حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيبفَصْلٌ: فِي الْإِقْرَارِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ: فِي الْإِقْرَارِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
البجيرمي
الكتاب
تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
المؤلف
سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه

وَهُوَ لُغَةً الْإِثْبَاتُ مِنْ قَرَّ الشَّيْءُ أَيْ ثَبَتَ وَشَرْعًا إخْبَارُ الشَّخْصِ بِحَقٍّ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ بِحَقٍّ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ فَدَعْوَى أَوْ لِغَيْرِهِ عَلَى غَيْرِهِ فَشَهَادَةٌ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: 81]

[حاشية البجيرمي]

يَرْجِعُ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ " يُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمُ الشَّكِيَّةِ الْمَعْلُومَةِ، وَهُوَ مَا لَوْ اشْتَكَى شَخْصٌ شَخْصًا لِذِي شَوْكَةٍ وَغَرَّمَهُ مَالًا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الشَّاكِي، خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ مُحْتَالٌ) فَإِنْ رَجَعَ أَيْ الْمُحِيلُ وَأَنْكَرَ الْحَوَالَةَ أَخَذَ حَقَّهُ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَلَا رُجُوعَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ عَلَى الْمُحْتَالِ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ لَهُ بِانْتِقَالِ الْحَقِّ إلَيْهِ، فَهُوَ أَيْ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَظْلُومٌ بِإِنْكَارِ الْمُحِيلِ الْحَوَالَةَ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ وَهُوَ الْمُحِيلُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ وَارِثٌ لَهُ) أَيْ مُسْتَغْرِقٌ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ الدَّفْعُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مُوصًى لَهُ) بِأَنْ قَالَ: مَاتَ فُلَانٌ وَلَهُ عِنْدَك كَذَا وَأَنَا وَصِيُّهُ أَوْ أَوْصَى لِي بِهِ، ز ي. وَقَوْلُهُ " مِنْهُ " أَيْ مِنْ زَيْدٍ الْمَيِّتِ، وَلَوْ قَالَ " بِهِ " لَكَانَ أَوْضَحَ.
قَوْلُهُ: (لِاعْتِرَافِهِ) فَلَوْ أَنْكَرَ الْمُحِيلُ الْحَوَالَةَ وَرَجَعَ عَلَى الدَّافِعِ لَيْسَ لِلدَّافِعِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُحْتَالِ لِأَنَّهُ مُصَدِّقٌ لَهُ بِأَنَّ مَا قَبَضَهُ صَارَ لَهُ بِالْحَوَالَةِ وَأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ ظَلَمَهُ فِيمَا أَخَذَهُ كَمَا قَالَهُ س ل. وَبِقَوْلِ الشَّارِحِ " لِاعْتِرَافِهِ إلَخْ " حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ الدَّفْعُ إذَا صَدَّقَهُ وَلَا يَجِبُ.
1 - فَرْعٌ: وَكَّلَ الدَّائِنُ الْمَدِينَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ شَيْئًا بِمَا فِي ذِمَّتِهِ لَمْ يَصِحَّ، خِلَافًا لِمَا فِي الْأَنْوَارِ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا بِقَبْضٍ صَحِيحٍ وَلَمْ يُوجَدْ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ قَابِضًا مُقْبِضًا مِنْ نَفْسِهِ، سم.
وَاعْتَمَدَ حَجّ فِي شَرْحِهِ مَا فِي الْأَنْوَارِ وَمَنَعَ كَوْنَهُ مِنْ اتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ.
وَقَوْلُ سم " لَمْ يَصِحَّ " أَيْ وَإِذَا فَعَلَ وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْمَدِينِ، ثُمَّ إنْ دَفَعَهُ لِلدَّائِنِ رَدَّهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَإِلَّا رَدَّ بَدَلَهُ، اهـ ع ش عَلَى م ر.

[فَصْلٌ فِي الْإِقْرَارِ] لَمَّا كَانَ الْإِقْرَارُ يُشْبِهُ الْوَكَالَةَ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُقِرَّ قَبْلَ إقْرَارِهِ كَانَ مُتَصَرِّفًا فِيمَا بِيَدِهِ وَلَيْسَ لَهُ وَقَدْ عُزِلَ عَنْهُ بِإِقْرَارِهِ ذُكِرَ عَقِبَهَا، فَالْمُقَرُّ لَهُ شَبِيهٌ بِالْمُوَكِّلِ وَالْمُقِرُّ شَبِيهٌ بِالْوَكِيلِ وَالْمُقَرُّ بِهِ شَبِيهٌ بِالْمُوَكَّلِ فِيهِ.
اهـ. وَهُوَ مَصْدَرُ أَقَرَّ، فَقَوْلُهُمْ مَأْخُوذٌ مِنْ " قَرَّ " بِمَعْنَى ثَبَتَ فِيهِ تَجَوُّزٌ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُشْتَقُّ مِنْ الْفِعْلِ.
وَقَوْلُهُ: لُغَةً الْإِثْبَاتُ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ: مِنْ قَرَّ الشَّيْءُ أَيْ ثَبَتَ، أَنْ يَقُولَ: وَهُوَ لُغَةً الثُّبُوتُ ق ل بِزِيَادَةٍ.
وَيُجَابُ عَنْ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُ " الْمُنَاسِبُ إلَخْ " بِأَنَّ الْإِقْرَارَ فِعْلُ الْمُقِرِّ فَيُنَاسِبُ تَفْسِيرَهُ بِالْإِثْبَاتِ لَا الثُّبُوتِ، وَعَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْأَخْذُ لَا الِاشْتِقَاقُ، وَدَائِرَةُ الْأَخْذِ أَوْسَعُ لِأَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ اشْتِمَالُهُ عَلَى أَكْثَرِ الْحُرُوفِ بِخِلَافِ ذَلِكَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ جَمِيعِهَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ قَرَّ) مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَمِنْ بَابِ تَعِبَ.
قَوْلُهُ: (بِحَقٍّ عَلَيْهِ) أَيْ أَوْ عِنْدَهُ لِيَشْمَلَ الْعَيْنَ.
قَوْلُهُ: (فَشَهَادَةٌ) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلْزَامٌ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ إلْزَامٌ فَهُوَ حُكْمٌ.
هَذَا إذَا كَانَ خَبَرًا خَاصًّا، فَإِنْ كَانَ عَامًّا فَإِنْ كَانَ عَنْ مَحْسُوسٍ فَرِوَايَةٌ، وَإِنْ كَانَ عَنْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَفَتْوَى اهـ حَجّ.
وَقَوْلُهُ " عَنْ مَحْسُوسٍ " كَمَا لَوْ أَخْبَرَ عَنْ حَرَمِ مَكَّةَ أَوْ عَنْ أَبْوَابِ الْحَرَمِ عِدَّتُهَا كَذَا.
قَوْلُهُ: قَوْله تَعَالَى ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ [آل عمران: 81] إلَخْ الْأَوْلَى الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]

أَيْ عَهْدِي ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: 81] وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «اُغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ وَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ مُقِرٌّ وَمُقَرٌّ لَهُ وَصِيغَةٌ وَمُقَرٌّ بِهِ

(وَالْمُقَرُّ بِهِ) مِنْ الْحُقُوقِ (ضَرْبَانِ) أَحَدُهُمَا: (حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى) وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى مَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَقَطْعِ السَّرِقَةِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ، وَإِلَى مَا لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ.
(وَ) الثَّانِي: (حَقُّ الْآدَمِيِّ) كَحَدِّ الْقَذْفِ لِشَخْصٍ.
(فَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى) الَّذِي يَسْقُطُ بِذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهِ.
(يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ) لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الدَّرْءِ وَالسَّتْرِ؛ وَلِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَرَضَ لِمَاعِزٍ بِالرُّجُوعِ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّك قَبَّلْت؟ لَعَلَّك لَمَسْت؟ أَبِكَ جُنُونٌ» وَلِلْقَاضِي أَنْ يُعَرِّضَ لَهُ بِذَلِكَ لِمَا ذُكِرَ وَلَا يَقُولَ لَهُ ارْجِعْ فَيَكُونُ آمِرًا لَهُ بِالْكَذِبِ.
وَخَرَجَ بِالْإِقْرَارِ مَا لَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ بِمَا لَا

[حاشية البجيرمي]

لِأَنَّهَا أَصْرَحُ فِي الدَّلَالَةِ فُسِّرَتْ شَهَادَةُ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْإِقْرَارِ.
قَوْلُهُ: «اُغْدُ يَا أُنَيْسُ» فِعْلُ أَمْرٍ مِنْ الْغُدُوِّ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ اذْهَبْ، وَسَبَبُهُ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ أَتَيَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَسْأَلُك يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ تَحْكُمَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَهُ؛ فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: نَعَمْ أَحْكُمُ بَيْنَكُمَا بِذَلِكَ فَقَالَ الْأَوَّلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا أَيْ أَجِيرًا عِنْدَ هَذَا الرَّجُلِ أَيْ رَاعِيًا وَإِنَّهُ زَنَى بِامْرَأَتِهِ.
فَقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا تَقُولُ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اُغْدُ يَا أُنَيْسُ فَذَهَبَ إلَيْهَا أُنَيْسُ فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمُوهَا» ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ.
وَأُنَيْسٌ هُوَ أُنَيْسُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْأَسْلَمِيُّ لَا أَنَسٌ خَادِمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَسْلَمِيٌّ وَالثَّانِيَ أَنْصَارِيٌّ.
وَإِنَّمَا اخْتَارَهُ النَّبِيُّ لِلْإِرْسَالِ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلَةِ الْمَرْأَةِ وَالْعَرَبُ تَكْرَهُ أَنْ يُؤَمَّرَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِهَا.
قَوْلُهُ: «فَإِنْ اعْتَرَفَتْ» إلَخْ وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ عَلَّقَ رَجْمَهَا عَلَى الِاعْتِرَافِ وَالْقَتْلُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَغَيْرُهُ مِنْ الْأَمْوَالِ أَوْلَى بِالثُّبُوتِ أَفَادَهُ الْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ) وَلَوْ هَازِلًا أَوْ لَاعِبًا أَوْ كَاذِبًا وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْهُ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعَةٌ) وَلَا يُشْتَرَطُ مُقِرٌّ عِنْدَهُ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ شَاهِدٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.

قَوْلُهُ: (إلَى مَا يَسْقُطُ) وَهُوَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ كَحَدِّ الزِّنَا، وَمَا لَا يَسْقُطُ هُوَ مَا تَعَلَّقَ بِآدَمِيٍّ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ.
قَوْلُهُ: (بِالشُّبْهَةِ) أَيْ الطَّرِيقُ فِي سُقُوطِهِ، بِاعْتِبَارِ أَنَّ الشَّخْصَ يَرَى هَذَا الْأَمْرَ أَيْ الْحَدَّ لِلَّهِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعَفْوِ وَالْمُسَامَحَةِ وَعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ لِقُوَّةِ رَجَائِهِ فِي اللَّهِ وَالْأَوْلَى أَنْ تُفَسَّر الشُّبْهَةُ بِأَنَّهُ حَصَلَ لِلْقَاضِي بِرُجُوعِهِ تَرَدُّدٌ فِي أَنَّهُ صَادِقٌ فِي الْأَوَّل أَوْ فِي الثَّانِي، وَإِذَا كَانَ صَادِقًا فِي الْأَوَّلِ أَيْ الْإِقْرَارِ فَرُجُوعُهُ عَنْهُ لِقُوَّةِ رَجَائِهِ فِي اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ.
قَوْلُهُ: (كَالزَّكَاةِ) كَأَنْ قَالَ عَلَيَّ زَكَاةٌ أَوْ كَفَّارَةٌ ثُمَّ رَجَعَ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي يَسْقُطُ إلَخْ) لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ الْمَتْنِ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ يَصِحُّ فِيهِ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ " الَّذِي يَسْقُطُ إلَخْ " فَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمَتْنِ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ فِي مَحِلِّ التَّقْيِيدِ، فَكَانَ الْأَوْلَى التَّقْيِيدُ.
وَيُجَابُ عَنْ الْمَتْنِ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِحَقِّ اللَّهِ حَقُّ اللَّهِ الْمَحْضُ وَمُرَادُهُ بِحَقِّ الْآدَمِيِّ الْمَحْضُ أَوْ مَا فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ وَآدَمِيٍّ كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ.
قَوْلُهُ: (يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ) فَلَوْ رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ حَدٍّ فَتَمَّمُوهُ فَمَاتَ فَلَا قِصَاصَ وَتَجِبُ حِصَّةُ الْبَاقِي مِنْ الدِّيَةِ بِعَدَدِ الضَّرَبَاتِ.
وَتَعْبِيرُهُ بِالصِّحَّةِ لَا يُنَافِي أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَلَوْ رَجَعَ قَبْلَ الْحَدِّ فَحَدُّوهُ ضَمِنَ بِالدِّيَةِ لَا الْقَوَدِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِظَنِّهِمْ كَذِبَهُ فِي الرُّجُوعِ وَلِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ بِالرُّجُوعِ اهـ م د. وَقَوْلُهُ: لَا يُنَافِي أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ بَلْ الْأَوْلَى عَدَمُ الْإِقْرَارِ بِالْمَرَّةِ وَالتَّوْبَةِ بَاطِنًا، وَكَذَا الشُّهُودُ يُنْدَبُ لَهُمْ عَدَمُ الشَّهَادَةِ إنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ.
وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ: فَيُقْبَلُ رُجُوعُهُ بِنَحْوِ " كَذَبْت " أَوْ " رَجَعْت " أَوْ " مَا زَنَيْت " وَإِنْ قَالَ بَعْدَهُ: " كَذَبْت فِي رُجُوعِي ". وَقَبُولُ رُجُوعِهِ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالنِّسْبَةِ لِسُقُوطِ الْحَدِّ، أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ كَسُقُوطِ الْحَدِّ عَنْ قَاذِفِهِ فَهُوَ بَاقٍ، فَلَا يَجِبُ بِرُجُوعِهِ بَلْ يُسْتَصْحَبُ حُكْمُ إقْرَارِهِ فِيهِ مِنْ عَدَمِ حَدِّهِ لِثُبُوتِ عَدَمِ إحْصَانِهِ بِإِقْرَارِهِ بِالزِّنَا قَوْلُهُ: (عَلَى الدَّرْءِ) أَيْ التَّرْكِ.
قَوْلُهُ: (مَا لَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ) أَيْ فَلَا عِبْرَةَ بِالرُّجُوعِ وَفِيهِ

يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ.
(وَ) الضَّرْبُ الثَّانِي (حَقُّ الْآدَمِيِّ) إذَا أَقَرَّ بِهِ (لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ) لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ بِهِ، إلَّا إذَا كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ بِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي شُرُوطِ الْمُقَرِّ لَهُ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي شُرُوطِ الْمُقِرِّ فَقَالَ: (وَتَفْتَقِرُ صِحَّةُ الْإِقْرَارِ) فِي الْمُقِرِّ (إلَى ثَلَاثَةِ شَرَائِطَ) الْأَوَّلُ: (الْبُلُوغُ) فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ مَنْ هُوَ دُونَ الْبُلُوغِ وَلَوْ كَانَ مُمَيِّزًا لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ، فَإِنْ ادَّعَى بُلُوغًا بِإِمْنَاءٍ مُمْكِنٍ بِأَنْ اسْتَكْمَلَ تِسْعَ سِنِينَ صُدِّقَ فِي ذَلِكَ وَلَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ، وَإِنْ فُرِضَ ذَلِكَ فِي خُصُومَةٍ بِبُطْلَانِ تَصَرُّفِهِ مَثَلًا لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا يُحْتَاجُ إلَى يَمِينٍ، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِيهَا لِأَنَّ يَمِينَ الصَّغِيرِ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ.
وَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ فَبَلَغَ مَبْلَغًا يُقْطَعُ فِيهَا بِبُلُوغِهِ قَالَ الْإِمَامُ: فَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ لِانْتِهَاءِ الْخُصُومَةِ، وَكَالْإِمْنَاءِ فِي ذَلِكَ الْحَيْضُ.
(وَ) الثَّانِي (الْعَقْلُ) فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ مَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِعُذْرٍ كَشُرْبِ دَوَاءٍ وَإِكْرَاهٍ عَلَى شُرْبِ خَمْرٍ لِامْتِنَاعِ تَصَرُّفِهِمْ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ السَّكْرَانِ

[حاشية البجيرمي]

أَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ إقْرَارٍ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَإِنْ أَقَرَّ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ ثُمَّ رَجَعَ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْحُكْمِ فَلَا يُعْتَبَرُ رُجُوعُهُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ اُعْتُبِرَ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ الْحُكْمُ مِنْ الْحَاكِمِ اهـ مَدَابِغِيٌّ.
فَإِنْ اسْتَنَدَ الْحُكْمُ إلَى الْإِقْرَارِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ وَإِنْ اسْتَنَدَ لِلْبَيِّنَةِ لَمْ يَصِحَّ الرُّجُوعُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ رَجَعَ ثُمَّ كَذَّبَ رُجُوعَهُ، قَالَ الدَّارِمِيُّ: لَا يُقْطَعُ.
وَلَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَا ثُمَّ قَالَ: لَا تَحُدُّونِي، فَفِي قَبُولِ قَوْلِهِ لِنَفْيِ الْحَدِّ احْتِمَالَانِ، قَالَ سم: وَلَوْ قَالَ لَا تَحُدُّونِي أَوْ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهِ أَوْ هَرَبَ فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ لَكِنْ يُكَفُّ عَنْهُ فِي الْحَالِ، فَإِنْ رَجَعَ فَلَا حَدَّ وَإِلَّا حُدَّ، فَإِنْ لَمْ يُكَفَّ عَنْهُ وَمَاتَ فَلَا ضَمَانَ.
قَالَ سم: وَظَاهِرٌ أَنَّهُ حَيْثُ اُعْتُبِرَ الْإِقْرَارُ فَأَسْقَطَهُ بِالرُّجُوعِ جَازَ الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَةِ بِشَرْطِهَا، وَقَدْ يَتَّجِهُ حَيْثُ لَمْ يُسْنِدْ الْحُكْمَ إلَى خُصُوصِ أَحَدِهِمَا اعْتِبَارُ الْبَيِّنَةِ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَقْوَى مِنْ الْإِقْرَارِ لِقَبُولِ الرُّجُوعِ عَنْهُ، بِخِلَافِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ فِيهِ أَقْوَى وَلِهَذَا يَثْبُتُ بِهِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ فَيَكُونُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ وَالْمُسْتَنَدُ إلَيْهِ مُطْلَقًا اهـ. قَوْلُهُ: (بِمَا لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ) الْبَاءُ بِمَعْنَى " فِي " فَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْوَطْءِ الْمُوجِبِ لِلْمَهْرِ وَالْحَدِّ يُقْبَلُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَدِّ لَا لِلْمَهْرِ، وَإِذَا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ رُجُوعِهِ بِالنِّسْبَةِ لِقَطْعِ يَدِهِ لَا لِغُرْمِ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: (وَحَقُّ الْآدَمِيِّ لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ) نَعَمْ إنْ صَدَّقَهُ الْمُقِرُّ لَهُ فِي الرُّجُوعِ بَطَلَ الْإِقْرَارُ إنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ رَجَعَ وَصَدَّقَهُ الْعَبْدُ أَوْ ادَّعَى جَارِيَةً وَحُكِمَ لَهُ بِهَا بِيَمِينِهِ فَأَوْلَدَهَا ثُمَّ كَذَّبَ نَفْسَهُ وَقَالَ: لَيْسَتْ لِي، وَصَدَّقَتْهُ الْجَارِيَةُ، لَمْ تَبْطُلْ الْحُرِّيَّةُ فِي الْأُولَى وَلَا يُحْكَمُ بِرِقِّ الْوَلَدِ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَا تُرَدُّ الْجَارِيَةُ إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ.

قَوْلُهُ: (وَتَفْتَقِرُ صِحَّةُ الْإِقْرَارِ) أَيْ سَوَاءً كَانَ فِي حَقِّ اللَّهِ أَوْ الْآدَمِيِّ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمُقِرِّ) " فِي " بِمَعْنَى " مِنْ " وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِصِحَّةٍ.
قَوْلُهُ: (بِإِمْنَاءٍ) أَمَّا لَوْ ادَّعَاهُ بِالسِّنِّ فَيُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ غَرِيبًا لِإِمْكَانِهَا وَسُهُولَتِهَا، فَلَوْ أَطْلَقَ دَعْوَى الْبُلُوغِ فَيُسْتَفْسَرُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَتَعَقَّبَهُ م ر بِأَنَّهُ يُقْبَلُ مُطْلَقًا وَيُحْمَلُ عَلَى الْبُلُوغِ بِالْإِمْنَاءِ حَتَّى لَا يَتَوَقَّفَ عَلَى بَيِّنَةٍ، فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَالْبَيِّنَةُ رَجُلَانِ، نَعَمْ لَوْ شَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ بِوِلَادَتِهِ يَوْمَ كَذَا قُبِلَتْ وَثَبَتَ بِهَا السِّنُّ تَبَعًا م ر. قَوْلُهُ: (صُدِّقَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْإِمْنَاءِ الْمُمْكِنِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ) أَيْ الْإِمْنَاءِ الْمُمْكِنِ؛ وَمَحِلُّهُ فِيمَا لَا مُزَاحِمَةَ فِيهِ، أَمَّا مَا فِيهِ مُزَاحِمَةٌ كَطَلَبِ سَهْمِ الْمُغَازَاةِ فَيَحْلِفُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْهُ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " صُدِّقَ " وَقَوْلُهُ " وَلِأَنَّهُ إلَخْ " رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " وَلَا يَحْلِفُ ". قَوْلُهُ: (لِانْتِهَاءِ الْخُصُومَةِ) أَيْ الْمُنَازَعَةِ فِي كَوْنِهِ بَلَغَ أَوْ لَا بِتَحَقُّقِ الْبُلُوغِ وَبِالْوُصُولِ إلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يَحْلِفُ أَنَّهُ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَا حَالَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا حَاجَةَ لِلْيَمِينِ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَلَا يُطْلَبُ إلْجَاؤُهُ إلَى الْكَذِبِ.
قَوْلُهُ: (وَكَالْإِمْنَاءِ فِي ذَلِكَ الْحَيْضُ) أَيْ فَتُصَدَّقُ وَلَا تَحْلِفُ، نَعَمْ لَوْ عَلَّقَ زَوْجُهَا طَلَاقَهَا بِحَيْضِهَا فَادَّعَتْهُ فَلَا بُدَّ لِوُقُوعِهِ مِنْ تَحْلِيفِهَا إذَا اتَّهَمَهَا اهـ م د. قَوْلُهُ: (وَسَيَأْتِي حُكْمُ السَّكْرَانِ) وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا، أَيْ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ:

إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الطَّلَاقِ.
(وَ) الثَّالِثُ (الِاخْتِيَارُ) فَلَا يَصِحُّ، وَيُمْكِنُ: إقْرَارُ مُكْرَهٍ بِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106] جَعَلَ الْإِكْرَاهَ مُسْقِطًا لِحُكْمِ الْكُفْرِ فَبِالْأَوْلَى مَا عَدَاهُ.
وَصُورَةُ إقْرَارِهِ أَنْ يُضْرَبَ لِيُقِرَّ، فَلَوْ ضُرِبَ لِيَصْدُقَ فِي الْقَضِيَّةِ فَأَقَرَّ حَالَ الضَّرْبِ أَوْ بَعْدَهُ لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكْرَهًا إذْ الْمُكْرَهُ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا إنَّمَا ضُرِبَ لِيَصْدُقَ.
وَلَا يَنْحَصِرُ الصِّدْقُ فِي الْإِقْرَارِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ.
وَالْوُلَاةُ فِي هَذَا الزَّمَانِ يَأْتِيهِمْ مَنْ يُتَّهَمُ بِسَرِقَةٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَيَضْرِبُونَهُ لِيُقِرَّ بِالْحَقِّ وَيُرَادُ بِذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِمَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ، وَالصَّوَابُ أَنَّ هَذَا إكْرَاهٌ سَوَاءً أَقَرَّ فِي حَالِ ضَرْبِهِ أَمْ بَعْدَهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِذَلِكَ لَضُرِبَ ثَانِيًا انْتَهَى.
وَهَذَا مُتَعَيِّنٌ.
(وَإِنْ كَانَ) بِحَقِّ آدَمِيٍّ كَإِقْرَارِهِ (بِمَالٍ) أَوْ نِكَاحٍ (اُعْتُبِرَ فِيهِ) مَعَ مَا تَقَدَّمَ (شَرْطٌ رَابِعٌ) أَيْضًا (وَهُوَ الرُّشْدُ) فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ سَفِيهٍ بِدَيْنٍ أَوْ إتْلَافِ مَالٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ، نَعَمْ يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي الْبَاطِنِ فَيَغْرَمُ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ إنْ

[حاشية البجيرمي]

وَالْعَقْلُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ مُكْرَهٍ) أَيْ بِغَيْرِ حَقٍّ م ر، قَالَ سم: اُنْظُرْ مَا صُورَةُ الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ، قَالَ شَيْخُنَا وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِمَا إذَا أَقَرَّ بِمُبْهَمٍ وَطُولِبَ بِالْبَيَانِ فَامْتَنَعَ فَلِلْقَاضِي إكْرَاهُهُ عَلَى الْبَيَانِ وَهُوَ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَصُورَةُ إقْرَارِهِ) أَيْ الْمُكْرَهِ الَّذِي لَا يُعْتَدُّ بِإِقْرَارِهِ أَنْ يُضْرَبَ لِيُقِرَّ لَا أَنْ يَضْرِبَ لِيَصْدُقَ، فَإِنَّ هَذَا يُعْتَدُّ بِإِقْرَارِهِ.
وَصُورَتُهُ أَنْ يُسْأَلَ فَلَا يُجِيبُ بِشَيْءٍ نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا، فَيُضْرَبُ حِينَئِذٍ لِيَتَكَلَّمَ بِالصِّدْقِ، فَإِذَا أَجَابَ بِشَيْءٍ نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا حَرُمَ التَّعَرُّضُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَالْكَلَامُ فِي الْإِقْرَارِ وَأَمَّا الضَّرْبُ فَحَرَامٌ مُطْلَقًا م د. قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْحَصِرُ الصِّدْقُ فِي الْإِقْرَارِ) بَلْ يَكُونُ فِي عَدَمِهِ كَقَوْلِهِ: لَيْسَ عِنْدِي مَا ادَّعَيْت بِهِ.
قَوْلُهُ: (لِيُقِرَّ بِالْحَقِّ) أَيْ الْمُدَّعَى بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بَعْدُ لَا الْحَقُّ الْمُوَافِقُ لِلْوَاقِعِ.
قَوْلُهُ: (وَيُرَادُ بِذَلِكَ) أَيْ بِإِقْرَارِهِ بِالْحَقِّ وَبِخَطِّ الْمَيْدَانِيِّ أَيْ بِضَرْبِهِ.
قَوْلُهُ: (الْإِقْرَارُ بِمَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ) فَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ خَاصٌّ.
وَأَمَّا لَوْ أُرِيدَ بِالْحَقِّ حَقِيقَتُهُ وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِالْوَاقِعِ فَأَخْبَرَ بِمَا ادَّعَاهُ الْخَصْمُ فَيُعْمَلُ بِهِ.
وَلَوْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَا إكْرَاهٍ وَاخْتِيَارٍ قُدِّمَتْ الْأُولَى لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ، إلَّا إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الِاخْتِيَارِ أَنَّهُ زَالَ الْإِكْرَاهُ ثُمَّ أَقَرَّ فَتَقَدَّمَ كَمَا فِي الْعُبَابِ، قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ وَأَقَرَّهُ شَيْخُنَا الْبَابِلِيُّ.
وَلَوْ ادَّعَى بَعْدَ الْإِقْرَارِ أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا وَقْتَهُ، فَإِنْ كَانَتْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى تَصْدِيقِهِ كَحَبْسٍ وَتَرْسِيمٍ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَإِلَّا فَلَا بِرْمَاوِيٌّ مَعَ زِيَادَةٍ.
وَالتَّرْسِيمُ التَّضْيِيقُ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يَذْهَبَ مِنْ مَحِلٍّ إلَى الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءً أَقَرَّ إلَخْ) وَسَوَاءً أَضُرِبَ لِيُقِرَّ أَوْ لِيَصْدُقَ، فَمَحِلُّ التَّفْصِيلِ السَّابِقِ مَا لَمْ يَكُنْ مُرَادُ الْمُكْرِهِ طَلَبَ الْإِقْرَارِ بِمَا ادَّعَاهُ الْخَصْمُ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الضَّرْبُ إكْرَاهًا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا مُتَعَيِّنٌ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ بِمَالٍ إلَخْ) ظَاهِرُهُ عَامٌّ فِي حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْآدَمِيِّ وَخَاصٌّ بِالْمَالِ، وَالشَّارِحُ صَرَفَهُ عَنْهُمَا فَزَادَ عَلَى الْمَالِ النِّكَاحَ وَخَصَّهُ بِحَقِّ الْآدَمِيِّ، فَلَوْ أَبْقَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَكَانَ أَوْلَى.
وَالْعُمُومُ مُرَادٌ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ الْمَالِيَّ يُعْتَبَرُ فِيهِ الرُّشْدُ كَحَقِّ الْآدَمِيِّ لِأَنَّ السَّفِيهَ لَا يَسْتَقِلُّ بِالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ مِنْ الْوَلِيِّ لِلْقَدْرِ الْمَدْفُوعِ وَالشَّخْصِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نِكَاحٍ) أَيْ أَنَّهُ تَزَوَّجَ.
قَوْلُهُ: (الرُّشْدُ) الْمُرَادُ بِهِ إطْلَاقُ التَّصَرُّفِ، فَيَشْمَلُ الرَّشِيدَ حَقِيقَةً وَالسَّفِيهَ الْمُهْمَلَ وَهُوَ الَّذِي بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ بَذَّرَ وَلَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ الْقَاضِي.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ سَفِيهٍ) أَيْ سَوَاءً بَلَغَ غَيْرَ مُصْلِحٍ لِمَالِهِ وَدَيْنِهِ أَوْ بَلَغَ مُصْلِحًا وَبَذَّرَ وَحَجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ.
(بِدَيْنٍ) أَيْ وَلَا بِعَيْنٍ، وَأَمَّا الْمُفْلِسُ فَيَصِحُّ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ لَا فِي أَعْيَانِ مَالِهِ؛ كَذَا قِيلَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْمَنْهَجِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ أَيْ الْمُفْلِسِ بِعَيْنٍ أَوْ جِنَايَةٍ أَوْ بِدَيْنٍ أَسْنَدَ وُجُوبَهُ لِمَا قَبْلَ الْحَجْرِ اهـ. وَقَالَ الْحَلَبِيُّ: أَمَّا الْمُفْلِسُ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِعَيْنٍ أَوْ جِنَايَةٍ وَلَوْ بَعْدَ الْحَجْرِ أَوْ بِدَيْنِ مُعَامَلَةٍ أَوْ إتْلَافٍ أَسْنَدَ وُجُوبَهُ لِمَا قَبْلَ الْحَجْرِ.
وَأَمَّا السَّفِيهُ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمُوجِبِ عُقُوبَةٍ دُونَ غَيْرِهَا اهـ. وَفِي الْمَدَابِغِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ مَا نَصُّهُ: حَاصِلُ مَسْأَلَةِ الْمُفْلِسِ أَنَّهُ إنْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ

كَانَ صَادِقًا فِيهِ وَخَرَجَ بِالْمَالِ إقْرَارُهُ بِمُوجِبِ عُقُوبَةٍ كَحَدٍّ وَقَوَدٍ وَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ عَلَى مَالٍ لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِالْمَالِ.

وَأَمَّا شُرُوطُ الْمُقَرِّ لَهُ وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ، فَمِنْهَا كَوْنُ الْمُقَرِّ لَهُ مُعَيَّنًا نَوْعَ تَعْيِينٍ بِحَيْثُ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الدَّعْوَى وَالطَّلَبُ، فَلَوْ قَالَ لِإِنْسَانٍ أَوْ لِوَاحِدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ: عَلَيَّ أَلْفٌ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَمِنْهَا كَوْنُ الْمُقَرِّ لَهُ فِيهِ أَهْلِيَّةُ اسْتِحْقَاقُ الْمُقَرِّ بِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُصَادِفُ مَحِلَّهُ وَصِدْقُهُ مُحْتَمَلٌ، وَبِهَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِصَدَاقِهَا عَقِبَ النِّكَاحِ لِغَيْرِهَا أَوْ الزَّوْجُ بِبَدَلِ الْخُلْعِ عَقِبَ الْمُخَالَعَةِ لِغَيْرِهِ أَوْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْأَرْشِ عَقِبَ اسْتِحْقَاقِهِ لِغَيْرِهِ، فَلَوْ قَالَ لِهَذِهِ الدَّابَّةِ: عَلَيَّ كَذَا لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَهْلًا لِذَلِكَ، فَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ بِسَبَبِهَا لِفُلَانٍ كَذَا صَحَّ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ جَنَى عَلَيْهَا أَوْ اكْتَرَاهَا أَوْ اسْتَعْمَلَهَا تَعَدِّيًا كَصِحَّةِ الْإِقْرَارِ لِحَمْلِ هِنْدٍ.
وَإِنْ أَسْنَدَهُ إلَى جِهَةٍ لَا تُمْكِنُ فِي حَقِّهِ كَقَوْلِهِ: أَقْرَضَنِيهِ وَبَاعَنِي بِهِ شَيْئًا وَيَلْغُو الْإِسْنَادُ الْمَذْكُورُ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحَيْهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَمَا وَقَعَ فِي الْمِنْهَاجِ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَسْنَدَهُ إلَى جِهَةٍ لَا

[حاشية البجيرمي]

جِنَايَةً قُبِلَ مُطْلَقًا، وَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مُعَامَلَةً فَإِنْ أَسْنَدَ وُجُوبَهُ لِمَا قَبْلَ الْحَجْرِ قُبِلَ أَيْضًا، وَإِنْ أَسْنَدَ وُجُوبَهُ لِمَا بَعْدَ الْحَجْرِ وَقُيِّدَ بِمُعَامَلَةٍ كَمَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يُقْبَلْ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ أَوْ لَمْ يُقَيَّدْ بِمُعَامَلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا رُوجِعَ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْوُجُوبَ فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمُعَامَلَةٍ وَلَا جِنَايَةٍ وَلَا بِمَا قَبْلَ الْحَجْرِ وَلَا بَعْدَهُ رُوجِعَ أَيْضًا، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَتُهُ لَمْ يُقْبَلْ اهـ. وَقَوْلُهُ " فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ " بِخِلَافِهِ فِي حَقِّهِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْحَجْرِ) أَيْ لَزِمَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ يَصِحُّ إلَخْ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ مُطْلَقًا م ر وز ي؛ أَيْ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ الْإِنْشَاءَ مَلَكَ الْإِقْرَارَ وَمَا لَا فَلَا، لَكِنَّ الْغُرْمَ لَازِمٌ لَهُ لَا مِنْ جِهَةِ الْإِقْرَارِ بَلْ مِنْ جِهَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ كَالصَّبِيِّ فَتَفْرِيعُ الْغُرْمِ عَلَى الْإِقْرَارِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ يَلْزَمُهُ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ.
قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِالْمَالِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَخَرَجَ بِإِقْرَارِهِ بِإِتْلَافِ الْمَالِ لِأَجْلِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْمَخْرَجِ وَالْمَخْرَجِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمُوجِبِ عُقُوبَةٍ كَمَا فَعَلَ فِي الْمَنْهَجِ، فَالتَّعْبِيرُ بِالْخُرُوجِ فِيهِ مُسَامَحَةٌ لِأَنَّ جَعْلَهَا مَسْأَلَةً مُسْتَقِلَّةً أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (بِمُوجِبٍ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ بِشَيْءٍ يُوجِبُ عُقُوبَةً كَالزِّنَا وَالْقَتْلِ.
وَقَوْلُهُ " كَحَدٍّ " مِثَالٌ لِلْعُقُوبَةِ.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِالْمَالِ) أَيْ ابْتِدَاءً فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الرُّشْدِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ابْتِدَاءً لِئَلَّا يُرَدَّ وُجُوبُ الْمَالِ عَنْهُ بِالْعَفْوِ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْمَالِ اهـ م د.

قَوْلُهُ: (فَمِنْهَا كَوْنُ الْمُقَرِّ لَهُ إلَخْ) ذَكَرَ الشَّارِحُ مِنْهَا ثَلَاثَةَ شُرُوطٍ.
قَوْلُهُ: (نَوْعَ تَعْيِينٍ) أَيْ وَلَوْ نَوْعَ تَعْيِينٍ، فَدَخَلَ قَوْلُهُ " عَلَيَّ مَالٌ " لِأَحَدِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ فَلَوْ قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَنَا الْمُرَادُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ الْمُقِرُّ اهـ م ر. قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الدَّعْوَى) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ نَوْعُ تَعْيِينٍ خَاصٍّ بِحَالَةٍ وَهِيَ تَوَقُّعُ الدَّعْوَى وَالطَّلَبِ مِنْهُ، فَلِذَا خَرَجَ قَوْلُهُ لِوَاحِدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَيَّ أَلْفٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ تَعْيِينٍ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: مُعَيَّنًا تَعْيِينًا يُتَوَقَّعُ مَعَهُ طَلَبٌ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَصِحَّ) إلَّا إذَا كَانُوا مَحْصُورِينَ فِيمَا يَظْهَرُ، حَجّ شَوْبَرِيٌّ وم ر. فَيَصِحُّ وَيُعَيِّنُ مَنْ أَرَادَهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِقْرَارُ حِينَئِذٍ يُصَادِفُ مَحِلَّهُ.
قَوْلُهُ: (وَصَدَّقَهُ) أَيْ الْمُقِرُّ مُحْتَمِلٌ جُمْلَةً حَالِيَّةً، فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْعِلَّةِ، فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى شَرْطٍ فِي الْمُقِرِّ وَهُوَ كَوْنُ صِدْقِهِ مُحْتَمَلًا، فَإِنْ لَمْ يُحْتَمَلْ لَمْ يَصِحَّ كَالْأَمْثِلَةِ الَّتِي قَالَهَا الشَّارِحُ؛ لَكِنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ فِيهِ مُسَامَحَةٌ مِنْ جِهَتَيْنِ: الْأُولَى: أَنَّ الْكَلَامَ فِي شُرُوطِ الْمُقَرِّ لَهُ وَهَذَا مِنْ شُرُوطِ الْمُقِرِّ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ ذَكَرَ مُحْتَرَزَ الشَّرْطِ الزَّائِدِ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَ مُحْتَرَزَ الشَّرْطِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الْمُقَرِّ لَهُ لِلْمُقَرِّ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَبِهَذَا يَخْرُجُ إلَخْ) أَيْ بِقَوْلِهِ " وَصِدْقُهُ مُحْتَمَلٌ " أَيْ فَيُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ احْتِمَالُ صِدْقِهِ، فَلَوْ قُطِعَ بِكَذِبِهِ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ، وَحِينَئِذٍ تَعْلَمُ أَنَّ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ تَسَمُّحًا مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: ذِكْرُهُ هَذَا الْحُكْمَ فِي الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّهُ شَرْطٌ مُسْتَقِلٌّ، وَالثَّانِي: ذِكْرُهُ فِي مُعْرِضِ شُرُوطِ الْمُقَرِّ لَهُ مَعَ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ شُرُوطِ الْمُقِرِّ كَمَا عَلِمْت.
قَوْلُهُ: (عَقِبَ النِّكَاحِ) أَيْ الْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبُولِ بِلَحْظَةٍ كَانَ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ وَلَمْ يَحْتَمِلْ فِي هَذَا الزَّمَانِ الضَّيِّقِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ الزَّوْجِ إلَيْهَا وَمِنْهَا لِغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ قَالَ لِهَذِهِ الدَّابَّةِ) مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ أَهْلِيَّةُ اسْتِحْقَاقِ، وَيَنْبَغِي فَرْضُ عَدَمِ الصِّحَّةِ فِي الْمَمْلُوكَةِ.
أَمَّا لَوْ أَقَرَّ لِخَيْلٍ مُسَبَّلَةٍ فَالْأَشْبَهُ الصِّحَّةُ كَالْإِقْرَارِ لِمَقْبَرَةٍ أَيْ لِأَهْلِهَا، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَلَّةٍ وُقِفَ عَلَيْهَا أَوْ وَصِيَّةٍ ز ي أج.
قَوْلُهُ: (لِفُلَانٍ) أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَالِكُهَا أَوْ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَلْغُو الْإِسْنَادُ) أَيْ وَكَذَا الْإِقْرَارُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ قَوْلُهُ:

تُمْكِنُ فِي حَقِّهِ لَغْوٌ ضَعِيفٌ.
وَمِنْهَا عَدَمُ تَكْذِيبِهِ لِلْمُقِرِّ فَلَوْ كَذَّبَهُ فِي إقْرَارِهِ لَهُ بِمَالٍ تُرِكَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ يَدَهُ تُشْعِرُ بِالْمِلْكِ ظَاهِرًا، وَسَقَطَ إقْرَارُهُ بِمُعَارَضَةِ الْإِنْكَارِ حَتَّى لَوْ رَجَعَ بَعْدَ التَّكْذِيبِ قَبْلَ رُجُوعِهِ سَوَاءً أَقَالَ غَلِطْت فِي الْإِقْرَارِ أَمْ تَعَمَّدْت الْكَذِبَ، وَلَوْ رَجَعَ الْمُقَرُّ لَهُ عَنْ التَّكْذِيبِ لَمْ يُقْبَلْ فَلَا يُعْطَى إلَّا بِإِقْرَارٍ جَدِيدٍ.

وَأَمَّا شُرُوطُ الصِّيغَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فَيُشْتَرَطُ فِيهَا لَفْظٌ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ يُشْعِرُ بِالْتِزَامٍ، وَفِي مَعْنَاهُ الْكِتَابَةُ مَعَ النِّيَّةِ وَإِشَارَةُ أَخْرَسَ مُفْهِمَةٌ كَقَوْلِهِ: لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي كَذَا.
أَمَّا لَوْ حَذَفَ " عَلَيَّ " أَوْ " عِنْدِي " لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ مُعَيَّنًا كَهَذَا الثَّوْبُ فَيَكُونُ إقْرَارًا وَعَلَيَّ أَوْ فِي ذِمَّتِي لِلدَّيْنِ، وَمَعِي أَوْ عِنْدِي لِلْعَيْنِ.
وَجَوَابُ لِي عَلَيْك أَلْفٌ أَوْ أَلَيْسَ لِي عَلَيْك أَلْفٌ بِبَلَى أَوْ نَعَمْ أَوْ صَدَقْت، أَوْ أَنَا مُقِرٌّ بِهَا أَوْ نَحْوُهَا كَأَبْرَأْتَنِي مِنْهُ، إقْرَارٌ كَجَوَابِ اقْضِ الْأَلْفَ الَّذِي عَلَيْك بِنَعَمْ، أَوْ بِقَوْلِهِ أَقْضِي غَدًا أَوْ أَمْهِلْنِي أَوْ حَتَّى أَفْتَحَ الْكِيسَ أَوْ أَجِدَ الْمِفْتَاحَ مَثَلًا أَوْ نَحْوَهَا كَابْعَثْ مَنْ يَأْخُذُهُ لَا جَوَابُ ذَلِكَ بِزِنْهُ أَوْ خُذْهُ أَوْ اخْتِمْ عَلَيْهِ أَوْ اجْعَلْهُ فِي كِيسِك أَوْ أَنَا مُقِرٌّ أَوْ أُقِرُّ بِهِ أَوْ نَحْوَهَا كَهِيَ صِحَاحٌ أَوْ رُومِيَّةٌ، فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُذْكَرُ لِلِاسْتِهْزَاءِ.

[حاشية البجيرمي]

وَإِنْ أَسْنَدَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَمَا وَقَعَ) مُبْتَدَأً، وَقَوْلُهُ " ضَعِيفٌ " خَبَرٌ.
وَقَوْلُهُ " مِنْ أَنَّهُ " بَيَانٌ لِمَا أَوْ بَدَلٌ مِنْهَا.
وَقَوْلُهُ " لَغْوٌ " خَبَرُ " أَنَّ " وَإِذَا أَسْنَدَهُ إلَخْ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ لَغْوٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (ضَعِيفٌ) هُوَ الضَّعِيفُ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْمِنْهَاجِ أَنَّ الْإِقْرَارَ لَغْوٌ مِنْ أَصْلِهِ كَمَا قَالَهُ سم.
قَوْلُهُ: (تُرِكَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ) إنْ كَانَ عَيْنًا وَلَمْ يُطَالَبْ بِهِ إنْ كَانَ دَيْنًا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى لَوْ رَجَعَ) أَيْ الْمُقِرُّ إلَخْ قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ لَا حَاجَةَ لِهَذَا لِبُطْلَانِ إقْرَارِهِ بِمُعَارَضَةِ الْإِنْكَارِ اهـ، وَهَذَا ظَاهِرٌ.

قَوْلُهُ: (أَمَّا لَوْ حَذَفَ عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي) أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَذْفِهِمَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي دَعْوَاهُ مُسْقِطًا إذَا كَانَ مُقِرًّا بِعَيْنٍ كَمَا إذَا طُلِبَ مِنْهُ الْعَيْنُ فَقَالَ: كَانَتْ وَدِيعَةً وَتَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ، فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ وَلِبَعْضِهِمْ: عَلَيَّ أَوْ فِي ذِمَّتِي لِلدَّيْنِ ... مَعِي وَعِنْدِي يَا فَتَى لِلْعَيْنِ وَقِبَلِي إنْ قُلْته فَمُحْتَمِلْ ... لِلدَّيْنِ مَعَ عَيْنٍ كَمَا عَنْهُمْ نُقِلْ قَوْلُهُ: (بِبَلَى أَوْ نَعَمْ) وَفِي نَعَمْ وَجْهٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِإِقْرَارٍ؛ لِأَنَّهَا فِي اللُّغَةِ تَصْدِيقٌ لِلنَّفْيِ الْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، بِخِلَافِ " بَلَى " فَإِنَّهَا رَدٌّ لَهُ وَنَفْيُ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، وَلِهَذَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي آيَةِ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 172] لَوْ قَالُوا نَعَمْ لَكَفَرُوا.
وَرُدَّ هَذَا الْوَجْهُ بِأَنَّ الْأَقَارِيرَ وَنَحْوَهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ الْمُتَبَادِرِ مِنْ اللَّفْظِ لَا عَلَى دَقَائِقِ الْعَرَبِيَّةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ النَّحْوِيِّ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ شَرْحُ م ر، وَلِبَعْضِهِمْ: بَلَى تُقَرِّرُ الِاسْتِفْهَامَ مِثْلَ نَعَمْ ... لَكِنْ جَوَابُ بَلَى فِي النَّفْيِ إثْبَاتُ قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوَهَا) كَمُرَادِفِ نَعَمْ وَهُوَ جَيْرَ وَأَجَلْ وَإِي اهـ ز ي. قَوْلُهُ: (كَجَوَابِ اقْضِ الْأَلْفَ إلَخْ) جَعَلَ هَذِهِ مُشَبَّهَةً بِمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَضُمَّهَا إلَيْهَا كَأَنْ يَقُولَ: وَاقْضِ الْأَلْفَ إلَخْ لِأَنَّ فِيهَا خِلَافًا، وَمَا قَبْلَهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ عَشْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَنَا مُقِرٌّ) أَيْ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ وَإِلَّا فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْإِقْرَارِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُذْكَرُ لِلِاسْتِهْزَاءِ) هُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا عَدَا الْخَامِسِ وَالسَّادِسِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: فَلَيْسَ إقْرَارًا بَلْ مَا عَدَا الْخَامِسَ وَالسَّادِسَ لَيْسَ إقْرَارًا أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ يُذْكَرُ لِلِاسْتِهْزَاءِ وَالْخَامِسُ مُحْتَمِلٌ لِلْإِقْرَارِ بِغَيْرِ الْأَلْفِ كَوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَالسَّادِسُ لِلْوَعْدِ بِالْإِقْرَارِ بِهِ بَعْدُ اهـ، أَيْ وَالْوَعْدُ لَا يَلْزَمُ

وَأَمَّا شَرْطُ الْمُقَرِّ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَيْضًا فَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ مِلْكًا لِلْمُقِرِّ حِينَ يُقِرُّ، فَقَوْلُهُ: دَارِي أَوْ دَيْنِي لِعَمْرٍو لَغْوٌ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إلَيْهِ تَقْتَضِي الْمِلْكَ لَهُ فَتُنَافِي الْإِقْرَارَ لِغَيْرِهِ لَا قَوْلُهُ: هَذَا لِفُلَانٍ وَكَانَ مِلْكِي إلَى أَنْ أَقْرَرْت بِهِ، فَلَيْسَ لَغْوًا اعْتِبَارًا بِأَوَّلِهِ.
وَكَذَا لَوْ عَكَسَ فَقَالَ: هَذَا مِلْكِي هَذَا لِفُلَانٍ غَايَتُهُ أَنَّهُ إقْرَارٌ بَعْدَ إنْكَارٍ، وَأَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ وَلَوْ مَآلًا لِيُسَلِّمَ بِالْإِقْرَارِ لَلْمُقَرِّ لَهُ حِينَئِذٍ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ حَالًا ثُمَّ صَارَ بِهَا عُمِلَ بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِ بِأَنْ يُسَلَّمَ لَلْمُقَرِّ لَهُ حِينَئِذٍ، فَلَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ شَخْصٍ بِيَدِ غَيْرِهِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ حُكِمَ بِهَا وَكَانَ شِرَاؤُهُ افْتِدَاءً لَهُ وَبَيْعًا مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ فَلَهُ الْخِيَارُ دُونَ الْمُشْتَرِي.

(وَإِذَا أَقَرَّ بِمَجْهُولٍ) كَشَيْءٍ وَكَذَا صَحَّ إقْرَارُهُ وَ (رَجَعَ لَهُ فِي بَيَانِهِ) فَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ أَوْ كَذَا قَبْلَ تَفْسِيرِهِ بِغَيْرِ

[حاشية البجيرمي]

الْوَفَاءُ بِهِ.

قَوْلُهُ: (فَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بَدَلَ قَوْلِهِ " فَشَرْطُهُ إلَخْ " فَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ لِأَنَّ الْمُحَدَّثَ عَنْهُ الشَّرْطُ لَا الْمَشْرُوطُ وَقَدْ ذَكَرَ شَرْطَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَكُونَ مِلْكًا) أَيْ أَنْ لَا يَكُونَ فِي صِيغَتِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى مِلْكِهِ لَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (فَقَوْلُهُ دَارِي أَوْ دَيْنِي لِعَمْرٍو إلَخْ) أَيْ وَلَمْ يُرِدْ الْإِقْرَارَ، فَلَوْ أَرَادَ بِالْإِضَافَةِ فِي دَارِي إضَافَةَ سَكَنِي صَحَّ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ.
وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ اسْتِفْسَارَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَالْعَمَلِ بِقَوْلِهِ، شَرْحُ م ر أج.
وَقَوْلُهُ: " أَوْ دَيْنِي " أَيْ الَّذِي عَلَيْك.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إلَيْهِ تَقْتَضِي الْمِلْكَ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْمُضَافُ مُشْتَقًّا وَلَا فِي حُكْمِهِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ اقْتَضَتْ الِاخْتِصَاصَ بِالنَّظَرِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَبْدَأُ الِاشْتِقَاقُ، فَمِنْ ثَمَّ كَانَ قَوْلُهُ دَارِي أَوْ دَيْنِي لِعَمْرٍو لَغْوًا لِأَنَّ الْمُضَافَ فِيهِ غَيْرُ مُشْتَقٍّ، فَأَفَادَتْ الْإِضَافَةُ الِاخْتِصَاصَ مُطْلَقًا، وَمِنْ لَازِمِهِ الْمِلْكُ بِخِلَافِ مَسْكَنِي وَمَلْبُوسِي فَإِنَّ إضَافَتَهُ إنَّمَا تُفِيدُ الِاخْتِصَاصَ مِنْ حَيْثُ السُّكْنَى لَا مُطْلَقًا لِاشْتِقَاقِهِ، اهـ ع ش م ر. قَوْلُهُ: (فَتُنَافِي الْإِقْرَارَ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَيْسَ إزَالَةً عَنْ الْمِلْكِ، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا لِلْمُقَرِّ لَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ عَلَى الْخَبَرِ اهـ عَنَانِيٌّ.
وَمَحِلُّ كَوْنِهِ لَغْوًا مَا لَمْ يُرِدْ بِهِ الْإِقْرَارَ بِمَعْنَى أَنَّ الدَّارَ الَّتِي كَانَتْ مِلْكِي قَبْلُ هِيَ لِزَيْدٍ الْآنَ غَايَتُهُ أَنَّهُ أَضَافَهَا لِنَفْسِهِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ مَجَازًا، اهـ ع ش. قَوْلُهُ: (هَذَا مِلْكِي هَذَا لِفُلَانٍ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا حَيْثُ صَحَّحُوهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ سَابِقًا " دَارِي " أَوْ " دَيْنِي لِعَمْرٍو " حَيْثُ جَعَلُوهُ لَغْوًا، أَنَّ مَا تَقَدَّمَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ أَوَّلُهَا مُنَافٍ لِآخِرِهَا بِخِلَافِ هَذِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِجُمْلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا تَضُرُّهُ وَالْأُخْرَى تَنْفَعُهُ عُمِلَ بِمَا يَضُرُّهُ مِنْهُمَا سَوَاءً تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، وَإِنْ أَتَى بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ فِيهَا مَا يَضُرُّهُ وَمَا يَنْفَعُهُ لَغَتْ إنْ قُدِّمَ النَّافِعُ كَقَوْلِهِ: دَارِي لِفُلَانٍ اهـ عَنَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يُسَلِّمَ لِلْمُقَرِّ لَهُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ كَوْنِهِ بِيَدِهِ، وَمَعْنَى كَوْنِ الْمُقَرِّ بِهِ يُسَلَّمُ لِلْمُقَرِّ لَهُ فِي الْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَعَ أَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ الْحُرِّيَّةُ وَهِيَ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا تَسْلِيمَ نَفْسِهِ إلَيْهِ بِسَبَبِ الْحُكْمِ بِحُرِّيَّتِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُخَلَّى سَبِيلُهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ شَخْصٍ إلَخْ) مِثْلُ الْإِقْرَارِ الشَّهَادَةُ، فَلَوْ شَهِدَ بِأَنَّ مَا فِي يَدِ زَيْدٍ مَغْصُوبٌ صَحَّ شِرَاؤُهُ مِنْهُ لِأَنَّهُ قَدْ يُقْصَدُ اسْتِنْقَاذُهُ وَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ لِمَنْ يَطْلُبُ الشِّرَاءَ مِلْكًا لِنَفْسِهِ أَوْ مُوَلِّيهِ اهـ شَرْحُ م ر. وَكَتَبَ ع ش عَلَى قَوْلِهِ " صَحَّ شِرَاؤُهُ " أَيْ حُكِمَ بِصِحَّةِ شِرَائِهِ مِنْهُ، وَلَا يَجِبُ رَدُّهُ لِمَنْ قَالَ إنَّهُ مَغْصُوبٌ مِنْهُ إنْ عُرِفَ وَإِلَّا انْتَزَعَهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ اشْتَرَاهُ) أَيْ لِنَفْسِهِ أَوْ مِلْكه بِوَجْهٍ آخَرَ كَالْإِرْثِ.
وَخَصَّ الشِّرَاءَ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الْآتِيَةِ شَرْحُ م ر. فَلَوْ اشْتَرَاهُ لِمُوَكِّلِهِ لَمْ يُحْكَمْ بِحُرِّيَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (افْتِدَاءً لَهُ) لِاعْتِرَافِهِ بِحُرِّيَّتِهِ الْمَانِعَةِ مِنْ شِرَائِهِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ شِرَاءٌ صُورِيٌّ وَالْقَصْدُ مِنْهُ الِافْتِدَاءُ؛ لِأَنَّ اعْتِرَافَهُ بِالْحُرِّيَّةِ يُوجِبُ بُطْلَانَ الشِّرَاءِ.
قَالَ ع ش: وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْوَقْفِ، فَإِذَا عَلِمَ بِوَقْفِيَّتِهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا كَانَ شِرَاؤُهُ افْتِدَاءً فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا لِمَنْ لَهُ وِلَايَةُ حِفْظِهَا إنْ عُرِفَ وَإِلَّا سَلَّمَهَا لِمَنْ يَعْرِفُ الْمَصْلَحَةَ، فَإِنْ عَرَّفَهَا هُوَ وَأَبْقَاهَا فِي يَدِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِعَارَةُ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَلَيْسَ مِنْ الْعِلْمِ بِوَقْفِيَّتِهَا مَا يُكْتَبُ بِهَوَامِشِهَا مِنْ لَفْظِ وَقْفٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ الْخِيَارُ) أَيْ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ وَالْعَيْبِ، أَيْ عَيْبِ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ.
قَوْلُهُ: (دُونَ الْمُشْتَرِي) أَيْ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَلَوْ وَجَدَ فِيهِ عَيْبًا، فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ وَلَا أَرْشَ لَهُ عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَقَرَّ بِمَجْهُولٍ) مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ إنْ أَقَرَّ بِمَعْلُومٍ، فَذَاكَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ أَقَرَّ بِمَجْهُولٍ مِنْ كُلِّ

عِيَادَةِ مَرِيضٍ وَرَدِّ سَلَامٍ وَنَجَسٍ لَا يُقْتَنَى كَخِنْزِيرٍ سَوَاءً أَكَانَ مَالًا وَإِنْ لَمْ يَتَمَوَّلْ كَفَلْسٍ وَحَبَّةِ بُرٍّ أَمْ لَا كَقَوَدٍ وَحَقِّ شُفْعَةٍ وَحَدِّ قَذْفٍ وَزِبْلٍ لَصَدَقَ كُلٌّ مِنْهَا بِالشَّيْءِ مَعَ كَوْنِهِ مُحْتَرَمًا وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ، وَإِنْ وَصَفَهُ بِنَحْوِ عِظَمٍ كَقَوْلِهِ: مَالٌ عَظِيمٌ أَوْ كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِمَا قَلَّ مِنْ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَتَمَوَّلْ كَحَبَّةِ بُرٍّ، وَيَكُونُ وَصْفُهُ بِالْعِظَمِ وَنَحْوِهِ مِنْ حَيْثُ إثْمُ غَاصِبِهِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَصْلُ مَا أَبْنِي عَلَيْهِ الْإِقْرَارَ أَنْ أَلْزَمَ الْيَقِينَ وَأَطْرَحَ الشَّكَّ وَلَا أَسْتَعْمِلَ الْغَلَبَةَ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي شَيْءٌ شَيْءٌ أَوْ كَذَا كَذَا.
لَزِمَهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ الثَّانِيَ تَأْكِيدٌ.
فَإِنْ قَالَ: شَيْءٌ وَشَيْءٌ أَوْ كَذَا وَكَذَا لَزِمَهُ شَيْئَانِ لِاقْتِضَاءِ الْعَطْفِ الْمُغَايِرَةَ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمٍ بِرَفْعٍ أَوْ نَصْبٍ أَوْ جَرٍّ أَوْ سُكُونٍ، أَوْ كَذَا كَذَا بِالْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ، أَوْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا دِرْهَمٍ بِلَا نَصْبٍ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ، فَإِنْ ذَكَرَهُ بِالنَّصْبِ بِأَنْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ؛

[حاشية البجيرمي]

الْوُجُوهِ جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً كَالْمِثَالِ الْأَوَّلِ أَوْ قَدْرًا وَصِفَةً لَا جِنْسًا كَقَوْلِهِ: لَهُ مَالٌ عَلَيَّ، وَسَوَاءً كَانَ الْإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ ابْتِدَاءً أَوْ جَوَابًا لِدَعْوَى لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ فَيَصِحُّ مُجْمَلًا وَمُفَصَّلًا.
قَوْلُهُ: (رَجَعَ لَهُ) فَإِنْ امْتَنَعَ حُبِسَ عَلَيْهِ حَتَّى يُبَيِّنَ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ طُولِبَ بِهِ الْوَارِثُ وَوُقِفَ جَمِيعُ التَّرِكَةِ وَلَوْ بَيَّنَ بِمَا يُقْبَلُ وَكَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي أَنَّهُ حَقُّهُ فَلْيُبَيِّنْ أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ جِنْسُ حَقِّهِ وَقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ وَلْيَدَّعِ بِهِ وَيَحْلِفْ الْمُقَرُّ عَلَى نَفْيِهِ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ) خَرَجَ مَا لَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِنَجَسٍ لَا يُقْتَنَى لِأَنَّهُ لَا يُشْعِرُ بِالْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءً أَكَانَ) أَيْ غَيْرُ مَا ذَكَرَ.
قَوْلُهُ: (كَفَلْسٍ) مِثَالٌ لِلْمُتَمَوَّلِ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قَالَ سَوَاءً تَمَوَّلَ أَمْ لَا، وَالْمُتَمَوَّلُ مَا سَدَّ مَسَدًّا مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَحَبَّةُ بُرٍّ) أَيْ وَقِمْعِ بَاذِنْجَانَةٍ اهـ سم.
قَوْلُهُ: (وَزِبْلٍ) أَيْ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ نَجِسًا لَكِنَّهُ يُقْتَنَى.
قَوْلُهُ: (لِصِدْقِ كُلٍّ مِنْهَا) لَوْ قَالَ لِصِدْقِ الشَّيْءِ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا كَانَ أَوْلَى، وَإِنَّمَا لَمْ يَصْدُقْ الشَّيْءُ بِالسَّلَامِ وَالْعِيَادَةِ لِبُعْدِ فَهْمِهِمَا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (مَعَ كَوْنِهِ مُحْتَرَمًا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْعِلَّةَ مُرَكَّبَةٌ لِيَخْرُجَ النَّجِسُ الَّذِي لَا يُقْتَنَى كَالْخِنْزِيرِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ.
قَوْلُهُ: (أَثِمَ غَاصِبُهُ) أَيْ وَكَفَرَ مُسْتَحِلُّهُ.
وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ مَوْجُودٌ.
قَوْلُهُ: (أَصْلُ مَا أَبْنِي) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ قَوْلُهُ " أَنْ أَلْزَمَ الْيَقِينَ " وَمَا بَعْدَهُ عَطْفٌ لَازِمٌ عَلَى مَلْزُومٍ وَإِضَافَةُ أَصْلٍ لِمَا بَعْدَهُ بَيَانِيَّةٌ، أَيْ أَصْلٌ هُوَ مَا أَبْنِي عَلَيْهِ الْإِقْرَارَ إلَخْ، أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ لِلصِّفَةِ أَيْ الْأَصْلُ الَّذِي أَبْنِي عَلَيْهِ الْإِقْرَارَ.
وَالْمُرَادُ بِالْيَقِينِ الظَّنُّ الْغَالِبُ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
وَقَالَ الَأُجْهُورِيُّ: الْمُرَادُ بِالْيَقِينِ الشَّيْءُ الْمُفَسَّرُ بِهِ وَهُوَ حَبَّةُ الْبُرِّ مَثَلًا وَمَا زَادَ عَلَيْهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ وَصْفَهُ بِالْعِظَمِ لِكَثْرَتِهِ فَلَا يُعْمَلُ بِهَذَا الْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: (وَأَطْرَحَ الشَّكَّ) مَثَلًا إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فِي عَشْرَةٍ وَأَطْلَقَ، فَإِنَّ الْمُتَيَقَّنَ دِرْهَمٌ وَاحْتِمَالُ كَوْنِ فِي بِمَعْنَى مَعَ حَتَّى يَلْزَمَهُ أَحَدَ عَشَرَ مَشْكُوكٌ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا أَسْتَعْمِلُ الْغَلَبَةَ) فِيهِ الشَّاهِدُ لِأَنَّهُ إذَا قُبِلَ تَفْسِيرُ الْمَالِ الْعَظِيمِ بِمَا قَلَّ مِنْهُ لَا يَكُونُ فِيهِ اسْتِعْمَالُ الْغَلَبَةِ، أَيْ مَا يَغْلِبُ فِي عُرْفِ النَّاسِ، وَهُوَ أَنَّهُ مَالٌ كَثِيرٌ؛ فَقَوْلُهُ: وَلَا أَسْتَعْمِلُ الْغَلَبَةَ " أَيْ لَا أُعَوِّلُ عَلَيْهَا.
وَفِي قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيّ: فِي قَوْلِهِ: " وَلَا أَسْتَعْمِلُ الْغَلَبَةَ " تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يَتْرُكُ الْحَقِيقَةَ فِي الْأَقَارِيرَ وَيَحْمِلُ اللَّفْظَ عَلَى غَيْرِ غَالِبِهِ وَهُوَ الْمَجَازُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ كَذَا) هِيَ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ مَرْكَبٌ مِنْ اسْمِ الْإِشَارَةِ وَكَافِ التَّشْبِيهِ، ثُمَّ نُقِلَ ذَلِكَ وَصَارَ كِنَايَةً عَنْ الْمُبْهَمِ مِنْ الْعَدَدِ؛ وَفِي كَلَامِ شَيْخِنَا عَنْ الْمُبْهَمِ مِنْ الْعَدَدِ وَغَيْرِهِ ح ل. قَالَ الزِّيَادِيُّ: وَهِيَ فِي مِثَالِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى شَيْءٍ وَلَيْسَتْ كِنَايَةً عَنْ الْعَدَدِ.
قَوْلُهُ: (بِرَفْعِ) أَيْ بَدَلًا أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَصْبٍ) أَيْ تَمْيِيزًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ جَرٍّ) أَيْ لَحْنًا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ؛ لِأَنَّ تَمْيِيزَ كَذَا يَجِبُ نَصْبُهُ عِنْدَهُمْ وَيَجُوزُ جَرُّهُ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ بِ " مِنْ " مُقَدَّرَةٍ.
اهـ. ح ل. قَوْلُهُ: (أَوْ سُكُونٍ) أَيْ وَقْفًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ كَذَا كَذَا بِالْأَحْوَالِ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: أَوْ كَذَا كَذَا دِرْهَمٍ بِالْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ؛ فَلَعَلَّ لَفْظَ دِرْهَمٍ سَاقِطٌ مِنْ النَّاسِخِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ " كَذَا " إمَّا أَنْ يُؤْتَى بِهَا مُفْرَدَةً أَوْ مُكَرَّرَةً مَعَ الْعَطْفِ أَوْ بِدُونِهِ، وَالدِّرْهَمُ إمَّا أَنْ يُرْفَعَ أَوْ يُنْصَبَ أَوْ يُجَرَّ أَوْ يُسَكَّنَ.
وَالْحَاصِلُ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي أَرْبَعَةٍ اثْنَا عَشَرَ، وَالْوَاجِبُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ دِرْهَمٌ إلَّا إذَا أَتَى بِكَذَا مَعْطُوفَةً وَنَصَبَ الدِّرْهَمَ فَالْوَاجِبُ دِرْهَمًا ح ل وز ي. قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ دِرْهَمٌ) لِأَنَّ كَذَا مُبْهَمٌ وَقَدْ فَسَّرَهُ بِدِرْهَمٍ فِي الْأُولَى

لِأَنَّ التَّمْيِيزَ وَصْفٌ فِي الْمَعْنَى فَيَعُودُ إلَى الْجَمِيعِ.
وَلَوْ قَالَ: الدَّرَاهِمُ الَّتِي أَقْرَرْت بِهَا نَاقِصَةُ الْوَزْنِ أَوْ مَغْشُوشَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ دَرَاهِمُ الْبَلَدِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا كَذَلِكَ أَوْ وَصَلَ قَوْلَهُ الْمَذْكُورَ بِالْإِقْرَارِ قَبْلَ قَوْلِهِ.
وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فِي عَشْرَةٍ، فَإِنْ أَرَادَ مَعِيَّةً فَأَحَدَ عَشَرَ أَوْ حِسَابًا عَرَّفَهُ فَعَشْرَةٌ، وَإِنْ أَرَادَ ظَرْفًا أَوْ حِسَابًا لَمْ يُعَرِّفْهُ أَوْ أَطْلَقَ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ.

(وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ) بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا (فِي الْإِقْرَارِ) وَغَيْرِهِ لِكَثْرَةِ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ بِشُرُوطٍ: الْأَوَّلُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ (إذَا وَصَلَهُ بِهِ) أَيْ اتَّصَلَ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عُرْفًا، فَلَا تَضُرُّ سَكْتَةُ تَنَفُّسٍ وَعِيٍّ وَتَذَكُّرٍ وَانْقِطَاعِ صَوْتٍ بِخِلَافِ الْفَصْلِ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ وَكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ وَلَوْ يَسِيرًا.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَنْوِيَ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ

[حاشية البجيرمي]

وَالثَّانِيَةِ، وَتَخْتَصُّ الثَّانِيَةُ بِاحْتِمَالِ التَّأْكِيدِ هُوَ مُشْكِلٌ مَعَ الْعَطْفِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْمُغَايِرَةَ.
وَأَجَابَ الْمَدَابِغِيُّ بِأَنَّ " دِرْهَمٍ " رَاجِعٌ لِأَحَدِهِمَا اهـ. فَيَكُونُ الْآخَرُ لَغْوًا وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَلَوْ قَالَ " رَاجِعٌ لِلثَّانِي " لَكَانَ أَوْلَى لِقُرْبِهِ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ بَيَانُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ فَيَكُونُ مَجْمُوعُهُمَا دِرْهَمًا.
وَانْظُرْ هَلْ هَذَا أَوْلَى مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْمَدَابِغِيِّ أَوْ لَا؟ تَأَمَّلْ وَحَرِّرْ.
وَالدِّرْهَمُ فِي الثَّالِثَةِ لَا يَصْلُحُ لِلتَّمْيِيزِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ، أَيْ بَلْ هُوَ خَبَرٌ عَنْهُمَا فِي الرَّفْعِ أَيْ هُمَا دِرْهَمٌ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُمَا أَوْ بَيَانٌ لَهُمَا، وَأَمَّا الْجَرُّ وَإِنْ كَانَ لَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنَى لَكِنْ يُفْهَمُ مِنْهُ عُرْفًا أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِجُمْلَةِ مَا سَبَقَ، وَكَذَا يُقَالُ فِي السُّكُونِ ح ل. قَوْلُهُ: (فَيَعُودُ إلَى الْجَمِيعِ) فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْعَطْفُ يَمْنَعُ احْتِمَالَ وَصْلِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَرَادَ مَعِيَّةَ إلَخْ) . حَاصِلُهُ أَنَّ فِيهِ خَمْسَةَ أَحْوَالٍ، يَلْزَمُهُ أَحَدَ عَشَرَ فِي حَالَةٍ وَعَشْرَةٌ فِي حَالَةٍ وَدِرْهَمٌ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ.

قَوْلُهُ: (الِاسْتِثْنَاءُ) مَأْخُوذٌ مِنْ الثَّنْيِ وَهُوَ الرُّجُوعُ لِرُجُوعِ الْمُسْتَثْنِي عَمَّا اقْتَضَاهُ لَفْظُهُ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (لِكَثْرَةِ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ) مِنْ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: 30] ﴿إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: 31] وَفِي السُّنَّةِ «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ إلَّا أَرْبَعَةً» وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ: وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ قَوْلُهُ: (بِشُرُوطٍ) هِيَ فِي كَلَامِهِ صَرِيحًا ثَلَاثَةٌ، وَذَكَرَ رَابِعًا لَا بِعِنْوَانِ الشَّرْطِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَا يُجْمَعُ مُفَرَّقٌ إلَخْ.
وَبَقِيَ مِنْ الشُّرُوطِ كَمَا قَالَهُ ق ل وَأَنْ يَتَلَفَّظَ بِهِ وَأَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَلَوْ بِالْقُوَّةِ اهـ. وَقَالَ سم: وَأَنْ يُسْمِعَ بِهِ غَيْرَهُ.
قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ بِيَمِينِهِ، أَيْ فِي نَفْيِ الْإِتْيَانِ بِهِ بِخِلَافِ نَفْيِ مُجَرَّدِ السَّمَاعِ فَلَا أَثَرَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (إذَا وَصَلَهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءُ بِمَعْنَى الْمُسْتَثْنَى فَفِيهِ اسْتِخْدَامٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَضُرُّ سَكْتَةُ تَنَفُّسٍ) أَيْ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْقَطْعَ.
قَوْلُهُ: (وَعِيٌّ) أَيْ تَعَبٌ.
وَقَوْلُهُ " وَتَذَكُّرٌ " أَيْ تَذَكُّرُ قَدْرِ مَا يَسْتَثْنِيهِ، أَيْ إذَا كَانَ بِقَدْرِ سَكْتَةِ التَّنَفُّسِ ع ش، كَأَنْ سَكَتَ لِيَتَذَكَّرَ مَا يُخْرِجُهُ بِأَنْ دَفَعَ لَهُ شَيْئًا مِنْ الدَّيْنِ وَنَسِيَ فَقَالَ: لَهُ عِنْدِي عَشْرَةٌ وَسَكَتَ لِيَتَذَكَّرَ مَا دَفَعَهُ مِنْهَا لِيُخْرِجَهُ.
قَوْلُهُ: (وَانْقِطَاعُ صَوْتٍ) وَسُعَالٌ وَنَحْوُهُ.
وَانْظُرْ وَلَوْ طَالَ زَمَنُهُ أَوْ لَا؟ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ الْأَوَّلُ تَأَمَّلْ، شَوْبَرِيٌّ ". قَوْلُهُ: (وَكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ) مِنْ الْمُقِرِّ، نَعَمْ لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلَّا مِائَةً فَإِنَّهُ يَصِحُّ كَمَا فِي الْبَيَانِ وَالْعُدَّةِ ز ي؛ لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ لِلتَّذَكُّرِ أَيْ تَذَكُّرِ قَدْرِ مَا يَسْتَثْنِيهِ، وَهُوَ أَيْضًا مُنَاسِبٌ لِلْمَقَامِ بِخِلَافِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ.
قَوْلُهُ: (الشَّرْطُ الثَّانِي إلَخْ) عِبَارَةُ سم: وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا أَنْ يَقْصِدَهُ قَبْلَ فَرَاغِ صِيغَةِ الْإِقْرَارِ وَإِنْ لَمْ يُقَارِنْ أَوَّلَهَا إنْ تَأَخَّرَ، فَإِنْ تَقَدَّمَ فَهَلْ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ هَذَا الشَّرْطِ لِحُصُولِ الِارْتِبَاطِ بِدُونِهِ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُتَأَخِّرًا يُوجِبُ ارْتِبَاطَهُ بِالْمُسْتَثْنَى الْمُتَقَدِّمِ أَوَّلًا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ الثَّانِي.
وَعَلَيْهِ فَهَلْ يُشْتَرَطُ قَصْدُ الْإِخْرَاجِ بِهِ قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِهِ أَوْ تَكْفِي مُقَارَنَتُهُ لِلتَّلَفُّظِ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ الثَّانِي اهـ. قَوْلُهُ: (أَنْ يَنْوِيَ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِقْرَارِ) وَلَوْ مَعَ آخِرِ حَرْفٍ ع ش. قَوْلُهُ: (لَمْ يَصِحَّ) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنَاقُضِ الصَّرِيحِ ح ل.

الْكَلَامَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِتَمَامِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ مِنْ أَوَّلِهِ، وَلَا يَكْفِي بَعْدَ الْفَرَاغِ وَإِلَّا لَزِمَ رَفْعُ الْإِقْرَارِ بَعْدَ لُزُومِهِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: عَدَمُ اسْتِغْرَاقِ الْمُسْتَثْنَى لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَإِنْ اسْتَغْرَقَهُ نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا عَشْرَةً لَمْ يَصِحَّ فَيَلْزَمُهُ عَشْرَةٌ، وَلَا يُجْمَعُ مُفَرَّقٌ فِي اسْتِغْرَاقٍ لَا فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَلَا فِي الْمُسْتَثْنَى وَلَا فِيهِمَا، فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا لَزِمَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ إلَّا دِرْهَمَيْنِ وَدِرْهَمًا لَزِمَهُ دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى إذَا لَمْ يُجْمَعْ مُفَرَّقُهُ لَمْ يُلْغَ إلَّا مَا يَحْصُلُ بِهِ الِاسْتِغْرَاقُ وَهُوَ دِرْهَمٌ فَيَبْقَى الدِّرْهَمَانِ مُسْتَثْنَيَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ ثَلَاثَةٌ إلَّا دِرْهَمًا وَدِرْهَمًا وَدِرْهَمًا لَزِمَهُ دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْأَخِيرِ.
وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ إلَّا دِرْهَمًا وَدِرْهَمًا لَزِمَهُ دِرْهَمٌ لِجَوَازِ الْجَمْعِ هُنَا، إذْ لَا اسْتِغْرَاقَ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ إثْبَاتِ نَفْيٍ وَمِنْ نَفْيِ

[حاشية البجيرمي]

وَمَحِلُّ عَدَمِ الصِّحَّةِ مَا لَمْ يُتْبِعْهُ بِاسْتِثْنَاءٍ آخَرَ غَيْرِ مُسْتَغْرِقٍ نَحْوِ لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا عَشْرَةً إلَّا خَمْسَةً، فَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُجْمَعُ مُفَرَّقٌ) أَيْ لَا يُجْمَعُ مُفَرَّقٌ فِي حَالَةِ اسْتِغْرَاقٍ أَيْ لِدَفْعِهِ إنْ كَانَ الْجَمْعُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَلَا لِتَحْصِيلِهِ إنْ كَانَ فِي الْمُسْتَثْنَى أَوْ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ " أَيْ لِدَفْعِهِ إلَخْ " كَمَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَقَوْلُهُ " وَلَا لِتَحْصِيلِهِ " كَمَا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا فِيهِمَا) كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا وَدِرْهَمًا وَدِرْهَمًا فَيَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ؛ لَكِنْ لَا فَائِدَةَ فِي عَدَمِ جَمْعِ الْمُفَرَّقِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءً جَمَعَ الْمُفَرَّقَ أَوْ لَا، فَالْأَوْلَى إسْقَاطُ قَوْلِهِ وَلَا فِيهِمَا كَذَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُصَوَّرَ بِأَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمَانِ إلَّا دِرْهَمًا وَدِرْهَمَيْنِ فَيَكُونُ الدِّرْهَمُ مُسْتَثْنًى مِنْ الدِّرْهَمَيْنِ قَبْلَهُ وَيَلْغُو مَا بَعْدَهُ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الِاسْتِغْرَاقُ فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ، وَلَوْ جَمَعَ الْمُفَرَّقَ لَزِمَهُ ثَلَاثُ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إذَا لَمْ يُجْمَعْ مُفَرَّقُهُ كَانَ الدِّرْهَمُ مُسْتَثْنًى مِنْ دِرْهَمٍ فَيَسْتَغْرِقُ فَيَلْغُو اهـ ع ن. قَوْلُهُ: (لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ إلَخْ) أَتَى بِمِثَالَيْنِ فِي اسْتِغْرَاقِ الْمُسْتَثْنَى، إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ أَفْرَادِهِ مُفَرَّقَةً أَوْ بَعْضُهَا مُفَرَّقٌ وَبَعْضُهَا مَجْمُوعٌ كَالْمِثَالِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْأَخِيرِ) وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الدِّرْهَمِ الثَّالِثِ مِنْ الدِّرْهَمِ الْفَاضِلِ مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ إثْبَاتٍ) أَيْ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْ مُثْبَتٍ مَنْفِيٌّ وَمِنْ مَنْفِيٍّ مُثْبَتٌ.
وَهَذَا إشَارَةٌ لِقَاعِدَةٍ يَنْبَنِي عَلَيْهَا اخْتِلَافُ الْحُكْمِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ إثْبَاتِ نَفْيٍ إلَخْ) أَيْ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِيهِمَا، وَقِيلَ فِي الْأَوَّلِ فَقَطْ فَقَالَ: إنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، فَنَحْوُ مَا قَامَ أَحَدٌ إلَّا زَيْدٌ وَقَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا، وَيَدُلُّ الْأَوَّلُ عَلَى إثْبَاتِ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ وَالثَّانِي عَلَى نَفْيِهِ عَنْهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا وَزَيْدٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ الْقِيَامُ وَعَدَمُهُ، وَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ مُخْرَجٌ مِنْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَيَدْخُلُ فِي نَقِيضِهِ مِنْ قِيَامٍ أَوْ عَدَمِهِ مَثَلًا أَوْ مُخْرَجٌ مِنْ الْحُكْمِ فَيَدْخُلُ فِي نَقِيضِهِ أَيْ لَا حُكْمٍ إذْ الْقَاعِدَةُ أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ شَيْءٍ دَخَلَ فِي نَقِيضِهِ، وَجُعِلَ الْإِثْبَاتُ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ بِعُرْفِ الشَّرْعِ وَفِي الْمُفَرَّغِ نَحْوُ مَا قَامَ إلَّا زَيْدٌ بِالْعُرْفِ الْعَامِّ اهـ مَحَلِّيٌّ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ.
وَقَوْلُهُ " وَمَبْنَى الْخِلَافِ إلَخْ " قَالَ السَّيِّدُ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ إلَّا لِلْإِخْرَاجِ وَأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مُخْرَجٌ وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَرَجَ مِنْ نَقِيضٍ دَخَلَ فِي النَّقِيضِ الْآخَرِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَبَقِيَ أَمْرٌ رَابِعٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ: وَهُوَ أَنَّا إذَا قُلْنَا قَامَ الْقَوْمُ فَهُنَاكَ أَمْرَانِ الْقِيَامُ وَالْحُكْمُ، فَاخْتَلَفُوا هَلْ الْمُسْتَثْنَى مُخْرَجٌ مِنْ الْقِيَامِ أَوْ الْحُكْمِ بِهِ؟ فَنَحْنُ نَقُولُ بِالْقِيَامِ، فَيَدْخُلُ فِي نَقِيضِهِ وَهُوَ عَدَمُ الْقِيَامِ، وَالْحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْحُكْمِ فَيَخْرُجُ لِنَقِيضِهِ وَهُوَ عَدَمُ الْحُكْمِ، فَيَكُونُ غَيْرَ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ، فَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا وَأَنْ لَا يَكُونَ، فَعِنْدَنَا انْتَقَلَ إلَى عَدَمِ الْقِيَامِ، وَعِنْدَهُمْ انْتَقَلَ إلَى عَدَمِ الْحُكْمِ، وَعِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ مُخْرَجٌ وَدَاخِلٌ فِي نَقِيضِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ فَافْهَمْ ذَلِكَ حَتَّى يَتَحَرَّرَ لَك مَحِلُّ النِّزَاعِ.
وَالْعُرْفُ فِي الِاسْتِعْمَالِ شَاهِدٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا قُصِدَ إخْرَاجُهُ مِنْ الْقِيَامِ لَا مِنْ الْحُكْمِ، وَلَا يَفْهَمُ أَهْلُ الْعُرْفِ إلَّا ذَلِكَ، فَيَكُونُ هُوَ اللُّغَةَ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ عَدَمَ النَّقْلِ وَالتَّغْيِيرِ، اهـ مِنْ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ.

إثْبَاتٍ؛ فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا تِسْعَةً إلَّا ثَمَانِيَةً لَزِمَهُ تِسْعَةٌ، لِأَنَّ الْمَعْنَى إلَّا تِسْعَةً لَا تَلْزَمُ إلَّا ثَمَانِيَةً تَلْزَمُ فَتَلْزَمُهُ الثَّمَانِيَةُ وَالْوَاحِدُ الْبَاقِي مِنْ الْعَشَرَةِ.
وَمِنْ طُرُقِ بَيَانِهِ أَيْضًا أَنْ تَجْمَعَ كُلًّا مِنْ الْمُثْبَتِ وَالْمَنْفِيِّ وَتُسْقِطَ الْمَنْفِيَّ مِنْهُ فَالْبَاقِي هُوَ الْمُقِرُّ بِهِ، فَالْعَشَرَةُ وَالثَّمَانِيَةُ فِي الْمِثَالِ مُثْبَتَانِ وَمَجْمُوعُهُمَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَالتِّسْعَةُ مَنْفِيَّةٌ فَإِنْ أَسْقَطْتهَا مِنْ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ بَقِيَ تِسْعَةٌ وَهُوَ الْمُقَرُّ بِهِ.
وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا تِسْعَةً إلَّا ثَمَانِيَةً إلَّا سَبْعَةً إلَّا سِتَّةً إلَّا خَمْسَةً إلَّا أَرْبَعَةً إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا اثْنَيْنِ إلَّا وَاحِدًا لَزِمَهُ خَمْسَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَعْدَادَ الْمُثْبَتَةَ هُنَا ثَلَاثُونَ وَالْمَنْفِيَّةَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَيَلْزَمُ الْبَاقِي وَهُوَ خَمْسَةٌ.
وَلَك طَرِيقٌ أُخْرَى: وَهِيَ أَنْ تُخْرِجَ الْمُسْتَثْنَى الْأَخِيرَ مِمَّا قَبْلَهُ وَمَا بَقِيَ مِنْهُ يُخْرِجُ مِمَّا قَبْلَهُ، فَتُخْرِجَ الْوَاحِدَ مِنْ الِاثْنَيْنِ وَمَا بَقِيَ تُخْرِجُهُ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَمَا بَقِيَ تُخْرِجُهُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ، وَهَكَذَا حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى الْأَوَّلِ.
أَوْ لَك أَنْ تُخْرِجَ الْوَاحِدَ مِنْ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْخَمْسَةِ ثُمَّ مَا بَقِيَ مِنْ السَّبْعَةِ ثُمَّ مَا بَقِيَ مِنْ التِّسْعَةِ، وَهَذَا أَسْهَلُ مِنْ الْأَوَّلِ وَمُحَصِّلٌ لَهُ، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَلَوْ قَالَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ إلَّا خَمْسَةً لَزِمَهُ خَمْسَةٌ، أَوْ قَالَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا خَمْسَةً لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ إلَّا خَمْسَةً خَمْسَةٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ خَمْسَةٌ، فَجَعَلَ النَّفْيَ الْأَوَّلَ مُتَوَجِّهًا إلَى مَجْمُوعِ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَإِنْ خَرَجَ عَنْ قَاعِدَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ فِي الْأَوَّلِ خَمْسَةٌ لِأَنَّهُ نَفْيٌ مُجْمَلٌ فَيَبْقَى عَلَيْهِ مَا اسْتَثْنَاهُ.
وَلَوْ قَدَّمَ الْمُسْتَثْنَى عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ صَحَّ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَصَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (وَمِنْ طُرُقِ بَيَانِهِ أَيْضًا) أَيْ اللَّازِمِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ أَيْضًا إلَى ضَابِطٍ مُفِيدٍ لِلطَّرِيقِ الْأُولَى وَهِيَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ.
قَوْلُهُ: (هُوَ الْمُقَرُّ بِهِ) ثُمَّ إنْ كَانَ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا شَفْعًا، فَالْأَشْفَاعُ مُثْبَتَةٌ، أَوْ وِتْرًا فَعَكْسُهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْأَعْدَادَ الْمُثْبَتَةَ هُنَا) وَهِيَ الْأَزْوَاجُ وَالْمَنْفِيَّةَ الْأَفْرَادُ ق ل. قَوْلُهُ: (إلَى الْأَوَّلِ) أَيْ الْمُسْتَثْنَى الْأَوَّلِ وَهُوَ التِّسْعَةُ.
قَوْلُهُ: (وَلَك أَنْ تُخْرِجَ الْوَاحِدَ إلَخْ) حَاصِلُ هَذِهِ الطَّرِيقِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ الْأَفْرَادِ فَقَطْ فَتُخْرِجَ الْوَاحِدَ مِنْ الثَّلَاثَةِ، يَبْقَى اثْنَانِ تُخْرِجُهُمَا مِنْ الْخَمْسَةِ، وَيَبْقَى ثَلَاثَةٌ تُخْرِجُهَا مِنْ السَّبْعَةِ، يَبْقَى أَرْبَعَةٌ تُخْرِجُهَا مِنْ التِّسْعَةِ، يَبْقَى خَمْسَةٌ وَهِيَ اللَّازِمَةُ.
قَوْلُهُ: (لَهُ) أَيْ لِلْمَقْصُودِ مِنْهُ: قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْعَشَرَةَ إلَّا خَمْسَةً خَمْسَةً) لِأَنَّ الْمَعْنَى لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ مُتَّصِفَةٌ بِكَوْنِهَا نَاقِصَةً خَمْسَةً.
وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَحَدَاتِ الْخَمْسَةَ لَهَا اسْمَانِ مُفْرَدٌ وَهُوَ لَفْظُ خَمْسَةٍ وَمُرَكَّبٌ وَهُوَ عَشْرَةٌ إلَّا خَمْسَةً، فَإِنَّ مَعْنَاهُ عَشْرَةٌ مُخْرَجٌ مِنْهَا خَمْسَةٌ أَوْ نَاقِصَةٌ مِنْهَا خَمْسَةٌ وَذَلِكَ هُوَ الْخَمْسَةُ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ، فَالنَّفْيُ تَوَجَّهَ لِجَمِيعِ مَا بَعْدَهُ كُلِّهِ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مَمْزُوجٌ مَعْنَاهُ خَمْسَةٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ خَمْسَةٌ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مُثْبَتٌ يَبْقَى بَعْدَ النَّفْيِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا فَإِنَّ النَّفْيَ تَوَجَّهَ لِلَّفْظِ شَيْءٍ وَهُوَ عَامٌّ وَبَعْدَهُ مُثْبَتٌ فَيَبْقَى عَلَى الْقَاعِدَةِ وَهُوَ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى بَعْدَ النَّفْيِ يَكُونُ مُثْبَتًا، فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ: لَزِمَهُ خَمْسَةٌ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ " فَجَعَلَ النَّفْيَ مُتَوَجِّهًا إلَى مَجْمُوعِ الْمُسْتَثْنَى إلَخْ " فِيهِ مُسَامَحَةٌ لِأَنَّ مَا بَعْدَ النَّفْيِ كَلَامٌ مُرَكَّبٌ مَعْنَاهُ لَفْظُ خَمْسَةٍ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مُسْتَثْنًى مِنْهُ وَلَا مُسْتَثْنًى إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَاكَ بِحَسَبِ الْأَصْلِ قَبْلَ النَّفْيِ.
قَوْلُهُ: (النَّفْيُ الْأَوَّلُ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ إلَّا نَفْيٌ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَرَجَ عَنْ قَاعِدَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إلَخْ) أَيْ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْإِلْزَامِ، قَالَ ز ي: وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ ضَابِطٌ حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَامًّا عُمِلَ بِالِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْلِهِ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ إلَّا خَمْسَةً، وَإِنْ كَانَ خَاصًّا أُلْغِيَ الِاسْتِثْنَاءُ كَقَوْلِهِ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا خَمْسَةً، فَلَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْمِثَالِ، فَيَجْرِي فِيمَا لَوْ قَالَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا مِائَةً فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ نَفْيٌ مُجْمَلٌ) أَيْ عَامٌّ، فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَعْدَادِ الَّتِي مِنْهَا الْخَمْسَةُ وَقَدْ اسْتَثْنَاهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَدَّمَ الْمُسْتَثْنَى) كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ إلَّا خَمْسَةَ عَشْرَةَ، وَلَا بُدَّ مِنْ الشُّرُوطِ وَالنِّيَّةُ حِينَئِذٍ تَكُونُ عِنْدَ الْمُسْتَثْنَى لِأَنَّهُ حَالٌّ مَحِلَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ جِنْسٍ إلَخْ) أَيْ أَوْ نَوْعِهِ أَوْ صِفَتِهِ فِيمَا يَظْهَرُ ع ش، وَدَلِيلُهُ: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 77] ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: 157] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا﴾ [مريم: 62] اهـ م ر. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي خَاتَمٌ وَأَطْلَقَ دَخَلَ فِي الْإِقْرَارِ فَصُّهُ لِتَنَاوُلِ الْخَاتَمِ لَهُ، وَلَا

مِنْهُ وَيُسَمَّى اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا، إنْ بُيِّنَ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ دُونَ أَلْفٍ فَإِنْ بُيِّنَ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ فَالْبَيَانُ لَغْوٌ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّهُ بُيِّنَ بِمَا أَرَادَهُ بِهِ فَكَأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِهِ وَهُوَ مُسْتَغْرِقٌ، وَصَحَّ أَيْضًا مِنْ مُعَيَّنٍ كَغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ إلَّا هَذَا الْبَيْتَ، أَوْ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدُ لَهُ إلَّا وَاحِدًا، وَحَلَفَ فِي بَيَانِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمُرَادِهِ حَتَّى لَوْ مَاتُوا بِقَتْلٍ أَوْ دُونِهِ إلَّا وَاحِدًا وَزَعَمَ أَنَّهُ الْمُسْتَثْنَى صُدِّقَ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ الَّذِي أَرَادَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ لِاحْتِمَالِ مَا ادَّعَاهُ.
وَقَدْ ذَكَرْت فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ فَوَائِدَ مُهِمَّةً لَا يَحْتَمِلُهَا هَذَا الْمُخْتَصَرُ فَلْيُرَاجِعْهَا مَنْ أَرَادَ.

(وَهُوَ) أَيْ الْإِقْرَارُ (فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ) وَلَوْ مَخُوفًا (سَوَاءً) فِي الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ، فَلَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ بِدَيْنٍ لِإِنْسَانٍ وَفِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِآخَرَ لَمْ يُقَدَّمْ الْأَوَّلُ بَلْ يَتَسَاوَيَانِ، كَمَا لَوْ ثَبَتَا بِالْبَيِّنَةِ.
وَلَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِإِنْسَانٍ وَأَقَرَّ وَارِثُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِدَيْنٍ لِآخَرَ لَمْ يُقَدَّمْ الْأَوَّلُ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ إقْرَارَ الْوَارِثِ كَإِقْرَارِ الْمُورَثِ لِأَنَّهُ خَلِيفَتُهُ فَكَأَنَّهُ أَقَرَّ بِالدَّيْنَيْنِ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ لِإِنْسَانٍ بِدَيْنٍ وَلَوْ مُسْتَغْرِقًا ثُمَّ أَقَرَّ لِآخَرَ بِعَيْنٍ قُدِّمَ صَاحِبُهَا كَعَكْسِهِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ لَا يَتَضَمَّنُ حَجْرًا فِي الْعَيْنِ، بِدَلِيلِ نُفُوذِ تَصَرُّفِهِ فِيهَا بِغَيْرِ تَبَرُّعٍ.
وَلَوْ أَقَرَّ بِإِعْتَاقِ أَخِيهِ فِي الصِّحَّةِ عَتَقَ وَوَرِثَهُ إنْ لَمْ يَحْجُبْهُ غَيْرُهُ، أَوْ بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ فِي الصِّحَّةِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِتَرِكَتِهِ عَتَقَ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ لَا تَبَرُّعٌ، وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي مَرَضِهِ لِوَارِثِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ كَالْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مُحِقٌّ لِأَنَّهُ انْتَهَى إلَى حَالَةٍ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيَتُوبُ فِيهَا الْفَاجِرُ، وَفِي قَوْلٍ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِحِرْمَانِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ.
وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي إقْرَارِ الزَّوْجَةِ بِقَبْضِ صَدَاقِهَا مِنْ زَوْجِهَا فِي مَرَضِ

[حاشية البجيرمي]

يُقْبَلُ مِنْهُ عَدَمُ إرَادَتِهِ الْفَصَّ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ شَرْحُ م ر. وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذِهِ عَدَمُ لُزُومِ الْفَصِّ فِيمَا لَوْ قَالَ: فِيهِ فَصٌّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَصَّ فِي لَفْظِهِ عَلَى الْفَصِّ كَانَ خَارِجًا وَلَمَّا أَطْلَقَ هُنَا كَانَ دَاخِلًا اهـ أج.
قَوْلُهُ: (إنْ بَيَّنَ إلَخْ) كَأَنَّهُ قَالَ: إلَّا قِيمَةَ ثَوْبٍ سم.
قَوْلُهُ: (بِمَا أَرَادَهُ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ وَمَا وَاقِعَةٌ عَلَى الثَّوْبِ.
وَقَوْلُهُ " بِهِ " أَيْ بِالْأَلْفِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِبَيَّنَ، أَيْ لِأَنَّهُ بَيَّنَ الثَّوْبَ الَّذِي أَرَادَهُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ بِالْأَلْفِ أَيْ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ، فَكَأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِالْأَلْفِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: لِأَنَّهُ بَيَّنَ مَا أَرَادَهُ بِهِ أَيْ بَيَّنَ الثَّوْبَ الَّذِي أَرَادَهُ بِالْأَلْفِ.
قَوْلُهُ: (كَغَيْرِهِ) وَهُوَ مَا فِي الذِّمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَخْ، فَقَوْلُ ق ل: إنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ دَائِمًا مُعَيَّنٌ، وَقَوْلُهُ إنَّ " مِنْ " فِي قَوْلِهِ " مِنْ مُعَيَّنٍ " زَائِدَةٌ مَمْنُوعٌ.
قَوْلُهُ: (وَزَعَمَ) أَيْ ذَكَرَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ الَّذِي أَرَادَهُ) بَدَلٌ مِنْ بِيَمِينِهِ.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ حَالٌ، وَقَوْلُهُ " سَوَاءٌ " خَبَرٌ، أَيْ مُسْتَوِيَانِ، فَهُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْمُبْتَدَإِ الْمُفْرَدِ؛ وَذَلِكَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ لَا يُخْبَرُ بِهِ إلَّا عَنْ مُتَعَدِّدٍ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ وَالتَّقْدِيرُ: وَحُكْمُهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ سَوَاءٌ وَحُكْمٌ مُضَافٌ لِمَعْرِفَةٍ فَيَعُمُّ حَالَ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَحُكْمُهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَحُكْمُهُ فِي حَالِ الْمَرَضِ سَوَاءٌ، نَظِيرُ مَا قَالُوهُ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «هَذَانِ حَرَامٌ» أَيْ اسْتِعْمَالُ هَذَيْنِ حَرَامٌ وَإِنْ كَانَ مَا هُنَا عَلَى الْعَكْسِ.
قَوْلُهُ: (قُدِّمَ صَاحِبُهَا) أَيْ الْعَيْنِ، أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا، نَعَمْ لِلْوَرَثَةِ تَحْلِيفُ الْمُقَرِّ لَهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمُقَرَّ بِهِ وَلَا تَسْقُطُ الْيَمِينُ بِإِسْقَاطِ الْوَارِثِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفُوا وَبَطَلَ الْإِقْرَارُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ.
اهـ. م ر ع ش. وَقَوْلُهُ " كَعَكْسِهِ " أَيْ بِأَنْ قُدِّمَ الْإِقْرَارُ بِالْعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بِدَلِيلِ نُفُوذِ تَصَرُّفِهِ) أَيْ الْمَرِيضِ أَيْ قَبْلَ إقْرَارِهِ بِهَا، أَيْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْعَيْنِ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ، وَأَمَّا التَّبَرُّعُ بِهَا فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ الدَّيْنِ نَفَذَ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَقَرَّ) أَيْ الْمَرِيضُ بِإِعْتَاقِ أَخِيهِ بِأَنْ كَانَ أَخُوهُ رَقِيقًا لَهُ فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي الصِّحَّةِ عَتَقَ وَوَرِثَهُ.
قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَحْجُبْهُ غَيْرُهُ) مِنْ ابْنٍ أَوْ أَبٍ وَهُوَ قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ وَوَرِثَهُ.
قَوْلُهُ: (لِتَرِكَتِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمُسْتَغْرِقٍ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ إلَخْ) وَهَذِهِ الْعِلَّةُ تَجْرِي فِي الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّهَا ضَعُفَتْ بِمَا قَالَهُ الشَّارِحُ؛ لِأَنَّهُ انْتَهَى إلَى حَالَةٍ إلَخْ؛ وَقَوْلُهُ " لِأَنَّهُ انْتَهَى إلَى حَالَةٍ إلَخْ " غَرَضُهُ بِهَذَا الرَّدِّ عَلَى الضَّعِيفِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ

مَوْتِهَا وَفِي إقْرَارِهِ لِوَارِثِهِ بِهِبَةٍ أَقْبَضَهَا لَهُ فِي حَالِ صِحَّتِهِ، وَالْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الصِّحَّةِ وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَعِنْدَ قَصْدِ الْحِرْمَانِ لَا شَكَّ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ وَقَالَ: إنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَخْذُهُ انْتَهَى.
وَالْخِلَافُ فِي الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ، أَمَّا لَوْ أَقَرَّ بِنِكَاحٍ أَوْ عُقُوبَةٍ فَيَصِحُّ جَزْمًا وَإِنْ أَفْضَى إلَى الْمَالِ بِالْعَفْوِ أَوْ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ لِضَعْفِ التُّهْمَةِ.

فَصْلٌ فِي الْعَارِيَّةِ وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَقَدْ تُخَفَّفُ اسْمٌ لِمَا يُعَارُ وَلِعَقْدِهَا مِنْ عَارَ إذَا ذَهَبَ وَجَاءَ بِسُرْعَةٍ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْغُلَامِ الْخَفِيفِ عَيَّارٌ لِكَثْرَةِ ذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] وَفَسَّرَ جُمْهُورُ

[حاشية البجيرمي]

إقْرَارُهُ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِحِرْمَانِ بَاقِيهِمْ، قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَاخْتَارَ جَمْعٌ عَدَمَ قَبُولِهِ إنْ اُتُّهِمَ لِفَسَادِ الزَّمَانِ، بَلْ قَدْ تَقْطَعُ الْقَرَائِنُ بِكَذِبِهِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَخْشَى اللَّهَ أَنْ يَقْضِيَ أَوْ يُفْتِيَ بِالصِّحَّةِ وَلَا شَكَّ فِيهِ إذَا عَلِمَ أَنَّ قَصْدَهُ الْحِرْمَانُ وَقَدْ صَرَّحَ جَمْعٌ بِالْحُرْمَةِ حِينَئِذٍ وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَخْذُهُ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي إقْرَارِ الزَّوْجَةِ بِقَبْضِ صَدَاقِهَا مِنْ زَوْجِهَا، اهـ فَافْهَمْ ذَلِكَ فَهُوَ حَسَنٌ اهـ. قَوْلُهُ: (وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي إقْرَارِ الزَّوْجَةِ بِقَبْضِ صَدَاقِهَا مِنْ زَوْجِهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهَا) هَذِهِ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ: " وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي مَرَضِهِ لِوَارِثِهِ " فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهَا، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ نَبَّهَ عَلَيْهَا اهْتِمَامًا بِهَا لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا، وَقَدْ يُقَالُ: مَا مَرَّ فِي إقْرَارِهِ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ لِوَارِثِهِ وَهَذَا إقْرَارٌ بِقَبْضِ مَا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الصِّحَّةِ) أَيْ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَحِلُّ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَخْذُهُ) يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا عَلِمَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّهُ قَصَدَ الْمُقِرُّ بِذَلِكَ حِرْمَانَ الْوَرَثَةِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عِنْدَهُ الْمُقَرَّ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْخِلَافُ فِي الْإِقْرَارِ) أَيْ إقْرَارِ الْمَرِيضِ.
قَوْلُهُ: (بِنِكَاحٍ) أَيْ بِأَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ تَزَوَّجَ فُلَانَةَ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ عُقُوبَةً) أَيْ مُوجِبُ عُقُوبَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَفْضَى إلَى الْمَالِ بِالْعَفْوِ إلَخْ) عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوَّشِ، فَالْعَفْوُ رَاجِعٌ لِلْعُقُوبَةِ، وَالْمَوْتُ رَاجِعٌ لِلنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ وَإِنْ وَجَبَ بِالْعَقْدِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَقَرَّرُ إلَّا بِالْمَوْتِ أَوْ الدُّخُولِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ فَلَمْ يُوجَدْ دُخُولٌ فَيَكُونُ تَقَرُّرُهُ بِالْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ) رَاجِعٌ لِلْمَوْتِ أَيْ مَاتَ الزَّوْجُ مَثَلًا قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الزَّوْجَةِ الْمَهْرَ.

[فَصْلٌ فِي الْعَارِيَّةِ]

ِ ذَكَرَهَا عَقِبَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِي كُلِّ إزَالَةٍ مَا هُوَ تَحْتَ يَدِهِ لِغَيْرِهِ، لَكِنْ فِي الْإِقْرَارِ لَا عَوْدَ وَفِي الْعَارِيَّةِ عَوْدٌ وَذَكَرَهَا فِي التَّحْرِيرِ عَقِبَ الْإِجَارَةِ وَهُوَ أَنْسَبُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَةٍ، لَكِنَّ الْإِجَارَةَ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَةٍ بِمُقَابِلٍ وَالْعَارِيَّةُ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَةٍ بِلَا مُقَابِلٍ، وَلِاتِّحَادِ شَرْطِ مَا يُؤَجَّرُ وَمَا يُعَارُ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا؛ وَلِذَا قَالَ الرُّويَانِيُّ: كُلُّ مَا جَازَتْ إجَارَتُهُ جَازَتْ إعَارَتُهُ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ فُرُوعٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ تُخَفَّفُ) وَفِيهَا لُغَةٌ ثَالِثَةٌ: بِوَزْنِ نَاقَةٍ م ر عَارَةٌ ع ش. قَوْلُهُ؛ (اسْمٌ لِمَا يُعَارُ) أَيْ شَرْعًا، وَلِعَقْدِهَا أَيْ فَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا ع ش. وَعِبَارَةُ ح ل: قَوْلُهُ " اسْمٌ لِمَا يُعَارُ " أَيْ لُغَةً وَشَرْعًا أَوْ لُغَةً فَقَطْ أَوْ لُغَةً لِمَا يُعَارُ وَشَرْعًا لِلْعَقْدِ، لَكِنْ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ مَا يُفِيدُ أَنَّ إطْلَاقَهَا عَلَى كُلٍّ مِنْ الْعَقْدِ وَمَا يُعَارُ لُغَوِيٌّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَحَقِيقَتُهَا الشَّرْعِيَّةُ إبَاحَةُ مَنْفَعَةِ مَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ.
قَوْلُهُ: (إذَا ذَهَبَ وَجَاءَ بِسُرْعَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا تُرَدُّ لِصَاحِبِهَا بِالسُّرْعَةِ، وَقِيلَ مِنْ التَّعَاوُرِ وَهُوَ التَّنَاوُبُ لِتَنَاوُبِ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَقِيلَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعَارِ أَيْ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ طَلَبَهَا عَارٌ وَعَيْبٌ.
وَرُدَّ بِأَنَّ عَيْنَ الْعَارِيَّةِ وَاوٌ وَعَيْنَ الْعَارِ يَاءٌ وَبِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعَارَ فَرَسًا اهـ قَوْلُهُ: (عَيَّارٌ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]

الْمُفَسِّرِينَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7] مَا يَسْتَعِيرُهُ الْجِيرَانُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَالدَّلْوِ وَالْفَأْسِ وَالْإِبْرَةِ، وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَعَارَ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ فَرَكِبَهُ» وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَقَدْ تَجِبُ كَإِعَارَةِ الثَّوْبِ لِدَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، وَقَدْ تَحْرُمُ كَإِعَارَةِ الْأَمَةِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، وَقَدْ تُكْرَهُ كَإِعَارَةِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ مِنْ كَافِرٍ.

[حاشية البجيرمي]

الْبِرُّ فِعْلُ الْخَيْرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي الْعَارِيَّةِ فِعْلُ الْخَيْرِ وَالتَّقْوَى امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي.
وَسُمِّيَتْ تَقْوًى؛ لِأَنَّهَا تَقِي أَيْ تَحْفَظُ صَاحِبَهَا مِنْ الْمَهَالِكِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَفَسَّرَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ) أَيْ فَسَرُّوا الْمَاعُونَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 7] وَغَيْرُ الْجُمْهُورِ فَسَّرَهُ بِالزَّكَاةِ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ كُلُّ مَعْرُوفٍ.
اهـ. سَمِّ.
وَحَكَى الْبَيْضَاوِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ بِقِيلَ وَقَدَّمَ عَلَيْهِ تَفْسِيرَهُ بِالزَّكَاةِ اهـ. وَكَانَتْ وَاجِبَةً فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ لِلْوَعِيدِ عَلَيْهَا فِي الْآيَةِ ثُمَّ نُسِخَ وُجُوبُهَا.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
فَلَا حَاجَةَ لِمَا يُقَالُ إنَّ الْوَعِيدَ فِي الْآيَةِ عَلَى مَجْمُوعِ مَا فِيهَا أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَمْنَعُ الْمَاعُونَ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إعَارَتُهُ.
قَوْله: (كَإِعَارَةِ الثَّوْبِ إلَخْ) مَعَ وُجُوبِ الْأُجْرَةِ حَيْثُ كَانَ لِمِثْلِهِ أُجْرَةٌ ز ي وَهَلْ وَإِنْ لَمْ يُعْقَدْ بِذَلِكَ أَوْ حَيْثُ عُقِدَ بِهِ.
وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِعَارِيَّةٍ بَلْ إجَارَةٍ، وَكَذَا تَجِبُ إعَارَةُ كُلِّ مَا فِيهِ إحْيَاءُ مُهْجَةٍ مُحْتَرَمَةٍ، وَكَذَا إعَارَةُ سِكِّينٍ لِذَبْحِ مَأْكُولٍ يُخْشَى مَوْتُهُ ح ل. وَلَا يُنَافِي وُجُوبَ الْإِعَارَةِ هُنَا أَنَّ الْمَالِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَبْحُهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إضَاعَةُ مَالٍ؛ لِأَنَّهَا بِالتَّرْكِ هُنَا، وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ لَا يُنَافِي وُجُوبَ إسْعَافِهِ إذَا أَرَادَ حِفْظَ مَالِهِ كَمَا يَجِبُ الِاسْتِيدَاعُ إنْ تَعَيَّنَ وَإِنْ جَازَ لِلْمَالِكِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ إلَى التَّلَفِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَإِنْ تَوَهَّمَ بَعْضُ الطَّلَبَةِ الْمُنَافَاةَ.
اهـ. عِ ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ؛ (وَقَدْ تَحْرُمُ) وَلَا تَصِحُّ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ سم.
قَوْلُهُ: (كَإِعَارَةِ الْأَمَةِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْعَارِيَّةَ حِينَئِذٍ فَاسِدَةٌ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَقْدَ شَامِلٌ لِلْفَاسِدِ كَالصَّحِيحِ، تَدَبَّرْ.
وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ اعْتِرَاضِ الْقَلْيُوبِيِّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَجْنَبِيٍّ) أَيْ لَهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ بِأَنْ مَرِضَ الْأَجْنَبِيُّ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَخْدُمُهُ إلَّا أَمَةً فَاسْتَعَارَهَا لِذَلِكَ فَتَصِحُّ لِلضَّرُورَةِ.
وَقَوْلُهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَكَالصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ وَالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ لِلْحَرْبِيِّ وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ وَالْبَاغِي إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ عِصْيَانُهُمْ بِذَلِكَ اهـ ز ي. قَوْلُهُ: (مِنْ كَافِرٍ) وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ مِنْ حَيْثُ الْعَقْدُ وَإِلَّا فَخِدْمَةُ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ حَرَامٌ قَطْعًا وَلَوْ بِأُجْرَةٍ وَلَوْ فِي حَمَّامٍ أَوْ حَلْقِ رَأْسِهِ فَلَا يُمْكِنُ مِنْ اسْتِخْدَامِهِ كَمَا قَالَهُ قِ ل. وَانْظُرْ مَا فَائِدَةُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعِيرُهُ وَلَا يُؤَجِّرُهُ، وَلَعَلَّ فَائِدَةَ ذَلِكَ تَظْهَرُ فِي الْأَيْمَانِ وَالتَّعَالِيقِ.
اهـ. م د. أَقُولُ: فَائِدَةُ ذَلِكَ إذَا اسْتَعَارَهُ لِيَرْهَنَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا تَعْتَرِيهَا الْإِبَاحَةُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ وَضْعِهَا السُّنَّةُ، قَالَ ع ش: وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهَا فِي إعَارَةِ شَيْءٍ لِغَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَرِّ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ أَصَالَةً إجْمَاعًا، وَكَانَتْ وَاجِبَةً فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) ثُمَّ نُسِخَ وُجُوبُهَا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ أَخِيهِ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ " وَقَدْ تَجِبُ كَإِعَارَةِ الثَّوْبِ لِدَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، وَكَإِعَارَةِ الْحَبْلِ لِإِنْقَاذِ غَرِيقٍ وَالسِّكِّينِ لِذَبْحِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ يُخْشَى مَوْتُهُ.
وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ إضَاعَةَ الْمَالِ إذَا كَانَ سَبَبُهَا تَرْكًا لَا تَحْرُمُ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْحَيَوَانَ قَدْ يَكُونُ لِمَحْجُورٍ بِحَضْرَةِ وَلِيِّهِ اهـ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ إعَارَةُ السِّكِّينِ لِذَبْحِ الْحَيَوَانِ الْمَذْكُورِ إلَّا إذَا كَانَ لِمَحْجُورٍ إلَخْ رَاجِعْهُ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَهِيَ سُنَّةٌ، وَقَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً كَإِعَارَةِ ثَوْبٍ لِدَفْعِ نَحْوِ مُؤْذٍ كَحَرٍّ وَمُصْحَفٍ لِمَنْ لَمْ يَحْفَظْ الْفَاتِحَةَ وَهُوَ يَعْرِفُ الْمُطَالَعَةَ عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْعُبَابِ تَبَعًا لِلْكِفَايَةِ، أَوْ ثَوْبٍ تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ حَيْثُ الْفِقْهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وُجُوبُ إعَارَةِ كُلِّ مَا فِيهِ إحْيَاءُ مُهْجَةٍ مُحْتَرَمَةٍ وَلَا أُجْرَةَ لِمِثْلِهِ، وَكَذَا إعَارَةُ سِكِّينٍ لِذَبْحِ مَأْكُولٍ يُخْشَى مَوْتُهُ، وَكَإِعَارَةِ مَا كَتَبَ بِنَفْسِهِ أَوْ مَأْذُونِهِ فِيهِ سَمَاعُ غَيْرِهِ أَوْ رِوَايَتُهُ لِيَنْسَخَهُ مِنْهُ تَحْرُمُ كَإِعَارَةِ غَيْرِ صَغِيرَةٍ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، وَتُكْرَهُ كَإِعَارَةِ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ اهـ. وَتَعْتَرِيهَا الْإِبَاحَةُ بِأَنْ أَعَارَ لِغَنِيٍّ غَيْرِ مُحْتَاجٍ، كَمَا إذَا

وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: مُعِيرٌ وَمُسْتَعِيرٌ وَمُعَارٌ وَصِيغَةٌ.
وَقَدْ بَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْمُسْتَعَارِ فَقَالَ وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ كَالْعَبْدِ وَالثَّوْبِ، فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَلَا يُعَارُ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ كَالْحِمَارِ الزَّمِنِ، وَأَمَّا مَا يُتَوَقَّعُ نَفْعُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَالْجَحْشِ الصَّغِيرِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ أَنَّ الْعَارِيَّةَ إنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً أَوْ مُؤَقَّتَةً بِزَمَنٍ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ صَحَّتْ وَإِلَّا فَلَا، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ، وَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الثَّانِي مَا لَوْ كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ مُحَرَّمَةً، فَلَا يُعَارُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفَاعًا مُحَرَّمًا كَآلَاتِ الْمَلَاهِي، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَنْفَعَتُهُ قَوِيَّةً فَلَا يُعَارُ النَّقْدَانِ لِلتَّزَيُّنِ إذْ مَنْفَعَتُهُ بِهِمَا، أَوْ الضَّرْبُ عَلَى طَبْعِهِمَا مَنْفَعَةٌ ضَعِيفَةٌ قَلَّمَا تُقْصَدُ، وَمُعْظَمُ مَنْفَعَتِهِمَا فِي الْإِنْفَاقِ وَالْإِخْرَاجِ، نَعَمْ إنْ صَرَّحَ بِالتَّزَيُّنِ أَوْ الضَّرْبِ عَلَى طَبْعِهِمَا أَوْ نَوَى ذَلِكَ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ صَحَّتْ لِاِتِّخَاذِهِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ مَقْصِدًا وَإِنْ ضَعُفَتْ، وَيَنْبَغِي مَجِيءُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ

[حاشية البجيرمي]

كَانَ عِنْدَ شَخْصٍ ثِيَابٌ كَثِيرَةٌ مَثَلًا وَعِنْدَ آخَرَ ثَوْبٌ وَاحِدٌ فَقَطْ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ بِهِ فَاسْتَعَارَ صَاحِبُ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ مِنْ صَاحِبِ الثِّيَابِ ثَوْبًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِالْإِبَاحَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.

قَوْلُهُ: (بِالْمُسْتَعَارِ) الْمُنَاسِبِ " بِالْمُعَارِ ". قَوْلُهُ: (وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَخْ) حَاصِلُ مَا فِي الْمَتْنِ شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ، وَزَادَ الشَّارِحُ رَابِعًا وَخَامِسًا.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ) فِي هَذَا الْإِخْرَاجِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِالْجَوَازِ، فَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ قَوْلِهِ " جَازَتْ إعَارَتُهُ " عَلَى قَوْلِهِ " فَخَرَجَ إلَخْ " إلَّا أَنْ يُقَالَ لَاحَظَ الْإِخْبَارَ أَوَّلًا ثُمَّ أَخْرَجَ أَوْ اتَّكَلَ عَلَى الْمُعَلِّمِ.
قَوْلُهُ: (مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ) الْمُنَاسِبُ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: مَا لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ إدْخَالُ مَا تَوَقَّعَ نَفْعَهُ، كَالْجَحْشِ الصَّغِيرِ إذَا كَانَتْ إعَارَتُهُ مُقَيَّدَةً فِي زَمَنٍ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (الزَّمِنِ) بِفَتْحِ الزَّاي وَكَسْرِ الْمِيمِ قَالَ فِي الْمِصْبَاح زَمِنَ الشَّخْصُ زَمِنًا وَزَمَانَةً فَهُوَ زَمِنٌ مِنْ بَابِ تَعِبَ وَهُوَ مَرَضٌ يَدُومُ زَمَانًا طَوِيلًا.
قَوْلُهُ: (كَآلَاتِ الْمَلَاهِي) قَضِيَّةُ التَّمْثِيلِ بِمَا ذَكَرَ لِلْمُحَرَّمِ أَنَّ مَا يُبَاحُ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ الطُّبُولِ وَنَحْوِهَا لَا يُسَمَّى آلَةَ لَهْوٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَعَلَيْهِ فَالشِّطْرَنْجُ تُبَاحُ إعَارَتُهُ بَلْ إجَازَتُهُ.
اهـ. عِ ش. قَوْلُهُ: (قَوِيَّةً) عِبَارَةُ م ر: " مَقْصُودَةً " بَدَلَ " قَوِيَّةً " وَهِيَ أَوْلَى، وَيَدُلُّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ بَعْدُ: " قَلَّمَا تُقْصَدُ اهـ " وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَلَا بُدَّ إلَى قَيْدٍ آخَرَ.
قَوْلُهُ: (لِلتَّزَيُّنِ) أَيْ أَوْ لِلضَّرْبِ عَلَى طَبْعِهِمَا، أَخْذًا مِنْ التَّعْلِيلِ وَالِاسْتِدْرَاكِ الْآتِي وَإِنْ لَمْ يُقَدِّرْ مَا ذَكَرَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَوْ الضَّرْبِ عِلَّةً بِلَا مُعَلِّلٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ " أَوْ الضَّرْبِ " بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى " لِلتَّزَيُّنِ " فَهُوَ مُؤَخَّرٌ مِنْ تَقْدِيمٍ، وَقَوْلُهُ " إذْ مَنْفَعَتُهُ " عِلَّةٌ لِذَلِكَ، وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ " لِلتَّزَيُّنِ " هِيَ لَامُ الْعَاقِبَةِ بِأَنْ اسْتَعَارَ النَّقْدَ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِجِهَةِ الِانْتِفَاعِ لِيُوَافِقَ مَا سَيَأْتِي أَنَّهُ إنْ صَرَّحَ بِالتَّزَيُّنِ أَوْ الضَّرْبِ عَلَى طَبْعِهِمَا صَحَّ لِجَعْلِهِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ مَقْصُودَةً؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً تَتَقَوَّى بِالْقَصْدِ.
وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ: لَعَلَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ " لِلتَّزَيُّنِ " أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَتَّى لَا يُنَافِي الِاسْتِدْرَاكَ الْآتِي، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: فَلَا يُعَارُ النَّقْدَانِ فَقَطْ، وَيُحْذَفُ قَوْلُهُ " لِلتَّزَيُّنِ " ثُمَّ يَسْتَدْرِكُ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (إذْ مَنْفَعَتُهُ) أَيْ الْمُسْتَعِيرِ بِهِمَا، أَيْ بِالنَّقْدَيْنِ، أَيْ لِلتَّزَيُّنِ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ضَمِيرَ مَنْفَعَتِهِ لِلتَّزَيُّنِ وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ.
وَقَوْلُهُ " أَوْ الضَّرْبُ " الظَّاهِرُ أَنَّهُ بِالرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلَى " مَنْفَعَتُهُ " مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَيَكُونُ " أَوْ " بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَجَرُّهُ مَعْطُوفًا عَلَى " التَّزَيُّنِ " مِنْ بَابِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالْمُبْتَدَإِ وَهُوَ " مَنْفَعَتُهُ " وَالْفَصْلُ بَيْنَ الْمُبْتَدَإِ وَخَبَرِهِ بِقَوْلِهِ " أَوْ الضَّرْبُ " تَأَمَّلْ.
نَعَمْ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلَى ضَمِيرِ مَنْفَعَتِهِ إذَا كَانَ رَاجِعًا لِلتَّزَيُّنِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ مَالِكٍ الْمُجَوِّزِ لِلْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَخْفُوضِ بِدُونِ إعَادَةِ الْخَافِضِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ " أَوْ الضَّرْبُ " مَعْطُوفًا عَلَى " التَّزَيُّنِ " فَهُوَ مُؤَخَّرٌ مِنْ تَقْدِيمٍ وَحَقُّهُ أَنْ يُذْكَرَ بِجَنْبِهِ، وَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي مَنْفَعَتِهِ لِلْمُسْتَعَارِ وَفِي بِهِمَا لِلتَّزَيُّنِ وَالضَّرْبِ، وَفِيهِ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى مُتَأَخِّرٍ لَفْظًا لَكِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ رُتْبَةً، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ مُسَامَحَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالْمُبْتَدَإِ وَالْفَصْلُ بَيْنَ الْمُبْتَدَإِ وَالْخَبَرِ بِالْمَعْطُوفِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي " مَنْفَعَتُهُ " عَائِدٌ عَلَى " التَّزَيُّنِ " وَقَوْلُهُ " أَوْ الضَّرْبِ " بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى ضَمِيرِ " التَّزَيُّنِ " وَلَكِنْ يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الضَّرْبَ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي الدَّعْوَى وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ فِيهَا التَّزَيُّنُ.
وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الضَّرْبَ مُقَدَّرٌ أَيْضًا، وَالتَّقْدِيرُ: فَلَا يُعَارُ النَّقْدَانِ لِلتَّزَيُّنِ أَوْ الضَّرْبِ، فَحُذِفَ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي.

فِي الْمَطْعُومِ الْآتِي.
وَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الثَّالِثِ مَا لَوْ كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ فِي إذْهَابِ عَيْنِهِ، فَلَا يُعَارُ الْمَطْعُومُ وَنَحْوُهُ فَإِنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ إنَّمَا هُوَ بِالِاسْتِهْلَاكِ، فَانْتَفَى الْمَقْصُودُ مِنْ الْإِعَارَةِ.
فَإِنْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فِي الْمُعَارِ (جَازَتْ إعَارَتُهُ إذَا كَانَتْ مَنَافِعُهُ آثَارًا) بِالْقَصْرِ أَيْ بَاقِيَةً كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ كَمَا مَرَّ، فَخَرَجَ بِالْمَنَافِعِ الْأَعْيَانُ، فَلَوْ أَعَارَهُ شَاةً لِلَبَنِهَا أَوْ شَجَرَةً لِثَمَرَتِهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ أَعَارَهُ شَاةً أَوْ دَفَعَهَا لَهُ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (وَالْإِخْرَاجِ) أَيْ فِي الْمَصَالِحِ وَهُوَ عَطْفُ مُرَادِفٍ.
قَوْلُهُ: (عَلَى طَبْعِهِمَا) أَيْ صُورَتِهِمَا.
قَوْلُهُ: (فِي الْمَطْعُومِ الْآتِي) أَيْ فَإِذَا اسْتَعَارَ طَعَامًا لِيَطْبُخَ مِثْلَهُ صَحَّ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُعَارُ الْمَطْعُومُ وَنَحْوُهُ) أَيْ كَالشَّمْعِ وَالصَّابُونِ.
وَهَلْ يُنَزَّلُ الِاسْتِقْذَارُ مَنْزِلَةَ إذْهَابِ الْعَيْنِ فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ الْمَاءِ لِلْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ وَإِنْ لَمْ يَتَنَجَّسْ أَوْ تَصِحَّ نَظَرًا لِبَقَاءِ عَيْنِهِ مَعَ طَهَارَتِهِ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَجَرَى ق ل عَلَى صِحَّةِ إعَارَةِ ذَلِكَ لَكِنْ تَبَعًا لِلظَّرْفِ، وَمَشَى الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى جَوَازِ إعَارَةِ الْمَاءِ لِلْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَالتَّبَرُّدِ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى فِي ظَرْفِهِ وَالْأَجْزَاءُ الذَّاهِبَةُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ مَا يَذْهَبُ مِنْ الثَّوْبِ الْمُعَارِ بِالِانْمِحَاقِ.
اهـ. م د؛ وَعِبَارَتُهُ عَلَى التَّحْرِيرِ: وَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ مِنْ الْمُعَارِ أَيْ مِنْ ذَاتِهِ أَوْ وَصْفِهِ، فَلَوْ أَعَارَهُ ثَوْبًا لِلُبْسِهِ فَلَا يَضْمَنُ مَا انْسَحَقَ مِنْهُ أَوْ انْمَحَقَ وَإِنْ ذَهَبَ جَمِيعُهُ، أَوْ أَعَارَهُ مَاءً لِوُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ فَلَا يَضْمَنُ مَا تَشَرَّبَتْهُ الْأَعْضَاءُ مِنْهُ وَلَا نَقَصَ قِيمَتُهُ بِالِاسْتِعْمَالِ، وَلَوْ أَعَارَهُ دَوَاةً لِلْكِتَابَةِ مِنْهَا أَوْ دَابَّةً لِأَخْذِ لَبَنِهَا أَوْ شَجَرَةً لِأَخْذِ ثَمَرَتِهَا لَمْ يَضْمَنْ تِلْكَ الْأَعْيَانَ الْمَأْخُوذَةَ.
نَعَمْ لَوْ قَالَ شَيْخُنَا: الْحَقُّ أَنَّ تِلْكَ الْأَعْيَانَ مَأْخُوذَةٌ بِالْإِبَاحَةِ وَأَنَّ الْمُعَارَ مَحَالُّهَا فَقَطْ لِأَخْذِهَا مِنْهَا ق ل. وَعِبَارَةُ م ر: وَحَقَّقَ الْأُشْمُونِيُّ فَقَالَ: إنَّ الدَّرَّ وَالنَّسْلَ لَيْسَا مُسْتَفَادَيْنِ بِالْعَارِيَّةِ بَلْ الْإِبَاحَةُ وَالْمُسْتَعَارُ هُوَ الشَّاةُ لِمَنْفَعَةٍ هُوَ التَّوَصُّلُ لِمَا أُبِيحَ وَكَذَا الْبَاقِي اهـ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فِي الْمُعَارِ إلَخْ) فِيهِ تَغْيِيرُ إعْرَابِ الْمَتْنِ؛ لِأَنَّ جُمْلَةَ جَازَتْ إعَارَتُهُ خَبَرُ كُلٍّ مِنْ قَوْلِهِ وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ وَقَدْ جَعَلَهَا الشَّارِحُ جَوَابَ الشَّرْطِ، وَيَلْزَمُ عَلَى كَلَامِهِ خُلُوُّ الْمُبْتَدَإِ عَنْ الْخَبَرِ تَأَمَّلْ.
وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ حَلَّ مَعْنًى.
قَوْلُهُ: (جَازَتْ إعَارَتُهُ) أَيْ وَاسْتِعَارَتُهُ، وَمُرَادُهُ بِالْجَوَازِ مَا قَابَلَ الْحُرْمَةَ فَيُصَدَّقُ بِالنَّدْبِ وَالْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: (إذَا كَانَتْ مَنَافِعُهُ) هَذَا الشَّرْطُ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ: مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ.
قَوْلُهُ: (بِالْقَصْرِ) فِيهِ نَظَرٌ، فَفِي الْمِصْبَاحِ: وَأَثَرُ الدَّارِ بَقِيَّتُهَا وَالْجَمْعُ آثَارٌ كَسَبَبٍ وَأَسْبَابٍ اهـ فَالْقَصْرُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُفْرَدِ دُونَ الْجَمْعِ، فَلَعَلَّهُ اشْتَبَهَ عَلَى الشَّارِحِ.
وَفِي نُسْخَةٍ " أَثَرًا " بِالْإِفْرَادِ، وَلَا إشْكَالَ عَلَيْهَا فَيُمْكِنُ أَنَّ الشَّارِحَ شَرَحَ عَلَيْهَا؛ لَكِنْ يَرِدُ عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ عَدَمُ الْمُطَابِقَةِ بَيْنَ اسْمِ كَانَ وَخَبَرِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ذَوَاتَ أَثَرٍ.
قَوْلُهُ: (أَيْ بَاقِيَةً) فِيهِ مُسَامَحَةً؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْآثَارِ بِبَقَاءِ الْعَيْنِ فَيَكُونُ كَأَنَّهُ قَالَ: مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ، فَيَكُونُ مُسْتَدْرَكًا، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَيْ مَنَافِعَ غَيْرَ أَعْيَانٍ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ.
وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ التَّكْرَارُ أَيْضًا وَاتِّحَادُ اسْمِ كَانَ وَخَبَرِهَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَتْ مَنَافِعُهُ مَنَافِعَ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْأَوَّلِ الْمُرَادُ بِهَا مَا يُنْتَفَعُ بِهِ أَعَمُّ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْآثَارِ وَالثَّانِي الْمُرَادُ بِهِ الْآثَارُ فَقَطْ فَيَكُونُ الثَّانِي أَخَصَّ سم.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ بِالْمَنَافِعِ إلَخْ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ، فَإِنَّ الْمَنَافِعَ الَّتِي فِي الْمَتْنِ لَمْ تُجْعَلْ شَرْطًا وَقَيْدًا.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ قَيَّدَ الْمَنَافِعَ وَهُوَ قَوْلُهُ آثَارًا، وَهَذَا الْإِخْرَاجُ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْعَارِيَّةَ صَحِيحَةٌ وَالْمُسْتَفَادُ مِنْهَا مَنَافِعُ وَهِيَ تُوَصِّلُك لِحَقِّك مِنْ اللَّبَنِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا اللَّبَنُ فَهُوَ مَأْخُوذٌ بِالْإِبَاحَةِ لَا الْعَارِيَّةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ ق ل: لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُعَارَ فِي ذَلِكَ هُوَ الشَّاةُ لِتُوَصِّلَك إلَى مَا أُبِيحَ لَك وَأَنَّ اللَّبَنَ مَأْخُوذٌ بِالْإِبَاحَةِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ فَقَوْلُهُ لَمْ يَصِحَّ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ إلَّا إنْ كَانَ مُرَادُهُ إعَارَةَ نَفْسِ اللَّبَنِ أَوْ نَفْسِ الثَّمَرَةِ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ.
وَعِبَارَةُ ز ي: الْحَقُّ أَنَّ الدَّرَّ وَالنَّسْلَ لَيْسَا مُسْتَفَادَيْنِ بِالْعَارِيَّةِ بَلْ بِالْإِبَاحَةِ وَالْمُسْتَعَارُ هُوَ الشَّاةُ لِمَنْفَعَةٍ وَهِيَ إيصَالُك إلَى مَا أُبِيحَ لَك، فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَعَرْت مَجْرًى فِي أَرْضِ غَيْرِك لِتُوَصِّلَ مَاءَك إلَى أَرْضِك.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) كَإِعَارَةِ دَوَاةٍ لِلْكِتَابَةِ مِنْهَا وَمَاءٍ لِلْوُضُوءِ بِهِ مَثَلًا أَوْ لِإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ بِهِ وَإِنْ تَنَجَّسَ أَوْ بُسْتَانٍ لِأَخْذِ ثَمَرِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ ق ل. وَقَوْلُهُ " وَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ " أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِلشَّارِحِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " لَمْ يَصِحَّ " ضَعِيفٌ، وَقَوْلُهُ " وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ " وَهُوَ أَنَّ الْحِبْرَ وَالْمَاءَ وَالثَّمَرَةَ مَأْخُوذَةٌ بِالْإِبَاحَةِ وَالْمُسْتَعَارُ إنَّمَا هُوَ ظَرْفُ الْحِبْرِ وَظَرْفُ

وَمَلَّكَهُ دَرَّهَا وَنَسْلَهَا لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَضْمَنْ آخُذُهَا الدَّرَّ وَالنَّسْلَ لِأَنَّهُ أَخَذَهُمَا بِهِبَةٍ، فَاسِدَةٍ وَيَضْمَنُ الشَّاةَ بِحُكْمِ الْعَارِيَّةِ الْفَاسِدَةِ.

(وَتَجُوزُ) إعَارَةُ جَارِيَةٍ لِخِدْمَةِ امْرَأَةٍ أَوْ ذَكَرٍ مُحَرَّمٍ لِلْجَارِيَةِ لِعَدَمِ الْمَحْذُورِ فِي ذَلِكَ.
وَفِي مَعْنَى الْمَرْأَةِ وَالْمُحَرَّمِ الْمَمْسُوحُ وَزَوْجُ الْجَارِيَةِ وَمَالِكُهَا كَأَنْ يَسْتَعِيرَهَا مِنْ مُسْتَأْجِرِهَا أَوْ الْمُوصَى لَهُ بِمَنْفَعَتِهَا.
وَيَلْحَقُ بِالْجَارِيَةِ الْأَمْرَدُ الْجَمِيلُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ، لَا سِيَّمَا مِمَّنْ عُرِفَ بِالْفُجُورِ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَسَكَتُوا عَنْ إعَارَةِ الْعَبْدِ لِلْمَرْأَةِ وَهُوَ كَعَكْسِهِ بِلَا شَكٍّ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَعِيرُ أَوْ الْمُعَارُ خُنْثَى امْتَنَعَ احْتِيَاطًا وَيُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ اسْتِعَارَةُ وَإِعَارَةُ فَرْعِ أَصْلِهِ لِخِدْمَةٍ وَاسْتِعَارَةُ، وَإِعَارَةُ كَافِرٍ مُسْلِمًا صِيَانَةً لَهُمَا عَنْ الْإِذْلَالِ.

تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ شُرُوطِ بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ، فَيُشْتَرَطُ فِي الْمُعِيرِ صِحَّةُ تَبَرُّعِهِ وَلِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بِإِبَاحَةِ الْمَنْفَعَةِ فَلَا تَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُكَاتَبٍ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ وَفَلَسٍ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا فَلَا

[حاشية البجيرمي]

الْمَاءِ لِمَنْفَعَةٍ وَهِيَ إيصَالك لِمَا أُبِيحَ لَك، وَكَذَا الْبُسْتَانُ مُعَارٌ لِإِيصَالِك لِلثَّمَرِ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِحُكْمِ الْعَارِيَّةِ الْفَاسِدَةِ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْفَى حِينَئِذٍ أَعْيَانٌ لَا مَنَافِعُ.
اهـ. م د.

قَوْلُهُ: (الْمَمْسُوحُ) أَيْ إذَا كَانَ عَفِيفًا، وَمِثْلُهُ الْمَرْأَةُ.
قَوْلُهُ: (وَزَوْجُ الْجَارِيَةِ) أَيْ بِأَنْ يَسْتَعِيرَهَا مِنْ سَيِّدِهَا وَلَا نَفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ وَإِنْ سَلِمَتْ لَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا؛ لِأَنَّ تَسَلُّمَهُ لَهَا إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْعَارِيَّةِ وَالْمُعَارُ نَفَقَتُهُ عَلَى مَالِكِهِ.
اهـ. م د. وَيُلْغِزُ بِهَا وَيُقَالُ: لَنَا زَوْجَةٌ مُسْلِمَةٌ لِزَوْجِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا وَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ يَسْتَعِيرَهَا) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ وَمَالِكُهَا.
قَوْلُهُ: (وَيَلْحَقُ بِالْجَارِيَةِ إلَخْ) ذَكَرَ م ر هَذَا بَعْدَ أَنْ قَالَ بِخِلَافِ إعَارَتِهَا لِأَجْنَبِيٍّ وَلَوْ شَيْخَاهُمَا أَوْ مُرَاهِقًا أَوْ خَصِيًّا.
وَقَدْ تَضَمَّنَتْ نَظَرًا أَوْ خَلْوَةً مُحَرَّمَةً وَلَوْ بِاعْتِبَارِ الْمَظِنَّةِ فِيمَا يَظْهَرُ لِحُرْمَتِهِ اهـ. وَهُوَ أَصْنَعُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْإِلْحَاقُ فِي الْحُرْمَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لَا سِيَّمَا إلَخْ، وَقَوْلُهُ: وَيَلْحَقُ إلَخْ؛ أَيْ فِي صِحَّةِ إعَارَتِهِ لِلْمُحْرِمِ دُونَ الْأَجْنَبِيِّ وَهَذَا مَأْخُوذٌ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ مِمَّا ذَكَرَ فِي الْجَارِيَةِ.
وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ: قَوْلُهُ " وَيَلْحَقُ إلَخْ " يَقْتَضِي حُرْمَةَ ذَلِكَ وَلَوْ لِعَدْلٍ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَدْلِ وَلَا يُقَالُ لَوْ نَظَرَ لِلْعَدَالَةِ لَجَازَتْ إعَارَةُ الْأَمَةِ لِغَيْرِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِالْجِنْسِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ كَعَكْسِهِ) وَهُوَ إعَارَةُ الْجَارِيَةِ لِلرَّجُلِ أَيْ الْأَجْنَبِيِّ وَالْعَكْسُ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي كَلَامِهِ، لَكِنْ مُلَاحَظٌ فِيهِ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (امْتَنَعَ احْتِيَاطًا) فَلَا يُعَارُ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ وَلَا لِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ وَلَا يَسْتَعِيرُ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً.
قَوْلُهُ: (اسْتِعَارَةٍ إلَخْ) هَذَا مُصَوَّرٌ بِمَا إذَا كَانَ الْأَصْلُ رَقِيقًا فَيُكْرَهُ لِمَالِكِهِ إعَارَتُهُ لِفَرْعِهِ وَيُكْرَهُ لِلْفَرْعِ اسْتِعَارَتُهُ اهـ. فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلِاسْتِعَارَةِ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ وَبِالنِّسْبَةِ لِلْإِعَارَةِ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ إعَارَةُ الْمَالِكِ الْكَافِرِ مُسْلِمًا وَصَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ مُسْتَأْجِرًا لِلْأَصْلِ فَتُكْرَهُ لَهُ إعَارَتُهُ اهـ وَصَوَّرَهُ أج بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْمُكَاتَبُ أَصْلَهُ فَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ لِضَعْفِ مِلْكِهِ وَتُكْرَهُ لَهُ إعَارَتُهُ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا خِلَافُ مَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَإِنَّمَا الْكَرَاهَةُ فِي جَانِبِ الْوَلَدِ لِمَكَانِ الْوِلَادَةِ فَلَمْ يَتَعَدَّ لِغَيْرِهِ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَصْلَ لَوْ أَعَارَ نَفْسَهُ لِفَرْعِهِ بِأَنْ كَانَ حُرًّا لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إعَانَةٌ عَلَى مَكْرُوهٍ وَهِيَ اسْتِعَارَتُهُ إيَّاهُ.
قَوْلُهُ: (لِخِدْمَةٍ) أَفْهَمَ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ لِلِاسْتِرَاحَةِ جَازَتْ.
قَوْلُهُ: (وَاسْتِعَارَةِ وَإِعَارَةِ كَافِرٍ مُسْلِمًا) أَيْ يُكْرَهُ عَقْدُ الِاسْتِعَارَةِ، وَأَمَّا خِدْمَةُ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ فَحَرَامٌ فَلَا يُمْكِنُ مِنْهَا الْكَافِرُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِذْلَالِ.
وَانْظُرْ أَيَّ فَائِدَةٍ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ مُضَافَانِ لِلْفَاعِلِ فَيَقْتَضِي أَنَّ الْكَافِرَ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُعِيرَ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ وَلَوْ لِمُسْلِمٍ وَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ.
وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلِاسْتِعَارَةِ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ وَبِالنِّسْبَةِ لِلْإِعَارَةِ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ وَمُسْلِمًا مَفْعُولٌ ثَانٍ وَعَلَيْهِ فَلَا يَقْتَضِي مَا ذَكَرَ شَوْبَرِيٌّ.
وَقَوْلُهُ " مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ " أَيْ يُكْرَهُ لِلْمَالِكِ أَنْ يُعِيرَ الْكَافِرَ الْمُسْلِمَ وَلَا يُوضَعُ عِنْدَهُ.

قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ) أَيْ إلَّا إعَارَةَ نَفْسِهِ لِخِدْمَةِ نَحْوِ مُعَلِّمِهِ مِنْ وَلِيِّهِ، وَمِثْلُهُ الْمَجْنُونُ وَالسَّفِيهُ ق ل. أَوْ لِمَا لَا يُقْصَدُ مِنْ مَنَافِعِهِ بِأَنْ لَمْ يُقَابَلْ بِأُجْرَةٍ؛ وَلِذَلِكَ سُئِلَ م ر عَمَّنْ قَالَ لِوَلَدِ غَيْرِهِ: اقْضِ لِي هَذِهِ الْحَاجَةَ مَثَلًا، هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ

يَصِحُّ مِنْ مُكْرَهٍ، وَأَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِمَنْفَعَةِ الْمُعَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ إنَّمَا تَرِدُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْعَيْنِ، فَتَصِحُّ مِنْ مُكْتِرٍ لَا مِنْ مُسْتَعِيرٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِلْمَنْفَعَةِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الِانْتِفَاعُ فَلَا يَمْلِكُ نَقْلَ الْإِبَاحَةِ.

وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُسْتَعِيرِ تَعْيِينٌ وَإِطْلَاقُ تَصَرُّفٍ، فَلَا تَصِحُّ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَأَنْ قَالَ: أَعَرْت أَحَدَكُمَا.
وَلَا لِصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَسَفِيهٍ إلَّا بِعَقْدِ وَلِيِّهِمْ إذَا لَمْ تَكُنْ الْعَارِيَّةُ مُضَمَّنَةً، كَأَنْ اسْتَعَارَ مِنْ مُسْتَأْجِرٍ.
وَلِلْمُسْتَعِيرِ إنَابَةُ مَنْ يَسْتَوْفِي لَهُ الْمَنْفَعَةَ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ رَاجِعٌ إلَيْهِ.

وَيُشْتَرَطُ فِي الصِّيغَةِ لَفْظٌ يُشْعِرُ بِالْإِذْنِ فِي الِانْتِفَاعِ كَأَعَرْتُكَ، أَوْ بِطَلَبِهِ كَأَعِرْنِي مَعَ لَفْظِ الْآخَرِ أَوْ فِعْلِهِ وَإِنْ تَأَخَّرَ

[حاشية البجيرمي]

أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ لَا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ وَعَلِمَ رِضَا وَلِيِّهِ جَازَ.
وَفِي م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَلَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يُعِيرَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ فِي خِدْمَةٍ لَهَا أُجْرَةٌ أَوْ تَضُرُّ بِهِ الْخِدْمَةُ كَمَا لَا يُعِيرُ مَالَهُمَا بِخِلَافِ خِدْمَةٍ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، كَأَنْ يُعِيرَهُ لِخِدْمَةِ مَنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَجْنُونُ وَالْبَالِغُ السَّفِيهُ كَذَلِكَ،.
اهـ. رَوْضٌ وَشَرْحُهُ.
فَرْعٌ: لَوْ أَرْسَلَ بَالِغٌ صَبِيًّا لِيَسْتَعِيرَ لَهُ شَيْئًا لَمْ يَصِحَّ، فَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ هُوَ وَلَا مُرْسِلُهُ؛ كَذَا فِي الْجَوَاهِرِ، أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي يَدِهِ أَيْ الْمُرْسِلِ وَنَظَرَ غَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ وَالنَّظَرُ وَاضِحٌ إذْ الْإِعَارَةُ مِمَّنْ عُلِمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ تَقْتَضِي تَسْلِيطَهُ عَلَى الْإِتْلَافِ، فَلْيُحْمَلْ ذَلِكَ أَيْ عَدَمُ الضَّمَانِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ رَسُولٌ.
اهـ. ابْنُ حَجَرٍ وَكَتَبَ ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى قَوْلِهِ " فَلْيُحْمَلْ ذَلِكَ إلَخْ ". أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ لَا تَقْتَضِي تَسْلِيطَ الْمُسْتَعِيرِ عَلَى الْإِتْلَافِ أَيْ فَيَضْمَنُ فِيهِ لَا فِي التَّلَفِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهَا تَقْتَضِي الْمُسَامَحَةَ بِوَاسِطَةِ الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَفَلَسٍ) أَيْ إلَّا زَمَنًا لَا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ ق ل، كَإِعَارَةِ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِ زَمَنًا يَسِيرًا.
وَعِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ: وَلَوْ لِنَحْوِ دَارِهِ يَوْمًا فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ إطْلَاقِهِمْ، خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّبَرُّعِ مُطْلَقًا وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ حَيْثُ لَا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ.
قَوْلُهُ: (مَالِكًا لِمَنْفَعَةِ الْمُعَارِ) الْمُرَادُ بِالْمِلْكِ مَا يَشْمَلُ الِاخْتِصَاصَ بِهَا لِتَصْحِيحِهِمْ إعَارَةَ كَلْبٍ لِصَيْدٍ وَإِعَارَةِ أُضْحِيَّةٍ وَهَدْيٍ وَلَوْ مَنْذُورَيْنِ، وَإِعَارَةِ الْإِمَامِ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ ز ي أج.
وَإِذَا أَعَارَ الْأُضْحِيَّةَ وَتَلِفَتْ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا وَالْقَرَارُ عَلَى مَنْ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ.
وَيُلْغَزُ بِهَذَا فَيُقَالُ: لَنَا مُعِيرٌ يَضْمَنُ سم.
قَوْلُهُ: (لَا مِنْ مُسْتَعِيرٍ) هَذَا مَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمَالِكُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْمَالِكُ صَحَّتْ الْإِعَارَةُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ثُمَّ إنْ لَمْ يُسَمِّ الْمَالِكُ مَنْ يُعِيرُ لَهُ فَالْأَوَّلُ عَلَى عَارِيَّتِهِ وَهُوَ الْمُعِيرُ لِلثَّانِي وَالضَّمَانُ بَاقٍ عَلَيْهِ وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا وَإِنْ رَدَّهَا الثَّانِي عَلَيْهِ بَرِيءَ أَيْ الثَّانِي، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَبَاقٍ عَلَى الضَّمَانِ، وَإِنْ سَمَّاهُ انْعَكَسَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ اهـ خ ض وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلْمَنْفَعَةِ وَلَوْ بِوَصِيَّةٍ أَوْ وَقْفٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلْعَيْنِ؛ وَقَيَّدَ ابْنُ الرِّفْعَةِ جَوَازَ الْإِعَارَةِ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِمَا إذَا كَانَ نَاظِرًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
اهـ. .

قَوْلُهُ: (تَعْيِينٌ) سَكَتَ عَنْ هَذَا فِي الْمُعِيرِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ كَالْمُعَارِ، فَلَوْ قَالَ لِاثْنَيْنِ: لِيُعِرْنِي أَحَدُكُمَا كَذَا فَدَفَعَهُ أَحَدُهُمَا لَهُ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ صَحَّ، وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْتَعِيرِ بِأَنَّ الدَّفْعَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رِضًا بِإِتْلَافِ مَنْفَعَةِ مَتَاعِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَالْمُسْتَعِيرِ فَلَا يَصِحُّ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ ع ش. قَوْلُهُ: (وَلَا لِصَبِيٍّ إلَخْ) وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ إنْ أَخَذُوا مِنْ رَشِيدٍ وَإِلَّا ضَمِنُوا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ: فَلَا تَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ إلَخْ فَيَضْمَنُهَا مِنْ أَخْذِهَا مِنْهُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ تَكُنْ الْعَارِيَّةُ مُضَمَّنَةً) أَيْ فَتَصِحُّ حِينَئِذٍ، إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمَحْجُورِ فِيهَا بِخِلَافِ الْمُضَمَّنَةِ كَالَّتِي مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَيَمْتَنِعُ عَلَى الْوَلِيِّ لِمَا فِيهَا مِنْ ضَمَانِ الْمَحْجُورِ لَوْ تَلِفَتْ.
مَسْأَلَةٌ: فِي جَمَاعَةٍ مُشْتَرِكِينَ فِي سَاقِيَّةٍ أَوْ دِرَاسٍ أَوْ حَرْثٍ، فَهَلْ إذَا مَاتَتْ بَهِيمَةُ أَحَدِهِمْ فِي شُغْلِ ذَلِكَ تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَى بَقِيَّةِ الشُّرَكَاءِ؟ وَهَلْ إذَا كَانَ لِكُلِّ شَرِيكٍ حَيَوَانٌ يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ أَمْ لَا؟ أَجَابَ إذَا أَخَذَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ ثَوْرَ الْآخَرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهُوَ غَاصِبٌ لَهُ يَضْمَنُهُ ضَمَانَ الْمَغْصُوبِ وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ ضَمِنَهُ ضَمَانَ الْعَارِيَّةِ وَإِنْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ ثَوْرِهِ كَانَتْ إجَارَةً فَاسِدَةً يَجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَإِذَا مَاتَ لَا يَضْمَنُهُ.

أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ كَمَا فِي الْإِبَاحَةِ، وَفِي مَعْنَى اللَّفْظِ الْكِتَابَةُ مَعَ نِيَّةِ وَإِشَارَةِ أَخْرَسَ مُفْهِمَةٍ.
وَلَوْ قَالَ: أَعَرْتُك فَرَسِي مَثَلًا لِتَعْلِفَهُ بِعَلَفِك أَوْ لِتُعِيرَنِي فَرَسَك فَهُوَ إجَارَةٌ لَا إعَارَةٌ نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى فَاسِدَةٌ لِجَهَالَةِ الْمُدَّةِ وَالْعِوَضِ تُوجِبُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَمُؤْنَةَ رَدِّ الْمُعَارِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ مِنْ مَالِكٍ أَوْ مِنْ نَحْوِ مُكْتَرٍ إنْ رَدَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدَّ عَلَى الْمَالِكِ فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ رَدَّ عَلَى الْمُكْتَرِي.
وَخَرَجَ بِمُؤْنَةِ رَدِّهِ مُؤْنَتُهُ فَتَلْزَمُ الْمَالِكَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ وَإِنْ خَالَفَ الْقَاضِي، وَقَالَ: إنَّهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ.

وَتَصِحُّ (الْعَارِيَّةُ مُطْلَقَةً) مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِزَمَنٍ (وَمُقَيَّدَةً بِمُدَّةٍ) كَشَهْرٍ فَلَا يُفْتَرَقُ الْحَالُ بَيْنَهُمَا.
نَعَمْ الْمُؤَقَّتَةُ يَجُوزُ فِيهَا تَكْرِيرُ الْمُسْتَعِيرِ مَا اسْتَعَارَ لَهُ، فَإِذَا اسْتَعَارَ أَرْضًا لِبِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ أَوْ يَغْرِسَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْأُخْرَى مَا لَمْ تَنْقَضِ الْمُدَّةُ أَوْ يَرْجِعْ الْمُعِيرُ، وَفِي الْمُطْلَقَةِ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنْ قَلَعَ مَا بَنَاهُ أَوْ غَرَسَهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ إعَادَتُهُ إلَّا بِإِذْنٍ جَدِيدٍ إلَّا إنْ صَرَّحَ لَهُ بِالتَّجْدِيدِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ الْإِعَارَةُ مُطْلَقَةً أَمْ مُؤَقَّتَةً لِكُلٍّ مِنْ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ رُجُوعٌ فِي الْعَارِيَّةِ مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّهَا جَائِزَةٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، فَتَنْفَسِخُ بِمَا تَنْفَسِخُ بِهِ الْوَكَالَةُ وَنَحْوُهَا مِنْ مَوْتِ أَحَدِهِمَا وَغَيْرِهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ رُجُوعِ الْمُعِيرِ مَا إذَا أَعَارَ أَرْضًا لِدَفْنِ مَيِّتٍ مُحْتَرَمٍ، فَلَا يَرْجِعُ الْمُعِيرُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ وَامْتَنَعَ أَيْضًا عَلَى

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (لَفْظٌ يُشْعِرُ إلَخْ) يُسْتَثْنَى مِنْ اشْتِرَاطِ اللَّفْظِ مَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا وَسَلَّمَهُ لَهُ الْبَائِعُ فِي ظَرْفٍ فَالظَّرْفُ مُعَارٌ فِي الْأَصَحِّ، وَمَا لَوْ أَكَلَ الْمُهْدَى إلَيْهِ الْهَدِيَّةَ فِي ظَرْفِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ إنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهَا مِنْهُ كَأَكْلِ الطَّعَامِ مِنْ الْقَصْعَةِ الْمَبْعُوثِ فِيهَا، وَهُوَ مُعَارٌ، فَيَضْمَنُهُ بِحُكْمِ الْعَارِيَّةِ إلَّا إذَا كَانَ لِلْهَدِيَّةِ عِوَضٌ وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِالْأَكْلِ مِنْهُ فَلَا يَضْمَنُهُ بِحُكْمِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، فَإِنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِمَا ذَكَرَ ضَمَّنَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ بِحُكْمِ الْغَصْبِ سُلْطَانٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الظَّرْفَ أَمَانَةٌ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ مُطْلَقًا، وَمَغْصُوبٌ بِالِاسْتِعْمَالِ الْغَيْرِ الْمُعْتَادِ مُطْلَقًا، وَعَارِيَّةٌ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمُعْتَادِ إنْ لَمْ يَكُنْ عِوَضٌ وَإِلَّا فَمُؤَجَّرٌ إجَارَةً فَاسِدَةً اهـ وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا حُكْمُ مَا يَقَعُ كَثِيرًا أَنَّ مُرِيدَ الشِّرَاءِ يَدْفَعُ ظَرْفَهُ لِزَيَّاتٍ مَثَلًا فَيَتْلَفُ مِنْهُ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ التَّلَفُ قَبْلَ وَضْعِ الْمَبِيعِ فِيهِ فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ وَضْعِ الْمَبِيعِ فِيهِ ضَمَّنَهُ؛ لِأَنَّهُ عَارِيَّةٌ اهـ ع ش عَلَى م ر قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَأَخَّرَ أَحَدُهُمَا) أَيْ وَإِنْ تَرَاخَى وَإِلَّا فَالتَّأَخُّرُ مَوْجُودٌ قَطْعًا.
قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الْإِبَاحَةِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ لَا تَتَوَقَّفُ مِنْ الطَّرَفِ الْآخَرِ عَلَى لَفْظٍ وَلَا فِعْلٍ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ م ر. قَوْلُهُ: (نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى) رَاجِعٌ لِلْإِجَارَةِ الْمُثْبَتَةِ وَالْإِعَارَةُ الْمَنْفِيَّةُ، وَقَوْلُهُ " فَاسِدَةٌ " صِفَةٌ لِ " إجَارَةٌ ". وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يُقَدِّمَ قَوْلَهُ " فَاسِدَةٌ " عَلَى قَوْلِهِ " لَا إعَارَةٌ ". قَوْلُهُ: (لِجَهَالَةِ الْمُدَّةِ) عِبَارَةُ م ر لِجَهَالَةِ الْعِوَضِ مَعَ التَّعْلِيقِ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَوْلُهُ " وَالْعِوَضِ " أَيْ فِي الْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (تُوجِبُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ) وَلَا تُضْمَنُ الْعَيْنُ وَيَرْجِعُ بِالْعَلَفِ عَلَى صَاحِبِ الْفَرَسِ لِعَدَمِ تَبَرُّعِهِ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَالِكٍ) أَيْ اسْتَعَارَ مِنْ مَالِكٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مِنْ نَحْوِ مُكْتِرٍ) نَحْوَ الْمُكْتَرِي الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ.
قَوْلُهُ " إنْ رَدَّ عَلَيْهِ " أَيْ عَلَى نَحْوِ الْمُكْتَرِي، وَقَوْلُهُ " فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ " أَيْ الْمَالِكِ، وَقَوْلُهُ " كَمَا لَوْ وَرَدَ عَلَى الْمُكْتَرِي " أَيْ فَإِنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ، أَيْ وَالْمُسْتَعِيرُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُسْتَأْجِرِ، أَيْ وَالْمُسْتَأْجِرُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ.
وَفِي ق ل عَلَى الْغَزِّيِّ: وَلَا ضَمَانَ فِي الدَّابَّةِ أَيْ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ إنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ وَلَوْ بِغَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا وَلَا مُؤْنَةُ رَدِّهَا.
فَرْعٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ أَيْضًا عَمَّا يَقَعُ كَثِيرًا أَنَّ مُسْتَعِيرَ الدَّابَّةِ إذَا نَزَلَ عَنْهَا بَعْدَ رُكُوبِهِ لَهَا يُرْسِلُهَا مَعَ تَابِعِهِ فَيَرْكَبُهَا التَّابِعُ فِي الْعَوْدِ ثُمَّ تَتْلَفُ بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَهَلْ يَضْمَنُهَا الْمُسْتَعِيرُ أَمْ التَّابِعُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّ التَّابِعَ وَإِنْ رَكِبَهَا فَهُوَ فِي حَاجَةِ الْمُسْتَعِيرِ مِنْ إيصَالِهَا إلَى مَحَلِّ الْحِفْظِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ أُجْرَةَ الْمُعَدِّيَةِ أَوْ مَنْ يَسُوقُهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ دُونَ الْمُعِيرِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ اهـ ع ش. قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَالَفَ الْقَاضِي وَقَالَ إلَخْ) قَوْلُ الْقَاضِي ضَعِيفٌ فَلَوْ عَلَفَهَا الْمُسْتَعِيرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَّا إنْ عَلَفَ بِإِذْنِ حَاكِمٍ أَوْ إشْهَادٍ ق ل.

قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ الْإِعَارَةُ إلَخْ) اسْتِئْنَافٌ.
قَوْلُهُ: (مَيِّتٍ مُحْتَرَمٍ) وَهُوَ كُلُّ مَنْ وَجَبَ دَفْنُهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ

الْمُسْتَعِيرِ رَدُّهَا فَهِيَ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَتِهِمَا حَتَّى يَنْدَرِسَ أَثَرُ الْمَدْفُونِ إلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ وَهُوَ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ فِي طَرَفِ الْعُصْعُصِ لَا يَكَادُ يَتَحَقَّقُ بِالْمُشَاهَدَةِ مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَةِ الْمَيِّتِ، وَلَهُمَا الرُّجُوعُ قَبْلَ وَضْعِهِ فِي الْقَبْرِ لَا بَعْدَ وَضْعِهِ وَإِنْ لَمْ يُوَارَ بِالتُّرَابِ كَمَا رَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ خِلَافًا لِلْمُتَوَلِّي.
وَذَكَرْت فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ مَسَائِلَ كَثِيرَةً مُسْتَثْنَاةً مِنْ الرُّجُوعِ فَلَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا، فَمَنْ أَرَادَهَا فَلْيُرَاجِعْهَا مِنْ تِلْكَ الْكُتُبِ.
وَلَكِنَّ الْهِمَمَ قَدْ قَصُرَتْ وَإِنْ أَعَارَ لِبِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ وَلَوْ إلَى مُدَّةٍ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ بَنَى الْمُسْتَعِيرُ أَوْ غَرَسَ، فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ قَلْعَ ذَلِكَ لَزِمَهُ قَلْعُهُ، فَإِنْ امْتَنَعَ قَلَعَهُ الْمُعِيرُ وَإِنْ لَمْ

[حاشية البجيرمي]

الزَّانِي الْمُحْصَنُ وَتَارِكُ الصَّلَاةِ وَالذِّمِّيُّ ع ش. قَوْلُهُ: (حَتَّى يَنْدَرِسَ) فَلَوْ أَقَّتَ الْعَارِيَّةَ بِمُدَّةٍ لَا يَبْلَى فِيهَا الْمَيِّتُ عَادَةً فَسَدَتْ، وَإِذَا أَعَارَ أَرْضًا لِلدَّفْنِ لَا يَجِبُ تَعْيِينُ كَوْنِ الْمَيِّتِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا.
نَعَمْ إنْ كَانَ شَهِيدًا فَيَنْبَغِي تَعْيِينُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْلَى.
وَهَلْ يَجُوزُ زِيَارَةُ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُعِيرِ؟ قَرَّرَ شَيْخُنَا أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي ذَلِكَ لِلْعَادَةِ.
اهـ. ح ل. وَعُلِمَ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالِانْدِرَاسِ لُزُومُهَا فِي دَفْنِ النَّبِيِّ وَالشَّهِيدِ لِعَدَمِ بِلَائِهِمَا فَلَا يَرِدَانِ، اهـ شَرْحُ م ر وَجُمْلَةُ مَنْ لَا تَأْكُلُ الْأَرْضُ جَسَدَهُ نَظَمَهُمْ التَّتَّائِيُّ فَقَالَ: لَا تَأْكُلْ الْأَرْضُ جِسْمًا لِلنَّبِيِّ وَلَا ... لِعَالِمٍ وَشَهِيدٍ قُتِلَ مُعْتَرِكْ وَلَا لِقَارِئِ قُرْآنٍ وَمُحْتَسِبٍ ... أَذَانَهُ لِإِلَهٍ مُجْرِي الْفُلْك وَنَظَمَهُمْ الشَّمْسُ الْبُرُلُّسِيُّ بِقَوْلِهِ: أَبَتْ الْأَرْضُ أَنْ تُمَزِّقَ لَحْمًا ... لِشَهِيدٍ وَعَالِمٍ وَنَبِيٍّ وَكَذَا قَارِئُ الْقُرْآنِ وَمَنْ ... أَذَّنَ لِلَّهِ حِسْبَةً دُونَ شَيْءٍ قَوْلُهُ: (أَثَرُ الْمَدْفُونِ) فَيَرْجِعُ حِينَ الِانْدِرَاسِ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي تَكْرِيرِ الدَّفْنِ وَإِلَّا فَالْعَارِيَّةُ انْتَهَتْ، شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (عَجْبَ الذَّنَبِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِسُكُونِ الْجِيمِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ آخِرُهُ وَإِبْدَالُهَا مِيمًا لُغَةً كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَقَوْلُهُ: الْعُصْعُصُ بِضَمِّ الْأَوَّلِ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَيُضَمُّ وَقَدْ يُفْتَحُ تَخْفِيفًا مِثْلَ طُحْلُبٍ وَطُحْلَبٍ وَالْجَمْعُ عَصَاعِصُ.
اهـ. مِصْبَاحٌ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ وَضْعِهِ فِي الْقَبْرِ) أَيْ قَبْلَ إدْلَائِهِ فِي الْقَبْرِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى أَسْفَلِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِلَّا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ فِي عَوْدِهِ إزْرَاءٌ بِهِ ق ل. وَإِذَا رَجَعَ قَبْلَ الْإِدْلَاءِ غَرِمَ لِوَلِيِّ الْمَيِّتِ مُؤْنَةَ حَفْرِهِ وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَعِيرُ رَدْمُ مَا حَفَرَهُ لِلْإِذْنِ فِيهِ.
اهـ. م ر، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ فَحَرَثَهَا ثُمَّ رَجَعَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ الْحَرْثِ؛ لِأَنَّ الدَّفْنَ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِالْحَفْرِ فَهُوَ مُوَرِّطٌ لَهُ فِيهِ، بِخِلَافِ زَرْعِ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ بِدُونِ حَرْثٍ حَتَّى لَوْ لَمْ يُمْكِنْ زَرْعُهَا إلَّا بِالْحَرْثِ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الدَّفْنِ ز ي، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَفَرَ لِلْمَيِّتِ قَبْلَ مَوْتِهِ لَا غُرْمَ إذَا رَجَعَ الْمُعِيرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَفْرَ إلَّا عِنْدَ مَوْتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ امْتَنَعَ قَلَعَهُ) أَيْ وَإِذَا احْتَاجَ الْقَلْعُ إلَى مُؤْنَةٍ صَرَفَهَا الْمُعِيرُ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ صَرَفَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ.
اهـ. ع ش. قَوْلُهُ:

يَشْرِطْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِنْ اخْتَارَهُ الْمُسْتَعِيرُ قَلَعَ مَجَّانًا وَلَزِمَهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ.
وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ قَلْعَهُ خُيِّرَ الْمُعِيرُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ وَهِيَ تَمَلُّكُهُ بِعَقْدٍ بِقِيمَتِهِ مُسْتَحَقِّ الْقَلْعِ حِينَ التَّمَلُّكِ، أَوْ قَلْعِهِ بِضَمَانِ أَرْشِ نَقْصِهِ أَوْ تَبْقِيَتِهِ بِأُجْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ الْمُعِيرُ شَيْئًا تُرِكَا حَتَّى يَخْتَارَ أَحَدُهُمَا مَا لَهُ اخْتِيَارُهُ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيْعُ مِلْكِهِ مِمَّنْ شَاءَ، وَإِذَا رَجَعَ الْمُعِيرُ قَبْلَ إدْرَاكِ زَرْعٍ لَمْ يُعْتَدْ قَلْعُهُ لَزِمَهُ تَبْقِيَتُهُ إلَى قَلْعِهِ، وَلَوْ عَيَّنَ مُدَّةً وَلَمْ يُدْرِكْ فِيهَا لِتَقْصِيرٍ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ قَلَعَهُ الْمُعِيرُ مَجَّانًا كَمَا لَوْ حَمَلَ نَحْوُ سَيْلٍ كَهَوَاءٍ بَذْرًا إلَى أَرْضِهِ فَنَبَتَ فِيهَا فَإِنَّ لَهُ قَلْعَهُ مَجَّانًا.

(وَهِيَ) أَيْ الْعَيْنُ الْمُسْتَعَارَةُ (مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ) إذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ كَتَلَفِهَا

[حاشية البجيرمي]

قَلَعَ مَجَّانًا) أَيْ فَلَا يَغْرَمُ لَهُ الْمُعِيرُ أَرْشَ مَا نَقَصَ مِنْ الْبِنَاءِ أَوْ الْغِرَاسِ.
قَوْلُهُ: (تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ) أَيْ الْحَفْرُ الْحَاصِلَةُ بِالْقَلْعِ دُونَ الْحَاصِلَةِ بِالْبِنَاءِ أَوْ الْغِرَاسِ لِحُدُوثِهَا بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَلَعَهُ بِضَمَانٍ) أَيْ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (أَرْشِ نَقْصِهِ) وَهُوَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ قَائِمًا مُسْتَحَقَّ الْقَلْعِ وَمَقْلُوعًا، فَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مُسْتَحَقَّ الْإِبْقَاءِ عَشَرَةً وَمُسْتَحَقَّ الْقَلْعِ تِسْعَةً وَمَقْلُوعًا ثَمَانِيَةً لَزِمَهُ وَاحِدٌ، فَإِذَا تَمَلَّكَهُ لَزِمَهُ تِسْعَةٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
وَأُجْرَةُ الْقَلْعِ عَلَى الْمُعِيرِ وَأُجْرَةُ نَقْلِ النَّقْضِ عَلَى مَالِكِهِ س ل، وَكَذَا أُجْرَةُ نَقْلِ الْمَغْرُوسِ.
وَإِذَا اخْتَارَ مَا لَهُ اخْتِيَارُهُ لَزِمَ الْمُسْتَعِيرَ مُوَافَقَتُهُ، فَإِنْ امْتَنَعَ كُلِّفَ تَفْرِيغَ الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَخْتَارَ أَحَدُهُمَا مَا لَهُ اخْتِيَارُهُ) فِيهِ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَيْسَ لَهُ إلَّا خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الْقَلْعُ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُخَيَّرًا؟ قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ تَبْقِيَتُهُ) أَيْ بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ انْقَطَعَتْ بِالرُّجُوعِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَهَلْ يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى عَقْدِ إيجَارٍ مِنْ إيجَابٍ وَقَبُولٍ أَمْ يَكْفِي مُجَرَّدُ اخْتِيَارِ الْمُعِيرِ فَتَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ بِمُجَرَّدِهِ؟ الْوَجْهُ الْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَقْدِ إيجَارٍ، ثُمَّ رَأَيْت الشَّارِحَ بَسَطَ الْكَلَامَ فِي فَتْوَى وَاسْتَدَلَّ مِنْ كَلَامِهِمْ بِمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ، وَقَدْ يُقَالُ إنْ عَقَدَ فَلَا كَلَامَ وَإِلَّا وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
اهـ. سم عَلَى حَجّ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَلَوْ عَيَّنَ مُدَّةً) أَيْ قَبْلَ إدْرَاكِهِ.
قَوْلُهُ: (قَلَعَهُ الْمُعِيرُ مَجَّانًا) ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ حَقِّهِ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يَزْرَعَ.
قَوْلُهُ: (بَذْرًا) اسْمٌ لِمَا يَشْمَلُ الْحَبَّ وَالنَّوَى وَأَصْلُهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الْمَبْذُورُ؛ لِأَنَّهُ سَيَصِيرُ مَبْذُورًا، فَفِيهِ مَجَازٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: إطْلَاقُ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِمَا سَيَصِيرُ إلَيْهِ زي.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْعَيْنُ) هَذَا تَفْسِيرٌ مُرَادٌ، وَإِلَّا فَالضَّمِيرُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَائِدٌ عَلَى الْإِعَارَةِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى؛ فَفِي كَلَامِهِ اسْتِخْدَامٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا الْعَارِيَّةَ بِمَعْنَى الْعَقْدِ وَأَعَادَ عَلَيْهَا الضَّمِيرَ بِمَعْنَى الشَّيْءِ الْمُعَارِ قَوْلُهُ: (مَضْمُونَةٌ) بَدَلًا وَأَرْشًا وَإِنْ شَرَطَا عَدَمَ ضَمَانِهَا.
قَالَ الْقَفَّالُ: وَلَوْ أَخَذَ الْكُوزَ مِنْ السِّقَاءِ لِيَشْرَبَ فَانْكَسَرَ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَالْمَاءُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي يَدِهِ بِحُكْمِ الْإِبَاحَةِ وَالْكُوزُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَارِيَّةٌ فِي يَدِهِ، وَأَمَّا إذَا شَرَطَ عِوَضًا فَالْمَاءُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ وَالْكُوزُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَالْعُرْفُ يَقْتَضِي الْبَدَلَ لِجَرَيَانِهِ بِهِ، فَإِنْ انْكَسَرَ الْكُوزُ بَعْدَ الشُّرْبِ فَإِنْ كَانَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ لَمْ يَضْمَنْ الْكُوزَ وَلَا بَقِيَّةَ الْمَاءِ الْفَاضِلَةِ فِي الْكُوزِ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ الْقَدْرُ الَّذِي شَرِبَهُ دُونَ الْبَاقِي فَيَكُونُ الْبَاقِي أَمَانَةً فِي يَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ الْعِوَضَ فَالْكُوزُ مَضْمُونٌ وَالْمَاءُ غَيْرُ مَضْمُونٍ؛ وَيَجْرِي هَذَا التَّفْصِيلُ فِي فِنْجَانِ الْقَهْوَةِ؛ اهـ ابْنُ الْعِمَادِ فِي أَحْكَامِ الْأَوَانِي وَالظُّرُوفِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْمَظْرُوفِ.
فَرْعٌ: لَوْ اسْتَعَارَ قِنْدِيلًا لِلِاسْتِضَاءَةِ بِزِينَتِهِ فَالْقِنْدِيلُ مَضْمُونٌ بِالْعَارِيَّةِ الْفَاسِدَةِ وَالزَّيْتُ غَيْرُ مَضْمُونٍ؛ لِأَنَّهُ هِبَةٌ فَاسِدَةٌ، فَإِنْ اسْتَعَارَهُ لِيَقْضِيَ بِهِ حَاجَتَهُ وَيَرُدَّهُ فَالْقَدْرُ الزَّائِدُ مِنْ الزَّيْتِ عَلَى مِقْدَارِ الْحَاجَةِ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ يَضْمَنُهُ إذَا فَرَّطَ، وَإِنْ اسْتَعَارَهُ لِيَقْضِيَ بِجَمِيعِ الزَّيْتِ فَتَلِفَ الزَّيْتُ قَبْلَ الِاسْتِضَاءَةِ أَوْ بَعْدَهَا لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ هِبَةٌ فَاسِدَةٌ،.
اهـ. ابْنُ الْعِمَادِ.

قَوْلُهُ: (إذَا تَلِفَتْ) خَرَجَ بِهِ الْإِتْلَافُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ لَزِمَهُ الْبَدَلُ الشَّرْعِيُّ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ كَانَ لِلْمَالِكِ مُطَالَبَةُ كُلٍّ، فَإِنْ غَرِمَ الْمُتْلِفُ بَرِئَ الْمُسْتَعِيرُ وَإِنْ غَرِمَ الْمُسْتَعِيرُ الْقِيمَةَ لِلْحَيْلُولَةِ رَجَعَ عَلَى الْمُتْلِفِ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ

بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لِخَبَرِ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» وَحِينَئِذٍ يَضْمَنُهَا (بِقِيمَتِهَا) مُتَقَوِّمَةً كَانَتْ أَوْ مِثْلِيَّةً (يَوْمَ تَلَفِهَا) هَذَا مَا جَزَمَ بِهِ.
فِي الْأَنْوَار وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ جَمْعٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ: يَضْمَنُ الْمِثْلِيَّ بِالْمِثْلِ وَجَرَى عَلَيْهِ السُّبْكِيُّ، وَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَلَوْ اسْتَعَارَ عَبْدًا عَلَيْهِ ثِيَابٌ لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا لِيَسْتَعْمِلَهَا بِخِلَافِ إكَافِ الدَّابَّةِ قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ.

تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ ضَمَانِ الْعَارِيَّةِ مَسَائِلُ مِنْهَا: جِلْدُ الْأُضْحِيَّةِ الْمَنْذُورَةِ، فَإِنَّ إعَارَتَهُ جَائِزَةٌ وَلَا يَضْمَنُهُ الْمُسْتَعِيرُ إذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ.
وَمِنْهَا الْمُسْتَعَارُ لِلرَّهْنِ إذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ اسْتَعَارَ صَيْدًا مِنْ مُحَرَّمٍ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ أَعَارَ الْإِمَامُ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِمَنْ لَهُ حَقٌّ فِيهِ فَتَلِفَ

[حاشية البجيرمي]

الْمَأْذُونِ فِيهِ) حَاصِلُهُ أَنْ يُقَالَ إنْ تَلِفَتْ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ لَا ضَمَانَ وَلَوْ بِالتَّعَثُّرِ مِنْ ثِقَلِ حَمْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ وَمَوْتٍ بِهِ وَانْمِحَاقِ ثَوْبِ بِلُبْسِهِ لَا نَوْمِهِ فِيهِ حَيْثُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ تَعَثُّرِهِ بِانْزِعَاجٍ أَوْ عُثُورِهِ فِي وَهْدَةٍ أَوْ رَبْوَةٍ أَوْ تَعَثُّرِهِ لَا فِي الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ فِي هَذَا الْأُمُورِ، وَمِثْلُهُ سُقُوطُهَا فِي بِئْرٍ حَالَ السَّيْرِ كَمَا قَالَهُ م ر. وَمِنْهُ مَا لَوْ اسْتَعَارَ ثَوْرًا لِاسْتِعْمَالِهِ فِي سَاقِيَّةٍ فَسَقَطَ فِي بِئْرِهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ بِغَيْرِهِ لَا بِهِ، وَمَنْ عَدَمِ الضَّمَانِ تَزَايُدُ مَرَضٍ تَوَلَّدَ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا يَنْمَحِقُ أَيْ يَتْلَفُ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ يَنْسَحِقُ أَيْ يَنْقُصُ بِاسْتِعْمَالٍ مَأْذُونٍ فِيهِ لِحُدُوثِهِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ؛ وَمَوْتِ الدَّابَّةِ كَالِانْمِحَاقِ، وَتَقَرُّحِ ظَهْرِهَا وَعَرَجِهَا بِاسْتِعْمَالٍ مَأْذُونٍ فِيهِ وَكَسْرِهِ سَيْفًا أَعَارَهُ لِيُقَاتِلَ بِهِ كَالِانْمِحَاقِ كَمَا قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ فِي الْأَخِيرَةِ شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ " وَمَوْتُ الدَّابَّةِ " أَيْ بِالِاسْتِعْمَالِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ سم، وَلَعَلَّ صُورَتَهُ أَنَّهُ حَمَلَهَا حَمْلًا ثَقِيلًا بِالْإِذْنِ فَمَاتَتْ بِسَبَبِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ خَفِيفًا لَا تَمُوتُ بِمِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ فَاتَّفَقَ مَوْتُهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا مَاتَتْ بِالِاسْتِعْمَالِ وَمَا إذَا مَاتَتْ فِي الِاسْتِعْمَالِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ضَمَانِ الْمُسْتَعِيرِ كَوْنُ الْعَيْنِ فِي يَدِهِ بَلْ يُضَمَّنُ وَلَوْ كَانَتْ بِيَدِ الْمَالِكِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، كَمَا لَوْ وَضَعَ مَتَاعَهُ عَلَيْهَا وَمَعَهَا مَالِكُهَا.
وَلَوْ سَخَّرَ شَخْصٌ رَجُلًا وَدَابَّتَهُ فَتَلِفَتْ الدَّابَّةُ فِي يَدِ صَاحِبِهَا لَمْ يَضْمَنْهَا الْمُسَخَّرُ؛ لِأَنَّهَا فِي يَدِ صَاحِبِهَا شَرْحُ م ر؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْغَصْبِ اسْتِيلَاءُ الْغَاصِبِ وَلَمْ يُوجَدْ بِخِلَافِ الْمُسْتَعِيرِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الْمُعَارِ كَمَا فِي م ر. قَوْلُهُ: (أَوْ مِثْلِيَّةً) كَالْخَشَبِ وَالْحَجَرِ، سم.
قَوْلُهُ: (هَذَا مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْمُعْتَمَدِ ضَعِيفٌ وَاقْتَصَرَ م ر فِي شَرْحِهِ عَلَى الضَّمَانِ فَقَطْ، وَفِي فَتَاوِيهِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الثَّانِيَ وَهُوَ الضَّمَانُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ التَّلَفِ وَالْقَلْبُ إلَيْهِ أَمْيَلُ كَمَا فِي م د عَلَى التَّحْرِيرِ اهـ. فَرْعٌ: اسْتَامَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ سُوسِيَّةٍ مَثَلًا وَأَخَذَهَا لِيَقْلِبَهَا ثُمَّ تَلِفَتْ ضَمِنَ الْعَشَرَةَ فَقَطْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَامَ عَشَرَةً ظُهُورًا لِيَأْخُذَ مِنْهَا وَاحِدًا فَتَلِفَتْ بِيَدِهِ حَيْثُ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ؛ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَوَّلَ الْمُسْتَامُ فِيهِ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ وَهُنَا الْمُسْتَامُ الْجَمِيعُ.
اهـ. عَنَانِيٌّ، وَلِبَعْضِهِمْ: ضَمَانُ عَيْبٍ أَوْ مَبِيعٍ فَسَدَا ... أَقْصَاهُ قِيمَةً وَمِثْلًا وُجِدَا فِي السَّوْمِ قِيمَةً كَذَا الْعَوَارِيُّ ... زَمَانَ إتْلَافٍ عَلَى الْمُخْتَارِ وَاحْكُمْ لَدَى الْإِتْلَافِ بِالْإِبْدَالِ ... شَرْعًا بِقِيمَةٍ أَوْ الْأَمْثَالِ قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ إكَافِ الدَّابَّةِ) أَيْ سَرْجِهَا وَوَلَدِ الدَّابَّةِ، وَلَوْ وَلَدَتْ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ كَثِيَابِ الْعَبْدِ فَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَإِنْ تَبِعَهَا ق ل.

قَوْلُهُ: (صَيْدًا) أَيْ حَرَمِيًّا أَوْ لَا بِأَنْ أَخَذَهُ مَعَهُ مِنْ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ بِإِحْرَامِهِ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ.
فَتَسْمِيَةُ هَذَا اسْتِعَارَةٌ فِيهَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالِكَ هُنَا، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا اسْتِعَارَةٌ صُورِيَّةٌ.
هَذَا إذَا اسْتَعَارَ الْحَلَالُ مِنْ الْمُحْرِمِ أَمَّا عَكْسُهُ بِأَنْ اسْتَعَارَ الْمُحْرِمُ مِنْ الْحَلَالِ صَيْدًا بَرِّيًّا وَحْشِيًّا مَأْكُولًا فَتَلِفَ فِي يَدِهِ ضَمِنَ الْجَزَاءَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْقِيمَةَ لِلْحَلَالِ، وَعَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ الْوَرْدِيِّ:

فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَمِنْهَا مَا لَوْ اسْتَعَارَ الْفَقِيهُ كِتَابًا مَوْقُوفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، أَمَّا مَا تَلِفَ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ لِلْإِذْنِ فِيهِ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ قَالَ مَنْ فِي يَدِهِ عَيْنٌ كَدَابَّةٍ وَأَرْضٍ لِمَالِكِهَا.
أَعَرْتَنِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَالِكُهَا: بَلْ أَجَرْتُك أَوْ غَصَبْتنِي.
وَمَضَتْ مُدَّةٌ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ صُدِّقَ الْمَالِكُ كَمَا لَوْ أَكَلَ طَعَامَ غَيْرِهِ وَقَالَ كُنْت أَبَحْته لِي وَأَنْكَرَ الْمَالِكُ، إذَا لَمْ تَمْضِ مُدَّةٌ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ فَيُصَدَّقُ مَنْ بِيَدِهِ الْعَيْنُ بِيَمِينِهِ فِي الْأُولَى، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الِاخْتِلَافِ فِي الثَّانِيَةِ وَلَوْ ادَّعَى الْمَالِكُ الْإِعَارَةَ وَذُو الْيَدِ الْغَصْبَ فَلَا مَعْنَى لِلنِّزَاعِ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً وَلَمْ تَمْضِ مُدَّةٌ لَهَا أُجْرَةٌ، فَإِنْ مَضَتْ فَذُو الْيَدِ مُقِرٌّ بِالْأُجْرَةِ لِمُنْكَرِهَا؛ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ فِي رَدِّ الْعَارِيَّةِ صُدِّقَ الْمُعِيرُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرَّدِّ، وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْمُسْتَعِيرُ الْعَارِيَّةَ جَاهِلًا بِرُجُوعِ الْمُعِيرِ لَمْ تَلْزَمْهُ أُجْرَةٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الضَّمَانُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْجَهْلِ وَعَدَمِهِ أُجِيبَ

[حاشية البجيرمي]

عِنْدِي سُؤَالٌ حَسَنٌ مُسْتَظْرَفٌ ... فَرْعٌ عَلَى أَصْلَيْنِ قَدْ تَفَرَّعَا قَابِضُ شَيْءٍ بِرِضَا مَالِكِهِ ... وَيَضْمَنُ الْقِيمَةَ وَالْمِثْلَ مَعَا قَوْله: (لَمْ يَضْمَنْهُ) ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ وَعَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءُ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْإِعَارَةِ.
قَوْلُهُ: (فَتَلِفَ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ لَمْ يَضْمَنْهُ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ وَهُوَ جَوَازُ الْعَارِيَّةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إنْ كَانَ مِنْ الْمُسْتَحِقِّينَ فَهَذِهِ لَيْسَتْ عَارِيَّةً؛ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ يَمْلِكُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُسْتَحِقِّينَ امْتَنَعَتْ الْعَارِيَّةُ فَقَوْلُهُ لِمَنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ فِيهِ نَظَرٌ؛ تَأَمَّلْ شَيْخَنَا.
قَوْلُهُ: (أَمَّا مَا تَلِفَ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ) وَلَوْ بِدَعْوَى الْمُسْتَعِيرِ فَيُصَدَّقُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ كَمَا قَالَهُ ح ل وز ي، أَيْ وَلِعُسْرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا لَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ وَالْأُخْرَى مُسْتَصْحَبَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَلَوْ اخْتَلَفَ فِي حُصُولِ التَّلَفِ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ أَوْ لَا صُدِّقَ الْمُسْتَعِيرُ بِيَمِينِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، لِعُسْرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ خِلَافًا لِمَا عُزِيَ لِلْجَلَالِ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ تَصْدِيقِ الْمُعِيرِ اهـ. قَوْلُهُ: (لَوْ قَالَ مَنْ فِي يَدِهِ عَيْنٌ إلَخْ) يَحْصُلُ مِنْ هُنَا صُوَرٌ ثَمَانِيَةٌ؛ لِأَنَّ مَالِكَ الْعَيْنِ إمَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْإِجَارَةَ أَوْ الْغَصْبَ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ تَمْضِيَ مُدَّةٌ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ أَوْ لَا، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ بَاقِيَةً أَوْ تَالِفَةً وَوَاضِعُ الْيَدِ يَدَّعِي الْإِعَادَةَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَصَبَتْنِي) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ تَقُولُ غَصَبَهُ مِنْهُ وَغَصَبَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُقَالُ غَصَبْته مِنِّي لَا غَصَبْتنِي اهـ ع ش. قَوْلُهُ: (صُدِّقَ الْمَالِكُ) أَيْ بِيَمِينِهِ إنْ تَعَيَّنَتْ الْعَيْنُ فَيَحْلِفُ إنَّهُ مَا أَعَارَهُ وَأَنَّهُ أَجَرَهُ أَوْ غَصَبَهُ وَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، أَيْ فَيَجْمَعُ فِي يَمِينِهِ إثْبَاتًا وَنَفْيًا بِأَنْ يَنْفِيَ الْإِعَارَةَ وَيُثْبِتَ دَعْوَاهُ، فَإِذَا حَلَفَ أَخَذَ الْعَيْنَ فِي الصُّورَتَيْنِ وَيَأْخُذُ الْأُجْرَةَ أَيْضًا، فَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَخَذَ الْأُجْرَةَ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَأَمَّا الْقِيمَةُ فَهُوَ يَدَّعِي أَقْصَى الْقِيَمِ فِي الْغَصْبِ وَوَاضِعُ الْيَدِ يَدَّعِي الْقِيمَةَ إذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى الْقِيمَةِ فَيَأْخُذُهَا وَيَتْرُكُ الزَّائِدَ إلَى الْبَيَانِ.
قَوْلُهُ: (وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ) فَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً فِي الْأُولَى فَهُوَ مُقِرٌّ بِالْقِيمَةِ لِمُنْكَرِهَا فَتُتْرَكُ فِي يَده، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بِيَمِينِهِ فِي الْأُولَى) اُنْظُرْ أَيَّ فَائِدَةٍ فِي يَمِينِهِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ وَعَدَمِ مُدَّةٍ لَهَا أُجْرَةٌ وَتَمَكَّنَ صَاحِبُهَا مِنْ أَخْذِهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا مَعْنَى إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ أَيْضًا وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ فَيَأْخُذُهَا الْمَالِكُ وَلَا أُجْرَةَ، فَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فَهُوَ يَدَّعِي أَقْصَى الْقِيَمِ وَالْمُسْتَعِيرُ يَدَّعِي الْقِيمَةَ فَاتَّفَقَا عَلَى الْقِيمَةِ فَيَأْخُذُهَا الْمَالِكُ وَيَتْرُكُ الزَّائِدَ إلَى الْبَيَانِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ ادَّعَى الْمَالِكُ إلَخْ) هَذَا عَكْسُ مَا تَقَدَّمَ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً وَلَمْ تَمْضِ مُدَّةٌ لَهَا أُجْرَةٌ فَيَأْخُذُ الْعَيْنَ صَاحِبُهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ فَالْمَالِكُ يَدَّعِي الْقِيمَةَ وَالْغَاصِبُ يَدَّعِي أَقْصَى الْقِيَمِ فَيَأْخُذُ الْمَالِكُ الْقِيمَةَ وَيَتْرُكُ الزَّائِدَ إلَى الْبَيَانِ، وَأَمَّا إذَا مَضَتْ مُدَّةٌ لَهَا أُجْرَةٌ وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ فَيَأْخُذُ الْعَيْنَ صَاحِبُهَا وَيَتْرُكُ الْأُجْرَةَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ إلَى الْبَيَانِ، وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فَيَأْخُذُ الْمَالِكُ الْقِيمَةَ وَيَتْرُكُ الزَّائِدَ عَنْ الْقِيمَةِ إلَى الْبَيَانِ.
قَوْلُهُ: (جَاهِلًا بِرُجُوعِ

بِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ تَسْلِيطِ الْمَالِكِ وَهُنَا بِخِلَافِهِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ السَّلْطَنَةِ وَبِأَنَّ الْمَالِكَ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِ الْإِعْلَامِ

فصول الكتاب · 38 فصل · 529 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب · 529 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
فَصْلٌ: فِي السِّوَاكِ
فَصْلٌ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ
فَصْلٌ: فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ
دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ بِلَا سَبَبٍ
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ
فَصْلٌ: فِي الِاعْتِكَافِ
فَصْلٌ فِي السَّلَمِ
فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِفَصْلٌ: فِي الشَّرِكَةِفَصْلٌ: فِي الْإِقْرَارِفَصْلٌ: فِي الْغَصْبِفَصْلٌ: فِي الشُّفْعَةِفَصْلٌ: فِي الْقِرَاضِفَصْلٌ: فِي الْمُسَاقَاةِفَصْلٌ: فِي الْإِجَارَةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَقْفِ
فَصْلٌ: فِي اللَّقِيطِ
فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ
فَصْلٌ: فِي الظِّهَارِفَصْلٌ: فِي اللِّعَانِفَصْلٌ: فِي الِاسْتِبْرَاءِ
فَصْلٌ: فِي الرَّضَاعِ
فَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِفَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْفَيْءِفَصْلٌ: فِي الْجِزْيَةِفَصْلٌ: فِي الْأَطْعِمَةِ
فَصْلٌ: فِي الْأُضْحِيَّةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَلَاءِفَصْلٌ فِي التَّدْبِيرِخَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل