَضِيَتْ لِنَفْسِهَا بِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ (وَلَا يَلْحَقُ الْمُخْتَلِعَةَ) فِي عِدَّتِهَا (طَلَاقٌ) بِلَفْظٍ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ وَلَا إيلَاءٌ وَلَا ظِهَارٌ لِصَيْرُورَتِهَا أَجْنَبِيَّةً بِافْتِدَاءِ بُضْعِهَا.
وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْمُخْتَلِعَةِ الرَّجْعِيَّةُ فَيَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لِبَقَاءِ سَلْطَنَتِهِ عَلَيْهَا؛ إذْ هِيَ كَالزَّوْجَةِ فِي لُحُوقِ الطَّلَاقِ وَالْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ وَاللِّعَانِ وَالْمِيرَاثِ.

تَتِمَّةٌ: لَوْ ادَّعَتْ خُلْعًا فَأَنْكَرَ الزَّوْجُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، فَإِنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً رَجُلَيْنِ عُمِلَ بِهَا وَلَا مَالَ؛ لِأَنَّهُ

[حاشية البجيرمي]

عَلِمَ أَنَّ كَفَّهَا خَالٍ قَالَ م ر: لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي كَفِّهَا صِلَةٌ لِمَا أَوْ صِفَةٌ لَهَا غَايَتُهُ أَنَّهُ وَصَفَهُ بِصِفَةٍ كَاذِبَةٍ فَتَلْغُو فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ خَالَعَهَا عَلَى شَيْءٍ مَجْهُولٍ اهـ. فَالْمُرَادُ الْعِوَضُ وَلَوْ بِقَسْرٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَخَرَجَ بِضَمِيرِ خَالَعَهَا خُلْعُهُ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ فَيَقَعُ رَجْعِيًّا.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَا يَأْتِي) لَا حَاجَةَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ: " عَلَى مَا يَأْتِي " وَبَيْنَ قَوْلِهِ: " وَلَكِنْ " فَلَوْ حَذَفَهُ كَانَ أَوْلَى إذْ قَوْلُهُ: " وَلَكِنْ إلَخْ " هُوَ قَوْلُهُ عَلَى مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ تَكَرَّرَ إلَخْ) هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَأْخَذَ الصَّرَاحَةِ التَّكَرُّرُ فِي لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ، وَقِيلَ: الْمُعْتَبَرُ وُرُودُهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ اشْتِهَارُهُ مَعَ وُرُودِ مَعْنَاهُ سَوَاءٌ تَكَرَّرَ أَمْ لَا.
وَمُرَادُهُ بِحَمَلَةِ الشَّرْعِ الْفُقَهَاءُ ع ش. قَوْلُهُ: (إنْ ذَكَرَ مَعَهُمَا الْمَالَ) وَكَذَا إنْ نَوَى أَوْ نَوَى الْتِمَاسَ قَبُولِهَا وَقَبِلَتْ ق ل. وَيَقَعُ فِي الْأُولَى بِالْمُسَمَّى وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْمَنْوِيِّ إنْ وَافَقَتْهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ تُوَافِقْهُ وَقَعَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَيَقَعُ فِي الثَّالِثَةِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ إنْ قَبِلَتْ وَإِلَّا فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ تَأَمَّلْ، حَرَّرَ ذَلِكَ فِي زي.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي الثَّالِثَةِ، فَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ وَقَعَ رَجْعِيًّا وَإِلَّا فَلَا م ر، وَعِبَارَتُهُ فِي شَرْحِهِ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ إنْ صَرَّحَ بِالْعِوَضِ أَوْ نَوَاهُ وَقَبِلَتْ بَانَتْ بِمَا ذَكَرَهُ أَوْ نَوَاهُ أَوْ عَرَّى عَنْ ذِكْرِ الْمَالِ وَنِيَّتِهِ وَنَوَى الْتِمَاسَ جَوَابِهَا وَقَبِلَتْ وَقَعَ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ لِاطِّرَادِ الْعُرْفِ بِجَرَيَانِ ذَلِكَ بِعِوَضٍ، فَيَرْجِعُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ، فَإِنْ لَمْ يُضْمِرْ جَوَابَهَا وَنَوَى الطَّلَاقَ وَقَعَ رَجْعِيًّا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ اهـ مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَعِ ش. وَعِبَارَةُ زي: الْمُعْتَمَدُ مَا فِي الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّ شَرْطَ صَرَاحَتِهِ ذِكْرُ الْمَالِ وَمِثْلُ ذِكْرِهِ نِيَّتُهُ أَيْ الْمَالِ، فَإِنْ ذَكَرَ مَالًا وَجَبَ وَإِنْ نَوَاهُ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبُولِ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ سَوَاءٌ أَضْمَرَ الِالْتِمَاسَ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مَالًا وَلَا نَوَاهُ كَانَ كِنَايَةً فِي الطَّلَاقِ، فَإِنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ نُظِرَ فَإِنْ أَضْمَرَ الْتِمَاسَ قَبُولِهَا وَقَبِلَتْ وَكَانَتْ أَهْلًا لِلِالْتِزَامِ وَقَعَ بَائِنًا بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَإِنْ لَمْ يُضْمِرْ وَقَعَ رَجْعِيًّا.
وَكَذَا إنْ لَمْ تَقْبَلْ، هَكَذَا حَرَّرَهُ ابْنُ الرَّمْلِيِّ فِي دَرْسِهِ اهـ.

قَوْلُهُ: (الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ) قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَكُونُ بِدْعِيًّا لَوْلَا الْخُلْعُ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهُ يُعْلَمُ) أَيْ مِنْ التَّعْلِيلِ.
قَوْلُهُ (لِأَنَّهَا بِبَذْلِهَا الْفِدَاءَ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ فَرْضُهَا فِيمَا إذَا كَانَ الْخُلْعُ مَعَهَا أَوْ بِإِذْنِهَا، فَلَوْ كَانَ مَعَ أَجْنَبِيٍّ بِلَا إذْنِهَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ بِدْعِيٌّ وَإِنْ صَحَّ؛ وَسَيَأْتِي أَنَّ طَلَاقَهَا لَا سُنِّيٌّ وَلَا بِدْعِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَالزَّوْجَةِ فِي لُحُوقِ الطَّلَاقِ) ذَكَرَ خَمْسَةً، وَزِيدَ سَادِسٌ وَهُوَ: عَدَمُ جَوَازِ نِكَاحِ أَرْبَعٍ سِوَاهَا.
وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فِي بَيْتٍ فَقَالَ: طَلَاقٌ وَإِيلَاءٌ ظِهَارٌ وِرَاثَةٌ ... لِعَانٌ لَحِقْنَ الْكُلَّ مَنْ هِيَ رَجْعَةٌ أَيْ ذَاتُ رَجْعَةٍ.

قَوْلُهُ: (صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) أَيْ فَإِذَا مَاتَ لَا تَرِثُهُ وَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ إنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا وَإِذَا مَاتَتْ وَرِثَهَا.
قَوْلُهُ: (رَجُلَيْنِ)

يُكْرَهُ، إلَّا أَنْ يَعُودَ وَيَعْتَرِفَ بِالْخُلْعِ فَيَسْتَحِقَّهُ؛ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
أَوْ ادَّعَى الْخُلْعَ فَأَنْكَرَتْ بِأَنْ قَالَتْ لَمْ تُطَلِّقْنِي أَوْ طَلَّقْتنِي مَجَّانًا بَانَتْ بِقَوْلِهِ وَلَا عِوَضَ عَلَيْهَا، إذْ الْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَتَحْلِفُ عَلَى نَفْيِهِ وَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ؛ فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِهِ أَوْ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ ثَبَتَ الْمَالُ كَمَا قَالَهُ فِي الْبَيَانِ، وَكَذَا لَوْ اعْتَرَفَتْ بَعْدَ يَمِينِهَا بِمَا ادَّعَاهُ؛ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ كَقَوْلِهَا سَأَلْتُك ثَلَاثَ طَلْقَاتٍ بِأَلْفٍ فَأَجَبْتنِي فَقَالَ وَاحِدَةً بِأَلْفٍ فَأَجَبْتُك أَوْ فِي صِفَةِ عِوَضِهِ كَدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ صِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ سَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِي التَّلَفُّظِ بِذَلِكَ أَوْ فِي إرَادَتِهِ كَأَنْ خَالَعَ بِأَلْفٍ وَقَالَ أَرَدْنَا دَنَانِيرَ فَقَالَتْ دَرَاهِمَ أَوْ قَدْرِهِ كَقَوْلِهِ خَالَعْتُكِ بِمِائَتَيْنِ فَقَالَتْ بِمِائَةٍ وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ وَتَعَارَضَتَا، تَحَالَفَا كَالْمُتَبَايِعِينَ فِي كَيْفِيَّةِ الْحَلِفِ وَمَنْ يَبْدَأُ بِهِ، وَيَجِبُ بَيْنُونَتُهَا بِفَسْخِ الْعِوَضِ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا أَوْ الْحَاكِمِ مَهْرُ مِثْلٍ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَاهُ؛ لِأَنَّهُ الْمَرَدُّ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ عُمِلَ بِهَا.
وَلَوْ خَالَعَ بِأَلْفٍ مَثَلًا وَنَوَيَا نَوْعًا مِنْ نَوْعَيْنِ بِالْبَلَدِ لَزِمَ إلْحَاقًا لِلْمَنْوِيِّ بِالْمَلْفُوظِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِيَا شَيْئًا حُمِلَ عَلَى الْغَالِبِ إنْ كَانَ وَإِلَّا لَزِمَ مَهْرُ الْمِثْلِ.

فصول الكتاب · 38 فصل · 529 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب · 529 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
فَصْلٌ: فِي السِّوَاكِ
فَصْلٌ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ
فَصْلٌ: فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ
دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ بِلَا سَبَبٍ
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ
فَصْلٌ: فِي الِاعْتِكَافِ
فَصْلٌ فِي السَّلَمِ
فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِفَصْلٌ: فِي الشَّرِكَةِفَصْلٌ: فِي الْإِقْرَارِفَصْلٌ: فِي الْغَصْبِفَصْلٌ: فِي الشُّفْعَةِفَصْلٌ: فِي الْقِرَاضِفَصْلٌ: فِي الْمُسَاقَاةِفَصْلٌ: فِي الْإِجَارَةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَقْفِ
فَصْلٌ: فِي اللَّقِيطِ
فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ
فَصْلٌ: فِي الظِّهَارِفَصْلٌ: فِي اللِّعَانِفَصْلٌ: فِي الِاسْتِبْرَاءِ
فَصْلٌ: فِي الرَّضَاعِ
فَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِفَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْفَيْءِفَصْلٌ: فِي الْجِزْيَةِفَصْلٌ: فِي الْأَطْعِمَةِ
فَصْلٌ: فِي الْأُضْحِيَّةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَلَاءِفَصْلٌ فِي التَّدْبِيرِخَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل