فَصْلٌ: فِي الْأُضْحِيَّةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البجيرمي
- الكتاب
- تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
- المؤلف
- سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه
مُشْتَقَّةٌ مِنْ الضَّحْوَةِ وَسُمِّيَتْ بِأَوَّلِ زَمَانِ فِعْلِهَا وَهُوَ الضُّحَى وَهِيَ بِضَمِّ هَمْزَتِهَا وَكَسْرِهَا وَتَشْدِيدِ يَائِهَا وَتَخْفِيفِهِمَا مَا يُذْبَحُ مِنْ النَّعَمِ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] فَإِنَّ أَشْهَرَ الْأَقْوَالِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ، صَلَاةُ الْعِيدِ وَبِالنَّحْرِ الضَّحَايَا، وَخَبَرُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ عَمَلٍ أَحَبَّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ إرَاقَةِ الدَّمِ إنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلَافِهَا وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنْ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا» (وَالْأُضْحِيَّةُ) بِمَعْنَى التَّضْحِيَةِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ لَا الْأُضْحِيَّةِ كَمَا يُفْهِمُهُ كَلَامُهُ لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ اسْمٌ لِمَا يُضَحَّى بِهِ.
(سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ فِي حَقِّنَا
[حاشية البجيرمي]
[فَصْلٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ]
ِ ذَكَرَهَا بَعْدَ الْأَطْعِمَةِ؛ لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِالنَّعَمِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ النَّعَمِ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ وَأَوَّلُ طَلَبِهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ كَالْعِيدَيْنِ وَزَكَاةِ الْمَالِ وَالْفِطْرِ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لِأَنَّهُ قِيلَ بِوُجُوبِهَا، وَيُكْرَهُ تَرْكُهَا لِلْقَادِرِ عَلَيْهَا.
وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ فِعْلُهَا مِنْ مَالِ مَحْجُورِهِ وَتُسَنُّ مِنْ مَالِهِ عَنْ الْمَوْلُودِ لَا عَنْ الْجَنِينِ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَسُمِّيَتْ بِأَوَّلِ زَمَانِ فِعْلِهَا) أَيْ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ مِنْ اسْمِ أَوَّلِ زَمَانِ فِعْلِهَا.
وَهُوَ الضُّحَى أَوْ الْمَعْنَى سُمِّيَتْ بِاسْمٍ يُلَوِّحُ وَيُشِيرُ لِأَوَّلِ زَمَانِ فِعْلِهَا.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ بِضَمِّ هَمْزَتِهَا) حَاصِلُهُ: أَنَّ فِيهَا ثَمَانَ لُغَاتٍ: ضَمُّ الْهَمْزَةِ مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا، وَكَسْرُ الْهَمْزَةِ مَعَ تَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا، وَمَعَ حَذْفِ الْهَمْزَةِ لُغَتَانِ: فَتْحُ الضَّادِ وَكَسْرُهَا، وَأَضْحَاةٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا.
قَوْلُهُ: (تَقَرُّبًا) خَرَجَ مَا يَذْبَحُهُ الْجَزَّارُ لِلْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ) يَصْدُقُ بِمَا ذُبِحَ قَبْلَ مُضِيِّ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَيْسَ مُرَادًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا يَأْتِي وَالْمُرَادُ بِيَوْمِ الْعِيدِ الْيَوْمُ الَّذِي يُعَيَّدُ فِيهِ حَتَّى لَوْ وَقَفُوا الْعَاشِرَ غَلَطًا كَانَ آخَرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الرَّابِعَ عَشَرَ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ م ر خِلَافًا لِلشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) أَيْ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ عَمَلٍ) أَيْ يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْهِ مِنْ النَّوَافِلِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الْفَرْضَ أَفْضَلُ.
قَوْلُهُ: (أَحَبَّ) مَجْرُورٌ بِالْفَتْحَةِ نَعْتًا لِعَمَلٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ إرَاقَةِ الدَّمِ) الْمُرَادُ لَازِمُهُ وَهُوَ الذَّبْحُ.
قَوْلُهُ: (إنَّهَا) أَيْ الْأُضْحِيَّةَ الْمَفْهُومَةَ مِنْ إرَاقَةِ الدَّمِ وَقَوْلُهُ: لَتَأْتِي أَيْ لِيَرْكَبَهَا صَاحِبُهَا يَدُلُّ لِذَلِكَ وُرُودُهُ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.
قَوْلُهُ: (بِمَكَانٍ) أَيْ لَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْقَبُولِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (نَفْسًا) تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْفَاعِلِ وَالْأَصْلُ فَلْتَطِبْ نُفُوسُكُمْ بِهَا أَيْ افْعَلُوهَا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ.
قَوْلُهُ: (بِمَعْنَى التَّضْحِيَةِ) الَّتِي هِيَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ الْمَوْصُوفِ بِالسُّنَّةِ إذْ كَثِيرًا مَا تُطْلَقُ الْأُضْحِيَّةُ وَيُرَادُ بِهَا الْفِعْلُ الْمُتَقَرَّبُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا الْأُضْحِيَّةُ) أَيْ لَا بِمَعْنَى الْأُضْحِيَّةِ أَيْ الْعَيْنِ الْمُضَحَّى بِهَا إذْ لَا يَصِحُّ الْإِخْبَارُ عَنْهَا بِسُنَّةٍ.
قَوْلُهُ: (كَلَامُهُ) وَهُوَ قَوْلُهُ سُنَّةٌ وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ إلَخْ عِلَّةٌ لِلتَّضْحِيَةِ.
قَوْلُهُ: (سُنَّةٌ) أَيْ لِمُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ حُرٍّ وَلَوْ مُبَعَّضًا؛ وَتُسَنُّ لِلْمُكَاتَبِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ وَيَحْصُلُ ثَوَابُهَا لِمَنْ فَعَلَهَا وَلَوْ فَقِيرًا أَوْ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي أَوْ امْرَأَةً وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ فَاضِلَةً عَنْ كِفَايَةِ مُمَوِّنِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً كَمَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ قَالَهُ الْعَلَّامَةُ م ر كَابْنِ حَجَرٍ.
وَاعْتَبَرَ الْعَلَّامَةُ الزِّيَادِيُّ كِفَايَةَ يَوْمِ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ.
وَعَمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ كَعْكٍ وَسَمَكٍ وَفَطِيرٍ وَنَحْوِهَا وَقَوْلُهُ: سُنَّةٌ فِيهِ تَلْوِيحٌ لِمُخَالَفَةِ أَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ أَوْجَبَهَا عَلَى مَالِكِ نِصَابٍ زَكَوِيٍّ.
وَهُوَ مُقِيمٌ بِالْبَلَدِ وَلَا تَصِيرُ وَاجِبَةً إلَّا بِالنَّذْرِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فِي حَقِّنَا) مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ وَوَاجِبَةٌ فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ لَهُ أُضْحِيَّةٌ مَنْدُوبَةٌ
عَلَى الْكِفَايَةِ إنْ تَعَدَّدَ أَهْلُ الْبَيْتِ فَإِذَا فَعَلَهَا وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ كَفَى عَنْ الْجَمِيعِ وَإِلَّا فَسُنَّةُ عَيْنٍ، وَالْمُخَاطَبُ بِهَا الْمُسْلِمُ الْحُرُّ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الْمُسْتَطِيعُ.
وَكَذَا الْمُبَعَّضُ، إذَا مَلَكَ مَالًا بِبَعْضِهِ الْحُرِّ قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ فَاضِلَةً عَنْ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ مَنْ يَمُونُهُ لِأَنَّهَا نَوْعُ صَدَقَةٍ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ تَكُونَ فَاضِلَةً عَمَّا يَحْتَاجُهُ فِي لَيْلَتِهِ وَيَوْمِهِ وَكِسْوَةِ فَصْلِهِ، كَمَا فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فَاضِلَةً عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَإِنَّهُ وَقْتُهُمَا كَمَا أَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَةَ الْعِيدِ وَقْتُ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَاشْتَرَطُوا فِيهَا أَنْ تَكُونَ فَاضِلَةً عَنْ ذَلِكَ وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَهِيَ مِنْهُ تَبَرُّعٌ فَيَجْرِي فِيهَا مَا يَجْرِي فِي سَائِرِ تَبَرُّعَاتِهِ.
تَنْبِيهٌ:
شَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَهْلَ الْبَوَادِي وَالْحَضَرِ وَالسَّفَرَ وَالْحَاجَّ وَغَيْرَهُ: لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ضَحَّى فِي مِنًى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتَّضْحِيَةُ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا أُرَخِّصُ فِي تَرْكِهَا لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا انْتَهَى.
أَيْ فَيُكْرَهُ لِلْقَادِرِ تَرْكُهَا وَيُسَنُّ لِمُرِيدِهَا أَنْ لَا يُزِيلَ شَعْرَهُ وَلَا ظُفْرَهُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ حَتَّى يُضَحِّيَ وَلَا تَجِبُ إلَّا بِالنَّذْرِ.
[حاشية البجيرمي]
أَيْضًا وَأَكْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أُضْحِيَّتِهِ مَحْمُولٌ عَلَيْهَا وَالْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاحِدَةٌ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا مَنْدُوبٌ وَلَمْ يَتْرُكْ الْأُضْحِيَّةَ قَطُّ وَهَلْ كَانَتْ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ بَعْدِ إبْرَاهِيمَ تُضَحِّي هُمْ وَأُمَمُهُمْ، أَوْ هُمْ خَاصَّةً اهـ ح ل.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْكِفَايَةِ) وَمَعْنَى كَوْنِهَا سُنَّةَ كِفَايَةٍ مَعَ كَوْنِهَا تُسَنُّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ سُقُوطُ الطَّلَبِ بِفِعْلِ الْغَيْرِ لَا حُصُولُ الثَّوَابِ لِمَنْ لَمْ يَفْعَلْ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ نَعَمْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَنَّهُ لَوْ أَشْرَكَ غَيْرَهُ فِي ثَوَابِهَا جَازَ وَأَنَّهُ مَذْهَبُنَا م ر. قَوْلُهُ: (إنْ تَعَدَّدَ أَهْلُ الْبَيْتِ) وَهُمْ مَنْ اجْتَمَعُوا فِي الْعِيشَةِ وَالْعِشْرَةِ وَقِيلَ مَنْ تَلْزَمُ الْفَاعِلَ نَفَقَتُهُمْ.
وَاعْتَمَدَهُ م ر وَز ي وَالثَّوَابُ خَاصٌّ بِالْفَاعِلِ وَسَقَطَ عَنْ غَيْرِهِ الطَّلَبُ سَوَاءٌ كَانَ الْفَاعِلُ هُوَ الَّذِي تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ أَوْ غَيْرُهُ.
ق ل. وَبَعْضُهُمْ قَيَّدَهُ بِالْمُنْفِقِ.
قَوْلُهُ: (كَفَى عَنْ الْجَمِيعِ) أَيْ فِي سُقُوطِ الطَّلَبِ وَإِلَّا فَالثَّوَابُ لِلْمُضَحِّي خَاصَّةً كَالْقَائِمِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ جَمِيعًا» خُصُوصِيَّةٌ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُون) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (فَيَجْرِي فِيهَا إلَخْ) . فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ صَحَّتْ لَهُ وَوَقَعَتْ لَهُ كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ الْفَصْلِ.
قَوْلُهُ: (وَشَمِلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ) أَيْ قَوْلُهُ: وَالْأُضْحِيَّةُ سُنَّةٌ.
قَوْلُهُ: (لِمُرِيدِهَا) أَيْ غَيْرِ الْمُحْرِمِ أَنْ لَا يُزِيلَ شَعْرَهُ، وَلَوْ مِنْ عَانَةٍ أَوْ إبْطٍ إلَخْ.
فَتُكْرَهُ الْإِزَالَةُ إلَّا لِعُذْرٍ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: تَحْرُمُ الْإِزَالَةُ الْمَذْكُورَةُ ق ل. وَانْظُرْ مَا وَجْهُهُ وَسَأَلْت بَعْضَ الْحَنَابِلَةِ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ يَحْرُمُ تَشْبِيهًا بِالْمُحْرِمِينَ اهـ مَيْدَانِيٌّ.
وَقَوْلُهُ لِمُرِيدِهَا أَيْ سَوَاءٌ طُلِبَتْ مِنْهُ أَوْ لَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ أَوْ لَا بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يُزِيلَ شَعْرَهُ إلَخْ) وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَكُرِهَ لِمُرِيدِهَا غَيْرَ مُحْرِمٍ إزَالَةُ نَحْوِ شَعْرٍ كَظُفْرٍ وَجِلْدَةٍ لَا تَضُرُّ إزَالَتُهَا، وَلَا حَاجَةَ لَهُ فِيهَا وَقَوْلُهُ وَجِلْدَةٍ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَتْ إزَالَتُهُ وَاجِبَةً كَخِتَانِ الْبَالِغِ، وَقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ أَوْ مُسْتَحَبَّةً كَخِتَانِ الصَّبِيِّ.
اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) وَلَوْ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِأَنَّ الْأَقَلَّ يُرَاعَى بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يُضَحِّيَ) أَيْ وَلَوْ بِوَاحِدَةٍ لِمَنْ تَعَدَّدَتْ فِي حَقِّهِ، وَيَنْتَهِي وَقْتُ عَدَمِ الْإِزَالَةِ لِمَنْ لَا يُضَحِّي بِزَوَالِ وَقْتِ التَّضْحِيَةِ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ " وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر. وَلَوْ أَرَادَ التَّضْحِيَةَ بِعَدَدٍ زَالَتْ الْكَرَاهَةُ بِأَوَّلِهَا كَمَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَجِبُ إلَّا بِالنَّذْرِ) أَيْ أَوْ مَا أُلْحِقَ بِهِ كَأَنْ يَشْتَرِيَ شَاةً وَيَقُولُ هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ فَإِنَّهَا تَجِبُ بِمُجَرَّدِ هَذَا اللَّفْظِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَنْ يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْهَا م ر. وَحِينَئِذٍ فَمَا يَقَعُ فِي أَلْسِنَةِ الْعَوَامّ كَثِيرًا مِنْ شِرَائِهِمْ مَا يُرِيدُونَ التَّضْحِيَةَ بِهِ مِنْ أَوَائِلِ السَّنَةِ، وَكُلُّ مَنْ سَأَلَهُمْ عَنْهَا يَقُولُونَ لَهُ تِلْكَ أُضْحِيَّةٌ مَعَ جَهْلِهِمْ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ تَصِيرُ بِهِ أُضْحِيَّةً وَاجِبَةً يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَكْلُهُ مِنْهَا.
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: أَرَدْت أَنْ أَتَطَوَّعَ بِهَا خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ شَرْحُ م ر. وَالْمُخَلِّصُ لَهُ إذَا سُئِلَ أَنْ يَقُولَ: هَذِهِ نَذْبَحُهَا.
وَنَأْكُلُهَا فِي الْعِيدِ وَلَوْ قَالَ: إنْ مَلَكْت هَذِهِ الشَّاةَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ وَإِنْ مَلَكَهَا.
لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِخِلَافِ إنْ مَلَكْت شَاةً فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَا فَيَلْزَمُهُ: إذَا مَلَكَ شَاةً لِأَنَّ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، كَذَا صَرَّحُوا بِهِمَا فَانْظُرْ الرَّوْضَ وَغَيْرَهُ سم وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ مِثْلَ هَذَا التَّفْصِيلِ فِيمَا لَوْ قَالَ: إنْ مَلَكْت هَذَا الْعَبْدَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَهُ إلَخْ.
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ شَيْئًا مِنْ النَّعَمِ إلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ سَنَّ لَهُ مَا يُسَنُّ لِمُرِيدِ
وَيُسَنُّ أَنْ يَذْبَحَ الْأُضْحِيَّةَ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ إنْ أَحْسَنَ.
الذَّبْحَ لِلِاتِّبَاعِ.
أَمَّا الْمَرْأَةُ فَالسُّنَّةُ لَهَا أَنْ تُوَكِّلَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
وَالْخُنْثَى مِثْلُهَا وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِهِ فَلْيَشْهَدْهَا لِمَا رَوَى الْحَاكِمُ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِفَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: قَوْمِي إلَى أُضْحِيَّتِك فَاشْهَدِيهَا فَإِنَّهُ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْهَا أَيْ مِنْ دَمِهَا: يُغْفَرُ لَك مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِك قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ هَذَا لَك وَلِأَهْلِ بَيْتِك فَأَهْلُ ذَلِكَ أَنْتُمْ أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً»
وَشَرْطُ التَّضْحِيَةِ نَعَمٌ إبِلٌ وَبَقَرٌ وَغَنَمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: 34] وَلِأَنَّ التَّضْحِيَةَ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْحَيَوَانِ فَاخْتُصَّتْ بِالنَّعَمِ كَالزَّكَاةِ.
(وَيُجْزِئُ فِيهَا) مِنْ النَّعَمِ (الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ) وَهُوَ مَا اسْتَكْمَلَ سَنَةً وَطَعَنَ فِي الثَّانِيَةِ وَلَوْ أَجَذَعَ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ.
أَيْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ أَجْزَأَ لِعُمُومِ خَبَرِ
[حاشية البجيرمي]
التَّضْحِيَةِ سم.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ أَنْ يَذْبَحَ الْأُضْحِيَّةَ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الْأَضْحَى وَخُطْبَتِهُ يُؤْتَى لَهُ بِكَبْشَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ فِي مُصَلَّاهُ فَيَذْبَحُ أَحَدُهُمَا بِيَدِهِ وَيَقُولُ: «هَذَا عَنْ أُمَّتِي جَمِيعًا مَنْ شَهِدَ لَك بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لِي بِالْبَلَاغِ» . وَعَنْ الْحَاكِمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَبَحَ كَبْشًا أَقْرَنَ بِالْمُصَلَّى بَعْدَ أَنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي» وَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَيَذْبَحُ الْآخَرُ وَيَقُولُ: هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ فَيَأْكُلُ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْهُمَا وَيُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ وَلَمْ يَتْرُكْ الْأُضْحِيَّةَ قَطُّ.
اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَذْبَحَ الْأُضْحِيَّةَ) وَمِثْلُهَا الْهَدْيُ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِنَفْسِهِ) أَيْ وَلَوْ مُرَاهِقًا وَسَفِيهًا لِأَنَّهُ قُرْبَةً فَالْإِتْيَانُ بِهَا أَوْلَى.
«وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى بِمِائَةِ بَدَنَةٍ نَحَرَ مِنْهَا بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ.
وَأَمَرَ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَنَحَرَ تَمَامَ الْمِائَةِ» وَفِي ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى مُدَّةِ حَيَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (إنَّ أَحْسَنَ الذَّبْحِ) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ فَخَرَجَ الْأَعْمَى فَالسُّنَّةُ فِي حَقِّهِ التَّوْكِيلُ اهـ.
ع ش.
قَوْلُهُ: (وَالْخُنْثَى مِثْلُهَا) مِثْلُهُمَا مَنْ ضَعُفَ مِنْ الرِّجَالِ عَنْ الذَّبْحِ وَالْأَعْمَى إذْ تُكْرَهُ ذَبِيحَتُهُ س ل.
قَوْلُهُ: (فَلْيَشْهَدْهَا) الْمُرَادُ بِشُهُودِهِ حُضُورِهِ، وَلَوْ أَعْمَى ق ل. وَالْأَوْلَى فِي الْوَكِيلِ كَوْنُهُ فَقِيهًا مُسْلِمًا وَيُكْرَهُ اسْتِنَابَةُ كَافِرٍ وَصَبِيٍّ وَأَعْمَى لَا حَائِضٍ وَيُسَنُّ لِغَيْرِ الْإِمَامِ أَنْ يُضَحِّيَ فِي بَيْتِهِ لِيَشْهَدَ أَهْلُهُ، وَأَنْ يَسْتَحْضِرَ فِي نَفْسِهِ عِظَمَ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَمَا سَخَّرَ لَهُ مِنْ الْأَنْعَامِ.
وَأَنْ يَقُولَ: إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي إلَى قَوْلِهِ: وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَيُجَدِّدَ الشُّكْرَ عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِلْإِمَامِ إذَا ضَحَّى عَنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَذْبَحَ بِنَفْسِهِ فِي الْمُصَلَّى عَقِبَ الصَّلَاةِ وَيُخَلِّيهَا لِلنَّاسِ بِرْمَاوِيٌّ.
وَهَذَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ التَّضْحِيَةَ عَنْ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ مِنْ خَوَاصِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
قَوْلُهُ: (قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ) أَيْ لِلنَّبِيِّ وَقَوْلُهُ: هَذَا لَك أَيْ الثَّوَابُ الْمَذْكُورُ لِفَاطِمَةَ مِنْ أَنَّهُ يَغْفِرُ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْهَا مَا سَلَفَ مِنْ الذُّنُوبِ لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فَأَهْلٌ) فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ أَيْ لِأَنَّكُمْ أَهْلٌ لِذَلِكَ وَأَهْلٌ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَأَنْتُمْ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ: فَأَهْلُ ذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْ فَالْمَخْصُوصُ بِالْغُفْرَانِ أَنْتُمْ يَا آلَ الْبَيْتِ مَنْ ضَحَّى مِنْ غَيْرِكُمْ لَا يُغْفَرُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ فِي الْجَوَابِ بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ أَيْ كُلُّ مَنْ ضَحَّى مِنْهُمْ فَلَهُ هَذَا الثَّوَابُ.
قَوْلُهُ: (أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لَك وَلِأَهْلِ بَيْتِك.
قَوْلُهُ: (وَشَرْطُ التَّضْحِيَةِ نَعَمٌ) أَيْ كَوْنُهَا نَعَمًا إلَخْ.
وَعِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ يَكْفِي إرَاقَةُ الدَّمِ وَلَوْ مِنْ دَجَاجٍ أَوْ إوَزٍّ مَيْدَانِيٌّ أَيْ فَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ وَحَمِيرِهِ وَالظِّبَاءِ وَغَيْرِهَا.
وَأَمَّا الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ جِنْسَيْنِ مِنْ النَّعَمِ فَيُجْزِئُ هُنَا.
وَفِي الْعَقِيقَةِ وَالْهَدْيِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي اعْتِبَارُ أَعْلَى الْأَبَوَيْنِ سِنًّا فِي الْأُضْحِيَّةِ وَنَحْوِهَا، حَتَّى يُعْتَبَرَ فِي الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ بُلُوغُهُ سَنَتَيْنِ إلْحَاقًا لَهُ بِأَعْلَى السِّنِينَ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَبَقَرٍ) أَيْ عِرَابٍ أَوْ جَوَامِيسَ بِرْمَاوِيٌّ.
وَسَوَاءٌ فِي الْبَقَرِ وَغَيْرِهَا الْإِنَاثُ أَوْ الْخَنَاثَى أَوْ الذُّكُورُ وَلَوْ خَصِيًّا وَالْخَصِيُّ مَا قُطِعَ خُصْيَتَاهُ أَيْ الْبَيْضَتَانِ وَيَجْبُرُ مَا قُطِعَ مِنْهُ زِيَادَةُ لَحْمِهِ طِيبًا وَكَثْرَةً كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (مَنْسَكًا) أَيْ عِبَارَةٌ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ التَّضْحِيَةَ إلَخْ) أَيْ فَكَمَا أَنَّ الزَّكَاةَ قَاصِرَةٌ عَلَى النَّعَمِ.
كَذَلِكَ التَّضْحِيَةُ قَاصِرَةٌ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ) هَلْ وَلَوْ وَاحِدَةً وَقِيَاسُ الِاكْتِفَاءِ بِقَطْرَةٍ فِي الْبُلُوغِ بِالِاحْتِلَامِ الِاكْتِفَاءُ بِسُقُوطِ السِّنِّ الْوَاحِدَةِ اهـ
أَحْمَدَ: «ضَحُّوا بِالْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ» فَإِنَّهُ جَائِزٌ أَيْ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْبُلُوغِ بِالسِّنِّ أَوْ الِاحْتِلَامِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي أَسْبَقُهُمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ (وَالثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ) وَهُوَ مَا اسْتَكْمَلَ سَنَتَيْنِ وَطَعَنَ فِي الثَّالِثَةِ (وَ) الثَّنِيُّ مِنْ (الْإِبِلِ) وَهُوَ مَا اسْتَكْمَلَ خَمْسَ سِنِينَ وَطَعَنَ فِي السَّادِسَةِ (وَ) الثَّنِيُّ مِنْ (الْبَقَرِ) الْإِنْسِيِّ وَهُوَ مَا اسْتَكْمَلَ سَنَتَيْنِ وَطَعَنَ فِي الثَّالِثَةِ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْإِنْسِيِّ الْوَحْشِيُّ فَلَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَإِنْ دَخَلَ فِي اسْمِ الْبَقَرِ.
وَتُجْزِئُ التَّضْحِيَةُ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَثُرَ نَزَوَانُ الذَّكَرِ وَوِلَادَةُ الْأُنْثَى نَعَمْ التَّضْحِيَةُ بِالذَّكَرِ أَفْضَلُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ لِأَنَّ لَحْمَهُ أَطْيَبُ.
كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَنَقَلَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ الْهَدْيِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْأُنْثَى أَحْسَنُ مِنْ الذَّكَرِ لِأَنَّهَا أَرَطْبُ لَحْمًا وَلَمْ يُحْكَ غَيْرُهُ.
وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكْثُرْ نَزَوَانُهُ.
وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا كَثُرَ.
تَنْبِيهٌ:
لَمْ يَتَعَرَّضْ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ لِإِجْزَاءِ الْخُنْثَى فِي الْأُضْحِيَّةِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إنَّهُ يُجْزِئُ لِأَنَّهُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى وَكِلَاهُمَا يُجْزِئُ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنْقِصُ اللَّحْمَ
(وَتُجْزِئُ الْبَدَنَةَ) عِنْدَ الِاشْتِرَاكِ فِيهَا (عَنْ سَبْعَةٍ) لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ فَأَمَرَنَا أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي
[حاشية البجيرمي]
أج.
قَوْلُهُ: (أَجْزَأَ) أَيْ إذَا كَانَ فِي سِنِّهِ الْمُعْتَادِ وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر أَوْ إجْذَاعُهُ أَيْ سُقُوطُ سِنِّهِ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْبُلُوغِ بِالِاحْتِلَامِ وَبُلُوغُهُ السَّنَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبُلُوغِ بِالسِّنِّ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَيَكُونُ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ تَمَامِ السَّنَةِ وَالْإِجْذَاعِ، قَوْلُهُ: (سَنَتَيْنِ) وَكَذَا الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ ضَأْنٍ وَمَعْزٍ إذْ الْمُتَوَلِّدُ يُجْزِئُ هُنَا وَفِي الْعَقِيقَةِ وَالْهَدْيِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ س ل.
قَوْلُهُ: (خَمْسَ سِنِينَ) أَيْ تَحْدِيدًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْبَقَرِ الْإِنْسِيِّ) وَمِنْهُ الْجَامُوسُ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ فِي الْبَقَرِ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ وَحْشِيٌّ وَأَمَّا الظِّبَاءُ فَيُقَالُ لَهَا شِيَاهُ الْبَرِّ لَا غَنَمَ الْوَحْشِ وَلَا مَعْزَ الْوَحْشِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَثُرَ نَزَوَانُ الذَّكَرِ) أَيْ طُرُوقُهُ لِلْأُنْثَى وَإِنَّمَا غَيَّا بِمَا ذَكَرَ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ عَيْبٌ لِأَنَّهُ مُضْعِفٌ.
قَوْلُهُ: (وَتُجْزِئُ الْبَدَنَةُ) وَهِيَ الْوَاحِدَةُ مِنْ الْإِبِلِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى قَالَ فِي التَّتِمَّةِ: لَيْسَ فِي الْحَيَوَانَاتِ خُنْثَى إلَّا الْآدَمِيُّ وَالْإِبِلُ قَالَ النَّوَوِيُّ جَاءَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ قَالَ عِنْدِي بَقَرَةٌ خُنْثَى لَا ذَكَرَ لَهَا وَلَا فَرْجَ وَإِنَّمَا لَهَا خَرْقٌ عِنْدَ ضَرْعِهَا يَخْرُجُ مِنْهُ فَضَلَاتُهَا، فَهَلْ تُجْزِئُ أُضْحِيَّةً أَوْ لَا.
فَقُلْت لَهُ: لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ ذَكَرًا وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أُنْثَى وَكِلَاهُمَا مُجَزِّئٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنْقِصُ اللَّحْمَ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ وَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ إبِلٍ وَغَنَمٍ أَوْ بَقَرٍ وَغَنَمٍ يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ فَقَطْ، س ل وَيَنْقُصُ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْقَافِ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ، وَيَجُوزُ أَيْضًا ضَمُّ الْيَاءِ وَفَتْحُ النُّونِ وَكَسْرُ الْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ كَمَا فِي الْإِشَارَاتِ لِابْنِ الْمُلَقِّنِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سَبْعَةٍ) سَوَاءٌ أَرَادَ بَعْضُهُمْ الْأُضْحِيَّةَ وَالْآخَرُ اللَّحْمَ أَمْ لَا وَلَهُمْ قِسْمَةُ اللَّحْمِ إذْ هِيَ إفْرَازٌ وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ قَوْلُهُ: عَنْ سَبْعَةٍ وَكَذَا فِي الْكَفَّارَاتِ وَالتَّمَتُّعِ فِي الْحَجِّ وَارْتِكَابِ مَحْظُورَاتٍ فِيهِ.
نَعَمْ الْمُوَلَّدُ بَيْنَ غَنَمٍ أَوْ مَعْزٍ وَإِبِلٍ أَوْ بَقَرٍ لَا يُجْزِئُ عَنْ أَكْثَرِ مِنْ وَاحِدٍ وَيَظْهَرُ وُجُوبُ التَّصَدُّقِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِجُزْءٍ مِنْ حِصَّتِهِ نِيئًا.
وَلَا يَكْفِي تَصَدُّقُ وَاحِدٍ عَنْ الْجَمِيعِ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ سَبْعِ أَضَاحٍ وَخَرَجَ بِالسَّبْعَةِ مَا لَوْ كَانُوا أَكْثَرَ كَثَمَانِيَةٍ وَاشْتَرَكُوا فِي بَدَنَةٍ أَوْ فِي بَدَنَتَيْنِ فَلَا تَقَعُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَوْ مَعَ الْجَهْلِ بِعَدَدِهِمْ أَوْ بِالْحُكْمِ أَوْ ضَمَّ لَهَا شَاةً كَمَا لَوْ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي شَاتَيْنِ فَلَا يُجْزِئَانِ عَنْهُمَا لِأَنَّ كُلَّ شَاةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَهُمَا فَيَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصْفُ شَاتَيْنِ.
وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذِمِّيًّا لَمْ يَقْدَحْ فِيمَا قَصَدَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ إجْزَاءُ السَّبْعِ عَنْهُ وَلَوْ امْتَنَعَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ فِي الْبَدَنَةِ مِنْ الذَّبْحِ فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَمَنْذُورَةٍ مِنْهُ ذُبِحَتْ قَهْرًا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلِغَيْرِهِ أَنْ يَذْبَحَهَا إنْ خِيفَ خُرُوجُ وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ نَظَرًا لِلْوُصُولِ لِحَقِّهِ وَهُوَ سُبْعُهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَاجِعَ الْحَاكِمَ لِيَنْوِيَ عَنْ الْمُمْتَنِعِ كَمَا فِي الزَّكَاةِ فَرَاجِعْ ذَلِكَ.
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ شَاةٌ وَاجِبَةٌ فَذَبَحَ بَدَنَةً وَقَعَ سُبْعُهَا عَنْ الْوَاجِبِ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا عَنْ شَاةٍ فِي الزَّكَاةِ فَيَقَعُ كُلُّهُ وَاجِبًا وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ فِيهَا بِكَوْنِهِ فِي الزَّكَاةِ أَصْلًا أَوْ بَدَلًا بِخِلَافِهِ هُنَا ق ل.
قَوْلُهُ: (مُهِلِّينَ) أَيْ مُحْرِمِينَ قَوْلُهُ: (أَنْ يَشْتَرِك) أَيْ عِنْدَ إرَادَةِ عَدَمِ الِانْفِرَادِ فَلَا يَرِدُ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ لَيْسَ
بَدَنَةٍ» وَسَوَاءٌ اتَّفَقُوا فِي نَوْعِ الْقُرْبَةِ أَوْ اخْتَلَفُوا كَمَا إذَا قَصَدَ بَعْضُهُمْ التَّضْحِيَةَ وَبَعْضُهُمْ الْهَدْيَ وَكَذَا لَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ اللَّحْمَ، وَبَعْضُهُمْ الْأُضْحِيَّةَ وَلَهُمْ قِسْمَةُ اللَّحْمِ لِأَنَّ قِسْمَتَهُ قِسْمَةُ إفْرَازٍ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
(وَ) كَذَا الْبَقَرَةُ تُجْزِئُ (عَنْ سَبْعَةٍ) لِلْحَدِيثِ الْمَارِّ.
تَنْبِيهٌ:
لَا يَخْتَصُّ إجْزَاءُ الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ عَنْ سَبْعَةٍ بِالتَّضْحِيَةِ، بَلْ لَوْ لَزِمَ شَخْصًا سَبْعُ شِيَاهٍ بِأَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ كَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالْفَوَاتِ وَمُبَاشَرَةِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ جَازَ عَنْ ذَلِكَ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ.
(وَ) تُجْزِئُ (الشَّاةُ) الْمُعَيَّنَةُ مِنْ الضَّأْنِ أَوْ الْمَعْزِ (عَنْ وَاحِدٍ) فَقَطْ فَإِنْ ذَبَحَهَا عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِهِ أَوْ عَنْهُ وَأَشْرَكَ غَيْرَهُ فِي ثَوَابِهَا جَازَ وَعَلَيْهِ حُمِلَ خَبَرُ مُسْلِمٍ: «ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِكَبْشَيْنِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ» قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِذَلِكَ الْخَبَرُ الصَّحِيحِ فِي الْمُوَطَّإِ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ: كُنَّا نُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ.
ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ بَعْدُ فَصَارَتْ مُبَاهَاةً " وَخَرَجَ بِمُعَيَّنَةٍ الِاشْتِرَاكُ فِي شَاتَيْنِ مُشَاعَتَيْنِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَإِنَّهُ لَا
[حاشية البجيرمي]
بِوَاجِبٍ.
قَوْلُهُ: (كَمَا إذَا قَصَدَ بَعْضُهُمْ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ السُّبُعُ عَنْ الْأُضْحِيَّةِ إلَّا أَنْ يَذْبَحَ عَلَى قَصْدِ الْأُضْحِيَّةِ فَلَوْ ذَبَحَ لَا بِهَذَا الْقَصْدِ لَمْ يُجْزِ كَأَنْ ذُبِحَتْ لِغَيْرِ التَّضْحِيَةِ ثُمَّ اشْتَرَى وَاحِدٌ سُبُعَهَا أُضْحِيَّةً لِأَنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ هُوَ مَقْصُودُ التَّضْحِيَةِ.
اهـ. ز ي.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْأَصَحِّ) أَيْ لَا قِسْمَةَ تَعْدِيلٍ وَلَا رَدَّ لِئَلَّا يَلْزَمَ عَلَيْهِ بَيْعُ طَرِيِّ اللَّحْمِ بِطَرِيِّهِ لِأَنَّهُمَا بَيْعٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْبَقَرَةُ) أَيْ الْمُعَيَّنَةُ لِيَخْرُجَ مَا لَوْ اشْتَرَكَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَتَيْنِ أَوْ بَقَرَتَيْنِ، مُشَاعَتَيْنِ.
فَلَا يَكْفِي لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَمْ يُصِبْهُ سُبُعٌ، مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ فَإِنْ ذَبَحَ الْبَدَنَةَ أَوْ الْبَقَرَةَ عَنْ الشَّاةِ كَانَ السُّبُعُ وَاجِبًا وَمَا زَادَ تَطَوُّعٌ وَكَذَا إذَا اشْتَرَكَ ثَلَاثَةٌ مَعَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُرِدْ الْأُضْحِيَّةَ فَيَجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْ سُبُعِهِ، وَلَا يَكْفِي تَصَدُّقُ وَاحِدٍ عَنْ الْجَمِيعِ.
وَكَذَا لَوْ ضَحَّى بِسَبْعِ شِيَاهٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ سَبْعِ أَضَاحٍ.
فَإِنْ قُلْت: لِأَيِّ شَيْءٍ الْبَدَنَةُ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةُ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ اُشْتُرِطَ فِي الْإِبِلِ الطَّعْنُ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ وَاكْتُفِيَ فِي الْبَقَرِ بِالطَّعْنِ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ فَمَا النُّكْتَةُ وَمَا الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ.
قُلْت لَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ أَنَّ لَحْمَ الْإِبِلِ دُونَ لَحْمِ الْبَقَرِ فِي الطِّيبِ وَالْحُسْنِ وَالْقِيمَةِ فَاشْتُرِطَ فِي الْإِبِلِ زِيَادَةُ السِّنِّ لِتَكُونَ الزِّيَادَةُ جَابِرَةً لِلنَّقْصِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الضَّأْنَ وَالْمَعْزَ كُلُّ وَاحِدَةٍ تُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ وَمَعَ ذَلِكَ اُشْتُرِطَ فِي الْمَعْزِ الطَّعْنُ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالضَّأْنِ الطَّعْنُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ اهـ. خَضِرٌ.
قَوْلُهُ: (لِلْحَدِيثِ الْمَارِّ) وَهُوَ قَوْلُهُ: أَنْ يَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ.
قَوْلُهُ: (وَمُبَاشَرَةُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ) أَيْ وَتَرْكِ الرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ وَالْمِيقَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَتُجْزِئُ الشَّاةُ) فَإِنْ قُلْت إنَّ هَذَا مُنَافٍ لِمَا بَعْدَهُ حَيْثُ قَالَ: فَإِنْ ذَبَحَهَا عَنْهُ، وَعَنْ أَهْلِهِ أَوْ عَنْهُ وَأَشْرَكَ غَيْرَهُ فِي ثَوَابِهَا جَازَ.
أُجِيبُ: بِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ لِأَنَّ قَوْلَهُ هُنَا عَنْ وَاحِدٍ أَيْ مِنْ حَيْثُ حُصُولِ التَّضْحِيَةِ حَقِيقَةً وَمَا بَعْدَهُ الْحَاصِلُ لِلْغَيْرِ إنَّمَا هُوَ سُقُوطُ الطَّلَبِ عَنْهُ، وَأَمَّا الثَّوَابُ وَالتَّضْحِيَةُ حَقِيقَةً فَخَاصَّانِ بِالْفَاعِلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَوَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا لَوْ مُسِخَتْ الشَّاةُ بَعِيرًا أَوْ عَكْسِهِ هَلْ يُجْزِئُ فِي الْأُولَى عَنْ سَبْعَةٍ وَلَا يُجْزِئُ الْبَعِيرُ فِي الثَّانِيَةِ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ أَوْ لَا.
الْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْمَسْخَ هَلْ هُوَ تَغْيِيرُ صِفَةٍ أَوْ ذَاتٍ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ: لَا تُجْزِئُ الشَّاةُ الْمَمْسُوخَةُ بَعِيرًا إلَّا عَنْ وَاحِدٍ وَيُجْزِئُ الْبَعِيرُ الْمَمْسُوخُ إلَى الشَّاةِ عَنْ سَبْعَةٍ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي: انْعَكَسَ الْحَالُ لِأَنَّ ذَاتَ الشَّاةِ الْمَمْسُوخَةِ إلَى الْبَعِيرِ ذَاتُ بَعِيرٍ وَالْبَعِيرِ الْمَمْسُوخِ إلَى الشَّاةِ ذَاتُ شَاةٍ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (جَازَ) وَمَعَ ذَلِكَ يَخْتَصُّ الثَّوَابُ بِهِ وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ عَنْهُمْ م د وَز ي. قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ حُمِلَ إلَخْ) يَقْتَضِي أَنَّ الثَّوَابَ لِلْأُمَّةِ حَاصِلٌ بِهَذَا التَّشْرِيكِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ ذَلِكَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَظْهَرُ بِهِ الِاسْتِدْلَال عَلَى مَا قَبْلَهُ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ الثَّوَابُ خَاصٌّ بِالْفَاعِلِ فَقَطْ وَهَذَا عَامٌّ فِي الْمُضَحِّي وَغَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْقَصْدُ الِاسْتِدْلَال مِنْ جِهَةِ صِحَّةِ التَّضْحِيَةِ مَعَ هَذَا الْقَصْدِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ حُصُولِ الثَّوَابِ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ اخْتَصَّ النَّبِيُّ بِزِيَادَةٍ وَهُوَ حُصُولُ الثَّوَابِ
يَصِحُّ.
وَكَذَا لَوْ اشْتَرَكَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ فِي بَقَرَتَيْنِ مُشَاعَتَيْنِ أَوْ بَدَنَتَيْنِ كَذَلِكَ، لَمْ يُجْزِ عَنْهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَمْ يَخُصَّهُ سُبْعُ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ ذَلِكَ، وَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ إبِلٍ وَغَنَمٍ أَوْ بَقَرٍ وَغَنَمٍ يَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ.
وَأَفْضَلُ أَنْوَاعِ التَّضْحِيَةِ بِالنَّظَرِ لِإِقَامَةِ شِعَارِهَا بَدَنَةٌ ثُمَّ بَقَرَةٌ لِأَنَّ لَحْمَ الْبَدَنَةِ أَكْثَرُ ثُمَّ ضَأْنٌ ثُمَّ مَعْزٌ لِطِيبِ الضَّأْنِ عَلَى الْمَعْزِ ثُمَّ الْمُشَارَكَةُ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَمَّا بِالنَّظَرِ لِلَّحْمِ فَلَحْمُ الضَّأْنِ خَيْرُهَا وَسَبْعُ شِيَاهٍ أَفْضَلُ مِنْ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ وَشَاةٌ أَفْضَلُ مِنْ مُشَارَكَةٍ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ لِلِانْفِرَادِ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ السَّمِينِ فِي الْأُضْحِيَّةِ فَالسَّمِينَةُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا ثُمَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَفْضَلِيَّةِ فِي الذَّوَاتِ.
وَأَمَّا فِي الْأَلْوَانِ فَالْبَيْضَاءُ أَفْضَلُ، ثُمَّ الصَّفْرَاءُ، ثُمَّ الْعَفْرَاءُ وَهِيَ الَّتِي لَا يَصْفُو بَيَاضُهَا ثُمَّ الْحَمْرَاءُ ثُمَّ الْبَلْقَاءُ، ثُمَّ السَّوْدَاءُ، قِيلَ لِلتَّعَبُّدِ وَقِيلَ لِحُسْنِ الْمَنْظَرِ وَقِيلَ لِطِيبِ اللَّحْمِ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ خَبَرَ: «لَدَمُ عَفْرَاءَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ»
(وَأَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا) الْأُولَى (الْعَوْرَاءُ) بِالْمَدِّ (الْبَيِّنُ عَوَرُهَا) بِأَنْ لَمْ تُبْصِرْ بِإِحْدَى عَيْنَيْهَا وَإِنْ بَقِيَتْ الْحَدَقَةُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا حَاجَةَ لِتَقْيِيدِ الْعَوَرِ بِالْبَيِّنِ لِأَنَّ الْمَدَارَ فِي عَدَمِ إجْزَاءِ الْعَوْرَاءِ عَلَى ذَهَابِ الْبَصَرِ مِنْ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ.
أُجِيبَ: بِأَنْ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: أَصْلُ الْعَوَرِ بَيَاضٌ يُغَطِّي النَّاظِرَ إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَتَارَةً يَكُونُ يَسِيرًا فَلَا يَضُرُّ.
فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْبَيِّنِ كَمَا فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ الْآتِي.
تَنْبِيهٌ:
قَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ عَدَمُ إجْزَاءِ الْعَمْيَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَتُجْزِئُ الْعَمْشَاءُ وَهِيَ ضَعِيفَةُ الْبَصَرِ مَعَ سَيَلَانِ الدَّمْعِ غَالِبًا وَالْمَكْوِيَّةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي اللَّحْمِ، وَالْعَشْوَاءُ وَهِيَ الَّتِي لَا تُبْصِرُ لَيْلًا لِأَنَّهَا تُبْصِرُ وَقْتَ الرَّعْيِ غَالِبًا.
(وَ) الثَّانِيَةُ (الْعَرْجَاءُ) بِالْمَدِّ (الْبَيِّنُ عَرَجُهَا) بِأَنْ يَشْتَدَّ عَرَجُهَا بِحَيْثُ تَسْبِقُهَا الْمَاشِيَةُ إلَى الْمَرْعَى.
وَتَتَخَلَّفُ عَنْ الْقَطِيعِ فَلَوْ كَانَ
[حاشية البجيرمي]
لِلْأُمَّةِ بِتَشْرِيكِهِ قَوْلُهُ (مُبَاهَاةً) أَيْ لَا عِبَادَةً أَيْ يَتَبَاهَى بِهَا النَّاسُ وَيَفْتَخِرُونَ بِهَا أَيْ لَا يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ إلَّا الرِّيَاءَ فَلَا يُثَابُونَ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِمُعَيَّنَةٍ إلَخْ) فَمُقَابِلُ الْمُعَيَّنَةِ الْمُشَاعَةُ فِي شَاتَيْنِ فَأَكْثَرَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَوَازِ إعْتَاقِ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ عَنْ الْكَفَّارَةِ بِأَنَّ الْمَأْخَذَ مُخْتَلِفٌ، إذْ الْمَأْخَذُ ثَمَّ تَخْلِيصُ رَقَبَةٍ مِنْ الرِّقِّ وَقَدْ وُجِدَ بِذَلِكَ وَهُنَا التَّضْحِيَةُ بِشَاةٍ وَلَمْ تُوجَدْ بِمَا حَصَلَ أَمَّا خَبَرُ: «اللَّهُمَّ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّشْرِيكُ فِي الثَّوَابِ لَا فِي الْأُضْحِيَّةِ.
وَلَوْ ضَحَّى بِبَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ بَدَلَ شَاةٍ فَالزَّائِدُ عَلَى السُّبُعِ تَطَوُّعٌ يَصْرِفُهُ مَصْرِفَ التَّطَوُّعِ إنْ شَاءَ.
اهـ. م ر.
قَوْلُهُ: (يَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ) لَكِنْ يُعْتَبَرُ أَعْلَى السِّنَّيْنِ حَتَّى لَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ ضَأْنٍ وَمَعْزٍ لَا بُدَّ مِنْ بُلُوغِهِ سَنَتَيْنِ إلْحَاقًا لَهُ بِأَعْلَى السِّنَّيْنِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيّ اهـ ز ي قَوْلُهُ: (وَأَفْضَلُ أَنْوَاعِ التَّضْحِيَةِ) حَاصِلُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ تَخْتَلِفُ فِيهَا الْأُضْحِيَّةُ بِالِاعْتِبَارِ فَمِنْ حَيْثُ إظْهَارُ الشِّعَارِ فَالْبَدَنَةُ ثُمَّ الْبَقَرَةُ أَفْضَلُ وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى وَمِنْ حَيْثُ طِيبُ اللَّحْمِ أَفْضَلُهَا الضَّأْنُ وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ.
وَمِنْ حَيْثُ الِانْفِرَادُ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ.
فَالشَّاةُ أَفْضَلُ مِنْ الْمُشَارَكَةِ فِي بَدَنَةٍ وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ وَمِنْ حَيْثُ اللَّوْنُ فَالْبَيْضَاءُ إلَخْ أَفْضَلُ وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ فَإِنْ تَعَارَضَتْ الصِّفَاتُ فَسَمِينَةٌ سَوْدَاءُ أَفْضَلُ مِنْ بَيْضَاءَ هَزِيلَةٍ وَمَا جَمَعَ صِفَتَيْنِ أَفْضَلُ مِمَّا جَمَعَ صِفَةً وَاحِدَةً وَالْبَيْضَاءُ السَّمِينَةُ إذَا كَانَتْ ذَكَرًا أَفْضَلُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (لِإِقَامَةِ شِعَارِهَا) أَيْ التَّضْحِيَةِ أَيْ عَلَامَاتِ الشَّرِيعَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى اسْتِحْبَابِ السَّمِينِ) وَيُقَدَّمُ السِّمَنُ عَلَى اللَّوْنِ فَسَمِينَةٌ سَوْدَاءُ أَفْضَلُ مِنْ هَزِيلَةٍ بَيْضَاءَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ الصَّفْرَاءُ ثُمَّ الْعَفْرَاءُ) قَدْ يُقَالُ: كَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْعَفْرَاءِ عَلَى الصَّفْرَاءِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْبَيَاضِ مِنْ الصَّفْرَاءِ سم عَلَى حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ الْبَلْقَاءُ) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ الْبَلَقُ سَوَادٌ وَبَيَاضٌ وَكَذَا الْبُلْقَةُ،.
وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ لِيَشْمَلَ مَا فِيهِ بَيَاضٌ وَحُمْرَةٌ بَلْ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى مَا فِيهِ بَيَاضٌ وَسَوَادٌ لِقُرْبِهِ مِنْ الْبَيَاضِ بِالنِّسْبَةِ لِلسَّوَادِ وَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْأَحْمَرِ الْخَالِصِ عَلَى الْأَسْوَدِ وَتَقْدِيمُ الْأَزْرَقِ عَلَى الْأَحْمَرِ وَكُلُّ مَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْأَبْيَضِ يُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ بَعْدَ الصَّفْرَاءِ ثُمَّ الْحَمْرَاءِ ثُمَّ الْبَلْقَاءِ ثُمَّ السَّوْدَاءِ اهـ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ السَّوْدَاءُ) لَا حَاجَةَ لِذِكْرِهَا بَلْ هُوَ مُوهِمٌ أَنَّ بَعْدَهَا لَوْنًا آخَرَ إذْ الْمَرْتَبَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ أَشْيَاءَ مَعْلُومَةٍ، كَالْأَلْوَانِ هُنَا
عَرَجُهَا يَسِيرًا بِحَيْثُ لَا تَتَخَلَّفُ بِهِ عَنْ الْمَاشِيَةِ لَمْ يَضُرَّ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ.
(وَ) الثَّالِثَةُ (الْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا) بِأَنْ يَظْهَرَ بِسَبَبِهِ هُزَالُهَا وَفَسَادُ لَحْمِهَا فَلَوْ كَانَ مَرَضُهَا يَسِيرًا لَمْ يَضُرَّ وَيَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ الْهَيْمَاءَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْمَدِّ فَلَا تُجْزِئُ لِأَنَّ الْهُيَامَ كَالْمَرَضِ يَأْخُذُ الْمَاشِيَةَ فَتَهِيمُ فِي الْأَرْضِ وَلَا تَرْعَى كَمَا قَالَهُ فِي الزَّوَائِدِ.
(وَ) الرَّابِعَةُ (الْعَجْفَاءُ) بِالْمَدِّ وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَ لَحْمُهَا السَّمِينُ بِسَبَبِ مَا حَصَلَ لَهَا مِنْ الْهُزَالِ بِضَمِّ الْهَاءِ وَهُوَ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ ضِدَّ السِّمَنِ وَيَدُلُّ لِمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ: مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ فِي الْأَضَاحِيِّ الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» مَأْخُوذَةٌ مِنْ النِّقْيِ بِكَسْرِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ وَهُوَ الْمُخُّ أَيْ لَا مُخَّ لَهَا مِنْ شِدَّةِ الْهُزَالِ.
وَعُلِمَ مِنْ هَذَا عَدَمُ إجْزَاءِ الْمَجْنُونَةِ وَهِيَ الَّتِي تَدُورُ فِي الْمَرْعَى وَلَا تَرْعَى إلَّا قَلِيلًا فَتَهْزَلُ وَتُسَمَّى أَيْضًا التَّوْلَى، بَلْ هُوَ أَوْلَى بِهَا.
تَنْبِيهٌ:
قَدْ عَرَفْت مَا تَنَاوَلَهُ كَلَامُ الْمُصَنَّفِ مِنْ أَنَّ الْعَمْيَاءَ وَالْهَيْمَاءَ وَالْمَجْنُونَةَ لَا تُجْزِئُ وَبِهِ صَارَتْ الْعُيُوبُ الْمَذْكُورَةُ سَبْعَةً وَبَقِيَ مِنْهَا مَا لَا يَتَنَاوَلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ الْجَرْبَاءُ، وَإِنْ كَانَ الْجَرَبُ يَسِيرًا عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ.
لِأَنَّهُ يُفْسِدُ اللَّحْمَ وَالْوَدَكَ، وَالْحَامِلُ فَلَا تُجْزِئُ.
كَمَا حَكَاهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ فِي الْمُهِمَّاتِ وَتَعَجَّبَ مِنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ حَيْثُ صَحَّحَ فِي الْكِفَايَةِ الْإِجْزَاءَ.
[حاشية البجيرمي]
مُرَتَّبَةٍ بِثُمَّ مَثَلًا لَا يُعْطَفُ بِهَا حَذَرًا مِنْ ذَلِكَ الْإِيهَامِ لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ كَثِيرًا مَا يَقَعُونَ فِي ذَلِكَ لِمَزِيدِ الْإِيضَاحِ، أَيْ لِأَنَّ الْمَقَامَ يَقْتَضِي بَيَانَ الْمُفَضَّلِ وَالْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ وَحَيْثُ ذَكَرَ الْبَلْقَاءَ عُلِمَ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ السَّوْدَاءِ، فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِ السَّوْدَاءِ حِينَئِذٍ مُتَّصِفَةً إذْ لَا مُفَضَّلَ عَلَيْهِ بَعْدُ فَلْيُتَأَمَّلْ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَأَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ) مَحَلُّ عَدَمِ إجْزَائِهَا مَا لَمْ يَلْتَزِمْهَا مُتَّصِفَةً بِالْعُيُوبِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنْ الْتَزَمَهَا كَذَلِكَ كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ وَكَانَتْ عَرْجَاءَ مَثَلًا أَوْ جَعَلْت هَذِهِ أُضْحِيَّةً وَكَانَتْ مَرِيضَةً مَثَلًا أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِعَرْجَاءَ أَوْ بِحَامِلٍ فَتُجْزِئُ التَّضْحِيَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَلَوْ كَانَتْ مَعِيبَةً وَالْعِبْرَةُ بِالسَّلَامَةِ.
وَعَدَمِهَا عِنْدَ الذَّبْحِ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ إيجَابٌ فَإِنْ تَقَدَّمَ فَإِنْ أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ مَعِيبَةً فَذَاكَ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ السَّلَامَةِ فَإِذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أُضْحِيَّةٌ ثَبَتَتْ فِي ذِمَّتِهِ سَلِيمَةً ثُمَّ إنْ عَيَّنَ سَلِيمًا عَنْ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ، وَاسْتَمَرَّ إلَى الذَّبْحِ فَذَاكَ وَإِنْ عَيَّنَ سَلِيمًا ثُمَّ تَعَيَّبَ قَبْلَ الذَّبْحِ أَبْدَلَهُ بِسَلِيمٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ) أَيْ فِي الْمَرِيضَةِ.
قَوْلُهُ: (الْهَيْمَاءُ) هِيَ الَّتِي لَا تَسْتَقِرُّ فِي مَكَان وَمِنْهُ الْهَائِمُ وَهُوَ الَّذِي لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ فَهُوَ تَابِعٌ لِشَهْوَةِ بَطْنِهِ.
قَوْلُهُ: (بِكَسْرِ النُّونِ إلَخْ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ النِّقْيُ بِالْكَسْرِ شَحْمُ الْعَيْنِ مِنْ السِّمَنِ.
قَوْلُهُ: (فَتُهْزَلُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُلَازِمَةِ لِلْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، فَهُوَ عَلَى وَزْنِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْفَاعِلَ أَيْ يَقُومُ بِهَا الْهُزَالُ وَعِبَارَةُ الرَّشِيدِيِّ، فَتَهْزِلُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الزَّايِ مِنْ بَابِ فَعَلَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ يَفْعِلُ بِكَسْرِهَا مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ كَمَا فِي مُقَدِّمَةِ الْأَدَبِ لِلزَّمَخْشَرِيِّ.
وَهَذَا خِلَافُ مَا اُشْتُهِرَ أَنَّ هُزِلَ لَمْ يُسْمَعْ إلَّا مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ فَتَنَبَّهْ اهـ.
قَوْلُهُ: (بَلْ هُوَ) أَيْ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَقَوْلُهُ: بِهَا أَيْ بِالْمَجْنُونَةِ.
وَقَالَ م د. بَلْ هُوَ أَيْ اسْمُ التَّوْلَى أَوْلَى بِهَا مِنْ الْمَجْنُونَةِ لِأَنَّ الْجُنُونَ عَدَمُ الْعَقْلِ الْخَاصِّ بِالْعُقَلَاءِ.
قَوْلُهُ: (مَا تَنَاوَلَهُ) أَيْ بِاللَّازِمِ أَوْ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ: (سَبْعَةً) وَسَيَأْتِي أَيْضًا مِنْهَا الْجَرَبُ وَالْحَمْلُ وَقَطْعُ الْأُذُنِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا، وَقَطْعُ الذَّنَبِ كَذَلِكَ فَصَارَتْ الْعُيُوبُ أَحَدَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (وَبَقِيَ مِنْهَا مَا لَا يَتَنَاوَلُهُ) فَصَارَتْ الْعُيُوبُ تِسْعَةً، وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
عَوْرَا وَعَرْجَا ثُمَّ تَوْلَى عَجْفَا ... مَرِيضَةٌ وَحَامِلٌ لَا تَخْفَى
عَمْيَا وَهَيْمَا ثُمَّ جَرْبَاءُ فَذَا ... عِنْدَ التَّضَحِّي تِسْعَةٌ لَهَا انْبِذَا
قَوْلُهُ: (الْجَرْبَاءُ) بَدَلٌ مِنْ مَا وَقَوْلُهُ: وَالْوَدَكُ أَيْ الدُّهْنُ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَامِلُ فَلَا تُجْزِئُ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ الْحَمْلَ يُنْقِصُ لَحْمَهَا وَإِنَّمَا عَدُّوهَا كَامِلَةً فِي الزَّكَاةِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ فِيهَا النَّسْلُ دُونَ طِيبِ اللَّحْمِ وَأَلْحَقَ الزَّرْكَشِيّ بِالْحَامِلِ قَرِيبَةَ الْعَهْدِ بِالْوِلَادَةِ لِنَقْصِ لَحْمِهَا وَالْمُرْضِعَ وَرَدَّهُ حَجّ.
وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْحَمْلَ يُفْسِدُ الْجَوْفَ وَيُصَيِّرُ اللَّحْمَ رَدِيئًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، وَبِالْوِلَادَةِ
فَائِدَةٌ: ضَابِطُ الْمُجْزِئِ فِي الْأُضْحِيَّةِ السَّلَامَةُ مِنْ عَيْبٍ يُنْقِصُ اللَّحْمَ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا يُؤْكَلُ (وَيُجْزِئُ الْخَصِيُّ) ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ» أَيْ خَصِيَّيْنِ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا وَجَبَرَ مَا قُطِعَ مِنْهُ زِيَادَةُ لَحْمِهِ طِيبًا وَكَثْرَةً وَأَيْضًا الْخُصْيَةُ الْمَفْقُودَةُ مِنْهُ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِالْأَكْلِ فَلَا يَضُرُّ فَقْدُهَا.
وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ إلَّا ابْنَ الْمُنْذِرِ عَلَى جَوَازِ خِصَاءِ الْمَأْكُولِ فِي صِغَرِهِ دُونَ كِبَرِهِ وَتَحْرِيمِهِ فِيمَا لَا يُؤْكَلُ كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ.
(وَ) تُجْزِئُ (الْمَكْسُورَةُ الْقَرْنِ) مَا لَمْ يَعِبْ اللَّحْمَ وَإِنْ دَمِيَ بِالْكَسْرِ لِأَنَّ الْقَرْنَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَبِيرُ غَرَضٍ وَلِهَذَا لَا يَضُرُّ فَقْدُهُ خِلْقَةً فَإِنْ عِيبَ اللَّحْمُ ضَرَّ كَالْجَرَبِ وَغَيْرِهِ.
وَذَاتُ الْقَرْنِ أَوْلَى لِخَبَرِ: «خَيْرُ الضَّحِيَّةِ الْكَبْشُ الْأَقْرَنُ» وَلِأَنَّهُ أَحْسَنُ مَنْظَرًا بَلْ يُكْرَهُ غَيْرُهَا كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ.
وَلَا يَضُرُّ ذَهَابُ بَعْضِ الْأَسْنَانِ لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الِاعْتِلَافِ وَنَقْصِ اللَّحْمِ فَلَوْ ذَهَبَ الْكُلُّ ضَرَّ لِأَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ.
وَقَضِيَّةُ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ ذَهَابَ الْبَعْضِ إذَا أَثَّرَ يَكُونُ كَذَلِكَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ الْبَغَوِيِّ: وَيُجْزِئُ مَكْسُورُ سِنٍّ أَوْ سِنَّيْنِ ذَكَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَصَوَّبَهُ الزَّرْكَشِيّ.
(وَلَا يُجْزِئُ مَقْطُوعُ) بَعْضِ (الْأُذُنِ) وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لِذَهَابِ جُزْءٍ مَأْكُولٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ الْمَقْطُوعُ دُونَ الثُّلُثِ أَجْزَأَ، وَأَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مَنْعَ كُلِّ الْأُذُنِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَمَنْعَ الْمَخْلُوقَةِ بِلَا أُذُنٍ وَهُوَ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ بِخِلَافِ فَاقِدَةِ الضَّرْعِ أَوْ الْأَلْيَةِ أَوْ الذَّنَبِ خِلْقَةً فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ.
وَالْفَرْقُ: أَنَّ الْأُذُنَ عُضْوٌ لَازِمٌ غَالِبًا بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ فِي الْأَوَّلَيْنِ وَكَمَا يُجْزِئُ ذَكَرُ الْمَعْزِ.
وَأَمَّا فِي الثَّالِثِ فَقِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ أَمَّا إذَا فُقِدَ ذَلِكَ بِقَطْعٍ وَلَوْ لِبَعْضٍ مِنْهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: (وَلَا مَقْطُوعُ) بَعْضِ (الذَّنَبِ) وَإِنْ قَلَّ أَوْ بِقَطْعِ بَعْضِ لِسَانٍ فَإِنَّهُ يَضُرُّ لِحُدُوثِ مَا يُؤَثِّرُ فِي نَقْصِ اللَّحْمِ وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّ شَلَلَ الْأُذُنِ
[حاشية البجيرمي]
زَالَ هَذَا الْمَحْذُورُ.
اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (وَتَعَجَّبَ) أَيْ الْإِسْنَوِيُّ الْمَفْهُومُ مِنْ الْمُهِمَّاتِ لِأَنَّهَا لَهُ هـ اشَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (السَّلَامَةُ) أَيْ ذُو السَّلَامَةِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: الْمُجْزِئُ وَفِي نُسْخَةِ السَّلِيمُ.
قَوْلُهُ: (مَوْجُوءَيْنِ) بِجِيمٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَيْنَ الْوَاوِ وَالتَّحْتِيَّةِ مِنْ الْوِجَاءِ بِكَسْرِ الْوَاوِ أَيْ الْقَطْعِ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (غَيْرُ مَقْصُودَةٍ) مِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ مَقْطُوعَ الذَّكَرِ يُجْزِئُ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَالَهُ شَيْخُنَا.
ثُمَّ قَالَ: وَالْمَسْأَلَةُ مَنْقُولَةٌ أج.
قَوْلُهُ: (عَلَى جَوَازِ خِصَاءِ الْمَأْكُولِ فِي صِغَرِهِ) اعْلَمْ أَنَّ الْخِصَاءَ جَائِزٌ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ يَكُونَ لِمَأْكُولٍ وَأَنْ يَكُونَ صَغِيرًا وَأَنْ يَكُونَ فِي زَمَانٍ مُعْتَدِلٍ وَإِلَّا حَرُمَ وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ قَوْلُهُ: خِصَاءُ الْمَأْكُولِ بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ أَيْ سَلُّ خُصْيَتَيْهِ بِمَعْنَى اسْتِخْرَاجِ بَيْضَتِهِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يُكْرَهُ غَيْرُهَا) أَيْ غَيْرُ ذَاتِ الْقَرْنِ.
قَوْلُهُ (فَلَوْ ذَهَبَ الْكُلُّ ضَرَّ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّ فَقْدَ الْأَسْنَانِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا إنْ أَثَّرَ فِي اللَّحْمِ ضَرَّ، وَإِلَّا فَلَا ق ل. وَلَا تُجْزِئُ فَاقِدَةُ كُلِّ الْأَسْنَانِ بِخِلَافِ الْمَخْلُوقَةِ بِلَا أَسْنَانٍ وَكَأَنَّ الْفَرْقُ أَنَّ فَقْدَ جَمِيعِهَا بَعْدَ وُجُودِهَا يُؤَثِّرُ فِي اللَّحْمِ بِخِلَافِ فَقْدِ الْجَمِيعِ خِلْقَةً فَلْيُحَرَّرْ سم.
قَوْلُهُ: (بَعْضِ الْأُذُنِ) وَجَوَّزَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَقْطُوعَةَ الْأُذُنِ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مَنْعَ كُلِّ الْأُذُنِ) أَيْ مَنْعَ مَقْطُوعَةِ كُلِّ الْأُذُنِ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا صَرِيحُ كَلَامِ الْمَتْنِ لَا أَنَّهُ أَفْهَمُهُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ النُّسْخَةُ الَّتِي وَقَعَتْ لِلشَّارِحِ فِيهَا كَلِمَةُ بَعْضِ مِنْ الْمَتْنِ فِي قَوْلِهِ: وَلَا يُجْزِئُ مَقْطُوعُ بَعْضِ الْأُذُنِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْعَ الْمَخْلُوقَةِ بِلَا أُذُنٍ) وَسَكَتُوا عَنْ الْمَخْلُوقَةِ فَاقِدَةً بَعْضَ الْأُذُنِ.
وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ.
قَوْلُهُ: (عُضْوٌ لَازِمٌ) وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِ الْأَلْيَةِ صَغِيرَةً فِي ذَاتِهَا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي بَعْضِ الْغَنَمِ، وَكَوْنِهَا كَبِيرَةً وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: فَقْدُ فِلْقَةٍ يَسِيرَةٍ مِنْ عُضْوٍ كَبِيرٍ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الْكُبْرُ النِّسْبِيُّ فَالْأَلْيَةُ وَإِنْ صَغُرَتْ فَهِيَ مِنْ حَيْثُ هِيَ كَبِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُذُنِ هَذَا وَيَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا لَوْ وُجِدَتْ أَلْيَةٌ قُطِعَ جُزْءٌ مِنْهَا وَشَكَّ فِي أَنَّ الْمَقْطُوعَ كَانَ كَبِيرًا فِي الْأَصْلِ فَلَا يُجْزِئُ مَا قُطِعَتْ مِنْهُ الْآنَ أَوْ صَغِيرًا فَيُجْزِئُ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْأَقْرَبُ الْإِجْزَاءُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِيمَا قُطِعَتْ مِنْهُ وَالْمُوَافِقُ لِلْغَالِبِ فِي أَنَّ الَّذِي يُقْطَعُ لِكُبْرِ الْأَلْيَةِ صَغِيرٌ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ الْإِجْزَاءِ فِي الْأُولَيَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ كَمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ خِلْقَةً وَكَمَا يُجْزِئُ إلَخْ فَقَوْلُهُ: وَكَمَا يُجْزِئُ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (ذَكَرُ الْمَعْزِ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا ضَرْعَ لَهُ وَلَا أَلْيَةَ.
قَوْلُهُ: (فَقِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى فَاقِدِ الضَّرْعِ وَالْأَلْيَةِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا إذَا فُقِدَ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الضَّرْعِ وَالْأَلْيَةِ وَالذَّنَبِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِقَطْعِ بَعْضِ لِسَانٍ) لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الرَّكَاكَةِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى أَمَّا إذَا فُقِدَ الضَّرْعُ وَالْأَلْيَةُ وَالذَّنَبُ بِقَطْعِ بَعْضِ
كَفَقْدِهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مَأْكُولًا، وَلَا يَضُرُّ شَقُّ أُذُنٍ وَلَا خَرْقُهَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَسْقُطَ مِنْ الْأُذُنِ شَيْءٌ بِذَلِكَ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ بِذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ لَحْمِهَا وَلَا يَضُرُّ التَّطْرِيفُ وَهُوَ قَطْعُ شَيْءٍ يَسِيرٍ مِنْ الْأَلْيَةِ لِخَبَرِ: " ذَلِكَ يُسَمِّنُهَا " وَلَا قَطْعَ فِلْقَةٍ يَسِيرَةٍ مِنْ عُضْوٍ كَبِيرٍ كَفَخِذٍ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِخِلَافِ الْكَبِيرَةِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْعُضْوِ فَلَا يُجْزِئُ لِنُقْصَانِ اللَّحْمِ.
(وَيَدْخُلُ وَقْتُ الذَّبْحِ) لِلْأُضْحِيَّةِ الْمَنْدُوبَةِ وَالْمَنْذُورَةِ (مِنْ وَقْتِ) مُضِيِّ قَدْرِ (صَلَاةِ) رَكْعَتَيْ (الْعِيدِ) وَهُوَ طُلُوعُ الشَّمْسِ يَوْمَ النَّحْرِ.
وَمُضِيِّ قَدْرِ خُطْبَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ (إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) الثَّلَاثَةِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ بِحَيْثُ لَوْ قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ قَبْلَ تَمَامِ غُرُوبِ شَمْسِ آخِرِهَا صَحَّتْ أُضْحِيَّةً.
فَلَوْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَقْطَعْ أُضْحِيَّةً لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «إنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلُ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ» وَخَبَرِ ابْنِ حِبَّانَ: «فِي كُلِّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» وَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُهَا إلَى مُضِيِّ ذَلِكَ مِنْ ارْتِفَاعِ شَمْسِ يَوْمِ النَّحْرِ كَرُمْحٍ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ وَمَنْ نَذَرَ أُضْحِيَّةً مُعَيَّنَةً أَوْ فِي ذِمَّتِهِ كَلِلَّهِ عَلَيَّ أُضْحِيَّةٌ، ثُمَّ عَيَّنَ الْمَنْذُورَةَ لَزِمَهُ ذَبْحُهُ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ.
فَإِنْ تَلِفَتْ الْمُعَيَّنَةُ فِي الثَّانِيَةِ وَلَوْ بِلَا تَقْصِيرٍ بَقِيَ الْأَصْلُ عَلَيْهِ أَوْ تَلِفَتْ فِي الْأُولَى بِلَا تَقْصِيرٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَلِفَتْ بِتَقْصِيرٍ لَزِمَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ مِثْلِهَا يَوْمَ النَّحْرِ وَقِيمَتُهَا يَوْمَ التَّلَفِ لِيَشْتَرِيَ بِهَا كَرِيمَةً أَوْ مِثْلَيْنِ لِلْمُتْلَفَةِ فَأَكْثَرَ، فَإِنْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ لَزِمَهُ دَفْعُ قِيمَتِهَا لِلنَّاذِرِ يَشْتَرِي بِهَا مِثْلَهَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَدُونَهَا.
(وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الذَّبْحِ) مُطْلَقًا (خَمْسَةُ) بَلْ تِسْعَةُ (أَشْيَاءَ) الْأَوَّلُ (التَّسْمِيَةُ) بِأَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ
[حاشية البجيرمي]
لِسَانٍ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.
وَلَعَلَّهَا سَرَتْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ تَأَمَّلْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ: أَوْ بِقَطْعٍ أَيْ أَوْ نَقَصَ الْمُضَحَّى بِهِ بِقَطْعٍ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَوْ الْبَاءُ زَائِدَةٌ وَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: بِقَطْعِ قَوْلُهُ: (شَيْءٍ يَسِيرٍ) خَرَجَ الْكَثِيرُ فَلَوْ تَرَتَّبَ عَلَى بَقَائِهِ ضَرَرُهَا بِأَنْ تَنْجَرِحَ فَهَلْ يُغْتَفَرُ الْكَثِيرُ أَيْضًا أَوْ لَا؟ عُمُومُ كَلَامِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُغْتَفَرُ.
قَوْلُهُ: (بِالْإِضَافَةِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ.
قَوْلُهُ: (وَيَدْخُلُ وَقْتُ الذَّبْحِ) غَيَّرَ الشَّارِحُ إعْرَابَ الْمَتْنِ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ.
وَجَعَلَهُ الشَّارِحُ فَاعِلًا، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعِيبًا لِأَنَّ نَوْعَ الْإِعْرَابِ لَمْ يَخْتَلِفْ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ شَخْصُهُ وَهُوَ كَوْنُهُ مُبْتَدَأً.
قَوْلُهُ: (مِنْ وَقْتِ) هِيَ لِلِابْتِدَاءِ أَيْ مُبْتَدَأٌ وَثَابِتٌ مِنْ وَقْتِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةِ الْعِيدِ) لَعَلَّهُ تَجَوَّزَ بِاسْتِعْمَالِ الصَّلَاةِ فِي الْأَعَمِّ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالْخُطْبَةِ، وَلَوْ وَقَفُوا فِي الْعَشْرِ حُسِبَتْ الْأَيَّامُ لِلذَّبْحِ عَلَى حِسَابِ وُقُوفِهِمْ كَمَا فِي الْحَجِّ اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (وَهُوَ طُلُوعُ إلَخْ) صَوَابُهُ مِنْ طُلُوعِ إلَخْ أَيْ مَضَى ذَلِكَ مِنْ طُلُوعِ، فَتَأَمَّلْ وَقَالَ شَيْخُنَا قَوْلُهُ: وَهُوَ طُلُوعُ الضَّمِيرُ عَائِدٌ لِلْوَقْتِ بِحَذْفِ مُضَافٍ أَيْ وَوَقْتُ الذَّبْحِ وَقْتُ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
قَوْلُهُ: (وَمُضِيِّ قَدْرٍ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى مُضِيِّ قَدْرِ صَلَاةٍ فَيَكُونُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَتْنَ حَذَفَ الْوَاوَ، مَعَ الْمَعْطُوفِ أَوْ تَوَسَّعَ بِأَنْ أَرَادَ بِالصَّلَاةِ مَا يَشْمَلُ الْخُطْبَةَ.
قَوْلُهُ: (خَفِيفَتَيْنِ) بِأَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْوَاجِبِ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (إلَى غُرُوبِ) لَا مَعْنَى لِتَعَلُّقِهِ بِيَدْخُلُ لِأَنَّ الدُّخُولَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَيْسَ لَهُ نِهَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (إلَى مُضِيِّ ذَلِكَ) أَيْ قَدْرِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَتَيْنِ وَمِنْ لِلِابْتِدَاءِ.
قَوْلُهُ: (مُعَيَّنَةً) أَيْ ابْتِدَاءً كَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ الشَّاةِ.
قَوْلُهُ: (كَلِلَّهِ عَلَيَّ أُضْحِيَّةٌ) بِشَاةٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ اكْتِفَاءً بِالصِّيغَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي الثَّانِيَةِ) وَهِيَ الْمَنْذُورَةُ فِي الذِّمَّةِ وَقَوْلُهُ: فِي الْأُولَى وَهِيَ الْمُعَيَّنَةُ ابْتِدَاءً اهـ أج.
قَوْلُهُ: (مِنْ مِثْلِهَا) أَيْ مِنْ قِيمَةِ مِثْلِهَا مَرْحُومِيٌّ وَلَا حَاجَةَ لِتَقْدِيرِ قِيمَةٍ كَمَا هُوَ فِي الْمَنْهَجِ وَعِبَارَةُ ع ش عَلَيْهِ قَوْلُهُ مِنْ مِثْلِهَا يَوْمَ النَّحْرِ أَيْ وَلَوْ مِنْ مَالِهِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهَا يَوْمَ النَّحْرِ أَكْثَرَ وَتَسْمِيَتُهَا يَوْمَ التَّلَفِ لَزِمَهُ الْمِثْلُ.
اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ قِيمَتُهَا) أَيْ وَقْتَ التَّلَفِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَدُونَهَا) فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ اشْتَرَى شِقْصًا فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ اشْتَرَى لَحْمًا.
نَعَمْ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَصَدَّقَ بِالدَّرَاهِمِ اهـ. ز ي.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ فِي التَّضْحِيَةِ وَغَيْرِهَا مَا عَدَا التَّكْبِيرَ.
وَالدُّعَاءَ بِالْقَبُولِ فَإِنَّهُمَا خَاصَّانِ بِالْأُضْحِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ) وَالْأَكْمَلُ، تَكْمِيلُهَا وَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُطْلَبُ ذَلِكَ لِأَنَّ الذَّبْحَ لَا يُنَاسِبُهُ رَحْمَةٌ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الذَّبْحَ
بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ مُحَمَّدٍ.
(وَ) الثَّانِي (الصَّلَاةُ) وَالسَّلَامُ (عَلَى) سَيِّدِنَا (رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) تَبَرُّكًا بِهِمَا.
(وَ) الثَّالِثُ (اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِالذَّبِيحَةِ) أَيْ بِمَذْبَحِهَا فَقَطْ عَلَى الْأَصَحِّ دُونَ وَجْهِهَا لِيُمْكِنَهُ الِاسْتِقْبَالُ أَيْضًا.
(وَ) الرَّابِعُ (التَّكْبِيرُ ثَلَاثًا) بَعْدَ التَّسْمِيَةِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
(وَ) الْخَامِسُ (الدُّعَاءُ بِالْقَبُولِ) بِأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ هَذَا مِنْك وَإِلَيْك فَتَقَبَّلْ مِنِّي وَالسَّادِسُ تَحْدِيدُ الشَّفْرَةِ فِي غَيْرِ مُقَابِلَتِهَا.
وَالسَّابِعُ إمْرَارُهَا وَتَحَامُلُ ذَهَابِهَا وَإِيَابِهَا وَالثَّامِنُ إضْجَاعُهَا عَلَى شِقِّهَا الْأَيْسَرِ وَشَدِّ قَوَائِمِهَا الثَّلَاثِ غَيْرَ الرِّجْلِ الْيُمْنَى.
وَالتَّاسِعُ عَقْلُ الْإِبِلِ وَقَدْ مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَى بَعْضِ ذَلِكَ.
(وَلَا يَأْكُلُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ الْمَنْذُورَةِ) وَالْهَدْيِ الْمَنْذُورِ كَدَمِ الْجُبْرَانِ فِي الْحَجِّ.
(شَيْئًا) أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَإِنْ أَكَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا غَرِمَهُ.
(وَيَأْكُلُ مِنْ) الْأُضْحِيَّةِ (الْمُتَطَوِّعِ بِهَا) أَيْ يُنْدَبُ لَهُ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى هَدْيِ التَّطَوُّعِ الثَّابِتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] أَيْ الشَّدِيدَ الْفَقْرِ وَفِي الْبَيْهَقِيّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَبِدِ أُضْحِيَّتِهِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الْأَكْلُ مِنْهَا كَمَا قِيلَ بِهِ لِظَاهِرِ الْآيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: 36] فَجَعَلَهَا لَنَا وَمَا جُعِلَ لِلْإِنْسَانِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَكْلِهِ وَتَرْكِهِ.
قَالَهُ فِي الْمُهَذَّبِ
(وَلَا يَبِيعُ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ شَيْئًا) وَلَوْ جِلْدَهَا أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ سَوَاءً أَكَانَتْ مَنْذُورَةً أَمْ لَا.
وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِ
[حاشية البجيرمي]
فِيهِ رَحْمَةٌ لِلْآكِلِينَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ مُحَمَّدٍ) بِالْجَرِّ فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ حَرُمَ وَحَرُمَتْ الذَّبِيحَةُ إنْ قَصَدَ بِذَلِكَ " التَّشْرِيكَ.
فَإِنْ أَطْلَقَ كُرِهَ وَإِنْ قَصَدَ التَّبَرُّكَ لَمْ يُكْرَهْ وَلَا تَحْرُمُ الذَّبِيحَةُ فِيهِمَا وَقِيلَ: يَحْرُمُ إذَا أَطْلَقَ لِإِيهَامِهِ التَّشْرِيكَ.
وَاعْتَمَدَهُ بَعْضُهُمْ وَلَوْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمُ مُحَمَّدٍ بِالرَّفْعِ لَمْ يَحْرُمْ بَلْ وَلَا يُكْرَهُ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ بِرْمَاوِيٌّ وَفِي السِّيرَةِ الْحَلَبِيَّةِ وَأَمَّا مَا قِيلَ عِنْدَ ذَبْحِهِ بِسْمِ اللَّهِ وَاسْمِ مُحَمَّدٍ فَحَلَالٌ أَكْلُهُ.
وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ حَرَامًا لِإِيهَامِهِ التَّشْرِيكَ وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَحَالِّ الْمُسْتَثْنَاةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: " لَا أَذْكُرُ إلَّا وَتُذْكَرُ مَعِي " فَقَدْ جَاءَ " أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إنَّ رَبِّي وَرَبَّك يَقُولُ لَك أَتَدْرِي كَيْفَ رَفَعَ ذِكْرَك " أَيْ عَلَى أَيِّ حَالٍ جَعَلْت ذِكْرَك مَرْفُوعًا مُشَرَّفًا، الْمَذْكُورَ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: 1] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] قُلْت اللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ: " لَا أُذْكَرُ إلَّا وَتُذْكَرُ مَعِي " أَيْ فِي غَالِبِ الْمَوَاطِنِ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا.
فَائِدَةٌ:
مَنْ ذَبَحَ لِلْكَعْبَةِ تَعْظِيمًا لَهَا لِكَوْنِهَا بَيْتَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْ لِلنَّبِيِّ لِكَوْنِهِ رَسُولَ اللَّهِ أَوْ لِلْفَرَحِ بِقُدُومِ إمَامٍ أَوْ وَزِيرٍ أَوْ ضَيْفٍ أَوْ شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ لِإِرْضَاءِ سَاخِطٍ أَوْ عِنْدَ مَقَامِ وَلِيٍّ فَلَا يَكْفُرُ، وَلَا يَحْرُمُ وَلَا يُكْرَهُ بَلْ يُسَنُّ ذَلِكَ بِالْإِهْدَاءِ لِلْكَعْبَةِ وَغَيْرِهَا فَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِهِ أَيْ بِالذَّبْحِ كَنَحْوِ زَيْتٍ لِإِسْرَاجِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى.
اهـ. دَيْرَبِيٌّ بِخَطِّهِ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّلَاةُ) أَيْ عَقِبَ التَّسْمِيَةِ وَيُكْرَهُ تَرْكُهَا أَعْنِي التَّسْمِيَةَ وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ إلَخْ سم.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ التَّسْمِيَةِ) لَيْسَ قَيْدًا بَلْ أَوْ قَبْلَهَا فَيَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِمَرَّةٍ وَالْأَكْمَلُ ثَلَاثٌ.
قَوْلُهُ: (هَذَا مِنْك) أَيْ وَاصِلٌ مِنْك، وَرَاجِعٌ إلَيْك أَوْ نِعْمَةٌ مِنْك أَوْ مُتَقَرَّبٌ بِهِ إلَيْك وَقَوْلُهُ: فِي غَيْرِ مُقَابَلَتِهَا أَيْ الذَّبِيحَةِ.
قَوْلُهُ: (الْمَنْذُورَةِ) لَوْ قَالَ: الْوَاجِبَةِ لَكَانَ أَوْلَى وَأَعَمَّ لِيَشْمَلَ الْوَاجِبَةَ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ أُضْحِيَّةٌ أَوْ جَعَلْتهَا أُضْحِيَّةً وَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ ق ل. وَمِثْلُهُ م ر حَيْثُ قَالَ: وَلَوْ جَاهِلًا بِالْحُكْمِ اهـ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي ذَلِكَ حَرَجٌ شَدِيدٌ.
قَوْلُهُ: (كَدَمِ الْجُبْرَانِ) تَنْظِيرٌ لِلْهَدْيِ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ يَأْكُلَ) مَحْمُولٌ عَلَى الزَّائِدَةِ عَلَى الْوَاجِبِ فَلَا يُرَدُّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي حَقِّهِ، وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْ الْوَاجِبَةِ وَلَعَلَّ الْحِكْمَةَ فِي أَكْلِهِ مِنْ الْكَبِدِ كَوْنُهُ أَوَّلَ مَا يَقَعُ بِهِ إكْرَامُ اللَّهِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ لِمَا وَرَدَ: «إنَّ أَوَّلَ إكْرَامِهِ لَهُمْ بِأَكْلِ زِيَادَةِ كَبِدِ الْحُوتِ» قَوْلُهُ: (لِظَاهِرِ الْآيَةِ) أَيْ قَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: 28] وَهُوَ عِلَّةٌ لِلْمَنْفِيِّ
أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا.
كَأَنْ يَجْعَلَهُ دَلْوًا أَوْ نَعْلًا أَوْ خُفًّا وَالتَّصَدُّقُ بِهِ أَفْضَلُ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا إجَارَتُهُ لِأَنَّهَا بَيْعُ الْمَنَافِعِ لِخَبَرِ الْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ: «مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِ فَلَا أُضْحِيَّةَ لَهُ» وَلَا يَجُوزُ إعْطَاؤُهُ أُجْرَةً لِلْجَزَّارِ، وَتَجُوزُ إعَارَتَهُ، كَمَا لَهُ إعَارَتُهَا.
أَمَّا الْوَاجِبَةُ فَيَجِبُ التَّصَدُّقُ بِجِلْدِهَا.
كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَالْقَرْنُ مِثْلُ الْجِلْدِ فِيمَا ذُكِرَ وَلَهُ جَزُّ صُوفٍ عَلَيْهَا إنْ تُرِكَ إلَى الذَّبْحِ ضَرَّ بِهَا لِلضَّرُورَةِ وَإِلَّا فَلَا يَجُزُّهُ إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً لِانْتِفَاعِ الْحَيَوَانِ بِهِ فِي دَفْعِ الْأَذَى وَانْتِفَاعِ الْمَسَاكِينِ بِهِ عِنْدَ الذَّبْحِ.
وَكَالصُّوفِ فِيمَا ذُكِرَ الشَّعْرُ وَالْوَبَرُ وَوَلَدُ الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ يُذْبَحُ حَتْمًا كَأُمِّهِ وَيَجُوزُ لَهُ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ أَكْلُهُ قِيَاسًا عَلَى اللَّبَنِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْ أُمِّهِ وَلَهُ شُرْبُ فَاضِلِ لَبَنِهَا عَنْ وَلَدِهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ
(وَيُطْعِمُ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ) مِنْ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى سَبِيلِ التَّصَدُّقِ مِنْ أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ بَعْضِهَا وُجُوبًا وَلَوْ جُزْءًا يَسِيرًا مِنْ لَحْمِهَا بِحَيْثُ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَيَكْفِي الصَّرْفُ لِوَاحِدٍ مِنْ الْفُقَرَاءِ أَوْ الْمَسَاكِينِ.
وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ تَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ بِخِلَافِ سَهْمِ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْ الزَّكَاةِ لَا يَجُوزُ صَرْفُهُ لِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِأَنَّهُ يَجُوزُ هُنَا الِاقْتِصَارُ عَلَى جُزْءٍ يَسِيرٍ لَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ لِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ وَيُشْتَرَطُ فِي اللَّحْمِ أَنْ يَكُونَ نِيئًا لِيَتَصَرَّفَ فِيهِ مَنْ يَأْخُذُهُ بِمَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ.
كَمَا فِي الْكَفَّارَاتِ فَلَا يَكْفِي جَعْلُهُ طَعَامًا وَدُعَاءُ الْفُقَرَاءِ إلَيْهِ لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي تَمَلُّكِهِ وَلَا تَمْلِيكُهُمْ لَهُ مَطْبُوخًا وَلَا تَمْلِيكُهُمْ غَيْرَ اللَّحْمِ مِنْ جِلْدٍ وَكَرِشٍ وَطِحَالٍ وَنَحْوِهَا وَلَا الْهَدِيَّةُ عَنْ التَّصَدُّقِ وَلَا الْقَدْرُ التَّافِهُ مِنْ اللَّحْمِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَا كَوْنُهُ قَدِيدًا كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ.
وَلَوْ تَصَدَّقَ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ وَأَكَلَ وَلَدَهَا كُلَّهُ جَازَ.
وَلَوْ أَعْطَى الْمُكَاتَبَ جَازَ كَالْحُرِّ قِيَاسًا عَلَى الزَّكَاةِ وَخَصَّهُ ابْنُ الْعِمَادِ بِغَيْرِ سَيِّدِهِ وَإِلَّا فَهُوَ كَمَا لَوْ صَرَفَهُ إلَيْهِ مِنْ زَكَاتِهِ انْتَهَى وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرُهُمْ فَلَا يَجُوزُ إطْعَامُهُمْ مِنْهَا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَوَقَعَ
[حاشية البجيرمي]
وَقَوْلُهُ لِقَوْلِهِ عِلَّةٌ لِلنَّفْيِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهَا) أَيْ قَبْلَ الذَّبْحِ قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) هَذَا مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ: وَلَوْ جِلْدَهَا، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أَعَادَهُ لِأَجْلِ قَوْلِهِ لِخَبَرِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَوَلَدُ الْأُضْحِيَّةِ الْوَاجِبَةِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ وُجُوبُهَا بِنَذْرٍ بِأَنْ قَالَ لِلَّهِ: عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ، أَوْ كَانَ وُجُوبُهَا بِالْجَعْلِ كَجَعَلْت هَذِهِ أُضْحِيَّةً فَفِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ طَرَأَ لَهَا الْحَمْلُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّ، فَإِنْ جَاءَ وَقْتُ الذَّبْحِ وَهِيَ حَامِلٌ ذُبِحَتْ وَإِنْ وَلَدَتْ قَبْلَ الذَّبْحِ ذُبِحَتْ وَذُبِحَ وَلَدُهَا وَيَجُوزُ أَكْلُ وَلَدِهَا.
وَكَذَا إذَا عَيَّنَ مَا فِي ذِمَّتِهِ فَحَمَلَتْ بَعْدَ التَّعْيِينِ وَوُلِدَ قَبْلَ الذَّبْحِ فَإِنَّهُ يُذْبَحُ أَيْضًا وَيَجُوزُ أَكْلُهُ.
وَأَمَّا لَوْ عَيَّنَ حَامِلًا عَمَّا فِي الذِّمَّةِ لَا يَصِحُّ أَوْ عَيَّنَ حَائِلًا فَحَمَلَتْ وَاسْتَمَرَّ الْحَمْلُ إلَى وَقْتِ الذَّبْحِ فَلَا يَصِحُّ ذَبْحُهَا، فَكَلَامُ الشَّارِحِ يُنَزَّلُ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنَّ أُضَحِّيَ بِحَامِلٍ فَعَيَّنَ حَامِلًا وَاسْتَمَرَّ الْحَمْلُ إلَى الذَّبْحِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ وَإِنْ وَلَدَتْ قَبْلَ الذَّبْحِ فَلَا يُجْزِئُ ذَبْحُهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُوجَدْ فِيهَا صِفَةُ النَّذْرِ، وَمَحَلُّ جَوَازِ أَكْلِ وَلَدِ الْأُضْحِيَّةِ إذَا بَقِيَتْ أُمُّهُ أَمَّا إذَا مَاتَتْ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى سَبِيلِ التَّصَدُّقِ) أَيْ لَا عَلَى سَبِيلِ الْهَدِيَّةِ فَلَا يَكْفِي.
وَالْفَرْقُ أَنَّ مَا كَانَ لِأَجْلِ الْهَدِيَّةِ يَكُونُ الْقَصْدُ مِنْهُ الْإِكْرَامُ بِخِلَافِ مَا كَانَ الْقَصْدُ بِهِ الصَّدَقَةُ فَإِنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الثَّوَابُ.
قَوْلُهُ: (بَعْضَهَا) مَفْعُولٌ لِيُطْعِم.
قَوْلُهُ: (تَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ عَبَّرَ بِالْجَمْعِ وَيُجَابُ بِأَنَّ أَلْ لِلْجِنْسِ.
قَوْلُهُ: (وَأَكَلَ وَلَدَهَا كُلَّهُ) وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ اشْتَرَى شَاةً مَثَلًا بِنِيَّةِ الضَّحِيَّةِ، بِقَلْبِهِ أَوْ عَيَّنَهَا مِنْ مَالِهِ لِلضَّحِيَّةِ بِقَلْبِهِ أَيْضًا ثُمَّ إنَّهَا حَمَلَتْ، وَوَلَدَتْ قَبْلَ الذَّبْحِ فَلَا يُجْزِئُ ذَبْحُهَا، بَلْ يُبْدِلُهَا بِسَلِيمَةٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِثْلَ الْأُولَى قَالَ م د: دَفَعَ بِهِ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ أَنَّ الْمُتَطَوَّعَ بِهَا إذَا عَرَضَ لَهَا الْحَمْلُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ ضَحِيَّةٌ ثَانِيَةٌ فَيَجِبُ التَّصَدُّقُ بِجُزْءٍ مِنْهُ، أَيْ فَهَذَا التَّوَهُّمُ بَاطِلٌ.
قَوْلُهُ: (وَخَصَّهُ) أَيْ الْمُعْطِي وَقَوْلُهُ: فَلَا يَجُوزُ إطْعَامُهُمْ وَإِنَّمَا جَمَعَ الضَّمِيرَ مَعَ رُجُوعِهِ لِلْغَيْرِ، لِأَنَّهُ اكْتَسَبَ الْجَمْعِيَّةَ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ فِي كِتَابِهِ: وَهُوَ الْإِمَامُ يُوسُفُ أَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ نِسْبَةً إلَى بُوَيْطَ قَرْيَةٍ مِنْ صَعِيدِ مِصْرَ اهـ أج.
فِي الْمَجْمُوعِ جَوَازُ إطْعَامِ فُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ أُضْحِيَّةِ التَّطَوُّعِ دُونَ الْوَاجِبَةِ وَتَعَجَّبَ مِنْهُ الْأَذْرَعِيُّ.
تَتِمَّةٌ:
الْأَفْضَلُ التَّصَدُّقُ بِكُلِّهَا لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَأَبْعَدُ عَنْ حَظِّ النَّفْسِ إلَّا لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ لُقَمًا يُتَبَرَّكُ بِأَكْلِهَا عَمَلًا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَالِاتِّبَاعِ وَلِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَ الْأَكْلَ وَيُسَنُّ إنْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَكْلِ وَالتَّصَدُّقِ وَالْإِهْدَاءِ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ أَثْلَاثًا وَإِذَا أَكَلَ الْبَعْضَ وَتَصَدَّقَ بِالْبَعْضِ فَلَهُ ثَوَابُ التَّضْحِيَةِ بِالْكُلِّ وَالتَّصَدُّقِ بِالْبَعْضِ وَيُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِلتَّضْحِيَةِ عِنْدَ ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ أَوْ قَبْلَهُ عِنْدَ تَعْيِينِ مَا يُضَحِّي بِهِ: كَالنِّيَّةِ فِي الزَّكَاةِ لَا فِيمَا عَيَّنَ لَهَا بِنَذْرٍ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ نِيَّةٌ وَلَوْ وَكَّلَ بِذَبْحٍ كَفَتْ نِيَّتُهُ وَلَا حَاجَةَ لِنِيَّةِ الْوَكِيلِ وَلَهُ تَفْوِيضُهَا لِمُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ وَلَا تَضْحِيَةَ لِأَحَدٍ عَنْ آخَرَ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَلَوْ كَانَ مَيِّتًا كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ بِخِلَافِ مَا إذَا أَذِنَ لَهُ كَالزَّكَاةِ.
وَلَا لِرَقِيقٍ وَلَوْ مُكَاتَبًا فَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهَا وَقَعَتْ لِسَيِّدِهِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُكَاتَبٍ وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا وَقَعَتْ لَهُ لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ وَقَدْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ.
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَتَعَجَّبَ مِنْهُ الْأَذْرَعِيُّ إلَخْ) أَيْ مِمَّا وَقَعَ فِي الْمَجْمُوعِ أَيْ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا إرْفَاقُ الْمُسْلِمِينَ بِأَكْلِهَا لِأَنَّهَا ضِيَافَةٌ مِنْ اللَّهِ فَلَا يَجُوزُ تَمْكِينُ غَيْرِهِمْ مِنْهَا وَكَلَامُ الشَّارِحِ يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي فِي الْمَجْمُوعِ وَتَعَجَّبَ مِنْهُ الْأَذْرَعِيُّ هُوَ إطْعَامُ الْمُضَحِّي لِفُقَرَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ م ر امْتِنَاعُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَنَّ مَا فِي الْمَجْمُوعِ إنَّمَا هُوَ فِي إعْطَاءِ الْفَقِيرِ أَوْ الْمُهْدَى لَهُ شَيْئًا مِنْهَا لِلْكَافِرِ وَعِبَارَتُهُ: وَخَرَجَ بِالْمُضَحِّي عَنْ نَفْسِهِ مَا لَوْ ضَحَّى عَنْ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا، كَمَا لَا يَجُوزُ إطْعَامُ كَافِرٍ مِنْهَا مُطْلَقًا فَقِيرًا أَوْ غَنِيًّا مَنْدُوبَةً أَوْ وَاجِبَةً وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ امْتِنَاعُ إطْعَامِ الْفَقِيرِ وَالْمُهْدَى إلَيْهِ شَيْئًا مِنْهَا لِلْكَافِرِ إذْ الْقَصْدُ مِنْهَا إرْفَاقُ الْمُسْلِمِينَ بِأَكْلِهَا، لَكِنْ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ وَفِي ع ش عَلَى م ر. دَخَلَ فِي الْإِطْعَامِ مَا لَوْ ضَيَّفَ الْفَقِيرُ أَوْ الْمُهْدَى إلَيْهِ الْغَنِيُّ كَافِرًا فَلَا يَجُوزُ نَعَمْ لَوْ اُضْطُرَّ الْكَافِرُ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَدْفَعُ ضَرُورَتَهُ إلَّا لَحْمُ الْأُضْحِيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُدْفَعَ لَهُ مِنْهُ مَا يَدْفَعُ ضَرُورَتَهُ وَيَضْمَنُهُ الْكَافِرُ بِبَدَلِهِ لِلْفُقَرَاءِ وَلَوْ كَانَ الدَّافِعُ لَهُ غَنِيًّا كَمَا لَوْ أَكَلَ الْمُضْطَرُّ طَعَامَ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ بِالْبَدَلِ وَلَا تَكُونُ الضَّرُورَةُ مُبِيحَةً لَهُ إيَّاهُ مَجَّانًا.
اهـ. .
قَوْلُهُ: (بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ) أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: 28] . قَوْلُهُ: (لَا فِيمَا عَيَّنَ لَهَا بِنَذْرٍ) صُورَتُهُ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ لَا عِنْدَ الذَّبْحِ؛ وَلَا عِنْدَ النَّذْرِ حَتَّى لَوْ ذَبَحَهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّهُ يَكْفِي وَيُفَرِّقُهَا صَاحِبُهَا وَأَمَّا إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً بِالْجَعْلِ كَجَعَلْتهَا أُضْحِيَّةً أَوْ بِالْإِشَارَةِ كَهَذِهِ أُضْحِيَّةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ عِنْدَ الذَّبْحِ، أَوْ عِنْدَ الْجَعْلِ أَوْ عِنْدَ التَّعْيِينِ بِالْإِشَارَةِ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ عَيَّنَهَا فَيَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ عِنْدَ الذَّبْحِ أَوْ التَّعْيِينِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ وَكَّلَ بِذَبْحٍ كَفَتْ نِيَّتُهُ) أَيْ الْمُضَحِّي عِنْدَ ذَبْحِ الْوَكِيلِ أَوْ الدَّفْعِ إلَيْهِ أَوْ فِيمَا قَبْلَهُ، مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْقَوْلَةِ قَبْلَ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ تَفْوِيضُهَا) أَيْ النِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ مَيِّتًا) صُورَتُهَا فِي الْمَيِّتِ أَنْ يُوصِيَ بِهَا قَبْلَ مَوْتِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا تُجْزِئُ تَضْحِيَتُهُ عَنْ الْغَيْرِ بِلَا إذْنٍ إلَّا فِيمَا إذَا ضَحَّى عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ ضَحَّى عَنْ مُوَلِّيهِ مِنْ مَالِ الْوَلِيِّ، أَوْ ضَحَّى الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَسْقُطُ بِفِعْلِهِ الطَّلَبُ عَنْ الْأَغْنِيَاءِ وَحِينَئِذٍ فَالْمَقْصُودُ مِنْ الذَّبْحِ عَنْهُمْ مُجَرَّدُ حُصُولِ الثَّوَابِ لَهُمْ وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ التَّضْحِيَةِ مِنْ الْإِمَامِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ التَّضْحِيَةُ بِمَا شَرَطَ الْوَاقِفُ التَّضْحِيَةَ بِهِ مِنْ غَلَّةِ وَقْفِهِ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ لِمَنْ شَرَطَ صَرْفَهُ لَهُمْ وَلَا يَسْقُطُ بِهِ التَّضْحِيَةُ عَنْهُمْ، وَيَأْكُلُونَ مِنْهُ وَلَوْ أَغْنِيَاءً وَلَيْسَ هُوَ ضَحِيَّةٌ مِنْ الْوَاقِفِ، بَلْ هُوَ صَدَقَةٌ مُجَرَّدَةٌ كَبَقِيَّةِ عِلَّةِ الْوَاقِفِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا إذَا أَذِنَ لَهُ) وَصُورَتُهُ فِي الْمَيِّتِ أَنْ يُوصِيَ بِهَا، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَقَعَتْ لِسَيِّدِهِ) أَيْ بِأَنْ نَوَى السَّيِّدُ أَوْ فَوَّضَ النِّيَّةَ إلَيْهِ ز ي وَقَوْلُهُ: إنْ كَانَ أَيْ الرَّقِيقُ غَيْرَ مُكَاتَبٍ إلَخْ.
اهـ.
فَصْلٌ: فِي الْعَقِيقَةِ وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِلْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ مِنْهَا خَبَرُ: «الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السَّابِعِ.
وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُسَمَّى» وَمِنْهَا: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِتَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ يَوْمَ سَابِعِهِ وَوَضْعِ الْأَذَى عَنْهُ وَالْعَقِّ» رَوَاهُمَا التِّرْمِذِيُّ؛ وَمَعْنَى مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ قِيلَ لَا يَنْمُو نُمُوَّ مِثْلِهِ.
وَقِيلَ: إذَا لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ لَمْ يَشْفَعْ لِوَالِدَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
(وَالْعَقِيقَةُ مُسْتَحَبَّةٌ وَهِيَ) لُغَةً اسْمٌ لِلشَّعْرِ الَّذِي عَلَى رَأْسِ الْمَوْلُودِ حِينَ وِلَادَتِهِ وَشَرْعًا الذَّبِيحَةُ عَنْ الْمَوْلُودِ عِنْدَ حَلْقِ شَعْرِ رَأْسِهِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ
[حاشية البجيرمي]
[فَصْلٌ فِي الْعَقِيقَةِ]
ِ الْأَوْلَى تَسْمِيَتُهَا ذَبِيحَةٌ وَنَسِيكَةٌ، أَيْ لِمَا فِي الْعَقِيقَةِ مِنْ الْإِشْعَارِ بِالْعُقُوقِ فَالتَّسْمِيَةُ بِهَا خِلَافُ الْأَوْلَى وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
وَيُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا عَقِيقَةً كَمَا يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الْعِشَاءِ عَتَمَةً اهـ. قَالَ الشَّيْخُ س ل: الْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، أَيْ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمَّاهَا عَقِيقَةً وَذَكَرَهَا بَعْدَ الْأُضْحِيَّةِ لِمُشَارَكَتِهَا لَهَا فِي غَالِبِ الْأَحْكَامِ وَإِنَّمَا تُخَالِفُهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ طَبْخُ مَا يُدْفَعُ مِنْهَا لِلْفُقَرَاءِ وَأَنْ تُعْطَى رِجْلُهَا نِيئَةً لِلْقَابِلَةِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَغْنِيَاءِ أَنْ يَتَصَرَّفُوا فِيمَا يَأْخُذُونَهُ بِغَيْرِ الْبَيْعِ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ فِي ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ) : أَيْ الْعَقِيقَةُ أَيْ الْعَقُّ بِهَا لِأَنَّ الْعَقِيقَةَ اسْمٌ لِلذَّبِيحَةِ وَهِيَ فِي نَفْسِهَا لَيْسَتْ سُنَّةً وَإِنَّمَا السُّنَّةُ الْعَقُّ بِهَا.
قَوْلُهُ: (سُنَّةٌ) أَيْ فِي حَقِّنَا وَاجِبَةٌ فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَوْلُهُ: مُؤَكَّدَةٌ فَيُثَابُ عَلَى فِعْلِهَا فَإِنْ نَذَرَهَا وَجَبَتْ.
قَوْلُهُ: (الْغُلَامُ) لَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْوَالِدَيْنِ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ الْأُنْثَى فَقَصْدُ حَثِّهِمْ عَلَى فِعْلِ الْعَقِيقَةِ وَإِلَّا فَالْأُنْثَى كَذَلِكَ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (مُرْتَهَنٌ) بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ أَيْ مَحْبُوسٌ فَشَبَّهَهُ بِعَدَمِ انْفِكَاكِهِ مِنْهَا بِالرَّهْنِ فِي يَدِ مُرْتَهِنٍ يَعْنِي إذَا لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ فَمَاتَ طِفْلًا لَا يَشْفَعُ فِي أَبَوَيْهِ كَذَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَاسْتَجْوَدَهُ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ بِأَنَّ شَفَاعَةَ الْوَلَدِ فِي وَالِدِهِ لَيْسَتْ بِأَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ وَبِأَنَّهُ لَا يُقَالُ لِمَنْ يَشْفَعُ فِي غَيْرِهِ إنَّهُ مُرْتَهَنٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْعَقِيقَةَ سَبَبٌ لِفِكَاكِهِ مِنْ الشَّيْطَانِ، الَّذِي طَعَنَهُ حَالَ خُرُوجِهِ فَهِيَ تَخْلِيصٌ لَهُ مِنْ حَبْسِ الشَّيْطَانِ لَهُ فِي أَسْرِهِ وَمَنْعُهُ لَهُ فِي سَعْيِهِ فِي مَصَالِحِ آخِرَتِهِ.
اهـ. مُنَاوِيٌّ عَلَى الْخَصَائِصِ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ: إذَا لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ إلَخْ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا أَجْوَدُ مَا قِيلَ فِيهِ: وَهُوَ تَفْسِيرُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِحَاطَتُهُ بِالسُّنَّةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ ثَبَتَ فِيهِ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَشْفَعْ لِوَالِدَيْهِ) أَيْ مَعَ السَّابِقِينَ أَيْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لَهَا لِكَوْنِهِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ، وَالْأَوْلَى قِرَاءَةُ وَالِدِيهِ بِكَسْرِ الدَّالِ فَيَشْمَلُ الْوَالِدَ وَإِنْ عَلَا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ أَمْ الْأُمِّ.
ع ش عَلَى الْمَنْهَجِ قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: وَانْظُرْ إذَا عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ هَلْ يَشْفَعُ فِي أَبَوَيْهِ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (وَالْعَقِيقَةُ مُسْتَحَبَّةٌ) أَيْ ذَبْحُهَا لَا هِيَ نَفْسُهَا لِأَنَّهَا الْحَيَوَانُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى رَأْسِ الْمَوْلُودِ) مِنْ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ.
قَوْلُهُ: (وَشَرْعًا الذَّبِيحَةُ إلَخْ) أَقُولُ: هُوَ غَيْرُ جَامِعٍ لِأَنَّ مِنْ الْعَقِيقَةِ مَا يُذْبَحُ قَبْلَ حَلْقِ الشَّعْرِ، أَوْ بَعْدَهُ، وَمَا يُذْبَحُ وَلَا يَكُونُ هُنَاكَ حَلْقُ شَعْرٍ مُطْلَقًا فَإِنَّ الذَّبْحَ عِنْدَ حَلْقِ الشَّعْرِ إنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ، بِأَنْ يَكُونَ يَوْمَ السَّابِعِ وَلَيْسَ مُعْتَبَرًا فِي الْحَقِيقَةِ تَأَمَّلْ سم عَلَى الْمَنْهَجِ قَوْلُهُ: (عِنْدَ حَلْقِ شَعْرِ رَأْسِهِ) هَذَا جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ وَإِلَّا فَقَدْ تَكُونُ الْعَقِيقَةُ مِنْ غَيْرِ حَلْقٍ فَقَوْلُهُ: عِنْدَ حَلْقِ شَعْرِ رَأْسِهِ بَيَانٌ لِلْأَكْمَلِ وَأَصْلُ السُّنَّةِ لَا يَتَقَيَّدُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ) وَهِيَ الذَّبِيحَةُ وَقَوْلُهُ: بِاسْمِ سَبَبِهِ أَيْ وَهُوَ حَلْقُ الرَّأْسِ هَذَا مُرَادُ الشَّارِحِ وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ جَعْلُ الْحَلْقِ سَبَبًا لِلتَّسْمِيَةِ وَلَا يَصِحُّ لِذَلِكَ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا لَوْ كَانَ الْحَلْقُ يُسَمَّى عَقِيقَةً مَعَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ مُرَادَهُ السَّبَبُ الْبَعِيدُ.
وَهُوَ الشَّعْرُ لِأَنَّ الشَّعْرَ سَبَبٌ لِلْحَلْقِ وَالْحَلْقُ سَبَبٌ لِلذَّبْحِ، وَفِي كَوْنِ الْحَلْقِ سَبَبًا لِلذَّبْحِ شَيْءٌ فَكَانَ الْأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ لِأَنَّ مَذْبَحَهَا يُعَقُّ أَيْ يُشَقُّ وَيُقْطَعُ وَقِيلَ سُمِّيَ الشَّعْرُ عَقِيقَةً لِأَنَّهُ يُعَقُّ أَيْ يُزَالُ قَالَ الرَّشِيدِيُّ: اُنْظُرْ هَذَا التَّعْلِيلَ وَلَا تَظْهَرُ لَهُ مُلَاءَمَةٌ
سَبَبِهِ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِانْفِصَالِ جَمِيعِ الْوَلَدِ وَلَا تُحْسَبُ قَبْلَهُ بَلْ تَكُونُ شَاةَ لَحْمٍ وَيُسَنُّ ذَبْحُهَا.
(يَوْمَ سَابِعِهِ) أَيْ وِلَادَتِهِ وَيُحْسَبُ يَوْمُ الْوِلَادَةِ مِنْ السَّبْعَةِ.
كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ بِخِلَافِ الْخِتَانِ فَإِنَّهُ لَا يُحْسَبُ مِنْهَا كَمَا صَحَّحَهُ فِي الزَّوَائِدِ لِأَنَّ الْمَرْعِيَّ هُنَا الْمُبَادَرَةُ إلَى فِعْلِ الْقُرْبَةِ وَالْمَرْعِيُّ هُنَاكَ التَّأْخِيرُ لِزِيَادَةِ الْقُوَّةِ لِيَحْتَمِلَهُ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ الذَّابِحُ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ: اللَّهُمَّ مِنْك، وَإِلَيْك عَقِيقَةُ فُلَانٍ لِخَبَرٍ وَرَدَ فِيهِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ
وَيُكْرَهُ لَطْخُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ بِدَمِهَا لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِقُوا عَلَيْهِ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى» بَلْ قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: إنَّهُ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ ثُمَّ يُغْسَلُ لِهَذَا الْخَبَرِ؛ وَيُسَنُّ لَطْخُ رَأْسِهِ بِالزَّعْفَرَانِ وَالْخُلُوقِ كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ
. وَيُسَنُّ أَنْ يُسَمَّى فِي السَّابِعِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَارِّ وَلَا بَأْسَ بِتَسْمِيَتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ؛ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي
[حاشية البجيرمي]
بِمَا قَبْلَهُ وَلَا يَصِحُّ جَامِعًا بَيْنَ اللُّغَوِيِّ الَّذِي ذَكَرَهُ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ عَقَّ لُغَةً مَعْنَاهُ قَطَعَ فَيَكُونُ لَهَا فِي اللُّغَةِ مَعْنَيَانِ الْقَطْعُ وَالشَّعْرُ الَّذِي عَلَى رَأْسِ الْوَلَدِ فَلَعَلَّ هَذَا الْمَعْنَى الْأَوَّلَ أَسْقَطَتْهُ الْكَتَبَةُ مِنْ الشَّرْحِ بَعْدَ إثْبَاتِهِ فِيهِ مَعَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَيَكُونُ الشَّرْحُ قَدْ أَشَارَ إلَى مُنَاسَبَةِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ لِكُلٍّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ فَأَشَارَ لِمُنَاسَبَتِهِ لِمَعْنَى قَطَعَ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ مَذْبَحَهُ إلَخْ وَلِمُنَاسَبَتِهِ لِمَعْنَى الشَّعْرِ بِقَوْلِهِ: وَلِأَنَّ الشَّعْرَ إلَخْ اهـ بِالْحَرْفِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ وِلَادَتِهِ) وَيُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَهَا وَهِيَ تَطْلَقُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: 54] الْآيَةَ الَّتِي فِي الْأَعْرَافِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَالْإِكْثَارُ مِنْ دُعَاءِ الْكَرْبِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي قَوْلِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ، وَرَبُّ الْأَرْضِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، وَمِنْ دُعَاءِ يُونُسَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ﴾ [الأنبياء: 87] إلَى آخِرِ الْآيَةِ وَيُسَنُّ أَيْضًا أَنْ يَقْرَأَ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] قَالَ بَعْضُهُمْ: خَاصِّيَّتُهَا أَنَّ مَنْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ لَمْ يَزْنِ مُدَّةَ عُمْرِهِ.
فَائِدَةٌ لِوَضْعِ الْحَامِلِ:
يَكْتُبُ فِي إنَاءٍ جَدِيدٍ: اُخْرُجْ أَيُّهَا الْوَلَدُ مِنْ بَطْنٍ ضَيِّقَةٍ إلَى سِعَةِ هَذِهِ الدُّنْيَا، اُخْرُجْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي جَعَلَك فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: 21] . إلَى آخِرِ السُّورَةِ ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] ، وَيُمْحَى بِمَاءٍ وَتَشْرَبُهُ الْحَامِلُ وَيُرَشُّ عَلَى وَجْهِهَا مِنْهُ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ مِنْك وَإِلَيْك) أَيْ اللَّهُمَّ هَذَا نِعْمَةٌ مِنْك، وَتَقَرَّبْت بِهِ إلَيْك، وَالْإِشَارَةُ لِلْمَذْبُوحِ.
قَوْلُهُ: (عَقِيقَةُ فُلَانٍ) أَيْ هَذِهِ عَقِيقَةٌ إلَخْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْك خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَعَقِيقَةٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ لَطْخُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ بِدَمِهَا) وَيَحْرُمُ لَطْخُ الْأَبْوَابِ بِدَمِهَا وَبِدَمِ الْأُضْحِيَّةِ اهـ ق ل وَنُقِلَ عَنْ م ر. أَنَّ تَلْطِيخَ الْبَابِ بِدَمِ الْأُضْحِيَّةِ جَائِزٌ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ التَّبَرُّكُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْبَابُ غَيْرَ مَمْلُوكٍ لِلْمُضَحِّي.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ) أَيْ لَطْخُ الرَّأْسِ قَدْ يُقَالُ: إنْ كَانَ الْحَدِيثُ صَحِيحًا فَلَا كَرَاهَةَ أَيْضًا، وَمِنْ ثَمَّ اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَإِنْ كَانَ مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَهَلَّا قِيلَ بِالْحُرْمَةِ لِحُرْمَةِ التَّشَبُّهِ بِهِمْ فَلْيُتَأَمَّلْ.
قَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ: لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ أَيْ لِظَاهِرِهِ إذْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: فَأَهْرِقُوا عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ فَأَهْرِقُوا لِأَجْلِهِ فَتَكُونُ عَلَى لِلتَّعْلِيلِ وَقَوْلُهُ: أَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى أَيْ أَزِيلُوا عَنْهُ أَذَى الشَّعْرِ وَنَحْوِهِ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ فِي الْخَبَرِ دَلَالَةٌ عَلَى النَّدْبِ فَضْلًا عَنْ الْوُجُوبِ وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا أَطَالَ بِهِ فِي الْحَاشِيَةِ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا.
قَوْلُهُ: (مَعَ الْغُلَامِ) أَيْ يُطْلَبُ مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَأَهْرِقُوا) أَيْ صُبُّوا عَلَى رَأْسِهِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى أَيْ اغْسِلُوهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْخُلُوقِ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَالْقَافِ نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ.
اهـ. تَقْرِيبٌ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ أَنْ يُسَمَّى فِي السَّابِعِ) وَلَوْ مَاتَ أَوْ كَانَ سِقْطًا وَلَمْ يُعْرَفْ ذُكُورَتُهُ وَلَا أُنُوثَتُهُ سُمِّيَ بِاسْمٍ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى نَحْوُ طَلْحَةَ وَهِنْدٍ وَنَحْوَ
أَذْكَارِهِ أَنَّ السُّنَّةَ تَسْمِيَتُهُ يَوْمَ السَّابِعِ، أَوْ يَوْمَ الْوِلَادَةِ وَاسْتَدَلَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِأَخْبَارٍ صَحِيحَةٍ وَحَمَلَ الْبُخَارِيُّ أَخْبَارَ يَوْمِ الْوِلَادَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُرِدْ الْعَقَّ وَأَخْبَارَ يَوْمِ السَّابِعِ عَلَى مَنْ أَرَادَهُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ شَارِحُهُ: وَهُوَ جَمْعٌ لَطِيفٌ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ؛ وَيُسَنُّ أَنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ لِخَبَرِ: «إنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَحَسِّنُوا أَسْمَاءَكُمْ» وَأَفْضَلُ الْأَسْمَاءِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» . وَتُكْرَهُ الْأَسْمَاءُ الْقَبِيحَةُ كَشِهَابٍ وَشَيْطَانٍ وَحِمَارٍ وَمَا يُتَطَيَّرُ بِنَفْيِهِ عَادَةً كَبَرَكَةَ وَنَجِيحٍ، وَلَا تُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَخْرَجَ اللَّهُ أَهْلَ التَّوْحِيدِ مِنْ النَّارِ وَأَوَّلُ مَنْ يُخْرَجُ مَنْ وَافَقَ اسْمُهُ اسْمَ نَبِيٍّ " وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: أَلَا لِيَقُمْ مَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ فَلْيَدْخُلْ الْجَنَّةَ كَرَامَةً لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَيَحْرُمُ تَلْقِيبُ الشَّخْصِ بِمَا يَكْرَهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ كَالْأَعْمَشِ وَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِقَصْدِ التَّعْرِيفِ.
لِمَنْ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِهِ، وَالْأَلْقَابُ الْحَسَنَةُ لَا يُنْهَى عَنْهَا وَمَا زَالَتْ الْأَلْقَابُ الْحَسَنَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلَّا مَا أَحْدَثَهُ النَّاسُ فِي زَمَانِنَا مِنْ التَّوَسُّعِ حَتَّى لَقَّبُوا السَّفَلَةَ بِالْأَلْقَابِ الْعَلِيَّةِ.
وَيُسَنُّ أَنْ يُكَنَّى أَهْلُ الْفَضْلِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
[حاشية البجيرمي]
ذَلِكَ، وَمُقْتَضَى صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ إنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَعُقَّ عَنْهُ لَا تُؤَخَّرَ تَسْمِيَتُهُ إلَى السَّابِعِ بَلْ يُسَمَّى غَدَاةَ وِلَادَتِهِ.
اهـ. مُنَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (يَوْمَ السَّابِعِ) أَيْ مِنْ الْوِلَادَةِ وَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ بِتَأْقِيتِهَا بِهِ وَأَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَهُ لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعَ، وَأَنَّهَا تَفُوتُ بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ ذِكْرَ السَّابِعِ لِلِاخْتِيَارِ لَا لِلتَّعْيِينِ وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ تُذْبَحَ يَوْمَ السَّابِعِ، فَإِنْ لَمْ يَتَهَيَّأْ فَالرَّابِعَ عَشَرَ فَالْحَادِي وَالْعِشْرِينَ.
اهـ. مُنَاوِيٌّ عَلَى الْخَصَائِصِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ حَجَرٍ) أَيْ الْعَسْقَلَانِيُّ شَارِحُهُ أَيْ الْبُخَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَأَفْضَلُ الْأَسْمَاءِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَفْضَلَ الْأَسْمَاءِ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ مَا أُضِيفَ بِالْعُبُودِيَّةِ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ ثُمَّ مُحَمَّدٌ ثُمَّ أَحْمَدُ.
وَسُئِلَ شَيْخُنَا: عَنْ اسْمِ مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ مَا الْأَفْضَلُ مِنْهُمَا.
فَأَجَابَ: بِأَنَّ الْأَفْضَلَ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مُحَمَّدٌ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ وَبِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ السَّمَاءِ أَحْمَدُ لِذَلِكَ.
وَقَالَ شَيْخُنَا س ل مُحَمَّدٌ أَفْضَلُ مُطْلَقًا بِرْمَاوِيٌّ عَلَى الْغَزِّيِّ.
وَتُكْرَهُ بِعَبْدِ النَّبِيِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَمَا وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الرَّحْمَانِيِّ مِنْ حُرْمَةِ التَّسْمِيَةِ بِعَبْدِ النَّبِيِّ ضَعِيفٌ، وَصَرِيحُ كَلَامِ الرَّحْمَانِيِّ حُرْمَةُ التَّسْمِيَةِ بِعَبْدِ الْعَاطِي لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَهِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ؛ وَتُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ أَيْضًا بِكُلِّ مَا يُتَطَيَّرُ بِنَفْيِهِ أَوْ إثْبَاتِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ: كَبَرَكَةَ وَرَحْمَةَ وَغَنِيمَةَ وَنَافِعٍ وَيَسَارٍ وَحَرْبٍ وَمُرَّةٍ وَشِهَابٍ وَشَيْطَانٍ وَحِمَارٍ، وَتَشْتَدُّ الْكَرَاهَةُ بِنَحْوِ سِتِّ النَّاسِ أَوْ سِتِّ الْعُلَمَاءِ أَوْ سِتِّ الْقُضَاةِ أَوْ سِتِّ الْعَرَبِ أَوْ سَيِّدِ الْعُلَمَاءِ أَوْ سَيِّدِ النَّاسِ.
وَتَحْرُمُ التَّسْمِيَةُ بِعَبْدِ الْكَعْبَةِ أَوْ النَّارِ أَوْ بِعَبْدِ عَلِيٍّ أَوْ الْحَسَنِ لِإِيهَامِ التَّشْرِيكِ، كَمَا فِي شَرْحِ م ر، وَمَا فِي حَاشِيَةِ ق ل عَلَى الْجَلَالِ مِنْ كَرَاهَةِ التَّسْمِيَةِ بِعَبْدِ عَلِيٍّ ضَعِيفٌ وَتَحْرُمُ بِأَقْضَى الْقُضَاةِ وَمَلِكِ الْأَمْلَاكِ وَحَاكِمِ الْحُكَّامِ لَا قَاضِي الْقُضَاةِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَتَحْرُمُ أَيْضًا بِرَفِيقِ اللَّهِ وَجَارِ اللَّهِ لِإِيهَامِهِ الْمَحْذُورَ أَيْضًا، وَمِمَّا يَحْرُمُ قَوْلُ بَعْضِ الْعَوَامّ: إذَا حَمَلَ شَيْئًا ثَقِيلًا الْحَمْلَةُ عَلَى اللَّهِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر وَمِثْلُهُ يَا حَامِلُ يَا زَامِلُ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ لَهُ سُبْحَانَهُ جِسْمًا تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَتَحْرُمُ بِعَبْدِ مَنَافٍ وَعَبْدِ الْعُزَّى لِأَنَّهُمَا اسْمَانِ لِصَنَمٍ كَعَبْدِ الْعَاطِي فَإِنَّهُ قَابِلُ الْعَطَاءِ كَعَبْدِ النَّارِ وَلَا يُكْرَهُ عَبْدُ النُّورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور: 35] وَيَجِبُ تَغْيِيرُ الِاسْمِ الْحَرَامِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا يُتَطَيَّرُ بِنَفْيِهِ عَادَةً) كَأَنْ يَقُولَ أَيْنَ بَرَكَةُ فَتَقُولُ لَهُ ذَهَبَتْ.
قَوْلُهُ (كَبَرَكَةَ) وَغَنِيمَةَ وَرَحْمَةَ وَنَافِعٍ وَيَسَارٍ وَحَرْبٍ وَمُرَّةٍ وَشِهَابٍ.
قَالَ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْعُهُودِ: أَخَذَ عَلَيْنَا الْعُهُودَ أَنْ نَزِيدَ فِي تَعْظِيمِ كُلِّ عَبْدٍ يُسَمَّى بِمِثَالِ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ بِمِثَالِ أَسْمَاءِ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ بِمِثَالِ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ بِمِثَالِ أَسْمَاءِ أَكَابِرِ الْأَوْلِيَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - زِيَادَةً عَلَى تَعْظِيمِ غَيْرِهِ، مِمَّنْ لَمْ يُسَمَّ بِمَا ذَكَرَهُ وَقَالَ لِي سَيِّدِي مُحَمَّدُ بْنُ عَنَانٍ: أُحِبُّ لِلنَّاسِ أَنْ يُسَمُّوا أَوْلَادَهُمْ أَحْمَدَ دُونَ مُحَمَّدٍ فَقُلْت لَهُ: وَلِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ لِلَحْنِ الْعَامَّةِ فِي
وَيَحْرُمُ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ وَلَا يُكَنَّى كَافِرٌ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَا فَاسِقٌ وَلَا مُبْتَدِعٌ لِأَنَّ الْكُنْيَةَ لِلتَّكْرِمَةِ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا إلَّا لِخَوْفِ فِتْنَةٍ مِنْ ذِكْرِهِ بِاسْمِهِ أَوْ تَعْرِيفٍ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: 1] وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى.
وَيُسَنُّ فِي سَابِعِ وِلَادَةِ الْمَوْلُودِ أَنْ يُحْلَقَ رَأْسُهُ كُلُّهُ.
وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ ذَبْحِ الْعَقِيقَةِ وَأَنْ يَتَصَدَّقَ بِزِنَةِ الشَّعْرِ ذَهَبًا فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ فَفِضَّةٌ.
(وَيُذْبَحُ) عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ حُذِفَ فَاعِلُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ.
وَهُوَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ (عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ) مُتَسَاوِيَتَانِ (وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ) لِخَبَرِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ
[حاشية البجيرمي]
اسْمِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ أَهْلَ الْأَرْيَافِ يَقُولُونَهَا بِكَسْرِ الْمِيمِ وَالْحَاءِ وَأَهْلُ الْحَاضِرَةِ يَقُولُونَهَا بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَكِلَاهُمَا لَحْنٌ فَاعْلَمْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ) وَلَوْ لِغَيْرِ مَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَلَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ق ل وَظَاهِرُهُ الْحُرْمَةِ وَلَوْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ سَمَّاهُ قَاسِمًا وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ بِأَبِي قَاسِمٍ وَالْأَقْرَبُ الْحُرْمَةُ مُطْلَقًا أَيْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ وَبَعْدَهُ لِمَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَلِغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ لِمَنْ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ قَاسِمٌ أَوْ لَا، وَلَا بَأْسَ بِالتَّكَنِّي بِأَبِي الْحَسَنِ.
قَالَ ابْنُ لُقَيْمَةَ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ: وَلَا بَأْسَ بِكُنْيَةِ الصَّغِيرِ؛ وَيُسَنُّ أَنْ يُكَنَّى مَنْ لَهُ أَوْلَادٌ بِأَكْبَرِ أَوْلَادِهِ وَيُسَنُّ لِوَلَدِ الشَّخْصِ وَتِلْمِيذِهِ وَغُلَامِهِ أَنْ لَا يُسَمِّيَهُ بِاسْمِهِ، وَالْأَدَبُ أَنْ لَا يُكَنِّيَ الشَّخْصُ نَفْسَهُ فِي كِتَابٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَّا إنْ كَانَ لَا يُعْرَفُ بِغَيْرِهَا أَوْ كَانَتْ أَشْهَرَ مِنْ الِاسْمِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُكَنَّى كَافِرٌ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ الْكُنْيَةُ تُشْعِرُ بِالذَّمِّ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي: كَمَا قِيلَ بِهِ إلَخْ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْكُنْيَةَ لِلتَّكْرِمَةِ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ شَأْنَهَا ذَلِكَ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا) وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا مُدِحَ الْكَافِرُ غَضِبَ الرَّبُّ وَاهْتَزَّ لِذَلِكَ الْعَرْشُ» .
قَوْلُهُ: (مِنْ ذِكْرِهِ بِاسْمِهِ) أَيْ خَافَ الضَّرَرَ إذَا ذَكَرَهُ بِاسْمِهِ لِعِظَمِهِ عِنْدَهُمْ فَيَذْكُرُهُ بِكُنْيَتِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا تَكْرِيمٌ لَهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ تَعْرِيفٍ) أَيْ تَعْرِيفِ الْمُكَنَّى وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى خَوْفٍ، أَيْ إذَا كَانَ الْكَافِرُ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالْكُنْيَةِ فَيَجُوزُ ذِكْرُهَا، لِأَجْلِ أَنْ يُعْرَفَ.
قَوْلُهُ: (كَمَا قِيلَ بِهِ) أَيْ بِالتَّعْرِيفِ.
قَوْلُهُ: (فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: 1] . أَيْ هَلَكَتَا أَوْ خَسِرَتَا بَيْضَاوِيٌّ قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ قَالَ مُقَاتِلٌ: إنَّمَا كَنَّوْهُ بِأَبِي لَهَبٍ لِحُسْنِهِ وَإِشْرَاقِ وَجْهِهِ مَعَ حُمْرَتِهِ
قَوْلُهُ: (وَيَكُونُ ذَلِكَ) أَيْ الْحَلْقُ بَعْدَ ذَبْحِ الْعَقِيقَةِ هَذَا يُنَافِي قَوْلَهُ أَوَّلًا عِنْدَ حَلْقِ شَعْرِ رَأْسِهِ إلَخْ وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْمَلِ.
فَائِدَةٌ: تُنْدَبُ التَّهْنِئَةُ فِي الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ وَنَحْوِهِ بِنَحْوِ بَارَكَ اللَّهُ لَك فِيهِ وَبَلَّغَهُ رُشْدَهُ وَرَزَقَك بِرَّهُ، وَالرَّدُّ بِنَحْوِ جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا ق ل. وَقَوْلُهُ: وَنَحْوَهُ كَالْأَخِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَتَصَدَّقَ بِزِنَةِ الشَّعْرِ إلَخْ) لِخَبَرِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ فَاطِمَةَ أَنْ تَزِنَ شَعْرَ الْحُسَيْنِ، وَتَتَصَدَّقَ بِوَزْنِهِ فِضَّةً، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ فَوَجَدَتْهُ عَادَلَ دِرْهَمًا أَوْ دِرْهَمًا إلَّا شَيْئًا وَتَصَدَّقَتْ بِزِنَتِهِ» اهـ قَرَّرَهُ ح ف.
قَوْلُهُ: (وَيُذْبَحُ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ) فَقَدْ «عَقَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ وَلَدِهِ إبْرَاهِيمَ بِكَبْشَيْنِ يَوْمَ سَابِعِهِ وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَتَصَدَّقَ بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً عَلَى الْمَسَاكِينِ وَأَمَرَ بِشَعْرِهِ فَدُفِنَ فِي الْأَرْضِ» ح ل فِي السِّيرَةِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْخُنْثَى احْتِيَاطًا م ر خِلَافًا لحج وَأَفْضَلُ مِنْ الشَّاتَيْنِ ثَلَاثٌ.
وَمَا زَادَ إلَى سَبْعٍ ثُمَّ بَعِيرٌ ثُمَّ بَقَرَةٌ وَكَالشَّاتَيْنِ سُبْعَانِ مِنْ نَحْوِ بَدَنَةٍ فَأَكْثَرُ وَيَجُوزُ مُشَارَكَةُ جَمَاعَةٍ سَبْعَةٍ فَأَقَلَّ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ سَوَاءٌ كَانَ كُلُّهُمْ عَنْ عَقِيقَةٍ أَوْ بَعْضُهُمْ عَنْ ضَحِيَّةٍ أَوْ لَا وَلَا.
اهـ. ق ل قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: وَإِذَا ذَبَحَهُمَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ التَّصَدُّقُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا بَلْ يَكْفِي مِنْ أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ذَبْحِهِ أَجْزَأَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّصَدُّقِ، مِنْ كُلِّ كَمَا لَوْ ضَحَّى تَطَوُّعًا بَعْدَهُ فَإِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ فِي هَذِهِ أَنَّهُ يَجِبُ التَّصَدُّقُ مِنْ كُلٍّ وَقَدْ سَوَّوْا كَمَا عَلِمْت بَيْنَ الْأُضْحِيَّةِ وَالْعَقِيقَةِ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِمَا، إلَّا فِي صُورَةٍ لَيْسَ هَذَا مِنْهَا وَهَذَا هُوَ الْأَوْجَهُ بَلْ الْوَجْهُ اهـ إيعَابٌ.
أَقُولُ: بَلْ الْوَجْهُ هُوَ الْأَوَّلُ وَهُوَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْوَاجِبِ فِي وَاحِدَةٍ لِلْفَرْقِ الْوَاضِحِ إذْ مُسَمَّى الشَّاتَيْنِ هُنَا هُوَ الْعَقِيقَةُ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ مُسَمَّاهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) أَيْ بِفَرْضِ إعْسَارِهِ سم فَلَا يُنَافِي مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: إمَّا مَنْ مَالِ الْمَوْلُودِ فَلَا إلَخْ فَسَقَطَ مَا يُقَالُ: إذَا كَانَ لِلْمَوْلُودِ مَالٌ نَافَى قَوْلَهُ: مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
قَوْلُهُ: (مُتَسَاوِيَتَانِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى مَا يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ نَعُقَّ)
نَعُقَّ عَنْ الْغُلَامِ بِشَاتَيْنِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ بِشَاةٍ» . وَإِنْ كَانَتْ الْأُنْثَى عَلَى النِّصْفِ تَشْبِيهًا بِالدِّيَةِ وَيَتَأَدَّى أَصْلُ السُّنَّةِ عَنْ الْغُلَامِ بِشَاةٍ: «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا» وَكَالشَّاةِ سُبْعُ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ لِأَنَّهُ مِنْ مَالِ الْمَوْلُودِ فَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَعُقَّ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعَقِيقَةَ تَبَرُّعٌ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ مِنْ مَالِ الْمَوْلُودِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ كَانَ الْوَلِيُّ عَاجِزًا عَنْ الْعَقِيقَةِ حِينَ الْوِلَادَةِ ثُمَّ أَيْسَرَ قَبْلَ تَمَامِ السَّابِعِ.
اُسْتُحِبَّ فِي حَقِّهِ وَإِنْ أَيْسَرَ بِهَا بَعْدَ السَّابِعِ وَبَعْدَ بَقِيَّةِ مُدَّةِ النِّفَاسِ أَيْ أَكْثَرِهِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا وَفِيمَا إذَا أَيْسَرَ بِهَا بَعْدَ السَّابِعِ فِي مُدَّةِ النِّفَاسِ تَرَدُّدٌ لِلْأَصْحَابِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْأَنْوَارِ تَرْجِيحُ مُخَاطَبَتِهِ بِهَا وَهُوَ الظَّاهِرُ.
(وَيُطْعَمُ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ) الْمُسْلِمِينَ فَهِيَ كَالْأُضْحِيَّةِ فِي جِنْسِهَا وَسَلَامَتِهَا مِنْ الْعَيْبِ وَالْأَفْضَلُ مِنْهَا وَسِنُّهَا وَالْأَكْلُ وَقَدْرُ الْمَأْكُولِ مِنْهَا وَالتَّصَدُّقُ وَالْإِهْدَاءُ مِنْهَا وَتَعْيِينُهَا إذَا عُيِّنَتْ وَامْتِنَاعُ بَيْعِهَا: كَالْأُضْحِيَّةِ الْمَسْنُونَةِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا.
فَأَشْبَهَتْ الْأُضْحِيَّةَ لَكِنَّ الْعَقِيقَةَ: يُسَنُّ طَبْخُهَا، كَسَائِرِ الْوَلَائِمِ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهُ السُّنَّةُ.
وَيُسَنُّ أَنْ تُطْبَخَ بِحُلْوٍ تَفَاؤُلًا بِحَلَاوَةِ أَخْلَاقِ الْمَوْلُودِ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ» .
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يُسَنُّ طَبْخُهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَنْذُورَةً.
وَهُوَ كَذَلِكَ وَيُسْتَثْنَى مِنْ طَبْخِهَا «رِجْلُ الشَّاةِ.
فَإِنَّهَا تُعْطَى لِلْقَابِلَةِ لِأَنَّ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَعَلَتْ ذَلِكَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ الْحَاكِمُ.
وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَيُسَنُّ أَنْ لَا يُكْسَرَ مِنْهَا عَظْمٌ بَلْ يُقْطَعُ كُلُّ عَظْمٍ مِنْ مَفْصِلِهِ تَفَاؤُلًا بِسَلَامَةِ أَعْضَاءِ الْمَوْلُودِ.
فَإِنْ كَسَرَهُ لَمْ يُكْرَهْ.
خَاتِمَةٌ: يُسَنُّ أَنْ يُؤَذَّنَ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ الْيُمْنَى وَيُقَامَ فِي الْيُسْرَى لِخَبَرِ ابْنِ السِّنِيِّ: «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَ فِي الْيُسْرَى لَمْ تَضُرَّهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ» أَيْ التَّابِعَةُ مِنْ الْجِنِّ وَلِيَكُونَ إعْلَامُهُ بِالتَّوْحِيدِ أَوَّلُ مَا يَقْرَعُ سَمْعَهُ عِنْدَ قُدُومِهِ إلَى الدُّنْيَا كَمَا يُلَقَّنُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا.
وَأَنْ يُحَنَّكَ بِتَمْرٍ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، فَيُمْضَغُ وَيُدَلَّكُ بِهِ حَنَكُهُ،
[حاشية البجيرمي]
بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَضَمِّهِمَا وَفِي اللُّغَةِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الضَّمِّ مِنْ بَابِ قَتَلَ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا مِنْ مَالِ الْمَوْلُودِ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ: وَهُوَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ
. قَوْلُهُ: (لَمْ يُؤْمَرْ بِهَا) أَيْ أَمْرًا مُؤَكَّدًا.
قَوْلُهُ: (تَرْجِيحُ مُخَاطَبَتِهِ) لِبَقَاءِ أَثَرِ الْوِلَادَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالتَّصَدُّقُ) أَيْ بِمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ إذَا كَانَتْ مَنْدُوبَةً لَكِنْ لَا يَجِبُ هُنَا إعْطَاءُ النِّيءِ بَلْ يُسَنُّ طَبْخُهَا بِحُلْوٍ أَيْ بِأَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَشْهُورَةِ الْآنَ مِنْ الْيَخْنِيِّ الْقِرْمِزِيِّ.
اهـ. ع ش. وَالْقِرْمِزِيُّ هُوَ مَا فِيهِ جَوْزٌ وَلَوْزٌ وَنَحْوُهُ.
قَوْلُهُ: (كَالْأُضْحِيَّةِ) مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ: قَبْلُ فَهِيَ كَالْأُضْحِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (بِحُلْوٍ) وَطَبْخُهَا بِحَامِضٍ خِلَافُ الْأَوْلَى وَحَمْلُ لَحْمِهَا مَطْبُوخًا مَعَ مَرَقِهِ إلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ أَفْضَلُ مِنْ دُعَائِهِمْ إلَيْهَا وَلِلْأَغْنِيَاءِ التَّصَرُّفُ فِيمَا يُهْدَى إلَيْهِمْ مِنْهَا بِغَيْرِ الْأَكْلِ بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ، كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (تَفَاؤُلًا بِحَلَاوَةٍ إلَخْ) وَلَا يُقَالُ: بِمِثْلِهِ فِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ تَفَاؤُلًا بِأَخْلَاقِ الْعَرُوسِ لِأَنَّهَا طُبِعَتْ فَاسْتَقَرَّ طَبْعُهَا وَهُوَ لَا يُغَيَّرُ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (الْحَلْوَاءَ) بِالْمَدِّ وَقَوْلُهُ: وَالْعَسَلَ عَطْفٌ مُغَايِرٌ إنْ أُرِيدَ بِالْحَلْوَاءِ مَا دَخَلَتْهُ النَّارُ، لِأَنَّ عَسَلَ النَّحْلِ لَا يَدْخُلُهُ نَارٌ وَإِنْ أُرِيدَ بِالْحَلْوَاءِ أَعَمَّ مِنْ أَنَّهَا مَا تَرَكَّبَتْ مِنْ شَيْئَيْنِ أَمْ لَا كَانَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
قَوْلُهُ: (رِجْلُ الشَّاةِ) أَيْ إلَى أَصْلِ الْفَخِذِ فِيمَا يَظْهَرُ وَالْأَفْضَلُ الْيَمِينُ تَفَاؤُلًا بِأَنَّهُ يَعِيشُ وَيَمْشِي بِرِجْلِهِ وَتَكْفِي رِجْلٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الشِّيَاهُ وَالْقَوَابِلُ ع ش.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُكْرَهْ) بَلْ خِلَافُ الْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (يُسَنُّ أَنْ يُؤَذَّنَ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ) وَلَوْ مِنْ امْرَأَةٍ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ الْأَذَانُ الَّذِي هُوَ مِنْ وَظِيفَةِ الرِّجَالِ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ الذِّكْرِ لِلتَّبَرُّكِ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ فِعْلُ الْأَذَانِ وَإِنْ كَانَ الْمَوْلُودُ كَافِرًا وَهُوَ قَرِيبٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّ أَوَّلَ مَا يَقْرَعُ سَمْعَهُ ذِكْرُ اللَّهِ وَدَفْعُ الشَّيْطَانِ وَرُبَّمَا كَانَ دَفْعُهُ مُؤَدِّيًا لِبَقَائِهِ عَلَى الْفِطْرَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِهِدَايَتِهِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَيُقَامُ فِي الْيُسْرَى) وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْخُسُهُ حِينَئِذٍ فَشُرِعَ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ لِأَنَّهُ يُدْبِرُ عِنْدَ سَمَاعِهِمَا وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ إلَّا مَرْيَمُ وَابْنُهَا كَمَا فِي الْأَخْبَارِ اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (فَيَمْضُغُ) أَيْ يَمْضُغُهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ
وَيُفْتَحُ فَاهُ حَتَّى يَنْزِلَ إلَى جَوْفِهِ مِنْهُ شَيْءٌ وَفِي مَعْنَى التَّمْرِ الرُّطَبُ، وَيُسَنُّ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَدَّهِنَ غِبًّا بِكَسْرِ الْغَيْنِ أَيْ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ بِحَيْثُ يَجِفُّ الْأَوَّلُ وَأَنْ يَكْتَحِلَ وِتْرًا لِكُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثَةٌ وَأَنْ يَحْلِقَ الْعَانَةَ وَيُقَلِّمَ الظُّفْرَ، وَيَنْتِفَ الْإِبِطَ وَأَنْ يَغْسِلَ الْبَرَاجِمَ وَلَوْ فِي غَيْرِ الْوُضُوءِ وَهِيَ: عُقَدُ الْأَصَابِعِ وَمَفَاصِلُهَا.
وَأَنْ يُسَرِّحَ اللِّحْيَةَ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: «مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ» وَيُكْرَهُ الْقَزَعُ وَهُوَ حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ وَأَمَّا حَلْقُ جَمِيعِهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ لِمَنْ أَرَادَ التَّنَظُّفَ وَلَا يَتْرُكُهُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَدْهُنَهُ وَيُرَجِّلَهُ وَلَا يُسَنُّ حَلْقُهُ إلَّا فِي النُّسُكِ أَوْ فِي حَقِّ الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ.
أَوْ فِي الْمَوْلُودِ إذَا أُرِيدَ أَنْ يُتَصَدَّقَ بِزِنَةِ شَعْرِهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيُكْرَهُ لَهَا حَلْقُ رَأْسِهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَيُكْرَهُ نَتْفُ اللِّحْيَةِ أَوَّلَ طُلُوعِهَا إيثَارًا لِلْمُرُودَةِ، وَنَتْفُ الشَّيْبِ وَاسْتِعْجَالُ الشَّيْبِ بِالْكِبْرِيتِ أَوْ غَيْرِهِ طَلَبًا لِلشَّيْخُوخَةِ.
[حاشية البجيرمي]
الصَّلَاحِ وَيُقَدَّمُ الرُّطَبُ عَلَى التَّمْرِ وَبَعْدَهُمَا حُلْوٌ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَفِي مَعْنَى التَّمْرِ) فَإِنْ فُقِدَ فَحُلْوٌ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ، وَالْأَوْجَهُ تَقْدِيمُ الرُّطَبِ عَلَى التَّمْرِ كَمَا فِي الصَّوْمِ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (أَنْ يَدَّهِنَ غِبًّا) أَيْ جَمِيعَ الْبَدَنِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ يُرَطِّبُ الْبَدَنَ.
قَوْلُهُ: (الْبَرَاجِمَ) جَمْعُ بُرْجُمَةٍ بِضَمِّ الْبَاءِ وَالْجِيمِ شَرْحُ الرَّوْضِ، وَأَمَّا التَّرَاجِمُ فَإِنْ كَانَ فِي تَرَاجِمِ الْمُصَنِّفِينَ فَتُكْسَرُ فِيهِ الْجِيمُ وَإِنْ كَانَ فِي الرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ مَثَلًا فَتُضَمُّ فِيهِ الْجِيمُ.
اهـ. مِصْرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُسَرِّحَ اللِّحْيَةَ) وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْعِمَادِ أَنَّ تَسْرِيحَهَا بِاللَّيْلِ مَكْرُوهٌ وَكَذَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَفِي تَسْرِيحِ اللِّحْيَةِ إطَالَةُ الْعُمْرِ وَفِي تَسْرِيحِ الْحَاجِبَيْنِ فِي زَمَنِ الطَّاعُونِ الْأَمْنُ مِنْ الطَّاعُونِ وَتَسْرِيحُ اللِّحْيَةِ مَبْلُولَةً أَمَانٌ مِنْ الْفَقْرِ وَقِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ عِنْدَ تَسْرِيحِ الْجِهَةِ الْيُمْنَى وَ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1] عِنْدَ الْجِهَةِ الْيُسْرَى لِتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (بَعْضِ الرَّأْسِ) وَمِنْهُ الشُّوشَةُ الْمَشْهُورَةُ وَمَا يَفْعَلُهُ الْحَلَّاقُ عِنْدَ خِتَانِ الْأَوْلَادِ ق ل.
فَائِدَةٌ: مَنْ قَالَ بَعْدَ الْعُطَاسِ عَقِبَ حَمْدًا لِلَّهِ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي مَالًا يَكْفِينِي وَبَيْتًا يَأْوِينِي وَاحْفَظْ عَلَيَّ عَقْلِي وَدِينِي وَاكْفِنِي شَرَّ مَنْ يُؤْذِينِي أَعْطَاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا حَلْقُ جَمِيعِهَا) الْأَوْلَى تَذْكِيرُ ضَمِيرِ الرَّأْسِ كَمَا مَرَّ لِأَنَّهُ عُضْوٌ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ وَالْأَفْصَحُ فِي الْعُضْوِ الْغَيْرِ الْمُتَعَدِّدِ إفْرَادُ ضَمِيرِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: «لَمْ يَحْلُقْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسَهُ الشَّرِيفَ إلَّا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ» ، وَقَدْ رُوِيَ فِي صِفَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ رَجِلَ الشَّعْرِ.
وَلَمْ يُجَاوِزْ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إذَا هُوَ وَفَّرَهُ» أَيْ جَعَلَهُ وَفْرَةً.
وَحَاصِلُ الْأَحَادِيثِ: أَنَّ شَعْرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُصِفَ بِأَنَّهُ جَمَّةٌ وَوُصِفَ بِأَنَّهُ وَفْرَةٌ وَوُصِفَ بِأَنَّهُ لِمَّةٌ وَفُسِّرَتْ اللِّمَّةُ بِالشَّعْرِ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ وَالْجُمَّةُ بِاَلَّذِي يَنْزِلُ عَلَى الْمَنْكِبَيْنِ قَالَ بَعْضُهُمْ: «كَانَ شَعْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْصُرُ وَيَطُولُ بِحَسَبِ الْأَوْقَاتِ» . فَإِذَا غَفَلَ عَنْ تَقْصِيرِهِ وَصَلَ إلَى مَنْكِبِهِ وَإِذَا قَصَّرَهُ تَارَةً يَنْزِلُ عَلَى شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَتَارَةً لَا يَنْزِلُ عَنْهَا.
وَقَدْ جَاءَ فِي وَصْفِ «شَعْرِهِ لَيْسَ بِجَعْدٍ قَطَطٍ أَيْ بَالِغٍ فِي الْجُعُودَةِ وَلَا رَجْلٍ سَبْطٍ أَيْ بَالِغٍ فِي السُّبُوطَةِ وَكَانَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعُ غَدَائِرَ أَيْ ضَفَائِرَ يُخْرِجُ أُذُنَهُ الْيُمْنَى مِنْ بَيْنِ اثْنَيْنِ وَأُذُنَهُ الْيُسْرَى كَذَلِكَ» اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (إذَا أُرِيدَ أَنْ يُتَصَدَّقَ) لَيْسَ بِقَيْدٍ وَلَوْ أَسْقَطَهُ لَكَانَ أَوْلَى ق ل.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ نَتْفُ اللِّحْيَةِ) وَكَذَا يُكْرَهُ الزِّيَادَةُ فِيهَا وَالنَّقْصُ مِنْهَا بِالزِّيَادَةِ فِي شَعْرِ الْعِذَارَيْنِ وَيَحْرُمُ خِضَابُهَا بِالسَّوَادِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْغَزْوِ عَلَى الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الشَّيْخَ الْغِرْبِيبَ» وَهُوَ الَّذِي يُسَوِّدُ شَيْبَهُ بِالْخِضَابِ، وَفِي الْإِحْيَاءِ كُلُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ مُرْدٌ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْغِرْبِيبَ هُوَ الَّذِي بَلَغَ أَوَانَ الشَّيْبِ وَلَمْ يَشِبْ.
قَوْلُهُ: (أَوَّلَ طُلُوعِهَا) لَيْسَ قَيْدًا وَكَذَا الْكَبِيرُ أَيْضًا أَيْ إنَّ حَلْقَ اللِّحْيَةِ مَكْرُوهٌ حَتَّى مِنْ الرَّجُلِ وَلَيْسَ حَرَامًا وَلَعَلَّهُ قَيَّدَ بِهِ لِقَوْلِهِ: إيثَارًا لِلْمُرُودَةِ، وَأَخْذُ مَا عَلَى الْحُلْقُومِ قِيلَ مَكْرُوهٌ وَقِيلَ مُبَاحٌ، وَلَا بَأْسَ بِإِبْقَاءِ السِّبَالَيْنِ وَهُمَا طَرَفَا الشَّارِبِ وَإِحْفَاءُ الشَّارِبِ بِالْحَلْقِ أَوْ الْقَصِّ مَكْرُوهٌ وَالسُّنَّةُ أَنْ يَحْلِقَ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى تَظْهَرَ الشَّفَةُ وَأَنْ يَقُصَّ مِنْهُ شَيْئًا وَيُبْقِيَ مِنْهُ شَيْئًا.
1 -
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية البجيرمي]
خَاتِمَةٌ: حَاصِلُ مَا فِي الْخِتَانِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْخِتَانَ وَاجِبٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ وَخِتَانُ الرَّجُلِ قَطْعُ الْجِلْدَةِ الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ جَمِيعُ الْحَشَفَةِ.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَقَطْعُ اللَّحْمَةِ الَّتِي فِي أَعْلَى الْفَرْجِ فَوْقَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَتُشْبِهُ تِلْكَ اللَّحْمَةُ عُرْفَ الدِّيكِ فَإِذَا قُطِعَتْ بَقِيَ أَصْلُهَا كَالنَّوَاةِ وَيَكْفِي أَنْ يُقْطَعَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ قَالَ الْأَصْحَابُ: وَإِنَّمَا يَجِبُ الْخِتَانُ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْتَنَ فِي السَّبْعِ مِنْ وِلَادَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا لَا يَحْتَمِلُهُ فَيُؤَخَّرُ حَتَّى يَحْتَمِلَهُ وَأَمَّا الْخُنْثَى فَلَا يُخْتَنُ فِي صِغَرِهِ.
فَإِذَا بَلَغَ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ لَا يَجُوزُ خِتَانُهُ لِأَنَّ الْجُرْحَ لَا يَجُوزُ بِالشَّكِّ وَبِهِ قَطَعَ النَّوَوِيُّ.
ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ ذَكَرَانِ إنْ كَانَا عَامِلَيْنِ خُتِنَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا خُتِنَ وَحْدَهُ وَهَلْ يُعْرَفُ الْعَمَلُ بِالْجِمَاعِ أَوْ الْبَوْلِ وَجْهَانِ اهـ. قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَقَدْ ذَكَرَ فِي بَابِ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ مِنْ زَوَائِدِهِ أَيْضًا مَا حَاصِلُهُ الْجَزْمُ بِاعْتِبَارِ الْبَوْلِ اهـ. وَمُؤْنَةُ الْخِتَانِ فِي مَالِ الْمَخْتُونِ وَإِذَا بَلَغَ غَيْرَ مَخْتُونٍ أَمَرَهُ بِهِ الْإِمَامُ فَإِنْ امْتَنَعَ أَجْبَرَهُ.
فَإِنْ خَتَنَ الْإِمَامُ الْمُمْتَنِعَ فَمَاتَ فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ وَاجِبٍ إلَّا أَنْ يَخْتِنَهُ فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ شَدِيدَيْنِ.
فَيَضْمَنُ عَلَى الْمَذْهَبِ اهـ. شَرْحُ الْمَنُوفِيِّ.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ وَالسُّنَّةُ فِي خِتَانِ الذَّكَرِ الْإِظْهَارُ.
وَفِي خِتَانِ النِّسَاءِ الْإِسْرَارُ، وَلَوْ وُلِدَ الشَّخْصُ مَخْتُونًا فَلَا خِتَانَ عَلَيْهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَيْهِ وَنَظَرَ فِيهِ الزَّرْكَشِيّ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ أَيْ بِخِلَافِ الْمُحْرِمِ فَإِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْحَالِقِينَ أَمْرٌ يَظْهَرُ اهـ. سم عَلَى الْمَنْهَجِ قَالَ الزِّيَادِيُّ وَالْأَوْجَهُ أَنَّ ثَقْبَ أُذُنِ الصَّغِيرَةِ لِتَعْلِيقِ الْحَلَقِ حَرَامٌ لِأَنَّهُ جُرْحٌ لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ حَاجَةٌ وَغَرَضُ الزِّينَةِ لَا يَجُوزُ بِمِثْلِ هَذَا التَّعْذِيبِ هَذَا مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَأَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا م ر. وَرَجَّحَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ الْجَوَازَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَيَجِبُ أَيْضًا قَطْعُ سُرَّةِ الْمَوْلُودِ إذْ لَا يَتَأَتَّى ثُبُوتُ الطَّعَامِ بِدُونِهِ
1 -
وَأَوَّلُ مَنْ خُتِنَ مِنْ النِّسَاءِ هَاجَرُ، وَوُلِدَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مَخْتُونًا خَمْسَةَ عَشَرَ آدَم، وَشِيثُ وَنُوحٌ، وَهُودٌ، وَصَالِحٌ وَلُوطٌ، وَشُعَيْبٌ وَيُوسُفُ وَمُوسَى وَسُلَيْمَانُ وَزَكَرِيَّا، وَيَحْيَى وَعِيسَى وَحَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوَانَ نَبِيُّ أَصْحَابِ الرَّسِّ وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
وَفِي الرُّسُلِ مَخْتُونٌ لَعَمْرُك خِلْقَةً ... ثَمَانٍ وَتِسْعٌ طَيِّبُونَ أَكَارِمُ
وَهُمْ زَكَرِيَّا وَشِيثُ إدْرِيسُ يُوسُفُ ... وَحَنْظَلَةُ مُوسَى وَعِيسَى وَآدَمُ
وَنُوحٌ شُعَيْبٌ سَامُ لُوطٌ وَصَالِحُ ... سُلَيْمَانُ يَحْيَى هُودٌ يس خَاتَمُ
لَكِنْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ مَرْفُوعًا أَنَّ «جِبْرِيلَ خَتَنَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ طَهَّرَ قَلْبَهُ» وَرَوَى أَبُو عُمَرَ فِي الِاسْتِيعَابِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ خَتَنَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ سَابِعِهِ وَجَعَلَ لَهُ مَائِدَةً وَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا اهـ. حَاشِيَةٌ م ر عَلَى شَرْحِ الرَّوْضِ.
وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ وُلِدَ مَخْتُونًا ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (وَاسْتِعْجَالُ الشَّيْبِ) نَعَمْ إنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ إلَيْهِ جَازَ اهـ. ق ل. وَقَوْلُهُ بِالْكِبْرِيتِ أَيْ بِالتَّبَخُّرِ بِهِ.
كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ السَّبْقُ بِالسُّكُونِ مَصْدَرُ سَبَقَ أَيْ تَقَدَّمَ وَبِالتَّحْرِيكِ الْمَالُ الْمَوْضُوعُ بَيْنَ أَهْلِ السِّبَاقِ وَالرَّمْيُ يَشْمَلُ الرَّمْيَ بِالسِّهَامِ وَالْمَزَارِيقِ وَغَيْرِهِمَا.
وَهَذَا الْبَابُ مِنْ مُبْتَكَرَاتِ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الَّتِي لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهَا.
كَمَا قَالَهُ الْمُزَنِيّ وَغَيْرُهُ، وَالْمُسَابَقَةُ الشَّامِلَةُ لِلْمُنَاضَلَةِ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ الْمُسْلِمِينَ بِقَصْدِ الْجِهَادِ بِالْإِجْمَاعِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60] الْآيَةَ وَفَسَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُوَّةَ بِالرَّمْيِ وَلِخَبَرِ أَنَسٍ: «كَانَتْ الْعَضْبَاءُ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُسْبَقُ فَجَاءَ
[حاشية البجيرمي]
[كِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ]
ِ كَانَ الْمُنَاسِبُ تَقْدِيمَهُ عَلَى الْجِهَادِ لِأَنَّهُ آلَةٌ لَهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَمَّا كَانَ قَدْ يَقَعُ الْجِهَادُ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ لِلْمُسَابَقَةِ قَدَّمَ الْجِهَادَ وَأَخَّرَ السَّبْقَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مُبْتَكَرَاتِ إمَامِنَا) أَيْ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَهُ وَأَدْخَلَهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُتُبَ الْأَئِمَّةِ خَلَتْ عَنْهُ وَكَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الرَّمْيِ، وَاتَّفَقَ لَهُ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا حَاذِقًا فِي الرَّمْيِ فَأَعْطَاهُ ثَلَثَمِائَةِ دِينَارٍ وَقَالَ لَهُ: لَا تُؤَاخِذْنَا لَوْ كَانَ مَعَنَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَأَعْطَيْنَاهُ لَك.
قَوْلُهُ: (وَالْمُسَابَقَةُ الشَّامِلَةُ لِلْمُنَاضَلَةِ) أَيْ الْمُرَامَاةُ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ فَالْمُسَابَقَةُ تَعَلُّمُ الْمُنَاضَلَةِ وَالرِّهَانِ.
وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ الْأَصْلِ تَغَايُرَ الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ النِّضَالُ فِي الرَّمْيِ وَالرِّهَانُ فِي الْخَيْلِ وَالسِّبَاقُ يَعُمُّهُمَا اهـ وَيُشِيرُ بِقَوْلِهِ: الشَّامِلَةُ لِلْمُنَاضَلَةِ إلَى أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ فِي التَّرْجَمَةِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ السَّبْقَ تَعْتَرِيهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ ثَلَاثَةٌ فِي الشَّارِحِ وَقَدْ يَجِبُ إذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِقِتَالِ الْكُفَّارِ وَقَدْ يُكْرَهُ إذَا كَانَ سَبَبًا فِي قِتَالِ قَرِيبٍ كَافِرٍ لَمْ يَسُبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمُنَاضَلَةِ قَوْلُهُ: (سُنَّةٌ) يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فَرْضَ كِفَايَةٍ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِلْجِهَادِ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْجِهَادَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ سم.
قَوْلُهُ: (لِلرِّجَالِ) أَيْ غَيْرِ ذَوِي الْأَعْذَارِ اهـ. ع ن. وَالْأَوْجَهُ جَوَازُهَا لِلذِّمِّيِّينَ كَبَيْعِ السِّلَاحِ لَهُمْ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَنَا الِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ فِي الْحَرْبِ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ كَذَا قَالَهُ حَجّ فِي بَعْضِ شُرُوحِهِ وَفِي شَرْحِهِ عَلَى الْمِنْهَاجِ خِلَافُهُ.
وَعِبَارَةُ ق ل هِيَ سُنَّةٌ لِلذُّكُورِ الْمُسْلِمِينَ وَيَحْرُمَانِ عَلَى النِّسَاءِ وَالْخَنَاثَى بِعِوَضٍ وَيُكْرَهَانِ بِدُونِهِ.
وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَقِيلَ بِجَوَازِهَا لَهُمْ لِصِحَّةِ بَيْعِ السِّلَاحِ لَهُمْ.
وَبِهِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِسَاطِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِيهِمْ مَا فِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَيْثُ تَكْلِيفُهُمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَالسِّبَاقُ خَاصٌّ بِالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْفِيَلَةِ لَا غَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ نَعَمْ تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الْبَقَرِ بِلَا عِوَضٍ اهـ. قَوْلُهُ: (بِقَصْدِ الْجِهَادِ) أَيْ بِقَصْدِ التَّأَهُّبِ لِلْجِهَادِ فَإِنْ قَصَدَ غَيْرَهُ فَهِيَ مُبَاحَةٌ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَإِنْ قَصَدَ مُحَرَّمًا كَقَطْعِ الطَّرِيقِ حَرُمَتْ س ل.
قَوْلُهُ: (بِالرَّمْيِ) وَلَوْ بِأَحْجَارٍ وَمَحَلُّ جَوَازِ الرَّمْيِ بِهَا إذَا كَانَ لِغَيْرِ جِهَةِ الرَّمْيِ أَمَّا لَوْ رَمَى كُلٌّ إلَى صَاحِبِهِ فَحَرَامٌ قَطْعًا لِأَنَّهُ يُؤْذِي كَثِيرًا وَمِنْهُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي زَمَانِنَا مِنْ الرَّمْيِ بِالْجَرِيدِ لِلْخَيَّالَةِ فَيَحْرُمُ نَعَمْ لَوْ كَانَ عِنْدَهُمَا حِذْقٌ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِمَا سَلَامَتُهُمَا مِنْهُ لَمْ يَحْرُمْ حَيْثُ لَا مَالَ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (كَانَتْ الْعَضْبَاءُ) فِي الْمُخْتَارِ نَاقَةٌ عَضْبَاءُ مَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ وَهُوَ أَيْضًا لَقَبٌ لِنَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ تَكُنْ مَشْقُوقَةَ الْأُذُنِ وَيُقَالُ: إنَّ هَذِهِ الْعَضْبَاءَ لَمْ تَأْكُلْ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ تَشْرَبْ.
وَإِبِلُ النَّبِيِّ الَّتِي كَانَ يَرْكَبُهَا نَاقَةٌ يُقَالُ لَهَا الْقَصْوَاءُ وَنَاقَةٌ يُقَالُ لَهَا الْجَدْعَاءُ، وَنَاقَةٌ يُقَالُ لَهَا الْعَضْبَاءُ وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ
أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنْ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا إلَّا وَضَعَهُ» وَيُكْرَهُ لِمَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ تَرْكُهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً فَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ غَيْرَ الْجِهَادِ كَانَ مُبَاحًا لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ مُحَرَّمًا كَقَطْعِ الطَّرِيقِ كَانَ حَرَامًا، أَمَّا النِّسَاءُ فَصَرَّحَ الصَّيْمَرِيُّ بِمَنْعِ ذَلِكَ لَهُنَّ وَأَقَرَّهُ الشَّيْخَانِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِعِوَضٍ لَا مُطْلَقًا فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: «أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - سَابَقَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -»
(وَتَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ) بِعِوَضٍ وَغَيْرِهِ (عَلَى الدَّوَابِّ) الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْفِيَلَةِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا سَبْقَ إلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ» فَلَا تَجُوزُ عَلَى الْكِلَابِ وَمُهَارَشَةِ الدِّيَكَةِ وَمُنَاطَحَةِ الْكِبَاشِ، لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ بِغَيْرِهِ لِأَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ سَفَهٌ وَمِنْ فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَلَا عَلَى طَيْرٍ وَصِرَاعٍ بَعُوضٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ آلَاتِ الْقِتَالِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ «صَارَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُكَانَةَ عَلَى شِيَاهٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
أُجِيبَ: بِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ مُصَارَعَتِهِ لَهُ أَنْ يُرِيَهُ شِدَّتَهُ لِيُسَلِّمَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمَّا صَارَعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْلَمَ رَدَّ عَلَيْهِ غَنَمَهُ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ جَازَ.
وَكَذَا كُلُّ مَا لَا يَنْفَعُ فِي الْحَرْبِ: كَالشِّبَاكِ وَالْمُسَابَقَةِ عَلَى الْبَقَرِ فَيَجُوزُ بِلَا عِوَضٍ وَأَمَّا الْغَطْسُ فِي الْمَاءِ فَإِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالِاسْتِعَانَةِ بِهِ فِي الْحَرْبِ فَكَالسِّبَاحَةِ فَيَجُوزُ بِلَا عِوَضٍ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ مُطْلَقًا.
(وَ) تَجُوزُ (الْمُنَاضَلَةُ) بِالنُّونِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ
[حاشية البجيرمي]
اسْمٌ لِنَاقَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ حَيْثُ قَالَ: إنَّ الْقَصْوَاءَ هِيَ الْعَضْبَاءُ وَهِيَ الْجَدْعَاءُ وَقِيلَ: الْقَصْوَاءُ وَاحِدَةٌ وَالْعَضْبَاءُ وَالْجَدْعَاءُ وَاحِدَةٌ اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (فَسَبَقَهَا) أَيْ وَكَانَ الْمُسَابِقُ غَيْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَوْلُهُ: (إنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ إلَخْ) أَيْ مِنْ عَادَتِهِ مَعَ خَلْقِهِ سُبْحَانَهُ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا أَيْ يُظْهِرَ لَهُ عِزَّةً وَشَأْنًا إلَّا وَضَعَهُ أج.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ الْجِهَادِ) أَيْ مِنْ الْمُبَاحَاتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَإِنْ قَصَدَ بِهِ مُحَرَّمًا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا النِّسَاءُ) أَيْ وَلَوْ مَعَ الرِّجَالِ وَهَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ.
قَوْلُهُ: (سَابَقَتْ النَّبِيَّ) أَيْ عَلَى الْأَقْدَامِ وَعِبَارَةُ ح ل فِي السِّيرَةِ: «وَتَسَابَقَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عَائِشَةَ فَتَحَزَّمَتْ بِثِيَابِهَا وَفَعَلَ كَذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ اسْتَبَقَا فَسَبَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ لَهَا: هَذِهِ بِتِلْكَ السِّبْقَةِ الَّتِي كُنْتِ سَبَقْتِينِي بِهَا» وَقَوْلُهُ بِتِلْكَ السِّبْقَةِ أَيْ بَدَلَهَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ إلَى بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فَوَجَدَ مَعَ عَائِشَةَ شَيْئًا فَطَلَبَهُ مِنْهَا، فَأَبَتْ وَسَعَتْ
فَسَعَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَهَا فَسَبَقَتْهُ.
قَوْلُهُ: (لَا سَبْقَ) أَيْ لَا مَالَ وَالسَّبَقُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْعِوَضُ وَيُرْوَى بِالسُّكُونِ مَصْدَرًا.
قَوْلُهُ: (إلَّا فِي خُفٍّ) أَيْ ذِي خُفٍّ دَخَلَ الْإِبِلُ وَالْفِيَلَةُ، وَدَخَلَ فِي الْحَافِرِ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ وَفِي رِوَايَةٍ أَوْ نَصْلٍ وَهِيَ السِّهَامُ وَانْظُرْ وَجْهَ دَلَالَتِهِ عَلَى السُّنِّيَّةِ سم.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَجُوزُ) أَيْ الْمُسَابَقَةُ الشَّامِلَةُ لِلْمُغَالَبَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَمُهَارَشَةُ الدِّيَكَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِغَيْرِهِ) رَاجِعٌ لِغَيْرِ الْكِلَابِ أَمَّا هِيَ فَتَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُنَا ق ل.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ فِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ) وَمِنْ فِعْلِهِمْ أَيْضًا الضُّرَاطُ فِي الْمَجَالِسِ قَالَ السُّيُوطِيّ أَوَّلُ مَنْ أَتَى الرِّجَالَ قَوْمُ لُوطٍ، أَمَّا فِي الْإِسْلَامِ فَحِينَ كَثُرَ الْغَزْوُ، وَطَالَتْ الْغَيْبَةُ وَسُبِيَتْ الذُّرِّيَّةُ، اسْتَخْدَمُوهُمْ وَطَالَتْ الْخَلْوَةُ بِهِمْ وَأَجْرُوهُمْ مَجْرَى النِّسَاءِ وَطَلَبُوا مِنْهُمْ فَأَطَاعُوهُمْ لِشِدَّةِ الِانْقِيَادِ وَأَوَّلُ ذَلِكَ كَانَ بِخُرَاسَانَ وَلَا وُجُودَ لَهُ فِي جَاهِلِيَّةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ اهـ. مِنْ حَاشِيَةِ ابْنِ لُقَيْمَةَ عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ بِسُورَةِ الْأَعْرَافِ.
قَوْلُهُ: (الَّذِينَ أَهْلَكَهُمْ اللَّهُ) : بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [هود: 82] إلَخْ.
وَالْإِمْطَارُ كَانَ عَلَى الْخَارِجِينَ مِنْ قُرَاهُمْ لِيَكُونَ لَهُ فَائِدَةٌ وَالْحِجَارَةُ أَصْلُهَا طِينٌ عُجِنَ وَطُبِخَ بِالنَّارِ مَعَ الْكِبْرِيتِ ثُمَّ جُعِلَ حِجَارَةً صَغِيرَةً يَنْزِلُ الْوَاحِدُ مِنْهَا عَلَى رَأْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ وَيَسْرِي فِي بَدَنِهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَصِرَاعٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَقَدْ يُضَمُّ شَرْحُ م ر وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُخَابَطَةِ عِنْدَ الْعَوَامّ.
وَالْأَكْثَرُ عَلَى حُرْمَتِهِ بِمَالٍ.
قَوْلُهُ: (بِعِوَضٍ) أَيْ لِأَجْلِ أَخْذِهِ فَيَصْدُقُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عِوَضٌ أَصْلًا أَوْ كَانَ وَلَيْسَ الْقَصْدُ أَخْذَهُ كَمَا وَقَعَ لِلنَّبِيِّ مَعَ رُكَانَةَ.
قَوْلُهُ: (بِدَلِيلِ إلَخْ) فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ شَيْءٌ لِجَوَازِ أَنَّهُ رَدَّهَا إحْسَانًا وَتَأْلِيفًا وَفِي الْخَصَائِصِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ رَدَّهَا إلَيْهِ قَبْلَ إسْلَامِهِ عَنَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَالشِّبَاكِ) أَيْ تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ.
قَوْلُهُ: (فَكَالسِّبَاحَةِ) أَيْ الْعَوْمِ
الْمُغَالَبَةُ عَلَى رَمْيِ السِّهَامِ سَوَاءٌ كَانَتْ عَرَبِيَّةً وَهِيَ النَّبْلُ أَمْ عَجَمِيَّةً وَهِيَ النُّشَّابُ وَتَصِحُّ عَلَى مَزَارِيق جَمْعُ مِرْزَاقٍ وَهُوَ رُمْحٌ صَغِيرٌ وَعَلَى رِمَاحٍ وَعَلَى رَمْيٍ بِأَحْجَارٍ بِمِقْلَاعٍ أَوْ بِيَدٍ وَرَمْيٍ بِمَنْجَنِيقٍ وَكُلٌّ نَافِعٌ فِي الْحَرْبِ مِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ كَالرَّمْيِ بِالْمِسَلَّاتِ وَالْإِبَرِ وَالتَّرَدُّدِ بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ وَخَرَجَ بِمَا ذُكِرَ الْمُرَامَاةُ بِأَنْ يَرْمِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْحَجَرَ إلَى صَاحِبِهِ وَإِشَالَةُ الْحَجَرِ بِالْيَدِ وَيُسَمَّى الْعِلَاجُ، فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى ذَلِكَ وَأَمَّا الْتِقَافُ بِالْمُثَنَّاةِ وَتَقُولُهُ الْعَامَّةُ بِالدَّالِ فَلَا نَقْلَ فِيهِ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالْأَشْبَهُ جَوَازُهُ لِأَنَّهُ يَنْفَعُ فِي حَالِ الْمُسَابَقَةِ وَقَدْ يُمْنَعُ خَشْيَةَ الضَّرَرِ إذْ كُلٌّ يَحْرِصُ عَلَى إصَابَةِ صَاحِبِهِ كَاللِّكَامِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى رَمْيِ بُنْدُقٍ يُرْمَى بِهِ فِي حُفْرَةٍ وَنَحْوِهَا.
وَلَا عَلَى سِبَاحَةٍ فِي الْمَاءِ وَلَا عَلَى شِطْرَنْجٍ وَلَا عَلَى خَاتَمٍ وَلَا عَلَى وُقُوفٍ عَلَى رِجْلٍ وَلَا عَلَى مَعْرِفَةِ مَا بِيَدِهِ مِنْ شَفْعٍ وَوِتْرٍ وَكَذَا سَائِرُ أَنْوَاعِ اللَّعِبِ كَالْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَقْدَامِ وَبِالسُّفُنِ وَالزَّوَارِقِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا تَنْفَعُ فِي الْحَرْبِ هَذَا إذَا عُقِدَ عَلَيْهَا بِعِوَضٍ وَإِلَّا فَمُبَاحٌ وَأَمَّا الرَّمْيُ بِالْبُنْدُقِ عَلَى قَوْسٍ فَظَاهِرُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا أَنَّهُ كَذَلِكَ لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي الْحَاوِي الْجَوَازُ قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ قَالَ وَهُوَ الْأَقْرَبُ.
وَشُرُوطُ الْمُسَابَقَةِ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا عَلَى ذِكْرِ اثْنَيْنِ
[حاشية البجيرمي]
الْمَعْلُومِ وَتَعَلُّمُهُ سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَسِبَاحَةٌ وَغَطْسٌ بِمَا اُعْتِيدَ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ فِي الْحَرْبِ.
وَإِنَّمَا قُيِّدَ الْأَخِيرُ بِمَا ذُكِرَ لِتَوَلُّدِ الضَّرَرِ مِنْهُ إلَى الْمَوْتِ بِخِلَافِ السِّبَاحَةِ وَنَحْوِهَا
. قَوْلُهُ: (وَهِيَ النَّبْلُ) هِيَ النِّشَابُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْحَدِيدِ فِي طَرَفِهِ وَالنِّشَابُ هُوَ الْخَالِي عَنْ الْحَدِيدِ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَرَمْيٌ بِمَنْجَنِيقٍ) عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ لِأَنَّ الرَّمْيَ بِالْيَدِ شَامِلٌ لَهُ، وَأَوَّلُ مَنْ صَنَعَ الْمَنْجَنِيقَ إبْلِيسُ فَإِنَّ النُّمْرُودَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُلْقِيَ إبْرَاهِيمَ فِي النَّارِ بَنَى إلَى جَنْبِ الْجَبَلِ جِدَارًا طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا وَلَمَّا أَلْقَوْا الْحَطَبَ وَجَعَلُوا فِيهِ النَّارَ وَصَلَتْ النَّارُ إلَى رَأْسِ ذَلِكَ الْجِدَارِ وَلَمْ يَدْرُوا كَيْفَ يُلْقُونَ إبْرَاهِيمَ فَتَمَثَّلَ لَهُمْ إبْلِيسُ فِي صُورَةِ نَجَّارٍ فَصَنَعَ لَهُمْ الْمَنْجَنِيقَ وَنَصَبُوهُ عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ.
وَوَضَعُوهُ فِيهِ وَأَلْقُوهُ فِي تِلْكَ النَّارِ.
اهـ. ح ل فِي السِّيرَةِ.
قَوْلُهُ: (بِالْمِسَلَّاتِ) الْمُرَادُ بِالْمِسَلَّاتِ مَا يُحْشَى بِهَا الْبَرَاذِعُ وَبِالْإِبَرِ الْكِبَارِ مَا يُخَاطُ بِهَا الْبَرَاذِعُ أج.
قَوْلُهُ: (وَالتَّرَدُّدُ بِالسُّيُوفِ) كَاَلَّذِي يُفْعَلُ فِي الزِّفَافِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَرْمِيَ كُلُّ وَاحِدٍ إلَخْ) فَهِيَ حَرَامٌ لِأَنَّهَا تُؤْذِي قَطْعًا نَعَمْ لَوْ كَانَ عِنْدَهُمَا حِذْقٌ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِمَا سَلَامَتُهُمَا مِنْهُ لَمْ يَحْرُمْ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَتَقُولُهُ الْعَامَّةُ بِالدَّالِ) وَتَقُولُ بِاللَّامِ وَهُوَ الَّذِي يُوجَدُ أَمَامَ الْفَرَحِ.
قَوْلُهُ: (فِي حَالِ الْمُسَابَقَةِ) عِبَارَةُ م ر فِي حَالِ الْحَرْبِ اهـ.
تَنْبِيهٌ: يَحِلُّ اصْطِيَادُ الْحَيَّةِ لِحَاذِقٍ فِي صَنْعَتِهِ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ سَلَامَتُهُ مِنْهَا.
وَقَصَدَ تَرْغِيبَ النَّاسِ فِي اعْتِمَادِ مَعْرِفَتِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي فَتَاوِيهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ أَيْضًا حِلُّ أَنْوَاعِ اللَّعِبِ الْخَطِيرَةِ مِنْ الْحَاذِقِ بِهَا أَيْ كَالْبَهْلَوَانِ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ سَلَامَتُهُ.
وَإِذَا مَاتَ يَمُوتُ شَهِيدًا وَيَجُوزُ التَّفَرُّجُ عَلَيْهِ حَيْثُ جَازَتْ وَإِلَّا فَلَا.
وَمِثْلُهُ سَمَاعُ الْأَعَاجِيبِ وَالْغَرَائِبِ مِمَّا لَا يُتَيَقَّنُ كَذِبُهُ بِقَصْدِ الْفُرْجَةِ.
بَلْ وَلَوْ تُيُقِّنَ كَذِبُهُ لَكِنْ قُصِدَ بِهِ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ وَالْمَوَاعِظِ وَتَعْلِيمُ نَحْوِ الشَّجَاعَةِ عَلَى أَلْسِنَةِ آدَمِيِّينَ أَوْ حَيَوَانَاتٍ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (كَاللِّكَامِ) وَهُوَ لَعِبُ الْحَكَمِ وَهُوَ جِلْدٌ كَبِيرٌ مُرَبَّعٌ مَحْشُوٌّ قُطْنًا أَوْ صُوفًا، أَوْ غَيْرُهُمَا يُحْشَى بِهِ وَيَجْعَلُ كُلٌّ مِنْ الْحَكَمَيْنِ وَاحِدَةً فِي يَدِهِ وَيَضْرِبُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْحَكَمَيْنِ الْجِلْدَةَ الَّتِي فِي يَدِ الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى رَمْيِ بُنْدُقٍ) قَالَ الزِّيَادِيُّ نَقْلًا عَنْ الرَّمْلِيِّ: وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يُؤْكَلُ وَيُلْعَبُ بِهِ فِي الْعِيدِ، أَمَّا بُنْدُقُ الرَّصَاصِ وَالطِّينِ فَتَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهِ لِأَنَّ لَهُ نِكَايَةً فِي الْحَرْبِ أَشَدَّ مِنْ السِّهَامِ اهـ. وَصُورَةُ رَمْيِ الْبُنْدُقِ أَنْ يَدْفَعَهُ بِرَأْسِ أُصْبُعِهِ عَلَى وَجْهِ النَّقْرَةِ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْحَفِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَجَاوُزٍ لَهَا.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَلَا عَلَى خَاتَمٍ) أَيْ هَلْ هُوَ فِي الْيَمِينِ أَوْ فِي الْيَسَارِ.
وَقِيلَ صُورَتُهُ أَنْ يَمُدَّ ظَهْرَ يَدِهِ ثُمَّ يَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَلْبَسُهُ فِي أَيِّ أُصْبُعٍ وَهُوَ فِي الْهَوَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَالزَّوَارِقِ) جَمْعُ زَوْرَقٍ وَهُوَ الْقَارِبُ الصَّغِيرُ.
قَوْلُهُ: (وَشُرُوطُ الْمُسَابَقَةِ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ شَرْطًا فِي الْمُسَابَقَةِ بِخُصُوصِهَا بِقَوْلِهِ: إذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ مَعْلُومَةً وَشَرْطًا فِي الْمُنَاضَلَةِ بِخُصُوصِهَا بِقَوْلِهِ وَصِفَةُ الْمُنَاضَلَةِ مَعْلُومَةٌ وَشَرْطًا يَعُمُّهُمَا.
وَهُوَ أَنَّهُمَا إذَا أَخْرَجَا عِوَضَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ مُحَلِّلٍ، فَكَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطَ التَّعْبِيرِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَيُمْكِنُ وَهُوَ الْأَوْلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ إذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ
أَوَّلُهُمَا (إذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ) أَيْ مَسَافَةُ مَا بَيْنَ مَوْقِفِ الرَّامِي وَالْغَرَضِ الَّذِي يَرْمِي إلَيْهِ (مَعْلُومَةً) ابْتِدَاءً وَغَايَةً، وَثَانِيهِمَا الْمُحَلِّلُ الْآتِي فِي كَلَامِهِ، وَالثَّالِثُ مِنْ بَاقِي الشُّرُوطِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ عُدَّةً لِلْقِتَالِ، وَالرَّابِعُ تَعَيُّنُ الْفَرَسَيْنِ مَثَلًا لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ سَيْرِهِمَا وَهِيَ تَقْتَضِي التَّعْيِينَ وَيَكْفِي وَصْفُهُمَا فِي الذِّمَّةِ وَيَتَعَيَّنَانِ بِالتَّعْيِينِ فَإِنْ وَقَعَ هَلَاكٌ انْفَسَخَ الْعَقْدُ.
فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَتَعَيَّنَا كَمَا بَحَثَهُ الرَّافِعِيُّ فَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِمَوْتِ الْفَرَسِ الْمَوْصُوفِ كَالْأَجِيرِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَالْخَامِسُ إمْكَانُ سَبْقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرَسَيْنِ مَثَلًا فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ضَعِيفًا يُقْطَعُ بِتَخَلُّفِهِ أَوْ فَارِهًا يُقْطَعُ بِتَقَدُّمِهِ لَمْ يَجُزْ، وَالسَّادِسُ أَنْ يَرْكَبَا الْمَرْكُوبَيْنِ وَلَا يُرْسِلَاهُمَا فَلَوْ شُرِطَ إرْسَالُهُمَا لِيَجْرِيَا بِأَنْفُسِهِمَا لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُمَا لَا يَقْصِدَانِ الْغَايَةَ، وَالسَّابِعُ أَنْ يَقْطَعَ الْمَرْكُوبَانِ الْمَسَافَةَ فَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُمَا بِحَيْثُ يُمْكِنُهُمَا قَطْعُهَا بِلَا انْقِطَاعٍ وَتَعَبٍ، وَالثَّامِنُ تَعْيِينُ الرَّاكِبَيْنِ فَلَوْ شَرَطَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يُرْكِبَ دَابَّتَهُ مَنْ شَاءَ، لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَتَعَيَّنَ الرَّاكِبَانِ وَلَا يَكْفِي الْوَصْفُ فِي الرَّاكِبِ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ.
وَالتَّاسِعُ الْعِلْمُ بِالْمَالِ الْمَشْرُوطِ جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً كَسَائِرِ الْأَعْوَاضِ عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا فَلَا يَصِحُّ عَقْدٌ بِغَيْرِ مَالٍ كَكَلْبٍ وَلَا بِمَالٍ مَجْهُولٍ كَثَوْبٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ، وَالْعَاشِرُ اجْتِنَابُ شَرْطٍ مُفْسِدٍ فَلَوْ قَالَ إنْ سَبَقْتنِي فَلَكَ هَذَا الدِّينَارُ، بِشَرْطِ أَنْ تُطْعِمَهُ أَصْحَابَك فَسَدَ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِشَرْطٍ يَمْنَعُ كَمَالَ التَّصَرُّفِ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ شَيْئًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ.
تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ حُكْمِ عَقْدِ الْمُسَابَقَةِ وَهُوَ لَازِمٌ فِي حَقٍّ مُلْتَزِمِ الْعِوَضِ وَلَوْ غَيْرَ الْمُتَسَابِقَيْنِ كَالْإِجَارَةِ فَلَيْسَ لَهُ فَسْخُهُ وَلَا تَرْكُ عَمَلٍ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَلَا بَعْدَهُ إنْ كَانَ مَسْبُوقًا أَوْ سَابِقًا وَأَمْكَنَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْآخَرُ وَيَسْبِقَهُ وَإِلَّا فَلَهُ تَرْكُ حَقِّهِ وَلَا زِيَادَةَ وَلَا نَقْصَ فِي الْعَمَلِ وَلَا فِي الْعِوَضِ وَقَوْلُهُ: (وَصِفَةُ الْمُنَاضَلَةِ مَعْلُومَةٌ) مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَسَافَةِ أَيْ كَانَتْ صِفَةُ الْمُنَاضَلَةِ مَعْلُومَةً لِتَصِحَّ فَيُشْتَرَطُ لَهَا زِيَادَةٌ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُ الْبَادِئِ مِنْهُمَا بِالرَّمْيِ لِاشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا فِيهِ
[حاشية البجيرمي]
مَعْلُومَةً جَارِيًا فِي الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ جَمِيعًا.
وَقَوْلُهُ: مَعْلُومَةً أَيْ بِالْمُشَاهَدَةِ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَيْ مَسَافَةُ مَا بَيْنَ إلَخْ) وَكَذَا مَسَافَةُ ابْتِدَاءِ السَّبْقِ وَانْتِهَائِهِ وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَذْكُرَ هَذَا أَيْضًا لِأَنَّ كَلَامَ الْمَتْنِ بِقَوْلِهِ: إذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ شَامِلٌ لِلْمَسَافَةِ الَّتِي فِي الْمُنَاضَلَةِ وَاَلَّتِي فِي الْمُسَابَقَةِ.
قَوْلُهُ: (الْمُحَلِّلُ) أَيْ إذَا أَخْرَجَا عِوَضَيْنِ وَسُمِّيَ مُحَلِّلًا لِأَنَّهُ أَحَلَّ الْعِوَضَيْنِ اللَّذَيْنِ أَخْرَجَهُمَا الْمُتَسَابِقَانِ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَعَيَّنَانِ بِالتَّعَيُّنِ) أَيْ إذَا عُيِّنَا بِالْإِشَارَةِ وَقْتَ الْعَقْدِ فَلَا يَجُوزُ إبْدَالُ وَاحِدٍ أَيْ إذَا عُيِّنَ الْمَرْكُوبَانِ بِالْعَيْنِ وَأَمَّا إذَا عُيِّنَا بِالْوَصْفِ فَيَجُوزُ الْإِبْدَالُ.
كَمَا قَالَهُ الْعَنَانِيُّ وَعِبَارَةُ ق ل وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْمَرْكُوبَيْنِ أَوْ عَجَزَ مَثَلًا جَازَ إبْدَالُهُ فِي الْوَصْفِ دُونَ الْعَيْنِ وَكَذَا أَحَدُ الرَّاكِبَيْنِ حَيْثُ لَا فَسْخَ وَيَقُومُ وَارِثُهُ مَقَامَهُ اهـ. وَفِي شَرْحِ م ر مَا نَصُّهُ وَيَتَعَيَّنَانِ أَيْ الرَّاكِبَانِ وَالرَّامِيَانِ فَيَمْتَنِعُ إبْدَالُ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ مَاتَ أَوْ عَمِيَ أَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ مَثَلًا أُبْدِلَ الْمَوْصُوفُ، وَانْفَسَخَ فِي الْمُعَيَّنِ نَعَمْ فِي مَوْتِ الرَّاكِبِ أَيْ دُونَ مَوْتِ الرَّامِي يَقُومُ وَارِثُهُ وَلَوْ بِنَائِبِهِ مَقَامَهُ فَإِنْ أَبَى اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَحَلَّهُ حَيْثُ كَانَ مُوَرِّثُهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْفَسْخُ لِكَوْنِهِ مُلْتَزِمًا وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الرَّاكِبِ وَالرَّامِي بِأَنَّ الْقَصْدَ جَوْدَةُ هَذَا فَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ وَلَوْ مَرِضَ أَحَدُهُمَا وَرُجِيَ اُنْتُظِرَ وَإِلَّا جَازَ الْفَسْخُ إلَّا فِي الرَّاكِبِ فَيَتَّجِهُ إبْدَالُهُ اهـ. وَقَوْلُهُ: يَقُومُ وَارِثُهُ أَيْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ انْفَسَخَتْ وَلَيْسَ مِنْ الْوُرَّاثِ بَيْتُ الْمَالِ اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (أَوْ فَارِهًا) أَيْ جَيِّدًا.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَقْطَعَ الْمَرْكُوبَانِ) أَيْ أَنْ يُمْكِنَ قَطْعُهُمَا الْمَسَافَةَ.
قَوْلُهُ: (فِي حَقِّ مُلْتَزِمِ الْعِوَضِ) خَرَجَ مَا إذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ أَوْ كَانَ الْفَاسِخُ غَيْرَ الْمُلْتَزِمِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ.
قَوْلُهُ: (كَالْإِجَارَةِ) أَيْ بِجَامِعِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَقِيلَ: بَلْ جَائِزَةٌ كَالْجَعَالَةِ بِجَامِعِ أَنَّ الْعِوَضَ مَبْذُولٌ فِي مُقَابَلَةِ مَا لَا يُوثَقُ بِهِ فَكَانَ كَرَدِّ الْآبِقِ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَلَهُ تَرْكُ حَقِّهِ) الْمَعْنَى وَإِلَّا فَلَهُ الْفَسْخُ وَتَرْكُهُ لِأَنَّ لَهُ تَرْكُ حَقِّهِ، فَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وَمَا ذُكِرَ عِلَّةٌ لَهُ.
وَهَذَا لَا يَظْهَرُ إلَّا إذَا كَانَ الْمُلْتَزِمُ أَحَدَ الْمُتَسَابِقَيْنِ، لَا غَيْرَهُمْ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقٌّ.
قَوْلُهُ: (وَصِفَةُ الْمُنَاضَلَةِ) مَعْطُوفٌ عَلَى اسْمِ كَانَ.
قَوْلُهُ: (زِيَادَةً عَلَى مَا مَرَّ) أَيْ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْمُنَاضَلَةُ عَلَى نَافِعٍ فِي
حَذَرًا مِنْ اشْتِبَاهِ الْمُصِيبِ بِالْمُخْطِئِ لَوْ رَمَيَا مَعًا وَبَيَانُ قَدْرِ الْغَرَضِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مَا يُرْمَى إلَيْهِ مِنْ نَحْوِ خَشَبٍ أَوْ جِلْدٍ أَوْ قِرْطَاسٍ طُولًا وَعَرْضًا وَسُمْكًا وَبَيَانُ ارْتِفَاعِهِ مِنْ الْأَرْضِ إنْ ذُكِرَ الْغَرَضُ وَلَمْ يَغْلِبْ عُرْفٌ فِيهِمَا فَإِنْ غَلَبَ فَلَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ شَيْءٍ مِنْهُمَا بَلْ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ.
وَلَا بَيَانُ مُبَادَرَةٍ بِأَنْ يَبْدُرَ أَيْ يَسْبِقَ أَحَدُهُمَا بِإِصَابَةِ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ مِنْ عَدَدٍ مَعْلُومٍ كَعِشْرِينَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي عَدَدِ الْمَرْمِيِّ أَوْ الْيَأْسِ مِنْ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْإِصَابَةِ وَلَا بَيَانُ مُحَاطَّةٍ بِأَنْ تَزِيدَ إصَابَتُهُ عَلَى إصَابَةِ الْآخَرِ بِكَذَا كَوَاحِدٍ مِنْ عَدَدٍ مَعْلُومٍ كَعِشْرِينَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَنْ التَّقْيِيدِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْمُبَادَرَةِ.
وَعَلَى أَقَلِّ نُوَبِهِ وَهُوَ سَهْمٌ سَهْمٌ لِغَلَبَتِهِمَا وَلَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ قَوْسٍ وَسَهْمٍ لِأَنَّ الْعُمْدَةَ عَلَى الرَّامِي فَإِنْ عَيَّنَ شَيْئًا مِنْهُمَا لَغَا وَجَازَ إبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ مِنْ نَوْعِهِ وَشَرْطُ مَنْعِ إبْدَالِهِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ.
وَيُسَنُّ بَيَانُ صِفَةِ إصَابَتِهِ الْغَرَضَ مِنْ قَرْعٍ وَهُوَ مُجَرَّدُ إصَابَةِ الْغَرَضِ أَوْ خَرْقٍ بِأَنْ يَثْقُبَهُ وَيَسْقُطَ أَوْ خَسْقٍ بِأَنْ يَثْبُتَ فِيهِ وَإِنْ سَقَطَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ مَرْقٍ
[حاشية البجيرمي]
الْحَرْبِ كَالرِّمَاحِ وَالْمَزَارِيقِ وَنَحْوِهَا مِنْ الشُّرُوطِ الْمَارَّةِ الَّتِي تَأْتِي هُنَا.
قَوْلُهُ: (مِنْ نَحْوِ خَشَبٍ) بَيَانٌ لِمَا.
قَوْلُهُ: (وَسُمْكًا) أَيْ ثِخَنًا.
قَوْلُهُ: (وَبَيَانُ ارْتِفَاعِهِ) كَأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ ذِرَاعٌ مَثَلًا وَيَكُونُ مُعَلَّقًا عَلَى شَيْءٍ.
قَوْلُهُ: (إنْ ذُكِرَ الْغَرَضُ) فَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ كَقَوْلِهِمَا: تَنَاضَلْنَا عَلَى أَنَّ الْعِوَضَ لِلْأَبْعَدِ رَمْيًا لَمْ يَحْتَجْ لِبَيَانِ غَرَضٍ وَلَا بَيَانِ ارْتِفَاعِهِ أَوْ اضْطَرَدَ عُرْفٌ فِيهِمَا فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَغْلِبْ عُرْفٌ) هُوَ مَحَلُّ التَّقْيِيدِ أَيْ إنْ ذُكِرَ الْغَرَضُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
قَوْلُهُ: (فِيهِمَا) أَيْ فِي قَدْرِ الْغَرَضِ وَبَيَانِ ارْتِفَاعِهِ.
قَوْلُهُ: (بَيَانُ شَيْءٍ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الشَّرْطَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَبْدُرَ) بِضَمِّ الدَّالِ مُضَارِعُ بَدَرَ مِنْ بَابِ قَتَلَ عِبَارَةُ الْعُبَابِ وَهِيَ أَيْ الْمُبَادَرَةُ أَنْ يُجْعَلَ الْمَالُ لِلسَّابِقِ إلَى إصَابَةِ خَمْسَةٍ مَثَلًا مِنْ عِشْرِينَ مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي عَدَدِ الرَّمْيَاتِ فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْإِصَابَاتِ فَلَا نَاضِلَ.
وَإِنْ لَمْ يَسْتَوِيَا فِي الرَّمْيَاتِ كَأَنْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ وَالْآخَرُ بِأَرْبَعَةٍ مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ وَجَبَ إتْمَامُ الْعِشْرِينَ فَقَدْ يُصِيبُ الْبَاقِي فَلَا يَكُونُ مَنْضُولًا وَإِنْ كَانَتْ إصَابَةُ الْآخَرِ لِثَلَاثَةٍ مِنْهَا فَقَدْ صَارَ مَنْضُولًا.
قَوْلُهُ: (الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ) أَيْ الْمَشْرُوطِ إصَابَتُهُ كَخَمْسَةٍ.
قَوْلُهُ: (كَعِشْرِينَ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: عَقِبَ ذَلِكَ وَلَا بَيَانُ عَدَدٍ نُوَبٍ لِلرَّمْيِ كَسَهْمٍ سَهْمٍ وَاثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ إلَخْ.
فَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ سَقْطٌ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَعَلَى أَقَلَّ نُوَبِهِ سم فَلَوْ شُرِطَ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إلَى خَمْسَةٍ مِنْ عِشْرِينَ فَلَهُ كَذَا فَرَمَى كُلٌّ عِشْرِينَ أَوْ عَشَرَةً فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً وَالْآخَرُ دُونَهَا فَالْأَوَّلُ نَاضِلٌ وَإِنْ أَصَابَ كُلٌّ خَمْسَةً فَلَا نَاضِلَ وَكَذَا لَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ وَالْآخَرُ أَرْبَعَةً مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ بَلْ يُتِمُّ الْعِشْرِينَ لِجَوَازِ أَنْ يُصِيبَ فِي الْبَاقِي وَإِنْ أَصَابَ الْآخَرُ مِنْ التِّسْعَةَ عَشَرَ ثَلَاثَةً لَمْ يَتِمَّ الْعِشْرِينَ وَصَارَ مَنْضُولًا لِيَأْسِهِ مِنْ الِاسْتِوَاءِ فِي الْإِصَابَةِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (فِي عَدَدِ الْمَرْمِيِّ) أَيْ الَّذِي رَمَاهُ صَاحِبُهُ لَا الْعَدَدُ الْمَشْرُوطُ رَمْيُهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي أَوْ عَشْرَةً سم.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ تَزِيدَ إلَخْ) كَأَنْ يَقُولَ تَنَاضَلْت مَعَك عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَّا يَرْمِي عِشْرِينَ وَمَنْ زَادَتْ إصَابَتُهُ عَلَى الْآخَرِ فِيهَا بِكَذَا فَهُوَ النَّاضِلُ وَسُمِّيَتْ مُحَاطَّةً مِنْ الْحَطِّ وَهُوَ إسْقَاطٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَحُطُّ سَهْمًا أَيْ يُسْقِطُهُ فِي مُقَابَلَةِ حَطِّ الْآخَرِ سَهْمًا آخَرَ وَيَزِيدَا عَلَى ذَلِكَ، قَوْلُهُمَا وَمَنْ زَادَتْ إصَابَتُهُ مِنَّا عَلَى الْآخَرِ بِكَذَا، فَهُوَ النَّاضِلُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ إلَخْ) وَصُورَتُهُ فِي الْإِطْلَاقِ أَنْ يَقُولَ تَرَامَيْنَا عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنَّا يَرْمِي عِشْرِينَ وَمَنْ أَصَابَ فِي خَمْسَةٍ فَهُوَ النَّاضِلُ، فَهَذَا مِنْ قَسِيمِ الْمُطْلَقِ لِأَنَّ الْخَمْسَةَ الْمَشْرُوطَةَ إصَابَتُهَا لَمْ تُقَيَّدْ بِكَوْنِهَا قَبْلَ إصَابَةِ الْآخَرِ، أَوْ بَعْدَهَا فَإِنْ قَيَّدَهَا بِكَوْنِهَا قَبْلَ إصَابَةِ الْآخَرِ بِأَنْ قَالَ: وَمَنْ أَصَابَ مِنَّا فِي خَمْسَةٍ قَبْلَ الْآخَرِ فَهُوَ النَّاضِلُ فَهِيَ حَقِيقَةُ الْمُبَادَرَةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا اهـ.
قَوْلُهُ: (عَنْ التَّقْيِيدِ) كَذَا فِي غَالِبِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى وَهِيَ بِمَعْنَى عَنْ.
وَقَوْلُهُ: نُوَبِهِ أَيْ الرَّمْيِ، قَوْلُهُ: (أَوْ خَزْقٍ) بِالْخَاءِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَتَيْنِ.
وَهَذَا وَاَللَّذَانِ بَعْدَهُ مَصَادِرُ لِأَفْعَالٍ كُلِّهَا مِنْ بَابِ ضَرَبَ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَثْبُتَ فِيهِ) لَمْ يَقُلْ أَنْ يَثْقُبَهُ وَيَثْبُتَ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي ثُقْبَةٍ قَدِيمَةٍ وَثَبَتَ فِيهَا كَفَى وَكَذَا لَوْ كَانَ هُنَاكَ صَلَابَةٌ وَلَوْلَاهَا لَثَبَتَ سم عَلَى الْمَنْهَجِ قَالَ الشَّيْخُ س ل فِي حَاشِيَتِهِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمُغَايَرَةِ بَيْنَ الْخَرْقِ وَالْخَسْقِ خِلَافُ مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْأَزْهَرِيِّ وَالْجَوْهَرِيِّ حَيْثُ جَعَلَا
بِأَنْ يَنْفُذَ مِنْهُ أَوْ خَرْمٍ بِأَنْ يُصِيبَ طَرَفَ الْغَرَضِ فَيَخْرِمَهُ فَإِنْ أَطْلَقَا كَفَى الْقَرْعُ
(وَيُخْرِجُ الْعِوَضَ) الْمَشْرُوطَ (أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ حَتَّى إذَا سَبَقَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ (اسْتَرَدَّهُ) مِمَّنْ هُوَ مَعَهُ (وَإِنْ سُبِقَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (أَخَذَهُ صَاحِبُهُ) السَّابِقُ، وَلَا يُشْتَرَطُ حِينَئِذٍ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ (وَإِنْ أَخْرَجَا) أَيْ الْمُتَسَابِقَانِ الْعِوَضَ.
(مَعًا لَمْ يَجُزْ) حِينَئِذٍ (إلَّا أَنْ يَدْخُلَا) أَيْ يَشْرِطَا (بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا) بِكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى فَيَجُوزُ إنْ كَانَتْ دَابَّتُهُ كُفُؤًا لِدَابَّتَيْهِمَا سُمِّيَ مُحَلِّلًا لِأَنَّهُ يُحَلِّلُ الْعَقْدَ.
وَيُخْرِجُهُ عَنْ صُورَةِ الْقِمَارِ الْمُحَرَّمَةِ فَإِنَّ الْمُحَلِّلَ (إنْ سَبَقَ) الْمُتَسَابِقَيْنِ (أَخَذَ) مَا أَخْرَجَاهُ مِنْ الْعِوَضِ لِنَفْسِهِ سَوَاءٌ أَجَاءَا مَعًا أَمْ مُرَتَّبًا لِسَبْقِهِ لَهُمَا.
(وَإِنْ سُبِقَ) أَيْ سَبَقَاهُ وَجَاءَا مَعًا (لَمْ يَغْرَمْ) لَهُمَا شَيْئًا وَلَا شَيْءَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ جَاءَ الْمُحَلِّلُ مَعَ أَحَدِ الْمُتَسَابِقَيْنِ وَتَأَخَّرَ الْآخَرُ فَمَالُ هَذَا لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ وَمَالُ الْمُتَأَخِّرِ لِلْمُحَلِّلِ وَلِلذِّمِّيِّ مَعَهُ لِأَنَّهُمَا سَبَقَاهُ وَإِنْ جَاءَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ الْمُحَلِّلُ ثُمَّ الْآخَرُ فَمَالُ الْآخَرِ لِلْأَوَّلِ لِسَبْقِهِ الِاثْنَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: الصُّوَرُ الْمُمْكِنَةُ فِي الْمُحَلِّلِ ثَمَانِيَةٌ: أَنْ يَسْبِقَهُمَا وَيَجِيئَانِ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا أَوْ يَسْبِقَا وَيَجِيئَانِ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا أَوْ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا أَوْ يَكُونُ مَعَ أَوَّلِهِمَا أَوْ ثَانِيهِمَا أَوْ يَجِيءُ الثَّلَاثَةُ مَعًا وَلَا يَخْفَى الْحُكْمُ فِي الْجَمِيعِ وَلَوْ تَسَابَقَ جَمْعٌ ثَلَاثَةٌ فَأَكْثَرُ وَشَرَطَ الثَّانِي مِثْلَ الْأَوَّلِ أَوْ دُونَهُ صَحَّ، وَيَجُوزُ شَرْطُ الْعِوَضِ مِنْ غَيْرِ الْمُتَسَابِقَيْنِ وَسَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ الْإِمَامِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ كَأَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ: مَنْ سَبَقَ مِنْكُمَا فَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَذَا أَوْ لَهُ عَلَيَّ كَذَا
وَيَكُونُ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ
كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ أَوْ الْأَجْنَبِيُّ مَنْ سَبَقَ مِنْكُمَا، فَلَهُ عَلَيَّ كَذَا لِأَنَّهُ بَذْلُ مَالٍ فِي طَاعَةٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ حُكْمَ إخْرَاجِ أَحَدِ الْمُتَنَاضِلَيْنِ الْعِوَضَ وَإِخْرَاجِهِمَا مَعًا حُكْمُ الْمُسَابَقَةِ فِيمَا سَبَقَ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ.
وَصُورَةُ إخْرَاجِ أَحَدِهِمَا أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا: تَرْمِي كَذَا فَإِذَا أَصَبْت أَنْتَ مِنْهَا كَذَا فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا.
وَإِنْ أَصَبْتُهَا أَنَا فَلَا شَيْءَ لِأَحَدِنَا عَلَى صَاحِبِهِ.
وَصُورَةُ إخْرَاجِهِمَا مَعًا أَنْ يَشْتَرِطَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى صَاحِبِهِ عِوَضًا إنْ أَصَابَ وَلَا يَجُوزُ هَذَا إلَّا بِمُحَلِّلٍ بَيْنَهُمَا كَمَا سَبَقَ.
[حاشية البجيرمي]
الْخَازِقَ بِالزَّايِ لُغَةً فِي الْخَاسِقِ بِالسِّينِ فَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ فَلَعَلَّ مَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ هُوَ عُرْفُ الرُّمَاةِ اهـ خ ط.
قَوْلُهُ: (أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ) أَيْ أَوْ الْمُتَرَامِيَيْنِ اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (حَتَّى إذَا سَبَقَ إلَخْ) وَسَبْقُ ذِي خُفٍّ بِكَتِفٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِبِلَ تَرْفَعُ أَعْنَاقَهَا عِنْدَ السَّيْرِ وَالْفِيلُ لَا عُنُقَ لَهُ.
وَأَمَّا ذُو الْحَافِرِ فَالسَّبْقُ بِالْعُنُقِ فَمَتَى بَرَزَ عُنُقُ أَحَدِهِمَا عَنْ عُنُقِ الْآخَرِ كَانَ سَابِقًا إنْ لَمْ تَرْفَعْ أَعْنَاقَهَا، وَإِلَّا فَالْعِبْرَةُ بِالْكَتِفِ فَإِنْ زَادَ عُنُقُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَلَا عِبْرَةَ بِالسَّبْقِ بِالزِّيَادَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ سَبْقِ شَيْءٍ مِمَّا تَوَافَقَا فِيهِ، كَأَنْ كَانَ طُولُ عُنُقِ أَحَدِهِمَا شِبْرًا وَالْآخَرِ شِبْرَيْنِ فَالسَّبْقُ بِزِيَادَةِ شِبْرٍ مِنْ طَوِيلِ الْعُنُقِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِأَنَّهُ قَدْرُ الزَّائِدِ فَلَا بُدَّ مِنْ السَّبْقِ بِأَكْثَرَ مِنْ الشِّبْرِ فِي الْمِثَالِ حَتَّى يُعَدَّ سَابِقًا شَيْخُنَا.
وَهَذَا فِي سَبْقِ الزَّائِدِ وَسَبْقِ النَّاقِصِ بِمُجَاوَزَتِهِ لِشَيْءٍ مِمَّا زَادَ بِهِ الْآخَرُ عَلَيْهِ لَا مُجَاوَزَتُهُ كُلَّهُ وَالْعِبْرَةُ بِالسَّبْقِ عِنْدَ الْغَايَةِ لَا قَبْلَهَا، لِأَنَّهُ قَدْ يَسْبِقُهُ الْآخَرُ.
قَوْلُهُ: (اسْتَرَدَّهُ مِمَّنْ إلَخْ) أَيْ إنْ كَانَ دَفَعَهُ لَهُ فَإِنْ كَانَ مَعَهُ بَقِيَ عَلَى حَالِهِ وَعِبَارَةُ ق ل.
قَوْلُهُ: اسْتَرَدَّهُ أَيْ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَتَعْبِيرُ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ: مِمَّنْ هُوَ مَعَهُ لَيْسَ قَيْدًا وَإِنَّمَا هُوَ لِمُرَاعَاةِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ اسْتَرَدَّهُ.
قَوْلُهُ: (مُحَلِّلًا) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ بِسَبَبِهِ حَلَّ الْعَقْدُ وَأَخْذُ الْمَالِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ.
وَيَكْفِي وَاحِدٌ وَلَوْ لِأَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (كُفُؤًا) بِتَثْلِيثِ الْكَافِ أَيْ مُسَاوِيًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ صُورَةِ الْقِمَارِ) بِكَسْرِ الْقَافِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْقَامُوسِ وَهُوَ مَا فِيهِ تَرَدُّدٌ بَيْنَ الْغُنْمِ وَالْغُرْمِ وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ قَامَرْته قِمَارًا مِنْ بَابِ قَتَلَ فَقَمَرْتُهُ قَمْرًا غَلَبْته.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ الْمُحَلِّلَ) عِلَّةٌ لِلْعِلَّةِ وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَيُعْتَبَرُ لِصِحَّتِهَا عِنْدَ شَرْطِهِ مِنْهُمَا مُحَلِّلٌ كُفْءٌ، هُوَ لَهُمَا فِي الرُّكُوبِ وَغَيْرِهِ وَكُفْءُ مَرْكُوبِهِ الْمُعَيَّنِ لِمَرْكُوبَيْهِمَا يَغْنَمُ إنْ سَبَقَ وَلَمْ يَغْرَمْ أَيْ إنْ لَمْ يَسْبِقْ اهـ. وَقَوْلُهُ: يَغْنَمُ وَلَمْ يَغْرَمْ لَا بُدَّ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ كَمَا فِي ح ل وق ل. قَوْلُهُ: (فَمَا هَذَا) أَيْ الَّذِي جَاءَ مَعَ الْمُحَلِّلِ.
قَوْلُهُ: (ثَمَانِيَةٌ) وَحُكْمُ الْأَوَّلَيْنِ يَأْخُذُ الْمُحَلِّلُ الْجَمِيعَ.
وَالثَّالِثَةُ
خَاتِمَةٌ: لَوْ تَرَاهَنَ رَجُلَانِ عَلَى اخْتِبَارِ قُوَّتِهِمَا بِصُعُودِ جَبَلٍ أَوْ إقْلَالِ صَخْرَةٍ، أَوْ أَكْلِ كَذَا فَهُوَ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَكُلُّهُ حَرَامٌ ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ وَأَقَرَّهُ فِي الرَّوْضَةِ.
قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَمِنْ هَذَا النَّمَطِ مَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ مِنْ الرِّهَانِ عَلَى حَمْلِ كَذَا مِنْ مَوْضِعِ كَذَا إلَى مَكَانِ كَذَا أَوْ إجْرَاءِ السَّاعِي مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الْغُرُوبِ وَكُلُّ ذَلِكَ ضَلَالَةٌ وَجَهَالَةٌ مَعَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِ الصَّلَوَاتِ وَفِعْلِ الْمُنْكَرَاتِ اهـ. وَهَذَا أَمْرٌ ظَاهِرٌ، وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْغَرَضِ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى مَا وَقَعَ مِنْ إصَابَةٍ أَوْ خَطَأٍ وَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَمْدَحَا الْمُصِيبَ وَلَا أَنْ يَذُمَّا الْمُخْطِئَ لِأَنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِالنَّشَاطِ وَيُمْنَعُ أَحَدُهُمَا مِنْ أَذِيَّةِ صَاحِبِهِ بِالتَّبَجُّحِ وَالْفَخْرِ عَلَيْهِ.
وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حَثُّ الْفَرَسِ فِي السِّبَاقِ بِالسَّوْطِ.
وَتَحْرِيمُ اللِّجَامِ وَلَا يَجْلِبُ عَلَيْهِ بِالصِّيَاحِ.
لِيَزِيدَ عَدْوَهُ لِخَبَرِ: «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ» قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَذُكِرَ فِي مَعْنَى الْجَنَبِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْنُبُونَ الْفَرَسَ حَتَّى إذَا قَارَبُوا الْأَمَدَ تَحَوَّلُوا عَنْ الْمَرْكُوبِ الَّذِي كُرِهَ بِالرُّكُوبِ إلَى الْجَنِيبَةِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
[حاشية البجيرمي]
لَا شَيْءَ وَالرَّابِعَةُ لِلْأُولَى وَالْخَامِسَةُ كَذَلِكَ وَالسَّادِسَةُ لِلْأَوَّلِ وَلِلْمُحَلِّلِ وَالسَّابِعَةُ لِلْأَوَّلِ وَالثَّامِنَةُ لَا شَيْءَ لَهُ.
اهـ. عَمِيرَةُ ز ي.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ) وَيَكُونُ مِنْ سَهْمِ
الْمَصَالِحِ
قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ اهـ.
قَوْلُهُ: (عَلَى اخْتِبَارِ قُوَّتِهِمَا) أَيْ وَكَانَ بِعِوَضٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: مَنْ أَكَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَكَلَ كَذَا) عِبَارَةُ غَيْرِهِ أَوْ أَكَلَ كَذَا بِكَذَا وَهُوَ رَاجِحٌ لِلْجَمِيعِ ثُمَّ رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْفَخْرُ عَلَيْهِ) تَفْسِيرٌ.
قَوْلُهُ: (وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ الْمُتَسَابِقَيْنِ.
قَوْلُهُ: (لَا جَلَبَ) أَيْ لَا صِيَاحَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ: لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْجِيمِ أَوَّلُهُ وَالْمُوَحَّدَةُ آخِرُهُ وَوَسَطُ الْأَوَّلِ لَامٌ مَفْتُوحَةٌ وَوَسَط الثَّانِي نُونٌ كَذَلِكَ وَتَفْسِيرُهُمَا فِي كَلَامِهِ.
اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (يَجْنُبُونَ) أَيْ يَأْخُذُونَهَا جَنِيبَةً مَعَهُمْ تُقَادُ بِلَا رُكُوبٍ قَالَ اج أَيْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِ الْمُتَسَابِقَيْنِ أَنْ يَجْلِبَ عَلَى مَرْكُوبِهِ وَلَا أَنْ يَأْخُذَ مَعَهُ جَنِيبَةً أَيْ فَرَسًا أُخْرَى لِيَرْبَحَ الْأُولَى بِهَا وَقَوْلُهُ: الْأَمَدُ أَيْ الْغَايَةُ وَقَوْلُهُ: كَدَّهُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أَتْعَبَهُ وَفِي نُسْخَةٍ كُرِهَ بِالرَّاءِ فَتَأَمَّلْ اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (الَّذِي كُرِهَ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَيْ أَقْبَلَ بِهِ عَلَى مَطْلُوبِهِ فَالْكَرُّ مُقَابِلُ الْفَرِّ.
كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ الْأَيْمَانُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ يَمِينٍ وَأَصْلُهَا فِي اللُّغَةِ الْيَدُ الْيُمْنَى وَأُطْلِقَتْ عَلَى الْحَلِفِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا تَحَالَفُوا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِيَدِ صَاحِبِهِ وَفِي الِاصْطِلَاحِ تَحْقِيقُ أَمْرٍ غَيْرِ ثَابِتٍ مَاضِيًا كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلًا نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا مُمْكِنًا كَحَلِفِهِ لَيَدْخُلَن الدَّارَ أَوْ مُمْتَنِعًا كَحَلِفِهِ لَيَقْتُلَن الْمَيِّتَ صَادِقَةً كَانَتْ أَوْ كَاذِبَةً مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ أَوْ الْجَهْلِ بِهِ وَخَرَجَ بِالتَّحْقِيقِ لَغْوُ الْيَمِينِ فَلَيْسَتْ يَمِينًا وَبِغَيْرِ ثَابِتٍ الثَّالِثُ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَمُوتَن لِتَحَقُّقِهِ فِي نَفْسِهِ فَلَا مَعْنَى لِتَحْقِيقِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْحِنْثُ وَفَارَقَ انْعِقَادُهَا بِمَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْبِرُّ كَحَلِفِهِ لَيَقْتُلَن الْمَيِّتَ فَإِنَّ امْتِنَاعَ الْحِنْثِ لَا يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ
[حاشية البجيرمي]
[كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ]
ِ قَدَّمَهُمَا عَلَى الْقَضَاءِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى الْيَمِينِ مِنْ الْخُصُومِ وَجَمَعَ النُّذُورَ مَعَهَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَقْدٌ يَعْقِدُهُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ.
وَلِأَنَّ بَعْضَ أَقْسَامِ النَّذْرِ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَهُوَ نَذْرُ اللَّجَاجِ.
وَلَا يُقَالُ: كَانَ الْمُنَاسِبُ ذِكْرَ الْأَيْمَانِ عَقِبَ الْقَضَاءِ لِأَنَّهَا لَا تُوجَدُ إلَّا بَعْدَ حُصُولِ الدَّعْوَى.
لِأَنَّا نَقُولُ: ذَكَرَهَا هُنَا لِتَكُونَ مَعْلُومَةَ الثُّبُوتِ فَيَصِحُّ الْحُكْمُ بِهَا عَلَى مَنْ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (الْأَيْمَانُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَمِنْ الْحِكَمِ إيمَانُ الْمَرْءِ يُعْرَفُ بِأَيْمَانِهِ، وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْحَلِفِ عَلَى تَصْدِيقِ مَا أُمِرَ بِهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ الْقُرْآنِ، فِي يُونُسَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: 53] وَفِي سَبَأٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: 3] وَفِي التَّغَابُنِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7] .
قَوْلُهُ: (جَمْعُ يَمِينٍ) وَأَرْكَانُ الْيَمِينِ ثَلَاثَةٌ: حَالِفٌ وَمَحْلُوفٌ عَلَيْهِ وَمَحْلُوفٌ بِهِ.
فَيُشْتَرَطُ فِي الْحَالِفِ التَّكْلِيفُ وَالِاخْتِيَارُ وَالْقَصْدُ وَفِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَاجِبٍ بِأَنْ كَانَ مُحْتَمَلًا أَوْ مُسْتَحِيلًا، وَفِي الْمَحْلُوفِ بِهِ أَنْ يَكُونَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَأُطْلِقَتْ عَلَى الْحَلِفِ) أَيْ فَيَكُونُ مَجَازًا مُرْسَلًا عَلَاقَتُهُ الْمُجَاوَرَةُ أَوْ أَنَّهُ مَجَازٌ بِالِاسْتِعَارَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّ شَبَهَ الْيَمِينِ بِالْعُضْوِ الْمَعْرُوفِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا يَحْفَظُ الشَّيْءَ فَالْيَمِينُ تَحْفَظُ الشَّيْءَ الْمَحْلُوفَ بِهِ عَلَى الْحَالِفِ وَالْيَدُ تَحْفَظُ الشَّيْءَ عَلَى صَاحِبِهَا ثُمَّ صَارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً فِيمَا ذُكِرَ.
قَوْلُهُ: (يَأْخُذُ) عِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ كَانُوا إذَا تَحَالَفُوا ضَرَبَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَمِينَهُ عَلَى يَمِينِ صَاحِبِهِ فَسُمِّيَ الْحَلِفُ يَمِينًا مَجَازًا قَالَ سم: وَسُمِّيَ الْعُضْوُ يَمِينًا لِوُفُورِ قُوَّتِهِ.
وَمِنْهُ: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أَيْ بِالْقُوَّةِ.
قَوْلُهُ: (تَحْقِيقُ أَمْرٍ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْيَمِينَ الشَّرْعِيَّةَ وَهِيَ اللَّفْظُ الْمَخْصُوصُ، لَا التَّحْقِيقُ الْمَذْكُورُ لِأَنَّهُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا اصْطِلَاحٌ وَالْمُرَادُ جَعْلُهُ مُحَقَّقًا أَيْ الْتِزَامُ تَحْقِيقِهِ، وَإِنْ كَانَ تَحْقِيقُهُ مُسْتَحِيلًا فَيَشْمَلُ الْمُسْتَحِيلَ كَمَا فِي سم.
وَقَوْلُهُ: تَحْقِيقُ أَمْرٍ أَيْ أَوْ تَوْكِيدُهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي وَيَكُونُ الْيَمِينُ أَيْضًا لِلتَّأْكِيدِ.
وَقَوْلُهُ: تَحْقِيقُ أَمْرٍ أَيْ بِاسْمٍ مَخْصُوصٍ.
قَوْلُهُ: (مَاضِيًا) كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ مَا دَخَلْت الدَّارَ قَوْلُهُ: (نَفْيًا) تَمْيِيزٌ مِنْ قَوْلِهِ: مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا.
قَوْلُهُ: (مُمْكِنًا) حَالٌ مِنْ أَمْرٍ.
قَوْلُهُ: (لَيَقْتُلَن الْمَيِّتَ) أَوْ لَيَصْعَدَن السَّمَاءَ فَإِنَّهُ يَمِينٌ تَلْزَمُ بِهِ الْكَفَّارَةُ حَالًا وَإِنْ صَعِدَ السَّمَاءَ.
لِأَنَّ ذَلِكَ يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ الِاسْمِ وَحُرْمَتِهِ، شَوْبَرِيٌّ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إذَا صَعِدَ السَّمَاءَ كَمَا قَالَهُ ع ش.
وَامْتِنَاعُ الْبِرِّ يُخِلُّ بِهِ فَيُحْوِجُ إلَى التَّكْفِيرِ وَتَكُونُ الْيَمِينُ أَيْضًا لِلتَّأْكِيدِ، وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225] الْآيَةَ وَأَخْبَارٌ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَاَللَّهِ لَأَغْزُوَن قُرَيْشًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: إنْ شَاءَ اللَّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَضَابِطُ الْحَالِفِ مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ قَاصِدٌ فَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَلَا الْمُكْرَهِ وَلَا يَمِينُ اللَّغْوِ.
ثُمَّ شَرَعَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ فَقَالَ: (وَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ بِمَا يُفْهَمُ مِنْهُ ذَاتُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُرَادُ بِهَا الْحَقِيقَةُ مِنْ غَيْرِ احْتِمَالِ غَيْرِهِ.
أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْمُخْتَصَّةِ بِهِ وَلَوْ مُشْتَقًّا أَوْ مِنْ غَيْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى.
سَوَاءٌ كَانَ اسْمًا مُفْرَدًا كَقَوْلِهِ: " رَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ " أَوْ لَمْ يَكُنْ كَقَوْلِهِ: وَاَلَّذِي
[حاشية البجيرمي]
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ مُنْحَصِرٌ فِي شَيْئَيْنِ الْمُحْتَمَلُ كَوَاللَّهِ لَأَضْرِبَن زَيْدًا وَالْمُسْتَحِيلُ كَوَاللَّهِ لَأَقْتُلَن الْمَيِّتَ.
أَمَّا الْوَاجِبُ فَلَا يَكُونُ مَحْلُوفًا عَلَيْهِ كَوَاللَّهِ لَأَمُوتَن لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ إلَّا الْبِرُّ وَهُوَ لَا يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الْمُسْتَحِيلِ، فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ إلَّا الْحِنْثُ وَهُوَ يُخِلُّ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ أَحْيَا اللَّهُ الْمَيِّتَ وَقَتَلَهُ أَوْ صَعِدَ السَّمَاءَ.
سَقَطَتْ الْكَفَّارَةُ فَيَسْتَرِدُّهَا إنْ كَانَ دَفَعَهَا.
قَوْلُهُ: (وَفَارَقَ) أَيْ عَدَمُ انْعِقَادِهَا فِي الْوَاجِبِ.
قَوْلُهُ: (وَضَابِطُ الْحَالِفِ) سَكَتَ عَنْ اشْتِرَاطِ النُّطْقِ فَقِيلَ: يُشْتَرَطُ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ فَيَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ.
بِأَنْ حَلَفَ بِالْإِشَارَةِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ أَوْ لَا يَلْبَسُ الثَّوْبَ مَثَلًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ مُعْتَدٌّ بِهَا فِي جَمِيعِ الْأَبْوَابِ إلَّا ثَلَاثَةً لَا يُعْتَدُّ بِإِشَارَتِهِ فِيهَا وَلَيْسَ الْحَلِفُ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْهَا.
نَعَمْ إنْ حَلَفَ بِالْإِشَارَةِ عَلَى عَدَمِ الْكَلَامِ فَتَكَلَّمَ بِالْإِشَارَةِ لَا يَحْنَثُ وَإِنْ كَانَ يَمِينُهُ مُنْعَقِدَةً سَوَاءٌ حَلَفَ وَهُوَ نَاطِقٌ ثُمَّ خَرِسَ أَوْ حَلَفَ بَعْدَ الْخَرَسِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَيَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِأَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ أَيْ بِوَاحِدٍ مِنْهَا وَهُوَ مَا اخْتَصَّ بِاَللَّهِ أَوْ مَا هُوَ فِيهِ أَغْلَبُ إنْ أَرَادَهُ أَوْ أَطْلَقَ أَوْ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ.
وَعَلَى غَيْرِهِ سَوَاءٌ وَقَصَدَ هُوَ بِهِ وَقَوْلُهُ: هُوَ أَيْ اللَّهُ وَقَوْلُهُ بِهِ أَيْ بِالْيَمِينِ أَوْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ) فِي نُسْخَةٍ سم الْعَبَّادِيُّ إلَّا بِاَللَّهِ قَالَ: أَيْ بِهَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ الدَّالِّ عَلَى الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ بِاسْمٍ إلَخْ قَالَ كَالرَّحْمَنِ أَوْ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالْإِلَهِ وَقَوْلُهُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4] اهـ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ إلَّا بِذَاتِ اللَّهِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّهُ حَلَفَ بِعِنْوَانِ الذَّاتِ.
بِأَنْ قَالَ: بِذَاتِ اللَّهِ لَأَفْعَلَن كَذَا وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْعَطْفُ بَعْدَهُ مِنْ عَطْفِ الْمُغَايِرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَاتِ اللَّهِ مَا يُفْهَمُ مِنْ الذَّاتِ مُجَرَّدَةً عَنْ الصِّفَاتِ وَهُوَ لَفْظُ اللَّهِ وَيَكُونُ الْمَتْنُ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ إلَّا بِهَذَا الِاسْمِ الْكَرِيمِ وَيَكُونُ عَطْفُ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ بِمَا يُفْهَمُ) أَيْ بِاسْمٍ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى كَصَانِعِ الْمَوْجُودَاتِ قَالَ شَيْخُنَا م ر. وَمِنْهُ الْجَنَابُ الرَّفِيعُ وَالِاسْمُ الْأَعْظَمُ، وَمُقْسِمُ الْأَدْيَانِ، وَفِي شَرْحِهِ عَدَمُ الِانْعِقَادِ بِالْجَنَابِ الرَّفِيعِ وَأَنَّهُ لَيْسَ كِنَايَةً ق ل. وَنَصُّهُ: وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ الْحَلِفُ مِنْ الْعَوَامّ بِالْجَنَابِ الرَّفِيعِ وَيُرِيدُونَ بِهِ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا مِنْ اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ إذْ جَنَابُ الْإِنْسَانِ فِنَاءُ دَارِهِ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ كَمَا قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تُؤَثِّرُ مَعَ الِاسْتِحَالَةِ اهـ. قَالَ ع ش: وَيَحْرُمُ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ تَعَالَى سَوَاءٌ قَصَدَهُ أَوْ أَطْلَقَ وَإِنْ كَانَ عَامِّيًّا لَكِنَّهُ إذَا صَدَرَ مِنْهُ يُعْرَفُ فَإِنْ عَادَ إلَيْهَا عُزِّرَ، وَمِثْلُهُ فِي امْتِنَاعِ الْإِطْلَاقِ عَلَيْهِ تَعَالَى مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ قَوْلِ الْعَوَامّ اتَّكَلْت عَلَى جَانِبِ اللَّهِ أَوْ الْحَمْلَةُ عَلَى اللَّهِ اهـ. قَوْلُهُ: (الْمُرَادُ بِهَا الْحَقِيقَةُ) صِفَةٌ لِلذَّاتِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُشْتَقًّا) يُتَأَمَّلُ هَذَا مَعَ أَنَّ سَائِرَ أَسْمَائِهِ مُشْتَقَّةٌ وَتَأَمَّلْنَاهُ فَوَجَدْنَا لَفْظَ الْجَلَالَةِ غَيْرَ مُشْتَقٍّ.
قَوْلُهُ: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) وَلَوْ قَالَ: وَرَبِّ الْعَالَمِ وَقَالَ أَرَدْت بِالْعَالَمِ كَذَا مِنْ الْمَالِ وَبِرَبِّهِ مَالِكَهُ قُبِلَ لِأَنَّ مَا قَالَهُ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَمْ يَكُنْ) مُرَادُهُ بِهِ الْمَوْصُولَ أَوْ الْمَوْصُوفَ كَمَا مَثَّلَ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُفْرَدًا اهـ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الَّذِي أَعْبُدُهُ مِنْ أَسْمَائِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا لَا الْمَوْصُولُ وَحْدَهُ وَلَا مَعَ الصِّلَةِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْحَيَّ غَيْرُ مُشْتَقٍّ مَعَ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْحَيَاةِ تَأَمَّلْ.
أَعْبُدُهُ أَوْ أَسْجُدُ لَهُ أَوْ نَفْسِي بِيَدِهِ أَيْ بِقُدْرَتِهِ يُصَرِّفُهَا كَيْفَ يَشَاءُ أَوْ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ غَيْرَ الْيَمِينِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ.
فَيُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْإِيلَاءِ ظَاهِرًا لِتَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِهِ بِهِ أَمَّا إذَا أَرَادَ بِذَلِكَ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إرَادَتُهُ لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا لِأَنَّ الْيَمِينَ بِذَلِكَ لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ تَعَالَى: فَقَوْلُ الْمِنْهَاجِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: لَمْ أُرِدْ بِهِ الْيَمِينَ.
مُؤَوَّلٌ بِذَلِكَ أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، الْغَالِبِ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَعَلَى
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ) أَيْ بِهَذَا الْقَسَمِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ قَالَ: ق ل وَهَذِهِ الْإِرَادَةُ تَجْرِي فِي جَمِيعِ الْأَقْسَامِ فَلَوْ أَخَّرَهُ كَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ الْيَمِينِ) كَأَنْ جَعَلَهُ مُبْتَدَأً أَوْ أَضْمَرَ لَهُ خَبَرًا كَأَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: وَاَلَّذِي أَعْبُدُهُ لَأَفْعَلَن وَاَلَّذِي أَعْبُدُهُ أَسْتَعِينُ بِهِ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ بِقَوْلِهِ لَأَفْعَلَن.
وَكَأَنْ قَالَ: بِاَللَّهِ لَأَضْرِبَن زَيْدًا ثُمَّ قَالَ: لَمْ أُرِدْ بِهِ الْيَمِينَ بَلْ أَرَدْت اسْتَعَنْتَ بِاَللَّهِ مَثَلًا وَلَأَضْرِبَن مُسْتَأْنَفٌ قَالَ: الَأُجْهُورِيُّ وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ حَاكِمٍ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِقَصْدِ الْحَاكِمِ لَا بِقَصْدِ الْحَالِفِ وَفِي الرَّحْمَانِيِّ وَلَا تَنْفَعُ التَّوْرِيَةُ فِي الْيَمِينِ عِنْدَ الْقَاضِي إلَّا إذَا حَلَّفَهُ بِالطَّلَاقِ اهـ.
فَائِدَةٌ: التَّوْرِيَةُ فِي الْأَيْمَانِ نَافِعَةٌ وَالْعِبْرَةُ فِيهَا بِنِيَّةِ الْحَالِفِ إلَّا إذَا اسْتَحْلَفَ الْقَاضِي بِغَيْرِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لِمَا سَيَأْتِي فِي الدَّعَاوَى وَهِيَ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْنَثُ بِهَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا حَيْثُ يَبْطُلُ بِهَا حَقُّ الْمُسْتَحِقِّ بِالْإِجْمَاعِ فَمِنْ التَّوْرِيَةِ، أَنْ يَنْوِيَ بِاللِّبَاسِ اللَّيْلَ وَبِالْفِرَاشِ وَالْبِسَاطِ الْأَرْضَ، وَبِالْأَوْتَادِ الْجِبَالَ وَبِالسَّقْفِ وَالْبِنَاءِ السَّمَاءَ، وَبِالْأُخُوَّةِ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ.
اهـ. دَمِيرِيٌّ.
وَعِبَارَةُ ق ل قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ غَيْرَهُ ظَاهِرُهُ وَلَوْ مَعَهُ فَلَيْسَ يَمِينًا وَهُوَ مُحْتَمَلٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ) أَيْ إرَادَةُ غَيْرِ الْيَمِينِ فِي الطَّلَاقِ أَيْ فِيمَا لَوْ قَالَ: إنْ حَلَفْتُ بِاَللَّهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ فَعِنْدِي حُرٌّ أَوْ لَا أَطَؤُكِ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَأَتَى بِصِيغَةٍ مِمَّا تَقَدَّمَ كَأَنْ قَالَ: بَعْدَ قَوْلِهِ السَّابِقِ بِاَللَّهِ لَأَضْرِبَن زَيْدًا ثُمَّ قَالَ لَمْ أُرِدْ بِهِ الْيَمِينَ، بَلْ أَرَدْتُ اسْتَعَنْتُ بِاَللَّهِ مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فَيَقَعُ مَا عَلَّقَهُ عَلَى الْحَلِفِ مِنْ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْإِيلَاءِ فَإِرَادَة غَيْرَ الْيَمِينِ تَارَةً تُقْبَلُ وَتَارَةً لَا تُقْبَلُ اهـ. ح ل لَكِنْ فِي الرَّوْضِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ صُورَتَهُ: أَنْ يَحْلِفَ بِالطَّلَاقِ ثُمَّ يَقُولُ لَمْ أُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ بَلْ أَرَدْت بِهِ حَلَّ الْوَثَاقِ مَثَلًا أَوْ يَقُولُ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ يَقُولُ: لَمْ أُرِدْ بِهِ الْعِتْقَ بَلْ أَرَدْت بِهِ أَنْتَ كَالْحُرِّ فِي الْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ مَثَلًا أَوْ آلَى مِنْ زَوْجَتِهِ وَقَالَ: لَمْ أُرِدْ بِهِ الْإِيلَاءَ أَيْ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ وَلَوْ أَتَى بِصِيغَةِ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ إيلَاءٍ وَقَالَ: لَمْ أُرِدْ بِهَا الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ وَالْإِيلَاءَ لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَصِحُّ كُلٌّ مِنْ التَّصْوِيرَيْنِ لَكِنْ مَا فِي الرَّوْضِ أَقْرَبُ لِمَا فِيهِ مِنْ حَمْلِ الْكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (لِتَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِهِ بِهِ) وَهُوَ الزَّوْجَةُ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ وَالْعَبْدُ فِي الثَّانِي وَقَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ أَنَّ غَيْرَ اللَّهِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا إذَا أَرَادَ بِذَلِكَ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى) تَفْصِيلٌ آخَرُ غَيْرَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ: أَنَّ الِاسْمَ إمَّا مُخْتَصٌّ أَوْ غَالِبٌ أَوْ مُسْتَوٍ وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ اللَّهَ أَوْ غَيْرَهُ.
أَوْ يُطْلِقَ فَتُضْرَبُ ثَلَاثَةٌ فِي مِثْلِهَا تَبْلُغُ تِسْعَةً ثُمَّ تُضْرَبُ أَحْوَالُ قَصْدِ الْيَمِينِ أَوْ عَدَمِهِ أَوْ الْإِطْلَاقِ فِي التِّسْعَةِ تَبْلُغُ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ فِي الِاسْمِ الْمُخْتَصِّ تِسْعَةٌ وَفِي الْغَالِبِ كَذَلِكَ وَفِي الْمُسَاوِي كَذَلِكَ وَأَحْكَامُهَا أَنَّهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ فِي سِتَّةٍ دُونَ ثَلَاثَةٍ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْيَمِينَ أَوْ أَطْلَقَ انْعَقَدَتْ سَوَاءٌ أَرَادَ بِالِاسْمِ اللَّهَ أَوْ غَيْرَهُ أَوْ أَطْلَقَ وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَ الْيَمِينِ لَمْ تَنْعَقِدْ سَوَاءٌ أَرَادَ بِالِاسْمِ اللَّهَ أَوْ غَيْرَهُ أَوْ أَطْلَقَ.
قَوْلُهُ: (بِذَلِكَ) أَيْ بِإِرَادَةِ غَيْرِ الْيَمِينِ وَقَوْلُهُ: مُؤَوَّلٌ بِذَلِكَ أَيْ بِإِرَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ) عَطْفٌ عَلَى بِاسْمِ الْأَوَّلِ عَطْفٌ مُغَايِرٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ خَاصٌّ وَهَذَا غَالِبٌ وَفِيهِ تِسْعَةٌ كَمَا مَرَّ.
وَبَيَانُ حُكْمِهَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ فِي أَرْبَعَةٍ دُونَ خَمْسَةٍ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْيَمِينَ أَوْ أَطْلَقَ وَأَرَادَ بِالِاسْمِ اللَّهَ، أَوْ أَطْلَقَ انْعَقَدَتْ، وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَ الْيَمِينِ لَمْ تَنْعَقِدْ سَوَاءٌ أَرَادَ بِالِاسْمِ اللَّهَ أَوْ أَرَادَ غَيْرَهُ أَوْ أَطْلَقَ وَإِنْ أَرَادَ بِاسْمٍ غَيْرَ اللَّهِ وَأَرَادَ الْيَمِينَ أَوْ أَطْلَقَ لَمْ تَنْعَقِدْ.
وَوَقَعَ السُّؤَالُ عَمَّا يَقَعُ مِنْ قَوْلِ الْعَوَامّ وَالِاسْمُ الْأَعْظَمُ هَلْ هُوَ يَمِينٌ أَمْ لَا وَنُقِلَ بِالدَّرْسِ عَنْ م ر انْعِقَادُ الْيَمِينِ بِهِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر وَصَرَّحَ بِهِ الزِّيَادِيُّ وَنَصُّهُ.
وَإِذَا قَالَ: وَالِاسْمُ الْأَعْظَمُ أَوْ الْقَسَمُ الْأَعْظَمُ لَا أَفْعَلُ كَذَا أَوْ لَأَفْعَلَنهُ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ إمَّا اللَّهُ تَعَالَى أَوْ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ اهـ.
قَوْلُهُ:
غَيْرِهِ.
كَقَوْلِهِ: وَالرَّحِيمِ وَالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ وَالرَّبِّ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ مَا لَمْ يُرِدْ بِهَا غَيْرَهُ تَعَالَى.
بِأَنْ أَرَادَهُ تَعَالَى أَوْ أَطْلَقَ بِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادَ بِهَا غَيْرَهُ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ مُقَيَّدًا كَرَحِيمِ الْقَلْبِ وَخَالِقِ الْإِفْكِ وَرَازِقِ الْجَيْشِ وَرَبِّ الْإِبِلِ.
وَأَمَّا الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَالْمَوْجُودِ وَالْعَالِمِ وَالْحَيِّ، فَإِنْ أَرَادَهُ تَعَالَى بِهِ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَرَادَ بِهَا غَيْرَهُ أَوْ أَطْلَقَ لِأَنَّهَا لَمَّا أُطْلِقَتْ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ أَشْبَهَتْ الْكِنَايَاتِ (أَوْ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ) كَوَعَظَمَتِهِ وَعِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ
[حاشية البجيرمي]
الْغَالِبِ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَعَلَى غَيْرِهِ) مُشَارَكَةُ الْغَيْرِ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، إنَّمَا هِيَ فِي الْإِطْلَاقِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْأَغْلَبِيَّةِ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ صَنِيعُهُ، وَصَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ: وَيُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ لَا غَالِبًا، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَى غَيْرِهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَيَقِلُّ إطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِهِ.
وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَبِمَا هُوَ فِيهِ تَعَالَى عِنْدَ الْإِطْلَاقِ أَغْلَبُ كَالرَّحِيمِ إلَخْ.
وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ قَوْلُهُ وَعَلَى غَيْرِهِ كَذَا فِي خَطِّ الْمُؤَلِّفِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ مَعْنَاهُ الْغَالِبُ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ وَالْغَالِبُ إطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِهِ اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ وَعَلَى غَيْرِهِ.
الْمُنَاسِبُ دُونَ غَيْرِهِ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَالرَّبِّ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ مِنْ الْخَاصِّ بِاَللَّهِ.
وَعِبَارَةُ ز ي: وَاسْتُشْكِلَ الرَّبُّ بِأَلْ بِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَنْبَغِي إلْحَاقُهُ بِالْأَوَّلِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ أَصْلَ مَعْنَاهُ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ فَصَحَّ قَصْدُهُ وَأَلْ قَرِينَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا قُوَّةَ لَهَا عَلَى إلْغَاءِ ذَلِكَ الْقَصْدِ وَصَرَّحَ فِي الْمِصْبَاحِ بِأَنَّ الرَّبَّ تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ تَعَالَى، وَأَنْشَدَ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدًا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فَعَلَيْهِ يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا فِي اللَّهِ وَفِي غَيْرِهِ لُغَةً وَإِنْ كَانَ شَرْعًا لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ فَلَا حَاجَةَ لِمَا قِيلَ هُنَا مِنْ التَّكَلُّفِ.
قَوْلُهُ: (انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ) الْأَوْلَى إسْقَاطُهُ لِعِلْمِهِ مِمَّا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (الذَّاتِيَّةِ) بِخِلَافِ الْفِعْلِيَّةِ كَخَلْقِهِ وَرِزْقِهِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِيَمِينٍ وَظَاهِرُهُ لَا صَرِيحَ وَلَا كِنَايَةَ س ل. وَأَخْرَجَ السَّلْبِيَّةَ كَكَوْنِهِ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ، لَكِنْ بَحَثَ الزَّرْكَشِيّ الِانْعِقَادَ بِهَذِهِ لِأَنَّهَا قَدِيمَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ تَعَالَى رَشِيدِيٌّ عَلَى م ر. وَعِبَارَةُ ق ل تَنْبِيهٌ هَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ فِي صِفَاتِ الذَّاتِ الثُّبُوتِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ فِي الْأَزَلِ أَمَّا صِفَاتُهُ السَّلْبِيَّةُ، وَهِيَ الْقَائِمَةُ بِهِ كَعَدَمِ جِسْمِيَّتِهِ وَعَرْضِيَّتِهِ وَصِفَاتِهِ الْفِعْلِيَّةِ كَرِزْقِهِ وَخَلْقِهِ وَرَحْمَتِهِ وَهِيَ الثَّابِتَةُ لَهُ فِيمَا لَا يَزَالُ فَتَرَدَّدَ شَيْخُنَا فِي الْأُولَى.
وَقَالَ الْقَاضِي تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهَا وَجَرَى عَلَيْهِ الْعَبَّادِيُّ وَجَزَمَ بِعَدَمِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِالثَّانِيَةِ تَبَعًا لِلْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورُ خِلَافًا لِلْخَفَّافِ فَرَاجِعْهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ صِفَتَيْ الذَّاتِ وَالْفِعْلِ أَنَّ الْأُولَى مَا اسْتَحَقَّهُ فِي الْأَزَلِ وَالثَّانِيَةَ مَا اسْتَحَقَّهُ فِيمَا يَزَالُ دُونَ الْأَزَلِ يُقَالُ: عِلْمٌ فِي الْأَزَلِ وَلَا يُقَالُ رِزْقٌ فِي الْأَزَلِ إلَّا تَوَسُّعًا اهـ. شَرْحُ الرَّوْضِ قَالَ سم: وَلَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِصِفَاتِ الْأَفْعَالِ كَالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَإِنْ نَوَى خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَفِي حَاشِيَةِ الشبراملسي لِلْغَزِّيِّ الِانْعِقَادُ بِهَا.
فَرْعٌ لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَيْمَانُ الْبَيْعَةِ لَازِمَةٌ لِي أَوْ فَأَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ لَازِمَةٌ لِي فَإِنْ أَرَادَ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ أَوْ أَطْلَقَ لَمْ تَنْعَقِدْ وَإِنْ أَرَادَ بَيْعَةَ الْحَجَّاجِ انْعَقَدَتْ لِأَنَّ «الْبَيْعَةَ كَانَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمُصَافَحَةِ» فَلَمَّا تَوَلَّى الْحَجَّاجُ رَتَّبَهَا أَيْمَانًا تَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى الطَّلَاقِ وَالْحَجِّ وَالْإِعْتَاقِ وَصَدَقَةِ الْمَالِ وَانْظُرْ مَاذَا يَلْزَمُهُ مِنْهَا.
وَلَوْ شَرِكَ فِي يَمِينِهِ بَيْنَ مَا يَنْعَقِدُ بِهِ وَمَا لَا يَنْعَقِدُ بِهِ كَوَاللَّهِ وَالْكَعْبَةِ فَقَالَ الْعَبَّادِيُّ: الْمُتَّجَهُ عِنْدِي الِانْعِقَادُ، سَوَاءٌ قَصَدَ الْحَلِفَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ أَطْلَقَ أَوْ بِالْمَجْمُوعِ فَرَاجِعْهُ.
وَنَصَّ سم عَلَى حَجّ: شَرِكَ فِي حَلِفِهِ بَيْنَ مَا يَصِحُّ الْحَلِفُ بِهِ وَغَيْرِهِ كَوَاللَّهِ وَالْكَعْبَةِ فَالْوَجْهُ انْعِقَادُ الْيَمِينِ وَهُوَ وَاضِحٌ إنْ قَصَدَ الْحَلِفَ بِكُلٍّ، أَوْ أَطْلَقَ فَإِنْ قَصَدَ الْحَلِفَ بِالْمَجْمُوعِ، فَفِيهِ تَأَمُّلٌ وَالْوَجْهُ الِانْعِقَادُ لِأَنَّ جُزْءَ هَذَا الْمَجْمُوعِ يَصِحُّ الْحَلِفُ بِهِ.
وَالْمَجْمُوعُ الَّذِي جُزْؤُهُ كَذَلِكَ يَصِحُّ الْحَلِفُ بِهِ وَإِنْ حَلَفَ رَجُلٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ آخَرُ يَمِينِي فِي يَمِينِك أَوْ يَلْزَمُنِي مِثْلُ مَا يَلْزَمُك لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ وَنَوَى لَزِمَهُ مَا لَزِمَ الْحَالِفَ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (كَوَعَظَمَتِهِ) مَا جَزَمَ بِهِ مِنْ أَنَّ عَظَمَةَ اللَّهِ تَعَالَى صِفَةٌ هُوَ الْمَعْرُوفُ وَبَنَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ مَنْعَ قَوْلِهِمْ: سُبْحَانَ مَنْ تَوَاضَعَ كُلُّ
وَكَلَامِهِ، وَمَشِيئَتِهِ، وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَحَقِّهِ.
إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْحَقِّ الْعِبَادَاتِ وَبِاَللَّذَيْنِ قَبْلَهُ الْمَعْلُومَ وَالْمَقْدُورَ وَبِالْبَقِيَّةِ ظُهُورَ آثَارِهَا فَلَيْسَتْ يَمِينًا لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ وَقَوْلُهُ: وَكِتَابِ اللَّهِ يَمِينٌ وَكَذَا وَالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْقُرْآنِ الْخُطْبَةَ وَالصَّلَاةَ وَبِالْمُصْحَفِ الْوَرَقَ وَالْجِلْدَ.
وَحُرُوفُ الْقَسَمِ الْمَشْهُورَةُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ وَوَاوٌ وَتَاءٌ، فَوْقِيَّةٌ، كَبِاللَّهِ وَوَاللَّهِ وَتَاللَّهِ لَأَفْعَلَن كَذَا، وَيَخْتَصُّ لَفْظُ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْمُظْهَرُ مُطْلَقًا بِالْوَاوِ وَسُمِعَ شَاذًّا تَرَبِّ الْكَعْبَةِ وَتَالرَّحْمَنِ وَتَدْخُلُ الْمُوَحَّدَةُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُضْمَرِ فَهِيَ الْأَصْلُ.
وَتَلِيهَا الْوَاوُ ثُمَّ التَّاءُ وَلَوْ قَالَ: اللَّهُ مَثَلًا بِتَثْلِيثِ الْهَاءِ أَوْ تَسْكِينِهَا لَأَفْعَلَن كَذَا فَكِنَايَةٌ كَقَوْلِهِ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ، أَوْ لَعَمْرُ
[حاشية البجيرمي]
شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ.
قَالَ: لِأَنَّ التَّوَاضُعَ لِلصِّفَةِ عِبَادَةٌ لَهَا، وَلَا يُعْبَدُ إلَّا الذَّاتُ وَمَنَعَ الْقَرَافِيُّ ذَلِكَ.
وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّ عَظَمَةَ اللَّهِ الْمَجْمُوعُ مِنْ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ فَالْمَعْبُودُ مَجْمُوعُهَا اهـ س ل قَالَ م ر: فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ هَذَا فَصَحِيحٌ أَوْ مُجَرَّدُ الصِّفَةِ فَمُمْتَنِعٌ.
وَلَمْ يُبَيِّنُوا حُكْمَ الْإِطْلَاقِ أَيْ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَ مَنْ تَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا مَنْعَ مِنْهُ اهـ. وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ الْعَظَمَةُ صِفَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِهِ تَعَالَى بِحَسَبِ الْوَضْعِ فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّهَا لِمَجْمُوعِ الذَّاتِ وَالصِّفَةِ فِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ فَاسِدٌ إذْ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَمْ تَصِحَّ إضَافَتُهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا لَا يُقَالُ: خَالِقٌ اللَّهُ وَلَا رَازِقٌ اللَّهُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَحَقُّهُ) أَيْ اسْتِحْقَاقُهُ لِلْعِبَادَةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ فَهُوَ صِفَةٌ لَهُ تَعَالَى.
وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ س ل قَوْلُهُ: وَحَقُّهُ أَيْ مُطْلَقًا نَوَى بِهِ الْيَمِينَ أَوْ أَطْلَقَ فِي الْأَصَحِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمَعْنَاهُ حَقِيقَةُ الْأُلُوهِيَّةِ لِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ مَا لَا يُمْكِنُ جُحُودُهُ فَهَلْ فِي الْحَقِيقَةِ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى.
وَقَالَ غَيْرُهُ: حَقُّ اللَّهِ هُوَ الْقُرْآنُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة: 51] وَالْحَلِفُ بِالْقُرْآنِ يَمِينٌ فِي صُورَةِ الْإِطْلَاقِ.
وَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ هَذَا إنْ جَرَّ الْحَقُّ فَإِنْ رَفَعَهُ أَوْ نَصَبَهُ فَكِنَايَةٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ اسْتِحْقَاقِ الطَّاعَةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا بِنِيَّتِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (ظُهُورُ آثَارِهَا) أَيْ آثَارِهَا الظَّاهِرَةِ فَآثَارُ الْعَظَمَةِ وَالْعِزَّةِ وَالْكِبْرِيَاءِ الذِّلَّةُ وَالتَّوَاضُعُ وَأَثَرُ الْكَلَامِ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ وَأَثَرُ الْمَشِيئَةِ، التَّخْصِيصُ أَيْ تَخْصِيصُ الْمُمْكِنَاتِ، بِمَا يَعْرِضُ لَهَا وَأَثَرُ الْعَظَمَةِ: إهْلَاكُ الْجَبَابِرَةِ وَأَثَرُ الْعِزَّةِ عَدَمُ إيصَالِ مَكْرُوهٍ إلَيْهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَكِتَابُ اللَّهِ) بِأَنْ قَصَدَ الصِّفَةَ الْقَدِيمَةَ أَوْ أَطْلَقَ بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَ الْأَلْفَاظَ.
قَوْلُهُ: (الْخُطْبَةَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: 204] . وَقَوْلُهُ وَالصَّلَاةَ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ لِقَوْلِهِ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: 78] فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ صَلَاتُهُ وَقَالَ ع ش قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْقُرْآنِ الْخُطْبَةَ أَيْ أَوْ الْأَلْفَاظَ أَوْ الْحُرُوفَ.
قَوْلُهُ: (الْوَرَقَ) أَيْ أَوْ اللَّفْظَ كَمَا ذَكَرَهُ حَجّ فَإِنْ أَرَادَ لَفْظَ الْقُرْآنِ لَا الْمَعْنَى النَّفْسِيَّ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا وَقَالَ ع ش: لِأَنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَا يَنْصَرِفُ عُرْفًا إلَّا لِمَا فِيهِ الْقُرْآنُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِهِ: وَالْمُصْحَفُ وَحَقُّ الْمُصْحَفِ اهـ وَلَعَلَّهُ أَنَّ حَقَّ الْمُصْحَفِ يَنْصَرِفُ عُرْفًا إلَى ثَمَنِهِ الَّذِي يُصْرَفُ فِيهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْمُصْحَفُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَنْصَرِفُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْقُرْآنِ اهـ. وَلَوْ أَقْسَمَ بِآيَةٍ مَنْسُوخَةِ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ قِيَاسًا أَوْلَوِيًّا عَلَى انْعِقَادِهَا بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَعَ نَسْخِ الْأَمْرَيْنِ مَعًا وَلَا يَخْرُجُ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَسِّ وَالْحَمْلِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقِيَاسِ الْأَوْلَوِيِّ اهـ. وَأَمَّا الْآيَةُ الْمَنْسُوخَةُ التِّلَاوَةِ وَالْحُكْمِ مَعًا فَكَانَ مُقْتَضَى قِيَاسِهِ أَنْ تُقَاسَ أَيْضًا عَلَى التَّوْرَاةِ بِقِيَاسِ الْمُسَاوَاةِ.
فَإِنْ قَالَ: إنَّهَا لَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا كِتَابُ اللَّهِ.
قُلْنَا لَهُ: يَلْزَمُك فِي مَنْسُوخِ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ اهـ.
قَوْلُهُ: (الْمَشْهُورَةِ) وَغَيْرُ الْمَشْهُورَةِ كَالْأَلِفِ وَهَاءِ التَّنْبِيهِ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِالتَّاءِ) الْبَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَقْصُورِ قَوْلُهُ: (فَهِيَ الْأَصْلُ) عَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ التَّاءَ الْفَوْقِيَّةَ مُبْدَلَةٌ مِنْ الْوَاوِ وَالْوَاوُ مِنْ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَ النُّحَاةُ: أَبْدِلُوا مِنْ الْبَاءِ وَاوًا لِقُرْبِ الْمَخْرَجِ ثُمَّ مِنْ الْوَاوِ تَاءً لِقُرْبِ الْمَخْرَجِ كَمَا فِي تُرَاثٍ.
وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ التَّاءُ بِلَفْظِ اللَّهِ لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ بَدَلٍ فَضَاقَ التَّصَرُّفُ فِيهَا وَهِيَ وَإِنْ ضَاقَ تَصَرُّفُهَا قَدْ بُورِكَ فِيهَا لِلِاخْتِصَاصِ بِأَشْرَفِ الْأَسْمَاءِ وَأَجَلِّهَا اهـ ز ي. وَخَرَجَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْفَاءُ وَالْأَلِفُ الْمَمْدُودَةُ وَالتَّحْتِيَّةُ نَحْوُ فَاَللَّهُ وَاَللَّهِ وَيَاللَّهِ.
قَالَ م ر: فَهِيَ كِنَايَةٌ وَكَذَا بِلَّهْ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَحَذْفِ الْأَلْفِ يَمِينٌ إنْ نَوَاهَا عَلَى الرَّاجِحِ خِلَافًا لِجَمْعٍ ذَهَبُوا إلَى
اللَّهِ أَوْ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَذِمَّتُهُ وَأَمَانَتُهُ وَكَفَالَتُهُ لَأَفْعَلَن كَذَا إنْ نَوَى بِهَا الْيَمِينَ فَيَمِينٌ وَإِلَّا فَلَا.
وَاللَّحْنُ وَإِنْ قِيلَ بِهِ فِي الرَّفْعِ لَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ عَلَى أَنَّهُ لَا لَحْنَ فِي ذَلِكَ فَالرَّفْعُ بِالِابْتِدَاءِ أَيْ اللَّهُ أَحْلِفُ بِهِ لَأَفْعَلَن وَالنَّصْبُ بِنَزْعِ الْخَافِضِ وَالْجَرُّ بِحَذْفِهِ وَإِبْقَاءِ عَمَلِهِ.
وَالتَّسْكِينُ بِإِجْرَاءِ الْوَصْلِ مَجْرَى الْوَقْفِ وَقَوْلُهُ: أَقْسَمْت أَوْ أُقْسِمُ أَوْ حَلَفْت أَوْ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَن كَذَا يَمِينٌ إلَّا إنْ نَوَى خَبَرًا مَاضِيًا فِي صِيغَةِ الْمَاضِي أَوْ مُسْتَقْبَلًا فِي الْمُضَارِعِ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا لِاحْتِمَالِ مَا نَوَاهُ وَقَوْلُهُ لِغَيْرِهِ: أُقْسِمُ عَلَيْك بِاَللَّهِ أَوْ أَسْأَلُك بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَن كَذَا يَمِينٌ إنْ أَرَادَ بِهِ يَمِينَ نَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُرِدْهَا.
وَيُحْمَلُ عَلَى الشَّفَاعَةِ وَعُلِمَ مِنْ حَصْرِ الِانْعِقَادِ فِيمَا ذُكِرَ عَدَمُ انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِمَخْلُوقٍ كَالنَّبِيِّ وَجِبْرِيلَ وَالْكَعْبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَوْ مَعَ
[حاشية البجيرمي]
أَنَّهَا لَغْوٌ، وَبَقِيَ مَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ بِحَذْفِ الْأَلِفِ بَعْدَ اللَّامِ هَلْ يَتَوَقَّفُ الِانْعِقَادُ عَلَى نِيَّتِهَا أَوْ لَا؟ وَيَظْهَرُ الْآنَ الثَّانِي لِعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ فِي هَذَا اللَّفْظِ بَيْنَ الِاسْمِ الْكَرِيمِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْبِلَّهْ.
فَإِنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ وَبِلَّةِ الرُّطُوبَةِ وَبَقِيَ أَيْضًا مَا لَوْ حَذَفَ الْهَاءَ مِنْ لَفْظِ الْجَلَالَةِ وَقَالَ بَالَّا أَوْ وَلَا هَلْ هِيَ يَمِينٌ أَوْ لَا فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِأَنَّهَا بِدُونِ الْهَاءِ لَيْسَتْ مِنْ أَسْمَائِهِ وَلَا صِفَاتِهِ.
وَيَحْتَمِلُ الِانْعِقَادُ عِنْدَ نِيَّةِ الْيَمِينِ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ حَذَفَ الْهَاءَ تَرْخِيمًا وَالتَّرْخِيمُ جَائِزٌ فِي غَيْرِ الْمُنَادَى عَلَى قِلَّةٍ اهـ شَرْحُ م ر وع ش عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لَأَفْعَلَن كَذَا) رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ فَلَوْ تَرَكَهُ لَا يَكُونُ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً وَمِثْلُ تَاللَّهِ مَا فِي مَعْنَاهُ ز ي.
قَوْلُهُ: (لَعَمْرُ اللَّهِ) الْمُرَادُ مِنْهُ الْبَقَاءُ وَالْحَيَاةُ وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا لِأَنَّهُ يُطْلَقُ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْعِبَادَاتِ وَالْمَفْرُوضَاتِ.
شَرْحُ الرَّوْضِ وَهَذَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَمَّا عِنْدَ النُّحَاةِ فَلَعَمْرُ اللَّهِ صَرِيحٌ فِي الْقَسَمِ.
قَوْلُهُ: (عَهْدُ اللَّهِ) وَالْمُرَادُ بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا نَوَى بِهِ الْيَمِينَ اسْتِحْقَاقُهُ لِإِيجَابِ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْنَا وَتَعَبَّدَنَا بِهِ وَإِذَا نَوَى بِهِ غَيْرَهَا فَالْمُرَادُ الْعِبَادَاتُ الَّتِي أُمِرْنَا بِهَا وَقَدْ فَسَّرَ بِهَا أَيْ الْعِبَادَاتِ الْأَمَانَةَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: 72] شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (وَذِمَّتُهُ) مُرَادِفٌ لِمَا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ حَلَفْت) وَسُمِّيَ الْقَسَمُ حَلِفًا لِأَنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ انْقِسَامِ النَّاسِ إلَى مُصَدَّقٍ وَمُكَذَّبٍ اهـ أَبُو حَيَّانَ.
قَوْلُهُ: (إلَّا إنْ نَوَى خَيْرًا) أَيْ فَهُوَ يَمِينٌ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ شَوْبَرِيٌّ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ جَرَى لَنَا وَجْهٌ أَيْضًا لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِيَمِينٍ مُطْلَقًا قَالَ الْإِمَامُ: جَعَلْتُمْ قَوْلَهُ بِاَللَّهِ لَأَفْعَلَن يَمِينًا صَرِيحًا وَفِيهِ إضْمَارٌ مَعْنَى أُقْسِمُ فَكَيْفَ تَنْحَطُّ رُتْبَتُهُ إذَا صَرَّحَ بِالْمُضْمَرِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّصْرِيحَ بِهِ يُزِيلُ الصَّرَاحَةَ لِاحْتِمَالِهِ الْمَاضِيَ وَالْمُسْتَقْبَلَ، فَكَمْ مِنْ مُضْمَرٍ يُقَدِّرُهُ النَّحْوِيُّ وَاللَّفْظُ بِدُونِهِ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ أَلَا تَرَى إلَى أَنَّ مَعْنَى التَّعَجُّبِ فِيمَا أَحْسَنَ زَيْدًا يَزُولُ إذَا قُلْت شَيْءٌ حَسَنٌ زَيْدًا مَعَ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِهِ سم.
قَوْلُهُ: (وَقَوْلُهُ لِغَيْرِهِ أُقْسِمُ عَلَيْك بِاَللَّهِ) : وَكَذَا لَوْ قَالَ: بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَن كَذَا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْمُتَعَلِّقِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (أُقْسِمُ عَلَيْك) أَمَّا بِدُونِ عَلَيْك فَيَمِينٌ لَا يَجْرِي فِيهَا تَفْصِيلٌ بِرْمَاوِيٌّ وَقِ ل.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَسْأَلُك بِاَللَّهِ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ تَفْعَلُ كَذَا، أَوْ لَا تَفْعَلْ كَذَا، وَأَطْلَقَ كَانَ يَمِينًا وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَا تُسْتَعْمَلُ لِطَلَبِ الشَّفَاعَةِ، بِخِلَافِ أَسْأَلُك بِاَللَّهِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (إنْ أَرَادَ بِهِ يَمِينَ نَفْسِهِ) أَيْ فَقَطْ بِأَنْ أَرَادَ تَحْقِيقَ هَذَا الْأَمْرِ الْمُحْتَمَلِ فَإِذَا حَلَفَ شَخْصٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ يَأْكُلُ.
فَالْأَكْلُ أَمْرٌ مُحْتَمَلٌ فَإِذَا أَرَادَ تَحْقِيقَهُ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَكْلِ كَانَ يَمِينًا وَإِنْ أَرَادَ أَتَشَفَّعُ عِنْدَك بِاَللَّهِ أَنَّك تَأْكُلُ أَوْ أَرَادَ يَمِينَ الْمُخَاطَبِ كَأَنْ قَصَدَ جَعَلَهُ حَالِفًا بِاَللَّهِ فَلَا يَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ هُوَ، وَلَا الْمُخَاطَبُ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُرِدْهَا) بِأَنْ أَرَادَ يَمِينَ الْمُخَاطَبِ كَأَنْ قَصَدَ جَعَلْتُك حَالِفًا بِاَللَّهِ أَوْ الشَّفَاعَةِ أَوْ أَطْلَقَ ز ي وَشَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَيُحْمَلُ) أَيْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الشَّفَاعَةِ أَيْ جَعَلْت اللَّهَ شَفِيعًا عِنْدَك فِي فِعْلِ كَذَا ع ش وَيُكْرَهُ رَدُّ السَّائِلِ بِاَللَّهِ أَوْ بِوَجْهِهِ سُبْحَانَهُ تَعَالَى كَأَسْأَلُكَ بِوَجْهِ اللَّهِ فِي غَيْرِ الْمَكْرُوهِ وَالسُّؤَالُ بِذَلِكَ شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ: وَيُكْرَهُ ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ إعْطَائِهِ تَعْظِيمُ مَا سَأَلَ بِهِ.
اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (عَدَمُ انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِمَخْلُوقٍ) أَيْ فَلَا كَفَّارَةَ بِالْحِنْثِ فِيهِ خِلَافًا لِأَحْمَدَ فِي الْحَلِفِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً لِأَنَّهُ قَالَ: تَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ أَحَدُ رُكْنَيْ الشَّهَادَةِ كَاسْمِ اللَّهِ.
اهـ. دَمِيرِيٌّ.
وَقَالَ ع ش: يَنْبَغِي لِلْحَالِفِ أَنْ لَا يَتَسَاهَلَ فِي الْحَلِفِ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكَوْنِهِ غَيْرَ
قَصْدِهِ بَلْ يُكْرَهُ الْحَلِفُ بِهِ إلَّا أَنْ يَسْبِقَ إلَيْهِ لِسَانُهُ، وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ، أَوْ مِنْ اللَّهِ أَوْ مِنْ رَسُولِهِ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ وَلَا يُكَفِّرُ بِهِ إنْ أَرَادَ تَبْعِيدَ نَفْسِهِ عَنْ الْفِعْلِ أَوْ أَطْلَقَ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَذْكَارِ وَلِيَقُلْ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى وَإِنْ قَصَدَ الرِّضَا بِذَلِكَ إذَا فَعَلَهُ فَهُوَ كَافِرٌ فِي الْحَالِ.
تَنْبِيهٌ: تَصِحُّ الْيَمِينُ عَلَى مَاضٍ وَغَيْرِهِ وَتُكْرَهُ إلَّا فِي طَاعَةٍ وَفِي دَعْوَى مَعَ صِدْقٍ عِنْدَ حَاكِمٍ وَفِي حَاجَةٍ كَتَوْكِيدِ كَلَامٍ فَإِنْ حَلَفَ عَلَى ارْتِكَابِ مَعْصِيَةٍ عَصَى بِحَلِفِهِ، وَلَزِمَهُ حِنْثٌ وَكَفَّارَةٌ.
أَوْ عَلَى تَرْكِ أَوْ فِعْلِ مُبَاحٍ سُنَّ تَرْكُ حِنْثِهِ أَوْ عَلَى تَرْكِ مَنْدُوبٍ أَوْ فِعْلِ مَكْرُوهٍ سُنَّ حِنْثُهُ وَعَلَيْهِ بِالْحِنْثِ كَفَّارَةٌ أَوْ عَلَى فِعْلِ مَنْدُوبٍ أَوْ تَرْكِ مَكْرُوهٍ، كُرِهَ حِنْثُهُ وَلَهُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةٍ بِلَا صَوْمٍ عَلَى أَحَدِ سَبَبَيْهَا كَمَنْذُورٍ مَالِيٍّ.
(وَمَنْ حَلَفَ بِصَدَقَةِ مَالِهِ) كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمَالِي إنْ فَعَلْت كَذَا أَوْ أُعْتِقَ عَبْدِي.
[حاشية البجيرمي]
مُوجِبٍ لِلْكَفَّارَةِ لَا سِيَّمَا إذَا حَلَفَ عَلَى نِيَّةِ أَنْ لَا يَفْعَلَ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يَجُرُّ إلَى الْكُفْرِ لِعَدَمِ تَعْظِيمِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالِاسْتِخْفَافِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُكَفِّرُ) : وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ حَتَّى فِي حَالِ الْإِطْلَاقِ رَوْضٌ، وَيُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ مُطْلَقًا وَلَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ مُطْلَقًا.
وَإِنْ قَصَدَ الْيَمِينَ وَالتَّفْصِيلَ إنَّمَا هُوَ فِي الْكُفْرِ وَلَوْ مَاتَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ قَصْدٌ حُكِمَ بِكُفْرِهِ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ تَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِهِ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ الْإِسْنَوِيُّ لِأَنَّ اللَّفْظَ بِوَضْعِهِ يَقْتَضِيهِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْأَذْكَارِ خِلَافُهُ وَهُوَ الصَّوَابُ الْمُعْتَمَدُ.
تَنْبِيهٌ: مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْعَوَامّ مِنْ طَلَبِ الْخَصْمِ لِيَحْلِفَ عِنْدَ قَبْرِ وَلِيٍّ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا يُعَدُّ بِامْتِنَاعِهِ نَاكِلًا بَلْ الظَّاهِرُ حُرْمَةُ ذَلِكَ.
رَحْمَانِيٌّ قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْقَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ فِيهِ حَذْفًا وَالتَّقْدِيرُ وَرَبِّ الشَّمْسِ وَنَحْوِهِ، وَالثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِاَللَّهِ فَإِذَا أَرَادَ تَعْظِيمَ شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ أَقْسَمَ بِهِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ ذَلِكَ اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَلْيَقُلْ) أَيْ نَدْبًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي نُكَتِهِ وَأَوْجَبَ صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ ذَلِكَ.
اهـ. ز ي.
قَوْلُهُ: (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) وَالْأَوْلَى الْإِتْيَانُ بِأَشْهَدُ بَلْ يَتَعَيَّنُ إنْ كَانَ كُفْرًا ق ل وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر. وَإِذَا لَمْ يُكَفِّرْ نُدِبَ لَهُ الِاسْتِغْفَارُ وَيَقُولُ كَذَلِكَ: " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " وَحَذْفُهُمْ أَشْهَدُ هُنَا لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ فِي الْإِسْلَامِ الْحَقِيقِيِّ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيمَا هُوَ لِلِاحْتِيَاطِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهِ أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِتْيَانِ بِأَشْهَدُ كَمَا فِي رِوَايَةِ " أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ".
قَوْلُهُ: (وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ) أَيْ كَأَنْ يَقُولَ: " أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إلَيْهِ " وَهِيَ أَكْمَلُ مِنْ غَيْرِهَا.
اهـ. ع ش عَلَى م ر
قَوْلُهُ: (وَتُكْرَهُ) أَيْ الْيَمِينُ أَيْ فِي الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ صَادِقًا كَانَ أَوْ كَاذِبًا مَاضِيًا كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلًا فِعْلًا أَوْ تَرْكًا وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُمْ: الْيَمِينُ الْغَمُوسُ كَبِيرَةٌ هُوَ مِنْ حَيْثُ اقْتِطَاعُ الْمَالِ بِهَا لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا فَرَاجِعْ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا كُرِهَتْ الْيَمِينُ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَعْجِزُ عَنْ الْوَفَاءِ بِهَا وَلِكَثْرَةِ تَوَلُّعِ الشَّيْطَانِ بِهِ الْمُوقِعِ لَهُ فِي النَّدَمِ كَمَا فِي حَدِيثِ «الْحَلِفُ حِنْثٌ أَوْ نَدَمٌ» قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا حَلَفْت بِاَللَّهِ صَادِقًا وَلَا كَاذِبًا قَطُّ أَيْ لَا قَبْلَ الْبُلُوغِ وَلَا بَعْدَهُ ق ل وع ش.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةٍ) أَفْهَمَ قَوْلُهُ: وَلَهُ أَنَّ الْأَوْلَى التَّأْخِيرُ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ، سم أَمَّا تَقْدِيمُهَا عَلَى الْيَمِينِ فَيَمْتَنِعُ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَا مُقَارَنَتُهَا لِلْيَمِينِ كَمَا لَوْ وَكَّلَ مَنْ يُعْتِقُ عَنْهَا مَعَ شُرُوعِهِ فِي الْيَمِينِ وَإِذَا قَدَّمَهَا عَلَى الْحِنْثِ وَلَمْ يَحْنَثْ اسْتَرْجَعَ كَالزَّكَاةِ أَيْ إنْ شَرَطَهُ، أَوْ عَلِمَ الْقَابِضُ أَنَّهَا مُعَجَّلَةٌ، وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ أَعْتَقَ ثُمَّ مَاتَ مَثَلًا قَبْلَ حِنْثِهِ وَقَعَ تَطَوُّعًا كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ، لِتَعَذُّرِ الِاسْتِرْجَاعِ فِيهِ م ر وع ن. وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي فِي الْكَفَّارَةِ إذْ التَّقْدِيمُ وَصْفٌ مِنْ أَوْصَافِهَا كَمَا لَا يَخْفَى.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَحَدِ سَبَبَيْهَا) أَيْ إنْ كَانَ لَهَا سَبَبَانِ فَإِنْ كَانَ لَهَا سَبَبٌ وَاحِدٌ كَكَفَّارَةِ الْجِمَاعِ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ سم.
قَوْلُهُ: (كَمَنْذُورٍ مَالِيٍّ) فَالنَّذْرُ سَبَبٌ أَوَّلُ وَالشِّفَاءُ سَبَبٌ ثَانٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ حَلَفَ بِصَدَقَةٍ) الْمُرَادُ بِهِ النَّذْرُ الَّذِي لَهُ حُكْمُ الْحَلِفِ وَهُوَ نَذْرُ اللَّجَاجِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّارِحِ، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَذْكُرَ هَذَا فِي فَصْلِ النَّذْرِ.
وَيُسَمَّى نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَمِنْ صُوَرِهِ مَا إذَا قَالَ: الْعِتْقُ يَلْزَمُنِي مَا أَفْعَلُ كَذَا.
(فَهُوَ مُخَيَّرٌ) عَلَى أَظْهَرْ الْأَقْوَالِ (بَيْنَ) فِعْلِ (الصَّدَقَةِ) الَّتِي الْتَزَمَهَا أَوْ الْعِتْقِ الَّذِي الْتَزَمَهُ.
(وَ) بَيْنَ فِعْلِ (الْكَفَّارَةِ) عَنْ الْيَمِينِ الْآتِي بَيَانُهُ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» وَهِيَ لَا تَكْفِي فِي نَذْرِ التَّبَرُّرِ بِالِاتِّفَاقِ فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى نَذْرِ اللَّجَاجِ.
وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ كَفَّارَةُ نَذْرٍ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْيَمِينِ فِي الْأُولَى وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ السَّابِقِ فِي الثَّانِيَةِ وَلَوْ قَالَ: فَعَلَيَّ يَمِينٌ فَلَغْوٌ أَوْ فَعَلَيَّ نَذْرٌ صَحَّ وَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ قُرْبَةٍ وَكَفَّارَةِ يَمِينٍ.
(وَلَا شَيْءَ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] أَيْ قَصَدْتُمْ بِدَلِيلِ الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: 225] ، وَلَغْوُ الْيَمِينِ هُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: " قَوْلُ الرَّجُلِ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، كَأَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي حَالِ غَضَبٍ أَوْ لَجَاجٍ أَوْ صِلَةِ كَلَامٍ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَالْمُرَادُ بِتَفْسِيرِ لَغْوِ الْيَمِينِ بِلَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ عَلَى الْبَلَدِ لَا عَلَى الْجَمْعِ.
أَمَّا لَوْ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: كَانَتْ الْأُولَى لَغْوًا وَالثَّانِيَةُ مُنْعَقِدَةً لِأَنَّهَا اسْتِدْرَاكٌ فَصَارَتْ مَقْصُودَةً.
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ فَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى غَيْرِهِ كَانَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ وَجَعَلَ صَاحِبُ الْكَافِي مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ مَا إذَا دَخَلَ عَلَى صَاحِبِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَقُومَ لَهُ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا تَقُومُ لِي وَهُوَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى.
(وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا) مُعَيَّنًا كَأَنْ لَا يَبِيعَ أَوْ لَا يَشْتَرِيَ (فَفَعَلَ) شَيْئًا (غَيْرَهُ لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ.
أَمَّا إذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِأَنْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى بِنَفْسِهِ بِوِلَايَةٍ أَوْ وَكَالَةٍ فَإِنْ كَانَ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَيُسَمَّى نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ) وَضَابِطُهُ: أَنْ يُعَلِّقَ الْقُرْبَةَ بِحَثٍّ أَوْ مَنْعٍ أَوْ تَحْقِيقِ خَبَرٍ كَقَوْلِهِ فِي الْحَثِّ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ وَفِي الْمَنْعِ إنْ فَعَلْتُهُ فَعَلَيَّ ذَلِكَ وَفِي تَحْقِيقِ الْخَبَرِ: إنْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَمَا قُلْتُهُ فَعَلَيَّ عِتْقٌ بِخِلَافِ نَذْرِ التَّبَرُّرِ.
فَإِنَّهُ الْتِزَامُ قُرْبَةٍ بِلَا تَعْلِيقٍ أَوْ مُعَلَّقَةٍ عَلَى تَجْدِيدِ نِعْمَةٍ أَوْ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ كَقَوْلِهِ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ فَالْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ فِي نَذْرِ التَّبَرُّرِ مَحْبُوبٌ وَالْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ مَبْغُوضٌ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ) أَيْ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ فِي الصُّورَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ) ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِيَةُ مُنْعَقِدَةٌ) وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَلَفَ) أَيْ أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ فَسَبَقَ إلَخْ كَأَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا فَسَبَقَ لِسَانُهُ إلَى عَمْرٍو وَيُصَدَّقُ مُدَّعِي عَدَمِ قَصْدِهَا حَيْثُ لَا قَرِينَةَ بِكَذِبِهِ وَإِلَّا لَمْ يُصَدَّقْ ظَاهِرًا كَمَا لَا يُصَدَّقُ ظَاهِرًا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْإِيلَاءِ مُطْلَقًا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ ابْنُ حَجَرٍ سم.
قَوْلُهُ: (وَجَعَلَ صَاحِبُ الْكَافِي) ضَعَّفَهُ م ر ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ إنْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ الْيَمِينِ قُبِلَ مِنْهُ ذَلِكَ وَعِبَارَتُهُ وَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي مِنْ أَنَّ مِنْ ذَلِكَ أَيْ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ مَا لَوْ دَخَلَ عَلَى صَاحِبِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَقُومَ لَهُ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا تَقُومُ لِي فَقَامَ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّهُ إنْ قَصَدَ بِهِ الْيَمِينَ فَوَاضِحٌ حِنْثُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْيَمِينَ فَعَلَى مَا مَرَّ فِي قَوْلِهِ: لَمْ أُرِدْ بِهِ الْيَمِينَ بَلْ الشَّفَاعَةَ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا) اُنْظُرْ حِكْمَةَ التَّنْبِيهِ عَلَى هَذِهِ مَعَ أَنَّهَا مَعْلُومَةٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ.
وَقَدْ يُقَالُ: ذَكَرَهَا تَوْطِئَةً لِمَفْهُومِهَا فَإِنَّ حُكْمَهُ فِيهِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ الْفِعْلِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا فَيَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ.
قَوْلُهُ: (بِوِلَايَةٍ أَوْ وَكَالَةٍ) الْمُرَادُ أَنَّهُ بَاعَ مَالَ مُوَلِّيهِ أَوْ مُوَكِّلِهِ أَوْ اشْتَرَى بِهِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَحْنَثْ) وَحُكْمُ الْيَمِينِ بَاقٍ حَتَّى لَوْ أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَامِدًا حَنِثَ وَإِنْ قَالَ لَا أُفَارِقُ غَرِيمِي أَيْ حَتَّى يُوفِيَنِي فَهَرَبَ مِنْهُ أَيْ قَبْلَ الْوَفَاءِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُ وَسَوَاءٌ أَمْكَنَهُ اتِّبَاعُهُ أَوْ إمْسَاكُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ أَمْ لَا فِي الْأَصَحِّ وَكَذَا لَوْ فَارَقَهُ بِإِذْنِهِ عَلَى الْأَصَحِّ خِلَافًا لِابْنِ كَجٍّ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الشَّيْخِ وَالْمَاوَرْدِيِّ حَيْثُ قَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ بِالْهَرَبِ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا صَوَّرَهَا بِالْفِرَارِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ وَالْمُرَادُ بِالْمُفَارَقَةِ هُنَا مَا يَقْطَعُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ.
اهـ. شَرْحُ التَّنْبِيهِ لِابْنِ الْمُلَقِّنِ.
عَالِمًا مُخْتَارًا حَنِثَ أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُكْرَهًا لَمْ يَحْنَثْ؛ وَمِنْ صُوَرِ الْفِعْلِ جَاهِلًا أَنْ يَدْخُلَ دَارًا لَا يَعْرِفُ أَنَّهَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا، أَوْ حَلَفَ لَا يُسَلِّمُ عَلَى زَيْدٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فِي ظُلْمَةٍ وَلَا يَعْرِفُ أَنَّهُ زَيْدٌ قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
تَنْبِيهٌ: مُطْلَقُ الْحَلِفِ عَلَى الْعُقُودِ يُنَزَّلُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهَا فَلَا يَحْنَثُ بِالْفَاسِدِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَلَمْ يُخَالِفْ الشَّافِعِيُّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا إذَا أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ فَنَكَحَ فَاسِدًا فَإِنَّهُ أَوْجَبَ فِيهَا الْمَهْرَ، كَمَا يَجِبُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ وَكَذَا الْعِبَادَاتُ لَا يُسْتَثْنَى مِنْهَا إلَّا الْحَجُّ الْفَاسِدُ.
فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ وَلَوْ أَضَافَ الْعَقْدَ إلَى مَا لَا يَقْبَلُهُ كَأَنْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ الْخَمْرَ وَلَا الْمُسْتَوْلَدَةَ ثُمَّ أَتَى بِصُورَةِ الْبَيْعِ، فَإِنْ قَصَدَ التَّلَفُّظَ بِلَفْظِ الْعَقْدِ مُضَافًا إلَى مَا ذَكَرَهُ حَنِثَ وَإِنْ أَطْلَقَ فَلَا.
(وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا) كَأَنْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يُزَوِّجُ مُوَلِّيَتَهُ أَوْ لَا يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ أَوْ لَا يُعْتِقُ عَبْدَهُ أَوْ لَا يَضْرِبُ غُلَامَهُ.
(فَأَمَرَ غَيْرَهُ) بِفِعْلِهِ (فَفَعَلَهُ) وَكِيلُهُ.
وَلَوْ مَعَ حُضُورِهِ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْحَالِفُ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ فَيَحْنَثُ بِفِعْلِ وَكِيلِهِ فِيمَا ذُكِرَ عَمَلًا بِإِرَادَتِهِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ وَلَا يُوَكِّلُ وَكَانَ وَكَّلَ قَبْلَ ذَلِكَ بِبَيْعِ مَالِهِ فَبَاعَ الْوَكِيلُ بَعْدَ يَمِينِهِ بِالْوَكَالَةِ السَّابِقَةِ فَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْيَمِينِ لَمْ يُبَاشِرْ وَلَمْ يُوَكِّلْ وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَا تَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ.
وَكَانَ أَذِنَ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْخُرُوجِ إلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ فَخَرَجَتْ إلَيْهِ بَعْدَ الْيَمِينِ لَمْ يَحْنَثْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُعْتِقُ عَبْدَهُ فَكَاتَبَهُ وَعَتَقَ بِالْأَدَاءِ لَمْ يَحْنَثْ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ.
وَأَقَرَّاهُ وَإِنْ صَوَّبَ فِي الْمُهِمَّاتِ الْحِنْثَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ حَنِثَ بِعَقْدِ وَكِيلِهِ لَهُ لَا بِقَبُولِ الْحَالِفِ النِّكَاحَ لِغَيْرِهِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي النِّكَاحِ سَفِيرٌ مَحْضٌ، وَلِهَذَا يَجِبُ
[حاشية البجيرمي]
فَرْعٌ: حَلَفَ بِاَللَّهِ لَا يَأْكُلُ كَذَا فَابْتَلَعَهُ حَنِثَ سَوَاءٌ مَضَغَهُ أَمْ لَا وَهَذَا بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ بِالْبَلْعِ مِنْ غَيْرِ مَضْغٍ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَيْمَانَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعُرْفُ يَعُدُّ الْبَالِعَ آكِلًا وَلِهَذَا يُقَالُ فُلَانٌ يَأْكُلُ الْحَشِيشَةَ وَالْبَرْشَ مَعَ أَنَّهُ يَبْلَعُهُمَا ابْتِدَاءً وَالطَّلَاقُ مَبْنِيٌّ عَلَى اتِّبَاعِ اللَّفْظِ.
اهـ. ز ي وَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَافِرُ بَحْرًا شَمِلَ ذَلِكَ النَّهْرَ الْعَظِيمَ.
كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ فَقَدْ صَرَّحَ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ.
بِأَنَّهُ يُسَمَّى بَحْرًا فَإِنْ حَلَفَ لَيُسَافِرَنَّ بَرًّا بِقَصِيرِ السَّفَرِ وَالْأَقْرَبُ الِاكْتِفَاءُ بِوُصُولِهِ مَحَلًّا يَتَرَخَّصُ مِنْهُ الْمُسَافِرُ وَإِنَّمَا قَيَّدُوا ذَلِكَ بِمَا يَتَنَقَّلُ فِيهِ الْمُسَافِرُ عَلَى الدَّابَّةِ بِأَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ تُجَوِّزُهَا الْحَاجَةُ وَلَا حَاجَةَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ اهـ م ر.
قَوْلُهُ: (هَذِهِ الْقَاعِدَةُ) وَهِيَ أَنَّ مُطْلَقَ الْعُقُودِ يُنَزَّلُ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا الشَّارِحُ بِعِنْوَانِ الْقَاعِدَةِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (إلَّا فِي الْمَسْأَلَةِ) فِيهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْحَلِفِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ وَقَالَ ق ل قَوْلُهُ: إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْحَلِفِ وَالْمَهْرُ وَجَبَ بِالْوَطْءِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أُذِنَ مِنْ السَّيِّدِ اهـ فَهِيَ دَخِيلَةٌ هُنَا.
قَوْلُهُ: (أَوْجَبَ فِيهَا الْمَهْرَ) أَيْ فِي كَسْبِهِ.
قَوْلُهُ: (الْعِبَادَاتُ) بِأَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُصَلِّي أَوْ لَا أَحُجُّ.
قَوْلُهُ: (الْفَاسِدُ) أَيْ ابْتِدَاءً أَوْ دَوَامًا م ر.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَحْنَثْ) ضَعِيفٌ فِي الْأُولَى وَهِيَ مَا إذَا حَلَفَ أَنْ لَا يُزَوِّجَ مُوَلِّيَتَهُ إلَخْ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ يَمْنَعُ مِنْ الْحِنْثِ إلَّا التَّوْكِيلُ فِي الزَّوَاجِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَحْنَثْ) اعْتَمَدَ م ر الْحِنْثَ وَاعْتَمَدَ فِيمَا قَبْلَهَا عَدَمَ الْحِنْثِ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْإِذْنَ فِي قَوْلِهِ: لَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِ مَعْنَاهُ الْإِذْنُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَصَارَ مَانِعًا لَهَا مِنْ الْخُرُوجِ بِدُونِ إذْنٍ جَدِيدٍ كَمَا أَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ لَا يَبِيعُ وَلَا يُوَكِّلُ لَا يَحْنَثُ بِبَيْعِ وَكِيلِهِ بِوَكَالَةٍ سَابِقَةٍ لِعَدَمِ وَكَالَةٍ جَدِيدَةٍ لِأَنَّهَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا دُونَ السَّابِقَةِ م د.
قَوْلُهُ: (فَكَاتَبَهُ) أَيْ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ) هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِ الْمَتْنِ: وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَفَعَلَهُ لَمْ يَحْنَثْ فَكَأَنَّهُ قَالَ: فِعْلُ الْغَيْرِ لَا يَحْنَثُ بِهِ إلَّا فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (حَنِثَ بِعَقْدِ وَكِيلِهِ) أَيْ مَا لَمْ يَقْصِدْ أَنَّهُ يَتَعَاطَى الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ فَإِنْ قَصَدَ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ بِفِعْلِ وَكِيلِهِ نَعَمْ إنْ نَوَى بِالنِّكَاحِ الْوَطْءَ لَمْ يَحْنَثْ بِعَقْدِ وَكِيلِهِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ الْمَجَازَ يَتَقَوَّى بِالنِّيَّةِ شَرْحُ م ر أج.
فَرْعٌ: حَلَفَ لَا يَطَأُ فُلَانَةَ فَوَطِئَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْأَوْجَهِ لِابْنِ الْمُلَقِّنِ
تَسْمِيَةُ الْمُوَكِّلِ وَهَذَا مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْمِنْهَاجِ تَبَعًا لِأَصْلِهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَصَحَّحَ فِي التَّنْبِيهِ عَدَمَ الْحِنْثِ وَأَقَرَّهُ النَّوَوِيُّ عَلَيْهِ فِي تَصْحِيحِهِ.
وَصَحَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْمِنْهَاجِ نَاقِلًا لَهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ: إنَّ مَا فِي الْمِنْهَاجِ مِنْ الْحِنْثِ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلِقَاعِدَتِهِ وَلِلدَّلِيلِ وَلِمَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ.
وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِي التَّوْكِيلِ فِي الرَّجْعَةِ فِيمَا إذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَا يُرَاجِعُهَا فَوَكَّلَ مَنْ يُرَاجِعُهَا.
فُرُوعٌ: لَوْ حَلَفَتْ الْمَرْأَةُ بِأَنْ لَا تَتَزَوَّجَ فَعَقَدَ عَلَيْهَا وَلِيُّهَا نُظِرَ إنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً فَعَلَى قَوْلَيْ الْمُكْرَهِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُجْبَرَةٍ وَأَذِنَتْ فِي التَّزْوِيجِ فَزَوَّجَهَا الْوَلِيُّ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَذِنَ الزَّوْجُ، لِمَنْ يُزَوِّجُهُ وَلَوْ حَلَفَ الْأَمِيرُ لَا يَضْرِبُ زَيْدًا فَأَمَرَ الْجَلَّادَ بِضَرْبِهِ فَضَرَبَهُ لَمْ يَحْنَثْ أَوْ حَلَفَ لَا يَبْنِي بَيْتَهُ فَأَمَرَ الْبَنَّاءَ بِبِنَائِهِ فَبَنَاهُ.
فَكَذَلِكَ أَوْ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ، فَأَمَرَ حَلَّاقًا فَحَلَقَهُ لَمْ يَحْنَثْ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي لِعَدَمِ فِعْلِهِ وَقِيلَ: يَحْنَثُ لِلْعُرْفِ وَجَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ مِنْ شَرْحَيْهِ وَصَحَّحَهُ الْإِسْنَوِيُّ، أَوْ لَا يَبِيعُ مَالَ زَيْدٍ فَبَاعَهُ بَيْعًا صَحِيحًا بِأَنْ بَاعَهُ بِإِذْنِهِ أَوْ لِظَفَرٍ بِهِ أَوْ إذْنَ حَاكِمٍ، لِحَجْرٍ أَوْ امْتِنَاعٍ أَوْ إذْنِ وَلِيٍّ لِصِغَرٍ أَوْ لِحَجْرٍ أَوْ جُنُونٍ حَنِثَ لِصِدْقِ اسْمِ الْبَيْعِ بِمَا ذُكِرَ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ لِي زَيْدٌ مَالًا فَبَاعَهُ زَيْدٌ حَنِثَ الْحَالِفُ سَوَاءٌ أَعَلِمَ زَيْدٌ أَنَّهُ مَالُ الْحَالِفِ أَمْ لَا لِأَنَّ الْيَمِينَ مُنْعَقِدَةٌ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ زَيْدٍ وَقَدْ فَعَلَ بِاخْتِيَارِهِ، وَالْجَهْلُ أَوْ النِّسْيَانُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُبَاشِرِ لِلْفِعْلِ لَا فِي غَيْرِهِ، وَوَقْتُ الْغَدَاءِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى الزَّوَالِ، وَوَقْتُ الْعِشَاءِ مِنْ الزَّوَالِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَقَدْرُهُمَا أَنْ يَأْكُلَ فَوْقَ نِصْفِ الشِّبَعِ، وَوَقْتُ السُّحُورِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ
وَلَوْ
[حاشية البجيرمي]
فَرْعٌ: حَلَفَ لَا يَكْتُبُ بِهَذَا الْقَلَمِ فَكَسَرَهُ ثُمَّ بَرَاهُ وَكَتَبَ بِهِ لَمْ يَحْنَثْ قَالَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَادَّعَى الرَّافِعِيُّ أَنَّ أُصُولَنَا تُخَالِفُهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ لِأَنَّ الْقَلَمَ اسْمٌ لِلْمَبْرِيِّ دُونَ الْقَصَبَةِ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ الْقَصَبَةُ قَبْلَ الْبَرْيِ قَلَمًا مَجَازًا لَا حَقِيقَةً.
فَرْعٌ: قَالَ الدَّمِيرِيُّ: فِي رَجُلٍ لَهُ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ فَقَالَ: إنْ لَمْ أَقْبِضْ مِنْك الْيَوْمَ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، فَقَالَ صَاحِبُهُ: إنْ أَعْطَيْتُك الْيَوْمَ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ.
طَرِيقُهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ صَاحِبُهُ جَبْرًا عَلَيْهِ فَلَا يَحْنَثَانِ اهـ خ ض.
قَوْلُهُ: (سَفِيرٌ) أَيْ وَاسِطَةٌ وَقَوْلُهُ: مَحْضٌ أَيْ خَالِصٌ لَا يَقَعُ الْعَقْدُ لَهُ أَصْلًا.
قَوْلُهُ: (لِمُقْتَضَى نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ) أَيْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يَحْنَثُ بِعَقْدِ وَكِيلِهِ أَخْذًا بِعُمُومِ كَوْنِ الْحَلِفِ لَا يَشْمَلُ فِعْلَ الْغَيْرِ.
وَقَوْلُهُ: وَلِقَاعِدَتِهِ أَيْ الَّتِي فِي الْمَتْنِ وَقَوْلُهُ: وَلِلدَّلِيلِ هُوَ قَوْلُ الشَّارِحِ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ.
قَوْلُهُ: (فَوَكَّلَ مَنْ يُرَاجِعُهَا) أَيْ سَوَاءٌ قُلْنَا الرَّجْعَةُ ابْتِدَاءُ نِكَاحٍ أَمْ اسْتِدَامَةٌ.
فَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَحْنَثُ.
قَوْلُهُ: (فُرُوعٌ) أَيْ أَحَدَ عَشَرَ وَغَالِبُهَا مِنْ قَبِيلِ مَنْطُوقِ كَلَامِ الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (فَعَلَى قَوْلَيْ الْمُكْرَهِ) أَيْ فَالْحِنْثُ وَعَدَمُهُ مَبْنِيَّانِ عَلَى قَوْلَيْ الْمُكْرَهِ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي الْمُكْرَهِ إذَا أُكْرِهَ، عَلَى الْحِنْثِ أَمَّا إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْحَلِفِ ثُمَّ فَعَلَ لَا يَحْنَثُ قَوْلًا وَاحِدًا لِعَدَمِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ وَهَذَا هُوَ الْفَرْعُ الْأَوَّلُ وَقَوْلُهُ: وَلَوْ حَلَفَ الْأَمِيرُ هُوَ الثَّانِي وَقَوْلُهُ: وَلَوْ حَلَفَ لَا يَبْنِي هُوَ الثَّالِثُ وَقَوْلُهُ: أَوْ لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ هُوَ الرَّابِعُ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ لَا يَبِيعُ هُوَ الْخَامِسُ.
وَقَوْلُهُ: وَلَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ مَالَ زَيْدٍ هُوَ السَّادِسُ.
وَقَوْلُهُ: وَوَقْتُ الْغَدَاءِ سَابِعٌ.
وَوَقْتُ الْعِشَاءِ ثَامِنٌ.
وَقَدْرُهُمَا أَنْ لَا يَأْكُلَ تَاسِعٌ.
وَقَوْلُهُ: وَوَقْتُ السُّحُورِ عَاشِرٌ.
وَقَوْلُهُ: وَلَوْ حَلَفَ إلَخْ الْحَادِيَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ أَذِنَ الزَّوْجُ) أَيْ فَيَحْنَثُ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَ الْبَنَّاءَ بِبِنَائِهِ إلَخْ) كُلُّ هَذَا دَاخِلٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (لِي) صِفَةٌ لَمَالًا أَيْ لَا يَبِيعُ زَيْدٌ مَالًا كَائِنًا لِي.
قَوْلُهُ: (إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُبَاشِرِ إلَخْ) أَيْ فِي الْحَالِفِ الْمُبَاشِرِ إلَخْ وَفِيهِ: أَنَّهُمَا اعْتَبَرَا فِي الَّذِي يُبَالِي بِتَعْلِيقِهِ كَمَا ذَكَرَهُ: فِي الطَّلَاقِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الرَّوْضِ.
قَالَ: وَمَحَلُّ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَقْصِدْ مَنْعَ زَيْدٍ فَإِنْ قَصَدَ مَنْعَهُ فَيَأْتِي فِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَارُّ فِي الطَّلَاقِ اهـ. أَيْ مِنْ كَوْنِ زَيْدٍ يُبَالِي بِحِنْثِهِ وَكَوْنِهِ قَصَدَ إعْلَامَهُ أَوْ لَا.
قَوْلُهُ: (وَوَقْتُ
حَلَفَ لَيُثْنِيَنَّ عَلَى اللَّهِ أَحْسَنَ الثَّنَاءِ وَأَعْظَمَهُ أَوْ أَجَلَّهُ.
فَلْيَقُلْ: " لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك " أَوْ لَيَحْمَدَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِمَجَامِعِ الْحَمْدِ أَوْ بِأَجَلِّ التَّحَامِيدِ فَلْيَقُلْ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ " وَهُنَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ ذَكَرْتهَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ لَا يَحْتَمِلُهَا هَذَا الْمُخْتَصَرُ وَفِيمَا ذَكَرْته كِفَايَةً لِأُولِي الْأَلْبَابِ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي صِفَةِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَاخْتَصَّتْ مِنْ بَيْنِ الْكَفَّارَاتِ بِكَوْنِهَا مُخَيَّرَةً فِي الِابْتِدَاءِ مُرَتَّبَةً فِي الِانْتِهَاءِ وَالصَّحِيحُ فِي سَبَبِ وُجُوبِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْحِنْثُ وَالْيَمِينُ مَعًا فَقَالَ: (وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ هُوَ) أَيْ الْمُكَفِّرُ الْحُرُّ الرَّشِيدُ وَلَوْ كَافِرًا (مُخَيَّرٌ فِيهَا) ابْتِدَاءً (بَيْنَ)
[حاشية البجيرمي]
الْغَدَاءِ إلَخْ) أَيْ فِيمَا لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَتَغَدَّى بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا إذَا شَبِعَ قَبْلَ الزَّوَالِ.
قَوْلُهُ: (لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك) أَيْ لَا أَقْدِرُ عَلَى إحْصَائِهِ.
وَقَوْلُهُ أَنْتَ تَوْكِيدٌ لِلْكَافِ فَيَكُونُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ:
وَمُضْمَرُ الرَّفْعِ الَّذِي قَدْ انْفَصَلْ ... أَكِّدْ بِهِ كُلَّ ضَمِيرٍ اتَّصَلْ
فَقَوْلُهُ: كَمَا أَثْنَيْت الْكَافَ بِمَعْنَى مِثْلُ وَهِيَ صِفَةٌ لِثَنَاءٍ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ مُؤَوَّلَةٌ مَعَ مَدْخُولِهَا بِمَصْدَرٍ أَيْ مِثْلُ ثَنَائِك عَلَى نَفْسِك وَإِذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إحْصَائِهِ فَلَا يُطِيقُهُ وَكَتَبَ بَعْضُهُمْ: لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَيْ لَا أُطِيقُ ثَنَاءً وَلَا أَضْبِطُ ثَنَاءً عَلَيْك بِمَعْنَى لَا أَقْدِرُ عَلَى ثَنَاءٍ عَلَيْك وَالتَّنْوِينُ فِي ثَنَاءً لِلتَّنْوِيعِ أَيْ نَوْعًا مَخْصُوصًا مِنْ الثَّنَاءِ وَهُوَ الَّذِي يَلِيقُ بِك وَمَا فِي كَمَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ لِثَنَائِك عَلَى نَفْسِك أَوْ مَوْصُولَةٌ أَيْ ثَنَاءً بِمَعْنَى الْمَثْنِيِّ بِهِ أَيْ كَاَلَّذِي أَثْنَيْت بِهِ عَلَى نَفْسِك فِي كَوْنِهِ قَطْعِيًّا تَفْصِيلِيًّا غَيْرَ مُتَنَاهٍ أَوْ مَوْصُوفَةٌ أَيْ مِثْلُ ثَنَاءٍ أَثْنَيْت بِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (فَلْيَقُلْ) : رُوِيَ " أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَّمَهُ لِآدَمَ وَقَالَ عَلَّمْتُك مَجَامِعَ الْحَمْدِ " قَوْلُهُ: (حَمْدًا) : مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ حَمِدْتُ حَمْدًا وَلَيْسَ مَعْمُولًا لِلْحَمْدِ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُخْبَرُ عَنْهُ قَبْلَ مَعْمُولِهِ.
وَقَوْلُهُ: يُوَافِي نِعَمَهُ أَيْ يُقَابِلُهَا بِحَيْثُ يَكُونُ بِقَدْرِهَا فَلَا تَقَعُ نِعْمَةٌ إلَّا مُقَابِلَةً لِهَذَا الْحَمْدِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْحَمْدُ بِإِزَاءِ جَمِيعِ النِّعَمِ.
وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ.
بِحَسَبِ مَا تَرَجَّاهُ وَإِلَّا فَكُلُّ نِعْمَةٍ تَحْتَاجُ إلَى حَمْدٍ مُسْتَقِلٍّ أَوْ يَجْعَلُ التَّنْوِينَ فِي حَمْدًا لِلتَّكْثِيرِ وَقَوْلُهُ: وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ أَيْ يُسَاوِي النِّعَمَ الزَّائِدَةَ مِنْ اللَّهِ.
وَالْمَزِيدُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مِنْ زَادَهُ اللَّهُ النِّعَمَ وَالضَّمِيرُ لِلَّهِ أَيْ مَزِيدُ اللَّهِ لِلنِّعَمِ؛ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَتَرَجَّى أَنْ يَكُونَ الْحَمْدُ الَّذِي أَتَى بِهِ مُوفِيًا بِحَقِّ النِّعَمِ الْحَاصِلَةِ بِالْفِعْلِ وَمُسَاوِيًا لِمَا يَزِيدُ مِنْهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّ الْمُكَافَأَةَ الْمُسَاوَاةُ اهـ وَلَوْ حَلَفَ لِيُصَلِّيَن عَلَيْهِ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ بَرَّ بِالصِّيغَةِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ الْإِبْرَاهِيمِيَّة.
وَاسْتُشْكِلَ بِعَدَمِ اشْتِمَالِهَا عَلَى السَّلَامِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا الْتَزَمَ الصَّلَاةَ م د.
فَرْعٌ: مَنْ صَلَّى فِي فَضَاءٍ مِنْ الْأَرْضِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَكَانَ مُنْفَرِدًا وَحَلَفَ أَنَّهُ صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «مَنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ فِي فَضَاءٍ مِنْ الْأَرْضِ وَصَلَّى وَحْدَهُ صَلَّتْ الْمَلَائِكَةُ خَلْفَهُ صُفُوفًا» فَإِذَا حَلَفَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا يَحْنَثُ.
فَرْعٌ: حَلَفَ لَا يُصَلِّي لَا يَحْنَثُ بِالْجِنَازَةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَعْهُودَةٍ قَالَهُ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ شَرْحِ التَّنْبِيهِ.
فَرْعٌ: وَلَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ مَثَلًا كَأَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الدَّارَ فَسَأَلَ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ فَقَالَ لَهُ: إذَا طَلَعْت مِنْ الْحَائِطِ لَا تَحْنَثُ، لِجَهْلِ الْمَسْئُولِ فَتَسَوَّرَ مِنْ الْحَائِطِ لَمْ يَحْنَثْ بِمَا فَعَلَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ لِاعْتِمَادِهِ عَلَى قَوْلِ الْمُخْبِرِ.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ وَفِي الْمَنْهَجِ وَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ حَنِثَ بِدُخُولِهِ، دَاخِلَ بَابِهَا حَتَّى دِهْلِيزِهَا.
وَلَوْ بِرِجْلِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا فَقَطْ لَا بِصُعُودِ سَطْحٍ مِنْ خَارِجِ الدَّارِ وَلَوْ مَحُوطًا لَمْ يُسَقَّفْ اهـ وَصُورَةُ السَّطْحِ أَنْ يَكُونَ لَهُ دَرَجٌ يَصْعَدُ عَلَيْهَا لَهُ خَارِجَ الدَّارِ.
اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ) مِنْ الْكَفْرِ بِفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَهُوَ السَّتْرُ وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى سَتْرِ جِسْمٍ بِجِسْمٍ آخَرَ فَمَا هُنَا مَجَازٌ أَوْ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَتَقَدَّمَ: أَنَّهَا جَابِرَةٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَزَاجِرَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِلْأَغْلَبِ.
إذْ لَا إثْمَ فِي نَحْوِ الْمُبَاحِ الْمَنْدُوبِ، ثُمَّ إنْ كَانَ عَقْدَ الْيَمِينِ طَاعَةٌ فَحَلَّهَا مَعْصِيَةٌ كَأَنْ لَا يَزْنِيَ ثُمَّ زَنَى.
قَوْلُهُ:
فِعْلٍ وَاحِدٍ مِنْ (ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ) وَهِيَ (عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) بِلَا عَيْبٍ يُخِلُّ بِعَمَلٍ أَوْ كَسْبٍ (أَوْ إطْعَامٍ) أَيْ تَمْلِيكٍ (عَشَرَةَ مَسَاكِينَ كُلُّ مِسْكِينٍ مُدٌّ) مِنْ جِنْسِ الْفِطْرَةِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ فِيهَا، (أَوْ كِسْوَتُهُمْ) بِمَا يُسَمَّى كِسْوَةً مِمَّا يُعْتَادُ لُبْسُهُ وَلَوْ ثَوْبًا أَوْ عِمَامَةً أَوْ إزَارًا أَوْ طَيْلَسَانًا، أَوْ مِنْدِيلًا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَعْرُوفُ الَّذِي يُحْمَلُ فِي الْيَدِ أَوْ مِقْنَعَةً أَوْ دِرْعًا مِنْ صُوفٍ
[حاشية البجيرمي]
الْحُرُّ) أَيْ كُلُّهُ لِأَنَّ الْمُبَعَّضَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْخَصْلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (مُخَيَّرٌ فِيهَا ابْتِدَاءً) قَالَ الْعَلَّامَةُ خَالِدٌ فِي شَرْحِ الْأَزْهَرِيَّةِ: وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْجَمِيعِ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّ الْجَمِيعَ هُوَ الْوَاجِبُ فِي الْكَفَّارَةِ اهـ. وَكَتَبَ عَلَيْهِ الشَّنَوَانِيُّ قَوْلُهُ: وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ فِيهِ نَظَرٌ وَمَا الْمَانِعُ مِنْ جَوَازِ الْجَمْعِ وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ إذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا مَعَ الِاعْتِقَادِ الْمَذْكُورِ أَوْ عَدَمِهِ وَقَعَ وَاحِدٌ مِنْهَا كَفَّارَةً فَقَطْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي التَّمْهِيدِ: لَوْ أَتَى بِخِصَالِ الْكَفَّارَةِ كُلِّهَا أُثِيبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَكِنَّ ثَوَابَ الْوَاجِبِ: أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ التَّطَوُّعِ.
وَلَا يَحْصُلُ ثَوَابُ الْوَاجِبِ إلَّا عَلَى أَعْلَاهَا إنْ تَفَاوَتَتْ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ يَحْصُلُ لَهُ ذَلِكَ.
فَإِضَافَةُ غَيْرِهِ إلَيْهِ لَا تَنْقُصُهُ، وَإِنْ تَسَاوَتْ فَعَلَى أَحَدِهَا وَإِنْ تَرَكَ الْجَمِيعَ عُوقِبَ عَلَى أَقَلِّهَا.
لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَأَجْزَأَ ذَكَرَهُ ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ فِي شَرْحِ الْمَعَالِمِ وَهُوَ حَسَنٌ اهـ. أَقُولُ: وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ وُقُوعِ وَاحِدٍ مِنْهَا كَفَّارَةً هُوَ مُسَلَّمٌ.
وَلَيْسَ هُوَ مَحَلُّ الْكَلَامِ فِيمَا لَوْ أَخْرَجَهَا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ الْجَمِيعَ كَفَّارَةٌ وَاجِبَةٌ.
وَهُوَ حَرَامٌ لِاعْتِقَادِ مَا لَيْسَ وَاجِبًا وَاجِبًا كَمَا لَوْ صَلَّى زِيَادَةً عَلَى الرَّوَاتِبِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ لِلشَّارِعِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (فِعْلٍ وَاحِدٍ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ وَإِبْقَاءُ الْمَتْنِ عَلَى حَالِهِ لِأَنَّ بَيْنَ لَا تُضَافُ إلَّا إلَى مُتَعَدِّدٍ.
قَوْلُهُ: (عِتْقُ رَقَبَةٍ) وَهُوَ أَفْضَلُهَا وَلَوْ فِي زَمَنِ الْغَلَاءِ وَبَحَثَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ الْإِطْعَامَ فِي زَمَنِ الْغَلَاءِ أَفْضَلُ.
ز ي وَشَرْحُ م ر. وَكَانَ الْأَوْلَى: أَنْ يُعَبِّرَ بِإِعْتَاقٍ بَدَلَ عِتْقٍ كَمَا عَبَّرَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْمَنْهَجِ قَالَ الشَّوْبَرِيُّ: وَلَمْ يَقُلْ عَتَقَ لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ فَنَوَاهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ لَمْ يَجُزْ اهـ.
قَوْلُهُ: (كُلَّ مِسْكِينٍ) أَيْ نَصِيبُ كُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ جِنْسِ الْفِطْرَةِ) أَيْ وَيَكُونُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ بَلَدِ الْحَالِفِ وَإِنْ كَانَ الْمُكَفِّرُ غَيْرَهُ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ.
وَالْمُرَادُ غَالِبُ قُوتِ السَّنَةِ ز ي. وَقَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْمُكَفِّرُ غَيْرَهُ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ أَيْ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِقُوتِ بَلَدِ الْمُؤَدَّى عَنْهُ حَجّ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْطِنًا بِبَلَدٍ فَأَيُّ بَلَدٍ أَخْرَجَ مِنْ قُوتِهَا أَجْزَأَ ز ي وَعِبَارَةُ م ر مِنْ غَالِبِ قُوتِ بَلَدِهِ أَيْ الْمُكَفِّرِ فَلَوْ أُذِنَ لِأَجْنَبِيٍّ فِي أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ اُعْتُبِرَ بَلَدُ الْمَأْذُونِ لَهُ لَا الْآذِنِ فِيمَا يَظْهَرُ وَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ قِيَاسَ مَا فِي الْفِطْرَةِ اعْتِبَارُ بَلَدِ الْمُكَفَّرِ عَنْهُ لِأَنَّ تِلْكَ طُهْرَةٌ لِلْبَدَنِ فَاعْتُبِرَ بَلَدُهُ وَلَا كَذَلِكَ هَذَا وَالْأَوْجَهُ اعْتِبَارُ بَلَدِ الْآذِنِ كَالْفِطْرَةِ.
قَوْلُهُ: (بِمَا يُسَمَّى كِسْوَةً) وَلَوْ مُتَنَجِّسًا أَوْ مِنْ جِلْدٍ أَوْ لِبَدٍ أَوْ فَرْوَةٍ حَيْثُ اُعْتِيدَ لُبْسُهُ بِأَنْ يُعْطِيَهُمْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ وَإِنْ فَاوَتَ بَيْنَهُمْ فِي الْكِسْوَةِ شَرْحُ م ر.
وَأَوْجَبَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، سَاتِرَ الْعَوْرَةِ ق ل، وَقَوْلُهُ: وَلَوْ مُتَنَجِّسًا لَكِنْ يَلْزَمُهُ إعْلَامُهُمْ بِهِ لِئَلَّا يُصَلُّوا فِيهِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَعْطَى غَيْرَهُ مِلْكًا أَوْ عَارِيَّةً مَثَلًا ثَوْبًا مَثَلًا بِهِ نَجَاسَةٌ خَفِيَّةٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا بِالنِّسْبَةِ لِاعْتِقَادِ الْآخِذِ عَلَيْهِ إعْلَامُهُ بِهَا حَذَرًا مِنْ أَنْ يُوقِعَهُ فِي صَلَاةٍ فَاسِدَةٍ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ: مَنْ رَأَى مُصَلِّيًا بِهِ نَجَسٌ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ أَيْ عِنْدَهُ لَزِمَهُ إعْلَامُهُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ طَيْلَسَانًا) : وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا يُغَطَّى بِهِ الرَّأْسُ مَعَ أَكْثَرِ الْوَجْهِ إنْ كَانَ مَعَهُ تَحْنِيكٌ أَيْ إدَارَةٌ عَلَى الْعُنُقِ قِيلَ لَهُ طَيْلَسَانٌ وَرُبَّمَا قِيلَ لَهُ: رِدَاءٌ مَجَازًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ تَحْنِيكٌ قِيلَ لَهُ: رِدَاءٌ وَقِنَاعٌ وَرُبَّمَا قِيلَ لَهُ مَجَازًا طَيْلَسَانٌ وَهُوَ مَا كَانَ شِعَارًا فِي الْقَدِيمِ لِقَاضِي الْقُضَاةِ الشَّافِعِيِّ خَاصَّةً قَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ صَارَ شِعَارًا لِلْعُلَمَاءِ وَمِنْ ثَمَّ صَارَ لُبْسُهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ مِنْ الْمَشَايِخِ كَالْإِفْتَاءِ وَالتَّدْرِيسِ فَكَانَ الشَّيْخُ يَكْتُبُ فِي إجَازَتِهِ وَقَدْ أَذِنْت لَهُ فِي لُبْسِ الطَّيْلَسَانِ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ بِالْأَهْلِيَّةِ وَمَا يُجْعَلُ عَلَى الْأَكْتَافِ دُونَ الرَّأْسِ يُقَالُ لَهُ: رِدَاءٌ فَقَطْ وَرُبَّمَا قِيلَ لَهُ: طَيْلَسَانٌ أَيْضًا مَجَازًا وَصَحَّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ «التَّقَنُّعُ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ» . وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الطَّيْلَسَانَ الْخَلْوَةُ الصُّغْرَى وَفِي حَدِيثٍ «لَا يُقَنَّعُ إلَّا مَنْ اسْتَكْمَلَ الْحِكْمَةَ فِي قَوْلِهِ وَفَعَلَهُ» وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ فُرْسَانِ الْعَرَبِ فِي الْمَوَاسِمِ وَالْجُمُوعِ كَالْأَسْوَاقِ.
وَأَوَّلُ مَنْ لَبِسَ الطَّيْلَسَانَ بِالْمَدِينَةِ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ
أَوْ غَيْرِهِ.
وَهُوَ قَمِيصٌ لَا كُمَّ لَهُ أَوْ مَلْبُوسًا لَمْ تَذْهَبْ قُوَّتُهُ، أَوْ لَمْ يَصْلُحْ لِلْمَدْفُوعِ لَهُ، كَقَمِيصِ صَغِيرٍ لِكَبِيرٍ لَا يَصْلُحُ لَهُ وَيَجُوزُ قُطْنٌ وَكَتَّانٌ وَحَرِيرٌ وَشَعْرٌ وَصُوفٌ مَنْسُوجٌ كُلٌّ مِنْهَا لِامْرَأَةٍ وَرَجُلٍ لِوُقُوعِ اسْمِ الْكِسْوَةِ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَا يُجْزِئُ جَدِيدٌ مُهَلْهَلُ النَّسْجِ إذَا كَانَ لُبْسُهُ لَا يَدُومُ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَدُومُ لُبْسُ الثَّوْبِ الْبَالِي لِضَعْفِ النَّفْعِ بِهِ وَلَا خُفٌّ وَلَا قُفَّازَانِ وَلَا مُكَعَّبٌ وَلَا مِنْطَقَةٌ وَلَا قَلَنْسُوَةٌ وَهِيَ مَا يُغَطَّى بِهَا الرَّأْسُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُسَمَّى كِسْوَةً كَدِرْعٍ مِنْ حَدِيدٍ.
وَتُجْزِئُ فَرْوَةٌ وَلَبَدٌ اُعْتِيدَ فِي الْبَلَدِ لُبْسُهُمَا وَلَا يُجْزِئُ التُّبَّانُ وَهُوَ سَرَاوِيلُ قَصِيرٌ لَا يَبْلُغُ الرُّكْبَةَ وَلَا الْخَاتَمُ وَلَا التِّكَّةُ وَالْعَرْقِيَّةُ.
وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ أَنَّهَا تَكْفِي وَرُدَّ بِأَنَّ الْقَلَنْسُوَةَ لَا تَكْفِي كَمَا مَرَّ وَهِيَ شَامِلَةٌ لَهَا وَيُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى الَّتِي تُجْعَلُ تَحْتَ الْبَرْذَعَةِ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَهُوَ أَوْلَى مِنْ مُخَالَفَتِهِ لِلْأَصْحَابِ وَلَا يُجْزِئُ نَجِسُ الْعَيْنِ.
وَيُجْزِئُ الْمُتَنَجِّسُ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَهُمْ بِنَجَاسَتِهِ وَيُجْزِئُ مَا غُسِلَ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الصَّلَاحِيَّةِ، كَالطَّعَامِ الْعَتِيقِ لِانْطِلَاقِ اسْمِ الْكِسْوَةِ عَلَيْهِ وَكَوْنِهِ يُرَدُّ فِي الْبَيْعِ لَا يُؤَثِّرُ فِي مَقْصُودِهَا كَالْعَيْبِ الَّذِي لَا يَضُرُّ بِالْعَمَلِ فِي الرَّقِيقِ وَيُنْدَبُ أَنْ يَكُونَ الثَّوْبُ جَدِيدًا خَامًا كَانَ أَوْ مَقْصُورًا.
الْآيَةَ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] وَلَوْ أَعْطَى عَشَرَةً ثَوْبًا طَوِيلًا لَمْ يُجْزِئْهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَطَعَهُ قِطَعًا قِطَعًا ثُمَّ
[حاشية البجيرمي]
وَعَنْ الْكِفَايَةِ لِابْنِ الرِّفْعَةِ أَنَّ تَرْكَ الطَّيْلَسَانِ لِلْفَقِيهِ مُخِلٌّ بِالْمُرُوءَةِ أَيْ وَهُوَ بِحَسَبِ مَا كَانَ فِي زَمَنِهِ اهـ مِنْ السِّيرَةِ الْحَلَبِيَّةِ وَفِي الْمُنَاوِيِّ عَلَى الْخَصَائِصِ رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «لَيْسَ مِنَّا أَيْ مِنْ الْعَامِلِينَ بِهَدْيِنَا.
وَالْجَارِينَ عَلَى مِنْهَاجِ سُنَّتِنَا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا» أَيْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي نَحْوِ مَلْبَسٍ وَهَيْئَةٍ وَمَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ وَكَلَامٍ وَسَلَامٍ وَتَكَهُّنٍ وَتَبَتُّلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
«لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى.
فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ إشَارَةٌ بِالْأَصَابِعِ وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الْإِشَارَةُ بِالْأَكُفِّ» . وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذَا الْخَبَرِ وَبَيْنَ خَبَرِ «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» وَخَبَرِ «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» لِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا أَنَّ جِنْسَ مُخَالَفَتِهِمْ وَتَجَنُّبَ مُشَابَهَتِهِمْ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ.
وَأَنَّ الْإِنْسَانَ كُلَّمَا بَعُدَ عَنْ مُشَابَهَتِهِمْ فِيمَا لَمْ يُشْرَعْ لَنَا.
كَانَ أَبْعَدَ عَنْ الْوُقُوعِ فِي نَفْسِ الْمُشَابَهَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا قَالَ السَّمْهُودِيُّ: وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْخَبَرِ عَلَى كَرَاهَةِ لُبْسِ الطَّيْلَسَانِ لِأَنَّهُ مِنْ مَلَابِسِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَفِي مُسْلِمٍ «إنَّ الدَّجَّالَ يَتْبَعُهُ الْيَهُودُ عَلَيْهِمْ الطَّيَالِسَةُ» وَعُورِضَ بِمَا خَرَّجَهُ ابْنُ سَعْدٍ «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الطَّيْلَسَانِ فَقَالَ هَذَا ثَوْبٌ لَا يُؤَدَّى شُكْرُهُ» وَبِأَنَّ الطَّيَالِسَةَ الْآنَ لَيْسَتْ مِنْ شِعَارِهِمْ بَلْ ارْتَفَعَ فِي زَمَانِنَا وَصَارَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ الْمُبَاحِ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَدْ يَصِيرُ مِنْ شِعَارِ قَوْمٍ فَيَصِيرُ تَرْكُهُ مُخِلًّا بِالْمُرُوءَةِ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مِنْدِيلًا) اُنْظُرْ وَجْهَ إجْزَائِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى كِسْوَةً.
وَعِبَارَةُ ح ل قَوْلُهُ: أَوْ مِنْدِيلًا أَيْ مِنْدِيلَ الْفَقِيهِ.
وَهُوَ شَدُّهُ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى الْكَتِفِ أَوْ مَا يُجْعَلُ فِي الْيَدِ وَهُوَ الْمِنْشَفَةُ الْكَبِيرَةُ اهـ. فَقَوْلُ الشَّارِحِ: أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَيْ وَلَوْ لِبَعْضِ الْبَدَنِ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَلْبُوسًا) وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُتَخَرِّقٍ اهـ س ل، قَوْلُهُ: (التُّبَّانُ) : بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ سِرْوَالٌ قَصِيرٌ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ يَلْبَسُهُ الْمَلَّاحُونَ وَنَحْوُهُمْ اهـ. قَسْطَلَّانِيٌّ وَعِبَارَةُ الْمُخْتَارِ وَالتُّبَّانُ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ سِرْوَالٌ صَغِيرٌ مِقْدَارُ شِبْرٍ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ أَيْ السَّوْأَتَيْنِ فَقَطْ فَيَكُونُ لِلْمَلَّاحِينَ اهـ. قَوْلُهُ: (سَرَاوِيلُ) هُوَ مُفْرَدٌ بِدَلِيلِ وَصْفِهِ بِقَصِيرٍ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ:
وَلِسَرَاوِيلَ بِهَذَا الْجَمْعِ ... شَبَهٌ اقْتَضَى عُمُومَ الْمَنْعِ
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا) أَيْ لِأَنَّ الْوَاجِبَ كِسْوَةُ الْمَسَاكِينِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أَوْ كِسْوَتُهُمْ لَا كِسْوَةُ دَوَابِّهِمْ اهـ. وَلَا تَكْفِي عَرْقَيَّةُ الرَّأْسِ وَانْظُرْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمِنْدِيلِ مَعَ أَنَّهَا تُسَمَّى كِسْوَةَ رَأْسٍ تَأَمَّلْ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (كَالطَّعَامِ الْعَتِيقِ) فَإِنَّهُ يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ، وَنَسَخَهُ كَالْخَامِ الْعَتِيقِ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْكِسْوَةِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُنَاسِبُ إلَّا أَنْ نَجْعَلَ الْكَافَ لِلتَّنْظِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَكَوْنُهُ يُرَدُّ) أَيْ إذَا اشْتَرَى قَمْحًا فَوَجَدَهُ عَتِيقًا مُسَوَّسًا فَلَهُ رَدُّهُ لِأَنَّ
دَفَعَهُ إلَيْهِمْ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى قِطْعَةٍ تُسَمَّى كِسْوَةً وَخَرَجَ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ عَشَرَةُ مَسَاكِينَ مَا إذَا أَطْعَمَ خَمْسَةً وَكَسَا خَمْسَةً لَا يُجْزِئُ كَمَا لَا يُجْزِئُ إعْتَاقُ نِصْفِ رَقَبَةٍ وَإِطْعَامُ خَمْسَةٍ.
(فَإِنْ لَمْ) يَكُنْ الْمُكَفِّرُ رَشِيدًا أَوْ لَمْ (يَجِدْ) شَيْئًا مِنْ الثَّلَاثَةِ لِعَجْزِهِ عَنْ كُلٍّ مِنْهَا بِغَيْرِ غَيْبَةِ مَالِهِ بِرِقٍّ أَوْ غَيْرِهِ (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89] الْآيَةَ وَالرَّقِيقُ لَا يَمْلِكُ أَوْ يَمْلِكُ مِلْكًا ضَعِيفًا فَلَوْ كَفَّرَ عَنْهُ سَيِّدُهُ بِغَيْرِ صَوْمٍ لَمْ يَجُزْ وَيُجْزِئُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ، لِأَنَّهُ لَا رِقَّ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَلَهُ فِي الْمُكَاتَبِ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ بِهِمَا بِإِذْنِهِ وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُكَفِّرَ بِهِمَا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَمَّا الْعَاجِزُ بِغَيْبَةِ مَالِهِ فَكَغَيْرِ الْعَاجِزِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ فَيَنْتَظِرُ حُضُورَ مَالِهِ بِخِلَافِ فَاقِدِ الْمَاءِ مَعَ غَيْبَةِ مَالِهِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِضِيقِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَبِخِلَافِ الْمُتَمَتِّعِ الْمُعْسِرِ بِمَكَّةَ الْمُوسِرِ بِبَلَدِهِ فَإِنَّهُ يَصُومُ لِأَنَّ مَكَانَ الدَّمِ بِمَكَّةَ فَاعْتُبِرَ يَسَارُهُ وَعَدَمُهُ بِهَا، وَمَكَانُ الْكَفَّارَةِ مُطْلَقٌ فَاعْتُبِرَ مُطْلَقًا فَإِنْ كَانَ لَهُ هُنَا رَقِيقٌ غَائِبٌ تُعْلَمُ حَيَاتُهُ فَلَهُ إعْتَاقُهُ فِي الْحَالِ.
تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ بِالْعَجْزِ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الْمَالِ الَّذِي يَصْرِفُهُ فِي الْكَفَّارَةِ عَمَّنْ يَجِدُ كِفَايَتَهُ وَكِفَايَةَ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ فَقَطْ وَلَا يَجِدُ مَا يَفْضُلُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخَانِ وَمَنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ سَهْمَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مِنْ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ
[حاشية البجيرمي]
ذَلِكَ يُخِلُّ بِالْمَالِيَّةِ.
وَمَعَ ذَلِكَ يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ وَفِي زَكَاةِ الْفِطْرَةِ إذَا كَانَ هُوَ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ وَلَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مَأْكُولًا.
قَوْلُهُ: (ثَوْبًا) أَيْ كَالْمُقَطَّعِ الْقُمَاشِ لِأَنَّهُ كُلَّهُ يُسَمَّى شَيْئًا وَاحِدًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ دَفَعَ الْأَمْدَادَ لَهُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً.
قَوْلُهُ: (أَوْ لَمْ يَجِدْ) أَيْ شَيْئًا كَامِلًا فَاضِلًا عَنْ كِفَايَةِ الْعُمْرِ الْغَالِبِ.
بِأَنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا أَصْلًا أَوْ وَجَدَ بَعْضًا مِنْ الثَّلَاثَةِ أَوْ وَجَدَ كَامِلًا مِنْهَا لَكِنْ لَمْ يَكُنْ فَاضِلًا عَنْ كِفَايَتِهِ فَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ.
فَرْعٌ: لَوْ قَالَ: كُلُّ مَا أَمْلِكُهُ حَرَامٌ عَلَيَّ وَلَهُ زَوْجَاتٌ، وَإِمَاءٌ كَفَاهُ كَفَّارَةٌ عَنْ الْجَمِيعِ عَلَى الْأَصَحِّ شَرْحُ ابْنِ الْمُلَقِّنِ.
قَوْلُهُ: (بِرِقٍّ) مُتَعَلِّقٌ بِعَجْزٍ وَقَوْلُهُ: بِغَيْرِ غَيْبَةِ مَالِهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْعَجْزِ كَائِنًا بِغَيْرِ غَيْبَةِ مَالِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: 196] أَيْ فَالْوَاجِبُ صِيَامُ ثَلَاثَةٍ، وَلَوْ مُتَفَرِّقَةً كَمَا فِي الْمَنْهَجِ.
فَالْغَايَةُ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَائِلِ بِوُجُوبِ التَّتَابُعِ لِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مُتَتَابِعَاتٍ وَالْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ كَخَبَرِ الْآحَادِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا نُسِخَتْ حُكْمًا وَتِلَاوَةً كَمَا يَأْتِي فِي الشَّرْحِ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ صَوْمٍ) وَأَمَّا الصَّوْمُ فَوَاضِحٌ عَدَمُ إجْزَائِهِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ وَهِيَ لَا تَقْبَلُ النِّيَابَةَ اهـ. سم وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى غَيْرِ الصَّوْمِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ تَوَهُّمٍ، وَكَذَلِكَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْإِعْتَاقُ عَنْهُ.
لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوَلَاءِ.
قَوْلُهُ: (بِالْإِطْعَامِ وَالْكِسْوَةِ) أَيْ لَا بِالْإِعْتَاقِ لِأَنَّهُ يَسْتَعْقِبُ الْوَلَاءَ، لِمَنْ عَتَقَ عَنْ كَفَّارَتِهِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ م ر. قَالَ سم: هَلَّا جَازَ أَيْضًا لِزَوَالِ الرِّقِّ بِالْمَوْتِ وَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الْإِعْتَاقِ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ فَوَلَاؤُهُ يَكُونُ لِمَنْ؟ تَأَمَّلْ وَحَرِّرْ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْبَةِ مَالِهِ) وَلَوْ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَغَيْرِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَبَحَثَ الْبُلْقِينِيُّ تَقْيِيدَهَا بِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ قِيَاسًا عَلَى الْإِعْسَارِ فِي الزَّكَاةِ وَفَسْخُ الزَّوْجَةِ وَالْبَائِعِ مَرْدُودٌ ح ل.
قَوْلُهُ: (فَيُنْتَظَرُ حُضُورُ مَالِهِ) وَلَوْ فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَإِنَّمَا عُدَّ مُعْسِرًا فِي الزَّكَاةِ وَفَسْخُ الزَّوْجَةِ وَالْبَائِعِ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ بَلْ وَلَا حَاجَةَ هُنَا إلَى التَّعْجِيلِ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى التَّرَاخِي أَيْ أَصَالَةً حَيْثُ لَمْ يَأْثَمْ بِالْحَلِفِ وَإِلَّا لَزِمَهُ الْحِنْثُ وَالْكَفَّارَةُ فَوْرًا س ل. قَوْلُهُ: (وَمَكَانُ الْكَفَّارَةِ مُطْلَقٌ) أَيْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فُقَرَاءِ مَحَلِّ الْحِنْثِ ح ل.
قَوْلُهُ: (فَاعْتُبِرَ) أَيْ الْيَسَارُ وَعَدَمُهُ وَقَوْلُهُ: مُطْلَقًا أَيْ بِأَيِّ مَحَلٍّ كَانَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ رَقِيقٌ غَائِبٌ إلَخْ) هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: فَيُنْتَظَرُ حُضُورُ مَالِهِ وَقَوْلُهُ: يَعْلَمُ حَيَاتَهُ أَيْ حَالًا أَوْ مَآلًا كَمَا لَوْ بَانَتْ حَيَاتُهُ بِأَنْ أَعْتَقَهُ عَلَى ظَنِّ مَوْتِهِ فَبَانَ حَيًّا فَيُجْزِئُ اعْتِبَارًا بِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ فِي الْكَفَّارَةِ مَا لَا يُظَنُّ أَنَّهُ مِلْكُ غَيْرِهِ فَبَانَ مِلْكُهُ أَوْ دَفَعَ لِطَائِفَةٍ يَظُنُّهَا غَيْرَ مُسْتَحَقَّةٍ لِلْكَفَّارَةِ فَبَانَ خِلَافُهُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ كَمَا نَصَّ: عَلَيْهِ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِدُ مَا