فَصْلٌ: فِي الرَّضَاعِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البجيرمي
- الكتاب
- تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
- المؤلف
- سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه
وَالسَّعُوطُ بِأَنْ أَدْخَلَهُ أَنْفَهُ.
فَلَا حَدَّ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَدَّ لِلزَّجْرِ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ هُنَا وَبِالشَّرَابِ الْمَفْهُومُ مِنْ شُرْبِ النَّبَاتِ قَالَ الدَّمِيرِيُّ: كَالْحَشِيشَةِ الَّتِي يَأْكُلُهَا الْحَرَافِيشُ.
وَنَقَلَ الشَّيْخَانِ فِي بَابِ الْأَطْعِمَةِ عَنْ الرُّويَانِيِّ أَنَّ أَكْلَهَا حَرَامٌ وَلَا حَدَّ فِيهَا، وَبِالْمُكَلَّفِ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُمَا، وَبِالْمُلْتَزِمِ الْحَرْبِيُّ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ، وَالذِّمِّيُّ لِأَنَّهُ لَا يَلْتَزِمُ بِالذِّمَّةِ مَا لَا يَعْتَقِدُهُ وَبِالْمُخْتَارِ الْمَصْبُوبُ فِي حَلْقِهِ قَهْرًا وَالْمُكْرَهُ عَلَى شُرْبِهِ لِحَدِيثِ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَبِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مَا لَوْ غَصَّ أَيْ شَرِقَ بِلُقْمَةٍ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَ الْخَمْرِ فَأَسَاغَهَا بِهَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِوُجُوبِ شُرْبِهَا إنْقَاذًا لِلنَّفْسِ مِنْ الْهَلَاكِ، وَالسَّلَامَةُ بِذَلِكَ قَطْعِيَّةُ الدَّوَاءِ وَهَذِهِ رُخْصَةٌ وَاجِبَةٌ.
فَلَوْ وَجَدَ غَيْرَهَا وَلَوْ بَوْلًا حُرِّمَ إسَاغَتُهَا بِالْخَمْرِ، وَوَجَبَ حَدُّهُ
[حاشية البجيرمي]
إلَى كِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ هَرَمٍ أَوْ صَلَاحٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَالسَّعُوطُ) بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا كَذَا قَالَهُ الْمَدَابِغِيُّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِالضَّمِّ الْفِعْلُ لِمُنَاسَبَتِهِ لِلْحُقْنَةِ، لِأَنَّهَا الْفِعْلُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا حَدَّ بِذَلِكَ) أَيْ وَيُحَرَّمُ، لِأَنَّهُ تَلَطَّخَ بِنَجَاسَةٍ وَأَدْخَلَهَا جَوْفَهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ قَوْلُهُ: (وَبِالشَّرَابِ) لَا يَخْفَى أَنَّ غَيْرَ الشَّرَابِ كَالْخَمْرَةِ الْمُنْعَقِدَةِ مِثْلُهُ وَالْمَأْكُولُ كَالْمَشْرُوبِ فَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ ق ل. وَيُجَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْخَمْرَةَ الْمُنْعَقِدَةَ يُقَالُ لَهَا شَرَابٌ بِالنَّظَرِ لِأَصْلِهَا.
قَوْلُهُ: (الْمَفْهُومِ) فِيهِ أَنَّهُ مَنْطُوقٌ بِهِ فِي قَوْلِهِ، أَوْ شَرِبَ شَرَابًا مُسْكِرًا فَلَا حَاجَةَ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا مِنْ شَرِبَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مَا فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ بَعِيدٌ أَوْ أَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ شَرِبَ لِيَكُونَ عَامًّا فِي الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ شَرَابِ الَّذِي فِي الْمَتْنِ فَإِنَّهُ فِي غَيْرِ الْخَمْرِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمُ الْخَمْرِ إذَا كَانَ غَيْرَ مَائِعٍ، وَهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ.
قَوْلُهُ: (الْحَرَافِيشُ) فِي الْقَامُوسِ الْحَرَافِيشُ جَمْعُ حَرَنْفَشٍ كَغَضَنْفَرٍ وَهُوَ الْجَافِي الْغَلِيظُ وَهَذَا التَّقْيِيدُ غَيْرُ مُرَادٍ بَلْ الْمُرَادُ بِهِمْ أَرَاذِلُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ، وَأَنْشَدَ الْأُسْتَاذُ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْعُهُودِ لِبَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ
نَحْنُ الْحَرَافِيشُ لَا نَسْكُنُ عِلَالِي الدُّورِ ... وَلَا نُرَائِي وَلَا نَشْهَدُ شَهَادَةَ زُورِ
نَقْنَعُ بِخِرْقَةٍ وَلُقْمَةٍ فِي مَسْجِدٍ مَهْجُورٍ ... مَنْ كَانَ ذَا الْحَالُ فَذَنْبُهُ مَغْفُورُ
قَوْلُهُ: (وَبِالْمُكَلَّفِ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ) : أَيْ فَلَا حُرْمَةَ وَلَا حَدَّ لَكِنْ يُعَزَّرَانِ إذَا كَانَ لَهُمَا نَوْعُ تَمْيِيزٍ.
قَوْلُهُ: (وَبِالْمُلْتَزِمِ الْحَرْبِيُّ) : فَلَا حَدَّ وَيُحَرَّمُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الذِّمِّيِّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَا يَلْتَزِمُ بِالذِّمَّةِ مَا لَا يَعْتَقِدُهُ) فِيهِ أَنَّ الْخَمْرَ حَرَامٌ عِنْدَ الْكِتَابِيِّ فَالْأَوْلَى التَّعْلِيلُ بِغَيْرِ هَذَا وَلِهَذَا عَلَّلَ م ر بِتَعْلِيلٍ آخَرَ وَعِبَارَتُهُ، لِأَنَّهُ لَا يَلْتَزِمُ بِالذِّمَّةِ إلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمِّيِّينَ.
اهـ عَلَى أَنَّ مَنْطُوقَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَلْتَزِمُ شَيْئًا مِمَّا لَا يَعْتَقِدُهُ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ مَعَ أَنَّ هُنَاكَ أُمُورًا لَا يَعْتَقِدُهَا وَمَعَ ذَلِكَ يَلْتَزِمُهَا بِعَقْدِ الذِّمَّةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ: وَالذِّمِّيُّ خَارِجٌ بِمُلْتَزِمِ الْأَحْكَامِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُهَا وَهُوَ لَا يَلْتَزِمُ جَمِيعَهَا.
وَيُجَابُ بِمَا ذُكِرَ عَنْ تَنْظِيرِ ق ل. وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ: وَالذِّمِّيُّ فِيهِ نَظَرٌ.
اهـ ق ل أَيْ فِي خُرُوجِهِ بِالْمُلْتَزِمِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمُلْتَزِمَ لِلْأَحْكَامِ يَشْمَلُ الذِّمِّيَّ فَكَيْفَ يَخْرُجُ بِهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ لِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ الَّتِي مِنْهَا تَرْكُ الْمُسْكِرِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَلْتَزِمُ الْجَمِيعَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُكْرَهُ) أَيْ فَلَا حُرْمَةَ وَلَا حَدَّ.
قَوْلُهُ: غَصَّ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ بِمَعْنَى شَرِقَ أَيْ وَخَشِيَ هَلَاكَهُ مِنْهَا إنْ لَمْ تَنْزِلْ جَوْفَهُ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إخْرَاجِهَا وَهَذِهِ الرُّخْصَةُ وَاجِبَةٌ قَالَ م ر: وَظَاهِرٌ أَنَّ خُصُوصَ الْهَلَاكِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ لَا لِمُجَرَّدِ الْإِبَاحَةِ اهـ بِرْمَاوِيٌّ وَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ مَاتَ شَهِيدًا لِجَوَازِ تَنَاوُلِهِ بَلْ وُجُوبِهِ ع ش.
قَوْلُهُ: (وَالسَّلَامَةُ) مُبْتَدَأٌ، " قَطْعِيَّةُ " خَبَرٌ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ، أَوْ لَا مَحَلَّ لَهَا عَلَى الِاسْتِئْنَافِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الدَّوَاءِ) فَإِنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يُبَاحُ تَنَاوُلُهَا صِرْفَةً لِلتَّدَاوِي لِعَدَمِ الْقَطْعِ بِنَفْعِهَا فِيهِ بَلْ نَفْعُ الدَّوَاءِ مَوْهُومٌ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ بِهَا الشِّفَاءُ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِلْقَطْعِ بِعَدَمِ نَفْعِهَا.
قَوْلُهُ: (وَهَذِهِ) أَيْ الْإِسَاغَةُ رُخْصَةٌ وَاجِبَةٌ قَالَ الشَّيْخُ م ر: وَظَاهِرٌ أَنَّ خُصُوصَ الْهَلَاكِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ لَا لِمُجَرَّدِ الْإِبَاحَةِ أَخْذًا مِنْ حُصُولِ الْإِكْرَاهِ الْمُبِيحِ لَهَا، بِنَحْوِ ضَرْبٍ شَدِيدٍ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بَوْلًا) وَإِنْ كَانَ مِنْ مُغَلَّظٍ ق ل قَوْلُهُ: (وَوَجَبَ حَدُّهُ) مَرْجُوحٌ وَالْمُعْتَمَدُ لَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ وَكَذَا
وَبِعَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ مَنْ جَهِلَ كَوْنَهَا خَمْرًا فَشَرِبَهَا ظَانًّا كَوْنَهَا شَرَابًا لَا يُسْكِرُ لَمْ يُحَدَّ لِلْعُذْرِ وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ مُدَّةَ السُّكْرِ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ.
، وَلَوْ قَالَ السَّكْرَانُ بَعْدَ الْإِصْحَاءِ: كُنْتُ مُكْرَهًا، أَوْ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ الَّذِي شَرِبْتُهُ مُسْكِرًا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَلَوْ قَرُبَ إسْلَامُهُ فَقَالَ: جَهِلْتُ تَحْرِيمَهَا لَمْ يُحَدَّ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ.
وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَنْ نَشَأَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا وَلَوْ قَالَ: عَلِمْتُ تَحْرِيمَهَا وَلَكِنْ جَهِلْتُ الْحَدَّ بِشُرْبِهَا حُدَّ، لِأَنَّ مِنْ حَقِّهِ إذَا عَلِمَ التَّحْرِيمَ أَنْ يَمْتَنِعَ، وَيُحَدُّ بِدُرْدِيٍّ مُسْكِرٍ وَلَا يُحَدُّ بِشُرْبِهِ فِيمَا اسْتَهْلَكَ فِيهِ، وَلَا بِخُبْزٍ عُجِنَ دَقِيقُهُ بِهِ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْمُسْكِرِ أَكَلَتْهُ النَّارُ وَبَقِيَ الْخُبْزُ مُتَنَجِّسًا، وَلَا مَعْجُونٍ هُوَ فِيهِ لِاسْتِهْلَاكِهِ، وَلَا بِأَكْلِ لَحْمٍ طُبِخَ بِهِ بِخِلَافِ مَرَقِهِ إذَا شَرِبَهُ أَوْ غَمَّسَ فِيهِ، أَوْ ثَرَدَ بِهِ فَإِنَّهُ يُحَدُّ لِبَقَاءِ عَيْنِهِ.
وَيُحَرَّمُ تَنَاوُلُ الْخَمْرِ، لِدَوَاءٍ وَعَطَشٍ أَمَّا تَحْرِيمُ الدَّوَاءِ بِهَا: «فَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سُئِلَ عَنْ التَّدَاوِي بِهَا قَالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَلَبَ الْخَمْرَ مَنَافِعَهَا حِينَ حَرَّمَهَا.
وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنْ أَنَّ فِيهَا مَنَافِعَ لِلنَّاسِ إنَّمَا هُوَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا، وَإِنْ سُلِّمَ بَقَاءُ الْمَنْفَعَةِ، فَتَحْرِيمُهَا مَقْطُوعٌ بِهِ، وَحُصُولُ الشِّفَاءِ بِهَا مَظْنُونٌ فَلَا يَقْوَى عَلَى إزَالَةِ الْمَقْطُوعِ بِهِ.
وَأَمَّا تَحْرِيمُهَا لِلْعَطَشِ فَلِأَنَّهُ لَا يُزِيلُهُ بَلْ يَزِيدُهُ، لِأَنَّ طَبْعَهَا حَارٌّ يَابِسٌ.
كَمَا قَالَهُ أَهْلُ الطِّبِّ، وَشُرْبُهَا لِدَفْعِ الْجُوعِ كَشُرْبِهَا لِدَفْعِ الْعَطَشِ هَذَا إذَا تَدَاوَى بِصِرْفِهَا.
أَمَّا
[حاشية البجيرمي]
يُقَالُ فِي الدَّوَاءِ: إنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا لَا حُرْمَةَ وَلَا حَدَّ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهَا حُرِّمَتْ وَلَا حَدَّ، وَالْكَلَامُ فِي شُرْبِهَا صِرْفَةً، وَإِلَّا فَيَجُوزُ التَّدَاوِي بِمَا هِيَ فِيهِ كَصَرْفِ غَيْرِهَا مِنْ النَّجَاسَاتِ ق ل. وَانْظُرْ هَلْ قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا لَا حُرْمَةَ وَلَا حَدَّ مُنَافٍ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ إطْلَاقِ حُرْمَةِ تَنَاوُلِهَا لِلتَّدَاوِي اهـ م د.
قَوْلُهُ: (مَنْ جَهِلَ كَوْنَهَا خَمْرًا) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: مَنْ جَهِلَ الْحُرْمَةَ وَكَانَ مَعْذُورًا وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ لَا يُنَاسِبُ إلَّا لَوْ قَالَ: عَالِمًا بِهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ إلَخْ) عِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ، وَإِذَا سَكِرَ بِمَا شَرِبَهُ لِتَدَاوٍ، أَوْ عَطَشٍ، أَوْ إسَاغَةِ لُقْمَةٍ قَضَى مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ، لِأَنَّهُ تَعَمَّدَ الشُّرْبَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْجَاهِلِ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضِ اهـ.
قَوْلُهُ: (مُسْكِرًا) الْأَوْلَى مُسْكِرٌ، لِأَنَّهُ خَبَرُ أَنَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ هُوَ الْخَبَرُ تَقْدِيرُهُ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ الَّذِي شَرِبْتُهُ يَكُونُ مُسْكِرًا اهـ أج وَلَا حَاجَةَ لِهَذَا التَّكَلُّفِ، لِأَنَّهُ لُغَةٌ كَمَا فِي:
إنَّ حُرَّاسَنَا أُسْدًا
وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَمْ أَعْلَمْ كَوْنَ إلَخْ لَكِنَّهَا مَصْلَحَةٌ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُحَدَّ) قَالَ ق ل: وَلَمْ يُحَرَّمْ اهـ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّارِحُ، لِأَنَّ مُدَّعِيَ الْجَهْلِ وَلَوْ كَاذِبًا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي دَعْوَى الْحَدِّ، وَأَمَّا الْحُرْمَةُ وَعَدَمُهَا فَتُبْنَى عَلَى صِدْقِهِ وَعَدَمِ صِدْقِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (بِدُرْدِيٍّ) وَهُوَ مَا يَبْقَى أَسْفَلَ إنَاءِ مَا يُسْكِرُ ثَخِينًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُحَدُّ بِشُرْبِهِ) أَيْ الْمُسْكِرِ فِيمَا بِالْقَصْرِ لِيَشْمَلَ غَيْرَ الْمَاءِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ عَطْفُ قَوْلِهِ: وَلَا بِخُبْزٍ إلَخْ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ خَاصٌّ بِالْمَائِعَاتِ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِخُبْزٍ) أَيْ وَلَا بِأَكْلِ خُبْزٍ إلَخْ قَوْلُهُ: (أَكَلَتْهُ النَّارُ) نَظَرَ فِيهِ ق ل بَلْ قَالَ: إنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ اللُّبَابَ مُشْتَمِلٌ عَلَى عَيْنِ الْمُسْكِرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا مَعْجُونٍ هُوَ) أَيْ الْمُسْكِرُ فِيهِ قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَرَقِهِ) أَيْ مَرَقِ اللَّحْمِ الْمَطْبُوخِ بِالْخَمْرِ فَمَرَقُهُ هُوَ الْخَمْرُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لِبَقَاءِ عَيْنِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَمَّسَ) بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَفِي الْمِصْبَاحِ غَمَسَهُ فِي الْمَاءِ غَمْسًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ فَانْغَمَسَ هُوَ اهـ فَالْمِيمُ مُخَفَّفَةٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْ ثَرَدَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ يُقَالُ ثَرَدْتُ الْخُبْزَ ثَرْدًا مِنْ بَابِ قَتَلَ أَيْ فَتَّ مِصْبَاحٌ وَقَوْلُهُ: بِهِ أَيْ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُحَرَّمُ تَنَاوُلُ الْخَمْرِ) أَيْ الصِّرْفَةِ لِدَوَاءٍ أَوْ عَطَشٍ أَيْ وَلَا يُحَدُّ لِذَلِكَ، وَإِنْ وَجَدَ غَيْرَهُ لِشُبْهَةِ قَصْدِ التَّدَاوِي شَرْحَ الْمَنْهَجِ قَالَ سم: وَمَحَلُّ حُرْمَةِ شُرْبِهِ لِلْعَطَشِ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ لِدَفْعِ الْهَلَاكِ.
وَإِلَّا جَازَ بَلْ وَجَبَ كَمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَهُوَ وَاضِحٌ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُلْحَقَ بِالْهَلَاكِ نَحْوُ تَلَفِ عُضْوٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ.
اهـ وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ شَمَّ الصَّغِيرُ رَائِحَةَ الْمُسْكِرِ، وَخِيفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُسْقَ مِنْهُ جَوَازُ سَقْيِهِ مِنْهُ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ الضَّرَرَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ: وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر: فَرْعٌ شَمَّ صَغِيرٌ رَائِحَةً، وَخِيفَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُسْقَ مِنْهَا هَلْ يَجُوزُ سَقْيُهُ مِنْهَا مَا يَدْفَعُ عَنْهُ ضَرَرًا قَالَ م ر: إنْ خِيفَ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ، أَوْ مَرَضٌ يُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، سم الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَجَبَ.
أَقُولُ: لَوْ قِيلَ يَكْفِي مُجَرَّدُ ضَرَرٍ تَحْصُلُ مَعَهُ مَشَقَّةٌ وَلَا سِيَّمَا إنْ غَلَبَ امْتِدَادُهُ بِالطِّفْلِ، لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا اهـ.
قَوْلُهُ: (مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ) أَيْ مِنْ
التِّرْيَاقُ الْمَعْجُونُ بِهَا وَنَحْوُهُ مِمَّا تُسْتَهْلَكُ فِيهِ فَيَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِ عِنْدَ فَقْدِ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ التَّدَاوِي مِنْ الطَّاهِرَاتِ كَالتَّدَاوِي بِنَجِسٍ كَلَحْمِ حَيَّةٍ وَبَوْلٍ.
وَلَوْ كَانَ التَّدَاوِي بِذَلِكَ لِتَعْجِيلِ شِفَاءٍ بِشَرْطِ إخْبَارِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ عَدْلٍ بِذَلِكَ أَوْ مَعْرِفَتِهِ لِلتَّدَاوِي بِهِ، وَالنَّدُّ بِالْفَتْحِ الْمَعْجُونُ بِخَمْرٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِنَجَاسَتِهِ.
وَيَجُوزُ تَنَاوُلُ مَا يُزِيلُ الْعَقْلَ مِنْ غَيْرِ الْأَشْرِبَةِ لِقَطْعِ عُضْوٍ مُتَآكِلٍ، أَمَّا الْأَشْرِبَةُ فَلَا يَجُوزُ تَعَاطِيهَا لِذَلِكَ.
وَأَصْلُ الْجَلْدِ أَنْ يَكُونَ بِسَوْطٍ، أَوْ يَدٍ، أَوْ نِعَالٍ أَوْ أَطْرَافِ ثِيَابٍ لِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: كَانَ يَضْرِبُ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ» وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَكْرَانَ فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ فَمِنَّا مَنْ ضَرَبَهُ بِيَدِهِ وَمِنَّا مَنْ ضَرَبَهُ بِنَعْلِهِ وَمِنَّا مَنْ ضَرَبَهُ بِثَوْبِهِ» (وَيَجُوزُ) لِلْإِمَامِ (أَنْ يَبْلُغَ بِهِ) أَيْ الشَّارِبِ الْحُرِّ (ثَمَانِينَ) عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: «جَلَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ
[حاشية البجيرمي]
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ [البقرة: 219] إلَخْ.
قَوْلُهُ: (هَذَا إذَا تَدَاوَى بِصِرْفِهَا) لَمْ تَظْهَرْ هَذِهِ الْمُقَابَلَةُ، لِأَنَّ حُكْمَ التَّدَاوِي بِهَا صِرْفَةً كَحُكْمِهِ مَخْلُوطَةً وَهُوَ إنْ وَجَدَ غَيْرَهُ حُرِّمَ وَلَا حَدَّ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ لَا حُرْمَةَ وَلَا حَدَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا.
وَظَاهِرُ الشَّارِحِ أَنَّ التَّدَاوِيَ بِهَا صِرْفَةً حَرَامٌ مُطْلَقًا وَلَوْ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهَا وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا حُكْمُ الْعَطَشِ فَيُحَرَّمُ مُطْلَقًا وَلَوْ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهَا، إلَّا إنْ أَدَّى عَدَمُ الشُّرْبِ إلَى تَلَفِ نَفْسٍ، أَوْ عُضْوٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ فَيَجِبُ إلَّا أَنْ يُجَابَ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّ بَيْنَ الصِّرْفِ وَالْمَخْلُوطِ فَرْقًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ صِرْفَةً وَوَجَدَ غَيْرَهَا يُحَرَّمُ وَلَا حَدَّ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ: يُحَدُّ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مَخْلُوطَةً وَوَجَدَ غَيْرَهَا وَتَدَاوَى بِالْمَخْلُوطِ فَلَا حَدَّ اتِّفَاقًا، وَأَيْضًا إذَا وَجَدَ غَيْرَهَا وَهِيَ صِرْفَةٌ تَكُونُ الْحُرْمَةُ حُرْمَةَ الْخَمْرِ، وَإِذَا كَانَتْ مَخْلُوطَةً وَوَجَدَ غَيْرَهَا تَكُونُ الْحُرْمَةُ حُرْمَةَ الْمُتَنَجِّسِ وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ حُرْمَةِ الْخَمْرِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ: بَعْدَ مَسْأَلَةِ إسَاغَةِ اللُّقْمَةِ بِخِلَافِ الدَّوَاءِ بِهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ حَرَامٌ مُطْلَقًا أَيْ وَجَدَ غَيْرَهَا أَوْ لَا.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: وَالسَّلَامَةُ بِذَلِكَ قَطْعِيَّةٌ أَيْ بِخِلَافِ الدَّوَاءِ فَإِنَّهُ مَظْنُونٌ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا التِّرْيَاقُ إلَخْ) لَيْسَ مُكَرَّرًا مَعَ قَوْلِهِ سَابِقًا وَلَا مَعْجُونٍ هُوَ فِيهِ، لِأَنَّ مَا ذُكِرَ هُنَا فِي مَقَامِ جَوَازِ التَّدَاوِي بِهِ وَمَا مَرَّ فِي بَيَانِ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ بِهِ فَانْدَفَعَ مَا فِي الْحَاشِيَةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
وَيُقَالُ: فِيهِ دَرَّاقٌ وَطَرَّاقٌ فَفِيهِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ وَأَوَّلُهَا مَكْسُورٌ أَوْ مَضْمُومٌ فَالْمَجْمُوعُ سِتَّةٌ قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ التَّدَاوِي إلَخْ) الْغَايَةُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ يَمْنَعُ التَّدَاوِيَ لِلتَّعْجِيلِ وَهِيَ غَايَةٌ فِي قَوْلِهِ: يَجُوزُ وَعِبَارَةُ زي: وَيَجُوزُ التَّدَاوِي بِصِرْفِ النَّجِسِ إلَّا الْمُسْكِرَ وَلَوْ بِتَعْجِيلِ شِفَاءٍ بِشَرْطِ إخْبَارِ عَدْلٍ عَارِفٍ، أَوْ مَعْرِفَةِ نَفْسِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (بِذَلِكَ) أَيْ بِالتِّرْيَاقِ وَنَحْوِهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَعْجُونٍ بِالْخَمْرِ قَوْلُهُ: (وَالنَّدُّ) نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ قَوْلُهُ: (لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) كَذَا فِي الرَّوْضِ قَالَ شَارِحُهُ: قَالَ فِي الْأَصْلِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ كَالثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ لِإِمْكَانِ طُهْرِهِ بِنَقْعِهِ فِي الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ تَنَاوُلُ مَا يُزِيلُ الْعَقْلَ مِنْ غَيْرِ الْأَشْرِبَةِ) : بِنَحْوِ بَنْجٍ لِقَطْعِ عُضْوٍ اهـ قَالَ ع ش عَلَى م ر: وَهَلْ مِنْ ذَلِكَ مَا يَقَعُ لِمَنْ أَخَذَ بِكْرًا وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ افْتِضَاضُهَا إلَّا بِإِطْعَامِهَا مَا يُغَيِّبُ عَقْلَهَا مِنْ نَحْوِ بَنْجٍ، أَوْ حَشِيشٍ فِيهِ نَظَرٌ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ مِثْلُهُ، لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى تَمْكِينِ الزَّوْجِ مِنْ الْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَحَلَّ جَوَازِ وَطْئِهَا مَا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ لَهَا أَذًى لَا يَحْتَمِلُ مِثْلَهُ فِي إزَالَةِ الْبَكَارَةِ.
اهـ.
قَوْلُهُ: (وَأَصْلُ الْجَلْدِ) أَيْ الْغَالِبُ ذَلِكَ فَلَا يَرِدُ الْمَرِيضُ فَإِنَّهُ يُضْرَبُ بِكَنِعَالٍ.
اهـ. شَيْخُنَا.
وَكَتَبَ أج عَلَى قَوْلِهِ: وَأَصْلُ الْجَلْدِ إلَخْ شَامِلٌ لِحَدِّ الزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالْقَذْفِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَالسَّوْطُ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ الْمُتَّخَذُ مِنْ سُيُورٍ تُلْوَى وَتُلَفُّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُسَوِّطُ اللَّحْمَ بِالدَّمِ أَيْ يَخْلِطُهُ بِهِ سم زي.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَطْرَافِ ثِيَابٍ) أَيْ وَلَا بُدَّ مِنْ شَدِّ طَرَفِ الثَّوْبِ وَفَتْلِهِ حَتَّى يُؤْلِمَ.
اهـ. م ر هـ م د. قَوْلُهُ: (أَيْ الشَّارِبِ) لَمْ يَقُلْ أَيْ بِحَدِّ الشَّارِبِ لِلْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الثَّمَانِينَ كُلَّهَا حَدٌّ أَوْ الزَّائِدَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ تَعْزِيرٌ اهـ. ق ل بِإِيضَاحٍ.
قَوْلُهُ: (وَكُلٌّ سُنَّةٌ) أَيْ طَرِيقَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ)
إلَيَّ، لِأَنَّهُ إذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَحَدُّ الِافْتِرَاءِ ثَمَانُونَ» وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فِي الْحُرِّ وَعَلَى الْعِشْرِينَ فِي غَيْرِهِ.
(عَلَى وَجْهِ التَّعْزِيرِ) ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَدًّا لَمَا جَازَ تَرْكُهَا.
وَقِيلَ: حَدٌّ، لِأَنَّ التَّعْزِيرَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ جِنَايَةٍ مُحَقَّقَةٍ، وَاعْتُرِضَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ وَضْعَ التَّعْزِيرِ النَّقْصُ عَنْ الْحَدِّ فَكَيْفَ يُسَاوِيهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لِجِنَايَاتٍ تَوَلَّدَتْ مِنْ الشَّارِبِ وَلِهَذَا اُسْتُحْسِنَ تَعْبِيرُ الْمِنْهَاجِ بِتَعْزِيرَاتٍ عَلَى تَعْبِيرِ الْمُحَرَّرِ بِتَعْزِيرٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَيْسَ هَذَا الْجَوَابُ شَافِيًا فَإِنَّ الْجِنَايَاتِ لَمْ تَتَحَقَّقْ حَتَّى يُعَزَّرَ، وَالْجِنَايَاتُ الَّتِي تَتَوَلَّدُ مِنْ الْخَمْرِ لَا تَنْحَصِرُ فَلْتَجْزِ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّمَانِينَ وَقَدْ مَنَعُوهَا قَالَ: وَفِي قِصَّةِ تَبْلِيغِ الصَّحَابَةِ الضَّرْبَ ثَمَانِينَ أَلْفَاظٌ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّ الْكُلَّ حَدٌّ، وَعَلَيْهِ فَحَدُّ الشَّارِبِ مَخْصُوصٌ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْحُدُودِ بِأَنْ يَتَحَتَّمَ بَعْضُهُ وَيَتَعَلَّقَ بَعْضُهُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا تَعْزِيرَاتٌ، وَإِنَّمَا لَمْ تُجْزِئْ الزِّيَادَةُ اقْتِصَارًا عَلَى مَا وَرَدَ.
(وَيَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ الشَّارِبِ الْمُقَيَّدِ بِمَا تَقَدَّمَ (الْحَدُّ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ) إمَّا (بِالْبَيِّنَةِ) وَهِيَ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا، أَوْ شَرِبَ مِمَّا شَرِبَ مِنْهُ غَيْرُهُ فَسَكِرَ مِنْهُ.
(أَوْ الْإِقْرَارِ) بِمَا ذُكِرَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ فَلَا يُحَدُّ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ نَاقِصَةٌ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَلَا بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ لِمَا مَرَّ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ وَلَا بِرِيحِ خَمْرٍ وَسُكْرٍ وَقَيْءٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ شَرِبَ غَالِطًا، أَوْ مُكْرَهًا.
وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ وَلَا يَسْتَوْفِيهِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ عَلَى الصَّحِيحِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى.
نَعَمْ سَيِّدُ الْعَبْدِ يَسْتَوْفِيهِ بِعِلْمِهِ لِإِصْلَاحِ مِلْكِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ تَفْصِيلٌ بَلْ يَكْفِي الْإِطْلَاقُ فِي إقْرَارٍ مِنْ شَخْصٍ بِأَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا وَفِي شَهَادَةٍ بِشُرْبِ مُسْكِرٍ: شَرِبَ فُلَانٌ خَمْرًا، وَلَا يُحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: وَهُوَ مُخْتَارٌ عَالِمٌ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِكْرَاهِ.
وَالْغَالِبُ مِنْ حَالِ الشَّارِبِ عِلْمُهُ بِمَا يَشْرَبُهُ فَنَزَلَ الْإِقْرَارُ وَالشَّهَادَةُ عَلَيْهِ وَيُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْ الْإِقْرَارِ، لِأَنَّ كُلَّ مَا لَيْسَ مِنْ حَقِّ آدَمِيٍّ يُقْبَلُ الرُّجُوعُ فِيهِ.
تَتِمَّةٌ: لَا يُحَدُّ حَالَ سُكْرِهِ.
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ وَالتَّنْكِيلُ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ مَعَ السُّكْرِ بَلْ يُؤَخَّرُ
[حاشية البجيرمي]
الْإِشَارَةُ لِكَوْنِهِ أَرْبَعِينَ، لِأَنَّهُ هُوَ الصَّادِرُ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَلِيلِ سِيَاقِ الْحَدِيثِ وَفِيهِ أَنَّ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ اُشْتُهِرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَصَارَ إجْمَاعًا فَمَا وَجْهُ الْمُخَالَفَةِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ لَا عَلَى نَفْسِهَا ح ل فَالظَّاهِرُ رُجُوعُ اسْمِ الْإِشَارَةِ لِلثَّمَانِينَ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ وَهُوَ مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ الرَّاوِي وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ وَهَذَا أَيْ الثَّمَانُونَ لِمَا يَأْتِي فِي قَوْلِ الشَّارِحِ: وَرَآهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَرَآهُ عَلِيٌّ لَكِنْ رَجَعَ عَنْهُ فَكَانَ يَجْلِدُ فِي خِلَافَتِهِ أَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ إذَا شَرِبَ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلشَّخْصِ.
اهـ. زي لَكِنَّ الْمُنَاسِبَ لِمَا بَعْدَهُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِقَوْلِهِ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ وَيَكُونَ اسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعًا لِلثَّمَانِينَ.
قَوْلُهُ: (هَذَى) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ خَلَطَ وَتَكَلَّمَ بِمَا لَا يَنْبَغِي كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَفِي الْقَامُوسِ هَذَى يَهْذِي هَذْيًا وَهَذَيَانًا تَكَلَّمَ بِغَيْرِ مَعْقُولٍ لِمَرَضٍ، أَوْ غَيْرِهِ.
اهـ وَهُوَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ الْقَامُوسِ.
قَوْلُهُ: (افْتَرَى) أَيْ كَذَبَ وَقَذَفَ.
قَوْلُهُ: (وَحَدُّ الِافْتِرَاءِ) أَيْ الْقَذْفِ ثَمَانُونَ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَرْكُ حَدِّ الشُّرْبِ لِأَنَّهُ جَعَلَ الثَّمَانِينَ حَدَّ الْقَذْفِ فَلَا يَنْتِجُ الدَّلِيلُ الْمُدَّعَى كَذَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا اهـ.
قَوْلُهُ: (عَلَى وَجْهِ التَّعْزِيرِ) الْأَوْلَى عَلَى وَجْهِ التَّعْزِيرَاتِ قَوْلُهُ: (وَقِيلَ: حَدٌّ) وَيَتَرَتَّبُ عَلَى أَنَّهَا تَعْزِيرٌ الضَّمَانُ بِالتَّلَفِ وَعَلَى أَنَّهَا حَدٌّ عَدَمُ الضَّمَانِ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَاعْتُرِضَ الْأَوَّلُ) هُوَ كَوْنُهَا تَعْزِيرًا.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ فَحَدُّ الشَّارِبِ) هَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ) لِأَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ، وَإِنْ كَانَتْ كَالْإِقْرَارِ إلَّا أَنَّ اسْتِمْرَارَهُ عَلَى الْإِنْكَارِ بِمَنْزِلَةِ رُجُوعِهِ، وَرُجُوعَهُ مَقْبُولٌ وَهُوَ حَسَنٌ.
اهـ. طَبَلَاوِيٌّ وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر قَوْلُهُ: وَحَدٌّ بِإِقْرَارِهِ أَيْ الْحَقِيقِيِّ زي وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ، وَلَعَلَّ صُورَتَهَا أَنْ يَرْمِيَ غَيْرَهُ بِشُرْبِ الْخَمْرِ فَيَدَّعِيَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ رَمَاهُ بِذَلِكَ وَيُرِيدَ تَعْزِيرَهُ فَيَطْلُبَ السَّابُّ الْيَمِينَ مِمَّنْ نَسَبَ إلَيْهِ شُرْبَهَا فَيَمْتَنِعَ وَيَرُدَّهَا عَلَيْهِ فَيَسْقُطَ عَنْهُ التَّعْزِيرُ وَلَا يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى الرَّادِّ لِلْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ) كَذَا فِي خَطِّ الْمُؤَلِّفِ لَكِنَّ الْأَوْلَى لِمَا يَأْتِي فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ، وَعُذْرُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ نَقَلَ عِبَارَةَ غَيْرِهِ.
وَاتُّفِقَ أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ قَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّرِقَةِ عَلَى الشُّرْبِ اهـ أج
قَوْلُهُ: (بَلْ يُؤَخَّرُ
وُجُوبًا إلَى إفَاقَتِهِ لِيَرْتَدِعَ فَإِنْ حُدَّ قَبْلَهَا فَفِي الِاعْتِدَادِ بِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ الِاعْتِدَادُ بِهِ وَسَوْطُ الْحُدُودِ، أَوْ التَّعَازِيرِ بَيْنَ قَضِيبٍ وَهُوَ الْغُصْنُ وَعَصًا غَيْرِ مُعْتَدِلَةٍ وَبَيْنَ رَطْبٍ وَيَابِسٍ بِأَنْ يَكُونَ مُعْتَدِلَ الْجِرْمِ وَالرُّطُوبَةِ لِلْإِتْبَاعِ، وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِوُجُوبِ هَذَا وَلَا بِنَدْبِهِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ: الْوُجُوبُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ وَيُفَرِّقُ الضَّرْبَ عَلَى الْأَعْضَاءِ فَلَا يَجْمَعُهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إلَى الْهَلَاكِ وَيَجْتَنِبُ الْمَقَاتِلَ وَهِيَ مَوَاضِعُ يُسْرِعُ الْقَتْلُ إلَيْهَا بِالضَّرْبِ كَقَلْبٍ وَثُغْرَةِ نَحْرٍ وَفَرْجٍ وَيَجْتَنِبُ الْوَجْهَ أَيْضًا فَلَا يَضْرِبُهُ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ» . وَلِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْمَحَاسِنِ فَيَعْظُمُ أَثَرُ شَيْنِهِ، بِخِلَافِ الرَّأْسِ فَإِنَّهَا مُغَطَّاةٌ غَالِبًا فَلَا يُخَافُ تَشْوِيهُهُ بِالضَّرْبِ بِخِلَافِ الْوَجْهِ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِلْجَلَّادِ اضْرِبْ الرَّأْسَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ فِي الرَّأْسِ.
وَلَا تُشَدَّ يَدُ الْمَجْلُودِ وَلَا تُجَرَّدُ ثِيَابُهُ الْخَفِيفَةُ.
أَمَّا مَا يَمْنَعُ كَالْجُبَّةِ الْمَحْشُوَّةِ فَتُنْزَعُ عَنْهُ مُرَاعَاةً لِمَقْصُودِ الْحَدِّ وَيُوَالَى الضَّرْبُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ زَجْرٌ وَتَنْكِيلٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ عَلَى الْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ لِعَدَمِ الْإِيلَامِ الْمَقْصُودِ فِي الْحُدُودِ، وَبِمَ يُضْبَطُ التَّفْرِيقُ الْجَائِزُ وَغَيْرُهُ؟ قَالَ
[حاشية البجيرمي]
وُجُوبًا) فِيهِ أَنَّهُ يُنَافِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ السَّكْرَانِ الَّذِي أَمَرَ النَّبِيُّ بِضَرْبِهِ، إلَّا أَنْ يُحْمَلَ مَا تَقَدَّمَ عَلَى مَا إذَا كَانَ لَهُ نَوْعُ إحْسَاسٍ وَمَا هُنَا عَلَى خِلَافِهِ، أَوْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ ضُرِبَ بَعْدَ إفَاقَتِهِ.
قَوْلُهُ: (الِاعْتِدَادِ بِهِ) أَيْ إنْ كَانَ لَهُ نَوْعُ إحْسَاسٍ وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَسَوْطُ الْحُدُودِ) هَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْحُدُودِ وَيُحَدُّ الرَّجُلُ قَائِمًا وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةً وَيُجْعَلُ عِنْدَ الْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ أَوْ امْرَأَةٌ تَلُفُّ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا إذَا انْكَشَفَتْ وَيُجْعَلُ عِنْدَ الْخُنْثَى مَحْرَمٌ لَا رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ وَلَا امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ: يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْمَحْدُودُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْفَضِيحَةِ مَعَ مُخَالَفَةِ الْمَأْثُورِ كَمَا قَالَهُ ح ل: وَيُحَدُّ ذُو الْهَيْئَةِ فِي مَحَلٍّ خَالٍ وَاسْتَحْسَنَ الْمَاوَرْدِيُّ مَا أَحْدَثَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ جَلْدِ الْمَرْأَةِ فِي نَحْوِ غِرَارَةٍ، لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا.
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَلَا يَتَوَلَّى الْجَلْدَ إلَّا الرِّجَالُ وَلَوْ مِنْ أُنْثَى وَخُنْثَى، لِأَنَّ الْجَلْدَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْغُصْنُ) أَيْ الرَّقِيقُ قَوْلُهُ: (وَيُفَرِّقُ الضَّرْبَ) أَيْ وُجُوبًا فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ فَإِنْ خَالَفَ حُرِّمَ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ مَاتَ الْمَحْدُودُ لَا ضَمَانَ، لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ مَأْمُورٍ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَلَيْسَ مَشْرُوطًا بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ بِخِلَافِ الْمُعَزَّرِ فَإِنَّ التَّالِفَ بِالتَّعْزِيرِ مَضْمُونٌ وَمَحَلُّ عَدَمِ الضَّمَانِ بِالْحَدِّ إذَا لَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، فَإِنْ زَادَ وَتَلِفَ بِهِ وَبِمَا زَادَ ضَمِنَ بِالْقِسْطِ أج.
قَوْلُهُ: (وَيَجْتَنِبُ الْمَقَاتِلَ) أَيْ وُجُوبًا فَيُحَرَّمُ ضَرْبُهُ عَلَيْهَا فَإِنْ ضَرَبَهُ عَلَى مَقْتَلٍ فَمَاتَ فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ: كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ جَلَدَهُ فِي حَرٍّ، أَوْ بَرْدٍ مُفْرِطَيْنِ قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ: وَمُقْتَضَاهُ نَفْيُ الضَّمَانِ اهـ م ر. وَكَتَبَ ح ل عَلَى قَوْلِ الْمَنْهَجِ: وَيَتَّقِي الْمَقَاتِلَ أَيْ وُجُوبًا فَلَوْ مَاتَ لَا ضَمَانَ، لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ مَأْمُورٍ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَلَيْسَ مَشْرُوطًا بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ بِخِلَافِ التَّعْزِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَثُغْرَةِ) نَحْرٍ بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَهِيَ النُّقْرَةُ الَّتِي فِي وَسَطِهِ وَالْجَمْعُ ثُغَرٌ مِثْلُ غُرْفَةٍ وَغُرَفٍ فَالثُّغْرَةُ بِالْمُثَلَّثَةِ كَالنُّقْرَةِ بِالنُّونِ لَفْظًا وَمَعْنًى وَجَمْعًا.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الرَّأْسِ) أَيْ فَلَا يَجِبُ اجْتِنَابُهُ فَيَجُوزُ الضَّرْبُ عَلَيْهِ أَيْ حَيْثُ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَحْذُورُ تَيَمُّمٍ بِقَوْلِ طَبِيبٍ ثِقَةٍ، وَإِلَّا حُرِّمَ جَزْمًا لِعَدَمِ تَوَقُّفِ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَحَيْثُ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَعْرٌ لِقَرَعٍ، أَوْ حَلْقٍ اجْتَنَبَهُ قَطْعًا وَمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَمْرِهِ الْجَلَّادَ بِضَرْبِهِ وَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّ فِيهِ شَيْطَانًا ضَعِيفٌ وَمُعَارَضٌ بِمَا مَرَّ عَنْ عَلِيٍّ كَمَا فِي م ر.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا مُغَطَّاةٌ) كَذَا فِي خَطِّ الْمُؤَلِّفِ، وَالْأَوْلَى فَإِنَّهُ مُغَطًّى؛ إذْ الرَّأْسُ مُذَكَّرٌ لَكِنْ رَأَيْتُ لِبَعْضِهِمْ أَنَّ الرَّأْسَ تُؤَنَّثُ فِي قُوَيْلَةٍ لِأَهْلِ اللُّغَةِ أج.
قَوْلُهُ: (اضْرِبْ الرَّأْسَ) مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ بِهَا شَعْرٌ وَلَمْ يَحْصُلْ مَحْذُورُ تَيَمُّمٍ، أَوْ هُوَ ضَعِيفٌ مِنْ جِهَةِ الْإِطْلَاقِ وَعَدَمِ التَّفْصِيلِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُشَدُّ) ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ حُرْمَةُ ذَلِكَ أَيْ إنْ تَأَذَّى بِذَلِكَ، وَإِلَّا كُرِهَ.
اهـ. ح ل وَفِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ وَلَا تُشَدُّ يَدُهُ أَيْ الْمَحْدُودِ وَلَوْ أُنْثَى وَالْيَدُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَشْمَلُ الْيَدَيْنِ مَعًا فَيُحَرَّمُ شَدُّهُمَا عِنْدَ شَيْخِنَا م ر. وَيُكْرَهُ فَقَطْ عِنْدَ خ ط وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِمَا مَرَّ مِنْ تَمَكُّنِهِ مِنْ وَضْعِ يَدِهِ عَلَى مَا يُؤْلِمُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تُجَرَّدُ ثِيَابُهُ الْخَفِيفَةُ) أَيْ الَّتِي لَا تَمْنَعُ أَثَرَ الضَّرْبِ، وَتَظْهَرُ كَرَاهَةُ ذَلِكَ بِخِلَافِ نَحْوِ جُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ بَلْ يُتَّجَهُ وُجُوبُ نَزْعِهَا إنْ مَنَعَتْ وُصُولَ الْأَلَمِ الْمَقْصُودِ اهـ قَالَ ع ش عَلَى م ر: وَيَنْبَغِي حُرْمَتُهُ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ مُزْرٍ كَعَظِيمٍ أُرِيدَ الِاقْتِصَارُ مِنْ ثِيَابِهِ عَلَى مَا يُزْرِي كَقَمِيصٍ لَا يَلِيقُ بِهِ أَوْ إزَارٍ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَبِمَا يُضْبَطُ) هُوَ الَّذِي فِي خَطِّ
الْإِمَامُ إنْ لَمْ يَحْصُلْ فِي كُلِّ دَفْعَةٍ أَلَمٌ لَهُ وَقْعٌ، كَسَوْطٍ، أَوْ سَوْطَيْنِ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَهَذَا لَيْسَ بِحَدٍّ، وَإِنْ آلَمَ أَوْ أَثَّرَ لِمَا لَهُ وَقْعٌ فَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ زَمَنٌ يَزُولُ فِيهِ الْأَلَمُ الْأَوَّلُ كَفَى وَإِنْ تَخَلَّلَ، لَمْ يَكْفِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَيُكْرَهُ إقَامَةُ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ فِي أَدَبِ الْقَضَاءَ.
فَصْلٌ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ الْوَاجِبُ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَهِيَ لُغَةً أَخْذُ الْمَالِ خِفْيَةً وَشَرْعًا أَخْذُهُ خِفْيَةً ظُلْمًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ بِشُرُوطٍ تَأْتِي، وَلَمَّا نَظَمَ أَبُو الْعَلَاءِ الْمَعَرِّيُّ الْبَيْتَ الَّذِي شَكَّكَ بِهِ عَلَى أَهْلِ الشَّرِيعَةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الدِّيَةِ وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَهُوَ يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ... مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ ؟
[حاشية البجيرمي]
الْمُؤَلِّفِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَمْ يُضْبَطْ وَهُوَ تَحْرِيفٌ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (فِي كُلِّ دَفْعَةٍ) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ مَرَّةٍ مِنْ مَرَّاتِ التَّفْرِيقِ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ إلَخْ) هَذَا إنْ لَمْ تَحْصُلْ نَجَاسَةٌ، وَإِلَّا حُرِّمَ.
اهـ. ق ل.
[فَصْلٌ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ]
ِ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا مَعَ فَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا وَذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ لِمُنَاسَبَتِهَا لَهُ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْ الْكَبَائِرِ وَمِنْ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ وَقَدَّمَهَا عَلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ لِأَنَّهَا كَالْجُزْءِ مِنْهُ وَلِعُمُومِهَا وَخَفَائِهَا وَقِلَّةِ الْحَدِّ فِيهَا ق ل
وَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ فِي حَدِّ السَّرِقَةِ وَشُرُوطِهَا لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْأَمْرَيْنِ وَأَوَّلُ مَنْ حَكَمَ بِقَطْعِ السَّارِقِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ كَمَا قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ قَوْلُهُ الْوَاجِبُ بِالنَّصِّ أَيْ بِآيَةِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: 38] إلَى آخِرِ الْآيَةِ وَشُرِعَ الْقَطْعُ فِيهَا لِحِفْظِ الْمَالِ لِأَنَّ حَدَّهَا أَحَدُ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ وَكَانَ الْحَدُّ فِيهَا بِقَطْعِ آلَتِهَا لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَلِعَدَمِ تَعْطِيلِ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ مِنْ أَصْلِهَا ق ل عَلَى الْجَلَالِ وَقَدَّمَ السَّارِقَ عَلَى السَّارِقَةِ عَكْسَ آيَةِ الزِّنَا حَيْثُ قَدَّمَ الزَّانِيَةَ عَلَى الزَّانِي لِأَنَّ السَّرِقَةَ تُفْعَلُ بِالْقُوَّةِ وَالرَّجُلُ أَقْوَى مِنْ الْمَرْأَةِ وَالزِّنَا يُفْعَلُ بِالشَّهْوَةِ وَالْمَرْأَةُ أَشَدُّ شَهْوَةً وَاخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ أَيْ آيَةُ السَّرِقَةِ عَامَّةٌ خُصَّتْ أَوْ مُجْمَلَةٌ بُيِّنَتْ وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ الْقِرَاءَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ وَالشَّاذَّةُ كِلَاهُمَا مُجْمَلٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] مُجْمَلٌ لَمْ يُبَيِّنْ الْيَمِينَ مِنْ الْيَسَارِ وَلَا مَحَلَّ الْقَطْعِ وَقَوْلَهُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا مُجْمَلٌ أَيْضًا لَمْ يُبَيِّنْ الْيَمِينَ مِنْ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ وَلَا مَحَلَّ الْقَطْعِ أَهُوَ الْكُوعُ أَوْ غَيْرُهُ.
اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ
قَوْلُهُ أَخْذُ الْمَالِ إلَخْ لَيْسَ قَيْدًا بَلْ مِثْلُهُ الِاخْتِصَاصَاتُ فَإِنَّهَا تُسَمَّى سَرِقَةً لُغَةً وَأَمَّا ذِكْرُ الْمَالِ فِي الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ فَهُوَ قَيْدٌ لِيَخْرُجَ الِاخْتِصَاصُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِسَرِقَةٍ شَرْعًا وَعِبَارَةُ م ر أَخْذُ الشَّيْءِ فَيَشْمَلُ أَخْذَ الِاخْتِصَاصِ فَيُقَالُ لَهُ سَرِقَةٌ فِي اللُّغَةِ قَوْلُهُ ظُلْمًا أَيْ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ مَالَ نَفْسِهِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ الْمُرْتَهِنِ فَلَا قَطْعَ لِأَنَّ الظُّلْمَ لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُ الْمَالِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ظُلْمًا أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَخَرَجَ مَا إذَا سَرَقَ مَالَهُ يَظُنُّ أَنَّهُ مَالُ غَيْرِهِ كَمَا يَأْتِي وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ ظُلْمًا خَرَجَ بِهِ سَرِقَةُ مَالِ الْغَيْرِ يَظُنُّهُ مَالَ نَفْسِهِ لَا يُقَالُ يَدْخُلُ فِيهِ أَخْذُ مَالِ نَفْسِهِ مِنْ مُسْتَأْجِرٍ وَمُرْتَهِنٍ فَإِنَّهُ ظُلْمٌ وَلَا قَطْعَ بِهِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ هَذَا لَيْسَ ظُلْمًا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ بَلْ مِنْ حَيْثُ حَقُّ الْغَيْرِ قَالَ ق ل وَيُعْتَبَرُ فِي الِاسْمِ كَوْنُهُ عَمْدًا ظُلْمًا وَفِي الضَّمَانِ أَنْ يَكُونَ مَالًا مُتَمَوَّلًا وَفِي الْقَطْعِ كَوْنُ الْمَالِ نِصَابًا.
اهـ.
قَوْلُهُ أَبُو الْعَلَاءِ وَاسْمُهُ أَحْمَدُ وَالْمَعَرِّيُّ نِسْبَةً إلَى مَعَرَّةِ النُّعْمَانِ وَهُوَ مُلْحِدٌ أَيْ مَائِلٌ عَنْ طَرِيقِ السُّنَّةِ لِأَنَّهُ كَانَ مُعْتَزِلِيًّا مِنْ الْخَوَارِجِ وَكَانَ عَالِمًا فَصِيحًا بَلِيغًا وَكَانَ يُنَفِّرُ النَّاسَ عَنْ الزَّوَاجِ وَيَقُولُ لَهُمْ تَتَزَوَّجُونَ فَتَأْتُونَ بِالْأَوْلَادِ فَيَعْصُونَ اللَّهَ فَيُكْتَبُ فِي صَحَائِفِكُمْ وَلِذَلِكَ مَكَثَ طُولَ عُمُرِهِ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ وَكَانَ يُلَازِمُ مُسْتَوْقَدَ الْحَمَّامِ قَوْلُهُ شَكَّكَ أَيْ أَوْقَعَهُمْ فِي الشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ وَالْمُنَاسِبُ حَذْفُ بِهِ وَعَلَى نُسْخَةٍ أَشْكَلَ وَعَلَيْهَا فَلَا إشْكَالَ قَوْلُهُ بِخَمْسِ مِئِينَ جَمْعُ مِائَةٍ أَيْ عَلَى الْقَوْلِ
أَجَابَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْمَالِكِيُّ بِقَوْلِهِ: وِقَايَةُ النَّفْسِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصَهَا ... وِقَايَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ لَمَّا سُئِلَ عَنْ هَذَا: لَمَّا كَانَتْ أَمِينَةً كَانَتْ ثَمِينَةً فَلَمَّا خَانَتْ هَانَتْ.
وَأَرْكَانُ الْقَطْعِ ثَلَاثَةٌ: مَسْرُوقٌ وَسَرِقَةٌ وَسَارِقٌ.
وَالْمُصَنِّفُ اقْتَصَرَ عَلَى السَّارِقِ وَالْمَسْرُوقِ فَقَالَ: (وَتُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ) وَالسَّارِقَةِ، وَلَوْ ذِمِّيَّيْنِ وَرَقِيقَيْنِ (بِسِتَّةِ) بَلْ بِعَشَرَةِ (شَرَائِطَ) كَمَا سَتَعْرِفُهُ وَمُرَادُهُ بِالشَّرْطِ هُنَا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ الشَّامِلُ لِلرُّكْنِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا الْمَسْرُوقَ.
وَهُوَ أَحَدُ الْأَرْكَانِ كَمَا مَرَّ: الْأَوَّلُ (أَنْ يَكُونَ) السَّارِقُ (بَالِغًا) فَلَا يُقْطَعُ صَبِيٌّ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ.
(وَ) الثَّانِي أَنْ يَكُونَ (عَاقِلًا) فَلَا يُقْطَعُ مَجْنُونٌ لِمَا ذُكِرَ.
(وَ) الثَّالِثُ وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ الْأَرْكَانِ.
(أَنْ يَسْرِقَ نِصَابًا) وَهُوَ
[حاشية البجيرمي]
الْقَدِيمِ إنَّ الدِّيَةَ أَلْفُ دِينَارٍ قَوْلُهُ وِقَايَةُ النَّفْسِ أَيْ قَصْدُ وِقَايَةِ النَّفْسِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْيَدُ أَغْلَاهَا أَيْ جَعَلَهَا غَالِيَةً قَالَ زي أَيْ وَلَوْ وُدِيَتْ بِالْقَلِيلِ لَكَثُرَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى الْأَطْرَافِ الْمُؤَدِّيَةُ لِإِزْهَاقِ النُّفُوسِ لِسُهُولَةِ الْغُرْمِ فِي مُقَابَلَتِهَا وَلَوْ لَمْ تُقْطَعْ إلَّا فِي الْكَثِيرِ لَكَثُرَتْ الْجِنَايَاتُ عَلَى الْأَمْوَالِ.
اهـ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا وُدِيَتْ بِالْكَثِيرِ لِأَجْلِ وِقَايَةِ النَّفْسِ وَقُطِعَتْ فِي الْقَلِيلِ لِأَجْلِ وِقَايَةِ الْمَالِ فَتَأَمَّلْ.
اهـ. م د
قَوْلُهُ وِقَايَةُ الْمَالِ أَيْ قَصْدُ وِقَايَةِ الْمَالِ عَنْ السَّرِقَةِ أَيْ حِفْظُهُ عَنْهَا وَنُسْخَةٌ ذُلُّ الْخِيَانَةِ بَدَلَ وِقَايَةُ الْمَالِ وَفِي نُسْخَةٍ وَأَرْخَصَهَا خِيَانَةُ الْمَالِ أَيْ الْخِيَانَةُ فِي الْمَالِ قَوْلُهُ ثَمِينَةً أَيْ ثَمَنُهَا غَالٍ
قَوْلُهُ: (وَأَرْكَانُ الْقَطْعِ) الصَّوَابُ وَأَرْكَانُ السَّرِقَةِ، لِأَنَّ الْأَرْكَانَ لَهَا لَا لَهُ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ: وَأَرْكَانُ السَّرِقَةِ سَرِقَةٌ إلَخْ، وَعُذْرُ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَا ذُكِرَ لَلَزِمَ عَلَيْهِ جَعْلُ الشَّيْءِ رُكْنًا لِنَفْسِهِ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْكَانِ السَّرِقَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالرُّكْنُ السَّرِقَةُ اللُّغَوِيَّةُ، كَانَ مَا سَلَكَهُ غَيْرُهُ أَوْلَى، لِأَنَّ السَّرِقَةَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَالْقَطْعَ حُكْمٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا.
وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ أَرْكَانُهَا أَيْ السَّرِقَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ الْآتِي بَيَانُهُ ثَلَاثَةٌ: سَرِقَةٌ وَسَارِقٌ وَمَسْرُوقٌ فَالسَّرِقَةُ أَخْذُ مَالٍ خِفْيَةً إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: " الْمُوجِبَةِ " أَشَارَ بِهِ إلَى دَفْعِ التَّهَافُتِ فِي كَلَامِهِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى: أَرْكَانُ السَّرِقَةِ سَرِقَةٌ.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّرِقَةِ الْأُولَى الشَّرْعِيَّةُ أَيْ الْمُوجِبَةُ لِلْقَطْعِ وَبِالثَّانِيَةِ اللُّغَوِيَّةُ وَهِيَ أَخْذُ الشَّيْءِ خِفْيَةً سَوَاءٌ كَانَ مَالًا، أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ، أَوْ لَا كَمَا فِي شَرْحِ م ر فَلَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ كَوْنُ الشَّيْءِ رُكْنًا لِنَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُصَنِّفُ اقْتَصَرَ إلَخْ) الْأَوَّلُ ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ: وَتُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إلَخْ وَالثَّانِي فِي قَوْلِهِ: أَنْ يَسْرِقَ نِصَابًا.
قَوْلُهُ: (وَتُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ) أَيْ أَوْ رِجْلُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي وَلَوْ قَالَ: وَيُقْطَعُ السَّارِقُ إلَخْ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَالسَّارِقَةِ) فَفِي كَلَامِهِ اكْتِفَاءٌ.
وَقَوْلُهُ: وَلَوْ ذِمِّيَّيْنِ وَرَقِيقَيْنِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِي السَّارِقِ الْإِسْلَامُ وَلَا الْحُرِّيَّةُ وَخَرَجَ بِالذِّمِّيِّ غَيْرُهُ وَلَوْ مُعَاهَدًا فَلَا يُقْطَعُ، وَإِنْ شُرِطَ قَطْعُهُ بِذَلِكَ، زي: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي السَّارِقِ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْتِزَامُ الْأَحْكَامِ وَالِاخْتِيَارُ وَعِلْمُهُ بِالتَّحْرِيمِ وَأَنْ لَا يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ مِنْ الْمَالِكِ وَأَنْ لَا يَكُونَ أَصْلًا، أَوْ فَرْعًا أَوْ رَقِيقَ أَحَدِهِمَا، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَسْرُوقِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ كَوْنُهُ: رُبُعَ دِينَارٍ خَالِصًا، أَوْ قِيمَتَهُ، وَكَوْنُهُ مِلْكًا لِغَيْرِهِ، وَكَوْنُهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، وَكَوْنُهُ مُحْرَزًا بِحِرْزِ مِثْلِهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مُحْتَرَمًا فَيُغْنِي عَنْهُ الْأَوَّلُ فَتَأَمَّلْ.
وَقَوْلُهُ: وَرَقِيقَيْنِ أَيْ مِنْ مَالِ غَيْرِ السَّيِّدِ.
قَوْلُهُ: (وَمُرَادُهُ بِالشَّرْطِ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَا عَبَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ إنَّمَا هُوَ الشَّرْطُ وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْ يَسْرِقَ، وَأَمَّا الْمَالُ فَهُوَ الرُّكْنُ وَلَمْ يَعُدَّهُ مِنْ الشُّرُوطِ فَكَانَ الْأَوْلَى إبْقَاءَ الْمَتْنِ عَلَى ظَاهِرِهِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا ذُكِرَ) أَيْ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ وَلَوْ عَلَّمَ السَّرِقَةَ لِنَحْوِ قِرْدٍ فَسَرَقَ لَهُ فَلَا قَطْعَ، لِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ اخْتِيَارًا كَمَا فِي شَرْحِ الشَّارِحِ عَلَى الْمِنْهَاجِ.
قَوْلُهُ: (الْمُشَارُ إلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ الْأَرْكَانِ) فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الرُّكْنَ هُوَ الْمَالُ الْمَسْرُوقُ، وَأَمَّا بُلُوغُهُ نِصَابًا فَهُوَ شَرْطٌ فِيهِ ق ل.
قَوْلُهُ: (نِصَابًا) أَيْ يَقِينًا فَلَوْ شَكَّ فِيهِ وَلَوْ بِاخْتِلَافِ الْمَوَازِينِ أَوْ الْمُقَوِّمِينَ، أَوْ الشَّاهِدِينَ فَلَا قَطْعَ مُطْلَقًا وَلِصَاحِبِهِ الْحَلِفُ عَلَى الْأَكْثَرِ لِلتَّقْوِيمِ، إذَا لَمْ يَحْلِفْ الْآخِذُ عَلَى الْأَقَلِّ، ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَشَذَّ مَنْ قَطَعَ بِأَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ وَخَبَرُ «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ وَالْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» إمَّا أَنْ يُرَادَ بِالْبَيْضَةِ فِيهِ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ وَبِالْحَبْلِ مَا يُسَاوِي رُبُعًا كَحَبْلِ السَّفِينَةِ، أَوْ الْجِنْسُ، أَوْ أَنَّ مِنْ شَأْنِ السَّرِقَةِ أَنَّ صَاحِبَهَا يَتَدَرَّجُ مِنْ الْقَلِيلِ إلَى
رُبُعُ دِينَارٍ فَأَكْثَرُ وَلَوْ كَانَ الرُّبُعُ لِجَمَاعَةٍ اتَّحَدَ حِرْزُهُمْ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «لَا تَقْطَعُوا يَدَ سَارِقٍ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» وَأَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِأَنَّ الرُّبُعَ الْمَغْشُوشَ لَيْسَ بِرُبُعِ دِينَارٍ حَقِيقَةً فَإِنْ كَانَ فِي الْمَغْشُوشِ رُبُعٌ خَالِصٌ وَجَبَ الْقَطْعُ.
وَمِثْلُ رُبُعِ الدِّينَارِ مَا قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّقْوِيمِ هُوَ الذَّهَبُ الْخَالِصُ حَتَّى لَوْ سَرَقَ دَرَاهِمَ أَوْ غَيْرَهَا قُوِّمَتْ بِهِ وَتُعْتَبَرُ (قِيمَتُهُ رُبُعَ دِينَارٍ) وَقْتَ الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحِرْزِ فَلَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَسْقُطْ الْقَطْعُ وَعَلَى أَنَّ التَّقْوِيمَ يُعْتَبَرُ بِالْمَضْرُوبِ لَوْ سَرَقَ رُبُعَ دِينَارٍ مَسْبُوكًا، أَوْ حُلِيًّا، أَوْ نَحْوَهُ كَقُرَاضَةٍ لَا تُسَاوِي رُبُعًا مَضْرُوبًا فَلَا قَطْعَ بِهِ، وَإِنْ سَاوَاهُ غَيْرَ مَضْرُوبٍ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْخَبَرِ " لَفْظُ الدِّينَارِ " وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَضْرُوبِ.
وَلَا يُقْطَعُ بِخَاتَمٍ وَزْنُهُ دُونَ رُبُعٍ.
وَقِيمَتُهُ بِالصَّنْعَةِ رُبُعٌ نَظَرًا إلَى الْوَزْنِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الذَّهَبِ وَلَا بِمَا نَقَصَ قَبْلَ إخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ عَنْ نِصَابٍ بِأَكْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ كَإِحْرَاقٍ لِانْتِفَاءِ كَوْنِ الْمُخْرَجِ نِصَابًا وَلَا بِمَا دُونَ نِصَابَيْنِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي إخْرَاجِهِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَمْ يَسْرِقْ نِصَابًا وَيُقْطَعُ بِثَوْبٍ
[حاشية البجيرمي]
الْكَثِيرِ اهـ. س ل وَلَا قَطْعَ إلَّا إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ فَلَوْ دَخَلَ الْحِرْزَ وَأَخَذَ النِّصَابَ وَقَدَرَ عَلَيْهِ الْمَالِكُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا فَلَا قَطْعَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ الرُّبُعُ لِجَمَاعَةٍ إلَخْ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي النِّصَابِ اتِّحَادُ مَالِكِهِ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَكُونَ خَالِصًا) أَوْ أَنْ يَحْصُلَ مِنْ مَغْشُوشٍ كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ: وَهَذَا مِنْ الشَّارِحِ زِيَادَةٌ عَلَى الْمَتْنِ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَتْنِ وَكَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ: خَالِصًا بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ نِصَابًا وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ هَذَا التَّطْوِيلِ، وَالْبُعْدِ عَنْ الْمَتْنِ وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى قَوْلِهِ: وَأَنْ يَكُونَ خَالِصًا لَيْسَ قَبْلَ هَذِهِ مَا يَصِحُّ عَطْفُهَا عَلَيْهِ وَالْأَقْرَبُ كَوْنُهَا وَصْفًا " لِنِصَابًا " وَضَمِيرُهَا عَائِدٌ إلَيْهِ اهـ. وَقَوْلُهُ: لَيْسَ قَبْلَ هَذِهِ إلَخْ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَنْ يَسْرِقَ، فَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ الثَّالِثِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ فِي الْمَغْشُوشِ إلَخْ) الْحَاصِلُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الذَّهَبِ الْمَضْرُوبِ الْوَزْنُ فَقَطْ وَفِي غَيْرِ الْمَضْرُوبِ الْوَزْنُ وَبُلُوغُ قِيمَتِهِ مَا ذُكِرَ وَلَا يَكْفِي بُلُوغُ قِيمَتِهِ مَا ذُكِرَ مَعَ نَقْصِ وَزْنِهِ.
اهـ. زي.
وَيُعْتَبَرُ فِي الْفِضَّةِ الْقِيمَةُ مُطْلَقًا ح ل. لِأَنَّ النِّصَابَ رُبُعُ دِينَارٍ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا ذَهَبًا فَتُقَوَّمُ الْفِضَّةُ بِهِ وَلَوْ كَانَتْ مَضْرُوبَةً فَالصُّوَرُ ثَلَاثَةٌ: اعْتِبَارُ الْوَزْنِ فَقَطْ، اعْتِبَارُ الْوَزْنِ وَالْقِيمَةِ، اعْتِبَارُ الْقِيمَةِ.
قَالَ ع ش عَلَى م ر: وَرُبُعُ الدِّينَارِ يُسَاوِي الْآنَ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ نِصْفَ فِضَّةٍ.
قَوْلُهُ: (مَا قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ) أَيْ يَقِينًا بِأَنْ يَقْطَعَ الْمُقَوِّمُونَ أَنَّ قِيمَتَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا قَطْعَ.
اهـ. زي.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْأَصْلَ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: مَا قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ وَالْمُرَادُ بِالْأَصْلِ الْغَالِبُ.
قَوْلُهُ: (وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ رُبُعَ) أَيْ بِرُبُعِ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ جَعَلَهَا الشَّارِحُ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَمِثْلُ رُبُعِ دِينَارٍ مَا قِيمَتُهُ رُبُعُ الدِّينَارِ وَجَعَلَهَا مُنْقَطِعَةً عَنْ الْمَتْنِ.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ: أَنَّهُ غَيَّرَ إعْرَابَ الْمَتْنِ لَفْظًا وَمَعْنًى إذْ قَوْلُهُ: " رُبُعَ دِينَارٍ " فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَرْفُوعًا عَلَى الْخَبَرِيَّةِ هَذَا عَلَى وَجْهِ تَغْيِيرِهِ لَفْظًا، وَوَجْهُ تَغْيِيرِهِ مَعْنًى أَنَّهُ جَعَلَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ وَجَعَلَهَا مُنْقَطِعَةً عَنْ الْمَتْنِ كَمَا عَلِمْت.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ) أَيْ لِرُخْصِ سِعْرٍ مَثَلًا قَوْلُهُ: (كَقُرَاضَةٍ) بِضَمِّ الْقَافِ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ أَيْ مَا سَقَطَ بِالْقَرْضِ وَقَرَضَ مِنْ بَابِ ضَرَبَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ سَاوَاهُ غَيْرَ مَضْرُوبٍ) لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ مُسَاوَاةِ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ، لِأَنَّ كَلَامَهُ مُعْتَبَرٌ فِي الْمَسْبُوكِ وَنَحْوِهِ.
وَهُوَ غَيْرُ مَضْرُوبٍ فَالْغَايَةُ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ فَالصَّوَابُ إسْقَاطُهَا، لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ سَرَقَ رُبُعَ دِينَارٍ غَيْرَ مَضْرُوبٍ وَالْمَعْنَى عَلَى الْغَايَةِ سَوَاءٌ سَاوَاهُ مَضْرُوبًا، أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبٍ مَعَ أَنَّ فَرْضَ الْمَسْأَلَةِ فِي غَيْرِ الْمَضْرُوبِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمُسَاوَاةَ مُخْتَلِفَةٌ فَقَوْلُهُ: لَا تُسَاوِي رُبُعًا مَضْرُوبًا أَيْ فِي الْقِيمَةِ، وَقَوْلُهُ: وَإِنْ سَاوَاهُ غَيْرَ مَضْرُوبٍ أَيْ فِي الْوَزْنِ فَصَحَّ الْمَعْنَى وَحَصَلَتْ الْفَائِدَةُ، لَكِنْ يَبْقَى التَّكْرَارُ، لِأَنَّ الْكَلَامَ مَفْرُوضٌ فِي سَرِقَةِ رُبُعِ دِينَارٍ غَيْرِ مَضْرُوبٍ.
قَوْلُهُ: (بِأَكْلٍ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ بَلْعُ الدَّرَاهِمِ، لِأَنَّهُ يُعَدُّ إتْلَافًا غَالِبًا كَذَا قَالَهُ الْحَلَبِيُّ: وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ابْتَلَعَ جَوْهَرَةً، أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ فَلَمْ تَخْرُجْ مِنْهُ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ لِتَنَزُّلِ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْإِتْلَافِ بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَتْ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ كَمَا لَوْ أَخْرَجَهَا فِي رِيحٍ، أَوْ غَيْرِهِ كَمَا قَالَهُ الزِّيَادِيُّ وَاعْتَمَدَهُ وَضَعَّفَ بَعْضُهُمْ مَا فِي الْحَلَبِيِّ مِنْ إطْلَاقِ عَدَمِ الْقَطْعِ بِالِابْتِلَاعِ اهـ.
قَوْلُهُ: (كَإِحْرَاقٍ) وَمِثْلُ الْإِحْرَاقِ مَا لَوْ تَضَمَّخَ أَيْ تَلَطَّخَ بِطِيبٍ فِي دَاخِلِ الْحِرْزِ، وَإِنْ جُمِعَ مِنْ جِسْمِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ نِصَابًا لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ يُعَدُّ إتْلَافًا لَهُ كَالطَّعَامِ زي أج.
قَوْلُهُ: (اشْتَرَكَ اثْنَانِ) أَيْ مُكَلَّفَانِ بِأَنْ
رَثٍّ فِي جَيْبِهِ تَمَامُ نِصَابٍ، وَإِنْ جَهِلَهُ السَّارِقُ، لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ بِقَصْدِ السَّرِقَةِ، وَالْجَهْلُ بِجِنْسِهِ لَا يُؤَثِّرُ كَالْجَهْلِ بِصِفَتِهِ وَبِنِصَابٍ ظَنَّهُ فُلُوسًا لَا يُسَاوِيهِ لِذَلِكَ وَلَا أَثَرَ لِظَنِّهِ، وَالرَّابِعُ أَنْ يَأْخُذَهُ (مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ) فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مَا لَيْسَ مُحْرَزًا لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد: «لَا قَطْعَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَاشِيَةِ إلَّا فِيمَا أَوَاهُ الْمَرَاحُ» وَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَعْظُمُ بِمُخَاطَرَةِ أَخْذِهِ مِنْ الْحِرْزِ فَحُكِمَ بِالْقَطْعِ زَجْرًا بِخِلَافِ مَا إذَا جَرَّأَهُ الْمَالِكُ وَمَكَّنَهُ بِتَضْيِيعِهِ.
وَالْإِحْرَازُ يَكُونُ بِلِحَاظٍ لَهُ بِكَسْرِ اللَّامِ دَائِمًا، أَوْ حَصَانَةِ مَوْضِعِهِ مَعَ لِحَاظٍ لَهُ، وَالْمُحَكَّمُ فِي الْحِرْزِ الْعُرْفُ فَإِنَّهُ لَمْ يُحَدَّ فِي الشَّرْعِ وَلَا اللُّغَةِ فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ
[حاشية البجيرمي]
أَخْرَجَاهُ مَعًا فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ مُكَلَّفٍ، أَوْ أَعْجَمِيًّا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ طَاعَةِ الْآمِرِ قُطِعَ الْمُكَلَّفُ إنْ أَمَرَ الْأَعْجَمِيَّ أَوْ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ، لِأَنَّهُمَا كَالْآلَةِ لَهُ وَهَذَا التَّفْصِيلُ إذَا اشْتَرَكَا فَإِنْ امْتَازَ كُلٌّ بِمَا سَرَقَهُ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ.
قَوْلُهُ: (فِي إخْرَاجِهِ) أَيْ الدُّونِ قَوْلُهُ: (رَثٍّ) أَيْ خَلَقٍ أَيْ بَالٍ وَفِي الْمُخْتَارِ الرَّثُّ بِالْفَتْحِ الْبَالِي وَجَمْعُهُ رِثَاثٌ بِالْكَسْرِ وَقَدْ رَثَّ يَرِثُّ بِالْكَسْرِ رَثَاثَةً بِالْفَتْحِ.
قَوْلُهُ: (فِي جَيْبِهِ تَمَامُ نِصَابٍ) أَيْ مُنْضَمًّا إلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ " تَمَامُ ".
قَوْلُهُ: (وَالْجَهْلُ بِجِنْسِهِ) أَيْ أَوْ بِوُجُودِهِ فَالْأَوَّلُ رَاجِعٌ لِمَا قَبْلَ الْغَايَةِ وَالثَّانِي لِلْغَايَةِ اهـ. وَكَانَ الْأَوْلَى " وَالْجَهْلُ بِهِ "، لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ مَجْهُولٌ فَلَا يَظْهَرُ التَّقْيِيدُ بِالْجِنْسِ وَقِيَاسُهُ عَلَى الصِّفَةِ، تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَبِنِصَابٍ) أَيْ وَيُقْطَعُ بِنِصَابٍ إلَخْ قَوْلُهُ: (أَنْ يَأْخُذَهُ) لَيْسَ قَيْدًا بَلْ الْمَدَارُ عَلَى إخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ أَوْ بِنِصَابٍ انْصَبَّ مِنْ وِعَاءٍ بِثَقْبِهِ لَهُ وَإِنْ انْصَبَّ شَيْئًا فَشَيْئًا اهـ. وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ، وَمِثْلُ الثَّقْبِ قَطْعُ الْجَيْبِ كَمَا قَالَهُ زي: وَلِذَلِكَ يُلْغَزُ وَيُقَالُ: لَنَا شَخْصٌ يُقْطَعُ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ مَالًا وَلَمْ يَدْخُلْ حِرْزًا اهـ. وَلَوْ أَخَذَهُ مَالِكُهُ بَعْدَ انْصِبَابِهِ قَبْلَ الدَّعْوَى بِهِ هَلْ يَسْقُطُ الْقَطْعُ لِأَنَّهُ شَرْطُهُ الدَّعْوَى وَقَدْ تَعَذَّرَتْ فِيهِ نَظَرٌ، فَلْيُرَاجَعْ سم، عَلَى حَجّ وَالْأَقْرَبُ سُقُوطُ الْقَطْعِ.
قَوْلُهُ: أَوَاهُ الْمَرَاحُ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ مِنْ آوَاهُ أَوْ قَصْرِهَا وَالْمَرَاحُ مَأْوَى الْمَاشِيَةِ لَيْلًا.
قَوْلُهُ: (بِمُخَاطَرَةِ) أَيْ بِسَبَبِ خَوْفِ أَخْذِهِ أَيْ الْخَوْفِ الْحَاصِلِ بِأَخْذِهِ.
قَوْلُهُ: (جَرَّأَهُ) الْمَالِكُ أَيْ سَلَّطَهُ وَهُوَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَقَوْلُهُ: وَمَكَّنَهُ، عَطْفٌ عَلَى جَرَّأَهُ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَقَوْلُهُ: بِتَضْيِيعِهِ: الْبَاءُ بِمَعْنَى مِنْ كَمَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهِيَ صِلَةٌ لِ مَكَّنَهُ وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ بِسَبَبِ تَضْيِيعِ الْمَالِكِ إيَّاهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَضَعْهُ فِي حِرْزِ مِثْلِهِ فَتَكُونُ صِلَةُ مَكَّنَهُ مَحْذُوفَةً أَيْ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (بِلِحَاظٍ) أَيْ مُلَاحِظٍ يُلَاحِظُهُ أَيْ بِمُلَاحَظَتِهِ وَالنَّظَرِ إلَيْهِ وَاللِّحَاظُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَهُوَ الْمُرَاعَاةُ مَصْدَرُ لَاحَظَهُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُلَاحِظُ مِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْفَاعِلِ أَمَّا بِفَتْحِهَا فَهُوَ مُؤَخَّرُ الْعَيْنِ مِنْ جَانِبِ الْأُذُنِ بِخِلَافِ الَّذِي مِنْ جَانِبِ الْأَنْفِ فَيُسَمَّى الْمُوقَ اهـ وَلَا يَقْدَحُ فِي دَوَامِ اللِّحَاظِ الْفَتَرَاتُ الْعَارِضَةُ عَادَةً فَإِذَا أَخَذَهُ السَّارِقُ حِينَئِذٍ قُطِعَ فَلَوْ وَقَعَ اخْتِلَافٌ فِي ذَلِكَ هَلْ كَانَ ثَمَّ مُلَاحَظَةٌ مِنْ الْمَالِكِ، أَوْ لَا فَيَنْبَغِي تَصْدِيقُ السَّارِقِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الْقَطْعِ، كَمَا قَالَهُ ع ش عَلَى م ر قَوْلُهُ: (أَوْ حَصَانَةِ مَوْضِعِهِ مَعَ لِحَاظٍ) يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ دَائِمًا وَأَبَدًا.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ عَلَى تَفْصِيلٍ يُعْلَمُ مِنْ الْمَنْهَجِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: أَوْ حَصَانَةٍ مَعَ لِحَاظٍ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَحَلَّ إنْ كَانَ حَصِينًا مُنْفَصِلًا عَنْ الْعِمَارَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُ الْمُلَاحَظَةِ بَلْ الشَّرْطُ كَوْنُ الْمُلَاحِظِ يَقْظَانًا قَوِيًّا سَوَاءٌ كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا، أَوْ مَغْلُوقًا أَوْ نَائِمًا مَعَ إغْلَاقِ الْبَابِ، وَإِنْ كَانَ الْمَحَلُّ فِي الْعِمَارَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ قُوَّةُ الْمُلَاحِظِ، وَلَا تَيَقُّظُهُ بَلْ الشَّرْطُ كَوْنُ الْبَابِ مَغْلُوقًا مَعَ وُجُودِ هَذَا الْمُلَاحِظِ أَوْ قَفْلِهِ مَعَ يَقَظَتِهِ زَمَنَ أَمْنٍ نَهَارًا، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا فَإِنْ كَانَ الْمُلَاحِظُ مُتَيَقِّظًا كَانَتْ مُحْرَزَةً، وَإِلَّا فَلَا.
فَعُلِمَ أَنَّهَا قَدْ تَكْفِي الْحَصَانَةُ وَحْدَهَا وَقَدْ تَكْفِي الْمُلَاحَظَةُ وَحْدَهَا وَقَدْ يَجْتَمِعَانِ، وَقَدْ يُمَثَّلُ لِانْفِرَادِ الْحَصَانَةِ بِالرَّاقِدِ عَلَى الْمَتَاعِ كَمَا قَالَهُ ع ش: وَبِالْمَقَابِرِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْعِمَارَةِ فَإِنَّهَا حِرْزٌ لِلْكَفَنِ.، وَعِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ وَشَرْحِهِ الشَّرْطُ الرَّابِعُ كَوْنُهُ مُحْرَزًا وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْإِحْرَازُ بِمُلَاحَظَةٍ لِلْمَسْرُوقِ مِنْ قَوِيٍّ مُسْتَيْقِظٍ أَوْ حَصَانَةِ مَوْضِعِهِ وَحْدَهَا، أَوْ مَعَ مَا قَبْلَهَا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي لِأَنَّ الشَّرْعَ أَطْلَقَ الْحِرْزَ وَلَمْ تَضْبِطْهُ اللُّغَةُ فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَهُوَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ وَالْأَمْوَالِ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ ذَلِكَ، لِأَنَّ غَيْرَ الْمُحْرَزِ ضَائِعٌ بِتَقْصِيرِ مَالِكِهِ وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ الثَّوْبُ إذَا نَامَ عَلَيْهِ، فَهُوَ مُحْرَزٌ مَعَ انْتِفَائِهِمَا، لِأَنَّ النَّوْمَ عَلَيْهِ الْمَانِعَ مِنْ أَخْذِهِ غَالِبًا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ مُلَاحَظَتِهِ وَمَا هُوَ حِرْزٌ لِنَوْعٍ حِرْزٌ لِمَا دُونَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ أَوْ تَابِعِهِ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي الْإِصْطَبْلِ
وَالْإِحْيَاءِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْوَالِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَوْقَاتِ فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ حِرْزًا فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ.
بِحَسَبِ صَلَاحِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَفَسَادِهَا وَقُوَّةِ السُّلْطَانِ وَضَعْفِهِ.
وَضَبَطَهُ الْغَزَالِيُّ بِمَا لَا يُعَدُّ صَاحِبُهُ مُضَيِّعًا لَهُ؛ فَعَرْصَةُ دَارٍ، وَصُفَّتُهَا حِرْزُ خَسِيسِ آنِيَةٍ وَثِيَابٍ، أَمَّا نَفِيسُهَا فَحِرْزُهُ بُيُوتُ الدُّورِ وَالْخَانَاتِ وَالْأَسْوَاقِ الْمَنِيعَةُ وَمَخْزَنٌ حِرْزُ حُلِيٍّ وَنَقْدٍ وَنَحْوِهِمَا.
وَنَوْمٌ بِنَحْوِ صَحْرَاءَ كَمَسْجِدٍ وَشَارِعٍ عَلَى مَتَاعٍ وَلَوْ تَوَسَّدَهُ حِرْزٌ لَهُ.
وَمَحَلُّهُ فِي تَوَسُّدِهِ فِيمَا يُعَدُّ التَّوَسُّدُ
[حاشية البجيرمي]
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ " أَوْ " مَانِعَةُ خُلُوٍّ فَتُجَوِّزُ الْجَمْعَ لَا مَانِعَةُ جَمْعٍ فَتُجَوِّزُ الْخُلُوَّ اهـ. وَقَوْلُهُ: مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ مُلَاحَظَتِهِ يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ حَصَانَةِ مَوْضِعِهِ بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُدَّعَى حَصَانَةُ مَوْضِعِهِ حَقِيقَةً أَيْ بِأَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالْمَوْضِعِ مَا أُخِذَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ وَهُوَ هُنَا حَصِينٌ بِالنَّوْمِ عَلَى الثَّوْبِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (فَعَرْصَةُ دَارٍ) الْعَرْصَةُ الصَّحْنُ وَالصُّفَّةُ الْمِصْطَبَةُ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ السُّكَّانِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر وَهَذَا كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ وَالْغَرَضُ مِنْهُ بَيَانُ تَفَاوُتِ أَجْزَاءِ الدَّارِ، فِي الْحِرْزِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِأَنْوَاعِ الْمُحْرَزِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ اعْتِبَارِ الْمُلَاحَظَةِ مَعَ الْحَصَانَةِ فِي الْحِرْزِيَّةِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَالْخَانَاتِ) أَيْ وَبُيُوتِ الْخَانَاتِ وَهِيَ الْوَكَائِلُ وَبُيُوتُهَا الْحَوَاصِلُ وَالطَّبَقَاتُ الَّتِي فِيهَا، وَقَوْلُهُ: وَالْأَسْوَاقِ أَيْ وَبُيُوتُ الْأَسْوَاقِ وَهِيَ الدَّكَاكِينُ وَلَوْ فَتَحَ دَارِهِ أَوْ حَانُوتَهُ لِبَيْعِ مَتَاعٍ فَدَخَلَ شَخْصٌ وَسَرَقَ مِنْهُ فَإِنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَوْ بِهِ لِيَسْرِقَ قُطِعَ أَوْ لِيَشْتَرِيَ فَلَا وَلَوْ أَذِنَ فِي دُخُولِ نَحْوِ دَارِهِ، لِشِرَاءٍ قُطِعَ مَنْ دَخَلَ سَارِقًا لَا مُشْتَرِيًا، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ قُطِعَ كُلُّ دَاخِلٍ شَرْحُ م ر وَمِنْهُ الْحَمَّامُ فَمَنْ دَخَلَهُ لِغُسْلٍ وَسَرَقَ مِنْهُ، لَمْ يُقْطَعْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مُلَاحِظٌ وَيَخْتَلِفُ الِاكْتِفَاءُ فِيهِ بِالْوَاحِدِ وَالْأَكْثَرِ بِالنَّظَرِ إلَى كَثْرَةِ الزَّحْمَةِ وَقِلَّتِهَا.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ بَابُ الدَّارِ مَفْتُوحًا وَبَابُ الْغُرْفَةِ أَوْ الْقَاعَةِ مُغْلَقًا وَدَخَلَ السَّارِقُ فَأَخْرَجَ الشَّيْءَ مِنْ دَاخِلِ الْغُرْفَةِ مَثَلًا إلَى صَحْنِ الدَّارِ قُطِعَ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ، لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ إلَى مَحَلِّ الضَّيَاعِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُحْرَزًا وَأَمَّا إذَا كَانَ بَابُ الْغُرْفَةِ مَثَلًا مَفْتُوحًا كَبَابِ الدَّارِ، وَأَخْرَجَهُ السَّارِقُ مِنْ دَاخِلِ الْغُرْفَةِ إلَى صَحْنِ الْبَيْتِ فَلَا قَطْعَ وَكَذَا لَوْ أَخَذَهُ مَعَهُ، لِأَنَّ الْمَالَ غَيْرُ مُحْرَزٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْبَابَانِ مَغْلُوقَيْنِ، أَوْ بَابُ الدَّارِ مَغْلُوقًا دُونَ بَابِ الْغُرْفَةِ، فَكَذَا لَا قَطْعَ إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ دَاخِلِ الْحِرْزِ إلَى صَحْنِ الْبَيْتِ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ تَمَامِ الْحِرْزِ فَإِنْ أَخْرَجَهُ إلَى خَارِجِ الْحِرْزِ قُطِعَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (الْمَنِيعَةُ) أَيْ الْحَصِينَةُ أَيْ لِلْعَادَةِ الْمُطَّرِدَةِ بِذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ دَفَنَ مَالَهُ بِصَحْرَاءَ لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ.
اهـ. زي.
قَوْلُهُ: (وَمَخْزَنٌ) بِفَتْحِ الزَّايِ كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّهُ اسْمُ مَكَان وَجَوَّزَ غَيْرُهُ الْكَسْرَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَكَانُ الَّذِي يُخْزَنُ فِيهِ دَاخِلَ مَحَلٍّ آخَرَ كَخِزَانَةٍ وَصُنْدُوقٍ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَالَ ح ل: وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ بُيُوتَ الدُّورِ وَالْخَانَاتِ لَا تَكُونُ حِرْزًا لِلنَّقْدِ وَالْحُلِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَنَوْمٌ بِنَحْوِ صَحْرَاءَ) وَكَذَا يُقْطَعُ بِأَخْذِ عِمَامَةِ النَّائِمِ مِنْ عَلَى رَأْسِهِ وَمَدَاسِهِ مِنْ رِجْلِهِ إنْ عَسُرَ قَلْعُهَا وَكِيسِ دَرَاهِمَ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَخَذَ مِنْهُ انْتَبَهَ.
ح ل: وَكَذَا خَاتَمُهُ الَّذِي فِي أُصْبُعِهِ وَكَذَا سِوَارُ الْمَرْأَةِ وَخَلْخَالُهَا إنْ عَسُرَ إخْرَاجُهُ مِنْهَا بِحَيْثُ يُوقِظُ النَّائِمَ غَالِبًا أَخْذًا مِمَّا ذَكَرُوهُ فِي الْخَاتَمِ فِي الْأُصْبُعِ شَرْحَ م ر مُلَخَّصًا، قَالَ ع ش: وَقِيَاسُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ثَقِيلَ النَّوْمِ بِحَيْثُ لَا يَنْتَبِهُ بِالتَّحْرِيكِ الشَّدِيدِ وَنَحْوِهِ لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُ مَا مَعَهُ وَمَا عَلَيْهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (كَمَسْجِدٍ وَشَارِعٍ) أَيْ وَمَكَانٍ غَيْرِ مَغْصُوبٍ شَرْحَ م ر. وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ نَامَ فِي مَكَان مَغْصُوبٍ لَا يَكُونُ مَا مَعَهُ مُحْرَزًا بِهِ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْمَسْرُوقَ مِنْهُ مُتَعَدٍّ بِدُخُولِ الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَكُونُ الْمَكَانُ حِرْزًا لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَوَسَّدَهُ) مَا لَمْ يَنْقُلْهُ السَّارِقُ عَمَّا تَوَسَّدَهُ، أَوْ نَامَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا قَطْعَ، لِأَنَّهُ أَزَالَ الْحِرْزَ قَبْلَ السَّرِقَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ جَرَّهُ مِنْ تَحْتِهِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَالْفَرْقُ: أَنَّهُ فِي الْأُولَى أَزَالَ الْحِرْزَ وَفِي الثَّانِيَةِ هَتَكَ الْحِرْزَ وَعِبَارَةُ زي وَفَارَقَ قَلْبُ السَّارِقِ نَحْوُ نَقْبِ الْجِدَارِ بِأَنْ هَتَكَ الْحِرْزَ بِإِزَالَةٍ مِنْ أَصْلِهِ بِخِلَافِ نَحْوِ النَّقْبِ ثَمَّ وَأَمَّا قَوْلُ الْجُوَيْنِيِّ وَلَوْ وَجَدَ جَمَلًا صَاحِبُهُ نَائِمٌ عَلَيْهِ فَأَلْقَاهُ مِنْ عَلَيْهِ وَأَخَذَ الْجَمَلَ قُطِعَ فَقَدْ خَالَفَهُ الْبَغَوِيّ فَقَالَ: لَا قَطْعَ، لِأَنَّهُ رَفَعَ الْحِرْزَ أَيْ أَزَالَهُ.
وَلَمْ يَهْتِكْهُ وَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ: وَجِيهٌ.
لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ رَفْعِ الْحِرْزِ.
أَيْ إزَالَتِهِ مِنْ أَصْلِهِ وَهَتْكِهِ اهـ. وَلَوْ أَخَذَ النَّائِمَ مَعَ الْجَمَلِ فَلَا قَطْعَ أَيْضًا، لِأَنَّهُ لَمْ يُزِلْ الْحِرْزَ وَلَمْ يَهْتِكْهُ ع ش. وَفِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ فَلَوْ انْقَلَبَ وَلَوْ بِقَلْبِ السَّارِقِ، وَمِثْلُهُ رَمْيُهُ عَنْ دَابَّةٍ وَهَدْمُ حَائِطِ دَارِ، وَإِسْكَارُهُ حَتَّى
حِرْزًا لَهُ، وَإِلَّا كَانَ تَوَسَّدَ كِيسًا فِيهِ نَقْدٌ، أَوْ جَوْهَرٌ، فَلَا يَكُونُ حِرْزًا لَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَيُقْطَعُ بِنِصَابٍ انْصَبَّ مِنْ وِعَاءٍ بِنَقْبِهِ لَهُ، وَإِنْ انْصَبَّ شَيْئًا فَشَيْئًا، لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ وَبِنِصَابٍ أَخْرَجَهُ دَفْعَتَيْنِ بِأَنْ تَمَّ فِي الثَّانِيَةِ لِذَلِكَ.
فَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا عِلْمُ الْمَالِكِ، وَإِعَادَةُ الْحِرْزِ فَالثَّانِيَةُ سَرِقَةٌ أُخْرَى فَلَا قَطْعَ فِيهَا إنْ كَانَ الْمُخْرَجُ فِيهَا دُونَ نِصَابٍ.
وَالْخَامِسُ كَوْنُ السَّارِقِ (لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ) أَيْ الْمَسْرُوقِ فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مَالِهِ الَّذِي بِيَدِ غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ مَرْهُونًا أَوْ مُؤَجَّرًا وَلَوْ سَرَقَ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ، وَلَوْ قَبْلَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ، أَوْ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، أَوْ سَرَقَ مَا اتَّهَبَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يُقْطَعْ فِيهِمَا وَلَوْ سَرَقَ مَعَ مَا اشْتَرَاهُ مَالًا آخَرَ بَعْدَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ لَمْ يُقْطَعْ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ.
وَلَوْ سَرَقَ الْمُوصَى لَهُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، أَوْ بَعْدَهُ
[حاشية البجيرمي]
غَابَ عَقْلُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ زَوَالِ الْحِرْزِ، لَا مِنْ هَتْكِهِ اهـ.
وَإِنْ ضَمَّ نَحْوُ الْعَطَّارِ وَالْبَقَّالِ الْأَمْتِعَةَ وَرَبَطَهَا بِحَبْلٍ عَلَى بَابِ الْحَانُوتِ، أَوْ أَرْخَى عَلَيْهَا شَبَكَةً، أَوْ خَالَفَ لَوْحَيْنِ عَلَى بَابِ حَانُوتِهِ فَمُحْرَزٌ نَهَارًا، وَإِنْ نَامَ أَوْ غَابَ وَكَذَا لَيْلًا بِحَارِسٍ وَمَا فِي الْجَيْبِ وَالْكُمِّ مُحْرَزٌ بِهِمَا وَكَذَا الْمَرْبُوطُ بِالْعِمَامَةِ، أَوْ الْمَشْدُودُ بِهَا وَلَوْ اسْتَحْفَظَ شَخْصًا عَلَى ثَوْبِهِ أَوْ حَانُوتِهِ الْمَفْتُوحِ فَأَجَابَهُ، ضَمِنَ بِإِهْمَالِهِ وَلَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهِ هُوَ أَوْ عَلَى حَانُوتِهِ الْمُغْلَقِ لَمْ يَضْمَنْ بِإِهْمَالِهِ وَيُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ هُوَ، وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ عَدَمُ ضَمَانِ الْخُفَرَاءِ بِإِهْمَالِ الْحَوَانِيتِ الْمُغْلَقَةِ.
اهـ. سم مَعَ تَصَرُّفٍ، وَلَوْ جَعَلَ الْمِفْتَاحَ بِشِقٍّ قَرِيبٍ فَلَا قَطْعَ كَمَا قَالَهُ ح ل: وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِشِقٍّ بِمَحَلٍّ بَعِيدٍ وَفَتَّشَ عَلَيْهِ السَّارِقُ وَأَخَذَهُ يُقْطَعُ وَيَنْبَغِي أَنَّ مِنْ حُكْمِ الْبَعِيدِ مَا لَوْ كَانَ الْمِفْتَاحُ مَعَ الْمَالِكِ مُحْرَزًا بِجَيْبِهِ مَثَلًا فَسَرَقَتْهُ زَوْجَتُهُ مَثَلًا وَتَوَصَّلَتْ بِهِ إلَى السَّرِقَةِ وَسَرَقَتْ فَتُقْطَعُ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (فِيهِ نَقْدٌ) ظَاهِرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَقْعٌ ح ل قَوْلُهُ: (بِنَقْبِهِ) الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ انْصَبَّ) غَايَةٌ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ، مِثْلُ النَّقْبِ قَطْعُ الْجَيْبِ إذَا وَقَعَ مِنْهُ قَدْرُ النِّصَابِ وَعَلَيْهِ اللُّغْزُ الْمُتَقَدِّمُ قَوْلُهُ: (عِلْمُ الْمَالِكِ وَإِعَادَةُ الْحِرْزِ) أَيْ بِإِصْلَاحِهِ أَوْ غَلْقٍ مِنْ الْمَالِكِ، أَوْ نَائِبِهِ دُونَ غَيْرِهِمَا، لِأَنَّهُ بِغَيْرِ الْإِصْلَاحِ لَيْسَ حِرْزًا هَذَا ظَاهِرٌ إنْ حَصَلَ مِنْ السَّارِقِ هَتْكٌ لِلْحِرْزِ أَمَّا لَوْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ ذَلِكَ كَأَنْ تَسَوَّرَ الْجِدَارَ وَتَدَلَّى إلَى الدَّارِ فَسَرَقَ مِنْ غَيْرِ كَسْرِ بَابٍ وَلَا نَقْبِ جِدَارٍ فَيَحْتَمِلُ الِاكْتِفَاءَ بِعِلْمِ الْمَالِكِ؛ إذْ لَا هَتْكَ لِلْحِرْزِ حَتَّى يُصْلِحَهُ ع ش عَلَى م ر وَعِبَارَةُ م ر فِي شَرْحِهِ فَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا عِلْمُ الْمَالِكِ بِذَلِكَ، وَإِعَادَةُ الْحِرْزِ بِنَحْوِ غَلْقِ بَابٍ، وَإِصْلَاحِ نَقْبٍ مِنْ الْمَالِكِ، أَوْ نَائِبِهِ دُونَ غَيْرِهِمَا، كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَالْأَوَّلِ حَيْثُ وُجِدَ الْإِحْرَازُ، كَمَا لَا يَخْفَى فَالْإِخْرَاجُ الثَّانِي سَرِقَةٌ أُخْرَى لِاسْتِقْلَالِ كُلٍّ حِينَئِذٍ فَلَا قَطْعَ بِهِ كَالْأَوَّلِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فَالسَّرِقَةُ بَعْدَ الْإِحْرَازِ الثَّانِي إلَخْ، لِأَنَّ الْإِحْرَازَ لَيْسَ سَرِقَةً، وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ عِلْمُ الْمَالِكِ وَلَا إعَادَةُ الْحِرْزِ، أَوْ تَخَلَّلَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ سَوَاءٌ اشْتَهَرَ هَتْكُ الْحِرْزِ أَمْ لَا قُطِعَ فِي الْأَصَحِّ إبْقَاءً لِلْحِرْزِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخِذِ، لِأَنَّ فِعْلَ الْإِنْسَانِ يُبْنَى عَلَى فِعْلِهِ لَكِنْ اعْتَمَدَ الْبُلْقِينِيُّ فِيمَا إذَا تَخَلَّلَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ عَدَمَ الْقَطْعِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (إبْقَاءً لِلْحِرْزِ) اعْتَرَضَ الشِّهَابُ الْبُرُلُّسِيُّ عِبَارَةَ الْمَنْهَجِ الْمُوَافِقَةَ لِهَذِهِ بِمَا نَصُّهُ: هَذَا لَيْسَ لَهُ مَعْنًى فِيمَا إذَا تَخَلَّلَتْ الْإِعَادَةُ بَعْدَ الْعِلْمِ، لِأَنَّهُ حِرْزٌ بِالنِّسْبَةِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَأَيْضًا فَكَيْفَ يُقْطَعُ وَالْفَرْضُ أَنَّ الْمُخْرَجَ ثَانِيًا دُونَ نِصَابٍ فَفِي كَلَامِهِ مُؤَاخَذَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ بَلْ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يُوهِمُ تَصَوُّرَ إعَادَةِ الْمَالِكِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَهُوَ مُحَالٌ اهـ. وَالْمُؤَاخَذَاتُ الثَّلَاثُ وَارِدَةٌ عَلَى الشَّارِحِ كَمَا لَا يَخْفَى.
نَعَمْ يُمْكِنُ مَنْعُ مُحَالِيَّةِ الثَّالِثِ لِجَوَازِ أَنْ يَشْتَبِهَ حِرْزُ الْمَالِكِ بِحِرْزِ غَيْرِهِ فَيُصْلِحَهُ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ السَّرِقَةَ، وَدُفِعَ قَوْلُهُ: وَأَيْضًا بِأَنَّ الْقَطْعَ إنَّمَا هُوَ بِمَجْمُوعِ الْمُخْرَجِ ثَانِيًا وَالْمُخْرَجِ أَوَّلًا، لِأَنَّهُمَا سَرِقَةٌ وَاحِدَةٌ وَيُمْكِنُ دَفْعُ الْأَوَّلِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ مَرْهُونًا) بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ قَوْلُهُ: (لَمْ يُقْطَعْ) لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ دُخُولُهُ الْحِرْزَ لِأَخْذِ مِلْكِهِ صَارَ مَا فِيهِ غَيْرَ مُحْرَزٍ بِالنِّسْبَةِ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ سَرَقَ مَعَ مَا اشْتَرَاهُ) أَيْ وَكَانَ دُخُولُهُ بِإِذْنِهِ وَكَانَ قَاصِدًا الشِّرَاءَ، وَإِلَّا قُطِعَ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ) وَكَذَا قَبْلَهُ إنْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا.
وَقَبْلَ الْقَبُولِ قُطِعَ فِي الصُّورَتَيْنِ.
أَمَّا الْأُولَى فَلِأَنَّ الْقَبُولَ لَمْ يَقْتَرِنْ بِالْوَصِيَّةِ.
وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا لَا يَحْصُلُ بِالْمَوْتِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِالْهِبَةِ بَعْدَ الْقَبُولِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ.
فَهَلَّا كَانَ هُنَا كَذَلِكَ.
أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ مُقَصِّرٌ بِعَدَمِ الْقَبُولِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ بِخِلَافِهِ فِي الْهِبَةِ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَبْضِ، وَأَيْضًا الْقَبُولُ وُجِدَ ثَمَّ، وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا.
وَلَوْ سَرَقَ الْمُوصَى بِهِ فَقِيرٌ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَالْوَصِيَّةُ لِلْفُقَرَاءِ لَمْ يُقْطَعْ كَسَرِقَةِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَهُ الْغَنِيُّ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ مَلَكَ السَّارِقُ الْمَسْرُوقَ، أَوْ بَعْضَهُ بِإِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ كَشِرَاءٍ قَبْلَ إخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ، أَوْ نَقَصَ فِي الْحِرْزِ عَنْ نِصَابٍ بِأَكْلِ بَعْضِهِ، أَوْ غَيْرِهِ، كَإِحْرَاقِهِ لَمْ يُقْطَعْ أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّهُ مَا أَخْرَجَ إلَّا مِلْكَهُ.
وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ مِنْ الْحِرْزِ نِصَابًا وَلَوْ ادَّعَى السَّارِقُ مِلْكَ الْمَسْرُوقِ أَوْ بَعْضِهِ لَمْ يُقْطَعْ عَلَى النَّصِّ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ فَصَارَ شُبْهَةً دَارِئَةً لِلْقَطْعِ وَيُرْوَى عَنْ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سَمَّاهُ السَّارِقَ الظَّرِيفَ أَيْ الْفَقِيهَ.
وَلَوْ سَرَقَ اثْنَانِ مَثَلًا نِصَابَيْنِ وَادَّعَى الْمَسْرُوقَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَهُ أَوْ لَهُمَا فَكَذَّبَهُ الْآخَرُ لَمْ يُقْطَعْ الْمُدَّعِي، لِمَا مَرَّ وَقُطِعَ الْآخَرُ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِسَرِقَةِ نِصَابٍ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزِ شَرِيكِهِ مَالًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَلَا قَطْعَ بِهِ.
وَإِنْ قَلَّ نَصِيبُهُ، لِأَنَّ لَهُ فِي كُلِّ جُزْءٍ حَقًّا شَائِعًا وَذَلِكَ شُبْهَةٌ فَأَشْبَهَ مَنْ وَطِئَ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَكَةَ.
(وَ) السَّادِسُ كَوْنُ السَّارِقِ (لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي مَالِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ) لِحَدِيثِ: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» صَحَّحَ الْحَاكِمُ إسْنَادَهُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ شُبْهَةُ الْمِلْكِ: كَمَنْ سَرَقَ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (لَا يَحْصُلُ بِالْمَوْتِ) أَيْ بَلْ بِالْقَبُولِ بَعْدَهُ قَوْلُهُ: (فَإِنْ قِيلَ إلَخْ) الْإِيرَادُ عَلَى الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (كَشِرَاءٍ) كَأَنْ وَكَّلَ غَيْرَهُ فِي شِرَائِهِ فَاشْتَرَاهُ الْوَكِيلُ قَبْلَ إخْرَاجِ الْمُوَكِّلِ لَهُ، وَقَوْلُهُ: قَبْلَ إخْرَاجِهِ ظَرْفٌ لِ مَلَكَ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ إخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ) أَيْ وَكَذَا بَعْدَهُ قَبْلَ الرَّفْعِ إلَى الْحَاكِمِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَقَصَ فِي الْحِرْزِ عَنْ نِصَابٍ بِأَكْلِ بَعْضِهِ) هَذِهِ تَقَدَّمَتْ بِعَيْنِهَا.
وَيُجَابُ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّهُ كَانَ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الِاسْتِغْرَاقُ فِي بَحْرِ الْأُحْدِيَّةِ، فَيَقَعُ مِنْهُ التَّكْرَارُ وَغَيْرُهُ لَا عَنْ قَصْدٍ كَمَا وَقَعَ لِلسَّيِّدِ الدُّسُوقِيِّ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَلِيقُ أَنْ تَقَعَ مِنْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (مِلْكَ الْمَسْرُوقِ) أَيْ مِلْكًا سَابِقًا عَلَى السَّرِقَةِ، وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بَلْ أَوْ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ بِكَذِبِهِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ شَرْحَ م ر. وَهَذَا عَدَّهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مِنْ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ، وَعَدَّ دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ مِنْ الْحِيَلِ الْمُبَاحَةِ كَمَا فِي سم.
وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر وَلَا بِمَا إذَا ادَّعَى مِلْكَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَائِقًا بِهِ وَكَانَ مِلْكُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ ثَابِتًا بِبَيِّنَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا وَهِيَ مِنْ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ بِخِلَافِ دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ فِي الزِّنَا فَهِيَ مِنْ الْحِيَلِ الْمُبَاحَةِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ دَعْوَى الْمِلْكِ هُنَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ الزَّوْجِيَّةِ فَجَوَّزَ دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ فِيهِ تَوَصُّلًا إلَى إسْقَاطِ الْحَدِّ اهـ بِحُرُوفِهَا.
قَوْلُهُ: (دَارِئَةً) أَيْ مُسْقِطَةً وَادِّعَاؤُهُ الْمِلْكَ لَيْسَ قَيْدًا حَتَّى لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ مِلْكُ سَيِّدِهِ أَوْ مِلْكُ بَعْضِهِ، أَوْ أَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ الْحِرْزِ بِإِذْنِهِ، أَوْ أَنَّ الْحِرْزَ مَفْتُوحٌ، أَوْ أَنَّ الْمَسْرُوقَ دُونَ النِّصَابِ، وَإِنْ ثَبَتَ كَذِبُهُ كَمَا لَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَادَّعَى أَنَّهَا حَلِيلَتُهُ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا قَطْعَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا زي.
قَوْلُهُ: (السَّارِقَ الظَّرِيفَ) رَوَى أَصْحَابُ الْغَرِيبِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ إذَا كَانَ اللِّصُّ ظَرِيفًا لَمْ يُقْطَعْ أَيْ إذَا كَانَ بَلِيغًا جَيِّدَ الْكَلَامِ يَحْتَجُّ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْهُ.
وَالظَّرَافَةُ فِي اللِّسَانِ الْبَلَاغَةُ وَفِي الْوَجْهِ الْحُسْنُ وَفِي الْقَلْبِ الذَّكَاءُ.
اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ لَهُ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: الْمَسْرُوقَ قَوْلُهُ: (فَكَذَّبَهُ الْآخَرُ) وَقَالَ: بَلْ سَرَقْنَاهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ صَدَّقَهُ، أَوْ سَكَتَ أَوْ قَالَ: لَا أَدْرِي فَلَا يُقْطَعُ أَيْضًا لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ قَوْلُهُ: (مَالًا مُشْتَرَكًا) خَرَجَ مَا لَوْ سَرَقَ غَيْرَ الْمُشْتَرَكِ فَيُقْطَعُ إنْ دَخَلَ الْحِرْزَ بِقَصْدِ سَرِقَتِهِ فَقَطْ، لِامْتِنَاعِ دُخُولِهِ حِينَئِذٍ وَعِبَارَةُ ق ل هُوَ أَيْ التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي قَطْعَهُ بِمَالِ شَرِيكِهِ غَيْرِ الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ لَيْسَ فِيهِ مَالٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، أَوْ فِيهِ وَدَخَلَ بِقَصْدِ سَرِقَةِ مَالِ شَرِيكِهِ، وَإِلَّا فَلَا وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ شُبْهَةُ الْمِلْكِ) ذَكَرَ أَنَّ الشُّبْهَةَ ثَلَاثَةٌ: شُبْهَةُ الْفَاعِلِ، وَشُبْهَةُ الْمَحَلِّ، وَشُبْهَةُ الْمِلْكِ، وَهَلْ يَأْتِي هُنَا شُبْهَةُ الطَّرِيقِ اُنْظُرْهُ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (عَلَى
مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ كَمَا مَرَّ، أَوْ شُبْهَةُ الْفَاعِلِ: كَمَنْ أَخَذَ مَالًا عَلَى صُورَةِ السَّرِقَةِ يَظُنُّ أَنَّهُ مِلْكُهُ، أَوْ مِلْكُ أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ، أَوْ شُبْهَةُ الْمَحَلِّ: كَسَرِقَةِ الِابْنِ مَالَ أَحَدِ أُصُولِهِ، أَوْ أَحَدِ الْأُصُولِ مَالَ فَرْعِهِ، وَإِنْ سَفَلَ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الِاتِّحَادِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا.
كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلِأَنَّ مَالَ كُلٍّ مِنْهُمَا مُرْصَدٌ لِحَاجَةِ الْآخَرِ، وَمِنْهَا أَنْ لَا تُقْطَعَ يَدُهُ بِسَرِقَةِ ذَلِكَ الْمَالِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَقَارِبِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ السَّارِقُ مِنْهُمَا حُرًّا أَمْ رَقِيقًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الزَّرْكَشِيّ تَفَقُّهًا مُؤَيِّدًا لَهُ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَطِئَ الرَّقِيقُ أَمَةَ فَرْعِهِ لَمْ يُحَدَّ لِلشُّبْهَةِ وَلَا قَطْعَ أَيْضًا بِسَرِقَةِ رَقِيقٍ مَالَ سَيِّدِهِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلِشُبْهَةِ اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ، وَيَدُهُ كَيَدِ سَيِّدِهِ وَالْمُبَعَّضُ كَالْقِنِّ وَكَذَا الْمُكَاتَبُ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْجِزُ فَيَصِيرُ كَمَا كَانَ.
قَاعِدَةٌ: مَنْ لَا يُقْطَعُ بِمَالٍ لَا يُقْطَعُ بِهِ رَقِيقُهُ فَكَمَا لَا يُقْطَعُ الْأَصْلُ بِسَرِقَةِ مَالِ الْفَرْعِ.
وَبِالْعَكْسِ لَا يُقْطَعُ رَقِيقُ أَحَدِهِمَا بِسَرِقَةِ مَالِ الْآخَرِ، وَلَا يُقْطَعُ السَّيِّدُ بِسَرِقَةِ مَالِ مُكَاتَبِهِ لِمَا مَرَّ وَلَا بِمَالٍ مَلَكَهُ الْمُبَعَّضُ بِبَعْضِهِ الْحُرِّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ، لِأَنَّ مَا مَلَكَهُ بِالْحُرِّيَّةِ فِي الْحَقِيقَةِ لِجَمِيعِ بَدَنِهِ فَصَارَ شُبْهَةً
[حاشية البجيرمي]
صُورَةِ السَّرِقَةِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آخِذٌ لِلشَّيْءِ خِفْيَةً مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ قَوْلُهُ: (أَوْ مِلْكُ أَصْلِهِ، أَوْ فَرْعِهِ) وَفِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» . اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لِمَا بَيْنَهُمَا) عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ فَلَا يُقْطَعُ لِمَا بَيْنَهُمَا إلَخْ قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ حَاجَةِ الْآخَرِ إلَخْ فِي كَوْنِ هَذَا مِنْ الْحَاجَةِ نَظَرٌ إلَّا أَنْ تُجْعَلَ " مِنْ " تَعْلِيلِيَّةً أَيْ وَمِنْ أَجْلِهَا عَدَمُ قَطْعِ يَدِهِ بِسَرِقَةٍ إلَخْ.
وَعِبَارَةُ م د وَمِنْهَا أَيْ وَمِنْ حَاجَةِ الْآخَرِ أَنْ لَا تُقْطَعَ يَدُهُ بِسَرِقَةِ ذَلِكَ الْمَالِ أَيْ مَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا حَتَّى لَوْ سَرَقَ الْأَخُ مَالَ أَخِيهِ مَثَلًا فَادَّعَى أَنَّهُ مَالُ أَبِيهِ فَلَا يُقْطَعُ، وَإِنْ كَذَّبَهُ الْأَبُ كَأَنْ قَالَ لَهُ: لَيْسَ هَذَا مَالِي بَلْ مَالَ أَخِيك اهـ.
قَوْلُهُ: (مِنْهُمَا) أَيْ الْأَصْلِ، أَوْ الْفَرْعِ.
قَوْلُهُ: (فُرُوعٌ) هِيَ أَرْبَعَةٌ: أَوَّلُهَا يَتَفَرَّعُ عَلَى الشَّرْطِ السَّادِسِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ لِلسَّارِقِ شُبْهَةٌ فِي الْمَسْرُوقِ كَمَالِ أَبِيهِ، أَوْ ابْنِهِ فَذَكَرَ مِنْ الشُّبْهَةِ مَا لَوْ سَرَقَ طَعَامًا زَمَنَ قَحْطٍ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ثَمَنِهِ فَلَا يُقْطَعُ لِشُبْهَةِ وُجُوبِ حِفْظِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ.
وَثَانِيهَا يَتَفَرَّعُ عَلَى الشَّرْطِ الرَّابِعِ وَهُوَ الْأَخْذُ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ فَذَكَرَ أَنَّ مَحَلَّهُ إنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي دُخُولِ الْحِرْزِ فَإِنْ أُذِنَ لَهُ فَلَا قَطْعَ لِكَوْنِهِ صَارَ غَيْرَ مُحْرَزٍ عَنْهُ.
وَثَالِثُهَا يَتَفَرَّعُ عَلَى عُمُومِ أَخْذِ مَا يُسَاوِي نِصَابًا مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ فَذَكَرَ أَنَّهُ يَشْمَلُ الْخَسِيسَ مِنْ حَطَبٍ وَحَشِيشٍ، وَإِنْ تَيَسَّرَ أَخْذُ مِثْلِهِمَا بِسُهُولَةٍ مِنْ أَرْضٍ مُبَاحَةٍ كَصَحْرَاءَ.
وَرَابِعُهَا مُفَرَّعٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ: أَنْ يَسْرِقَ مَا قِيمَتُهُ نِصَابٌ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ فَذَكَرَ أَنَّ عُمُومَ الْأَدِلَّةِ تَدُلُّ عَلَى شُمُولِ ذَلِكَ لِمَا هُوَ مُعَرَّضٌ لِلتَّلَفِ كَالْأَطْعِمَةِ، وَالْفَوَاكِهِ، وَنَحْوِهِمَا م د.
فَرْعٌ: إذَا نُبِشَ قَبْرٌ فَإِنْ كَانَ الْقَبْرُ فِي بَيْتٍ مُحْرَزٍ قُطِعَ بِسَرِقَةِ الْكَفَنِ مِنْهُ، وَكَذَا يُقْطَعُ إذَا كَانَ الْقَبْرُ بِمَقْبَرَةٍ بِطَرَفِ الْعِمَارَةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَمِنْهُ تُرْبَةُ الْأَزْبَكِيَّةِ، وَتُرْبَةُ الرُّمَيْلَةِ، فَيُقْطَعُ السَّارِقُ مِنْهُمَا، وَإِنْ اتَّسَعَتْ أَطْرَافُهَا وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا لَمْ تَقَعْ السَّرِقَةُ فِي وَقْتٍ يَبْعُدُ شُعُورُ النَّاسِ فِيهِ بِالسَّارِقِ، وَإِلَّا فَلَا قَطْعَ حِينَئِذٍ اهـ ع ش عَلَى م ر. وَإِنْ كَانَتْ بِمَضْيَعَةٍ فَلَا قَطْعَ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَعَزَاهُ الْإِمَامُ إلَى جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ وَلَوْ وُضِعَ فِي الْقَبْرِ شَيْءٌ سِوَى الْكَفَنِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ قَالَ الْإِمَامُ: إنْ كَانَ الْقَبْرُ فِي بَيْتٍ تَعَلَّقَ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْمَقَابِرِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ لَا قَطْعَ بِهِ لِلْعَادَةِ بِخِلَافِ الْكَفَنِ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَطَعَ فِيهِ النَّبَّاشَ وَجَعَلَهُ مُحْرَزًا لِضَرُورَةِ التَّكْفِينِ وَالدَّفْنِ اهـ. قَالَ الزِّيَادِيُّ: وَلَا أَثَرَ لِإِخْرَاجِ الْكَفَنِ الشَّرْعِيِّ مِنْ اللَّحْدِ إلَى فَضَاءِ الْقَبْرِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ تَمَامِ الْحِرْزِ وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ اشْتِرَاطَ كَوْنِ كُلٍّ مِنْ الْقَبْرِ وَالْمَيِّتِ مُحْتَرَمًا لِيَخْرُجَ قَبْرٌ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ، وَمَيِّتٌ حَرْبِيٌّ، وَلَوْ سَرَقَ ثَوْبًا مِنْ حَمَّامٍ وَهُنَاكَ حَارِسٌ قُطِعَ بِشُرُوطٍ:
الْأَوَّلُ اسْتِحْفَاظُهُ الْحَارِسَ.
الثَّانِي دُخُولُ السَّارِقِ بِقَصْدِ السَّرِقَةِ فَإِنْ دَخَلَ عَلَى الْعَادَةِ وَسَرَقَ لَمْ يُقْطَعْ، الثَّالِثُ أَنْ يُخْرِجَ السَّارِقُ الثِّيَابَ مِنْ الْحَمَّامِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ عَنْ فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ اهـ سم.
وَهُوَ أَيْ الْكَفَنُ كَالْعَارِيَّةِ لِلْمَيِّتِ، لِأَنَّ نَقْلَ الْمِلْكِ إلَيْهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَهُوَ مِلْكٌ لِمَنْ كَفَّنَهُ مِنْ وَارِثٍ، أَوْ أَجْنَبِيٍّ.
فَيُخَاصِمُ مُكَفِّنُهُ سَارِقَهُ فَإِنْ كُفِّنَ مِنْ التَّرِكَةِ خَاصَمَهُ الْوَرَثَةُ وَاقْتَسَمُوهُ أَوْ مِنْ مَالٍ أَجْنَبِيٍّ، أَوْ سَيِّدٍ أَوْ بَيْتِ الْمَالِ خَاصَمَهُ الْمَالِكُ فِي الْأُولَيَيْنِ وَالْإِمَامُ فِي الثَّالِثَةِ وَمَتَى ضَاعَ قَبْلَ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ وَجَبَ إبْدَالُهُ مِنْهَا فَإِنْ
فُرُوعٌ: لَوْ سَرَقَ طَعَامًا زَمَنَ الْقَحْطِ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ لَمْ يُقْطَعْ وَكَذَا مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي الدُّخُولِ إلَى دَارٍ، أَوْ حَانُوتٍ لِشِرَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَسَرَقَ كَمَا رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ حَطَبٍ وَحَشِيشٍ وَنَحْوِهِمَا: كَصَيْدٍ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَلَا أَثَرَ لِكَوْنِهَا مُبَاحَةَ الْأَصْلِ.
وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مُعَرَّضٍ لِلتَّلَفِ كَهَرِيسَةٍ وَفَوَاكِهَ، وَبُقُولٍ لِذَلِكَ وَبِمَاءٍ وَتُرَابٍ وَمُصْحَفٍ وَكُتُبِ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَكُتُبِ شِعْرٍ نَافِعٍ مُبَاحٍ لِمَا مَرَّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَافِعًا مُبَاحًا قُوِّمَ الْوَرَقُ وَالْجِلْدُ فَإِنْ بَلَغَا نِصَابًا قُطِعَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالسَّابِعُ كَوْنُهُ مُخْتَارًا فَلَا يُقْطَعُ الْمُكْرَهُ، بِفَتْحِ الرَّاءِ عَلَى السَّرِقَةِ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَلَا يُقْطَعُ الْمُكْرِهُ بِكَسْرِهَا أَيْضًا نَعَمْ لَوْ كَانَ الْمُكْرَهُ بِالْفَتْحِ غَيْرَ مُمَيِّزٍ لِعُجْمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا قُطِعَ الْمُكْرِهُ لَهُ.
وَالثَّامِنُ كَوْنُهُ مُلْتَزِمًا لِلْأَحْكَامِ فَلَا يُقْطَعُ حَرْبِيٌّ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ وَيُقْطَعُ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ بِمَالِ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ.
أَمَّا قَطْعُ الْمُسْلِمِ بِمَالِ الْمُسْلِمِ فَبِالْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا قَطْعُهُ بِمَالِ الذِّمِّيِّ فَعَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ بِذِمَّتِهِ.
وَلَا يُقْطَعُ مُسْلِمٌ وَلَا ذِمِّيٌّ بِمَالِ مُعَاهَدٍ وَمُؤَمَّنٍ كَمَا لَا يُقْطَعُ الْمُعَاهَدُ وَالْمُؤَمَّنُ بِسَرِقَةِ مَالِ ذِمِّيٍّ، أَوْ مُسْلِمٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ الْأَحْكَامَ فَأَشْبَهَ الْحَرْبِيَّ.
وَالتَّاسِعُ كَوْنُهُ مُحْتَرَمًا
[حاشية البجيرمي]
قُسِمَتْ أَوْ لَمْ تَكُنْ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ.
اهـ. زي.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى ثَمَنِهِ قَوْلُهُ: (بِسَرِقَةِ حَطَبٍ إلَخْ) أَيْ بَعْدَ حِيَازَتِهِمَا، أَوْ كَانَا فِي صَحْرَاءَ مُحْرَزَةٍ بِحَارِسٍ وَكَذَا الثِّمَارُ عَلَى الْأَشْجَارِ إنْ كَانَ لَهَا حَارِسٌ، وَأَمَّا نَفْسُ الْأَشْجَارِ فَإِنْ كَانَتْ فِي الْبُيُوتِ كَانَتْ مُحْرَزَةً، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ حَارِسٍ.
قَوْلُهُ: (لِذَلِكَ) أَيْ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ قَوْلُهُ: (وَبِمَاءٍ وَتُرَابٍ) وَقِيلَ: لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَاءٍ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ وَعَلَيْهِ الْغُرْمُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ الْمَاءِ وَالنَّارِ وَالْكَلَأِ» قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: وَيُحَرَّمُ عَلَى الشَّخْصِ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ الْمُزَاحِ، لِأَنَّ فِيهِ تَرْوِيعًا لِقَلْبِهِ.
اهـ. سم وح ل. وَتَرَدَّدَ الزَّرْكَشِيّ فِي سَرِقَةِ مُصْحَفٍ مَوْقُوفٍ لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ فِي الْمَسْجِدِ وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْقَطْعِ وَلَوْ غَيْرَ قَارِئٍ لِشُبْهَةِ الِانْتِفَاعِ بِهِ بِالِاسْتِمَاعِ لِلْقَارِئِ فِيهِ كَقَنَادِيلِ الْإِسْرَاجِ اهـ. شَرْحَ ابْنِ حَجَرٍ وَقَنَادِيلُ جَمْعُ قِنْدِيلٍ وَهُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ مَعْرُوفٌ، وَوَزْنُهُ فِعْلِيلٌ لَا فِنْعِيلٌ وَفَتْحُ الْقَافِ لَحْنٌ مَشْهُورٌ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ لَوْ كَانَ الْمُكْرَهُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ نَعَمْ يُقْطَعُ إنْ أَكْرَهَ أَعْجَمِيًّا يَعْتَقِدُ الطَّاعَةَ وَكَذَا وَلَوْ نَقَبَ الْحِرْزَ، ثُمَّ أَمَرَ صَبِيًّا غَيْرَ مُمَيِّزٍ، أَوْ نَحْوَهُ بِالْإِخْرَاجِ مِنْهُ فَأَخْرَجَ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ الْآمِرُ أَيْضًا فَإِنْ أَمَرَ مُمَيِّزًا، أَوْ قِرْدًا بِهِ فَلَا قَطْعَ لِأَنَّهُ لَيْسَ آلَةً لَهُ وَلِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ اخْتِيَارًا.
فَإِنْ قُلْت: لَوْ عَلَّمَهُ الْقَتْلَ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ فَهَلَّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ هُنَا؟ قُلْتُ: أُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا يَجِبُ بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ السَّبَبِ بِخِلَافِ الْقَتْلِ، ثُمَّ إنَّ الْقِرْدَ مِثَالٌ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ حَيَوَانٍ مُعَلَّمٍ.
وَلَوْ عَزَّمَ عَلَى عِفْرِيتٍ فَأَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ هَلْ يُقْطَعُ، أَوْ لَا؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي كَمَا لَوْ أَكْرَهَ بَالِغًا مُمَيِّزًا عَلَى الْإِخْرَاجِ فَإِنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا اهـ. ثُمَّ رَأَيْتُ لِلدَّمِيرِيِّ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ الْكُبْرَى مَا نَصُّهُ: لَوْ عَلَّمَ قِرْدَهُ النُّزُولَ إلَى الدَّارِ، وَإِخْرَاجَ الْمَتَاعِ مِنْهَا ثُمَّ نَقَبَ وَأَرْسَلَ الْقِرْدَ فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ، لِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ اخْتِيَارًا وَنَقَلَ الْبَغَوِيّ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ مَكَّنَتْ مِنْ نَفْسِهَا قِرْدًا فَوَطِئَهَا فَعَلَيْهَا مَا عَلَى وَاطِئِ الْبَهِيمَةِ فَتُعَزَّرُ فِي الْأَصَحِّ وَتُحَدُّ فِي قَوْلٍ، وَتُقْتَلُ فِي قَوْلٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُقْطَعُ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ بِمَالِ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ) صُوَرُهُ أَرْبَعٌ وَالْأَظْهَرُ قَطْعُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِالْآخَرِ أَيْ بِسَرِقَةِ مَالِهِ الْمُحْرَزِ عَنْهُ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَشُبْهَةُ اسْتِحْقَاقِهَا النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ فِي مَالِهِ لَا أَثَرَ لَهُ لِأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ مَحْدُودَةٌ وَبِهِ فَارَقَتْ الْمُبَعَّضَ وَالْقِنَّ وَأَيْضًا فَالْفَرْضُ أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْهُمَا فَإِنَّ فُرِضَ أَنَّ لَهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ حَالَ السَّرِقَةِ وَأَخَذَتْهُ بِقَصْدِ الِاسْتِيفَاءِ لَمْ تُقْطَعْ كَدَائِنٍ سَرَقَ مَالَ مَدِينِهِ بِقَصْدِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ شُرُوطُ الظَّفَرِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ وَلَوْ ادَّعَى جُحُودَ مَدْيُونِهِ أَوْ مُمَاطَلَتَهُ صُدِّقَ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ.
اهـ. شَرْحَ م ر. وَقَوْلُهُ: " الْمُحْرَزِ عَنْهُ " أَيْ بِأَنْ يَكُونَ فِي بَيْتٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي هُمَا فِيهِ أَمَّا لَوْ كَانَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، فَلَا قَطْعَ وَلَوْ كَانَ الْمَالُ فِي الصُّنْدُوقِ يُقْفَلُ مَثَلًا وَأَخَذَهُ بِالْمَالِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ أَيْ فَلَا قَطْعَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ بِالنِّسْبَةِ لَهُ بِخِلَافِ مَا إذَا فَتَحَ الصُّنْدُوقَ وَأَخَذَ مِنْهُ نِصَابًا فَيُقْطَعُ، وَإِنْ كَانَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ الصُّنْدُوقَ حِرْزٌ لِمَا فِيهِ فَمَحَلُّ كَوْنِهِ لَا يُقْطَعُ بِالصُّنْدُوقِ إذَا كَانَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ إذَا أَخَذَ الصُّنْدُوقَ بِاَلَّذِي فِيهِ مِنْ غَيْرِ فَتْحٍ.
قَوْلُهُ: (فَأَشْبَهَ) أَيْ كُلٌّ مِنْ الْمُعَاهَدِ وَالْمُؤَمَّنِ.
اهـ.
قَوْلُهُ: (كَوْنُهُ مُحْتَرَمًا) أَيْ مَالًا مُحْتَرَمًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي: وَلَوْ مُحْتَرَمَةً إلَخْ قَالَ
فَلَوْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ خَمْرًا وَلَوْ مُحْتَرَمَةً وَخِنْزِيرًا وَكَلْبًا، وَلَوْ مُقْتَنًى، وَجِلْدَ مَيِّتٍ بِلَا دَبْغٍ فَلَا قَطْعَ، لِأَنَّ مَا ذُكِرَ لَيْسَ بِمَالٍ أَمَّا الْمَدْبُوغُ فَيُقْطَعُ بِهِ حَتَّى لَوْ دَبَغَهُ السَّارِقُ فِي الْحِرْزِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ وَهُوَ يُسَاوِي نِصَابَ سَرِقَةٍ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِهِ إذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ إذَا دَبَغَهُ الْغَاصِبُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَمِثْلُهُ كَمَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ إذَا صَارَ الْخَمْرُ خَلًّا بَعْدَ وَضْعِ السَّارِقِ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَبْلَ إخْرَاجِهِ مِنْ الْحِرْزِ فَإِنْ بَلَغَ إنَاءُ الْخَمْرِ نِصَابًا قُطِعَ بِهِ، لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ كَمَا إذَا سَرَقَ إنَاءً فِيهِ بَوْلٌ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِاتِّفَاقٍ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ.
هَذَا إذَا قَصَدَ بِإِخْرَاجِ ذَلِكَ السَّرِقَةَ أَمَّا إذَا قَصَدَ تَغْيِيرَهَا بِدُخُولِهِ أَوْ بِإِخْرَاجِهَا فَلَا قَطْعَ وَسَوَاءٌ أَخْرَجَهَا فِي الْأُولَى، أَوْ دَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ بِقَصْدِ السَّرِقَةِ أَمْ لَا كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّوْضِ فِيهِمَا وَكَلَامِ أَصْلِهِ فِي الثَّانِيَةِ.
وَلَا قَطْعَ فِي أَخْذِ مَا سَلَّطَ الشَّرْعُ عَلَى كَسْرِهِ كَمِزْمَارٍ، وَصَنَمٍ وَصَلِيبٍ وَطُنْبُورٍ، لِأَنَّ التَّوَصُّلَ إلَى إزَالَةِ الْمَعْصِيَةِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فَصَارَ شُبْهَةً كَإِرَاقَةِ الْخَمْرِ، فَإِنْ بَلَغَ مُكَسَّرُهُ نِصَابًا قُطِعَ، لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ، هَذَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ التَّغْيِيرَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ فَإِنْ قَصَدَ بِإِخْرَاجِهِ تَيَسُّرَ تَغْيِيرٍ فَلَا قَطْعَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِمُسْلِمٍ، أَوْ ذِمِّيٍّ وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَا لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ الْكُتُبِ إذَا كَانَ الْجِلْدُ وَالْقِرْطَاسُ يَبْلُغُ نِصَابًا وَبِسَرِقَةِ إنَاءِ النَّقْدِ، لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إلَّا إنْ أَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ لِيُشْهِرَهُ بِالْكَسْرِ وَلَوْ كَسَرَ إنَاءَ الْخَمْرِ وَالطُّنْبُورَ وَنَحْوَهُ، أَوْ إنَاءَ النَّقْدِ فِي الْحِرْزِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ قُطِعَ إنْ بَلَغَ نِصَابًا كَحُكْمِ الصَّحِيحِ.
وَالْعَاشِرُ كَوْنُ الْمِلْكِ فِي النِّصَابِ تَامًّا قَوِيًّا كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فَلَا يُقْطَعُ
[حاشية البجيرمي]
بَعْضُهُمْ: وَالصَّوَابُ إسْقَاطُ هَذَا الشَّرْطِ؛ إذْ هُوَ خَارِجٌ بِمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِ الْمَتْنِ: نِصَابًا؛ إذْ هُوَ لَا يَكُونُ إلَّا مَالًا.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ أَخْرَجَ) لَمْ يَقُلْ سَرَقَ لِأَنَّ أَخْذُ مَا ذُكِرَ لَا يُسَمَّى سَرِقَةً لِأَنَّهَا أَخْذُ الْمَالِ إلَخْ وَهَذَا لَا يُسَمَّى مَالًا.
قَوْلُهُ: (وَجِلْدَ مَيِّتٍ) الَّذِي بِخَطِّهِ مَيْتَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ بَلَغَ إنَاءُ الْخَمْرِ) مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَهَذَا إنْ لَمْ يَبْلُغْ إنَاءُ الْخَمْرِ نِصَابًا.
قَوْلُهُ: (هَذَا) أَيْ كَوْنُهُ يُقْطَعُ بِإِنَاءِ الْخَمْرِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا إذَا قَصَدَ تَغْيِيرَهَا) أَيْ بِالْإِرَاقَةِ قَوْلُهُ: بِدُخُولِهِ أَيْ لِلْحِرْزِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْأُولَى) هِيَ قَوْلُهُ: إذَا قَصَدَ تَغْيِيرَهَا بِدُخُولِهِ، وَالثَّانِيَةُ هِيَ قَوْلُهُ: أَوْ بِإِخْرَاجِهَا، وَقَوْلُهُ: وَسَوَاءٌ رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا.
وَقَوْلُهُ: بِقَصْدِ السَّرِقَةِ أَمْ لَا مُتَعَلِّقٌ بِإِخْرَاجِهَا.
وَبِقَوْلِهِ: أَوْ دَخَلَ عَلَى وَجْهِ التَّنَازُعِ.
قَوْلُهُ: (وَطُنْبُورٍ) هُوَ بِالضَّمِّ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وَالطِّنْبَارُ بِالْكَسْرِ لُغَةٌ فِيهِ.
اهـ. مُخْتَارٌ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ بَلَغَ مُكَسَّرُهُ) الْمُرَادُ بِمُكَسَّرِهِ خَشَبُهُ وَأَجْزَاؤُهُ مِنْ الْحِبَالِ عَلَى فَرْضِ لَوْ فُصِلَتْ وَأُزِيلَتْ صُورَتُهَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْكَسْرَ الْحَقِيقِيَّ.
قَوْلُهُ: (هَذَا) أَيْ مَحَلُّ كَوْنِهِ يُقْطَعُ بِمُكَسَّرِهِ إنْ بَلَغَ نِصَابًا قَوْلُهُ: (مَا لَا يَحِلُّ) لَيْسَ هَذَا مُكَرَّرًا مَعَ مَا تَقَدَّمَ بَلَى هُوَ أَعَمُّ، لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ خَاصٌّ بِالشِّعْرِ الْمُحَرَّمِ وَمَا هُنَا أَعَمُّ مِنْ الشِّعْرِ وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْقِرْطَاسُ) أَيْ الْوَرَقُ.
وَحَاصِلُ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّقْوِيمِ الْمُبَاحِ وَالْمُحَرَّمِ أَنَّ الْمُبَاحَ يُقَوَّمُ بِهَيْئَتِهِ مَكْتُوبًا مَعَ الْجِلْدِ وَالْمُحَرَّمَ يُقَوَّمُ الْوَرَقُ بِفَرْضِ كَوْنِهِ أَبْيَضَ مِنْ غَيْرِ كِتَابَةٍ.
قَوْلُهُ: (يَبْلُغُ نِصَابًا) هَذَا قَدْ تَقَدَّمَ فَهُوَ مُكَرَّرٌ.
قَوْلُهُ: (لِيُشْهِرَهُ بِالْكَسْرِ) أَيْ لِيُشْهِرَ كَسْرَهُ بَيْنَ النَّاسِ، وَقَالَ م د: أَيْ لِيُنْظَرَ إلَيْهِ فِي إزَالَةِ الْمُنْكَرِ قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَسَرَ إنَاءَ الْخَمْرِ) مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ مَا تَقَدَّمَ إذَا سَرَقَهَا صَحِيحَةً فَإِنْ كَسَرَهَا قَبْلَ إخْرَاجِهَا، ثُمَّ أَخْرَجَهَا فَكَذَلِكَ.
أَيْ إنْ بَلَغَ نِصَابًا قُطِعَ، وَإِلَّا فَلَا كَحُكْمِ الصَّحِيحِ وَمَحَلُّ الْقَطْعِ فِي الْجَمِيعِ مَا لَمْ يَقْصِدْ إزَالَةَ الْمَعْصِيَةِ سَوَاءٌ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ، وَإِلَّا فَلَا قَطْعَ قَوْلُهُ: (وَالطُّنْبُورَ وَنَحْوَهُ) أَيْ كَالْمِزْمَارِ وَالصَّنَمِ وَالصَّلِيبِ كَحُكْمِ الصَّحِيحِ أَيْ كَحُكْمِ الْإِنَاءِ الصَّحِيحِ إذَا سَرَقَهُ لَا بِقَصْدِ التَّغْيِيرِ كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ إنَاءَ النَّقْدِ) وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِهَيْئَتِهِ وَصُورَتِهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آلَاتِ الْمَلَاهِي أَنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ لِعَارِضٍ دُونَ تِلْكَ وَلِهَذَا لَا تُبَاحُ إلَّا لِضَرُورَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْعَاشِرُ إلَخْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَوْلَى حَذْفُ هَذَا الشَّرْطِ وَمَا أَخْرَجَهُ بِهِ يَخْرُجُ بِالشَّرْطِ السَّادِسِ وَهُوَ عَدَمُ الشُّبْهَةِ وَأَيْضًا فَمَا مَعْنَى كَوْنِ الْمِلْكِ تَامًّا قَوِيًّا وَمَا مَعْنَى كَوْنِ الْمِلْكِ غَيْرَ تَامٍّ، وَغَيْرَ قَوِيٍّ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي أَخْرَجَهَا.
إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ: بِالْمِلْكِ التَّامِّ الْقَوِيِّ أَنْ يَكُونَ مَالِكُهُ مُعَيَّنًا سَوَاءٌ كَانَ وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا وَالْمُرَادُ بِكَوْنِ الْمِلْكِ فِيمَا أَخْرَجَهُ غَيْرَ تَامٍّ إلَخْ أَنَّ الْحَقَّ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَاحِدٌ دُونَ آخَرَ وَالتَّعْبِيرُ بِالْمِلْكِ فِيهِ نَوْعُ مُسَامَحَةٍ، لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِحْقَاقُ انْتِفَاعٍ.
قَوْلُهُ: (تَامًّا قَوِيًّا) يَقْتَضِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَمْلِكُونَ حُصُرَ الْمَسْجِدِ وَنَحْوَهَا مِلْكًا ضَعِيفًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ
مُسْلِمٌ بِسَرِقَةِ حُصُرِ الْمَسْجِدِ الْمُعَدَّةِ لِلِاسْتِعْمَالِ.
وَلَا سَائِرِ مَا يُفْرَشُ فِيهِ وَلَا قَنَادِيلَ تُسْرَجُ فِيهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُ فِيهِ حَقٌّ كَمَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَخَرَجَ بِالْمُعَدَّةِ حُصُرُ الزِّينَةِ فَيُقْطَعُ فِيهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي، وَبِالْمُسْلِمِ الذِّمِّيُّ فَيُقْطَعُ لِعَدَمِ الشُّبْهَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَلَاطُ الْمَسْجِدِ كَحُصُرِهِ الْمُعَدَّةِ لِلِاسْتِعْمَالِ وَيُقْطَعُ الْمُسْلِمُ بِسَرِقَةِ بَابِ الْمَسْجِدِ وَجِذْعِهِ وَتَأْزِيرِهِ وَسَوَارِيهِ وَسُقُوفِهِ وَقَنَادِيلِ زِينَةٍ فِيهِ، لِأَنَّ الْبَابَ لِلتَّحْصِينِ وَالْجِذْعَ وَنَحْوَهُ لِلْعِمَارَةِ وَلِعَدَمِ الشُّبْهَةِ فِي الْقَنَادِيلِ وَيَلْحَقُ بِهَذَا سِتْرُ الْكَعْبَةِ إنْ خِيطَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُحْرَزٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سِتْرُ الْمِنْبَرِ كَذَلِكَ إنْ خِيطَ عَلَيْهِ وَلَوْ سَرَقَ الْمُسْلِمُ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ شَيْئًا نُظِرَ إنْ أُفْرِزَ لِطَائِفَةٍ كَذَوِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينِ وَكَانَ مِنْهُمْ، أَوْ أَصْلُهُ، أَوْ فَرْعُهُ، فَلَا قَطْعَ، وَإِنْ أُفْرِزَ لِطَائِفَةٍ لَيْسَ هُوَ مِنْهُمْ وَلَا أَصْلُهُ وَلَا فَرْعُهُ قُطِعَ؛ إذْ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُفْرَزُ لِطَائِفَةٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ
[حاشية البجيرمي]
الثَّابِتُ لَهُمْ الِاخْتِصَاصُ لَا الْمِلْكُ فَفِي هَذَا الْكَلَامِ نَظَرٌ وَقَدْ يُقَالُ قَوْلُهُ: تَامًّا قَوِيًّا أَيْ بِأَنْ يَخْتَصَّ بِهِ مُعَيَّنٌ أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُقْطَعُ مُسْلِمٌ) يُتَأَمَّلُ تَفْرِيعُهُ عَلَى كَوْنِ الْمِلْكِ تَامًّا قَوِيًّا فَقَدْ يُقَالُ: مَا مَعْنَى كَوْنِ الْمِلْكِ فِي هَذَا غَيْرَ تَامٍّ وَغَيْرَ قَوِيٍّ إلَّا أَنْ يُقَالَ مَا لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ حَقٌّ مِمَّا هُوَ مَمْلُوكٌ فَمِلْكُهُ غَيْرُ تَامٍّ وَغَيْرُ قَوِيٍّ فَالْمُرَادُ بِالْقَوِيِّ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ مُعَيَّنٌ.
اهـ. م د.
وَعَلَى كُلٍّ فَفِيهِ تَسَاهُلٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِشَرْطِ عَدَمِ الشُّبْهَةِ لِلسَّارِقِ وَمَا ذَكَرَ فِيهِ لَهُ شُبْهَةٌ.
قَوْلُهُ: (حُصُرِ الْمَسْجِدِ) أَيْ إذَا كَانَ عَامًّا أَمَّا إذَا كَانَ خَاصًّا بِجَمَاعَةٍ فَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ يُفَصَّلُ فِيهِمْ التَّفْصِيلُ الَّذِي فِي الشَّارِحِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَيُقْطَعُ مُطْلَقًا م ر. قَوْلُهُ: (وَلَا سَائِرِ مَا يُفْرَشُ فِيهِ) كَالْبِسَاطَاتِ وَالسَّجَّادَاتِ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ كَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ.
وَقَوْلُهُ: الْمُعَدَّةِ لِلزِّينَةِ.
اُنْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِالْمُعَدَّةِ لِلزِّينَةِ فَإِنَّ الْحُصُرَ إذَا فُرِشَتْ وَلَوْ يَوْمَ الْعِيدِ فَهِيَ مُعَدَّةٌ لِلِاسْتِعْمَالِ.
فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَا حُصُرٌ، أَوْ سَجَّادَاتٌ تُعَلَّقُ عَلَى الْحِيطَانِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ لِلزِّينَةِ، لِأَنَّهُ لَا اسْتِعْمَالَ حِينَئِذٍ.
اهـ، وَمِثْلُ الْحُصُرِ الْمِنْبَرُ، وَالدِّكَّةُ وَكُرْسِيُّ الْوَاعِظِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السَّارِقُ خَطِيبًا وَلَا وَاعِظًا وَلَا مُؤَذِّنًا وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ بَكَرَةِ بِئْرٍ مُسَبَّلَةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي ح ل عَلَى الْمَنْهَجِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ بِذَلِكَ أَبْوَابُ الْأَخْلِيَةِ، لِأَنَّهَا تُتَّخَذُ لِلسَّتْرِ بِهَا، عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (كَمَالِ بَيْتِ الْمَالِ) ظَاهِرُهُ، وَإِنْ زَادَ عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ بِقَدْرِ رُبُعِ دِينَارٍ كَمَا فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (حُصُرُ الزِّينَةِ) وَهِيَ الَّتِي تُفْرَشُ فِي الْأَعْيَادِ وَنَحْوِهَا كَالْجُمَعِ، شَيْخُنَا، خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهَا بِاَلَّتِي تُبْسَطُ عَلَى الْحِيطَانِ.
قَوْلُهُ: (وَبِالْمُسْلِمِ الذِّمِّيُّ) وَكَذَا مُسْلِمٌ لَا يَسْتَحِقُّ الِانْتِفَاعَ بِهَا بِأَنْ اُخْتُصَّتْ بِطَائِفَةٍ لَيْسَ هُوَ مِنْهُمْ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ زي وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ م ر. قَالَ ع ش عَلَيْهِ: وَلَيْسَ مِنْهُ أَرْوِقَةُ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ فَإِنَّ الِاخْتِصَاصَ بِمَنْ فِيهَا عَارِضٌ؛ إذْ أَصْلُ الْمَسْجِدِ، إنَّمَا وُقِفَ لِلصَّلَاةِ وَالْمُجَاوَرَةُ بِهِ مِنْ أَصْلِهَا طَارِئَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَيُقْطَعُ) وَأَمَّا سَرِقَتُهُ مِنْ كَنَائِسِهِمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ تَفْصِيلُ الْمُسْلِمِ فِي سَرِقَتِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (بَلَاطُ الْمَسْجِدِ) وَرُخَامُهُ.
الَّذِي فِي أَرْضِهِ أَمَّا مَا فِي جِدَارِهِ فَيُقْطَعُ بِهِ وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ الْبَوَّابِ أَمَّا هُوَ فَلَا يُقْطَعُ أَصْلًا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ عَلَيْهِ وَمِثْلُهُ الْمُجَاوِرُونَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: " (بَابِ الْمَسْجِدِ) وَيَلْحَقُ بِهِ سِتْرُ الْكَعْبَةِ " فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ إنْ خِيطَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُحْرَزٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سِتْرُ الْمِنْبَرِ كَذَلِكَ، إنْ خِيطَ عَلَيْهِ وَكَذَا يُقَالُ: مِثْلُ ذَلِكَ فِي سِتْرِ الْأَوْلِيَاءِ اهـ. شَرْحَ م ر وع ش وَسَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (وَجِذْعِهِ) أَيْ مَا يُعْمَرُ عَلَيْهِ بِأَنْ يُجْعَلَ السَّقْفُ عَلَيْهِ وَكَذَا السُّقُوفُ فَيُقْطَعُ بِهَا، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقْصَدُ بِوَضْعِهَا صِيَانَتُهُ لِانْتِفَاعِ النَّاسِ فَلَوْ جُعِلَ فِيهِ نَحْوُ سَقِيفَةٍ بِقَصْدِ وِقَايَةِ النَّاسِ مِنْ نَحْوِ الْبَرْدِ فَلَا قَطْعَ وَمِنْ ذَلِكَ مَا يُغَطَّى بِهِ نَحْوُ فَتْحَةٍ فِي سَقْفِهِ لِدَفْعِ نَحْوِ الْبَرْدِ الْحَاصِلِ مِنْهَا عَلَى النَّاسِ.
اهـ. م ر شَوْبَرِيٌّ قَوْلُهُ: (وَتَأْزِيرِهِ) هُوَ مَا يُعْمَلُ فِي أَسْفَلِ الْجِدَارِ مِنْ خَشَبٍ وَنَحْوِهِ.
اهـ. شَيْخُنَا قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ أَزَّرْت الْحَائِطَ تَأْزِيرًا جَعَلْت لَهُ مَنْ أَسْفَلِهِ كَالْإِزَارِ.
قَوْلُهُ: (وَسَوَارِيهِ) أَيْ عَوَامِيدِهِ، وَ " قَنَادِيلِ " زِينَةٍ " بِالْإِضَافَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ لِتَحْصِينِ الْمَسْجِدِ وَحِفْظِهِ كَأَبْوَابِهِ وَسَقْفِهِ وَمَا كَانَ لِلزِّينَةِ يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ وَمَا يُنْتَفَعُ بِهِ لَا قَطْعَ بِسَرِقَتِهِ وَمِثْلُ قَنَادِيلِ الزِّينَةِ مَا هِيَ مُعَلَّقَةٌ بِهِ مِنْ نَحْوِ سِلْسِلَةٍ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سِتْرُ الْمِنْبَرِ) وَكَذَا سَجَّادَةُ الْإِمَامِ الْمُخْتَصَّةُ بِهِ اهـ خ ض قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يُفْرَزْ لِطَائِفَةٍ) لَعَلَّ الْمُرَادَ لِطَائِفَةٍ
فِي الْمَسْرُوقِ كَمَالِ الْمَصَالِحِ، سَوَاءٌ أَكَانَ فَقِيرًا أَمْ غَنِيًّا وَكَصَدَقَةٍ وَهُوَ فَقِيرٌ أَوْ غَارِمٌ لِذَاتِ الْبَيْنِ أَوْ غَازٍ فَلَا يُقْطَعُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ لَهُ حَقًّا، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا كَمَا مَرَّ، لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُصْرَفُ فِي عِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ وَالرِّبَاطَاتِ وَالْقَنَاطِرِ فَيَنْتَفِعُ بِهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
لِأَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِهِمْ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ يُقْطَعُ بِذَلِكَ وَلَا نَظَرَ إلَى إنْفَاقِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ لِلضَّرُورَةِ وَبِشَرْطِ الضَّمَانِ كَمَا يُنْفَقُ عَلَى الْمُضْطَرِّ بِشَرْطِ الضَّمَانِ وَانْتِفَاعُهُ بِالْقَنَاطِرِ وَالرِّبَاطَاتِ بِالتَّبَعِيَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَاطِنٌ بِدَارِ الْإِسْلَامِ لَا لِاخْتِصَاصِهِ بِحَقٍّ فِيهَا.
وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِاسْتِحْقَاقِهِ بِخِلَافِ الْغَنِيِّ.
فَإِنَّهُ يُقْطَعُ لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ إلَّا إذَا كَانَ غَازِيًا، أَوْ غَارِمًا لِذَاتِ الْبَيْنِ فَلَا يُقْطَعُ لِمَا مَرَّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَقٌّ قُطِعَ لِانْتِفَاءِ التَّبَعِيَّةِ.
فَرْعٌ: لَوْ سَرَقَ شَخْصٌ الْمُصْحَفَ الْمَوْقُوفَ عَلَى الْقِرَاءَةِ لَمْ يُقْطَعْ إذَا كَانَ قَارِئًا، لِأَنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا.
وَكَذَا إنْ كَانَ غَيْرَ قَارِئٍ لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَعَلَّمَ مِنْهُ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: أَوْ يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ يَقْرَأُ فِيهِ لِاسْتِمَاعِ الْحَاضِرِينَ وَيُقْطَعُ بِمَوْقُوفٍ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ مَالٌ مُحْرَزٌ وَلَوْ سَرَقَ مَالًا مَوْقُوفًا عَلَى الْجِهَاتِ الْعَامَّةِ، أَوْ عَلَى وُجُوهِ الْخَيْرِ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ كَانَ السَّارِقُ ذِمِّيًّا، لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَرَكَ الرُّكْنَ الثَّالِثَ، وَهُوَ السَّرِقَةُ وَهِيَ أَخْذُ الْمَالِ خِفْيَةً كَمَا مَرَّ.
وَحِينَئِذٍ لَا يُقْطَعُ مُخْتَلِسٌ وَهُوَ مَنْ يَعْتَمِدُ الْهَرَبَ مِنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ مَعَ مُعَايَنَةِ الْمَالِكِ وَلَا مُنْتَهِبٌ وَهُوَ مَنْ يَأْخُذُ عِيَانًا مُعْتَمِدًا عَلَى الْقُوَّةِ وَالْغَلَبَةِ وَلَا مُنْكِرُ وَدِيعَةٍ وَعَارِيَّةٍ لِحَدِيثِ: «لَيْسَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ وَالْمُنْتَهِبِ وَالْخَائِنِ قَطْعٌ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفَرَّقَ مِنْ
[حاشية البجيرمي]
مُعَيَّنَةٍ، وَإِلَّا فَهُوَ مُفْرَزٌ مُتَمَيِّزٌ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: (كَمَالِ الْمَصَالِحِ) هَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْلُهُ: (وَكَصَدَقَةٍ) أَيْ وَاجِبَةٍ وَهِيَ الزَّكَاةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: أَوْ غَارِمٌ لِذَاتِ الْبَيْنِ أَوْ غَازٍ، لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي الزَّكَاةِ لَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ.
قَوْلُهُ: (يُقْطَعُ بِذَلِكَ) أَيْ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِبَيْتِ الْمَالِ قَوْلُهُ: (وَبِشَرْطِ الضَّمَانِ) أَيْ، لِأَنَّهُ إذَا أَيْسَرَ رَجَعَ عَلَيْهِ بِمَا دَفَعَهُ لَهُ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (بِالتَّبَعِيَّةِ) أَيْ فَلَا نَظَرَ إلَيْهِ فِي رَفْعِ الْحَدِّ، وَهَلْ يُشْكِلُ بِمَا يَأْتِي فِيمَا لَوْ سَرَقَ مَالًا مَوْقُوفًا عَلَى الْوُجُوهِ الْعَامَّةِ حَيْثُ لَا يُقْطَعُ وَلَوْ كَانَ السَّارِقُ ذِمِّيًّا لِلتَّبَعِيَّةِ، أَوْ لَا؟ وَيُفَرَّقُ بِقُوَّةِ التَّبَعِيَّةِ، ثُمَّ بِاعْتِبَارِ وَقْفِهِ عَلَى نَفْسِ الْجِهَةِ الَّتِي بِهَا انْتِفَاعُ التَّابِعِ وَالْمَتْبُوعِ بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَصَّ بِتِلْكَ الْجِهَةِ بَلْ لَمَّا كَانَ قَدْ يُصْرَفُ فِيمَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ كَانَ شُبْهَةً لَهُمْ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ لِضَعْفِ الشُّبْهَةِ بِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ فِي الصَّرْفِ لِمَا بِهِ الِانْتِفَاعُ اهـ. وَأَقَرَّ بَعْضُهُمْ الْفَرْقَ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّبَعِيَّةَ فِي مَالِ الْمَصَالِحِ ضَعِيفَةٌ وَالتَّبَعِيَّةَ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَى الْجِهَاتِ الْعَامَّةِ قَوِيَّةٌ لِتَعَيُّنِ هَذَا لِجِهَةِ الِانْتِفَاعِ بِخِلَافِ مَالِ الْمَصَالِحِ.
اهـ. م د قَوْلُهُ: (وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ) وَهِيَ الصَّدَقَةُ أَيْ الزَّكَاةُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُقْطَعُ لِمَا مَرَّ) أَيْ لِاسْتِحْقَاقِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَقٌّ) كَانَ الْأَوْلَى حَذْفَهُ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِمَالِ الْمَصَالِحِ فَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ لَهُ فِيهِ حَقٌّ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُهُمَا حَتَّى يُخْرِجَهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ أَخْرَجْنَا بِهِ الذِّمِّيَّ فَذَكَرَهُ الشَّارِحُ سَابِقًا، وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِمَسْأَلَةِ الصَّدَقَةِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْغَنِيَّ.
فَقَدْ أَخْرَجَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَتَعَيَّنَ عَدَمُ ذِكْرِهِ حِينَئِذٍ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الذِّمِّيُّ، لِأَنَّ الشَّارِحَ أَخْرَجَهُ أَيْضًا وَقَوْلُهُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَيْ وَكَانَ الْأَخْذُ مِنْ غَيْرِ مَالِ الْمَصَالِحِ.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَيُقْطَعُ بِمَوْقُوفٍ عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ مِمَّنْ لَيْسَ نَحْوَ أَصْلِهِ وَفَرْعِهِ وَلَا مُشَارِكًا لَهُ فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْوَقْفِ؛ إذْ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ حِينَئِذٍ.
اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (مَوْقُوفًا عَلَى الْجِهَاتِ الْعَامَّةِ) كَطَاسَةِ السَّبِيلِ قَوْلُهُ: (أَوْ عَلَى وُجُوهِ الْخَيْرِ) كَمَرْكَبٍ مَوْقُوفٍ عَلَى مَنْ رَكِبَهَا قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْمُسْلِمِينَ) لَا يُنَافِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي سَرِقَةِ بَيْتِ الْمَالِ حَيْثُ يُقْطَعُ بِهِ الذِّمِّيُّ وَلَا نَظَرَ لِلصَّرْفِ مِنْهُ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا تَبَعًا لِتَعَيُّنِ هَذَا لِلْمَصَالِحِ فَقَوِيَتْ فِيهِ الشُّبْهَةُ بِخِلَافِ ذَاكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (مُخْتَلِسٌ) أَيْ مُخْتَطِفٌ ح ل. قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَنْ يَأْخُذُ عِيَانًا إلَخْ) وَمَا قِيلَ: مِنْ أَنَّ تَفْسِيرَ الْمُنْتَهِبِ يَشْمَلُ قَاطِعَ الطَّرِيقِ فَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ يُخْرِجُهُ يُرَدُّ بِأَنَّ لِلْقَاطِعِ
حَيْثُ الْمَعْنَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّارِقِ بِأَنَّ السَّارِقَ يَأْخُذُ الْمَالَ خِفْيَةً وَلَا يَتَأَتَّى مَنْعُهُ فَشُرِعَ الْقَطْعُ زَجْرًا لَهُ، وَهَؤُلَاءِ يَقْصِدُونَهُ عِيَانًا فَيُمْكِنُ مَنْعُهُمْ بِالسُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ.
كَذَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَلَعَلَّ هَذَا حُكْمٌ عَلَى الْأَغْلَبِ، وَإِلَّا فَالْجَاحِدُ لَا يَقْصِدُ الْأَخْذَ عِنْدَ جُحُودِهِ عِيَانًا فَلَا يُمْكِنُ مَنْعُهُ بِسُلْطَانٍ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَفُرُوعُ الْبَابِ كَثِيرَةٌ وَمَحَلُّ ذِكْرِهَا الْمَبْسُوطَاتُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ لِقَارِئِ هَذَا الْكِتَابِ.
(وَتُقْطَعُ يَدُهُ) أَيْ السَّارِقِ (الْيُمْنَى) قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] وَقُرِئَ شَاذًّا
[حاشية البجيرمي]
شُرُوطًا يَتَمَيَّزُ بِهَا فَلَمْ يَشْمَلْهُ الْإِطْلَاقُ شَرْحَ م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَا مُنْكِرُ وَدِيعَةٍ إلَخْ) خِلَافًا لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الْقَطْعِ بِالْعَارِيَّةِ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ
قَوْلُهُ: (وَتُقْطَعُ يَدُهُ إلَخْ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ وَالشُّبْهَةِ الْمُسْقِطَةِ لَهُ شَرَعَ فِي الْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى السَّرِقَةِ وَهُوَ الْقَطْعُ فَقَالَ: وَتُقْطَعُ يَدُهُ إلَخْ أَيْ بَعْدَ طَلَبِ الْمَالِكِ الْمَالَ وَثُبُوتِ السَّرِقَةِ بِشُرُوطِهَا، وَإِلَّا قُطِعَ فِي الْحَالِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الْمَالِ فَيَسْقُطَ الْقَطْعُ، أَوْ يُقِرَّ الْمَالِكُ بِأَنَّ الْمَالَ لِلسَّارِقِ فَيَسْقُطَ أَيْضًا وَإِنْ كَذَّبَهُ السَّارِقُ وَالْقَاطِعُ الْإِمَامُ، أَوْ السَّيِّدُ إنْ كَانَ الْمَقْطُوعُ عَبْدًا فَإِنْ كَانَ حُرًّا فَالْإِمَامُ فَقَطْ، أَوْ نَائِبُهُ.
وَلَا يَجُوزُ الْإِذْنُ لِعَدُوِّ الْجَانِي لِئَلَّا يُعَذِّبَهُ وَلَا لِكَافِرٍ فِي مُسْلِمٍ وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْ نَفْسِهِ فِي قَتْلٍ وَقَطْعٍ وَلَوْ فِي سَرِقَةٍ لَا فِي جَلْدٍ وَنَحْوِهِ لِاتِّهَامِ عَدَمِ إيلَامِ نَفْسِهِ، وَلَا يَأْثَمُ بِقَتْلِ نَفْسِهِ هُنَا كَمَا فِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ، وَبِهِ يُلْغَزُ وَيُقَالُ: لَنَا شَخْصٌ قَتَلَ نَفْسَهُ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ.
فَافْهَمْ، فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا اُنْتُظِرَ كَمَالُهُمَا لِأَنَّهُمَا رُبَّمَا أَبَاحَا لَهُ ذَلِكَ بَعْدُ فَيَسْقُطُ الْقَطْعُ اهـ أج وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَلَا قَطْعَ إلَّا بِطَلَبٍ مِنْ مَالِكٍ فَلَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ لِغَائِبٍ أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَجْنُونٍ، أَوْ لِسَفِيهٍ فِيمَا يَظْهَرُ لَمْ يُقْطَعْ حَالًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقِرَّ أَنَّهُ كَانَ لَهُ، أَوْ أَقَرَّ بِزِنًا بِأَمَتِهِ أَيْ الْغَائِبِ حُدَّ حَالًا، لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطَّلَبِ اهـ. وَقَوْلُهُ: إلَّا بِطَلَبٍ لِلْمَالِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ وَثُبُوتِ سَرِقَتِهِ وَهُوَ مُشْكِلٌ مَعَ قَوْلِهِمْ: يُقْطَعُ وَلَوْ أَبْرَأَهُ الْمَالِكُ مِنْ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ أَنَّ طَلَبَهُ لِلْمَالِ يُثْبِتُ سَرِقَتَهُ، وَإِذَا ثَبَتَتْ سَرِقَتُهُ لَا يَسْقُطُ الْقَطْعُ، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِنْ الْمَالِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ.
وَعَلَى هَذَا لَا إشْكَالَ ح ل أَيْ فَالْمَدَارُ عَلَى ثُبُوتِ السَّرِقَةِ وَالْمَالِ وَإِنْ أُبْرِئَ مِنْهُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
وَلَيْسَ الْمَطْلُوبُ خُصُوصَ الْإِيفَاءِ كَمَا قَالَهُ سم قَالَ النَّاشِرِيُّ: وَلَوْ قَطَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ الطَّلَبِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ سَرَى إلَى النَّفْسِ.
اهـ. م ر شَوْبَرِيٌّ.
فَرْعٌ: يُسَنُّ لِصَاحِبِ الْمَالِ الْعَفْوُ عَنْ السَّارِقِ قَبْلَ رَفْعِ الْأَمْرِ لِلْحَاكِمِ وَبَعْدَهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْحَاكِمِ.
وَفِي الدَّمِيرِيِّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ عَفَا عَنْ السَّارِقِ حِينَ أَنْشَدَتْهُ أُمُّهُ:
يَمِينِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُعِيذُهَا ... بِعَفْوِكَ أَنْ تَلْقَى نَكَالًا يَشِينُهَا
فَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا وَكَانَتْ خَبِيثَةً ... إذَا مَا شِمَالِي فَارَقَتْهَا يَمِينُهَا
فَعَفَا عَنْهَا وَهَذَا مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ فَلَا يُرَدُّ.
اهـ. رَحْمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (الْيُمْنَى) وَلَوْ شَلَّاءَ حَيْثُ أُمِنَ نَزْفُ الدَّمِ وَإِلَّا فَرِجْلُهُ الْيُسْرَى وَهَذَا حَيْثُ كَانَ الشَّلَلُ مُتَقَدِّمًا عَلَى السَّرِقَةِ.
أَمَّا لَوْ سَرَقَ فَشُلَّتْ يَمِينُهُ وَلَمْ يُؤْمَنْ مِنْ نَزْفِ الدَّمِ، أَوْ سَقَطَتْ بِآفَةٍ، أَوْ بِغَيْرِهَا فَيَسْقُطُ الْقَطْعُ سم وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ قَوْلُهُ: الْيُمْنَى أَيْ إنْ انْفَرَدَتْ وَلَوْ مَعِيبَةً، أَوْ نَاقِصَةً، أَوْ شَلَّاءَ، إنْ أُمِنَ نَزْفُ الدَّمِ، أَوْ زَائِدَةَ الْأَصَابِعِ، أَوْ فَاقِدَتَهَا خِلْقَةً أَوْ عَرَضًا فَإِنْ تَعَدَّدَتْ كَفَى الْأَصْلِيُّ مِنْهَا إنْ عُرِفَ، أَوْ وَاحِدَةٌ إنْ اشْتَبَهَ وَعَلَى هَذَا لَوْ سَرَقَ ثَانِيًا قُطِعَتْ الثَّانِيَةُ وَحِينَئِذٍ تَرِدُ هَذِهِ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فَإِنْ سَرَقَ ثَانِيًا قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى وَقَدْ يُقَالُ: لَا تَرِدُ، لِأَنَّ كَلَامَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُعْتَادَةِ، وَالْحِكْمَةُ فِي الْبَدَاءَةِ بِالْيَمِينِ أَنَّ الْبَطْشَ بِهَا أَقْوَى وَلِأَنَّ الْغَالِبَ كَوْنُ السَّرِقَةِ بِهَا فَكَانَ قَطْعُهَا أَرْدَعَ، وَحِكْمَةُ التَّعَلُّقِ بِالرِّجْلِ أَيْضًا أَنَّهُ فِي السَّرِقَةِ يَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيَمْشِي بِرِجْلِهِ سم عَلَى الْمَنْهَجِ قَوْلُهُ: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ: وَتُقْطَعُ، وَقَوْلُهُ: وَقُرِئَ شَاذًّا دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ: الْيُمْنَى وَلَوْ أَخْرَجَ السَّارِقُ لِلْجَلَّادِ يَسَارَهُ فَقَطَعَهَا فَإِنْ قَالَ الْمُخْرِجُ: ظَنَنْتُهَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية البجيرمي]
الْيُمْنَى، أَوْ أَنَّهَا تُجْزِئُ أَجْزَأَتْهُ، وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْأَدَاءِ بِقَصْدِ الدَّافِعِ وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ يُومِئُ إلَى تَرْجِيحِهَا كَلَامُ الرَّوْضَةِ.
وَصَحَّحَهَا الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ بَابِ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ وَالْمُصَنِّفُ فِي تَصْحِيحِهِ وَصَحَّحَهُ الْإِسْنَوِيُّ، وَإِنْ حَكَى فِي الرَّوْضَةِ طَرِيقَةً أُخْرَى أَنَّهُ يُسْأَلُ الْجَلَّادُ فَإِنْ قَالَ: ظَنَنْتُهَا الْيُمْنَى أَوْ أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهَا وَحَلَفَ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ وَأَجْزَأَتْهُ، أَوْ عَلِمْتُهَا الْيَسَارَ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ إنْ لَمْ يَقْصِدْ الْمُخْرِجُ بَدَلَهَا عَنْ الْيُمْنَى، أَوْ إبَاحَتَهَا وَلَمْ تُجْزِئْهُ وَجَزَمَ بِهَا ابْنُ الْمُقْرِي.
اهـ. م د. وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ وَلَوْ قَالَ مُسْتَحِقُّ قَوَدٍ لِلْجَانِي الْحُرِّ الْعَاقِلِ: أَخْرِجْهَا فَأَخْرَجَ يَسَارًا سَوَاءٌ أَكَانَ عَالِمًا بِهَا وَبِعَدَمِ إجْزَائِهَا أَمْ لَا وَقَصَدَ إبَاحَتَهَا فَقَطَعَهَا الْمُسْتَحِقُّ فَمُهْدَرَةٌ أَيْ لَا قَوَدَ فِيهَا وَلَا دِيَةَ وَإِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالْإِذْنِ فِي الْقَطْعِ سَوَاءٌ أَعَلِمَ الْقَاطِعُ أَنَّهَا الْيَسَارُ أَمْ لَا وَيُعَزَّرُ فِي الْعِلْمِ، أَوْ قَصْدِ جَعْلِهَا عَنْهَا أَيْ عَنْ الْيَمِينِ ظَانًّا إجْزَاءَهَا عَنْهَا، أَوْ أَخْرَجَهَا دَهَشًا وَظَنَّهَا الْيَمِينَ، أَوْ ظَنَّ الْقَاطِعُ الْإِجْزَاءَ فَدِيَةٌ تَجِبُ لَهَا أَيْ لِلْيَسَارِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْذُلْهَا مَجَّانًا فَلَا قَوَدَ لَهَا لِتَسْلِيطِ مُخْرِجِهَا بِجَعْلِهَا عِوَضًا فِي الْأُولَى وَلِلدَّهْشَةِ الْقَرِيبَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ بِقِسْمَيْهَا وَيَبْقَى قَوَدُ الْيَمِينِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِهِ وَلَا عَفَا عَنْهُ لَكِنَّهُ يُؤَخَّرُ حَتَّى تَنْدَمِلَ يَسَارُهُ إلَّا فِي ظَنِّ الْقَاطِعِ الْإِجْزَاءَ عَنْهَا فَلَا قَوَدَ لَهَا بَلْ تَجِبُ لَهَا دِيَةٌ فَإِنْ قَالَ الْقَاطِعُ وَقَدْ دَهِشَ الْمُخْرِجُ ظَنَنْت أَنَّهُ أَبَاحَهَا وَجَبَ الْقَوَدُ فِي الْيَسَارِ وَكَذَا لَوْ قَالَ: عَلِمْت أَنَّهَا الْيَسَارُ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ عَنْ الْيَمِينِ، أَوْ دَهِشْتُ اهـ. وَقَوْلُهُ: لِلْجَانِي الْحُرِّ الْعَاقِلِ، أَمَّا الْقِنُّ فَقَصْدُهُ الْإِبَاحَةَ لَا يُهْدِرُ يَسَارَهُ لِأَنَّ الْحَقَّ لِسَيِّدِهِ لَكِنَّ الْأَوْجَهَ أَنَّهُ يُسْقِطُ قَوَدَهَا إذَا كَانَ الْقَاطِعُ قِنًّا، وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَلَا عِبْرَةَ بِإِخْرَاجِهِ، ثُمَّ إنْ عَلِمَ الْمُقْتَصُّ قَطَعَ، وَإِلَّا لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ كَمَا فِي زي وَبِرْمَاوِيٍّ وَقَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا فِيهِ صُوَرٌ أَرْبَعٌ وَهِيَ كَوْنُهُ عَالِمًا بِأَنَّهَا الْيَسَارُ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، أَوْ ظَنَّ الْإِجْزَاءَ أَوْ جَهِلَ الْحَالَ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْحُكْمِ بِالْكُلِّيَّةِ فَهَذِهِ هِيَ الْأَرْبَعُ وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَتَلَفَّظَ أَوْ لَا فَهَاتَانِ صُورَتَانِ تُضْرَبَانِ فِي الْأَرْبَعِ بِثَمَانِيَةٍ فَهَذِهِ أَحْوَالُ الْمُخْرِجِ، وَأَمَّا الْقَاطِعُ فَلَهُ أَحْوَالٌ أَيْضًا وَهِيَ عِلْمُهُ بِأَنَّهَا الْيَسَارُ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، أَوْ جَهِلَ الْحَالَ أَوْ قَالَ: ظَنَنْتُ الْإِجْزَاءَ، أَوْ قَالَ: غَفَلْتُ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ تُضْرَبُ فِي ثَمَانِيَةِ أَحْوَالِ الْمُخْرِجِ يَكُونُ الْحَاصِلُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ.
وَفِي كُلٍّ الْمُخْرِجُ قَاصِدٌ إبَاحَتَهَا وَالْقَاطِعُ إمَّا أَنْ يَعْلَمَ الْإِبَاحَةَ، أَوْ لَا فَهَاتَانِ صُورَتَانِ تُضْرَبَانِ فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ يَكُونُ الْحَاصِلُ بِالضَّرْبِ أَرْبَعَةً وَسِتِّينَ فَهِيَ فِي هَذِهِ كُلِّهَا مُهْدَرَةٌ لَا قَوَدَ فِيهَا وَلَا دِيَةَ فَإِنْ قَصَدَ الْمُخْرِجُ جَعْلَهَا عَنْهَا أَوْ أَخْرَجَهَا دَهَشًا وَظَنَّهَا الْيَمِينَ.
أَوْ ظَنَّ الْقَاطِعُ الْإِجْزَاءَ فَدِيَةٌ تَجِبُ لَهُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ فَإِنْ قَالَ الْقَاطِعُ وَقَدْ دَهِشَ الْمُخْرِجُ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ أَبَاحَهَا، أَوْ عَلِمْتُ أَنَّهَا الْيَسَارُ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، أَوْ دَهِشْتُ.
وَجَبَ الْقَوَدُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ عَلَى الْقَاطِعِ هَذِهِ حُكْمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْيَسَارِ.
وَأَمَّا يَدُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَقَوَدُهَا بَاقٍ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ السَّبْعِينَ إلَّا فِي ظَنِّ الْقَاطِعِ الْإِجْزَاءَ فَيَسْقُطُ الْقَوَدُ فِيهَا وَفِيهَا الدِّيَةُ وَهَذَا كُلُّهُ يُؤْخَذُ مِنْ مَتْنِ الْمَنْهَجِ، وَشَرْحِهِ.
كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
وَقَالَ الزِّيَادِيُّ: حَاصِلُ مَسْأَلَةِ الدَّهْشَةُ أَنْ يُقَالَ: الْيَسَارُ مَضْمُونَةٌ مُطْلَقًا إلَّا إذَا قَصَدَ الْمُخْرِجُ إبَاحَتَهَا وَلَا يَجِبُ فِيهَا قِصَاصٌ إلَّا إذَا قَالَ الْمُخْرِجُ: دَهِشْتُ وَقَالَ الْقَاطِعُ: عَلِمْتُ أَنَّهَا الْيَسَارُ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، أَوْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ أَبَاحَهَا، أَوْ دَهِشْت أَيْضًا وَيَبْقَى قِصَاصُ الْيَمِينِ إلَّا إذَا أَخَذَهَا عِوَضًا وَلَوْ أَبَاحَهَا الْمُخْرِجُ، وَأَخْصَرُ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمُخْرِجَ إنْ قَصَدَ الْإِبَاحَةَ هُدِرَتْ يَدُهُ، وَإِلَّا فَهِيَ مَضْمُونَةٌ بِالدِّيَةِ إلَّا فِي حَالَةِ الدَّهْشَةِ فَبِالْقِصَاصِ، وَالْيَمِينُ قِصَاصُهَا بَاقٍ إلَّا إذَا أَخَذَ الْيَسَارَ عِوَضًا.
وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فَقَالَ:
إنَّ الْيَسَارَ مُطْلَقًا قَدْ ضُمِنَتْ ... مَا لَمْ يُبِحْهَا مُخْرِجٌ كَمَا ثَبَتْ
وَفِي الضَّمَانِ دِيَةٌ إلَّا الدَّهَشْ ... فَبِالْقِصَاصِ حُكْمُهَا قَدْ انْتَقَشْ
قِصَاصُ هَذِهِ الْيَمِينِ بَاقِي ... مَا لَمْ يُرِدْ التَّعْوِيضَ بِاتِّفَاقِ
وَفِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ: حَاصِلُ مَسْأَلَةِ الدَّهْشَةِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْيَمِينَ فِيهَا الْقَوَدُ إلَّا إنْ ظَنَّ الْقَاطِعُ إجْزَاءَ الْيَسَارِ عَنْهَا، أَوْ
فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا، وَالْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهَا.
وَيُكْتَفَى بِالْقَطْعِ وَلَوْ كَانَتْ مَعِيبَةً كَفَاقِدَةِ الْأَصَابِعِ أَوْ زَائِدَتِهَا لِعُمُومِ الْآيَةِ.
وَلِأَنَّ الْغَرَضَ التَّنْكِيلُ بِخِلَافِ الْقَوَدِ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ كَمَا مَرَّ، أَوْ سَرَقَ مِرَارًا قَبْلَ قَطْعِهَا لِاتِّحَادِ السَّبَبِ كَمَا لَوْ زَنَى، أَوْ شَرِبَ مِرَارًا يُكْتَفَى بِحَدٍّ وَاحِدٍ.
وَكَالْيَدِ الْيُمْنَى فِي ذَلِكَ غَيْرُهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى قَطْعِهَا.
(مِنْ مَفْصِلِ الْكُوعِ) بِضَمِّ الْكَافِ وَهُوَ الْعَظْمُ الَّذِي فِي مَفْصِلِ الْكَفِّ مِمَّا يَلِي الْإِبْهَامَ وَمَا يَلِي الْخِنْصَرَ اسْمُهُ الْكُرْسُوعُ.
وَالْبُوعُ هُوَ الْعَظْمُ الَّذِي عِنْدَ أَصْلِ إبْهَامِ الرِّجْلِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: الْغَبِيُّ مَنْ لَا يَعْرِفُ كُوعَهُ مِنْ بُوعِهِ.
أَيْ مَا يَدْرِي لِغَبَاوَتِهِ مَا اسْمُ الْعَظْمِ الَّذِي عِنْدَ كُلِّ إبْهَامٍ مِنْ أُصْبُعِ يَدَيْهِ مِنْ الْعَظْمِ الَّذِي عِنْدَ كُلِّ إبْهَامٍ مِنْ رِجْلَيْهِ.
(فَإِنْ سَرَقَ ثَانِيًا) بَعْدَ قَطْعِ يُمْنَاهُ (قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى) بَعْدَ انْدِمَالِ يَدِهِ الْيُمْنَى لِئَلَّا يُفْضِيَ التَّوَالِي إلَى الْهَلَاكِ
[حاشية البجيرمي]
قَصَدَ أَنَّهَا عِوَضٌ عَنْهَا وَأَنَّ الْيَسَارَ مُهْدَرَةٌ فِي قَصْدِ الْمُخْرِجِ الْإِبَاحَةَ مُطْلَقًا وَفِيهَا الْقَوَدُ إنْ دَهِشَا مَعًا، أَوْ عَلِمَ الْقَاطِعُ أَنَّهَا الْيَسَارُ وَأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ، أَوْ ظَنَّ إبَاحَتَهَا، وَإِلَّا فَالدِّيَةُ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَوْ زَائِدَتِهَا) أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِيهِمَا وَقِيلَ: يُعْدَلُ إلَى الرِّجْلِ فِيهِمَا اهـ م ر. فَالْغَايَةُ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ سَرَقَ مِرَارًا) مَعْطُوفٌ عَلَى الْغَايَةِ وَقَوْلُهُ: لِاتِّحَادِ السَّبَبِ وَهِيَ السَّرِقَةُ.
قَوْلُهُ: (يُكْتَفَى بِحَدٍّ وَاحِدٍ) أَيْ حَيْثُ تَأَخَّرَ عَنْ الْجَمِيعِ اهـ ع ش. وَإِنَّمَا تَعَدَّدَتْ الْكَفَّارَةُ فِيمَا لَوْ لَبِسَ، أَوْ تَطَيَّبَ فِي الْإِحْرَامِ فِي مَجَالِسَ مَعَ اتِّحَادِ الْمُسَبِّبِ، لِأَنَّ فِيهَا حَقًّا لِآدَمِيٍّ، لِأَنَّهَا تُصْرَفُ إلَيْهِ فَلَمْ تَتَدَاخَلْ بِخِلَافِ الْحَدِّ.
اهـ. شَرْحَ الرَّوْضِ.
قَوْله: (وَكَالْيَدِ الْيُمْنَى فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الِاكْتِفَاءِ بِقَطْعِهِ بَعْدَ السَّرِقَةِ مِرَارًا وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِالْمَعِيبَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي مَفْصِلِ الْكَفِّ) أَيْ مِمَّا اتَّصَلَ بِالزَّنْدِ.
قَوْلُهُ: (مِمَّا يَلِي الْإِبْهَامَ) أَيْ أَصْلَ الْإِبْهَامِ فَأَصْلُ الْإِبْهَامِ فَاصِلٌ بَيْنَ الْكُوعِ وَالْإِبْهَامِ وَعِبَارَةُ الْقَامُوسِ وَالْمِصْبَاحِ الْكُوعُ بِالضَّمِّ وَالْكَاعُ طَرَفُ الزَّنْدِ الَّذِي يَلِي الْإِبْهَامَ فَإِذَا قُطِعَتْ كَفُّهُ فَالْكُوعُ بَاقٍ، لِأَنَّهُ رَأْسُ السَّاعِدِ الَّذِي يَلِي الْإِبْهَامَ وَالْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ كَذَلِكَ وَالْأَوَّلُ مَا يَلِي الْخِنْصَرَ وَقَوْلُ الشَّارِحِ: وَالْبُوعُ هُوَ الْعَظْمُ الَّذِي عِنْدَ أَصْلِ إبْهَامِ الرِّجْلِ أَيْ الْمُتَّصِلُ بِإِبْهَامِهَا فَلَيْسَ نَظِيرَ الْكُوعِ، لِأَنَّ ذَاكَ فِي رَأْسِ الزَّنْدِ كَمَا مَرَّ قَالَ بَعْضُهُمْ:
وَكُوعٌ يَلِي إبْهَامَ يَدٍ وَمَا يَلِي ... لِخِنْصَرِهِ الْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ مَا وَسَطْ
وَعَظْمٌ يَلِي إبْهَامَ رِجْلٍ مُلَقَّبٌ ... بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنْ الْغَلَطْ
قَوْلُهُ: (مِنْ الْعَظْمِ الَّذِي) كَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ " مِنْ " وَزِيَادَةَ " اسْمِ " بِالْعَطْفِ وَيَقُولُ: وَاسْمُ إلَخْ.
وَيَكُونُ يَدْرِي بِمَعْنَى يَعْلَمُ وَيَنْحَلُّ الْمَعْنَى لَا يَعْلَمُ مَا اسْمُ الْعَظْمِ الَّذِي عِنْدَ إبْهَامِ يَدَيْهِ وَاسْمُ الْعَظْمِ الَّذِي إلَخْ.
وَقَدْ يُقَالُ: الْكَلَامُ فِي الْمُسَمَّى لَا الِاسْمِ أَيْ لَا يَعْرِفُ مُسَمَّى كُوعِهِ مِنْ مُسَمَّى بُوعِهِ وَكَتَبَ بَعْضُ الْأَفَاضِلِ لَمْ أَقِفْ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ كَالصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ وَالْمِصْبَاحِ وَالْأَسَاسِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْبُوعِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَلَا مَا نَقَلَهُ الشَّارِحُ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَا يَعْرِفُ كُوعَهُ مِنْ بُوعِهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي فِي الْمِصْبَاحِ قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ مَا يَعْرِفُ كُوعَهُ مِنْ كُرْسُوعِهِ أَيْ وَهُوَ أَقْوَى فِي الْغَبَاوَةِ لِقُرْبِ الْكُرْسُوعِ مِنْ الْكُوعِ، وَأَمَّا الْبُوعُ عَلَى تَسْلِيمِ اسْتِعْمَالِهِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فَلَا يُسْتَغْرَبُ الْجَهْلُ بِهِ، لِأَنَّ كَوْنَ عَظْمَاتِ يَلِي كُلٌّ مِنْهُمَا الْإِبْهَامَ يَخْتَلِفُ اسْمُهُمَا بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهِمَا لَا يُسْتَغْرَبُ الْجَهْلُ بِهِ.
اهـ. م د وَقَالَ صَاحِبُ تَثْقِيفِ اللِّسَانِ: الْكُوعُ رَأْسُ الزَّنْدِ مِمَّا يَلِي الْإِبْهَامَ وَالْبُوعُ مَا بَيْنَ طَرْفَيْ الْإِنْسَانِ إذَا مَدَّهُمَا يَمِينًا وَشِمَالًا سم عَلَى الْمَنْهَجِ وَيُرَادِفُهُ الْبَاعُ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي عِنْدَ كُلِّ إبْهَامٍ) لَعَلَّ الْعِنْدِيَّةَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ يَلِي الْإِبْهَامَ فِي الْجِهَةِ لَا الِالْتِصَاقِ بِهِ لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْكُوعَ طَرَفُ الزَّنْدِ الَّذِي فِي جِهَةِ الْإِبْهَامِ فَاحْفَظْ ذَلِكَ فَكَثِيرًا مَا يُغْلَطُ فِيهِ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ سَرَقَ ثَانِيًا) وَلَوْ مَا سَرَقَهُ أَوَّلًا قَالَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: وَإِنْ قُطِعَ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ، ثُمَّ سَرَقَهَا ثَانِيًا مِنْ مَالِكِهَا الْأَوَّلِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ قُطِعَ أَيْضًا، لِأَنَّ الْقَطْعَ عُقُوبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ فِي عَيْنٍ فَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ الْفِعْلُ كَمَا لَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَحُدَّ، ثُمَّ زَنَى بِهَا ثَانِيًا.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ انْدِمَالِ يَدِهِ) أَيْ وُجُوبًا وَفَارَقَ الْحِرَابَةَ بِأَنَّ
وَتُقْطَعُ مِنْ الْمَفْصِلِ الَّذِي بَيْنَ السَّاقِ وَالْقَدَمِ لِلْإِتْبَاعِ فِي ذَلِكَ.
(فَإِنْ سَرَقَ ثَالِثًا) بَعْدَ قَطْعِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى.
(قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى) بَعْدَ انْدِمَالِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى لِمَا مَرَّ.
(فَإِنْ سَرَقَ رَابِعًا) بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ الْيُسْرَى (قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى) بَعْدَ انْدِمَالِ يَدِهِ الْيُسْرَى لِمَا مَرَّ، وَإِنَّمَا قُطِعَ مِنْ خِلَافٍ لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ: «إنَّ السَّارِقَ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» . وَحِكْمَتُهُ لِئَلَّا يَفُوتَ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ فَتَضْعُفَ حَرَكَتُهُ كَمَا فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ.
(فَإِنْ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ قَطْعِ أَعْضَائِهِ الْأَرْبَعَةِ.
(عُزِّرَ) عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي نَكَالِهِ بَعْدَ مَا ذُكِرَ إلَّا التَّعْزِيرُ كَمَا لَوْ سَقَطَتْ أَطْرَافُهُ أَوَّلًا.
(وَقِيلَ) لَا يَزْجُرُهُ حِينَئِذٍ تَعْزِيرًا بَلْ (يُقْتَلُ) وَهَذَا مَا حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ الْقَدِيمِ لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: إنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَهُ لِاسْتِحْلَالِهِ، أَوْ لِسَبَبٍ آخَرَ اهـ. وَالْإِمَامُ أَطْلَقَ حِكَايَةَ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ الْقَدِيمِ، كَمَا تَرَاهُ وَقَيَّدَهُ الْمُصَنِّفُ بِكَوْنِهِ (صَبْرًا) قَالَ بَعْضُ شَارِحِيهِ: وَلَمْ أَرَهُ بَعْدَ التَّتَبُّعِ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْحَاكِينَ لَهُ بَلْ أَطْلَقَهُ مَنْ وَقَفْتُ عَلَى كَلَامِهِ مِنْهُمْ فَلَعَلَّ مَا قَيَّدَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَصَرُّفِهِ أَوَّلَهُ فِيهِ سَلَفٌ لَمْ أَظْفَرْ بِهِ وَعَلَى كِلَا الْأَمْرَيْنِ هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ اهـ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ الصَّبْرُ فِي اللُّغَةِ الْحَبْسُ وَقَتَلَهُ صَبْرًا حَبَسَهُ لِلْقَتْلِ اهـ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ فِي صِحَاحِهِ يُقَالُ قُتِلَ فُلَانٌ صَبْرًا إذَا حُبِسَ عَلَى الْقَتْلِ حَتَّى يُقْتَلَ اهـ مُلَخَّصًا.
تَتِمَّةٌ: هَلْ يَثْبُتُ الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ أَوْ لَا كَأَنْ يَدَّعِيَ عَلَى شَخْصٍ سَرِقَةَ نِصَابٍ فَيَنْكُلَ عَنْ الْيَمِينِ فَتُرَدَّ عَلَى الْمُدَّعِي فَيَحْلِفَ؟
جَرَى فِي الْمِنْهَاجِ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُتُ بِهَا فَيَجِبُ الْقَطْعُ.
لِأَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَالْإِقْرَارِ، أَوْ الْبَيِّنَةِ وَالْقَطْعُ يَجِبُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فِي الْبَابِ الثَّالِثِ فِي الْيَمِينِ مِنْ الدَّعَاوَى وَمَشَى عَلَيْهِ فِي
[حاشية البجيرمي]
الْيَدَ وَالرِّجْلَ فِيهَا حَدٌّ وَاحِدٌ وَلِذَلِكَ يَجُوزُ تَقْدِيمُ قَطْعِ الرِّجْلِ عَلَى الْيَدِ فِيهَا ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَقَوْلُهُ: بَعْدَ انْدِمَالِ يَدِهِ إلَخْ فَلَوْ وَالَى بَيْنَهُمَا فَمَاتَ الْمَقْطُوعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ لِئَلَّا يُفْضِيَ التَّوَالِي إلَى الْهَلَاكِ.
قَوْلُهُ: (إنَّ السَّارِقَ إنْ سَرَقَ إلَخْ) بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّ، لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ رَوَى هَذَا اللَّفْظَ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُجْمَلًا لَكِنْ بَيَّنَتْهُ أَدِلَّةٌ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (لِئَلَّا يَفُوتَ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ) أَيْ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يُقَالُ: إنَّهَا فَاتَتْ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى بَعْدَ الْيُمْنَى إنْ سَرَقَ ثَانِيًا لَفَاتَ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَنْفَعَةُ الْيَدَيْنِ اهـ شَيْخُنَا.
وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ وَحِكْمَةُ اخْتِصَاصِ الْقَطْعِ بِالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِأَنَّهُمَا آلَاتُ السَّرِقَةِ بِالْأَخْذِ وَالْمَشْيِ وَقُدِّمَتْ الْيَدُ لِقُوَّةِ بَطْشِهَا، وَقُطِعَ مِنْ خِلَافٍ لِإِبْقَاءِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقْطَعْ ذَكَرُ الزَّانِي إبْقَاءً لِلنَّسْلِ، وَلَا لِسَانُ الْقَاذِفِ إبْقَاءً لِلْعِبَادَاتِ، وَغَيْرِهَا كَمَا مَرَّ وَالْأَمْرُ بِقَتْلِ السَّارِقِ مَنْسُوخٌ، أَوْ مُؤَوَّلٌ بِمَنْ اسْتَحَلَّ، أَوْ ضَعِيفٌ بَلْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مُنْكَرٌ لَا أَصْلَ لَهُ اهـ.
قَوْلُهُ: (تَعْزِيرًا) أَيْ لَا يُزْجَرُ بِالتَّعْزِيرِ.
قَوْلُهُ: (الْأَرْبَعَةُ) هُمْ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
أَعْنِي أَبَا دَاوُد ثُمَّ التِّرْمِذِيَّ ... وَالنَّسَائِيَّ وَابْنَ مَاجَهْ فَاحْتَذِي
فَإِنْ قِيلَ: السِّتَّةُ زِيدَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى كِلَا الْأَمْرَيْنِ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ مِنْ تَصَرُّفِ الْمُصَنِّفِ، أَوْ أَنَّهُ لَهُ فِيهِ سَلَفٌ هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ.
أَيْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ قَتْلًا صَبْرًا م د.
قَوْلُهُ: (قَالَ النَّوَوِيُّ) : غَرَضُهُ بِذَلِكَ تَفْسِيرُ الْقَتْلِ صَبْرًا بِنَقْلِ عِبَارَةِ النَّوَوِيِّ وَعِبَارَةِ الْجَوْهَرِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَتَلَهُ صَبْرًا حَبَسَهُ) بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمَاضِي فِي الْفِعْلَيْنِ.
قَوْلُهُ: (حَبَسَهُ لِلْقَتْلِ) أَيْ لِأَجْلِ الْقَتْلِ وَلَوْ سَاعَةً، ثُمَّ يُقْتَلُ فَلَوْ قُتِلَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ فَلَا يُقَالُ: قُتِلَ صَبْرًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُحْبَسُ وَيُمْنَعُ الطَّعَامَ
الْحَاوِي الصَّغِيرِ هُنَا أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَالصَّوَابُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ وَهَذَا الْخِلَافُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَطْعِ.
وَأَمَّا الْمَالُ فَيَثْبُتُ قَطْعًا.
وَيَثْبُتُ قَطْعُ السَّرِقَةِ بِإِقْرَارِ السَّارِقِ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِقَوْلِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَكْرَارُ الْإِقْرَارِ كَمَا فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ وَذَلِكَ بِشَرْطَيْنِ:
الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فَلَوْ أَقَرَّ قَبْلَهَا لَمْ يَثْبُتْ الْقَطْعُ فِي الْحَالِ بَلْ يُوقَفُ عَلَى حُضُورِ الْمَالِكِ وَطَلَبِهِ.
وَالثَّانِي أَنْ يُفَصِّلَ الْإِقْرَارَ فَيُبَيِّنَ السَّرِقَةَ وَالْمَسْرُوقَ مِنْهُ وَقَدْرَ الْمَسْرُوقِ وَالْحِرْزَ بِتَعْيِينٍ، أَوْ وَصْفٍ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَظُنُّ غَيْرَ السَّرِقَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ سَرِقَةً مُوجِبَةً لَهُ.
وَيُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالسَّرِقَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَطْعِ وَلَوْ فِي أَثْنَائِهِ، لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ أَقَرَّ بِمُقْتَضَى عُقُوبَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، كَانَ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَرِّضَ لَهُ بِالرُّجُوعِ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ.
كَأَنْ يَقُولَ لَهُ فِي الزِّنَا: لَعَلَّك فَاخَذْتَ، أَوْ لَمَسْتَ، أَوْ بَاشَرْتَ، وَفِي السَّرِقَةِ: لَعَلَّك أَخَذْتَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ.
وَفِي الشُّرْبِ لَعَلَّك لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ مَا شَرِبْتَهُ مُسْكِرًا؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لِمَنْ أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالسَّرِقَةِ.
«مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ قَالَ: بَلَى
[حاشية البجيرمي]
وَالشَّرَابَ حَتَّى يَمُوتَ جُوعًا.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِهَا) وَهُوَ قِيَاسُ مَا قَدَّمَهُ فِي حَدِّ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ لَا يَثْبُتُ بِهَا الْقَطْعُ وَيَثْبُتُ بِهَا الْمَالُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ) أَوْضَحُ مِنْ هَذَا مَا عَلَّلَ بِهِ الطَّبَلَاوِيُّ حَيْثُ قَالَ: لِأَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ، وَإِنْ كَانَتْ كَالْإِقْرَارِ إلَّا أَنَّ اسْتِمْرَارَهُ عَلَى الْإِنْكَارِ بِمَنْزِلَةِ رُجُوعِهِ، وَرُجُوعَهُ عَنْ الْإِقْرَارِ مَقْبُولٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَطْعِ وَهُوَ حَسَنٌ.
وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (بِإِقْرَارِ السَّارِقِ) أَيْ حُرًّا كَانَ الْمُقِرُّ، أَوْ رَقِيقًا إذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ دُونَ نِصَابٍ فَإِنْ كَانَ نِصَابًا وَأَقَرَّ بِسَرِقَتِهِ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ سَيِّدُهُ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ وَلَا يَثْبُتُ الْمَالُ، وَإِنْ كَانَ بِيَدِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ) أَيْ ثُبُوتُ الْقَطْعِ بِالْإِقْرَارِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَثْبُتْ الْقَطْعُ) أَمَّا الْمَالُ فَيَثْبُتُ.
قَوْلُهُ: (وَطَلَبِهِ) فَلَوْ قَطَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ الطَّلَبِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ سَرَى إلَى النَّفْسِ عَلَى الْأَصَحِّ.
اهـ. م ر شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُفَصِّلَ الْإِقْرَارَ) وَلَوْ مِنْ فَقِيهٍ مُوَافِقٍ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِهَا اشْتَبَهَ وَوَقَعَ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ.
اهـ. س ل مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ شَرْحِ م ر وَفِي ح ل مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (فَيُبَيِّنُ السَّرِقَةَ) فَيَذْكُرُ أَنَّهُ أَخَذَهُ خِفْيَةً، وَالشَّخْصَ الْمَسْرُوقَ مِنْهُ لِيُنْظَرَ فَرُبَّمَا يَكُونُ أَصْلًا أَوْ فَرْعًا، أَوْ سَيِّدًا.
قَوْلُهُ: (وَالْمَسْرُوقَ مِنْهُ) أَيْ أَهُوَ زَيْدٌ أَمْ عَمْرٌو وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْحِرْزَ، لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدُ.
اهـ. زي.
قَوْلُهُ: (وَقَدْرَ الْمَسْرُوقِ) وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ نِصَابٌ لِأَنَّ النَّظَرَ فِيهِ وَفِي قِيمَتِهِ لِلْحَاكِمِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: وَلَا أَعْلَمُ لِي فِيهِ شُبْهَةً زي وَشَرْحَ م ر وح ل.
قَوْلُهُ: (وَالْحِرْزَ) أَيْ وَيُبَيِّنُ الْحِرْزَ.
قَوْلُهُ: (بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَطْعِ) وَأَمَّا الْمَالُ فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِمُقْتَضِي عُقُوبَةٍ) بِكَسْرِ الضَّادِ وَقَوْلُهُ: كَالزِّنَا مِثَالٌ لَهُ.
قَوْلُهُ: (كَالزِّنَا) يُفِيدُ صِحَّةَ الرُّجُوعِ فِي أَثْنَاءِ الْقَطْعِ فَلَوْ بَقِيَ مَا يَضُرُّ بَقَاؤُهُ قَطَعَهُ هُوَ وَلَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ قَطْعُهُ وَلَا يُقْبَلُ عَوْدُهُ إلَى الْإِقْرَارِ بَعْدَ رُجُوعِهِ عَنْهُ وَلَوْ أَقَرَّ وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَحَكَمَ حَاكِمٌ عَلَيْهِ فَفِيهِ مَا مَرَّ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الزِّنَا، فَرَاجِعْهُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَانْظُرْ فِيمَا لَوْ قَطَعَ بَعْدَ الرُّجُوعِ هَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ، أَوْ الْقَطْعُ، أَوْ لَا يَجِبُ شَيْءٌ حَرِّرْهُ الرَّاجِحُ وُجُوبُ الدِّيَةِ نَظَرًا لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ قَبُولِ الرُّجُوعِ وَخَرَجَ بِالْإِقْرَارِ الْبَيِّنَةُ وَبِالْعُقُوبَةِ الْمَالُ، وَبِاَللَّهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ فَلَا يَحِلُّ التَّعْرِيضُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا كَمَا فِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ وَعِبَارَةُ شَرْحٍ م ر، وَأَمَّا حَقُّ الْآدَمِيِّ فَلَا يَحِلُّ التَّعْرِيضُ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُفِدْ الرُّجُوعُ فِيهِ شَيْئًا وَوَجْهُهُ أَنَّ فِيهِ حَمْلًا عَلَى مُحَرَّمٍ فَهُوَ كَتَعَاطِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَرِّضَ) أَيْ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ فَرْضَ الْكَلَامِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ أَمَّا قَبْلَ الْإِقْرَارِ فَيُنْدَبُ لَهُ التَّعْرِيضُ بِالرُّجُوعِ وَمِثْلُ الْقَاضِي غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ اهـ وَعِبَارَةُ م ر كَانَ لِلْقَاضِي أَيْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَيْسَ سُنَّةً خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ.
وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ وَلِلْقَاضِي أَنْ يُعَرِّضَ لَهُ بِالرُّجُوعِ جَوَازًا بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَنَدْبًا قَبْلَهُ لِيَمْتَنِعَ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا: وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ فَوَاتُ الْمَالِ بِعَدَمِ إقْرَارِهِ فِي الثَّانِيَةِ فَرَاجِعْهُ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عَدَمِ إنْكَارِ الْمَالِ وَكَذَا لَهُ أَنْ يُعَرِّضَ لِلشُّهُودِ لِيَمْتَنِعُوا مِنْ الشَّهَادَةِ، أَوْ يَرْجِعُوا عَنْهَا وَالْمُرَادُ بِالرُّجُوعِ فِيهِ مَا يَعُمُّ مَا بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَكَذَا قَبْلَ الْإِنْكَارِ.
نَعَمْ إنْ خِيفَ إنْكَارُ الْمَالِ لَمْ يَحِلَّ التَّعْرِيضُ اهـ. وَقَضِيَّةُ تَخْصِيصِهِمْ الْجَوَازَ بِالْقَاضِي حُرْمَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ وَالْأَوْجَهُ جَوَازُهُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (مُسْكِرًا) الْأَوْلَى مُسْكِرٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ عَلَى
فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ» وَقَالَ لِمَاعِزٍ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلَا يَقُولُ لَهُ: ارْجِعْ عَنْهُ لِأَنَّهُ يَكُونُ أَمْرًا بِالْكَذِبِ.
وَتَثْبُتُ أَيْضًا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ كَسَائِرِ الْعُقُوبَاتِ غَيْرِ الزِّنَا.
فَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، ثَبَتَ الْمَالُ وَلَا قَطْعَ.
وَيُشْتَرَطُ ذِكْرُ الشَّاهِدِ شُرُوطَ السَّرِقَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ كَمَا مَرَّ فِي الْإِقْرَارِ.
وَيَجِبُ عَلَى السَّارِقِ رَدُّ مَا أَخَذَهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» فَإِنْ تَلِفَ ضَمِنَهُ بِبَدَلِهِ جَبْرًا لِمَا فَاتَ.
فَصْلٌ: فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ الْأَصْلُ فِيهِ آيَةُ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] وَقَطْعُ الطَّرِيقِ هُوَ الْبُرُوزُ لِأَخْذِ مَالٍ أَوْ لِقَتْلٍ أَوْ
[حاشية البجيرمي]
لُغَةِ مَنْ يَنْصِبُ بِهَا الْجُزْأَيْنِ.
قَوْلُهُ: (مَا إخَالُكَ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْأَفْصَحِ وَبِفَتْحِهَا عَلَى الْقِيَاسِ أَيْ مَا أَظُنُّكَ قَالَ عَمِيرَةُ: الَّذِي فِي الزَّرْكَشِيّ وَغَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ لَهُ لَعَلَّك غَصَبْتَ، أَوْ أَخَذْتَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ وَلَا يُقَالُ لَهُ: مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ، لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِإِنْكَارِ الْمَالِ لَكِنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ، أَوْ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ وَيَكُونُ الْمَعْنَى مَا إخَالُكَ سَرَقْتَ بَلْ أَخَذْتَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ اهـ.
وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَصَرِيحُ الْحَدِيثِ أَنَّ التَّعْرِيضَ لِإِنْكَارِ الْمَالِ وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ، بَلْ الْمُرَادُ نَفْيُ نَفْسِ السَّرِقَةِ وَثُبُوتُ الْأَخْذِ بِغَيْرِهَا كَغَصْبٍ، أَوْ أَخْذٍ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَتَثْبُتُ) أَيْ السَّرِقَةُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (غَيْرِ الزِّنَا) لِأَنَّ الزِّنَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَرْبَعٍ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) أَوْ رَجُلٌ مَعَ يَمِينٍ، وَمَحَلُّ ثُبُوتِ الْمَالِ إذَا شَهِدُوا بَعْدَ دَعْوَى الْمَالِكِ، أَوْ وَكِيلِهِ فَلَوْ شَهِدُوا حِسْبَةً لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَتِهِمْ الْمَالُ أَيْضًا، لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ مُنْصَبَّةٌ إلَى الْمَالِ وَشَهَادَةَ الْحِسْبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَالِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
اهـ. س ل.
قَوْلُهُ: (شُرُوطَ السَّرِقَةِ) وَأَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ لَهُ فِيهِ شُبْهَةً وَالْمُرَادُ بِالشُّرُوطِ مَا يَشْمَلُ الْأَرْكَانَ، لِأَنَّهُ يَذْكُرُ السَّرِقَةَ وَالْمَسْرُوقَ مِنْ كَوْنِهِ رُبُعَ دِينَارٍ، أَوْ قِيمَتَهُ، وَالْمَسْرُوقَ مِنْهُ وَهَذِهِ مِنْ الْأَرْكَانِ، وَأَمَّا عَدَمُ الشُّبْهَةِ فَهُوَ مِنْ الشُّرُوطِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا مَرَّ فِي الْإِقْرَارِ) أَيْ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي الشَّهَادَةِ وَالْإِقْرَارِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ عَلَى السَّارِقِ رَدُّ مَا أَخَذَهُ) أَيْ وَأُجْرَةِ وَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ م ر. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ قُطِعَ لَمْ يَغْرَمْ وَإِنْ غَرِمَ لَمْ يُقْطَعْ وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ غَنِيًّا ضَمِنَ، وَإِلَّا فَلَا أَيْ وَالْقَطْعُ لَازِمٌ بِكُلِّ حَالٍ وَلَوْ أَعَادَ الْمَالَ الْمَسْرُوقَ إلَى الْحِرْزِ لَمْ يَسْقُطْ الْقَطْعُ وَلَا الضَّمَانُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْقُطُ وَعَنْ مَالِكٍ لَا ضَمَانَ وَيُقْطَعُ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَلَوْ قِيلَ: بِالْعَكْسِ لَكَانَ مَذْهَبًا لِدَرْءِ الْحَدِّ بِالشُّبُهَاتِ.
اهـ. س ل.
[فَصْلٌ فِي قَاطِعِ الطَّرِيقِ]
ِ أَيْ قَاطِعِ الْمَارِّينَ فِي الطَّرِيقِ أَيْ مَانِعِهِمْ سُلُوكَهَا وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِامْتِنَاعِ النَّاسِ مِنْ سُلُوكِ الطَّرِيقِ خَوْفًا مِنْهُ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ قَطَعْته عَنْ حَقِّهِ مَنَعْته مِنْهُ وَمِنْهُ قَطْعُ الرَّجُلِ الطَّرِيقَ إذَا أَخَافَهُ وَهُوَ قَاطِعٌ وَالْجَمْعُ قُطَّاعٌ وَذَكَرَهُ بَعْدَ السَّرِقَةِ لِأَنَّ بَعْضَ أَقْسَامِهِ فِيهِ قَطْعٌ كَالسَّرِقَةِ وَفِي ذَلِكَ الْقِسْمِ اعْتِبَارُ شُرُوطِ السَّرِقَةِ مِنْ الْحِرْزِ وَعَدَمِ الشُّبْهَةِ وَكُلٌّ مِنْهُمَا حَرَامٌ اهـ وَفِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ بَعْدَ كَلَامٍ ذَكَرَهُ وَفِيهِ قَطْعُ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ وَقَدْرُ النِّصَابِ فِي السَّرِقَةِ فَذُكِرَ مَعَهَا وَأُخِّرَ عَنْهَا لِأَنَّهَا كَجُزْئِهِ وَعَبَّرَ بِالْقَاطِعِ دُونَ الْقَطْعِ لِأَجْلِ مَا بَعْدَهُ وَالْمُرَادُ بِالطَّرِيقِ مَحَلُّ الْمُرُورِ وَلَوْ فِي دَاخِلِ الْأَبْنِيَةِ وَالدُّورِ قَوْلُهُ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] أَيْ أَوْلِيَاءَهُمَا وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَإِنَّمَا خُصُّوا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ الْآتِيَةِ تَكُونُ فِيهِمْ فَلَا
لِإِرْعَابٍ مُكَابَرَةً اعْتِمَادًا عَلَى الْقُوَّةِ مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْغَوْثِ وَيَثْبُتُ بِرَجُلَيْنِ لَا بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ مُلْتَزِمٌ لِلْأَحْكَامِ وَلَوْ سَكْرَانَ أَوْ ذِمِّيًّا مُخْتَارٌ مُخِيفٌ لِلطَّرِيقِ يُقَاوِمُ مَنْ يَبْرُزُ هُوَ لَهُ بِأَنْ يُسَاوِيَهُ أَوْ يَغْلِبَهُ بِحَيْثُ يَبْعُدُ مَعَهُ غَوْثٌ لِبُعْدٍ عَنْ الْعِمَارَةِ أَوْ ضَعْفٍ فِي أَهْلِهَا وَإِنْ كَانَ الْبَارِزُ وَاحِدًا أَوْ أُنْثَى أَوْ بِلَا سِلَاحٍ وَخَرَجَ بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ أَضْدَادُهَا فَلَيْسَ
[حاشية البجيرمي]
يُنَافِي أَنَّ الذِّمِّيِّينَ مِثْلُهُمْ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْأَحْكَامِ لَا يَجْرِي فِيهِمْ قَالَ م ر وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قُطَّاعِ الطَّرِيقِ لَا فِي الْكُفَّارِ وَاحْتَجُّوا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] الْآيَةَ إذْ الْمُرَادُ التَّوْبَةُ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْكُفَّارَ لَكَانَتْ تَوْبَتُهُمْ بِإِسْلَامِهِمْ وَهُوَ دَافِعٌ لِلْعُقُوبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ وَبَعْدَهَا.
اهـ. قَوْلُهُ أَوْ لِقَتْلٍ أَوْ مَانِعَةُ خُلُوٍّ فَتَجُوزُ الْجَمْعُ فَيَشْمَلُ الْحَالَةَ الثَّانِيَةَ وَهُوَ الْبُرُوزُ لِأَخْذِ الْمَالِ وَالْقَتْلِ قَوْلُهُ مُكَابَرَةً حَالٌ أَيْ مُجَاهَرَةً وَبِخَطِّ الْمَيْدَانِيِّ أَيْ مِنْ غَيْرِ حَيَاءٍ مِنْ النَّاسِ وَلَا خَوْفٍ مِنْ اللَّهِ اهـ وَهُوَ حَالٌ مِنْ الْبُرُوزِ أَيْ حَالَ كَوْنِ الْبُرُوزِ جِهَارًا وَقَوْلُهُ اعْتِمَادًا أَيْ لِلِاعْتِمَادِ اهـ وَقَالَ فِي الْمِصْبَاحِ كَابَرْته مُكَابَرَةً غَالَبْته مُغَالَبَةً وَعَانَدْته فَالْمَعْنَى هُوَ الْبُرُوزُ لِأَجْلِ الْمُغَالَبَةِ فَيَكُونُ مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ وَقَوْلُهُ اعْتِمَادًا عِلَّةٌ لَهُ وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ حَالًا فَإِنَّ مَجِيءَ الْمَصْدَرِ حَالًا مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ قَوْلُهُ مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْغَوْثِ لِلْبُعْدِ عَنْ الْعِمَارَةِ أَوْ لِقُرْبٍ مِنْهَا مَعَ ضَعْفِ أَهْلِهَا عَنْ الْإِغَاثَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ مَنْ يَقْصِدُونَهُ عَلَى الدَّفْعِ وَيَحْصُلُ ذَلِكَ إمَّا بِضَعْفِ السُّلْطَانِ أَوْ بِالْبُعْدِ عَنْ الْعُمْرَانِ أَوْ بِحُضُورِهِمْ فِي الْعِمَارَةِ لَكِنْ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ وَالدَّفْعِ قَالَ ابْنُ كَجٍّ لَوْ أَقَامَ خَمْسَةٌ أَوْ عَشَرَةٌ فِي كَهْفٍ أَوْ شَاهِقِ جَبَلٍ فَإِنْ مَرَّ بِهِمْ قَوْمٌ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَعُدَّةٌ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُمْ وَإِنْ مَرَّ بِهِمْ قَوْمٌ قَلِيلُو الْعَدَدِ قَصَدُوهُمْ بِالْقَتْلِ وَأَخَذُوا الْمَالَ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ فِي حَقِّ الطَّائِفَةِ الْيَسِيرَةِ وَإِنْ تَعَرَّضُوا لِلْأَقْوِيَاءِ وَأَخَذُوا شَيْئًا فَهُمْ مُخْتَلِسُونَ شَرْحُ الْمَنُوفِيِّ وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر
قَوْلُهُ مَعَ الْبُعْدِ عَنْ الْغَوْثِ وَلَوْ حُكْمًا كَمَا لَوْ دَخَلُوا دَارًا وَمَنَعُوا أَهْلَهَا مِنْ الِاسْتِغَاثَةِ قَوْلُهُ لَا بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَيْ وَلَا بِغَيْرِهِمَا إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِ وَطَلَبُ الْمَالِكِ نَظِيرُ مَا مَرَّ فِي السَّرِقَةِ قَوْلُهُ مُلْتَزِمٌ لِلْأَحْكَامِ لَمْ يَقُلْ وَلَوْ حُكْمًا لِإِدْخَالِ عَبْدِ الذِّمِّيِّ وَنِسَائِهِ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ قَوْلُهُ وَلَوْ سَكْرَانًا الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَلَوْ سَكْرَانَ بِالْمَنْعِ مِنْ الصَّرْفِ لِأَنَّ سَكْرَانَ مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّرْفِ فَالْأَوْلَى حَذْفُ أَلِفِهِ لَكِنْ صَرَفَهُ إمَّا لِلتَّنَاسُبِ أَوْ عَلَى لُغَةِ بَنِي أَسَدٍ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي مُؤَنَّثِهِ سَكْرَانَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّوْبَرِيِّ قَوْلُهُ أَوْ ذِمِّيًّا حَيْثُ قُلْنَا لَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ بِمُحَارَبَتِهِ فِي دَارِنَا وَإِخَافَتِهِ السَّبِيلَ وَهُوَ الْمُرَجَّحُ حَيْثُ لَمْ يُشْرَطْ عَلَيْهِمْ تَرْكُهُ وَأَنَّهُ يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ بِذَلِكَ بِخِلَافِ الْمُعَاهَدِ فَيُنْتَقَضُ عَهْدُهُ بِذَلِكَ وَعِبَارَةُ م د وَقَعَ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ التَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّ شَرْطَ قَاطِعِ الطَّرِيقِ الْإِسْلَامُ الْآتِي وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا حَارَبَ فِي دَارِنَا أَوْ أَخَافَ السَّبِيلَ وَقُلْنَا بِأَنَّهُ لَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ
وَأَمَّا تَعْبِيرُ الشَّيْخَيْنِ بِالْإِسْلَامِ فَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ جَمِيعَ أَحْكَامِ الْبَابِ لَا تَأْتِي فِي الْمُسْلِمِينَ إذْ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْكَامِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَيْ صَلْبُهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ لَا يَأْتِي إلَّا فِي الْمُسْلِمِ وَقَوْلُهُمَا أَيْ الشَّيْخَيْنِ الْكُفَّارُ لَيْسَ لَهُمْ حُكْمُ الْقُطَّاعِ أَيْ جَمِيعُ أَحْكَامِهِمْ أَوْ يُقَالُ خَرَجَ بِالْمُسْلِمِ الْكَافِرُ فَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَهُوَ مِنْ الْقُطَّاعِ وَإِلَّا فَلَا فَفِي مَفْهُومِ الْإِسْلَامِ تَفْصِيلٌ فَلَا يُرَدُّ اهـ قَوْلُهُ مُخِيفٌ لِلطَّرِيقِ أَيْ لِلْمَارِّ فِيهَا ز ي قَوْلُهُ مَنْ يَبْرُزُ هُوَ أَيْ قَاطِعُ الطَّرِيقِ وَأَبْرَزَ الضَّمِيرَ الَّذِي هُوَ الْفَاعِلُ لِأَنَّ الصِّلَةَ جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ فَإِنَّ مَنْ وَاقِعَةٌ عَلَى الشَّخْصِ الْمَمْنُوعِ مِنْ الطَّرِيقِ وَضَمِيرُ لَهُ عَائِدٌ عَلَيْهِ وَالْبَارِزُ لَيْسَ ذَلِكَ الشَّخْصَ بَلْ الْقَاطِعَ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الصِّلَةَ إذَا جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ أُبْرِزَ الضَّمِيرُ سَوَاءٌ خِيفَ اللَّبْسُ أَمْ لَا خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ إبْرَازَهُ لَا يَجِبُ إلَّا إذَا خِيفَ اللَّبْسُ م د قَوْلُهُ بِحَيْثُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ يَبْرُزُ أَيْ بِمَكَانٍ وَقَوْلُهُ يَبْعُدُ مَعَهُ أَيْ مَعَ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَعِبَارَةُ ز ي قَوْلُهُ مَعَهُ أَيْ بِمَكَانٍ يَبْعُدُ مَعَهُ غَوْثٌ لِأَنَّ حَيْثُ بِمَعْنَى مَكَان فَالضَّمِيرُ فِي مَعَهُ رَاجِعٌ لِحَيْثُ بِاعْتِبَارِ الْمَكَانِ هَكَذَا أَفْهَمَ.
اهـ.
قَوْلُهُ أَوْ ضَعْفٍ فِي أَهْلِهَا أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْقُطَّاعِ وَإِنْ كَانُوا أَقْوِيَاءَ فِي ذَاتِهِمْ وَلِذَلِكَ لَوْ
الْمُتَّصِفُ بِهَا أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهَا مِنْ حَرْبِيٍّ وَلَوْ مُعَاهِدًا وَصَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ وَمُكْرَهٌ وَمُخْتَلِسٌ وَمُنْتَهِبٌ قَاطِعُ طَرِيقٍ وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إسْلَامٌ وَإِنْ شَرَطَهُ فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ، وَلَوْ دَخَلَ جَمْعٌ بِاللَّيْلِ دَارًا وَمَنَعُوا أَهْلَهَا مِنْ الِاسْتِغَاثَةِ مَعَ قُوَّةِ السُّلْطَانِ وَحُضُورِهِ فَقُطَّاعٌ.
(وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ) فَقَطْ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْهُمْ إمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى الْقَتْلِ أَوْ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخْذِ الْمَالِ أَوْ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَخْذِ الْمَالِ أَوْ عَلَى الْإِخَافَةِ وَرَتَّبَهَا الْمُصَنِّفُ عَلَى هَذَا مُبْتَدِئًا بِالْأَوَّلِ فَقَالَ: (إنْ قَتَلُوا) مَعْصُومًا مُكَافِئًا لَهُمْ عَمْدًا.
(وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِلُوا) حَتْمًا لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ.
وَلِأَنَّهُمْ ضَمُّوا إلَى جِنَايَتِهِمْ إخَافَةَ السَّبِيلِ الْمُقْتَضِيَةَ زِيَادَةِ الْعُقُوبَةِ.
وَلَا زِيَادَةَ هُنَا إلَّا تَحَتُّمُ الْقَتْلِ فَلَا يَسْقُطُ.
قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ: وَمَحَلُّ تَحَتُّمِهِ إذَا قَتَلُوا لِأَخْذِ الْمَالِ وَإِلَّا فَلَا تَحَتُّمَ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ) الْمُقَدَّرَ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ
[حاشية البجيرمي]
دَخَلُوا دَارًا وَمَنَعُوا أَهْلَهَا مِنْ الِاسْتِغَاثَةِ وَلَوْ بِالسُّلْطَانِ وَلَوْ مَعَ قُوَّتِهِ فَهُمْ قُطَّاعٌ فِي حَقِّهِمْ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي الشَّرْحِ قَوْلُهُ فَلَيْسَ الْمُتَّصِفُ بِهَا أَيْ بِأَضْدَادِهَا قَوْلُهُ أَوْ صَبِيٍّ أَيْ وَمِنْ صَبِيٍّ.
. . إلَخْ قَوْلُهُ وَمُخْتَلِسٍ خَرَجَ بِقَوْلِهِ مُخِيفٌ لِلطَّرِيقِ يُقَاوِمُ مَنْ يَبْرُزُ هُوَ لَهُ إذْ هَذَا قَيْدٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ يُقَاوِمُ مَنْ يَبْرُزُ هُوَ لَهُ لَازِمٌ لِمُخِيفٍ قَوْلُهُ وَمُنْتَهِبٍ أَيْ مَعَ قُرْبِ الْغَوْثِ وَإِلَّا فَقُطَّاعُ طَرِيقٍ شَوْبَرِيٌّ فَهُوَ أَيْ الْمُنْتَهِبُ خَارِجٌ بِقَوْلِهِ بِحَيْثُ يَبْعُدُ مَعَهُ غَوْثٌ قَوْلُهُ قَاطِعَ طَرِيقٍ بِالنَّصْبِ خَبَرُ لَيْسَ قَوْلُهُ وَإِنْ شَرَطَهُ فِي الْمِنْهَاجِ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ بِأَنَّ مَفْهُومَهُ فِيهِ تَفْصِيلٌ فَلَا اعْتِرَاضَ قَوْلُهُ بِاللَّيْلِ لَيْسَ قَيْدًا قَوْلُهُ مَعَ قُوَّةِ السُّلْطَانِ وَحُضُورِهِ لَيْسَ قَيْدًا وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّ الَّذِي يُتَوَهَّمُ مِنْهُ أَنَّهُمْ غَيْرُ قُطَّاعٍ تَأَمَّلْ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَلَوْ كَانَ السُّلْطَانُ قَوِيًّا مَوْجُودًا قَوْلُهُ فَقُطَّاعٌ لِدُخُولِهِمْ فِي قَوْلِهِ بِحَيْثُ يَبْعُدُ مَعَهُ غَوْثٌ لِأَنَّ الْبُعْدَ إمَّا حِسِّيٌّ أَوْ مَعْنَوِيٌّ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ وَقَالَ ح ل قَوْلُهُ فَقُطَّاعٌ لِأَنَّهُ بِمَثَابَةِ ضَعْفِ أَهْلِهَا اهـ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَفَقْدُ الْغَوْثِ يَكُونُ لِلْبُعْدِ عَنْ الْعُمْرَانِ أَوْ السُّلْطَانِ أَوْ لِضَعْفٍ بِأَهْلِ الْعُمْرَانِ أَوْ السُّلْطَانِ أَوْ بِغَيْرِهِمَا كَأَنْ دَخَلَ جَمْعٌ دَارًا.
. . إلَخْ اهـ وَمِنْ ذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْتُونَ لِلسَّرِقَةِ الْمُسَمَّوْنَ بِالْمَنْسِرِ فِي زَمَانِنَا فَهُمْ قُطَّاعٌ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ وَالْمَنْسِرُ فِيهِ لُغَتَانِ مِثْلُ مَسْجِدٍ وَمِقْوَدٍ خَيْلٌ مِنْ الْمِائَةِ إلَى الْمِائَتَيْنِ اهـ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ جَمَاعَةٌ مِنْ الْخَيْلِ وَيُقَالُ الْمَنْسِرُ الْجَيْشُ لَا يَمُرُّ بِجَمْعٍ إلَّا اقْتَلَعَهُ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْهُمْ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي يُوجَدُ وَيَصْدُرُ مِنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (قُتِلُوا) قَضِيَّةُ سُكُوتِهِ هُنَا عَنْ الصَّلْبِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (الْمُقْتَضِيَةَ) بِالنَّصْبِ نَعْتُ " إخَافَةَ ".
قَوْلُهُ: (فَلَا يَسْقُطُ) أَيْ بِعَفْوِ مُسْتَحِقِّ الْقَوَدِ وَيَسْتَوْفِيهِ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى م ر.
قَوْلُهُ: (إذَا قَتَلُوا لِأَخْذِ الْمَالِ) أَيْ لِقَصْدِ أَخْذِ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوهُ وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُمْ أَخْذَ أَقَلَّ مِنْ نِصَابِ السَّرِقَةِ بِخِلَافِ مَا يَأْتِي فِي الصَّلْبِ، فَإِنْ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ قَتَلُوا لَا لِأَخْذِ الْمَالِ صُدِّقُوا مَعَ الْقَرِينَةِ فَيَخْرُجُ مَا إذَا أَخَذُوا الْمَالَ وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ بَعْدَ الْقَتْلِ فَلَا يُصَدَّقُونَ لِلتُّهْمَةِ قَالَهُ ابْنُ قَاسِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: وَعِبَارَةُ ع ش قَوْلُهُ: إذَا قَتَلُوا لِأَخْذِ الْمَالِ أَيْ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَكَتَبَ أَيْضًا قَوْلَهُ: إذَا قَتَلُوا لِأَخْذِ الْمَالِ أَيْ وَلَمْ يَأْخُذُوهُ لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُمْ إنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ صُلِبُوا مَعَ الْقَتْلِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَحَتُّمَ) وَيُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ.
. . إلَخْ) ظَاهِرُ صَنِيعِهِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُخْتَصٌّ بِمَنْ بَاشَرَ الْقَتْلَ مِنْهُمْ.
أَمَّا مَنْ أَقَرَّهُمْ عَلَى الْقَتْلِ وَعَزَمَ عَلَيْهِ مَعَهُمْ لَكِنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْهُ فَلَا يُقْتَلُ لِعَدَمِ مُبَاشَرَتِهِ بَلْ يُعَزَّرُ وَلَا يُقَالُ: إنَّ الْقَتْلَ مِنْ بَعْضِهِمْ مَنْسُوبٌ إلَى الْكُلِّ اهـ وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ فَمَنْ أَعَانَ الْقَاطِعَ أَوْ أَخَافَ الطَّرِيقَ بِلَا أَخْذِ نِصَابٍ وَقَتْلٍ عُزِّرَ اهـ.
قَوْلُهُ: فَمَنْ أَعَانَ الْقَاطِعَ: وَلَوْ بِدَفْعِ سِلَاحٍ أَوْ مَرْكُوبٍ أَوْ بِسَبَبٍ وَلَوْ ضِيَافَةً وَلَيْسَ مَعْذُورًا بِخَوْفِهِ مِنْهُمْ مَثَلًا وَقَوْلُهُ: عُزِّرَ أَيْ عَزَّرَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ اهـ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (الْمُقَدَّرَ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ) فَإِنْ كَانَ دُونَهُ فَلَا صَلْبَ.
اهـ. م د. وَقَوْلُهُ: بِنِصَابِ السَّرِقَةِ وَلَوْ لِجَمْعٍ اشْتَرَكُوا فِيهِ وَاتَّحَدَ حِرْزُهُ وَيُعْتَبَرُ قِيمَةُ مَحَلِّ الْأَخْذِ بِفَرْضِ أَنْ لَا قُطَّاعَ ثُمَّ إنْ كَانَ مَحَلَّ بَيْعٍ فَذَاكَ وَإِلَّا فَأَقْرَبُ مَحَلِّ بَيْعٍ إلَيْهِ شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ: وَلَوْ لِجَمْعٍ اشْتَرَكُوا فِيهِ هَلْ الْمُرَادُ شَرِكَةُ الشُّيُوعِ أَوْ الْأَعَمُّ حَتَّى لَوْ أَخَذَ مِنْ كُلٍّ شَيْئًا وَكَانَ الْمَجْمُوعُ يَبْلُغُ نِصَابًا قُطِعَ الْآخِذُ فِيهِ نَظَرٌ وَلَا يَبْعُدُ الثَّانِي تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ لَكِنَّ قِيَاسَ مَا مَرَّ فِي السَّرِقَةِ الْأَوَّلُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُمْ عَلَّلُوا الْقَطْعَ بِالْمُشْتَرَكِ بِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ أَنْ يَدَّعِيَ وَفِي الْمُجَاوِرَةِ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَدَّعِيَ بِغَيْرِ مَا
اعْتِبَارُ الْحِرْزِ وَعَدَمِ الشُّبْهَةِ.
(قُتِلُوا) حَتْمًا (وَصُلِبُوا) زِيَادَةً فِي التَّنْكِيلِ وَيَكُونُ صَلْبُهُمْ بَعْدَ غُسْلِهِمْ وَتَكْفِينِهِمْ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ.
وَالْغَرَضُ مِنْ صَلْبِهِمْ بَعْدَ قَتْلِهِمْ التَّنْكِيلُ بِهِمْ وَزَجْرُ غَيْرِهِمْ وَيُصْلَبُ عَلَى خَشَبَةٍ وَنَحْوِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَشْتَهِرَ الْحَالُ.
وَيَتِمَّ النَّكَالُ وَلِأَنَّ لَهَا اعْتِبَارًا فِي الشَّرْعِ وَلَيْسَ لِمَا زَادَ عَلَيْهَا غَايَةٌ ثُمَّ يَنْزِلُ هَذَا إذَا لَمْ يُخَفْ التَّغَيُّرُ، فَإِنْ خِيفَ قَبْلَ الثَّلَاثَةِ أُنْزِلَ عَلَى الْأَصَحِّ وَحُمِلَ النَّصُّ فِي الثَّلَاثِ عَلَى زَمَنِ الْبَرْدِ وَالِاعْتِدَالِ
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ أَخَذُوا الْمَالَ) الْمُقَدَّرَ بِنِصَابِ سَرِقَةٍ بِلَا شُبْهَةٍ مِنْ حِرْزٍ مِمَّا مَرَّ بَيَانُهُ فِي السَّرِقَةِ.
(وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَتْ) بِطَلَبٍ مِنْ الْمَالِكِ (أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ) بِأَنْ تُقْطَعَ الْيَدُ الْيُمْنَى، وَالرِّجْلُ الْيُسْرَى دُفْعَةً أَوْ عَلَى الْوَلَاءِ لِأَنَّهُ حَدٌّ وَاحِدٌ فَإِنْ عَادُوا بَعْدَ
[حاشية البجيرمي]
يَخُصُّهُ وَمَعْلُومٌ مِمَّا مَرَّ فِي السَّرِقَةِ أَنَّ الْقَاطِعِينَ لَوْ اشْتَرَكُوا: اُشْتُرِطَ أَنْ يَخُصَّ كُلَّ وَاحِدٍ قَدْرُ نِصَابٍ مِنْ الْمَأْخُوذِ لَوْ وُزِّعَ عَلَى عَدَدِهِمْ وَإِلَّا فَلَا.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ) أَيْ فِي السَّرِقَةِ.
قَوْلُهُ: (قُتِلُوا وَصُلِبُوا) قَضِيَّةُ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ أَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
فَيُشْتَرَطُ تَقْدِيمُ الْقَتْلِ عَلَى الصَّلْبِ وَمَا قِيلَ: إنَّهُ يُصْلَبُ حَيًّا وَيُبْعَجُ بَطْنُهُ بِرُمْحٍ إلَى أَنْ يَمُوتَ بَاطِلٌ.
فَيَحْرُمُ ذَلِكَ كَالْخَازُوقِ وَالسَّلْخِ وَالْخَنْقِ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْحُكَّامُ.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» الْحَدِيثَ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر قُتِلَ ثُمَّ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ثُمَّ صُلِبَ مُكَفَّنًا مُعْتَرِضًا عَلَى نَحْوِ خَشَبَةٍ، وَلَا يُقَدَّمُ الصَّلْبُ عَلَى الْقَتْلِ لِكَوْنِهِ زِيَادَةَ تَعْذِيبٍ اهـ. وَقَدْ نُهِيَ عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ لِذَلِكَ قَالَ الْمَرْحُومِيُّ قَالَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: فَلَوْ مَاتَ مَنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ وَالصَّلْبُ أَوْ قُتِلَ بِقِصَاصٍ مِنْ غَيْرِ الْمُحَارَبَةِ سَقَطَ الصَّلْبُ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْقَتْلِ فَيَسْقُطُ بِسُقُوطِ مَتْبُوعِهِ اهـ. وَانْظُرْ هَلْ يُشْتَرَطُ طَلَبُ الْوَلِيِّ لِلْقَتْلِ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي قَطْعِ الْيَدِ وَيَكُونُ الشَّارِحُ تَرَكَ التَّنْبِيهَ عَلَى ذَلِكَ اتِّكَالًا عَلَى مَا سَبَقَ أَوْ لَا ثُمَّ رَأَيْت ح ل صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا يُتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِ الْوَلِيِّ لِلْقَتْلِ اهـ. وَبِهَامِشِ شَرْحِ الرَّوْضِ مَا نَصُّهُ: قِيَاسُ اشْتِرَاطِ النِّصَابِ لِصَلْبِهِ مَعَ الْقَتْلِ اشْتِرَاطُ الْحِرْزِ وَعَدَمِ الشُّبْهَةِ وَطَلَبِ الْمَالِكِ، وَعِبَارَةُ الْحَاوِي الصَّغِيرِ تَدُلُّ عَلَيْهِ فَحَرِّرْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (التَّنْكِيلُ) أَيْ إظْهَارُ النَّكَالِ أَيْ الْحَقَارَةِ فَفِي الْمُخْتَارِ نَكَّلَ تَنْكِيلًا أَيْ جَعَلَهُ نَكَالًا وَعِبْرَةً لِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) أَيْ بِلَيَالِيِهَا فَقَطْ فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا وَقَوْلُهُ: أَيَّامٍ أَصْلُهُ أَيْوَامٍ؛ لِأَنَّ مُفْرَدَهُ يَوْمٌ اجْتَمَعَتْ الْوَاوُ وَالْيَاءُ وَسُبِقَتْ إحْدَاهُمَا بِالسُّكُونِ قُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً وَأُدْغِمَتْ الْيَاءُ فِي الْيَاءِ.
اهـ. شَبْرَخِيتِيٌّ عَلَى الْأَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: (هَذَا إذَا لَمْ يَخَفْ التَّغَيُّرَ) أَيْ بِغَيْرِ نَحْوِ رَائِحَةٍ، أَمَّا نَحْوُ الرَّائِحَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ حُصُولِهَا قَبْلَ الثَّلَاثِ فَالْمُعْتَبَرُ نَحْوُ الِانْفِجَارِ اهـ م. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّغَيُّرِ هُنَا الِانْفِجَارُ وَنَحْوُهُ كَسُقُوطِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ إلَّا فَمَتَى حُبِسَتْ جِيفَةُ الْمَيِّتِ ثَلَاثًا حَصَلَ النَّتْنُ وَالتَّغَيُّرُ غَالِبًا اهـ.
قَوْلُهُ: (أُنْزِلَ) أَيْ وُجُوبًا كَمَا فِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ حِرْزٍ) كَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ أَوْ بِقُرْبِهِ مُلَاحِظٌ بِشَرْطِهِ الْمَارِّ مِنْ قُوَّتِهِ أَوْ قُدْرَتِهِ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ.
لَا يُقَالُ: الْقُوَّةُ وَالْقُدْرَةُ تَمْنَعُ قَطْعَ الطَّرِيقِ لِمَا مَرَّ، إنَّهُ حَيْثُ لَحِقَ غَوْثٌ لَوْ اُسْتُغِيثَ لَمْ يَكُونُوا قُطَّاعًا؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ ذَلِكَ إذْ الْقُوَّةُ أَوْ الْقُدْرَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحِرْزِ غَيْرُهُمَا بِالنِّسْبَةِ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ خُصُوصِ الشَّوْكَةِ وَنَحْوِهَا بِخِلَافِ الْحِرْزِ يَكْفِي فِيهِ مُبَالَاةُ السَّارِقِ بِهِ عُرْفًا وَإِنْ لَمْ يُقَاوِمْ السَّارِقُ، اهـ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (بِطَلَبٍ مِنْ الْمَالِكِ) أَيْ لِلْمَالِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَقَرَّ: بِأَنَّهُ أَبَاحَهُ لَهُ أَوْ أَنَّهُ لَهُ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ قِيَاسَ عَدَمِ تَوَقُّفِ الْقَتْلِ الْمُتَحَتِّمِ عَلَى طَلَبِ الْمُسْتَحِقِّ عَدَمَ تَوَقُّفِ الْقَطْعِ هُنَا عَلَى طَلَبِ صَاحِبِ الْمَالِ بِخِلَافِ السَّرِقَةِ،.
اهـ. سم بِزِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ تُقْطَعَ الْيَدُ الْيُمْنَى.
. . إلَخْ) فَإِنْ خَالَفَ الْإِمَامُ وَقَطَعَ الْيَدَ الْيُسْرَى وَالرِّجْلَ الْيُمْنَى أَسَاءَ وَوَقَعَ الْمُوَقَّعُ وَلَا ضَمَانَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَطَعَ الْيَدَ الْيُمْنَى وَالرِّجْلَ الْيُمْنَى، فَيَضْمَنُ الرِّجْلَ بِالْقَوَدِ إنْ كَانَ عَالِمًا، وَإِلَّا فَالدِّيَةُ وَلَا يَقَعُ الْمُوَقَّعُ فَلَا تُجْزِئُ عَنْ قَطْعِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى لِمُخَالَفَتِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: 33] فَتُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَلَوْ عَكَسَ ذَلِكَ بِأَنْ قَطَعَ الْإِمَامُ يَدَهُ الْيُمْنَى
قَطْعِهِمَا ثَانِيًا قُطِعَتْ الْيَدُ الْيُسْرَى وَالرِّجْلُ الْيُمْنَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: 33] وَإِنَّمَا قُطِعَ مِنْ خِلَافٍ لِمَا مَرَّ فِي السَّرِقَةِ وَقُطِعَتْ الْيَدُ الْيُمْنَى لِلْمَالِ كَالسَّرِقَةِ وَقِيلَ لِلْمُحَارَبَةِ وَالرِّجْلُ قِيلَ: لِلْمَالِ وَقِيلَ لِلْمُجَاهَرَةِ تَنْزِيلًا لِذَلِكَ مَنْزِلَةَ سَرِقَةٍ ثَانِيَةٍ وَقِيلَ لِلْمُحَارَبَةِ: قَالَ الْعِمْرَانِيُّ وَهُوَ أَشْبَهُ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقِسْمِ الرَّابِعِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ أَخَافُوا السَّبِيلَ) أَيْ الطَّرِيقَ بِوُقُوفِهِمْ فِيهَا (وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا) مِنْ الْمَارَّةِ (وَلَمْ يَقْتُلُوا) مِنْهُمْ أَحَدًا (حُبِسُوا) فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِمْ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ وَالْإِيحَاشِ كَمَا هُوَ فِي الرَّوْضَةِ حِكَايَةً عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ.
وَأَقَرَّهُ (وَعُزِّرُوا) بِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ ضَرْبٍ وَغَيْرِهِ لِارْتِكَابِهِمْ مَعْصِيَةً لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ.
تَنْبِيهٌ: عَطْفُ الْمُصَنِّفِ التَّعْزِيرَ عَلَى الْحَبْسِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ إذْ الْحَبْسُ مِنْ جِنْسِ التَّعْزِيرِ وَلِلْإِمَامِ تَرْكُهُ إنْ رَآهُ
مَصْلَحَةً
وَبِمَا تَقَرَّرَ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ فَقَالَ: الْمَعْنَى أَنْ يُقَتَّلُوا إنْ قَتَلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا مَعَ ذَلِكَ إنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ إنْ اقْتَصَرُوا عَلَى أَخْذِ الْمَالِ أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ إنْ أَرْعَبُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا شَيْئًا فَحَمَلَ كَلِمَةَ أَوْ عَلَى التَّنْوِيعِ لَا التَّخْيِيرِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: 135] أَيْ قَالَتْ
[حاشية البجيرمي]
وَرِجْلَهُ الْيُمْنَى فَقَدْ تَعَدَّى وَلَزِمَ الْقَوَدُ فِي رِجْلِهِ إنْ تَعَمَّدَ، وَإِلَّا فَدِيَتُهَا وَلَا يَسْقُطُ قَطْعُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَلَوْ قَطَعَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَدَهُ الْيُمْنَى فَقَدْ أَسَاءَ، وَلَا يَضْمَنُ وَأَجْزَأَهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ قَطْعَهُمَا مِنْ خِلَافٍ نَصٌّ تُوجِبُ مُخَالَفَتُهُ الضَّمَانَ وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى اجْتِهَادٌ يَسْقُطُ بِمُخَالَفَتِهِ الضَّمَانُ اهـ. وَقَوْلُهُ: وَيَدُهُ الْيُمْنَى قَالَ ع ش: عَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الضَّمَانِ مَا لَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ مَعًا أَوْ رِجْلَيْهِ مَعًا؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ فَيَضْمَنُ الْيَدَ الْيُسْرَى وَالرِّجْلَ الْيُمْنَى اهـ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ فِي السَّرِقَةِ) وَهُوَ أَنْ لَا يَتَعَطَّلَ عَلَيْهِ جِنْسُ الْمَنْفَعَةِ.
قَوْلُهُ: (لِلْمَالِ) الْحَقُّ أَنَّهَا لَهُ مَعَ مُلَاحَظَةِ الْمُحَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ سَقَطَ قَطْعُهَا وَلَوْ كَانَ لِلْمَالِ فَقَطْ لَمْ يَسْقُطْ.
اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْعِمْرَانِيُّ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّهَا نِسْبَةً إلَى الْعُمْرَانِيَّةِ نَاحِيَةٍ بِالْمَوْصِلِ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَشْبَهُ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (أَخَافُوا السَّبِيلَ) أَيْ أَخَافُوا الْمَارِّينَ فِي السَّبِيلِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا) أَيْ بِشُرُوطِ السَّرِقَةِ سم.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَقْتُلُوا) أَيْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ قَتْلٌ، أَيْ وَلَا قَطْعُ طَرَفٍ مَعْصُومٍ ح ل.
قَوْلُهُ: (فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِمْ) هَذَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلُ وَيَمْتَدُّ الْحَبْسُ إلَى ظُهُورِ تَوْبَتِهِمْ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَعِبَارَتُهُ وَحَبْسُهُ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ أَوْلَى حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ وَلَزِمَهُ رَدُّ الْمَالِ، أَوْ بَدَلِهِ فِي صُورَةِ أَخْذِهِ.
قَوْلُهُ: (وَعُزِّرُوا) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ الَّتِي تَمْنَعُ الْخُلُوَّ وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ يَجِبُ تَعْزِيرُهُ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَبْسٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا سم.
لَكِنَّ الشَّارِحَ جَعَلَهُ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ وَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا وَعِبَارَةُ س ل. وَقَوْلُهُ أَوْ غَيْرُهُ ظَاهِرُهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَبْسِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلِلْإِمَامِ تَرْكُهُ) أَيْ التَّعْزِيرِ إنْ رَآهُ مَصْلَحَةً هَذَا يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي وَلَا يَتَحَتَّمُ غَيْرُ قَتْلٍ وَصَلْبٍ فَإِنَّ التَّعْزِيرَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَيْرِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَخْذِ الْمَالِ) أَلْ لِلْعَهْدِ أَيْ نِصَابِ السَّرِقَةِ.
قَوْلُهُ: (إنْ أَرْعَبُوا) أَيْ خَوَّفُوا.
قَوْلُهُ: (عَلَى التَّنْوِيعِ) أَيْ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّهُ إذَا بَدَأَ بِالْأَغْلَظِ كَمَا هُنَا كَانَتْ لِلتَّنْوِيعِ، فَإِنْ بَدَأَ بِالْأَخَفِّ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ﴾ [المائدة: 89] . . . إلَخْ كَانَتْ لِلتَّخْيِيرِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ فِي آيَةِ الْمُحَارَبَةِ بَدَأَ بِالْأَخَفِّ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْأَوَّلِ الْقَتْلُ وَالصَّلْبُ.
أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ بَعْدَهُ إنَّمَا هُوَ الصَّلْبُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ الْقَتْلُ فِي التَّأْوِيلِ وَالتَّقْدِيرِ.
قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَهَذَا مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إمَّا تَوْقِيفٌ وَهُوَ الْأَقْرَبُ أَوْ لُغَةٌ وَكُلٌّ مِنْهُمَا مِنْ مِثْلِهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ.
وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ فِيهِ بِالْأَغْلَظِ فَكَانَ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَلَوْ أُرِيدَ التَّخْيِيرُ لَبَدَأَ بِالْأَخَفِّ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ اهـ. وَقَوْلُهُ: فَكَانَ مُرَتَّبًا يُتَأَمَّلُ مَعْنَى التَّرْتِيبِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ لَيْسَ مَذْكُورًا فِي التُّحْفَةِ وَلَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَعِبَارَةِ ع ش.
قَوْلُهُ: بَدَأَ فِيهِ بِالْأَغْلَظِ قَدْ يُشْكِلُ بِأَنَّ الصَّلْبَ مَعَ الْقَتْلِ أَغْلَظُ مِنْ الْقَتْلِ وَحْدَهُ فَلَا يَتِمُّ مَا ذُكِرَ بِالنِّسْبَةِ
الْيَهُودُ كُونُوا هُودًا وَقَالَتْ النَّصَارَى كُونُوا نَصَارَى إذْ لَمْ يُخَيِّرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَيْنَ الْيَهُودِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّةِ، وَقَتْلُ الْقَاطِعِ يَغْلِبُ فِيهِ مَعْنَى الْقِصَاصِ لَا الْحَدِّ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا اجْتَمَعَ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْآدَمِيِّ يُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ لِبِنَائِهِ عَلَى التَّضْيِيقِ وَلِأَنَّهُ لَوْ قُتِلَ بِلَا مُحَارَبَةٍ، ثَبَتَ لَهُ الْقَوَدُ فَكَيْفَ يُحْبَطُ حَقُّهُ بِقَتْلِهِ فِيهَا.
فَلَا يُقْتَلُ بِغَيْرِ كُفْءٍ كَوَلَدِهِ وَلَوْ مَاتَ بِغَيْرِ قَتْلٍ فِدْيَةٌ تَجِبُ فِي تَرِكَتِهِ فِي الْحُرِّ أَمَّا فِي الرَّقِيقِ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ مُطْلَقًا وَيُقْتَلُ بِوَاحِدٍ مِمَّنْ قَتَلَهُمْ وَلِلْبَاقِينَ دِيَاتٌ فَإِنْ قَتَلَهُمْ مُرَتِّبًا قُتِلَ بِالْأَوَّلِ.
وَلَوْ عَفَا وَلِيُّ الْقَتِيلِ بِمَالٍ وَجَبَ الْمَالُ وَقُتِلَ الْقَاتِلُ حَدًّا لِتَحَتُّمِ قَتْلِهِ وَتُرَاعَى الْمُمَاثَلَةُ فِيمَا قُتِلَ بِهِ وَلَا يَتَحَتَّمُ غَيْرُ قَتْلٍ وَصَلْبٍ كَأَنْ قَطَعَ يَدَهُ فَانْدَمَلَ لِأَنَّ التَّحَتُّمَ تَغْلِيظٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَاخْتُصَّ بِالنَّفْسِ كَالْكَفَّارَةِ.
(وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ
[حاشية البجيرمي]
لِلْأَوَّلَيْنِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الصَّلْبَ مَعَ الْقَتْلِ لَكِنَّ الْقَتْلَ مَعَ الصَّلْبِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْآيَةِ، بَلْ الْمَذْكُورُ فِيهَا الصَّلْبُ فَقَطْ دُونَ الْقَتْلِ وَإِنْ كَانَ مُرَادًا فَالْمَبْدُوءُ بِهِ فِيهَا هُوَ الْأَغْلَظُ نَظَرًا لِمَا فُهِمَ اهـ.
قَوْلُهُ: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا﴾ [البقرة: 135] مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَوْ عَلَى التَّنْوِيعِ أَيْ قَالَتْ الْيَهُودُ لِبَعْضِهِمْ كُونُوا هُودًا أَيْ اُثْبُتُوا عَلَيْهَا وَكَذَا النَّصَارَى قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: كُونُوا نَصَارَى أَيْ اُثْبُتُوا عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَمْ يُخَيَّرْ أَحَدٌ.
. . إلَخْ) أَحَدٌ نَائِبُ فَاعِلِ يُخَيَّرْ، وَالْمُرَادُ لَمْ يَقَعْ التَّخْيِيرُ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْيَهُودِ بَيْنَ الْيَهُودِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَلَمْ يَقَعْ كَذَلِكَ مِنْ النَّصَارَى.
بَلْ قَالَتْ الْيَهُودُ: كُونُوا هُودًا وَقَالَتْ النَّصَارَى: كُونُوا نَصَارَى.
قَوْلُهُ: (وَقَتْلُ الْقَاطِعِ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يُغَلَّبُ فِيهِ.
. . إلَخْ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ فِيهِ شَائِبَتَيْنِ.
وَفَرَّعَ عَلَى جَانِبِ الْقِصَاصِ فُرُوعًا.
قَوْلُهُ: فَلَا يُقْتَلُ بِغَيْرِ كُفْءٍ وَقَوْلُهُ: وَلَوْ مَاتَ بِغَيْرِ قَتْلٍ وَقَوْلُهُ: وَيُقْتَلُ بِوَاحِدٍ، وَفَرَّعَ عَلَى كَوْنِهِ حَدًّا قَوْلَهُ: وَلَوْ عَفَا الْمُسْتَحِقُّ، وَقَوْلُهُ: وَتُرَاعَى فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ مُفَرَّعٌ عَلَى كَوْنِهِ قِصَاصًا.
قَوْلُهُ: (يَغْلِبُ فِيهِ مَعْنَى الْقِصَاصِ) وَلَا يُتَوَقَّفُ عَلَى طَلَبِ الْوَلِيِّ لِلْقَتْلِ وَهَلْ لَا بُدَّ مِنْ طَلَبِ الْمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقَطْعِ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ يَتَوَقَّفُ عَلَى أَخْذِ الْمَالِ.
اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (يَغْلِبُ فِيهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ) قَدْ يُشْكِلُ هَذَا بِمَا مَرَّ مِنْ تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّ تَقْدِيمًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حَقِّ الْآدَمِيِّ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ فِي الزَّكَاةِ حَقَّ آدَمِيٍّ فَإِنَّهَا تَجِبُ لِلْأَصْنَافِ فَلَعَلَّ تَقْدِيمَهَا لَيْسَ مُتَمَحِّضًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ لِاجْتِمَاعِ الْحَقَّيْنِ فَقُدِّمَتْ عَلَى مَا فِيهِ حَقٌّ وَاحِدٌ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ لَوْ قُتِلَ) أَيْ الشَّخْصُ الْمَقْتُولُ بِلَا مُحَارَبَةٍ ثَبَتَ لَهُ أَيْ لِلْمَقْتُولِ أَيْ لِوَارِثِهِ الْقَوَدُ عَلَى قَاتِلِهِ.
وَقَوْلُهُ: فِيهَا أَيْ فِي الْمُحَارَبَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مَاتَ) أَيْ الْقَاتِلُ بِغَيْرِ قَتْلٍ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحُرِّ) أَيْ الْمَقْتُولُ بِالْحُرِّ.
قَوْلُهُ: (فَتَجِبُ قِيمَتُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ مَاتَ الْقَاتِلُ أَمْ لَا إذْ لَا مُكَافَأَةَ.
قَالَ سم: لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ الْقَاتِلُ بِالْحُرِّ فَإِنْ كَانَ رَقِيقًا أَيْضًا وَلَمْ يَمُتْ بِهِ قُتِلَ بِالرَّقِيقِ الْمَقْتُولِ لِلْمُكَافَأَةِ اهـ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَتَلَهُمْ مُرَتَّبًا) وَالتَّرْتِيبُ وَالْمَعِيَّةُ بِالزُّهُوقِ.
اهـ. عَشْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَتُرَاعَى الْمُمَاثَلَةُ فِيمَا قُتِلَ بِهِ) أَيْ مِنْ مُحَدَّدٍ وَغَرَقٍ وَسَيْفٍ إلَّا إنْ قُتِلَ بِمَا يَحْرُمُ فِعْلُهُ كَلِوَاطٍ وَإِيجَارِ خَمْرٍ أَوْ بَوْلٍ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ بَلْ بِالسَّيْفِ وَالْمُرَادُ قَطْعُ رَقَبَتِهِ لَا ذَبْحُهُ وَدَلِيلُ الْمُمَاثَلَةِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ» اهـ شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ: بِمَا يَحْرُمُ فِعْلُهُ.
لَا يُقَالُ: يُشْكِلُ بِجَوَازِ الِاقْتِصَاصِ بِنَحْوِ التَّجْوِيعِ وَالتَّغْرِيقِ مَعَ تَحْرِيمِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: نَحْوُ التَّجْوِيعِ وَالتَّغْرِيقِ إنَّمَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِ النَّفْسِ، وَالْإِتْلَافُ هُنَا مُسْتَحَقٌّ فَلَمْ يَمْتَنِعْ بِخِلَافِ نَحْوِ الْخَمْرِ وَاللِّوَاطِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ وَإِنْ أَمْكَنَ الْإِتْلَافُ بِهِ فَلِذَا امْتَنَعَ هُنَا تَأَمَّلْ سم عَلَى حَجّ.
وَقَوْلُهُ: كَلِوَاطٍ أَيْ فِي صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ وَظَاهِرُ شَرْحِ م ر أَنَّ الْكَبِيرَ لَا قَوَدَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مَكَّنَ مِنْ نَفْسِهِ فَلَا يَضْمَنُ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ، وَالظَّاهِرُ مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ عَدَمُ الْفَرْقِ وَقَوْلُهُ: وَإِيجَارِ خَمْرٍ قَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ بِالْغَمْسِ فِي خَمْرٍ لَمْ يُفْعَلْ بِهِ مِثْلُهُ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ التَّضَمُّخَ بِالنَّجَاسَةِ حَرَامٌ لَا يُبَاحُ بِحَالٍ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَكَانَ كَشُرْبِ الْبَوْلِ اهـ. اُنْظُرْ تَمَامَهُ فِي ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ قَطَعَ يَدَهُ فَانْدَمَلَ) أَيْ إذَا قَطَعَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ يَدَ شَخْصٍ مُكَافِئٍ لَهُ عَمْدًا وَانْدَمَلَ الْقَطْعُ وَعَفَا عَنْهُ الْمُسْتَحِقُّ لَمْ يَتَحَتَّمْ قَطْعُ يَدِهِ.
بِخِلَافِ مَا إذَا سَرَى الْقَطْعُ وَمَاتَ الْمَقْطُوعُ بِذَلِكَ فَهُوَ قَاتِلٌ فَيَتَحَتَّمُ حِينَئِذٍ
الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ) أَيْ قَبْلَ الظَّفَرِ بِهِ (سَقَطَ عَنْهُ الْحُدُودُ) أَيْ الْعُقُوبَاتُ الَّتِي تَخُصُّ الْقَاطِعَ مِنْ تَحَتُّمِ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ وَقَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ لِآيَةِ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] (وَأُوخِذَ) مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنَى طُولِبَ.
(بِالْحُقُوقِ) أَيْ بِبَاقِيهَا فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ بِالتَّوْبَةِ قَوَدٌ وَلَا مَالٌ.
وَلَا بَاقِي الْحُدُودِ مِنْ حَدِّ زِنًا وَسَرِقَةٍ وَشُرْبِ خَمْرٍ وَقَذْفٍ لِأَنَّ الْعُمُومَاتِ الْوَارِدَةَ فِيهَا لَمْ تَفْصِلْ بَيْنَ مَا قَبْلَ التَّوْبَةِ وَمَا بَعْدَهَا بِخِلَافِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ نَعَمْ تَارِكُ الصَّلَاةِ كَسَلًا يُقْتَلُ حَدًّا عَلَى الصَّحِيحِ.
وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ تَابَ سَقَطَ الْقَتْلُ قَطْعًا وَالْكَافِرُ إذَا زَنَى ثُمَّ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ النَّصِّ وَلَا يُرَدُّ الْمُرْتَدُّ إذَا تَابَ حَيْثُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وَيَسْقُطُ الْقَتْلُ لِأَنَّهُ إذَا أَصَرَّ يُقْتَلُ كُفْرًا لَا حَدًّا وَمَحِلُّ
[حاشية البجيرمي]
قَتْلُهُ.
مَرْحُومِيٌّ وَعِبَارَةُ س ل فَإِنْ سَرَى إلَى النَّفْسِ تَحَتَّمَ الْقَتْلُ.
قَوْلُهُ: (كَالْكَفَّارَةِ) أَيْ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِقَتْلِ النَّفْسِ دُونَ الْقَطْعِ كَمَا مَرَّ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَعَلَى قَاتِلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ.
. . إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَيْ قَبْلَ الظَّفَرِ بِهِ) أَيْ قَبْلَ قَبْضِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ عَلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِالْقُدْرَةِ أَنْ يَكُونَ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهَا أَنْ يَأْخُذَ الْإِمَامُ فِي أَسْبَابِهَا كَإِرْسَالِ الْجُيُوشِ، لِإِمْسَاكِهِمْ وَلَوْ قَدَرْنَا عَلَيْهِ فَزَعَمَ التَّوْبَةَ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ تَصْدِيقِهِ، مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ اهـ سم م د مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَطْعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ) أَيْ مِمَّا هُوَ حَقُّ اللَّهِ بِخِلَافِ حَقِّ الْآدَمِيِّ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالْقَتْلِ الْغَيْرِ الْمُتَحَتِّمِ فَهُوَ بَاقٍ فَلِوَلِيِّ الْقَتِيلِ بَعْدَ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ أَنْ يَعْفُوَ عَلَى الدِّيَةِ أَوْ يَقْتُلَ فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَوْ عَفَا وَلِيُّ الْقَتِيلِ بِمَالٍ وَجَبَ مَفْرُوضٌ فِيمَا قَبْلَ التَّوْبَةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ وَقَالَ ح ل: فِيهِ أَنَّ قَطْعَ الْيَدِ لَا يَخُصُّهُ؛ لِأَنَّ السَّرِقَةَ تُشَارِكُهُ وَرُدَّ بِأَنَّ الَّذِي يَخُصُّهُ مَجْمُوعُ قَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ فَسَقَطَ قَطْعُ الْيَدِ تَبَعًا لِسُقُوطِ قَطْعِ الرِّجْلِ فَقَوْلُهُ: مِنْ يَدٍ وَرِجْلٍ أَيْ قَطْعُ مَجْمُوعِ ذَلِكَ اهـ؛ لِأَنَّ قَطْعَهُمَا عُقُوبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا سَقَطَ بَعْضُهَا وَهُوَ قَطْعُ الرِّجْلِ لِلْمُحَارَبَةِ سَقَطَ الْبَاقِي وَهُوَ قَطْعُ الْيَدِ وَقَوْلُهُ: وَقَطْعُ عُطِفَ عَلَى تَحَتَّمَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُتَحَتِّمًا كَمَا قَدَّمَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا عَنْ غَيْرِهِ) هُوَ زِيَادَةُ حُكْمٍ عَلَى مَا الْكَلَامُ فِيهِ فَذِكْرُهُ اسْتِطْرَادِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بَاقِي الْحُدُودِ) بِخِلَافِ قَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَلَوْ بَعْدَ رَفْعِهِ لِلْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ الْإِصْرَارُ عَلَى التَّرْكِ وَبِالتَّوْبَةِ تَزُولُ.
اهـ. ح ل وَعِبَارَةُ ق ل نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ قَتْلُ الْمُرْتَدِّ بِإِسْلَامِهِ وَقَتْلُ تَارِكِ الصَّلَاةِ بِفِعْلِهَا وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ حُدُودٌ ثَلَاثَةٌ اهـ، وَأَتَى الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَلَا بَاقِي الْحُدُودِ لِإِدْخَالِ قَوْلِهِ: وَلَا عَنْ غَيْرِهِ فِي الْعِبَارَةِ الْمَذْكُورَةِ فَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: قَبْلَهُ قَوَدٌ وَلَا مَالٌ.
قَوْلُهُ: (مِنْ حَدِّ زِنًا) أَيْ قَبْلَ الْحِرَابَةِ أَوْ فِيهَا، وَقَوْلُهُ وَسَرِقَةٍ أَيْ قَبْلَ الْحِرَابَةِ أَمَّا السَّرِقَةُ فِي الْحِرَابَةِ فَيَسْقُطُ حُكْمُهَا بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ قَوْلُهُ: (وَشُرْبِ الْخَمْرِ) أَيْ فِي الْحِرَابَةِ أَوْ قَبْلَهَا وَكَذَا مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْعُمُومَاتِ) كَآيَةِ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: 2] وَالْآيَةِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: 38] وَقَوْلُهُ: الْوَارِدَةُ فِيهَا أَيْ فِي بَاقِي الْحُدُودِ وَقَوْلُهُ: لَمْ تَفْصِلْ بِكَسْرِ الصَّادِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] وَلَمْ يَقُلْ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4] وَلَمْ يَقُلْ: إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَهَكَذَا.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ.
. . إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَلَا عَنْ غَيْرِهِ إلَى قَوْلِهِ: وَلَا بَاقِي الْحُدُودِ اهـ.
قَوْلُهُ: (يُقْتَلُ حَدًّا) أَيْ فَيَكُونُ حَدُّهُ قَتْلَهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُحَدُّ بِالْجَلْدِ إلَى أَنْ يَمُوتَ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ.
قَوْلُهُ: (وَالْكَافِرُ إذَا زَنَى) وَمَحِلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُلْتَزِمِ لِلْأَحْكَامِ كَالْحَرْبِيِّ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ فَعُمُومُ الشَّارِحِ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ) أَيْ لِعُمُومِ ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] وَهَذَا رَأْيٌ مَرْجُوحٌ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ سُقُوطِهِ جَلْدًا أَوْ رَجْمًا حَيْثُ كَانَ مُلْتَزِمًا لِلْأَحْكَامِ كَمَا أَفَادَهُ م ر.
قَوْلُهُ: (عَنْ النَّصِّ) هُوَ قَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] قَوْلُهُ: (وَلَا يَرِدُ الْمُرْتَدُّ.
. . إلَخْ) جَوَابٌ، عَمَّا يُقَالُ: هَلَّا اسْتَثْنَيْت أَيْضًا الْمُرْتَدَّ مِمَّا مَرَّ أَنَّهُ لَا
عَدَمِ سُقُوطِ بَاقِي الْحُدُودِ بِالتَّوْبَةِ فِي الظَّاهِرِ أَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى: فَيَسْقُطُ قَطْعًا لِأَنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ أَثَرَ الْمَعْصِيَةِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ فِي بَابِ السَّرِقَةِ.
وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا» وَوَرَدَ «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» .
تَتِمَّةٌ: التَّوْبَةُ لُغَةً الرُّجُوعُ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ عَنْ ذَنْبٍ وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنِّي لَأَتُوبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» فَإِنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَعَ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِمَصَالِحِ الْخَلْقِ إلَى الْحَقِّ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح: 7] وَإِنَّمَا فَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ تَشْرِيعًا وَلِيَفْتَحَ بَابَ التَّوْبَةِ لِلْأُمَّةِ لِيُعَلِّمَهُمْ كَيْفَ الطَّرِيقُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ أَكَابِرِ الْقَوْمِ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [التوبة: 117] مِنْ أَيِّ شَيْءٍ فَقَالَ: نَبَّهَ بِتَوْبَةِ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ عَلَى تَوْبَةِ مَنْ أَذْنَبَ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَقَامًا مِنْ الْمَقَامَاتِ الصَّالِحَةِ إلَّا تَابِعًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَوْلَا تَوْبَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا حَصَلَ لِأَحَدٍ تَوْبَةٌ، وَأَصْلُ هَذِهِ التَّوْبَةِ أَخْذُ الْعَلَقَةِ مِنْ صَدْرِهِ الْكَرِيمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ: هَذِهِ حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْك، وَشَرْعًا الرُّجُوعُ عَنْ التَّعْوِيجِ إلَى سُنَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ.
وَشُرُوطُهَا: إنْ كَانَتْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى النَّدَمُ وَالْإِقْلَاعُ وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ.
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَقِّ الْآدَمِيِّينَ زِيدَ عَلَى ذَلِكَ رَابِعٌ وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَظَالِمِ، وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَى التَّوْبَةِ مَعَ ذِكْرِ جُمَلٍ مِنْ النَّفَائِسِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ.
[حاشية البجيرمي]
يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالتَّوْبَةِ فَإِنَّهُ إذَا تَابَ بِالْإِسْلَامِ سَقَطَ قَتْلُهُ فَأَجَابَ: بِأَنَّ قَتْلَهُ يَكُونُ كُفْرًا لَا حَدًّا، وَالْكَلَامُ فِي الْقَتْلِ حَدًّا.
قَوْلُهُ: (فِي الظَّاهِرِ) أَيْ فِيمَا إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ حَاكِمٍ.
قَوْلُهُ: (فَيَسْقُطُ قَطْعًا) وَمِنْ حُدَّ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُعَاقَبْ عَلَى ذَلِكَ الذَّنْبِ فِي الْآخِرَةِ بَلْ عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَيْهِ أَوْ الْإِقْدَامِ عَلَى مُوجِبِهِ إنْ لَمْ يَتُبْ اهـ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (أَثَرَ الْمَعْصِيَةِ) وَهُوَ الْمُؤَاخَذَةُ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (تَجُبُّ) أَيْ تَقْطَعُ مَا قَبْلَهَا
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ) أَيْ لُغَةً.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (إلَى الْحَقِّ) أَيْ شُهُودُهُ وَمُرَاقَبَتُهُ فَإِذَا تَلَبَّسَ بِذَلِكَ الْمَقَامِ الْعَالِي رَأَى الْأَوَّلَ أَنْقَصَ مِنْ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ كَمَالًا فِي نَفْسِهِ فَاسْتَغْفَرَ مِنْ الْأَوَّلِ وَتَابَ مِنْهُ، أَيْ رَجَعَ إلَى الْعَالِي.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا فَرَغْت) أَيْ مِنْ التَّبْلِيغِ (فَانْصَبْ) : أَيْ فَاتْعَبْ فِي الْعِبَادَةِ بَيْضَاوِيٌّ وَعِبَارَةُ الْبَغَوِيِّ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: فَإِذَا فَرَغْت مِنْ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَانْصَبْ إلَى رَبِّك فِي الدُّعَاءِ وَارْغَبْ إلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ يُعْطِك، أَوْ إذَا فَرَغْت مِنْ الْفَرَائِضِ فَانْصَبْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ.
قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: إذَا فَرَغْت مِنْ التَّشَهُّدِ فَادْعُ لِدُنْيَاك وَآخِرَتِك.
وَقَالَ مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ: إذَا فَرَغْت مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَانْصَبْ فِي عِبَادَةِ رَبِّك وَصَلِّ اهـ.
قَوْلُهُ: (ذَلِكَ) أَيْ التَّوْبَةُ تَشْرِيعًا.
. . إلَخْ.
قَوْلُهُ: (هَذِهِ التَّوْبَةُ) أَيْ الَّتِي مِنْ غَيْرِ ذَنْبٍ وَهِيَ الرُّجُوعُ مِنْ مَصَالِحِ الْخَلْقِ، لِلْحَقِّ.
وَقَوْلُهُ: أَخْذُ الْعَلَقَةِ أَيْ السَّبَبُ فِي حَمْلِ تَوْبَتِهِ عَلَى اللُّغَوِيَّةِ أَخْذُ الْعَلَقَةِ حَيْثُ أُخِذَ مِنْهُ حَظُّ الشَّيْطَانِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ الْأَخْذُ عَدَمَ وُقُوعِ الذَّنْبِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ سَبَبُهُ الْعَلَقَةُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْك) أَيْ مِنْ نَوْعِك وَجِنْسِك وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ وَلَوْ بَقِيَتْ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ.
قَوْلُهُ: (النَّدَمُ) ذِكْرُهُ يُغْنِي عَنْ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ أَجْزَاءَ الْحَقِيقَةِ لَا يُنْظَرُ فِيهَا لِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ بَلْ يَجِبُ ذِكْرُ الْأَجْزَاءِ كُلِّهَا وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا يَسْتَلْزِمُ بَعْضًا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْخُرُوجُ.
. . إلَخْ) هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ هَذَا الشَّرْطُ فِي التَّوْبَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِيهِ نَظَرٌ يُعْلَمُ مِنْ مَحَلِّهِ.
اهـ. ق ل.
(فَائِدَتَانِ: الْأُولَى) : مَنْ تَابَ مِنْ مَعْصِيَةٍ ثُمَّ ذَكَرَهَا.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ: يَجِبُ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ التَّوْبَةِ مِنْهَا كُلَّمَا ذَكَرَهَا.
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا يَجِبُ بَلْ يُسْتَحَبُّ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ لَمْ يُجَدِّدْهَا كَانَ ذَلِكَ مَعْصِيَةً جَدِيدَةً، تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْهَا وَالتَّوْبَةُ الْأُولَى صَحِيحَةٌ.
الثَّانِيَةُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إذَا مَاتَ شَخْصٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ تَعَدَّى بِسَبَبِهِ أَوْ بِمَطْلِهِ أُخِذَ مِنْ
فَصْلٌ: فِي حُكْمِ الصِّيَالِ وَمَا تُتْلِفُهُ الْبَهَائِمُ وَالصِّيَالُ هُوَ الِاسْتِطَالَةُ وَالْوُثُوبُ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] وَخَبَرُ الْبُخَارِيِّ «اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» وَالصَّائِلُ ظَالِمٌ فَيُمْنَعُ مِنْ ظُلْمِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ حُكْمُ الصَّائِلِ فَقَالَ: (وَمَنْ قُصِدَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ.
بِمَعْنَى قَصَدَهُ صَائِلٌ مِنْ آدَمِيٍّ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا عَاقِلًا أَوْ مَجْنُونًا بَالِغًا أَوْ صَغِيرًا
[حاشية البجيرمي]
حَسَنَاتِهِ بِقَدْرِ مَا ظَلَمَ بِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ طُرِحَ عَلَيْهِ مِنْ عِقَابِ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِينَ.
ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ بِسَبَبِهِ وَلَا بِمَطْلِهِ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ فِي الْآخِرَةِ كَمَا تُؤْخَذُ أَمْوَالُهُ فِي الدُّنْيَا حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ شَيْءٌ وَلَا يُؤْخَذُ ثَوَابُ إيمَانِهِ كَمَا لَا تُؤْخَذُ فِي الدُّنْيَا ثِيَابُ بَدَنِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ لَمْ يُطْرَحْ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ خَصْمِهِ شَيْءٌ.
اهـ. دَمِيرِيٌّ.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الصِّيَالِ وَمَا تُتْلِفُهُ الْبَهَائِمُ]
ُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ الْأَبْوَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَلَى النَّفْسِ وَعَلَى الْأَمْوَالِ وَالْعُقُولِ مَثَلًا، وَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ الرِّدَّةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَلَى الدِّينِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (هُوَ الِاسْتِطَالَةُ) أَيْ الْعُلُوُّ وَالْقَهْرُ.
قَوْلُهُ: (وَالْوُثُوبُ) أَيْ الْهُجُومُ وَهُوَ عَطْفُ مُرَادِفٍ وَقِيلَ: الْوُثُوبُ الْعَدْوُ بِسُرْعَةٍ فَيَكُونُ عَطْفَ مُغَايِرٍ وَذَكَرَ فِي الْمِصْبَاحِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْوُثُوبِ بِمَعْنَى الْمُبَادَرَةِ وَالْمُسَارَعَةِ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْعَامَّةِ ثُمَّ إنَّ هَذَا الْمَعْنَى قِيلَ: لُغَوِيٌّ وَشَرْعِيٌّ عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ مِنْ تَغَايُرِهِمَا وَقِيلَ: إنَّهُ لُغَوِيٌّ فَقَطْ وَالشَّرْعِيُّ يُزَادُ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَعَدِّيًا ظُلْمًا بِخِلَافِ اللُّغَوِيِّ فَإِنَّهُ أَعَمُّ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] فِيهِ أَنَّ الْآيَةَ فِي الْمُعْتَدِي بِالْفِعْلِ، وَالصَّائِلُ لَمْ يَعْتَدِ بِالْفِعْلِ بَلْ مَرِيدٌ الِاعْتِدَاءَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا شَامِلَةٌ لِلْمُعْتَدِي حُكْمًا وَهُوَ مَرِيدٌ الِاعْتِدَاءَ لَكِنْ رُبَّمَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] وَالِاعْتِدَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 194] لِلْمُشَاكَلَةِ وَإِلَّا فَلَا يُقَالُ لَهُ اعْتِدَاءٌ وَالْمِثْلِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] مِنْ حَيْثُ الْجِنْسُ لَا الْأَفْرَادُ لِمَا يَأْتِي أَنَّهُ أَيْ الصَّائِلُ يُدْفَعُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ أَيْ وَلَوْ كَانَ صَائِلًا بِالْقَتْلِ وَأَيْضًا إذَا اعْتَدَى عَلَيْك بِوَطْءِ زَوْجَتِك فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِدَاءُ عَلَيْهِ بِوَطْءِ زَوْجَتِهِ فَيَكُونُ عَامًّا مَخْصُوصًا بِغَيْرِ الْفَاحِشَةِ وَفِي هَذَا الدَّلِيلِ إشَارَةٌ إلَى أَفْضَلِيَّةِ الِاسْتِسْلَامِ فَإِنَّ فِي تَسْمِيَتِهِ اعْتِدَاءً إشَارَةٌ إلَى تَرْكِهِ وَتَرْكُهُ اسْتِسْلَامٌ.
قَوْلُهُ: (اُنْصُرْ أَخَاك) أَمْرٌ بِالنَّصْرِ وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَيَكُونُ النَّصْرُ وَاجِبًا وَعَدَمُ النَّصْرِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ لَا يَجِبُ النَّصْرُ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةٍ يَجِبُ فِيهَا الدَّفْعُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي أَوْ أَنَّ الْأَمْرَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ مَنَعَهُ مِنْ ظُلْمِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَصَدَ.
. . إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا: لَا يَخْفَى مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْقُصُورِ وَالْخَفَاءِ، وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إذَا صَالَ شَخْصٌ وَلَوْ غَيْرَ عَاقِلٍ كَمَجْنُونٍ وَبَهِيمَةٍ أَوْ غَيْرَ مُسْلِمٍ أَوْ غَيْرَ مَعْصُومٍ، وَلَا آدَمِيَّةَ حَامِلًا عَلَى شَيْءٍ مَعْصُومٍ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ نَفْسًا وَعُضْوًا أَوْ مَنْفَعَةً أَوْ بُضْعًا أَوْ مَالًا وَإِنْ قَلَّ أَوْ اخْتِصَاصًا كَذَلِكَ فَلَهُ دَفْعُهُ وُجُوبًا فِي غَيْرِ الْمَالِ وَالِاخْتِصَاصِ وَجَوَازًا فِيهِمَا، وَيَجِبُ الدَّفْعُ أَيْضًا عَنْ بُضْعِ حَرْبِيَّةٍ أَوْ حَرْبِيٍّ وَإِنْ قَصَدَهُ مُسْلِمٌ مَعْصُومٌ فَلَوْ تَعَارَضَ عَلَيْهِ صَائِلٌ عَلَى امْرَأَةٍ لِلزِّنَا وَصَائِلٌ ذَكَرٌ لِلِّوَاطِ وَلَا يَسْتَطِيعُ إلَّا دَفْعَ أَحَدِهِمَا قَالَ الْعَلَّامَةُ م ر: يَدْفَعُ عَنْ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَحِلُّ بِوَجْهٍ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ حَجّ: يَدْفَعُ عَنْ الذَّكَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى حِلِّهِ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْخَطِيبُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا لِتَعَارُضِ الْمَعْنَيَيْنِ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ وَعِبَارَةُ سم لَوْ فُرِضَ صِيَالٌ عَلَى مَالٍ وَبُضْعٍ وَنَفْسٍ.
قُدِّمَ الدَّفْعُ عَنْ النَّفْسِ ثُمَّ الْبُضْعِ ثُمَّ الْمَالِ الْأَخْطَرِ فَالْأَخْطَرِ اهـ وَنُقِلَ عَنْ ز ي مَا نَصُّهُ وَلَا فَرْقَ فِي الصَّائِلِ بَيْنَ الْحَامِلِ وَغَيْرِهَا حَتَّى لَوْ صَالَتْ حَامِلٌ
قَرِيبًا أَوْ أَجْنَبِيًّا أَوْ بَهِيمَةً.
(بِأَذًى) بِتَنْوِينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ بِمَا يُؤْذِيهِ (فِي نَفْسِهِ) كَقَتْلٍ وَقَطْعِ طَرَفٍ وَإِبْطَالِ مَنْفَعَةِ عُضْوٍ (أَوْ) فِي (مَالِهِ) وَلَوْ قَلِيلًا كَدِرْهَمٍ (أَوْ) فِي (حَرِيمِهِ فَقَاتَلَ عَنْ ذَلِكَ) لِيَنْدَفِعَ عَنْهُ فَقَتَلَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ الصَّائِلَ.
(فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) مِنْ قِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ وَلَا كَفَّارَةٍ وَلَا قِيمَةِ بَهِيمَةٍ وَغَيْرِهَا لِخَبَرِ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ
[حاشية البجيرمي]
مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ هِرَّةٍ تُدْفَعُ وَلَوْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى الْقَتْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: إذَا جُنَّتْ الْحَامِلُ يُؤَخَّرُ قَتْلُهَا إلَى أَنْ تَضَعَ فَهَلَّا كَانَ هُنَا يَمْتَنِعُ دَفْعُهَا الْمُؤَدِّي إلَى قَتْلِهَا.
أُجِيبَ: بِأَنَّ الْجِنَايَةَ فِي الْحَامِلِ قَدْ انْقَطَعَتْ وَهُنَا صِيَالُهَا مَوْجُودٌ مُشَاهَدٌ حَالَ دَفْعِهَا اهـ قَوْلُهُ: (مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ) بَيَانٌ لِلصَّائِلِ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ لَا لِلْمَصُولِ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي: أَوْ فِي مَالِهِ فَإِنَّ الْبَهِيمَةَ مَالٌ فَمِنْ لِلْبَيَانِ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَهِيمَةٍ) : بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى آدَمِيٍّ وَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ سَقَطَتْ جَرَّةٌ مِنْ عُلُوٍّ عَلَى إنْسَانٍ وَلَمْ تَنْدَفِعْ عَنْهُ إلَّا بِكَسْرِهَا فَكَسَرَهَا ضَمِنَهَا حَيْثُ كَانَتْ مَوْضُوعَةً بِحَقٍّ عَلَى هَيْئَةٍ لَا يُخْشَى سُقُوطُهَا وَالْفَرْقُ أَنَّ الْبَهِيمَةَ لَهَا اخْتِيَارٌ بِخِلَافِ الْجَرَّةِ قَالَ فِي الْعُبَابِ: وَيُهْدَرُ أَيْ الصَّائِلُ فَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً حَامِلًا فَمَاتَ حَمْلُهَا بِالدَّفْعِ فَكَمَا لَوْ تَتَرَّسَ كَافِرٌ بِمُسْلِمٍ فِي الْحَرْبِ أَوْ بَهِيمَةً مَأْكُولَةً، وَأَصَابَ مَذْبَحَهَا حَلَّتْ م د. وَعِبَارَتُهُ عَلَى التَّحْرِيرِ مَا نَصُّهُ: أَيْ يَجُوزُ لَهُ الصَّادِقُ بِالْوُجُوبِ دَفْعُ كُلِّ صَائِلٍ أَيْ حَتَّى لَوْ صَالَتْ حَامِلٌ عَلَى إنْسَانٍ وَلَمْ تُدْفَعْ إلَّا بِقَتْلِهَا مَعَ حَمْلِهَا جَازَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَا ضَمَانَ.
وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ دَفْعَ الْحَامِلِ كَدَفْعِ غَيْرِهَا.
وَيُشْبِهُ أَنْ يُخَرَّجَ عَلَى تَتَرُّسِ الْمُشْرِكِينَ بِالصِّبْيَانِ وَيَأْتِي هَذَا أَيْضًا فِي دَفْعِ الْهِرَّةِ الْحَامِلِ إذَا صَالَتْ عَلَى طَعَامٍ أَوْ نَحْوِهِ وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا ز ي وَلَوْ صَارَتْ الْهِرَّةُ صَائِلَةً مُفْسِدَةً فَهَلْ يَجُوزُ قَتْلُهَا فِي حَالِ سُكُونِهَا؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ الْقَفَّالُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ ضَرُورَتَهَا عَارِضَةٌ وَالتَّحَرُّزَ عَنْهَا سَهْلٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: تُلْتَحَقُ بِالْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ.
فَيَجُوزُ قَتْلُهَا وَلَا تَخْتَصُّ بِحَالِ ظُهُورِ الشَّرِّ وَإِذَا أَخَذَتْ الْهِرَّةُ حَمَامَةً وَهِيَ حَيَّةٌ جَازَ فَتْلُ أُذُنَيْهَا، أَيْ مَرْتُهُمَا وَضَرْبُ فَمِهَا لِتُرْسِلَهَا.
قَالَ الْإِمَامُ: وَقَدْ انْتَظَمَ لِي مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْفَوَاسِقَ مَقْتُولَاتٌ لَا يَعْصِمُهَا الِاقْتِنَاءُ وَلَا يَجْرِي الْمِلْكُ عَلَيْهَا وَلَا أَثَرَ لِلْيَدِ لِلِاخْتِصَاصِ فِيهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (بِأَذًى) مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْفِعْلِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: كَقَتْلٍ فَمَا فِي قَوْلِهِ: بِمَا يُؤْذِيهِ وَاقِعَةٌ عَلَى فِعْلٍ فَلَيْسَ مُرَادُهُ بِالْأَذَى الْآلَةَ كَمَا تَوَهَّمَهُ ق ل؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إطْلَاقُ الْمَصْدَرِ عَلَى الْآلَةِ وَقَالَ م د قَوْلُهُ: بِمَا يُؤْذِيهِ فَالْمَصْدَرُ بِمَعْنَى الْآلَةِ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِهَا الصَّائِلُ إلَى فِعْلِهِ كَالسَّيْفِ وَالسَّهْمِ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ لِقَوْلِ الشَّارِحِ: كَقَتْلٍ وَقَطْعِ طَرَفٍ فَإِنَّهُ بَيَّنَ مَا يُؤْذِي بِهَذِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ اسْمَ آلَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ نَفْسِهِ مِنْ قَتْلٍ وَقَطْعٍ وَغَيْرِهِمَا.
قَوْلُهُ: (فِي نَفْسِهِ) لَوْ حَذَفَ الضَّمِيرَ مِنْهُ وَمِمَّا بَعْدَهُ لَكَانَ أَعَمَّ.
قَوْلُهُ: (وَقَطْعِ طَرَفٍ) أَيْ أَوْ جُرْحٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِبْطَالِ مَنْفَعَةِ عُضْوٍ) لَوْ سَكَتَ عَنْ عُضْوٍ لَكَانَ أَعَمَّ وَمِنْهُ تَقْبِيلُ أُنْثَى وَأَمْرَدَ وَإِرَادَةُ فَاحِشَةٍ ق ل.
قَوْلُهُ: (أَوْ فِي مَالِهِ) أَوْ اخْتِصَاصِهِ كَجِلْدِ مَيْتَةٍ وَوَظِيفَةٍ بِيَدِهِ بِوَجْهٍ بِأَنْ كَانَ أَهْلًا لَهَا فَلَهُ دَفْعُ مَنْ يَسْعَى عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ بِغَيْرِ وَجْهٍ صَحِيحٍ.
وَإِنْ أَدَّى إلَى قَتْلِهِ كَمَا هُوَ قِيَاسُ الْبَابِ ثُمَّ بَلَغَنِي أَنَّ الشِّهَابَ حَجّ أَفْتَى بِذَلِكَ فَلْيُرَاجَعْ سم عَلَى الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَلِيلًا) اُسْتُشْكِلَ بِاعْتِبَارِهِمْ فِي الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ النِّصَابُ مَعَ خِفَّةِ الْقَطْعِ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَتْلِ وَفُرِّقَ بِأَنَّهُ هُنَا مُصِرٌّ عَلَى ظُلْمِهِ حَيْثُ لَمْ يَتْرُكْ الْأَخْذَ مَعَ اطِّلَاعِ الْمَالِكِ وَدَفْعِهِ.
قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ: وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ السَّرِقَةَ لَمَّا قُدِّرَ حَدُّهَا قُدِّرَ مُقَابِلُهُ وَهُنَا لَمْ يُقَدَّرْ حَدُّهُ فَلَمْ يُقَدَّرْ مُقَابِلُهُ وَكَأَنَّ حِكْمَةَ عَدَمِ التَّقْدِيرِ هُنَا.
أَنَّهُ لَا ضَابِطَ لِلصِّيَالِ اهـ. س ل وَأَجَابَ م د عَلَى التَّحْرِيرِ بِأَنَّ قَطْعَ الْيَدِ مُحَقَّقٌ فَاشْتُرِطَ لَهُ أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ رُبُعَ دِينَارٍ.
وَهُنَا الْقَتْلُ غَيْرُ مُحَقَّقٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَوْ فِي حَرِيمِهِ) شَامِلٌ لِلزَّوْجَةِ وَالْأَمَةِ وَالْوَلَدِ اهـ.
قَوْلُهُ: (عَنْ ذَلِكَ) ضَمَّنَ قَاتَلَ مَعْنَى دَافَعَ فَعَدَّاهُ بِعَنْ وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَتَكُونُ عَلَى تَعْلِيلِيَّةً عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185] .
قَوْلُهُ: (فَقَتَلَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ) أَوْ قَطَعَ أَوْ جَرَحَ بِالْأَوْلَى وَأَشَارَ
وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ لَمَّا جَعَلَهُ شَهِيدًا دَلَّ عَلَى أَنَّ لَهُ الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ كَمَا أَنَّ مَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ لَمَّا كَانَ شَهِيدًا كَانَ لَهُ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِدَفْعِهِ وَفِي الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ وَالضَّمَانِ مُنَافَاةٌ حَتَّى لَوْ صَالَ الْعَبْدُ الْمَغْصُوبُ أَوْ الْمُسْتَعَارُ عَلَى مَالِكِهِ فَقَتَلَهُ دَفْعًا لَمْ يَبْرَأْ الْغَاصِبُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَيُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ الضَّمَانِ، الْمُضْطَرُّ إذَا قَتَلَهُ صَاحِبُ الطَّعَامِ دَفْعًا فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ كَمَا قَالَهُ الزَّبِيلِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ وَلَوْ صَالَ مُكْرَهًا عَلَى إتْلَافِ مَالِ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ دَفْعُهُ بَلْ يَلْزَمُ الْمَالِكَ إنْ بَقِيَ رُوحُهُ بِمَالِهِ.
كَمَا يَتَنَاوَلُ الْمُضْطَرُّ طَعَامَهُ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا دَفْعُ الْمُكْرَهِ.
[حاشية البجيرمي]
بِذَلِكَ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مُفَرَّعٌ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَقَتَلَ وَالْقَتْلُ لَيْسَ قَيْدًا كَمَا عَلِمْت فَلَوْ زَادَ الْقَطْعَ وَالْجُرْحَ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرِهَا) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: مِنْ قِصَاصٍ.
. . إلَخْ وَالْمُرَادُ بِالْغَيْرِ الْغُرَّةُ فِي الْجَنِين مَثَلًا وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: بَهِيمَةٍ وَالْمُرَادُ بِالْغَيْرِ الْعَبْدُ.
قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ مَنْ قُتِلَ.
. . إلَخْ) أَوَّلُ الْخَبَرِ.
«مَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ» . . . إلَخْ.
فَحَذَفَ الشَّارِحُ أَوَّلَهُ فَفِيهِ أَرْبَعَةٌ.
وَقَوْلُهُ مَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ أَيْ إذَا حَمَلَ أَيْ الصَّائِلُ عَنْ الرِّدَّةِ أَوْ الزِّنَا وَفِيهِ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ، عَلَى الدَّفْعِ عَنْ حَقِّ الْغَيْرِ.
كَمَا قَالَهُ ح ل وَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ عَقِبَ الْحَدِيثِ مَا نَصُّهُ وَيُقَاسُ بِمَا فِيهِ غَيْرُهُ لَوَفَّى بِالْمُرَادِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى دَفْعِ الصَّائِلِ عَلَى غَيْرِهِ عَنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ.
فَهُوَ دَلِيلٌ لِبَعْضِ الْمُدَّعِي كَمَا قَالَهُ ق ل فَتَأَمَّلْ.
اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (دُونَ دَمِهِ) أَيْ لِأَجْلِ الدَّفْعِ عَنْ دَمِهِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: دُونَ فِي أَصْلِهَا ظَرْفُ مَكَان بِمَعْنَى أَسْفَلَ وَتَحْتَ وَهُوَ نَقِيضُ فَوْقَ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَى لِأَجْلِ.
قَوْلِهِ: (وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ.
. . إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِ الْمَتْنِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَلِأَنَّهُ بِالْوَاوِ وَلَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ عِلَّةً لِقَوْلِهِ: وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَاسِبُهُ قَوْلُهُ: وَالضَّمَانُ وَلَمْ يَقُلْ بَدَلَهُ وَالْإِثْمُ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَقَتَلَهُ) أَيْ الْمَالِكُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَبْرَأْ الْغَاصِبُ وَالْمُسْتَعِيرُ) فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ بِصِيَالِهِ عَلَى سَيِّدِهِ لَمْ يَنْتَقِلْ الضَّمَانُ فِيهِ مِنْ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِلسَّيِّدِ إذْ لَوْ انْتَقَلَ إلَيْهِ لَمْ يَضْمَنَاهُ مَعَ أَنَّهُمَا ضَامِنَانِ فَعَدَمُ انْتِقَالِ الضَّمَانِ عَنْهُمَا وَعَدَمُ ضَيَاعِهِمَا عَلَى الْمَالِكِ مَعَ أَنَّهُمَا صَالَا عَلَيْهِ وَقَدْ قَتَلَهُمَا وَلَمْ يَضْمَنْهُمَا دَلِيلٌ عَلَى هَدَرِهِمَا فِي حَقِّهِ لِصِيَالِهِمَا عَلَيْهِ وَإِلَّا لَسَقَطَ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَعِيرِ، لِمُبَاشَرَةِ الْمَالِكِ لِقَتْلِهِمَا اهـ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَثْنَى مِنْ عَدَمِ الضَّمَانِ) حَاصِلُهُ: أَنَّهُ يُسْتَثْنَى ثَلَاثُ مَسَائِلَ: مَسْأَلَةُ الْمُضْطَرِّ، وَمَسْأَلَةُ الْمُكْرَهِ عَلَى إتْلَافِ الْمَالِ، وَمَا إذَا لَمْ يُرَتِّبْ مَعَ الْإِمْكَانِ، وَعِصْمَةُ الصَّائِلِ.
قَوْلُهُ: (الْمُضْطَرُّ) أَيْ الصَّائِلُ الْمُضْطَرُّ إذَا قَتَلَهُ صَاحِبُ الطَّعَامِ وَهُوَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَوَدَ) أَيْ وَإِنْ رَتَّبَ؛ لِأَنَّ الصَّائِلَ مَعْذُورٌ.
وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الطَّعَامِ مُضْطَرًّا وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الطَّعَامِ حَيْثُ رُتِّبَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ صَالَ مُكْرَهًا) أَيْ صَالَ صُورَةً فَإِنَّهُ لَيْسَ حَقِيقَةً صِيَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُتَعَدِّيًا وَلَا آثِمًا بَلْ صُورَةً وَلَوْ قَالَ: وَلَوْ أُكْرِهَ.
. . إلَخْ لَكَانَ أَوْلَى وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ نَعَمْ لَوْ صَالَ مُكْرَهًا عَلَى إتْلَافِ مَالِ غَيْرِهِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ فَهُوَ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَهُ دَفْعُ صَائِلٍ وَهُوَ هُنَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ: فَقَاتَلَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى فَلَهُ قِتَالُهُ وَقَوْلُهُ: مُكْرَهًا أَيْ إذَا كَانَ الْإِكْرَاهُ بِفَاحِشَةٍ أَوْ قَتْلٍ كَأَنْ قَالَ لَهُ: إنْ لَمْ تُتْلِفْ مَالَ هَذَا وَإِلَّا قَتَلْتُك كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: إنْ بَقِيَ رُوحُهُ.
. . إلَخْ لَا بِإِتْلَافِ مَالٍ كَأَتْلِفْ مَالَ هَذَا وَإِلَّا أَتْلَفْت مَالَك فَلَا يَلْزَمُ الْمَالِكَ تَمْكِينُ الْمُكْرَهِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجُزْ دَفْعُهُ) أَيْ لِعُذْرِهِ بِالْإِكْرَاهِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يَلْزَمُ الْمَالِكَ) وَهُوَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ أَنْ يَقِيَ رُوحَهُ وَمَحِلُّ ذَلِكَ إذَا قَالَ الْمُكْرِهُ لِلْمُكْرَهِ: إنْ لَمْ تُتْلِفْ مَالَ فُلَانٍ وَإِلَّا قَتَلْتُك.
أَوْ قَطَعْت يَدَك أَوْ جَرَحْتُك جُرْحًا شَدِيدًا، وَأَمَّا إذَا قَالَ: إذَا لَمْ تُتْلِفْ مَالَ فُلَانٍ أَتْلَفْت مَالَك أَوْ ضَرَبْتُك ضَرْبًا شَدِيدًا فَلَا يَلْزَمُ الْمَالِكَ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ خُصُوصًا إذَا كَانَ الْمَالُ الَّذِي يُرَادُ إتْلَافُهُ عَظِيمًا.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَقِيَ رُوحَهُ بِمَالِهِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ ذَا رُوحٍ غَيْرَ آدَمِيٍّ؛ لِأَنَّهُ دُونَ الْآدَمِيِّ وَكُلٌّ مِنْ الْمُكْرِهِ وَالْمُكْرَهِ طَرِيقٌ فِي الضَّمَانِ وَقَرَارُهُ عَلَى الْمُكْرِهِ بِالْكَسْرِ وَفِي النَّفْسِ عَلَيْهِمَا وَلَوْ مَالًا كَرَقِيقٍ؛ لِأَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ لَا يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ بِخِلَافِ إتْلَافِ الْمَالِ غَيْرِ ذِي الرُّوحِ.
اهـ. ح ل وم ر.
قَوْلُهُ: (كَمَا يُنَاوِلُ الْمُضْطَرَّ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ أَوَّلٌ وَ " طَعَامَهُ " مَفْعُولٌ ثَانٍ وَيُسْتَفَادُ
تَنْبِيهٌ: تَعْبِيرُ الْمُصَنِّفِ بِالْمَالِ قَدْ يُخْرِجُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ، كَالْكَلْبِ الْمُقْتَنَى وَالسَّرْجَيْنِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرِهِ إلْحَاقُهُ بِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَلَهُ دَفْعُ مُسْلِمٍ عَنْ ذِمِّيٍّ وَوَالِدٍ عَنْ وَلَدِهِ وَسَيِّدٍ عَنْ عَبْدِهِ؛ لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ وَلَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ مَالٍ لَا رُوحَ فِيهِ لِأَنَّهُ تَجُوزُ إبَاحَتُهُ لِلْغَيْرِ أَمَّا مَا فِيهِ رُوحٌ فَيَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ إذَا قَصَدَ إتْلَافَهُ مَا لَمْ يَخْشَ عَلَى نَفْسِهِ لِحُرْمَةِ الرُّوحِ.
وَيَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ بُضْعٍ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إبَاحَتِهِ وَسَوَاءٌ بُضْعُ أَهْلِهِ وَغَيْرِهِمْ وَمِثْلُ الْبُضْعِ مُقَدِّمَاتُهُ وَعَنْ نَفْسِهِ إذَا قَصَدَهَا كَافِرٌ وَلَوْ مَعْصُومًا إذْ غَيْرُ الْمَعْصُومِ لَا حُرْمَةَ لَهُ وَالْمَعْصُومُ بَطَلَتْ حُرْمَتُهُ بِصِيَالِهِ وَلِأَنَّ الِاسْتِسْلَامَ لِلْكَافِرِ ذُلٌّ فِي الدِّينِ أَوْ قَصَدَهَا بَهِيمَةٌ لِأَنَّهَا تُذْبَحُ لِاسْتِبْقَاءِ الْآدَمِيِّ فَلَا وَجْهَ لِلِاسْتِسْلَامِ لَهَا وَظَاهِرٌ أَنَّ عُضْوَهُ وَمَنْفَعَتَهُ كَنَفْسِهِ وَلَا يَجِبُ الدَّفْعُ إذَا قَصَدَهَا مُسْلِمٌ وَلَوْ مَجْنُونًا بَلْ يَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ لَهُ بَلْ يُسَنُّ كَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد: «كُنْ خَيْرَ ابْنَيْ آدَمَ» يَعْنِي قَابِيلَ وَهَابِيلَ.
وَالدَّفْعُ عَنْ نَفْسِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ آدَمِيًّا مُحْتَرَمًا كَالدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ فَيَجِبُ حَيْثُ يَجِبُ وَيَنْتَفِي حَيْثُ يَنْتَفِي وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: «مَنْ أُذِلَّ عِنْدَهُ مُسْلِمٌ فَلَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ قَادِرٌ أَنْ يَنْصُرَهُ أَذَلَّهُ اللَّهُ عَلَى رُءُوسِ
[حاشية البجيرمي]
مِنْهُ وُجُوبُ الْبَدَلِ عَلَى الصَّائِلِ إنْ أَتْلَفَهُ اهـ. قَوْلُهُ: (وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ الْمُكْرَهِ وَصَاحِبِ الْمَالِ دَفْعُ الْمُكْرِهِ بِكَسْرِ الرَّاءِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الظَّاهِرُ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ دَفْعُ مُسْلِمٍ عَنْ ذِمِّيٍّ) ظَاهِرُهُ الْجَوَازُ مَعَ أَنَّهُ وَاجِبٌ كَمَا فِي الْأَنْوَارِ وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ بَلْ يَجِبُ أَيْ الدَّفْعُ فِي بُضْعٍ وَنَفْسٍ وَلَوْ مَمْلُوكَةً قَصَدَهَا غَيْرُ مُسْلِمٍ مَحْقُونُ الدَّمِ بِأَنْ يَكُونَ كَافِرًا وَلَوْ ذِمِّيًّا أَوْ بَهِيمَةً أَوْ مُسْلِمًا غَيْرَ مَحْقُونِ الدَّمِ كَزَانٍ مُحْصَنٍ فَإِنْ قَصَدَهَا مُسْلِمٌ مَحْقُونُ الدَّمِ فَلَا يَجِبُ دَفْعُهُ بَلْ يَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ لَهُ اهـ. وَقَوْلُهُ: غَيْرُ مُسْلِمٍ.
قَضِيَّةُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ الذِّمِّيِّ عَنْ الذِّمِّيِّ لَا الْمُسْلِمِ عَنْ الذِّمِّيِّ فَلْيُحَرَّرْ.
وَلَكِنْ وَافَقَ م ر عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ كُلٍّ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ عَنْ الذِّمِّيِّ وَيُفَارِقُ الْمُسْلِمُ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِسْلَامُ لِلْمُسْلِمِ وَلَا يَجِبُ دَفْعُ الْمُسْلِمِ عَنْهُ بِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي نَيْلِ الشَّهَادَةِ دُونَ الذِّمِّيِّ إذْ لَا تَحْصُلُ لَهُ الشَّهَادَةُ فَتَأَمَّلْ.
وَقَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ كَافِرًا لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا يَأْتِي فِي الْجِهَادِ فِيمَا إذَا دَخَلَ الْكُفَّارُ بِلَادَنَا مِنْ أَنَّ مَنْ قَصَدُوهُ إذَا جُوِّزَ الْأَسْرُ وَعَلِمَ أَنَّهُ إنْ امْتَنَعَ قُتِلَ جَازَ لَهُ الِاسْتِسْلَامُ فَانْظُرْهُ اهـ. سم وَفِي حَاشِيَةِ ز ي أَنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ الْمَالِ إذَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ كَالْمَرْهُونِ وَفِي حَاشِيَةِ ح ل. وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا، نَقْلًا عَنْ الْغَزَالِيِّ وَأَقَرَّهُ أَنَّهُ يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ مَالِ الْغَيْرِ حَيْثُ لَا مَشَقَّةَ اهـ وَيَجِبُ عَلَى الْوُلَاةِ عَنْ أَمْوَالِ النَّاسِ وَعِبَارَةُ م ر وَالْأَوْجَهُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ لُزُومُ الْإِمَامِ وَنُوَّابِهِ الدَّفْعَ عَنْ أَمْوَالِ رَعَايَاهُمْ.
اهـ. م د. قَالَ م ر: وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُسَلِّمَ لِمَنْ صَالَ عَلَيْهَا أَنْ يَزْنِيَ بِهَا مَثَلًا وَإِنْ خَافَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَلَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَمَّا لَا رُوحَ فِيهِ.
. . إلَخْ) مَا لَمْ يَكُنْ لِصَغِيرٍ أَوْ يَتِيمٍ وَإِلَّا وَجَبَ الدَّفْعُ وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا مَا فِيهِ رُوحٌ كَنَفْسٍ وَلَوْ مَمْلُوكَةً لِلصَّائِلِ فَيَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ فَمَنْ رَأَى شَخْصًا يُحْرِقُ مَالَ نَفْسِهِ جَازَ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْهُ أَوْ رَآهُ يُرِيدُ قَتْلَ مَمْلُوكِهِ أَوْ رَآهُ يَزْنِي بِمَمْلُوكِهِ وَجَبَ دَفْعُهُ كَمَا ذَكَرَهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (لِحُرْمَةِ الرُّوحِ) عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الدَّفْعِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ بُضْعٍ) وَلَوْ لِبَهِيمَةٍ وَسَوَاءٌ قَصَدَهُ مُسْلِمٌ مَحْقُونُ الدَّمِ أَمْ لَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ م ر.
قَوْلُهُ: (عَنْ نَفْسِهِ إذَا قَصَدَهَا كَافِرٌ) مِثْلُهُ الزَّانِي الْمُحْصَنُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَصَدَهَا بَهِيمَةٌ) خَرَجَ مَا لَوْ حَالَتْ بَهِيمَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ فَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا، وَيَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ بِدَفْعِهِ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يُسَنُّ) أَيْ إلَّا إذَا كَانَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ مِلْكًا تَوَحَّدَ فِي مِلْكِهِ أَوْ عَالِمًا تَوَحَّدَ فِي زَمَانِهِ وَكَانَ فِي بَقَائِهِ
مَصْلَحَةٌ
عَامَّةٌ فَيَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِسْلَامُ كَمَا فِي حَاشِيَةِ ز ي.
قَوْلُهُ: (كُنْ خَيْرَ ابْنَيْ آدَمَ) يَعْنِي هَابِيلَ الَّذِي قَتَلَهُ قَابِيلُ أَيْ وَخَيْرُهُمَا الْمَقْتُولُ لِكَوْنِهِ اسْتَسْلَمَ لِلْقَاتِلِ وَلَمْ يَدْفَعْ عَنْ نَفْسِهِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] مَفْرُوضٌ فِي غَيْرِ قَتْلٍ يُؤَدِّي إلَى شَهَادَةٍ مِنْ غَيْرِ ذُلٍّ دِينِيٍّ كَمَا هُنَا شَرْحُ م ر بِزِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَيَجِبُ حَيْثُ يَجِبُ) أَيْ يَجِبُ إذَا قَصَدَهَا غَيْرُ مُسْلِمٍ مَحْقُونُ الدَّمِ وَلَا يَجِبُ إذَا قَصَدَهَا مُسْلِمٌ مَحْقُونُ
الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وَيُدْفَعُ الصَّائِلُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ إنْ أَمْكَنَ.
فَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِكَلَامٍ أَوْ اسْتِغَاثَةٍ حَرُمَ الدَّفْعُ بِالضَّرْبِ أَوْ بِضَرْبٍ بِيَدٍ حَرُمَ بِسَوْطٍ أَوْ بِسَوْطٍ حَرُمَ بِعَصًا أَوْ بِعَصًا حَرُمَ بِقَطْعِ عُضْوٍ أَوْ بِقَطْعِ عُضْوٍ حَرُمَ قَتْلٌ لِأَنَّ ذَلِكَ جُوِّزَ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْأَثْقَلِ مَعَ إمْكَانِ تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ بِالْأَسْهَلِ، وَفَائِدَةُ هَذَا التَّرْتِيبِ أَنَّهُ مَتَى خَالَفَ وَعَدَلَ إلَى رُتْبَةٍ مَعَ إمْكَانِ الِاكْتِفَاءِ بِمَا دُونَهَا ضَمِنَ وَيُسْتَثْنَى مِنْ التَّرْتِيبِ مَا لَوْ الْتَحَمَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمَا وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَنْ الضَّبْطِ سَقَطَ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ.
وَمَا لَوْ كَانَ الصَّائِلُ يَنْدَفِعُ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْمَصُولُ عَلَيْهِ لَا يَجِدُ إلَّا السَّيْفَ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ لَهُ الضَّرْبَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الدَّفْعُ إلَّا بِهِ وَلَيْسَ بِمُقَصِّرٍ فِي تَرْكِ اسْتِصْحَابِ السَّوْطِ وَنَحْوِهِ.
وَعَلَى التَّرْتِيبِ إنْ أَمْكَنَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ هَرَبٌ أَوْ الْتِجَاءٌ لِحِصْنٍ أَوْ جَمَاعَةٍ فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُهُ وَتَحْرِيمُ قِتَالٍ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِتَخْلِيصِ نَفْسِهِ بِالْأَهْوَنِ فَالْأَهْوَنِ وَمَا ذَكَرَهُ أَسْهَلُ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَعْدِلُ إلَى الْأَشَدِّ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ مَا تُتْلِفُهُ الْبَهَائِمُ بِقَوْلِهِ: (وَعَلَى رَاكِبِ) الدَّابَّةِ وَسَائِقِهَا وَقَائِدِهَا سَوَاءٌ أَكَانَ
[حاشية البجيرمي]
الدَّمِ اهـ م د.
قَوْلُهُ: (وَيُدْفَعُ الصَّائِلُ) وَمِنْهُ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَا ظَنِّ رِضَاهُ وَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ عَدَمَ الصِّيَالِ بِيَمِينِهِ مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى صِيَالِهِ كَهُجُومٍ بِنَحْوِ سَيْفٍ وَضَعْفِ الْمَصُولِ عَلَيْهِ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (بِالْأَخَفِّ) إلَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَعْصُومٍ وَقَوْلُهُ: إنْ أَمْكَنَ فَلَوْ خَافَ أَنْ يَنَالَ مِنْهُ الصَّائِلُ مَا يَضُرُّهُ لَوْ ارْتَكَبَ التَّدْرِيجَ، فَلَهُ تَرْكُهُ اهـ سم.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِكَلَامٍ) فِي الْمَنْهَجِ أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْهَرَبِ فَبِالزَّجْرِ فَالِاسْتِغَاثَةِ فَالضَّرْبِ بِالْيَدِ فَبِالسَّوْطِ فَبِالْعَصَا فَالْقَطْعِ فَالْقَتْلِ فَهِيَ ثَمَانِيَةٌ لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الزَّجْرِ وَالِاسْتِغَاثَةِ ح ل. وَمَحِلُّ الْهَرَبِ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّ الْهَرَبَ يُنْجِيهِ أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ إذَا هَرَبَ طَمِعَ فِيهِ؛ وَتَبِعَهُ، جَازَ الْقَتْلُ ابْتِدَاءً وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْهَرَبُ مِنْ فَحْلٍ صَائِلٍ عَلَيْهِ وَلَمْ يَهْرُبْ فَقَتَلَهُ دَفْعًا ضَمِنَ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْهَرَبِ عَلَيْهِ، إذَا صَالَ عَلَيْهِ إنْسَانٌ وَفِي حِلِّ أَكْلِ لَحْمِ الْفَحْلِ تَرَدُّدٌ أَيْ وَجْهَانِ وَجْهٌ مَنَعَ الْحِلَّ إنْ لَمْ يَقْصِدْ الذَّبْحَ وَالْأَكْلَ، قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَالرَّاجِحُ الْحِلُّ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ.
اهـ. رَوْضٌ وَشَرْحُهُ.
اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
وَيَنْبَغِي أَنَّ مِنْ دَفْعِ الصَّائِلِ الدُّعَاءَ عَلَيْهِ بِكَفِّ شَرِّهِ عَنْ الْمَصُولِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بِهَلَاكِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
حَيْثُ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِالْهَلَاكِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ شَرُّهُ إلَّا بِالسِّحْرِ وَكَانَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُ يَعْرِفُ مَا يَمْنَعُ الصَّائِلَ عَنْ صِيَالِهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ السِّحْرَ حَرَامٌ لِذَاتِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (ضَمِنَ) وَلَوْ بِالْقِصَاصِ أَيْ حَيْثُ وُجِدَتْ شُرُوطُ الْقِصَاصِ بِأَنْ دَفَعَهُ، بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا كَمَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ شَرْحُ شَيْخِنَا.
وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ وُجُوبَ تَقْدِيمِ الزَّجْرِ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ مِنْ حَيْثُ الْحُرْمَةُ إذْ لَا ضَمَانَ فِيهِمَا وَكَذَا غَيْرُهُمَا مِمَّا فِيهِ التَّرْتِيبُ فَسَقَطَ مَا لِبَعْضِهِمْ هُنَا مِنْ الِاعْتِرَاضِ وَلَوْ أَمْكَنَ الْمَصُولَ عَلَيْهِ خَلَاصُ نَفْسِهِ بِهَرَبٍ أَوْ غَيْرِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ وَحَرُمَ عَلَيْهِ الْمُقَاتَلَةُ.
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (سَقَطَ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ) وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ صُدِّقَ الدَّافِعُ وَعِبَارَةُ ز ي وَيُصَدَّقُ الدَّافِعُ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي فِي عَدَمِ إمْكَانِ التَّخَلُّصِ بِدُونِ مَا دَفْعٍ لَهُ لِعُسْرِ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ عَلَى ذَلِكَ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (أَنَّ لَهُ الضَّرْبَ بِهِ) ثُمَّ يُقَيَّدُ بِكَوْنِهِ يُرَتِّبُ فَيَضْرِبُ أَوَّلًا بِعَرْضِهِ، ثُمَّ بِظَهْرِهِ ثُمَّ بِحَدِّهِ بَلْ أَطْلَقَهُ عَنْ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِهِ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ أَوْ لَا وَفِيهِ وَقْفَةٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ بِالْأَخَصِّ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى رَاكِبِ الدَّابَّةِ) سَوَاءٌ كَانَ بَصِيرًا أَوْ أَعْمَى قَالَ سم: وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ تَضْمِينُ الرَّاكِبِ وَإِنْ كَانَ الزِّمَامُ بِيَدِ غَيْرِهِ وَأَنَّهُ يَضْمَنُ إذَا كَانَ أَعْمَى مَعَهُ بَصِيرٌ يَقُودُهُ وَأَنَّهُ يَضْمَنُ وَإِنْ غَلَبَتْهُ الدَّابَّةُ وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ.
اهـ. م د وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الرَّاكِبَ لَا يَضْمَنُ إذَا كَانَ مَعَهُ قَائِدٌ وَسَائِقٌ إلَّا إذَا كَانَ بَصِيرًا مُمَيِّزًا وَكَانَ الزِّمَامُ بِيَدِهِ اهـ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَلَوْ صَحِبَهَا سَائِقٌ وَقَائِدٌ اسْتَوَيَا فِي الضَّمَانِ أَوْ رَاكِبٌ مَعَهُمَا أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا ضَمِنَ الرَّاكِبُ فَقَطْ اهـ. أَيْ؛ لِأَنَّ اسْتِيلَاءَهُ عَلَيْهَا أَقْوَى وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي تَرْكَبُ الْآنَ مَعَ الْمُكَارِي م ر سم وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقِيَاسُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ أَنَّ الضَّمَانَ فِي مَسْأَلَةِ الْأَعْمَى عَلَى قَائِدِ الدَّابَّةِ إنْ كَانَ زِمَامُهَا بِيَدِهِ.
أَيْ الْقَائِدِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
وَلَوْ رَكِبَهَا اثْنَانِ فَعَلَى الْمُقَدَّمِ دُونَ الرَّدِيفِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهَا مَنْسُوبٌ إلَيْهِ اهـ شَرْحُ م ر. قَالَ ع ش: وَيُؤْخَذُ مِنْ
مَالِكًا أَمْ مُسْتَأْجِرًا أَمْ مُودِعًا أَمْ مُسْتَعِيرًا أَمْ غَاصِبًا.
(ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْهُ دَابَّتُهُ) أَيْ الَّتِي يَدُهُ عَلَيْهَا بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ نَفْسًا وَمَالًا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ وَعَلَيْهِ تَعَهُّدُهَا وَحِفْظُهَا، وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَهَا كَانَ فِعْلُهَا مَنْسُوبًا إلَيْهِ.
وَإِلَّا نُسِبَ إلَيْهَا كَالْكَلْبِ إذَا أَرْسَلَهُ صَاحِبُهُ وَقَتَلَ الصَّيْدَ حَلَّ وَإِنْ اُسْتُرْسِلَ بِنَفْسِهِ فَلَا فَجِنَايَتُهَا كَجِنَايَتِهِ، وَلَوْ كَانَ مَعَهَا سَائِقٌ وَقَائِدٌ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ وَلَوْ كَانَ مَعَهَا سَائِقٌ وَقَائِدٌ مَعَ رَاكِبٍ فَهَلْ يَخْتَصُّ الضَّمَانُ بِالرَّاكِبِ أَوْ يَجِبُ أَثْلَاثًا؟ وَجْهَانِ أَرْجَحُهُمَا الْأَوَّلُ.
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهَا رَاكِبَانِ فَهَلْ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا أَوْ يَخْتَصُّ بِالْأَوَّلِ دُونَ الرَّدِيفِ؟ وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا
[حاشية البجيرمي]
هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنَّ الْمُقَدَّمَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَخْلٌ فِي سَيْرِهَا كَمَرِيضٍ وَصَغِيرٍ اُخْتُصَّ الضَّمَانُ بِالرَّدِيفِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
فَلَوْ كَانَا فِي جَانِبِهَا ضَمِنَا فَلَوْ كَانَ مَعَهُمَا وَاحِدٌ عَلَى الْقَتَبِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا كَمَا قَالَهُ الطَّبَلَاوِيُّ وَقِيلَ: عَلَيْهِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ السَّيْرَ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ سم وَلَوْ كَانَ الرَّاكِبُ مِمَّنْ يَضْبِطُهَا وَلَكِنْ غَلَبَتْهُ بِفَزَعٍ مِنْ شَيْءٍ مَثَلًا وَأَتْلَفَتْ شَيْئًا فَالظَّاهِرُ عَدَمُ الضَّمَانِ قَالَهُ سم.
وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْيَدَ مَوْجُودَةٌ حَالَ الْفَزَعِ كَمَا هِيَ مَوْجُودَةٌ مَعَ قَطْعِ اللِّجَامِ وَنَحْوِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْيَدُ وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً حَالَ الْفَزَعِ إلَّا أَنَّ فِعْلَهَا لَمْ يُنْسَبْ فِيهِ وَاضِعُ الْيَدِ إلَى تَقْصِيرٍ مَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ هَاجَتْ الرِّيَاحُ بَعْدَ إحْكَامِ مَلَّاحِ السَّفِينَةِ آلَاتِهَا وَقَدْ قِيلَ فِيهَا بِعَدَمِ الضَّمَانِ لِانْتِفَاءِ تَقْصِيرِ الْمَلَّاحِ بِخِلَافِ قَطْعِ اللِّجَامِ فَإِنَّ الرَّاكِبَ مَنْسُوبٌ فِيهِ لِتَقْصِيرٍ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّ قَطْعَ الدَّابَّةِ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ إحْكَامِهِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
وَعِبَارَةُ ق ل وَلَوْ غَلَبَتْ رَاكِبَهَا وَأَتْلَفَتْ شَيْئًا ضَمِنَهُ لِتَقْصِيرِهِ بِرُكُوبِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى ضَبْطِهِ.
وَشَأْنُهُ أَنْ يَضْبِطَ وَبِذَلِكَ فَارَقَتْ السَّفِينَةَ وَخَرَجَ بِغَلَبَتِهَا لَهُ مَا لَوْ انْفَلَتَتْ قَهْرًا عَلَيْهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ وَفِيهِ بَحْثٌ اهـ قَوْلُهُ: (وَسَائِقُهَا) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ صَحِبَ دَابَّةً اهـ قَوْلُهُ: صَحِبَ وَلَوْ غَيْرَ مُكَلَّفٍ كَمَا فِي م ر أَيْ صَحِبَهَا فِي الطَّرِيقِ فَيَخْرُجُ مَا إذَا صَحِبَهَا فِي مَسْكَنِهِ فَدَخَلَ فِيهِ إنْسَانٌ فَرَمَحَتْهُ أَوْ عَضَّتْهُ فَلَا ضَمَانَ إنْ دَخَلَ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ أَعْلَمَهُ كَمَا قَالَهُ س ل قَالَ شَيْخُنَا: وَالْمُرَادُ بِالْمُصَاحَبَةِ الْمُصَاحَبَةُ الْعُرْفِيَّةُ لِيَشْمَلَ مَا لَوْ رَعَى الْبَقَرَ فِي الصَّحْرَاءِ فَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُعَدُّ مُصَاحِبًا.
قَوْلُهُ: (أَمْ مُسْتَأْجِرًا) أَوْ قِنًّا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ أَمْ لَا وَيَتَعَلَّقُ مُتْلِفُهَا بِرَقَبَتِهِ وَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر وَيُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَلُقَطَةٍ أَقَرَّهَا مَالِكُهُ بِيَدِهِ فَتَلِفَتْ فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ وَبَقِيَّةُ أَمْوَالِ السَّيِّدِ بِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ ثُمَّ يَتْرُكُهَا بِيَدِهِ الْمُنَزَّلَةِ مَنْزِلَةَ الْمَالِكِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَا وَلَا كَذَلِكَ هُنَا وَدَعْوَى أَنَّ الْقِنَّ لَا يَدَ لَهُ مَمْنُوعَةٌ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْيَدِ هُنَا الْمُقْتَضِيَةَ لِمِلْكٍ بَلْ الْمُقْتَضِيَةَ لِلضَّمَانِ وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَهُ يَدٌ كَمَا لَا يَخْفَى شَرْحُ م ر اهـ.
قَوْلُهُ: (أَمْ غَاصِبًا) قَالَ شَيْخُنَا: وَكَذَا الْمُكْرَهُ لَكِنْ قُرِّرَ الضَّمَانُ عَلَى الْمُكْرِهِ بِكَسْرِ الرَّاءِ فَرَاجِعْهُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر شَمِلَ الْمُكْرَهَ بِفَتْحِ الرَّاءِ فَيَضْمَنُ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُكْرِهِ بِكَسْرِ الرَّاءِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَكْرَهَهُ عَلَى رُكُوبِ الدَّابَّةِ لَا عَلَى إتْلَافِ الْمَالِ وَبِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى إتْلَافِ الْمَالِ حَيْثُ قِيلَ: فِيهِ إنَّ كُلًّا طَرِيقٌ فِي الضَّمَانِ وَالْقَرَارُ عَلَى الْمُكْرِهِ بِكَسْرِ الرَّاءِ.
قَوْلُهُ: (ضَمَانُ مَا أَتْلَفَهُ) وَكَذَا مَا أَتْلَفَهُ وَلَدُهَا مَعَهَا؛ لِأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ يَدًا.
قَوْلُهُ: (أَيْ الَّتِي يَدُهُ عَلَيْهَا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَمَا يَقَعُ كَثِيرًا بِأَزِقَّةِ مِصْرَ مِنْ دُخُولِ الْجِمَالِ مَثَلًا بِالْأَحْمَالِ ثُمَّ إنَّهُمْ يَضْطَرُّونَ الْمُشَاةَ أَوْ غَيْرَهُمْ فَيَقَعُ الْمُضْطَرُّ فَيَتْلَفُ مَتَاعُهُ فَالضَّمَانُ عَلَى سَائِقِ الْجِمَالِ وَإِنْ كَثُرُوا؛ لِأَنَّهُمْ مَنْسُوبُونَ إلَيْهِ وَأَمَّا لَوْ دَفَعَ الْمَزْحُومُ الْجَمَلَ بِحِمْلِهِ مَثَلًا عَلَى غَيْرِهِ فَأَتْلَفَ شَيْئًا فَالضَّمَانُ عَلَى الدَّافِعِ لَا عَلَى مَنْ مَعَهُ الدَّابَّةُ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (نَفْسًا وَمَالًا) فَضَمَانُ النَّفْسِ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَضَمَانُ الْمَالِ عَلَيْهِ ز ي.
قَوْلُهُ: (كَالْكَلْبِ) التَّشْبِيهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إذَا قَصَّرَ صَاحِبُ الطَّعَامِ بِوَضْعِهِ فِي الطَّرِيقِ وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الدَّابَّةِ مَعَهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا كَالْكَلْبِ الْغَيْرِ الْمُرْسَلِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مَعَهَا كَالْكَلْبِ الَّذِي أَغْرَاهُ صَاحِبُهُ.
اهـ. م د. وَمِنْهُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْآنَ مِنْ إحْدَاثِ مَصَاطِبَ أَمَامَ الْحَوَانِيتِ بِالشَّارِعِ وَوَضْعِ أَصْحَابِهَا عَلَيْهَا، بَضَائِعَ لِلْبَيْعِ كَالْحَضَرِيَّةِ مَثَلًا فَلَا ضَمَانَ عَلَى مَنْ أَتْلَفَتْ دَابَّتُهُ شَيْئًا مِنْهَا بِأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ لِتَقْصِيرِ صَاحِبِ الْبِضَاعَةِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (كَجِنَايَتِهِ) أَيْ جِنَايَةِ الْكَلْبِ فِي أَنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي الضَّمَانِ إذَا كَانَ مَعَهَا صَاحِبُهَا دُونَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا فِيمَا إذَا كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِإِرْسَالِهَا وَحْدَهَا كَمَا يَأْتِي كَمَا أَنَّ جِنَايَةَ الْكَلْبِ بِاصْطِيَادِهِ تُؤَثِّرُ فِي الْحِلِّ إذَا أَرْسَلَهُ صَاحِبُهُ دُونَ مَا إذَا لَمْ يُرْسِلْهُ فَإِرْسَالُهُ بِمَنْزِلَةِ مُصَاحَبَةِ مَالِكِ الدَّابَّةِ لَهَا
الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُمَا.
تَنْبِيهٌ: حَيْثُ أُطْلِقَ ضَمَانُ النَّفْسِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَهُوَ عَلَى الْعَاقِلَةِ كَحَفْرِ الْبِئْرِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ صُوَرٌ الْأُولَى: لَوْ أَرْكَبَهَا أَجْنَبِيٌّ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ.
الثَّانِيَةُ لَوْ رَكِبَ الدَّابَّةَ فَنَخَسَهَا إنْسَانٌ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَمَا قَيَّدَهُ الْبَغَوِيّ.
فَرَمَحَتْ فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا فَالضَّمَانُ عَلَى النَّاخِسِ فَإِنْ أَذِنَ الرَّاكِبُ فِي النَّخْسِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، الثَّالِثَةُ لَوْ غَلَبَتْهُ دَابَّتُهُ فَاسْتَقْبَلَهَا إنْسَانٌ فَرَدَّهَا فَأَتْلَفَتْ فِي انْصِرَافِهَا شَيْئًا ضَمِنَهُ الرَّادُّ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ سَقَطَتْ الدَّابَّةُ مَيِّتَةً فَتَلِفَ بِهَا شَيْءٌ لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَكَذَا لَوْ سَقَطَ هُوَ مَيِّتًا عَلَى شَيْءٍ وَأَتْلَفَهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِسُقُوطِهَا مَيِّتَةً سُقُوطُهَا بِمَرَضٍ أَوْ عَارِضِ رِيحٍ شَدِيدٍ وَنَحْوِهِ.
الْخَامِسَةُ لَوْ كَانَ مَعَ الدَّوَابِّ رَاعٍ فَهَاجَتْ رِيحٌ وَأَظْلَمَ النَّهَارُ فَتَفَرَّقَتْ الدَّوَابُّ فَوَقَعَتْ فِي زَرْعٍ فَأَفْسَدَتْهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاعِي فِي الْأَظْهَرِ لِلْغَلَبَةِ كَمَا لَوْ نَدَّ بَعِيرُهُ أَوْ انْفَلَتَتْ دَابَّتُهُ مِنْ يَدِهِ فَأَفْسَدَتْ شَيْئًا بِخِلَافِ مَا لَوْ تَفَرَّقَتْ الْغَنَمُ لِنَوْمِهِ فَيَضْمَنُ، وَلَوْ انْتَفَخَ مَيِّتٌ فَتَكَسَّرَ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ لَمْ يَضْمَنْهُ، بِخِلَافِ طِفْلٍ سَقَطَ عَلَى شَيْءٍ لِأَنَّ لَهُ فِعْلًا بِخِلَافِ الْمَيِّتِ وَلَوْ بَالَتْ دَابَّتُهُ أَوْ رَاثَتْ بِمُثَلَّثَةٍ بِطَرِيقٍ وَلَوْ وَاقِفَةً فَتَلِفَتْ بِهِ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ فَلَا ضَمَانَ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ، كَأَصْلِهِ لِأَنَّ الطَّرِيقَ لَا تَخْلُو عَنْ ذَلِكَ، وَالْمَنْعَ مِنْ الطُّرُوقِ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ.
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَإِنَّمَا يَضْمَنُ صَاحِبُ الدَّابَّةِ مَا أَتْلَفَتْهُ دَابَّتُهُ إذَا لَمْ يُقَصِّرْ صَاحِبُ الْمَالِ فِيهِ، فَإِنْ قَصَّرَ بِأَنْ وَضَعَ الْمَالَ بِطَرِيقٍ أَوْ عَرَضَهُ لِلدَّابَّةِ فَلَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُضَيِّعُ لِمَالِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ وَحْدَهَا فَأَتْلَفَتْ زَرْعًا أَوْ غَيْرَهُ نَهَارًا لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُهَا أَوْ لَيْلًا ضَمِنَ لِتَقْصِيرِهِ بِإِرْسَالِهَا لَيْلًا بِخِلَافِهِ نَهَارًا لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (أَرْجَحُهُمَا الْأَوَّلُ) مُعْتَمَدٌ؛ لِأَنَّ اسْتِيلَاءَهُ عَلَيْهَا أَقْوَى.
قَوْلُهُ: (أَوْجَهُهُمَا الْأَوَّلُ) ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ مَا لَمْ يَكُنْ صَغِيرًا أَوْ أَعْمَى قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: جَزَمَ بِهِ م ر وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِهِمَا بِحَيْثُ يُقْضَى لَهُمَا بِهَا فِيمَا لَوْ تَنَازَعَاهَا إلَّا أَنَّ فِعْلَهَا مَنْسُوبٌ لِلْمُقَدَّمِ نَعَمْ إنْ كَانَ الْمُتَقَدَّمُ لَا أَثَرَ لَهُ بِحَيْثُ كَانَ سَيْرُهَا مَنْسُوبًا لِلْمُؤَخَّرِ فَقَطْ كَأَنْ رَكِبَهَا إنْسَانٌ وَاحْتَضَنَ مَرِيضًا لَا حَرَكَةَ لَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الضَّامِنُ الْمُؤَخَّرَ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْعَاقِلَةِ) ؛ لِأَنَّهُ خَطَأٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ: وَعَلَى رَاكِبِ الدَّابَّةِ.
. . إلَخْ.
وَفِي بَعْضِ الصُّوَرِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ الضَّمَانُ عَلَى غَيْرِ رَاكِبِ الدَّابَّةِ فِي بَعْضِهَا لَا ضَمَانَ أَصْلًا فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ يَنْتَفِي الضَّمَانُ بِالْمَرَّةِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاكِبِ أَعَمُّ مِنْ نَفْيِ الضَّمَانِ بِالْمَرَّةِ أَوْ وُجُوبِهِ عَلَى غَيْرِ الرَّاكِبِ وَقَوْلُهُ: صُوَرٌ أَيْ خَمْسَةٌ.
قَوْلُهُ: (صَبِيًّا) مَفْعُولٌ لِأَرْكَبَهَا.
قَوْلُهُ: (فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ) وَلَوْ كَانَ مِثْلُهُمَا يَضْبِطُ الدَّابَّةَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَقَوْلُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: لَا يَضْبِطُهَا لَيْسَ بِقَيْدٍ فَالضَّمَانُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ مُطْلَقًا كَمَا قَالَهُ ع ش قَالَ فِي الْبَيَانِ: إنْ أَرْكَبَهَا الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ لِمَصْلَحَتِهِ وَكَانَ مِمَّنْ يَضْبِطُهَا ضَمِنَ الصَّبِيُّ وَإِلَّا ضَمِنَ الْوَلِيُّ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (فَرَمَحَتْ) أَيْ رَفَصَتْ.
قَوْلُهُ: (عَلَى النَّاخِسِ) وَلَوْ رَقِيقًا قَالَ ع ش عَلَى م ر: أَيْ وَلَوْ صَغِيرًا مُمَيِّزًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْحَالُ بَيْنَ الْمُمَيِّزِ وَغَيْرِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (ضَمِنَهُ الرَّادُّ) مَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الرَّاكِبُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا وَمَا لَمْ يَخَفْ أَيْ الرَّادُّ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ مِنْهَا وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يُنْسَبَ رَدُّهَا إلَيْهِ وَلَوْ بِإِشَارَةٍ فَإِنْ رَجَعَتْ فَزَعًا مِنْهُ فَلَا ضَمَانَ فَالشُّرُوطُ ثَلَاثَةٌ اهـ م د. وَقَوْلُهُ: ضَمِنَهُ الرَّادُّ اُنْظُرْ إلَى مَتَى يَسْتَمِرُّ ضَمَانُهُ وَلَعَلَّهُ مَا دَامَ سَيْرُهَا مَنْسُوبًا لِذَلِكَ الرَّادِّ فَلْيُرَاجَعْ رَشِيدِيٌّ.
قَوْلُهُ: (سُقُوطُهَا بِمَرَضٍ) يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ م ر. أَنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فِيهِمَا بَلْ الْمُعْتَمَدُ الضَّمَانُ وَعِبَارَةُ م ر. وَإِلْحَاقُ الزَّرْكَشِيّ بِسُقُوطِهِ بِالْمَوْتِ سُقُوطَهُ بِنَحْوِ مَرَضٍ أَوْ رِيحٍ شَدِيدَةٍ فِيهِ نَظَرٌ لِوُضُوحِ الْفَرْقِ.
اهـ كَلَامُهُ وَصَرَّحَ بِهِ ح ل وَنَصُّهُ وَلَوْ سَقَطَتْ مَيْتَةٌ بِخِلَافِ مَا إذَا سَقَطَتْ لِمَرَضٍ أَوْ رِيحٍ؛ لِأَنَّ لِلْحَيِّ فِعْلًا بِخِلَافِ الْمَيِّتِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ وَحْدَهَا) هَذَا مُقَابِلُ قَوْلِ الْمَتْنِ وَعَلَى رَاكِبِ الدَّابَّةِ.
. . إلَخْ الْمُرَادُ مِنْهُ مَنْ صَحِبَهَا فَإِنَّهُ يَخْرُجُ بِهِ مَا إذَا كَانَتْ وَحْدَهَا وَعِبَارَةُ سم.
وَلَوْ كَانَتْ الدَّابَّةُ وَحْدَهَا فَإِنْ اُعْتِيدَ إرْسَالُهَا وَحْدَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَا ضَمَانَ وَإِلَّا فَالضَّمَانُ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَيْلًا ضَمِنَ) أَيْ إنْ قَصَّرَ صَاحِبُهَا فِي إرْسَالِهَا لَيْلًا، وَأَمَّا إذَا فَتَحَتْ الْبَابَ وَحْدَهَا أَوْ قَطَعَتْ الْحَبْلَ
وَهُوَ عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ فِي حِفْظِ الزَّرْعِ وَنَحْوِهِ نَهَارًا وَالدَّابَّةِ لَيْلًا، وَلَوْ تَعَوَّدَ أَهْلُ الْبَلَدِ إرْسَالَ الدَّوَابِّ أَوْ حِفْظَ الزَّرْعِ لَيْلًا دُونَ النَّهَارِ.
انْعَكَسَ الْحُكْمُ فَيَضْمَنُ مُرْسِلُهَا مَا أَتْلَفَتْهُ نَهَارًا دُونَ اللَّيْلِ اتِّبَاعًا لِمَعْنَى الْخَبَرِ وَلِلْعَادَةِ وَمِنْ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ لَوْ جَرَتْ عَادَةٌ بِحِفْظِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا ضَمِنَ مُرْسِلُهَا مَا أَتْلَفَتْهُ مُطْلَقًا.
تَتِمَّةٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ الدَّوَابِّ الْحَمَامُ وَغَيْرُهُ مِنْ الطُّيُورِ فَلَا ضَمَانَ بِإِتْلَافِهَا مُطْلَقًا كَمَا حَكَاهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْعَادَةَ إرْسَالُهَا وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ النَّحْلُ.
وَقَدْ أَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ فِي نَحْلٍ لِإِنْسَانٍ قَتَلَ جَمَلًا لِآخَرَ بِعَدَمِ الضَّمَانِ.
وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ صَاحِبَ النَّحْلِ لَا يُمْكِنُهُ ضَبْطُهُ وَالتَّقْصِيرُ مِنْ صَاحِبِ الْجَمَلِ، وَلَوْ أَتْلَفَتْ الْهِرَّةُ طَيْرًا أَوْ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ إنْ عُهِدَ ذَلِكَ مِنْهَا ضَمِنَ مَالِكُهَا أَوْ صَاحِبُهَا الَّذِي يَأْوِيهَا مَا أَتْلَفَتْهُ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا وَكَذَا كُلُّ حَيَوَانٍ مُولَعٍ بِالتَّعَدِّي
[حاشية البجيرمي]
وَخَرَجَتْ وَحْدَهَا لَمْ يَضْمَنْ وَمَحِلُّ ضَمَانِهِ إنْ لَمْ يُقَصِّرْ صَاحِبُ الْمَالِ فَإِنْ قَصَّرَ بِأَنْ حَضَرَ وَلَمْ يَدْفَعْ عَنْهُ، أَوْ كَانَ لَهُ بَابٌ فَتَرَكَهُ مَفْتُوحًا أَوْ وَضَعَهُ فِي طَرِيقٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ الدَّابَّةِ.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا مَا لَمْ يُفَرِّطْ صَاحِبُ الْمَالِ وَمَحِلُّ التَّفْصِيلِ فِي إرْسَالِ الدَّابَّةِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي إرْسَالِهَا إلَى الصَّحْرَاءِ، أَمَّا إرْسَالُهَا فِي الْبَلَدِ فَيَضْمَنُ مُطْلَقًا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ وَالْعِبْرَةُ بِالْعَادَةِ وَغَيْرِهَا، فَإِنْ جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ مَحِلٍّ بِإِرْسَالِ الدَّوَابِّ لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَا ضَمَانَ أَوْ بِحِفْظِهَا لَيْلًا دُونَ النَّهَارِ ضَمِنَ لَيْلًا لَا نَهَارًا.
وَلَوْ انْعَكَسَ الْحُكْمُ انْعَكَسَ الضَّمَانُ أَيْضًا وَقَدْ سُئِلْت عَنْ حَادِثَةٍ تَقَعُ فِي الشَّامِّ هِيَ أَنَّهُ قَدْ جَرَتْ عَادَتْهُمْ بِإِرْسَالِ الدَّوَابِّ فَمَرَّتْ دَابَّةٌ فِي طَرِيقٍ فَصَادَفَتْ إنْسَانًا قَاعِدًا فِي الطَّرِيقِ فَقَامَ فَجَفَلَتْ مِنْهُ وَتَلِفَتْ فَأَجَبْت بِأَنَّهُ يَضْمَنُ الدَّابَّةَ اهـ كَاتِبُهُ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (يُسْتَثْنَى مِنْ الدَّوَابِّ الْحَمَامُ) أَطْلَقَ عَلَى الْحَمَامِ دَابَّةً نَظَرًا إلَى أَصْلِ اللُّغَةِ وَخَصَّ الْعُرْفُ الدَّابَّةَ بِذَاتِ الْأَرْبَعِ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: وَكُلُّ حَيَوَانٍ فِي الْأَرْضِ دَابَّةٌ وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ فَأَخْرَجَ الطَّيْرَ مِنْ الدَّوَابِّ وَرُدَّ بِالسَّمَاعِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: 45] قَالُوا: أَيْ خَلَقَ كُلَّ حَيَوَانٍ مُمَيِّزًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ.
وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْفَرَسِ وَالْبَغْلِ بِالدَّابَّةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَعُرْفٌ طَارِئٌ وَتُطْلَقُ الدَّابَّةُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالْجَمْعُ الدَّوَابُّ اهـ.
قَوْلُهُ: (فَلَا ضَمَانَ بِإِتْلَافِهَا مُطْلَقًا) أَيْ كَانَ مَعَهَا صَاحِبُهَا أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (بِعَدَمِ الضَّمَانِ) مِثْلُهُ فِي شَرْحِ م ر فَسَقَطَ تَضْعِيفٌ لَهُ وَعِبَارَةُ م ر. وَأَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ فِي نَحْلٍ لِإِنْسَانٍ قَتَلَ جَمَلًا لِآخَرَ بِعَدَمِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ضَبْطُهُ وَلِتَقْصِيرِ صَاحِبِهِ حَيْثُ لَمْ يَضَعْهُ فِي بَيْتٍ مُسْقَفٍ، أَوْ لَمْ يَضَعْ عَلَيْهِ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ النَّحْلِ إلَيْهِ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الْجَمَلِ فِي مِلْكِهِ أَوْ غَيْرِهِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَتْلَفَتْ الْهِرَّةُ) وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهَا إلَّا وَقْتَ صِيَالِهَا وَلَا بَعْدَهُ وَلَا قَبْلَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهَا يَسْهُلُ م ر.
قَوْلُهُ: (إنْ عُهِدَ) أَيْ وَلَوْ مَرَّةً ق ل.
قَوْلُهُ: (أَوْ صَاحِبُهَا الَّذِي يَأْوِيهَا) أَيْ إذَا كَانَ لَهُ يَدٌ عَلَيْهَا كَأَنْ كَانَ مُسْتَأْجِرًا لَهَا أَوْ مُسْتَعِيرًا نَعَمْ إنْ انْفَلَتَتْ قَهْرًا فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا فَلَا ضَمَانَ فِيهِ كَمَا مَرَّ.
اهـ. م ر.
فَرْعٌ: أَفْتَى ابْنُ عُجَيْلٍ فِي دَابَّةٍ نَطَحَتْ أُخْرَى بِالضَّمَانِ إنْ كَانَ النَّطْحُ طَبْعَهَا وَعَرَفَهُ صَاحِبُهَا أَيْ قَدْ أَرْسَلَهَا أَوْ قَصَّرَ فِي رَبْطِهَا وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ مَا بِيَدِهِ وَإِلَّا ضَمِنَ مُطْلَقًا.
اهـ. س ل وَلَوْ نَفَّرَ شَخْصُ دَابَّةً مُسَيَّبَةً عَنْ زَرْعِهِ فَوْقَ قَدْرِ الْحَاجَةِ ضَمِنَهَا أَيْ دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ فَيَنْبَغِي إذَا نَفَّرَهَا أَنْ لَا يُبَالِغَ فِي إبْعَادِهَا بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَعُودُ مِنْهُ إلَى زَرْعِهِ وَإِنْ أَخْرَجَهَا عَنْ زَرْعِهِ إلَى زَرْعِ غَيْرِهِ فَأَتْلَفَتْهُ ضَمِنَهُ إذْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقِيَ مَالَهُ بِمَالِ غَيْرِهِ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا ذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ مَحْفُوفَةً بِمَزَارِعِ النَّاسِ وَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهَا إلَّا بِإِدْخَالِهَا مَزْرَعَةَ غَيْرِهِ تَرَكَهَا فِي زَرْعِهِ وَغَرَّمَ صَاحِبَهَا مَا أَتْلَفَتْهُ اهـ. مِنْ شَرْحِ الرَّوْضِ فَإِنْ أَخْرَجَهَا ضَمِنَهَا إنْ ضَاعَتْ وَضَمِنَ مَا تُتْلِفُهُ مِنْ زَرْعِ غَيْرِ مَالِكِهَا لِتَعَدِّيهِ.
كَالْجَمَلِ وَالْحِمَارِ اللَّذَيْنِ عُرِفَا بِعَقْرِ الدَّوَابِّ وَإِتْلَافِهَا.
أَمَّا إذَا لَمْ يُعْهَدْ مِنْهَا إتْلَافُ مَا ذُكِرَ فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّ الْعَادَةَ حِفْظُ مَا ذُكِرَ عَنْهَا لَا رَبْطُهَا.
فَائِدَةٌ: سُئِلَ الْقَفَّالُ عَنْ حَبْسِ الطُّيُورِ فِي أَقْفَاصٍ لِسَمَاعِ أَصْوَاتِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَأَجَابَ بِالْجَوَازِ إذَا تَعَهَّدَهَا صَاحِبُهَا بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كَالْبَهِيمَةِ تُرْبَطُ.
وَلَوْ كَانَ بِدَارِهِ كَلْبٌ عَقُورٌ أَوْ دَابَّةٌ جُمُوحٌ وَدَخَلَهَا شَخْصٌ بِإِذْنِهِ وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِالْحَالِ، فَعَضَّهُ الْكَلْبُ، أَوْ رَمَحَتْهُ الدَّابَّةُ ضَمِنَ وَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ بَصِيرًا أَوْ دَخَلَهَا بِلَا إذْنٍ أَوْ أَعْلَمَهُ بِالْحَالِ.
فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّهُ الْمُتَسَبِّبُ فِي هَلَاكِ نَفْسِهِ.
فَصْلٌ: فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ جَمْعُ بَاغٍ وَالْبَغْيُ الظُّلْمُ وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ سُمُّوا بِذَلِكَ لِظُلْمِهِمْ وَعُدُولِهِمْ عَنْ الْحَقِّ وَالْأَصْلُ فِيهِ آيَةُ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: 9]
[حاشية البجيرمي]
فَرْعٌ: لَوْ حَمَلَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا وَأَشْرَفَ عَلَى أَنْ يَقَعَ فِي مِلْكِهِ فَدَفَعَهُ مِنْ الْهَوَاءِ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ كَمَا فِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ بَصِيرًا) غَايَةٌ لِقَوْلِهِ: ضَمِنَ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَقَوْلُهُ: أَوْ دَخَلَهَا بِلَا إذْنٍ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ: دَخَلَهَا شَخْصٌ بِإِذْنِهِ ثُمَّ إنَّ مَا هُنَا لَا يُنَافِي قَوْلَ الرَّوْضِ فِي الْجِنَايَاتِ: وَإِنْ رَبَطَ بِبَابِهِ كَلْبًا عَقُورًا وَدَعَا إلَيْهِ رَجُلًا فَعَقَرَهُ فَمَاتَ فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ مَا هُنَا فِي كَلْبٍ فِي الدَّارِ وَمَا هُنَاكَ فِي كَلْبٍ خَارِجَهَا كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ.
اهـ. .
[فَصْلٌ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ]
ِ هَذَا شُرُوعٌ فِي طَوَائِفَ ثَلَاثَةٍ جَوَّزَ الشَّارِعُ لَنَا قِتَالَهُمْ: الْبُغَاةِ وَالْمُرْتَدِّينَ وَالْكُفَّارِ.
وَذَكَرَ الْبُغَاةَ بَعْدَ الصِّيَالِ لِمَا يَأْتِي أَنَّهُمْ يُرَدُّونَ إلَى الطَّاعَةِ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ فِي قَوْلِهِ: وَلَا يُقَاتِلُهُمْ الْإِمَامُ حَتَّى يَبْعَثَ.
. . إلَخْ وَقَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ قِتَالِ الْبُغَاةِ وَمُسْتَنَدُهُ فِعْلُ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ فَإِنَّهُ قَاتَلَ أَهْلَ الْجَمَلِ بِالْبَصْرَةِ وَقَاتَلَ أَهْلَ صِفِّينَ بِالشَّامِّ وَأَهْلَ النَّهْرَوَانِ وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْخَوَارِجِ بِنَاحِيَةِ الْكُوفَةِ وَأُخِذَ قِتَالُ الْمُرْتَدِّينَ مِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَأُخِذَ قِتَالُ الْكُفَّارِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَوْلُهُ: (جَمْعُ بَاغٍ) وَأَصْلُ بُغَاةٍ بُغَيَةٌ تَحَرَّكَتْ الْيَاءُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا قُلِبَتْ أَلِفًا وَيُنْصَبُ بِالْفَتْحَةِ عَلَى التَّاءِ كَقُضَاةٍ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ فِيهِ أَصْلِيَّةٌ لِانْقِلَابِهَا عَنْ أَصْلٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ) أَيْ مَا حَدَّهُ اللَّهُ وَشَرَعَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ لِخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ لُغَةً كَذَلِكَ.
فَفِي الْمُخْتَارِ الْبَغْيُ التَّعَدِّي وَبَغَى عَلَيْهِ اسْتَطَالَ وَبَابُهُ رَمَى وَكُلُّ مُجَاوَزَةٍ وَإِفْرَاطٍ عَلَى الْمِقْدَارِ الَّذِي هُوَ حَدُّ الشَّيْءِ فَهُوَ بَغْيٌ قَالَ ابْنُ قَاسِمٍ: وَمِنْ كَوْنِ الْبَغْيِ مُجَاوَزَةَ الْحَدِّ سُمِّيَتْ الزَّانِيَةُ بَغِيَّةً.
اهـ. ع ش عَلَى م ر مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِيهِ) أَيْ فَصْلُ الْبُغَاةِ أَيْ فِي الْأَحْكَامِ الْآتِيَةِ فِيهِ يَعْنِي فِي الْجُمْلَةِ وَإِلَّا فَالْآيَةُ لَا تُثْبِتُ كُلَّ الْأَحْكَامِ الْآتِيَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ [الحجرات: 9] تَثْنِيَةُ طَائِفَةٍ تُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَغَيْرِهِ.
«نَزَلَتْ فِي رَهْطِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ وَرَهْطِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ لَمَّا اقْتَتَلَا بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ فَقَرَأَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِمْ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ.
اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: " اقْتَتَلُوا " لَمْ يَقُلْ اقْتَتَلَتَا بَلْ جَمَعَ مُرَاعَاةً لِأَفْرَادِ الطَّائِفَتَيْنِ وَمَعْنَى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9] الْأَوَّلُ إبْدَاءُ الْوَعْظِ وَالنَّصِيحَةِ، وَالثَّانِي الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا بِالْقَضَاءِ الْعَدْلِ فِيمَا كَانَ بَيْنَهُمَا.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْخُرُوجِ) هَذَا الْكَلَامُ يُوهِمُ أَنَّ الْبَغْيَ مُنْحَصِرٌ فِي الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْبَيْعَةُ وَنَحْوُهَا وَإِلَّا فَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ الْمُرَادَ الْخُرُوجُ وَلَوْ بِمَنْعِ حَقٍّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ كَمَا سَيَجِيءُ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَرَافَعُوا إلَى الْإِمَامِ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ فَحَيْثُ اسْتَقَلُّوا بِالْقِتَالِ مُعْرِضِينَ عَنْ الْإِمَامِ فَقَدْ امْتَنَعُوا مِنْ الْحَقِّ
، وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَامِ صَرِيحًا، لَكِنَّهَا تَشْمَلُهُ بِعُمُومِهَا أَوْ تَقْتَضِيهِ لِأَنَّهُ إذَا طَلَبَ الْقِتَالَ لِبَغْيِ طَائِفَةٍ عَلَى طَائِفَةٍ فَلِلْبَغْيِ عَلَى الْإِمَامِ أَوْلَى، وَهُمْ مُسْلِمُونَ مُخَالِفُو إمَامٍ وَلَوْ جَائِرًا بِأَنْ خَرَجُوا عَنْ طَاعَتِهِ بِعَدَمِ انْقِيَادِهِمْ لَهُ أَوْ مَنْعِ حَقٍّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ كَزَكَاةٍ بِالشُّرُوطِ الْآتِيَةِ: (وَيُقَاتَلُ أَهْلُ الْبَغْيِ) وُجُوبًا كَمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
[حاشية البجيرمي]
الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ فَكَانُوا بُغَاةً لِهَذَا.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (تَشْمَلُهُ) أَيْ تَشْمَلُ الْخُرُوجَ عَنْ الْإِمَامِ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِالْقَتْلِ.
قَوْلُهُ: (لِعُمُومِهَا) أَيْ لِأَنَّهَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَقْتَضِيهِ) أَيْ تَسْتَلْزِمُهُ وَتُفِيدُهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ وَوَجْهُ هَذَا التَّرْدِيدِ الْخِلَافُ فِي كَوْنِ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ تَعُمُّ أَوْ لَا فَعَلَى الْأَوَّلِ تَشْمَلُهُ بِجَعْلِ الْإِمَامِ طَائِفَةً، وَالْبَاغِينَ عَلَيْهِ طَائِفَةً.
وَعَلَى الثَّانِي لَا تَشْمَلُهُ وَيَكُونُ الْمُرَادُ طَائِفَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَيُقَاسُ الْخُرُوجُ عَلَى الْإِمَامِ بِالْخُرُوجِ عَلَى غَيْرِهِ فَيَجُوزُ لَهُ الْقِتَالُ بِالْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَهُمْ) أَيْ شَرْعًا مُسْلِمُونَ وَلَوْ فِيمَا مَضَى فَيَشْمَلُ الْمُرْتَدِّينَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ ق ل عَلَى الْجَلَالِ وَفِي سم نَقْلًا عَنْ الزَّرْكَشِيّ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ فِي الْبُغَاةِ الْإِسْلَامَ فَالْمُرْتَدُّونَ إذَا نَصَبُوا الْقِتَالَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْبُغَاةِ فِي الْأَصَحِّ وَهَذَا الشَّرْطُ هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُحَرَّرِ فَلَا وَجْهَ لِإِهْمَالِهِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقُيُودَ سِتَّةٌ: أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ وَأَنْ يُخَالِفُوا الْإِمَامَ وَأَنْ يَكُونَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ.
وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّأْوِيلُ بَاطِلًا ظَنًّا وَأَنْ تَكُونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَأَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مُطَاعٌ.
وَسَيَذْكُرُ الشَّارِحُ أَنَّ الشَّوْكَةَ تَسْتَلْزِمُ الْمُطَاعَ فَلَا تَغْفُلْ.
اهـ م د وَعِبَارَةُ ح ل فِي سِيرَتِهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ قَوْلًا بِلَعْنِ يَزِيدَ تَلْوِيحًا وَتَصْرِيحًا وَكَذَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ وَكَذَا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَلَنَا قَوْلٌ بِذَلِكَ فِي مَذْهَبِ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ وَكَانَ يَقُولُ بِذَلِكَ الْأُسْتَاذُ الْبَكْرِيُّ.
وَمِنْ كَلَامِ بَعْضِ أَتْبَاعِهِ فِي حَقِّ يَزِيدَ مَا لَفْظُهُ زَادَهُ اللَّهُ خِزْيًا وَمَنَعَهُ وَفِي أَسْفَلِ سِجِّينَ وَضَعَهُ وَفِي شَرْحِ عَقَائِدِ السَّعْدِ يَجُوزُ لَعْنُ يَزِيدَ اهـ. وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ لَعْنَ الشَّخْصِ لَا يَجُوزُ وَإِنَّمَا يَجُوزُ اللَّعْنُ بِالْوَصْفِ تَأَمَّلْهُ.
قَالَ ح ل قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَجَازَ الْعُلَمَاءُ الْوَرِعُونَ لَعْنَ يَزِيدَ وَصَنَّفَ فِي إبَاحَةِ لَعْنِهِ مُصَنَّفًا اهـ. وَقَالَ: وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ عَدَمِ جَوَازِ لَعْنِ الْكَافِرِ الْمُعَيَّنِ بِالشَّخْصِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ السَّعْدُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: إنِّي لَا أَشُكُّ فِي عَدَمِ إسْلَامِهِ بَلْ وَلَا فِي عَدَمِ إيمَانِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَنْصَارِهِ وَأَعْوَانِهِ اهـ كَلَامُ السَّعْدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ جَائِرًا) ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ الْخُرُوجُ عَلَى الْإِمَامِ فَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ يَحْرُمُ الْخُرُوجُ عَلَى الْجَائِرِ إجْمَاعًا وَيُجَابُ عَنْ خُرُوجِ الْحُسَيْنِ عَلَى يَزِيدَ بِأَنَّ الْمُرَادَ إجْمَاعُ الطَّبَقَةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ.
اهـ. ابْنُ حَجَرٍ وَالْغَايَةُ لِلرَّدِّ.
وَسَيَأْتِي قَوْلُ الشَّارِحِ: وَتَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَ جَائِرًا فِيمَا يَجُوزُ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.
. . إلَخْ.
قَوْلُهُ: (بِعَدَمِ انْقِيَادِهِمْ لَهُ) سَوَاءً سَبَقَ مِنْهُمْ انْقِيَادٌ أَمْ لَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ انْقِيَادِهِمْ لَهُ وَلَوْ فِي مُبَاحٍ حَيْثُ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (كَزَكَاةٍ) هِيَ حَقُّ اللَّهِ وَمِثْلُهُ حَقُّ الْآدَمِيِّ بِالْأَوْلَى ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (بِالشُّرُوطِ الْآتِيَةِ) مُتَعَلِّقٌ ب خرجوا أَوْ بِقَوْلِهِ: مُخَالِفُو.
. . إلَخْ فَوُجُودُهَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي تَحَقُّقِ الْبَغْيِ وَوُجُودِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَاتَلُ أَهْلُ الْبَغْيِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْبَغْيَ يُوجَدُ بِدُونِ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ لِلْقِتَالِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهَا وَبَعْدَ ذَلِكَ يُقَاتَلُونَ فَلَوْ قَالَ: وَشَرَطَ فِي الْبَاغِي كَذَا وَكَذَا.
كَانَ أَوْلَى وَلِذَا قَالَ فِي الْمَنْهَجِ: هُمْ مُسْلِمُونَ.
. . إلَخْ ثُمَّ قَالَ: وَلَا يُقَاتِلُهُمْ الْإِمَامُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ وَصْفَ الْبَغْيِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ لَيْسَ وَصْفَ ذَمٍّ وَلَا يَقْتَضِي الْفِسْقَ وَلَا الْعِصْيَانَ وَلَا يَزُولُ مَعَهُ وَصْفُ الْإِيمَانِ خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ فَإِنَّهُمْ اعْتَقَدُوا زَوَالَ الْإِيمَانِ مَعَهُ وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِالْآيَةِ، وَلِأَنَّهُمْ إنَّمَا خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ بِتَأْوِيلٍ وَشُبْهَةٍ أَيْ بِتَأْوِيلٍ غَيْرِ قَطْعِيِّ الْبُطْلَانِ كَمَا فِي م ر.
قَوْلُهُ: (كَمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ الْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ) وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ [الحجرات: 9] قَالَ السُّبْكِيُّ