حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيبصفحات 338-377
أهل الأثرالأرشيف العلمي

دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.

صفحات 338-377
عن هذه الطبعة
عَلَم
البجيرمي
الكتاب
تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
المؤلف
سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه

(فَالْحَيْضُ) لُغَةً السَّيَلَانُ تَقُولُ الْعَرَبُ حَاضَتْ الشَّجَرَةُ إذَا سَالَ صَمْغُهَا وَحَاضَ الْوَادِي إذَا سَالَ وَشَرْعًا دَمُ جِبِلَّةٍ أَيْ تَقْضِيهِ الطِّبَاعُ السَّلِيمَةُ (وَهُوَ) الدَّمُ (الْخَارِجُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ) أَيْ مِنْ أَقْصَى رَحِمِهَا (عَلَى سَبِيلِ الصِّحَّةِ) احْتِرَازًا عَنْ

[حاشية البجيرمي]

تَحْتَ مَخْرَجِ الْبَوْلِ وَهُوَ مَخْرَجُ الْوَلَدِ وَالْمَنِيِّ وَمَدْخَلُ الذَّكَرِ ق ل. قَوْلُهُ: (مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ.
حَاصِلُهُ أَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْفَرْجِ مِنْ الدِّمَاءِ لَا يَنْحَصِرُ فِي الثَّلَاثَةِ، بَلْ هُنَاكَ غَيْرُهَا كَدَمِ الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ.
فَأَجَابَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الدِّمَاءُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا الْأَحْكَامُ وَهِيَ الثَّلَاثَةُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يُعْتَرَضُ عَلَى الشَّارِحِ، وَيُقَالُ: مَا مُرَادُك بِالْأَحْكَامِ الَّتِي نَفَيْتَهَا عَنْ دَمِ الصَّغِيرِ وَالْآيِسَةِ؟ إنْ أَرَدْت أَحْكَامَ الْحَيْضِ أَيْ الْأَحْكَامَ الْمُحَرَّمَةَ بِالْحَيْضِ فَهِيَ مَنْفِيَّةٌ أَيْضًا عَنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ الَّتِي فِي الْمَتْنِ فَكَأَنَّ الْمَتْنَ يُسْقِطُهُ أَيْضًا.
وَإِنْ أَرَدْتَ أَحْكَامَ الِاسْتِحَاضَةِ فَهِيَ لَيْسَتْ مَنْفِيَّةً عَنْ دَمِ الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ، بَلْ ثَابِتَةً لَهُمَا كَمَا هِيَ ثَابِتَةٌ لِدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ، فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ قَوْلِهِ مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ، وَحَذْفَ قَوْلِهِ: وَأَمَّا دَمُ الصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ إلَخْ.
وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ قَوْلُهُ: مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ، هَذَا الْقَيْدُ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقُيُودِ أَنْ تَكُونَ لِبَيَانِ الْوَاقِعِ، وَلَا يَصِحُّ الِاحْتِرَازُ بِهِ عَنْ الِاسْتِحَاضَةِ؛ لِأَنَّهَا حَدَثٌ دَائِمٌ كَالْبَوْلِ، فَلَا تَمْنَعُ صَلَاةً، وَلَا صَوْمًا فَيَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ، وَهُوَ عَدَمُ مَنْعِهَا الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الدِّمَاءِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ الْفَرْجِ لَا يَنْحَصِرُ فِي الثَّلَاثَةِ، بَلْ يَخْرُجُ مِنْهُ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَالْمَذْيُ وَالْوَدْيُ.
فَأَجَابَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ الدِّمَاءِ فَهُوَ حَصْرٌ إضَافِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَدَمُ الْآيِسَةِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ) قَدْ يُشْكِلُ عَلَى عُمُومِهِ قَوْلُهُمْ: إنَّ اسْتِقْرَاءَ سِنِّ الْيَأْسِ نَاقِصٌ حَتَّى لَوْ وُجِدَتْ خَوَاصُّ الْحَيْضِ أَيْ مِنْ كَوْنِهِ مُحْتَدِمًا لَذَّاعًا فِي دَمِهَا بَعْدَ سِنِّهِ أُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ أَيْ: عَلَى هَذَا الدَّمِ لَتَبَيَّنَ أَنَّهُ حَيْضٌ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الشَّارِحِ عَلَى مَنْ لَمْ يَبْلُغْ دَمُهَا أَقَلَّ الْحَيْضِ أَوْ جَاوَزَ أَكْثَرَهُ أَيْ بَعْدَ سِنِّ الْيَأْسِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ) هَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ.

[دَمُ الْحَيْضِ]

قَوْلُهُ: (فَالْحَيْضُ) لَمْ يَقُلْ فَدَمُ الْحَيْضِ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ كَمَا يُسَمَّى دَمَ الْحَيْضِ يُسَمَّى حَيْضًا سم.
قَوْلُهُ: (لُغَةً السَّيَلَانُ) وَمِنْهُ الْحَوْضُ لِحَيْضِ الْمَاءِ أَيْ سَيَلَانِهِ فِيهِ، وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ يَتَعَاقَبَانِ أَيْ يَأْتِي أَحَدُهُمَا بَدَلَ الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (إذَا سَالَ) أَيْ مَاؤُهُ.
قَوْلُهُ: (دَمِ جِبِلَّةً) أَيْ سَيَلَانُ دَمِ جِبِلَّةٍ لِيَكُونَ بَيْنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالشَّرْعِيِّ مُنَاسَبَةٌ، ثُمَّ إنْ كَانَ تَعْرِيفًا آخَرَ غَيْرَ مَا فِي الْمَتْنِ، فَهُوَ غَيْرُ مَانِعٍ لِشُمُولِهِ النِّفَاسَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ تَمَامِ تَعْرِيفِ الْمَتْنِ فَيُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ عَلَى سَبِيلِ الصِّحَّةِ، وَأَيْضًا يَمْنَعُ مِنْهُ الْوَاوُ فِي قَوْلِهِ: وَهُوَ إلَّا أَنْ يُقَالَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ، وَهُوَ رَاجِعٌ لِدَمِ الْجِبِلَّةِ اهـ تَأَمَّلْ.
وَعِبَارَةُ اج: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ عَلَى سَبِيلِ الصِّحَّةِ إيضَاحٌ؛ إذْ قَوْلُهُ: " جِبِلَّةٍ " يُغْنِي عَنْهُ اهـ. وَالْإِضَافَةُ فِي دَمِ جِبِلَّةٍ مِنْ إضَافَةِ الْمُسَبَّبِ إلَى السَّبَبِ أَيْ دَمٌ مُسَبَّبٌ وَنَاشِئٌ عَنْ الطَّبِيعَةِ.
قَوْلُهُ: (الْمَرْأَةُ) أَيْ بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ وَلَوْ حَامِلًا كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ دَمَ الْحَامِلِ حَيْضٌ.
قَالُوا: وَسَبَبُ خُرُوجِ الدَّمِ مِنْ الْحَامِلِ ضَعْفُ الْوَلَدِ، فَإِنَّهُ يَتَغَدَّى بِدَمِ الْحَيْضِ، فَإِذَا ضَعُفَ الْوَلَدُ فَاضَ الدَّمُ، وَخَرَجَ ثُمَّ إنَّ الضَّعْفَ لَا يَكُونُ غَالِبًا إلَّا فِي الْأَشْفَاعِ مِنْ الشُّهُورِ، فَإِنَّ الْوَلَدَ يَقْوَى فِي الْفَرْدِ، وَلِذَلِكَ كَانَ مَنْ وُلِدَ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ يَعِيشُ وَمَنْ وُلِدَ لِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ لَا يَعِيشُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ذَكَرَهُ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ مُجَاهِدٌ: إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِي حَمْلِهَا كَانَ ذَلِكَ نُقْصَانًا فِي وَلَدِهَا، فَإِنْ زَادَتْ عَلَى التِّسْعَةِ كَانَ ذَلِكَ تَمَامًا لِمَا نَقَصَ.
اهـ. شَبْرَخِيتِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ مِنْ أَقْصَى رَحِمِهَا) وَالرَّحِمُ جِلْدَةٌ دَاخِلَ الْفَرْجِ يَدْخُلُ فِيهَا الْمَنِيُّ ثُمَّ تَنْكَمِشُ عَلَيْهِ فَلَا تَقْبَلُ مَنِيًّا غَيْرَهُ وَلِهَذَا جَرَتْ عَادَةُ اللَّهِ لَا يَخْلُقُ وَلَدًا مِنْ مَاءَيْنِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مِنْ أَقْصَى رَحِمِ الْمَرْأَةِ أَيْ مِنْ عِرْقٍ فَمُهُ فِي أَقْصَى رَحِمِ الْمَرْأَةِ وَالرَّحِمُ وِعَاءُ الْوَلَدِ وَهُوَ جِلْدَةٌ وَهِيَ مُعَلَّقَةٌ بِعِرْقٍ عَلَى صُورَةِ الْجَرَّةِ الْمَقْلُوبَةِ فَبَابُهُ الضَّيِّقُ مِنْ جِهَةِ الْفَرْجِ وَوَاسِعُهُ مِنْ أَعْلَاهُ وَيُسَمَّى بِأُمِّ الْأَوْلَادِ شَيْخُنَا.
ثُمَّ رَأَيْت فِي نُزْهَةِ الْمُتَأَمِّلِ مَا نَصُّهُ: وَأَمَّا صِفَةُ رَحِمِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّ خِلْقَتَهَا

الِاسْتِحَاضَةِ (مِنْ غَيْرِ سَبَبِ الْوِلَادَةِ) فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ احْتِرَازًا عَنْ النِّفَاسِ.
وَالْأَصْلُ فِي الْحَيْضِ آيَةُ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]

[حاشية البجيرمي]

مِنْ الْمَرْأَةِ كَالْكِيسِ، وَهِيَ عَضَلَةٌ وَعُرُوقٌ وَرَأْسٌ عَصَبُهَا فِي الدِّمَاغِ، وَلَهَا فَمٌ، وَلَهَا قَرْنَانِ شِبْهُ الْخَنَاجِرِ تَجْذِبُ بِهِمَا النُّطْفَةَ لِقَبُولِهَا، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَوْدَعَ فِيهَا قُوَّتَيْنِ قُوَّةَ انْبِسَاطٍ تَنْبَسِطُ بِهَا عِنْدَ وُرُودِ مَنِيِّ الرَّجُلِ عَلَيْهَا فَتَأْخُذُهُ يَخْتَلِطُ مَعَ مَنِيِّهَا، وَقُوَّةَ انْقِبَاضٍ تَقْبِضُهَا لِئَلَّا يَنْزِلَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَإِنَّ الْمَنِيَّ ثَقِيلٌ بِطَبْعِهِ، وَفَمُ الرَّحِمِ مَنْكُوسٌ، وَأَوْدَعَ فِي مَنِيِّ الرَّجُلِ قُوَّةَ الْفِعْلِ، وَفِي مَنِيِّ الْمَرْأَةِ قُوَّةَ الِانْفِعَالِ فَعِنْدَ الِامْتِزَاجِ يَصِيرُ مَنِيُّ الرَّجُلِ كَالْإِنْفَحَةِ الْمُمْتَزِجَةِ بِاللَّبَنِ.
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ وُقُوعِ النُّطْفَةِ فِي رَحِمِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: النُّطْفَةُ إذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ مِنْهَا بَشَرًا طَارَتْ فِي بَشَرَةِ الْمَرْأَةِ تَحْتَ كُلِّ ظُفُرٍ وَشَعْرَةٍ، ثُمَّ تَمْكُثُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ تَنْزِلُ دَمًا فِي الرَّحِمِ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّ الْمَلَكَ الْمُوَكَّلَ فِي الْأَرْحَامِ يَأْخُذُ النُّطْفَةَ مِنْ الرَّحِمِ فَيَضَعُهَا عَلَى كَفِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ مُخَلَّقَةٌ أَمْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ؟ فَإِنْ قَالَ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ لَمْ تَكُنْ نَسَمَةً وَقَذَفَتْهَا الْأَرْحَامُ، وَإِنْ قَالَ مُخَلَّقَةٌ قَالَ: يَا رَبِّ ذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى شَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَمَا الرِّزْقُ فَمَا الْأَجَلُ؟ فَيُقَالُ: اُنْظُرْ فِي أُمِّ الْكِتَابِ فَتَجِدُ فِيهِ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ التُّرَابَ فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: 55] الْآيَةَ ثُمَّ يُحَرِّكُ النُّطْفَةَ بِالْيَدِ الْيُمْنَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَصَارَتْ عَلَقَةً وَيُحَرِّكُ بِالْيَدِ الْيُسْرَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَصَارَتْ عِظَامًا، وَأَوَّلُ مَا يَظْهَرُ عَظْمُ الْعَجُزِ وَهُوَ آخِرُ مَا يَبْلَى فِي التُّرَابِ، وَتَظْهَرُ سَبَّابَتُهُ الْيُمْنَى وَكَفُّهُ الْيُمْنَى فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَفِي الثَّانِي يَظْهَرُ رَأْسُهُ، وَفِي الثَّالِثِ يَدُهُ الْيُسْرَى ثُمَّ رِجْلَاهُ، وَفِي الرَّابِعِ مِائَتَانِ وَأَرْبَعُونَ عَظْمًا وَثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ عَصَبًا وَثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ عِرْقًا نِصْفُهَا سَاكِنٌ، وَنِصْفُهَا مُتَحَرِّكٌ، فَفِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ دَمٌ، وَفِي النِّصْفِ الثَّانِي رِيحٌ وَفِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ الْجِلْدَةُ، وَفِي الْيَوْمِ السَّادِسِ الشَّعْرُ وَالْأَظَافِرُ، وَفِي الْيَوْمِ السَّابِعِ أَنْفُهُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ لِسَانُهُ، وَفِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ أُذُنَاهُ، وَفِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ مِنْ طَرَفِ الْهَامَّةِ، وَآخِرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِسَانُهُ، فَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَوَجْهُهُ إلَى صَدْرِ رَأْسِهِ، وَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَوَجْهُهَا إلَى بَطْنِ أُمِّهَا وَيَدَاهُ عَلَى وَجْهِهِ وَذَقَنُهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ مُنْقَبِضًا فِي الْمَشِيمَةِ فِي أَحْشَاءِ أُمِّهِ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا تَحِيضُ الْمَرْأَةُ إلَّا قَلِيلًا» . وَقَدْ صَحَّ أَنَّ مِنْ الْحَوَامِلِ مَنْ تَحِيضُ لِكَثْرَةِ الدَّمِ، فَإِذَا تَمَّ لَهُ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ خَرَجَ الْوَلَدُ مِنْ الرَّحِمِ إلَى دَارِ الدُّنْيَا، وَدَفَعَتْ الطَّبِيعَةُ ذَلِكَ الدَّمَ الَّذِي كَانَ يَتَغَذَّاهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَقَدْ يُولَدُ الْمَوْلُودُ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَيَعِيشُ وَيُولَدُ إلَى ثَمَانِيَةٍ فَلَا يَعِيشُ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُلِدَ فِي ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ، وَقَدْ يُولَدُ الْجَنِينُ إلَى أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ كَثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ وَذَكَرَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: أَنَّ امْرَأَةً حَمَلَتْ خَمْسَ سِنِينَ، وَذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ دَاخِلَ الرَّحِمِ خَشِنٌ كَالسَّفِنْجِ وَجُعِلَ فِيهِ قَبُولٌ لِلْمَنِيِّ كَطَلَبِ الْأَرْضِ الْعَطْشَى لِلْمَاءِ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ طَالِبًا لِلْمَاءِ مُشْتَاقًا إلَيْهِ بِالطَّبْعِ، فَيُمْسِكُهُ، وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهِ وَلَا يَزْلِقُهُ بَلْ يَنْضَمُّ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُفْسِدَهُ الْهَوَاءُ.
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ لِلرَّحِمِ أَفْوَاهًا وَأَبْوَابًا، فَإِذَا دَخَلَ الْمَنِيُّ لِلْمَاءِ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَنِينًا وَاحِدًا، وَإِذَا دَخَلَ مِنْ بَابَيْنِ خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُ وَلَدَيْنِ، وَإِنْ دَخَلَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ فَيَكُونُ عَدَدُ الْأَجِنَّةِ فِي الرَّحِمِ بِعَدَدِ دُخُولِ الْمَنِيِّ فِي الرَّحِمِ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (عَلَى سَبِيلِ الصِّحَّةِ) وَلِذَا كَانَ عَدَمُهُ عَيْبًا فِي الْأَمَةِ فَتُرَدُّ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَيْبًا فِي الْحُرَّةِ فَلَا تُرَدُّ بِهِ إذَا عَقَدَ عَلَيْهَا فَوُجِدَتْ لَا تَحِيضُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عُيُوبِ النِّكَاحِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ عَيْبًا فِي الْمَبِيعِ أَنْ يَكُونَ عَيْبًا فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ عُيُوبَ الْبَيْعِ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، وَعُيُوبُ النِّكَاحِ مَحْصُورَةٌ.
قَوْلُهُ: (فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ) بِأَنْ تَبْلُغَ سِنَّ الْحَيْضِ، وَأَنْ لَا يُجَاوِزَ أَكْثَرَهُ، وَلَا يَنْقُصَ عَنْ أَقَلِّهِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِي الْحَيْضِ) أَيْ فِي وُجُودِهِ وَبَعْضِ أَحْكَامِهِ، فَالْآيَةُ دَلَّتْ عَلَى أَمْرَيْنِ أَيْ فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222] وَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾ [البقرة: 222] وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالسَّائِلُ لَهُ هُوَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ كَمَا قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ، وَقِيلَ السَّائِلُ عَنْهُ هُوَ الدَّحْدَاحُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَقَوْلُهُ: أَيْ الْحَيْضِ أَيْ عَنْ حُكْمِهِ، وَإِنَّمَا فَسَّرَهُ بِالْحَيْضِ لِيَصِحَّ قَوْلُهُ بَعْدَهُ أَذًى؛ لِأَنَّ الْمَحِيضَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ يُطْلَقُ عَلَى مَحَلِّ الْحَيْضِ

أَيْ الْحَيْضِ وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ: «هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» قَالَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ الْحَيَوَانِ: وَاَلَّذِي يَحِيضُ مِنْ الْحَيَوَانِ أَرْبَعَةٌ الْآدَمِيَّاتُ وَالْأَرْنَبُ وَالضَّبُعُ وَالْخُفَّاشُ وَجَمَعَهَا بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ: أَرَانِبُ يَحِضْنَ وَالنِّسَاءُ ... ضَبُعٌ وَخُفَّاشٌ لَهَا دَوَاءٌ وَزَادَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ أَرْبَعَةً أُخَرَ وَهِيَ: النَّاقَةُ وَالْكَلْبَةُ وَالْوَزَغَةُ وَالْحِجْرُ أَيْ الْأُنْثَى مِنْ الْخَيْلِ.
وَلَهُ عَشَرَةُ أَسْمَاءٍ حَيْضٌ وَطَمْثٌ بِالْمُثَلَّثَةِ وَضَحِكٌ وَإِكْبَارٌ وَإِعْصَارٌ وَدِرَاسٌ وَعِرَاكٌ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفِرَاكٌ بِالْفَاءِ وَطَمْسٌ بِالسِّينِ

[حاشية البجيرمي]

وَعَلَى زَمَانِهِ وَعَلَى الدَّمِ، وَالْمَحَلُّ وَالزَّمَانُ لَا يَتَّصِفَانِ بِالْأَذَى، وَإِنَّمَا يَتَّصِفُ بِهِ الدَّمُ فَلِذَلِكَ فَسَّرَهُ بِهِ.
وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ «أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ أَخْرَجُوهَا مِنْ الْبُيُوتِ وَلَمْ يُسَاكِنُوهَا وَلَمْ يُؤَاكِلُوهَا، فَسَأَلَتْ الصَّحَابَةُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» ، بِرْمَاوِيٌّ.
فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا حُضُورُ الْمُحْتَضَرِ، وَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ مَا مَسَّتْهُ بِطَبْخٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا فِعْلُهَا لَهُ، وَلَا غَسْلُ الثِّيَابِ، وَفِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ: كَانَتْ النَّصَارَى يُجَامِعُونَ الْحَائِضَ وَالْيَهُودُ يُحَرِّمُونَ مُخَالَطَتَهَا، وَيَعْتَزِلُونَهُنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْقَصْدَ أَيْ التَّوَسُّطَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ تَحْرِيمُ الْجِمَاعِ، وَجَوَازُ الْمُخَالَطَةِ.
قَوْلُهُ: (كَتَبَهُ اللَّهُ) أَيْ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ وَلَوْ حُكْمًا، فَتَدْخُلُ حَوَّاءُ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ بِنْتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعِهِ الْأَيْسَرِ، بِأَنْ سُلَّ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَأَلُّمٍ وَخُلِقَتْ مِنْهُ، وَلِهَذَا كَانَ كُلُّ إنْسَانٍ نَاقِصًا ضِلْعًا مِنْ جِهَةِ يَسَارِهِ فَأَضْلَاعُ جِهَةِ الْيَمِينِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَأَضْلَاعُ جِهَةِ الْيَسَارِ سَبْعَةَ عَشَرَ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ: إنَّهَا خُلِقَتْ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ ح ف. وَالْمُرَادُ بِبَنَاتِ آدَمَ غَالِبُهُنَّ فَلَا يُنَافِي عَدَمُ الْحَيْضِ فِي بَعْضِهِنَّ كَسَيِّدَتِنَا فَاطِمَةَ بِنْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِذَلِكَ وُصِفَتْ بِالزَّهْرَاءِ، وَحِكْمَتُهُ عَدَمُ فَوَاتِ زَمَنٍ عَلَيْهَا بِلَا عِبَادَةٍ.
وَرُوِيَ أَنَّهَا وَلَدَتْ وَقْتَ غُرُوبِ الشَّفَقِ وَطَهُرَتْ مِنْ النِّفَاسِ وَاغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ الْعِشَاءَ فِي وَقْتِهَا، وَلِهَذَا قِيلَ: إنَّ أَقَلَّ النِّفَاسِ لَحْظَةٌ، وَإِنَّمَا لَمْ تَحِضْ؛ لِأَنَّ أَصْلَ خِلْقَتِهَا كَانَ مِنْ تُفَّاحِ الْجَنَّةِ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْجَنَّةَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، فَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ أَعْطَاهُ رِضْوَانُ تُفَّاحَةً مِنْ تُفَّاحِ الْجَنَّةِ كَانَ رِيحُهَا أَطْيَبَ مِنْ الْمِسْكِ وَأَلْيَنَ مِنْ الزُّبْدِ وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ، فَلَمَّا أَكَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَقَوَّى بِهَا وَتَفَرَّقَتْ الْقُوَّةُ فِي جَمِيعِ أَعْضَائِهِ، فَجَامَعَ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فَرَاحَ مَعَهَا رِيحُ الْمِسْكِ مِنْ تُفَّاحِ الْجَنَّةِ، وَكَانَ لَهَا نُورٌ يُضِيءُ مِنْهَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -» ، حَتَّى رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْت أَسْلُكُ السِّلْكَ أَيْ أُدْخِلُ الْخَيْطَ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ مِنْ نُورِ وَجْهِ فَاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ زَهْرَاءَ.
ذَكَرَهُ فِي تُحْفَةِ السَّائِلِ.
اهـ. وَمِثْلُ بَنَاتِ آدَمَ الْجِنُّ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الْجَاحِظُ) لَقَبٌ لِعَالِمٍ مَشْهُورٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ جَحَظَتْ عَيْنُهُ كَمَنْ جُرِحَتْ مُقْلَتُهُ أَوْ عَظُمَتْ، وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ بَحْرِ بْنِ مَحْبُوبٍ أَبُو عُثْمَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ.
قِيلَ: وَهُوَ جُحَا الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ الشَّعْرَانِيُّ: لَيْسَ هُوَ جُحَا؛ لِأَنَّ جُحَا وَلِيٌّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَكَانَ مِنْ التَّابِعِينَ وَمَا حُكِيَ عَنْهُ كَذِبٌ.
قَوْلُهُ: (وَاَلَّذِي يَحِيضُ إلَخْ) الْمُرَادُ بِحَيْضِ غَيْرِ النِّسَاءِ رُؤْيَةُ دَمٍ لَهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ زَمَنٍ لَهَا وَلَا غَيْرِهِ فَهُوَ حَيْضٌ لُغَوِيٌّ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ سم وَلَا أَثَرَ لِحَيْضِ غَيْرِ النِّسَاءِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحْكَامِ حَتَّى لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا لَمْ يَقَعْ، إلَّا إنْ أَرَادَ مُجَرَّدَ خُرُوجِ الدَّمِ مِنْهَا؛ إذْ لَا وَقْتَ لَهُ مُعَيَّنٌ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا فِي النِّسَاءِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا بَعْضُ مَنْ نَظَمَهَا مِنْ الطَّوِيلِ بِقَوْلِهِ: ثَمَانِيَةٌ مِنْ جِنْسِهَا الْحَيْضُ يَثْبُتُ ... وَلَكِنْ فِي غَيْرِ النَّسَا لَا يُؤَقَّتُ نِسَاءٌ وَخُفَّاشٌ وَضَبُعٌ وَأَرْنَبٌ ... وَنَاقَةٌ مَعَ وَزَغٍ وَحِجْرٍ وَكَلْبَةٍ وَزَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَنَاتِ وَرْدَانَ وَالْقِرَدَةِ، وَزَادَ الْمُنَاوِيُّ الْحِدَأَةَ وَزَادَ غَيْرُهُ السَّمَكَ.
قَوْلُهُ: (وَالْخُفَّاشُ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ.
قَوْلُهُ: (لَهَا دَوَاءٌ) أَيْ لِهَذِهِ الْأَرْبَعَةِ دَوَاءٌ بِخُرُوجِ الدَّمِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ حُبِسَ فِيهَا لَضَرَّهَا فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى سَلَامَةِ طَبَائِعِهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْحِجْرُ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَرَاءٍ وَلَا تَلْحَقُهَا تَاءٌ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ عَشَرَةُ أَسْمَاءٍ) أَيْ عَلَى مَا ذَكَرَ هُنَا وَإِلَّا فَذَكَرَ بَعْضُهُمْ لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ اسْمًا نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:

الْمُهْمَلَةِ وَنِفَاسٌ.
(وَلَوْنُهُ) أَيْ الدَّمِ الْأَقْوَى (أَسْوَدُ) ثُمَّ أَحْمَرُ فَهُوَ ضَعِيفٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَسْوَدِ وَقَوِيٌّ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَشْقَرِ، وَالْأَشْقَرُ أَقْوَى مِنْ الْأَصْفَرِ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْأَكْدَرِ وَمَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ أَقْوَى مِمَّا لَا رَائِحَةَ لَهُ، وَالثَّخِينُ أَقْوَى مِنْ الرَّقِيقِ وَالْأَسْوَدِ، (مُحْتَدِمٌ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ سَاكِنَةٍ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ بَيْنَهُمَا مُثَنَّاةٌ فَوْقُ، أَيْ حَارٌّ مَأْخُوذٌ مِنْ احْتِدَامِ النَّهَارِ، وَهُوَ اشْتِدَادُ حَرِّهِ.
(لَذَّاعٌ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ مُوجِعٌ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ خُلِقَ لِلْمَرْأَةِ فَرْجَانِ فَقِيَاسُ مَا سَبَقَ فِي الْأَحْدَاثِ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ مِنْ كُلٍّ مِنْهَا حَيْضًا، وَلَوْ حَاضَ الْمُشْكَلُ مِنْ الْفَرْجِ وَأَمْنَى مِنْ الذَّكَرِ حَكَمْنَا بِبُلُوغِهِ وَإِشْكَالِهِ أَوْ حَاضَ مِنْ الْفَرْجِ خَاصَّةً فَلَا يَثْبُتُ لِلدَّمِ حُكْمُ الْحَيْضِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ رَجُلًا، وَالْخَارِجُ دَمُ فَسَادٍ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.

(وَالنِّفَاسُ) لُغَةً الْوِلَادَةُ وَشَرْعًا هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ عَقِبَ الْوِلَادَةِ أَيْ بَعْدَ فَرَاغِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَمْلِ

[حاشية البجيرمي]

لِلْحَيْضِ عَشْرُ أَسْمَاءٍ وَخَمْسَتُهَا ... حَيْضٌ مَحِيضٌ مَحَاضٌ طَمْثٌ إكْبَارُ طَمْسٌ عِرَاكٌ فِرَاكٌ مَعَ أَذًى ضَحِكٌ ... دَرْسٌ دِرَاسٌ نِفَاسٌ قُرْءٌ إعْصَارُ قَوْلُهُ: (وَضَحِكٍ) وَمِنْهُ: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: 71] فَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِ حَاضَتْ قَالَ م ر: وَلَا كَرَاهَةَ فِي تَسْمِيَتِهِ بِشَيْءٍ مِنْهَا أَيْ: لِأَنَّ غَالِبَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالْأَحَادِيثِ.
قَوْلُهُ: (وَنِفَاسٌ) وَمِنْهُ «قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِعَائِشَةَ: أَنَفِسْتِ» بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ أَيْ حِضْتِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَلِدْ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْنُهُ أَسْوَدُ إلَخْ) لَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنَّ اللَّوْنَ لَا يَنْحَصِرُ فِي السَّوَادِ.
فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ اللَّوْنُ الْأَقْوَى غَالِبًا، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ أَقْوَى.
وَأَجَابَ سم أَيْ اللَّوْنُ الْأَصْلِيُّ.
وَالْحَاصِلُ؛ أَنَّ الصُّوَرَ لِأَلْوَانِ الدِّمَاءِ وَصِفَاتِهَا أَلْفٌ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ صُورَةً، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَلْوَانَ خَمْسَةٌ وَهِيَ: أَسْوَدُ وَأَحْمَرُ وَأَشْقَرُ وَأَصْفَرُ وَأَكْدَرُ، وَالصِّفَاتُ أَرْبَعَةٌ: إمَّا ثَخِينٌ أَوْ مُنْتِنٌ أَوْ هُمَا أَوْ مُجَرَّدٌ عَنْهُمَا، فَإِذَا ضُرِبَتْ صِفَاتُ الْأَوَّلِ فِي صِفَاتِ الثَّانِي ثُمَّ الْحَاصِلُ فِي صِفَاتِ الثَّالِثِ، وَهَكَذَا بَلَغَتْ مَا ذَكَرَ، فَإِنْ اسْتَوَى دَمَانِ قُدِّمَ السَّابِقُ كَأَسْوَدَ ثَخِينٍ وَأَحْمَرَ ثَخِينٍ مُنْتِنٍ بِإِحْدَى الصِّفَتَيْنِ تَجْبُرُ ضَعْفَهُ، وَالْأُخْرَى تُقَابِلُ الْأُخْرَى، فَيَسْتَوِيَانِ.
وَكَأَحْمَرَ مُنْتِنٍ أَوْ ثَخِينٍ مَعَ أَسْوَدَ مُجَرَّدٍ فَهُمَا مُسْتَوِيَانِ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَسْوَدُ) أَيْ ذُو سَوَادٍ وَهُوَ نَفْسُهُ مُحْتَدِمٌ لَذَّاعٌ، أَوْ الْمَعْنَى وَصِفَتُهُ أَنَّهُ أَسْوَدُ مُحْتَدِمٌ لَذَّاعٌ.
اهـ. سم.
وَقَوْلُهُ: أَيْ ذُو سَوَادٍ إنَّمَا فَسَّرَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّوْنَ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ أَسْوَدَ، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِهِ الدَّمُ وَاللَّوْنُ يُوصَفُ بِالسَّوَادِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ مُحْتَدِمٌ إلَخْ.
فَهُوَ وَصْفٌ لِلدَّمِ لَا لِلَّوْنِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ سم بِقَوْلِهِ: وَهُوَ نَفْسُهُ مُحْتَدِمٌ إلَخْ اهـ. قَوْلُهُ: (بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ) وَيُقَالُ لِذَوَاتِ السَّمُومِ لَدْغٌ بِمُهْمَلَةٍ فَمُعْجَمَة، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ الَأُجْهُورِيُّ فَقَالَ: وَلَدْغٌ لِذِي سُمٍّ بِإِهْمَالِ أَوَّلَ ... وَفِي النَّارِ بِالْإِهْمَالِ لِلثَّانِ فَاعْرِفَا وَالْإِعْجَامُ فِي كُلٍّ وَالْإِهْمَالُ فِيهِمَا ... مِنْ الْمُهْمَلِ الْمَتْرُوكِ حَقًّا بِلَا خَفَا وَقَوْلُهُ: لِلثَّانِ أَيْ مَعَ إعْجَامِ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ فِي كُلٍّ أَيْ إعْجَامِ الْحَرْفَيْنِ وَإِهْمَالِهِمَا فِي ذِي سُمٍّ، وَالنَّارُ مُهْمَلٌ.
قَوْلُهُ: (فَقِيَاسُ مَا سَبَقَ فِي الْأَحْدَاثِ أَنْ يَكُونَ إلَخْ) هَذَا ظَاهِرٌ إذَا كَانَا أَصْلِيَّيْنِ، أَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَصْلِيًّا، وَالْآخَرُ زَائِدًا وَتَمَيَّزَ، فَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا خَرَجَ مِنْ الْأَصْلِيِّ قِيَاسًا عَلَى مَا ذَكَرَ فِي بَابِ الْأَحْدَاثِ، وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَ هُنَاكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَصْلِيٌّ وَزَائِدٌ، وَاشْتَبَهَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا حَتَّى يَحْكُمَ بِالْحَيْضِ، وَلِيَنْظُرَ فِيمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَصْلِيًّا، وَالْآخَرُ زَائِدًا مُسَامَتًا، وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَ هُنَاكَ أَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْأَصْلِيَّيْنِ أَيْ: فَيَكْفِي مِنْ أَحَدِهِمَا فَتَأَمَّلْ شَيْخُنَا عَزِيزِيٌّ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْأَصْلِيِّ لَا الزَّائِدِ الْمُسَامَتِ

[دَمُ النِّفَاسُ]

قَوْلُهُ: (أَيْ بَعْدَ فَرَاغِ الرَّحِمِ) إنَّمَا فَسَّرَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ كَلَامَ الْمَتْنِ يَشْمَلُ الدَّمَ الْخَارِجَ بَعْدَ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ،

وَسُمِّيَ نِفَاسًا لِأَنَّهُ يَخْرُجُ عَقِبَ نَفْسٍ فَخَرَجَ بِمَا ذَكَرَ دَمُ الطَّلْقِ وَالْخَارِجُ مَعَ الْوَلَدِ فَلَيْسَا بِحَيْضٍ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ آثَارِ الْوِلَادَةِ وَلَا نِفَاسَ لِتَقَدُّمِهِ عَلَى خُرُوجِ الْوَلَدِ بَلْ ذَلِكَ دَمُ فَسَادٍ نَعَمْ الْمُتَّصِلُ مِنْ ذَلِكَ بِحَيْضِهَا الْمُتَقَدِّمِ حَيْضٌ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ عَقِبَ حَذْفُ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ هُوَ الْأَفْصَحُ، وَمَعْنَاهُ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَرَاخِيًا عَمَّا قَبْلَهُ (وَالِاسْتِحَاضَةُ هُوَ) الدَّمُ (الْخَارِجُ) لِعِلَّةٍ مِنْ عِرْقٍ مِنْ أَدْنَى الرَّحِمِ يُقَالُ لَهُ الْعَاذِلُ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَيُقَالُ بِمُهْمَلَةٍ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ وَفِي الصِّحَاحِ بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ (فِي غَيْرِ أَيَّامِ) أَكْثَرِ (الْحَيْضِ وَ) غَيْرِ أَيَّامِ أَكْثَرِ (النِّفَاسِ) سَوَاءٌ أَخَرَجَ إثْرَ حَيْضٍ أَمْ لَا، وَالِاسْتِحَاضَةُ حَدَثٌ دَائِمٌ فَلَا تَمْنَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَغَيْرَهُمَا مِمَّا يَمْنَعُهُ الْحَيْضُ كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ لِلضَّرُورَةِ فَتَغْسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ فَرْجَهَا قَبْلَ

[حاشية البجيرمي]

فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يُسَمَّى نِفَاسًا مَعَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى نِفَاسًا، بَلْ إنْ كَانَ قَبْلَهُ حَيْضٌ بِأَنْ حَاضَتْ قَبْلَ الْوَلَدِ وَلَمْ يَزِدْ الْمَجْمُوعُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا كَانَ حَيْضًا وَإِلَّا كَانَ دَمَ فَسَادٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ الْحَمْلِ) أَيْ وَلَوْ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً.
وَهَذَانِ لَا يُسَمِّيَانِ وِلَادَةً إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُمَا فِي حُكْمِهَا.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ بَعْدَ فَرَاغِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَمْلِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْوِلَادَةَ لَيْسَتْ بِقَيْدٍ.
وَيَتَعَلَّقُ بِالْعَلَقَةِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ.
تَسْمِيَةُ الدَّمِ عَقِبَهَا نِفَاسًا، وَوُجُوبُ الْغُسْلِ، وَيُفْطِرُ بِهَا الصَّائِمُ، وَتَزِيدُ عَلَيْهَا الْمُضْغَةُ بِأَمْرَيْنِ: انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ، وَثُبُوتُ الِاسْتِيلَادِ إنْ كَانَ فِيهَا صُورَةُ آدَمِيٍّ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ عَقِبَ الْوِلَادَةِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ مُضِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ الْوِلَادَةِ، وَإِلَّا فَلَا نِفَاسَ لَهَا، فَإِذَا رَأَتْهُ قَبْلَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَابْتِدَاؤُهُ أَيْ: ابْتِدَاءُ أَحْكَامِهِ مِنْ رُؤْيَةِ الدَّمِ، وَزَمَنُ النَّقَاءِ قَبْلَ رُؤْيَتِهِ لَا نِفَاسَ فِيهِ، لَكِنَّهُ مَحْسُوبٌ مِنْ السِّتِّينَ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ.
قَالَ: وَلَمْ أَرَ مَنْ حَقَّقَهُ.
قَالَ ز ي: فَلَا تَثْبُتُ الْأَحْكَامُ إلَّا مِنْ حِينِ خُرُوجِ الدَّمِ.
قُلْت: وَقَضِيَّتُهُ حِلُّ التَّمَتُّعِ قَبْلَ نُزُولِ الدَّمِ وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ م ر: وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا جَافًّا جَازَ وَطْؤُهَا قَبْلَ غُسْلِهَا؛ إذْ هُوَ كَالْجَنَابَةِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يَخْرُجُ عَقِبَ نَفْسٍ) أَوْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ النَّفْسِ أَيْ الدَّمِ يُقَالُ فِي فِعْلِهِ نُفِسَتْ الْمَرْأَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِهَا مَعَ كَسْرِ الْفَاءِ فِيهِمَا وَالضَّمُّ أَفْصَحُ، وَفِي فِعْلِ الْحَيْضِ أَيْ إذَا كَانَ نَفَسَ بِمَعْنَى حَاضَ نَفِسَتْ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ لَا غَيْرُ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَوْلُهُ: (فَلَيْسَا بِحَيْضٍ) مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِحَيْضٍ مُتَقَدَّمٍ عَلَى الطَّلْقِ، وَإِلَّا كَانَ كُلٌّ مِنْ الْخَارِجِ مَعَ الطَّلْقِ أَوْ الْوِلَادَةِ حَيْضًا أَيْضًا، حَتَّى لَوْ اسْتَمَرَّ الْخَارِجُ مَعَ الطَّلْقِ وَخُرُوجِ الْوَلَدِ إلَى أَنْ اتَّصَلَ الْخَارِجُ بِالنِّفَاسِ بَعْدَ تَمَامِ الْوِلَادَةِ كَانَ جَمِيعُهُ حَيْضًا، وَإِنْ لَزِمَ اتِّصَالُ النِّفَاسِ بِالْحَيْضِ بِدُونِ فَاصِلِ طُهْرٍ بَيْنَهُمَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ جَاوَزَ دَمُ النِّفَاسِ سِتِّينَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ اسْتِحَاضَةً، وَلَا يُجْعَلُ مَا بَعْدَ السِّتِّينَ حَيْضًا مُتَّصِلًا بِالنِّفَاسِ، وَاعْتِبَارُ الْمُتَّصِلِ بَيْنَهُمَا فِيمَا إذَا تَأَخَّرَ النِّفَاسُ دُونَ مَا إذَا تَقَدَّمَ.
اهـ. ع ش. عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَمَعْنَاهُ أَنْ لَا يَكُونَ مُتَرَاخِيًا عَمَّا قَبْلَهُ) وَضَابِطُ التَّرَاخِي بِأَنْ يَكُونَ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
قَوْلُهُ: (وَالِاسْتِحَاضَةُ هُوَ الدَّمُ) هَذَا التَّعْرِيفُ اتَّحَدَ فِيهِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ وَالشَّرْعِيُّ، وَعِبَارَةُ م د قَوْلُهُ: وَالِاسْتِحَاضَةُ هُوَ لُغَةً السَّيَلَانُ وَشَرْعًا الدَّمُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَدْنَى الرَّحِمِ) وَهُوَ مُسْتَقَرُّ الْوَلَدِ، وَمِنْ الطُّرُقِ الَّتِي تَعْرِفُ بِهَا الْمَرْأَةُ كَوْنَ الْخَارِجِ دَمَ حَيْضٍ، أَوْ اسْتِحَاضَةٍ أَنْ تَأْخُذَ مَنْ قَامَ بِهَا مَا ذُكِرَ مَاسُورَةً مَثَلًا وَتَضَعَهَا فِي فَرْجِهَا، فَإِنْ دَخَلَ الدَّمُ فِيهَا فَهُوَ حَيْضٌ، وَإِنْ ظَهَرَ عَلَى جَوَانِبِهَا فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ، وَهَذِهِ عَلَامَةٌ ظَنِّيَّةٌ فَقَطْ لَا قَطْعِيَّةٌ، وَإِلَّا لَمْ يُوجَدْ لَنَا مُسْتَحَاضَةٌ مُتَحَيِّرَةٌ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَخَرَجَ إثْرَ الْحَيْضِ إلَخْ) شَامِلٌ لِمَا تَرَاهُ الصَّغِيرَةُ وَالْآيِسَةُ، وَقِيلَ إنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ هِيَ الَّتِي يُجَاوِزُ دَمُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَيَسْتَمِرُّ، وَعَلَيْهِ فَدَمُ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ يُسَمَّى دَمَ فَسَادٍ لَا اسْتِحَاضَةٍ اهـ اج.
وَخَصَّهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِمَا إذَا خَرَجَ إثْرَ حَيْضٍ، وَمَا عَدَاهُ يُقَالُ لَهُ: دَمُ فَسَادٍ.
قَوْلُهُ: (وَالِاسْتِحَاضَةُ حَدَثٌ دَائِمٌ) هَذَا بَيَانٌ لِحُكْمِهَا الْإِجْمَالِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَمْنَعُ) إلَخْ بَيَانٌ لِحُكْمِهَا التَّفْصِيلِيِّ.
قَوْلُهُ: (لِلضَّرُورَةِ) وَيَجُوزُ وَطْؤُهَا وَإِنْ كَانَ دَمُهَا جَارِيًا فِي زَمَنٍ يُحْكَمُ لَهَا فِيهِ بِكَوْنِهَا طَاهِرَةً وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ شَرْحُ م ر وَقِ ل وح ل. قَوْلُهُ: (فَتَغْسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ فَرْجَهَا) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ، فَيَجِبُ أَنْ تَغْسِلَ مُسْتَحَاضَةٌ فَرْجَهَا فَتَحْشُوَهُ بِنَحْوِ قُطْنَةٍ فَتَعْصِبَهُ بِأَنْ تَشُدَّهُ بَعْدَ حَشْوِهِ بِذَلِكَ بِخِرْقَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَيْنِ تُخْرِجُ أَحَدَهُمَا أَمَامَهَا، وَالْآخَرَ وَرَاءَهَا وَتَرْبِطُهُمَا بِخِرْقَةٍ تَشُدُّ بِهَا وَسَطَهَا كَالتِّكَّةِ بِشَرْطِهِمَا أَيْ الْحَشْوِ وَالْعَصْبِ أَيْ: بِشَرْطِ وُجُوبِهِمَا بِأَنْ احْتَاجَتْهُمَا وَلَمْ تَتَأَذَّ بِهِمَا، وَلَمْ تَكُنْ

الْوُضُوءِ أَوْ التَّيَمُّمِ إنْ كَانَتْ تَتَيَمَّمُ وَبَعْدَ ذَلِكَ تَعْصِبُهُ وَتَتَوَضَّأُ بَعْدَ عَصْبِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ وَقْتَ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ فَلَا يَصِحُّ قَبْلَ الْوَقْتِ كَالتَّيَمُّمِ، وَبَعْدَ مَا ذُكِرَ تُبَادِرُ بِالصَّلَاةِ تَقْلِيلًا لِلْحَدَثِ، فَلَوْ أَخَّرَتْ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ كَسِتْرِ عَوْرَةٍ وَانْتِظَارِ جَمَاعَةٍ وَاجْتِهَادٍ فِي قِبْلَةٍ وَذَهَابٍ إلَى مَسْجِدٍ وَتَحْصِيلِ سُتْرَةٍ لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ بِذَلِكَ مُقَصِّرَةً، وَإِذَا أَخَّرَتْ لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ ضَرَّ فَيَبْطُلُ وُضُوءُهَا وَيَجِبُ إعَادَتُهُ، وَإِعَادَةُ الِاحْتِيَاطِ لِتَكَرُّرِ الْحَدَثِ وَالنَّجِسِ مَعَ اسْتِغْنَائِهَا عَنْ احْتِمَالِ ذَلِكَ بِقُدْرَتِهَا عَلَى الْمُبَادَرَةِ، وَيَجِبُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ فَرْضٍ وَلَوْ مَنْذُورًا كَالتَّيَمُّمِ لِبَقَاءِ الْحَدَثِ، وَكَذَا يَجِبُ لِكُلِّ فَرْضٍ تَجْدِيدُ الْعِصَابَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ غَسْلٍ قِيَاسًا عَلَى تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ، وَلَوْ انْقَطَعَ دَمُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَمْ تَعْتَدْ

[حاشية البجيرمي]

فِي الْحَشْوِ صَائِمَةً.
وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ بَلْ يَجِبُ عَلَى الصَّائِمَةِ تَرْكُ الْحَشْوِ نَهَارًا، وَلَوْ خَرَجَ الدَّمُ بَعْدَ الْعَصَبِ لِكَثْرَتِهِ لَمْ يَضُرَّ أَوْ لِتَقْصِيرِهَا فِيهِ ضَرَّ اهـ. وَقَوْلُهُ: تَغْسِلُ مُسْتَحَاضَةٌ أَيْ إنْ أَرَادَتْهُ، وَإِلَّا اسْتَعْمَلَتْ الْأَحْجَارَ بِنَاءً عَلَى جَوَازِهَا فِي النَّادِرِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَتَعْبِيرُهُ بِالْغُسْلِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ بِشَرْحِ م ر. وَيَجِبُ فِي الْحَشْوِ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا عَنْ مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ بَارِزًا عَنْهُ لِئَلَّا تَصِيرَ حَامِلًا لِمُتَّصِلٍ بِنَجَسٍ.
وَقَوْلُهُ: وَلَمْ تَتَأَذَّ بِهِمَا.
قَالَ حَجّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: وَيُتَّجَهُ أَنْ يَكْتَفِيَ فِي التَّأَذِّي بِالْحُرْقَانِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ مُبِيحُ تَيَمُّمٍ.
وَقَوْلُهُ: وَلَمْ تَكُنْ فِي الْحَشْوِ صَائِمَةً، وَإِنَّمَا حَافَظُوا عَلَى صِحَّةِ الصَّوْمِ لَا عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَكْسَ مَا فَعَلُوهُ فِيمَنْ ابْتَلَعَ بَعْضَ خَيْطٍ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَطَلَعَ الْفَجْرُ وَطَرَفُهُ خَارِجٌ حَيْثُ حَافَظُوا عَلَى الصَّلَاةِ بِوُجُوبِ نَزْعِهِ مَعَ إكْرَاهٍ أَوْ نَوْمٍ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ عِلَّةٌ مُزْمِنَةٌ، فَالظَّاهِرُ دَوَامُهَا، فَلَوْ رَاعَيْنَا الصَّلَاةَ لَتَعَذَّرَ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ لِلْحَشْوِ، وَلِأَنَّ الْمَحْذُورَ هُنَا لَا يَنْتَفِي بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنَّ الْحَشْوَ يَتَنَجَّسُ، وَهِيَ حَامِلَةٌ لَهُ بِخِلَافِهِ هُنَاكَ ز ي وَرَدَّهُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ وَنَصُّهُ: تَنْبِيهٌ، عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ صَلَاةَ الصَّائِمَةِ مَعَ تَرْكِ الْحَشْوِ صَحِيحَةٌ كَصَوْمِهَا، فَمُرَاعَاةُ الصَّوْمِ إنَّمَا حَصَلَتْ بِتَرْكِ الْحَشْوِ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ سُقُوطُ اسْتِشْكَالِ مَا هُنَا بِمَسْأَلَةِ الْخَيْطِ الْآتِيَةِ فِي الصَّوْمِ الَّتِي فِيهَا لُزُومُ بُطْلَانِ أَحَدِهِمَا، وَهِيَ مَا لَوْ ابْتَلَعَ خَيْطًا قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَصْبَحَ صَائِمًا، وَطَرَفُهُ خَارِجٌ حَيْثُ رَاعَوْا فِيهَا الصَّلَاةَ بِنَزْعِهِ لِصِحَّتِهَا لَا الصَّوْمَ بِبَقَائِهِ وَبُطْلَانِهَا، فَلَا حَاجَةَ لِلْجَوَابِ عَنْهَا بِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ عِلَّةٌ مُزْمِنَةٌ رُبَّمَا يَتَعَذَّرُ مَعَهَا قَضَاءُ الصَّوْمِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَتَتَوَضَّأُ) أَوْ تَتَيَمَّمُ، وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ فَتَتَطَهَّرُ.
قَوْلُهُ: (تُبَادِرُ بِالصَّلَاةِ) أَيْ الْفَرْضِ، أَمَّا النَّفَلُ فَلَا تَجِبُ الْمُبَادَرَةُ بِهِ لِجَوَازِ فِعْلِهِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْفَرْضِ ز ي. قَوْلُهُ: (لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ) وَهَلْ مِنْ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ النَّافِلَةُ، وَلَوْ مُطْلَقَةً، وَإِنْ طَالَ زَمَنُ ذَلِكَ أَوْ لَا، حَرِّرْ.
قُلْت: وَفِي الْإِيعَابِ وَلَهَا التَّأْخِيرُ لِلرَّاتِبَةِ الْقَبْلِيَّةِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّوْضِ، فَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ فِعْلَهَا لِلنَّفْلِ الْمُطْلَقِ مُضِرٌّ اهـ. ح ل. قَوْلُهُ: (وَانْتِظَارِ جَمَاعَةٍ) لَعَلَّ الْمُرَادَ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْجَمَاعَةُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَإِنْ طَالَ وَاسْتَغْرَقَ غَالِبَ الْوَقْتِ، وَإِنْ حُرِّمَ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا وَاضِحٌ بِالنِّسْبَةِ لِلسِّتْرِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ دُونَ غَيْرِهِمَا فَلْيُحَرَّرْ ح ل. وَقَالَ ع ش: أَيْ حَيْثُ عُذِرَتْ فِي التَّأْخِيرِ لِغَيْمٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهَا سَعَةُ الْوَقْتِ، وَلَا ضِيقُهُ فَبَالَغَتْ فِي الِاجْتِهَادِ، أَوْ طَلَبِ السُّتْرَةِ، وَإِلَّا بِأَنْ عَلِمَتْ ضِيقَ الْوَقْتِ فَلَا يَجُوزُ لَهَا التَّأْخِيرُ، وَالْقِيَاسُ حِينَئِذٍ امْتِنَاعُ صَلَاتِهَا بِذَلِكَ الطُّهْرِ، وَقَيَّدَ الْإِطْفِيحِيُّ الْجَمَاعَةَ بِالْمَطْلُوبَةِ، وَإِلَّا كَاقْتِدَاءٍ بِإِمَامٍ فَاسِقٍ وَجَدَتْ غَيْرَهُ فَيَضُرُّ التَّأْخِيرُ لَهَا اهـ. قَوْلُهُ: (وَتَحْصِيلِ سُتْرَةٍ) وَإِجَابَةِ مُؤَذِّنٍ أَمَّا الْأَذَانُ فَلَيْسَ لَهَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَضُرَّ) وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ.
قَوْلُهُ: (لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ) كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ.
قَوْلُهُ: (وُضُوءُهَا) أَوْ تَيَمُّمُهَا.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ فَرْضٍ إلَخْ) وَلَهَا أَنْ تَتَنَفَّلَ مَا شَاءَتْ بِوُضُوءٍ فِي الْوَقْتِ إنْ تَوَضَّأَتْ لِلْفَرْضِ، وَلَا تَتَنَفَّلُ خَارِجَهُ أَيْ إنْ كَانَ غَيْرَ رَاتِبَةِ ذَلِكَ الْفَرْضِ أَمَّا رَاتِبَةُ ذَلِكَ الْفَرْضِ فَتُصَلِّيهِ وَلَوْ خَارِجَ الْوَقْتِ، وَبِهِ جَمَعَ م ر بَيْنَ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ الْمُتَنَاقِضِ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي سم وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُتَيَمِّمِ بِتَجَدُّدِ حَدَثِهَا اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (وَكَذَا يَجِبُ لِكُلِّ فَرْضٍ تَجْدِيدُ الْعِصَابَةِ) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَزُلْ عَنْ مَحَلِّهَا، وَلَمْ يَظْهَرْ الدَّمُ عَلَى جَوَانِبِهَا، وَمَحَلُّ وُجُوبِ.
تَجْدِيدِهَا عِنْدَ تَلْوِيثِهَا بِمَا لَا يُعْفَى عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ تَتَلَوَّثْ أَوْ تَلَوَّثَتْ بِمَا يُعْفَى عَنْهُ لِقِلَّتِهِ، فَالْوَاجِبُ فِيمَا يَظْهَرُ تَجْدِيدُ رِبَاطِهَا لِكُلِّ فَرْضٍ لَا تَغْيِيرُهَا بِالْكُلِّيَّةِ.
اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ غَسْلٍ إلَخْ) أَيْ وَحَشْوٍ.
قَوْلُهُ: (قِيَاسًا عَلَى تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ) أَيْ إعَادَةِ الْوُضُوءِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهَا.

انْقِطَاعَهُ وَعَوْدَهُ، أَوْ اعْتَادَتْ ذَلِكَ وَوَسِعَ زَمَنُ الِانْقِطَاعِ بِحَسَبِ الْعَادَةِ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ وَجَبَ الْوُضُوءُ، وَإِزَالَةُ مَا عَلَى الْفَرْجِ مِنْ الدَّمِ.

(وَأَقَلُّ الْحَيْضِ) زَمَنًا (يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) أَيْ مِقْدَارُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً فَلَكِيَّةً (وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) بِلَيَالِيِهَا وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ الدِّمَاءُ، وَالْمُرَادُ خَمْسَةَ عَشَرَ لَيْلَةً، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ دَمُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ بِلَيْلَتِهِ كَأَنْ رَأَتْ الدَّمَ أَوَّلَ النَّهَارِ لِلِاسْتِقْرَاءِ، وَأَمَّا خَبَرُ: «أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشْرَةُ أَيَّامٍ» فَضَعِيفٌ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ.
(وَغَالِبُهُ) أَيْ الْحَيْضِ (سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ) وَبَاقِي الشَّهْرِ غَالِبُ الطُّهْرِ لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: تَحَيَّضِي

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (وَجَبَ الْوُضُوءُ) أَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَظَاهِرٌ لِلْعَادَةِ، وَأَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ انْقِطَاعِهِ عَدَمُ عَوْدِهِ، فَلَوْ عَادَ عَنْ قُرْبٍ تَبَيَّنَ عَدَمُ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ عَلَيْهَا كَمَا فِي الْمَنْهَجِ، وَعِبَارَتُهُ: وَيَجِبُ طُهْرٌ إنْ انْقَطَعَ دَمُهَا بَعْدَهُ، أَوْ فِيهِ لَا إنْ عَادَ قَرِيبًا.
وَقَالَ ق ل حَاصِلُهُ: أَنَّهُ إنْ وَسِعَ زَمَنُ انْقِطَاعِهِ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ وَجَبَ الْوُضُوءُ وَمَا مَعَهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَا عِبْرَةَ بِعَادَةٍ، وَلَا عَدَمِهَا.

قَوْلُهُ: (زَمَنًا) قَدَّرَهُ دَفْعًا لِمَا وَرَدَ عَلَى الْمَتْنِ مِنْ أَنَّ فِيهِ الْإِخْبَارَ بِالزَّمَنِ عَنْ الْجُثَّةِ وَهُوَ الدَّمُ؛ لِأَنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ بَعْضُ مَا يُضَافُ إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: (أَيْ مِقْدَارَ) أَتَى بِذَلِكَ لِيَدْخُلَ مَا لَوْ رَأَتْهُ أَثْنَاءَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ بُلُوغُ مِثْلِهِ مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ أَوْ اللَّيْلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا، لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ أَنْ يَتَّصِلَ دِمَاؤُهُ بِحَيْثُ لَوْ وَضَعَتْ الْقُطْنَةَ لَتَلَوَّثَتْ اهـ اج وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ الْمُحَوَّلِ عَنْ الْمُضَافِ أَيْ: أَقَلُّ زَمَنِهِ يَوْمٌ إلَخْ، وَإِنَّمَا آثَرَ ذَلِكَ التَّمْيِيزَ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُضَافِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاخْتِصَارِ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَدَّرَهُ بَيْنَ الْمُتَضَايِفَيْنِ فَقَالَ: وَأَقَلُّ زَمَنِهِ فَصَلَ بَيْنَ الْمُتَضَايِفَيْنِ، وَإِنْ أَخَّرَ الْبَيَانَ عَنْ الْمَتْنِ فَقَالَ أَيْ: أَقَلُّ زَمَنِهِ بَعْدَ، وَأَقَلُّ أَدَّى إلَى طُولٍ فَمَا ذَكَرَهُ أَخَصْرُ وَأَوْلَى ع ش. وَفِيهِ أَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَ الْمُتَضَايِفَيْنِ هُنَا لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّ الْفَاصِلَ لَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ بَلْ هُوَ أَخْصَرُ، وَأَظْهَرُ مِمَّا صَنَعَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ مِقْدَارُ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ وُجُودَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بِمَعْنَاهُمَا اللُّغَوِيِّ غَيْرُ مُرَادٍ، وَأَسْقَطَ الشَّارِحُ لَفْظَ مُتَّصِلًا، وَزَادَهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: أَيْ قَدْرُهُمَا مُتَّصِلًا قَالَ ح ل: هُوَ قَيْدٌ فِي تَحَقُّقِ الْأَقَلِّ فَقَطْ أَيْ لَا يُتَصَوَّرُ الْأَقَلُّ فَقَطْ إلَّا إذَا رَأَتْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَاعَةً عَلَى الِاتِّصَالِ، وَأَمَّا لَوْ رَأَتْهَا مُتَفَرِّقَةً فِي أَيَّامٍ لَا يَكُونُ أَقَلَّ فَقَطْ، وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَ شَيْخِنَا.
رَأَتْ دِمَاءً مُتَقَطِّعَةً يَنْقُصُ كُلٌّ مِنْهَا عَنْ يَوْمٍ، وَإِذَا جُمِعَ بَلَغَ يَوْمًا وَلَيْلَةً عَلَى الِاتِّصَالِ، فَيَكُونُ كَافِيًا فِي حُصُولِ أَقَلِّ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْأَقَلَّ لَهُ صُورَتَانِ: أَقَلُّ فَقَطْ، وَأَقَلُّ مَعَ غَيْرِهِ إمَّا مَعَ الْغَالِبِ أَوْ مَعَ الْأَكْثَرِ اهـ ح ل. قَوْلُهُ: (وَأَكْثَرُهُ) أَيْ زَمَنًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ الدِّمَاءُ) فِي إسْنَادِ الْفِعْلِ لِلدِّمَاءِ إشَارَةٌ إلَى قِرَاءَةِ الْفِعْلِ بِفَوْقِيَّتَيْنِ، وَيَجُوزُ بِتَحْتِيَّةٍ فَفَوْقِيَّةٍ، وَالتَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ مَجْمُوعُ الدِّمَاءِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: وَكَانَ وَقْتُ الدِّمَاءِ مَجْمُوعُهَا أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً كَمَا قَالَهُ ح ل. وَيُقَالُ لِهَذَا أَقَلُّ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ قَدْرُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ وُجِدَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ إلَخْ) لَوْ قَالَ سَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ اللَّيَالِيُ عَلَى الْأَيَّامِ أَوْ تَأَخَّرَتْ لَكَانَ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ، وَلَوْ طَرَأَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ اُعْتُبِرَ قَدْرُ الْمَاضِي مِنْهُمَا مِنْ السَّادِسَ عَشَرَ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (لِلِاسْتِقْرَاءِ) ؛ إذْ لَا ضَابِطَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لُغَةً وَلَا شَرْعًا فَرُجِعَ فِيهِ إلَى الْمُتَعَارَفِ بِالِاسْتِقْرَاءِ.
وَالْمُرَادُ بِالِاسْتِقْرَاءِ النَّاقِصُ وَهُوَ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ فَيُفِيدُ الظَّنَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَتَبُّعٌ لِأَكْثَرِ الْجُزْئِيَّاتِ بَلْ يُكْتَفَى بِتَتَبُّعِ الْبَعْضِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ كَمَا هُنَا، وَهَذَا مَا انْحَطَّ عَلَيْهِ كَلَامُ سم فِي الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ.
وَفِي ع ش عَلَى م ر نَقْلًا عَنْ عَمِيرَةَ مَا نَصُّهُ قَالُوا: لِأَنَّ مَا لَا ضَابِطَ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَلَا الشَّرْعِ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَقْدِيمَ اللُّغَةِ عَلَى الْعُرْفِ وَيُخَالِفُهُ قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ: إنَّ اللَّفْظَ يُحْمَلُ أَوَّلًا عَلَى الشَّرْعِيِّ ثُمَّ الْعُرْفِيِّ ثُمَّ اللُّغَةِ اهـ. وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْعُرْفَ يُقَدَّمُ عَلَى اللُّغَةِ فِي بَيَانِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، وَمَا هُنَا لَيْسَ مِنْهُ بَلْ مِنْ بَيَانِ الضَّابِطِ الْمُطَّرِدِ الَّذِي هُوَ كَالْقَاعِدَةِ، وَيَجُوزُ أَنَّ أَهْلَ الْأُصُولِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ أَيْ لِلضَّابِطِ، وَلَوْ أَخَّرَ الشَّارِحُ قَوْلَهُ لِلِاسْتِقْرَاءِ عَنْ ذِكْرِ الْغَالِبِ لَكَانَ أَوْلَى كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ فَلَوْ أَخَّرَ هَذَا إلَى هُنَا لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ أَبِي دَاوُد إلَخْ) فِيهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَ غَالِبُ الْحَيْضِ، خُصُوصًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ مُعْتَادَةٌ فَرُدَّتْ

فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ مِيقَاتَ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» أَيْ الْتَزِمِي الْحَيْضَ وَأَحْكَامَهُ فِيمَا أَعْلَمَكِ اللَّهُ مِنْ عَادَةِ النِّسَاءِ مِنْ سِتَّةٍ أَوْ سَبْعَةٍ، وَالْمُرَادُ غَالِبُهُنَّ لِاسْتِحَالَةِ اتِّفَاقِ الْكُلِّ عَادَةً، وَلَوْ اطَّرَدَتْ عَادَةُ امْرَأَةٍ بِأَنْ تَحِيضَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ يُتَّبَعْ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ بَحْثَ الْأَوَّلِينَ أَتَمُّ، وَاحْتِمَالُ عُرُوضِ دَمِ فَسَادٍ لِلْمَرْأَةِ أَقْرَبُ مِنْ خَرْقِ الْعَادَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ وَتُسَمَّى الْمُجَاوِزَةُ لِلْخَمْسَةِ عَشَرَ بِالْمُسْتَحَاضَةِ فَيُنْظَرُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً وَهِيَ الَّتِي ابْتَدَأَهَا الدَّمُ مُمَيِّزَةً بِأَنْ تَرَى فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ دَمًا قَوِيًّا وَفِي بَعْضِهَا دَمًا ضَعِيفًا فَالضَّعِيفُ اسْتِحَاضَةٌ، وَالْقَوِيُّ مِنْهُ حَيْضٌ إنْ لَمْ يَنْقُصْ الْقَوِيُّ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ وَلَا جَاوَزَ أَكْثَرَهُ، وَلَا نَقَصَ الضَّعِيفُ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا كَمَا سَيَأْتِي، وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ بِأَنْ رَأَتْهُ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فَقَدَتْ شَرْطَ تَمْيِيزٍ مِنْ شُرُوطِهِ

[حاشية البجيرمي]

لِعَادَتِهَا.
وَقَدْ يُقَالُ: قَوْلُهُ: مِيقَاتَ حَيْضِهِنَّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَ هُوَ الْغَالِبُ.
قَوْلُهُ: (لِحَمْنَةَ) هِيَ أُخْتُ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ زَوْجَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اهـ اج.
وَاسْمُ أُمِّهَا أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ.
وَكَانَتْ مُعْتَادَةً غَيْرَ مُمَيَّزَةٍ.
اهـ. م ر. أَيْ وَكَانَتْ عَادَتُهَا مُخْتَلِفَةً فَتَارَةً سِتَّةٌ وَتَارَةً سَبْعَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ الْآتِي سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، أَيْ؛ لِأَنَّهَا تُرَدُّ لِلْعَادَةِ وَكَانَتْ مُسْتَحَاضَةً كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
قَوْلُهُ: (تَحَيَّضِي) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمَفْتُوحَةِ.
قَوْلُهُ: «فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً» أَيْ وَتَطْهُرِي بَقِيَّةَ الشَّهْرِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ، فَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ كَمَا قَرَّرَهُ م ر. وَالْمُرَادُ بِعِلْمِ اللَّهِ مَعْلُومُهُ أَيْ فِيمَا أَعْلَمَكِ اللَّهُ وَأَوْ فِي قَوْلِهِ أَوْ سَبْعَةً لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ) أَيْ غَالِبُهُنَّ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
وَالْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ: تَحِيضُ أَنْ يُضْبَطَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ كَمَا فِي ع ش. قَوْلُهُ: (مِيقَاتَ) بَدَلٌ مِنْ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً أَيْ: وَمِنْ بَقِيَّةِ الشَّهْرِ الْمُقَدَّرِ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ تَحَيَّضِي سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً وَتَطَهَّرِي بَقِيَّةَ الشَّهْرِ، أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَذَلِكَ مِيقَاتُ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (أَيْ الْتَزِمِي) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ تَحَيَّضِي.
وَقَوْلُهُ: (وَأَحْكَامَهُ) تَفْسِيرٌ فَالْمُرَادُ بِهَا مَا يَحْرُمُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ بَحْثَ الْأَوَّلِينَ) أَيْ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ بَعْدَهُ أَتَمُّ فَهُوَ إجْمَاعٌ ق ل. قَوْلُهُ: (وَاحْتِمَالُ عُرُوضِ دَمِ إلَخْ) أَيْ وَالْحُكْمُ عَلَى دَمِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِالْفَسَادِ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ حَيْضًا خَارِقًا لِلْإِجْمَاعِ.
اهـ. ق ل. وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ مَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِمُجَرَّدِ طُرُوءِ الدَّمِ أَيْ يُحْكَمُ بِوُقُوعِهِ ثُمَّ إنْ اسْتَمَرَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَأَكْثَرَ اسْتَمَرَّ الْحُكْمُ بِالْوُقُوعِ.
وَإِنْ انْقَطَعَ قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بَانَ عَدَمُهُ، فَلَوْ مَاتَتْ قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَهَلْ يَسْتَمِرُّ حُكْمُ الطَّلَاقِ لِلْحُكْمِ بِهِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ خِلَافُهُ أَوَّلًا نَظَرًا لِبَقَاءِ الْعِصْمَةِ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
اهـ. سم.
قُلْت: وَاَلَّذِي يَأْتِي لَمْ ر فِي بَابِ الطَّلَاقِ اسْتِمْرَارُهُ.
وَعِبَارَتُهُ: لَوْ عَلَّقَ بِالْحَيْضِ وَقَعَ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ حَتَّى لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أُجْرِيَتْ عَلَيْهَا أَحْكَامُ الطَّلَاقِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ، وَإِنْ احْتَمَلَ كَوْنُهُ دَمَ فَسَادٍ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (بِالْمُسْتَحَاضَةِ) وَهِيَ سَبْعَةُ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهَا إمَّا مُبْتَدَأَةٌ أَوْ مُعْتَادَةٌ كُلٌّ مِنْهُمَا مُمَيِّزَةٌ أَوْ غَيْرُ مُمَيِّزَةٍ وَالْمُعْتَادَةُ الْمُمَيِّزَةُ إمَّا ذَاكِرَةٌ الْوَقْتَ وَالْقَدْرَ أَوْ نَاسِيَةٌ لَهُمَا أَوْ نَاسِيَةٌ لِأَحَدِهِمَا ذَاكِرَةٌ لِلْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (فَالضَّعِيفُ اسْتِحَاضَةٌ) أَيْ وَإِنْ طَالَ، فَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً دَمًا أَسْوَدَ ثُمَّ أَحْمَرَ مُسْتَمِرًّا سِنِينَ كَثِيرَةً، فَإِنَّ الضَّعِيفَ كُلَّهُ طُهْرٌ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الطُّهْرِ لَا حَدَّ لَهُ ز ي. وَقَوْلُهُ: وَالْقَوِيُّ حَيْضٌ أَيْ مَعَ ضَعِيفٍ أَوْ نَقَاءٍ تَخَلَّلَهُ كَأَنْ رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً سَوَادًا ثُمَّ كَذَلِكَ حُمْرَةً أَوْ نَقَاءً ثُمَّ سَوَادًا، وَهَكَذَا إلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، ثُمَّ أَطْبَقَتْ الْحُمْرَةُ.
اهـ. ز ي. وَعِبَارَةُ اط ف قَوْلُهُ: وَالْقَوِيُّ حَيْضٌ أَيْ وَإِنْ اخْتَلَفَ كَأَنْ رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا وَخَمْسَةً حُمْرَةً وَخَمْسَةً شُقْرَةً، ثُمَّ أَطْبَقَتْ الصُّفْرَةُ فَمَا قَبْلَ الصُّفْرَةِ حَيْضٌ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى مِمَّا بَعْدَهَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ) إلَخْ وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ اهـ. قَوْلُهُ: (وَلَا نَقَصَ الضَّعِيفُ) قَالَ فِي الذَّخَائِرِ: لَا يُحْتَاجُ لَهُ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالثَّانِي؛ لِأَنَّ الْقَوِيَّ إذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ لَزِمَ أَنْ لَا يَنْقُصَ الضَّعِيفُ عَنْهَا، وَرَدَّهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَلْزَمُ إذَا كَانَ الدَّوْرُ ثَلَاثِينَ فَيُحْتَاجُ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: (فِي الْجُمْلَةِ) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ دَوْرُهَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِينَ فَيَكُونُ الْقَوِيُّ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَالضَّعِيفُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَتَكُونُ فَاقِدَةً شَرْطًا.
وَبَقِيَ شَرْطٌ رَابِعٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الضَّعِيفُ مُتَوَالِيًا بِخِلَافِ مَا لَوْ رَأَتْ يَوْمًا أَسْوَدَ وَيَوْمَيْنِ أَوْ

السَّابِقَةِ فَحَيْضُهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.
وَطُهْرُهَا تِسْعٌ وَعِشْرُونَ تَتِمَّةُ الشَّهْرِ، وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ بِأَنْ سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ وَطُهْرٌ، وَهِيَ تَعْلَمُهُمَا قَدْرًا وَوَقْتًا فَتَرُدُّ إلَيْهِمَا قَدْرًا وَوَقْتًا، وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهَا مَا ذُكِرَ إنْ لَمْ تَخْتَلِفْ بِمَرَّةٍ وَيُحْكَمُ لِمُعْتَادَةٍ مُمَيِّزَةٍ بِتَمْيِيزٍ لَا عَادَةٍ مُخَالِفَةٍ لَهُ، وَلَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ طُهْرٍ؛ لِأَنَّ التَّمْيِيزَ أَقْوَى مِنْ الْعَادَةِ لِظُهُورِهِ، فَإِنْ نَسِيَتْ عَادَتَهَا قَدْرًا وَوَقْتًا وَهِيَ

[حاشية البجيرمي]

يَوْمًا أَحْمَرَ، وَهَكَذَا إلَى آخِرِ الشَّهْرِ فَهِيَ فَاقِدَةٌ شَرْطًا مِمَّا ذُكِرَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِهَا شَرْحُ الْمَنْهَجِ، وَهُوَ أَنَّ حَيْضَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَمَحَلُّ الشَّرْطِ الثَّالِثِ أَعْنِي قَوْلَهُ: وَلَا نَقَصَ الضَّعِيفُ إلَخْ.
إنْ اسْتَمَرَّ الدَّمُ فَلَا يَرِدُ مَا إذَا رَأَتْ يَوْمًا وَلَيْلَةً أَسْوَدَ أَوْ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً أَسْوَدَ ثُمَّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَحْمَرَ، ثُمَّ انْقَطَعَ الدَّمُ فَإِنَّ حَيْضَهَا هُوَ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ طُهْرٌ مَعَ نَقْصِهِ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ز ي. قَوْلُهُ: (فَقَدَتْ) بِفَتْحِ الْقَافِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (فَحَيْضُهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) أَيْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ إنْ عَرَفَتْ وَقْتَ ابْتِدَاءِ الدَّمِ، وَإِلَّا فَمُتَحَيِّرَةٌ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَالَ ح ل: لِأَنَّ سُقُوطَ الصَّلَاةِ عَنْهَا فِي هَذَا الْقَدْرِ أَعْنِي الْيَوْمَ وَاللَّيْلَةَ مُتَيَقَّنٌ، وَفِيمَا عَدَاهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يُتْرَكُ الْيَقِينُ إلَّا بِمِثْلِهِ أَوْ أَمَارَةٍ ظَاهِرَةٍ مِنْ تَمْيِيزٍ أَوْ عَادَةٍ، لَكِنَّهَا فِي الدَّوْرِ الْأَوَّلِ تُمْهَلُ حَتَّى يَعْبُرَ الدَّمُ أَكْثَرَهُ فَتَغْتَسِلُ وَتَقْضِي عِبَادَةَ مَا زَادَ عَلَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَفِي الدَّوْرِ الثَّانِي تَغْتَسِلُ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إنْ اسْتَمَرَّتْ عَلَى فَقْدِ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ ح ل وم ر. قَوْلُهُ: (تِسْعٌ وَعِشْرُونَ) إنَّمَا حَذَفَ التَّاءَ مِنْ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُودَ مَحْذُوفٌ أَيْ: وَهُوَ يَوْمًا أَوْ تَغْلِيبًا لِلَّيَالِيِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُغَلِّبُ التَّأْنِيثَ فِي أَسْمَاءِ الْعَدَدِ إذَا أَرَادَتْ ذَلِكَ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] كَمَا ذَكَرَهُ الْبِرْمَاوِيُّ، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ طُهْرَهَا أَقَلُّ الطُّهْرِ أَوْ غَالِبُهُ، وَيُحْتَاطُ فِيمَا زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَلَمْ يَقُلْ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ مَعَ أَنَّهُ أَخَصْرُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ مَا ذُكِرَ لَتُوُهِّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّهْرِ الْهِلَالِيُّ الصَّادِقُ بِتِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ، فَيَكُونُ بَقِيَّتُهُ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّهْرَ مَتَى أُطْلِقَ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْهِلَالِيُّ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي الْمُمَيِّزَةِ الْفَاقِدَةِ شَرْطًا، وَفِي الْمُتَحَيِّرَةِ، وَفِي الْحَمْلِ بِالنَّظَرِ لِأَقَلِّهِ وَغَالِبِهِ، فَإِنَّ الشَّهْرَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ عَدَدِيٌّ أَعْنِي ثَلَاثِينَ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا ح ف. قَوْلُهُ: (قَدْرًا وَوَقْتًا) أَيْ وَإِنْ بَلَغَتْ سِنَّ الْيَأْسِ أَوْ زَادَ دَوْرُهَا عَلَى تِسْعِينَ يَوْمًا كَأَنْ لَمْ تَحِضْ فِي كُلِّ سَنَةٍ إلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ، فَهِيَ الْحَيْضُ وَبَاقِي السَّنَةِ طُهْرٌ اهـ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ) هِيَ تَكَرُّرُ الشَّيْءِ عَلَى نَهْجٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي الْبِرْمَاوِيِّ لَكِنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لَا يَنْطَبِقُ عَلَى قَوْلِ الشَّرْحِ وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِمَرَّةٍ فَلَعَلَّ تَسْمِيَةَ الْفُقَهَاءِ لِمِثْلِ هَذَا عَادَةً مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ وَإِلَّا فَفِي اللُّغَةِ مَا يَقْتَضِي مِثْلَ مَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ فَفِي الْمِصْبَاحِ وَالْعَادَةُ مَعْرُوفَةٌ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يُعَاوِدُهَا أَيْ يَرْجِعُ إلَيْهَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
اهـ. . قَوْلُهُ: (بِمَرَّةٍ) ؛ لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ الِابْتِدَاءِ، وَمَحَلُّ ثُبُوتِهَا بِمَرَّةٍ إنْ لَمْ تَخْتَلِفْ فَمَنْ حَاضَتْ فِي شَهْرٍ خَمْسَةً، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ رُدَّتْ إلَى الْخَمْسَةِ، فَإِنْ اخْتَلَفَتْ فَفِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ أَنَّهَا إنْ انْتَظَمَتْ وَلَمْ تَنْسَ انْتِظَامَهَا لَمْ تَثْبُتْ إلَّا مَرَّتَيْنِ كَأَنْ حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَةً، وَفِي ثَانِيهِ خَمْسَةً، وَفِي ثَالِثِهِ سَبْعَةً، وَفِي رَابِعِهِ ثَلَاثَةً، وَفِي الْخَامِسِ خَمْسَةً، وَفِي السَّادِسِ سَبْعَةً، ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ فِي السَّابِعِ فَتَجْرِي عَلَى هَذَا الِانْتِظَامِ بِأَنْ تَجْعَلَ حَيْضَهَا فِي السَّابِعِ ثَلَاثًا، وَفِي الثَّامِنِ خَمْسَةً، وَفِي التَّاسِعِ سَبْعَةً وَهَكَذَا.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا) أَيْ التَّمْيِيزِ وَالْعَادَةِ، فَإِنْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا عَمِلَ بِالتَّمْيِيزِ وَالْعَادَةِ جَمِيعًا اج.
فَلَوْ كَانَتْ عَادَتُهَا خَمْسَةً مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَبَقِيَّتُهُ طُهْرٌ، فَرَأَتْ عَشَرَةً أَسْوَدَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، وَبَقِيَّتُهُ أَحْمَرَ حُكِمَ بِأَنَّ حَيْضَهَا الْعَشَرَةُ لَا الْخَمْسَةُ الْأُولَى مِنْهَا.
أَمَّا إذَا تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ الطُّهْرِ كَأَنْ رَأَتْ بَعْدَ خَمْسَتِهَا عِشْرِينَ ضَعِيفًا ثُمَّ خَمْسَةً قَوِيًّا، فَقَدْرُ الْعَادَةِ حَيْضٌ لِلْعَادَةِ، وَالْقَوِيُّ حَيْضٌ آخَرُ شَرْحُ الْمَنْهَجِ أَيْ؛ لِأَنَّ بَيْنَهُمَا طُهْرًا كَامِلًا.
قَوْلُهُ: (لِظُهُورِهِ) الْمُرَادُ بِظُهُورِهِ: مُشَاهَدَةُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.
1 - قَوْلُهُ: (فَإِنْ نَسِيَتْ عَادَتَهَا قَدْرًا وَوَقْتًا) . هَذِهِ تُسَمَّى مُتَحَيِّرَةً تَحَيُّرًا مُطْلَقًا، وَأَمَّا الذَّاكِرَةُ لِأَحَدِهِمَا فَتُسَمَّى مُتَحَيِّرَةً

مُمَيِّزَةٌ فَكَحَائِضٍ فِي أَحْكَامِهَا السَّابِقَةِ لِاحْتِمَالِ كُلِّ زَمَنٍ يَمُرُّ عَلَيْهَا الْحَيْضُ، لَا فِي طَلَاقٍ وَعِبَادَةٍ تَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ كَصَلَاةٍ، وَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ فَرْضٍ إنْ جَهِلَتْ وَقْتَ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَتَصُومُ رَمَضَانَ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً ثُمَّ شَهْرًا كَامِلًا، فَيَحْصُلُ لَهَا

[حاشية البجيرمي]

تَحَيُّرًا نِسْبِيًّا.
وَقَوْلُهُ: مُتَحَيِّرَةٌ وَتُسَمَّى أَيْضًا مُحَيِّرَةً؛ لِأَنَّهَا عَلَى الْأَوَّلِ تَحَيَّرَتْ فِي أَمْرِهَا، وَعَلَى الثَّانِي حَيَّرَتْ الْفَقِيهَ فِي أَمْرِهَا إنْ قُرِئَتْ بِكَسْرِ الْيَاءِ أَوْ حَيَّرَهَا الْفَقِيهُ إنْ قُرِئَتْ بِفَتْحِهَا، وَهَذَا قَبْلَ تَدْوِينِ أَحْكَامِهَا فِي الْكُتُبِ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ غَيْرُ مُمَيِّزَةٍ) الْجُمْلَةُ الْحَالِيَّةُ.
قَوْلُهُ: (فَكَحَائِضٍ) وَيَسْتَمِرُّ وُجُوبُ نَفَقَتِهَا عَلَى الزَّوْجِ، وَإِنْ مُنِعَ مِنْ الْوَطْءِ وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ وَطْأَهَا مُتَوَقَّعٌ، وَعِدَّتُهَا إنْ لَمْ تَكُنْ حَامِلًا بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فِي الْحَالِ م ر. قَوْلُهُ: (فِي أَحْكَامِهَا السَّابِقَةِ) . كَتَمَتُّعٍ وَقِرَاءَةٍ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ أَيْ كَحُرْمَةِ تَمَتُّعٍ وَقِرَاءَةٍ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَاءَةَ لَيْسَا حُكْمًا، فَتَحْرُمُ عَلَيْهَا الْقِرَاءَةُ وَإِنْ خَافَتْ نِسْيَانَ الْقُرْآنِ لِتَمَكُّنِهَا مِنْ إجْرَائِهِ عَلَى قَلْبِهَا، أَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَجَائِزَةٌ مُطْلَقًا أَيْ فَاتِحَةٌ وَغَيْرُهَا، وَلَوْ جَمِيعَ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ حَدَثَهَا غَيْرُ مُحَقَّقٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِخِلَافِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ ح ل وَقِ ل، وَالْمُرَادُ بِالتَّمَتُّعِ التَّمَتُّعُ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا كَالْحَائِضِ فِي التَّمَتُّعِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلِهِ، وَكَالطَّاهِرِ فِي الطَّلَاقِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ وَالطَّوَافِ، وَمَحَلُّ جَوَازِ دُخُولِهَا الْمَسْجِدَ إذَا كَانَ لِعِبَادَةٍ مُتَوَقِّفَةٍ عَلَى دُخُولِهِ كَالطَّوَافِ وَالِاعْتِكَافِ، وَلَوْ مَنْدُوبَيْنِ، وَإِذَا أَجْرَتْ الْقُرْآنَ عَلَى قَلْبِهَا فَتُثَابُ عَلَى ذَلِكَ لِعُذْرِهَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف قَالَ ع ش عَلَى م ر: فَلَوْ لَمْ يَكْفِ فِي دَفْعِ النِّسْيَانِ إجْرَاؤُهُ عَلَى قَلْبِهَا وَلَمْ يَتَّفِقُ لَهَا قِرَاءَتُهُ فِي الصَّلَاةِ لِمَانِعٍ قَامَ بِهَا كَاشْتِغَالِهَا بِصَنْعَةٍ تَمْنَعُهَا مِنْ تَطْوِيلِ الصَّلَاةِ وَالنَّافِلَةِ جَازَ لَهَا الْقِرَاءَةُ، وَيَجُوزُ لَهَا الْقِرَاءَةُ لِلتَّعَلُّمِ؛ لِأَنَّ تَعَلُّمَ الْقِرَاءَةِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَيَنْبَغِي جَوَازُ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلِهِ إنْ تَوَقَّفَتْ قِرَاءَتُهَا، عَلَيْهِمَا، وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ الْقِرَاءَةِ خَوْفَ النِّسْيَانِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَقْصِدَ بِتِلَاوَتِهَا الذِّكْرَ أَوْ تُطْلِقَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ دَفْعِ النِّسْيَانِ مَعَ ذَلِكَ؟ قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ، بَلْ يَجُوزُ لَهَا قَصْدُ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ حَدَثَهَا غَيْرُ مُحَقَّقٍ، وَالْعُذْرُ قَائِمٌ بِهَا، فَلَا تُمْنَعُ مِنْ قَصْدِ الْقِرَاءَةِ الْمُحَصِّلِ لِلثَّوَابِ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ قِرَاءَتُهَا مَشْرُوعَةً سُنَّ لِلسَّامِعِ لَهَا سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَإِلَّا فَلَا.
كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. وَقَوْلُهُ: السَّابِقَةِ كَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يُبَدِّلَ قَوْلَهُ: السَّابِقَةِ بِاللَّاحِقَةِ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَهَا سَتَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَيَحْرُمُ بِالْحَيْضِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ سَرَتْ لَهُ مِنْ شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (لِاحْتِمَالِ كُلِّ زَمَنٍ يَمُرُّ عَلَيْهَا الْحَيْضُ) وَإِنَّ بَلَغَتْ سِنَّ الْيَأْسِ خِلَافًا لِلْمَحَامِلِيِّ اهـ ح ل. قَوْلُهُ: (تَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ) بِخِلَافِ مَا لَا تَفْتَقِرُ لِنِيَّةٍ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ خَارِجَ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (كَصَلَاةٍ) أَيْ وَلَوْ مَنْذُورَةً وَصَلَاةَ جِنَازَةٍ، وَتَكْفِي مِنْهَا وَيَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ وَلَوْ بِحَضْرَةِ غَيْرِهَا مِنْ مُتَطَهِّرٍ كَامِلٍ خِلَافًا لِلْعَلَّامَةِ الْخَطِيبِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
وَقَالَ حَجّ: كَصَلَاةٍ وَلَوْ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ وَسَطَهُ، وَمَا فِي الْحَاوِي عَنْ الْأَصْحَابِ مِنْ تَعَيُّنِ آخِرِهِ شَاذٌّ مَتْرُوكٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ، وَلَا يَلْزَمُهَا الِاقْتِصَارُ عَلَى أَقَلِّ وَاجِبٍ، بَلْ يَجُوزُ لَهَا الْإِتْيَانُ بِسُنَنِ الصَّلَاةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَيْهَا خِلَافًا لِمَا فِي الْعُبَابِ، وَتُصَلِّي خَارِجَ الْمَسْجِدِ، لَكِنْ لَهَا دُخُولُهُ لِلِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُهُ إلَّا لِعِبَادَةٍ لَا تَحْصُلُ إلَّا فِيهِ كَالطَّوَافِ وَالِاعْتِكَافِ، وَمَحَلُّ دُخُولِهَا الْمَسْجِدُ لَهُ إنْ أَمِنَتْ تَلْوِيثَهُ، وَإِنَّمَا جَازَ الدُّخُولُ لَهُ مَعَ أَمْنِ التَّلْوِيثِ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ خَارِجَهُ بِخِلَافِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، فَلَا يَجُوزُ لَهَا الدُّخُولُ لِفِعْلِهَا إلَّا إذَا دَخَلَتْ لِفَرْضٍ غَيْرِهَا كَالِاعْتِكَافِ، وَيَنْبَغِي أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مَا لَوْ أَرَادَتْ فِعْلَ الْجُمُعَةِ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهَا الِاقْتِدَاءُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَيَجُوزُ لَهَا دُخُولُهُ لِفِعْلِهَا، وَلَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَيْسَ فَرْضًا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ دُخُولَ الْمَسْجِدِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ الْعِبَادَةِ الَّتِي تَدْخُلُ لِفِعْلِهَا فَرْضًا بِدَلِيلِ دُخُولِهَا لِلطَّوَافِ وَالِاعْتِكَافِ الْمَنْدُوبَيْنِ نَقَلَهُ اط ف عَنْ ع ش. وَإِنَّمَا طُلِبَ مِنْهَا النَّفَلُ الْمَذْكُورُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ فَلَا وَجْهَ لِحِرْمَانِهَا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ فَرْضٍ) وَلَوْ صَلَاةَ جِنَازَةٍ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُتَيَمِّمِ حَيْثُ جَمَعَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ يُزِيلُ الْمَانِعَ، غَايَتُهُ أَنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ أَدَاءِ فَرْضَيْنِ، بِخِلَافِ الْمُتَحَيِّرَةِ، فَإِنَّهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ تَحْتَمِلُ الْحَيْضَ وَالطُّهْرَ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْغَسْلُ بِالصَّبِّ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّرْتِيبِ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ وَاجِبَهَا الْوُضُوءُ وَتَنْوِي نِيَّةً مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ كَنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ م ر عَزِيزِيٌّ.
قَالَ ق ل: وَاكْتِفَاؤُهُمْ بِالْغُسْلِ صَرِيحٌ فِي انْدِرَاجِ وُضُوئِهَا فِيهِ،

مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَيَبْقَى عَلَيْهَا يَوْمَانِ إنْ لَمْ تَعْتَدْ الِانْقِطَاعَ لَيْلًا، فَإِنْ اعْتَادَتْهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهَا شَيْءٌ، وَإِذَا بَقِيَ عَلَيْهَا يَوْمَانِ فَتَصُومُ لَهُمَا مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثَلَاثَةً أَوَّلَهَا، وَثَلَاثَةً آخِرَهَا، فَيَحْصُلَانِ فَإِنْ ذَكَرَتْ الْوَقْتَ دُونَ الْقَدْرِ، أَوْ

[حاشية البجيرمي]

وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ غُسْلُهَا بَعْدَ الِانْقِطَاعِ فِي الْوَاقِعِ فَهُوَ مُنْدَرِجٌ فِيهِ قَطْعًا، وَإِلَّا فَهُوَ وُضُوءٌ بِصُورَةِ الْغُسْلِ، فَقَوْلُ بَعْضِهِمْ بِعَدَمِ انْدِرَاجِهِ فِي غُسْلِهَا؛ لِأَنَّهُ لِلِاحْتِيَاطِ، غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَيَرُدُّهُ أَيْضًا قَوْلُهُمْ: إنَّهَا لَوْ نَوَتْ فِيهِ الْأَكْبَرَ كَفَاهَا؛ لِأَنَّ جَهْلَ حَدَثِهَا جَعَلَهَا كَالْغَالِطَةِ اهـ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِ الشَّارِحِ: وَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ فَرْضٍ أَيْ فِي وَقْتِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، قَالَ سم: وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ لِاحْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ، وَاحْتِمَالُهُ قَائِمٌ فِي كُلِّ زَمَنٍ فَلِمَ قَيَّدَ الْغُسْلَ بِالْوَقْتِ.
وَأَجَابَ ع ش بِأَنَّ احْتِمَالَ الِانْقِطَاعِ قَائِمٌ فِي كُلِّ زَمَنٍ وَبِفَرْضِ وُجُودِهِ قَبْلَ الْوَقْتِ يَحْتَمِلُ الِانْقِطَاعَ بَعْدَهُ فَلَمْ يَكْتَفِ بِهِ، وَأَمَّا لِاحْتِمَالِ انْقِطَاعٍ بَعْدَ الْغُسْلِ إذَا وَقَعَ فِي الْوَقْتِ فَلَا حِيلَةَ فِي رَفْعِهِ، وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ فِي وَقْتِهِ أَنَّهَا إذَا اغْتَسَلَتْ لِفَائِتَةٍ وَأَرَادَتْ أَنْ تُصَلِّيَ بِهِ حَاضِرَةً بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا امْتِنَاعُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمُتَيَمِّمِ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَيَمَّمَ لِفَائِتَةٍ ثُمَّ دَخَلَ الْوَقْتُ صَلَّى بِهِ الْحَاضِرَةَ بِأَنَّ الْمُتَيَمِّمَ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ مَا يُزِيلُ طَهَارَتَهُ بِخِلَافِ الْمُسْتَحَاضَةِ كَمَا ذَكَرَهُ اط ف. قَوْلُهُ: (إنْ جَهِلَتْ إلَخْ) فَإِنْ عَلِمَتْهُ كَ عِنْدَ الْغُرُوبِ لَمْ يَلْزَمْهَا الْغُسْلُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا عِنْدَ الْغُرُوبِ وَتُصَلِّي بِهِ الْمَغْرِبَ وَتَتَوَضَّأُ لِبَاقِي الْفَرَائِضِ لِاحْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ عِنْدَ الْغُرُوبِ دُونَ مَا عَدَاهُ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَقَوْلُهُ لِاحْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ فِيهِ أَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهَا عَلِمَتْ الِانْقِطَاعَ عِنْدَ الْغُرُوبِ فَلِمَ عَبَّرَ بِالِاحْتِمَالِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ عَبَّرَ بِهِ لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ عَادَتِهَا لَكِنْ كَانَ الْمُنَاسِبُ التَّعْبِيرَ بِالظَّنِّ لَا بِالِاحْتِمَالِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَتَصُومُ رَمَضَانَ) أَيْ وُجُوبًا وَكَذَا صَوْمُ كُلِّ فَرْضٍ وَلَوْ نَذْرًا مُوَسَّعًا وَلَهَا صَوْمُ النَّفْلِ بِالْأَوْلَى مِنْ صَلَاتِهِ، وَلَا يَلْزَمُهَا الْفِدَاءُ إنْ أَفْطَرَتْ لِرَضَاعٍ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا حَائِضًا، وَيُقْرَأُ رَمَضَانُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ بِمَنْعِ الصَّرْفِ كَمَا هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ الصَّرْفِ إلَّا إذَا أُرِيدَ بِهِ رَمَضَانُ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا، وَهَذَا لَمْ يُرَدْ بِهِ ذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ رَمَضَانُ مِنْ أَيِّ سَنَةٍ كَانَتْ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَانِعُ لِرَمَضَانَ مِنْ الصَّرْفِ الْعَلَمِيَّةُ وَالزِّيَادَةُ وَالْعَلَمِيَّةُ بَاقِيَةٌ، وَإِنْ أُرِيدَ مِنْ أَيِّ سَنَةٍ فَهُوَ مَعْرِفَةٌ دَائِمًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَا بَيْنَ شَعْبَانَ وَشَوَّالٍ مِنْ جَمِيعِ السِّنِينَ فَيَكُونُ عَلَمَ جِنْسٍ ع ش عَلَى م ر مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ الْبِرْمَاوِيِّ.
قَوْلُهُ: (لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً) أَيْ فِي جَمِيعِهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ شَهْرًا كَامِلًا) لَمْ يَقُلْ كَامِلَيْنِ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ، قَدْ لَا يَكُونُ كَامِلًا وَلَوْ قَالَ كَامِلَيْنِ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا لِأَجْلِ قَوْلِهِ فَيَحْصُلُ لَهَا مِنْ كُلِّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّ النَّاقِصَ يَحْصُلُ لَهَا مِنْهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ فَقَطْ فَتَأَمَّلْ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر. فَالْكَمَالُ فِي رَمَضَانَ قَيْدٌ لِفَرْضِ حُصُولِ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ لَا لِبَقَاءِ الْيَوْمَيْنِ، فَإِنْ كَانَ رَمَضَانُ نَاقِصًا حَصَلَ لَهَا مِنْهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَالْمُقْضَى مِنْهُ بِكُلِّ حَالٍ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا اهـ. قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ تَعْتَدْ) أَيْ قَبْلَ التَّحَيُّرِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ إنْ لَمْ تَعْتَدْ الِانْقِطَاعَ لَيْلًا بِأَنْ اعْتَادَتْهُ نَهَارًا أَوْ شَكَّتْ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَحِيضَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَيَطْرَأَ الدَّمُ فِي يَوْمٍ وَيَنْقَطِعَ فِي آخَرَ فَيَفْسُدَ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ كُلٍّ مِنْ الشَّهْرَيْنِ اهـ. قَوْلُهُ: (لَمْ يَبْقَ عَلَيْهَا شَيْءٌ) أَيْ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ إنْ كَانَ تَامًّا فَقَدْ حَصَلَ لَهَا مِنْ كُلٍّ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا فَأَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الْآخَرِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ) هِيَ تُكْتَبُ بِالْأَلِفِ إنْ كَانَ فِيهَا تَاءُ التَّأْنِيثِ كَمَا هُنَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهَا بِأَنْ كَانَ الْمَعْدُودُ مُؤَنَّثًا نُظِرَ إنْ أَتَيْت بِالْيَاءِ فَقُلْت ثَمَنِي عَشْرَةَ فَبِغَيْرِ أَلِفٍ، وَإِلَّا فَبِالْأَلِفِ نَحْوَ ثَمَانِ عَشْرَةَ، قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي أَدَبِ الْكَاتِبِ سم عَلَى الْمَنْهَجِ، وَيُنَافِيهِ قَوْلُ الْمِصْبَاحِ إذَا أَضَفْت الثَّمَانِيَةَ إلَى مُؤَنَّثٍ ثَبَتَتْ الْيَاءُ ثُبُوتَهَا فِي الْقَاضِي، وَأُعْرِبَ إعْرَابَ الْمَنْقُوصِ تَقُولُ: جَاءَنِي ثَمَانِي نِسْوَةٍ وَثَمَانِي مِائَةٍ، وَرَأَيْت ثَمَانِيَ نِسْوَةٍ تَظْهَرُ الْفَتْحَةُ عَلَى الْيَاءِ، وَإِذَا لَمْ تُضِفْ قُلْت عِنْدِي مِنْ النِّسَاءِ ثَمَانٍ وَمَرَرْت مِنْهُنَّ بِثَمَانٍ، وَرَأَيْت ثَمَانِي، وَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْمُرَكَّبِ تَخَيَّرْت بَيْنَ سُكُونِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ يُقَالُ: عِنْدِي مِنْ النِّسَاءِ ثَمَانِي عَشْرَةَ امْرَأَةً وَتُحْذَفُ الْيَاءُ فِي لُغَةٍ بِشَرْطِ فَتْحِ النُّونِ، فَإِنْ كَانَ الْمَعْدُودُ مُذَكَّرًا قُلْت عِنْدِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بِإِثْبَاتِ الْهَاءِ اهـ. فَلَمْ يُفَرِّقْ فِي ثُبُوتِ الْأَلْفِ بَيْنَ ثُبُوتِ الْيَاءِ وَحَذْفِهَا، وَقَدْ يُقَالُ لَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّ كَلَامَ ابْنِ قُتَيْبَةَ فِي حَذْفِ الْأَلْفِ خَطَأٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ حَذْفُهَا فِي اللَّفْظِ، وَكَلَامُ الْمِصْبَاحِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يُنْطَقُ بِهِ فِيهَا مِنْ الْحُرُوفِ اهـ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (فَيَحْصُلَانِ) ؛ لِأَنَّ الْحَيْضَ إنْ طَرَأَ فِي الْأَوَّلِ مِنْهَا فَغَايَتُهُ أَنْ يَنْقَطِعَ فِي السَّادِسَ عَشَرَ فَيَصِحُّ لَهَا الْيَوْمَانِ

بِالْعَكْسِ فَلِلْيَقِينِ مِنْ حَيْضٍ وَطُهْرٍ حُكْمُهُ، وَهِيَ فِي الزَّمَنِ الْمُحْتَمِلِ لِلْحَيْضِ وَالطُّهْرِ كَنَاسِيَةٍ لَهُمَا فِيمَا مَرَّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ دَمَ الْحَامِلِ حَيْضٌ إنْ وَلَدَتْ مُتَّصِلًا بِآخِرِهِ بِلَا تَخَلُّلِ نَقَاءٍ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ السَّابِقَةِ، وَالْأَخْبَارِ، وَالنَّقَاءُ بَيْنَ دِمَاءِ أَقَلِّ الْحَيْضِ فَأَكْثَرُ حَيْضٌ تَبَعًا لَهَا بِشُرُوطٍ، وَهِيَ أَنْ لَا يُجَاوِزَ ذَلِكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَمْ تَنْقُصْ الدِّمَاءُ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ، وَأَنْ يَكُونَ النَّقَاءُ مُحْتَوِشًا بَيْنَ دَمَيْ حَيْضٍ، فَإِذَا كَانَتْ تَرَى وَقْتًا دَمًا وَوَقْتًا نَقَاءً، وَاجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ حَكَمْنَا عَلَى الْكُلِّ بِأَنَّهُ حَيْضٌ، وَهَذَا يُسَمَّى قَوْلَ السَّحْبِ، وَقِيلَ إنَّ النَّقَاءَ طُهْرٌ؛ لِأَنَّ الدَّمَ إذَا دَلَّ عَلَى الْحَيْضِ وَجَبَ أَنْ يَدُلَّ النَّقَاءُ عَلَى الطُّهْرِ، وَهَذَا يُسَمَّى قَوْلَ اللَّقْطِ.

(وَأَقَلُّ) دَمِ (النِّفَاسِ) (مَجَّةٌ) أَيْ دَفْعَةٌ.
وَعِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ لَحْظَةٌ، وَهُوَ زَمَنُ الْمَجَّةِ، وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا لَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ أَيْ: لَا يَتَقَدَّرُ بَلْ مَا وُجِدَ مِنْهُ، وَإِنْ قَلَّ يَكُونُ نِفَاسًا وَلَا يُوجَدُ أَقَلُّ مِنْ مَجَّةٍ، فَالْمُرَادُ مِنْ الْعِبَارَاتِ كَمَا قَالَهُ فِي الْإِقْلِيدِ وَاحِدٌ وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُ النِّفَاسِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا.
وَيُقَالُ لِذَاتِ النِّفَاسِ نُفَسَاءُ.
بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَاءِ

[حاشية البجيرمي]

الْأَخِيرَانِ، وَإِنْ طَرَأَ فِي الثَّانِي صَحَّ الطَّرَفَانِ أَيْ الْأَوَّلُ وَالْأَخِيرُ أَوْ فِي الثَّالِثِ صَحَّ الْأَوَّلَانِ أَوْ فِي أَثْنَاءِ السَّادِسَ عَشَرَ صَحَّ الثَّانِي وَالثَّالِثُ؛ لِأَنَّهُمَا أَوَّلُ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ الَّتِي هِيَ أَقَلُّ الطُّهْرِ مَعَ الْيَوْمِ الْمُلَفَّقِ مِنْ الْأَوَّلِ وَالسَّادِسَ عَشَرَ بِنَاءً عَلَى انْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَطُرُوئِهِ نَهَارًا، فَإِذَا طَرَأَ فِي أَثْنَاءِ الْأَوَّلِ يَنْقَطِعُ آخِرُهُ فِي أَثْنَاءِ السَّادِسَ عَشَرَ وَلَمْ يَصِحَّ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْحَيْضَ طَرَأَ فِي أَثْنَائِهِ أَوْ فِي السَّابِعَ عَشَرَ صَحَّ السَّادِسَ عَشَرَ وَالثَّالِثُ أَوْ فِي الثَّامِنَ عَشَرَ صَحَّ اللَّذَانِ قَبْلَهُ شَرْحُ الْمَنْهَجِ بِزِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ ذَكَرَتْ الْوَقْتَ إلَخْ) وَالذَّاكِرَةُ لِلْوَقْتِ كَأَنْ تَقُولَ كَانَ حَيْضِي يَبْتَدِئُ أَوَّلَ الشَّهْرِ فَيَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْهُ حَيْضٌ بِيَقِينٍ وَنِصْفُهُ الثَّانِي طُهْرٌ بِيَقِينٍ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْحَيْضَ وَالطُّهْرَ وَالِانْقِطَاعَ شَرْحُ الْمَنْهَجِ أَيْ: فَتَغْتَسِلُ فِيهِ لِكُلِّ فَرْضٍ.
وَالذَّاكِرَةُ لِلْقَدْرِ كَأَنْ تَقُولَ كَانَ حَيْضِي خَمْسَةً فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ الشَّهْرِ لَا أَعْلَمُ ابْتِدَاءَهَا، وَأَعْلَمُ أَنِّي فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ طَاهِرٌ فَالسَّادِسُ حَيْضٌ بِيَقِينٍ، وَالْأَوَّلُ طُهْرٌ بِيَقِينٍ كَالْعَشَرَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، وَالثَّانِي إلَى آخِرِ الْخَامِسِ مُحْتَمِلٌ لِلْحَيْضِ وَالطُّهْرِ أَيْ: فَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ فَرْضٍ وَلَا تَغْتَسِلُ، وَالسَّابِعُ إلَى آخِرِ الْعَاشِرِ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا وَلِلِانْقِطَاعِ؛ لِأَنَّهُ إنْ طَرَأَ الْحَيْضُ فِي الثَّانِي فَيَنْقَطِعُ فِي السَّابِعِ، وَإِنْ طَرَأَ فِي الثَّالِثِ انْقَطَعَ فِي الثَّامِنِ، وَإِنْ طَرَأَ فِي الرَّابِعِ انْقَطَعَ فِي التَّاسِعِ، وَإِنْ طَرَأَ فِي الْخَامِسِ، يَنْقَطِعُ فِي الْعَاشِرِ، فَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ فَرْضٍ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَغْتَسِلُ إلَّا عِنْدَ احْتِمَالِ الِانْقِطَاعِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَظْهَرُ أَنَّ دَمَ الْحَامِلِ حَيْضٌ) وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَرْجَحِ قَوْلَيْهِمَا أَنَّهَا تَحِيضُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: إنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ وَمَا تَرَاهُ مِنْ الدَّمِ فَهُوَ دَمُ فَسَادٍ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهَا عَلَى الْأَوَّلِ لَا تَصُومُ وَلَا تَلْزَمُهَا الصَّلَاةُ، وَعَلَى الثَّانِي تَصُومُ وَتُصَلِّي.
قَوْلُهُ: (وَالنَّقَاءُ بَيْنَ دِمَاءٍ أَقَلُّ الْحَيْضِ) أَيْ قَدْرُ أَقَلِّهِ؛ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ هُنَا أَقَلُّهُ مَعَ النَّقَاءِ ق ل، وَمُرَادُهُ الْأَقَلُّ فِي ضِمْنِ الْأَكْثَرِ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ الِاتِّصَالُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَلَا يُتَصَوَّرُ النَّقَاءُ حِينَئِذٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ: وَالنَّقَاءُ بَيْنَ دِمَاءٍ أَقَلُّ الْحَيْضِ إلَخْ مُسَامَحَةٌ لِمَا عَرَفْت أَنَّ الْأَقَلَّ يُشْتَرَطُ فِيهِ الِاتِّصَالُ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقَاءٌ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَالنَّقَاءُ بَيْنَ دِمَاءٍ أَكْثَرُ الْحَيْضِ أَوْ غَالِبُهُ إلَخْ لِمَا عَرَفْت أَنَّ الْأَكْثَرَ، وَالْغَالِبَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الِاتِّصَالُ فَيُتَصَوَّرُ فِيهِمَا النَّقَاءُ بَيْنَ دَمِهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ أَنْ لَا يُجَاوِزَ إلَخْ) أَيْ لَا يُجَاوِزَ النَّقَاءُ مَعَ الْحَيْضِ الَّذِي مَعَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ لَا النَّقَاءُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَكُونُ اسْتِحَاضَةً لَا حَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ إنَّ النَّقَاءَ طُهْرٌ) ضَعِيفٌ وَعَلَيْهِ فَتَصُومُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ وَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِتَكَرُّرِهِ.
قَوْلُهُ: (اللَّقْطِ) بِالْقَافِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ كَالنَّصْرِ وَيُقَالُ فِي فِعْلِهِ لَقَطَ كَنَصَرَ.
اهـ. م د.

قَوْلُهُ: (وَأَقَلُّ النِّفَاسِ مَجَّةٌ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ تَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَإِلَّا فَهُوَ حَيْضٌ.
قَوْلُهُ: (أَيْ دُفْعَةٌ) بِضَمِّ الدَّالِ إنْ أُرِيدَ الْمَدْفُوعُ وَبِفَتْحِهَا إنْ أُرِيدَ الْمَرَّةُ مِنْ الدَّفَعَاتِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
لَكِنَّ الْمُنَاسِبَ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي النِّفَاسِ الَّذِي هُوَ الدَّمُ لَا خُرُوجِهِ.
قَوْلُهُ: (لَحْظَةٌ) وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ وَأَكْثَرُهُ سِتُّونَ يَوْمًا إلَخْ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ زَمَنٌ بِخِلَافِ قَوْلِ الْمَتْنِ مَجَّةٌ أَيْ دَفْعَةٌ لَا يُنَاسِبُ؛ لِأَنَّهَا ذَاتٌ وَمَا بَعْدَهَا زَمَانٌ.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ح ل: وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْ هَذَا الْأَنْسَبِ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ تَفْسِيرٌ لِحَقِيقَةِ النِّفَاسِ الَّتِي هِيَ الدَّمُ لَا زَمَنِهِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا قَالَهُ فِي الْإِقْلِيدِ) كِتَابٌ لِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: 4]

وَجَمْعُهَا نِفَاسٌ وَلَا نَظِيرَ لَهُ إلَّا نَاقَةٌ عُشَرَاءُ فَجَمْعُهَا عِشَارُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: 4] وَيُقَالُ فِي فِعْلِهِ نَفُسَتْ الْمَرْأَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِهَا وَبِكَسْرِ الْفَاءِ فِيهِمَا وَالضَّمُّ أَفْصَحُ.
وَأَمَّا الْحَائِضُ فَيُقَالُ فِيهَا نَفِسَتْ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْفَاءِ لَا غَيْرُ ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
(وَأَكْثَرُهُ سِتُّونَ يَوْمًا) بِلَيَالِيِهَا (وَغَالِبًا أَرْبَعُونَ يَوْمًا) بِلَيَالِيِهَا اعْتِبَارًا بِالْوُجُودِ فِي الْجَمِيعِ كَمَا مَرَّ فِي الْحَيْضِ.
وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي دَاوُد عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: «كَانَتْ النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ يَوْمًا» فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى نَفْيِ الزِّيَادَةِ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ.
وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِهِ فَقِيلَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَلَدِ، وَقِيلَ أَقَلُّ الطُّهْرِ، فَأَوَّلُهُ فِيمَا إذَا تَأَخَّرَ خُرُوجُهُ عَنْ الْوِلَادَةِ مِنْ الْخُرُوجِ لَا مِنْهَا وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ، وَمَوْضِعٍ مِنْ الْمَجْمُوعِ عَكْسُ مَا صَحَّحَهُ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، وَمَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْمَجْمُوعِ، وَقَضِيَّةُ الْأَخْذِ بِالْأَوَّلِ أَنَّ زَمَنَ النَّقَاءِ لَا يُحْسَبُ مِنْ السِّتِّينَ، لَكِنْ صَرَّحَ الْبُلْقِينِيُّ بِخِلَافِهِ فَقَالَ: ابْتِدَاءُ السِّتِّينَ مِنْ الْوِلَادَةِ وَزَمَنُ النَّقَاءِ لَا نِفَاسَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مَحْسُوبًا مِنْ السِّتِّينَ وَلَمْ أَرَ مَنْ حَقَّقَ هَذَا اهـ وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ يَلْزَمُهَا

[حاشية البجيرمي]

يَعْنِي النُّوقَ الْحَوَامِلَ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا عَشَرَةُ أَشْهُرٍ مِنْ حَمْلِهَا وَاحِدَتُهَا عُشَرَاءُ، عُطِّلَتْ تُرِكَتْ هَمَلًا بِلَا رَاعٍ وَقَدْ كَانُوا مُلَازِمِينَ لِأَذْنَابِهَا وَلَمْ يَكُنْ مَالٌ أَعْجَبَ إلَيْهِمْ مِنْهَا لِمَا جَاءَهُمْ مِنْ أَهْوَالِ الْقِيَامَةِ.
اهـ. خَازِنٌ، وَقَوْلُهُ لِمَا جَاءَهُمْ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ عُطِّلَتْ.
قَوْلُهُ: (وَأَكْثَرُهُ سِتُّونَ) الْأَوْلَى تَأْخِيرُهُ عَنْ الْغَالِبِ اعْتَمَدَ شَيْخُنَا كَابْنِ حَجَرٍ أَنَّ أَوَّلَ الْمُدَّةِ مِنْ رُؤْيَةِ الدَّمِ لَا مِنْ الْوِلَادَةِ قَالَ وَإِلَّا لَزِمَ أَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ رُؤْيَةُ الدَّمِ عَنْ الْوِلَادَةِ أَيْ: دُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا كَانَ زَمَنُ النَّقَاءِ نِفَاسًا فَيَجِبُ عَلَيْهَا تَرْكُ الصَّلَاةِ وَقَدْ صَحَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ يَصِحُّ غُسْلُهَا عَقِبَ وِلَادَتِهَا أَيْ الْخَالِيَةِ عَنْ الدَّمِ اهـ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا تُصَلِّي حِينَئِذٍ، وَفِي كَلَامِ الْبُلْقِينِيُّ ابْتِدَاءُ السِّتِّينَ أَيْ وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ الْوِلَادَةِ، وَزَمَنُ النَّقَاءِ لَا نِفَاسَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مَحْسُوبًا مِنْهُمَا أَيْ عَدَدًا لَا حُكْمًا أَيْ فَعَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةِ فِيهِ قَالَ: لَمْ أَرَ مَنْ حَقَّقَ هَذَا أَيْ: فَالْأَحْكَامُ تَثْبُتُ مِنْ رُؤْيَةِ الدَّمِ وَالْمُدَّةِ مِنْ الْوِلَادَةِ، وَسَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ.
قَالَ حَجّ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ رَدًّا عَلَى الْبُلْقِينِيُّ: حِسَابُ النَّقَاءِ مِنْ السِّتِّينَ أَيْ أَوْ الْأَرْبَعِينَ مِنْ غَيْرِ جَعْلِهِ نِفَاسًا فِيهِ تَدَافُعٌ بِخِلَافِ جَعْلِ ابْتِدَاءِ النِّفَاسِ مِنْ الدَّمِ.
اهـ. ح ل. النَّقَاءِ مِنْ السِّتِّينَ عَدَمُ وُجُوبِ الْقَضَاءِ؛ إذْ كَيْفَ تَقْضِي بَعْضَ مُدَّةِ النِّفَاسِ اهـ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ أَكْثَرَهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكَنْزِ.
قَوْلُهُ: (بِالْوُجُودِ) أَيْ اسْتِقْرَاءُ مَا وُجِدَ مِنْ نِفَاسِ النُّفَسَاءِ ق ل. قَوْلُهُ: (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هِيَ زَوْجَةُ النَّبِيِّ كُنِّيَتْ بِابْنِهَا سَلَمَةَ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ كَانَتْ قَبْلَ النَّبِيِّ عِنْدَ أَبِي سَلَمَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ.
قَوْلُهُ: (تَجْلِسُ) أَيْ تَدُومُ.
قَوْلُهُ: (فَقِيلَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَلَدِ إلَخْ) يَقْتَضِي أَنَّ فِيهِ خِلَافًا إذَا نَزَلَ الدَّمُ عَقِبَ الْوَلَدِ مَعَ أَنَّهُ أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي قَوْلِهِ وَأَوَّلُهُ فِيمَا تَأَخَّرَ خُرُوجُهُ إلَخْ فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ قَوْلِهِ فَقِيلَ إلَخْ.
وَيَقُولُ وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِهِ فِيمَا إذَا تَأَخَّرَ الدَّمُ عَنْ خُرُوجِ الْوَلَدِ فَقِيلَ مِنْ الْوِلَادَةِ، وَقِيلَ مِنْ نُزُولِ الدَّمِ؛ لِأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَذْكُرْ لِقَوْلِهِ فَقِيلَ إلَخْ.
مُقَابِلًا، وَأَيْضًا قَوْلُهُ وَقِيلَ: أَقَلُّ الطُّهْرِ يَصْدُقُ بِتَأَخُّرِ الدَّمِ عَنْ نُزُولِ الْوَلَدِ فَيَقْتَضِي أَنَّ أَوَّلَ النِّفَاسِ مِنْ خُرُوجِ الْوَلَدِ فَيُنَافِي قَوْلُهُ فَأَوَّلُهُ إلَخْ.
تَأَمَّلْ.
وَقَوْلُهُ الْبُلْقِينِيُّ بِكَسْرِ الْقَافِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ نِسْبَةً إلَى بُلْقِينَةَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ بَعْدَهَا نُونٌ: قَرْيَةٌ بِمِصْرَ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ صَرَّحَ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ فَزَمَنُ النَّقَاءِ نِفَاسٌ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ لَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ.
قَوْلُهُ: (وَزَمَنُ النَّقَاءِ لَا نِفَاسَ فِيهِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ، وَالْأَحْكَامُ مِنْ حِينِ رُؤْيَةِ الدَّمِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ أَرَ مَنْ حَقَّقَ هَذَا) مِنْ كَلَامِ الْبُلْقِينِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَمُقْتَضَى هَذَا) أَيْ قَوْلِ الْبُلْقِينِيُّ أَيْ قَوْلُهُ: وَزَمَنُ النَّقَاءِ لَا نِفَاسَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ يَلْزَمُهَا) اعْتَمَدَ هَذَا شَيْخُنَا م ر وَجَوَّزَ وَطْءَ زَوْجِهَا لَهَا.
وَاعْتَمَدَ فِطْرَهَا مِنْ الصَّوْمِ وَخَالَفَهُ الشَّارِحُ فِي الْأَوَّلَيْنِ وَهُوَ الْوَجْهُ الْوَجِيهُ خُصُوصًا مَعَ سَلَامَتِهِ مِنْ تَبْعِيضِ الْأَحْكَامِ ق ل.

قَضَاءُ مَا فَاتَهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ.
وَمُقْتَضَى قَوْلِ النَّوَوِيِّ أَنَّهَا إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا جَافًّا بَطَلَ صَوْمُهَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَيَحْرُمُ عَلَى حَلِيلِهَا أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ قَبْلَ غُسْلِهَا، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ أَمَّا إذَا لَمْ تَرَ الدَّمَ إلَّا بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَكْثَرَ فَلَا نِفَاسَ لَهَا أَصْلًا عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْمَجْمُوعِ، وَعَلَى هَذَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِهَا قَبْلَ غُسْلِهَا كَالْجُنُبِ.
وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي بَابِ الصِّيَامِ: إنَّهُ يَبْطُلُ صَوْمُهَا بِالْوَلَدِ الْجَافِّ مَحَلُّهُ إذَا رَأَتْ الدَّمَ قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
فَائِدَةٌ: أَبْدَى أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ مَعْنًى لَطِيفًا فِي كَوْنِ أَكْثَرِ النِّفَاسِ سِتِّينَ يَوْمًا أَنَّ الْمَنِيَّ يَمْكُثُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا يَتَغَيَّرُ ثُمَّ يَمْكُثُ مِثْلَهَا عَلَقَةً ثُمَّ مِثْلَهَا مُضْغَةً ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: وَالْوَلَدُ يَتَغَذَّى بِدَمِ

[حاشية البجيرمي]

وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْأَقْوَالَ ثَلَاثَةٌ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ الْوِلَادَةِ عَدَدًا وَحُكْمًا.
الثَّانِي ابْتِدَاؤُهُ مِنْ الْخُرُوجِ عَدَدًا وَحُكْمًا.
الثَّالِثُ: ابْتِدَاؤُهُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ حَيْثُ أَحْكَامُ النِّفَاسِ، وَأَمَّا الْعَدَدُ فَمَحْسُوبٌ مِنْ الْوِلَادَةِ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ فِيمَا إذَا تَأَخَّرَ خُرُوجُهُ عَنْ الْوَلَدِ وَكَانَ بَيْنَهُمَا نَقَاءٌ، وَأَمَّا إذَا خَرَجَ الدَّمُ عَقِبَ الْوَلَدِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَيَنْبَنِي عَلَى الْأَقْوَالِ أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ يَحْرُمُ التَّمَتُّعُ بِهَا فِي زَمَنِ النَّقَاءِ، وَلَا يَلْزَمُهَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَيَجُوزُ التَّمَتُّعُ بِهَا فِي مُدَّةِ النَّقَاءِ وَيَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ فِي مُدَّةِ النَّقَاءِ، وَكَذَا عَلَى الثَّالِثِ.
قَوْلُهُ: (فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ) أَيْ مُدَّةِ النَّقَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَمُقْتَضَى قَوْلِ النَّوَوِيِّ إلَخْ) هَذَا ضَعِيفٌ.
وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْبُطْلَانِ لِكَوْنِ الْوِلَادَةِ مَظِنَّةَ خُرُوجِ الدَّمِ وَعَدَمِ جَرَيَانِ الْأَحْكَامِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ تَأَمَّلْ مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ) أَيْ عِنْدَ الْمُؤَلِّفِ، وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ م ر جَوَازُ الْوَطْءِ بِلَا غُسْلٍ؛ لِأَنَّ هَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْجَنَابَةِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (كَالْجُنُبِ) أَيْ كَالْمَرْأَةِ الْجُنُبِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ.
قَوْلُهُ: (مَحَلُّهُ إذَا رَأَتْ الدَّمَ إلَخْ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْوِلَادَةَ مُبْطِلَةٌ لِلصَّوْمِ مُطْلَقًا، وَعِبَارَةُ ق ل هَذَا الْمَحَلُّ لَا مَحَلَّ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ مُفْطِرَةٌ لِذَاتِهَا اهـ قَالَ م ر فِي بَابِ الصَّوْمِ: وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ دَمًا بَطَلَ صَوْمُهَا كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَالتَّحْقِيقِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَرَاهُ قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَوْ لَا.
فَالْمُعْتَمَدُ بُطْلَانُ الصَّوْمِ بِالْوَلَدِ الْجَافِّ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا نِفَاسٌ أَوْ لَا م د. قَوْلُهُ: (أَبْدَى أَبُو سَهْلٍ إلَخْ) وَهَذِهِ لَا تَظْهَرُ إلَّا فِيمَنْ تَحِيضُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ وَتَنْفَسُ أَكْثَرَ النِّفَاسِ وَبِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهَا لَا تَظْهَرُ اهـ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَبُو سَهْلٍ هَذَا كَانَ مِنْ أَكَابِرِ الشَّافِعِيَّةِ وَكَانَ فِي زَمَنِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَكَانَ يُنَاظِرُهُ فَكَانَ إذَا طَلَعَ لِمُنَاظَرَتِهِ يَلْبَسُ قَمِيصَ زَوْجَتِهِ، فَاتُّفِقَ لَهُ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ كَانَ رَاكِبًا حِمَارًا مَعْرُورِيًّا مِنْ غَيْرِ بَرْذَعَةٍ وَعَلَيْهِ قَمِيصُ زَوْجَتِهِ فَكَلَّمَهُ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو سَهْلٍ: أَمَّا رُكُوبِي الْحِمَارَ مُعْرَوْرِيًا، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكِبَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا لُبْسُ قَمِيصِ زَوْجَتِي فَلِعَدَمِ قَمِيصٍ عِنْدِي غَيْرِهِ فَرَاوَدَهُ الْمَلِكُ فِي شَيْءٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَمْ يُوَافِقْ وَتَرَكَهُ.
اهـ. . قُلْت: وَهَذِهِ سِيمَةُ الْمُتَوَكِّلِينَ وَسِيمُ الصَّالِحِينَ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (أَنَّ الْمَنِيَّ يَمْكُثُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا يَتَغَيَّرُ) وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ مَاءَ الرَّجُلِ إذَا لَاقَى مَاءَ الْمَرْأَةِ فِي الْجِمَاعِ وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ مِنْهُ جَنِينًا هَيَّأَ أَسْبَابَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي رَحِمِ الْمَرْأَةِ قُوَّتَيْنِ: قُوَّةُ انْبِسَاطٍ عِنْدَ وُرُودِ مَاءِ الرَّجُلِ حَتَّى يَنْتَشِرَ فِي جَسَدِهَا، وَقُوَّةُ انْقِبَاضٍ بِحَيْثُ لَا يَسِيلُ مِنْ فَرْجِهَا مَعَ كَوْنِهِ مَنْكُوسًا.
وَفِي مَنِيِّ الرَّجُلِ قُوَّةُ الْفِعْلِ، وَفِي مَنِيِّ الْمَرْأَةِ قُوَّةُ الِانْفِعَالِ، فَعِنْدَ الِامْتِزَاجِ يَصِيرُ مَنِيُّ الرَّجُلِ كَالْإِنْفَحَةِ لِلَّبَنِ، وَقِيلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا قُوَّةُ فِعْلٍ وَانْفِعَالٍ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ فِي الرَّجُلِ أَكْثَرُ، وَالْمَرْأَةُ بِالْعَكْسِ، وَزَعَمَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ التَّشْرِيحِ أَنَّ مَنِيَّ الرَّجُلِ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْوَلَدِ إلَّا فِي عَقْدِهِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ وَيَرُدُّهُ حَدِيثُ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ عِظَامَ الْجَنِينِ وَغَضَارِيفَهُ مِنْ مَنِيِّ الرَّجُلِ» ، وَقَوْلُهُ وَغَضَارِيفَهُ أَيْ أَعْصَابَهُ «وَشَحْمَهُ وَلَحْمَهُ مِنْ مَنِيِّ الْمَرْأَةِ» ثُمَّ إنَّهُ فِي الْأَرْبَعِينَ الْأُولَى لَا يَخْتَلِطُ مَاءُ الرَّجُلِ بِمَاءِ الْمَرْأَةِ بَلْ يَكُونَا مُتَجَاوِرَيْنِ لَا يُغَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَفِي الْأَرْبَعِينَ الثَّانِيَةِ يَخْتَلِطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَفِي الْأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ تُصَوَّرُ أَعْضَاءُ الْجَنِينِ.
اهـ. شَبْرَخِيتِيٌّ.
وَيَثْبُتُ لِلْعَلَقَةِ مِنْ أَحْكَامِ الْوِلَادَةِ وُجُوبُ الْغُسْلِ وَفِطْرُ الصَّائِمَةِ وَتَسْمِيَةُ الدَّمِ عَقِبَهَا نِفَاسًا وَيَثْبُتُ لِلْمُضْغَةِ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ وَحُصُولُ الِاسْتِبْرَاءِ إنْ لَمْ يَقُولُوا فِيهَا صُورَةٌ أَصْلًا، فَإِنْ قَالُوا: فِيهَا صُورَةٌ خَفِيَّةٌ وَجَبَ فِيهَا مَعَ ذَلِكَ غُرَّةٌ وَتَثْبُتُ بِهَا أُمِّيَّةُ

الْحَيْضِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجْتَمِعُ الدَّمُ مِنْ حِينِ النَّفْخِ لِكَوْنِهِ غِذَاءً لِلْوَلَدِ.
وَإِنَّمَا يَجْتَمِعُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ.
وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَيَكُونُ أَكْثَرُ النِّفَاسِ سِتِّينَ يَوْمًا.

(وَأَقَلُّ) زَمَنِ (الطُّهْرِ) الْفَاصِلِ (بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ) (خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) لِأَنَّ الشَّهْرَ غَالِبًا لَا يَخْلُو عَنْ حَيْضٍ وَطُهْرٍ، وَإِذَا كَانَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَقَلُّ الطُّهْرِ كَذَلِكَ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ الطُّهْرُ بَيْنَ الْحَيْضِ

[حاشية البجيرمي]

الْوَلَدِ، وَيَجُوزُ أَكْلُهَا مِنْ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ عِنْدَ شَيْخِنَا م ر ذَكَرَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (وَالْوَلَدُ يَتَغَذَّى بِدَمِ الْحَيْضِ) وَذَكَرُوا أَنَّ الْجُدَرِيَّ الَّذِي يَطْلُعُ لِلْأَطْفَالِ سَبَبُهُ التَّغْذِيَةُ بِدَمِ الْحَيْضِ.
وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَا يَتَشَكَّلُ مِنْ الْجَنِينِ فَقِيلَ: قَلْبُهُ؛ لِأَنَّهُ الْأَسَاسُ، وَقِيلَ الدِّمَاغُ؛ لِأَنَّهُ مَجْمَعُ الْحَوَاسِّ وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَوَّلَ مَا يَتَشَكَّلُ مِنْهُ مِنْ الْبَاطِنِ الْقَلْبُ، وَمِنْ الظَّاهِرِ الدِّمَاغُ، وَقِيلَ أَوَّلُ مَا يَتَشَكَّلُ مِنْهُ السُّرَّةُ، وَقِيلَ الْكَبِدُ؛ لِأَنَّ مِنْهُ النُّمُوَّ الْمَطْلُوبَ أَوَّلًا وَرَجَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَفِي إيجَادِهِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ الْعَجِيبِ وَانْتِقَالِهِ مِنْ طَوْرٍ إلَى طَوْرٍ مَعَ قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى إيجَادِهِ كَامِلًا كَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ فَوَائِدُ: الْأُولَى: أَنَّهُ لَوْ خَلَقَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَشَقَّ عَلَى الْأُمِّ لِكَوْنِهَا لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً لِذَلِكَ، وَرُبَّمَا لَمْ تُطِقْهُ فَجُعِلَ أَوَّلًا نُطْفَةً لِتَعْتَادَهَا مُدَّةً ثُمَّ عَلَقَةً مُدَّةً وَهَلُمَّ جَرَّا.
إلَى الْوِلَادَةِ، وَلِذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْحِكْمَةُ فِي تَأْخِيرِ كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَنْ يَعْتَادَهُ الرَّحِمُ؛ إذْ لَوْ خُلِقَ دَفْعَةً لَشَقَّ عَلَى الْأُمِّ وَرُبَّمَا تَظُنُّهُ عِلَّةً.
الثَّانِيَةُ: إظْهَارُ قُدْرَتِهِ تَعَالَى وَتَعْلِيمُهُ لِعِبَادِهِ التَّأَنِّي فِي أُمُورِهِمْ.
الثَّالِثَةُ: إعْلَامُ الْإِنْسَانِ بِأَنَّ حُصُولَ الْكَمَالِ الْمَعْنَوِيِّ لَهُ تَدْرِيجِيٌّ نَظِيرُ حُصُولِ الْكَمَالِ الظَّاهِرِ لَهُ اهـ شَبْرَخِيتِيٌّ مَعَ زِيَادَةٍ.
فَإِنْ قُلْت: إنَّ فَمَ الْوَلَدِ لَا يُفْتَحُ أَصْلًا مَا دَامَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَشِيمَةَ مُغَطِّيَةٌ لَهُ كُلِّهِ فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّهُ يَتَغَذَّى.
إلَّا أَنْ يُقَالَ يَتَغَذَّى مِنْ السُّرَّةِ؛ لِأَنَّهَا مَفْتُوحَةٌ.
قَالَ ع ش: وَأَجِنَّةُ الْبَهَائِمِ يَجُوزُ أَنْ تَتَغَذَّى بِغَيْرِ دَمِ الْحَيْضِ لِانْتِفَائِهِ فِي حَقِّهِنَّ اهـ. وَالْمَشِيمَةُ الْخَارِجَةُ مَعَ الْوَلَدِ طَاهِرَةٌ وَهَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنْ الْأُمِّ أَوْ مِنْ الْوَلَدِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا يَجِبُ دَفْنُهَا مَعَهُ، وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا وَغُسْلُهَا وَتَكْفِينُهَا وَمُوَارَاتُهَا فِيهِ نَظَرٌ اهـ رَحْمَانِيٌّ.
فَائِدَةٌ: رَأَيْت بِخَطِّ الْأَزْرَقِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ تَلِدَ امْرَأَتُهُ ذَكَرًا فَإِنَّهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهَا فِي أَوَّلِ الْحَمْلِ وَيَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللَّهُمَّ إنِّي أُسَمِّي مَا فِي بَطْنِهَا مُحَمَّدًا فَاجْعَلْهُ لِي ذَكَرًا فَإِنَّهُ يُولَدُ ذَكَرًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» مُجَرَّبٌ اهـ. وَقَدْ جَرَّبْنَاهُ كَثِيرًا لِغَيْرِ وَاحِدٍ فَصَدَقَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ، وَقِيلَ إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا جُومِعَتْ وَهِيَ قَائِمَةٌ فَإِنْ شَالَتْ رِجْلَهَا الْيُمْنَى أَذْكَرَتْ وَإِنْ شَالَتْ رِجْلَهَا الْيُسْرَى أَنَّثَتْ.
قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ: جَرَّبْت ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَصَحَّ اهـ. فَائِدَةٌ: لَوْ وُضِعَ الْحَمْلُ يُكْتَبُ فِي إنَاءٍ جَدِيدٍ: اُخْرُجْ أَيُّهَا الْوَلَدُ مِنْ بَطْنٍ ضَيِّقَةٍ إلَى سَعَةِ هَذِهِ الدُّنْيَا، اُخْرُجْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ الَّذِي جَعَلَك: ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: 21] ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ - لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [الحشر: 22 - 21] إلَى آخِرِ السُّورَةِ.
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82] وَتُمْحَى بِمَاءٍ، وَتَشْرَبُ النُّفَسَاءُ أَوْ يُرَشُّ عَلَى وَجْهِهَا مُجَرَّبٌ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يَجْتَمِعُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي قَبْلَهَا) هَذِهِ الْحِكْمَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى كَوْنِ الْحَامِلِ لَا تَحِيضُ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) أَيْ وَالْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لَا تَخْلُو عَنْ حَيْضٍ وَطُهْرٍ فَتَحِيضُ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، فَيَكُونُ أَكْثَرُ النِّفَاسِ سِتِّينَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَيْضٌ، وَهِيَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ

. قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَجُوزُ

وَالنِّفَاسِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْحَيْضُ عَلَى النِّفَاسِ إذَا قُلْنَا إنَّ الْحَامِلَ تَحِيضُ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَمْ تَأَخَّرَ عَنْهُ وَكَانَ طُرُوءُهُ بَعْدَ بُلُوغِ النِّفَاسِ أَكْثَرَهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، أَمَّا إذَا طَرَأَ قَبْلَ بُلُوغِ النِّفَاسِ أَكْثَرُهُ فَلَا يَكُونُ حَيْضًا إلَّا إذَا فَصَلَ بَيْنَهُمَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
(وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) أَيْ الطُّهْرِ بِالْإِجْمَاعِ فَقَدْ لَا تَحِيضُ الْمَرْأَةُ فِي عُمُرِهَا إلَّا مَرَّةً وَقَدْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا.
(وَأَقَلُّ زَمَنٍ) أَيْ سِنٍّ (تَحِيضُ فِيهِ الْمَرْأَةُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْجَارِيَةُ (تِسْعُ سِنِينَ) قَمَرِيَّةٍ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ وَلَوْ بِالْبِلَادِ الْبَارِدَةِ لِلْوُجُودِ، لِأَنَّ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ لَا ضَابِطَ لَهُ شَرْعِيٌّ وَلَا لُغَوِيٌّ يُتَّبَعُ فِيهِ الْوُجُودُ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَعْجَلُ مَنْ سَمِعْت مِنْ النِّسَاءِ يَحِضْنَ نِسَاءُ تُهَامَةَ يَحِضْنَ لِتِسْعِ سِنِينَ أَيْ تَقْرِيبًا لَا تَحْدِيدًا فَيُتَسَامَحُ قَبْلَ تَمَامِهَا بِمَا لَا يَسَعُ حَيْضًا وَطُهْرًا دُونَ مَا يَسَعُهُمَا، وَلَوْ رَأَتْ الدَّمَ أَيَّامًا، بَعْضُهَا قَبْلَ زَمَنِ الْإِمْكَانِ، وَبَعْضُهَا فِيهِ جُعِلَ الثَّانِيَ حَيْضًا إنْ وُجِدَتْ شُرُوطُهُ الْمَارَّةُ.
(وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) أَيْ السِّنِّ لِجَوَازِ أَنْ لَا تَحِيضَ أَصْلًا كَمَا مَرَّ (وَأَقَلُّ) زَمَنِ (الْحَمْلِ) (سِتَّةُ أَشْهُرٍ) وَلَحْظَتَانِ لَحْظَةٌ لِلْوَطْءِ وَلَحْظَةٌ لِلْوَضْعِ مِنْ إمْكَانِ اجْتِمَاعِهِمَا بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ (وَأَكْثَرُهُ) أَيْ زَمَنِ

[حاشية البجيرمي]

أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ) وَكَذَا بَيْنَ نِفَاسَيْنِ.
وَصُورَتُهُ أَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ الْوِلَادَةِ، وَهِيَ نُفَسَاءُ فَتَحْمِلُ إنْ قُلْنَا إنَّ النِّفَاسَ لَا يَمْنَعُ الْعُلُوقَ وَيَسْتَمِرُّ النِّفَاسُ مِنْ مُدَّةٍ يَكُونُ الْحَمْلُ فِيهَا عَلَقَةً ثُمَّ يَنْقَطِعُ دُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَيَنْزِلُ عَقِبَهُ النِّفَاسُ اهـ. قَوْلُهُ: (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) أَيْ الطُّهْرِ لَا يُقَيَّدُ كَوْنُهُ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ، وَهُوَ رَاجِعٌ لِلْمُقَيَّدِ بِدُونِ قَيْدِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَأَقَلُّ زَمَنِ حَيْضٍ إلَخْ) قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ رَأَى جَدَّةً بِنْتَ إحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَأَنَّهَا حَاضَتْ لِاسْتِكْمَالِ تِسْعٍ، وَوَضَعَتْ بِنْتًا لِاسْتِكْمَالِ عَشْرٍ، وَوَقَعَ لِبِنْتِهَا مِثْلُ ذَلِكَ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (قَمَرِيَّةٍ) هُوَ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِتِسْعٍ وَبِالْجَرِّ صِفَةٌ لِسِنِينَ وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ مِنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ الْجَائِزِ لَا الْمُمْتَنِعِ، وَالسَّنَةُ الْقَمَرِيَّةُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَخُمُسُ يَوْمٍ وَسُدُسُهُ بِخِلَافِ الْعَدَدِيَّةِ فَإِنَّهَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا لَا تَنْقُصُ يَوْمًا وَلَا تَزِيدُ.
اهـ. ز ي. قَالَ عَبْدُ الْبَرِّ: لَمْ تُفَرِّقُ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ السَّنَةِ وَالْعَامِ وَجَعَلُوهُمَا بِمَعْنًى.
قَالَ ابْنُ الْجَوَالِيقِيِّ: وَهُوَ غَلَطٌ؛ إذْ السَّنَةُ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ عَدَدْته إلَى مِثْلِهِ، وَالْعَامُ لَا يَكُونُ إلَّا شِتَاءً وَصَيْفًا وَنَحْوُهُ فِي التَّهْذِيبِ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: اسْتِعْمَالُ السَّنَةِ فِي الْحَوْلِ الَّذِي فِيهِ الشِّدَّةُ وَالْجَدْبُ وَالْعَامُ لِمَا فِيهِ الرَّخَاءِ وَالْخِصْبِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ النُّكْتَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14] حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ الْمُسْتَثْنَى بِالْعَامِ وَعَنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِالسَّنَةِ اهـ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ فِي الْإِتْقَانِ قَوْلُهُ: (لِلْوُجُودِ) أَيْ لِلِاسْتِقْرَاءِ، وَعَبَّرَ بِهِ لِلتَّفَنُّنِ أَوْ إشَارَةً إلَى أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ مَا وَرَدَ إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى حَذْفَهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ زَمَنَ الْحَيْضِ يَرْجِعُ فِيهِ لِلْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَرْجِعُهُ الِاسْتِقْرَاءُ مِنْ الْأَئِمَّةِ.
قَوْلُهُ: (كَالْقَبْضِ) أَيْ قَبْضِ الْمَبِيعِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُودِ هُنَا الْعُرْفُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالْوُجُودِ هُنَا الِاسْتِقْرَاءُ، وَالتَّتَبُّعُ عَنْ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَلَعَلَّ الشَّارِحَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مَحَلٌّ بِمَحَلٍّ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَالْحِرْزِ) أَيْ حِرْزِ الْمَاءِ فِي السَّرِقَةِ، فَإِنَّهُ يُرْجَعُ فِيهِمَا لِلْعُرْفِ.
قَوْلُهُ: (بِمَا لَا يَسَعُ حَيْضًا وَطُهْرًا) كَأَنْ رَأَتْهُ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَأَقَلُّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ رَأَتْ الدَّمَ) كَأَنْ رَأَتْهُ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ التِّسْعِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَامْتَدَّ الدَّمُ إلَى أَنْ بَقِيَ مِنْ الشَّهْرِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ مَثَلًا اهـ اج.
فَيَكُونُ الدَّمُ اسْتَمَرَّ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ الثَّلَاثَةُ الْأُولَى مِنْهَا دَمُ فَسَادٍ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ زَمَنِ إمْكَانِ الْحَيْضِ، وَالْخَمْسَةُ الْأَخِيرَةُ حَيْضٌ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ زَمَنِ الْإِمْكَانِ وَكَأَنْ رَأَتْ الدَّمَ عِشْرِينَ يَوْمًا بَقِيَتْ مِنْ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ فَالْخَمْسَةُ الْأُولَى دَمُ فَسَادٍ؛ لِأَنَّهَا قَبْلَ زَمَنِ الْإِمْكَانِ وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ حَيْضٌ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ زَمَنِ الْإِمْكَانِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَلَوْ رَأَتْ الدَّمَ بِفَاءِ التَّفْرِيعِ.
قَوْلُهُ: (شُرُوطُهُ الْمَارَّةُ) أَيْ لَا يَنْقُصُ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا يُجَاوِزُ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَمُرَادُهُ بِالْجَمْعِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) وَأَمَّا غَالِبُ سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ الْمَرْأَةُ فَعِشْرُونَ سَنَةً، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرُوهُ فِي بَابِ الْخِيَارِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَجَدَهَا لَمْ تَحِضْ، فَإِنْ كَانَ سِنُّهَا دُونَ الْعِشْرِينَ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ عِشْرِينَ فَأَكْثَرَ فَلَهُ الْخِيَارُ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ وُجُودَهُ فِيهَا هُوَ الْغَالِبُ ز ي.

الْحَمْلِ (أَرْبَعُ سِنِينَ) وَغَالِبُهُ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ لِلِاسْتِقْرَاءِ كَمَا أَخْبَرَ بِوُقُوعِهِ الشَّافِعِيُّ، وَكَذَا الْإِمَامُ مَالِكٌ.
حُكِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: جَارَتُنَا امْرَأَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ امْرَأَةُ صِدْقٍ وَزَوْجُهَا رَجُلُ صِدْقٍ حَمَلَتْ ثَلَاثَةَ أَبْطُنٍ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً تَحْمِلُ كُلَّ بَطْنٍ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ غَيْرِ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي أَحْكَامِ الْحَيْضِ فَقَالَ: (وَيَحْرُمُ بِالْحَيْضِ) وَلَوْ أَقَلَّهُ (ثَمَانِيَةُ أَشْيَاءَ) الْأَوَّلُ (الصَّلَاةُ) فَرْضُهَا وَنَفْلُهَا، وَكَذَا سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ (وَ) الثَّانِي (الصَّوْمُ) فَرْضُهُ وَنَفْلُهُ وَيَجِبُ قَضَاءُ صَوْمِ الْفَرْضِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (وَأَقَلُّ زَمَنِ الْحَمْلِ إلَخْ) ذِكْرُ الْحَمْلِ هُنَا اسْتِطْرَادِيٌّ.
قَوْلُهُ: (رَجُلُ صِدْقٍ) أَيْ صَادِقٌ أَوْ ذُو صِدْقٍ أَوْ هُوَ نَفْسُ الصِّدْقِ مُبَالَغَةً.
وَعِبَارَةُ ح ل فِي السِّيرَةِ ذُكِرَ أَنَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَكَثَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ سَنَتَيْنِ، وَكَذَا الضَّحَّاكُ بْنُ إبْرَاهِيمَ التَّابِعِيُّ مَكَثَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ سَنَتَيْنِ.
وَفِي الْمُحَاضَرَاتِ لِلْجَلَالِ السُّيُوطِيّ أَنَّ مَالِكًا مَكَثَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ثَلَاثَ سِنِينَ.

[أَحْكَامِ الْحَيْضِ]

قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ بِالْحَيْضِ) وَمِثْلُهُ النِّفَاسُ، وَسَيَأْتِي أَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: وَهِيَ أَنَّ الْحَيْضَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْبُلُوغُ وَالْعِدَّةُ وَتَسْقُطُ بِأَقَلِّهِ الصَّلَاةُ بِخِلَافِ النِّفَاسِ.
قَوْلُهُ: (ثَمَانِيَةُ أَشْيَاءُ) أَيْ يُعَدُّ مَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ وَاحِدًا أَمَّا إذَا عُدَّ كُلُّ مِنْهُمَا وَاحِدًا كَانَتْ تِسْعَةً، وَهَذَا بِحَسَبِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَحْرُمُ بِالْحَيْضِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْ ذَلِكَ طَلَاقُهَا، وَطُهْرُهَا بِالْمَاءِ أَوْ بِالتَّيَمُّمِ قَبْلَ انْقِطَاعِ الدَّمِ إلَّا فِي أَغْسَالِ الْحَجِّ، فَقَدْ قَالَ الْعَلَّامَةُ م ر: وَمِمَّا يَحْرُمُ عَلَيْهَا أَيْ الْحَائِضِ الطَّهَارَةُ عَنْ الْحَدَثِ بِقَصْدِ التَّعَبُّدِ مَعَ عِلْمِهَا بِالْحُرْمَةِ لِتَلَاعُبِهَا، فَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ النَّظَافَةَ كَأَغْسَالِ الْحَجِّ لَمْ يَمْتَنِعْ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ حُضُورُ الْمُحْتَضَرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِمَا فِي الْعُبَابِ وَالرَّوْضِ وَعَلَّلَهُ بِتَضَرُّرِهِ بِامْتِنَاعِ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ مِنْ الْحُضُورِ عِنْدَهُ بِسَبَبِهَا.
قَوْلُهُ: (الصَّلَاةُ) ابْتِدَاءً وَدَوَامًا وَتَعَمُّدُ الصَّلَاةِ مِنْهَا وَمِنْ الْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ كَبِيرَةٌ وَاسْتِحْلَالُهُ كُفْرٌ بِخِلَافِ نَحْوِ مَسِّ مُصْحَفٍ وَحَمْلِهِ ق ل. قُلْت: مَحَلُّ الْكُفْرِ بِالِاسْتِحْلَالِ إذَا كَانَ الْحَدَثُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَخُرُوجِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَإِلَّا كَلَمْسٍ وَمَسٍّ فَلَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي بَابِ الرِّدَّةِ اهـ اج.
أَيْ فَإِنَّ اللَّمْسَ وَالْمَسَّ لَا يَنْقُضَانِ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَرْضُهَا) وَمِنْهُ الْجِنَازَةُ اج.
وَصَرَّحَ بِذَلِكَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ قَالَ ق ل عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَشْمَلُهَا الصَّلَاةُ عُرْفًا، وَلِذَلِكَ لَا يَحْنَثُ بِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي، وَرَدًّا عَلَى الشَّعْبِيِّ وَالطَّبَرِيِّ الْقَائِلَيْنِ بِصِحَّتِهَا مَعَ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهَا دُعَاءٌ، وَهُوَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى طَهَارَةٍ اهـ. قَوْلُهُ: (وَكَذَا سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ) فَصْلُ مَدْخُولِهَا لِكَوْنِهِ لَيْسَ صَلَاةً حَقِيقِيَّةً، وَسَكَتَ عَنْ سُجُودِ السَّهْوِ لِكَوْنِهِ فِي ضِمْنِ الصَّلَاةِ، هَذَا، وَالْمُرَادُ الْحُرْمَةُ، وَعَدَمُ الِانْعِقَادِ ع ش. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمَا يَفْعَلُهُ عَوَامُّ الْفُقَرَاءِ وَشَبَهُهُمْ مِنْ سُجُودِهِمْ بَيْنَ يَدَيْ الْمَشَايِخِ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ بِطَهَارَةٍ وَتَوَجُّهٍ إلَى الْقِبْلَةِ، وَقَدْ يُتَخَيَّلُ أَنَّ ذَلِكَ تَوَاضُعٌ وَتَقَرُّبٌ وَكَسْرُ نَفْسٍ وَهُوَ خَطَأٌ فَاحِشٌ، فَكَيْفَ يُتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ بِمَا حَرَّمَهُ وَلَرُبَّمَا اغْتَرَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: 100] . وَالْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ، أَوْ مُؤَوَّلَةٌ بِالرُّكُوعِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ غَيْرَ حَرَامٍ فِي شَرِيعَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: هَذَا السُّجُودُ مِنْ عَظَائِمِ الذُّنُوبِ، وَيُخْشَى أَنْ يَكُونَ كُفْرًا وَمِثْلُهُ بُلُوغُ حَدِّ الرُّكُوعِ عِنْدَ الْأُمَرَاءِ.
قُلْت: وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ تَقْبِيلُ أَعْتَابِ الْأَوْلِيَاءِ وَتَوَابِيتِهِمْ بِقَصْدِ التَّبَرُّكِ كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا سَيِّدِي مُحَمَّدٌ الشَّوْبَرِيُّ تَبَعًا لِفَتْوَى شَيْخِهِ م ر. وَبِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ، وَإِنْ جَزَمَ بِهَا حَجّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْخُطْبَةِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ الْحُرْمَةَ، بَلْ بَالَغَ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ الْحَنْبَلِيُّ فَجَعَلَهُ مُكَفِّرًا وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرُونَ، فَقَدْ رَدَّهُ السُّبْكِيُّ أَشْنَعَ رَدٍّ فِي كِتَابِ شِفَاءِ الْأَسْقَامِ فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا وَرَحْمَةً اهـ رَحْمَانِيٌّ.
وَإِنَّمَا قَالَ وَيُخْشَى إلَخْ.
وَلَمْ يَجْعَلْهُ كُفْرًا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ السُّجُودِ بَيْنَ يَدِي الْمَشَايِخِ لَا يَقْتَضِي تَعْظِيمَ الشَّيْخِ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِحَيْثُ يَكُونُ مَعْبُودًا، وَالْكُفْرُ إنَّمَا يَكُونُ إذَا قَصَدَ ذَلِكَ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَالصَّوْمُ) ابْتِدَاءً وَهُوَ ظَاهِرٌ وَدَوَامًا بِمَعْنَى مُلَاحَظَةِ الصَّوْمِ، فَالشَّرْطُ حِينَئِذٍ أَنْ تُلَاحِظَ أَنَّهَا صَائِمَةٌ وَلَا يَجِبُ

  • رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ أَيْ الْحَيْضُ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ وَفِيهِ مِنْ الْمَعْنَى أَنَّ الصَّلَاةَ تَكْثُرُ فَيَشُقُّ قَضَاؤُهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ، وَهَلْ يَحْرُمُ قَضَاؤُهَا، أَوْ يُكْرَهُ؟ فِيهِ خِلَافٌ ذَكَرَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ فَنَقَلَ فِيهَا عَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيِّ عَنْ الْبَيْضَاوِيِّ، أَنَّهُ يَحْرُمُ لِأَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - نَهَتْ السَّائِلَةَ عَنْ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ مَحَلُّهُ فِيمَا أُمِرَ بِفِعْلِهِ.
    وَعَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَالرُّويَانِيِّ وَالْعِجْلِيِّ، أَنَّهُ مَكْرُوهٌ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، فَيُسَنُّ لَهُمَا الْقَضَاءُ انْتَهَى.

[حاشية البجيرمي]

عَلَيْهَا بَعْدَ طُرُوقِ دَمِ الْحَيْضِ تَنَاوُلُ مُفْطِرٍ ع ش وَيَحْرُمُ الصَّوْمُ إجْمَاعًا وَلِخَبَرِ: «أَلَيْسَ إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» . وَالْأَوْجَهُ أَنَّ عَدَمَ انْعِقَادِهِ مِنْهَا مَعْقُولُ الْمَعْنَى خِلَافًا لِلْإِمَامِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الدَّمِ مُضْعِفٌ وَالصَّوْمُ مُضْعِفٌ أَيْضًا، فَلَوْ أُمِرَتْ بِالصَّوْمِ لَاجْتَمَعَ عَلَيْهَا مُضْعِفَانِ وَالشَّارِعُ نَاظِرٌ إلَى حِفْظِ الْأَبَدَانِ وَلَا تُثَابُ عَلَى التَّرْكِ، بِخِلَافِ الْمَرِيضِ إذَا تَرَكَ النَّوَافِلَ حَيْثُ يُثَابُ، وَفُرِّقَ بِأَنَّ الْمَرِيضَ يَنْوِي أَنْ يَفْعَلَ إنْ كَانَ صَحِيحًا مَعَ بَقَاءِ أَهْلِيَّتِهِ، وَلَا كَذَلِكَ الْحَائِضُ شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ: لَا تُثَابُ عَلَى التَّرْكِ أَيْ مَا لَمْ تَقْصِدْ امْتِثَالَ الشَّارِعِ، وَإِلَّا فَتُثَابُ اهـ اج.
وَالْمُنَاسِبُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَرِيضِ أَنَّهَا لَا تُثَابُ عَلَى الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ لَوْ كَانَتْ طَاهِرَةً، بِخِلَافِ الْمَرِيضِ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى عَزْمِهِ عَلَى فِعْلِ النَّوَافِلِ لَوْ كَانَ صَحِيحًا، وَقَوْلُهُ: أَلَيْسَ إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ اسْتِفْهَامٌ تَقْرِيرِيٌّ وَهُوَ جَوَابُ سُؤَالِ مَنْ قَالَتْ حِينَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ» أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَمُشَاهَدٌ، وَأَمَّا نُقْصَانُ الدِّينِ فَبَيَّنَ وَجْهَهُ بِقَوْلِهِ: «أَلَيْسَ إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ» إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: «نَاقِصَاتُ عَقْلٍ» الْمُرَادُ بِالْعَقْلِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ.
وَقِيلَ إنَّ الْمُرَادَ بِالْعَقْلِ تَحَمُّلُ الدِّيَةِ عَنْ الْجَانِي.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ التَّحَمُّلَ مُنْتَفٍ أَصْلًا لَا أَنَّهُ مَوْجُودٌ وَنَاقِصٌ، وَبَعْضُهُمْ حَمَلَهُ عَلَى الْعَقْلِ الْغَرِيزِيِّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِلْمَقَامِ؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامَ الذَّمِّ لِلنِّسَاءِ، وَقَوْلُهُ: وَدِينٍ اُنْظُرْ وَجْهَ كَوْنِ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِي حَالِ الْحَيْضِ نَقْصًا مِنْ الدِّينِ مَعَ أَنَّ التَّرْكَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، وَتُثَابَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا آتِيَةٌ بِوَاجِبٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُنَّ نَاقِصَاتُ دِينٍ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَالِ مِنْ حَيْثُ إنَّ هَذَا الزَّمَنَ لَا يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ، فَأَطْلَقَ عَلَيْهِنَّ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ قَضَاءُ صَوْمِ الْفَرْضِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ) وَتَسْمِيَتُهُ قَضَاءً مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ لِفِعْلِهِ مُقْتَضٍ فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ لِصُورَةِ فِعْلِهِ خَارِجَ الْوَقْتِ كَمَا قَالَهُ حَجّ.
أَيْ فَلَا يَرِدَ أَنَّ الْقَضَاءَ مَا سَبَقَ لِفِعْلِهِ مُقْتَضٍ فِي الْوَقْتِ.
وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَا يُسَمَّى قَضَاءً حَقِيقَةً، وَاَلَّذِي فِي الْأُصُولِ أَنَّهُ يُسَمَّى بِذَلِكَ حَقِيقَةً اهـ. قَوْلُهُ: (أَيْ الْحَيْضُ) مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّوَوِيِّ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ، فَكُلُّ مِنْ ابْنِ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيِّ نَقَلَ عَنْ الْبَيْضَاوِيِّ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي اهـ. وَفِي حَاشِيَةِ م د قَوْلُهُ: وَالنَّوَوِيُّ أَيْ وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ بِالْجَرِّ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ الْبَيْضَاوِيِّ) هُوَ غَيْرُ الْمُفَسِّرِ؛ لِأَنَّهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَاسْمُ الْمُفَسِّرِ نَاصِرُ الدِّينِ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الشَّيْخَيْنِ بِخِلَافِ الْبَيْضَاوِيِّ الْمَذْكُورِ فَإِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِمَا م د. قَوْلُهُ: (وَعَنْ ابْنِ الصَّلَاحِ) عِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: وَعَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَهِيَ أَظْهَرُ.
قَوْلُهُ (وَالْعِجْلِيِّ) بِفَتْحَتَيْنِ نِسْبَةً إلَى عَمَلِ الْعَجَلِ الَّتِي تَجُرُّهَا الدَّوَابُّ، وَلَعَلَّ بَعْضَ أَجْدَادِهِ كَانَ يَعْمَلُهَا فَنُسِبَ إلَيْهِ، وَأَمَّا الْعِجْلِيُّ بِالْكَسْرِ وَالسُّكُونِ فَنَسَبُهُ إلَى عِجْلِ بْنِ وَائِلٍ وَنَسَبَهُ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ مَكْرُوهٌ) مُعْتَمَدٌ وَفُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ بِأَنَّ إسْقَاطَ الصَّلَاةِ عَنْهَا عَزِيمَةٌ وَعَنْهُمَا رُخْصَةٌ، وَالْمُرَادُ بِالْعَزِيمَةِ مَعْنَاهَا الشَّرْعِيُّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْحَائِضِ تَغَيُّرٌ مِنْ صُعُوبَةٍ، وَهُوَ وُجُوبُ الْفِعْلِ إلَى سُهُولَةٍ، وَهُوَ وُجُوبُ التَّرْكِ؛ لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِهِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ وَمِثْلُهَا النُّفَسَاءُ، فَكُلٌّ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ الَّذِي هُوَ عُذْرٌ فِي التَّرْكِ مَانِعٌ مِنْ الْفِعْلِ لِكَوْنِهَا مَأْمُورَةً بِتَرْكِ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِهِمَا وَالْمُرَادُ بِالرُّخْصَةِ فِي حَقِّ

وَالْأَوْجُهُ عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ نَهْيُ عَائِشَةَ وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ مُنْتَقَضٌ بِقَضَاءِ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا هَلْ تَنْعَقِدُ صَلَاتُهَا أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَوْجُهُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ تَكُنْ مَطْلُوبَةً عَدَمُ الِانْعِقَادِ وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَيْهَا فِي الصَّوْمِ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا حَالَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ؛ لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ وَالْمَنْعُ وَالْوُجُوبُ لَا يَجْتَمِعَانِ.

(وَ) الثَّالِثُ (قِرَاءَةُ) شَيْءٍ مِنْ (الْقُرْآنِ) بِاللَّفْظِ أَوْ بِالْإِشَارَةِ مِنْ الْأَخْرَسِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي فِي فَتَاوِيهِ، فَإِنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ هُنَا وَلَوْ بَعْضَ آيَةٍ لِلْإِخْلَالِ بِالتَّعْظِيمِ، سَوَاءٌ أَقَصَدَ مَعَ ذَلِكَ غَيْرَهَا أَمْ لَا لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ: «لَا يَقْرَأْ

[حاشية البجيرمي]

الْمَجْنُونِ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيُّ وَهُوَ السُّهُولَةُ وَالْخِفَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِتَرْكِ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ جُنُونِهِ حَتَّى يُقَالُ: إنَّهُ أَدَّى مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ التَّرْكِ، فَلِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا فَاتَهُ زَمَنَ رِدَّتِهِ دُونَهُمَا، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالرُّخْصَةِ فِي حَقِّ الْمَجْنُونِ مَعْنَاهَا الِاصْطِلَاحِيُّ، وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُتَغَيَّرُ إلَيْهِ السَّهْلُ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ، وَالْمَجْنُونُ لَيْسَ مُكَلَّفًا حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ كَذَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ اهـ اط ف. قَوْلُهُ: (وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ التَّحْرِيمِ) مُعْتَمَدٌ وَقَوْلُهُ وَلَا يُؤَثِّرُ أَيْ وَلَا يَقْدَحُ.
وَقَوْلُهُ: (فِيهِ) أَيْ فِي عَدَمِ التَّحْرِيمِ.
وَقَوْلُهُ: (التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ) أَيْ قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ مَحَلُّهُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ) هَذِهِ طَرِيقَةٌ تَبِعَ فِيهَا الشَّيْخَ ابْنَ حَجَرٍ، وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ م ر أَنَّهَا تَنْعَقِدُ مَعَ الْكَرَاهَةِ وَتُثَابُ عَلَيْهَا ثَوَابَ النَّافِلَةِ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَجْمَعَ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ فَرْضٍ اط ف. وَقَالَ ع ش. إنَّهَا لَا تُثَابُ عَلَيْهَا لِكَوْنِهَا مَنْهِيَّةً عَنْهَا لِذَاتِهَا، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ لِذَاتِهِ لَا ثَوَابَ فِيهِ.
وَعِبَارَتُهُ عَلَى م ر وَتَجْمَعُهَا مَعَ فَرْضٍ آخَرَ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكَافِرِ حَيْثُ لَا تَنْعَقِدُ مِنْهُ إذَا أَسْلَمَ وَقَضَاهَا أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ فِي كُفْرِهِ بِأَنْ يُسْلِمَ، وَيَأْتِيَ بِهَا، فَلَمَّا أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ الْقَضَاءُ لِلْإِخْبَارِ بِغُفْرَانِ مَا سَلَفَ فَإِذَا قَضَاهَا كَانَ مُرَاغِمًا لِلشَّرْعِ فَلَا تَصِحُّ، وَلَا كَذَلِكَ الْحَائِضُ فَإِنَّهَا سَقَطَتْ عَنْهَا فِي زَمَنِ الْحَيْضِ عَزِيمَةٌ، وَالْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ وَلَمْ يَثْبُتْ، فَلَمْ يَكُنْ فِي قَضَائِهَا مَا يُشْبِهُ الْمُرَاغَمَةَ لِعَدَمِ وُرُودِ شَيْءٍ عَنْ الشَّارِعِ، وَبِأَنَّهَا أَهْلٌ لِلصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالنَّهْيُ عَنْهَا لِلْحَيْضِ، وَالْقِيَاسُ عَدَمُ الثَّوَابِ عَلَيْهَا اهـ. فَقَدْ اضْطَرَبَ كَلَامُ ع ش فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَرَّةً بِالثَّوَابِ وَمَرَّةً بِعَدَمِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَنْعُ وَالْوُجُوبُ لَا يَجْتَمِعَانِ) أَيْ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا هُنَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ ق ل.

قَوْلُهُ: (وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) وَعَنْ مَالِكٍ: يَجُوزُ لَهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَعَنْ الطَّحَاوِيِّ يُبَاحُ لَهَا مَا دُونَ الْآيَةِ كَمَا نَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (هُنَا) وَكَذَا فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ إلَّا فِي الْحِنْثِ وَالصَّلَاةِ وَالشَّهَادَةِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّوَهُّمِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بَعْضَ آيَةٍ) صَادِقٌ بِالْحَرْفِ الْوَاحِدِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِكَوْنِ صُورَتِهِ فِي الْحَرْفِ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الْقُرْآنَ فَيَأْثَمَ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى مَعْصِيَةً وَشَرَعَ فِيهَا، فَالتَّحْرِيمُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُسَمَّى قُرْآنًا كَمَا فِي حَاشِيَةِ م ر عَلَى الرَّوْضِ، وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ قَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْضَ آيَةٍ أَيْ وَلَوْ حَرْفًا بِنِيَّةِ كَوْنِهِ مِنْ الْقُرْآنِ كَمَا أَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ إذَا قَرَأَهُ غَيْرُ جُنُبٍ كَذَلِكَ، لَكِنْ إذَا عَاقَهُ عَائِقٌ عَنْ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ مِنْهُ مَا يُصَيِّرُهُ جُمْلَةً مُفِيدَةً بِخِلَافِ مَا لَمْ يَضُمَّ إلَيْهِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ نَوَى بِذَلِكَ الْحَرْفِ أَنَّهُ مِنْ الْقُرْآنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَعَ النِّيَّةِ يُثَابُ كَمَا أَنَّهُ يَأْثَمُ هُنَا، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُفَرَّقُ بِأَنَّهُ يُحْتَاطُ لِتَعْظِيمِ الْقُرْآنِ مَعَ الْجَنَابَةِ الْمُنَافِيَةِ لَهُ مَا لَا يُحْتَاطُ لَهُ مِنْ حَيْثُ الثَّوَابُ اهـ حَجّ.
وَعَدَدُ حُرُوفِ الْقُرْآنِ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ حَرْفٍ وَثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ حَرْفٍ وَسِتُّمِائَةِ حَرْفٍ وَأَحَدٌ وَسَبْعُونَ حَرْفًا.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَحْرُفَ الْقُرْآنِ فِي اللَّوْحِ كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا بِقَدْرِ جَبَلِ قَافٍ، وَأَنَّ تَحْتَ كُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا مَعَانِيَ لَا يُحِيطُ بِهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَنِصْفُ حُرُوفِهِ النُّونُ مِنْ نُكْرًا فِي الْكَهْفِ، وَالْكَافُ مِنْ النِّصْفِ الثَّانِي، وَقِيلَ إنَّ النِّصْفَ بِالْحُرُوفِ الْكَافُ مِنْ نُكْرًا، وَقِيلَ الْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ وَلْيَتَلَطَّفْ، وَعَدَدُ آيَاتِهِ سِتَّةُ آلَافِ آيَةٍ وَخَمْسُمِائَةِ آيَةٍ، وَقِيلَ سِتَّةُ آلَافٍ وَمِائَتَانِ وَأَرْبَعُ آيَاتٍ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَقَصَدَ مَعَ ذَلِكَ) أَيْ الْقِرَاءَةِ غَيْرَهَا أَمْ لَا.
هَذِهِ الْعِبَارَةُ لَا تَحْسُنُ إلَّا لَوْ قَالَ: أَوْ لَا بِقَصْدِ قُرْآنٍ ثُمَّ يُعَمِّمُ

الْجُنُبُ وَلَا الْحَائِضُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» وَيَقْرَأُ رُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى النَّهْيِ وَبِضَمِّهَا عَلَى الْخَبَرِ الْمُرَادِ بِهِ النَّهْيُ، ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَضَعَّفَهُ، لَكِنْ لَهُ مُتَابَعَاتٍ تُجْبِرُ ضَعْفَهُ وَلِمَنْ بِهِ حَدَثٌ أَكْبَرُ إجْرَاءُ الْقُرْآنِ عَلَى قَلْبِهِ وَنَظَرٌ فِي الْمُصْحَفِ، وَقِرَاءَةُ مَا نُسِخَتْ تِلَاوَتُهُ وَتَحْرِيكُ لِسَانِهِ وَهَمْسُهُ بِحَيْثُ لَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقِرَاءَةِ قُرْآنٍ، وَفَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وُجُوبًا فَقَطْ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إلَيْهَا خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ لَهُ قِرَاءَتُهَا كَغَيْرِهَا، أَمَّا خَارِجَ الصَّلَاةِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا، وَلَا أَنْ يَمَسَّ الْمُصْحَفَ مُطْلَقًا، وَلَا أَنْ تُوطَأَ الْحَائِضُ أَوْ النُّفَسَاءُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا، وَأَمَّا فَاقِدُ الْمَاءِ فِي الْحَضَرِ فَيَجُوزُ لَهُ إذَا تَيَمَّمَ أَنْ يَقْرَأَ وَلَوْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ.
وَهَذَا فِي حَقِّ الشَّخْصِ الْمُسْلِمِ.
أَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ ذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَأَمَّا تَعْلِيمُهُ وَتَعَلُّمُهُ فَيَجُوزُ إنْ رُجِيَ إسْلَامُهُ، وَإِلَّا فَلَا.

[حاشية البجيرمي]

وَيَقُولُ: سَوَاءٌ قَصَدَ مَعَ الْقِرَاءَةِ غَيْرَهَا أَمْ لَا.
مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ.
قَوْلُهُ: (لَهُ مُتَابَعَاتٍ) أَيْ مُقَوَّيَاتٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَابَعَةِ وَالشَّاهِدِ أَنَّ الْمُتَابَعَةَ هِيَ أَنْ يَجْتَمِعَ السَّنَدَانِ فِي وَاحِدٍ كَأَنْ يُقَالَ مَثَلًا حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَحْمَدَ وَحَدَّثَنَا مَثَلًا عَنْ حَسَنٍ عَنْ أَحْمَدَ فَالسَّنَدَانِ اجْتَمَعَا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَحْمَدُ فِي الْمِثَالِ، وَأَمَّا الشَّاهِدُ فَهُوَ تَعَدُّدُ الرِّوَايَةِ مَعَ عَدَمِ اجْتِمَاعِ السَّنَدَيْنِ كَأَنْ يُقَالَ حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ مَثَلًا عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ خَلِيلٍ مَثَلًا فَالرِّوَايَةُ تَعَدَّدَتْ مَعَ عَدَمِ اجْتِمَاعِ السَّنَدِ فِي وَاحِدٍ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَهُ مُتَابَعَاتٌ وَشَوَاهِدُ تُجْبِرُ ضَعْفَهُ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (إجْرَاءُ الْقُرْآنِ) هَذَا خَرَجَ بِقَوْلِهِ: قِرَاءَةُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَنَظَرٌ فِي الْمُصْحَفِ.
وَقَوْلُهُ: (وَقِرَاءَةُ مَا نُسِخَتْ) إلَخْ هَذَا خَرَجَ بِقَوْلِهِ: " قُرْآنٍ ". وَقَوْلُهُ: (وَتَحْرِيكُ لِسَانِهِ) خَرَجَ بِقَوْلِهِ بِاللَّفْظِ وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا) أَيْ هَذِهِ الْخَمْسَةَ.
قَوْلُهُ: (وَهَمْسُهُ) أَيْ الْقِرَاءَةُ سِرًّا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِقِرَاءَةِ قُرْآنٍ) لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ إنَّمَا تَحْصُلُ بِإِسْمَاعِ نَفْسِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَى الذِّكْرِ إلَّا إنْ أَسْمَعَ نَفْسَهُ، وَانْظُرْ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا لَوْ أَجَرْت الْمُسْتَحَاضَةُ الْقُرْآنَ عَلَى قَلْبِهَا فَتُثَابُ عَلَى ذَلِكَ دُونَهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا مَعْذُورَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، لِدَوَامِ حَدَثِهَا.
قَوْلُهُ: (وَفَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ) أَيْ بِقَصْدِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الرُّكْنُ إلَّا كَذَلِكَ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (لَا يَجُوزُ لَهُ إلَخْ) قَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ يَعْدِلُ لِلذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ شَرْعًا شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (كَغَيْرِهَا) أَيْ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ قِرَاءَةُ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ اتِّفَاقًا، لَكِنْ عَلَى طَرِيقَةِ الرَّافِعِيِّ هَلْ يُصَلِّي وَيَقِفُ سَاكِتًا بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ أَوْ يَقْرَأُ بِقَدْرِهَا مِنْ الذِّكْرِ، أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا أَنَّهُ يَعْدِلُ لِلذِّكْرِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا خَارِجَ الصَّلَاةِ) بِنَصْبِ خَارِجٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَرْفًا فَهُوَ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَالْمَعْنَى أَمَّا فِي خَارِجِ الصَّلَاةِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ ظَرْفَ مَكَان؛ لِأَنَّ ظَرْفَ الْمَكَانِ لَا يَكُونُ إلَّا مُبْهَمًا وَمَا هُنَا مُعَيَّنٌ لَا مُبْهَمٌ، فَلِذَا قُلْنَا: إنَّهُ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ لَا خَارِجَ الصَّلَاةِ وَلَا دَاخِلَهَا، وَفِيهِ أَنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ خَارِجَ الصَّلَاةِ، فَكَيْفَ هَذَا التَّعْمِيمُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مُطْلَقًا أَيْ لِلدِّرَاسَةِ أَوْ غَيْرِهَا، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: مُطْلَقًا رَاجِعًا لِمَسِّ الْمُصْحَفِ فَقَطْ.
وَانْظُرْ لَوْ لَمْ يَحْفَظْ الْفَاتِحَةَ وَاحْتَاجَ لِحَمْلِ الْمُصْحَفِ لِقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَمْ لَا؟ الظَّاهِرُ الْجَوَازُ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا فَاقِدُ الْمَاءِ فِي الْحَضَرِ) وَكَذَا فِي السَّفَرِ الَّذِي يَغْلِبُ فِيهِ فَقْدُ الْمَاءِ أَوْ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ أَيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى فَفِيهِ التَّنْبِيهُ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى لَا التَّقْيِيدُ، وَقَوْلُهُ بِالْأَوْلَى رَاجِعٌ لِلسَّفَرِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشَّارِحُ الْحَضَرَ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّوَهُّمِ.
فَرُبَّمَا يُقَالُ إنَّ الْمُتَيَمِّمَ الْمَذْكُورَ تَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ فَهُوَ كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ فَمَا الْفَرْقُ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا مُتَطَهِّرٌ دُونَ ذَاكَ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ تَحْرِيمُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي حَقِّ الشَّخْصِ الْمُسْلِمِ وَيُمْنَعُ مِنْ الْقِرَاءَةِ أَيْضًا فَقَوْلُهُ: أَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يُمْنَعُ إلَخْ مُقَابِلٌ لِهَذَا الْمُقَدَّرِ، وَإِلَّا فَكَانَ الْمُنَاسِبُ لِلْمُقَابَلَةِ أَنْ يَقُولَ: فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْحُرْمَةُ حَاصِلَةً لَهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْكَافِرُ) أَيْ أَمَّا الشَّخْصُ الْكَافِرُ فَيَشْمَلُ الْكَافِرَةَ.
وَقَضِيَّةُ إطْلَاقِهِ هُنَا وَتَقْيِيدِهِ فِيمَا بَعْدَهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ يُرْجَى إسْلَامُهُ أَوْ لَا.
وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي تَقْيِيدَهُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُمْنَعُ) أَيْ لَا تَتَعَرَّضْ لَهُ إذَا قَرَأَ، وَإِنْ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ؛ إذْ هُوَ مُخَاطَبٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ، وَلَوْ مُعَانِدًا لَا يُرْجَى إسْلَامُهُ بِدَلِيلِ إطْلَاقِهِ وَتَقْيِيدِهِ مَا بَعْدَهُ، وَيُرْشِدُ إلَيْهِ التَّعْلِيلُ، لَكِنْ قَيَّدَ سم عَدَمَ الْمَنْعِ بِأَنْ لَا يَكُونَ مُعَانِدًا وَيُرْجَى إسْلَامُهُ اهـ اج.

تَنْبِيهٌ: يَحِلُّ لِمَنْ بِهِ حَدَثٌ أَكْبَرُ أَذْكَارُ الْقُرْآنِ وَغَيْرُهَا كَمَوَاعِظِهِ وَأَخْبَارِهِ وَأَحْكَامِهِ لَا بِقَصْدِ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ عِنْدَ الرُّكُوبِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: 13] أَيْ مُطِيقِينَ، وَعِنْدَ الْمُصِيبَةِ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156] وَمَا جَرَى بِهِ لِسَانُهُ بِلَا قَصْدٍ فَإِنْ قَصَدَ الْقُرْآنَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الذِّكْرِ حُرِّمَ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَلَا.
كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي دَقَائِقِهِ لِعَدَمِ الْإِخْلَالِ بِحُرْمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ قُرْآنًا إلَّا بِالْقَصْدِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ جَارٍ فِيمَا يُوجَدُ نَظْمُهُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ كَالْآيَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ وَالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ، وَفِيمَا لَا يُوجَدُ نَظْمُهُ إلَّا فِيهِ كَسُورَةِ الْإِخْلَاصِ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: لَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِ مَا لَا يُوجَدُ نَظْمُهُ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَمَا شَمِلَ ذَلِكَ قَوْلَ الرَّوْضَةِ، أَمَّا إذَا قَرَأَ شَيْئًا مِنْهُ لَا عَلَى قَصْدِ الْقُرْآنِ فَيَجُوزُ.

(وَ) الرَّابِعُ (مَسُّ) شَيْءٍ مِنْ (الْمُصْحَفِ) بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ لَكِنَّ الْفَتْحَ غَرِيبٌ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ وَرَقُهُ الْمَكْتُوبُ فِيهِ وَغَيْرُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79] وَيَحْرُمُ أَيْضًا مَسُّ جِلْدِهِ الْمُتَّصِلِ بِهِ لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْهُ، وَلِهَذَا يَتْبَعُهُ فِي الْبَيْعِ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (تَنْبِيهٌ إلَخْ) هَذَا التَّنْبِيهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ مَحَلُّ حُرْمَةِ الْقِرَاءَةِ إذَا كَانَتْ بِقَصْدِ الْقُرْآنِ أَوْ بِقَصْدِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ، وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ.
قَوْلُهُ: (يَحِلُّ إلَخْ) كَلَامُهُ فِي الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ فَدُخُولُ غَيْرِهِمَا مَعَهُمَا اسْتِطْرَادِيٌّ تَأَمَّلْ ق ل. قَوْلُهُ: (كَمَوَاعِظِهِ) أَيْ مَا فِيهِ تَرْغِيبٌ أَوْ تَرْهِيبٌ.
قَوْلُهُ: (وَأَخْبَارِهِ) أَيْ عَنْ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأَحْكَامِهِ) أَيْ مَا تَعَلَّقَ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا جَرَى بِهِ لِسَانُهُ بِلَا قَصْدٍ) بِأَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَيْهِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَطْلَقَ فَلَا) كَمَا لَا يَحْرُمُ إذَا قَصَدَ الذِّكْرَ فَقَطْ، فَالصُّوَرُ أَرْبَعَةٌ يَحِلُّ فِي ثِنْتَيْنِ، وَيَحْرُمُ فِي ثِنْتَيْنِ وَأَمَّا لَوْ قَصَدَ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ، وَالْمُعْتَمَدُ الْحُرْمَةُ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ الدَّائِرَ صَادِقٌ بِالْقُرْآنِ فَيَحْرُمُ لِصِدْقِهِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا يَكُونُ قُرْآنًا إلَخْ) أَيْ لَا يَكُونُ قُرْآنًا تَحْرُمُ قِرَاءَتُهُ عِنْدَ وُجُودِ الصَّارِفِ إلَّا بِالْقَصْدِ، وَإِلَّا فَهُوَ قُرْآنٌ مُطْلَقًا، أَوْ الْمَعْنَى لَا يُعْطَى حُكْمَ الْقُرْآنِ إلَّا بِالْقَصْدِ، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ كَأَنْ أَجْنَبَ وَفَقَدَ الطَّهُورَيْنِ وَصَلَّى لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ بِلَا طُهْرٍ، وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ، فَلَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ الْقُرْآنِ، بَلْ يَكُونُ قُرْآنًا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَلَا صَارِفَ فَاحْفَظْهُ وَاحْذَرْ خِلَافَهُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَرَفٍ عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَظَاهِرُهُ أَنَّ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي صُورَةِ الْإِطْلَاقِ مِنْ عَدَمِ التَّحْرِيمِ.
قَوْلُهُ: (كَالْآيَتَيْنِ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ؛ إذْ الْمَذْكُورُ هُنَا مِنْ كُلٍّ بَعْضُ آيَةٍ.
قَوْلُهُ: (كَمَا شَمِلَ ذَلِكَ إلَخْ) هَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: وَهُوَ كَذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (مَسُّ الْمُصْحَفِ) حَتَّى حَوَاشِيهِ وَمَا بَيْنَ سُطُورِهِ وَالْوَرَقِ الْبَيَاضِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جِلْدِهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ الْمُتَّصِلِ بِهِ، وَيَحْرُمُ الْمَسُّ وَلَوْ بِحَائِلٍ، وَلَوْ كَانَ ثَخِينًا حَيْثُ يُعَدُّ مَاسًّا لَهُ عُرْفًا؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالتَّعْظِيمِ.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّ الْفَتْحَ غَرِيبٌ) أَيْ وَأَصْلُهُ الضَّمُّ.
قَالَ فِي الْمُخْتَارِ: وَالْمُصْحَفُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا وَأَصْلُهُ الضَّمُّ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَصْحَفَ أَيْ جُمِعَتْ فِيهِ الصُّحُفُ وَالصَّحِيفَةُ الْكِتَابُ وَالْجَمْعُ صُحُفٌ وَصَحَائِفُ اهـ بِحُرُوفِهِ أَيْ: لِأَنَّهُ مَجْمُوعٌ فِيهِ الْكُتُبُ وَهَلْ يَحْرُمُ تَصْغِيرُهُ بِأَنْ يُقَالَ فِيهِ مُصَيْحِفٌ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ عَدَمُ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ التَّصْغِيرَ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الْخَطُّ لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ كَلَامَ اللَّهِ كَمَا فِي الْبِرْمَاوِيِّ.
قَوْلُهُ: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79] هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَيَجُوزُ إبْقَاؤُهُ عَلَى خَبَرِيَّتِهِ، وَنَقُولُ: لَا خُلْفَ فِي خَبَرِهِ تَعَالَى؛ إذْ يُرَادُ لَا يَمَسُّهُ مَسًّا مَشْرُوعًا وَالْمُطَهَّرُونَ بِمَعْنَى الْمُتَطَهِّرُونَ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ يَعْرِضُ لَهُ الْحَدَثُ، ثُمَّ الطُّهْرُ لَا مَنْ هُوَ مَوْجُودٌ مُطَهَّرًا وَهُمْ الْمَلَائِكَةُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ؛ إذْ يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ نَفْيُ مَسِّ غَيْرِ الْمَلَائِكَةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْوَاقِعِ وَالْمُشَاهَدِ اج.
وَفِي حَاشِيَةِ خَضِرٍ عَلَى التَّحْرِيرِ قَوْلُهُ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَإِلَّا لَزِمَ الْخُلْفُ فِي كَلَامِهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُتَطَهِّرِ يَمَسُّهُ.
فَإِنْ قُلْت: بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ وبالمطهرون الْمَلَائِكَةُ، قُلْت: الْوَصْفُ بِالتَّنْزِيلِ عَقِبَ الْآيَةِ ظَاهِرٌ فِي الْمُصْحَفِ الَّذِي عِنْدَنَا وَالنَّهْيُ لَا يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ لِلْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ مُطَهَّرُونَ، فَلَا يَصْدُقُ فِيهِمْ النَّفْيُ

وَأَمَّا الْمُنْفَصِلُ عَنْهُ فَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْبَيَانِ حِلُّ مَسِّهِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْإِسْنَوِيُّ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُرْمَةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ أَفْحَشُ، وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيّ عَنْ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ يَحْرُمُ مَسُّهُ أَيْضًا، وَلَمْ يَنْقُلْ مَا يُخَالِفُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: إنَّهُ الْأَصَحُّ إبْقَاءً لِحُرْمَتِهِ قَبْلَ انْفِصَالِهِ انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ إذَا لَمْ تَنْقَطِعْ نِسْبَتُهُ عَنْ الْمُصْحَفِ، فَإِنْ انْقَطَعَتْ كَأَنْ جَعَلَ جِلْدَ كِتَابٍ لَمْ يَحْرُمْ مَسُّهُ قَطْعًا (وَ) كَذَا يَحْرُمُ (حَمْلُهُ) أَيْ الْمُصْحَفِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ الْمَسِّ، نَعَمْ يَجُوزُ حَمْلُهُ لِضَرُورَةٍ كَخَوْفٍ عَلَيْهِ مِنْ غَرَقٍ أَوْ حَرَقٍ أَوْ نَجَاسَةٍ، أَوْ وُقُوعِهِ فِي يَدِ كَافِرٍ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الطَّهَارَةِ، بَلْ يَجِبُ أَخْذُهُ حِينَئِذٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَجْمُوعِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى التَّيَمُّمِ وَجَبَ وَخَرَجَ بِالْمُصْحَفِ غَيْرُهُ كَتَوْرَاةٍ وَإِنْجِيلٍ وَمَنْسُوخِ تِلَاوَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ، وَإِنْ لَمْ يُنْسَخْ حُكْمُهُ فَلَا يَحْرُمُ، وَيَحِلُّ حَمْلُهُ فِي مَتَاعٍ تَبَعًا لَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا بِالْحَمْلِ وَلَوْ مَعَ الْأَمْتِعَةِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ، وَإِنْ كَانَ

[حاشية البجيرمي]

وَالْإِثْبَاتُ اهـ. وَلَوْ كَمَّلَ الشَّارِحُ الْآيَةَ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِي وَصْفِهِ بِالتَّنْزِيلِ رَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ الْمُرَادُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ.
وَقَالَ الْجَلَالُ: الْمُطَهَّرُونَ الَّذِينَ طَهَّرُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ الْأَحْدَاثِ.
قَوْلُهُ: (مَسُّ جِلْدِهِ) وَأَمَّا الظَّرْفُ الَّذِي هُوَ فِيهِ فَإِنْ أُعِدَّ لَهُ، وَكَانَ لَائِقًا بِهِ عَادَةً كَصُنْدُوقٍ، وَخَرِيطَةٍ وَعِلَاقَتِهَا حُرِّمَ مَسُّهُ مَا دَامَ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا يَحْرُمُ مَسُّ ظَرْفِ الْمُصْحَفِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ، وَأَنْ يَكُونَ مُعَدًّا لَهُ وَحْدَهُ أَيْ عَادَةً فَلَا يَحْرُمُ مَسُّ الْخِزَانَةِ الَّتِي فِيهَا الْمُصْحَفُ، وَإِنْ أُعِدَّتْ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاعْتِدَادَ لَيْسَ عَادَةً كَمَا فِي ق ل. وَابْنِ شَرَفٍ، وَكَذَا كُرْسِيٌّ وُضِعَ عَلَيْهِ فَيَحْرُمُ مِنْهُ مَا حَاذَاهُ.
وَقَالَ ز ي: يَحْرُمُ مَسُّ جَمِيعِهِ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيمَا أُعِدَّ لَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ عَلَى حَجْمِهِ أَوْ لَا.
وَإِنْ لَمْ يُعَدَّ مِثْلُهُ عَادَةً، وَهُوَ قَرِيبٌ.
قَوْلُهُ: (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِهِ كَالْجُزْءِ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ: (بِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ أَفْحَشُ) يُرَدُّ بِأَنَّ الْأَفْحَشِيَّةَ لَا أَثَرَ لَهَا فِي ذَلِكَ؛ إذْ لَا سَبَبَ لِحُرْمَةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِهِ إلَّا احْتِرَامُهُ بِنِسْبَتِهِ لِلْمُصْحَفِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي حُرْمَةَ الْمَسِّ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَنْقُلْ) أَيْ الزَّرْكَشِيّ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ جُعِلَ جِلْدُ كِتَابٍ) قَالَ ع ش: ظَاهِرُهُ، وَإِنْ كَانَ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ: لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ وَقَوْلُهُ: جِلْدُ كِتَابٍ أَيْ وَحْدَهُ، أَمَّا لَوْ جُعِلَ الْمُصْحَفُ مَعَ كِتَابٍ فِي جِلْدٍ وَاحِدٍ، فَحُكْمُهُ فِي الْحَمْلِ حُكْمُ الْمُصْحَفِ مَعَ الْمَتَاعِ فَيَجْرِي فِيهِ تَفْصِيلُهُ أَمَّا مَسُّ الْجِلْدِ فَيَحْرُمُ مَسُّ السَّاتِرِ لِلْمُصْحَفِ دُونَ مَا عَدَاهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الشِّهَابُ م ر. وَضَابِطُ الِانْقِطَاعِ أَنْ يُجْعَلَ جِلْدَ كِتَابٍ وَحْدَهُ وَلَيْسَ مِنْ انْقِطَاعِهَا مَا لَوْ جُلِّدَ الْمُصْحَفُ بِجِلْدٍ جَدِيدٍ وَتُرِكَ الْقَدِيمُ فَيَحْرُمُ مَسُّهُ.
وَقَضِيَّةُ تَفْصِيلِهِ فِي الْجِلْدِ بَيْنَ الِانْفِصَالِ وَعَدَمِهِ، وَسُكُوتُهُ عَنْ الْوَرَقِ أَنَّهُ يَحْرُمُ مَسُّهُ مُطْلَقًا مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا، وَلَوْ هَوَامِشَهُ الْمَقْصُوصَةَ، لَكِنْ فِي سم عَلَى حَجّ أَنَّهُ اسْتَقْرَبَ جَرَيَانَ تَفْصِيلِ الْجِلْدِ فِي الْوَرَقِ قَالَهُ ع ش. وَفِي ق ل عَلَى الْمَحَلِّيِّ: وَلَوْ قَطَعْنَا الْهَوَامِشَ لَمْ يَحْرُمْ مَسُّهَا مُطْلَقًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَجْرِي فِيهَا تَفْصِيلُ الْجِلْدِ، وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الْجِلْدِ الْمُنْفَصِلِ لِكَافِرٍ؛ لِأَنَّ قَصْدَ بَيْعِهِ قَطْعُ نِسْبَتِهِ عَنْهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَمَالَ م ر إلَى الْجَوَازِ سم عَلَى الْمَنْهَجِ ع ش. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الطَّهَارَةِ) وَلَوْ بِالتَّيَمُّمِ أَيْ وَلَا مِنْ إيدَاعِهِ مُسْلِمًا.
قَوْلُهُ: (بَلْ يَجِبُ أَخْذُهُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ؛ إذْ خَافَ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ فَإِنْ خَافَ عَلَيْهِ ضَيَاعًا جَازَ حَمْلُهُ، وَلَا يَجِبُ وَلَوْ حَالَ تَغَوُّطِهِ كَمَا فِي الشَّرْحِ م ر، وَعِنْدَ تَعَارُضِ إلْقَائِهِ فِي قَاذُورَةٍ وَوُقُوعِهِ فِي يَدِ كَافِرٍ يُقَدَّمُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ أَخْذَهُ غَيْرُ مُحَقِّقٍ الْإِهَانَةَ بِخِلَافِ الْإِلْقَاءِ الْمَذْكُورِ اهـ اج.
وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ بَلْ لِلِانْتِقَالِ لَا لِلْإِبْطَالِ فَلَا يُعْتَرَضُ بِذَلِكَ أَيْ: انْتَقَلَ مِنْ بَعْضِ صُوَرِ الْجَوَازِ إلَى بَعْضِ صُوَرِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْغَرَقِ وَالْحَرْقِ فِيهِ إتْلَافٌ لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِهِ فِي الضَّيَاعِ فَإِنَّ عَيْنَهُ بَاقِيَةٌ قَالَ ق ل عَلَى الْجَلَالِ: وَتَوَسُّدُهُ كَحَمْلِهِ إنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لَا لِنَحْوِ ضَيَاعٍ، وَيَجُوزُ تَوَسُّدُ كُتُبِ الْعِلْمِ لِخَوْفِ الضَّيَاعِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِالْمُصْحَفِ غَيْرُهُ كَتَوْرَاةٍ إلَخْ) نَعَمْ يُكْرَهُ إنْ عَلِمَ عَدَمَ التَّبْدِيلِ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ وَإِنْ تَحَقَّقَهَا جَازَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمُبَدَّلِ فَقَطْ إنْ خَلَا عَنْ اسْمٍ مُعَظَّمٍ رَحْمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَحْرُمُ) أَيْ مَسُّهُ وَحَمْلُهُ.
قَوْلُهُ: (فِي مَتَاعٍ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ يُعَدَّ مَاسًّا، وَالظَّرْفِيَّةُ لَيْسَتْ بِقَيْدٍ أَوْ فِي بِمَعْنَى مَعَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مَعَ الْأَمْتِعَةِ) ضَعِيفٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ رُبَاعِيَّةٌ قَصْدُهُ وَحْدَهُ حَرَامٌ وَمَا عَدَاهَا لَا حُرْمَةَ كَمَا فِي شَرْحِ م ر خِلَافًا لِلشَّارِحِ وَغَيْرِهِ فِي الْمَعِيَّةِ، وَعِبَارَةُ م ر الْأَصَحُّ حِلُّ حَمْلِهِ فِي أَمْتِعَةٍ

ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ يَقْتَضِي الْحِلَّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا لَوْ قَصَدَ الْجُنُبُ الْقِرَاءَةَ وَغَيْرَهَا، وَيَحِلُّ حَمْلُهُ فِي تَفْسِيرٍ سَوَاءٌ تَمَيَّزَتْ أَلْفَاظُهُ بِلَوْنٍ أَمْ لَا إذَا كَانَ التَّفْسِيرُ أَكْثَرَ مِنْ الْقُرْآنِ لِعَدَمِ الْإِخْلَالِ بِتَعْظِيمِهِ حِينَئِذٍ، وَلَيْسَ هُوَ فِي مَعْنَى الْمُصْحَفِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْقُرْآنُ أَكْثَرَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُصْحَفِ، أَوْ كَانَ مُسَاوِيًا لَهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ التَّحْقِيقِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحِلِّ فِيمَا إذَا اسْتَوَى الْحَرِيرُ مَعَ غَيْرِهِ أَنَّ بَابَ الْحَرِيرِ أَوْسَعُ بِدَلِيلِ جَوَازِهِ لِلنِّسَاءِ، وَفِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ لِلرِّجَالِ كَبَرْدٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ حَيْثُ كَانَ التَّفْسِيرُ أَكْثَرَ لَا يَحْرُمُ مَسُّهُ مُطْلَقًا قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُصْحَفٍ أَيْ

[حاشية البجيرمي]

إنْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا بِالْحَمْلِ وَحْدَهُ بِأَنْ قَصَدَ الْأَمْتِعَةَ فَقَطْ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا أَوْ قَصَدَهُمَا بِخِلَافِ مَا إذَا قَصَدَهُ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ قَصَدَ الْجُنُبُ الْقِرَاءَةَ وَغَيْرَهَا) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ يَحْرُمُ، وَهُوَ مُعْتَمَدٌ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ دُونَ الْمَقِيسِ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَتَاعَ جُرْمٌ يُسْتَتْبَعُ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ.
فَرْعٌ: يَحِلُّ حَمْلُ حَامِلِ الْمُصْحَفِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَامِلٍ لَهُ عُرْفًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ تَفْصِيلُ الْأَمْتِعَةِ.
وَعِبَارَةُ م ر: وَلَوْ حَمَلَ حَامِلَ الْمُصْحَفِ لَمْ يَحْرُمْ وَإِنْ قَصَدَ الْمُصْحَفَ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَامِلٍ لَهُ عُرْفًا، وَلَوْ حَمَلَ مُصْحَفًا مَعَ كِتَابٍ فِي جِلْدٍ وَاحِدٍ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُصْحَفِ فِي الْمَتَاعِ فِي التَّفْصِيلِ، وَأَمَّا مَسُّ الْجِلْدِ فَيَحْرُمُ مَسُّ السَّاتِرِ لِلْمُصْحَفِ دُونَ مَا عَدَاهُ، كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، لَكِنْ قَيَّدَهُ أَيْ الشَّخْصَ الْمَحْمُولَ الطَّبَلَاوِيُّ بِغَيْرِ نَحْوِ صَغِيرٍ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ حَمْلٌ أَيْ: فَيَحْرُمُ حَمْلُ الصَّغِيرِ الَّذِي هُوَ حَامِلٌ لِلْمُصْحَفِ، وَخَالَفَ ابْنُ حَجَرٍ شَرْحَ الْإِرْشَادِ كَلَامَ م ر. وَقَالَ: إنَّهُ يَجْرِي فِيهِ تَفْصِيلُ الْمَتَاعِ مَعَ الْمُصْحَفِ، وَلَوْ وَضَعَ نَحْوَ مِخَدَّةٍ تَحْتَ الْمُصْحَفِ وَجَرَّهَا بِهِ فَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ فِي مَعْنَى الْحَمْلِ فَيَجْرِي فِيهِ تَفْصِيلُ الْحَمْلِ فِي الْأَمْتِعَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ دَفَعَهَا بِهِ بِلَا قَبْضٍ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَمْلًا وَلَا فِي مَعْنَاهُ اهـ اج.
وَفِي ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ قَوْلُهُ: فِي مَتَاعٍ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لِلِاسْتِتْبَاعِ خِلَافًا لِلْخَطِيبِ وَمَحَلُّ عَدَمِ الْحُرْمَةِ مَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْحَمْلِ مَسٌّ وَإِلَّا حُرِّمَ الْمَسُّ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ وَلَوْ بِحَائِلٍ حَيْثُ يُعَدُّ مَاسًّا لَهُ عُرْفًا.
وَمِنْ الْمَتَاعِ كِتَابُ جِلْدٍ مَعَ الْمُصْحَفِ فِي جِلْدٍ وَاحِدٍ، فَيَحْرُمُ مَسُّ جِهَةِ الْمُصْحَفِ وَكَعْبِهِ وَمَا حَاذَاهُ مِنْ لِسَانِهِ عِنْدَ انْطِبَاقِهِ، فَإِنْ كَانَ مَفْتُوحًا مِنْ جِهَةِ الْمُصْحَفِ حُرِّمَ كُلُّهُ أَوْ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ حَلَّ كُلُّهُ اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْرُمُ مِنْهُ مَا يُحَاذِي الْمُصْحَفَ إذَا طُبِّقَ؛ لِأَنَّهُ مُحَاذٍ بِالْقُوَّةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَانْظُرْ لَوْ جُعِلَ الْمُصْحَفُ بَيْنَ كِتَابَيْنِ وَجُعِلَ لِلثَّلَاثَةِ جِلْدٌ وَاحِدٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَأْتِي فِيهِ التَّفْصِيلُ الَّذِي فِي الْمَتَاعِ أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَمْلِ، وَأَمَّا الْمَسُّ فَيَحْرُمُ مَسُّ مَا حَاذَاهُ وَلَوْ جُعِلَ بَيْنَ الْمُصْحَفِ كِتَابٌ بِأَنْ جُعِلَ بَعْضُ الْمُصْحَفِ مِنْ جِهَةٍ وَالْبَعْضُ الْآخَرُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَيَنْبَغِي الْحُرْمَةُ مُطْلَقًا، وَلَا يُتَوَقَّفُ عَلَى قَصْدِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (فِي تَفْسِيرٍ) سَوَاءٌ كَانَ الْقُرْآنُ فِي خِلَالِ التَّفْسِيرِ أَوْ وَحْدَهُ كَأَنْ كُتِبَ الْقُرْآنُ فِي وَسَطِ الْوَرَقَةِ وَالتَّفْسِيرُ حَوْلَهَا.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ تَمَيَّزَتْ أَلْفَاظُهُ) صَوَابُهُ حُرُوفُهُ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ أَعْرَاضٌ لَا لَوْنَ لَهَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ دَالُّ أَلْفَاظِهِ، وَهُوَ الْحُرُوفُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (إذَا كَانَ التَّفْسِيرُ أَكْثَرَ) أَيْ يَقِينًا فَفِي صُورَةِ الشَّكِّ يَحْرُمُ وَالْعِبْرَةُ بِالْكَثْرَةِ فِي الْحُرُوفِ الرَّسْمِيَّةِ بِالرَّسْمِ الْعُثْمَانِيِّ فِي الْقُرْآنِ، وَيُرْسَمُ الْخَطُّ فِي التَّفْسِيرِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَنَقَلَهُ عَنْ شَيْخِنَا م ر. وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَأْتِي فِي بَدَلِ الْفَاتِحَةِ بِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَهِيَ إنَّمَا تَرْتَبِطُ بِاللَّفْظِ دُونَ الرَّسْمِ.
وَهُنَا عَلَى الْمَحْمُولِ، وَهُوَ إنَّمَا يَرْتَبِطُ بِالْحُرُوفِ الْمَكْتُوبَةِ.
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَبَّادِيُّ: الْعِبْرَةُ بِاللَّفْظِ مُطْلَقًا ق ل مَعَ زِيَادَةٍ، وَعِبَارَةُ م ر: وَالْأَوْجَهُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ بِاعْتِبَارِ الْحُرُوفِ لَا الْكَلِمَاتِ، وَأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْكَثْرَةِ وَعَدَمِهَا فِي الْمَسِّ بِحَالَةِ مَوْضِعِهِ، وَفِي الْحَمْلِ بِالْجَمِيعِ اهـ. وَلَوْ كَتَبَ بِهَامِشِ مُصْحَفٍ تَفْسِيرًا فَهُوَ كَالتَّفْسِيرِ الْمُمَازَجِ؛ لِأَنَّهُمْ أَطْلَقُوا التَّفْسِيرَ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْمُتَمَيِّزِ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ ق ل خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِالْحُرْمَةِ، وَقَالَ: إنَّهُ مُصْحَفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى قُرْآنٍ وَتَفْسِيرٍ فَهُوَ كَالْحَمْلِ اهـ. قَالَ اط ف: هَلْ، وَإِنْ قَصَدَ الْقُرْآنَ وَحْدَهُ؟ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ، نَعَمْ وَانْظُرْ الْفَرْقَ عَلَى هَذَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَمْلِهِ فِي أَمْتِعَةٍ حَيْثُ حُرِّمَ مَعَ قَصْدِهِ الْقُرْآنَ وَحْدَهُ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ تَمْيِيزُهُ عَنْ الْمَتَاعِ بِأَخْذِهِ أَيْ الْمُصْحَفِ مِنْهُ أَيْ الْمَتَاعِ بِخِلَافِ التَّفْسِيرِ اهـ.

وَلَا فِي مَعْنَاهُ، وَحَيْثُ لَمْ يَحْرُمْ حَمْلُ التَّفْسِيرِ، وَلَا مَسُّهُ بِلَا طَهَارَةٍ كَرْهًا.

(وَ) الْخَامِسُ (دُخُولُ الْمَسْجِدِ) بِمُكْثٍ أَوْ تَرَدُّدٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: أَيْ لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا عُبُورُ سَبِيلٍ بَلْ فِي مَوَاضِعِهَا وَهُوَ الْمَسْجِدُ، وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج: 40] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا لِجُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -. وَخَرَجَ بِالْمُكْثِ وَالتَّرَدُّدِ الْعُبُورُ لِلْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ إذَا لَمْ تَخَفْ الْحَائِضُ تَلْوِيثَهُ، وَخَرَجَ بِالْمَسْجِدِ الْمَدَارِسُ وَالرُّبُطُ وَمُصَلَّى الْعِيدِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَكَذَا مَا وُقِفَ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (وَبَيْنَ الْحِلِّ) الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ بَيْنَ اسْتِوَاءِ الْحَرِيرِ مَعَ غَيْرِهِ حَتَّى حَلَّ؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِوَاءَيْنِ.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ قَصَدَ التَّفْسِيرَ أَوْ الْقُرْآنَ.
وَقَالَ ق ل: أَيْ لَا يَحْرُمُ مَسُّ حُرُوفِ الْقُرْآنِ فِي التَّفْسِيرِ وَلَا مَسُّ حُرُوفِ التَّفْسِيرِ وَلَا هُمَا مَعًا.
وَقَالَ شَيْخُنَا م ر: إذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى شَيْءٍ حُرِّمَ إذَا لَمْ يَكُنْ التَّفْسِيرُ أَكْثَرَ اهـ. وَكَلَامُ الشَّارِحِ ضَعِيفٌ عَلَى هَذَا م د. وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ غَيْرُ مُحَرَّرَةٍ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ م ر أَنَّهُ إذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ حَرُمَ، وَإِنْ كَانَ التَّفْسِيرُ أَكْثَرَ.

قَوْلُهُ: (أَوْ تَرَدُّدٍ) أَيْ أَوْ عُبُورٍ إنْ خَافَتْ التَّلْوِيثَ، وَإِلَّا فَلَا حُرْمَةَ لَكِنْ يُكْرَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا جُنُبًا﴾ [النساء: 43] إلَخْ اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْحَيْضِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مَقِيسٌ عَلَى الْجَنَابَةِ لَكِنْ كَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ كَأَنْ يَقُولَ: وَقِيسَ بِالْجَنَابَةِ الْحَيْضُ وَجُنُبًا حَالٌ مِنْ الْوَاوِ فِي لَا تَقْرَبُوا؛ لِأَنَّ الْجُنُبَ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْمُتَعَدِّدِ؛ لِأَنَّ جُنُبًا مَعْطُوفٌ عَلَى وَأَنْتُمْ سُكَارَى وَالْمَعْطُوفُ عَلَى الْحَالِ حَالٌ.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ) هَذَا التَّقْدِيرُ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ إلَّا فِي قَوْلِهِ: وَلَا جُنُبًا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى وَلَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ جُنُبًا، فَيُحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرِ الْمَوَاضِعِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى السُّكَارَى فَلَا يُحْتَاجُ لِلتَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّ السُّكَارَى لَا يُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِ مَوَاضِعِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا يُمْنَعُونَ مِنْ نَفْسِ الصَّلَاةِ فَالصَّلَاةُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي حَقِيقَتِهَا وَمَجَازِهَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
وَقَالَ الشَّرَفُ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ: جَزَمَ الْأُسْتَاذُ الْحَلِيمِيُّ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ بِتَحْرِيمِ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى السَّكْرَانِ، وَاسْتَثْنَاهُ مِنْ جَوَازِهِ لِلْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ فِي الِاعْتِكَافِ السَّكْرَانُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] أَيْ مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ فِي مَوَاضِعِهَا) أَيْ الْمَعْهُودَةِ كَمَا ذَكَرَهُ، وَإِلَّا لَأَدَّى إلَى أَنَّ الْحَائِضَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الْمُكْثُ فِي سَائِرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ عَامٌّ شَامِلٌ لِجَمِيعِ بِقَاعِ الْأَرْضِ أَيْ: فَهُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِالْمَسَاجِدِ يُؤْخَذُ تَخْصِيصُهُ بِالْمَسَاجِدِ مِنْ الْحَدِيثِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا لِجُنُبٍ» ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ يُبَيِّنُ الْكِتَابَ.
قَوْلُهُ: (وَنَظِيرُهُ) أَيْ فِي تَقْدِيرِ الْمُضَافِ، وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ [الحج: 40] هِيَ مَعْبَدُ الرُّهْبَانِ وَالْبِيَعُ كَنَائِسُ النَّصَارَى وَالصَّلَوَاتُ كَنَائِسُ الْيَهُودِ كَمَا فِي الْجَلَالَيْنِ.
وَقَالَ الْخَازِنُ: لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ أَيْ مَعَابِدُ الرُّهْبَانِ الْمُتَّخَذَةِ فِي الصَّحْرَاءِ وَبِيَعٌ وَهِيَ مَعَابِدُ النَّصَارَى فِي الْبَلَدِ وَقِيلَ الصَّوَامِعُ لِلصَّابِئَيْنِ، وَالْبِيَعُ لِلنَّصَارَى، وَصَلَوَاتٌ يَعْنِي كَنَائِسَ الْيَهُودِ وَيُسَمُّونَهَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ صَلَوَاتٌ، وَمَسَاجِدُ يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: 40] يَعْنِي فِي الْمَسَاجِدِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، أَيْ بِالْجِهَادِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ لَهُمْ فِي شَرِيعَةِ كُلِّ نَبِيٍّ مَكَانَ صَلَوَاتِهِمْ لَهُدِّمَ فِي زَمَنِ مُوسَى الْكَنَائِسُ، وَفِي زَمَنِ عِيسَى الْبِيَعُ وَالصَّوَامِعُ، وَفِي زَمَنِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسَاجِدُ.
قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ تَخَفْ الْحَائِضُ تَلْوِيثَهُ) أَيْ وَلَوْ بِالتَّوَهُّمِ أَيْ: وَيُكْرَهُ لَهَا دُخُولُهُ مَعَ أَمْنِهَا بِخِلَافِ الْجُنُبِ، فَإِنَّ مُرُورَهُ فِيهِ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَدَخَلَ فِي الْمَسْجِدِ هَوَاؤُهُ وَمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ نَحْوِ رَوْشَنٍ وَغُصْنِ شَجَرَةٍ أَصْلُهَا خَارِجَهُ لَا عَكْسُهُ.
قَالَ ع ش: بَلْ عَكْسُهُ كَذَلِكَ، وَرَحْبَتُهُ لَا حَرِيمُهُ، وَيَكْفِي فِي كَوْنِهِ مَسْجِدًا ظَنُّهُ، وَلَوْ بِالِاجْتِهَادِ، وَلَيْسَ مِنْ عَلَامَاتِهِ وُجُودُ الْمِنْبَرِ وَالتَّزْوِيقِ وَالْمَنَارَةِ وَالشَّرَارِيفِ وَنَحْوِهَا.
ق ل. وَقَالَ شَيْخُنَا ح ف: وَتَثْبُتُ الْمَسْجِدِيَّةُ بِالْعِلْمِ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ لِلصَّلَاةِ، وَبِالِاسْتِفَاضَةِ، وَمَعْنَاهَا أَنْ يَتَكَرَّرَ صَلَاةُ النَّاسِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ

بَعْضُهُ مَسْجِدًا شَائِعًا، وَإِنْ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الْمُتَّجَهُ إلْحَاقُهُ بِالْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ، وَفِي التَّحِيَّةِ لِلدَّاخِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِخِلَافِ صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ فِيهِ، وَكَذَا صِحَّةُ الصَّلَاةُ فِيهِ لِلْمَأْمُومِ إذَا تَبَاعَدَ عَنْ إمَامِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ.

(وَ) السَّادِسُ (الطَّوَافُ) فَرْضُهُ وَوَاجِبُهُ وَنَفْلُهُ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي ضِمْنِ نُسُكٍ أَمْ لَا.
لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الطَّوَافُ صَلَاةٌ إلَّا

[حاشية البجيرمي]

نَكِيرٍ، وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَصْلَهُ، وَإِلَّا كَأَنْ كَانَ بِقَرَافَةِ مِصْرَ فَلَا يَثْبُتُ بِهَا.
وَفِي حَاشِيَةِ الرَّحْمَانِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ قَوْلُهُ بِمَسْجِدٍ وَهُوَ مَا وُقِفَ لِلصَّلَاةِ، وَتُحَقِّقَ ذَلِكَ أَوْ ظُنَّ بِنَحْوِ اسْتِفَاضَةٍ أَوْ كَوْنِهِ عَلَى صُورَتِهِ وَلَوْ مُشَاعًا، وَتَجِبُ قِسْمَتُهُ فَوْرًا، وَتَصِحُّ فِيهِ التَّحِيَّةُ لَا الِاعْتِكَافُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
نَعَمْ نَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ السُّبْكِيّ أَنَّنَا إذَا رَأَيْنَا صُورَةَ مَسْجِدٍ يُصَلَّى فِيهِ مِنْ غَيْرِ مُنَازِعٍ حَكَمْنَا بِوَقْفِيَّتِهِ اهـ. وَقَوْلُهُ: وَلَوْ مُشَاعًا أَيْ فِي أَرْضٍ بَعْضُهَا مَمْلُوكٌ، وَإِنْ قَلَّ غَيْرُ الْمِلْكِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَيُفَارِقُ التَّفْصِيلَ السَّابِقَ فِي التَّفْسِيرِ مَعَ أَنَّ حُرْمَةَ الْقُرْآنِ آكَدُ مِنْ حُرْمَةِ الْمَسْجِدِ بِأَنَّ الْمَسْجِدِيَّةَ لَمَّا انْبَهَمَتْ فِي كُلٍّ مِنْ أَجْزَاءِ تِلْكَ الْأَرْضِ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا الْمُكْثُ كَانَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَاكِثٌ فِي مَسْجِدٍ شَائِعٍ، بِخِلَافِ الْقُرْآنِ مَعَ التَّفْسِيرِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُنْبَهِمٍ فِيهِ بَلْ مُتَمَيِّزٌ عَنْهُ فَلَمْ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَسَّ مُصْحَفًا شَائِعًا، وَأَيْضًا فَاخْتِلَاطُ الْمَسْجِدِ بِالْمِلْكِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ يُسَمَّى مَسْجِدًا، وَلَا كَذَلِكَ الْمُصْحَفُ إذَا اخْتَلَطَ بِالتَّفْسِيرِ فَإِنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ يُسَمَّى مُصْحَفًا إنْ زَادَ عَلَيْهِ التَّفْسِيرُ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (تَلْوِيثَهُ) بِالْمُثَلَّثَةِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالْمُثَلَّثَةِ خَوْفًا مِنْ قِرَاءَتِهِ بِالنُّونِ؛ إذْ الْحُرْمَةُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى التَّلْوِيثِ بَلْ مَتَى لُوِّثَ حُرِّمَ وَإِنْ لَمْ يُلَوَّثْ، وَمِثْلُهَا كُلُّ ذِي نَجَاسَةٍ يُخْشَى تَلْوِيثُهُ بِهَا كَسَلَسِ بَوْلٍ أَوْ مَذْيٍ أَوْ مُسْتَحَاضَةٍ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمُرُورُ فِيهِ، فَإِنْ أَمِنَهُ جَازَ وَلَا يُكْرَهُ بِخِلَافِ الْحَائِضِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهَا لِغِلَظِ حَدَثِهَا أَيْ: إنْ لَمْ تَكُنْ حَاجَةً كَقُرْبِ طَرِيقٍ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ.
اهـ. سم مَعَ زِيَادَةٍ.
فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَحَثَ بَعْضُهُمْ حِلَّ دُخُولِ الْمَسْجِدِ لِمُسْتَبْرِئٍ يَدُهُ عَلَى ذَكَرِهِ لِمَنْعِ مَا يَخْرُجُ سَوَاءٌ السَّلَسُ وَغَيْرُهُ اهـ. وَأَقَرَّهُ سم، وَمُرَادُ ابْنِ حَجَرٍ بِالدُّخُولِ مَا يَشْمَلُ الْمُكْثَ، وَمِثْلُ الْمُسْتَبْرِئِ بِالْأَوْلَى الْمُسْتَنْجِي بِالْأَحْجَارِ.
وَقَوْلُهُ: (يَدُهُ عَلَى ذَكَرِهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ نَحْوِ خِرْقَةٍ عَلَى ذَكَرِهِ أَمْ لَا.
ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِالْمَسْجِدِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ عَدَمُ الْحُرْمَةِ مَعَ خَشْيَةِ التَّلْوِيثِ وَيُتَّجَهُ وِفَاقًا لَمْ ر أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَحْرُمُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَدْرَسَةً أَوْ رِبَاطًا، وَلَكِنْ يَحْرُمُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَمْلُوكًا لِلْغَيْرِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمَالِكُ وَلَا ظَنَّ رِضَاهُ سم.
قَوْلُهُ: (وَالرُّبُطُ) هِيَ الثُّغُورُ وَمِثْلُهَا الْخَانِقَاهُ وَقَوْلُهُ: وَنَحْوُ ذَلِكَ أَيْ كَالْمَحَالِّ الَّتِي بُنِيَتْ لِذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَكَذَا مَا وُقِفَ) أَيْ لَا يَحْرُمُ الْمُكْثُ وَالتَّرَدُّدُ فِيمَا وُقِفَ بَعْضُهُ مَسْجِدًا، هَذَا مَا اعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ غَيْرِهِ مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ الْمَذْكُورُ مِنْ أَنَّ لَهُ حُكْمَ الْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ وَفِي التَّحِيَّةِ، وَإِنْ قَلَّ مِقْدَارُ الْمَسْجِدِ ق ل. قَوْلُهُ: (إلْحَاقُهُ بِالْمَسْجِدِ) وَالْحَالُ أَنَّهُ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ وَقْفُهُ ع ش. قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) أَيْ التَّحْرِيمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوُ ذَلِكَ) كَحُرْمَةِ الْوَطْءِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا صِحَّةُ الصَّلَاةِ فِيهِ لِلْمَأْمُومِ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ.

قَوْلُهُ: (وَالطَّوَافُ) أَيْ بِالْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ.
فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَ دُخُولُ الْمَسْجِدِ حَرَامًا فَالطَّوَافُ أَوْلَى فَمَا الْحَاجَةُ إلَى ذِكْرِهِ؟ قُلْت: لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهَا الْوُقُوفُ مَعَ أَنَّهُ أَقْوَى أَرْكَانِ الْحَجِّ فَلَأَنْ يَجُوزُ لَهَا الطَّوَافُ أَوْلَى اهـ مِنْ شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَيْنِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَرْضُهُ) وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ.
قَوْلُهُ: (وَوَاجِبُهُ) وَهُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ.
قَوْلُهُ: (وَنَفْلُهُ) كَطَوَافِ الْقُدُومِ.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ كَانَ فِي ضِمْنِ نُسُكٍ أَمْ لَا) رَاجِعٌ لِلنَّفْلِ أَمَّا الْفَرْضُ، فَلَا يَكُونُ إلَّا فِي نُسُكٍ، وَأَمَّا الْوَاجِبُ فَلَا يَكُونُ إلَّا خَارِجَ النُّسُكِ، فَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ تَصْبِرُ حَتَّى يَنْقَطِعَ حَيْضُهَا ثُمَّ تَتَطَهَّرُ وَتَطُوفُ، فَإِنْ خَافَتْ التَّخَلُّفَ عَنْ الرُّفْقَةِ خَرَجَتْ مَعَهُمْ إلَى مَحَلٍّ لَا يُمْكِنُ عَوْدُهَا لَهُ، ثُمَّ تَتَحَلَّلُ كَالْحَصْرِ أَيْ بِذَبْحٍ فَحَلْقٍ مَعَ النِّيَّةِ، وَإِذَا عَادَتْ إلَى مَكَّةَ وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ طَافَتْ بِلَا إحْرَامٍ.
اهـ. م ر وع ش. قَوْلُهُ: (الطَّوَافُ صَلَاةٌ) أَيْ كَصَلَاةٍ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الطَّوَافُ بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ أَيْ فِي السَّتْرِ وَالطَّهَارَةِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ مَا يُبْطِلُهَا يُبْطِلُهُ؛ إذْ نَحْوُ الْأَكْلِ وَتَوَالِي الْأَفْعَالِ لَا يُبْطِلُهُ مَعَ أَنَّهُ مِنْ مُبْطِلَاتِهَا، وَلَيْسَ بِمَنْزِلَتِهَا أَيْضًا فِي امْتِنَاعِهِ حَالَ الْخُطْبَةِ بَلْ هُوَ

أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحَلَّ فِيهِ الْكَلَامَ فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمْ إلَّا بِخَيْرٍ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.

(وَ) السَّابِعُ (الْوَطْءُ) وَلَوْ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] وَوَطْؤُهَا فِي

[حاشية البجيرمي]

جَائِزٌ.
قَالَ حَجّ: وَمِثْلُهُ سَجْدَتَا التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، وَخَالَفَهُ م ر فِيهِمَا.
وَفَرَّقَ بِأَنَّهُمَا فِعْلٌ وَاحِدٌ يَمْتَنِعُ قَطْعُهُ بِخِلَافِ الطَّوَافِ رَحْمَانِيٌّ.
قَالَ اط ف: وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ مُسْتَحَبَّاتُهَا مِنْ نَحْوِ وَضْعِ يَدِهِ عَلَى صَدْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْخُشُوعِ وَمَكْرُوهَاتُهَا كَضَمِّ الشُّعُورِ وَالثِّيَابِ، وَإِنْ كَانَتْ الْحِكْمَةُ مِنْ السُّجُودِ مَعَهُ لَا تَتَأَتَّى هُنَا.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ فِيهِ الْكَلَامَ) فِيهِ أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ فِيهِ غَيْرَ الْكَلَامِ أَيْضًا كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي تَخْصِيصِ الْكَلَامِ إلَّا أَنْ يُقَالَ خَصَّهُ لِأَجْلِ مَا بَعْدَهُ.
وَقَالَ ع ش عَلَى م ر: لَعَلَّهُ إنَّمَا خَصَّهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ كَانَ مُبَاحًا فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ حُرِّمَ اهـ. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ إلَخْ اسْتِثْنَاءُ حِلِّ الْكَلَامِ فَقَطْ يَقْتَضِي حُرْمَةَ غَيْرِهِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالرُّكُوبِ وَالِاسْتِدْبَارِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِعْيَارُ الْعُمُومِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُحَرَّمُ ذَلِكَ أَيْ الْأَكْلُ وَمَا بَعْدَهُ.
وَقَدْ يُجَابُ: بِأَنَّ غَيْرَ الْكَلَامِ مَقِيسٌ عَلَيْهِ، أَوْ يُقَالُ: إنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ كَانَ لِفَائِدَةٍ، وَهُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالْكَلَامِ الْقَبِيحِ حَالَةَ الطَّوَافِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ إذَا كَانَ لِنُكْتَةٍ لَا مَفْهُومَ لَهُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ فَتَأَمَّلْ اهـ.

قَوْلُهُ: (الْوَطْءُ) وَلَوْ بِحَائِلٍ ثَخِينٍ كَأُنْبُوبَةٍ، وَمَحَلُّ الْمَنْعِ إذَا لَمْ يَخَفْ الزِّنَا فَإِنْ خَافَهُ جَازَ إنْ تَعَيَّنَ طَرِيقٌ لِدَفْعِهِ كَمَا قَالَهُ م ر. بَلْ يَنْبَغِي وُجُوبُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرْتَكِبُ أَخَفَّ الْمَفْسَدَتَيْنِ، وَقِيَاسُهُ حِلُّ الِاسْتِمْنَاءِ إنْ تَعَيَّنَ لِلدَّفْعِ سم، فَلَوْ كَانَ يَنْدَفِعُ بِكُلٍّ مِنْ الزِّنَا وَالِاسْتِمْنَاءِ تَعَيَّنَ الِاسْتِمْنَاءُ لِخِفَّتِهِ اج.
وَلَوْ تَعَارَضَ الْوَطْءُ فِي الْحَيْضِ وَالِاسْتِمْنَاءُ بِيَدِهِ قُدِّمَ الْوَطْءُ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ حِلٌّ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَلِأَنَّ حُرْمَتَهُ لِعَارِضٍ، وَهُوَ مُجَاوَرَتُهُ لِلنَّجَاسَةِ وَكَوْنُهُ يُورِثُ عِلَّةً مُؤْلِمَةً لِلْمُجَامِعِ، وَإِجْذَامُ الْوَلَدِ لَيْسَ أَمْرًا مُحَقَّقًا، بِخِلَافِ الِاسْتِمْنَاءِ بِيَدِهِ فَإِنَّهُ حَرَامٌ لِذَاتِهِ، وَيُحْتَمَلُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ خِلَافُهُ.
اهـ. ع ش. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: وَهُوَ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِي الْحَيْضِ مُتَّفَقٌ عَلَى أَنَّهُ كَبِيرَةٌ بِخِلَافِ الِاسْتِمْنَاءِ فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا اهـ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدُ قَالَ بِجَوَازِهِ عِنْدَ هَيَجَانِ الشَّهْوَةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ صَغِيرَةٌ، قَالَ النَّسَّابَةُ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ الْأَنْكِحَةِ لِابْنِ الْعِمَادِ فَرْعٌ: الِاسْتِمْنَاءُ بِالْيَدِ حَرَامٌ، وَعِنْدَ ابْنِ كَجٍّ أَنَّهُ تَوَقَّفَ فِيهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْمَذْهَبُ الْجَزْمُ بِتَحْرِيمٍ وَفِي الْجَدِيدِ: نَاكِحُ يَدِهِ مَلْعُونٌ، وَفِي الْحَدِيثِ: «إنَّ أَقْوَامًا يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْدِيهِمْ حَبَالَى» ذَكَرَ ذَلِكَ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِهِ وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ يُبَاحُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَمْنِيَ بِيَدِ زَوْجَتِهِ وَجَارِيَتِهِ كَمَا يَسْتَمْتِعُ بِسَائِرِ جَسَدِهَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي اهـ قَالَ ع ش: وَبَقِيَ مَا لَوْ دَارَ الْحَالُ بَيْنَ وَطْءِ زَوْجَتِهِ فِي دُبُرِهَا وَبَيْنَ الزِّنَا هَلْ يُقَدَّمُ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ أَوْ الزِّنَا؟ الْأَقْرَبُ أَنَّ لَهُ وَطْأَهَا فِي الدُّبُرِ؛ لِأَنَّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بِخِلَافِ الزِّنَا، وَبَقِيَ مَا لَوْ تَعَارَضَ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا فِي الدُّبُرِ وَالِاسْتِمْنَاءُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِدَفْعِ الزِّنَا، وَالْأَقْرَبُ أَيْضًا حِلُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِمَا فِي الْجُمْلَةِ، وَيَنْبَغِي كُفْرُ مَنْ اعْتَقَدَ حِلَّ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُقَدِّمُ الِاسْتِمْنَاءَ بِيَدِهِ عَلَى وَطْءِ زَوْجَتِهِ فِي دُبُرِهَا.
قَالَ السَّيِّدُ النَّسَّابَةُ: وَكَمَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِي الْحَيْضِ يَحْرُمُ فِي الدُّبُرِ أَيْضًا سَوَاءٌ ذَلِكَ فِي الْحَيْضِ أَوْ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى الْمَرْأَةَ فِي دُبُرِهَا» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا» وَفِي لَفْظٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» . وَإِتْيَانُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا مِنْ الْعَظَائِمِ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ أَيْضًا، وَإِذَا وَطِئَ امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ فِي دُبُرِهَا، فَالْمَذْهَبُ أَنَّ وَاجِبَهُ التَّعْزِيرُ، وَقِيلَ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ قَوْلَانِ كَوَطْءِ الْأُخْتِ الْمَمْلُوكَةِ، وَالْمَذْهَبُ لَا حَدَّ بِوَطْءِ الْأُخْتِ الْمَمْلُوكَةِ لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ، لَكِنْ لَوْ قَذَفَهُ قَاذِفٌ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِسُقُوطِ الْإِحْصَانِ بَلْ وَاجِبُهُ التَّعْزِيرُ، فَإِنَّ الْمُحْصِنَ هُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْعَفِيفُ عَنْ وَطْءٍ يُحَدُّ بِهِ، وَلَوْ مَكَّنَ امْرَأَتَهُ وَأَمَتَهُ مِنْ اللَّعِبِ بِذِكْرِهِ فَأَنْزَلَ.
قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي أَوَّلِ فَتَاوِيهِ: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْعَزْلِ.
وقَوْله تَعَالَى:

الْفَرْجِ كَبِيرَةٌ مِنْ الْعَامِدِ الْعَالِمِ بِالتَّحْرِيمِ الْمُخْتَارِ وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَغَيْرِهِمْ بِخِلَافِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ وَالْمُكْرَهِ لِخَبَرِ: «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيُسَنُّ لِلْوَاطِئِ الْمُتَعَمِّدِ الْمُخْتَارِ الْعَالِمِ بِالتَّحْرِيمِ فِي أَوَّلِ الدَّمِ وَقُوَّتِهِ التَّصَدُّقُ بِمِثْقَالٍ إسْلَامِيٍّ مِنْ الذَّهَبِ الْخَالِصِ، وَفِي آخِرِ الدَّمِ وَضَعْفِهِ بِنِصْفِ مِثْقَالٍ لِخَبَرِ: «إذَا وَاقَعَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ وَهِيَ حَائِضٌ إنْ كَانَ دَمًا أَحْمَرَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ وَإِنْ كَانَ أَصْفَرَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَيُقَاسُ النِّفَاسُ عَلَى الْحَيْضِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْوَاطِئِ

[حاشية البجيرمي]

﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223] قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: مُسْتَقْبِلَاتٍ وَمُسْتَدْبِرَاتٍ فِي فُرُوجِهِنَّ وَاتَّقُوا الْحَيْضَةَ وَالدُّبُرَ اهـ. فَرْعٌ: الْعَزْلُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَهُوَ أَنْ يُجَامِعَ فَإِذَا قَارَبَ الْإِنْزَالَ نَزَعَ فَأَنْزَلَ خَارِجَ الْفَرْجِ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأَطْلَقَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ كَرَاهَتَهُ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ فِي السُّرِّيَّةِ صِيَانَةً لِلْمِلْكِ وَلَا يَحْرُمُ فِي الزَّوْجَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ سَوَاءٌ الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ بِالْإِذْنِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ بِغَيْرِ إذْنٍ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ فِي الْحُرَّةِ وَأَمَّا الْمُسْتَوْلَدَةُ فَأَوْلَى بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ رَاسِخَةٍ فِي الْفِرَاشِ؛ وَلِهَذَا لَا يَقْسِمُ لَهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ) هَذَا يَجْرِي فِي جَمِيعِ مَا قَبْلَهُ غَيْرَ الصَّوْمِ فَلَوْ ذَكَرَهُ فِيهِ، لَكَانَ أَوْلَى ق ل. وَقَدْ يُقَالُ: أَتَى بِهِ هُنَا لِلرَّدِّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ بِجَوَازِهِ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ.
قَوْلُهُ: (وَوَطْؤُهَا فِي الْفَرْجِ كَبِيرَةٌ) أَيْ حَالَ نُزُولِ الدَّمِ.
قَوْلُهُ: (وَيَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ) أَيْ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ بِخِلَافِهِ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ فَلَا يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ حِينَئِذٍ لِلْخِلَافِ فِيهِ، وَكَذَا لَا يَكْفُرُ إنْ كَانَ الْوَطْءُ بَعْدَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَى حُرْمَتِهِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَشْرَةُ أَيَّامٍ، فَالدَّمُ الزَّائِدُ عَلَيْهَا عِنْدَهُ غَيْرُ حَيْضٍ، وَاعْتُرِضَ كُفْرُهُ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.
وَعِبَارَةُ سم فِي شَرْحِ الْعُبَابِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَغَيْرِهِمْ.
وَكَأَنَّهُمْ أَرَادُوا مَعَ كَوْنِهِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَلَا يَخْلُو عَنْ وَقْفَةٍ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعَامَّةِ يَجْهَلُونَهُ أَمَّا اعْتِقَادُ حِلِّهِ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ أَوْ مَعَ صُفْرَةٍ فِي الدَّمِ أَوْ كُدْرَةٍ فَلَا كُفْرَ بِهِ لِلْخِلَافِ سم م د. أَيْ: لِأَنَّهُ قِيلَ: إنَّهُمَا لَيْسَا حَيْضًا.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يَخْلُو عَنْ وَقْفَةٍ.
قَالَ شَيْخُنَا الْجَوْهَرِيُّ: لَكِنْ يُنْظَرُ لِلْبَلَدِ الْوَاقِعِ فِيهَا ذَلِكَ إنْ كَانَ مِنْ شَأْنِ أَهْلِهَا أَنَّهُ عِنْدَهُمْ صَارَ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ لِكَثْرَةِ الْعُلَمَاءِ بِهَا كَمِصْرِ فَيَكُونُ اسْتِحْلَالُهُ كُفْرًا، وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ بِبِلَادِ الْأَرْيَافِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ بِهَا عُلَمَاءُ فَلَا كُفْرَ لِلْعَامَّةِ بِاسْتِحْلَالِهِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ النَّاسِي) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ؛ لِأَنَّ النَّاسِيَ خَرَجَ بِالْعَامِدِ وَالْجَاهِلَ خَرَجَ بِالْعَالِمِ وَالْمُكْرَهَ خَرَجَ بِالْمُخْتَارِ أَيْ فَلَا حُرْمَةَ عَلَيْهِمْ أَصْلًا.
قَوْلُهُ: «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ» أَيْ عَفَا وَسَامَحَ وَصَفَحَ فَتَفَاعَلَ بِمَعْنَى فَعَلَ، وَقَوْلُهُ: (عَنْ أُمَّتِي) أَيْ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ.
فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ مُتَجَاوَزًا عَنْهُمَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي الْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: 286] إلَخْ؟ قُلْت: أَشَارَ الْبَيْضَاوِيُّ إلَى الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ أَيْ لَا تُؤَاخِذْنَا بِمَا أَدَّى بِنَا إلَى نِسْيَانٍ أَوْ خَطَأٍ مِنْ تَفْرِيطٍ أَوْ قِلَّةِ مُبَالَاةٍ أَوْ بِأَنْفُسِهِمَا؛ إذْ لَا تُمْتَنَعُ الْمُؤَاخَذَةُ بِهِمَا عَقْلًا فَإِنَّ الذُّنُوبَ كَالسُّمُومِ فَكَمَا أَنَّ تَنَاوُلَهَا يُؤَدِّي إلَى الْهَلَاكِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَتَعَاطِي الذُّنُوبِ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُفْضِيَ إلَى الْعِقَابِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَزِيمَةً لَكِنَّهُ تَعَالَى وَعَدَ التَّجَاوُزَ عَنْهُ رَحْمَةً وَفَضْلًا، فَيَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ الْإِنْسَانُ بِهِ اسْتِدَامَةً وَاعْتِدَادًا بِالنِّعْمَةِ فِيهِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي إلَخْ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَقَوْلُهُ بِمَا أَدَّى فُسِّرَ بِهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ إنَّمَا هِيَ بِالْمَقْدُورِ، وَالنِّسْيَانُ وَالْخَطَأُ غَيْرُ مَقْدُورَيْنِ اهـ. وَقَوْلُهُ: (اسْتِدَامَةً) أَيْ لِلنِّعْمَةِ، وَهِيَ عَدَمُ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِمَا.
قَوْلُهُ: (فِي أَوَّلِ الدَّمِ) لَوْ قَالَ فِي إقْبَالِهِ لَكَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ فِي قُوَّتِهِ وَيُقَابِلُهُ إدْبَارُهُ اهـ قَوْلُهُ: (وَقُوَّتِهِ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ قُرْبُ عَهْدِهِ بِالْجِمَاعِ، وَفِي الثَّانِي بُعْدُهُ وَانْظُرْ حِكْمَةَ تَخْصِيصِهِ بِالدِّينَارِ أَيْ بِمِثْقَالٍ أَيْ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ.
قَوْلُهُ:؛ (أَهْلَهُ) أَيْ زَوْجَتَهُ، وَسَيَذْكُرُ الشَّارِحُ أَنَّ غَيْرَ الزَّوْجِ مَقِيسٌ عَلَى الزَّوْجِ.
قَوْلُهُ: (فَلْيَتَصَدَّقْ إلَخْ) وَيَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْوَطْءِ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَاسُ النِّفَاسُ عَلَى الْحَيْضِ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَيُسَنُّ التَّصَدُّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ لِمَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ

بَيْنَ الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ، فَغَيْرُ الزَّوْجِ مَقِيسٌ عَلَى الزَّوْجِ الْوَارِدِ فِي الْحَدِيثِ، وَالْوَطْءُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ إلَى الطُّهْرِ كَالْوَطْءِ فِي آخِرِ الدَّمِ، ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَيَكْفِي التَّصَدُّقُ، وَلَوْ عَلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ لِلْأَذَى، فَلَا يَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ كَاللِّوَاطِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْمُتَحَيِّرَةُ فَلَا كَفَّارَةَ بِوَطْئِهَا وَإِنْ حَرُمَ، وَلَوْ أَخْبَرَتْهُ بِحَيْضِهَا، وَلَمْ يُمْكِنْ صِدْقُهَا لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهَا، وَإِنَّ أَمْكَنَ وَصَدَّقَهَا حُرِّمَ وَطْؤُهَا وَإِنْ كَذَّبَهَا فَلَا لِأَنَّهَا رُبَّمَا عَانَدَتْهُ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّحْرِيمِ بِخِلَافِ مَنْ عَلَّقَ بِهِ طَلَاقَهَا، وَأَخْبَرَتْهُ بِهِ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ.
وَإِنْ كَذَّبَهَا لِتَقْصِيرِهِ فِي تَعْلِيقِهِ بِمَا لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهَا، وَلَا يُكْرَهُ طَبْخُهَا، وَلَا اسْتِعْمَالُ مَا مَسَّتْهُ مِنْ مَاءٍ أَوْ عَجِينٍ أَوْ نَحْوِهِ.

(وَ) الثَّامِنُ (الِاسْتِمْتَاعُ) بِالْمُبَاشَرَةِ بِوَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ (بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ) وَلَوْ بِلَا شَهْوَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] وَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ:

[حاشية البجيرمي]

وَأَجْرَاهُ بَعْضُهُمْ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ.
اهـ. ق ل. وَقَالَ اج.
وَقَوْلُهُ أَوْ نِصْفَهُ أَيْ إنْ تَرَكَهَا بِعُذْرٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا فَرْقَ فِي الْوَاطِئِ بَيْنَ الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ إلَخْ) أَيْ كَالْوَاطِئِ بِالْمِلْكِ وَالزَّانِي؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ حُرْمَةً أُخْرَى غَيْرَ حُرْمَةِ الزِّنَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الْمَرْحُومِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَالْوَطْءُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ) هَكَذَا مُكَرَّرٌ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ عَقِبَ كَلَامِ الْمَتْنِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: ذَكَرَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَيْثُ الْحُرْمَةُ، وَذَكَرَهُ هُنَا مِنْ التَّصَدُّقِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ) أَيْ: لِأَنَّ الْحَيْضَ مُسْتَقْذَرٌ مُنْتِنٌ يُلَوِّثُ ذَكَرَ الْوَاطِئِ، وَمِثْلُهُ اللِّوَاطُ وَاحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ لِذَاتِهِ، وَهُوَ الْوَطْءُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ بِشُرُوطِهِ.
قَوْلُهُ: (لِلْأَذَى) أَيْ لِلِاسْتِقْذَارِ، وَفِي نُسْخَةٍ لِلْإِيذَاءِ وَالْأُولَى هِيَ الصَّوَابُ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222] قَوْلُهُ: (كَاللِّوَاطِ) وَوَطْءِ الْمَجُوسِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا كَفَّارَةَ بِوَطْئِهَا) أَيْ فَلَا تَصَدُّقَ بِدِينَارٍ وَلَا نِصْفِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِوَطْئِهَا بَلْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ الْعُظْمَى وَإِنْ وَطِئَ بَهِيمَةً كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يُمْكِنْ صِدْقُهَا) بِأَنْ لَمْ يَمْضِ مِنْ طُهْرِهَا زَمَنٌ يُمْكِنُ حُدُوثُ الْحَيْضِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَذَّبَهَا فَلَا) وَإِنْ حَلَفَتْ، وَإِنْ لَمْ يُكَذِّبْهَا، وَلَمْ يُصَدِّقْهَا فَالْأَوْجَهُ حِلُّ وَطْئِهَا لِلشَّكِّ شَرْحُ الرَّوْضِ.
فَرْعٌ: لَوْ وَافَقَهَا عَلَى الْحَيْضِ فَادَّعَتْ بَقَاءَهُ وَعَدَمَ انْقِطَاعِهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ م د سم.
عَلَى الْمَنْهَجِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ خَالَفَتْ عَادَتُهَا اهـ ع ش قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَفِيهِ أَيْ فِي الْحَدِيثِ: «لَعَنَ اللَّهُ الْغَائِصَةَ وَالْمُغَوِّصَةَ» وَالْغَائِصَةُ الَّتِي لَا تُعْلِمُ زَوْجَهَا أَنَّهَا حَائِضٌ لِيَجِيئَهَا فَيُجَامِعَهَا وَهِيَ حَائِضٌ وَالْمُغَوِّصَةُ الَّتِي لَا تَكُونُ حَائِضًا فَتَكْذِبُ عَلَى زَوْجِهَا وَتَقُولُ إنِّي حَائِضٌ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ وَا ج. قَوْلُهُ: (وَلَا يُكْرَهُ طَبْخُهَا) وَكَانَتْ الْيَهُودُ إذَا حَاضَتْ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُسَاكِنُوهَا فِي الْبُيُوتِ، وَالنَّصَارَى يَسْتَبِيحُونَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْوَطْءَ فَخَلَتْ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ مِنْ الْإِفْرَاطِ الْوَاقِعِ مِنْ الْيَهُودِ وَالتَّفْرِيطِ الْوَاقِعِ مِنْ النَّصَارَى، وَمِنْ الْبِدَعِ تَرْكُ مُوَاكِلَةِ الصِّبْيَانِ لِتَوَهُّمِ نَجَاسَتِهِمْ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ سَلَامَتِهِمْ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ فَرَاجِعْهُ.

قَوْلُهُ: (وَالثَّامِنُ الِاسْتِمْتَاعُ إلَخْ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالِاسْتِمْتَاعُ بِالْمُبَاشَرَةِ بِوَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ، ذِكْرُهُ بَعْدَ الْوَطْءِ مِنْ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ وَبَيْنَ الِاسْتِمْتَاعِ وَالْمُبَاشَرَةِ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْوَجْهِيُّ يَجْتَمِعَانِ فِي مُبَاشَرَةٍ بِشَهْوَةٍ، وَيَنْفَرِدُ الْأَوَّلُ فِي النَّظَرِ بِشَهْوَةٍ، وَالثَّانِي فِي لَمْسٍ بِلَا شَهْوَةٍ وَالتَّحْرِيمُ مَنُوطٌ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَلَوْ بِلَا شَهْوَةٍ، بِخِلَافِ النَّظَرِ، وَلَوْ بِشَهْوَةٍ؛ إذْ لَيْسَ هُوَ أَعْظَمَ مِنْ تَقْبِيلِهَا فِي وَجْهِهَا بِشَهْوَةٍ.
اهـ. م د. وَفِي كَوْنِ النَّظَرِ بِشَهْوَةٍ اسْتِمْتَاعًا نَظَرٌ تَأَمَّلْ.
وَالنُّسْخَةُ الَّتِي فِيهَا الْمُبَاشَرَةُ أَوْلَى كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الشَّارِحِ بَعْدُ وَبِالْمُبَاشَرَةِ الِاسْتِمْتَاعُ بِالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ إلَخْ.
قَالَ سم: لَوْ خُلِقَتْ السُّرَّةُ فِي مَحَلٍّ أَعْلَى مِنْ مَحَلِّهَا الْغَالِبِ أَوْ الرُّكْبَةُ أَسْفَلَ مِنْ مَحَلِّهَا الْغَالِبِ، فَالْوَجْهُ اعْتِبَارُهُمَا دُونَ مَحَلِّهِمَا الْغَالِبِ، وَلَوْ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ سُرَّةٌ أَوْ رُكْبَةٌ قُدِّرَا لَهُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ [البقرة: 222] وَقَبْلَهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222] وَالْمُرَادُ بِهِ أَذًى لِلْوَلَدِ،

مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» وَخَصَّ بِمَفْهُومِهِ عُمُومَ خَبَرِ مُسْلِمٍ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» وَلِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِمَا تَحْتَ الْإِزَارِ يَدْعُو إلَى الْجِمَاعِ فَحُرِّمَ لِخَبَرِ: «مَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ» بِالْكَسْرِ أَفْصَحُ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي رِيَاضِهِ: «أَنْ يَقَعَ فِيهِ» وَخُرِّجَ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ هُمَا وَبَاقِي الْجَسَدِ فَلَا يَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، وَبِالْمُبَاشَرَةِ الِاسْتِمْتَاعُ بِالنَّظَرِ، وَلَوْ بِشَهْوَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ؛ إذْ لَيْسَ هُوَ أَعْظَمَ مِنْ تَقْبِيلِهَا فِي وَجْهِهَا بِشَهْوَةٍ، وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَسَكَتُوا عَنْ مُبَاشَرَةِ الْمَرْأَةِ لِلزَّوْجِ، وَالْقِيَاسُ أَنَّ مَسَّهَا لِلذَّكَرِ وَنَحْوَهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةُ حُكْمُهُ حُكْمُ تَمَتُّعَاتِهِ بِهَا فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ انْتَهَى.
وَالصَّوَابُ فِي نَظْمِ الْقِيَاسِ أَنْ تَقُولَ كُلُّ مَا مَنَعْنَاهُ مِنْهُ نَمْنَعُهَا أَنْ تَمَسَّهُ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْمِسَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ سَائِرَ بَدَنِهَا إلَّا مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَمْكِينُهَا مِنْ لَمْسِهِ بِمَا بَيْنَهُمَا، وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَيْضِ لِزَمَنِ إمْكَانِهِ ارْتَفَعَ عَنْهَا سُقُوطُ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَحِلَّ بِمَا حُرِّمَ بِهِ قَبْلَ الْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّمِ غَيْرُ الصَّوْمِ، لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ بِالْحَيْضِ لَا بِالْحَدَثِ بِدَلِيلِ صِحَّتِهِ مِنْ الْجُنُبِ وَقَدْ زَالَ، وَغَيْرُ الطَّلَاقِ لِزَوَالِ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلتَّحْرِيمِ، وَهُوَ تَطْوِيلُ الْعِدَّةِ وَغَيْرُ الطُّهْرِ.
فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِهِ، وَمَا عَدَا

[حاشية البجيرمي]

فَإِنَّ وَطْءَ الْمَرْأَةِ فِي الْحَيْضِ يُورِثُ الْجُذَامَ فِي الْوَلَدِ.
وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَتْ امْرَأَتُهُ بِغُلَامٍ أَسْوَدَ فَنَفَاهُ عَنْهُ فَتَرَافَعَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَنَظَرَ إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ وَطِئْتهَا، وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَلْحَقَهُ بِهِ، وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ سَوَّدَ وَجْهَ ابْنَيْكُمَا عُقُوبَةً لَكُمَا.
اهـ. نَسَّابَةٌ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمَحِيضِ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ زَمَنَ الْحَيْضِ فَيَقْتَضِي حُرْمَةَ مَا عَدَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَلَيْسَ مُرَادًا وَلَا يَشْمَلُ حَالَةَ الِانْقِطَاعِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَكَانَهُ وَهُوَ الْفَرْجُ فَفِيهِ قُصُورٌ، فَلَمَّا كَانَتْ الْآيَةُ غَيْرَ ظَاهِرَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ أَتَى بِالْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ نَصٌّ فِي الْمَقْصُودِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَخُصَّ بِمَفْهُومِهِ) وَهُوَ تَحْرِيمُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عُمُومُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ الشَّامِلِ لِجَمِيعِ الْبَدَنِ ق ل. قَوْلُهُ: (وَالْقِيَاسُ أَنَّ مَسَّهَا لِلذَّكَرِ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِثَلَاثِ اعْتِرَاضَاتٍ: أَوَّلِهَا: أَنَّ حُرْمَةَ مَسِّ الرَّجُلِ لِمَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا لِأَجْلِ الْأَذَى وَهُوَ الْحَيْضُ، وَهَذَا أَيْ الْأَذَى لَيْسَ مَوْجُودًا فِي الرَّجُلِ، فَجَازَ لَهَا أَنْ تَسْتَمْتِعَ بِهِ، وَلَوْ فِيمَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ بِغَيْرِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا، وَإِلَّا كَانَ مُسْتَمْتِعًا بِمَحَلِّ الْأَذَى.
ثَانِيهَا: أَنَّ مَسَّهَا بِيَدِهَا أَوْ غَيْرِهَا لِلذَّكَرِ، وَنَحْوِهِ مِنْ اسْتِمْتَاعِ الرَّجُلِ بِمَا فَوْقَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا.
الثَّالِثُ: مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَالصَّوَابُ إلَخْ.
وَقَوْلُهُ: وَالْقِيَاسُ أَيْ قِيَاسًا عَلَى الرَّجُلِ، وَقَوْلُهُ: (وَنَحْوَهُ) أَيْ الْمَسِّ كَالنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ فَقَوْلُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعَاتِ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ وَنَحْوَهُ، وَالنَّحْوُ بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الْمَسِّ بِدَلِيلِ بَيَانِهِ بِقَوْلِهِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالذَّكَرِ قُبُلُ الرَّجُلِ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّوَابُ) فِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ عُمُومَ عِبَارَةِ الْإِسْنَوِيِّ فِيهَا خَطَأٌ لِصِدْقِهَا بِمَسِّ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ بِالْيَدِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
اهـ. م د. أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تَمْكِينُهَا مِنْ لَمْسِهِ) الْأَوْلَى وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا لَمْسُهُ بِمَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ؛ لِأَنَّ مَا مَنَعَ مِنْ مَسِّهِ يَمْنَعُهَا أَنْ تَمَسَّهُ بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: يَلْزَمُ مِنْ حُرْمَةِ التَّمْكِينِ عَلَيْهَا حُرْمَةُ مَسِّهَا بِهِ.
قَوْلُهُ: (لِزَمَنِ إمْكَانِهِ إلَخْ) بِأَنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ عَادَتِهَا، وَاحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا إذَا انْقَطَعَ قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنِ الْعَادَةِ بِأَنْ كَانَتْ ذَاتَ تَقَطُّعٍ كَأَنْ كَانَ يَنْزِلُ يَوْمًا، وَيَنْقَطِعُ يَوْمًا فَإِنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (ارْتَفَعَ عَنْهَا سُقُوطُ الصَّلَاةِ) أَيْ فَيَلْزَمُهَا فِعْلُهَا أَوْ قَضَاؤُهَا، وَلَوْ عَبَّرَ بِغَيْرِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ لَكَانَ أَنْسَبَ بِأَنْ يَقُولَ: وَجَبَ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ لِزَمَنِ إمْكَانِهِ ق ل. وَقَدْ يُقَالُ: بَلْ يُحْتَاجُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِزَمَنِ إمْكَانِهِ فَرَاغَ عَادَتِهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ انْقَطَعَ قَبْلَ مُضِيِّ عَادَتِهَا تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (مِمَّا حُرِّمَ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مَذْكُورًا فِي هَذَا الْكِتَابِ أَمْ لَا.
فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ لَمْ يُقَدِّمْ حُرْمَةَ الطَّلَاقِ وَالطُّهْرِ حَتَّى يَسْتَثْنِيَهُمَا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ إلَخْ) أَشَارَ إلَى أَنَّ لِلْحَيْضِ جِهَتَيْنِ: جِهَةُ خُصُوصِ كَوْنِهِ حَيْضًا، وَعُمُومِ كَوْنِهِ حَدَثًا وَحُرْمَةُ الصَّوْمِ مِنْ الْحَيْثِيَّةِ الْأُولَى، وَقَدْ زَالَتْ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ زَالَ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ بِالْحَيْضِ أَيْ زَالَ الْحَيْضُ الْخَاصُّ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْمَنْعِ.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرُ الطَّلَاقِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِشَرْطِ كَوْنِهَا مَوْطُوءَةً تَعْتَدُّ بِأَقْرَاءِ مُطَلَّقَةٍ بِلَا عِوَضٍ مِنْهَا مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرُ الطُّهْرِ) وَهُوَ الْغُسْلُ أَوْ التَّيَمُّمُ الْمَذْكُورَانِ قَبْلَهُ، وَحِينَئِذٍ فَتَنْحَلُّ الْعِبَارَةُ إلَى أَنْ يُقَالَ: لَمْ يَحِلَّ قَبْلَ الطُّهْرِ غَيْرُ الطُّهْرِ أَوْ لَمْ يَحِلَّ

ذَلِكَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فَهُوَ بَاقٍ إلَى أَنْ تَطْهُرَ بِمَاءٍ أَوْ تَيَمُّمٍ، أَمَّا مَا عَدَا الِاسْتِمْتَاعَ فَلِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْحَدَثِ، وَالْحَدَثُ بَاقٍ، وَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] وَقَدْ قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ، أَمَّا قِرَاءَةُ التَّشْدِيدِ فَهِيَ صَرِيحَةٌ فِيمَا ذُكِرَ، وَأَمَّا التَّخْفِيفُ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ أَيْضًا الِاغْتِسَالَ كَمَا قَالَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ لِقَرِينَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ انْقِطَاعَ الْحَيْضِ فَقَدْ ذَكَرَ بَعْدَهُ شَرْطًا آخَرَ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] فَلَا بُدَّ مِنْهُمَا مَعًا.
فَائِدَةٌ: حَكَى الْغَزَالِيُّ أَنَّ الْوَطْءَ قَبْلَ الْغُسْلِ يُورِثُ الْجُذَامَ فِي الْوَلَدِ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ تَعَلُّمُ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَالنِّفَاسِ، فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا عَالِمًا لَزِمَهُ تَعْلِيمُهَا، وَإِلَّا فَلَهَا الْخُرُوجُ لِسُؤَالِ الْعُلَمَاءِ، بَلْ يَجِبُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَنْعُهَا إلَّا أَنْ يَسْأَلَ هُوَ وَيُخْبِرَهَا فَتَسْتَغْنِيَ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهَا الْخُرُوجُ إلَى مَجْلِسِ ذِكْرٍ أَوْ تَعْلِيمِ خَيْرٍ إلَّا بِرِضَاهُ، وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ النِّفَاسِ أَوْ الْحَيْضِ وَتَطَهَّرَتْ، فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَطَأَهَا فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ.

(وَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ) وَهِيَ (الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ) عَلَى الْحُكْمِ

[حاشية البجيرمي]

قَبْلَ الْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّمِ غَيْرُ الْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّمِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّهَافُتِ لِحِلِّ الشَّيْءِ قَبْلَ نَفْسِهِ، وَقَدْ تَبِعَ الشَّارِحُ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ مَا فِي الْمَنْهَجِ ق ل. وَأَجَابَ ع ش بِأَنَّ الطُّهْرَ الْأَوَّلَ خَاصٌّ وَهُوَ الرَّافِعُ لِحَدِّ الْحَيْضِ، وَالثَّانِي عَامٌّ كَالْوُضُوءِ وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ أَيْ فَيَحِلُّ مَا ذَكَرَ قَبْلَ الطُّهْرِ مِنْ الْحَيْضِ، وَفِي ق ل عَلَى الْجَلَالِ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: فِي عِبَارَةِ الْمَنْهَجِ تَهَافُتٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الطُّهْرَ مِنْ نَفْسِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَحِلَّ قَبْلَ الطُّهْرِ إلَّا الطُّهْرُ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَثْنَاهُ مِنْ عُمُومِ مَا حُرِّمَ اهـ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالطُّهْرِ الْأَوَّلِ النَّاشِئُ عَنْ الْمَصْدَرِ وَهُوَ التَّطَهُّرُ، وَبِالثَّانِي الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ وَهُوَ الْفِعْلُ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا مَا عَدَا الِاسْتِمْتَاعَ) كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ تَعْلِيمُهَا) أَيْ إنْ انْفَرَدَ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ أَوْ سَأَلَتْهُ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى التَّوَاكُلِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بِرِضَاهُ) وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَخْرُجُ لِلْحَجِّ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا إذَا وَجَدَتْ مَحْرَمًا؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الزَّوْجِ لَا تَجِبُ فِي الْفُرُوضِ.
اهـ. ح ف وم د. قَوْلُهُ: (فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَطَأَهَا فِي الْحَالِ) مَا لَمْ تَخَفْ عَوْدَهُ أَيْ الدَّمِ، فَإِنْ خَافَتْ عَوْدَهُ اُسْتُحِبَّ لَهُ التَّوَقُّفُ فِي الْوَطْءِ احْتِيَاطًا شَرْحُ م ر مَرْحُومِيٌّ

قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ) أَيْ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى، وَذَكَرَ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ، وَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ.
هُنَا اسْتِطْرَادٌ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى الْجُنُبِ بَابُ الْغُسْلِ، وَالْمُحَرَّمَاتِ عَلَى الْحَدَثِ بَابُ النَّوَاقِضِ.
قَوْلُهُ: (خَمْسَةُ أَشْيَاءَ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّهُ عَدَّ سِتَّةً، اللَّهُمَّ أَنْ يُقَالَ: مَفْهُومُ الْعَدَدِ لَا يُفِيدُ الْحَصْرَ أَوْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مُتَعَلِّقُ الْمَسِّ وَالْحَمْلِ، وَهُوَ الْمُصْحَفُ وَاحِدًا عَدَّهُمَا وَاحِدًا.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (الصَّلَاةُ) مَحَلُّ الْحُرْمَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَلَا يَرِدُ مَنْ خَشِيَ أَنْ يُظَنَّ بِهِ سُوءٌ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِأَفْعَالِهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَلَا حُرْمَةَ عَلَيْهِ رَحْمَانِيٌّ.
قَالَ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ: وَمَا يَقَعُ لِلشَّخْصِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ مِنْ أَنَّهُ يَنَامُ عِنْدَ نِسَاءٍ وَأَوْلَادٍ مُرْدٍ، وَيَحْتَلِمُ وَيَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي عِرْضِهِ إذَا اغْتَسَلَ، فَإِنَّهُ لَا يَغْتَسِلُ.
وَهَذَا عُذْرٌ مُبِيحٌ لِلتَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّهُ أَشَقُّ مِنْ الْخَوْفِ عَلَى أَخْذِ الْمَالِ لَكِنْ يَغْسِلُ مِنْ بَدَنِهِ مَا يُمْكِنُهُ غَسْلُهُ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي وَيَقْضِي؛ لِأَنَّ هَذِهِ مِثْلُ التَّيَمُّمِ لِلْبَرْدِ، وَمِثْلُ الصَّلَاةِ خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ وَسَجْدَتَا التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ أَيْ: فَيَحْرُمُ وَلَوْ دَاخِلَ الصَّلَاةِ كَأَنْ قَرَأَ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ آيَةَ سَجْدَةٍ بَدَلَ الْفَاتِحَةِ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ السُّجُودُ، كَمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ، وَتَعَمُّدُ الصَّلَاةِ وَنَحْوُهَا مَعَ الْحَدَثِ كَبِيرَةٌ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّهُ فِي الْحَدَثِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ لَا كَمَسٍّ وَلَمْسٍ كَمَا مَرَّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ الْأَرْكَانُ الْخَمْسَةُ لَا الْمُسْتَحَبُّ فِيهَا حَتَّى لَوْ أَتَى بِالْأَرْكَانِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ، وَأَحْدَثَ بَعْدَهَا وَتَوَضَّأَ عَنْ قُرْبٍ بِحَيْثُ لَا يَفُوتُ الْوَلَاءُ الْمَشْرُوطُ صَحَّ فِيمَا يَظْهَرُ قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ.

الْمُتَقَدِّمِ بَيَانُهُ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ سَابِقًا (وَ) الْخَامِسُ (اللُّبْثُ) أَيْ الْمُكْثُ لِمُسْلِمٍ غَيْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فِي الْمَسْجِدِ) أَوْ التَّرَدُّدُ فِيهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ، وَالْحَدِيثِ الْمَارِّ، وَخَرَجَ بِالْمُكْثِ وَالتَّرَدُّدِ الْعُبُورُ لِمُسْلِمٍ وَالْكَافِرُ، فَإِنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ، وَأَصْلِهَا لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِلْكَافِرِ وَلَوْ غَيْرَ جُنُبٍ دُخُولُ الْمَسْجِدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِحَاجَةٍ كَإِسْلَامٍ وَسَمَاعِ قُرْآنٍ لَا كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَأَنْ يَأْذَنَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الدُّخُولِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ خُصُومَةٌ، وَقَدْ قَعَدَ الْحَاكِمُ لِلْحُكْمِ فَفِيهِ وَلِهَوَاءِ الْمَسْجِدِ حُرْمَةُ الْمَسْجِدِ، نَعَمْ لَوْ قَطَعَ بُصَاقُهُ هَوَاءَ الْمَسْجِدِ وَوَقَعَ خَارِجَهُ لَمْ يَحْرُمْ كَمَا

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) أَيْ لِمُسْلِمٍ غَيْرِ نَبِيٍّ عَلَى مَا يَأْتِي ق ل. وَتَقَدَّمَ عَنْ ع ش حُرْمَةُ الْقِرَاءَةِ عَلَى النَّبِيِّ حَالَ الْجَنَابَةِ.
وَنَصُّهُ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَلَوْ لِنَبِيٍّ كَمَا شَمِلَهُ إطْلَاقُهُمْ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي نَصُّهُ، رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْضِي حَاجَتَهُ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ، وَرُبَّمَا قَالَ يَحْجِزُهُ عَنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ» اهـ. وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَوَازِ الْمُكْثِ لَهُ فِي الْمَسْجِدِ بِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ مِنْ حُرْمَتِهَا بِعَدَمِ قَصْدِ الْقُرْآنِ فَكَانَ لِلتَّحْرِيمِ مِنْهُ وَجْهٌ، وَلَا كَذَلِكَ الْمَسْجِدُ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ ذَاتِيَّةٌ فَلَا يَنْفَكُّ تَحْرِيمُ الْمُكْثِ فِيهِ بِحَالٍ فَاغْتُفِرَ لَهُ تَوْسِعَةً عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَوْلُهُ: لَيْسَ الْجَنَابَةَ بِنَصْبِ الْجَنَابَةِ عَلَى أَنَّهَا خَبَرُ لَيْسَ وَاسْمُهَا ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الشَّيْءِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ إلَخْ) وَهُوَ التَّعْمِيمُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْحُكْمِ الْحُرْمَةَ لِتَصْرِيحِ الْمَتْنِ بِهَا.
قَوْلُهُ: (اللُّبْثُ أَيْ الْمُكْثُ لِمُسْلِمٍ) أَيْ بَالِغٍ.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ النَّبِيِّ) مُرَادُهُ الْجِنْسُ فَسَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ فِي شَرِيعَتِنَا، وَلَا يُعْلَمُ حُكْمُهُ فِيمَا قَبْلَهَا، وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْأَحْكَامِ هُنَا مُكَرَّرٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ كُلُّهُ أَوْ غَالِبُهُ ق ل. قَالَ ح ل: وَيَحْصُلُ الْمُكْثُ بِزِيَادَةٍ عَلَى الطُّمَأْنِينَةِ اهـ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ أَقَلُّ مُجْزِئٍ فِي الطُّمَأْنِينَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمَسْجِدِ) وَمِنْهُ رَحْبَتُهُ، وَالرَّحْبَةُ السَّاحَةُ الْمُنْبَسِطَةُ لِصِيَانَتِهِ عَنْ الْقَاذُورَاتِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ التَّرَدُّدُ فِيهِ) مِنْ التَّرَدُّدِ الْمُغَيِّرِ أَنْ يَدْخُلَ لِأَخْذِ حَاجَةٍ وَيَخْرُجَ مِنْ الْبَابِ الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ دُونَ وُقُوفٍ، بِخِلَافِ مَا لَوْ دَخَلَهُ يُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنْ الْآخَرِ، ثُمَّ عَنَّ لَهُ الرُّجُوعُ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ اهـ سم.
قَوْلُهُ: (الْعُبُورُ) وَهُوَ الدُّخُولُ مِنْ بَابٍ وَالْخُرُوجُ مِنْ آخَرَ، فَهُوَ جَائِزٌ لَكِنَّهُ لِغَيْرِ غَرَضٍ كَقُرْبِ طَرِيقٍ خِلَافُ الْأَوْلَى بِخِلَافِ عُبُورِ الْحَائِضِ مَعَ أَمْنِ التَّلْوِيثِ فَمَكْرُوهٌ لِغِلَظِ حَدَثِهَا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يُمَكَّنُ) لَمْ يَقُلْ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِلِاحْتِرَازِ لِبَقَاءِ الْحُرْمَةِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَبِعِبَارَةِ قَوْلِهِ: فَإِنَّهُ يُمَكَّنُ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمُكْثُ إلَّا أَنْ يُقَالَ فِيمَا تَقَدَّمَ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ هَذَا مُحْتَرَزُهُ، وَالتَّقْدِيرُ: وَمُكْثُ مُسْلِمٍ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْكَافِرُ: فَيُمَكَّنُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اهـ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ ذَلِكَ) وَإِنَّمَا حُرِّمَ تَمْلِيكُهُ الطَّعَامَ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الصَّوْمِ، وَأَخْطَأَ فِي تَعْيِينِ وَقْتِهِ وَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا السُّؤَالُ فِي الْمَسْجِدِ دُونَ إعْطَاءِ السَّائِلِ فِيهِ فَيُنْدَبُ هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ، وَاَلَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ سم عَنْ السُّيُوطِيّ رَحْمَانِيٌّ وع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ لِحَاجَةٍ) فَلَا بُدَّ مِنْ شَرْطَيْنِ الْحَاجَةِ وَالْإِذْنِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر خِلَافًا لِمَا فِي حَاشِيَةِ ق ل مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ دَخَلَ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ وَلَا حَاجَةٍ عُزِّرَ، وَدُخُولُنَا أَمَاكِنَهُمْ كَذَلِكَ أَيْ الَّتِي يَتَعَبَّدُونَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (لَا كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ) أَيْ وَتَعَلُّمِ حِسَابٍ وَلُغَةٍ فَلَا يَجُوزُ سم.
قَوْلُهُ: (مُسْلِمٌ) مُكَلَّفٌ وَلَوْ فَاسِقًا؛ بِخِلَافِ الْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ، فَيَكْفِي إذْنُ الصَّبِيِّ إذَا أَذِنَ لَهُ أَبُوهُ تَعْظِيمًا لِلْمَسْجِدِ م د. قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ خُصُومَةٌ) أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ الْإِذْنُ مِنْ الْمُسْلِمِ وَعِبَارَةُ الرَّحْمَانِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ قَوْلُهُ: (لِمُسْلِمٍ والْكَافِرُ) أَيْ إنْ دَخَلَ لِحَاجَةٍ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ أَوْ جُلُوسِ قَاضٍ أَوْ مُفْتٍ فِيهِ، فَيَجُوزُ تَمْكِينُهُ مَعَ حُرْمَةِ مُكْثِهِ لِخِطَابِهِ بِالْفُرُوعِ اهـ. وَخَرَجَ بِالْمَسْجِدِ قُبُورُ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْإِذْنُ فِي دُخُولِهَا مُطْلَقًا تَعْظِيمًا لَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ بِالْمَسْجِدِ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (وَلِهَوَاءِ الْمَسْجِدِ) كَأَنْ طَارَ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا فَوْقَهُ إلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَمَا تَحْتَهُ إلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، نَعَمْ إنْ كَانَ فَوْقَهُ أَوْ تَحْتَهُ عُلُوٌّ أَوْ سُفْلٌ قَبْلَ وَقْفِيَّتِهِ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ أَيْ: لَمْ يَتَجَاوَزْ الْمَسْجِدُ مَحَلَّهُ فَلَا يَشْمَلُ مَا فَوْقَهُ أَوْ مَا تَحْتَهُ إلَّا بَعْدَ زَوَالِهِ، وَإِنْ أُعِيدَ اهـ ق ل. وَأَقَرَّهُ اج.
وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ: إلَّا بَعْدَ زَوَالِهِ أَنَّهُ إذَا أُزِيلَ حُكْمٌ بِالْمَسْجِدِيَّةِ لِذَلِكَ الْهَوَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِقَصْرِ الْحُكْمِ عَلَى مَا

لَوْ بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ أَوْ فِي طَرَفِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَبِغَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ.
قَالَ صَاحِبُ التَّخْلِيصِ: ذُكِرَ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ جُنُبًا وَمَالَ إلَيْهِ النَّوَوِيُّ وَبِالْمَسْجِدِ الْمَدَارِسُ وَنَحْوُهَا، وَبِلَا عُذْرٍ إذَا حَصَلَ لَهُ عَارِضٌ كَأَنْ احْتَلَمَ فِي الْمَسْجِدِ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِإِغْلَاقِ بَابٍ أَوْ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوِهِ أَوْ مَنْفَعَةِ ذَلِكَ أَوْ عَلَى مَالِهِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمُكْثُ، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ أَنْ يَتَيَمَّمَ إنْ وَجَدَ غَيْرَ تُرَابِ الْمَسْجِدِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِهِ، فَلَوْ خَالَفَ وَتَيَمَّمَ بِهِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ كَالتَّيَمُّمِ بِتُرَابٍ مَغْصُوبٍ، وَالْمُرَادُ بِتُرَابِ الْمَسْجِدِ الدَّاخِلُ فِي وَقْفِيَّتِهِ لَا الْمَجْمُوعُ مِنْ رِيحٍ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ الْجُنُبُ الْمَاءَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ وَجَدَ تُرَابًا تَيَمَّمَ وَدَخَلَ وَاغْتَرَفَ وَخَرَجَ إنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِلَّا اغْتَسَلَ فِيهِ وَلَا يَكْفِيهِ التَّيَمُّمُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا بَحَثَهُ النَّوَوِيُّ فِي مَجْمُوعِهِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الْبَغَوِيِّ، أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ، وَإِطْلَاقُ الْأَنْوَارِ جَوَازَ الدُّخُولِ لِلِاسْتِقَاءَةِ وَالْمُكْثِ لَهَا بِقَدْرِهَا فَقَطْ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.
فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِالنَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ الْجُنُبِ وَلَوْ لِغَيْرِ أَعْزَبَ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ وَغَيْرَهُمْ كَانُوا

[حاشية البجيرمي]

عَدَا ذَلِكَ الْمَكَانِ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَاكَ لِمَانِعٍ وَقَدْ زَالَ اهـ. قَوْلُهُ: (فِي طَرَفِهِ) أَيْ أَوْ طَرَفِ ثَوْبِهِ.
قَوْلُهُ: (دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ) أَيْ مُكْثُهُ فِيهِ جُنُبًا لَكِنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ) أَيْ تَعَسَّرَ عَلَيْهِ أَخْذًا مِمَّا بَعْدُ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (أَوْ عَلَى مَالِهِ) أَيْ وَإِنْ قَلَّ كَدِرْهَمٍ ع ش. قَوْلُهُ: (وَلَوْ لَمْ يَجِدْ الْجُنُبُ الْمَاءَ) مِثْلُ الْمَاءِ ثَمَنُهُ فِيمَا تَقَرَّرَ.
قَوْلُهُ: (تَيَمَّمَ وَدَخَلَ) وَفَائِدَةُ التَّيَمُّمِ تَجْوِيزُ الدُّخُولِ لَهُ أَيْ الْمُكْثِ وَلَوْ صَلَّى بِهِ صَلَاةً قَبْلَ الدُّخُولِ صَحَّ أَيْضًا، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ قَوْلُهُ تَيَمَّمَ أَيْ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا تُبَاحُ لَهُ بِهِ صَلَاةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْبَغَوِيِّ: فَالتَّيَمُّمُ بَدَلًا عَنْ الْغُسْلِ فَلَهُ الصَّلَاةُ بِهِ، وَلَا يَضُرُّهُ وُجُودُ الْمَاءِ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلِاغْتِسَالِ فِيهِ فَوُجُودِ الْمَاءِ فِيهِ كَالْعَدَمِ، وَإِذَا تَيَمَّمَ كَانَ لَهُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ وَالصَّلَاةُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَأَنْ لَمْ يَجِدْ إنَاءً يَغْرِفُ بِهِ، وَلَا مَنْ يُنَاوِلُهُ الْمَاءَ مِنْ الْمَسْجِدِ.
وَقَوْلُهُ: (اغْتَسَلَ فِيهِ) أَيْ وَيُغْتَفَرُ الْمُكْثُ حِينَئِذٍ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكْثٌ جَازَ قَطْعًا ق ل. قَوْلُهُ: (وَلَا يَكْفِيهِ التَّيَمُّمُ) أَيْ بَدَلًا عَنْ الْغُسْلِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ) لِأَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ فِي الْمَسْجِدِ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْجُنُبِ لَهُ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ مُكْثِهِ فِيهِ حَالَ غُسْلِهِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْبَغَوِيَّ قَالَ: إنَّهُ يَكْفِيهِ التَّيَمُّمُ وَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ لِصَلَاةٍ مَثَلًا وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلِاغْتِسَالِ وَوُجُودُ الْمَاءِ فِيهِ كَالْعَدَمِ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (جَوَازِ الدُّخُولِ) أَيْ بَعْدَ التَّيَمُّمِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ق ل. قَوْلُهُ: (لِلِاسْتِقَاءَةِ) أَيْ الشُّرْبِ.
وَقَالَ م د: لِيَغْتَسِلَ بِهِ أَوْ لِلشُّرْبِ وَفِي نُسَخٍ لِلِاسْتِقَاءِ وَصَوَّبَهَا الَأُجْهُورِيُّ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لِاسْتِقَاءَةٍ بِإِثْبَاتِ التَّاءِ، وَهُوَ خَطَأٌ يُدْرَكُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ اهـ. وَلَعَلَّهُ؛ لِأَنَّهَا طَلَبُ الْقَيْءِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ) أَيْ الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إنْ وَجَدَ تُرَابًا تَيَمَّمَ وَدَخَلَ، وَإِلَّا فَلَا يَدْخُلُ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ مُكْثِهِ جُنُبًا فِي الْمَسْجِدِ، وَفِي حَاشِيَةِ م د: الْمُرَادُ التَّفْصِيلُ الثَّانِي أَيْ بِأَنْ يُقَالُ: إذَا تَيَمَّمَ وَدَخَلَ إنْ أَمْكَنَهُ نَقْلُ الْمَاءِ، وَشُرْبُهُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَعَلَ وَإِلَّا شَرِبَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَمَكَثَ بِقَدْرِهِ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ التَّفْصِيلَ الثَّانِيَ الْمُشَارَ إلَيْهِ فِيمَا سَبَقَ بِقَوْلِهِ: وَاغْتَرَفَ وَخَرَجَ إنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ إلَخْ فَلَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ هُنَا؛ إذْ هُوَ تَفْصِيلٌ فِي الْمُكْثِ لَا فِي الدُّخُولِ فَتَأَمَّلْ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إنْ لِلْجُنُبِ أَنْ يَمْكُثَ فِي الْمَسْجِدِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَلَوْ كَانَ الْغُسْلُ يُمْكِنُهُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ اهـ ش ع عَلَى م ر: وَقَالَ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ: وَحَاصِلُ التَّفْصِيلِ أَنَّهُ يَدْخُلُ إنْ وَجَدَ تُرَابًا وَيَتَيَمَّمُ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: «أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ وَهُمْ زُهَّادٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فُقَرَاءُ عُزَبَاءُ جَمْعُ أَعْزَبُ يَأْوُونَ مَسْجِدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَرِيفَهُمْ، وَكَانَ النَّاسُ يَعَافُونَهُمْ لِفَقْرِهِمْ فَاقْتَطَعَ لَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِطْعَةً مِنْ آخِرِ مَسْجِدِهِ وَمَكَثُوا فِيهَا وَظُلِّلَتْ عَلَيْهِمْ وَكَانُوا يَقِلُّونَ وَيَكْثُرُونَ، فَإِذَا كَثُرُوا بَلَغُوا أَرْبَعَمِائَةٍ، وَإِذَا قَلُّوا بَلَغُوا سَبْعِينَ وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ يَكْرَهُونَهُمْ حَتَّى اجْتَمَعَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَأَتَوْا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

يَنَامُونَ فِيهِ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، نَعَمْ إنْ ضَيَّقَ عَلَى الْمُصَلَّيْنَ أَوْ شَوَّشَ عَلَيْهِمْ حَرُمَ النَّوْمُ فِيهِ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
قَالَ: وَلَا يَحْرُمُ إخْرَاجُ الرِّيحِ فِيهِ لَكِنَّ الْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» .

(وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ) حَدَثًا أَصْغَرَ وَهُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ غَالِبًا (ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ) وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ وَالْمَسْحِ مُخْتَصَّانِ بِهَا، وَأَنَّ كُلَّ عُضْوٍ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ بِغَسْلِهِ فِي الْمَغْسُولِ وَبِمَسْحِهِ فِي الْمَمْسُوحِ، وَإِنَّمَا حَرُمَ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِذَلِكَ الْعُضْوِ بَعْدَ غَسْلِهِ قَبْلَ تَمَامِ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُتَطَهِّرًا، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79] وَهِيَ: (الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلُهُ) عَلَى الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ بَيَانُهُ فِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا يَحْرُمُ بِالْحَيْضِ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَقْسِيمُ الْحَدَثِ إلَى أَكْبَرَ وَمُتَوَسِّطٍ وَأَصْغَرَ، وَبِهِ صَرَّحَ كُلٌّ مِنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَالزَّرْكَشِيِّ فِي قَوَاعِدِهِ.

خَاتِمَةٌ: فِيهَا مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ مُهِمَّةٌ: يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِثِ وَلَوْ أَصْغَرَ مَسُّ خَرِيطَةٍ وَصُنْدُوقٍ فِيهِمَا مُصْحَفٌ،

[حاشية البجيرمي]

وَقَالُوا لَهُ: اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا فِي الْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَهُمْ يَوْمًا، وَأَرَادُوا إخْرَاجَهُمْ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَنَزَلَ فِي شَأْنِهِمْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: قَوْلُهُ ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 52] إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 52] » وَرُوِيَ، «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ لَهُمْ: أَبْشِرُوا يَا أَهْلَ الصُّفَّةِ مَنْ كَانَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى نَعْتِكُمْ كَانَ مِنْ رُفَقَائِي فِي الْجَنَّةِ» فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُمْ رُفَقَاؤُهُ فِيهَا مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (حُرِّمَ النَّوْمُ فِيهِ) أَيْ فِي وَقْتِ التَّضْيِيقِ فَقَطْ وَيَجِبُ حِينَئِذٍ تَنْبِيهُهُ.
وَيُنْدَبُ تَنْبِيهُ مَنْ نَامَ فِي نَحْوِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ أَوْ أَمَامَ الْمُصَلِّينَ، وَلَا يَنْبَغِي التَّصَدُّقُ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَلْزَمُ مَنْ رَآهُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَمَنْعُهُ إنْ قَدَرَ، وَيُكْرَهُ السُّؤَالُ فِيهِ بَلْ يَحْرُمُ إنْ شَوَّشَ عَلَى الْمُصَلِّينَ أَوْ مَشَى أَمَامَ الصُّفُوفِ أَوْ تَخَطَّى رِقَابَهُمْ، وَيَحْرُمُ الرَّقْصُ فِيهِ، وَلَوْ لِغَيْرِ نَحْوِ شَابَّةٍ، وَيَحْرُمُ النَّطُّ فِيهِ، وَلَوْ بِالذِّكْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْطِيعِ حُصُرِهِ وَإِيذَاءِ غَيْرِهِ ق ل عَلَى الْجَلَالِ وَيَحْرُمُ إدْخَالُ النَّجَاسَةِ، وَلَوْ جَافَّةً وَيَحْرُمُ تَقْذِيرُهُ، وَلَوْ بِالطَّاهِرَاتِ كَإِلْقَاءِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فِيهِ، وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ مَاؤُهُ لِعَدَمِ تَقْذِيرِهِ وَعَدَمِ إهَانَتِهِ، وَأَمَّا طَرْحُ الْقَمْلِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنْ كَانَ مَيِّتًا حُرِّمَ لِنَجَاسَتِهِ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَكَذَلِكَ لِتَعْذِيبِهِ بِالْجُوعِ، بِخِلَافِ الْبُرْغُوثِ؛ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ التُّرَابَ، وَالْمَشْهُورُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْقَمْلِ وَالْبُرْغُوثِ فِي جَوَازِ رَمْيِهِمَا فِي الْأَرْضِ التُّرَابِيَّةِ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ ابْنِ حَجَرٍ أَوْ خَارِجَهُ عِنْدَهُ.
وَعِنْدَ م ر: وَأَمَّا طَرْحُ الْأَشْيَاءِ الْجَافَّةِ كَقِشْرِ اللُّبِّ وَغَيْرِهِ فَمَكْرُوهٌ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّهُ تَعْفِيشٌ لَا تَقْذِيرٌ ذَكَرَهُ ع ش عَلَى م ر وَقَرَّرَهُ الْعَلَّامَةُ الْحِفْنِيُّ اهـ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَحْرُمُ إخْرَاجُ الرِّيحِ فِيهِ) فَإِخْرَاجُ الرِّيحِ فِيهِ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَهَذَا عِنْدَنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِالْحُرْمَةِ كَالسَّادَةِ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: «تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» هَذَا يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ حَاسَّةِ الشَّمِّ لَهُمْ، وَمُقْتَضَاهُ الْحُرْمَةُ لَكِنْ صَدَّ عَنْهَا الْجُمْهُورُ، وَالْكَلَامُ فِي غَيْرِ الْحَفَظَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَ الْعَبْدَ.

قَوْلُهُ: (إلَى أَكْبَرَ) أَيْ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ أَفْرَادِهِ وَأَوْسَطَ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ كَذَا قِيلَ.
وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْغَرَ أَكْثَرُ أَفْرَادًا، وَأَيْضًا الْجَنَابَةُ تُوجَدُ فِي النِّسَاءِ فَلَيْسَ الْحَيْضُ الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ أَكْبَرَ أَفْرَادًا، فَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَكْبَرِ الْأَغْلَظُ، وَالْمُرَادُ بِالْأَوْسَطِ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ.

قَوْلُهُ: (وَصُنْدُوقٍ) بِفَتْحِ الصَّادِ وَضَمِّهَا، وَيُقَالُ بِالسِّينِ وَالزَّاي فَفِيهِ سِتُّ لُغَاتٍ وَمِثْلُهُ كُرْسِيٌّ وُضِعَ عَلَيْهِ ز ي أَيْ: فَيَحْرُمُ مَسُّ جَمِيعِ الْكُرْسِيِّ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْمُصْحَفُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لسم وح ل. وَهَذَا الْكُرْسِيُّ الصَّغِيرُ الْمُعَدُّ لِلْمُصْحَفِ، أَمَّا الْكُرْسِيُّ الْكَبِيرُ الَّذِي يَقْعُدُ عَلَيْهِ الْقَارِئُ فَلَا يَحْرُمُ إلَّا مَسُّ الدَّفَّتَيْنِ السَّاتِرَتَيْنِ لِلْمُصْحَفِ وَهُوَ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ كَالصُّنْدُوقِ، وَمِنْ الصُّنْدُوقِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ بَيْتُ الرَّبْعَةِ الْمَعْرُوفَةِ فَيَحْرُمُ مَسُّهُ إذَا كَانَتْ أَجْزَاءُ الرَّبْعَةِ أَوْ بَعْضُهَا فِيهِ، وَأَمَّا

وَالْخَرِيطَةُ وِعَاءُ الْكِيسِ مِنْ أَدَمٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مُعَدَّيْنِ لِلْمُصْحَفِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي لِأَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا مُعَدَّيْنِ لَهُ كَانَا كَالْجِلْدِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلَا فِي بَيْعِهِ، وَالْعِلَاقَةُ كَالْخَرِيطَةِ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُصْحَفُ فِيهِمَا أَوْ هُوَ فِيهِمَا وَلَمْ يُعَدَّا لَهُ لَمْ يَحْرُمْ مَسُّهُمَا، وَيَحْرُمُ مَسُّ مَا كُتِبَ لِدَرْسِ قُرْآنٍ وَلَوْ بَعْضَ آيَةٍ كَلَوْحٍ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ أُثْبِتَ فِيهِ لِلدِّرَاسَةِ فَأَشْبَهَ الْمُصْحَفَ، أَمَّا مَا كُتِبَ لِغَيْرِ الدِّرَاسَةِ كَالتَّمِيمَةِ وَهِيَ وَرَقَةٌ يُكْتَبُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَتُعَلَّقُ عَلَى الرَّأْسِ مَثَلًا لِلتَّبَرُّكِ

[حاشية البجيرمي]

الْخَشَبُ الْحَائِلُ بَيْنَهُمَا فَلَا يَحْرُمُ مَسُّهُ، كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا وَأَقَرَّهُ اهـ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَدَمٍ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالدَّالِ جِلْدٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مُعَدَّيْنِ لِلْمُصْحَفِ) أَيْ وَحْدَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيمَا أُعِدَّ لَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ عَلَى حَجْمِهِ أَوْ لَا.
وَهُوَ قَرِيبٌ شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ: (أُعِدَّ لَهُ) أَيْ عُرْفًا لِيَخْرُجَ نَحْوُ الْخَزَائِنِ اج اهـ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمَا لَمَّا كَانَا مُعَدَّيْنِ لَهُ إلَخْ) أَيْ فَتَكُونُ حُرْمَةُ مَسِّ الْخَرِيطَةِ وَالصُّنْدُوقِ ثَابِتَةً بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَى الْجِلْدِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ فَتَأَمَّلْ عَزِيزِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالْعِلَاقَةُ) أَيْ اللَّائِقَةُ لَا طَوِيلَةٌ جِدًّا أَيْ فَلَا يَحْرُمُ مَسُّ الزَّائِدِ حَيْثُ كَانَ طُولُهَا مُفْرِطًا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَحْرُمْ مَسُّهُمَا) إنْ لَمْ يَكُنْ مَاسًّا لِلْمُصْحَفِ.
قَوْلُهُ (لِدَرْسِ) أَيْ وَلَوْ عَلَى جِدَارٍ فَيَحْرُمُ مَسُّهُ، وَعَلَيْهِ فَهَلْ يَحْرُمُ مَسُّ الْمَوْضِعِ الْخَالِي مِنْ الْجِدَارِ كَمَا فِي اللَّوْحِ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْمُتَّجَهُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ سم اهـ اج.
قَوْلُهُ: (كَلَوْحٍ) وَيَحْرُمُ مَسُّ جَمِيعِهِ وَكَذَا عِلَاقَتُهُ وَلَا يَحْرُمُ مَحْوُهُ بِرِيقِهِ وَلَوْ بِالْبَصْقِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إهَانَةً وَلَا يَحْرُمُ مَدُّ نَحْوِ رِجْلِهِ إلَى جِهَةِ الْمُصْحَفِ.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ: بِالْحُرْمَةِ ق ل. وَعِبَارَةُ سم فِي شَرْحِ الْمَتْنِ: اخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِي مَحْوِ لَوْحِ الْقُرْآنِ بِالْبُصَاقِ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْمَكَاتِبِ، فَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ حُرْمَةَ ذَلِكَ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ الْعِمَادِ وَبَعْضُهُمْ جَوَازَهُ وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ أَنْ يَبْصُقَ عَلَى اللَّوْحِ، فَيَحْرُمَ، وَأَنْ يَبْصُقَ عَلَى خِرْقَةٍ ثُمَّ يَمْحُوَهُ بِهَا فَيَحِلَّ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَوْ جَعَلَهُ مِرْوَحَةً لَمْ يَحْرُمْ لِقِلَّةِ الِامْتِهَانِ اهـ. وَلَوْ قِيلَ بِالْحُرْمَةِ فِي جَعْلِهِ مِرْوَحَةً لَمْ يَبْعُدْ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ كَلَوْحٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُكْتَبُ عَلَيْهِ عَادَةً حَتَّى لَوْ كَتَبَ عَلَى عَمُودٍ أَوْ بَابٍ قُرْآنًا لِلدِّرَاسَةِ لَمْ يَحْرُمْ مَسُّ غَيْرِ الْكِتَابَةِ.
أَيْ الْخَالِي فِيهِ عَنْ الْقُرْآنِ، وَقَيَّدَ الْعَلْقَمِيُّ الْخَالِيَ عَنْهُ بِمَا لَمْ يَكُنْ حَرِيمًا لِلْقُرْآنِ كَمَا ذَكَرَهُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ وَرَقَةٌ) أَيْ مَثَلًا فَالْأَوْرَاقُ كَذَلِكَ حَيْثُ عُدَّتْ تَمِيمَةً عُرْفًا، وَإِنْ كَثُرَ الْمَكْتُوبُ فِيهَا بَلْ نُقِلَ عَنْ الشَّارِحِ وَلَوْ جَمِيعَ الْقُرْآنِ ق ل. وَمَا نُقِلَ عَنْ الشَّارِحِ ضَعِيفٌ.
قَالَ الَأُجْهُورِيُّ: وَعَلَى مَا نُقِلَ عَنْ الشَّارِحِ فَتَكُونُ مِنْ فِي قَوْلِهِمْ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ لِلْبَيَانِ لَا لِلتَّبْعِيضِ غَيْرَ أَنَّ كَوْنَهَا لِلتَّبْعِيضِ أَظْهَرُ فِي الْعُرْفِ.
قَوْلُهُ: (لِلتَّبَرُّكِ) وَالْعِبْرَةُ فِي قَصْدِ الدِّرَاسَةِ وَالتَّبَرُّكِ بِحَالِ الْكِتَابَةِ دُونَ مَا بَعْدَهَا، وَبِقَصْدِ الْكَاتِبِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ مُتَبَرِّعًا، وَإِلَّا فَآمِرِهِ أَوْ مُسْتَأْجِرِهِ.
وَلَوْ قَصَدَ التَّمِيمَةَ بِمَا لِلدِّرَاسَةِ تَغَيَّرَ الْحُكْمُ مِنْ الْحُرْمَةِ إلَى الْحِلِّ وَعَكْسُهُ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ قَصَدَ التَّمِيمَةَ؟ فَلَا يَحْرُمُ أَوْ الدِّرَاسَةَ فَيَحْرُمُ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بِالْأَوَّلِ نُظِرَ إلَى تَعَارُضِ الِاحْتِمَالَيْنِ فَيَبْقَى أَصْلُ الْحَالِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمْ الْحُرْمَةُ فَقَدْ قَالُوا: لَوْ شَكَّ فِي التَّفْسِيرِ هَلْ هُوَ أَكْثَرُ أَوْ لَا؟ إنَّهُ يَحْرُمُ؛ إذْ هِيَ الْأَصْلُ وَلَا يُصَارُ لِلْحِلِّ إلَّا بِيَقِينٍ اج مُلَخَّصًا.
وَهَلْ يَجُوزُ كِتَابَةُ التَّمَائِمِ لِلْكُفَّارِ أَوْ لَا يَجُوزُ؟ قِيلَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُعَظِّمُوهُ وَقِيلَ يَجُوزُ كِتَابَتُهَا لَهُمْ إنْ عُلِمَ أَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَهَا.
وَفِي شَرْحِ م ر: وَيَحْرُمُ مَدُّ الرِّجْلِ إلَى جِهَةِ الْمُصْحَفِ وَوَضْعُهُ تَحْتَ يَدِ كَافِرٍ وَمِثْلُهُ التَّمَائِمُ، وَإِنْ كَانُوا يُعَظِّمُونَهَا؛ إذْ لَيْسَ هُوَ كَتَعْظِيمِنَا وَيُسَنُّ الْقِيَامُ لَهُ وَتَقْبِيلُهُ وَيَحْرُمُ مَسُّهُ بِالسِّنِّ وَالظُّفْرِ أَيْضًا حَالَةَ الْحَدَثِ، بِخِلَافِ الْيَدِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ، فَلَا حُرْمَةَ بِالْمَسِّ بِهَا.
وَعِبَارَةُ الرَّحْمَانِيِّ: فَخَرَجَتْ التَّمِيمَةُ وَلَوْ لِكَافِرٍ، نَعَمْ فِي ابْنِ قَاسِمٍ مَا يَقْتَضِي مَنْعَهَا لَهُ، وَعِبَارَتُهُ: وَيَحْرُمُ تَمْلِيكُهُ مَا فِيهِ قُرْآنٌ وَيَنْبَغِي الْمَنْعُ مِنْ التَّمِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ عَنْ آثَارِ السَّلَفِ بَلْ تَزِيدُ، وَلَا يَرِدُ إرْسَالُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْكُتُبَ لَهُمْ مَعَ اشْتِمَالِهَا عَلَى الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ لِقَصْدِ التَّآلُفِ، وَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فَيُمْنَعُ، وَإِنْ قَصَدْنَاهُ انْتَهَتْ.
قَالَ شَيْخُنَا الْجَوْهَرِيُّ نَقْلًا عَنْ مَشَايِخِهِ: يُشْتَرَطُ فِي كَاتِبِ التَّمِيمَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَأَنْ يَكُونَ فِي مَكَان طَاهِرٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ تَرَدُّدٌ فِي صِحَّتِهَا، وَأَنْ لَا يَقْصِدَ بِكِتَابَتِهَا تَجْرِبَتَهَا، وَأَنْ يَتَلَفَّظَ بِمَا يَكْتُبُ، وَأَنْ يَحْفَظَهَا عَنْ الْأَبْصَارِ بَلْ

وَالثِّيَابُ الَّتِي يُكْتَبُ عَلَيْهَا وَالدَّرَاهِمُ فَلَا يَحْرُمُ مَسُّهَا وَلَا حَمْلُهَا، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ كِتَابًا إلَى هِرَقْلَ وَفِيهِ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64] الْآيَةَ وَلَمْ يَأْمُرْ حَامِلَهَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَيُكْرَهُ كِتَابَةُ الْحُرُوزِ وَتَعْلِيقُهَا إلَّا إذَا جَعَلَ عَلَيْهَا شَمْعًا أَوْ نَحْوَهُ، وَيُنْدَبُ التَّطَهُّرُ لِحَمْلِ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَمَسِّهَا، وَيَحِلُّ لِلْمُحْدِثِ قَلْبُ وَرَقِ الْمُصْحَفِ بِعُودٍ وَنَحْوِهِ.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَامِلٍ وَلَا مَاسٍّ، وَيُكْرَهُ كَتْبُ الْقُرْآنِ عَلَى حَائِطٍ وَلَوْ لِمَسْجِدٍ وَثِيَابٍ وَطَعَامٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ هَدْمُ الْحَائِطِ وَلُبْسُ الثَّوْبِ وَأَكْلُ الطَّعَامِ، وَلَا تَضُرُّ مُلَاقَاتُهُ مَا فِي الْمَعِدَةِ بِخِلَافِ ابْتِلَاعِ قِرْطَاسٍ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَا يُكْرَهُ كَتْبُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ فِي إنَاءٍ لِيُسْقَى مَاؤُهُ لِلشِّفَاءِ، خِلَافًا لِمَا وَقَعَ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي فَتَاوِيهِ مِنْ التَّحْرِيمِ، وَأَكْلُ الطَّعَامِ كَشُرْبِ الْمَاءِ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ، وَيُكْرَهُ إحْرَاقُ خَشَبٍ نُقِشَ بِالْقُرْآنِ إلَّا إنْ قُصِدَ بِهِ صِيَانَتُهُ فَلَا يُكْرَهُ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ تَحْرِيقُ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْمَصَاحِفَ

وَيَحْرُمُ

[حاشية البجيرمي]

وَعَنْ بَصَرِهِ بَعْدَ الْكِتَابَةِ وَبَصَرِ مَا لَا يَعْقِلُ، وَأَنْ يَحْفَظَهَا عَنْ الشَّمْسِ، وَأَنْ يَكُونَ قَاصِدًا وَجْهَ اللَّهِ فِي كِتَابَتِهَا، وَأَنْ لَا يُشَكِّلَهَا وَأَنْ لَا يَطْمِسَ حُرُوفَهَا، وَأَنْ لَا يَنْقُطَهَا، وَأَنَّ لَا يُتَرِّبَهَا، وَأَنْ لَا يَمَسَّهَا بِالْحَدِيدِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكْتُبَهَا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَشَرْطًا لِلْجَوْدَةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صَائِمًا قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا تُفِدْ بَعْدَ عُصَيْرِ الْيَوْمِ ... وَالصَّوْمُ أَجْوَدُ فِيهِ عِنْدَ الْقَوْمِ قَوْلُهُ: (وَالثِّيَابِ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى التَّمِيمَةِ.
قَوْلُهُ: (إلَى هِرَقْلَ) بِكَسْرِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْقَافِ مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ، وَهُوَ مَلِكُ الرُّومِ، وَأَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الدَّنَانِيرَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
قَوْلُهُ: (الْحُرُوزِ) جَمْعُ حِرْزٍ وَهُوَ الْحِجَابُ، وَالْمُرَادُ الْحُرُوزُ مِنْ الْقُرْآنِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا إذَا جَعَلَ عَلَيْهَا شَمْعًا) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ التَّعْلِيقِ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ: (شَمْعًا) أَيْ خِرْقَةً مُشَمَّعَةً؛ لِأَنَّهَا تَحْفَظُهُ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ نَحْوَهُ كَجِلْدٍ وَالْمَكْرُوهُ وَضْعُهَا عَلَى بَدَنِهِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يَصُونُهَا.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ لِلْمُحْدِثِ قَلْبُ وَرَقِ الْمُصْحَفِ بِعُودٍ إلَخْ) سَوَاءٌ كَانَتْ الْوَرَقَةُ قَائِمَةً وَأَضْجَعَهَا أَمْ كَانَتْ مُضْطَجِعَةً، خِلَافًا لِابْنِ الْأُسْتَاذِ وَمَنْ تَبِعَهُ شَرْحُ م ر. قَالَ سم: بِخِلَافِ مَا لَوْ لَفَّ كُمَّهُ عَلَى يَدِهِ وَقَلَّبَ بِهَا لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ وَمُتَّصِلٌ بِهِ، فَكَانَ لَهُ حُكْمُ أَجْزَائِهِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي حُرْمَةَ الْمَسِّ بِمَا زَادَ مِنْ كُمِّهِ عَلَى يَدِهِ وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ إلَخْ) قَالَ ابْنُ الْعِمَادِ: وَيَحْرُمُ الِاسْتِنَادُ لِمَا كُتِبَ مِنْهُ عَلَى جِدَارٍ.
اهـ. سم.
بِأَنْ جُعِلَ خَلْفَ ظَهْرِهِ أَمَّا إنْ كَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الِاسْتِنَادُ إلَى الْجِدَارِ الْمَكْتُوبِ فِيهِ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَلُبْسُ الثَّوْبِ) وَلَوْ مَعَ الْجَنَابَةِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ ابْتِلَاعِ قِرْطَاسٍ إلَخْ) أَيْ وَرَقَةٍ أَيْ مَا لَمْ يَمْضُغْهُ بِحَيْثُ تَذْهَبُ حُرُوفُهُ ق ل. أَوْ لَمْ يُخْبِرْهُ الْعَدْلُ بِنَفْعِهِ إلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَكْلُ الطَّعَامِ) كَالرَّغِيفِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ: وَأَكْلُ الطَّعَامِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ كَشُرْبِ الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (لَا كَرَاهَةَ فِيهِ) أَيْ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَإِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْكِتَابَةَ عَلَى الطَّعَامِ مَكْرُوهَةٌ بِخِلَافِهَا عَلَى إنَاءِ الشُّرْبِ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ إحْرَاقُ إلَخْ) مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَضْيِيعُ مَالٍ بِلَا غَرَضٍ، وَإِلَّا حُرِّمَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا فِي السِّيَرِ مِنْ مَنْعِ حَرْقِ كُتُبِ الْكُفَّارِ لِمَا فِيهَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيعِ الْمَالِ اهـ. وَقَوْلُهُ: (إحْرَاقُ خَشَبٍ) أَيْ مَثَلًا فَالْوَرَقُ كَذَلِكَ وَيَحْرُمُ وَطْءُ ذَلِكَ ق ل. قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ تَحْرِيقُ عُثْمَانَ إلَخْ) وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَنْ وَجَدَ وَرَقَةً فِيهَا الْبَسْمَلَةُ وَنَحْوُهَا لَا يَجْعَلْهَا فِي شِقٍّ وَلَا غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَسْقُطُ فَتُوطَأُ وَطَرِيقُهُ أَنْ يَغْسِلَهَا بِالْمَاءِ أَوْ يُحْرِقَهَا بِالنَّارِ صِيَانَةً لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ تَعَرُّضِهِ لِلِامْتِهَانِ شَرْحُ الرَّوْضِ، وَإِذَا تَيَسَّرَ الْغَسْلُ وَلَمْ يَخْشَ وُقُوعَ الْغُسَالَةِ عَلَى الْأَرْضِ فَهُوَ أَوْلَى، وَإِلَّا فَالتَّحْرِيقُ أَوْلَى، وَلَا يَجُوزُ تَمْزِيقُ الْوَرَقِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْطِيعِ الْحُرُوفِ وَتَفْرِيقِ الْكَلِمِ، وَفِي ذَلِكَ إزْرَاءٌ بِالْمَكْتُوبِ.

قَوْلُهُ: (أَوْ

كَتْبُ الْقُرْآنِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى بِنَجِسٍ أَوْ عَلَى نَجِس، وَمَسُّهُ بِهِ إذَا كَانَ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهُ فِي الْمَجْمُوعِ لَا بِطَاهِرٍ مِنْ مُتَنَجِّسٍ، وَيَحْرُمُ الْمَشْيُ عَلَى فِرَاشٍ أَوْ خَشَبٍ نُقِشَ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَوْ خِيفَ عَلَى مُصْحَفٍ تَنَجُّسٌ أَوْ كَافِرٌ، أَوْ تَلَفٌ بِنَحْوِ غَرَقٍ أَوْ ضَيَاعٍ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَطَهُّرِهِ جَازَ لَهُ حَمْلُهُ مَعَ الْحَدَثِ فِي الْأَخِيرَةِ وَوَجَبَ فِي غَيْرِهَا صِيَانَةً لَهُ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَيَحْرُمُ السَّفَرُ بِهِ إلَى أَرْضِ الْكُفَّارِ إنْ خِيفَ وُقُوعُهُ فِي أَيْدِيهِمْ وَتَوَسُّدُهُ، وَإِنْ خَافَ سَرِقَتَهُ وَتَوَسُّدُ كُتُبِ عِلْمٍ إلَّا لِخَوْفٍ مِنْ نَحْوِ سَرِقَةٍ، نَعَمْ إنْ خَافَ عَلَى الْمُصْحَفِ مِنْ تَلَفٍ بِنَحْوِ غَرَقٍ أَوْ تَنَجُّسٍ أَوْ كَافِرٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَوَسَّدَهُ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ وَيُنْدَبُ كَتْبُهُ وَإِيضَاحُهُ وَنَقْطُهُ وَشَكْلُهُ وَيُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ مَسِّهِ لَا سَمَاعِهِ، وَيَحْرُمُ تَعْلِيمُهُ وَتَعَلُّمُهُ إنْ كَانَ

[حاشية البجيرمي]

عَلَى نَجِسٍ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ كِتَابَةَ الْفِقْهِ، وَالْحَدِيثِ بِالنَّجِسِ مِثْلُ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ (لَا بِطَاهِرٍ مِنْ مُتَنَجِّسٍ) أَيْ لَا يَحْرُمُ مَسُّهُ بِعُضْوٍ طَاهِرٍ مِنْ بَدَنٍ مُتَنَجِّسٍ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ، فَإِذَا تَنَجَّسَ كَفُّهُ إلَّا أُصْبُعًا مِنْهُ فَمَسَّ بِهَذَا الْأُصْبُعِ الْمُصْحَفَ وَهُوَ طَاهِرٌ مِنْ الْحَدَثِ جَازَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ ضَيَاعٍ) أَيْ بِغَيْرِ الْحَرْقِ وَالتَّلَفِ كَأَخْذِ سَارِقٍ مُسْلِمٍ، فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ نَحْوَ الْغَرَقِ ضَيَاعٌ أَيْ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كُتُبَ عِلْمٍ) أَيْ مُحْتَرَمٍ فَإِنْ خَافَ عَلَيْهِ سَرِقَةً أَوْ غَيْرَهَا جَازَ تَوَسُّدُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (جَازَ لَهُ أَنْ يَتَوَسَّدَهُ) أَيْ يَجْعَلَهُ وِسَادَةً أَيْ مِخَدَّةً.
فَائِدَةٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ اُضْطُرَّ إلَى مَأْكُولٍ، وَكَانَ لَا يَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بِشَيْءٍ يَضَعُهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ إلَّا الْمُصْحَفُ هَلْ يَجُوزُ وَضْعُهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَمْ لَا؟ فَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ الظَّاهِرَ الْجَوَازُ مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِأَنَّ حِفْظَ الرُّوحِ مُقَدَّمٌ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ عَلَى غَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَشْرَفَتْ سَفِينَةٌ فِيهَا مُصْحَفٌ وَحَيَوَانٌ عَلَى الْغَرَقِ، وَاحْتِيجَ إلَى إلْقَاءِ أَحَدِهِمَا لِتَخْلُصَ السَّفِينَةُ أُلْقِيَ الْمُصْحَفُ حِفْظًا لِلرُّوحِ الَّتِي فِي السَّفِينَةِ.
لَا يُقَالُ: وَضْعُ الْمُصْحَفِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ امْتِهَانٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: فِعْلُ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ مَانِعٌ مِنْ كَوْنِهِ امْتِهَانًا.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ السُّجُودُ لِلصَّنَمِ، وَالتَّصَوُّرُ بِصُورَةِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى الرُّوحِ، بَلْ قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَوْ تَوَقَّفَ إنْقَاذُهُ الرُّوحَ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَ وَضْعُهُ، وَحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْقُوتَ بِيَدِ كَافِرٍ، وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ إلَّا بِدَفْعِ الْمُصْحَفِ لَهُ جَازَ لَهُ الدَّفْعُ، لَكِنْ يَنْبَغِي تَقْدِيمُ الْمَيْتَةِ، وَلَوْ مُغَلَّظَةً إنْ وَجَدَهَا عَلَى دَفْعِهِ لِلْكَافِرِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَيُنْدَبُ كَتْبُهُ وَإِيضَاحُهُ) أَيْ تَبْيِينُ حُرُوفِهِ، وَاسْتَدَلَّ السُّبْكِيُّ عَلَى جَوَازِ تَقْبِيلِ الْمُصْحَفِ بِالْقِيَاسِ عَلَى تَقْبِيلِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَيَدِ الْعَالِمِ وَالصَّالِحِ وَالْوَالِدِ؛ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُمْ قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَمُقْتَضَى مَذْهَبِنَا كَرَاهَةُ أَخْذِ الْفَأْلِ مِنْهُ.
وَقَالَ ق ل: يَجُوزُ أَخْذُ الْفَأْلِ مِنْهُ، وَذَكَرَ الْعَبَّادِيُّ: أَنَّ مَنْ اسْتَعَارَ كِتَابًا فَوَجَدَ فِيهِ غَلَطًا لَمْ يَجُزْ إصْلَاحُهُ إلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ أَوْ مُصْحَفًا وَجَبَ وَقَيَّدَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ أَيْ: قَيَّدَ قَوْلَهُ لَمْ يَجُزْ بِالْمَمْلُوكِ أَمَّا الْمَوْقُوفُ فَيَجُوزُ إصْلَاحُهُ.
وَفِي حَاشِيَةِ الرَّحْمَانِيِّ: وَقَعَ السُّؤَالُ لِشَيْخِنَا فِي رَجُلٍ كَتَبَ مُصْحَفًا وَدَفَعَهُ لِفَقِيهٍ يُصَحِّحُهُ، وَإِذَا رَأَى لَحْنًا يُعَلِّمُ فِيهِ بِشَمْعٍ وَلَا يُصْلِحُهُ مَا الْحُكْمُ.
فَأَجَابَ بِمَا نَصُّهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْهَادِي لِلصَّوَابِ يَجِبُ إصْلَاحُهُ فَوْرًا أَوْ إعْلَامُ النَّاهِي فَوْرًا لِيُصْلِحَهُ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْفَوْرِيَّةِ فِيهِ تَقْرِيرُ الْخَطَأِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ كَتَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّوْبَرِيُّ الشَّافِعِيُّ، وَأَفْتَى م ر بِأَنَّ لَحْنَ الْأَطْفَالِ بِحَضْرَةِ الْكَامِلِ فِي الْقُرْآنِ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَيُسَنُّ فِي حَقِّهِ الرَّدُّ فَقَطْ وَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ الرَّدِّ قِيَاسًا عَلَى وُجُوبِ مَنْعِ الصَّبِيِّ إنْ رَأَيْنَاهُ يَزْنِي بِصَبِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِصْيَانِ اهـ. وَعِبَارَةُ اط ف نَقْلًا عَنْ ع ش فَرْعٌ ذَكَرَ الْعَبَّادِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ لَوْ اسْتَعَارَ كِتَابًا، وَرَأَى فِيهِ خَطَأً وَكَانَ مَمْلُوكًا غَيْرَ مُصْحَفٍ لَا يُصْلِحُ فِيهِ شَيْئًا مُطْلَقًا إلَّا إنْ ظَنَّ رِضَا مَالِكِهِ بِهِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ إصْلَاحُ الْمُصْحَفِ، لَكِنْ إنْ لَمْ يُنْقِصْ خَطُّهُ قِيمَتَهُ لِرَدَاءَتِهِ أَيْ: وَعَلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَدْفَعَهُ لِمَنْ

مُعَانِدًا، وَغَيْرُ الْمُعَانِدِ إنْ رُجِيَ إسْلَامُهُ جَازَ تَعْلِيمُهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ بِفَمٍ مُتَنَجِّسٍ وَتَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ بِحَمَّامٍ وَطَرِيقٍ إنْ لَمْ يَلْتَهِ عَنْهَا، وَإِلَّا كُرِهَتْ، وَلَا يَجِبُ مَنْعُ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ مِنْ حَمْلِ الْمُصْحَفِ وَاللَّوْحِ لِلتَّعَلُّمِ إذَا كَانَ مُحْدِثًا وَلَوْ حَدَثًا أَكْبَرَ كَمَا فِي فَتَاوَى النَّوَوِيِّ لِحَاجَةِ عِلْمِهِ وَمَشَقَّةِ اسْتِمْرَارِهِ مُتَطَهِّرًا، بَلْ يُنْدَبُ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنْ مَحَلَّ ذَلِكَ فِي الْحَمْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِالدِّرَاسَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِغَرَضٍ أَوْ لِغَرَضٍ آخَرَ مُنِعَ مِنْهُ جَزْمًا كَمَا قَالَهُ فِي الْمُهِمَّاتِ، وَإِنْ نَازَعَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْعِمَادِ أَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ فَيَحْرُمُ تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَنْتَهِكَهُ، وَالْقِرَاءَةُ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرٍ لَمْ يُخَصَّ بِمَحَلٍّ، فَإِنْ خُصَّ بِهِ بِأَنْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فِيهِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَيُنْدَبُ أَنْ يَتَعَوَّذَ لَهَا جَهْرًا إنْ جَهَرَ بِهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَمَّا فِي الصَّلَاةِ فَيُسِرُّ مُطْلَقًا

[حاشية البجيرمي]

يُصْلِحُهُ حَيْثُ كَانَ خَطُّهُ مُنَاسِبًا وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إجَابَةُ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ وَلَمْ يَلْحَقْهُ مَشَقَّةٌ فِي سُؤَالِهِ، وَأَنَّ الْوَقْفَ يَجِبُ إصْلَاحُهُ إنْ تَعَيَّنَ الْخَطَأُ وَكَانَ خَطُّهُ مُسْتَصْلِحًا سَوَاءٌ الْمُصْحَفُ وَغَيْرُهُ، وَأَنَّهُ مَتَى تَرَدَّدَ فِي عَيْنِ لَفْظٍ أَوْ فِي الْحُكْمِ لَا يُصْلِحُ شَيْئًا، وَمَا اُعْتِيدَ مِنْ كِتَابَةِ لَعَلَّهُ كَذَا إنَّمَا يَجُوزُ فِي مِلْكِ الْكَاتِبِ اهـ. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: وَأَنَّ الْوَقْفَ يَجِبُ إصْلَاحُهُ، كِتَابَةُ الْحَوَاشِي بِهَوَامِشِهِ، فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ الْكِتَابِ عَنْ أَصْلِهِ وَلَا نَظَرَ لِزِيَادَةِ قِيمَتِهِ بِفِعْلِهِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ اهـ. وَفِيهِ بَحْثٌ وَتَعْلِيلُهُ بِقَوْلِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَغْيِيرِ الْكِتَابِ مَمْنُوعٌ.
قَوْلُهُ: (وَنَقْطُهُ وَشَكْلُهُ) أَيْ صِيَانَةً لَهُ مِنْ اللَّحْنِ وَالتَّحْرِيفِ، وَيَجُوزُ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ بِخِلَافِ قِرَاءَتِهِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ فَيُمْتَنَعُ، وَهَلْ يَجُوزُ كِتَابَتُهُ بِالرِّجْلِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى كِتَابَتِهِ بِالْيَدِ أَمْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْأَقْرَبُ الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِذَلِكَ إلَّا مُجَرَّدُ الْفِرَاسَةِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْجَوَازُ عَلَى مَا إذَا اُضْطُرَّ لِنَحْوِ نَفَقَةٍ، وَانْحَصَرَتْ فِي اكْتِسَابِهِ بِكِتَابَةِ الْقُرْآنِ بِمَا ذُكِرَ، وَفَائِدَةُ كِتَابَتِهِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ حُرْمَةِ الْقِرَاءَةِ بِهَا أَنَّهُ قَدْ يُحْسِنُهَا مَنْ يَقْرَؤُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَيْ: وَيَحْرُمُ مَسُّهُ وَحَمْلُهُ، وَالْحَالَةُ مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ مُسَمَّيَاتُهَا وَدَوَالُّهَا إنَّمَا هُوَ الْقُرْآنُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ لِمَنْ كَتَبَهُ بِالْهِنْدِيِّ: انْطِقْ بِمَا كَتَبَهُ نَطَقَ بِلَفْظِ الْقُرْآنِ، نَقَلَهُ اط ف عَنْ ع ش. وَفِيهِ عَلَى م ر نَقْلًا عَنْ سم عَلَى حَجّ فَرْعٌ، وَأَفْتَى شَيْخُنَا م ر بِجَوَازِ كِتَابَةِ الْقُرْآنِ بِالْقَلَمِ الْهِنْدِيِّ وَقِيَاسُهُ جَوَازُهُ بِنَحْوِ التُّرْكِيِّ أَيْضًا.
فَرْعٌ آخَرُ: الْوَجْهُ، جَوَازُ تَقْطِيعِ حُرُوفِ الْقُرْآنِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي التَّعْلِيمِ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ اهـ. قَوْلُهُ: (مِنْ مَسِّهِ) وَكَذَا حَمْلُهُ بِالْأَوْلَى، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ وُجُودُ الِامْتِهَانِ فِيهِمَا وَالِاسْتِيلَاءِ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ.
قَوْلُهُ: (وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ بِفَمٍ مُتَنَجِّسٍ) وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ حَالَ خُرُوجِ الرِّيحِ لَا مَعَ نَحْوِ مَسٍّ أَوْ لَمْسٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقْذَرٍ عَادَةً.
اهـ. سم.
وَقِيلَ تَحْرُمُ الْقِرَاءَةُ بِفَمٍ مُتَنَجِّسٍ.
قَوْلُهُ: (بِحَمَّامٍ) أَيْ فِي حَمَّامٍ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا كُرِهَتْ) هَذَا شَامِلٌ لِمَا يَفْعَلُهُ السَّائِلُ فِي الطَّرِيقِ، وَعَلَى الْأَعْتَابِ فَفِيهَا التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ أَيْ: فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْهَا كُرِهَتْ، وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ؛ إذْ لَيْسَ الْقَصْدُ إهَانَةَ الْقُرْآنِ، وَإِلَّا حُرِّمَ بَلْ رُبَّمَا كَانَ كُفْرًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ مَنْعُ الصَّغِيرِ إلَخْ) وَلَا يُمْنَعُ الصَّبِيُّ الْجُنُبُ مِنْ الْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَفَارَقَ مَنْعُ مَسِّ الْمُصْحَفِ لِغَيْرِ حَاجَةِ تَعَلُّمِهِ بِأَنَّ بَابَ الْمُكْثِ وَالْقِرَاءَةِ أَوْسَعُ كَمَا مَرَّ فِي الْكَافِرِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (لِحَاجَةِ تَعَلُّمِهِ) الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ أَيْ لِحَاجَةٍ هِيَ تَعَلُّمُهُ أَوْ مَا هُوَ وَسِيلَةٌ لِذَلِكَ كَحَمْلِهِ لِلْمَكْتَبِ وَالْإِتْيَانِ بِهِ لِلْمُعَلِّمِ لِيُفْهِمَهُ مِنْهُ.
قَالَ شَيْخُنَا كَابْنِ حَجَرٍ: وَلَوْ كَانَ حَافِظًا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ ح ل. قَوْلُهُ: (بَلْ يُنْدَبُ) أَيْ الْمَنْعُ قَوْلُهُ: (الْمُتَعَلِّقِ بِالدِّرَاسَةِ) وَلَوْ لِلْمَكْتَبِ.
قَوْلُهُ (أَوْ لِغَرَضٍ آخَرَ) وَلَوْ لِلتَّبَرُّكِ فِيمَا يَظْهَرُ خِلَافًا لِابْنِ الْعِمَادِ سم.
قَوْلُهُ (فَيَحْرُمُ تَمْكِينُهُ إلَخْ) مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَتَأَتَّ تَعَلُّمُهُ مِنْهُ فَإِنْ تَأَتَّى تَعَلُّمُهُ مِنْهُ لَمْ يَبْعُدْ تَمْكِينُهُ إذَا رَاقَبَهُ الْوَلِيُّ أَوْ نَائِبُهُ بِحَيْثُ يَمْنَعُهُ مِنْ امْتِهَانِهِ سم اج.
وَقَوْلُهُ: لَمْ يَبْعُدُ تَمْكِينُهُ أَيْ: وَإِنْ لَزِمَ عَلَيْهِ مُكْثُهُ فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ: يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ تَمْكِينُ الصَّبِيِّ مِنْ الْمُكْثِ وَالْقِرَاءَةِ، وَلَوْ مَعَ الْجَنَابَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ اهـ قَوْلُهُ: (بِأَنْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ) أَيْ بِالذِّكْرِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ أَيْ فِي الْمَحَلِّ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ أَفْضَلُ) أَيْ فَالذِّكْرُ أَفْضَلُ أَيْ الِاشْتِغَالُ بِالذِّكْرِ الْمَخْصُوصِ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَالْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ الِاشْتِغَالَيْنِ لَا بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ أَفْضَلُ مِنْهُ مَثَلًا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طُلِبَتْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَالِاشْتِغَالُ بِهَا أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِقِرَاءَةٍ لَمْ تُطْلَبْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (بِهَا) أَيْ بِالْقِرَاءَةِ.

وَيَكْفِيهِ تَعَوُّذٌ وَاحِدٌ مَا لَمْ يَقْطَعْ قِرَاءَتَهُ بِكَلَامٍ أَوْ فَصْلٍ طَوِيلٍ كَالْفَصْلِ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ، وَأَنْ يَجْلِسَ وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ وَأَنْ يَقْرَأَ بِتَدَبُّرٍ وَخُشُوعٍ، وَأَنْ يُرَتِّلَ وَأَنْ يَبْكِيَ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ، وَالْقِرَاءَةُ نَظَرًا فِي الْمُصْحَفِ أَفْضَلُ مِنْهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ إلَّا إنْ زَادَ خُشُوعُهُ وَحُضُورُ قَلْبِهِ فِي الْقِرَاءَةِ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، فَهِيَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ وَتَحْرُمُ بِالشَّاذِّ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا وَهُوَ مَا نُقِلَ آحَادًا قُرْآنًا كَأَيْمَانِهِمَا فِي قَوْله تَعَالَى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا وَهُوَ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ النَّوَوِيُّ مَا وَرَاءَ السَّبْعَةِ أَبُو عَمْرٍو وَنَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ، وَعِنْدَ آخَرِينَ مِنْهُمْ الْبَغَوِيّ مَا وَرَاءَ الْعَشَرَةِ السَّبْعَةُ السَّابِقَةُ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ وَخَلَفٌ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ.
وَإِذَا قَرَأَ بِقِرَاءَةٍ مِنْ السَّبْعِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُتِمَّ الْقِرَاءَةَ بِهَا، فَلَوْ قَرَأَ بَعْضَ الْآيَاتِ بِهَا وَبَعْضَهَا بِغَيْرِهَا مِنْ السَّبْعِ جَازَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مَا قَرَأَهُ بِالثَّانِيَةِ مُرْتَبِطًا بِالْأُولَى، وَتَحْرُمُ

[حاشية البجيرمي]

وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَذْكَارَ الْمَطْلُوبَةَ فِي مَحَلٍّ مَخْصُوصٍ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا فِيهِ أَيْضًا بِالْأَوْلَى مِمَّا ذُكِرَ، وَلَوْ تَعَارَضَ خَاصَّانِ كَالتَّكْبِيرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ عِيدٍ هِيَ لَيْلَةُ جُمُعَةٍ رُوعِيَ الْأَقَلُّ وُقُوعًا فَيُقَدَّمُ التَّكْبِيرُ فِي هَذِهِ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (أَنْ يَتَعَوَّذَ) قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: وَظَاهِرُ أَنَّهُ سُنَّةُ عَيْنٍ، فَلَا يَكْفِي تَعَوُّذٌ وَاحِدٌ مِنْ جَمَاعَةٍ عَنْ آخَرَ، وَفَارَقَ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الْأَكْلِ بِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ حُصُولُ الْبَرَكَةِ وَمَنْعُ الشَّيْطَانِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِتَسْمِيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُنَا الْقَصْدُ اعْتِصَامُ الْقَارِئِ وَاحْتِجَابُهُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَهُوَ غَيْرُ حَاصِلٍ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (كَالْفَصْلِ بَيْنَ الرَّكَعَاتِ) بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ قَدْرُ رَكْعَةٍ بِأَرْكَانِهَا وَسُنَنِهَا وَإِلَّا فَلَا يُطْلَبُ تَعَوُّذَتَانِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَجْلِسَ) الْمُرَادُ بِالْجُلُوسِ مَا عَدَا الِاضْطِجَاعَ فَيَشْمَلُ الْقِيَامَ، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الْقِيَامِ أَفْضَلُ تَعْظِيمًا لَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ) أَيْ الْقِبْلَةَ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَبْكِيَ) أَيْ يَتَبَاكَى عِنْدَ الْقِرَاءَةِ وَهُوَ مِنْ صِفَةِ الْعَارِفِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109] وَطَرِيقُهُ فِي تَحْصِيلِهِ أَنْ يَتَأَمَّلَ مَا يَقْرَأُ مِنْ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ وَالْمَوَاثِيقِ وَالْعُهُودِ، ثُمَّ يَتَفَكَّرُ فِي تَقْصِيرِهِ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ حُزْنٌ وَبُكَاءٌ فَلْيَبْكِ عَلَى فَقْدِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَصَائِبِ.
قَالَ فِي الْأَذْكَارِ: وَيُنْدَبُ التَّبَاكِي لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْبُكَاءِ.
شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (وَالْقِرَاءَةُ نَظَرًا فِي الْمُصْحَفِ أَفْضَلُ مِنْهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ) أَيْ؛ لِأَنَّهَا تَجْمَعُ الْقِرَاءَةَ وَالنَّظَرَ فِي الْمُصْحَفِ، وَهُوَ عِبَادَةٌ أُخْرَى.
قَالَ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ: وَيُنْدَبُ إصْغَاءٌ إلَيْهِ لِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ «ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأُ عَلَيْك وَعَلَيْك أُنْزِلَ؟ قَالَ إنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي فَقَرَأَتْ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى جِئْت إلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41] قَالَ: حَسْبُك الْآنَ فَالْتَفَتُّ إلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ» اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
وَقَالَ الشَّعْرَانِيُّ: أَخَذَ عَلَيْنَا الْعُهُودَ إذَا كُنَّا فِي تِلَاوَةِ قُرْآنٍ أَوْ قِرَاءَةِ حَدِيثٍ، أَوْ كُنَّا نُكَلِّمُ أَحَدًا مِنْ الْأَوْلِيَاءِ، أَوْ مِنْ الْعُلَمَاءِ، فَلَا نَقْطَعُ ذَلِكَ الْكَلَامَ لِكَلَامِ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ إلَّا بَعْدَ أَنْ نَأْخُذَ إجَازَةً بِقَوْلِنَا: " دُسْتُورٌ يَا اللَّهُ أَوْ دُسْتُورٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَدُسْتُورٌ يَا سَيِّدِي فُلَانٌ فِي كَلَامِ فُلَانٍ، فَمَنْ وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ أَثْمَرَ لَهُ الْحُضُورَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَكَمَالَ الْمُرَاقَبَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا كُنَّا فِي صَلَاةٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ ذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ ثُمَّ حَصَلَ لَنَا نُعَاسٌ أَنْ نَسْكُتَ مِمَّا كُنَّا فِيهِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْأَدَبِ أَنْ لَا نُنَاجِيَ الْحَقَّ عَزَّ وَجَلَّ إلَّا إذَا اجْتَمَعَتْ حَوَاسُّنَا وَلَمْ تَتَخَلَّفْ عَنْ التَّوَجُّهِ مِنَّا شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.
قَوْلُهُ: (وَتَحْرُمُ بِالشَّاذِّ) وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ إنْ تَعَمَّدَ وَغَيَّرَ الْمَعْنَى ق ل. قَوْلُهُ: (مَا وَرَاءَ السَّبْعَةِ) اعْتَمَدَهُ الشَّيْخُ م ر. قَوْلُهُ: (أَبُو عَمْرٍو) بِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَبِالْجَرِّ بَدَلًا عَنْ السَّبْعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَنَافِعٌ) الْأَوْلَى تَقْدِيمُ نَافِعٍ؛ لِأَنَّ قِرَاءَتَهُ قِرَاءَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ كَمَا قَالَهُ ح ف. قَوْلُهُ: (وَابْنُ كَثِيرٍ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (وَابْنُ عَامِرٍ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْكِسَائِيُّ) اسْمُهُ عَلِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ السَّبْعِ) الْأَوْلَى لِرَاوٍ مِنْ السَّبْعِ ق ل؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقُرَّاءِ رِوَايَاتٍ.
قَوْلُهُ: (مُرْتَبِطًا بِالْأُولَى) بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَعَلُّقٌ وَارْتِبَاطٌ وَذَلِكَ كَنَصْبِ آدَمَ وَكَلِمَاتٍ فِي ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37] أَوْ رَفْعِهِمَا

الْقِرَاءَةُ بِعَكْسِ الْآيِ لَا بِعَكْسِ السُّوَرِ، وَلَكِنْ تُكْرَهُ إلَّا فِي تَعْلِيمٍ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِلتَّعْلِيمِ، وَيَحْرُمُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِلَا عِلْمٍ وَنِسْيَانُهُ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ كَبِيرَةٌ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقُولَ: أُنْسِيت كَذَا لَا نَسِيته؛ إذْ لَيْسَ هُوَ فَاعِلُ النِّسْيَانِ، وَيُنْدَبُ خَتْمُهُ أَوَّلَ نَهَارٍ أَوْ لَيْلٍ وَالدُّعَاءُ بَعْدَهُ وَحُضُورُهُ وَالشُّرُوعُ بَعْدَهُ فِي خَتْمَةٍ أُخْرَى، وَكَثْرَةُ تِلَاوَتِهِ، وَقَدْ أَفْرَدَ الْكَلَامَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرْآنِ

[حاشية البجيرمي]

قَالَهُ م د وَقَوْلُهُ كَنَصْبِ آدَمَ وَكَلِمَاتٍ مِثَالٌ لِلْمَنْفِيِّ وَنَصْبُ آدَمَ مِنْ الْقِرَاءَةِ الَّتِي فِيهَا نَصْبُ آدَمَ وَرَفْعُ كَلِمَاتٍ وَنَصْبُ كَلِمَاتٍ مِنْ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ فَنَصَبُهُمَا مُلَفَّقٌ مِنْ الْقِرَاءَتَيْنِ وَكَذَلِكَ رَفْعُهُمَا، فَرَفْعُ آدَمَ مِنْ الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَرَفْعُ كَلِمَاتٍ مِنْ الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ.
وَقَرَّرَ شَيْخُنَا مَا نَصُّهُ قَوْلُهُ مُرْتَبِطًا بِالْأُولَى، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ جَوَازًا مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ أَيْ فَيُكْرَهُ.
قَوْلُهُ: (بِعَكْسِ الْآيِ) وَمِثْلُهُ عَكْسُ الْكَلِمَاتِ أَوْ عَكْسُ الْحُرُوفِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ إعْجَازَهُ وَيُزِيلُ حِكْمَةَ التَّرْتِيبِ.
اهـ. شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِلتَّعْلِيمِ) وَلِأَنَّ التَّعْلِيمَ يَقَعُ مُتَفَرِّقًا.
قَوْلُهُ: (بِلَا عِلْمٍ) بِأَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَى أَلْفَاظِهِ أَوْ مَعْنَى كَلِمَاتِهِ أَوْ مَعْنَى تَرَاكِيبِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ ق ل. قَوْلُهُ: (وَنِسْيَانُهُ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ كَبِيرَةٌ) أَيْ إنْ كَانَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَإِنْ حَفِظَهُ قَبْلَهُ ق ل. وَضَابِطُهُ أَنْ يَنْقُصَ عَمَّا كَانَ يَقْرَؤُهُ، وَلَوْ نَظَرًا فِي الْمُصْحَفِ، وَلَوْ كَانَ بِعُذْرٍ كَمَرَضٍ بِهِ، وَاشْتِغَالٍ بِصَنْعَةٍ رَحْمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالدُّعَاءُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ خَتْمِهِ وَيَتَأَكَّدُ الصَّوْمُ يَوْمَ خَتْمِهِ كَمَا قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ وَيَجُوزُ وَضْعُ الْمُصْحَفِ فِي رَفِّ خِزَانَةٍ وَوَضْعُ نَحْوِ تَرْجِيلٍ فِي رَفٍّ أَعْلَى مِنْهُ وَيَحْرُمُ وَضْعُ الْمُصْحَفِ عَلَى الْأَرْضِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ رَفْعِهِ عُرْفًا وَلَوْ قَلِيلًا اهـ. كَذَا بِخَطِّ الْمَيْدَانِيِّ م د. قَوْلُهُ: (وَحُضُورُهُ) أَيْ الْخَتْمِ أَيْ حُضُورُ مَجْلِسِهِ.
1 - خَاتِمَةٌ: تَعَلُّمُ الْقُرْآنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِأَنْ تَحْفَظَهُ عَلَى ظَهْرِ قَلْبٍ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ، تَعَلُّمُ وَاحِدٍ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ جَمْعٍ بِحَيْثُ يَظْهَرُ حُفَّاظُهُ، أَوْ لَا بُدَّ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنْ ذَلِكَ مَحَلُّ نَظَرٍ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْقَاضِي وَالْمُفْتِي قَالَ الرَّحْمَانِيُّ: وَلَا يَكْفِي فِي الْإِقْلِيمِ مُفْتٍ بَلْ يَجِبُ أَنْ لَا يَزِيدَ مَا بَيْنَ كُلِّ مُفْتِيَيْنِ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ، وَفِي كُلِّ مَسَافَةِ عَدْوَى قَاضٍ وَحَافِظُ الْقُرْآنِ، وَأَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِحِفْظِهِ أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ مِنْ سَائِرِ الْعُلُومِ دُونَ فَرْضِ الْعَيْنِ مِنْهَا، وَأُجْرَةُ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ لِلصَّبِيِّ فِي مَالِهِ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَ فِي تَعْلِيمِهِ الْقُرْآنَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ مَصْلَحَةٌ، فَلَوْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي تَعْلِيمِهِ صَنْعَةً يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهَا مَعَ احْتِيَاجِهِ لِذَلِكَ، وَعَدَمِ تَيَسُّرِ النَّفَقَةِ لَهُ إذَا اشْتَغَلَ بِالْقُرْآنِ فَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ شُغْلُهُ بِهِ وَلَا بِتَعْلِيمِ الْعِلْمِ، بَلْ يُشْغِلُهُ بِمَا يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْهُ مَصْلَحَةٌ وَإِنْ كَانَ ذَكِيًّا وَظَهَرَتْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ النَّجَابَةِ، نَعَمْ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ لِصِحَّةِ عِبَادَتِهِ يَجِبُ تَعْلِيمُهُ لَهُ وَلَوْ بَلِيدًا، وَأُجْرَةُ التَّعْلِيمِ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا فَفِي مَالِ وَلِيِّهِ كَمَا مَرَّ، وَلَوْ كَانَ الْأَبُ فَقِيهًا كَمَا أَفَادَهُ ع ش عَلَى م ر. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْبَيْتَ الَّذِي يُقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ خَيْمَةٌ مِنْ نُورٍ يَهْتَدِي بِهَا أَهْلُ السَّمَاءِ كَمَا يُهْتَدَى بِالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ وَفِي الْأَرْضِ الْقَفْرَاءِ، فَإِذَا مَاتَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ رُفِعَتْ تِلْكَ الْخَيْمَةُ فَتَنْظُرُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ السَّمَاءِ فَلَا يَرَوْنَ ذَلِكَ النُّورَ فَتَتَلَقَّاهُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ سَمَاءٍ إلَى سَمَاءٍ، فَتُصَلِّي عَلَى رُوحِهِ ثُمَّ تَسْتَغْفِرُ لَهُ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَعْلَمُ كِتَابَ اللَّهِ، ثُمَّ صَلَّى سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إلَّا أَوْصَتْ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةُ الْمَاضِيَةُ اللَّيْلَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ أَنْ نَبِّهِيهِ لِسَاعَتِهِ، وَأَنْ تَكُونِي عَلَيْهِ خَفِيفَةً، فَإِذَا مَاتَ جَاءَ الْقُرْآنُ فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ جَمِيلَةٍ فَوَقَفَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَتَدَرَّجَ فِي أَكْفَانِهِ فَيَكُونُ الْقُرْآنُ عَلَى صَدْرِهِ دُونَ الْكَفَنِ، فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَسُوِّيَ عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَتْ عَنْهُ أَصْحَابُهُ أَتَاهُ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ فَيُجْلِسَانِهِ فِي قَبْرِهِ، فَيَجِيءُ الْقُرْآنُ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا فَيَقُولَانِ لَهُ: إلَيْك عَنْهُ أَيْ تَنَحَّ عَنْهُ حَتَّى نَسْأَلَهُ، فَيَقُولُ: لَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ إنَّهُ لَصَاحِبِي وَخَلِيلِي، فَإِنْ كُنْتُمَا أُمِرْتُمَا بِشَيْءٍ فَامْضِيَا لِمَا أُمِرْتُمَا وَدَعَانِي مَكَانِي، فَإِنِّي لَسْت أُفَارِقُهُ حَتَّى أُدْخِلَهُ

بِالتَّصَانِيفِ، وَفِيمَا ذَكَرْته تَذْكِرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ.

[حاشية البجيرمي]

الْجَنَّةَ» . وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ.
وَوَرَدَ: «أَنَّ دَرَجَ الْجَنَّةِ بِعَدَدِ آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ يُقَالُ لِصَاحِبِهِ اقْرَأْ وَارْقَ فَآخِرُ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ يَقْرَؤُهَا» . وَلَمْ يَرِدْ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا خُصُوصِيَّةٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُقْرَأُ فِي الْجَنَّةِ إلَّا كِتَابُهُ أَيْ النَّبِيِّ، وَلَا يُتَكَلَّمُ فِي الْجَنَّةِ إلَّا بِلِسَانِهِ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْخَصَائِصِ

فصول الكتاب · 38 فصل · 529 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب · 529 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
فَصْلٌ: فِي السِّوَاكِ
فَصْلٌ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ
فَصْلٌ: فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ
دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ بِلَا سَبَبٍ
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ
فَصْلٌ: فِي الِاعْتِكَافِ
فَصْلٌ فِي السَّلَمِ
فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِفَصْلٌ: فِي الشَّرِكَةِفَصْلٌ: فِي الْإِقْرَارِفَصْلٌ: فِي الْغَصْبِفَصْلٌ: فِي الشُّفْعَةِفَصْلٌ: فِي الْقِرَاضِفَصْلٌ: فِي الْمُسَاقَاةِفَصْلٌ: فِي الْإِجَارَةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَقْفِ
فَصْلٌ: فِي اللَّقِيطِ
فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ
فَصْلٌ: فِي الظِّهَارِفَصْلٌ: فِي اللِّعَانِفَصْلٌ: فِي الِاسْتِبْرَاءِ
فَصْلٌ: فِي الرَّضَاعِ
فَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِفَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْفَيْءِفَصْلٌ: فِي الْجِزْيَةِفَصْلٌ: فِي الْأَطْعِمَةِ
فَصْلٌ: فِي الْأُضْحِيَّةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَلَاءِفَصْلٌ فِي التَّدْبِيرِخَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل