فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البجيرمي
- الكتاب
- تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
- المؤلف
- سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه
تُقَالُ عَلَى الْإِيدَاعِ وَعَلَى الْعَيْنِ الْمُودَعَةِ وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِهَا بَعْدَ اللَّقِيطِ ظَاهِرَةٌ وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] وَخَبَرُ «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» وَلِأَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ
[حاشية البجيرمي]
شَرْحِ الرَّوْضِ.
وَصَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إذَا أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ لِنَفْسِهِ فَيَلْزَمُ مِنْ دَعْوَاهُ الرِّقَّ بُطْلَانُ الْوَصِيَّةِ وَفِيهِ إضْرَارٌ بِهِ.
[فَرْعٌ أَقَرَّتْ حَامِلٌ بِالرِّقِّ]
ِّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَتْبَعَهَا الْحَمْلُ، رَاجِعْهُ م ر سم عَلَى الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ اللَّقِيطُ امْرَأَةً) هَذَا يَتَفَرَّعُ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ إلَخْ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَهُ قَوْلُهُ " أَمَّا التَّصَرُّفُ الْمَاضِي " لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ " فَلَوْ لَزِمَهُ دَيْنٌ " فَيَكُونُ الْمُضِرُّ بِغَيْرِهِ لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِالزَّوْجِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يُتَوَهَّمُ فِيهِ انْفِسَاخُ النِّكَاحِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَنْفَسِخْ) لِأَنَّ انْفِسَاخَهُ يَضُرُّ بِالزَّوْجِ شَرْحُ الرَّوْضِ.
أَيْ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِالرِّقِّ، فِي تَصَرُّفٍ مَاضٍ يَضُرُّ بِغَيْرِهِ، أَيْ وَإِنْ كَانَ فَسْخُهُ مُضِرًّا بِهَا أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَبَعْدَهُ رَقِيقٌ) أَيْ تَبَعًا لَهَا مَمْلُوكٌ لِمَنْ أَقَرَّتْ لَهُ ق ل. قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَتَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ لِلطَّلَاقِ لِأَنَّهَا حُرَّةٌ بِالنَّظَرِ لِلزَّوْجِ لِأَنَّ إقْرَارَهَا بِالرِّقِّ لَا يُقْبَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَبِشَهْرَيْنِ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ لِلْمَوْتِ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمَّا مَاتَ حُكِمَ بِرِقِّهَا بِالنَّظَرِ لِلسَّيِّدِ لِأَصَالَتِهِ بِالنَّظَرِ لِإِقْرَارِهَا، وَعِدَّةُ الرَّقِيقَةِ مَا ذُكِرَ.
[فَصْلٌ فِي الْوَدِيعَةِ] هِيَ بِفَتْحِ الْوَاوِ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ وَذَكَرَهَا عَقِبَ اللُّقَطَةِ وَمَا بَعْدَهَا لِمُشَارَكَتِهَا لَهُمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ مُعَاوَنَةٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَذَكَرَهَا فِي الْمَنْهَجِ عَقِبَ الْإِيصَاءِ لِأَنَّ الْمُودِعَ جَعَلَ الْوَدِيعَ وَصِيًّا عَلَى الْوَدِيعَةِ مِنْ جِهَةِ حِفْظِهَا وَتَعَهُّدِهَا وَإِنْ كَانَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَلِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ مَا يُوصَى بِهِ نَدْبًا أَوْ وُجُوبًا وَلِأَنَّ مَالَ الْمَيِّتِ بِلَا وَارِثٍ يَصِيرُ كَالْوَدِيعَةِ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِلْمُسْلِمِينَ قَوْلُهُ تُقَالُ أَيْ تُطْلَقُ عَلَى الْإِيدَاعِ أَيْ شَرْعًا فَقَطْ وَهُوَ الْعَقْدُ وَهُوَ تَفْسِيرٌ مُرَادٌ وَإِلَّا فَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْفِعْلُ وَهُوَ دَفْعُهَا لِلْوَدِيعِ ن ز وَقَوْلُهُ وَعَلَى الْعَيْنِ الْمُودَعَةِ أَيْ شَرْعًا وَلُغَةً وَقَدْ اُسْتُعْمِلَتْ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْمَعْنَيَيْنِ فَمِنْ اسْتِعْمَالِهَا بِمَعْنَى الْعَيْنِ الْمُودَعَةِ قَوْلُهُ الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ وَقَوْلُهُ وَلَا تُضْمَنُ إلَّا بِالتَّعَدِّي وَمِنْ اسْتِعْمَالِهَا بِمَعْنَى الْعَقْدِ قَوْلُهُ وَأَرْكَانُهَا شَيْخُنَا وَالْإِيدَاعُ لُغَةً وَضْعُ الشَّيْءِ عِنْدَ غَيْرِ صَاحِبِهِ لِلْحِفْظِ وَشَرْعًا تَوْكِيلٌ مِنْ الْمَالِكِ أَوْ نَائِبِهِ لِآخَرَ بِحِفْظِ مَالٍ أَوْ اخْتِصَاصٍ فَخَرَجَ بِتَوْكِيلِ اللُّقَطَةِ وَالْأَمَانَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّ الِائْتِمَانَ فِيهِمَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَيَتَفَرَّغُ عَلَى كَوْنِهِ تَوْكِيلًا أَنَّ الْإِيدَاعَ عَقْدٌ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر هِيَ لُغَةً مَا وُضِعَ عِنْدَ غَيْرِ مَالِكِهِ لِحِفْظِهِ وَشَرْعًا الْعَقْدُ الْمُقْتَضِي لِلِاسْتِحْفَاظِ أَوْ الْعَيْنُ الْمُسْتَحْفَظَةُ حَقِيقَةً فِيهِمَا وَتَصِحُّ إرَادَتُهُمَا وَإِرَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي التَّرْجَمَةِ قَوْلُهُ ظَاهِرَةٌ لَعَلَّ وَجْهَهُ سُكُونُهَا تَحْتَ يَدِ الْوَدِيعِ كَمَا أَنَّ اللَّقِيطَ تَحْتَ يَدِ الْمُلْتَقِطِ وَرِعَايَتِهِ وَبِخَطِّ الَأُجْهُورِيُّ هُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَمَانَةٌ م د وَاللَّقِيطُ يُشْبِهُ الْأَمَانَةَ مِنْ جِهَةِ وُجُوبِ حِفْظِهِ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَجِبُ حِفْظُهُ قَوْلُهُ وَالْأَصْلُ فِيهَا قَوْله تَعَالَى إلَخْ فِيهِ أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الرَّدِّ لَا عَلَى الْإِيدَاعِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالرَّدِّ يَسْتَلْزِمُ تَقَدُّمَ الْإِيدَاعِ قَوْلُهُ يَأْمُرُكُمْ إلَخْ أَيْ كُلُّ مَنْ كَانَ بِيَدِهِ أَمَانَةٌ وَطَلَبَهَا مَالِكُهَا وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهَا لَهُ فَالْآيَةُ مِنْ
بَلْ ضَرُورَةٌ إلَيْهَا وَأَرْكَانُهَا بِمَعْنَى الْإِيدَاعِ أَرْبَعَةٌ وَدِيعَةٌ بِمَعْنَى الْعَيْنِ الْمُودَعَةِ وَصِيغَةٌ وَمُودِعٌ وَوَدِيعٌ وَشُرِطَ فِي الْمُودِعِ وَالْوَدِيعِ مَا مَرَّ فِي مُوَكِّلٍ وَوَكِيلٍ لِأَنَّ الْإِيدَاعَ اسْتِنَابَةٌ فِي الْحِفْظِ فَلَوْ أَوْدَعَهُ نَحْوَ صَبِيٍّ كَمَجْنُونٍ ضَمِنَ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ وَإِنْ أَوْدَعَ شَخْصٌ نَحْوَ صَبِيٍّ إنَّمَا يَضْمَنُ بِإِتْلَافِهِ وَشُرِطَ فِي الصِّيغَةِ مَا مَرَّ فِي الْوَكَالَةِ فَيُشْتَرَطُ اللَّفْظُ مِنْ جَانِبِ
[حاشية البجيرمي]
مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ فَالْآيَةُ نَزَلَتْ فِي رَدِّ مِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ إلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ وَهِيَ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ الْأَمَانَاتِ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ قَالَ الْوَاحِدِيُّ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ مِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ وَلَمْ يَنْزِلْ جَوْفَ الْكَعْبَةِ آيَةٌ سِوَاهَا شَرْحُ م ر وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ مِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ لَمَّا أَخَذَهُ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِنْ ابْنِ بَنِي شَيْبَةَ قَهْرًا وَقَالَ نَحْنُ أَحَقُّ بِسِدَانَتِهَا أَيْ خِدْمَتِهَا مِنْكُمْ وَلَيْسَ فِيهَا دَفْعٌ وَلَا أَخْذٌ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ وَإِنَّمَا فِيهَا الرَّدُّ إلَى الْأَمِينِ لِأَنَّ سَيِّدَنَا عَلِيًّا أَخَذَهُ قَهْرًا مِنْ خَادِمِهَا لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ دُخُولَهَا فَامْتَنَعَ مِنْ إعْطَاءِ الْمِفْتَاحِ لِعَلِيٍّ فَيَكُونُ عِنْدَهُ لَيْسَ بِأَمَانَةٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنْهُ كَانَ عِنْدَهُ كَالْأَمَانَةِ قَوْلُهُ «وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» تَسْمِيَةُ الثَّانِي خِيَانَةً مُشَاكَلَةٌ لِأَنَّ الثَّانِي اسْتِنْصَارٌ وَتَخْلِيصُ حَقٍّ وَهَذَا إذَا كَانَ الْأَمْرُ الثَّانِي مِمَّا جَوَّزَ الشَّرْعُ الْمُجَازَاةَ بِهِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُجَوِّزْ الشَّرْعُ الْمُجَازَاةَ بِهِ كَمَنْ زَنَى بِامْرَأَتِك فَزَنَيْت أَنْتَ بِامْرَأَتِهِ فَالْأَوَّلُ خِيَانَةٌ وَالثَّانِي خِيَانَةٌ أَيْضًا فَلَا مُشَاكَلَةَ وَعِبَارَةُ الْعَنَانِيِّ قَوْلُهُ «وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» وَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ فَهُوَ مَجَازٌ أَوْ مَعْنَاهُ لَا تَخُنْ بَعْدَ أَنْ اسْتَنْصَرْت مِنْهُ بِأَخْذِ حَقِّك إذْ مَنْ أَخَذَ حَقَّهُ لَيْسَ خَائِنًا وَإِنَّمَا الْخَائِنُ مَنْ أَخَذَ غَيْرَ حَقِّهِ أَيْ زِيَادَةً عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَلْ ضَرُورَةٌ أَيْ لِأَنَّ صَاحِبَهَا قَدْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بِحِفْظِهَا وَالضَّرُورَةُ الْحَاجَةُ الشَّدِيدَةُ قَوْلُهُ إلَيْهَا أَيْ الْوَدِيعَةِ قَوْلُهُ بِمَعْنَى الْإِيدَاعِ أَيْ الْعَقْدُ لَا بِمَعْنَى الْعَيْنِ الْمُودَعَةِ وَإِلَّا لَزِمَ عَلَيْهِ كَوْنُ الشَّيْءِ رُكْنًا لِنَفْسِهِ وَأَنَّ الصِّيغَةَ وَمَا بَعْدَهَا تَكُونُ أَرْكَانًا لِلْعَيْنِ الْمُودَعَةِ وَلَا مَعْنَى لَهُ وَإِذَا حُمِلَتْ الْوَدِيعَةُ فِي التَّرْجَمَةِ عَلَى الْعَيْنِ الْمُودَعَةِ كَانَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ اسْتِخْدَامٌ كَمَا لَا يَخْفَى قَوْلُهُ مَا مَرَّ فِي مُوَكِّلٍ وَوَكِيلٍ أَيْ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ بِحَيْثُ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي الشَّيْءِ الْمُودَعِ وَهَذَا تَقَدَّمَ بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ فَلَا يُودَعُ كَافِرٌ مُصْحَفًا وَلَا مُسْلِمًا وَلَا مُحْرِمٌ صَيْدًا وَقَالَ شَيْخُنَا يَصِحُّ الْعَقْدُ وَلَا يُسَلَّمُ إلَيْهِ بَلْ يُوضَعُ عِنْدَ عَدْلٍ ق ل وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر قَوْلُهُ فَلَا يُودَعُ كَافِرٌ مُصْحَفًا قَالَ سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ اُنْظُرْهُ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْبَيْعِ وَيَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ ارْتِهَانٌ وَاسْتِيدَاعٌ وَاسْتِعَارَةُ الْمُسْلِمِ وَنَحْوِهِ الْمُصْحَفَ وَبِكَرَاهَةٍ إجَارَةُ عَيْنِهِ وَإِعَارَتِهِ وَإِيدَاعِهِ لَكِنْ يُؤْمَرُ بِوَضْعِ الْمَرْهُونِ عِنْدَ عَدْلٍ وَيَنُوبُ عَنْهُ مُسْلِمٌ فِي قَبْضِ الْمُصْحَفِ لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ اهـ قَالَ شَيْخُنَا ز ي وَيُحْمَلُ مَا هُنَا عَلَى وَضْعِ الْيَدِ وَمَا هُنَاكَ عَلَى الْعَقْدِ اهـ لَكِنْ يُتَأَمَّلُ هَذَا الْجَوَابُ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَدِيعَةِ فَإِنَّ الْوَدِيعَ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِنَابَةُ فِي حِفْظِهَا اهـ بِحُرُوفِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَصِحُّ تَوْقِيتُ الْوَدِيعَةِ وَتَعْلِيقُ إعْطَائِهَا بَعْدَ تَنْجِيزِ عَقْدِهَا كَالْوَكَالَةِ بِخِلَافِ تَعْلِيقِ نَفْسِ الْوَدِيعَةِ فَلَا يَصِحُّ كَتَعْلِيقِ الْوَكَالَةِ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا فَاسِدًا وَيَجُوزُ كَوْنُ كُلٍّ مِنْ الْمُودِعِ وَالْوَدِيعِ أَعْمَى وَيُوَكِّلَانِ فِي الْإِقْبَاضِ وَالْقَبْضِ قَوْلُهُ فَلَوْ أَوْدَعَهُ أَيْ الشَّخْصُ سَوَاءٌ كَانَ كَامِلًا أَوْ نَاقِصًا كَصَبِيٍّ ع ش وَعِبَارَةُ ق ل فَلَوْ أَوْدَعَهُ نَحْوَ صَبِيٍّ إلَخْ إذَا أُودِعَ نَاقِصٌ كَامِلًا فَهُوَ ضَامِنٌ مُطْلَقًا أَوْ عَكْسُهُ فَلَا ضَمَانَ إلَّا بِالْإِتْلَافِ اهـ وَالْكَامِلُ يَضْمَنُ مَا أَخَذَهُ مِنْ نَحْوِ صَبِيٍّ بِأَقْصَى الْقِيَمِ كَالْغَاصِبِ وَلَا يَزُولُ الضَّمَانُ إلَّا بِالرَّدِّ لِوَلِيِّ أَمْرِهِ نَعَمْ إنْ أَخَذَهُ مِنْهُ خَوْفًا عَلَى تَلَفِهِ فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ فَإِنْ رَدَّهُ لِلصَّبِيِّ ضَمِنَ وَلَا يُخَلِّصُهُ إلَّا الرَّدُّ لِوَلِيِّهِ ز ي وسم قَوْلُهُ وَإِنْ أُوْدَعَ شَخْصٌ نَحْوَ صَبِيٍّ هَذِهِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ أَنَّ الْمُودِعَ كَامِلٌ وَالْوَدِيعَ نَاقِصٌ وَبَقِيَ صُورَةٌ رَابِعَةٌ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَامِلًا فَلَا ضَمَانَ إلَّا بِالتَّقْصِيرِ قَوْلُهُ إنَّمَا يَضْمَنُ بِإِتْلَافِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَى إتْلَافِهِ وَخَرَجَ التَّلَفُ فَلَا يَضْمَنُ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ حِفْظَهُ لِإِلْغَاءِ الْتِزَامِهِ وَتَلَخَّصَ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعٌ لِأَنَّ الْمُودِعَ إمَّا نَاقِصٌ أَوْ كَامِلٌ وَالْمُودَعَ كَذَلِكَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يُودِعَ كَامِلٌ كَامِلًا فَهِيَ الْوَدِيعَةُ الشَّرْعِيَّةُ فَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِالتَّفْرِيطِ أَوْ يُودِعَ نَاقِصٌ نَاقِصًا فَيَضْمَنُ بِالتَّلَفِ كَالْإِتْلَافِ أَوْ يُودِعَ كَامِلٌ نَاقِصًا فَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِالْإِتْلَافِ لَا بِالتَّلَفِ أَوْ عَكْسُهُ فَيَضْمَنُ بِالتَّلَفِ كَالْإِتْلَافِ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَوْدَعَ نَاقِصٌ نَاقِصًا لَكِنْ فِي صُورَةِ الْعَكْسِ الْمَذْكُورَةِ إنَّمَا يَضْمَنُ بِالتَّلَفِ إنْ لَمْ
الْمُودِعِ وَعَدَمُ الرَّدِّ مِنْ جَانِبِ الْوَدِيعِ نَعَمْ لَوْ قَالَ الْوَدِيعُ أَوْدَعَنِيهِ مَثَلًا فَدَفَعَهُ لَهُ سَاكِتًا فَيُشْبِهُ أَنْ يَكْفِيَ ذَلِكَ كَالْعَارِيَّةِ وَعَلَيْهِ فَالشَّرْطُ اللَّفْظُ مِنْ أَحَدِهِمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيّ وَالْإِيجَابُ إمَّا صَرِيحٌ كَأَوْدَعْتُكَ هَذَا أَوْ اسْتَحْفَظْتُكَهُ أَوْ كِنَايَةٌ مَعَ النِّيَّةِ كَخُذْهُ
(الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ) أَصَالَةً فِي يَدِ الْوَدِيعِ (يُسْتَحَبُّ) لَهُ (قَبُولُهَا) أَيْ أَخْذُهَا (لِمَنْ قَامَ بِالْأَمَانَةِ فِيهَا) بِأَنْ قَدَرَ عَلَى
[حاشية البجيرمي]
يَأْخُذْهَا حِسْبَةً أَيْ احْتِسَابًا وَطَلَبًا لِلْأَجْرِ أَوْ خَوْفًا عَلَيْهَا فَلَا يَضْمَنُ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى وَلِيِّ أَمْرِ النَّاقِصِ وَقَوْلُهُ إنَّمَا يَضْمَنُ بِإِتْلَافِهِ الصَّوَابُ فَإِنَّمَا بِالْفَاءِ وَإِسْقَاطُهَا سَرَى لَهُ مِنْ قَوْلِ الْمَنْهَجِ وَفِي عَكْسِ ذَلِكَ إنَّمَا يَضْمَنُ إلَخْ وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُودِعِ وَالْوَدِيعِ إمَّا كَامِلٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مُكْرَهٌ أَوْ عَبْدٌ وَالْحَاصِلُ مِنْ ضَرْبِ سَبْعَةٍ فِي سَبْعَةٍ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ تَتْلَفَ الْوَدِيعَةُ بِنَفْسِهَا أَوْ يُتْلِفَهَا الْمُودِعُ أَوْ الْوَدِيعُ وَالْحَاصِلُ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِائَةٌ وَسَبْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ قَوْلُهُ مِنْ جَانِبِ الْمُودِعِ إلَخْ لَوْ قَالَ فَيُشْتَرَطُ اللَّفْظُ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَعَدَمُ الرَّدِّ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ لَكَانَ أَوْلَى وَيُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ق ل وَمَعَ ذَلِكَ فَالشَّرْطُ اللَّفْظُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْفِعْلُ أَوْ اللَّفْظُ مِنْ الْآخَرِ وَلَا يَكْفِي السُّكُوتُ وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ كَمَا مَرَّ فِي الْعَارِيَّةِ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِاللَّفْظِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَالْفِعْلُ مِنْ الْآخَرِ أَوْ بِاللَّفْظِ مِنْهُمَا مَعًا فَلَا يَكْفِي غَيْرُ ذَلِكَ فَلَوْ قَالَ لَهُ احْفَظْ مَتَاعِي فَأَشَارَ أَنْ نَعَمْ لَمْ يَكُنْ وَدِيعًا لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ قَبُولٌ بِاللَّفْظِ وَلَا بِالْفِعْلِ وَإِشَارَةُ النَّاطِقِ لَا يُعْتَدُّ بِهَا فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَضَعْ يَدَهُ عَلَيْهِ قَالَ شَيْخُنَا وَلَا يَقُومُ أَخْذُ أُجْرَةٍ قِيَامَ الْقَبُولِ وَخَالَفَهُ بَعْضُهُمْ اهـ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ الْحَمَّامَ وَاسْتَحْفَظَ عَلَى حَوَائِجِهِ فَقَبِلَ أَوْ أَعْطَاهُ الْأُجْرَةَ أَوْ قَبَضَ الْعَيْنَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحِفْظُ وَإِلَّا فَلَا يُضْمَنُ وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الْبَوَّابُ فِي الْخَانِ إذَا أَخَذَ الدَّابَّةَ أَوْ الْأُجْرَةَ أَوْ أَذِنَ لَهُ فِي إدْخَالِهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ اهـ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ فَيَكْفِي قَبْضُهُ وَلَا يَكْفِي الْوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ مَعَ السُّكُوتِ اهـ وَقَوْلُهُ فَيَكْفِي قَبْضُهُ أَيْ وَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ اهـ وَعِبَارَةُ ع ش قَوْلُهُ فَالشَّرْطُ اللَّفْظُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا حَمَّلَ دَابَّتَهُ حَطَبًا وَطَلَبَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ أَنْ يَأْخُذُوهَا مَعَهُمْ إلَى مِصْرَ وَيَبِيعُوا الْحَطَبَ لَهُ فَامْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْبَلُوهَا مِنْهُ فَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ عَلَى نِيَّةِ أَنْ يَأْتِيَ بِأَقْوَاتِ السَّفَرِ وَيَلْحَقَهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَلَمْ يَفْعَلْ ثُمَّ إنَّهُمْ حَضَرُوا بِهَا إلَى مِصْرَ وَتَصَرَّفُوا فِي الْحَطَبِ لِغَيْبَةِ صَاحِبِهِ وَوَضَعُوا الدَّابَّةَ عِنْدَ دَوَابِّهِمْ فَضَاعَتْ بِلَا تَقْصِيرٍ وَهُوَ عَدَمُ الضَّمَانِ اهـ كَيْفَ هَذَا مَعَ وَضْعِ يَدِهِمْ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا لِرَدِّهِمْ لِإِذْنِهِ
قَوْلُهُ: (أَمَانَةٌ) أَيْ إذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ وَلِيٍّ أَوْ وَكِيلٍ، أَمَّا وَدِيعُهُمَا فَضَامِنٌ زي فَإِذَا كَانَ الْمُودِعُ وَلِيًّا أَوْ وَكِيلًا ضَمِنَهَا الْآخِذُ بِمُجَرَّدِ الْأَخْذِ.
وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي عَدَمِ الضَّمَانِ بَيْنَ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ.
وَفِي الْكَافِي: لَوْ أَوْدَعَهُ بَهِيمَةً وَأَذِنَ لَهُ فِي رُكُوبِهَا أَوْ ثَوْبًا وَأَذِنَ لَهُ فِي لُبْسِهِ فَهُوَ إيدَاعٌ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِيهِ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهُ؛ فَإِذَا تَلِفَتْ قَبْلَ الرُّكُوبِ وَالِاسْتِعْمَالِ لَمْ يَضْمَنْ أَوْ بَعْدَهُ ضَمِنَ لِأَنَّهُ عَارِيَّةٌ فَاسِدَةٌ؛ عَزِيزِيٌّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى ابْنِ قَاسِمٍ الْغَزِّيِّ وَالْمُرَادُ الْوَدِيعَةِ هُنَا الْعَيْنُ الْمُودَعَةُ لَا الْعَقْدُ.
قَوْلُهُ: (أَصَالَةً) أَيْ فَالْقَصْدُ مِنْهَا الْحِفْظُ، فَإِنْ طَرَأَ فِعْلٌ مُضَمَّنٌ فَعَلَى خِلَافِ وَضْعِهَا بِخِلَافِ الرَّهْنِ، فَإِنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ التَّوَثُّقُ وَالْأَمَانَةُ فِيهِ تَابِعَةٌ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ ادَّعَى الرَّدَّ مِنْ الْوَدِيعِ وَالْمُرْتَهِنِ هَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَوْ لَا؟ فَفِي الْوَدِيعَةِ يُقْبَلُ لِأَنَّ وَضْعَهَا الْأَمَانَةُ وَفِي الرَّهْنِ لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ وَضْعَهُ التَّوَثُّقُ الْمُنَافِي لِلرَّدِّ فَلَا يَصْدُقُ فِيهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَوْ صَدَرَ مِنْهُ أَمْرٌ مُضَمَّنٌ لَمْ يَلْزَمْهُ الرَّدُّ فَوْرًا لِأَنَّ مَقْصُودَهُ التَّوَثُّقُ لَا الْحِفْظُ بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ فَيَلْزَمُهُ بِالْأَمْرِ الْمُضَمَّنِ الرَّدَّ فَوْرًا لِأَصَالَةِ الْأَمَانَةِ فِيهَا لِأَنَّ مَقْصُودَهَا الْحِفْظُ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ بِالضَّمَانِ وَجَبَ الرَّدُّ فَوْرًا.
اهـ. مَدَابِغِيٌّ.
قَوْلُهُ: (قَبُولُهَا) أَيْ قَبُولُ إيدَاعِهَا أَوْ أَخْذُهَا أَوْ عَدَمُ رَدِّهَا وَاقْتَصَرَ الشَّارِحُ عَلَى الثَّانِي وَالضَّمِيرُ فِي قَبُولِهَا إلَخْ لِلْوَدِيعَةِ بِمَعْنَى الْإِيدَاعِ أَوْ بِمَعْنَى الْعَيْنِ مَعَ حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ إيدَاعِهَا اهـ ابْنُ قَاسِمٍ.
وَقَالَ شَيْخُنَا: إنَّمَا قَالَ أَيْ أَخْذُهَا لِأَنَّ
حِفْظِهَا وَوَثِقَ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ فِيهَا، هَذَا إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ أَخْذُهَا لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» فَإِنْ تَعَيَّنَ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَخْذُهَا، لَكِنْ لَا يُجْبَرُ عَلَى إتْلَافِ مَنْفَعَتِهِ وَمَنْفَعَةِ حِرْزِهِ مَجَّانًا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِهَا حَرُمَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا لِأَنَّهُ يُعَرِّضُهَا لِلتَّلَفِ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمَالِكُ بِحَالِهِ وَإِلَّا فَلَا تَحْرِيمَ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ الزَّرْكَشِيّ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْحِفْظِ، وَهُوَ فِي الْحَالِ أَمِينٌ وَلَكِنْ لَمْ يَثِقْ بِأَمَانَتِهِ بَلْ خَافَ الْخِيَانَةَ مِنْ نَفْسِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كُرِهَ لَهُ قَبُولُهَا خَشْيَةَ الْخِيَانَةِ فِيهَا، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمَالِكُ الْحَالَ وَإِلَّا فَلَا تَحْرِيمَ وَلَا كَرَاهَةَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ.
تَنْبِيهٌ: أَحْكَامُ الْوَدِيعَةِ ثَلَاثَةٌ: الْحُكْمُ الْأَوَّلُ الْأَمَانَةُ، وَالْحُكْمُ الثَّانِي الرَّدُّ، وَالْحُكْمُ الثَّالِثُ الْجَوَازُ.
وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ وَقَدْ تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِعَوَارِضَ غَالِبُهَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَلَا يَضْمَنُ إلَّا بِالتَّعَدِّي) فِي
[حاشية البجيرمي]
الْوَدِيعَةَ فِي كَلَامِهِ بِمَعْنَى الْعَيْنِ الْمُودَعَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَمَانَةٌ وَالْعَيْنُ لَا قَبُولَ فِيهَا وَإِنَّمَا الْقَبُولُ فِي الْإِيدَاعِ وَعَلَى كَلَامِ ابْنِ قَاسِمٍ يَكُونُ فِي كَلَامِ الْمَتْنِ اسْتِخْدَامٌ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (أَيْ أَخْذُهَا) يَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ الْوَدِيعَةِ هُنَا أَحَدُ جُزْأَيْ الْعَقْدِ الَّذِي هُوَ الْإِيجَابُ حَتَّى يُرَادَ بِالْقَبُولِ الْجُزْءُ الْآخَرُ مِنْ الْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ قَدَرَ عَلَى حِفْظِهَا وَوَثِقَ) أَيْ حَالًا وَمَآلًا لَا فِيهِمَا، أَيْ الْقُدْرَةُ عَلَى الْحِفْظِ وَالْوُثُوقُ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي، أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ؛ فَالْقُيُودُ ثَلَاثَةٌ، وَقَدْ أَخَذَ الشَّارِحُ مُحْتَرَزَاتِهَا عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوَّشِ.
قَوْلُهُ: (هَذَا) أَيْ الِاسْتِحْبَابُ.
قَوْلُهُ: (مَجَّانًا) وَقَدْ تُؤْخَذُ الْأُجْرَةُ عَلَى الْوَاجِبِ كَتَعْلِيمِ الْفَاتِحَةِ وَسَقْيِ اللُّبَا وَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ وَتَعْلِيمِ نَحْوِ الْفَاتِحَةِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا أَيْ الْوَدِيعَةِ مَعَ دَفْعِ الْأُجْرَةِ لَهُ أَثِمَ وَلَا ضَمَانَ، فَإِنْ تَعَدَّدَ الْأُمَنَاءُ الْقَادِرُونَ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَالْأَذْرَعِيِّ: تَعَيَّنَتْ عَلَى مَنْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ كَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ زِيَادِيٌّ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ مَنْ سَأَلَهُ مِنْهُمْ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى التَّوَاكُلِ فَتَتْلَفَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عَجَزَ) شُرُوعٌ فِي مُحْتَرَزِ شُرُوطِ الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّ الشَّارِحَ قَيَّدَهُ بِقُيُودٍ ثَلَاثَةٍ.
قَوْلُهُ: (حَرُمَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا) أَيْ وَالْإِيدَاعُ صَحِيحٌ فَتَكُونُ أَمَانَةً.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الِاسْتِحْبَابُ، وَقَدْ تَخْرُجُ عَنْهُ إلَى الْوُجُوبِ أَوْ الْحُرْمَةِ أَوْ الْكَرَاهَةِ لِعَوَارِضَ إنْ تَعَيَّنَ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ هُنَا غَيْرُهُ وَلَا يُجْبَرُ حِينَئِذٍ عَلَى إتْلَافِ مَنْفَعَتِهِ وَمَنْفَعَةِ حِرْزِهِ مَجَّانًا أَيْ بِلَا عِوَضٍ، وَتَحْرُمُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْحِفْظِ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُهَا لِلتَّلَفِ، وَتُكْرَهُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ لِمَنْ لَمْ يَثِقْ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ.
هَذَا إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمَالِكُ وَإِلَّا فَتُبَاحُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمَالِكُ) أَيْ الرَّشِيدُ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَلَا تَحْرِيمَ) أَيْ وَلَا كَرَاهَةَ فَتَكُونُ مُبَاحَةً فَتَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ الزَّرْكَشِيّ) حَيْثُ قَالَ الْوَجْهُ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِمَا، أَمَّا عَلَى الْمَالِكِ فَلِإِضَاعَتِهِ مَالَهُ، وَأَمَّا عَلَى الْمُودَعِ فَلِإِعَانَتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَعِلْمُ الْمَالِكِ بِعَجْزِهِ لَا يُبِيحُ لَهُ الْقَبُولَ.
قَوْلُهُ: (أَحْكَامُ الْوَدِيعَةِ ثَلَاثَةٌ) الْمُرَادُ بِالْأَحْكَامِ الْأَحْوَالُ وَالصِّفَاتُ وَإِلَّا فَالْمَذْكُورُ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، أَوْ يُرَادُ بِالْأَحْكَامِ اللُّغَوِيَّةِ وَهِيَ النِّسَبُ التَّامَّةُ كَثُبُوتِ الْأَمَانَةِ وَثُبُوتِ قَبُولِ قَوْلِهِ فِي الرَّدِّ وَثُبُوتِ جَوَازِ الرَّدِّ لِكُلٍّ مِنْ الْمُودِعِ وَالْوَدِيعِ.
قَوْلُهُ: (الْجَوَازُ) أَيْ عَدَمُ لُزُومِهَا مِنْهُمَا، فَلِكُلٍّ فَسْخُهَا.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ أَشَارَ إلَى الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْجُمْلَةَ هُنَا غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَتْنِ، وَلَعَلَّ الشَّارِحَ وَقَعَ لَهُ نُسْخَةٌ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ مُكَرَّرَةً، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ يَحْتَاجُ لِتَقْدِيرٍ أَيْ أَشَارَ بِقَوْلِهِ الْمَارِّ الْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (بِعَوَارِضَ) أَيْ ضَمَانِ يَدٍ لَا ضَمَانِ جِنَايَةٍ أَيْ فِي غَيْرِ مِثَالَيْ الشَّارِحِ، فَهُمَا مِنْ ضَمَانِ الْجِنَايَةِ.
وَيَنْبَنِي عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِمَا تَعَدَّى بِهِ وَبِغَيْرِهِ بِخِلَافِهِ عَلَى الثَّانِي لَا يَضْمَنُ إلَّا بِمَا تَعَدَّى بِهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا فَرْقَ بَيْنَ التَّقْصِيرِ وَعَدَمِهِ وَإِنَّمَا يُفَرَّقُ بِمَا تَقَدَّمَ.
وَجُمْلَةُ الْعَوَارِضِ الْمَذْكُورَةِ عَشَرَةٌ ذَكَرَ الشَّارِحُ سَبْعَةً خَمْسَةٌ أَدْخَلَ عَلَيْهَا كَأَنَّ وَاثْنَيْنِ ذَكَرَهُمَا فِي قَوْلِهِ أَوْ دَلَّ عَلَيْهَا مَنْ يُصَادِرُ الْمَالِكَ أَوْ دَلَّ عَلَيْهَا سَارِقًا، وَذَكَرَ فِي الْمَتْنِ اثْنَيْنِ فِي قَوْلِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَهَا إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: " وَإِذَا طُولِبَ بِهَا إلَخْ " وَقَدْ نَظَمَهَا الدَّمِيرِيُّ فَقَالَ:
تَلَفِهَا كَأَنْ نَقَلَهَا مِنْ مَحَلَّةٍ وَدَارٍ لِأُخْرَى دُونَهَا حِرْزًا، وَإِنْ لَمْ يَنْهَهُ الْمُودِعُ عَنْ نَقْلِهَا لِأَنَّهُ عَرَّضَهَا لِلتَّلَفِ.
نَعَمْ إنْ نَقَلَهَا يَظُنُّ أَنَّهَا مِلْكَهُ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا لَمْ يَضْمَنْ.
وَكَأَنْ يُودِعَهَا غَيْرَهُ وَلَوْ قَاضِيًا بِلَا إذْنٍ مِنْ الْمُودِعِ وَلَا عُذْرَ لَهُ لِأَنَّ الْمُودِعَ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْدَعَهَا غَيْرَهُ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ وَسَفَرٍ، وَلَهُ اسْتِعَانَةٌ بِمَنْ يَحْمِلُهَا لِحِرْزٍ أَوْ يَعْلِفُهَا أَوْ يَسْقِيهَا لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِذَلِكَ، وَعَلَيْهِ لِعُذْرٍ كَإِرَادَةِ سَفَرٍ وَمَرَضٍ رَدُّهَا لِمَالِكِهَا أَوْ وَكِيلِهِ فَإِنْ فَقَدَهُمَا رَدَّهَا لِلْقَاضِي، وَعَلَيْهِ أَخْذُهَا
[حاشية البجيرمي]
عَوَارِضُ التَّضْمِينِ عَشْرٌ وَدْعُهَا ... وَسَفَرٌ وَنَقْلُهَا وَجَحْدُهَا
وَتَرْكُ إيصَاءٍ وَدَفْعُ مُهْلِكِ ... وَمَنْعُ رَدِّهَا وَتَضْيِيعٌ حُكِيَ
وَالِانْتِفَاعُ وَكَذَا الْمُخَالَفَهْ ... فِي حِفْظِهَا إنْ لَمْ يَزِدْ مَا خَالَفَهْ
أَيْ الَّذِي خَالَفَهُ كَأَنْ قَالَ لَا تَقْفِلْ عَلَيْهِ قُفْلًا فَأَقْفَلَ، وَأَخْصَرُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ق ل:
عَوَارِضُهَا عَشْرٌ ضَيَاعُ وَدِيعَةٍ ... وَنَقْلٌ وَجَحْدٌ مَنْعُ رَدٍّ لِمَالِكٍ
مُخَالَفَةٌ فِي الْحِفْظِ تَرْكُ وَصِيَّةٍ ... وَسَفَرٌ بِهَا نَفْعٌ بِهَا تَرْكُ هَالِكٍ
أَيْ تَرْكُ الْمُهْلِكِ لَهَا وَلَمْ يَدْفَعْهُ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ نَقَلَهَا) أَيْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ.
قَوْلُهُ: (دُونَهَا حِرْزًا) أَيْ وَقَدْ عَيَّنَ لَهُ الْمُودِعُ الْحِرْزَ الْأَوَّلَ كَمَا فِي م ر، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ الزِّيَادِيِّ: قَوْلُهُ دُونَهَا حِرْزًا أَيْ وَلَوْ حِرْزُ مِثْلِهَا اهـ. وَقَالَ أج: قَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ نَقَلَهَا مِنْ حِرْزٍ إلَى آخَرَ وَالْأَوَّلُ أَحْرَزُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الضَّمَانُ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا نَقَلَهَا إلَى دُونِ حِرْزِهَا أَيْ الْعَيْنَ الْمُودَعَةَ اهـ. وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ لَهُ الْمُودِعُ الْحِرْزَ الْأَوَّلَ.
وَعِبَارَةُ ق ل: قَوْلُهُ " دُونَهَا " أَيْ دُونَ الْمَحَلَّةِ أَوْ الدَّارِ أَوْ دُونَ الْوَدِيعَةِ وَهَذَا قَرِيبٌ إلَى كَلَامِهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَنْهَهُ) الصَّوَابُ حَذْفُ الْوَاوِ لِأَنَّهُ مَعَ النَّهْيِ يَضْمَنُ بِنَقْلِهَا مُطْلَقًا وَلَوْ إلَى حِرْزِ مِثْلِهَا أَوْ أَحْرَزَ ق ل. وَيُمْكِنُ جَعْلُ الْوَاوِ لِلْحَالِ.
وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ: نَعَمْ إنْ كَانَ الثَّانِي حِرْزَ مِثْلِهَا وَلَمْ يَنْهَهُ الْمَالِكُ فَلَا ضَمَانَ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَضْمَنْ) لِعُذْرِهِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرَهُ) أَيْ وَلَوْ وَلَدَهُ.
أَوْ زَوْجَتَهُ أَوْ عَبْدَهُ.
فَرْعٌ: لَوْ أَخَذَ الظَّافِرُ غَيْرَ جِنْسِ حَقِّهِ وَأَوْدَعَهُ إنْسَانًا فَرَدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ لَمْ يَضْمَنْ أَوْ جِنْسِ حَقِّهِ ضَمِنَ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمُودِعَ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ م ر: لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَرْضَ بِأَمَانَةِ غَيْرِهِ وَلَا يَدِهِ، أَيْ فَيَكُونُ طَرِيقًا فِي ضَمَانِهَا وَالْقَرَارُ عَلَى مَنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ مَنْ شَاءَ، فَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الثَّانِي وَيَرْجِعُ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى الْأَوَّلِ إنْ كَانَ جَاهِلًا، أَمَّا الْعَالِمُ فَلَا لِأَنَّهُ غَاضِبٌ أَوْ الْأَوَّلَ رَجَعَ عَلَى الثَّانِي إنْ عَلِمَ لَا إنْ جَهِلَ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ اسْتِعَانَةٌ) تَقْيِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ أَمَانَةِ الْمُسْتَعَانِ بِهِ أَوْ مُبَاشَرَتِهِ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِينًا وَلَمْ يُبَاشِرْهُ ضَمِنَهَا م ر. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَهَا مَنْ يَسْقِيَهَا وَهُوَ غَيْرُ ثِقَةٍ ضَمِنَهَا.
اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (بِمَنْ يَحْمِلْهَا) وَلَوْ خَفِيفَةً أَمْكَنَهُ حَمْلُهَا بِلَا مَشَقَّةٍ فِيمَا يَظْهَرُ، شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ لِعُذْرٍ) هَذَا لَيْسَ مِنْ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ بَلْ مِنْ الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (كَإِرَادَةِ سَفَرٍ) وَإِنْ قَصُرَ وَكَانَ مُبَاحًا ز ي.
قَوْلُهُ: (وَمَرَضٍ) أَيْ مَخُوفٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ أَوْ حَبْسٍ لِقَتْلٍ.
وَأَلْحَقَ الْأَذْرَعِيُّ بِذَلِكَ كُلَّ حَالَةٍ يُعْتَبَرُ فِيهَا التَّبَرُّعُ مِنْ الثُّلُثِ كَوُقُوعِ الطَّاعُونِ بِالْبَلَدِ، نَعَمْ الْحَبْسُ لِلْقَتْلِ فِي حُكْمِ الْمَرَضِ الْمَخُوفِ هُنَا لَا ثَمَّ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ آدَمِيٌّ نَاجِزٌ فَاحْتِيطَ لَهُ أَكْثَرَ بِجَعْلِ مُقَدِّمَةِ مَا يُظَنُّ بِهِ الْمَوْتُ بِمَنْزِلَةِ الْمَرَضِ؛ شَوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ فَقَدَهُمَا) أَيْ لِغَيْبَتِهِمَا وَإِنْ لَمْ يَكُونَا بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ.
وَقَالَ م د: لَعَلَّ ضَابِطَ الْفَقْدِ مَسَافَةُ الْعَدْوَى.
وَقَالَ م ر. لَا بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ.
وَمِثْلُ الْفَقْدِ حَبْسُهُمَا وَلَوْ فِي الْبَلَدِ وَعَسُرَ الْوُصُولُ إلَيْهِمَا.
وَتَرْتِيبُ مَا ذُكِرَ وَاجِبٌ، فَلَوْ تُرِكَ ضَمِنَ كَأَنْ رَدَّهَا لِأَمِينٍ مَعَ إمْكَانِهِ لِقَاضٍ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (رَدَّهَا لِلْقَاضِي) أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ جَائِزًا كَقُضَاةِ زَمَانِنَا.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَمَتَى تُرِكَ هَذَا التَّرْتِيبُ حَيْثُ قَدَرَ عَلَيْهِ ضَمِنَ قَالَ الْفَارِقِيُّ إلَّا فِي زَمَانِنَا فَلَا
فَإِنْ فَقَدَهُ رَدَّهَا الْأَمِينُ وَلَا يُكَلَّفُ تَأْخِيرَ السَّفَرِ.
وَيُغْنِي عَنْ الرَّدِّ إلَى الْقَاضِي أَوْ الْأَمِينِ الْوَصِيَّةُ بِهَا إلَيْهِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ عِنْدَ فَقْدِ الْمَالِكِ وَوَكِيلِهِ بَيْنَ رَدِّهَا لِلْقَاضِي وَالْوَصِيَّةِ بِهَا إلَيْهِ، وَعِنْدَ فَقْدِ الْقَاضِي بَيْنَ رَدِّهَا لِلْأَمِينِ وَالْوَصِيَّةِ بِهَا إلَيْهِ.
وَالْمُرَادُ بِالْوَصِيَّةِ بِهَا الْإِعْلَامُ بِهَا، وَالْأَمْرُ بِرَدِّهَا مَعَ وَصْفِهَا بِمَا تَتَمَيَّزُ بِهِ أَوْ الْإِشَارَةُ لِعَيْنِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ الْإِشْهَادُ كَمَا فِي الرَّافِعِيِّ عَنْ الْغَزَالِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهَا وَلَمْ يُوصِ بِهَا لِمَنْ ذُكِرَ كَمَا ذُكِرَ ضَمِنَ إنْ تَمَكَّنَ مِنْ رَدِّهَا أَوْ الْإِيصَاءِ بِهَا لِأَنَّهُ عَرَّضَهَا لِلْفَوَاتِ، وَكَأَنْ يَدْفِنَهَا بِمَوْضِعٍ وَيُسَافِرَ وَلَمْ يُعْلِمْ بِهَا أَمِينًا يُرَاقِبُهَا لِأَنَّهُ عَرَّضَهَا لِلضَّيَاعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْلَمَ بِهَا مَنْ ذَكَرَ لِأَنَّ إعْلَامَهُ بِهَا بِمَنْزِلَةِ إيدَاعِهِ فَشَرْطُهُ فَقْدُ الْقَاضِي.
وَكَأَنْ لَا يَدْفَعَ مُتْلِفَاتِهَا كَتَرْكِ تَهْوِيَةِ ثِيَابٍ صُوفٍ أَوْ تَرْكِ لُبْسِهَا عِنْدَ حَاجَتِهَا لِذَلِكَ وَقَدْ عَلِمَهَا لِأَنَّ الدُّودَ يُفْسِدُهَا بِتَرْكِ ذَلِكَ، وَكُلٌّ مِنْ الْهَوَاءِ وَعُبُوقِ رَائِحَةِ الْآدَمِيِّ بِهَا يَدْفَعُهُ، أَوْ تَرْكِ عَلْفِ
[حاشية البجيرمي]
يَضْمَنُ بِالْإِيدَاعِ لِثِقَةٍ مَعَ وُجُودِ الْقَاضِي قَطْعًا لِمَا ظَهَرَ مِنْ فَسَادِ الْحُكَّامِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَالْوَصِيَّةِ بِهَا إلَيْهِ) أَيْ الْأَحَدِ.
وَقَوْلُهُ: " وَالْوَصِيَّةُ بِهَا إلَيْهِ " أَيْ الْأَمِينِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَمْرُ بِرَدِّهَا) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ مَعَ الْإِعْلَامِ ق ل؛ أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ رَدَّهَا لِمَالِكِهَا.
وَنَظَرَ فِيهِ شَيْخُنَا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إعْلَامِهِ بِهَا أَمْرُهُ بِرَدِّهَا لِمَالِكِهَا مَعَ أَنَّهُ الْمَقْصُودُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْإِشَارَةُ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى " وَصْفِهَا ".
قَوْلُهُ: (وَمَعَ ذَلِكَ) أَيْ مَعَ الْوَصِيَّةِ بِهَا.
وَقَوْلُهُ: " يَجِبُ الْإِشْهَادُ " ضَعَّفَهُ الْمَرْحُومِيُّ وَاعْتَمَدَ عَدَمَ وُجُوبِ الْإِشْهَادِ؛ لَكِنَّ الَّذِي فِي شَرْحِ م ر مِثْلُ الشَّارِحِ.
وَقَوْلُهُ " ضَعَّفَهُ الْمَرْحُومِيُّ " أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّدِّ إلَى الْقَاضِي أَوْ الْأَمِينِ، فَإِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِشْهَادُ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَصِيَّةِ لِمَنْ ذُكِرَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِشْهَادِ وُجُوبًا كَمَا نَقَلَهُ م ر وَنَقَلَهُ عَنْهُ سم، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا ضَعْفَ فِي كَلَامِهِ كَمَا قَالَهُ الْعَزِيزِيُّ وَالْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (لِمَنْ ذُكِرَ) أَيْ لِلْقَاضِي فَالْأَمِينُ.
وَقَوْلُهُ " كَمَا ذُكِرَ " أَيْ مِنْ الْبُدَاءَةِ أَوَّلًا بِالْقَاضِي.
قَوْلُهُ: (ضَمِنَ) أَيْ إنْ تَلِفَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ، بِرْمَاوِيٌّ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَمَحَلُّ الضَّمَانِ أَيْ فِي الْمَرَضِ بِغَيْرِ إيصَاءٍ وَإِيدَاعٍ إذَا تَلِفَتْ الْوَدِيعَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ كَالسَّفَرِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الضَّمَانُ إلَّا بِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ اهـ؛ لِأَنَّهُ مَا دَامَ حَيًّا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ وَلِأَنَّ مُدَّةَ الْمَرَضِ كَإِرَادَةِ السَّفَرِ.
قَوْلُهُ: (لِلْفَوَاتِ) أَيْ فَوَاتِهَا عَلَى مَالِكِهَا؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَدَّعِي أَنَّهَا مِنْ مَالِ مُوَرِّثِهِ اعْتِمَادًا عَلَى ظَاهِرِ الْيَدِ.
قَوْلُهُ: (وَكَأَنْ يَدْفِنَهَا إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: " كَأَنْ نَقَلَهَا " وَكَذَا مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (بِمَوْضِعٍ) أَيْ حِرْزٍ لَهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (أَمِينًا) أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَظَنُّ الْأَمَانَةِ لَا يَكْفِي لَوْ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ ح ل.
قَوْلُهُ: (يُرَاقِبُهَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُرِهِ إيَّاهَا بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ عَرَّضَهَا لِلضَّيَاعِ) وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ هَجَمَ عَلَيْهِ الْقُطَّاعُ فَطَرَحَهَا بِمَضْيَعَةٍ لِيَحْفَظَهَا فَضَاعَتْ ضَمِنَ، وَكَذَا لَوْ دَفَنَهَا خَوْفًا مِنْهُمْ عِنْدَ إقْبَالِهِمْ ثُمَّ ضَلَّ مَوْضِعَهَا؛ إذْ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَصْبِرَ حَتَّى تُؤْخَذَ مِنْهُ فَتَصِيرَ مَضْمُونَةً عَلَى آخِذِهَا شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْلَمَ بِهَا) اقْتِصَارُهُ عَلَى الْإِعْلَامِ هُنَا يُؤَيِّدُ كَلَامَ الْقَلْيُوبِيِّ السَّابِقِ، فَلْيُحَرَّرْ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ إعْلَامَهُ) يُفِيدُ أَنَّ السُّكْنَى غَيْرُ قَيْدٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (بِمَنْزِلَةِ إيدَاعِهِ) فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ ائْتِمَانٌ فَتَكْفِي فِيهِ الْمَرْأَةُ وَلَيْسَ بِإِشْهَادٍ حَتَّى يَشْتَرِطَ أَنْ يَكُونَ شَهَادَةً.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (فَشَرْطُهُ) أَيْ شَرْطُ إعْلَامِهِ بِهَا.
قَوْلُهُ: (وَكَأَنْ لَا يَدْفَعَ مُتْلِفَاتِهَا) بِكَسْرِ اللَّامِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ وَقَعَ فِي خِزَانَةِ الْوَدِيعِ حَرِيقٌ فَبَادَرَ لِنَقْلِ أَمْتِعَتِهِ فَاحْتَرَقَتْ الْوَدِيعَةُ لَمْ يَضْمَنْ إلَّا إنْ أَمْكَنَهُ إخْرَاجُ الْكُلِّ دُفْعَةً أَيْ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً لِمِثْلِهِ، أَوْ كَانَتْ فَوْقَ فَنَحَّاهَا وَأَخْرَجَ مَالَهُ الَّذِي تَحْتَهَا وَتَلِفَتْ بِسَبَبِ التَّنْحِيَةِ كَمَا اسْتَوْجَهَهُ ابْنُ حَجَرٍ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا وَدَائِعُ فَبَادَرَ بِنَقْلِ بَعْضِهَا فَاحْتَرَقَ مَا تَأَخَّرَ نَقْلُهُ.
اهـ. س ل عَلَى الْمَنْهَجِ.
وَمِثْلُهُ ق ل، أَيْ إذَا أَمْكَنَ نَقْلُهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى عَدَمِ التَّمَكُّنِ فِي هَذِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَرَكَ لُبْسَهَا عِنْدَ حَاجَتِهَا لِذَلِكَ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ اللُّبْسِ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَإِلَّا ضَمِنَ، وَيُوَجَّهُ فِي حَالِ الْإِطْلَاقِ بِأَنَّ الْأَصْلَ الضَّمَانُ حَتَّى يُوجَدَ صَارِفٌ.
وَعِبَارَةُ م ر. وَكَذَا عَلَيْهِ لُبْسُهَا بِنَفْسِهِ إنْ لَاقَ بِهِ عِنْدَ حَاجَتِهَا بِأَنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِ الدُّودِ بِسَبَبِ عُبُوقِ رِيحِ الْآدَمِيِّ لَهَا، نَعَمْ إنْ لَمْ يَلْقَ بِهِ لُبْسُهَا أَلْبَسَهَا مَنْ يَلِيقُ بِهَذَا الْقَصْدِ قَدْرَ الْحَاجَةِ مَعَ مُلَاحَظَتِهِ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ، فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ ضَمِنَ مَا لَمْ يَنْهَهُ.
نَعَمْ لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهَا كَثَوْبِ حَرِيرٍ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَلْبَسُهُ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهُ أَوْ وَجَدَهُ وَلَمْ يَرْضَ إلَّا بِأُجْرَةٍ فَالْأَوْجَهُ الْجَوَازُ، بَلْ الْوُجُوبُ وَلَوْ كَانَتْ الثِّيَابُ كَثِيرَةً بِحَيْثُ يَحْتَاجُ لُبْسُهَا إلَى مُضِيِّ زَمَنٍ يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ فَالْأَقْرَبُ أَنَّ لَهُ رَفْعَ
دَابَّةٍ بِسُكُونِ اللَّامِ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ الْحِفْظِ لَا إنْ نَهَاهُ عَنْ التَّهْوِيَةِ وَاللُّبْسِ وَالْعَلْفِ فَلَا يَضْمَنُ لَكِنَّهُ يَعْصِي
[حاشية البجيرمي]
الْأَمْرِ لِلْحَاكِمِ لِيَفْرِضَ لَهُ أُجْرَةً فِي مُقَابَلَةِ لُبْسِهَا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَبْذُلَ مَنْفَعَتَهُ مَجَّانًا كَالْحِرْزِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ عَلِمَهَا) أَيْ الثِّيَابَ أَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْهَا كَأَنْ كَانَتْ فِي صُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ فَلَا ضَمَانَ، أَوْ عَلِمَ وَلَمْ يُعْطِهِ مِفْتَاحَ الْقُفْلِ وَفَتْحُهُ لِذَلِكَ غَيْرُ مُضَمَّنٍ، وَإِنْ نَهَى لِكَرَاهَةِ الِامْتِثَالِ.
وَلَا يَحْرُمُ تَرْكُ التَّهْوِيَةِ إذْ لَا رُوحَ، وَإِضَاعَةُ الْمَالِ إنَّمَا تَحْرُمُ إذَا كَانَ سَبَبُهَا فِعْلًا لَا تَرْكًا، وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا تَسْيِيرُ الدَّابَّةِ قَدْرًا يَمْنَعُ بِهِ زَمَانَتَهَا.
اهـ. ز ي.
قَالَ فِي الْكَافِي: لَوْ أَوْدَعَهُ بَهِيمَةً وَأَذِنَ لَهُ فِي رُكُوبِهَا أَوْ ثَوْبًا وَأَذِنَ لَهُ فِي لُبْسِهِ فَهُوَ إيدَاعٌ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِيهِ مَا يُخَالِفُ مُقْتَضَاهُ، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَالِاسْتِعْمَالِ لَمْ يَضْمَنْ أَوْ بَعْدَهُ ضَمِنَ لِأَنَّهَا عَارِيَّةٌ فَاسِدَةٌ.
اهـ. دَمِيرِيٌّ.
فَهُمَا عَقْدَانِ فَاسِدَانِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الدُّودَ) جَمْعُ دُودَةٍ، وَيُجْمَعُ عَلَى دِيدَانٍ بِالْكَسْرِ اهـ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (بِتَرْكِ ذَلِكَ) أَيْ التَّهْوِيَةِ وَاللُّبْسِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْهَوَاءِ) بِالْمَدِّ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَصْرِ هَوَى النَّفْسِ بِمَيْلِهَا لِمَا تُحِبُّهُ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (وَعُبُوقٌ) يُقَالُ عَبِقَ بِمَعْنَى فَاحَ.
قَوْلُهُ: (يَدْفَعُهُ) أَيْ الدُّودَ.
فَرْعٌ: لَوْ أَوْدَعَ شَخْصٌ عَنْ آخَرَ بُرًّا أَوْ فُولًا فَدَخَلَهُ السُّوسُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَرُدَّهُ لِصَاحِبِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ بَيْعُهُ بِإِذْنِ حَاكِمٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ تَوَلَّى بَيْعَهُ وَأَشْهَدَ، وَمَتَى تَرَكَ الْوَدِيعُ شَيْئًا مِمَّا لَزِمَهُ لِجَهْلِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ وَعُذْرٍ لِنَحْوِ بُعْدِهِ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَفِي تَضْمِينِهِ وَقْفَةٌ لَكِنَّهُ مُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ.
اهـ. م ر. فَرْعٌ: قَالَ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: لَوْ رَأَى أَمِينٌ كَوَدِيعٍ وَرَاعٍ مَأْكُولًا تَحْتَ يَدِهِ وَقَعَ فِي مِلْكِهِ فَذَبَحَهُ جَازَ وَإِنْ تَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَضْمَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: وَفِي عَدَمِ الضَّمَانِ إذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِلَا كُلْفَةٍ نَظَرٌ وَاسْتَشْهَدَ غَيْرُهُ لِلضَّمَانِ بِقَوْلِ الْأَنْوَارِ وَتَبِعَهُ الْغَزِّيُّ.
وَلَوْ أَوْدَعَهُ بُرًّا أَيْ مَثَلًا فَوَقَعَ فِيهَا السُّوسُ لَزِمَهُ الدَّفْعُ عَنْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ بَاعَهُ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ تَوَلَّى بَيْعَهُ وَأَشْهَدَ.
وَاَلَّذِي يَتَّجِهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يُشْهِدُهُ عَلَى سَبَبِ الذَّبْحِ فَتَرَكَهُ ضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا لِعُذْرِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ قَوْلَهُ ذَبَحْتهَا لِذَلِكَ لَا يُقْبَلُ.
ثُمَّ رَأَيْته مُصَرِّحًا بِهِ فِيمَا يَأْتِي.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبُولِ قَوْلِهِ فِي نَحْوِ لَبِسْتهَا لِدَفْعِ الدُّودِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ قَبُولُهُ، ثُمَّ رَأَيْت مَا يَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ الْخَاتَمِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِيهِ بِأَنَّ مَا هُنَا فِيهِ إذْهَابٌ لِعَيْنِهَا الْمَقْصُودَةِ بِالْكُلِّيَّةِ فَاحْتِيطَ لَهُ أَكْثَرَ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا مَرَّ فِي تَعْيِيبِ الْوَصِيِّ لِلْمَالِ خَشْيَةَ ظَالِمٍ، وَيَظْهَرُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَبْحِهَا لَمْ أَجِدْ شُهُودًا عَلَى سَبَبِهِ، وَكَذَا بَعْدَ الْبَيْعِ لِنَحْوِ السُّوسِ احْتِيَاطًا لِإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ.
نَعَمْ إنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى مَا قَالَهُ اُحْتُمِلَ صِدْقُهُ.
اهـ. ابْنُ حَجَرٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَرْكِ عَلْفِ دَابَّةٍ) أَيْ مُدَّةً يَمُوتُ مِثْلُهَا فِيهَا غَالِبًا بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَإِنْ مَاتَتْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ بِهَا جُوعٌ سَابِقٌ وَعَلِمَهُ، فَإِنْ كَانَ بِهَا جُوعٌ سَابِقٌ وَعَلِمَهُ فَيَضْمَنُهَا كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا، وَقِيلَ: يَضْمَنُ الْقِسْطَ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي.
وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا لَوْ جَوَّعَ إنْسَانًا وَبِهِ جُوعٌ سَابِقٌ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ أَوْ الشَّرَابَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْحَالِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ.
اهـ. رَمْلِيٌّ زي.
وَمِثْلُ الْعَلْفِ السَّقْيُ.
وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ: أَوْ تَرَكَ عَلْفَ دَابَّةٍ، أَيْ إنْ مَضَتْ مُدَّةٌ يَمُوتُ مِثْلُهَا فِيهَا غَالِبًا أَوْ دُونَهَا وَبِهَا جُوعٌ سَابِقٌ وَعَلِمَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ أَصْلًا، وَفَارَقَ ضَمَانَ الْقِسْطِ فِي الْجِنَايَاتِ، أَيْ إذَا حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ حَتَّى مَاتَ وَقَدْ مَضَتْ مُدَّةٌ بِلَا تَنَاوُلِ ذَلِكَ قَبْلَ الْحَبْسِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْقِسْطَ بِتَعَدِّيهِ، نَعَمْ يَضْمَنُ الْأَرْشَ هُنَا.
قَوْلُهُ: (لَا إنْ نَهَاهُ) أَيْ وَكَانَ مَالِكًا لَا وَلِيًّا وَلَا وَكِيلًا وَإِلَّا ضَمِنَ الْوَدِيعُ، وَبَقِيَ مَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَخَالَفَ وَلَبِسَهَا أَوْ هَوَّاهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَهَلْ يَضْمَنُ إذَا تَلِفَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَا لِمَا فِي فِعْلِهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لِلْمَالِكِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى نَهْيِهِ عَنْهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي كَمَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ الْإِقْفَالِ فَأَقْفَلَ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. وَلَوْ نَهَاهُ عَنْ عَلْفِهَا لِنَحْوِ تُخَمَةٍ بِهَا لَزِمَهُ الِامْتِثَالُ، فَإِنْ عَلَفَهَا مَعَ بَقَاءِ الْعِلَّةِ ضَمِنَ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِعِلَّتِهَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ اهـ م ر. قَوْلُهُ: (فَلَا يَضْمَنُ) كَمَا لَوْ قَالَ أَتْلِفْ الثِّيَابَ أَوْ الدَّابَّةَ فَفَعَلَ، وَلَوْ أَخْرَجَ الْفَأْرُ الْوَدِيعَةَ مِنْ الْحِرْزِ لَمْ يَضْمَنْ الْوَدِيعُ، وَإِنْ أَدْخَلَهَا فِي جِدَارِ الْوَدِيعِ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَتَسَلَّطْ الْمَالِكُ عَلَى هَدْمِهِ لِأَنَّ مَالِكَ الْجِدَارِ لَمْ يَتَعَدَّ بِإِدْخَالِ مِلْكِ غَيْرِهِ فِي مِلْكِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا
فِي مَسْأَلَةِ الدَّابَّةِ لِحُرْمَةِ الرُّوحِ، فَإِنْ أَعْطَاهُ الْمَالِكُ عَلَفًا عَلَفَهَا مِنْهُ وَإِلَّا رَاجَعَهُ أَوْ وَكِيلَهُ لِيَعْلِفَهَا أَوْ يَسْتَرِدَّهَا، فَإِنْ فَقَدَهُمَا رَاجَعَ الْقَاضِي لِيَقْتَرِضَ عَلَى الْمَالِكِ أَوْ يُؤَجِّرَهَا أَوْ يَبِيعَ جُزْءًا مِنْهَا فِي عَلَفِهَا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ.
وَكَأَنْ تَلِفَتْ بِمُخَالَفَةِ حِفْظٍ مَأْمُورٍ بِهِ كَقَوْلِهِ: لَا تَرْقُدْ عَلَى الصُّنْدُوقِ الَّذِي فِيهِ الْوَدِيعَةُ فَرَقَدَ وَانْكَسَرَ بِثِقَلِهِ وَتَلِفَ مَا فِيهِ بِانْكِسَارِهِ، لَا إنْ تَلِفَ بِغَيْرِهِ كَسَرِقَةٍ فَلَا يَضْمَنُ، وَلَا إنْ نَهَاهُ عَنْ قُفْلَيْنِ فَأَقْفَلَهُمَا لِأَنَّ رُقَادَهُ وَقَفْلَهُ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي الْحِفْظِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْحُكْمِ الثَّانِي وَهُوَ الرَّدُّ بِقَوْلِهِ: (وَقَوْلُ الْمُودَعِ) بِفَتْحِ الدَّالِ (مَقْبُولٌ فِي رَدِّهَا عَلَى الْمُودِعِ) بِكَسْرِهَا بِيَمِينِهِ وَإِنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَا عِنْدَ دَفْعِهَا لِأَنَّهُ ائْتَمَنَهُ.
[حاشية البجيرمي]
تَعَدَّى نَظِيرُ مَا قَالُوهُ فِي دِينَارٍ وَقَعَ بِمِحْبَرَةٍ أَوْ فَصِيلٍ بِبَيْتٍ وَلَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُهُ إلَّا بِكَسْرِهَا أَوْ هَدْمِهِ يُكْسَرُ وَيُهْدَمُ بِالْأَرْشِ إنْ لَمْ يَتَعَدَّ مَالِكُ الظَّرْفِ وَإِلَّا فَلَا أَرْشَ اَ هـ م ر. وَقَوْلُهُ: " أَوْ هَدْمِهِ " يُكْسَرُ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُفْتَى بِجَوَازِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ يُقَالُ لِصَاحِبِ الْفَصِيلِ وَالدِّينَارِ: إنْ هَدَمْت الْبَيْتَ وَكَسَرْت الدَّوَاةَ غَرِمْت الْأَرْشَ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ الْمَالِكَ إتْلَافُ مَالِهِ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّهُ يَعْصِي فِي مَسْأَلَةِ الدَّابَّةِ) نَعَمْ إنْ كَانَ لِعِلَّةٍ بِهَا تَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ الْإِطْعَامِ كَقُولَنْجَ بِرَقِيقٍ فَلَا حُرْمَةَ، وَإِذَا أَطْعَمَهُ وَالْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فَمَاتَ نُظِرَ، فَإِنْ عَلِمَ بِهَا ضَمِنَ وَإِلَّا فَلَا.
اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (لِيَقْتَرِضَ عَلَى الْمَالِكِ) فَإِنْ عَجَزَ الْقَاضِي بِأَنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ اقْتِرَاضٌ وَلَا إجَارَةٌ بَاعَ بَعْضَهَا أَوْ كُلَّهَا بِالْمَصْلَحَةِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. وَاَلَّذِي يُنْفِقُهُ عَلَى الْمَالِكِ هُوَ الَّذِي يَحْفَظُهَا مِنْ التَّعْيِيبِ لَا الَّذِي يُسَمِّنُهَا، وَلَوْ كَانَتْ سَمِينَةً عِنْدَ الْإِيدَاعِ فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ عَلْفُهَا بِمَا يَحْفَظُ نَقْصَهَا عَنْ عَيْبٍ يُنْقِصُ قِيمَتَهَا.
وَلَوْ فَقَدْ الْحَاكِمُ أَنْفَقَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ إنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا رُجُوعَ فِي الْأَوْجَهِ.
نَعَمْ لَوْ كَانَتْ رَاعِيَةً فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ تَسْرِيحِهَا مَعَ ثِقَةٍ، فَلَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا لَمْ يَرْجِعْ أَيْ إنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَيْهِ مَنْ يُسَرِّحُهَا مَعَهُ وَإِلَّا فَيَرْجِعُ، وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَيْ الْوَدِيعِ نَحْوُ الْبَيْعِ أَوْ الْإِيجَارِ أَوْ الِاقْتِرَاضِ كَالْحَاكِمِ، وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا مُطْلَقًا إلَّا بِذَلِكَ اهـ شَرْحُ م ر. وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: رَاجَعَ الْقَاضِي فَإِنْ فَقَدَهُ أَنْفَقَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ إنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ أَشْهَدَ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا نَوَى الرُّجُوعَ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي نِيَّةُ الرُّجُوعِ وَإِنْ تَعَذَّرَ الْإِشْهَادُ لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَوْ يُؤَجِّرُهَا إلَخْ) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ فَيَفْعَلُ الْأَصْلَحَ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَبِيعَ جُزْءًا مِنْهَا فِي عَلْفِهَا) أَيْ إنْ رَأَى مَنْ يَشْتَرِيهِ وَلَمْ تَسْتَغْرِقْ نَفْسَهَا بِأَنْ رَجَا حُضُورَ مَالِكِهَا عَنْ قُرْبٍ، وَإِلَّا بَاعَهَا كُلَّهَا.
قَوْلُهُ: (عَلَى الصُّنْدُوقِ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَقَدْ يُفْتَحُ.
وَلَوْ أَمَرَهُ بِالرُّقَادِ أَمَامَهُ فَرَقَدَ فَوْقَهُ فَسُرِقَ مِنْ أَمَامِهِ ضَمِنَهُ.
اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (وَانْكَسَرَ بِثِقَلِهِ) أَيْ فَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرَّاقِدَ ثَقِيلٌ وَأَنَّ خَشَبَ الصُّنْدُوقِ رَقِيقٌ جِدًّا وَأَنَّ الصُّنْدُوقَ مُشْتَمِلٌ عَلَى نَحْوِ زُجَاجٍ مِمَّا يَنْكَسِرُ بِالثِّقَلِ الْمَذْكُورِ اهـ. خ ض.
قَوْلُهُ: (وَتَلِفَ مَا فِيهِ بِانْكِسَارِهِ) أَيْ فَيَضْمَنُ، وَمَفْهُومُهُ عَدَمُ الضَّمَانِ إذَا لَمْ يَتْلَفْ سم.
قَوْلُهُ: (وَلَا إنْ نَهَاهُ إلَخْ) أَيْ وَكَذَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ قَفْلٍ فَأَقْفَلَ عَلَيْهِ فَلَا يَضْمَنُ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقِيلَ يَضْمَنُ لِأَنَّ فِيهِ إغْرَاءَ السَّارِقِ عَلَى السَّرِقَةِ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (فَأَقْفَلَهُمَا) فَلَوْ لَمْ يُقْفِلْ عَلَيْهِ أَصْلًا هَلْ يَضْمَنُ لِأَنَّ مُقْتَضَى اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ الْقَفْلُ مَأْمُورًا بِهِ أَوَّلًا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الضَّمَانِ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الرَّدُّ) أَيْ حُكْمُ الرَّدِّ، وَهُوَ قَبُولُ قَوْلِ الْمُودِعِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ الْمُودَعِ) قَيْدٌ أَوَّلُ وَقَوْلُهُ عَلَى الْمُودِعِ قَيْدٌ ثَانٍ، وَقَدْ أَخَذَ الشَّارِحُ مُحْتَرَزًا عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوَّشِ.
قَوْلُهُ: (فِي رَدِّهَا) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: قَدْ يُوهِمُ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى التَّخْلِيَةَ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تُقْبَلُ دَعْوَاهُ التَّخْلِيَةَ، فَلَوْ قَالَ: خَلَّيْت بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَالِكِ فَأَخَذَهَا قُبِلَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ رَدَدْتهَا عَلَى الْمَالِكِ بِنَفْسِي أَوْ بِوَكِيلِي؛ هَكَذَا فِي حَوَاشِي الْبَكْرِيّ عَلَى الرَّوْضَةِ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِيَمِينِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَقْبُولٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ إلَخْ) عِبَارَةُ سم: وَإِنْ تَشَهَّدَ عَلَيْهِ عِنْدَ الدَّفْعِ أَوْ وَقَعَ النِّزَاعُ مَعَ وَارِثِهِ بِأَنْ ادَّعَى الْوَارِثُ أَنَّ مُوَرِّثَهُ رَدَّهَا لِمَالِكِهَا فَأَنْكَرَ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْيَمِينِ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ وَانْدَفَعَتْ الْمُطَالَبَةُ بِيَمِينِهِ اهـ. وَسُئِلَ م ر عَمَّنْ دَفَعَ لِآخَرَ مَبْلَغًا بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ هَلْ هُوَ قَرْضٌ أَوْ وَدِيعَةٌ ثُمَّ إنَّهُ دَفَعَ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ لِصَاحِبِهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ فَأُجَاب بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَالِكِ الْمُدَّعِي الْقَرْضَ
تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ يَجْرِي فِي كُلِّ أَمِينٍ كَوَكِيلٍ وَشَرِيكٍ وَعَامِلِ قِرَاضٍ وَجَابٍ فِي رَدِّ مَا جَبَاهُ عَلَى الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ لِلْجِبَايَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ.
وَضَابِطُ الَّذِي يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي الرَّدِّ هُوَ كُلُّ أَمِينٍ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، إلَّا الْمُرْتَهِنُ وَالْمُسْتَأْجِرُ فَإِنَّهُمَا لَا يَصْدُقَانِ فِي الرَّدِّ لِأَنَّهُمَا أَخَذَا الْعَيْنَ لِغَرَضِ أَنْفُسِهِمَا، فَإِنْ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى غَيْرِ مَنْ ائْتَمَنَهُ كَوَارِثِ الْمَالِكِ، أَوْ ادَّعَى وَارِثُ الْمُودَعِ بِفَتْحِ الدَّالِ رَدَّ الْوَدِيعَةِ عَلَى الْمَالِكِ، أَوْ أَوْدَعَ الْمُودِعُ عِنْدَ سَفَرِهِ أَمِينًا فَادَّعَى الْأَمِينُ الرَّدّ عَلَى الْمَالِكِ، طُولِبَ كُلٌّ مِمَّنْ ذَكَرَ بِبَيِّنَةٍ بِالرَّدِّ عَلَى مَنْ ذُكِرَ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الرَّدِّ وَلَمْ يَأْتَمِنْهُ.
(وَعَلَيْهِ) أَيْ الْوَدِيعِ (أَنْ يَحْفَظَهَا) أَيْ الْوَدِيعَةَ لِمَالِكِهِ أَوْ وَارِثِهِ (فِي حِرْزِ مِثْلِهَا) فَإِنْ أَخَّرَ إحْرَازَهَا مَعَ التَّمَكُّنِ أَوْ دَلَّ
[حاشية البجيرمي]
بِيَمِينِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيُصَدَّقُ فِي عَدَمِ رَدِّهِ عَلَيْهِ اهـ. وَالْحُكْمُ بِأَنَّهُ قَرْضٌ مِنْ غَيْرِ صِيغَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ بَعِيدٌ إلَّا إذَا ادَّعَى أَنَّهُ أَتَى بِصِيغَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ لِلْجِبَايَةِ) خَرَجَ بِهِ رَدُّهُ عَلَى الْمُسْتَحَقِّينَ وَعَلَى الْوَاقِفِ الَّذِي لَمْ يَسْتَأْجِرْهُ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّ مَا جَبَاهُ عَلَيْهِمْ أَيْ دَفَعَهُ لَهُمْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَالْمُسْتَأْجِرُ) بِخِلَافِ الْأَجِيرِ لِلْخِيَاطَةِ أَوْ لِلصَّبْغِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّهِ عَلَى الْمَالِكِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُمَا لَا يُصَدَّقَانِ فِي الرَّدِّ) وَإِنْ صُدِّقَا فِي التَّلَفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، بَلْ التَّصْدِيقُ فِي التَّلَفِ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَمِينِ بَلْ يَجْرِي فِي غَيْرِهِ كَالْغَاصِبِ لَكِنَّهُ يَغْرَمُ الْبَدَلَ اهـ سم.
وَالضَّابِطُ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ مَنْ ادَّعَى التَّلَفَ صُدِّقَ وَلَوْ غَاصِبًا وَمَنْ ادَّعَى الرَّدَّ، فَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ يَدُ ضَمَانٍ كَالْمُسْتَامِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَإِنْ كَانَ أَمِينًا ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى غَيْرِ مَنْ ائْتَمَنَهُ فَكَذَلِكَ أَوْ عَلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إلَّا الْمُكْتَرِي وَالْمُرْتَهِنِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر، وَهُوَ ضَابِطٌ حَسَنٌ فَاحْفَظْهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى غَيْرِ مَنْ ائْتَمَنَهُ) مُحْتَرَزُ الثَّانِي.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ ادَّعَى وَارِثُ الْمُودَعِ " مُحْتَرَزُ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (مِمَّنْ ذُكِرَ) هُوَ الرَّدُّ عَلَى وَارِثِ الْمَالِكِ وَوَارِثُ الْمُودَعِ وَالْأَمِينِ.
وَقَوْلُهُ: " عَلَى مَنْ ذُكِرَ " هُوَ وَارِثُ الْمَالِكِ فِي الْأُولَى وَالْمَالِكُ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَهَا) هَذَا لَيْسَ مِنْ الْحُكْمِ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ بَلْ مِنْ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَمَانَةُ، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْحُكْمِ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ: " وَقَوْلُ الْمُودِعِ إلَخْ ". قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَخَّرَ إحْرَازَهَا) التَّأْخِيرُ لَيْسَ قَيْدًا، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَضَعْهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا ضَمِنَ سَوَاءٌ أَخَّرَ أَوْ لَمْ يُؤَخِّرْ وَكَانَ الْأَوْضَحُ، فَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا إلَخْ.
وَلَيْسَ مِنْ الْعُذْرِ فِي تَأْخِيرِ إحْرَازِهَا مَا لَوْ جَرَتْ عَادَتُهُ أَنْ لَا يَذْهَبَ مِنْ حَانُوتِهِ مَثَلًا إلَّا آخِرَ النَّهَارِ وَإِنْ كَانَ حَانُوتُهُ حِرْزًا لَهَا، بِرْمَاوِيٌّ.
وَعِبَارَةُ م ر: وَلَوْ قَالَ لَهُ وَهُوَ فِي حَانُوتِهِ احْمِلْهَا إلَى بَيْتِك لَزِمَهُ أَنْ يَقُومَ فِي الْحَالِ وَيَحْمِلَهَا إلَيْهِ، فَلَوْ تَرَكَهَا فِي حَانُوتِهِ وَلَمْ يَحْمِلْهَا إلَى الْبَيْتِ مَعَ الْإِمْكَانِ ضَمِنَ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَلَا اعْتِبَارَ بِعَادَتِهِ لِأَنَّهُ وَرَّطَ نَفْسَهُ بِقَبُولِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ خَسِيسَةً أَمْ لَا اهـ. وَلَوْ أَوْدَعَهُ دَرَاهِمَ فِي سُوقٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ كَيْفِيَّةَ حِفْظِهَا فَرَبَطَهَا فِي كُمِّهِ وَأَمْسَكَهَا بِيَدِهِ أَوْ حَفِظَهَا فِي جَيْبِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ بِلَا رَبْطٍ فِي كُمِّهِ وَأَخَذَهَا غَاصِبٌ لَمْ يَضْمَنْ، أَوْ ضَاعَتْ فِي غَفْلَةٍ أَوْ نَوْمٍ ضَمِنَ وَلَوْ نَامَ وَمَعَهُ الْوَدِيعَةُ فَضَاعَتْ فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ مَنْ يَحْفَظُهَا أَوْ فِي مَحَلٍّ حِرْزٍ لَهَا لَمْ يَضْمَنْ وَإِلَّا ضَمِنَ.
اهـ. شَرْحُ م ر. وَلَوْ قَالَ لَهُ: ارْبِطْ الدَّرَاهِمَ، فِي كُمِّك فَأَمْسَكَهَا مُدَّةً فَتَلِفَتْ فَإِنْ ضَاعَتْ بِنَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ ضَمِنَ، أَوْ بِأَخْذِ غَاصِبٍ فَلَا، وَلَوْ جَعَلَهَا فِي جَيْبِهِ بَدَلًا مِنْ الرَّبْطِ فِي الْكُمِّ لَمْ يَضْمَنْ إلَّا إنْ كَانَ الْجَيْبُ وَاسِعًا غَيْرَ مَزْرُورٍ، أَوْ رَبَطَهَا فِي كُمِّهِ بَدَلًا مِنْ جَعْلِهَا فِي جَيْبِهِ ضَمِنَ إلَّا إنْ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ مَعَ الرَّبْطِ فِي الْكُمِّ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: اسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ مَا إذَا رَبَطَهَا بَيْنَ عَضُدِهِ وَجَنْبِهِ فَلَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ بَيْنَ ثِيَابِهِ أَحْرَزَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَوْ امْتَثَلَ قَوْلَهُ ارْبِطْهَا فِي كُمِّك فَإِنْ جَعَلَ الْخَيْطَ خَارِجًا فَضَاعَتْ بِأَخْذِ طَرَّارٍ أَيْ شُرْطِيٍّ ضَمِنَ أَوْ بِاسْتِرْسَالٍ فَلَا، وَإِنْ جَعَلَهُ دَاخِلًا فَضَاعَتْ بِاسْتِرْسَالٍ ضَمِنَ أَوْ بِأَخْذِ طَرَّارٍ فَلَا.
هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَرْجِعْ إلَى بَيْتِهِ، فَإِنْ رَجَعَ لِبَيْتِهِ لَزِمَهُ إحْرَازُهَا فِيهِ وَلَا يَكُونُ مَا ذُكِرَ حِرْزًا لَهَا حِينَئِذٍ لِأَنَّ بَيْتَهُ أَحْرَزُ اهـ سم.
وَقَوْلُهُ: " إلَّا إنْ كَانَ الْجَيْبُ وَاسِعًا " أَفَادَ بِهِ أَنَّ مَحِلَّ عَدَمِ الضَّمَانِ إذَا كَانَ
عَلَيْهَا سَارِقًا بِأَنْ عَيَّنَ لَهُ مَكَانَهَا وَضَاعَتْ بِالسَّرِقَةِ، أَوْ دَلَّ عَلَيْهَا مَنْ يُصَادِرُ الْمَالِكَ بِأَنْ عَيَّنَ لَهُ مَوْضِعَهَا فَضَاعَتْ بِذَلِكَ ضَمِنَهَا لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ لِلْحِفْظِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْلَمَ بِهَا غَيْرَهُ.
فَلَوْ أَكْرَهَ الْوَدِيعَ ظَالِمٌ عَلَى تَسْلِيمِ الْوَدِيعَةِ حَتَّى سَلَّمَهَا إلَيْهِ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ الْوَدِيعِ لِتَسْلِيمِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الظَّالِمِ لِاسْتِيلَائِهِ عَلَيْهَا، وَيَجِبُ عَلَى الْوَدِيعِ إنْكَارُ الْوَدِيعَةِ مِنْ ظَالِمٍ وَالِامْتِنَاعُ مِنْ إعْلَامِهِ بِهَا جُهْدَهُ، فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ضَمِنَ وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ حِفْظِهَا.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيُتَّجَهُ وُجُوبُ الْحَلِفِ إذَا كَانَتْ الْوَدِيعَةُ رَقِيقًا وَالظَّالِمُ يُرِيدُ قَتْلَهُ أَوْ الْفُجُورَ بِهِ، وَيَجِبُ أَنْ يُوَرِّيَ فِي يَمِينِهِ إذَا حَلَفَ وَأَمْكَنَهُ التَّوْرِيَةُ وَكَانَ يَعْرِفُهَا لِئَلَّا يَحْلِفَ كَاذِبًا، فَإِنْ لَمْ يُوَرِّ كَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ كَاذِبٌ فِيهَا.
فَإِنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ مُكْرَهًا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى اعْتِرَافِهِ فَحَلَفَ حَنِثَ لِأَنَّهُ فَدَى الْوَدِيعَةَ بِزَوْجَتِهِ أَوْ رَقِيقِهِ، إنْ اعْتَرَفَ بِهَا وَسَلَّمَهَا ضَمِنَهَا لِأَنَّهُ
[حاشية البجيرمي]
الْجَيْبُ ضَيِّقًا أَوْ وَاسِعًا مَزْرُورًا.
وَقَوْلُهُ: " فَإِنْ جَعَلَ الْخَيْطَ خَارِجًا " هَذَا إنْ كَانَ لَهُ ثَوْبٌ فَقَطْ أَوْ جَعَلَهَا فِي الْأَعْلَى، أَمَّا لَوْ كَانَتْ فِي الثَّوْبِ الْأَسْفَلِ فَلَا فَرْقَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وَقَوْلُهُ بِأَخْذِ طَرَّارٍ لِأَنَّ فِي الرَّبْطِ خَارِجًا إغْرَاءُ الطَّرَّارِ عَلَيْهَا لِسُهُولَةِ الْقَطْعِ أَوْ الْحَلِّ، عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ.
اهـ. حَجّ زي.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ بِاسْتِرْسَالٍ فَلَا " أَيْ بِأَنْ كَانَتْ ثَقِيلَةً، أَيْ بِأَنْ يُحِسَّ بِهَا إذَا وَقَعَتْ وَإِلَّا ضَمِنَ؛ لِأَنَّ وُقُوعَهَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إحْكَامِ الرَّبْطِ بِخِلَافِ الثَّقِيلَةِ.
اهـ. ح ل. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَوْ أَرَادَ وَضْعَهَا فِي الْجَيْبِ فَوَضَعَهَا بَيْنَ الثِّيَابِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ فَضَاعَتْ ضَمِنَ، وَلَوْ كَانَ الْجَيْبُ مَثْقُوبًا وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ فَسَقَطَتْ الدَّرَاهِمُ ضَمِنَهَا فِي سم؛ وَلَا فَرْقَ فِي الْجَيْبِ بَيْنَ الَّذِي فِي فَتْحَةِ الْقَمِيصِ وَاَلَّذِي بِجَانِبِهِ أَيْ إنْ غَطَّى بِثَوْبٍ فَوْقَهُ كَمَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهُمْ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ دَلَّ عَلَيْهَا) أَيْ وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْغَيْرَ لَمْ يَلْتَزِمْ حِفْظَهَا بِخِلَافِهِ هُوَ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. قَالَ حَجّ: وَقَضِيَّةُ ضَمَانِهِ بِمُجَرَّدِ الدَّلَالَةِ إنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِهَا، وَبِهِ صَرَّحَ جَمْعٌ.
لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا مَرَّ فِي تَرْكِ الْعَلَفِ وَتَأْخِيرِ الذَّهَابِ لِلْبَيْتِ عُدْوَانًا بِأَنَّ كُلًّا مِنْ ذَيْنِك سَبَبٌ فِيهِ لِإِذْهَابِ عَيْنِهَا بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِ الدَّلَالَةِ هُنَا فَلَمْ تَدْخُلْ بِهَا فِي ضَمَانِهِ س ل. وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ م ر. قَالَ ع ش عَلَيْهِ: قَوْلُهُ " لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ إلَخْ " وَلَا يُنَافِي هَذَا أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ الدَّابَّةَ فِي زَمَنِ الْخَوْفِ دَخَلَتْ فِي ضَمَانِهِ وَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ الْخَوْفِ، لِأَنَّ إخْرَاجَ الدَّابَّةِ جِنَايَةٌ عَلَيْهَا نَفْسِهَا فَاقْتَضَتْ الضَّمَانَ، بِخِلَافِ الدَّلَالَةِ فَإِنَّهَا لِخُرُوجِهَا عَنْ الْوَدِيعَةِ لَا تُعَدُّ جِنَايَةً عَلَيْهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (مَنْ يُصَادِرُ الْمَالِكَ) أَيْ يَطْمَعُ فِي مَالِهِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ مَنْ ذَكَرَ مِنْ السَّارِقِ وَالْمُصَادِرِ، وَقِيلَ: أُفْرِدَ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِأَوْ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَلِمَ بِهَا مِنْ الْعِلْمِ وَغَيْرُهُ فَاعِلٌ وَهِيَ أَوْلَى، وَمَعْنَاهَا أَنَّ غَيْرَ الْوَدِيعِ عَلِمَ بِهَا مِنْ غَيْرِ إعْلَامِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ فَافْهَمْ.
اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (حَتَّى سَلَّمَهَا إلَيْهِ) أَوْ إلَى شَخْصٍ آخَرَ.
وَاحْتَرَزَ بِسَلَّمَهَا إلَيْهِ عَمَّا لَوْ أَخَذَهَا بِنَفْسِهِ قَهْرًا مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ فَإِنَّ الضَّمَانَ عَلَى الظَّالِمِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ عَلَى الْوَدِيعِ إنْكَارُ الْوَدِيعَةِ مِنْ ظَالِمٍ) هَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْكَذِبُ، فَإِنَّهُ فِي الْأَصْلِ حَرَامٌ؛ وَقَدْ يَجُوزُ كَالزَّوْجَةِ حِفْظًا لِحُسْنِ عِشْرَتِهَا وَكَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَيَلْزَمُ الْوَدِيعَ دَفْعُ الظَّالِمِ بِمَا أَمْكَنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالْحَلِفِ جَازَ وَكَفَّرَ إنْ كَانَ بِاَللَّهِ تَعَالَى دُونَ الطَّلَاقِ، نَعَمْ يَتَّجِهُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ الْوُجُوبُ إنْ كَانَ حَيَوَانًا يُرِيدُ قَتْلَهُ أَوْ قِنًّا يُرِيدُ الْفُجُورَ بِهِ اهـ. وَبَقِيَ مَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى الْحَلِفِ فَقَطْ فَحَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَوْ بِاَللَّهِ فَهَلْ يَحْنَثُ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ فِي حَلِفِهِ بِأَحَدِهِمَا اخْتِيَارًا لَهُ فَحَنِثَ إذْ الْمُكْرَهُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ مَاهِيَّةِ الْحَلِفِ وَالْمَاهِيَّةُ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُوجَدُ إلَّا فِي ضِمْنِ جُزْئِيَّاتِ الْحَلِفِ فَفَرْدٌ مِنْهَا بِخُصُوصِهِ لَيْسَ مُكْرَهًا عَلَيْهِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَالِامْتِنَاعُ) بِالرَّفْعِ أَيْ وَيَجِبُ الِامْتِنَاعُ، وَقَوْلُهُ: " مِنْ إعْلَامِهِ " بِهَا أَيْ بِمَحِلِّهَا شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ الْإِنْكَارِ وَالِامْتِنَاعِ بِأَنْ يَقُولَ: " وَاَللَّهِ إنَّهَا لَيْسَتْ عِنْدِي وَلَا أَعْلَمُ بِهَا.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُوَرِّي) بِأَنْ يَقْصِدَ غَيْرَ مَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يَعْرِفُهَا) أَيْ التَّوْرِيَةَ وَهِيَ قَصْدُ مَجَازٍ هُجِرَ لَفْظُهُ دُونَ حَقِيقَتِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: عِنْدِي قَمِيصٌ أَيْ غِشَاءُ الْقَلْبِ أَوْ ثَوْبٌ أَيْ رُجُوعٌ مِنْ ثَابَ إذَا رَجَعَ.
اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (مُكْرَهًا عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ، فَقَوْلُهُ: " أَوْ عَلَى اعْتِرَافِهِ " إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَى أَحَدِ
فَدَى زَوْجَتَهُ أَوْ رَقِيقَهُ بِهَا، وَلَوْ أَعْلَمَ اللُّصُوصَ بِمَكَانِهَا فَضَاعَتْ بِذَلِكَ ضَمِنَ لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ لِلْحِفْظِ لَا إنْ أَعْلَمَهُمْ بِأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَكَانِهَا فَلَا يَضْمَنُ بِذَلِكَ
(وَإِذَا طُولِبَ) أَيْ طَلَبَ الْمَالِكُ أَوْ وَارِثَهُ الْوَدِيعَ أَوْ وَارِثَهُ (بِهَا) أَيْ بِرَدِّهَا (لَمْ يُخْرِجْهَا) أَيْ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ (مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا) وَقْتَ طَلَبِهَا (حَتَّى تَلِفَتْ ضَمِنَهَا) بِبَدَلِهَا مِنْ مِثْلٍ إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً، أَوْ قِيمَةٍ إنْ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِرَدِّ الْوَدِيعَةِ حَمْلَهَا إلَى مَالِكِهَا، بَلْ يَحْصُلُ بِأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَقَطْ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ الْمَالِكَ الْإِشْهَادَ وَإِنْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ عِنْدَ الدَّفْعِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي الدَّفْعِ بِيَمِينِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ طَلَبهَا وَكِيلُ الْمُودِعِ لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي دَفْعِهَا إلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ مَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ لِمَالِكِهَا: خُذْ وَدِيعَتَك.
لَزِمَهُ أَخْذُهَا كَمَا فِي الْبَيَانِ، وَعَلَى الْمَالِكِ مُؤْنَةُ الرَّدِّ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا مَا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ لِعُذْرٍ كَأَنْ كَانَ فِي جُنْحِ لَيْلٍ الْوَدِيعَةُ فِي خِزَانَةٍ لَا يَتَأَتَّى فَتْحُ بَابِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ كَانَ مَشْغُولًا بِصَلَاةٍ أَوْ قَضَاءِ حَاجَةٍ، أَوْ فِي حَمَّامٍ أَوْ بِأَكْلِ طَعَامٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ.
[حاشية البجيرمي]
الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْحَلِفِ أَوْ الِاعْتِرَافِ فَلَيْسَ إكْرَاهًا حَقِيقَةً.
قَوْلُهُ: (حَنِثَ) أَيْ لِفَقْدِ شُرُوطِ الْإِكْرَاهِ إذْ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَهَذَا إكْرَاهٌ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الِاعْتِرَافِ بِهَا وَالطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ قَوْلُ: (وَسَلَّمَهَا) قَيْدٌ مُضِرٌّ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ ق ل، أَيْ لِأَنَّ الِاعْتِرَافَ كَافٍ فِي تَضْمِينِهِ.
وَبِخَطِّ الْمَيْدَانِيِّ: تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ لَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ إذَا سَلَّمَ ضَمِنَ وَلَوْ مُكْرَهًا لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي إكْرَاهِهِ بِاعْتِرَافِهِ بِهَا وَإِنْ كَانَ لَا إثْمَ فِيهِ فَإِنْ اعْتَرَفَ بِهَا وَلَمْ يُسَلِّمْهَا فَلَا ضَمَانَ فَتَأَمَّلْ م ر. قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَعْلَمُ اللُّصُوصَ) هَذَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ أَعَادَهُ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (الْمَالِكُ) أَيْ الْمُطْلَقُ التَّصَرُّفِ وَلَوْ كَانَ سَكْرَانًا إلْحَاقًا لَهُ بِالْمُكَلَّفِ.
أَمَّا مَالِكٌ حُجِرَ عَلَيْهِ بِنَحْوِ فَلَسٍ أَوْ سَفَهٍ فَلَا يُرَدُّ إلَّا لِوَلِيِّهِ وَإِلَّا ضَمِنَ كَالرَّدِّ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ اهـ م د.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَمْ يَرُدَّهَا) لَوْ قَالَ: أَيْ لَمْ يُخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لَكَانَ مُسْتَقِيمًا؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ.
وَلَعَلَّهُ رَاعَى كَلَامَ الْمُصَنِّفِ وَلِذَلِكَ احْتَاجَ لِبَيَانِهِ بَعْدَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (ضَمِنَهَا) أَيْ مَعَ الْإِثْمِ لِأَنَّ طَلَبَ الْمَالِكِ قَرِينَةٌ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا بِبَقَاءِ الْيَدِ، وَهُوَ ضَمَانُ غَصْبٍ فِي هَذِهِ وَفِي صُوَرِ التَّعَدِّي كُلِّهَا، فَيَضْمَنُ الْوَدِيعُ ضَمَانَ الْغَصْبِ مِنْ وَقْتِ التَّعَدِّي.
قَوْلُهُ: (بَلْ يَحْصُلُ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ بَلْ التَّخْلِيَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يُخَلِّي بَيْنَهُ) أَيْ فَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ، وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ نَحْوَ خَاتِمٍ أَمَانَةً لِقَضَاءِ حَاجَةٍ وَأَمَرَهُ بِرَدِّهِ بَعْدَ قَضَائِهَا فَتَرَكَهُ فِي حِرْزِهِ فَضَاعَ لَمْ يَضْمَنْهُ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ سِوَى التَّخْلِيَةِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (فَتَرَكَهُ) أَيْ مَنْ أَخَذَهُ.
وَقَوْلُهُ: " فِي حِرْزِهِ " أَيْ الْخَاتِمِ، أَيْ حِرْزِ مِثْلِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُلْزِمَ الْمَالِكَ الْإِشْهَادَ) أَيْ لَيْسَ لَهُ أَيْ لِلْوَدِيعِ أَنْ يُلْزِمَ الْمَالِكَ بِتَأْخِيرِ أَخْذِهَا حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِ ق ل. بِأَنْ يَقُولَ: لَا تَأْخُذْهَا إلَّا إنْ أَشْهَدْت عَلَى أَخْذِهَا مِنِّي.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ أَشْهَدَ إلَخْ) الْغَايَةُ فِيهِ وَفِيمَا تَقَدَّمَ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَقَوْلُ الْمُودِعِ إلَخْ، لِلرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ؛ قَالَ فِي الْمِيزَانِ: قَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: إنَّهُ إذَا قَبَضَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُودِعَ ائْتَمَنَهُ أَوَّلًا وَمُقْتَضَى ذَلِكَ قَبُولُ قَوْلِهِ فِي الرَّدِّ.
وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ الْخِيَانَةُ بَعْدَ أَنْ اسْتَأْمَنَهُ فَيَدَّعِيَ الرَّدَّ كَذِبًا وَقِلَّةَ دِينٍ اهـ. قَوْلُهُ: (وَكِيلُ الْمُودِعِ) . بِكَسْرِ الدَّالِ، أَيْ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالْإِشْهَادِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَالَ مَنْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ) هَذَا مِنْ الْحُكْمِ الثَّالِثِ وَهُوَ الْجَوَازُ، فَلَوْ أَخَّرَهُ إلَى قَوْلِهِ الْآتِي الثَّالِثُ الْجَوَازُ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (فِي جُنْحِ لَيْلٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا أَيْ ظُلْمَتِهِ وَاخْتِلَاطِهِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
قَوْلُهُ: (بِصَلَاةٍ) عِبَارَةُ م ر.
بِخِلَافِهِ لِنَحْوِ طُهْرٍ وَصَلَاةٍ وَأَكْلٍ دَخَلَ وَقْتُهَا وَهِيَ بِغَيْرِ مَجْلِسِهِ وَمُلَازَمَةِ غَرِيمٍ وَلَوْ طَالَ زَمَنُ الْعُذْرِ كَنَذْرِ اعْتِكَافِ شَهْرٍ مُتَتَابِعٍ وَإِحْرَامٍ يَطُولُ زَمَنُهُ، فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَوْكِيلُ أَمِينٍ يَرُدُّهَا إنْ وَجَدَهُ وَإِلَّا بَعَثَ لِلْحَاكِمِ لِيَرُدَّهَا، فَإِنْ تَرَكَ أَحَدَ هَذَيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ضَمِنَ اهـ.
الْحُكْمُ الثَّالِثُ الْجَوَازُ فَلِلْمُودِعِ الِاسْتِرْدَادُ وَلِلْوَدِيعِ الرَّدُّ فِي كُلِّ وَقْتٍ، أَمَّا الْمُودِعُ فَلِأَنَّهُ الْمَالِكُ، وَأَمَّا الْوَدِيعُ فَلِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالْحِفْظِ.
قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ جَوَازُ الرَّدِّ لِلْوَدِيعِ بِحَالَةٍ لَا يَلْزَمُهُ فِيهَا الْقَبُولُ وَإِلَّا حَرُمَ الرَّدُّ فَإِنْ كَانَ بِحَالَةٍ يُنْدَبُ فِيهَا الْقَبُولُ فَالرَّدُّ خِلَافُ الْأَوْلَى إنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْمَالِكُ.
وَتَنْفَسِخُ بِمَا تَنْفَسِخُ بِهِ الْوَكَالَةُ مِنْ مَوْتِ أَحَدِهِمَا أَوْ جُنُونِهِ أَوْ إغْمَائِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا مَرَّ فِيهَا.
خَاتِمَةٌ: لَوْ ادَّعَى الْوَدِيعُ تَلَفَ الْوَدِيعَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ سَبَبًا، أَوْ ذَكَرَ لَهُ سَبَبًا خَفِيًّا كَسَرِقَةٍ صُدِّقَ فِي ذَلِكَ بِيَمِينِهِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعُ، وَلَا يَلْزَمُهُ بَيَانُ السَّبَبِ فِي الْأَوْلَى، نَعَمْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ أَنَّهَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ وَإِنْ ذَكَرَ سَبَبًا ظَاهِرًا كَحَرِيقٍ، فَإِنْ عُرِفَ الْحَرِيقُ وَعُمُومُهُ وَلَمْ يُحْتَمَلْ سَلَامَةُ الْوَدِيعَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْحَالِ يُغْنِيهِ عَنْ الْيَمِينِ، أَمَّا إذَا اُحْتُمِلَ سَلَامَتُهَا بِأَنْ عَمَّ ظَاهِرًا لَا يَقِينًا فَيَحْلِفُ لِاحْتِمَالِ سَلَامَتِهَا فَإِنْ عُرِفَ الْحَرِيقُ دُونَ عُمُومِهِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ لِاحْتِمَالِ مَا ادَّعَاهُ، وَإِنْ جَهِلَ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الظَّاهِرِ طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ عَلَيْهِ ثُمَّ يَحْلِفُ عَلَى التَّلَفِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا لَمْ تَتْلَفْ بِهِ، وَلَا يُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ عَلَى التَّلَفِ بِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى.
وَلَوْ أَوْدَعَهُ وَرَقَةً مَكْتُوبًا فِيهَا الْحَقُّ الْمَقَرُّ بِهِ كَمِائَةِ دِينَارٍ وَتَلِفَتْ بِتَقْصِيرِهِ ضَمِنَ قِيمَتَهَا مَكْتُوبَةً وَأُجْرَةَ الْكِتَابَةِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَتْلَفَ ثَوْبًا مُطَرَّزًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ التَّطْرِيزِ لِأَنَّ التَّطْرِيزَ يَزِيدُ قِيمَةَ الثَّوْبِ غَالِبًا، وَلَا كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ فَإِنَّهَا قَدْ تُنْقِصُهَا.
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (مُتَبَرِّعٌ بِالْحِفْظِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِأُجْرَةٍ لَزِمَتْ، فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (يُنْدَبُ فِيهَا الْقَبُولُ) بِأَنْ كَانَ ثِقَةً قَادِرًا عَلَى حِفْظِهَا وَأَمِنَ الْخِيَانَةَ.
قَوْلُهُ: (وَعُمُومُهُ) أَيْ لِلْمَحِلِّ.
قَوْلُهُ: (طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ عَلَيْهِ) وَلَوْ وَقَعَتْ دَابَّةٌ فِي مَهْلَكَةٍ وَهِيَ مَعَ رَاعٍ أَوْ وَدِيعٍ فَتَرَكَ تَخْلِيصَهَا مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ بِلَا كَبِيرِ مَشَقَّةٍ أَوْ ذَبَحَهَا بَعْدَ تَعَذُّرِ تَخْلِيصِهَا فَمَاتَتْ ضَمِنَهَا، وَلَا يُصَدَّقُ فِي ذَبْحِهَا لِذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ كَمَا فِي دَعْوَاهُ خَوْفًا أَلْجَأَهُ إلَى إيدَاعِ غَيْرِهِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر، وَفِيهِ أَيْضًا؛ وَلَوْ دُفِعَ لَهُ مِفْتَاحُ نَحْوِ بَيْتِهِ فَدَفَعَهُ لِآخَرَ فَفَتَحَ وَأَخَذَ الْمَتَاعَ لَمْ يَضْمَنْهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَ حِفْظَ الْمِفْتَاحِ لَا الْمَتَاعِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ الْتَزَمَهُ ضَمِنَهُ اهـ. قَوْلُهُ: " وَلَا يُصَدَّقُ فِي ذَبْحِهَا لِذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ " قَالَ ع ش عَلَيْهِ: بَقِيَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ رَاعِيًا وَلَا مُودِعًا وَرَأَى نَحْوَ مَأْكُولٍ لِغَيْرِهِ وَقَعَ فِي مَهْلَكَةٍ وَأَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَبْحُهُ بِبَيِّنَةٍ بِهِ وَحِفْظُهُ لِمَالِكِهِ وَإِذَا تَرَكَهُ مِنْ غَيْرِ ذَبْحٍ لَا يَضْمَنُ أَوْ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَبْحُهُ وَلَهُ تَرْكُهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِالتَّرْكِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ لِلْقَطْعِ بِرِضَا مَالِكِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ إتْلَافَ مَالِهِ، لَكِنْ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا بِبَيِّنَةِ مَا قَالُوهُ فِي الرَّاعِي، فَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ اُحْتُمِلَ تَصْدِيقُهُ كَمَا قَالَهُ حَجّ فِي الرَّاعِي، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ كُلَّهُ مَفْرُوضٌ فِي عَارِفٍ يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْهَلَاكِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَحْلِفُ عَلَى التَّلَفِ) أَيْ بِهِ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ.
قَوْلُهُ: (مَكْتُوبًا فِيهَا) فِي خَطِّ الْمُؤَلِّفِ مَكْتُوبٌ بِالرَّفْعِ وَالصَّوَابُ النَّصْبُ صِفَةً لِوَرَقَةٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَالْحَقُّ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِوَرَقَةٍ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ، أَوْ أَنَّهُ عَلَى لُغَةِ رَبِيعَةَ الَّذِينَ يَرْسُمُونَ الْمَنْصُوبَ بِصُورَةِ الْمَرْفُوعِ وَالْمَجْرُورِ.
قَوْلُهُ: (مَكْتُوبَةً) حَالٌ أَيْ لَا بَيْضَاءَ لِأَنَّ قِيمَتَهَا مَكْتُوبَةً دُونَ قِيمَتِهَا خَالِيَةً عَنْ الْكِتَابَةِ وَقَدْ جُبِرَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أُجْرَةِ الْكِتَابَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأُجْرَةُ الْكِتَابَةِ) أَيْ الْمُعْتَادَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْحُجَجُ الْمَعْرُوفَةُ وَالتَّذَاكِرُ الدِّيوَانِيَّةُ وَنَحْوُهَا؛ وَلَا نَظَرَ لِمَا يَغْرَمُ عَلَى مِثْلِهَا حِينَ أَخَذَهَا لِتَعَدِّي آخِذِيهِ ع ش عَلَى م ر، أَيْ فَلَا عِبْرَةَ بِمَا اُعْتِيدَ فِي مُقَابَلَةِ كِتَابَةِ الْحُجَجِ مِنْ أَخْذِ قَدْرٍ زَائِدٍ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ فَلَا يَغْرَمُ الْمُتْلِفُ لِحُجَّةِ تَمَلُّكِ دَارٍ مَثَلًا اشْتَمَلَتْ عَلَى حُكْمِ قَاضٍ قَدْ أَخَذَ فِي نَظِيرِ الْحُكْمِ دَرَاهِمَ وَإِنْ جَازَ لَهُ أَخْذُهَا ضَمَانَ مَا أَخَذَهُ الْقَاضِي، بَلْ أُجْرَةُ مِثْلِ كِتَابَةِ تِلْكَ الْوَرَقَةِ فَقَطْ مَعَ قِيمَةِ الْوَرَقَةِ مَكْتُوبَةً كَمَا ذَكَرَهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
اهـ. م د. وَقَوْلُهُ: وَإِنْ جَازَ لَهُ أَخْذُهَا " وَمَحَلُّ جَوَازِ أَخْذِهِ إذَا كَانَ مَا يَأْخُذُهُ هُوَ الَّذِي جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهُ: لَا أَكْتُبُهَا بَلْ حَتَّى تُعْطِينِي كَذَا وَكَذَا زِيَادَةً عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ.
وَأَمَّا صَاحِبُ الْوَرَقَةِ فَيَجُوزُ لَهُ الْإِعْطَاءُ وَلَوْ كَانَ زِيَادَةً عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ لِحَاجَتِهِ وَاضْطِرَارِهِ إلَى ذَلِكَ كَمَا يَجُوزُ الْإِعْطَاءُ لِلشَّاعِرِ خَوْفًا مِنْ هَجْوِهِ.
وَقَوْلُهُ: " ضَمَانَ مَا أَخَذَهُ " الْأَوْلَى حَذْفُ " ضَمَانَ ".
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ) أَيْ مُطَرَّزًا، وَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ لُزُومِ أُجْرَةِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية البجيرمي]
التَّطْرِيزِ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ قَدْ تُنْقِصُ قِيمَةَ الْوَرَقَةِ لَزِمَتْ أُجْرَتُهَا.
فَرْعٌ: لَا عِبْرَةَ بِكِتَابَةِ الْمَيِّتِ عَلَى شَيْءٍ أَوْ فِي جَرِيدَتِهِ هَذَا وَدِيعَةُ فُلَانٍ ق ل. وَعِبَارَةُ سم: وَلَا عِبْرَةَ بِكِتَابَةِ الْمَيِّتِ عَلَى شَيْءٍ هَذَا وَدِيعَةُ فُلَانٍ أَوْ جَرِيدَتُهُ لِفُلَانٍ عِنْدِي كَذَا وَدِيعَةً، حَتَّى لَوْ أَنْكَرَ الْوَارِثُ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّسْلِيمُ بِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُوَرِّثَ أَوْ غَيْرَهُ كَتَبَ ذَلِكَ تَلْبِيسًا أَوْ أَنَّهُ اشْتَرَى الشَّيْءَ وَعَلَيْهِ الْكِتَابَةُ فَلَمْ يَمْحُهَا أَوْ أَرَادَ الْوَدِيعَةَ بَعْدَ كِتَابَتِهَا فِي الْجَرِيدَةِ وَلَمْ يَمْحُهَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ أَوْ إقْرَارِ مُوَرِّثِهِ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ بَيِّنَةٍ اهـ. وَسُئِلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ عَنْ رَجُلٍ تَحْتَ يَدِهِ وَدِيعَةٌ وَمَضَتْ عَلَيْهَا مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ وَلَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهَا وَأَيِسَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ التَّامِّ، فَقَالَ: يَصْرِفُهَا فِي أَهَمِّ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَيُقَدِّمُ أَهْلَ الضَّرُورَةِ وَلَا يَبْنِي بِهَا مَسْجِدًا وَلَا يَصْرِفُهَا إلَّا فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ صَرْفُهَا فِيهَا، فَإِنْ جَهِلَ فَلْيَسْأَلْ أَوْرَعَ الْعُلَمَاءِ وَأَعْرَفَهُمْ بِالْمَصَالِحِ الْوَاجِبَةِ التَّقْدِيمِ.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ أج.
خَاتِمَةٌ: قَالَ فِي الْعُبَابِ: وَلَوْ ادَّعَى اثْنَانِ عَلَى مَنْ بِيَدِهِ مَالُ كُلٍّ أَنَّهُ مِلْكَهُ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ فَإِنْ أَنْكَرَهُمَا وَادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ صُدِّقَ فَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِأَحَدِهِمَا مُعَيَّنًا أَخَذَهُ وَلِلْآخَرِ تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ، فَإِنْ حَلَفَ لَهُ سَقَطَتْ دَعْوَاهُ وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْآخَرُ وَغَرِمَ لَهُ الْقِيمَةَ وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لَهُمَا فَالْيَدُ لَهُمَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَحَلَفَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ أَخَذَهُ وَلَا يَدَّعِي الْآخَرُ عَلَى الْوَدِيعِ، وَإِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا أَخَذَاهُ نِصْفَيْنِ ثُمَّ حَكَمَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ الْآخَرِ حُكْمَهُمَا فِي الْكُلِّ فِي غَيْرِ الْمُقَرِّ لَهُ وَقَدْ مَرَّ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِأَحَدِهِمَا وَقَالَ نَسِيته ضَمِنَ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِثَالِثٍ حَلَفَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ لَا أَنَّهُ لِغَيْرِهِمَا وَلَا يَلْزَمُهُ بَيَانُ الثَّالِثِ، وَإِذَا حَلَفَا أَقَرَّ الْمَالَ بِيَدِهِ، وَكَذَا إنْ نَكَلَ وَنَكَلَا، وَإِنْ نَكَلَ فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ أَخَذَهُ وَطُولِبَ بِكَفِيلٍ إنْ لَمْ يَكُنْ أَمِينًا الْوَدِيعَةُ مَنْقُولَةٌ، وَإِنْ حَلَفَ فَهَلْ يَقْسِمَانِهِ وَيَطْلُبَانِ بِكَفِيلٍ أَوْ يَبْقَى مَعَ الْمُقِرِّ؟ وَجْهَانِ، أَرْجَحُهُمَا أَوَّلُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَأْمَنَاهُ ضُمَّ إلَيْهِ أَمِينٌ وَيَلْزَمُهُ هُنَا بَيَانُ الْمُقَرِّ لَهُ لِيُخَاصِمَاهُ، فَإِنْ امْتَنَعَ حُبِسَ، وَإِنْ قَالَ لَا أَدْرِي لِمَنْ الْمَالُ وَادَّعَيَا عِلْمَهُ حَلَفَ عَلَى نَفْيِهِ وَأَقَرَّ بِيَدِهِ وَلَا يُحَلِّفُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ اهـ.
كِتَابُ بَيَانِ أَحْكَامِ الْفَرَائِضِ وَالْوَصَايَا الْفَرَائِضُ جَمْعُ فَرِيضَةٍ بِمَعْنَى مَفْرُوضَةٍ أَيْ مُقَدَّرَةٍ لِمَا فِيهَا مِنْ السِّهَامِ الْمُقَدَّرَةِ فَغَلَبَتْ عَلَى غَيْرِهَا.
وَالْفَرْضُ لُغَةً
[حاشية البجيرمي]
[كِتَابُ بَيَانِ أَحْكَامِ الْفَرَائِضِ وَالْوَصَايَا]
أَخَّرَهُ عَنْ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ لِاضْطِرَارِ الْإِنْسَانِ إلَيْهِمَا أَوْ إلَى أَحَدِهِمَا مِنْ حِينِ وِلَادَتِهِ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا إلَى مَوْتِهِ، وَلِأَنَّهُمَا مُتَعَلِّقَانِ بِإِدَامَةِ الْحَيَاةِ السَّابِقَةِ عَلَى الْمَوْتِ، وَلِأَنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ، فَنَاسَبَ ذِكْرَهُ فِي نِصْفِ الْكِتَابِ.
قَوْلُهُ: (أَحْكَامُ الْفَرَائِضِ) قَالَ ق ل: الْأَوْلَى حَذْفُ " أَحْكَامُ ". وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَتْنَ تَكَلَّمَ عَلَى ذَوَاتِ الْفُرُوضِ بِقَوْلِهِ الْفُرُوضُ سِتَّةٌ وَذَكَرَ أَحْكَامَهَا بِقَوْلِهِ فَالنِّصْفُ فَرْضُ خَمْسَةٍ إلَخْ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ إنَّمَا قَدَّرَ الْأَحْكَامَ لِأَنَّهَا الْمَقْصُودَةَ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِهَا بَيَانُ ذَوَاتِهَا.
وَقِيلَ: وَجْهُ كَوْنِ الْأَوْلَى حَذْفُ الْأَحْكَامِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرَائِضِ مَسَائِلُ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ كَكَوْنِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ اثْنَيْنِ مَثَلًا وَهَذَا الْعَدَدُ لَا حُكْمَ لَهُ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ اثْنَيْنِ كَزَوْجٍ وَعَمٍّ كَانَ فِيهَا قَضَايَا بِعَدَدِ الْوَرَثَةِ وَكُلُّ قَضِيَّةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى حُكْمٍ وَهُوَ النِّسْبَةُ بَيْنَ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْكَامِ اللُّغَوِيَّةِ وَهِيَ النِّسَبُ التَّامَّةُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ هَذِهِ تَرْجَمَةٌ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُتَرْجَمَ لَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: " وَالْوَارِثُونَ إلَخْ " لَيْسَ فِيهِ مَسَائِلُ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ كَوْنُ عَدَدِ الْمَسْأَلَةِ اثْنَيْنِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ فِيمَا يَأْتِي لِلزَّوْجِ النِّصْفُ مَثَلًا مُتَضَمِّنٌ لِكَوْنِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ اثْنَيْنِ، فَيَكُونُ هُوَ الْمُتَرْجَمُ لَهُ وَمَا قَبْلَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ وَالْوَارِثُونَ مِنْ الرِّجَالِ إلَخْ " تَوْطِئَةٌ لَهُ.
وَقَرَّرَ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ أَنَّ الْكِتَابَ اسْمٌ لِلْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعَانِي، وَالْأَحْكَامُ هِيَ النِّسَبُ التَّامَّةُ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا الْمَسَائِلُ، وَالْفَرَائِضُ هِيَ الْمَسَائِلُ الْمُدَوَّنَةُ كَقَوْلِهِمْ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَكَقَوْلِهِمْ: فِي الْمَسْأَلَةِ سُدُسٌ وَرُبْعُ؛ وَهَذِهِ هِيَ الْمُعَبِّرُ عَنْهَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ بِمَسَائِلِ قِسْمَةِ التَّرِكَاتِ، يَعْنِي الْمَسَائِلَ الَّتِي ثَمَرَتُهَا وَفَائِدَتُهَا مَعْرِفَةُ قِسْمَةِ التَّرِكَاتِ، فَكَأَنَّ الشَّارِحَ قَالَ هَذِهِ أَلْفَاظٌ.
دَالَّةٌ عَلَى نِسَبٍ تَامَّةٍ اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا الْمَسَائِلُ اشْتِمَالَ الْكُلِّ عَلَى أَجْزَائِهِ، فَعُلِمَ مِنْ هَذِهِ أَنَّ الْكِتَابَ لِبَيَانِ أَحْكَامِ الْفَرَائِضِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ الْآتِي: وَالْفُرُوضُ الْمُقَدَّرَةُ سِتَّةٌ ذَكَرَ تَوْطِئَةً لِبَيَانِ الْفَرَائِضِ، فَسَقَطَ بِذَلِكَ اعْتِرَاضُ ق ل. اهـ.
قَوْلُهُ: (الْفَرَائِضُ) أَيْ مَسَائِلُ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ، فَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ لِمَا فِيهَا رَاجِعٌ لِمَسَائِلِ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ، فَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يُفَسِّرَ الْفَرَائِضَ بِمَا ذَكَرَ لِيَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِ وَلِيُنَاسِبَ قَوْلَهُ: فَغَلَبَتْ عَلَى غَيْرِهَا أَيْ سُمِّيَتْ مَسَائِلُ قِسْمَةٍ الْمَوَارِيثِ الشَّامِلَةِ لِمَسَائِلِ الْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ بِالْفَرَائِضِ تَغْلِيبًا وَقَوْلُهُ لِمَا فِيهَا عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ وَسُمِّيَتْ بِالْفَرَائِضِ لِمَا فِيهَا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَالْوَصَايَا) سَيَأْتِي بَيَانُهَا بَعْدَ انْتِهَاءِ الْكَلَامِ عَلَى الْفَرَائِضِ وَهِيَ جَمْعُ وَصِيَّةٍ بِمَعْنَى تَبَرُّعٍ بِحَقٍّ مُضَافٍ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِيهَا) الظَّرْفِيَّةُ مَجَازِيَّةٌ إذْ لَيْسَ فِي الْفُرُوضِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ ق ل. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرَائِضِ مَا يُوَرَّثُ بِالْفَرْضِ فَقَطْ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْفَرَائِضِ مَسَائِلُ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ كَانَ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْجُزْءِ فِي الْكُلِّ.
قَوْلُهُ: (فَغَلَبَتْ عَلَى غَيْرِهَا) أَيْ لِشَرَفِهَا لِثُبُوتِهَا بِالْقُرْآنِ.
وَلَمْ يَتَقَدَّمْ مَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُفَسِّرَ الْفَرَائِضَ بِمَسَائِلِ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ الشَّامِلَةِ لِمَسَائِلِ الْفَرْضِ وَمَسَائِلِ التَّعْصِيبِ ثُمَّ يَقُولُ: فَغَلَبَتْ أَيْ الْفَرَائِضُ فِي التَّسْمِيَةِ بِهَا وَلَمْ يَغْلِبْ التَّعْصِيبُ، وَيُقَالُ كِتَابُ التَّعْصِيبُ، وَقِيلَ التَّعْصِيبُ أَشْرَفُ لِأَنَّ بِهِ قَدْ يُسْتَغْرَقُ الْمَالُ، وَعِبَارَةُ ق ل. عَلَى الْجَلَالِ: قَوْلُهُ: " فَغَلَبَتْ " أَيْ السِّهَامُ الْمُقَدَّرَةُ أَوْ الْفَرَائِضُ، وَهُوَ أَوْلَى وَأَنْسَبُ؛ وَإِنَّمَا غَلَبَتْ عَلَى الْأَصَحِّ لِفَضْلِهَا بِتَقْدِيرِ الشَّارِعِ لَهَا وَلِكَثْرَتِهَا وَلِشَرَفِهَا بِتَقْدِيمِهَا عَلَى التَّعْصِيبِ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ بِهَا، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كِتَابُ الْفَرَائِضِ وَالتَّعْصِيبِ، وَقِيلَ
التَّقْدِيرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] أَيْ قَدَّرْتُمْ وَشَرْعًا نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ شَرْعًا لِلْوَارِثِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتُ الْمَوَارِيثِ وَالْأَخْبَارُ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ.
«أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» فَإِنْ قِيلَ مَا فَائِدَةُ ذِكْرِ (ذَكَرٍ) بَعْدَ (رَجُلٍ) ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ مُقَابِلُ الصَّبِيِّ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُقَابِلُ الْأُنْثَى.
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ
[حاشية البجيرمي]
التَّعْصِيبُ أَشْرَفُ لِأَنَّ بِهِ قَدْ يُسْتَغْرَقُ الْمَالُ.
قَوْلُهُ: (نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ) خَرَجَ بِهِ التَّعْصِيبُ، وَقَوْلُهُ: " شَرْعًا " خَرَجَ بِهِ الْوَصِيَّةُ، فَإِنَّهَا بِتَقْدِيرِ الْمَالِكِ لَا بِالشَّرْعِ.
وَقَوْلُهُ: " لِلْوَارِثِ " خَرَجَ بِهِ رُبُعُ الْعُشْرِ مَثَلًا فِي الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْوَارِثِ بَلْ لِلْمَذْكُورِينَ فِي آيَةِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: 60] إلَخْ.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (لِلْوَارِثِ) وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ يُزَادُ بِالرَّدِّ وَيَنْقُصُ بِالْعَوْلِ، بَلْ وَلَا يَصِحُّ وَإِنْ جُعِلَ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ حَقِيقَتِهِ.
فَائِدَةٌ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُوَرِّثُونَ الرِّجَالَ دُونَ النِّسَاءِ وَالْكِبَارَ دُونَ الصِّغَارِ، وَيَقُولُونَ: أَنُوَرِّثُ أَمْوَالَنَا مَنْ لَا يَرْكَبُ الْخُيُولَ وَلَا يَضْرِبُ بِالسَّيْفِ؟ وَيَجْعَلُونَ حَظَّ الْمَرْأَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِ زَوْجِهَا سَنَةً وَهِيَ كَانَتْ عِدَّتَهَا عِنْدَهُمْ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَكَانُوا يُوَرِّثُونَ الْأَخَ وَابْنَ الْعَمِّ، وَزَوْجَةَ الْأَخِ وَالْعَمِّ كَرْهًا ثُمَّ نُسِخَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] وَجَعَلَ لَهَا حَظَّهَا مِنْ الْإِرْثِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ﴾ [النساء: 12] وَنُسِخَ الْإِرْثُ كَرْهًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: 19] وَكَانُوا يَرِثُونَ بِالْحَلِفِ وَالنُّصْرَةِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: دَمِي دَمُك وَسِلْمِي سِلْمُك وَحَرَمِي حَرَمُك تَرِثُنِي وَأَرِثُك وَتَنْصُرُنِي وَأَنْصُرُك وَتَعْقِلُ عَنِّي وَأَعْقِلُ عَنْك وَكَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ التَّوَارُثُ بِالتَّبَنِّي وَالْإِخَاءِ وَكَذَا بِالْحَلِفِ وَالنُّصْرَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33] ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَأُقِرَّ التَّوَارُثُ بِالْهِجْرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 72] إلَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72] فَكَانَ إذَا تَرَكَ الْمُجَاهِدُ أَخَوَيْنِ مُهَاجِرًا وَغَيْرَ مُهَاجِرٍ وَعَمًّا مُهَاجِرًا وَعَمًّا غَيْرَ مُهَاجِرٍ كَانَ إرْثُهُ لِلْمُهَاجِرِ فَقَطْ؛ كَذَا صَوَّرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ قَرَابَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ تَصْوِيرِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي وَالرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا، لَكِنْ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَابْنِ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ.
وَقَدْ يُحْمَلُ الِاخْتِلَافُ عَلَى كَلَامِ أُولَئِكَ عَلَى أَنَّهُ مُجَرَّدُ تَصْوِيرٍ، وَلِهَذَا قَالَ الْقَمُولِيُّ: وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْإِرْثَ كَانَ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مُطْلَقًا كَمَا دَلَّتْ الْآيَةُ، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ [الأنفال: 72] ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَأُقِرَّ التَّوَارُثُ بِالْقَرَابَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ﴾ [الأنفال: 75] الْآيَةَ.
وَيُقَالُ إنَّهُ نُسِخَ بِالْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: 180] فَعَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عَلَى الْمُحْتَضَرِ أَنْ يُوصِيَ لِكُلِّ وَارِثٍ بِنَصِيبِهِ فِي عِلْمِ اللَّهِ فَمَنْ وَافَقَهُ مُصِيبٌ وَإِلَّا فَمُخْطِئٌ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ اهـ.
قَوْلُهُ: (فَلِأَوْلَى) أَيْ فَلِأَحَقِّ ذَكَرٍ وَهُوَ الْأَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْعَصَبَاتِ، كَالِابْنِ مَعَ ابْنِهِ أَوْ الْأَقْرَبِ كَالشَّقِيقِ مَعَ الَّذِي لِلْأَبِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ) الْأَوْلَى أَوْ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ فَيَكُونُ جَوَابًا ثَانِيًا.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ) أَيْ رَجُلٌ.
وَكَانَ الْأَوْلَى الْإِظْهَارُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَشْتِيتِ الضَّمَائِرِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ) أَيْ ذَكَرٌ.
وَقَوْلُهُ: " عَامٌّ " فِيهِ أَنَّ ذَكَرًا لَيْسَ عَامًّا لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ
اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ ذَكَرٍ كَفَى، فَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِ رَجُلٍ مَعَهُ؟ أُجِيبَ بِأَنْ لَا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوَارِيثُ يُوَرِّثُونَ الرِّجَالَ دُونَ النِّسَاءِ وَالْكِبَارَ دُونَ الصِّغَارِ، وَكَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ بِالْحَلِفِ وَالنُّصْرَةِ ثُمَّ نُسِخَ فَتَوَارَثُوا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ ثُمَّ نُسِخَ فَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةً لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَتَيْ الْمَوَارِيثِ، فَلَمَّا نَزَلَتَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَاشْتُهِرَتْ الْأَخْبَارُ بِالْحَثِّ عَلَى تَعْلِيمِهَا وَتَعَلُّمِهَا مِنْهَا: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهُ أَيْ عِلْمَ الْفَرَائِضِ: النَّاسَ فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ، وَإِنَّ هَذَا الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَخْتَلِفَ اثْنَانِ فِي
[حاشية البجيرمي]
الْإِثْبَاتِ بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ وَقَوْلُهُ مَخْصُوصٌ أَيْ بِالْبَالِغِ.
وَفِيهِ أَنَّ (رَجُلًا) لَا يُدْفَعُ هَذَا التَّوَهُّمُ بَلْ يُقَوِّيهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَا قَابَلَ الْأُنْثَى دَفَعَهُ أَيْ دَفَعَ خُصُوصَهُ بِالْبَالِغِ.
وَقَالَ م د: فَإِنْ قِيلَ لَوْ اقْتَصَرَ إلَخْ، تَعَقُّبٌ بِأَنَّ مَا جَاءَ فِي مَرْكَزِهِ لَا يُسْأَلُ عَنْهُ فَرَجُلٌ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ قَبْلَ ذِكْرِ مَا بَعْدَهُ فَصَارَ الْمُحْتَاجُ لِلْجَوَابِ عَنْهُ هُوَ الثَّانِي.
وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ كَلَامِ الشَّارِحِ بِأَنَّ هَذَا سُؤَالٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْجَوَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ مَعَ الِاكْتِفَاءِ بِالثَّانِي فِي وَفَاءِ الْمُرَادِ إطْنَابٌ.
فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ إرَادَةِ بَعْضِ أَفْرَادِ الذَّكَرِ وَهُوَ الرَّجُلُ الْبَالِغُ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ الْحَالَةُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَسَمَّاهَا مَوَارِيثَ لِلْمُشَاكَلَةِ وَهِيَ ذِكْرُ الشَّيْءِ بِلَفْظِ غَيْرِهِ لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَتِهِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا نَحْوُ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 54] أَيْ جَازَاهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ، فَذَكَرَ الْمُجَازَاةَ بِلَفْظِ الْمَكْرِ لِوُقُوعِهَا تَحْقِيقًا مُصَاحِبَةً لِمَكْرِهِمْ أَوْ اعْتِبَارِ اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِلَّا فَهِيَ إعْطَاءَاتٌ لَا مَوَارِيثُ.
وَقَالَ فِيمَا بَعْدَ الْأُولَى ثُمَّ نُسِخَ دُونَ الْأُولَى لِأَنَّ الْأُولَى بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فَكَانَ إبْطَالُهَا لَا يُسَمَّى نَسْخًا بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْمَرَاتِبِ فَإِنَّهَا بِالشَّرْعِ فَكَانَ إبْطَالُهَا نَسْخًا.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ) أَيْ التَّوَارُثُ وَالْمُرَادُ تَوَارُثٌ مَخْصُوصٌ وَهُوَ تَوَارُثُ السُّدُسِ كَمَا فِي الْجَلَالَيْنِ وَقَوْلُهُ بِالْحَلِفِ إلَخْ، أَيْ الْمُشَارِ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 33] الْآيَةَ وَعِبَارَةُ الْجَلَالِ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 33] جَمْعُ يَمِينٍ بِمَعْنَى الْقَسَمِ أَوْ الْيَدِ أَوْ الْحُلَفَاءِ الَّذِينَ عَاهَدْتُمُوهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى النُّصْرَةِ وَالْإِرْثِ: ﴿فَآتُوهُمْ﴾ [النساء: 33] أَعْطُوهُمْ ﴿نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33] حَظَّهُمْ مِنْ الْمِيرَاثِ وَهُوَ السُّدُسُ.
وَهَذَا مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75] اهـ. وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَالنُّصْرَةِ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ بِالْحَلِفِ عَلَى الْإِرْثِ وَالنُّصْرَةِ، أَيْ يَتَحَالَفَانِ عَلَى أَنْ يَنْصُرَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ فِي حَيَاتِهِ وَيَرِثُهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ.
اهـ. شَيْخُنَا.
وَيَصِحُّ ضَبْطُ الْحَلِفِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَبِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ الْعَهْدُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَفْسِيرِ الْجَلَالِ اهـ.
قَوْلُهُ: (بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ) أَيْ مَعًا أَيْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا هَاجَرَا وَتَآخَيَا، أَيْ جُعِلَا أَخَوَيْنِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ.
وَهَذَا مُشَارٌ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 72] وَهُمْ الْمُهَاجِرُونَ ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا﴾ [الأنفال: 72] النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿وَنَصَرُوا﴾ [الأنفال: 72] وَهُمْ الْأَنْصَارُ ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 72] أَيْ فِي النُّصْرَةِ وَالْإِرْثِ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 72] فَلَا إرْثَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: 72] . وَهَذَا مَنْسُوخٌ بِآخِرِ السُّورَةِ جَلَالَيْنِ، أَيْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: 75] .
قَوْلُهُ: (فَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةً لِلْوَالِدَيْنِ) أَيْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: 180] الْآيَةَ.
قَوْلُهُ: (بِآيَتَيْ الْمَوَارِيثِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِآيَاتِ.
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ لَا تُعَارِضُهُ بَلْ تُؤَكِّدُهُ مِنْ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ الْوَصِيَّةِ مُطْلَقًا وَالْحَدِيثُ مِنْ الْآحَادِ وَتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ لَا يُلْحِقُهُ بِالْمُتَوَاتِرِ.
قَوْلُهُ: (أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) أَيْ وَاجِبَةً.
قَوْلُهُ: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهُ» أَيْ عِلْمَ الْفَرَائِضِ) الْمَفْهُومُ مِنْ تَعَلَّمُوا، وَفِي رِوَايَةٍ: «وَعَلِّمُوهَا» ق ل عَلَى
الْفَرِيضَةِ فَلَا يَجِدَانِ مَنْ يَقْضِي فِيهَا» . وَمِنْهَا: «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهُ مِنْ دِينِكُمْ وَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ وَإِنَّهُ أَوَّلُ عِلْمٍ يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي» . وَإِنَّمَا سُمِّيَ نِصْفَ الْعِلْمِ لِأَنَّ لِلْإِنْسَانِ حَالَتَيْنِ حَالَةُ حَيَاةٍ وَحَالَةُ مَوْتٍ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَحْكَامٌ تَخُصُّهُ.
وَقِيلَ النِّصْفُ بِمَعْنَى الصِّنْفِ قَالَ الشَّاعِرُ:
إذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَانِ شَامِتٌ ... وَآخَرُ مُثْنٍ بِاَلَّذِي كُنْت أَصْنَعُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِرْثَ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: وُجُودُ أَسْبَابِهِ وَوُجُودُ شُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ.
فَأَمَّا أَسْبَابُهُ فَأَرْبَعَةٌ: قَرَابَةٌ، وَنِكَاحٌ، وَوَلَاءٌ، وَجِهَةُ الْإِسْلَامِ
وَشُرُوطُهُ أَيْضًا أَرْبَعَةٌ: تَحَقُّقُ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ أَوْ إلْحَاقِهِ بِالْمَوْتَى حُكْمًا كَمَا فِي
[حاشية البجيرمي]
الْجَلَالِ.
وَقُدِّمَ فِي الْحَدِيثِ التَّعَلُّمُ عَلَى التَّعْلِيمِ لِأَنَّ التَّعَلُّمَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْلِيمِ طَبْعًا حَالَةَ التَّعَلُّمِ، فَقُدِّمَ وَضْعًا لِتَوَافُقِهِمَا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّقَدُّمِ الطَّبِيعِيِّ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الْمُتَأَخِّرِ مُحْتَاجًا إلَى الْمُتَقَدِّمِ وَلَا يَكُونُ الْمُتَقَدِّمُ عِلَّةً لَهُ وَتَعَلُّمُ عِلْمِ الْفَرَائِضِ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَعْلِيمِهِ كَذَلِكَ، أَمَّا إنَّ التَّعَلُّمَ لَيْسَ عِلَّةً لِلتَّعْلِيمِ فَظَاهِرٌ وَإِلَّا لَزِمَ التَّعْلِيمُ مِنْ حُصُولِ التَّعَلُّمِ لِأَنَّ وُجُودَ الْمَعْلُولِ عِنْدَ وُجُودِ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ ضَرُورِيٌّ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ حُصُولِهِ لِأَنَّ النَّاسَ كَثِيرًا مَا يَتَعَلَّمُونَ الْفَرَائِضَ وَلَا يُعَلِّمُونَهَا وَأَمَّا إنَّ تَعْلِيمَ الْفَرَائِضِ مُحْتَاجٌ إلَى تَعَلُّمِهِ فَلِأَنَّا لَوْ لَمْ نَتَعَلَّمْهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَنَا التَّعْلِيمُ وَالْمُرَادُ بِالْفَرَائِضِ أَنْصِبَاءُ الْوَرَثَةِ اهـ شَرْحُ السِّرَاجِيَّةِ لِلسَّيِّدِ بْنِ الْمُبَارَكِ.
قَوْلُهُ: (مَقْبُوضٌ) أَيْ مَيِّتٌ.
قَوْلُهُ: (سَيُقْبَضُ) أَيْ يَنْعَدِمُ بِمَوْتِ أَهْلِهِ لَا بِنَزْعِهِ مِنْ الصَّدْرِ، بِخِلَافِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ يُنْزَعُ مِنْ الصُّدُورِ وَالْوَرَقِ فَيُصْبِحُ الرَّجُلُ لَا يَلْقَى مَعَهُ شَيْئًا مِمَّا يَحْفَظُهُ وَيَجِدُ الْمُصْحَفَ وَرَقًا أَبْيَضَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ) أَيْ الْعِلْمُ الْمَفْهُومُ مِنْ: تَعَلَّمُوا مِنْ دِينِكُمْ إلَخْ قَوْلُهُ: (وَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ) وَلَا يُعَارَضُ؛ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَضْلٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ وَسُنَّةٌ مَاضِيَةٌ وَفَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ» فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ، وَبِتَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ التَّنْصِيفَ بِاعْتِبَارِ أَحْوَالِ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ وَاعْتِبَارُ التَّثْلِيثِ بِاعْتِبَارِ الْأَدِلَّةِ وَهِيَ فِي هَذَا الْعِلْمِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ الْحِسَابِ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ.
قَوْلُهُ: (نِصْفَانِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ غَرَضُ الشَّاعِرِ تَحْرِيرَ الْمُنَاصَفَةِ بَلْ انْقِسَامُهُمْ فِيهِ قِسْمَيْنِ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ أَكْثَرَ أَفْرَادًا مِنْ الْآخَرِ؛ وَلِذَا قَالَ م ر: الْمُرَادُ بِالنِّصْفِ الشَّطْرُ أَيْ الْجُزْءُ لَا حَقِيقَةَ النِّصْفِ، لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ الْعِلْمِ جُزْءٌ مِنْ الْعِلْمِ الْمُطْلَقِ فَالْعِبَادَاتُ جُزْءٌ مِنْهُ وَالْبُيُوعُ جُزْءٌ مِنْهُ، وَهَكَذَا فَلَا يَكُونُ فِيهِ كَبِيرُ مَدْحٍ لِلْفَرَائِضِ، فَالْأَوْلَى حَمْلُ النِّصْفِ فِيهِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِي كَثْرَةِ نَفْعِهِ فِي الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ فَكَأَنَّهُ نِصْفُ الْعِلْمِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَعْلِ النِّصْفِ بِمَعْنَى النِّصْفِ لِأَنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ الْعِلْمِ صِنْفٌ مِنْ الْعِلْمِ الْمُطْلَقِ فَلَا يَكُونُ لِلْفَرَائِضِ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ شَيْخُنَا ح ف: الْجَوَابُ الثَّانِي غَيْرُ ظَاهِرٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلِذَا حَكَاهُ بِ " قِيلَ " تَدَبَّرْ.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ حَمْلَ النِّصْفِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ حَدِيثُ: «التَّدْبِيرُ نِصْفُ الْمَعِيشَةِ» فَإِنَّ الْمُرَادَ الْمُبَالَغَةُ فِي أَنَّهُ نِصْفَهَا، وَهُوَ مُخَرَّجٌ عَلَى لُغَةِ مَنْ يُلْزِمُ الْمُثَنَّى الْأَلِفَ مُطْلَقًا أَوْ اسْمُ كَانَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ وَالنَّاسُ مُبْتَدَأٌ وَنِصْفَانِ خَبَرٌ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ كَانَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ الْإِرْثَ يَتَوَقَّفُ إلَخْ) وَكَذَا كُلُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْإِرْثَ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ، وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ: مُوَرِّثٌ وَوَارِثٌ وَحَقٌّ مَوْرُوثٌ.
قَوْلُهُ: (أَسْبَابِهِ) جَمْعُ سَبَبٍ وَهُوَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْمَقْصُودِ وَاصْطِلَاحًا وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ مُعَرِّفٌ لِلْحُكْمِ كَالْقَرَابَةِ وَالزَّوْجِيَّةِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَصْفٌ يُعْرَفُ بِهِ ثُبُوتُ الْإِرْثِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (قَرَابَةٌ) هِيَ الْأُبُوَّةُ وَالْأُمُومَةُ وَالْبُنُوَّةُ وَالْإِدْلَاءُ إلَى الْمَيِّتِ بِأَحَدِهَا، وَيُورَثُ بِهِمَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ تَارَةً وَمِنْ أَحَدِهِمَا أُخْرَى ق ل. وَقَوْلُهُ " وَمِنْ أَحَدِهِمَا " كَالْعَمَّةِ وَابْنِ أَخِيهَا وَابْنِ الْعَمِّ وَبِنْتِ عَمِّهِ.
قَوْلُهُ: (وَنِكَاحٌ) وَهُوَ عَقْدُ الزَّوْجِيَّةِ الصَّحِيحُ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ وَطْءٌ وَلَا خَلْوَةٌ، وَيُورَثُ بِهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ غَالِبًا وَلَوْ فِي طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ.
اهـ. م د، وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ مَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَقِيقًا.
وَفِي م ر: نَعَمْ لَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَتَزَوَّجَ بِهَا لَمْ تَرِثْهُ لِلدَّوْرِ، إذْ لَوْ وَرِثَتْ لَكَانَ عِتْقُهَا وَصِيَّةً لِوَارِثٍ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَهِيَ مِنْهُمْ، وَإِجَازَتُهَا تَتَوَقَّفُ عَلَى سَبْقِ حُرِّيَّتِهَا وَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى سَبْقِ إجَازَتِهَا، فَأَدَّى إرْثُهَا لِعَدَمِ إرْثِهَا اهـ.
قَوْلُهُ:
حُكْمِ الْقَاضِي بِمَوْتِ الْمَفْقُودِ اجْتِهَادًا، وَتَحَقُّقِ حَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ وَلَوْ بِلَحْظَةٍ، وَمَعْرِفَةُ إدْلَائِهِ لِلْمَيِّتِ بِقَرَابَةٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ وَلَاءٍ، وَالْجِهَةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْإِرْثِ تَفْصِيلًا.
وَالْمَوَانِعُ أَيْضًا أَرْبَعَةٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْهَائِمِ فِي شَرْحِ كَافِيَتِهِ: الرِّقُّ،
[حاشية البجيرمي]
وَوَلَاءٌ) وَهُوَ عُصُوبَةٌ سَبَبُهَا نِعْمَةُ الْمُعْتِقِ بِالْعِتْقِ عَلَى رَقِيقٍ، وَيُوَرَّثُ بِهِ أَيْ مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ كَمَا لَا يَخْفَى، وَيُوَرَّثُ بِالْقَرَابَةِ فَرْضًا وَتَعْصِيبًا وَبِالنِّكَاحِ فَرْضًا فَقَطْ وَبِالْوَلَاءِ وِجْهَةُ الْإِسْلَامِ تَعْصِيبًا فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وِجْهَةُ الْإِسْلَامِ) وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِبَيْتِ الْمَالِ.
وَعَبَّرَ بِالْجِهَةِ دُونَ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ لِتَعَذُّرِهِ، وَيُعْطَى مِنْهُ مَنْ أَسْلَمَ أَوْ وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأَنَّ الْإِرْثَ بِالْجِهَةِ يُرَاعَى فِيهِ الْمَصْلَحَةُ.
وَمَحَلُّ اشْتِرَاطِ تَحْقِيقِ حَيَاةِ الْوَارِثِ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ إذَا كَانَ إرْثُهُ بِسَبَبٍ خَاصٍّ وَهَذَا بِسَبَبٍ عَامٍّ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْإِسْلَامَ لَوَجَبَ التَّعْمِيمُ حَيْثُ كَانَ الْمَالُ يَكْفِي جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُعْطَ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتٍ أَوْ وُلِدَ لِعَدَمِ كَوْنِهِ وَارِثًا عِنْدَ الْمَوْتِ، وَيُمْكِنُ اجْتِمَاعُ الْأَسْبَابِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْإِمَامِ كَأَنْ يَمْلِكَ بِنْتَ عَمِّهِ ثُمَّ يُعْتِقَهَا ثُمَّ يَتَزَوَّجَهَا، ثُمَّ تَمُوتُ وَلَا وَارِثَ لَهَا غَيْرُهُ فَهُوَ زَوْجُهَا وَابْنُ عَمِّهَا وَمُعْتِقُهَا وَإِمَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا تُصُوِّرَتْ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَرِثْ بِجَمِيعِهَا وَأَنَّ الْوَارِثَ جِهَةُ الْإِسْلَامِ وَهِيَ حَاصِلَةٌ فِيهِ اهـ شَرْحُ م ر؛ أَيْ فَيَكُونُ السَّبَبُ الرَّابِعُ مَوْجُودًا فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: " وَإِنْ لَمْ يَرِثْ بِهِ " أَيْ بَلْ يَرِثُ بِكَوْنِهِ زَوْجًا وَابْنَ عَمٍّ ع ش.
قَوْلُهُ: (حُكْمًا أَوْ تَقْدِيرًا) كَجَنِينٍ انْفَصَلَ مَيِّتًا بِجِنَايَةٍ عَلَى أُمِّهِ تُوجِبُ الْغُرَّةَ فَتُوَرَّثُ عَنْهُ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَهُ كَمَا زَادَهُ زي.
قَوْلُهُ: (وَتَحَقُّقُ حَيَاةٍ إلَخْ) عِبَارَةُ زي وَثَانِيهَا تَحَقُّقُ وُجُودِ الْمُدْلِي إلَى الْمَيِّتِ بِأَحَدِ الْأَسْبَابِ حَيًّا عِنْدَ الْمَوْتِ تَحْقِيقًا كَانَ الْوُجُودُ أَوْ تَقْدِيرًا، كَحَمْلٍ انْفَصَلَ حَيًّا لِوَقْتٍ يُعْلَمُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلَوْ نُطْفَةً وَثَالِثُهَا: تَحَقُّقُ اسْتِقْرَارِ حَيَاةِ هَذَا الْمُدْلِي بَعْدَ الْمَوْتِ اهـ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ) وَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّنْ عَاشَ بَعْدَ مَوْتِهِ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ أَوْ كَرَامَةً لِوَلِيٍّ لَمْ يُعَدّ مِلْكه إلَيْهِ اهـ ق ل عَلَى الْمَحَلِّيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِالْعَوْدِ لِتَبَيُّنِ بَقَاءِ مِلْكِهِ لِتَرِكَتِهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ بِالْإِحْيَاءِ تَبَيَّنَ عَدَمُ مَوْتِهِ؛ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْفَرْضِ فِي السُّؤَالِ إذْ لَا تُوجَدُ الْمُعْجِزَةُ إلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الْمَوْتِ وَعِنْدَ تَحَقُّقِهِ يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ لِلْوَرَثَةِ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِذَا وُجِدَ الْإِحْيَاءُ كَانَتْ هَذِهِ حَيَاةً جَدِيدَةً مُبْتَدَأَةً بِلَا تَبَيُّنِ عَوْدِ مِلْكٍ، وَيَلْزَمُهُ أَنَّ نِسَاءَهُ لَوْ تَزَوَّجْنَ أَنْ يَعُدْنَ لَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَبْقَى نِكَاحُهُنَّ الثَّانِي.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ زَوَالَ الْمِلْكِ وَالْعِصْمَةِ مُحَقَّقٌ وَعَوْدُهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَيَسْتَصْحِبُ زَوَالَهُمَا حَتَّى يَثْبُتَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعَوْدِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ فَوَجَبَ الْبَقَاءُ مَعَ الْأَصْلِ.
اهـ. شَرْحُ م ر وع ش.
قَوْلُهُ: (وَمَعْرِفَةُ إدْلَائِهِ) أَيْ تَوَصُّلِهِ وَانْتِسَابِهِ إلَى الْمَيِّتِ بِأَيِّ جِهَةٍ كَانَتْ، أَيْ إجْمَالًا، وَالْمُرَادُ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ لِمَنْ يُقَسِّمُ التَّرِكَةَ.
قَوْلُهُ: (وَالْجِهَةُ) أَيْ وَمَعْرِفَةُ الْجِهَةِ تَفْصِيلًا، وَهَذَا يُغْنِي عَنْ الشَّرْطِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ وَهَذَا الشَّرْطُ يَخْتَصُّ بِالْقَاضِي، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْإِرْثِ مُطْلَقَةً كَقَوْلِ الشَّاهِدِ لِلْقَاضِي: هَذَا وَارِثُ هَذَا، بَلْ لَا بُدَّ فِي شَهَادَتِهِ مِنْ بَيَانِ الْجِهَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ الْإِرْثَ مِنْهُ.
اهـ. ز ي. وَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ هُوَ ابْنُ عَمِّهِ لِصِدْقِهِ بِالْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْقُرْبِ وَالدَّرَجَةِ الَّتِي اجْتَمَعَ فِيهَا الْوَارِثُ وَالْمُوَرِّثُ وَهُوَ الْجَدُّ الْقَرِيبُ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْقُرَشِيَّ مَثَلًا إذَا مَاتَ فَكُلُّ قُرَشِيٍّ وُجِدَ عِنْدَ مَوْتِهِ ابْنُ عَمِّهِ وَلَا يَرِثُهُ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ عُلِمَ أَقْرَبِيَّتُهُ لِلْمَيِّتِ.
اهـ. م د. وَقَوْلُهُ: " لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْقُرْبِ " بِأَنْ يَقُولَ ابْنُ عَمِّهِ: بِلَا وَاسِطَةٍ.
وَقَوْلُهُ: " وَالدَّرَجَةُ " أَيْ الْقُوَّةُ، كَقَوْلِهِ: هُوَ ابْنُ عَمٍّ شَقِيقٍ.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعَةٌ) وَزِيدَ عَلَيْهَا الرِّدَّةُ وَاخْتِلَافُ الدَّارِ بِالذِّمَّةِ وَالْحِرَابَةُ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى الْمَوَانِعِ أَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ دِينٍ لِآخَرَ فِي مَعْنَى الرِّدَّةِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (كَافِيَتِهِ) صَوَابُهُ كِفَايَتِهِ لِأَنَّهُ قَالَ: سَمَّيْتُهَا كِفَايَةَ أَلْفَاظٍ لِجَمْعِهَا مَعَ قِلَّةِ الْأَلْفَاظِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الَّذِي رَأَيْته بِخَطِّ الْمُؤَلِّفِ كِفَايَتُهُ وَحِينَئِذٍ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ اهـ أج.
وَالْقَتْلُ، وَاخْتِلَافُ الدِّينِ وَالدُّورِ الْحُكْمِيِّ.
وَهُوَ أَنْ يَلْزَمَ مِنْ تَوْرِيثِ شَخْصٍ عَدَمُ تَوْرِيثِهِ كَأَخٍ أَقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ فَيَثْبُتُ نَسَبُ الِابْنِ وَلَا يَرِثُ.
(وَالْوَارِثُونَ مِنْ) جِنْسِ (الرِّجَالِ) لِيَدْخُلَ فِيهِ الصَّغِيرُ (عَشَرَةٌ) بِطَرِيقِ الِاخْتِصَارِ مِنْهُمْ اثْنَانِ مِنْ أَسْفَلِ النَّسَبِ وَهُمَا (الِابْنُ وَابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ عَلَى الْأَفْصَحِ، أَيْ نَزَلَ.
وَاثْنَانِ مِنْ أَعْلَاهُ (وَ) هُمَا (الْأَبُ وَالْجَدُّ) أَبُو الْأَبِ (وَإِنْ عَلَا) وَأَرْبَعَةٌ مِنْ الْحَوَاشِي (وَ) هُمْ (الْأَخُ) لِأَبَوَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا (وَابْنُهُ) أَيْ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ فَقَطْ لِيَخْرُجَ ابْنُ الْأَخِ لِلْأُمِّ فَلَا يَرِثُ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ (وَإِنْ تَرَاخَيَا) أَيْ وَإِنْ سَفَلَ الْأَخُ الْمَذْكُورُ وَابْنُهُ (وَالْعَمُّ) لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ فَقَطْ لِيَخْرُجَ الْعَمُّ لِلْأُمِّ فَلَا يَرِثُ لِأَنَّهُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ (وَابْنُهُ) أَيْ الْعَمُّ الْمَذْكُورُ (وَإِنْ تَبَاعَدَا) أَيْ الْعَمُّ الْمَذْكُورُ وَابْنُهُ.
وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْعَمِّ بَيْنَ الْقَرِيبِ كَعَمِّ الْمَيِّتِ وَالْبَعِيدِ كَعَمِّ أَبِيهِ وَعَمِّ جَدِّهِ إلَى حَيْثُ يَنْتَهِي، وَكَذَلِكَ ابْنُهُ وَاثْنَانِ بِغَيْرِ النَّسَبِ (وَ) هُمَا (الزَّوْجُ) وَلَوْ فِي عِدَّةٍ رَجْعِيَّةٍ (وَالْمَوْلَى) وَيُطْلَقُ عَلَى نَحْوِ عِشْرِينَ مَعْنًى الْمُرَادُ مِنْهَا هُنَا السَّيِّدُ (الْمُعْتِقُ) بِكَسْرِ التَّاءِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الْإِعْتَاقُ أَوْ وَرِثَ بِهِ فَلَا يَرِدُ عَلَى الْحَصْرِ فِي الْعَشَرَةِ عَصَبَةُ الْمُعْتِقِ وَمُعْتِقِ الْمُعْتِقِ.
وَطَرِيقُ الْبَسْطِ هُنَا أَنْ يُقَالَ الْوَارِثُونَ مِنْ الرِّجَالِ خَمْسَةَ عَشَرَ: الْأَبُ وَأَبُوهُ وَإِنْ عَلَا، وَالِابْنُ وَابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ،
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَلَا يَرِثُ) أَيْ فِي الظَّاهِرِ، أَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَيَجِبُ عَلَى الْمُقِرِّ دَفْعُ التَّرِكَةِ لِلْمُقَرِّ لَهُ إنْ كَانَ صَادِقًا لِأَنَّهُ يَعْلَمُ اسْتِحْقَاقَهُ لَهَا شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ جِنْسِ إلَخْ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الْمَتْنَ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ.
وَفَائِدَةُ هَذَا الْمُضَافِ إدْخَالُ الصِّبْيَانِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْجِنْسِ مُطْلَقُ الذِّكْرِ فَيَشْمَلُ الْبَالِغَ وَالصَّبِيَّ بِخِلَافِ الرِّجَالِ.
فَإِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْهَا الْبَالِغُونَ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ) أَيْ فِي لَفْظِ الرِّجَالِ أَوْ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ لِلْجِنْسِ، أَيْ وَهُوَ الذُّكُورَةُ، وَالْبُلُوغُ فَصْلٌ لَهُ.
قَوْلُهُ: (بِطَرِيقِ الِاخْتِصَارِ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (ابْنٌ وَابْنُهُ) قَدَّمَ الْفُرُوعَ عَلَى الْأُصُولِ لِفَوْتِهِمْ فِي الْإِرْثِ لِأَنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ إلَّا عَصَبَةً، بِخِلَافِ الْأُصُولِ.
وَقَدَّمَ عِنْدَ الْبَسْطِ الْأُصُولَ لِتَقَدُّمِ وُجُودِهِمْ عَلَى الْفُرُوعِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي تَقَدُّمِ الْفُرُوعِ عَلَى الْأُصُولِ فِي النِّسَاءِ فِي طَرِيقِ الِاخْتِصَارِ، وَعَكْسُ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَسْطِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَرَاخَيَا) فِيهِ أَنَّ الْأَخَ لَا تَرَاخِيَ فِيهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّرَاخِيَ فِيهِ بِحَسَبِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ كَالْأَخِ الشَّقِيقِ وَالْأَخِ لِلْأَبِ أَوْ لِلْأُمِّ.
قَوْلُهُ: (لِيَخْرُجَ الْعَمُّ لِلْأُمِّ) وَهُوَ أَخٌ الْأَبِ لِأُمِّهِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ ابْنُهُ) الضَّمِيرُ لِلْعَمِّ أَيْ ابْنُ عَمِّ الْمَيِّتِ وَابْنُ عَمِّ أَبِيهِ أَوْ ابْنُ عَمِّ جَدِّهِ إلَى حَيْثُ يَنْتَهِي اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ فِي عِدَّةِ رَجْعِيَّةٍ) بِالْإِضَافَةِ لِأَنَّهَا تَلْحَقُ الزَّوْجَةَ فِي خَمْسَةِ أَحْكَامٍ: التَّوَارُثُ وَلُحُوقُ الطَّلَاقِ وَالظِّهَارُ وَالْإِيلَاءُ وَامْتِنَاعُ نِكَاحِ أَرْبَعٍ سِوَاهَا وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَيُطْلَقُ عَلَى نَحْوِ عِشْرِينَ مَعْنًى) قَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
رَبٍّ وَمَالِكٍ وَسَيِّدٍ أَتَى ... وَمُنْعِمٍ وَالْمُعْتِقِ اعْلَمْ يَا فَتَى
وَنَاصِرٍ مَعَ الْمُحِبِّ تَابِعٍ ... وَالْجَارِ وَابْنِ الْعَمِّ وَالْحَلِيفِ عِ
عَبْدٍ وَمُنْعَمٌ عَلَيْهِ صِهْرِ ... وَعَاصِبٍ مَعَ الْعَتِيقِ فَادْرِ
وَقَائِمٍ بِالْأَمْرِ وَالنَّدِيمِ ... كَذَا الشَّرِيكِ نَاظِرِ الْيَتِيمِ
فَهَذِهِ عِشْرُونَ مَعْنًى قَدْ أَتَتْ ... لِكِلْمَةِ الْمَوْلَى بِهَا النَّقْلُ ثَبَتْ
قَوْلُهُ: (فَلَا يَرِدُ عَلَى الْحَصْرِ) فِيهِ أَنَّ عِبَارَةَ الْمِنَنِ لَيْسَ فِيهَا حَصْرٌ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الِاقْتِصَارَ فِي مَقَامِ الْبَيَانِ يُفِيدُ الْحَصْرَ كَمَا ذَكَرُوهُ.
قَوْلُهُ: (وَمُعْتِقُ الْمُعْتِقِ) أَيْ لِدُخُولِهِمْ فِي قَوْلِهِ أَوْ وَرِثَ بِهِ فَهُمْ مُعْتَقُونَ حُكْمًا.
وَالْأَخُ الشَّقِيقُ، وَالْأَخُ لِلْأَبِ، وَالْأَخُ لِلْأُمِّ، وَابْنُ الْأَخِ الشَّقِيقِ، وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ، وَالْعَمُّ لِأَبَوَيْنِ، وَالْعَمُّ لِأَبٍ، وَابْنُ الْعَمِّ لِأَبَوَيْنِ، وَابْنُ الْعَمِّ لِأَبٍ، وَالزَّوْجُ، وَالْمُعْتِقُ.
(وَالْوَارِثَاتُ مِنْ) جِنْسِ (النِّسَاءِ) لِيَدْخُلَ فِيهِنَّ الصَّغِيرَةُ (سَبْعٌ) بِتَقْدِيمِ السِّينِ عَلَى الْمُوَحَّدَةِ بِطَرِيقِ الِاخْتِصَارِ، مِنْهُنَّ ثِنْتَانِ مِنْ أَسْفَلِ النَّسَبِ وَهُمَا (الْبِنْتُ وَبِنْتُ الِابْنِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ (وَإِنْ سَفَلَتْ) وَهُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُحَرَّرِ أَيْضًا وَصَوَابُهُ وَإِنْ سَفَلَ بِحَذْفِ الْمُثَنَّاةِ، إذْ الْفَاعِلُ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ، أَيْ وَإِنْ سَفَلَ الِابْنُ فَإِنَّ بِنْتَه تَرِثُ، وَإِثْبَاتُ الْمُثَنَّاةِ يُؤَدِّي إلَى دُخُولِ بِنْتِ بِنْتِ الِابْنِ فِي الْإِرْثِ وَهُوَ خَطَأٌ فَتَأَمَّلْهُ، وَثِنْتَانِ مِنْ أَعْلَى النَّسَبِ (وَ) هُمَا (الْأُمُّ وَالْجَدَّةُ) الْمُدْلِيَةُ بِوَارِثٍ كَأُمِّ الْأَبِ وَأَمِّ الْأُمِّ (وَإِنْ عَلَتْ) فَخَرَجَ بِالْمُدْلِيَةِ بِوَارِثٍ أُمُّ أَبِي الْأُمِّ فَلَا تَرِثُ.
وَوَاحِدَةٌ مِنْ الْحَوَاشِي (وَ) هِيَ (الْأُخْتُ) لِأَبَوَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا.
وَاثْنَتَانِ بِغَيْرِ النَّسَبِ (وَ) هُمَا (الزَّوْجَةُ) وَلَوْ فِي عِدَّةٍ رَجْعِيَّةٍ (و) السَّيِّدَةُ (الْمُعْتِقَةُ) بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَهِيَ مَنْ صَدَرَ مِنْهَا الْعِتْقُ أَوْ وَرِثَتْ بِهِ كَمَا مَرَّ.
تَنْبِيهٌ: الْأَفْصَحُ أَنْ يُقَالَ فِي الْمَرْأَةِ زَوْجٌ، وَالزَّوْجَةُ لُغَةٌ مَرْجُوحَةٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاسْتِعْمَالُهَا فِي بَابِ الْفَرَائِضِ مُتَعَيِّنٌ لِيَحْصُلَ الْفَرْقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ انْتَهَى.
وَالشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَسْتَعْمِلُ فِي عِبَارَتِهِ الْمَرْأَةَ وَهُوَ حَسَنٌ.
وَطَرِيقُ الْبَسْطِ هُنَا أَنْ يُقَالَ: الْوَارِثَاتُ مِنْ النِّسَاءِ عَشْرَةٌ: الْأُمُّ، وَالْجَدَّةُ لِلْأَبِ، وَالْجَدَّةُ لِلْأُمِّ وَإِنْ عَلَتَا، وَالْبِنْتُ وَبِنْتُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالْأُخْتُ الشَّقِيقَةُ، وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ، وَالْأُخْتُ لِلْأُمِّ، وَالزَّوْجَةُ وَالْمُعْتِقَةُ.
فَلَوْ اجْتَمَعَ كُلُّ الذُّكُورِ فَقَطْ وَلَا يَكُونُ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (مِنْ جِنْسِ النِّسَاءِ) اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ بَلْ وَاحِدُهُ امْرَأَةٌ.
وَعِبَارَةُ خ ض عَلَى التَّحْرِيرِ: قَوْلُهُ: " مِنْ النِّسَاءِ " أَيْ الْإِنَاثِ، وَإِنَّمَا فَسَّرْت النِّسَاءَ بِالْإِنَاثِ تَبَعًا لِغَيْرِي مِنْ الْمُحَقِّقِينَ لِيَدْخُلَ فِيهِنَّ الصَّغِيرَةُ مِنْ الْإِنَاثِ فَإِنَّهَا مِنْ الْإِنَاثِ لَا مِنْ النِّسَاءِ بَلْ مِنْ جِنْسِ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ أَنَّ النِّسَاءَ يَخْتَصُّ بِالْبَالِغَاتِ اهـ. لَكِنْ قَوْلُهُ: " بَلْ مِنْ جِنْسِ النِّسَاءِ إلَخْ " يُفِيدُ أَنَّ الصَّغِيرَةَ دَاخِلَةٌ فِي التَّعْبِيرِ بِجِنْسِ النِّسَاءِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّ الصَّغِيرَ دَاخِلٌ فِي التَّعْبِيرِ بِجِنْسِ الرِّجَالِ، فَكَلَامُ الشَّارِحِ فِي الْمَحَلَّيْنِ صَحِيحٌ لَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ خِلَافًا لِلْقَلْيُوبِيِّ.
قَوْلُهُ: (يُؤَدِّي إلَى دُخُولِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ بِنْتَ بِنْتِ الِابْنِ لَا يُقَالُ لَهَا بِنْتُ ابْنٍ فَلَا يُتَوَهَّمُ دُخُولُهَا، فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ خَطَأٌ) أَجَابَ عَنْهُ ق ل بِأَنَّ إضَافَتَهَا إلَى الِابْنِ تُخْرِجُ بِنْتَ الْبِنْتِ وَيَلْزَمُ مِنْ سُفُولِهَا سُفُولُ أَبِيهَا بَعْدَ إرَادَةِ الِابْنِ وَلَوْ مَجَازًا مَعَ انْتِسَابِهِ لِلْمَيِّتِ بِالْبُنُوَّةِ، أَيْ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْمَجَازِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَمُّ أَبِي الْأُمِّ فَلَا تَرِثُ) لِأَنَّهَا أَدْلَتْ بِذِكْرِ غَيْرِ وَارِثٍ، وَتُسَمَّى عِنْدَهُمْ الْجَدَّةُ الْفَاسِدَةُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ فِي عِدَّةِ رَجْعِيَّةٍ) لَا الْمُطَلَّقَةِ بَائِنًا وَإِنْ كَانَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فِي الْمُطَلَّقَةِ طَلَاقًا بَائِنًا عَلَى تَفْصِيلٍ يُعْلَمُ مِنْ الشِّنْشَوْرِيِّ عَلَى الرَّحَبِيَّةِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: وَهِيَ نِكَاحٌ إلَخْ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهَا تَرِثُ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ سَوَاءٌ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ أَوْ غَيْرِهِ، أَمَّا الْبَائِنُ فَلَا تَرِثُ عِنْدَنَا مُطْلَقًا فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَغَيْرِهِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَرِثُ مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا إذَا كَانَ الطَّلَاقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَرِثُ وَإِنْ اتَّصَلَتْ بِأَزْوَاجٍ.
هَذَا وَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ الزَّوْجَةُ وَلَوْ فِي عِدَّةِ زَوْجَةٍ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَلَوْ فِي عِدَّةِ الطَّلَاقِ رَجْعِيٍّ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ وَرِثَتْ بِهِ) هُوَ سَهْوٌ أَوْ سَبْقُ قَلَمٍ ق ل، إذْ لَيْسَ لَنَا أُنْثَى تَرِثُ بِالْوَلَاءِ غَيْرِ الْمُعْتَقَةِ، نَعَمْ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مُعْتَقَةِ الْمُعْتِقِ فَإِنَّهَا تَرِثُ عَتِيقَ عَتِيقِهَا، قَالَ فِي الرَّحَبِيَّةِ:
وَلَيْسَ فِي النِّسَاءِ طُرًّا عَصَبَهُ ... إلَّا الَّتِي مَنَّتْ بِعِتْقِ الرَّقَبَهْ
قَوْلُهُ: (وَهُوَ حَسَنٌ) أَيْ لِأَنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَدَلَ عَنْ الْمَرْجُوحِ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الزَّوْجَةِ بِالتَّاءِ بَلْ اسْتَعْمَلَ الْمَرْأَةَ مَحَلَّهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ عَلَتَا) الْأَوْلَى عَلَوَا أَوْ عَلَوَتَا؛ لِأَنَّ التَّثْنِيَةَ كَالْجَمْعِ تَرُدُّ الْأَشْيَاءَ إلَى أُصُولِهَا.
وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْعُلُوِّ، وَقَدْ يُقَالُ أَصْلُهُ " عَلَوَتَا " تَحَرَّكَتْ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا قُلِبَتْ أَلِفًا ثُمَّ حُذِفَتْ الْأَلِفُ لِالْتِقَائِهَا سَاكِنَةً مَعَ تَاءِ التَّأْنِيثِ
إلَّا وَالْمَيِّتُ أُنْثَى وَرِثَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ: الْأَبُ، وَالِابْنُ، وَالزَّوْجُ فَقَطْ لِأَنَّهُمْ لَا يُحْجَبُونَ وَمَنْ بَقِيَ مَحْجُوبٌ بِالْإِجْمَاعِ فَابْنُ الِابْنِ بِالِابْنِ وَالْجَدُّ بِالْأَبِ، وَتَصِحُّ مَسْأَلَتُهُمْ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ لِأَنَّ فِيهَا رُبُعًا وَسُدُسًا لِلزَّوْجِ الرُّبْعُ وَلِلْأَبِ السُّدُسُ وَلِلِابْنِ الْبَاقِي، أَوْ اجْتَمَعَ كُلُّ الْإِنَاثِ فَقَطْ وَلَا يَكُونُ إلَّا وَالْمَيِّتُ ذَكَرٌ فَالْوَارِثُ مِنْهُنَّ خَمْسٌ وَهِيَ الْبِنْتُ وَبِنْتُ الِابْنِ وَالْأُمُّ وَالْأُخْتُ لِأَبَوَيْنِ وَالزَّوْجَةُ، وَالْبَاقِي مِنْ الْإِنَاثِ مَحْجُوبٌ: الْجَدَّةُ بِالْأُمِّ وَالْأُخْتُ لِلْأُمِّ بِالْبِنْتِ وَكُلٌّ مِنْ الْأُخْتِ لِلْأَبِ وَالْمُعْتَقَةِ بِالشَّقِيقَةِ لِكَوْنِهَا مَعَ الْبِنْتِ وَبِنْتِ الِابْنِ عَصَبَةً تَأْخُذُ الْفَاضِلَ عَنْ الْفُرُوضِ، وَتَصِحُّ مَسْأَلَتُهُمْ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ لِأَنَّ فِيهَا سُدُسًا وَثُمُنًا لِلْأُمِّ السُّدُسُ وَلِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ وَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسُ وَلِلْأُخْتِ الْبَاقِي وَهُوَ سَهْمٌ، أَوْ اجْتَمَعَ الَّذِينَ يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمْ مِنْ الصِّنْفَيْنِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِأَنْ اجْتَمَعَ كُلُّ الذُّكُورِ وَكُلُّ الْإِنَاثِ إلَّا الزَّوْجَةَ فَإِنَّهَا الْمَيِّتَةُ، أَوْ كُلُّ الْإِنَاثِ وَكُلُّ الذُّكُورِ إلَّا الزَّوْجَ فَإِنَّهُ الْمَيِّتُ وَرِثَ مِنْهُمْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ الِابْنُ وَالْأَبَوَانِ وَالْبِنْتُ وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَهُوَ الزَّوْجُ
[حاشية البجيرمي]
السَّاكِنَةِ أَصَالَةً اهـ. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِكَوْنِ التَّاءِ مُتَحَرِّكَةً.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمْ لَا يُحْجَبُونَ) أَيْ حِرْمَانًا وَإِنْ حُجِبُوا نُقْصَانًا وَمَنْ بَقِيَ يُحْجَبُ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: لِأَنَّ غَيْرَهُمْ مَحْجُوبُونَ بِغَيْرِ الزَّوْجِ لِأَنَّ الْأَبَ يَحْجُبُ الْجَدَّ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ وَالِابْنَ يَحْجُبُ ابْنَ الِابْنِ وَكُلٌّ يَحْجُبُ الْأَخَ لِأَبَوَيْنِ وَلِأُمٍّ وَالْعَمَّ لِأَبَوَيْنِ وَلِأَبٍ وَابْنَ الْعَمِّ لِأَبَوَيْنِ وَلِأَبٍ وَالْمُعْتِقَ كَمَا فِي ح ل. قَالَ ق ل عَلَى الْجَلَالِ: ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ لِلِابْنِ دَخْلًا فِي حَجْبِ الْإِخْوَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مَعَ وُجُودِ الْأَبِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِهِمْ إنَّ حَجْبَهُ لَهُمْ بِوَاسِطَةِ حَجْبِهِ لِعُصُوبَةِ الْأَبِ كَمَا سَيَأْتِي؛ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَدْلَى بِوَاسِطَةٍ فَهِيَ الْحَاجِبَةُ لَهُ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْحَجْبَ قَائِمٌ بِهِمْ بِشَرْطِ فَقْدِ مَنْ قَبْلَهُمْ كَمَا فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَغَيْرِهَا اهـ. أَمَّا الزَّوْجُ فَلَا يَحْجُبُ أَحَدًا بَلْ هُوَ مَحْجُوبٌ بِالْفَرْعِ الْوَارِثِ عَنْ النِّصْفِ.
وَقَوْلُهُ: " لَا يُحْجَبُونَ " أَيْ حِرْمَانًا، وَسَكَتَ عَنْ الْحَوَاشِي لِوُضُوحِ أَنَّهُمْ يُحْجَبُونَ بِالْأَبِ وَالِابْنِ قَوْلُهُ: (فَابْنُ الِابْنِ بِالِابْنِ) أَيْ مَحْجُوبٌ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَتَصِحُّ مَسْأَلَتُهُمْ إلَخْ) الْأَوْلَى إسْقَاطُ لَفْظِ تَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا اُشْتُهِرَتْ فِي التَّصْحِيحِ لَا التَّأْصِيلِ.
قَوْلُهُ: (الْجَدَّةُ) أَيْ جِنْسُ الْجَدَّةِ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الْجَدَّاتِ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ مَحْجُوبُونَ بِالْأُمِّ اهـ.
قَوْلُهُ: (الَّذِينَ يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمْ) إذْ لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ زَوْجٍ وَزَوْجَةٍ.
وَصَوَّرَ بَعْضُهُمْ اجْتِمَاعَهُمَا ظَاهِرًا بِمَا إذَا جِيءَ بِمَيِّتٍ مَلْفُوفٍ فِي كَفَنِهِ فَجَاءَ رَجُلٌ وَمَعَهُ أَوْلَادٌ وَادَّعَى أَنَّ هَذَا الْمَيِّتَ زَوْجَتُهُ وَهَؤُلَاءِ أَوْلَادُهُ مِنْهَا وَجَاءَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا أَوْلَادٌ وَادَّعَتْ أَنَّ الْمَيِّتَ زَوْجُهَا وَهَؤُلَاءِ أَوْلَادُهَا مِنْهُ فَكُشِفَ عَنْهُ فَإِذَا هُوَ خُنْثَى لَهُ آلَتَانِ، وَصُوِّرَ أَيْضًا بِمَا إذَا حُكِمَ بِمَوْتِ غَائِبٍ وَجَاءَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ كَذَلِكَ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً شَهِدَتْ بِمَا ادَّعَى، فَالرَّاجِحُ تَقْدِيمُ بَيِّنَةِ الرَّجُلِ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ صَحَّتْ مِنْ طَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ وَالْإِلْحَاقُ بِالْأَبِ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ وَالْمُشَاهَدَةُ أَقْوَى اهـ شَرْحُ م ر. فَيَرِثُ الْمَيِّتَ أَبَوَاهُ وَالرَّجُلُ وَأَوْلَادُهُ وَتُمْنَعُ الْمَرْأَةُ اهـ ع ش. وَقَوْلُهُ: " وَتُمْنَعُ الْمَرْأَةُ " أَيْ وَأَوْلَادُهَا.
قَوْلُهُ: (ضَابِطٌ) أَيْ قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ أَيْ هَذَا ضَابِطٌ، فَهُوَ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (حَازَ جَمِيعَ التَّرِكَةِ) أَيْ لِأَنَّ الْجَمِيعَ عِنْدَ انْفِرَادِهِمْ يَرِثُونَ بِالتَّعْصِيبِ إلَّا الزَّوْجَ وَالْأَخَ لِلْأُمِّ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ قَالَ بِالرَّدِّ) الرَّدُّ الزِّيَادَةُ فِي قَدْرِ السِّهَامِ وَنَقْصٌ مَنْ عَدَدِهَا كَمَا فِي بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ أَصْلُ مَسْأَلَتِهِمْ مِنْ سِتَّةٍ وَتَرْجِعُ لِأَرْبَعَةٍ، وَالْعَوْلُ نَقْصٌ مِنْ قَدْرِهَا وَزِيَادَةٌ فِي عَدَدِهَا.
قَوْلُهُ: (إلَّا الزَّوْجَ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: غَيْرُ الزَّوْجَيْنِ.
قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: وَلَوْ كَانَا مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ رُدَّ عَلَيْهِمَا مِنْ حَيْثُ الرَّحِمُ اهـ. وَرَدَّهُ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ الْفُصُولِ فَقَالَ: فَإِنْ قُلْت كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِمَا، قُلْت: مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الرَّدَّ مُخْتَصٌّ بِذَوِي الْفُرُوضِ الْأَصْلِيَّةِ يُرَدُّ بِمَا سَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ بِأَنَّ الرَّدَّ يَجْرِي فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَصَرَّحَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ مَنْهَجِهِ؛ وَلِذَلِكَ عَلَّلَ الرَّافِعِيُّ تَقْدِيمَ الرَّدِّ عَلَى إرْثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ بِأَنَّ الْقَرَابَةَ الْمُفِيدَةَ لِاسْتِحْقَاقِ الْفَرْضِ أَقْوَى، فَعُلِمَ أَنَّ عِلَّةَ الرَّدِّ الْقَرَابَةُ الْمُسْتَحَقَّةُ لِلْفَرْضِ لَا مُطْلَقُ الْقَرَابَةِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا فَرْضٌ آخَرَ فَالزَّوْجَانِ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمَا مُطْلَقًا وَإِرْثُهُمَا بِالرَّحِمِ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الرَّدِّ فَافْهَمْ اهـ. أَقُولُ: فَعَلَيْهِ لَوْ خَلَّفَ الْمَيِّتُ زَوْجَةً فَقَطْ هِيَ بِنْتُ خَالٍ فَلَا شَكَّ أَنَّ لَهَا الرُّبُعَ بِالزَّوْجِيَّةِ، فَهَلْ لَهَا الْبَاقِي أَيْضًا لِكَوْنِهَا بِنْتَ خَالٍ وَبِنْتُ الْخَالِ إذَا انْفَرَدَتْ تَحُوزُ جَمِيعَ
حَيْثُ الْمَيِّتُ الزَّوْجَةُ، وَهِيَ حَيْثُ الْمَيِّتُ الزَّوْجُ لِحَجْبِهِمْ مَنْ عَدَاهُمْ فَالْأُولَى مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ لِلْأَبَوَيْنِ السُّدُسَانِ أَرْبَعَةٌ وَلِلزَّوْجِ الرُّبْعُ ثَلَاثَةٌ، وَالْبَاقِي وَهُوَ خَمْسَةٌ بَيْنَ الِابْنِ وَالْبِنْتِ أَثْلَاثًا وَلَا ثُلُثَ لَهُ صَحِيحٌ، فَتُضْرَبُ ثَلَاثَةٌ فِي اثْنَيْ عَشَرَ تَبْلُغُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ وَمِنْهَا تَصِحُّ.
وَالثَّانِيَةُ أَصْلُهَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ لِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ وَلِلْأَبَوَيْنِ السُّدُسَانِ وَالْبَاقِي وَهُوَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَيْنَ الِابْنِ وَالْبِنْتِ أَثْلَاثًا وَلَا ثُلُثَ لَهُ صَحِيحٌ، فَتُضْرَبُ ثَلَاثَةٌ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ تَبْلُغُ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِنْهَا تَصِحُّ.
ضَابِطٌ: كُلُّ مَنْ انْفَرَدَ مِنْ الذُّكُورِ حَازَ جَمِيعَ التَّرِكَةِ إلَّا الزَّوْجَ وَالْأَخَ لِلْأُمِّ، وَمَنْ قَالَ بِالرَّدِّ لَا يَسْتَثْنِي إلَّا الزَّوْجَ وَكُلُّ مَنْ انْفَرَدَ مِنْ الْإِنَاثِ لَا يَحُوزُ جَمِيعَ الْمَالِ إلَّا الْمُعْتِقَةَ، وَمَنْ قَالَ بِالرَّدِّ لَا يَسْتَثْنِي مِنْ حَوْزِ جَمِيعِ الْمَالِ إلَّا الزَّوْجَةَ.
تَنْبِيهٌ.
قَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ أَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ لَا يَرِثُونَ، وَهُمْ كُلُّ قَرِيبٍ لَيْسَ بِذِي فَرْضٍ وَلَا عَصَبَةٍ وَهُمْ أَحَدَ عَشَرَ صِنْفًا جَدٌّ وَجَدَّةٌ سَاقِطَانِ كَأَبِي أُمٍّ وَأُمِّ أَبِي أُمٍّ وَإِنْ عَلَيَا، وَهَذَانِ صِنْفٌ وَاحِدٌ وَأَوْلَادُ بَنَاتٍ لِصُلْبٍ أَوْ لِابْنٍ مِنْ ذُكُورِ وَإِنَاثٍ وَبَنَاتِ إخْوَةٍ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ وَأَوْلَادُ أَخَوَاتٍ كَذَلِكَ، وَبَنُو إخْوَةٍ لِأُمِّ وَعَمٍّ لِأُمِّ أَيْ أَخُو الْأَبِ لِأُمِهْ، وَبَنَاتُ أَعْمَامٍ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ أَوْ لِأُمِّ وَعَمَّاتٌ بِالرَّفْعِ، وَأَخْوَالٌ وَخَالَاتٌ وَمُدْلُونَ بِهِمْ أَيْ بِمَا عَدَا الْأَوَّلِ إذْ لَمْ يَبْقَ فِي الْأَوَّلِ مَنْ يُدْلِي بِهِ.
وَمَحَلُّ هَذَا إذَا اسْتَقَامَ أَمْرُ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُ بَيْتِ الْمَالِ وَلَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ وَلَا ذُو فَرْضٍ مُسْتَغْرَقٍ وَرِثَ ذَوُو الْأَرْحَامِ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الزَّوَائِدِ.
وَفِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِهِمْ مَذْهَبَانِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْأَصَحُّ مَذْهَبُ أَهْلِ
[حاشية البجيرمي]
الْمَالِ أَوْ لَهَا الثُّلُثُ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْخَالُ لَوْ كَانَ مَعَهُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ صِنْفٌ آخَرَ لَا يَحْجُبُ الْأُمَّ إلَى السُّدُسِ كَعَمَّةٍ لِأَنَّ بِنْتَ الْخَالِ هُنَا مَعَهَا زَوْجَةٌ فَكَانَ مَعَهَا شَخْصٌ آخَرُ أَوْ كَيْفَ الْحَالُ؟ حَرَّرَهُ، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ.
اهـ. سم.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: غَيْرُ الزَّوْجَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ الرَّدِّ الْقَرَابَةُ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ فِيهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ تَرِثُ زَوْجَةً تُدْلِي بِعُمُومَةٍ أَوْ خُؤُولَةٍ بِالرَّحِمِ اهـ.
وَقَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ تَرِثُ زَوْجَةٌ إلَخْ " أَيْ زِيَادَةً عَلَى حِصَّتِهَا بِالزَّوْجِيَّةِ كَمَا قَالَهُ ع ش قَوْلُهُ: (كَأَبِي أُمٍّ) اعْلَمْ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ أَبِي الْأُمِّ وَبَيْنَ أُمِّ الْأُمِّ بِأَنَّ الْوِلَادَةَ فِي النِّسَاءِ مُحَقَّقَةٌ، لَكِنْ اُعْتُرِضَ بِأَنَّ مِيرَاثَ الذُّكُورِ أَقْوَى بِدَلِيلِ حِرْمَانِ الْإِنَاثِ عِنْدَ التَّرَاخِي كَالْعَمَّاتِ وَبَنَاتِ الْعَمِّ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ عَلَيَا) بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ لِتَغْلِيبِ الذَّكَرُ عَلَى الْأُنْثَى.
وَقَالَ ع ش: الْأَنْسَبُ " وَإِنْ عَلَوْا " لِأَنَّ (عَلَا) وَاوِيٌّ ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ عَلَى الْهَمَزِيَّةِ أَنَّ الْيَاءَ لُغَةٌ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ لِابْنٍ) أَيْ أَوْلَادٍ بَنَاتٍ لِابْنٍ.
وَقَوْلُهُ: " وَأَوْلَادُ أَخَوَاتٍ " أَيْ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا؛ وَلِذَا عَبَّرَ بِالْأَوْلَادِ دُونَ الْبَنَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَبَنُو إخْوَةٍ لِأُمٍّ) وَبَنَاتِهِمْ بِطَرِيقٍ أَوْلَى، وَلِدُخُولِهِمْ فِي بَنَاتِ الْإِخْوَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
اهـ. زي.
قَوْلُهُ: (بِالرَّفْعِ) أَيْ لَا بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى أَعْمَامٍ، الْمُقْتَضِي إرَادَةَ بَنَاتِهِنَّ، الْمُقْتَضِي لِتَكَرُّرِهِ مَعَ مَا بَعْدَهُ وَلِلسُّكُوتِ عَنْهُنَّ.
قَوْلُهُ: (وَمُدْلُونَ بِهِمْ) أَيْ بِالْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَمْ يَبْقَ فِي الْأَوَّلِ مَنْ يُدْلِي بِهِ) لِأَنَّ قَوْلَهُ وَإِنْ عَلَيَا يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ أَفْرَادِ الصِّنْفِ.
قَوْلُهُ: (هَذَا) أَيْ عَدَمُ إرْثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ.
قَوْلُهُ: (إذَا اسْتَقَامَ) أَيْ فِي قِسْمَةِ التَّرِكَاتِ وَمَا يَأْخُذُهُ فَهُوَ إرْثٌ، أَيْ بِالْعُصُوبَةِ مُرَاعًى فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، فَيُعْطَى مِنْهُ مَنْ أَسْلَمَ أَوْ عَتَقَ أَوْ وَلَهُ بَعْدَ الْمُوَرِّثِ لَا رَقِيقَ وَلَا مُكَاتَبَ وَلَا كَافِرَ وَلَا قَاتِلَ.
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَيْسَ إرْثًا مَحْضًا وَلَا مَصْلَحَةً مَحْضَةً بَلْ يُرَاعَى فِيهِ الْأَمْرَانِ، وَيَجُوزُ تَخْصِيصُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْتِحْقَاقٌ بِصِفَةٍ وَهِيَ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ فَصَارَ كَالْوَصِيَّةِ لِقَوْمٍ مَوْصُوفِينَ غَيْرِ مَحْصُورِينَ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُمْ، وَكَالزَّكَاةِ فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ زَكَاةَ شَخْصٍ وَيَدْفَعَهَا إلَى وَاحِدٍ لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ؛ شَرْحُ الرَّوْضِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الطَّائِفَةُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا أَفَادَهُ ح ل. وَكَأَنَّ قَضِيَّةَ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ إعْطَاءُ الْقَاتِلِ وَالْقِنِّ لَكِنَّهُمْ رَاعَوْا فِي ذَلِكَ شَائِبَةَ الْإِرْثِ، وَمَحَلُّ مَا ذُكِرَ إنْ كَانَ مُسْلِمًا فَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا وَلَا وَارِثَ لَهُ كَانَ فَيْئًا كَمَا فِي ح ل اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَا ذُو فَرْضٍ مُسْتَغْرَقٍ) أَيْ وَلَمْ يُوجَدْ أَيْضًا مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الرَّدَّ مُقَدَّمٌ عَلَى تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ.
قِيلَ: الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَلَا ذَوُو فَرْضٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ مُسْتَغْرَقٍ لِأَنَّ الْفَرْضَ الْوَاحِدَ لَا
التَّنْزِيلِ، وَهُوَ أَنْ يُنَزَّلَ كُلٌّ مِنْهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يُدْلِي بِهِ، وَالثَّانِي مَذْهَبُ أَهْلِ الْقَرَابَةِ: وَهُوَ تَقْدِيمُ الْأَقْرَبِ مِنْهُمْ إلَى الْمَيِّتِ.
فَفِي بِنْتِ بِنْتٍ وَبِنْتِ بِنْتِ ابْنٍ الْمَالُ عَلَى الْأَوَّلِ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا وَعَلَى الثَّانِي لِبِنْتِ الْبِنْتِ لِقُرْبِهَا إلَى الْمَيِّتِ.
وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، هَذَا كُلُّهُ إذَا وُجِدَ أَحَدٌ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَإِلَّا فَحُكْمُهُ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
أَنَّهُ إذَا جَارَتْ الْمُلُوكُ فِي مَالِ
الْمَصَالِحِ
فَظَفِرَ بِهِ أَحَدٌ يَعْرِفُ الْمَصَارِفَ أَخَذَهُ وَصَرَفَهُ فِيهَا كَمَا يَصْرِفُهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَهُوَ مَأْجُورٌ عَلَى ذَلِكَ.
قَالَ: وَالظَّاهِرُ وُجُوبُهُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِيمَنْ يُحْجَبُ وَمَنْ لَا يُحْجَبُ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ) أَيْ الَّذِي (لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ) أَيْ الَّذِي لَا يُحْجَبُ حَجْبَ حِرْمَانٍ، وَالْحَجْبُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْمَنْعُ وَشَرْعًا مَنْعُ مَنْ قَامَ بِهِ سَبَبُ الْإِرْثِ مِنْ الْإِرْثِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ مِنْ أَوْفَرِ حَظَّيْهِ.
وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ حَجْبَ حِرْمَانٍ وَالثَّانِي حَجْبَ نُقْصَانٍ، فَالثَّانِي كَحَجْبِ الْوَلَدِ الزَّوْجَ مِنْ النِّصْفِ إلَى الرُّبُعِ وَيُمْكِنُ دُخُولُهُ
[حاشية البجيرمي]
يَكُونُ مُسْتَغْرَقًا وَالْفُرُوضُ الْمُسْتَغْرَقَةُ كَزَوْجٍ وَأَمٍّ وَأَخٍ لِأُمٍّ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَرْضِ الْجِنْسُ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ مُسْتَغْرَقٌ وَلَوْ بِالرَّدِّ.
قَوْلُهُ: (مَنْزِلَةَ مَنْ يُدْلِي بِهِ) فَيُجْعَلُ وَلَدُ الْبِنْتِ وَالْأُخْتِ كَأُمِّهِمَا وَبِنْتِ الْأَخِ وَالْعَمِّ كَأَبِيهِمَا وَالْخَالُ وَالْخَالَةُ كَالْأُمِّ وَالْعَمُّ لِلْأُمِّ وَالْعَمَّةُ كَالْأَبِ، وَإِذَا نَزَّلْنَا كُلًّا كَمَا ذُكِرَ قُدِّمَ الْأَسْبَقُ لِلْوَارِثِ لَا لِلْمَيِّتِ، فَإِنْ اسْتَوَوْا قُدِّرَ كَأَنَّ الْمَيِّتَ خَلَفَ مَنْ يُدْلُونَ بِهِ ثُمَّ يُجْعَلُ نَصِيبُ كُلٍّ لِمَنْ أَدْلَى بِهِ عَلَى حَسَبِ إرْثِهِ مِنْهُ لَوْ كَانَ هُوَ الْمَيِّتُ إلَّا أَوْلَادَ الْأُمِّ وَالْأَخْوَالَ وَالْخَالَاتِ مِنْهَا فَبِالسَّوِيَّةِ شَرْحُ م ر.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ الشَّارِحِ: " مَنْزِلَةَ مَنْ يُدْلِي بِهِ " أَيْ مِنْ حَيْثُ الْإِرْثُ فَيَأْخُذُ مَا يَأْخُذُهُ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا.
وَخَرَجَ بِالْإِرْثِ الْحَجْبُ، فَفِي زَوْجَةٍ وَبِنْتِ بِنْتٍ لِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ لِأَنَّ بِنْتَ الْبِنْتِ لَا تَحْجُبُ الزَّوْجَةَ وَإِنْ نُزِّلَتْ مَنْزِلَةَ الْبِنْتِ لِأَنَّ الزَّوْجَةَ لَا يَحْجُبُهَا مِنْ الرُّبُعِ إلَى الثُّمُنِ إلَّا الْفَرْعُ الْوَارِثُ بِالْقَرَابَةِ الْخَاصَّةِ كَمَا قَالَهُ الَأُجْهُورِيُّ عَلَى الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا إلَخْ) بَيَانُهُ أَنَّ بِنْتَ الْبِنْتِ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْبِنْتِ، وَبِنْتَ بِنْتِ ابْنٍ مَنْزِلَةَ بِنْتِ الِابْنِ، فَكَأَنَّ الْمَيِّتَ مَاتَ عَنْ بِنْتٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَمَسْأَلَتُهُمَا مِنْ سِتَّةٍ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ ثَلَاثَةٌ وَلِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسُ وَاحِدٌ تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ وَمَجْمُوعُهُمَا أَرْبَعَةٌ، وَيُقَسَّمُ الْبَاقِي وَهُوَ اثْنَانِ بَيْنَهُمَا عَلَى نِسْبَةِ فَرْضَيْهِمَا أَرْبَاعًا لِبِنْتِ بِنْتِ الِابْنِ رُبُعُهُمَا وَهُوَ نِصْفٌ لِأَنَّ نِسْبَةَ نَصِيبِهَا وَهُوَ وَاحِدٌ لِلْأَرْبَعَةِ رُبْعٌ وَلِبِنْتِ الْبِنْتِ وَاحِدٌ وَنِصْفٌ فَحَصَلَ الْكَسْرُ عَلَى مَخْرَجِ النِّصْفِ فَيُضْرَبُ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ سِتَّةٌ يَحْصُلُ اثْنَا عَشَرَ لِبِنْتِ الْبِنْتِ نِصْفُهَا سِتَّةٌ وَلِبِنْتِ بِنْتِ الِابْنِ السُّدُسُ اثْنَانِ يَبْقَى أَرْبَعَةٌ يُرَدُّ عَلَى بِنْتِ بِنْتِ الِابْنِ وَاحِدٌ لِأَنَّ نِسْبَةَ نَصِيبِهَا وَهُوَ اثْنَانِ إلَى مَجْمُوعِ الثَّمَانِيَةِ رُبُعٌ فَيَكُونُ لَهَا رُبُعُ الْبَاقِي وَيُرَدُّ عَلَى بِنْتِ الْبِنْتِ ثَلَاثَةٌ لِأَنَّ نِسْبَةَ نَصِيبِهَا وَهُوَ سِتَّةٌ إلَى الثَّمَانِيَةِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ فَيَكُونُ لَهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْبَاقِي وَهُوَ ثَلَاثَةٌ فَيَكُونُ مَعَهَا تِسْعَةٌ وَبَيْنَ الْأَنْصِبَاءِ وَالْمَسْأَلَةُ تُوَافِقُ بِالثُّلُثِ فَيَرْجِعُ كُلُّ نَصِيبٍ إلَى ثُلُثِهِ فَتَرْجِعُ التِّسْعَةُ إلَى ثَلَاثَةٍ وَالثَّلَاثَةُ إلَى وَاحِدٍ وَالْمَسْأَلَةُ إلَى ثُلُثِهَا وَهُوَ أَرْبَعَةٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: " أَرْبَاعًا "، أَوْ يُقْطَعُ النَّظَرُ عَنْ الِاثْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ وَتُجْعَلُ الْمَسْأَلَةُ مِنْ أَرْبَعَةٍ لِلْبِنْتِ ثَلَاثَةٌ فَرْضًا وَرَدًّا وَلِبِنْتِ الِابْنِ وَاحِدٌ فَرْضًا وَرَدًّا فَمَا كَانَ لِلْبِنْتِ يُجْعَلُ لِبِنْتِهَا وَمَا كَانَ لِبِنْتِ الِابْنِ وَهُوَ وَاحِدٌ يُجْعَلُ لِبِنْتِهَا.
وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ التَّنْزِيلِ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْقَرَابَةِ فَالْمَالُ لِبِنْتِ الْبِنْتِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (وَصَرَفَهُ فِيهَا) وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُبَاشِرِ لِذَلِكَ صَرْفُهُ عَلَى أَهْلِ مَحَلَّتِهِ فَقَطْ، بَلْ لَوْ رَأَى
الْمَصْلَحَةَ
فِي صَرْفِهِ فِي مَحَلَّةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ مَحَلَّتِهِ وَجَبَ نَقْلُهُ إلَيْهَا.
قَالَ سم: وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ وَلِعِيَالِهِ مَا يَحْتَاجُهُ، وَهَلْ هُوَ مِقْدَارُ حَاجَةِ الْعُمْرِ الْغَالِبِ أَوْ سَنَةٍ أَوْ أَقَلَّ؟ حُرِّرَ؛ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: يَأْخُذُ مَا يَكْفِيهِ الْعُمْرَ الْغَالِبَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَدْرَ يَدْفَعُهُ لَهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ اهـ. ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ [النساء: 8] اُسْتُحِبَّ دَفْعُ شَيْءٍ لَهُمْ وَلَا يَجِبُ، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلَا يُدْفَعُ شَيْءٌ مِنْ نَصِيبِ قَاصِرٍ اهـ مُنَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالظَّاهِرُ وُجُوبُهُ) وَلَهُ أَنْ يَحْفَظَهُ إلَى أَنْ يَتَوَلَّى سُلْطَانٌ عَادِلٌ.
قَوْلُهُ: (بِحَالٍ) أَيْ بِالشَّخْصِ وَقَوْلُهُ حَجْبُ حِرْمَانٍ أَيْ بِالشَّخْصِ.
قَوْلُهُ: (مَنْعُ مَنْ قَامَ بِهِ سَبَبُ الْإِرْثِ) أَيْ مِنْ الْإِرْثِ فَمَنْعُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (حَجْبَ حِرْمَانٍ) وَهُوَ بِالْوَصْفِ يَدْخُلُ عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، وَبِالشَّخْصِ
عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ؛ وَالْأَوَّلُ قِسْمَانِ: حَجْبٌ بِالْوَصْفِ وَيُسَمَّى مَنْعًا كَالْقَتْلِ وَالرِّقِّ وَسَيَأْتِي وَيُمْكِنُ دُخُولُهُ عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ أَيْضًا.
وَحَجْبٌ بِالشَّخْصِ أَوْ الِاسْتِغْرَاقِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
وَمَنْ لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ: (خَمْسَةٌ) وَهُمْ (الزَّوْجَانِ وَالْأَبَوَانِ وَوَلَدُ الصُّلْبِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَهَذَا إجْمَاعٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يُدْلِي إلَى الْمَيِّتِ بِنَفْسِهِ بِنَسَبٍ أَوْ نِكَاحٍ وَلَيْسَ فَرْعًا لِغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفَرْعِ فَخَرَجَ بِقَوْلِنَا: وَلَيْسَ فَرْعًا لِغَيْرِهِ الْمُعْتِقُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، فَإِنَّهُ وَإِنْ أَدْلَى بِنَفْسِهِ يُحْجَبُ لِأَنَّهُ فَرْعٌ لِغَيْرِهِ وَهُوَ النَّسَبُ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَضَابِطُ مَنْ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْحَجْبُ بِالشَّخْصِ حَجْبُ حِرْمَانٍ كُلُّ مَنْ أَدْلَى إلَى الْمَيِّتِ بِنَفْسِهِ إلَّا الْمُعْتِقُ وَالْمُعْتِقَةُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي الْحَجْبِ بِالْوَصْفِ بِقَوْلِهِ: (وَمَنْ) أَيْ الَّذِي (لَا يَرِثُ بِحَالٍ) أَيْ مُطْلَقًا سَبْعَةٌ بَلْ أَكْثَرُ كَمَا سَتَعْرِفُهُ
[حاشية البجيرمي]
عَلَى بَعْضِهِمْ، وَهُوَ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (حَجْبَ نُقْصَانٍ) وَلَا يَكُونُ إلَّا بِالشَّخْصِ وَيَدْخُلُ عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، فَالِابْنُ يُحْجَبُ بِأَخِيهِ أَيْ يُنْقِصُهُ عَنْ نَصِيبِهِ وَهُوَ جَمِيعُ الْمَالِ أَوْ جَمِيعُ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ صَارَ يُشَارِكُهُ فِيهِ، وَكَوْنُ هَذَا حَجْبًا فِيهِ مُسَامَحَةٌ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْبِنْتِ مَعَ أُخْتِهَا فَإِنَّهَا حَجَبَتْهَا مِنْ النِّصْفِ إلَى الثُّلُثِ وَهُوَ إمَّا بِالِانْتِقَالِ مِنْ فَرْضٍ إلَى فَرْضٍ كَالْأُمِّ أَوْ إلَى التَّعْصِيبِ كَالْبِنْتِ مَعَ أَخِيهَا أَوْ مِنْ تَعْصِيبٍ إلَى تَعْصِيبٍ كَالْأَخِ مَعَ أَخِيهِ أَوْ إلَى فَرْضٍ كَالْجَدِّ أَوْ مُزَاحَمَةٍ فِي فَرْضٍ كَالْبَنَاتِ أَوْ فِي التَّعْصِيبِ كَالْأَخَوَاتِ مَعَهُنَّ؛ فَهَذِهِ سِتَّةُ أَقْسَامٍ.
وَمَدَارُ الْحَجْبِ عَلَى التَّقْدِيمِ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثٍ، وَهِيَ: الْجِهَةُ ثُمَّ الْقُرْبُ ثُمَّ الْقُوَّةُ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهَا الْجَعْبَرِيُّ بِقَوْلِهِ:
فَبِالْجِهَةِ التَّقْدِيمُ ثُمَّ بِقُرْبِهِ ... وَبَعْدَهُمَا التَّقْدِيمُ بِالْقُوَّةِ اجْعَلَا
قَوْلُهُ: (أَوْ الِاسْتِغْرَاقِ) عَطْفُهُ عَلَى الشَّخْصِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَجْبِ بِالشَّخْصِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ مِنْهُ لِأَنَّ الْحَاجِبَ هُمْ الْوَرَثَةُ الْمُسْتَغْرِقُونَ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهِ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ) أَيْ مِنْ مَنْطُوقِهِ.
قَوْلُهُ: (بِنَفْسِهِ) أَيْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ.
وَهُمْ سَبْعَةٌ: الِابْنُ وَالْبِنْتُ وَالْأَبَوَانِ وَالزَّوْجَانِ وَالْمُعْتِقُ، فَمَا عَدَا الْأَخِيرِ لَا يُحْجَبُونَ حَجْبَ حِرْمَانٍ بِالشَّخْصِ أَصْلًا، وَقَدْ أَخْرَجَ الْأَخِيرَ بِقَوْلِهِ: وَلَيْسَ فَرْعًا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ مُقَدَّمٌ) هُوَ مِنْ تَتِمَّةِ قَوْلِهِ: " وَلَيْسَ فَرْعًا لِغَيْرِهِ " أَيْ فَهُوَ أَيْ كُلٌّ مِنْهُمْ أَصْلٌ فِي نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْمُعْتِقِ فَهُوَ فَرْعٌ وَالْأَصْلُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفَرْعِ.
هَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَوْجِيهٌ لِعَدَمِ إرْثِ الْمُعْتِقِ مَعَ عَصَبَةِ النَّسَبِ مَعَ أَنَّهُ يُدْلِي بِنَفْسِهِ لِلْمَيِّتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَوْجِيهٌ لِتَقْدِيمِ الْمُصَنِّفِ الْأَبَوَيْنِ عَلَى وَلَدِ الصُّلْبِ فِي الذَّكَرِ وَإِلَّا فَالْفَرْعُ مُقَدَّمٌ فِي الْجِهَةِ لِأَنَّ جِهَةَ الْبُنُوَّةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى جِهَةِ الْأُبُوَّةِ وَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْجُدُودِ وَالْإِخْوَةِ ثُمَّ بُنُوَّتُهَا ثُمَّ الْعُمُومَةُ ثُمَّ الْوَلَاءُ وَفِي كُلٍّ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ كَالِابْنِ مَعَ ابْنِهِ فَإِنْ اسْتَوَيَا قُرْبًا فَبِالْقُوَّةِ كَالْأَخِ الشَّقِيقِ مَعَ الْأَخِ لِلْأَبِ وَسَيَأْتِي ق ل.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْمُعْتِقَ خَرَجَ بِقَوْلِهِ: " بِنَسَبٍ أَوْ نِكَاحٍ " وَحِينَئِذٍ فَلَا فَائِدَةَ فِي قَوْلِهِ: " وَلَيْسَ فَرْعًا لِغَيْرِهِ " إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ أَفَادَ كَوْنَ الْإِرْثِ بِالْعِتْقِ فَرْعَ النَّسَبِ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا أَوْلَى) أَيْ قَوْلُهُ وَمَنْ لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ.
وَوَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ فِيهِ ضَبْطَهُمْ تَفْصِيلًا، بِخِلَافِ هَذَا الضَّابِطِ فَإِنَّ فِيهِ إجْمَالًا إذْ لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينُهُمْ.
اهـ. شَيْخُنَا.
وَبِهَذَا يُعْلَمُ مَا فِي الْمُحَشِّي بِحَيْثُ قَالَ: لَمْ يَتَّضِحْ وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ اشْتِمَالُ الْأَوَّلِ عَلَى كَوْنِ الْعِتْقِ فَرْعَ النَّسَبِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ بِمُجَرَّدِهِ فَالْأَمْرُ سَهْلٌ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ بَيَانُهُمْ أَيْ بَيَانُ الَّذِينَ لَا يُحْجَبُونَ تَفْصِيلًا بِخِلَافِ ذَاكَ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الَّذِي) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: أَيْ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ، لِأَنَّ " مَنْ " وَاقِعَةٌ عَلَى مُتَعَدِّدٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الَّذِي يَقَعُ عَلَى الْمُتَعَدِّدِ أَيْضًا نَحْوَ: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: 69] . وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ رَاعَى لَفْظَ " مَنْ " لِأَنَّ لَفْظَهَا مُفْرَدٌ وَمَعْنَاهَا مُتَعَدِّدٌ
الْأَوَّلُ: (الْعَبْدُ) قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَهُوَ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى.
وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ: الْعَبْدُ هُوَ الْمَمْلُوكُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
(وَ) الثَّانِي: الرَّقِيقُ (الْمُدَبَّرُ و) الثَّالِثُ: (أُمُّ الْوَلَدِ و) الرَّابِعُ: الرَّقِيقُ (الْمُكَاتَبُ) لِنَقْصِهِمْ بِالرِّقِّ.
وَكَانَ الْأَخْصَرُ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ أَرْبَعَةٌ بَدَلَ سَبْعَةٍ، وَيُعَبَّرُ عَنْ هَؤُلَاءِ بِالرِّقِّ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ.
تَنْبِيهٌ: إطْلَاقُهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَامِلِ الرِّقِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ كَذَلِكَ إذْ الصَّحِيحُ أَنَّ الْمُبَعَّضَ لَا يَرِثُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ لِأَنَّهُ نَاقِصٌ بِالرِّقِّ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْوِلَايَةِ فَلَمْ يَرِثْ كَالْقِنِّ وَلَا يُوَرَّثُ الرَّقِيقُ كُلُّهُ، وَأَمَّا الْمُبَعَّضُ فَيُوَرَّثُ عَنْهُ مَا مَلَكَهُ بِبَعْضِهِ الْحُرِّ لِأَنَّهُ تَامُّ الْمِلْكِ عَلَيْهِ فَيَرِثُهُ عَنْهُ قَرِيبُهُ الْحُرُّ أَوْ مُعْتَقُ بَعْضِهِ وَزَوْجَتِهِ، وَلَا شَيْءَ لِسَيِّدِهِ لِاسْتِيفَائِهِ حَقَّهُ مِمَّا اكْتَسَبَهُ بِالرِّقِّيَّةِ.
وَاسْتُثْنِيَ مِنْ كَوْنِ الرَّقِيقِ لَا يُوَرَّثُ كَافِرٌ لَهُ أَمَانٌ وَجَبَتْ لَهُ جِنَايَةٌ حَالَ حُرِّيَّتِهِ وَأَمَانَةٌ، ثُمَّ نَقَضَ الْأَمَانَ فَسُبِيَ وَاسْتُرِقَّ وَحَصَلَ الْمَوْتُ بِالسِّرَايَةِ فِي حَالِ رِقِّهِ، فَإِنَّ قَدْرَ الْأَرْشِ مِنْ قِيمَتِهِ لِوَرَثَتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَلَيْسَ لَنَا رَقِيقٌ كُلُّهُ يُوَرَّثُ إلَّا هَذَا.
(وَ) الْخَامِسُ (الْقَاتِلُ) فَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ مِنْ مَقْتُولِهِ مُطْلَقًا لِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ: «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ شَيْءٌ» أَيْ مِنْ
[حاشية البجيرمي]
فَيَجُوزُ مُرَاعَاةُ كُلٍّ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ عَنْ التَّقْيِيدِ بِحَالٍ دُونَ حَالٍ أَيْ بِسَبَبٍ دُونَ سَبَبٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: " مُطْلَقًا " أَيْ بِجِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ أَيْ لَا بِجِهَةِ قَرَابَةٍ وَلَا بِجِهَةِ وَلَاءٍ وَلَا بِجِهَةِ زَوْجِيَّةٍ، وَيَحْتَمِلُ تَفْسِيرَ الْإِطْلَاقِ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى؛ تَدَبَّرْ، وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ بَابَ الْحَجْبِ أَنْ يُفْتِيَ فِي الْفَرَائِضِ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمَحْجُوبَ مِنْ غَيْرِهِ قَوْلُهُ: (وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ) تَأْيِيدٌ لِكَلَامِ ابْنِ حَزْمٍ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى) أَوْ خُنْثَى.
قَوْلُهُ: (لِنَقْصِهِمْ بِالرِّقِّ) وَلِأَنَّ الرَّقِيقَ لَوْ وَرِثَ كَانَ مَا يَأْخُذُهُ لِسَيِّدِهِ، فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ يَرِثُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَذَلِكَ يَجُوزُ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَيُعَبَّرُ عَنْ هَؤُلَاءِ بِالرِّقِّ) أَيْ ذِي الرِّقِّ.
قَوْلُهُ: (فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ) فَيَقْتَصِرُ عَلَى زَوْجَتَيْنِ وَيَمْلِكُ طَلْقَتَيْنِ قَوْلُهُ: (وَالْوِلَايَةُ) فَلَا يَلِي أَصْلًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُوَرَّثُ الرَّقِيقُ إلَخْ) زِيَادَةٌ عَلَى مَا الْكَلَامُ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: " كُلُّهُ " فَاعِلُ الرَّقِيقِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُعْتَقُ بَعْضِهِ) عَطَفَ بِأَوْ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ قَدْ لَا يَجْتَمِعُ إرْثُ قَرِيبِهِ الْحُرِّ مَعَ إرْثِ مُعْتَقِ بَعْضِهِ، وَأَتَى بِالْوَاوِ فِي قَوْلِهِ وَزَوْجَتِهِ إشَارَةً إلَى الِاجْتِمَاعِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا شَيْءَ لِسَيِّدِهِ) أَيْ مَالِكِ بَعْضِهِ.
قَوْلُهُ: (وَاسْتَثْنَى) قَالَ م ر يُمْكِنُ مَنْعُ الِاسْتِثْنَاءِ بِأَنَّ أَقَارِبَهُ إنَّمَا وَرِثُوهُ نَظَرًا لِلْحُرِّيَّةِ السَّابِقَةِ لِاسْتِقْرَارِهَا قَبْلَ الرِّقِّ؛ لَكِنْ وَجْهُ الِاسْتِثْنَاءِ هُوَ النَّظَرُ لِكَوْنِهِمْ حَالَ الْمَوْتِ أَحْرَارًا وَهُوَ قِنٌّ.
قَوْلُهُ: (وَجَبَتْ لَهُ جِنَايَةٌ) أَيْ أَرْشُ جِنَايَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ قَدْرَ الْأَرْشِ) أَيْ أَرْشِ الْعُضْوِ وَأَمَّا الْبَاقِي فَلِسَيِّدِهِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْجَانِيَ يَضْمَنُهُ بِالْقِيمَةِ.
ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى مَالِهِ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ كَقَطْعِ يَدِهِ فَهُوَ الْوَاجِبُ لِلْوَارِثِ مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْجَانِي الْبَاقِي مِنْهَا لِمُسْتَرِقِّهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِنْ مِقْدَارِ الْأَرْشِ أَوْ مُسَاوِيَةً لَهُ فَازَ بِهَا الْوَارِثُ وَلَا شَيْءَ لِمُسْتَرَقِّهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى غَيْرِ مَا لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ فَعَلَى الْجَانِي الْقِيمَةُ وَلِلْوَارِثِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْقِيمَةِ وَدِيَةُ النَّفْسِ الْوَاجِبَةِ بِالسِّرَايَةِ، فَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ فَازَ بِهَا الْوَارِثُ، وَإِنْ كَانَتْ دِيَةُ النَّفْسِ أَقَلَّ فَالزَّائِدُ مِنْ الْقِيمَةِ عَلَى الدِّيَةِ لِمُسْتَرَقِّهِ لِأَنَّهُ مَاتَ بِالْجِنَايَةِ فِي مِلْكِهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَى الْجَانِي الْقِيمَةُ مُطْلَقًا لِقَاعِدَةِ أَنَّ مَا كَانَ مَضْمُونًا فِي الْحَالَيْنِ حَالَ الْجِنَايَةِ وَحَالَ الْمَوْتِ الْعِبْرَةُ فِيهِ بِالِانْتِهَاءِ وَهُوَ أَعْنِي الِانْتِهَاءَ فِي حَالِ رِقِّهِ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ) هُوَ مِنْ الْإِظْهَارِ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ بِلَا فَائِدَةٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ لَهُ دَخْلٌ فِي الْقَتْلِ وَلَوْ بِسَبَبٍ أَوْ شَرْطٍ كَحَفْرِ بِئْرٍ عَمْدًا عُدْوَانًا، فَيَشْمَلُ الشَّاهِدَ وَالْمُزَكِّي وَالْقَاضِي مَا عَدَا الْمُفْتِي وَرَاوِي الْحَدِيثِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُخْبِرٌ وَالْقَاضِي مُلْزِمٌ وَكُلٌّ مِنْ الشَّاهِدِ وَالْمُزَكِّي سَبَبٌ لِحُكْمِهِ، وَمِثْلُ الْمُفْتِي وَرَاوِي الْحَدِيثِ الْقَاتِلُ بِالْعَيْنِ أَوْ بِالْحَالِ وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمَا.
اهـ. م د. وَلَوْ سَقَاهُ دَوَاءً فَمَاتَ فَإِنْ كَانَ حَاذِقًا وَرِثَ وَإِلَّا فَلَا وَأَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ، وَقَدْ يَرِثُ الْمَقْتُولُ مِنْ قَاتِلِهِ كَأَنْ يَجْرَحَهُ وَيَمُوتَ هُوَ قَبْلَهُ اهـ. وَأَفْتَى الْبُلْقِينِيُّ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى لَحْمًا وَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ فَأَكَلَتْ مِنْهُ حَيَّةٌ ثُمَّ أَكَلَتْ مِنْهُ
الْمِيرَاثِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يُسْتَعْجَلَ بِالْقَتْلِ فَاقْتَضَتْ
الْمَصْلَحَةُ
حِرْمَانَهُ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ قَطْعُ الْمُوَالَاةِ وَهِيَ سَبَبُ الْإِرْثِ.
وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَمْ غَيْرَهُ، مَضْمُونًا أَمْ لَا، بِمُبَاشَرَةٍ أَمْ لَا، قَصَدَ مَصْلَحَتَهُ كَضَرْبِ الْأَبِ أَوْ الزَّوْجِ أَوْ الْمُعَلِّمِ أَمْ لَا؛ مُكْرَهًا أَمْ لَا فَكُلُّ ذَلِكَ تَنَاوَلَهُ إطْلَاقُهُ
(وَ) السَّادِسُ (الْمُرْتَدُّ) وَنَحْوُهُ كَيَهُودِيٍّ تَنَصَّرَ فَلَا يَرِثُ أَحَدًا إذْ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ مُوَالَاةٌ فِي الدِّينِ لِأَنَّهُ تَرَكَ دِينًا كَانَ يُقَرُّ عَلَيْهِ، وَلَا يُقَرُّ عَلَى دَيْنِهِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَرِثُ وَلَوْ عَادَ بَعْدَهُ لِلْإِسْلَامِ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، وَمَا وَقَعَ لِابْنِ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِمَا إذَا مَاتَ مُرْتَدًّا، وَأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ تَبَيَّنَ إرْثُهُ غَلَّطَهُ فِي ذَلِكَ صَاحِبُهُ السُّبْكِيُّ فِي الِابْتِهَاجِ.
وَقَالَ إنَّهُ فِيهِ خَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ.
تَنْبِيهٌ: تَنَاوَلَ إطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ الْمُعْلَنَ وَغَيْرَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَكَمَا لَا يَرِثُ الْمُرْتَدُّ لَا يُوَرَّثُ لِمَا مَرَّ لَكِنْ لَوْ قَطَعَ شَخْصٌ طَرَفَ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ الْمَقْطُوعُ وَمَاتَ سِرَايَةً وَجَبَ قَوَدُ الطَّرَفِ وَيَسْتَوْفِيهِ مَنْ كَانَ وَارِثَهُ لَوْلَا الرِّدَّةَ، وَمِثْلُهُ حَدُّ الْقَذْفِ.
(وَ) السَّابِعُ (أَهْلُ مِلَّتَيْنِ) مُخْتَلِفَتَيْنِ كَمِلَّتَيْ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ، فَلَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ لِانْقِطَاعِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَهُمَا.
وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ؛ وَاخْتَلَفُوا فِي تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنْهُ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْمَنْعِ.
فَإِنْ
[حاشية البجيرمي]
زَوْجَتُهُ فَمَاتَتْ أَنَّهُ يَرِثُهَا.
اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي أَكْلِ الْحَيَّةِ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ إذَا أَحْبَلَ زَوْجَتَهُ وَمَاتَتْ مِنْ الْوِلَادَةِ إذْ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي مَوْتِهَا وَإِنْ كَانَ وَطْؤُهُ سَبَبًا فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَوْ غَيْرَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ إلَخْ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ وَحِكْمَتُهُ خَوْفُ الِاسْتِعْجَالِ عَلَى مُوَرِّثِهِ بِالْقَتْلِ فِي الْأَصْلِ.
وَمِنْ كَلَامِ الْبُلَغَاءِ: مَنْ اسْتَعْجَلَ بِشَيْءٍ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ، أَيْ غَالِبًا.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَسْتَعْجِلَ) أَيْ الْإِرْثَ.
قَوْلُهُ: (بِمُبَاشَرَةٍ أَمْ لَا) كَسَبَبٍ وَشَرْطٍ خِلَافًا لِابْنِ سُرَيْجٍ فِي الشَّرْطِ ز ي.
قَوْلُهُ: (قَصَدَ مَصْلَحَتَهُ) أَيْ الْقَاتِلُ قَصَدَ الْمَصْلَحَةَ لِلْمَقْتُولِ.
وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ: قَصَدَ بِهِ مَصْلَحَتَهُ، فَالضَّمِيرُ فِي " بِهِ " رَاجِعٌ لِلْقَتْلِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ قَصَدَ بِالْقَتْلِ أَيْ بِسَبَبِهِ وَهُوَ الضَّرْبُ مَصْلَحَتَهُ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوُهُ) كَالْمُنْتَقِلِ مِنْ دِينٍ لِدِينٍ.
قَوْلُهُ: (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ تَقْيِيدِهِ) أَيْ تَقْيِيدِ عَدَمِ إرْثِ الْمُرْتَدِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إنَّهُ فِيهِ) أَيْ فِي التَّقْيِيدِ.
قَوْلُهُ: (خَارِقٌ لِلْإِجْمَاعِ) أَيْ إجْمَاعِ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ.
قَوْلُهُ: (الْمُعْلَنَ) أَيْ بِالرِّدَّةِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ أَنَّهُ لَا مُوَالَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ وَمَالُهُ فَيْءٌ وَلَوْ كَانَ امْرَأَةً، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ م د.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ قَوَدُ الطَّرَفِ) لِاحْتِرَامِهِ حَالَ الْجِنَايَةِ، فَلَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ لَمْ يَدْفَعْ لِوَارِثِهِ لِأَنَّ مَالَهُ فَيْءٌ وَقَوْلُهُ وَيَسْتَوْفِيهِ أَيْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (وَأَهْلُ مِلَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ) أَيْ حَالَ الْمَوْتِ وَإِنْ طَرَأَ خِلَافُهُ فَلَا يُرَدُّ مَا لَوْ مَاتَ الْكَافِرُ عَنْ زَوْجَةٍ حَامِلٍ فَأَسْلَمَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الْحَمْلِ تَبَعًا وَيَرِثُ مِنْ أَبِيهِ لِلْحُكْمِ بِكُفْرِهِ وَقْتَ الْمَوْتِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ.
وَقَوْلُهُ: " كَمِلَّتَيْ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ " خَرَجَ بِهِ الِاخْتِلَافُ فِي الْيَهُودِيَّةِ، وَالنَّصْرَانِيَّةِ فَيَرِثُ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ كَمَا يَأْتِي اهـ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ) أَيْ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقَوْلُهُ: " وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ " أَيْ قَطْعًا.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ) عِبَارَةُ الشِّنْشَوْرِيِّ: أَمَّا عَدَمُ إرْثِ الْكَافِرِ الْمُسْلِمِ فَبِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا عَكْسُهُ فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِمُعَاذٍ وَمُعَاوِيَةَ وَمَنْ وَافَقَهُمَا، وَدَلِيلُهُمَا وَالْجَوَابُ عَنْهُ ذَكَرْته فِي شَرْحِ التَّرْتِيبِ.
وَقَوْلُهُ: " فَبِالْإِجْمَاعِ " مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَوْلُهُ: " خِلَافًا لِمُعَاذٍ وَمُعَاوِيَةَ " أَيْ مِنْ غَيْرِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَيْضًا، وَقَوْلُهُ: " ذَكَرْته إلَخْ " قَالَ فِيهِ: الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ خَبَرُ: «الْإِسْلَامُ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ» وَقِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْخَبَرَ إنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ يَزِيدُ بِفَتْحِ الْبِلَادِ وَلَا يَنْقُصُ بِالِارْتِدَادِ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَمَرْدُودٌ بِالْعَبْدِ يَنْكِحُ الْحُرَّةَ وَلَا يَرِثُهَا
قِيلَ: يُرَدُّ عَلَى مَا ذُكِرَ مَا لَوْ مَاتَ كَافِرٌ عَنْ زَوْجَةٍ كَافِرَةٍ حَامِلٍ وَوُقِفَ الْمِيرَاثُ فَأَسْلَمَتْ ثُمَّ وَلَدَتْ فَإِنَّ الْوَلَدَ يَرِثُ مِنْهُ مَعَ حُكْمِنَا بِإِسْلَامِهِ بِإِسْلَامِ أُمِّهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ يَوْمَ مَوْتِ أَبِيهِ وَقَدْ وَرِثَ مُذْ كَانَ حَمْلًا وَلِهَذَا قَالَ الْكَتْنَانِيُّ مِنْ مُحَقِّقِي الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّ لَنَا جَمَادًا يَمْلِكُ وَهُوَ النُّطْفَةُ.
وَاسْتَحْسَنَهُ السُّبْكِيُّ.
قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْجَمَادُ مَا لَيْسَ بِحَيَوَانٍ وَلَا كَانَ حَيَوَانًا.
يَعْنِي وَلَا أَصْلَ حَيَوَانٍ.
وَخَرَجَ بِمِلَّتَيْ الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ مِلَّتَا الْكُفْرِ إذَا كَانَ لَهُمَا عَهْدٌ فَيَتَوَارَثَانِ كَيَهُودِيٍّ مِنْ نَصْرَانِيٍّ، وَنَصْرَانِيٍّ مِنْ مَجُوسِيٍّ، وَمَجُوسِيٍّ مِنْ وَثَنِيٍّ وَبِالْعَكْسِ لِأَنَّ جَمِيعَ مِلَلِ الْكُفْرِ فِي الْبُطْلَانِ كَالْمِلَّةِ الْوَاحِدَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾ [يونس: 32] . فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ إرْثُ الْيَهُودِيِّ مِنْ النَّصْرَانِيِّ وَعَكْسُهُ فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ مَنْ انْتَقَلَ مِنْ مِلَّةٍ إلَى مِلَّةٍ لَا يُقَرُّ؟ أُجِيبَ بِتَصَوُّرِ ذَلِكَ فِي الْوَلَاءِ وَالنِّكَاحِ وَفِي النَّسَبِ أَيْضًا فِيمَا إذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ يَهُودِيًّا وَالْآخَرُ نَصْرَانِيًّا، إمَّا بِنِكَاحٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ فَإِنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَعْدَ بُلُوغِهِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ قُبَيْلَ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ حَتَّى لَوْ كَانَ لَهُ وَلَدَانِ وَاخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْيَهُودِيَّةَ وَالْآخَرُ النَّصْرَانِيَّةَ جُعِلَ التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا بِالْأُبُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ وَالْأُخُوَّةِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ أَمَّا الْحَرْبِيُّ وَغَيْرُهُ كَذِمِّيٍّ وَمُعَاهَدٍ فَلَا تَوَارُثَ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ وَغَيْرِهِ لِانْقِطَاعِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَهُمَا.
وَالثَّامِنُ إبْهَامُ وَقْتِ الْمَوْتِ، فَلَوْ مَاتَ مُتَوَارِثَانِ بِغَرَقٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ هَدْمٍ أَوْ فِي بِلَادِ غُرْبَةٍ مَعًا أَوْ جُهِلَ أَسْبَقُهُمَا عِلْمُ
[حاشية البجيرمي]
وَالْمُسْلِمُ يَغْتَنِمُ مَالَ الْحَرْبِيِّ وَلَا يَرِثُهُ وَبِأَنَّ النِّكَاحَ مَبْنَاهُ عَلَى التَّوَالِي وَقَضَاءُ الْوَطَرِ وَالْإِرْثُ عَلَى الْمُوَالَاةِ وَالْمُنَاصَرَةِ فَافْتَرَقَا لَكِنْ لَمَّا كَانَ اتِّصَالُنَا بِهِمْ فِيهِ شَرَفٌ لَهُمْ اخْتَصَّ بِأَهْلِ الْكِتَابِ اهـ.
قَوْلُهُ: (الْكَتْنَانِيُّ) وُجِدَ بِضَبْطِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: الْكَتْنَانِيُّ، بِتَاءٍ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ نُونٍ وَالتَّاءُ سَاكِنَةٌ وَالْكَافُ مَفْتُوحَةٌ.
قَوْلُهُ: (إنَّ لَنَا جَمَادًا يَمْلِكُ) قَدْ يُقَالُ: لَوْ قِيلَ لَنَا جَمَادٌ يَرِثُ لَكَانَ أَغْرَبَ لِظُهُورِ أَنَّ الْجَمَادَ قَدْ يَمْلِكُ كَالْمَسَاجِدِ فَإِنَّهَا تَمْلِكُ مَا إذَا وُهِبَ لَهَا عَقَارٌ أَوْ نَحْوُهُ سم.
وَقَوْلُهُ: " وَهُوَ النُّطْفَةُ " أَيْ وَإِنْ لَمْ تَسْتَدْخِلْهَا إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ لِتَبَيُّنِ أَنَّهُ وُلِدَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، سم أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَفِيهِ نَظَرٌ) أَيْ فِي كَوْنِهِ جَمَادًا.
قَوْلُهُ: (إذْ الْجَمَادُ إلَخْ) وَهَذَا مُخْرِجٌ لِلْحَمْلِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْكَتْنَانِيِّ بِالْجَمَادِ الْمَسْجِدَ إنْ لَمْ تُعْلَمْ إرَادَتُهُ الْحَمْلَ فَيَكُونُ النَّظَرُ مُتَوَجِّهًا عَلَى الشَّارِحِ، فَإِنْ عَلِمَ إرَادَتَهُ لَهُ تَوَجَّهَ النَّظَرُ عَلَيْهِ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ م ر أَنَّ تَفْسِيرَ الْجَمَادِ بِمَا ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأَبْوَابِ فَلَا يَلْزَمُ اطِّرَادُهُ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ فَيُرَادُ بِهِ فِي بَعْضِهَا مَا لَا رُوحَ فِيهِ، وَحِينَئِذٍ فَمَا ذَكَرَهُ الْكَتْنَانِيُّ صَحِيحٌ فِي الْحَمْلِ لَكِنَّهُ خَاصٌّ بِبَعْضِ أَوْقَاتِهِ أَيْ وَقْتِ كَوْنِهِ نُطْفَةً أَوْ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً، وَأَمَّا بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ فَلَا يَصِحُّ إطْلَاقُ الْجَمَادِ عَلَيْهِ وَالْحُكْمُ عَلَى الْحَمْلِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ بِالْكُفْرِ قَدْ نُظِرَ فِيهِ فَحَرِّرْهُ؛ ح ف عَلَى الشِّنْشَوْرِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَالنِّكَاحُ) كَأَنْ تَزَوَّجَ يَهُودِيٌّ نَصْرَانِيَّةً فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَهَذَا غَيْرُ مَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: " إمَّا بِنِكَاحٍ " لِأَنَّ الْآتِيَ فِي حُكْمِ أَوْلَادِ الزَّوْجَيْنِ إذَا اخْتَارَ أَحَدُهُمَا دِينَ أَبِيهِ وَالْآخَرُ دِينَ أُمِّهِ.
قَوْلُهُ (بَيْنَهُمَا) أَيْ وَبَيْنَ أَبِيهِمَا وَأُمِّهِمَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: " بِالْأُبُوَّةِ إلَخْ " أَيْ فَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْوَلَدَيْنِ وَرِثَ مِنْهُمَا أَبُوهُمَا وَأُمُّهُمَا وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهَا فِي الدِّينِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْحَرْبِيُّ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: " إذَا كَانَ لَهُمَا عَهْدٌ " وَالْحَرْبِيُّ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ " فَلَا تَوَارُثَ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ وَغَيْرِهِ " وَالرَّابِطُ إعَادَتُهُ بِلَفْظِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمُعَاهَدٌ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِهَا عَلَى صِيغَةِ الْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ مِنْ اثْنَيْنِ فَكُلُّ وَاحِدٍ يَفْعَلُ بِصَاحِبِهِ مِثْلَ مَا يَفْعَلُ صَاحِبُهُ بِهِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ فِي الْمَعْنَى فَاعِلٌ، هَذَا كَمَا يُقَالُ مُكَاتَبٌ وَمُكَاتِبٌ وَمُضَارَبٌ وَمُضَارِبٌ.
اهـ. مِصْبَاحٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَوَارُثَ بَيْنَ الْحَرْبِيِّ وَغَيْرِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَا بِدَارٍ وَاحِدَةٍ، كَأَنْ عَقَدَ الذِّمَّةَ لِطَائِفَةٍ مِنْ بَلَدٍ وَاسْتَمَرَّ الْبَاقُونَ عَلَى الْحِرَابَةِ وَبَيْنَهُمْ قَرَابَةٌ وَنَحْوُهَا.
وَلَوْ قَالَ: فَلَا تَوَارُثَ بَيْنَهُمَا، لَكَانَ أَخْصَرَ.
قَوْلُهُ: (إبْهَامُ وَقْتِ الْمَوْتِ) أَيْ انْبِهَامُهُ.
وَفِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي عَدِّ مَنْ لَا يَرِثُ بِحَالٍ وَهُوَ أَشْخَاصٌ وَالْإِبْهَامُ لَيْسَ مِنْهَا أَيْ الْأَشْخَاصِ بَلْ مِنْ الْمَوَانِعِ فَكَيْفَ عَدَّهُ مِنْهَا؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ ذُو إبْهَامٍ أَيْ الشَّخْصِ الَّذِي أُبْهِمَ وَقْتُ مَوْتِهِ أَيْ لَا
سَبْقٍ أَوْ جَهْلٍ؛ لَمْ يَرِثْ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ شَيْئًا لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْإِرْثِ كَمَا مَرَّ تَحَقُّقُ حَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ، وَهُوَ هُنَا مُنْتَفٍ وَالْجَهْلُ بِالسَّبْقِ صَادِقٌ بِأَنْ يُعْلَمَ أَصْلُ السَّبْقِ وَلَا يُعْلَمَ عَيْنُ السَّابِقِ وَبِأَنْ لَا يُعْلَمَ سَبْقٌ أَصْلًا.
وَصُوَرُ الْمَسْأَلَةِ خَمْسٌ: الْعِلْمُ بِالْمَعِيَّةِ الْعِلْمُ بِالسَّبْقِ وَعَيْنُ السَّابِقِ الْجَهْلُ بِالْمَعِيَّةِ وَالسَّبْقِ الْجَهْلُ بِعَيْنِ السَّابِقِ مَعَ الْعِلْمِ بِالسَّبْقِ الْتِبَاسُ السَّابِقِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ عَيْنِهِ، فَفِي الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ يُوقَفُ الْمِيرَاثُ إلَى الْبَيَانِ أَوْ الصُّلْحِ، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ تُقَسَّمُ التَّرِكَةُ، وَفِي الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ تَرِكَةُ كُلٍّ مِنْ الْمَيِّتِينَ بِغَرَقٍ وَنَحْوِهِ لِبَاقِي وَرَثَتِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا وَرَّثَ الْأَحْيَاءَ مِنْ الْأَمْوَاتِ، وَهُنَا لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ عِنْدَ مَوْتِ صَاحِبِهِ فَلَمْ يَرِثْ كَالْجَنِينِ إذَا خَرَجَ مَيِّتًا.
وَالتَّاسِعُ الدَّوْرُ الْحُكْمِيُّ وَقَدْ مَرَّ مِثَالُهُ.
وَالْعَاشِرُ اللِّعَانُ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ التَّوَارُثَ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْهَائِمِ فِي شَرْحِ كَافِيَتِهِ الْمَوَانِعُ: الْحَقِيقِيَّةُ أَرْبَعَةٌ: الْقَتْلُ وَالرِّقُّ وَاخْتِلَافُ الدِّينِ وَالدَّوْرُ الْحُكْمِيُّ؛ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَتَسْمِيَتُهُ مَانِعًا مَجَازٌ.
وَقَالَ فِي غَيْرِهِ: إنَّهَا سِتَّةٌ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ وَالرِّدَّةُ وَاخْتِلَافُ الْعَهْدِ، وَأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا مَجَازٌ وَانْتِفَاءُ الْإِرْثِ مَعَهُ لَا لِأَنَّهُ مَانِعٌ بَلْ لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ كَمَا فِي جَهْلِ التَّارِيخِ، وَهَذَا أَوْجَهُ وَعَدَّ بَعْضُهُمْ مِنْ الْمَوَانِعِ النُّبُوَّةَ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنْ لَا يَتَمَنَّى أَحَدٌ مِنْ الْوَرَثَةِ مَوْتَهُمْ لِذَلِكَ
[حاشية البجيرمي]
يُدْرَى هَلْ هُوَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ مَعَهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذِكْرُ إبْهَامِ وَقْتِ الْمَوْتِ سَرَى لَهُ مِنْ ذِكْرِ بَعْضِهِمْ لَهُ فِي مَوَانِعِ الْإِرْثِ، وَكَذَا الدَّوْرُ الْحُكْمِيُّ وَاللِّعَانُ سَرَيَا لَهُ مِنْ ذِكْرِ بَعْضِهِمْ لَهُمَا فِي الْمَوَانِعِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي: وَقَالَ ابْنُ الْهَائِمِ فِي شَرْحِ كَافِيَتِهِ الْمَوَانِعُ الْحَقِيقِيَّةُ أَرْبَعَةٌ حَيْثُ أَطْلَقَ عَلَيْهَا مَوَانِعُ شَيْخِنَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ هَدْمٍ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ: الِانْهِدَامُ وَلَوْ بِغَيْرِ فِعْلٍ، وَبِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ: الْمَهْدُومُ، وَبِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ: الثَّوْبُ الْبَالِي، وَالْهَدْمَةُ الدُّفْعَةُ مِنْ الْمَالِ، وَالْمُهَدَّمُ الْمُصْلَحُ عَلَى الْمِقْدَارِ الْمَقْبُولِ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ، لِكَوْنِهِ أَهَدَمَ الشَّرَّ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (مَعًا) فِيهِ أَنَّ مَوْتَهُمَا حِينَئِذٍ لَا إبْهَامَ فِيهِ وَالْكَلَامُ فِي إبْهَامِ وَقْتِ الْمَوْتِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَكَرَهَا تَتْمِيمًا لِلْأَقْسَامِ.
قَوْلُهُ: (صَادِقٌ بِأَنْ يُعْلَمَ إلَخْ) فِي كَوْنِهِ صَادِقًا بِذَلِكَ نَظَرٌ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالسَّبْقِ يُنَافِي عِلْمَ أَصْلِ السَّبْقِ فَكَيْفَ يَصْدُقُ بِهِ؟ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَالْجَهْلُ بِالْأَسْبَقِ صَادِقٌ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَقَدِّمُ فِي قَوْلِهِ أَوْ جُهِلَ أَسْبَقُهُمَا، لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّهُ يَكُونُ مُكَرَّرًا مَعَ قَوْلِهِ السَّابِقِ عِلْمُ سَبْقٍ أَوْ جَهْلٍ.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَصُوَرُ الْمَسْأَلَةِ) أَيْ مَسْأَلَةِ مَوْتِ الْمُتَوَارِثَيْنِ بِغَرَقٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ هَدْمٍ سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا إبْهَامٌ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (مَجَازٌ) أَيْ بِالِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ بِأَنْ سَمَّيْنَا مَا لَيْسَ بِمَانِعٍ مَانِعًا لِشَبَهِهِ بِهِ فِي قِيَامِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالشَّخْصِ الْمَمْنُوعِ.
وَأَطْلَقْنَا عَلَيْهِ مَانِعًا لِأَنَّ الْمَانِعَ مَا يُجَامِعُ السَّبَبَ وَاللِّعَانُ يَقْطَعُ النَّسَبَ أَصْلًا، فَهُوَ مَانِعٌ لِلسَّبَبِ وَهُوَ النَّسَبُ لَا مَانِعَ لِلْإِرْثِ.
قَوْلُهُ: (لِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ) وَهُوَ الْإِسْلَامُ فِي الرِّدَّةِ وَاتِّفَاقِ الْعَهْدِ فِي الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا فِي جَهْلِ التَّارِيخِ) فَإِنَّهُ عَدَمِيٌّ وَالْمَانِعُ وُجُودِيٌّ، وَالْمُرَادُ تَارِيخُ الْمَوْتِ بِأَنْ جُهِلَ السَّابِقُ.
قَوْلُهُ: (وَعَدَّ بَعْضُهُمْ مِنْ الْمَوَانِعِ النُّبُوَّةَ) إنْ قُلْت: مَا فَائِدَةُ ذَلِكَ مَعَ خَتْمِ النُّبُوَّةِ بِنَبِيِّنَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ تَظْهَرُ فِي سَيِّدِنَا عِيسَى إذَا نَزَلَ فَإِنَّهُ لَا يُوَرَّثُ.
قَوْلُهُ: «نَحْنُ مَعَاشِرَ» إلَخْ هَذَا الْحَدِيث بِلَفْظِ " نَحْنُ " قَالَ الْحُفَّاظُ: غَيْرُ مَوْجُودٍ وَإِنَّمَا الْمَوْجُودُ فِي سُنَنِ النَّسَائِيّ الْكُبْرَى: «إنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ» ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ خَالِدٍ فِي التَّصْرِيحِ.
وَلَفْظُ " مَعَاشِرَ " مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِعَامِلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: أَخَصُّ مَعَاشِرَ، جَمْعُ مَعْشَرٍ اسْمٌ لِجَمَاعَةِ الرِّجَالِ خَاصَّةً.
اهـ. مِصْبَاحٌ.
قَوْلُهُ: «مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ» فَيَصِيرُ مِنْ جِنْسِ الْأَوْقَافِ الْمُطْلَقَةِ يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَيُقَرُّ تَحْتَ يَدِ مُؤْتَمَنٍ عَلَيْهِ؛ وَلِذَا كَانَ عِنْدَ سَهْلٍ قَدَحٌ وَعِنْدَ أَنَسٍ آخَرُ وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ آخَرُ وَكَانَ النَّاسُ يَشْرَبُونَ مِنْهَا تَبَرُّكًا، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل: 16] فَالْمُرَادُ مِنْهُ وَرِثَهُ فِي الْعِلْمِ اهـ؛ سُحَيْمِيٌّ.
وَقِيلَ: إنَّ مَا تَرَكَهُ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِمْ فَيُنْفَقُ مِنْهُ عَلَى أَهَالِيِهِمْ كَحَيَاتِهِمْ لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءُ يُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ، وَلَا يُنَافِيهِ إطْلَاقُ الْمَوْتِ
فَيَهْلَكَ، وَأَنْ لَا يُظَنُّ بِهِمْ الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا، وَأَنْ يَكُونَ مَالُهُمْ صَدَقَةً بَعْدَ وَفَاتِهِمْ تَوْفِيرًا لِأُجُورِهِمْ.
وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ النَّاسَ فِي الْإِرْثِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: مِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ وَيُورَثُ وَعَكْسُهُ فِيهِمَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ يُورَثُ وَلَا يَرِثُ وَعَكْسُهُ.
فَالْأُولَى كَزَوْجَيْنِ وَأَخَوَيْنِ، وَالثَّانِي كَرَقِيقٍ وَمُرْتَدٍّ، وَالثَّالِثُ كَمُبَعَّضٍ وَجَنِينٍ فِي غُرَّتِهِ فَقَطْ فَإِنَّهَا تُورَثُ عَنْهُ لَا غَيْرُهَا.
وَالرَّابِعُ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَإِنَّهُمْ يَرِثُونَ وَلَا يُوَرَّثُونَ.
(وَأَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ) مِنْ النَّسَبِ الْعَصَبَةُ بِنَفْسِهِ وَهُمْ (الِابْنُ) لِأَنَّهُ يُدْلِي إلَى الْمَيِّتِ بِنَفْسِهِ (ثُمَّ ابْنُهُ) وَإِنْ سَفَلَ لِأَنَّهُ
[حاشية البجيرمي]
عَلَيْهِمْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ بَعْدَ مَوْتِهِمْ.
وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَطَعَ بِهِ الرُّويَانِيُّ وَصَوَّبَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ زَوَالِ مِلْكِهِمْ عَنْهُ، وَأَنَّهُ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى شَرَّفَهُمْ بِقَطْعِ حُظُوظِهِمْ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْهَا عَارِيَّةٌ وَأَمَانَةٌ وَمَنْفَعَةٌ لِعِيَالِهِمْ وَأُمَمِهِمْ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ﴾ [النمل: 16] فَالْمُرَادُ إرْثُ الْعِلْمِ.
وَدَخَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ السُّوقَ فَقَالَ: أَرَاكُمْ هَهُنَا وَمِيرَاثُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَسَّمُ فِي الْمَسْجِدِ، فَذَهَبَ النَّاسُ إلَى الْمَسْجِدِ وَتَرَكُوا السُّوقَ فَلَمْ يَرَوْا مِيرَاثًا، فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا رَأَيْنَا مِيرَاثًا يُقَسَّمُ.
قَالَ: فَمَاذَا رَأَيْتُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ.
قَالَ: فَذَلِكَ مِيرَاثُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ مَرْفُوعًا: «الْعِلْمُ مِيرَاثِي وَمِيرَاثُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي» وَأَخْرَجَ ابْنُ النَّجَّارِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ يُحِبُّهُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمْ الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ إذَا مَاتُوا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «الْعُلَمَاءُ مَصَابِيحُ الْأَرْضِ وَخَلَفُ الْأَنْبِيَاءِ وَوَرَثَتِي وَوَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» ذَكَرَهُ السُّحَيْمِيُّ فِي شَرْحِ الشَّيْخِ عَبْدِ السَّلَامِ.
قَوْلُهُ: (لِذَلِكَ) أَيْ لِلْإِرْثِ قَوْلُهُ: (فَهَلَكَ) بِكَسْرِ اللَّامِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ﴾ [الأنفال: 42] أَيْ فَيَكْفُرَ.
وَفِي الْخَصَائِصِ: وَمَنْ تَمَنَّى مَوْتَهُ كَفَرَ وَلِذَلِكَ لَمْ يُوَرِّثْ لِئَلَّا يَتَمَنَّى وَارِثُهُ مَوْتَهُ فَيَكْفُرَ وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ، ذَكَرَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْأَوْسَطِ.
قَوْلُهُ: (وَعَكْسُهُ) أَيْ وَمَنْ لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ.
وَقَوْلُهُ: " فِيهِمَا " أَيْ فِي يَرِثُ وَيُورَثُ.
قَوْلُهُ: (وَأَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ) الْعَصَبَةُ مِنْ النَّسَبِ كُلُّ ذَكَرٍ نَسِيبٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبِينَ الْمَيِّتِ أُنْثَى وَذُو الْوَلَاءِ فَكُلُّ ذَكَرٍ جِنْسٌ يَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجُ وَالْمُعْتِقُ وَجَمِيعُ الْأَقَارِبِ الذُّكُورِ وَخَرَجَ عَنْهُ الْمُعْتِقَةُ.
وَقَوْلُهُ: " نَسِيبٍ " خَرَجَ بِهِ الزَّوْجُ وَالْمُعْتِقُ.
وَقَوْلُهُ: " لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ أُنْثَى " خَرَجَ بِهِ ذَوُو الْأَرْحَامِ وَلَمَّا لَمْ يَشْمَلْ ذَا الْوَلَاءِ زَادَهُ.
هَذَا وَفِيهِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الِابْنِ وَالْأَبِ يُدْلِي إلَى الْمَيِّتِ بِنَفْسِهِ فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ مِنْ الْآخَرِ.
وَأَيْضًا قَوْلُهُ: ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ بَعْدَ الشَّقِيقِ مَعَ أَنَّهُمَا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَأَقْرَبُ الْعَصَبَةِ مَا يَشْمَلُ الْأَقْوَى، ثُمَّ رَأَيْت لِبَعْضِهِمْ مَا نَصُّهُ: أَفْهَمَ كَلَامُ الْمَتْنِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أَقْرَبُ مَعَ أَنَّ الْأَقْرَبَ عَلَى الْإِطْلَاقِ الِابْنُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ أَقْرَبُ حَلُّ الشَّارِحِ حَيْثُ جَعَلَ خَبَرَ الْمُبْتَدَإِ مَحْذُوفًا وَقَدَّرَهُ بِقَوْلِهِ الْعَصَبَةُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ بَيَّنَ الْعَصَبَةَ بِالِابْنِ وَمَا بَعْدَهُ.
وَيُجَابُ عَنْ الْمَتْنِ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْأَقْرَبِ حَقِيقَةً أَوْ بِالْإِضَافَةِ لِمَنْ بَعْدَهُ فَالْحَقِيقُ الِابْنُ وَالْإِضَافِيُّ مَنْ بَعْدَهُ كُلُّ وَاحِدٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ بَعْدَهُ، لَكِنَّ التَّقْدِيمُ بِالْأَقْرَبِيَّةِ فِي غَيْرِ الْإِخْوَةِ وَبَنِيهِمْ وَلِأَعْمَامٍ وَبَنِيهِمْ أَمَّا فِيهِمْ فَهُوَ بِالْقُوَّةِ لِاتِّحَادِهِمْ فِي الدَّرَجَةِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ مُرَادَ الْمَتْنِ مَا يَشْمَلُ الْأَقْوَى.
وَقَالَ ع ش عَلَى الْغَزِّيِّ: الْمُرَادُ بِالْأَقْرَبِ الْأَحَقُّ سَوَاءٌ كَانَتْ الْأَحَقِّيَّةُ مِنْ الْجِهَةِ أَوْ الْقُرْبِ أَوْ الْقُوَّةِ.
وَمَرَاتِبُ الْعُصُوبَةِ سَبْعٌ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ.
بُنُوَّةٌ أُبُوَّةٌ أُخُوَّة ... جُدُودَةٌ كَذَا بَنُو الْأُخُوَّة
عُمُومَةٌ وَلَا وَبَيْتُ الْمَالِ ... سَبْعٌ لِعَاصِبٍ عَلَى التَّوَالِي
وَالْأُخُوَّةُ وَالْجُدُودَةُ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْإِدْلَاءِ إلَى الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُدْلِي إلَيْهِ بِالْأَبِ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرِّجَالَ كُلَّهُمْ عَصَبَةٌ إلَّا الزَّوْجَ وَالْأَخَ لِلْأُمِّ وَأَنَّ النِّسَاءَ كُلَّهُنَّ صَاحِبَاتُ فَرْضٍ إلَّا الْمُعْتِقَةُ اهـ.
قَوْلُهُ: (الْعَصَبَةُ
يَقُومُ مَقَامَ أَبِيهِ فِي الْإِرْثِ فَكَذَا فِي التَّعْصِيبِ (ثُمَّ الْأَبُ) لِإِدْلَاءِ سَائِرِ الْعَصَبَاتِ بِهِ (ثُمَّ أَبُوهُ) وَإِنْ عَلَا (ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ) أَيْ الشَّقِيقُ، وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ كَانَ أَخْصَرَ (ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُدْلِي بِنَفْسِهِ (ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ) أَيْ الشَّقِيقُ (ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُدْلِي بِنَفْسِهِ كَأَبِيهِ (ثُمَّ الْعَمُّ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ) أَيْ فَيُقَدَّمُ الْعَمُّ الشَّقِيقُ عَلَى الْعَمِّ لِلْأَبِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ابْنُ الْجَدِّ وَيُدْلِي لِلْمَيِّتِ بِنَفْسِهِ.
(ثُمَّ ابْنُهُ) أَيْ الْعَمُّ عَلَى تَرْتِيبِ أَبِيهِ، فَيُقَدَّمُ ابْنُ الْعَمِّ الشَّقِيقِ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ لِلْأَبِ، ثُمَّ عَمُّ الْأَبِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ مِنْ الْأَبِ ثُمَّ بَنُوهُمَا كَذَلِكَ، ثُمَّ عَمُّ الْجَدِّ مِنْ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ مِنْ الْأَبِ ثُمَّ بَنُوهُمَا كَذَلِكَ إلَى حَيْثُ يَنْتَهِي قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَتَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ اخْتِصَارًا (فَإِذَا عُدِمَتْ الْعَصَبَاتُ) مِنْ النَّسَبِ الَّذِينَ يَتَعَصَّبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ (فَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ) وَالْعَصَبَاتُ جَمْعُ عَصَبَةٍ وَيُسَمَّى بِهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ قَالَهُ الْمُطَرِّزِيُّ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ، وَأَنْكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ إطْلَاقَهُ عَلَى الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ جَمْعُ عَاصِبٍ، وَمَعْنَى الْعَصَبَةِ لُغَةً قَرَابَةُ الرَّجُلِ
[حاشية البجيرمي]
بِنَفْسِهِ) يَلْزَمُ عَلَيْهِ حَذْفُ خَبَرٍ.
وَفِيهِ أَيْضًا تَغْيِيرُ مَعْنَى الْمَتْنِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَصَبَةَ كُلَّهُمْ أَقْرَبُ وَأَنَّهُمْ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْأَقْرَبِيَّةِ مَعَ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَقْرَبُ مِنْ بَعْضِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَهُمْ) أَيْ الْعَصَبَةُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يُدْلِي) أَيْ يَنْتَسِبُ.
وَهَذَا غَيْرُ كَافٍ فِي تَوْجِيهِ الْأَقْرَبِيَّةِ لِأَنَّ الْأَبَ يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ، فَالْأَوْلَى تَوْجِيهُهُ بِقُوَّةِ عُصُوبَتِهِ بِاعْتِبَارِ نَقْلِهِ لِلْأَبِ مِنْ الْعُصُوبَةِ إلَى فَرْضِ السُّدُسِ وَبِأَنَّهُ يُعَصِّبُ أُخْتَهُ، بِخِلَافِ الْأَبِ.
وَلَا يُقَالُ قَدَّمُوا عَلَيْهِ الْأَبَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَالتَّزْوِيجِ لِأَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ ثُمَّ الْوِلَايَةُ وَهِيَ فِي الْآبَاءِ أَنْسَبُ، وَالْمَنْظُورُ إلَيْهِ هُنَا قُوَّةُ التَّعْصِيبِ وَهِيَ فِي الْأَبْنَاءِ أَظْهَرُ اهـ م د.
قَوْلُهُ: (فَكَذَا فِي التَّعْصِيبِ) يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ " وَأَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ " يَعْنِي مِنْ جِهَةِ التَّعْصِيبِ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مُرَادَهُ أَقْرَبُ الْعَصَبَاتِ مِنْ حَيْثُ الْإِرْثُ.
قَوْلُهُ: (لِإِدْلَاءِ سَائِرِ الْعَصَبَاتِ بِهِ) فِيهِ أَنَّ الِابْنَ وَابْنَ الِابْنِ لَمْ يُدْلِيَا بِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ سَائِرَ بِمَعْنَى بَاقِي لَا بِمَعْنَى جَمِيعِ كَمَا هُوَ أَحَدُ إطْلَاقَيْهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ) الصَّوَابُ التَّعْبِيرُ هُنَا بِالْوَاوِ لِأَنَّ الْجَدَّ فِي مَرْتَبَةِ الْأَخِ الشَّقِيقِ وَلِلْأَبِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ابْنُ الْأَبِ يُدْلِي بِنَفْسِهِ) فِيهِ شَيْءٌ، وَقَوْلُهُ: " لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُدْلِي بِنَفْسِهِ كَأَبِيهِ " هَذَا يُنَافِي قَوْلَهُ السَّابِقَ: " لِإِدْلَاءِ سَائِرِ الْعَصَبَاتِ بِهِ " أَيْ بِالْأَبِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ ابْنَ الْأَخِ يُدْلِي بِنَفْسِهِ مَعَ أَنَّ كَوْنَهُ يُدْلِي بِنَفْسِهِ لِلْمَيِّتِ فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا يُدْلِي لِلْمَيِّتِ إلَّا بِوَاسِطَةِ أَبِيهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلُ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ: " كَأَبِيهِ " " لِأَبِيهِ " بِاللَّامِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ الصَّوَابُ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهُ يُدْلِي لِأَبِيهِ وَالْأَبُ يُدْلِي لِلْمَيِّتِ بِنَفْسِهِ فَلَا مُنَافَاةَ وَلَا تَنْظِيرَ، لَكِنْ تَأْتِي الْمُنَافَاةُ وَالتَّنْظِيرُ فِي قَوْلِهِ الْآتِي: لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ابْنُ الْجَدِّ وَيُدْلِي لِلْمَيِّتِ بِنَفْسِهِ فَلَا يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُمَا، هَذَا مَا تَقَرَّرَ فِي دَرْسِ شَيْخِنَا فَتَأَمَّلْ وَحَرِّرْ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ابْنُ الْجَدِّ إلَخْ) هَذَا يَقْتَضِي اسْتِوَاءَهُمَا فِي الدَّرَجَةِ مَعَ أَنَّهُمَا مُرَتَّبَانِ.
قَوْلُهُ: (يَنْتَهِي) أَيْ النَّسَبُ.
قَوْلُهُ: (وَتَرْكُهُ) أَيْ تَرْكُ مَا ذُكِرَ مِنْ عَمِّ الْأَبِ وَعَمِّ الْجَدِّ وَبَنِيهِمَا.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ أَرَادَ الْعَمَّ الْحَقِيقِيَّ وَالْمَجَازِيَّ.
قَوْلُهُ: (الَّذِينَ يَتَعَصَّبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ) يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْمُعْتِقِ عَلَى الْأُخْتِ مَعَ الْبِنْتِ، وَلَيْسَ مُرَادًا.
وَقَوْلُهُ: " بِأَنْفُسِهِمْ " لَيْسَ قَيْدًا فَإِنَّ الْمَوْلَى الْمُعْتِقَ لَا يَرِثُ مَعَ وُجُودِ الْأُخْتِ مَعَ الْبِنْتِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (جَمْعُ عَصَبَةٍ) ثُمَّ هُوَ أَيْ لَفْظُ عَصَبَةٍ إمَّا اسْمُ جِنْسٍ يَصْدُقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْمُتَعَدِّدِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، أَوْ هُوَ جَمْعُ عَاصِبٍ كَطَالِبٍ وَطَلَبَةٍ فَيَكُونُ عَصَبَاتٍ جَمْعُ الْجَمْعِ عَلَى هَذَا.
وَقَوْلُهُ: " وَيُسَمَّى بِهِ " أَيْ بِلَفْظِ عَصَبَةٍ.
قَوْلُهُ: (قَالَهُ الْمُطَرِّزِيُّ) وَمَادَّةُ الْعَصَبَةِ وَهِيَ الْعَيْنُ وَالصَّادُ وَالْبَاءُ تَدُلُّ عَلَى الْقُوَّةِ وَالْإِحَاطَةِ مِنْ الْجَوَانِبِ كَالْعِصَابَةِ، وَكَذَلِكَ عَصَبَةُ الشَّخْصِ مِنْ الْمِيرَاثِ لِأَنَّهُمْ يُحِيطُونَ بِهِ وَيَتَقَوَّى بِهِمْ، سم زي.
قَالَ فِي اللُّبِّ: الْمُطَرِّزِيُّ نِسْبَةً إلَى تَطْرِيزِ الثِّيَابِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ إطْلَاقَهُ عَلَى الْوَاحِدِ) يُدْفَعُ إنْكَارُهُ بِأَنَّ الْعَصَبَةَ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْقَرَابَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمِصْبَاحِ بِأَنَّ إطْلَاقَ الْعَصَبَةِ عَلَى الْوَاحِدِ اصْطِلَاحُ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَ الْجَمَاعَةِ فِي إحْرَازِ جَمِيعِ الْمَالِ وَالشَّرْعُ جَعَلَ الْأُنْثَى عَصَبَةً فِي مَسْأَلَةِ الْإِعْتَاقِ وَفِي مَسْأَلَةِ بِنْتٍ مَعَ أَخِيهَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ جَمْعُ عَاصِبٍ) كَكَامِلٍ وَكَمَلَةٍ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ:
وَشَاعَ نَحْوُ كَامِلٍ وَكَمَلَةٍ
لِأَبِيهِ وَشَرْعًا مَنْ لَيْسَ لَهُمْ سَهْمٌ مُقَدَّرٌ مِنْ الْوَرَثَةِ فَيَرِثُ التَّرِكَةَ إذَا انْفَرَدَ أَوْ مَا فَضَلَ بَعْدَ الْفُرُوضِ فَقَوْلُنَا يَرِثُ التَّرِكَةَ صَادِقٌ بِالْعَصَبَةِ بِنَفْسِهِ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ وَبِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ مَعًا.
وَالْعَصَبَةُ بِغَيْرِهِ مِنْ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ غَيْرُ وَلَدِ الْأُمِّ مَعَ أَخِيهِنَّ.
وَقَوْلُنَا: أَوْ مَا فَضَلَ إلَى آخِرِهِ صَادِقٌ بِذَلِكَ وَبِالْعَصَبَةِ مَعَ غَيْرِهِ وَهُنَّ الْأَخَوَاتُ مَعَ الْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الِابْنِ فَلَيْسَ لَهُنَّ حَالٌ يَسْتَغْرِقْنَ فِيهِ التَّرِكَةَ.
وَالْمُعْتِقُ يَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَلِأَنَّ الْإِنْعَامَ بِالْإِعْتَاقِ مَوْجُودٌ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَاسْتَوَيَا فِي الْإِرْثِ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ وَإِنَّمَا قُدِّمَ النَّسَبُ عَلَيْهِ لِقُوَّتِهِ وَيُرْشِدُ إلَيْهِ: " الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ " شُبِّهَ بِهِ وَالْمُشَبَّهُ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ (ثُمَّ عَصَبَتُهُ) أَيْ الْمُعْتِقِ بِنَسَبِ الْمُتَعَصِّبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ كَابْنِهِ وَأَخِيهِ لَا كَبِنْتِهِ وَأُخْتِهِ وَلَوْ مَعَ أَخَوَيْهِمَا الْمُعَصِّبَيْنِ لَهُمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، وَلَا لِلْعَصَبَةِ مَعَ غَيْرِهِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْوَلَاءَ أَضْعَفُ مِنْ النَّسَبِ الْمُتَرَاخِي، وَإِذَا تَرَاخَى النَّسَبُ وَرِثَ الذُّكُورُ دُونَ الْإِنَاثِ كَبَنِي الْأَخِ وَبَنِي الْعَمِّ دُونَ أَخَوَاتِهِمْ، فَإِذَا لَمْ تَرِثْ بِنْتُ الْأَخِ وَبِنْتُ الْعَمِّ فَبِنْتُ الْمُعْتِقِ أَوْلَى أَنْ لَا تَرِثَ لِأَنَّهَا أَبْعَدُ مِنْهُمَا، وَالْمُعْتَبَرُ أَقْرَبُ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (قَرَابَةُ الرَّجُلِ) فِيهِ أَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ أَخَصُّ مِنْ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ لِشُمُولِهِ الْمُعْتِقَ وَعَصَبَتَهُ وَهُوَ نَادِرٌ، وَفِيهِ إخْبَارٌ بِالْمَصْدَرِ عَنْ الْعَصَبَةِ وَهُمْ ذَوَاتٌ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ ذُو قَرَابَةٍ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْأَقَارِبُ.
قَوْلُهُ: (مَنْ لَيْسَ لَهُمْ سَهْمٌ مُقَدَّرٌ) أَيْ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَيَدْخُلُ الْأَبُ وَالْجَدُّ وَالْبَنَاتُ وَبَنَاتُ الِابْنِ وَالْأَخَوَاتِ إذَا وَرِثُوا بِالتَّعْصِيبِ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ فِي غَيْرِ حَالَةِ التَّعْصِيبِ.
وَهَذَا التَّعْرِيفُ شَامِلٌ لِلْعَصَبَةِ بِأَقْسَامِهَا الثَّلَاثَةِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ يَشْمَلُ ذَوِي الْأَرْحَامِ إذَا وَرِثُوا وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ كَالْعَمِّ لِلْأُمِّ مَثَلًا فَيَقْتَضِي أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ عَصَبَةٌ حِينَئِذٍ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ الْوَرَثَةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِمْ وَقَوْلُهُ مِنْ الْوَرَثَةِ يَدْخُلُ فِيهِ ذَوُو الْأَرْحَامِ إذَا وَرَّثْنَاهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَبِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ مَعًا) يُرِيدُ بِهَذَا أَنَّ الِابْنَ مَعَ أُخْتِهِ إذَا انْفَرَدَا يَرِثَانِ جَمِيعَ الْمَالِ فَيَصْدُقُ أَنَّ الْعَصَبَةَ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ مَعًا أَخَذَا جَمِيعَ الْمَالِ زي مَرْحُومِيٌّ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِأَنَّ عَصَبَةً بِالْغَيْرِ مَنْ يَرِثُ بِالْفَرْضِ إذَا انْفَرَدَ كَالْبِنْتِ وَهُوَ لَا يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ تَأَمَّلْ.
قَوْلَهُ: (هُنَّ الْبَنَاتُ) الشَّامِلَاتُ لِبَنَاتِ الِابْنِ.
قَوْلُهُ: (بِذَلِكَ) أَيْ بِنَفْسِهِ.
قَوْلُهُ: (يَسْتَغْرِقْنَ) أَيْ عَلَى انْفِرَادِهِنَّ.
قَوْلُهُ: (وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيهِ) أَيْ فِي الشُّمُولِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (لُحْمَةٌ) بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ، وَالْمُرَادُ ارْتِبَاطٌ وَتَعَلُّقٌ بَيْنَ الْمُعْتِقِ وَالْعَتِيقِ كَالِارْتِبَاطِ بَيْنَ الْأَقَارِبِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ عَصَبَتُهُ) أَيْ الْمُعْتِقِ فَهُمْ مُقَدَّمُونَ عَلَى مُعْتِقِ الْمُعْتِقِ كَمَا سَيَأْتِي، وَمِنْهُ مَسْأَلَةُ الْقُضَاةِ وَهِيَ امْرَأَةٌ اشْتَرَتْ أَبَاهَا فَعَتَقَ عَلَيْهَا ثُمَّ اشْتَرَى هُوَ عَبْدًا وَأَعْتَقَهُ فَمَاتَ الْأَبُ عَنْهَا وَعَنْ ابْنٍ ثُمَّ مَاتَ عَتِيقُهُ عَنْهُمَا فَيَكُونُ مِيرَاثُهُ لِلِابْنِ دُونَهَا لِأَنَّهُ عَصَبَةُ الْمُعْتِقِ وَهِيَ مُعْتِقَةُ الْمُعْتِقِ وَعَصَبَةُ الْمُعْتِقِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مُعْتِقِ مُعْتِقَتِهِ، وَيُقَالُ أَخْطَأَ فِيهَا أَرْبَعُمِائَةِ قَاضٍ غَيْرُ الْمُتَفَقِّهَةِ؛ وَأَشَارَ السُّبْكِيُّ فِي فَتَاوِيهِ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
إذَا مَا اشْتَرَتْ بِنْتٌ مَعَ ابْنٍ أَبَاهُمَا ... وَصَارَ لَهُ بَعْدَ الْعَتَاقِ مَوَالِي
وَأَعْتَقَهُمْ ثُمَّ الْمَنِيَّةُ عَجَّلَتْ ... عَلَيْهِ وَمَاتُوا بَعْدَهُ بِلَيَالِي
وَقَدْ خَلَّفُوا مَالًا فَمَا حُكْمُ مَالِهِمْ ... هَلْ الِابْنُ يَحْوِيهِ وَلَيْسَ يُبَالِي
أَمْ الْأُخْتُ تَبْقَى مَعَ أَخِيهَا شَرِيكَةً ... وَهَذَا أَيْ الْمَذْكُورُ جُلُّ سُؤَالِي
فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ:
لِلِابْنِ جَمِيعُ الْمَالِ إذْ هُوَ عَاصِبٌ ... وَلَيْسَ لِفَرْضِ الْبِنْتِ إرْثُ مَوَالِي
وَإِعْتَاقُهَا تُدْلِي بِهِ بَعْدَ عَاصِبٍ ... لِذَا حُجِبَتْ فَافْهَمْ حَدِيثَ سُؤَالِي
وَقَدْ غَلِطُوا فِيهَا طَوَائِفُ أَرْبَعٌ ... مِئِينَ قُضَاةٍ وَمَا وَعَوْهُ بِبَالِي
اهـ. م د قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى فِيهِ) أَيْ فِي النَّفْيِ الْمَذْكُورِ، أَيْ قَوْلُهُ: لَا كَبِنْتِهِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا لَمْ تَرِثْ بِنْتُ الْأَخِ) أَيْ بِنْتُ أَخِي
عَصَبَاتِهِ يَوْمَ مَوْتِ الْعَتِيقِ فَلَوْ مَاتَ الْمُعْتِقُ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَخَلَّفَ ابْنًا ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ فَوَلَاؤُهُ لِابْنِ الْمُعْتِقِ دُونَ ابْنِ ابْنِهِ.
تَنْبِيهٌ: كَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَثْبُتُ لِلْعَصَبَةِ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ، بَلْ إنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَهُ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ بَلْ الْوَلَاءُ ثَابِتٌ لَهُمْ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ فِي الْأُمِّ إذْ لَوْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ الْوَلَاءُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَرِثُوا.
وَقَالَ السُّبْكِيُّ: يَتَلَخَّصُ لِلْأَصْحَابِ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَهُمْ مَعَهُ لَكِنْ هُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ فِيمَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ لَهُ كَإِرْثِ الْمَالِ وَنَحْوِهِ اهـ. وَتَرْتِيبُهُمْ هُنَا كَالتَّرْتِيبِ الْمُتَقَدِّمِ فِي النَّسَبِ إلَّا فِي مَسَائِلَ مِنْهَا: إذَا اجْتَمَعَ الْجَدُّ وَالْأَخُ الشَّقِيقُ أَوْ لِأَبٍ قُدِّمَ الْأَخُ هُنَا فِي الْوَلَاءِ عَلَى الْأَظْهَرِ بِخِلَافِهِ فِي النَّسَبِ، لَوْ اجْتَمَعَا مَعَهُ فَلَا يُقَدَّمُ أَوْلَادُ الْأَبِ عَلَى الْجَدِّ عَلَى الْأَصَحِّ بَلْ يَقْتَسِمُ الْجَدُّ مَعَ الشَّقِيقِ فَقَطْ.
وَمِنْهَا مَا إذَا كَانَ مَعَ الْجَدِّ ابْنُ الْأَخِ فَالْأَظْهَرُ تَقْدِيمُ ابْنُ الْأَخِ فِي الْوَلَاءِ لِقُوَّةِ الْبُنُوَّةِ.
وَمِنْهَا إذَا كَانَ لِلْمُعْتِقِ ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ فَالْمَذْهَبُ تَقْدِيمُهُ.
وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُعْتِقِ عَصَبَةٌ، وَحُكْمُهُ أَنَّ التَّرِكَةَ لِمُعْتِقِ الْمُعْتِقِ ثُمَّ لِعَصَبَتِهِ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمُعْتَبَرِ فِي عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ ثُمَّ لِمُعْتِقِ مُعْتِقِ الْمُعْتِقِ وَهَكَذَا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، فَإِنْ فُقِدُوا فَمُعْتِقُ الْأَبِ ثُمَّ عَصَبَتُهُ ثُمَّ مُعْتِقُ الْجَدِّ ثُمَّ عَصَبَتُهُ وَهَكَذَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ انْتَقَلَ الْمَالُ لِبَيْتِ الْمَالِ إرْثًا لِلْمُسْلِمِينَ إذَا انْتَظَمَ أَمْرُ بَيْتِ الْمَالِ، أَمَّا إذَا لَمْ يَنْتَظِمْ لِكَوْنِ الْإِمَامِ غَيْرَ عَادِلٍ فَإِنَّهُ يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْفُرُوضِ غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ لِأَنَّ عِلَّةَ الرَّدِّ الْقَرَابَةُ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ فِيهِمَا.
وَنَقَلَ ابْنُ سُرَيْجٍ فِيهِ الْإِجْمَاعَ؛ هَذَا إذَا لَمْ يَكُونَا مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، فَلَوْ كَانَ مَعَ الزَّوْجِيَّةِ رَحِمٌ رُدَّ عَلَيْهَا كَبِنْتِ الْخَالَةِ وَبِنْتِ الْعَمِّ لَكِنْ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ مِنْ جِهَةِ الرَّحِمِ لَا مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَإِنَّمَا
[حاشية البجيرمي]
الْمَيِّتِ.
قَوْلُهُ: (كَلَامُ الْمُصَنِّفِ) أَيْ قَوْلُهُ " ثُمَّ عَصَبَتُهُ " وَإِنَّمَا قَالَ كَالصَّرِيحِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ " ثُمَّ " لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ.
قَالَ ق ل: وَصَرِيحُهُ أَيْضًا أَنَّ الْمُعْتِقَ لَا يُسَمَّى عَصَبَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ " لَا يُسَمَّى عَصَبَةً " لِقَوْلِهِ: فَإِذَا عُدِمَتْ الْعَصَبَاتُ فَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَصَبَاتُ مِنْ النَّسَبِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمُعْتِقَ عَصَبَةٌ مِنْ جِهَةِ الْوَلَاءِ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ كَالصَّرِيحِ اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْإِرْثِ لَا فِي الْوَلَاءِ وَعَدَمِهِ فَلَيْسَ كِنَايَةً وَلَا صَرِيحًا فِيمَا ذُكِرَ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْإِرْثَ لَازِمٌ لِلْوَلَاءِ فَمَتَى ثَبَتَ الْوَلَاءُ ثَبَتَ الْإِرْثُ إلَّا لِمَانِعٍ.
قَوْلُهُ: (ثَابِتٌ لَهُمْ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ) مِنْ فَوَائِدِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُسْلِمًا وَالْعَتِيقُ نَصْرَانِيًّا وَمَاتَ الْعَتِيقُ وَلِمُعْتِقِهِ أَوْلَادٌ نَصَارَى وَرِثُوهُ فِي حَيَاةِ أَبِيهِمْ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَرِثُوا) لِأَنَّ الْإِرْثَ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ السَّبَبِ وَقْتَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَالسَّبَبُ هُنَا الْوَلَاءُ، فَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُمْ وَقْتُ الْمَوْتِ بَلْ ثَبَتَ بَعْدَهُ لَمْ يَرِثُوا لِفَقْدِ السَّبَبِ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ) أَيْ فِي ثُبُوتِهِ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (فِيمَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ إلَخْ) خَرَجَ مَا لَا يُمْكِنُ كَغَسْلِهِ إذَا كَانَ أُنْثَى وَالْمُعْتِقُ ذَكَرًا.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوُهُ) كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَوِلَايَةِ تَزْوِيجِهِ إذَا كَانَ الْمُعْتِقُ ذَكَرًا وَإِلَّا فَيُزَوِّجُ الْعَتِيقَةَ مَنْ يُزَوِّجُ الْمُعْتِقَةَ كَالْأَبِ فِي حَيَاتِهَا، فَإِذَا مَاتَتْ زَوَّجَهَا ابْنُ الْمُعْتِقَةِ.
وَهَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ إلَخْ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ اجْتَمَعَا مَعَهُ) أَيْ فِي النَّسَبِ، فَهُوَ مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ " بِخِلَافِهِ فِي النَّسَبِ ".
قَوْلُهُ: (فَلَا يُقَدَّمُ أَوْلَادُ الْأَبِ) أَيْ الْإِخْوَةُ لِلْأَبِ، وَمُرَادُهُ بِهِمْ مَا يَشْمَلُ الْأَشِقَّاءَ.
قَوْلُهُ: (مَعَ الشَّقِيقِ فَقَطْ) أَيْ بَعْدَ عَدِّ أَوْلَادِ الْأَبِ عَلَيْهِ؛ مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لِقُوَّةِ الْبُنُوَّةِ) فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَا بُنُوَّةٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بُنُوَّةُ الْإِخْوَةِ.
قَوْلُهُ: (تَقْدِيمُهُ) أَيْ ابْنُ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ، بِخِلَافِهِ فِي النَّسَبِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ السُّدُسَ بِأُخُوَّةِ الْأُمِّ وَيُشَارِكُ الْآخَرَ سَوِيَّةً فِيمَا بَقِيَ وَلَمَّا كَانَتْ الْأُخُوَّةُ لِلْأُمِّ لَا فَرْضَ لَهَا فِي الْوَلَاءِ كَانَتْ مُرَجِّحَةً لِمَنْ قَامَتْ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَمَّا أَخَذَتْ فَرْضَهَا فِي النَّسَبِ لَمْ تَصْلُحْ لِلتَّرْجِيحِ.
قَوْلُهُ: (انْتَقَلَ الْمَالُ لِبَيْتِ الْمَالِ) الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ مُتَوَلِّي بَيْتِ الْمَالِ يَحْفَظُ الْمَالَ الْمُخَلَّفَ إلَى أَنْ يَصْرِفَهُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ مَحِلُّ الْمَالِ أَوْ مُتَوَلِّيهِ وَارِثًا حَقِيقَةً.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يُرَدُّ) وَلَا فَرْقَ فِي الرَّدِّ وَتَوْرِيثُ ذَوِي الْأَرْحَامِ بَيْنَ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْأَصْحَابِ، وَحَيْثُ صُرِفَتْ التَّرِكَةُ أَوْ بَعْضُهَا لِبَيْتِ الْمَالِ فِي الْمَيِّتِ الْكَافِرِ كَانَتْ فَيْئًا لَا إرْثًا، وَفِيهِ أَنَّ الْفَيْءَ لِأَرْبَابِهِ فَلِلْمُرْتَزِقَةِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ وَالْخُمُسُ الْخَامِسُ لِلْمَذْكُورِينَ فِي آيَةِ الْفَيْءِ، وَذِكْرُ اللَّهِ فِيهَا لِلتَّبَرُّكِ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ) أَيْ فِي الِاسْتِثْنَاءِ
يُرَدُّ مَا فَضَلَ عَنْ فُرُوضِهِمْ بِالنِّسْبَةِ لِسِهَامِ مَنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ طَلَبًا لِلْعَدْلِ فِيهِمْ، فَفِي بِنْتٍ وَأُمٍّ يَبْقَى بَعْدَ إخْرَاجِ فَرْضِهِمَا سَهْمَانِ مِنْ سِتَّةٍ لِلْأُمِّ رُبْعُهُمَا نِصْفُ سَهْمٍ وَلِلْبِنْتِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِمَا، فَتَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ وَتَرْجِعُ بِالِاخْتِصَارِ إلَى أَرْبَعَةٍ لِلْبِنْتِ ثَلَاثَةٌ وَلِلْأُمِّ وَاحِدٌ.
وَذَكَرْتُ أَشْيَاءَ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُهُ هَذَا الْمُخْتَصَرُ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ وَغَيْرِهِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْفُرُوضِ وَأَصْحَابِهَا وَهُمْ كُلُّ مَنْ لَهُ سَهْمٌ مُقَدَّرٌ شَرْعًا لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ وَقَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ: (وَالْفُرُوضُ) جَمْعُ فَرْضٍ بِمَعْنَى نَصِيبٍ أَيْ الْأَنْصِبَاءُ الْمَذْكُورَةُ أَيْ الْمَحْصُورَةُ لِلْوَرَثَةِ بِأَنْ لَا يُزَادَ عَلَيْهَا وَلَا يَنْقُصَ عَنْهَا إلَّا لِعَارِضٍ كَعَوْلٍ فَيُنْقَصُ أَوْ رَدٍّ فَيُزَادُ (فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) لِلْوَرَثَةِ وَخَبَرُ الْفُرُوضُ (سِتَّةٌ) بِعَوْلٍ وَبِدُونِهِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِعِبَارَاتٍ أَوْضَحُهَا (النِّصْفُ وَالرُّبُعُ وَالثُّمُنُ وَالثُّلُثَانِ وَالثُّلُثُ وَالسُّدُسُ) وَأَخْصَرُهَا الرُّبُعُ وَالثُّلُثُ وَالضِّعْفُ كُلٌّ وَنِصْفُهُ وَإِنْ شِئْت قُلْت: النِّصْفُ وَنِصْفُهُ وَنِصْفُ نِصْفِهِ، وَالثُّلُثَانِ وَنِصْفُهُمَا وَنِصْفُ نِصْفِهِمَا وَإِنْ شِئْت قُلْت: النِّصْفُ وَنِصْفُهُ وَرُبْعُهُ وَالثُّلُثَانِ وَنِصْفُهُمَا وَرُبْعُهُمَا.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى السُّدُسُ الَّذِي لِلْجَدَّةِ وَلِبِنْتِ الِابْنِ إلَّا أَنْ يُقَالَ السُّدُسُ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَا مَعَ كَوْنِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ أُمًّا أَوْ جَدَّةً، أَوْ بِنْتَ ابْنٍ وَالسُّبُعُ وَالتُّسُعُ فِي مَسَائِلِ
[حاشية البجيرمي]
الْمَذْكُورِ.
أَيْ قَوْلِهِ: غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ الزَّوْجِيَّةِ) بِمَعْنَى أَنَّ الزَّوْجَةَ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، أَوْ عَكْسُهُ بِأَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ.
قَوْلُهُ: (رُدَّ عَلَيْهَا) وَفِي نُسْخَةٍ: عَلَيْهِمَا فِي تَسْمِيَتِهِ رَدًّا مُسَامَحَةً لِأَنَّهَا تَأْخُذُهُ بِالْإِرْثِ الْمُتَقَدِّمِ لِأَنَّهَا تَرِثُ بِجِهَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ: لَكِنَّ الصَّرْفَ إلَخْ حَيْثُ لَمْ يُعَبِّرْ بِالرَّدِّ.
قَوْلُهُ: (لِسِهَامِ) اللَّامُ زَائِدَةٌ لِلتَّقْوِيَةِ، أَيْ لِنِسْبَةِ سِهَامِ مَنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَصْحَابِهَا) وَهُمْ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ النِّصْفِ خَمْسَةٌ وَالرُّبُعِ اثْنَانِ وَالثُّمُنِ وَاحِدٌ وَالثُّلُثَيْنِ أَرْبَعَةٌ وَالثُّلُثِ اثْنَانِ وَالسُّدُسِ سَبْعَةٌ.
وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ ضَابِطَ ذَلِكَ فِي ضِمْنِ بَيْتٍ فَقَالَ:
ضَابِطُ ذَوِي الْفُرُوضِ مِنْ هَذَا الرَّجَزْ ... خُذْهُ مُرَتَّبًا وَقُلْ هَبَا دَبَزْ
قَوْلُهُ: (وَقَدْرِ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْفُرُوضِ أَوْ أَصْحَابِهَا، وَلَكِنْ لَمْ يُفِدْ عَطْفُهُ شَيْئًا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ بَيَانِ الْفُرُوضِ وَأَصْحَابِهَا بَيَانُ قَدْرِ مَا يَخُصُّهُ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ؛ لِجَوَازِ أَنْ تَذْكُرَ الْفُرُوضَ سَرْدًا وَأَصْحَابَهَا سَرْدًا وَلَمْ يُبَيِّنْ قَدْرَ نَصِيبِ كُلٍّ فَاحْتَاجَ لِعَطْفِ مَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْمَحْصُورَةُ لِلْوَرَثَةِ) جُعِلَ التَّقْدِيرُ بِمَعْنَى الْحَصْرِ، وَلَيْسَ مُرَادًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا مُقَدَّرٌ ق ل.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَا يُزَادَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا لَا عَلَى مَجْمُوعِهَا بِأَنْ لَا يُزَادَ عَلَيْهَا فَرْضٌ سَابِعٌ إلَّا لِعَارِضٍ، فَيَقْتَضِي أَنَّهُ مَعَ الْعَارِضِ يُزَادُ عَلَيْهَا نَوْعٌ سَابِعٌ كَمَا فَهِمَهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (إلَّا لِعَارِضٍ) كَعَوْلٍ أَوْ رَدٍّ، فَفِي الرَّدِّ زِيَادَةٌ فِي قَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ وَنَقْصٌ مِنْ عَدَدِ الْمَسْأَلَةِ، وَفِي الْعَوْلِ زِيَادَةٌ فِي عَدَدِ الْمَسْأَلَةِ وَنَقْصٌ مِنْ الْأَنْصِبَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَخَبَرُ الْفُرُوضِ سِتَّةٌ) دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ أَنَّ الْخَبَرَ هُوَ الظَّرْفُ أَعْنِي فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ق ل. وَهَذَا التَّوَهُّمُ مَدْفُوعٌ بِقَوْلِهِ الْمَذْكُورَةُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " فِي كِتَابِ اللَّهِ " مُتَعَلِّقٌ بِهِ.
قَوْلُهُ: (سِتَّةٌ) أَيْ مُقَدَّرًا أَوْ عَدَدًا وَخَمْسَةٌ مَخْرَجًا؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ.
وَقَوْلُهُ " بِعِبَارَاتٍ " أَيْ أَرْبَعَةٍ وَيُزَادُ عَلَيْهَا الثُّمُنُ وَالثُّلُثُ وَضِعْفُهُمَا وَضِعْفُ ضِعْفِهِمَا.
وَقَوْلُهُ " وَخَرَجَ إلَى أَخِي " لَوْ قَالَ وَأُورِدَ عَلَى قَوْلِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ السُّدُسُ إلَخْ كَانَ أَوْضَحَ.
قَوْلُهُ: (بِعَوْلٍ) صَوَابُهُ إسْقَاطُ هَذَا إذْ لَيْسَ فِيهِ نَقْصٌ وَاحِدٌ مِنْ الْفُرُوضِ وَلَا فِي الرَّدِّ زِيَادَتُهُ، أَيْ بَلْ هِيَ سِتَّةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنَّمَا النَّقْصُ وَالزِّيَادَةُ فِيمَا يَخُصُّ الْفَرْضَ مِنْ التَّرِكَةِ ق ل.
قَوْلُهُ: (السُّدُسُ الَّذِي لِلْجَدَّةِ وَلِبِنْتِ الِابْنِ) أَيْ فَلَيْسَا مَذْكُورَيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَالسُّبُعُ) أَيْ وَخَرَجَ السُّبُعُ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ زَوْجٍ وَأُخْتٍ شَقِيقَةٍ وَأُخْتٍ لِأَبٍ فَلِلزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ وَلِلشَّقِيقَةِ ثَلَاثَةٌ وَيُعَالُ لِلْأُخْتِ لِلْأَبِ بِوَاحِدٍ وَكَزَوْجٍ وَأُخْتٍ شَقِيقَةٍ أَوْ لِأَبٍ مَعَ أَخٍ أَوْ أُخْتٍ لِأُمٍّ.
قَوْلُهُ: (وَالتُّسْعُ) أَيْ فِي بِنْتَيْنِ وَأَبَوَيْنِ وَزَوْجَةٍ، فَأَصْلُهَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَتَعُولُ لِسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ؛ لِأَنَّ فِيهَا ثُمُنًا وَسُدُسًا، فَلِلْبِنْتَيْنِ سِتَّةَ عَشَرَ وَلِلْأَبَوَيْنِ ثَمَانِيَةٌ وَيُعَالُ لِلزَّوْجَةِ بِثَلَاثَةٍ فَعَالَتْ بِثُمُنِهَا وَصَارَ ثُمُنُ الْمَرْأَةِ تُسُعًا، وَتُسَمَّى الْمِنْبَرِيَّةُ لِأَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
الْعَوْلِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْأَوَّلُ ثُلُثُ عَائِلٍ وَالثَّانِي ثُمُنُ عَائِلٍ وَثُلُثُ مَا يَبْقَى فِي الْغَرَّاوَيْنِ كَزَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ وَزَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ وَفِي مَسَائِلِ الْجِدِّ حَيْثُ مَعَهُ ذُو فَرْضٍ كَأُمٍّ وَجَدٍّ وَخَمْسَةِ إخْوَةٍ فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيل الِاجْتِهَادِ (فَ) الْفَرْضُ الْأَوَّلُ (النِّصْفُ) بَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِهِ كَغَيْرِهِ لِكَوْنِهِ أَكْبَرَ كَسْرٍ مُفْرَدٍ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَكُنْت أَوَدُّ أَنْ لَوْ بَدَءُوا بِالثُّلُثَيْنِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِهِمَا حَتَّى رَأَيْت أَبَا النَّجَاءِ وَالْحُسَيْنَ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْوَنِّيَّ بَدَءَا بِهِمَا فَأَعْجَبَنِي ذَلِكَ وَهُوَ (فَرْضُ خَمْسَةٍ) أَحَدُهَا (الْبِنْتُ) إذَا انْفَرَدَتْ عَنْ جِنْسِ الْبُنُوَّةِ وَالْأُخُوَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: 11] . (وَ) ثَانِيهَا (بِنْتُ الِابْنِ) وَإِنْ سَفَلَ بِالْإِجْمَاعِ (إذَا انْفَرَدَتْ) عَنْ تَعْصِيبٍ وَتَنْقِيصٍ، فَخَرَجَ بِالتَّعْصِيبِ مَا إذَا كَانَ مَعَهَا أَخٌ فِي دَرَجَتِهَا فَإِنَّهُ يُعَصِّبُهَا وَيَكُونُ لَهَا نِصْفُ مَا حَلَّ لَهُ وَبِالتَّنْقِيصِ مَا إذَا كَانَ مَعَهَا بِنْتُ صُلْبٍ فَإِنَّ لَهَا مَعَهَا السُّدُسُ تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ.
(وَ) ثَالِثُهَا (الْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ) إذَا انْفَرَدَتْ عَنْ جِنْسِ الْبُنُوَّةِ وَالْأُخُوَّةِ وَلَوْ عَبَّرَ بِالشَّقِيقَةِ لَكَانَ أَخْصَرَ.
(وَ) رَابِعُهَا (الْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ) إذَا
[حاشية البجيرمي]
كَانَ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ قَائِلًا: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَحْكُمُ بِالْحَقِّ قَطْعًا وَيَجْزِي كُلَّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى، وَإِلَيْهِ الْمَآبُ وَالرُّجْعَى " فَسُئِلَ عَنْهَا حِينَئِذٍ فَقَالَ ارْتِجَالًا: " صَارَ ثُمُنُ الْمَرْأَةِ تُسُعًا " وَمَضَى فِي خُطْبَتِهِ.
وَقَوْلُهُ وَيَجْزِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان: 12] وَقَالَ أَيْضًا: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [النور: 38] . وَقَوْلُهُ " وَالرُّجْعَى " عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَقَوْلُهُ " صَارَ ثُمُنُ الْمَرْأَةِ تُسُعًا " يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ كَانَتْ تَسْتَحِقُّ الثُّمُنَ فَصَارَتْ تَسْتَحِقُّ التُّسُعَ فَيَنْقُصُ مَنْ كُلٍّ تُسْعُ مَا بِيَدِهِ.
قَوْلُهُ: (وَثُلُثُ مَا يَبْقَى) هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ سُدُسٌ فِي الْأُولَى وَرُبُعٌ فِي الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (كَزَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ) وَمَسْأَلَتُهُمْ ابْتِدَاءً مِنْ سِتَّةٍ مِنْ ضَرْبِ ثُلُثِ الْأُمِّ فِي نِصْفِ الزَّوْجِ لِأَنَّ مَا فِيهِ كَسْرٌ مُضَافٌ لِلْبَاقِي لَا يُنْظَرُ إلَيْهِ فِي ابْتِدَاءِ الْقِسْمَةِ بَلْ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ الْكَسْرُ الْمُضَافُ لِلْجُمْلَةِ، ثُمَّ بَعْدَ أَخْذِ الزَّوْجِ نَصِيبَهُ تَأْخُذُ الْأُمُّ ثُلُثَ الْبَاقِي وَالْأَبُ ثُلُثَ جَمِيعِ الْمَالِ لِأَنَّ لَهُ مِثْلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَزَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ) هِيَ مِنْ أَرْبَعَةٍ لِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ الْبَاقِي وَاحِدٌ وَلِلْأَبِ الْبَاقِي.
وَسُمِّيَا بِالْغَرَّاوَيْنِ لِشُهْرَتِهِمَا فَكَانَا كَالْكَوْكَبِ الْأَغَرِّ أَيْ الْمُضِيءِ، وَبِالْعُمَرِيَّتَيْنِ لِقَضَاءِ عُمَرَ فِيهِمَا بِمَا ذُكِرَ وَبِالْغَرِيبَتَيْنِ لِغَرَابَتِهِمَا أَيْ عَدَمِ النَّظِيرِ لَهُمَا.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (كَأُمٍّ وَجَدٍّ وَخَمْسَةِ إخْوَةٍ) أَيْ فَثُلُثُ الْبَاقِي أُغْبِطَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَعَهُ ذُو فَرْضٍ نِصْفًا فَأَقَلَّ وَزَادَ الْإِخْوَةُ عَلَى مِثْلَيْهِ فَثُلُثُ الْبَاقِي أُغْبِطَ، وَحِينَئِذٍ فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ لِلْأُمِّ وَاحِدٌ يَبْقَى خَمْسَةٌ ثُلُثُهَا وَاحِدٌ وَثُلُثَانِ فَتُضْرَبُ ثَلَاثَةٌ فِي سِتَّةٍ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَمِنْهَا تَصِحُّ لِلْأُمِّ سُدُسُهَا ثَلَاثَةٌ وَلِلْجَدِّ خَمْسَةٌ وَلِكُلِّ أَخٍ اثْنَانِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الِاجْتِهَادِ) أَيْ فَإِنَّ ثُلُثَ الْبَاقِي مِنْ قَبِيلِ الِاجْتِهَادِ لَا بِالنَّصِّ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ " وَثُلُثُ مَا بَقِيَ ". قَوْلُهُ: (الْوَنِيُّ) بِفَتْحِ الْوَاوِ كَمَا ضَبَطَهُ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ فِي اللُّبِّ وَقَالَ ابْنُ خِلِّكَان أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَنِّيُّ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ نِسْبَةً إلَى وَنٍّ وَهِيَ مِنْ قُرَى الْعَجَمِ، كَانَ إمَامًا فِي الْفَرَائِضِ وَلَهُ فِيهَا تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ، فَمَا فِي كَلَامِ م د مِنْ ضَمِّ الْوَاوِ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَلَعَلَّ فِيهِ لُغَةً بِالضَّمِّ اطَّلَعَ عَلَيْهَا الشَّيْخُ فَإِنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الِاطِّلَاعِ، وَعِبَارَةُ الَأُجْهُورِيُّ: هُوَ بِضَمِّ الْوَاوِ مَعَ كَسْرِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ وَبَعْدَهُ يَاءُ النِّسْبَةِ.
قَوْلُهُ: (الْبِنْتُ) بَدَأَ بِالْأَوْلَادِ لِأَنَّهُمْ أَهَمُّ عِنْدَ الْآدَمِيِّ.
وَبَدَأَ غَيْرُ الْمُصَنِّفِ بِالزَّوْجِ تَسْهِيلًا عَلَى الْمُتَعَلِّمِ لِأَنَّ كُلَّ مَا قَلَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ يَكُونُ أَرْسَخَ فِي الذِّهْنِ وَهُوَ عَلَى الزَّوْجَيْنِ أَقَلُّ مِنْهُ فِي غَيْرِهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ بَدَءُوا بِالْقُرْآنِ مِنْ آخِرِهِ فِي تَعَلُّمِهِ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ فِي قِرَاءَتِهِ وَلِتَقْدِيمِ الزَّوْجِيَّةِ عَلَى الْوَلَدِيَّةِ فِي نَحْوِ زَكَاةِ الْفِطْرِ.
قَوْلُهُ: (إذَا انْفَرَدَتْ) كَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ الْأَرْبَعَةِ لِيَعُودَ إلَيْهَا؛ وَلِذَلِكَ وَزَّعَهُ الشَّارِحُ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (عَنْ جِنْسِ الْبُنُوَّةِ) أَيْ لِلْمَيِّتِ وَقَوْلُهُ وَالْإِخْوَةِ، أَيْ لَهَا أَيْ الْبِنْتِ.
وَالْمُرَادُ بِالْبُنُوَّةِ بُنُوَّةُ الْمَيِّتِ الشَّامِلَةُ لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ فَعَطْفُ الْأُخُوَّةِ عَلَيْهَا مُسْتَدْرَكٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ إخْوَةُ الْبِنْتِ لَا إخْوَةُ الْمَيِّتِ فَتَأَمَّلْ ق ل؛ فَمَقْصُودُهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَخٌ لَهَا وَلَا أُخْتٌ كَذَلِكَ فَأَحَدُهُمَا يُغْنِي عَنْ الْآخَرِ.
وَعِبَارَةُ الَأُجْهُورِيُّ: الصَّوَابُ حَذْفُ الْإِخْوَةِ إذْ الْمُرَادُ بِالْبُنُوَّةِ أَوْلَادُ الْمَيِّتِ لِصُلْبِهِ وَبِالضَّرُورَةِ هُمْ إخْوَةُ الْبِنْتِ فَلَا دَاعِي لِذِكْرِ الْإِخْوَةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا
انْفَرَدَتْ عَنْ جِنْسِ الْبُنُوَّةِ وَالْأُخُوَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 176] قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْأُخْتُ الشَّقِيقَةُ وَالْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ الِانْفِرَادِ عَمَّنْ ذُكِرَ فِي الْأَرْبَعَةِ الزَّوْجُ فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَعَ وُجُودِهِ النِّصْفُ أَيْضًا.
(وَ) خَامِسُهَا (الزَّوْجُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا) أَيْ لِزَوْجَتِهِ (وَلَدٌ) مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَيَصْدُقُ الْوَلَدُ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (وَلَا وَلَدُ ابْنٍ) لَهَا وَإِنْ سَفَلَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ أَمَّا مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: 12] وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ وَلَدَ الِابْنِ كَوَلَدِ الصُّلْبِ فِي حَجْبِ الزَّوْجِ مِنْ النِّصْفِ إلَى الرُّبْعِ، إمَّا لِصِدْقِ اسْمِ الْوَلَدِ عَلَيْهِ مَجَازًا، وَإِمَّا قِيَاسًا عَلَى الْإِرْثِ، وَالتَّعْصِيبِ فَإِنَّهُ فِيهِمَا كَوَلَدِ الصُّلْبِ إجْمَاعًا.
(وَ) الْفَرْضُ الثَّانِي (الرُّبُعُ وَهُوَ فَرْضُ اثْنَيْنِ) فَرْضُ (الزَّوْجِ مَعَ الْوَلَدِ) لِزَوْجَتِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ (أَوْ) مَعَ (وَلَدِ الِابْنِ) لَهَا وَإِنْ سَفَلَ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ أَمَّا مَعَ الْوَلَدِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ﴾ [النساء: 12] وَأَمَّا مَعَ وَلَدِ الِابْنِ فَلِمَا مَرَّ.
وَخَرَجَ بِقَيْدِ الِابْنِ هُنَا وَفِيمَا قَبْلَهُ وَلَدُ الْبِنْتِ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ وَلَا يُحْجَبُ (وَهُوَ) أَيْ الرُّبُعُ (لِلزَّوْجَةِ) الْوَاحِدَةِ (وَ) لِكُلِّ (الزَّوْجَاتِ) بِالسَّوِيَّةِ (مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ) لِلزَّوْجِ (أَوْ) عَدَمِ (وَلَدِ الِابْنِ) لَهُ وَإِنْ سَفَلَ، أَمَّا مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: 12] وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ وَلَدِ الِابْنِ فَبِالْإِجْمَاعِ وَاسْتُفِيدَ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالزَّوْجَاتِ بَعْدَ الْوَاحِدِ أَنَّ مَا فَوْقَ الْوَاحِدَةِ إلَى انْتِهَاءِ الْأَرْبَعِ فِي اسْتِحْقَاقِ الرُّبُعِ كَالْوَاحِدَةِ، وَهُوَ إجْمَاعٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ تَرِثُ الْأُمُّ الرُّبُعَ فَرْضًا فِيمَا إذَا تَرَكَ زَوْجَةً وَأَبَوَيْنِ فَلِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ وَلِلْأُمِّ ثُلُثُ مَا بَقِيَ وَاحِدٌ وَهُوَ فِي
[حاشية البجيرمي]
يُحْتَاجُ لِذَلِكَ إلَّا فِي جَانِبِ بِنْتِ الِابْنِ وَالْأُخْتِ فَلْيُتَأَمَّلْ قَوْلُهُ (وَتَنْقِيصُ) أَيْ وَعَنْ حَاجِبٍ أَيْضًا كَابْنِ صُلْبٍ وَبَنِيهِ.
وَكَانَ الصَّوَابُ ذِكْرُهُ ق ل وَقَدْ يُقَالُ يُفْهَمُ بِالْأَوْلَى مِنْ الِانْفِرَادِ عَنْ التَّنْقِيصِ قَوْلُهُ: (فِي دَرَجَتِهَا) لَيْسَ بِقَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (بِنْتُ صُلْبٍ) وَكَذَا إذَا كَانَ مَعَهَا أُخْتٌ لَهَا فَأَكْثَرَ، وَلَفْظُ تَنْقِيصٍ يَشْمَلُهَا وَلَوْ ذَكَرَهَا كَانَ أَوْلَى ق ل.
قَوْلُهُ: (عَنْ جِنْسِ الْبُنُوَّةِ) أَيْ لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ إنْ كَانَتْ فِي أُنْثَى فَهِيَ صَارَتْ عَصَبَةً مَعَهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي ذَكَرٍ فَهِيَ مَحْجُوبَةٌ بِهِ وَوَجْهُ الْأُخُوَّةِ ظَاهِرٌ، إذْ لَا تَأْخُذُ النِّصْفَ مَعَ إخْوَةٍ لَهَا فَالْمُرَادُ بِهَا الْأُخُوَّةُ لِلْأُخْتِ أَوْ لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ حَالَهُمَا وَاحِدٌ وَلَا يُسْتَغْنَى عَنْهَا بِالْبُنُوَّةِ هُنَا.
وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: قَوْلُهُ عَنْ جِنْسِ الْبُنُوَّةِ وَالْأُخُوَّةِ هُمَا مُحْتَاجٌ إلَيْهِمَا هُنَا لِأَنَّ الْمُرَادَ الْبُنُوَّةُ لِلْمَيِّتِ وَالْأُخُوَّةُ لَهَا هِيَ وَهُمَا مُتَغَايِرَانِ لِأَنَّ بُنُوَّةَ الْمَيِّتِ يُنْسَبُونَ إلَيْهَا لِأَنَّهُمْ أَوْلَادُ أَخِيهَا وَأَمَّا إخْوَتُهَا فَهُمْ أَوْلَادُ أَبِيهَا، وَكَذَا يُقَالُ فِي الْأُخْتِ لِلْأَبِ انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ ق ل: قَوْلُهُ عَنْ جِنْسِ الْبُنُوَّةِ الشَّامِلَةِ لِبُنُوَّةِ الْمَيِّتِ وَبُنُوَّةِ ابْنِهِ وَإِنْ سَفَلَ.
قَوْلُهُ: (عَمَّا ذُكِرَ) أَيْ عَنْ جِنْسِ الْبُنُوَّةِ وَالْأُخُوَّةِ.
وَقَوْلُهُ: " الزَّوْجُ أَيْ الِانْفِرَادُ عَنْ الزَّوْجِ، فَلَا يُشْتَرَطُ انْفِرَادُهُنَّ عَنْهُ فِي اسْتِحْقَاقِ النِّصْفِ كَمَا قَالَ فَإِنَّ لِكُلٍّ إلَخْ " وَفِيهِ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ فَلَا حَاجَةَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِمَّا قِيَاسًا) اُنْظُرْ كَيْفَ يُقَاسُ الثَّابِتُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الثَّابِتِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ " إمَّا قِيَاسًا " مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ الْأَوَّلِ وَهَذَا لَا يُرَدُّ مَعَ قَوْلِ الشَّارِحِ عَلَى الْإِرْثِ وَالتَّعْصِيبِ، فَقَاسَ حَجْبَ ابْنِ الِابْنِ لِلزَّوْجِ عَلَى الْإِرْثِ وَالتَّعْصِيبِ، أَيْ كَمَا أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ الِابْنِ فِي الْإِرْثِ وَالتَّعْصِيبِ كَذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي حَجْبِ الزَّوْجِ.
قَوْلُهُ: (فَرْضُ الزَّوْجِ) وَجُعِلَ لَهُ فِي حَالَتَيْهِ ضِعْفُ مَا لِلزَّوْجَةِ فِي حَالَتَيْهَا لِأَنَّ فِيهِ ذُكُورَةً، وَهِيَ تَقْتَضِي التَّعْصِيبَ فَكَانَ مَعَهَا كَالِابْنِ مَعَ الْبِنْتِ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ دَرَجَةً فَكَانَ مَعَهَا بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ مَعَ الْبِنْتِ.
وَقَوْلُهُ: " فَكَانَ مَعَهَا " أَيْ بِالنِّسْبَةِ لَهَا لِأَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الْإِرْثِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مِنْ غَيْرِهِ) وَلَوْ مِنْ زِنًا لِأَنَّهُ يُنْسَبُ إلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (فَلِمَا مَرَّ) الَّذِي مَرَّ هُوَ قَوْلُهُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ وَلَدَ الِابْنِ كَوَلَدِ الصُّلْبِ اهـ أح.
قَوْلُهُ: (أَوْ عَدَمُ وَلَدِ الِابْنِ) " أَوْ " بِمَعْنَى الْوَاوِ.
قَوْلُهُ: (وَاسْتُفِيدَ مِنْ تَعْبِيرِهِ) كَأَنَّهُ يَدْفَعُ تَوَهُّمَ قُصُورِ الْعِبَارَةِ عَمَّا بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثَّلَاثِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ سم: أَرَادَ بِالزَّوْجَاتِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ.
قَوْلُهُ: (قَدْ تَرِثُ الْأُمُّ الرُّبُعَ) هِيَ عِبَارَةٌ فِي غَايَةِ
الْحَقِيقَةِ رُبُعٌ لَكِنَّهُمْ تَأَدَّبُوا مَعَ لَفْظِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.
(وَ) الْفَرْضُ الثَّالِثُ (الثَّمَنُ) وَهُوَ (فَرْضُ الزَّوْجَةِ) الْوَاحِدَةِ (وَ) كُلُّ (الزَّوْجَاتِ) بِالسَّوِيَّةِ (مَعَ الْوَلَدِ) لِلزَّوْجِ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا (أَوْ) مَعَ (وَلَدِ الِابْنِ) لَهُ وَإِنْ سَفَلَ، أَمَّا مَعَ الْوَلَدِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ [النساء: 12] وَأَمَّا مَعَ وَلَدِ الِابْنِ فَلِمَا تَقَدَّمَ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْ تَعْبِيرِهِ هُنَا بِالزَّوْجَاتِ بَعْدَ الْوَاحِدَةِ مَا اُسْتُفِيدَ فِيمَا قَبْلَهُ
(وَ) الْفَرْضُ الرَّابِعُ (الثُّلُثَانِ) وَهُوَ: " فَرْضُ أَرْبَعَةٍ الْبِنْتَيْنِ " فَأَكْثَرَ، أَمَّا فِي الْبِنْتَيْنِ فَبِالْإِجْمَاعِ الْمُسْتَنِدِ إلَى مَا صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى بِنْتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الثُّلُثَيْنِ» وَإِلَى الْقِيَاسِ عَلَى الْأُخْتَيْنِ وَمِمَّا اُحْتُجَّ بِهِ أَيْضًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] وَهُوَ لَوْ كَانَ مَعَ وَاحِدَةٍ كَانَ حَظُّهَا الثُّلُثُ فَأَوْلَى وَأَحْرَى أَنْ يَجِبَ لَهَا ذَلِكَ مَعَ أُخْتِهَا، وَأَمَّا فِي الْأَكْثَرِ مِنْ ثِنْتَيْنِ فَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 11]
[حاشية البجيرمي]
التَّحْرِيرِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ قَدْ يُفْرَضُ لَهَا الرُّبُعُ لِأَنَّ فَرْضَهَا ثُلُثُ الْبَاقِي لَا الرُّبُعُ فِيمَا إذَا تَرَكَ زَوْجَةً وَأَبَوَيْنِ، وَهِيَ إحْدَى الْغَرَّاوَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ فِي الشَّرْحِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ لَفْظِ الْقُرْآنِ) أَيْ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11] .
تَنْبِيهٌ: لَا يَجْتَمِعُ الثُّمُنُ مَعَ الثُّلُثِ وَلَا الرُّبُعِ، أَيْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي فَرِيضَةِ الثُّمُنِ مَعَ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ وُجُودِ الثُّمُنِ وُجُودُ الْفَرْعِ الْوَارِثِ وَشَرْطُ وُجُودِ الثُّلُثِ عَدَمُ الْفَرْعِ الْوَارِثِ وَشَرْطَاهُمَا مُتَبَايِنَانِ وَلَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ، وَكَذَا لَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ الثُّمُنِ مَعَ الرُّبُعِ لِأَنَّ شَرْطَ وُجُودِ الثُّمُنِ لِلزَّوْجَةِ وَالزَّوْجَاتِ وُجُودُ الْفَرْعِ الْوَارِثِ وَإِذَا وُجِدَ الْفَرْعُ الْوَارِثُ وُجِدَ مَعَهُ الرُّبُعُ وَلَا يَكُونُ إلَّا لِلزَّوْجِ وَهُوَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَ الزَّوْجَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ؛ م د عَلَى التَّحْرِيرِ مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (مَا اُسْتُفِيدَ فِيمَا قَبْلَهُ) أَيْ مَا فَوْقَ الْوَاحِدَةِ كَالْوَاحِدَةِ.
قَوْلُهُ: (فَرْضُ أَرْبَعَةٍ الْبِنْتَيْنِ) لَوْ قَالَ فَرْضُ مَنْ تَعَدَّدَ مِنْ أَصْحَابِ النِّصْفِ لَكَانَ أَخْصَرَ، وَهَذَا عِنْدَ انْفِرَادِ كُلٍّ عَنْ أَخَوَاتِهِنَّ فَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ فَقَدْ يَزِدْنَ عَلَى الثُّلُثَيْنِ كَمَا لَوْ كُنَّ عَشْرًا وَالذَّكَرُ وَاحِدٌ فَلَهُنَّ عَشْرٌ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثَيْهَا وَقَدْ يَنْقُصُ كَبِنْتَيْنِ مَعَ ابْنَيْنِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (وَأَحْرَى) أَيْ أَحَقُّ.
قَوْلُهُ: (فَلِعُمُومِ قَوْلِهِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْأَوْلَادِ فَقَطْ وَالْمَعْنَى فَإِنْ كُنَّ أَيْ الْأَوْلَادُ نِسَاءً إلَخْ.
فَلَا حَاجَةَ إلَى لَفْظِ الْعُمُومِ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى الْعُمُومِ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَا فِي تَوْرِيثِ الْأَخَوَاتِ كَمَا يَأْتِي عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ الْآتِي.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ عَبَّرَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْجَمْعَ عِنْدَ الْفَرْضِيِّينَ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ، وَالِاعْتِرَاضُ سَاقِطٌ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا فِي الْأُخْتَيْنِ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَقَالَ فِي الْأُخْتَيْنِ فَأَكْثَرَ: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: 176] . نَزَلَتْ فِي سَبْعِ أَخَوَاتٍ لِجَابِرٍ حِينَ مَرِضَ وَسَأَلَ عَنْ إرْثِهِنَّ مِنْهُ، فَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا الْأُخْتَانِ فَأَكْثَرَ.
وَمَا قِيلَ إنَّهُ حِينَ مَاتَ غَلَطٌ فَإِنَّ جَابِرًا تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ عَنْ وَفَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَثِيرٍ.
وَعِبَارَةُ م ر فِي شَرْحِهِ: فِي قِصَّةِ جَابِرٍ لَمَّا مَرِضَ وَمَا قِيلَ لَمَّا مَاتَ غَلَطٌ لِأَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَثِيرٍ اهـ وَقِيلَ: إنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ دَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ جَابِرٍ اهـ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: 11] إلَخْ فَوْقَ صِلَةٌ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: 12] لِلْإِجْمَاعِ الْمُسْتَنِدِ إلَى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي بِنْتَيْنِ وَزَوْجَةٍ وَابْنِ عَمٍّ فَقَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلزَّوْجَةِ بِالثُّمُنِ وَلِلْبِنْتَيْنِ بِالثُّلُثَيْنِ وَلِابْنِ الْعَمِّ بِالْبَاقِي اهـ خ ض. وَالضَّمِيرُ فِي " كُنَّ " رَاجِعٌ لِلْأَوْلَادِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: 11]
(وَ) فَرْضُ (بَنَاتِ الِابْنِ) وَإِنْ سَفَلَ، وَلَوْ عَبَّرَ بِبِنْتَيْ ابْنٍ فَأَكْثَرَ كَانَ أَوْلَى لِيُدْخِلَ بِنْتَا الِابْنِ، وَالْأَلْفُ وَاللَّامُ فِي الِابْنِ لِلْجِنْسِ حَتَّى لَوْ كُنَّ مِنْ أَبْنَاءٍ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُنَّ بِنْتُ صُلْبٍ فَإِنْ كَانَ فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ.
(وَ) فَرْضُ (الْأُخْتَيْنِ) فَأَكْثَرَ (مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ) أَمَّا فِي الْأُخْتَيْنِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: 176] وَأَمَّا فِي الْأَكْثَرِ فَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: 11] (وَ) فَرْضُ (الْأُخْتَيْنِ) فَأَكْثَرَ (مِنْ الْأَبِ) عِنْدَ فَقْدِ الشَّقِيقَتَيْنِ، أَمَّا فِي الْأُخْتَيْنِ فَلِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا الصِّنْفَانِ كَمَا حَكَى ابْنُ الرِّفْعَةِ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَأَمَّا فِي الْأَكْثَرِ فَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: 11] كَمَا تَقَدَّمَ.
تَنْبِيهٌ: ضَابِطُ مَنْ يَرِثُ الثُّلُثَيْنِ مَنْ تَعَدَّدَ مِنْ الْإِنَاثِ مِمَّنْ فَرْضُهُ النِّصْفُ عِنْدَ انْفِرَادِهِنَّ عَمَّنْ يُعَصِّبُهُنَّ أَوْ يَحْجُبُهُنَّ.
(وَ) الْفَرْضُ الْخَامِسُ (الثُّلُثُ) وَهُوَ (فَرْضُ اثْنَيْنِ) فَرْضُ (الْأُمِّ إذَا لَمْ تُحْجَبْ) حَجْبَ نُقْصَانٍ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لِمَيِّتِهَا وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ وَارِثٍ وَلَا اثْنَانِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْمَيِّتِ، سَوَاءٌ أَكَانُوا أَشِقَّاءَ أَمْ لَا، ذُكُورًا أَمْ لَا، مَحْجُوبِينَ بِغَيْرِهَا كَأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ مِنْ جَدٍّ أَمْ لَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] وَوَلَدُ الِابْنِ مُلْحَقٌ بِالْوَلَدِ وَالْمُرَادُ بِالْإِخْوَةِ اثْنَانِ فَأَكْثَرَ إجْمَاعًا قَبْلَ إظْهَارِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْخِلَافَ.
وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ الْأُمِّ أَبٌ وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فَقَطْ، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا ذَلِكَ فَفَرْضُهَا ثُلُثُ الْبَاقِي كَمَا مَرَّ.
(وَهُوَ) أَيْ الثُّلُثُ (لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا) بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ وَنَاصِبُهُ وَاجِبُ الْإِضْمَارِ، أَيْ ذَاهِبًا مِنْ فَرْضِ عَدَدِ الِاثْنَيْنِ إلَى الصُّعُودِ عَلَى الِاثْنَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ غَيْرُ النَّصْبِ وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ بِالْفَاءِ وَثُمَّ لَا بِالْوَاوِ كَمَا فِي الْمُحْكَمِ أَيْ فَزَائِدًا (مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ الْأُمِّ) يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَغَيْرُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: 12] الْآيَةَ.
[حاشية البجيرمي]
وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ (نِسَاءً) لَهُ فَائِدَةٌ وَأَتَى بَنُونَ النِّسْوَةِ فِي قَوْلِهِ فَإِنْ كُنَّ مَعَ رُجُوعِهِ لِلْأَوْلَادِ نَظَرًا لِلْمَعْنَى لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِمْ الْإِنَاثُ.
قَوْلُهُ: (الصِّنْفَانِ) أَيْ الْأَخَوَاتُ الشَّقِيقَاتُ وَاَللَّاتِي لِأَبٍ.
قَوْلُهُ: (فَلِعُمُومِ قَوْلِهِ) فِي كَوْنِهِ عَامًّا لِلْأَخَوَاتِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي كُنَّ رَاجِعٌ لِلْأَوْلَادِ فَالْآيَةُ خَاصَّةٌ بِالْأَوْلَادِ فَلَا عُمُومَ فِيهَا، فَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَى الْبَنَاتِ الْمَذْكُورَاتِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْإِنَاثِ) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ إيضَاحٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَحْجُبُهُنَّ) أَيْ فِي غَيْرِ الْبَنَاتِ.
قَوْلُهُ: (حَجْبَ نُقْصَانٍ) بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ أَمَّا حَجْبُ الْحِرْمَانِ بِالشَّخْصِ فَلَا يَعْتَرِيهَا.
قَوْلُهُ: (وَارِثٌ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا.
وَالْأَوْلَى: وَارِثَانِ.
قَوْلُهُ: (مَحْجُوبَيْنِ بِغَيْرِهَا) بِخِلَافِ الْمَحْجُوبِ بِالْوَصْفِ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ،.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ إظْهَارِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْخِلَافَ) حَيْثُ قَالَ: لَا يَحْجُبُهَا إلَّا جَمْعُ ثَلَاثَةٍ فَأَكْثَرَ.
وَقَدْ يُقَالُ قَبْلِيَّةُ الظُّهُورِ لَا تَكْفِي بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَبْلِيَّةِ نَفْسِ الْخِلَافِ سم، أَيْ لِأَنَّ إظْهَارَ الْخِلَافِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ لَا يَخْرِقُهُ.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا) الصَّوَابُ إسْقَاطُ هَذَا الشَّرْطِ ق ل. هَذَا غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ فِي إرْثِهَا الثُّلُثَ كَامِلًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ فَرْضِ عَدَدٍ) لَا حَاجَةَ لِذِكْرِ " فَرْضٍ ". وَقَوْلُهُ " أَيْ ذَاهِبًا " تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ " صَاعِدًا " لَا لِلْعَامِلِ الْمَحْذُوفِ، وَتَقْدِيرُهُ: فَذَهَبَ الْعَدَدُ حَالَ كَوْنِهِ ذَاهِبًا إلَخْ، وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ: (يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَغَيْرُهُ) سَيَأْتِي تَوْجِيهُ التَّسْوِيَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ بِأَنَّهَا عَدَمُ الْعُصُوبَةِ فِيمَنْ أَدْلُوا بِهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُمْ لَوْ أَخَذُوا جَمِيعَ الْمَالِ فَرْضًا وَرَدًّا أَنَّهُ يُسَوَّى بَيْنَهُمْ، وَمِثْلُهُمْ فِي ذَلِكَ الْأَخْوَالُ لِإِدْلَائِهِمْ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ وَبِهِ جَزَمَ م ر تَبَعًا لِشَرْحِ الرَّوْضِ؛ لَكِنْ فِي شَرْحِ الْفُصُولِ أَنَّ الْأَخْوَالَ يَقْسِمُونَهُ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَلْيُنْظَرْ وَجْهُهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَوْلَادَ الْأُمِّ يُخَالِفُونَ غَيْرَهُمْ فِي خَمْسَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، الثَّانِي: إرْثُهُمْ مَعَ وُجُودِ مَنْ أَدْلَوْا بِهِ، الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ يُحْجَبُونَ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ مَنْ يُدْلُونَ بِهِ حَجْبَ نُقْصَانٍ، الرَّابِعُ: أَنَّ ذَكَرَهُمْ يُدْلِي بِأُنْثَى وَهِيَ الْأُمُّ وَيَرِثُ، الْخَامِسُ: أَنَّ مِيرَاثَ الْمُنْفَرِدِ السُّدُسُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
اهـ. م د. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَإِنَّمَا أُعْطُوا الثُّلُثَ وَالسُّدُسَ لِأَنَّهُمْ يُدْلُونَ بِالْأُمِّ وَهُمَا فَرْضُهَا، وَسَوَّى بَيْنَهُمْ لِأَنَّهُ لَا تَعْصِيبَ فِيمَنْ أَدْلَوْا بِهِ بِخِلَافِ الْأَشِقَّاءِ لَمَّا كَانَ فِيهِمْ تَعْصِيبٌ جُعِلَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ كَالْأَوْلَادِ، وَعِبَارَةُ م ر: لِأَنَّ إرْثَهُمْ بِالرَّحِمِ كَالْأَبَوَيْنِ مَعَ الْوَلَدِ وَإِرْثُ غَيْرِهِمْ بِالْعُصُوبَةِ وَهِيَ مُقْتَضِيَةٌ لِتَفْضِيلِ الذَّكَرِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ﴾ [النساء: 12] أَيْ يُورَثُ مِنْهُ.
وَجُمْلَةُ " يُورَثُ " نَعْتُ " رَجُلٍ " وَكَلَالَةٌ خَبَرُ كَانَ، أَوْ يُورَثُ خَبَرُهَا، أَوْ
وَالْمُرَادُ أَوْلَادُ الْأُمِّ بِدَلِيلِ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ.
وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ وَهِيَ وَإِنْ لَمْ تَتَوَاتَرْ لَكِنَّهَا كَالْخَبَرِ فِي الْعَمَلِ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ تَوْقِيفًا.
وَإِنَّمَا سَوَّى بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِأَنَّهُ لَا تَعْصِيبَ فِيمَنْ أَدْلُوا بِهِ بِخِلَافِ الْأَشِقَّاءِ وَلِأَبٍ، فَإِنَّ فِيهِمْ تَعْصِيبًا فَكَانَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ كَالْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَعْلِيقِهِ، وَقَدْ يُفْرَضُ الثُّلُثُ لِلْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ فِيمَا إذَا نَقَصَ عَنْهُ بِالْمُقَاسَمَةِ كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ فَأَكْثَرَ، وَبِهَذَا يَكُونُ فَرْضُ الثُّلُثِ لِثَلَاثَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الثَّالِثُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا مَرَّ.
(وَ) الْفَرْضُ السَّادِسُ (السُّدُسُ) وَهُوَ (فَرْضُ سَبْعَةٍ) بِتَقْدِيمِ السِّينِ عَلَى الْمُوَحَّدَةِ (لِلْأُمِّ مَعَ الْوَلَدِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 11] (أَوْ) مَعَ (وَلَدِ الِابْنِ) وَإِنْ سَفَلَ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى حَجْبِهَا بِهِ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا مُخَالَفَةَ مُجَاهِدٍ فِي ذَلِكَ (أَوْ) مَعَ (اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا) أَيْ فَأَكْثَرَ (مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ) لِمَا مَرَّ فِي الْآيَتَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ اثْنَيْنِ قَدْ يَشْمَلُ مَا لَوْ وَلَدَتْ امْرَأَةٌ وَلَدَيْنِ مُلْتَصِقَيْنِ لَهُمَا رَأْسَانِ وَأَرْبَعُ أَرْجُلٍ وَأَرْبَعُ أَيْدٍ وَفَرْجَانِ، وَلَهُمَا ابْنٌ آخَرَ ثُمَّ مَاتَ هَذَا الِابْنُ وَتَرَكَ أُمَّهُ وَهَذَيْنِ، فَيُصْرَفُ لَهَا السُّدُسُ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ حُكْمَهُمَا حُكْمُ الِاثْنَيْنِ فِي
[حاشية البجيرمي]
لَا خَبَرَ لَهَا بِجَعْلِهَا تَامَّةً، وَكَلَالَةً عَلَى هَذَيْنِ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يُورَثُ وَهِيَ مَنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَلَدًا وَلَا وَالِدًا.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ) أَيْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ.
قَوْلُهُ: (كَالْخَبَرِ) أَيْ خِلَافًا لِمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.
وَعِبَارَةُ الْإِيعَابِ: الْمُعْتَمَدُ مِنْ اضْطِرَابٍ طَوِيلٍ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ إذَا صَحَّ سَنَدُهَا لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْآحَادِ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (تَوْقِيفًا) أَيْ تَعْلِيمًا مِنْ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَوْلُهُ " فِيمَنْ أَدْلَوْا بِهِ " وَهِيَ الْأُمُّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ فِيهِمْ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: فَإِنَّ فِيهِ أَيْ مَنْ أَدْلُوا بِهِ وَهُوَ الْأَبُ تَعْصِيبًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْنَى فَإِنَّ فِيهِمْ تَعْصِيبًا لِإِدْلَائِهِمْ بِالْأَبِ الْعَاصِبِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا مَرَّ) أَيْ نَظِيرُ مَا مَرَّ لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَمُرَّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَعَ وَلَدِ الِابْنِ) إنْ قِيلَ: لِمَ جَعَلَ وَلَدَ الِابْنِ كَالِابْنِ فِي حَجْبِهَا إلَى السُّدُسِ وَلَمْ يَجْعَلْ وَلَدَ الْأَخِ كَأَبِيهِ فِي ذَلِكَ؟ أُجِيبَ بِالْفَرْقِ لِإِطْلَاقِ الْوَلَدِ عَلَى وَلَدِ الِابْنِ مَجَازًا شَائِعًا بَلْ حَقِيقَةً، بِخِلَافِ إطْلَاقِ الْأَخِ عَلَى وَلَدِهِ وَبِأَنَّ الْوَلَدَ أَقْوَى حَجْبًا مِنْ الْإِخْوَةِ يَحْجُبُ مَنْ لَا يَحْجُبُونَهُ وَلِقُصُورِهِمْ عَنْ دَرَجَةِ آبَائِهِمْ قَوِيَ الْجَدُّ عَلَى حَجْبِهِمْ دُونَ آبَائِهِمْ اهـ سم.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَعْتَبِرُوا مُخَالَفَةَ مُجَاهِدٍ) حَيْثُ قَالَ: لَا يَحْجُبُهَا وَلَدُ الِابْنِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ فِي الْآيَتَيْنِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِ الْمَتْنِ: لِلْأُمِّ مَعَ الْوَلَدِ إلَخْ، وَالْآيَةُ الْأُولَى هِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 11] وَالثَّانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] وَسَمَّاهَا آيَةً لِأَنَّهُ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 11] فَيَكُونُ آخِرَ الْآيَةِ خِلَافًا لِمَنْ جَعَلَهُمَا آيَةً وَاحِدَةً.
وَأَجَابَ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالْآيَتَيْنِ الْجُمْلَتَانِ سَوَاءٌ وَرِثَا أَوْ حُجِبَا بِالشَّخْصِ دُونَ الْوَصْفِ كَأَخٍ لِأَبٍ مَعَ شَقِيقٍ وَكَأَخَوَيْنِ لِأُمٍّ مَعَ جَدٍّ فَيَحْجُبَانِهَا وَإِنْ حُجِبَا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (وَأَرْبَعُ أَرْجُلٍ وَأَرْبَعُ أَيْدٍ) قَالَ حَجّ: وَظَاهِرٌ أَنَّ تَعَدُّدَ غَيْرِ الرَّأْسِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، بَلْ مَتَى عُلِمَ اسْتِقْلَالُ كُلٍّ بِحَيَاةٍ كَأَنْ نَامَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ اهـ. وَعِبَارَةُ ق ل: وَدَخَلَ بِالثَّانِي مَا لَوْ كَانَا مُلْتَصِقَيْنِ وَأَعْضَاءُ كُلٍّ مِنْهُمَا كَامِلَةً حَتَّى الْفَرْجَيْنِ فَلَهُمَا حُكْمُ اثْنَيْنِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ حَتَّى إنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَتَزَوَّجَ سَوَاءٌ كَانَا ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفِينَ، فَإِنْ نَقَصَتْ أَعْضَاءُ أَحَدِهِمَا فَإِنْ عُلِمَ حَيَاةُ أَحَدِهِمَا اسْتِقْلَالًا كَنَوْمِ أَحَدِهِمَا وَيَقَظَةِ الْآخَرِ فَكَاثْنَيْنِ أَيْضًا وَإِلَّا فَكَوَاحِدٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (حُكْمُ الِاثْنَيْنِ) وَهَلْ يُكَلَّفُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمُوَافَقَةِ الْآخَرِ عَلَى فِعْلِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ وَحَجٍّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُلِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحَرَكَةِ أَوْ لَا؟ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ حَجّ، فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى أَحَدِهِمَا مُوَافَقَةُ الْآخَرِ فِي فِعْلِ شَيْءٍ أَرَادَهُ مِمَّا
سَائِرِ الْأَحْكَامِ مِنْ قِصَاصٍ وَدِيَةٍ وَغَيْرِهِمَا.
وَتُعْطَى أَيْضًا السُّدُسَ مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ أَخَوَيْنِ كَأَنْ وَطِئَ اثْنَانِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ وَاشْتَبَهَ الْحَالُ، ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ قَبْلَ لُحُوقِهِ بِأَحَدِهِمَا وَلِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَلَدَانِ، فَلِلْأُمِّ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ السُّدُسُ فِي الْأَصَحِّ أَوْ الصَّحِيحُ كَمَا فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ فِي الْعِدَدِ.
وَإِذَا اجْتَمَعَ مَعَ الْأُمِّ الْوَلَدُ أُمُّ وَلَدِ الِابْنِ وَاثْنَانِ مِنْ الْإِخْوَةِ فَاَلَّذِي رَدَّهَا مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ الْوَلَدُ لِقُوَّتِهِ كَمَا بَحَثَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ.
وَقَدْ يُفْرَضُ لَهَا أَيْضًا السُّدُسُ مَعَ عَدَمِ مَنْ ذُكِرَ كَمَا إذَا مَاتَتْ امْرَأَةٌ عَنْ زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ.
(وَهُوَ) أَيْ السُّدُسُ (لِلْجَدَّةِ) الْوَارِثَةِ لِأَبٍ أَوْ لِأُمٍّ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى الْجَدَّةَ السُّدُسَ» وَالْمُرَادُ بِهَا الْجِنْسُ لِأَنَّ الْجَدَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ الْوَارِثَاتُ يَشْتَرِكَانِ أَوْ يَشْتَرِكْنَ فِي السُّدُسِ، وَرَوَى الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِهِ لِلْجَدَّتَيْنِ» ثُمَّ إنْ كَانَتْ الْجَدَّةُ لِأُمٍّ فَلَهَا ذَلِكَ (مَعَ عَدَمِ الْأُمِّ) فَقَطْ سَوَاءٌ انْفَرَدَتْ أَوْ كَانَتْ مَعَ ذَوِي فَرْضٍ أَوْ عَصَبَةٍ لِأَنَّهَا لَا يَحْجُبُهَا إلَّا الْأُمُّ فَقَطْ إذْ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَيِّتِ غَيْرُهَا فَلَا تُحْجَبُ بِالْأَبِ وَلَا بِالْجَدِّ، وَالْجَدَّةُ لِلْأَبِ يَحْجُبُهَا الْأَبُ لِأَنَّهَا تُدْلِي بِهِ وَالْأُمُّ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّهَا تَسْتَحِقُّ بِالْأُمُومَةِ وَالْأُمُّ أَقْرَبُ مِنْهَا، وَالْقُرْبَى مِنْ كُلِّ جِهَةٍ تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْهَا سَوَاءٌ
[حاشية البجيرمي]
يَخُصُّهُ أَوْ يُشَارِكُهُ الْآخَرُ فِيهِ إذَا لَمْ يَتَأَتَّ فِعْلُ كُلٍّ مِنْهُمَا لِذَلِكَ بِأَنْ كَانَ ظَهْرَ أَحَدِهِمَا لِظَهْرِ الْآخَرِ لِأَنَّ تَكْلِيفَ الْإِنْسَانِ بِفِعْلٍ لِأَجْلِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ نِسْبَتِهِ لِتَقْصِيرٍ وَلَا لِسَبَبٍ فِيهِ مِنْهُ لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا نَظَرَ لِضِيقِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُمَا مَعًا لَا تُمْكِنُ لِأَنَّ الْفَرْضَ تَخَالُفُهُمَا أَيْ تَخَالُفُ وَجْهَيْهِمَا.
فَإِنْ قُلْت: لِمَ لَا نُجْبِرُهُ وَيَلْزَمُ الْآخَرُ بِالْأُجْرَةِ كَمَا هُوَ قِيَاسُ مَسَائِلَ ذَكَرُوهَا؟ قُلْت: تِلْكَ لَيْسَتْ نَظِيرَ مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى حِفْظِ النَّفْسِ تَارَةً كَمُرْضِعَةٍ تَعَيَّنَتْ وَالْمَالِ أُخْرَى كَوَدِيعٍ تَعَيَّنَ، وَمَا هُنَا إنَّمَا هُوَ إجْبَارٌ لِمَحْضِ عِبَادَةٍ وَهِيَ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِيهِمَا أَيْ الْمُرْضِعَةِ الْوَدِيعَةِ.
فَإِنْ قُلْت: عَهْدُ الْإِجْبَارِ بِالْأُجْرَةِ لِلْعِبَادَةِ كَتَعْلِيمِ الْفَاتِحَةِ بِالْأُجْرَةِ.
قُلْت: يُفَرَّقُ بِأَنَّ ذَاكَ أَمْرٌ يَدُومُ نَفْعُهُ بِفِعْلِ قَلِيلٍ لَا يَتَكَرَّرُ، بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ تَكْرَارُ الْإِجْبَارِ بَلْ دَوَامُهُ مَا بَقِيَتْ الْحَيَاةُ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يُطَاقُ، لَمْ يُتَّجَهْ إيجَابُهُ؛ بَلْ إنْ رُفِعَا إلَى الْحَاكِمِ أَعْرَضَ عَنْهُمَا إلَى أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى شَيْءٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ اهـ شَرْحُ ابْنِ حَجْرٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ قِصَاصٍ) أَيْ فِيمَا قَتَلَهُمَا شَخْصٌ عَمْدًا فَيُقْتَلُ فِي أَحَدِهِمَا وَعَلَيْهِ دِيَةٌ لِلْآخَرِ، فَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ فَدِيَتَانِ، وَكَذَا كَانَ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، وَلَوْ أَصَابَ أَحَدَ الْمُلْتَصِقَيْنِ نَجَاسَةٌ فَلَيْسَ لِلْآخَرِ أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ زَوَالِ النَّجَاسَةِ مِنْ عَلَى صَاحِبِهِ.
وَيُلْغَزُ بِذَلِكَ فَيُقَالُ: شَخْصٌ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ فَحَرُمَ عَلَى غَيْرِهِ أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى تَزُولَ النَّجَاسَةُ مِنْ عَلَى بَدَنِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرِهِمَا) كَالنِّكَاحِ، فَيَجُوزُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَتَزَوَّجَ سَوَاءً كَانَا ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، وَيَجِبُ السَّتْرُ وَالتَّحَفُّظُ مَا أَمْكَنَ وَفِي الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُمَا يَعَدَّانِ مِنْ الْأَرْبَعِينَ حَيْثُ كَانَا مُتَوَجِّهَيْنِ إلَى الْقِبْلَةِ بِأَنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِجَنْبِ الْآخَرِ، أَمَّا لَوْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ بِأَنْ كَانَ ظَهْرُ أَحَدِهِمَا لِظَهْرِ الْآخَرِ فَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ وَيَكُونُ هَذَا عُذْرًا فِي إسْقَاطِ الْجُمُعَةِ عَنْ أَحَدِهِمَا اهـ.
قَوْلُهُ: (فَلِلْأُمِّ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ السُّدُسُ) أَيْ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَيِّتَ ابْنُ الَّذِي لَهُ وَلَدَانِ، وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ الْمَيِّتُ مَاتَ عَنْ أُمٍّ وَأَخَوَيْنِ فَالسُّدُسُ مُحَقَّقٌ وَالثُّلُثُ مَشْكُوكٌ فِيهِ لِاحْتِمَالِ نِسْبَةِ الْوَلَدِ لِلثَّانِي، فَإِنْ اسْتَلْحَقَهُ الثَّانِي أَخَذَ الثُّلُثَ كَامِلًا.
قَوْلُهُ: (فِي الْأَصَحِّ أَوْ الصَّحِيحِ) هَذَا بِالنَّظَرِ لِلْمُدْرِكِ الَّذِي لِلْقَوْلِ الضَّعِيفِ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُدْرِكُهُ قَوِيًّا عَبَّرَ فِي مُقَابِلِهِ بِالْأَصَحِّ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا عَبَّرَ فِيهِ بِالصَّحِيحِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْعِدَدِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ يُفْرَضُ لَهَا أَيْضًا السُّدُسُ) أَيْ بِالنَّظَرِ لِلْحَقِيقَةِ، وَإِنْ سَمَّيْنَاهُ ثُلُثَ الْبَاقِي عَمَلًا بِعَدَمِ الْحَاجِبِ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ وَتَأَدُّبًا مَعَ الْقُرْآنِ.
اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِهَا) فِي كَلَامِ الْمَتْنِ أَوْ فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْهَا) شَمِلَ الْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ أُمَّهَاتِ الْأَبِ كَأُمِّ أُمِّ أُمِّ الْأَبِ فَتَسْقُطُ بِالْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الْأَبِ كَأُمِّ أَبِي الْأَبِ كَمَا صَحَّحَهُ ابْنُ الْهَائِمِ أَخْذًا مِنْ الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ.
اهـ. م د. وَقَوْلُهُ " شَمِلَ إلَخْ " أَيْ لِأَنَّ الْبُعْدَى وَالْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الْأَبِ فِي هَذَا الْمِثَالِ وَقَوْلُهُ " أَخْذًا مِنْ الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ " وَهُوَ قَوْلُ الشَّارِحِ: وَالْقُرْبَى مِنْ
أَدْلَتْ بِهَا كَأُمِّ أَبٍ وَأُمِّ أُمِّ أَبٍ وَأُمِّ أُمٍّ وَأُمِّ أُمِّ أُمٍّ، أَمْ لَمْ تُدْلِ بِهَا كَأُمِّ أَبٍ وَأُمِّ أَبِي أَبٍ فَلَا تَرِثُ الْبُعْدَى مَعَ وُجُودِ الْقُرْبَى، وَالْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ كَأُمِّ أُمٍّ تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ الْأَبِ كَأُمِّ أُمِّ أَبٍ، وَالْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الْأَبِ كَأُمِّ أَبٍ لَا تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ كَأُمِّ أُمِّ أُمٍّ بَلْ يَكُونُ السُّدُسُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ (وَ) السُّدُسُ أَيْضًا (لِبِنْتِ الِابْنِ) فَأَكْثَرَ (مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ) أَوْ مَعَ بِنْتِ ابْنٍ أَقْرَبَ مِنْهَا تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ لِقَضَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ فِي بِنْتِ الِابْنِ مَعَ الْبِنْتِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَقِيسَ عَلَيْهِ الْبَاقِي وَلِأَنَّ الْبَنَاتَ لَيْسَ لَهُنَّ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثَيْنِ، فَالْبِنْتُ وَبَنَاتُ الِابْنِ أَوْلَى بِذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: اُسْتُفِيدَ مِنْ إفْرَادِ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ بِنْتَ الصُّلْبِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَ بَنَاتِ الِابْنِ بِنْتَا صُلْبٍ فَأَكْثَرَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِبَنَاتِ الِابْنِ وَهُوَ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ لِأَنَّ بِنْتَ الِابْنِ فَأَكْثَرَ إنَّمَا تَأْخُذُ أَوْ يَأْخُذْنَ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ وَهُوَ السُّدُسُ، وَلِهَذَا سُمِّيَ تَكْمِلَةً كَمَا مَرَّ.
(وَهُوَ) أَيْ السُّدُسُ (لِلْأُخْتِ) فَأَكْثَرَ (مِنْ الْأَبِ مَعَ الْأُخْتِ) الْوَاحِدَةِ (مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ) تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ كَمَا فِي الْبِنْتِ وَبَنَاتِ الِابْنِ (وَهُوَ) أَيْ السُّدُسُ (فَرْضُ الْأَبِ مَعَ الْوَلَدِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (أَوْ) مَعَ (وَلَدِ الِابْنِ) وَإِنْ سَفَلَ (وَ) هُوَ أَيْضًا (فَرْضُ الْجَدِّ) لِلْأَبِ (عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ) الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] الْآيَةَ وَوَلَدُ الِابْنِ كَالْوَلَدِ كَمَا مَرَّ وَالْجَدُّ كَالْأَبِ (وَهُوَ) أَيْضًا (لِلْوَاحِدِ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء: 12] الْآيَةَ.
تَتِمَّةٌ: أَصْحَابُ الْفُرُوضِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ: أَرْبَعَةٌ مِنْ الذُّكُورِ الزَّوْجُ وَالْأَخُ لِلْأُمِّ وَالْأَبُ وَالْجَدُّ، وَقَدْ يَرِثُ الْأَبُ وَالْجَدُّ بِالتَّعْصِيبِ فَقَطْ وَقَدْ يَجْمَعَانِ بَيْنَهُمَا، وَتِسْعَةٌ مِنْ الْإِنَاثِ الْأُمُّ وَالْجَدَّتَانِ وَالزَّوْجَةُ وَالْأُخْتُ لِلْأُمِّ وَذَوَاتُ النِّصْفِ الْأَرْبَعِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي حَجْبِ الْحِرْمَانِ بِقَوْلِهِ: (وَتَسْقُطُ الْجَدَّاتُ) سَوَاءٌ أُكَنَّ لِلْأُمِّ أَوْ لِلْأَبِ (بِالْأُمِّ) إجْمَاعًا لِأَنَّ الْجَدَّةَ إنَّمَا
[حاشية البجيرمي]
كُلِّ جِهَةٍ تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (كَأُمِّ أَبٍ) أَيْ وَهِيَ الْحَاجِبَةُ، وَقَوْلُهُ: وَأُمِّ أُمِّ أَبٍ هِيَ الْمَحْجُوبَةُ.
وَقَوْلُهُ: وَأُمِّ أُمٍّ أَيْ وَكَأُمٍّ إلَخْ وَهِيَ الْحَاجِبَةُ، وَقَوْلُهُ: وَأُمِّ أُمِّ أُمٍّ هِيَ الْمَحْجُوبَةُ، وَقَوْلُهُ: كَأُمِّ أَبٍ هِيَ الْحَاجِبَةُ، وَقَوْلُهُ: وَأُمِّ أَبِي أَبٍ هِيَ الْمَحْجُوبَةُ.
قَوْلُهُ: (تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ) مُرَادُ الْعُلَمَاءِ بِذَلِكَ أَنَّ السُّدُسَ لَيْسَ فَرْضًا مُسْتَقِلًّا بَلْ هُوَ مُكَمِّلٌ لِلثُّلُثَيْنِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عِنْدَ اسْتِغْرَاقِ الْبَنَاتِ أَوْ بَنَاتِ الِابْنِ الْقَرِيبَاتِ الثُّلُثَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ يَجْمَعَانِ بَيْنَهُمَا) أَيْ إذَا كَانَ مَعَهُ أَيْ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ بِنْتٌ أَوْ بِنْتُ ابْنٍ أَوْ هُمَا أَوْ بِنْتَا ابْنٍ فَلَهُ السُّدُسُ فَرْضًا وَالْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِهِ فَفَرْضُ الْبِنْتِ أَوْ بِنْتِ الِابْنِ أَوْ هُمَا بِالْعُصُوبَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي حَجْبِ الْحِرْمَانِ) أَيْ بِالشَّخْصِ وَلَا يَدْخُلُ عَلَى الْأَبَوَيْنِ وَالزَّوْجَيْنِ وَوَلَدِ الصُّلْبِ، وَأَمَّا حَجْبُ الْحِرْمَانِ بِالْوَصْفِ فَيُمْكِنُ دُخُولُهُ عَلَى كُلِّ الْوَرَثَةِ، وَأَمَّا حَجْبُ النُّقْصَانِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي ضِمْنِ بَيَانِ الْفُرُوضِ.
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمَتْنُ خَمْسَةٌ وَزَادَ الشَّارِحُ سَبْعَةً، فَالْجُمْلَةُ اثْنَتَا عَشَرَةَ، وَهُمْ: الْجَدَّاتُ وَالْأَجْدَادُ وَوَلَدُ الْأُمِّ وَالْأَخُ الشَّقِيقُ وَالْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأَخُ لِلْأُمِّ وَابْنُ الْأَخِ الشَّقِيقِ وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْعَمُّ الشَّقِيقُ وَالْعَمُّ لِلْأَبِ وَابْنُ الْعَمِّ الشَّقِيقُ وَابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبِ وَالْمُعْتِقُ، وَسَكَتَ عَنْ حَجْبِ وَلَدِ الِابْنِ بِالِابْنِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ وَلِأَنَّهُ لَا يُحْجَبُ دَائِمًا بَلْ إنْ كَانَ وَلَدُ الصُّلْبِ ذَكَرًا حَجَبَهُ وَإِلَّا فَلَا.
وَالْقَاعِدَةُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ بِالْجِهَةِ، ثُمَّ إذَا اتَّحَدَتْ قُدِّمَ بِالْقُرْبِ، فَإِذَا اتَّحَدَا فِي الْقُرْبِ قُدِّمَ بِالْقُوَّةِ كَمَا قَالَ:
فَبِالْجِهَةِ التَّقْدِيمُ ثُمَّ بِقُرْبِهِ ... وَبَعْدَهُمَا التَّقْدِيمُ بِالْقُوَّةِ اجْعَلَا