دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البجيرمي
- الكتاب
- تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
- المؤلف
- سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه
النَّوْمِ بِالتَّكَلُّفِ وَاصْطِلَاحًا صَلَاةُ التَّطَوُّعِ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ النَّوْمِ، وَيُسَنُّ لِلْمُتَهَجِّدِ الْقَيْلُولَةُ، وَهِيَ النَّوْمُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ السَّحُورِ لِلصَّائِمِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اسْتَعِينُوا بِالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
فَائِدَةٌ: ذَكَرَ أَبُو الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيُّ أَنَّ الْمُتَهَجِّدَ يَشْفَعُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، وَرُوِيَ أَنْ الْجُنَيْدَ رُئِيَ فِي النَّوْمِ فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِك؟ فَقَالَ: طَاحَتْ تِلْكَ الْإِشَارَاتُ، وَغَابَتْ تِلْكَ الْعِبَارَاتُ، وَفَنِيَتْ تِلْكَ الْعُلُومُ وَنَفِدَتْ تِلْكَ الرُّسُومُ، وَمَا
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَالنَّوَافِلُ الْمُؤَكَّدَةُ) فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَثَلَاثُ نَوَافِلِ مُؤَكَّدَاتٍ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الرَّوَاتِبِ) أَيْ غَيْرِ الرَّوَاتِبِ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةُ اللَّيْلِ) الْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى فِي أَيْ صَلَاةٌ فِي اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (لَكَانَ أَوْلَى) وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ صَلَاةً اللَّيْلِ شَامِلَةٌ لِلتَّهَجُّدِ وَغَيْرِهِ مَعَ أَنْ الْمُؤَكَّدَ إنَّمَا هُوَ التَّهَجُّدُ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَلِقَوْلِهِ إلَخْ) لَا يَظْهَرُ دَلِيلًا عَلَى التَّأَكُّدِ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مُطْلَقِ الطَّلَبِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: 79] قَالَ بَعْضُهُمْ: الْبَاءُ لِلظَّرْفِيَّةِ أَيْ فَتَهَجَّدْ فِيهِ، وَفِي التَّفْسِيرِ فَتَهَجَّدْ أَيْ صَلِّ بِهِ أَيْ بِالْقُرْآنِ أَيْ اقْرَأْهُ فِي صَلَاتِك فَرِيضَةً نَافِلَةً لَك أَيْ: زَائِدَةً عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَا فِي الْجَلَالِ، فَنَافِلَةً صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ وَاقِعٌ مَفْعُولًا لَتَهَجَّدَ، وَهُوَ فَرِيضَةٌ؛ لِأَنَّ التَّهَجُّدَ كَانَ وَاجِبًا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْخَصَائِصِ: وَاخْتُصَّ بِوُجُوبِ التَّهَجُّدِ أَيْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَإِنْ قُلْت؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَهُ بِقِيَامِ أَكْثَرِ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: 2] وَلِخَبَرِ الطَّبَرَانِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ: «ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ وَلَكُمْ سُنَّةٌ الْوِتْرُ وَالسِّوَاكُ وَقِيَامُ اللَّيْلِ» هَذَا مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ، ثُمَّ قَالَ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَصَّ عَلَى أَنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ كَانَ وَاجِبًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ، ثُمَّ نُسِخَ عَنْهُ بِمَا فِي آخِرِ سُورَةِ الْمُزَّمِّلِ وَعَنْ أُمَّتِهِ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَوْ الصَّحِيحُ، وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ النَّوَوِيِّ.
وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْرِي فِي قِيَامِ اللَّيْلِ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ هَذَا، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79] أَيْ عِبَادَةً زَائِدَةً عَلَى فَرَائِضِك؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ وَفِي مَعْنَاهُ زِيَادَةٌ خَالِصَةٌ لَك؛ لِأَنَّ تَطَوُّعَ غَيْرِهِ يُكَفِّرُ ذَنْبَهُ وَتَطَوُّعَهُ خَالِصٌ لَهُ لِكَوْنِهِ لَا ذَنْبَ لَهُ، فَجَمِيعُ تَطَوُّعِهِ لِمَحْضِ زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ وَالْقُرْبِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ» فَتَعْلِيمٌ لِأُمَّتِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: ﴿كَانُوا قَلِيلا﴾ [الذاريات: 17] أَيْ فِي زَمَنٍ قَلِيلٍ وَمَا زَائِدَةٌ، وَيَهْجَعُونَ: يَنَامُونَ وَهُوَ خَبَرُ كَانَ أَيْ كَانُوا يَنَامُونَ فِي زَمَنٍ قَلِيلٍ مِنْ اللَّيْلِ أَيْ وَيُصَلُّونَ أَكْثَرَهُ كَمَا فِي الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ لُغَةً رَفْعُ النَّوْمِ) أَيْ إزَالَتُهُ.
وَقَوْلُهُ: بِالتَّكَلُّفِ أَيْ بِالْمَشَقَّةِ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةُ التَّطَوُّعِ) هَذَا بَيَانُ أَصْلِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ يَحْصُلُ بِفَرْضٍ وَلَوْ قَضَاءً أَوْ نَذْرًا وَنَفْلٍ مُؤَقَّتٍ كَذَلِكَ وَلَوْ سُنَّةَ الْعِشَاءِ أَوْ الْوِتْرِ، حَيْثُ كَانَ بَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ وَبَعْدَ نَوْمٍ، وَلَوْ كَانَ النَّوْمُ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ فَالتَّطَوُّعُ لَيْسَ بِقَيْدٍ ق ل. وَيَتَلَخَّصُ أَنَّ بَيْنَ الْوِتْرِ وَالتَّهَجُّدِ عُمُومًا وَخُصُوصًا وَجْهَيْنِ: يَجْتَمِعَانِ فِيمَا لَوْ فَعَلَ الْوِتْرَ بَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ وَالنَّوْمِ، وَيَنْفَرِدُ الْوِتْرُ فِيمَا لَوْ فَعَلَهُ قَبْلَ النَّوْمِ وَيَنْفَرِدُ التَّهَجُّدُ فِيمَا لَوْ صَلَّى نَفْلًا غَيْرَ الْوِتْرِ بَعْدَ نَوْمٍ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (بِمَنْزِلَةِ السَّحُورِ) أَيْ فَكَمَا أَنَّ السَّحُورَ يُقَوِّي عَلَى الصَّوْمِ كَذَلِكَ نَوْمُ الْقَيْلُولَةِ يُعِينُ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ (اسْتَعِينُوا بِالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ) تَتِمَّتُهُ: «وَبِالسَّحُورِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ وَبِالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ عَلَى بَرْدِ الشِّتَاءِ» اهـ. وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا عَبْدِي جَعَلْتُ النَّهَارَ لِمَعَاشِك وَجَعَلْتُ اللَّيْلَ لِلسَّمَرِ مَعِي فَاشْتَغَلْتَ عَنِّي بِالنَّهَارِ وَنِمْتَ عَنِّي بِاللَّيْلِ فَمَاذَا حَصَّلْتَ» اهـ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ الْجُنَيْدَ) هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجُنَيْدُ شَيْخُ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ وَالطَّرِيقَةِ، وَكَانَ شَيْخُهُ وَأُسْتَاذُهُ فِيهَا خَالَهُ السَّرِيَّ السَّقَطِيَّ.
تُوُفِّيَ الْجُنَيْدُ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَتُوُفِّيَ خَالُهُ السَّرِيُّ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَالسَّرِيُّ لُغَةُ الْخِيَارِ وَكَانَ السَّرِيُّ تِلْمِيذًا لِمَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ نَفَّعْنَا اللَّهُ بِهِمْ أَجْمَعِينَ.
قَوْلُهُ: (طَاحَتْ إلَخْ) طَاحَتْ وَغَابَتْ وَفَنِيَتْ وَنَفِدَتْ الْمُرَادُ
نَفَعَنَا إلَّا رَكَعَاتٍ كُنَّا نَرْكَعُهَا عِنْدَ السَّحَرِ.
وَيُكْرَهُ تَرْكُ التَّهَجُّدِ لِمُعْتَادِهِ بِلَا عُذْرٍ، وَيُكْرَهُ قِيَامٌ بِلَيْلٍ يَضُرُّ.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرَو بْنِ الْعَاصِ: «أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّك تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ فَقُلْت: بَلَى.
قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ صُمْ وَأُفْطِرْ وَقُمْ وَنَمْ فَإِنَّ لِجَسَدِك عَلَيْك حَقًّا» إلَى آخِرِهِ.
أَمَّا قِيَامٌ لَا يَضُرُّ وَلَوْ فِي لَيَالٍ كَامِلَةٍ فَلَا يُكْرَهُ، فَقَدْ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ أَحْيَا اللَّيْلَ كُلَّهُ» ، وَيُكْرَهُ تَخْصِيصُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ بِصَلَاةٍ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ: «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِيِ» أَمَّا إحْيَاؤُهَا بِغَيْرِ صَلَاةٍ فَلَا يُكْرَهُ خُصُوصًا بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَإِنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ فِيهَا.
(وَ) الثَّانِيَةُ: (صَلَاةُ الضُّحَى) وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ وَأَكْثَرُهَا ثَمَانٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَصَحَّحَهُ فِي التَّحْقِيقِ
[حاشية البجيرمي]
بِهَا ذَهَبَتْ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ النَّفْعِ بِهَا.
قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: نَفِدَ يَنْفَدُ مِنْ بَابِ تَعِبَ يَتْعَبُ نَفَادًا فَنِيَ، وَانْقَطَعَ.
وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْإِشَارَاتِ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْعِبَارَةُ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ مِنْ الْمَعَانِي الْخَفِيَّةِ الَّتِي كَانَ يُشِيرُ بِهَا فِي الْجَوَابِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ قَائِلٌ: يَا سَيِّدِي مَا شِفَاءُ النَّفْسِ؟ فَيَقُولُ: هُوَ أَنْ يَصِيرَ دَاؤُهَا دَوَاءَهَا وَيُشِيرُ بِقَوْلِهِ دَوَاءَهَا إلَى الصَّبْرِ.
قَوْلُهُ: (الْعِبَارَاتُ) الْمُرَادُ بِهَا الْأَلْفَاظُ الَّتِي كَانَ يَعِظُ بِهَا النَّاسَ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (الْعُلُومُ) أَيْ عُلُومُ التَّصَوُّفِ الدَّالَّةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَيْ: الَّتِي كَانَ يُفِيدُهَا لِأَتْبَاعِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ نَظْمًا بَعْدً كَلَامٍ:
بَلْ التَّصَوُّفُ أَنْ تَصْفُوَ بِلَا كَدَرٍ ... وَتَتَّبِعَ الْحَقَّ وَالْقُرْآنَ وَالدِّينَا
وَأَنْ تُرَى خَاشِعًا لِلَّهِ مُكْتَئِبًا ... عَلَى ذُنُوبِك طُولَ الدَّهْرِ مَحْزُونَا
قَوْلُهُ: (وَنَفِدَتْ) أَيْ ذَهَبَتْ قَوْلُهُ: (تِلْكَ الرُّسُومُ) الْمُرَادُ بِهَا الْكُتُبُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى تِلْكَ الْعُلُومِ قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ قِيَامٌ بِلَيْلٍ يَضُرُّ) أَيْ سَهَرٌ شَوْبَرِيٌّ وَلَوْ بِعِبَادَةٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْ بَعْضِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ وَبِهِ صَرَّحَ م ر وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ يَضُرُّ أَيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْفِعْلِ كَمَا قَالَهُ ح ف أَيْ إنْ كَانَ كُلُّ اللَّيْلِ، وَبِالْفِعْلِ إنْ كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ فَفَرَّقَ بَيْنَ قِيَامِ الْكُلِّ فَيُكْرَهُ مُطْلَقًا أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ؛ لِأَنَّ شَأْنَهُ الضَّرَرُ فَرُبَّمَا يَفُوتُ بِهِ مَصَالِحُ النَّهَارِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْرَاكٍ، وَبِهَذَا فَارَقَ عَدَمَ كَرَاهَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ إنْ كَانَ لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَدْرِكُ بِاللَّيْلِ مَا فَاتَهُ بِالنَّهَارِ وَقِيَامُ الْبَعْضِ، فَيُكْرَهُ إنْ ضَرَّ بِالْفِعْلِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ ح ل وَغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (أَلَمْ أُخْبَرْ) اسْتِفْهَامٌ تَقْرِيرِيٌّ بِمَا بَعْدَ النَّفْيِ، وَقَوْلُهُ: وَأَفْطِرْ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ.
قَوْلُهُ: (إلَى آخِرِهِ) تَتِمَّتُهُ: «وَلِزَوْجِك عَلَيْك حَقًّا وَلِزُوَّارِك عَلَيْك حَقًّا» . وَالْمُرَادُ بِالزُّوَّارِ الزَّائِرُ؛ لِأَنَّ حَقَّ الضَّيْفِ مَطْلُوبٌ.
قَوْلُهُ: (فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إلَخْ) فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ: (أَحْيَا اللَّيْلَ) أَيْ بِصَلَاةٍ، وَالْمُرَادُ أَحْيَاهُ كُلَّهُ كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ تَخْصِيصُ إلَخْ) أَفْهَمَ لَفْظُ تَخْصِيصِ عَدَمَ كَرَاهَةِ إحْيَائِهَا مَضْمُومَةً لِمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا نَظِيرُ مَا ذَكَرُوهُ فِي صَوْمِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِيهِ وَقْفَةٌ ق ل. وَالنَّهْيُ عَنْهَا تَعَبُّدِيٌّ، وَقِيلَ لَهُ حِكْمَةٌ هِيَ أَنَّ فِي نَهَارَهَا وَظَائِفُ كَالتَّبْكِيرِ وَالْغُسْلِ وَقِرَاءَةِ الْكَهْفِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ فَبِالسَّهَرِ رُبَّمَا يَضْعُفُ عَنْهَا، لَكِنَّ هَذِهِ لَا تُنَاسِبُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا ضَمَّ فِيهَا لَيْلَةَ السَّبْتِ انْتَفَتْ الْكَرَاهَةُ.
قَوْلُهُ: (بِقِيَامٍ بِصَلَاةٍ) أَيْ لَا بِذِكْرٍ وَمِنْهُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ لَهَا لِمَا وَرَدَ: أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْمَعُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ بِأُذُنِهِ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ وَيَوْمِهَا وَيُبَلِّغُهُ الْمَلَكُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ سَمَاعَ الْعِبَادِ ق ل وَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ الْجَوْزِيُّ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ بِأُذُنِهِ إلَّا إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ قَرِيبًا لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا اهـ طُوخِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِيَةُ صَلَاةُ الضُّحَى) بِضَمِّ الضَّادِ وَالْمَدِّ وَالْقَصْر أَيْ الصَّلَاةُ الْمَفْعُولَةُ فِي وَقْتِ الضُّحَى وَهُوَ أَوَّلُ النَّهَارِ، وَالضُّحَى اسْمٌ لِأَوَّلِ النَّهَارِ، فَأُضِيفَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ لِذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهَا وَقْتُهَا فَوَقْتُ صَلَاةِ الضُّحَى النِّصْفُ الْأَوَّلُ مِنْ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَفِي الْمِنْهَاجِ أَنَّ أَكْثَرَهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً.
وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: أَفْضَلُهَا ثَمَانٍ وَأَكْثَرُهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ، وَيُسَنُّ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَوَقْتُهَا مِنْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ وَالِاخْتِيَارُ فِعْلُهَا عِنْدَ مُضِيِّ رُبْعِ النَّهَارِ.
(وَ) الثَّالِثَةُ (صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ) وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى سُنِّيَّتِهَا وَعَلَى أَنَّهَا الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَوْلُهُ: إيمَانًا أَيْ تَصْدِيقًا بِأَنَّهُ حَقٌّ مُعْتَقِدًا أَفْضَلِيَّتَهُ،
[حاشية البجيرمي]
وَقْتَهَا يَخْرُجُ بِالزَّوَالِ.
قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ إضَافَةَ الصَّلَاةِ إلَى الضُّحَى بِمَعْنًى فِي كَصَلَاةِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ النَّهَارِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُنَاوِيُّ عَلَى الشَّمَائِلِ.
قَالَ م ر: سُمِّيَتْ بِاسْمِ وَقْتِ فِعْلِهَا وَهِيَ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقِيلَ غَيْرُهَا.
وَعَلَى هَذَا تَحْصُلُ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ بِرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، وَمِمَّا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّنَا إذَا قُلْنَا إنَّهَا غَيْرُهَا تَحْصُلُ بِرَكْعَتَيْنِ فَقَطْ وَلَا تَتَقَيَّدُ بِالْعَدَدِ الَّذِي لِصَلَاةِ الضُّحَى، وَأَيْضًا تَفُوتُ بِمُضِيِّ وَقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ وَارْتِفَاعِهَا وَلَا تَمْتَدُّ لِلزَّوَالِ، وَذَكَرَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي مُقَدِّمَةٍ لَهُ بِخُصُوصِ صَلَاةِ الضُّحَى أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَقْرَأَ الْإِنْسَانُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةَ وَالشَّمْسِ بِتَمَامِهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةَ وَالضُّحَى لِلْمُنَاسَبَةِ، وَلِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ لَكِنَّ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ م ر، وَاعْتَمَدَهُ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى الْكَافِرُونَ وَالثَّانِيَةِ الْإِخْلَاصَ وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْهَا قَالَ: لِفَضْلِ ذَلِكَ فَإِنَّ السُّورَةَ الْأُولَى تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ وَالثَّانِيَةَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ اهـ. وَعَلَى هَذَا فَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَوْلَى بِأَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى سُورَةَ وَالشَّمْسِ وَالْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَالضُّحَى وَالْإِخْلَاصَ، ثُمَّ فِي بَاقِي الرَّكَعَاتِ يَقْتَصِرُ عَلَى الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ اهـ.
قَوْلُهُ: (هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ) فَلَوْ زَادَ عَلَى الثَّمَانِيَةِ لَمْ يَنْعَقِدْ الْإِحْرَامُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى زِيَادَةٍ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا وَإِلَّا وَقَعَ نَفْلًا مُطْلَقًا ح ل.
قَوْلُهُ: (أَفْضَلُهَا ثَمَانٍ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الثَّمَانِيَ أَفْضَلُ مِنْ اثْنَتَيْ عَشْرَة لَا يُنَافِي قَاعِدَةَ أَنَّ الْعَمَلَ كُلَّمَا كَثُرَ وَشَقَّ كَانَ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّهَا أَغْلَبِيَّةٌ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الْعَمَلَ الْقَلِيلَ يَفْضُلُ الْكَثِيرَ فِي صُوَرٍ كَالْقَصْرِ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ إنْ بَلَغَ سَفَرُهُ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي قَصْرِهِ، وَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ الْجِنَّ يُؤْذُونَ أَوْلَادَ مُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى لَا أَصْلَ لَهُ بَلْ هِيَ تُحَرِّقُ أَوْلَادَ الشَّيَاطِينِ، وَصَلَاةُ الضُّحَى وَاجِبَةٌ فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ فِي الْخَصَائِصِ وَشَرْحِهَا: اُخْتُصَّ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوُجُوبِ صَلَاةِ الضُّحَى عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِهِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ مُضِيِّ رُبْعِ النَّهَارِ) لِيَصِيرَ فِي كُلِّ رُبْعٍ مِنْهُ صَلَاةً وَلِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: «صَلَاةُ الضُّحَى حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» جَمْعُ فَصِيلٍ وَهُوَ وَلَدُ النَّاقَةِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَسْتَكْمِلْ سَنَةً بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ تَبْرُكُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ فِي خِفَافِهَا، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ الطُّلُوعِ، وَيُسَنُّ أَنْ تُؤَخَّرَ إلَى الِارْتِفَاعِ كَالْعِيدِ وَهَذَا زَعْمٌ ضَعِيفٌ بَلْ بَاطِلٌ.
اهـ. م د. وَقَوْلُهُ: وَهَذَا أَيْ أَنَّ وَقْتَهَا مِنْ الطُّلُوعِ وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا إلَى الِارْتِفَاعِ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ) سُمِّيَتْ بِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الرَّاحَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ ق ل. قَوْلُهُ: (مَنْ قَامَ رَمَضَانَ) أَيْ مَنْ صَلَّى تَرَاوِيحَهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ عُمَرَ) هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا لَمْ تُقَمْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ق ل قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ فِي حَقِّ عُمَرَ: نَوَّرَ اللَّهُ قَبْرَهُ كَمَا نَوَّرَ مَسَاجِدَنَا.
وَوَرَدَ: «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَرَجَ لَيَالِيَ مِنْ رَمَضَانَ فَصَلَّاهَا وَصَلَّوْهَا مَعَهُ ثُمَّ تَأَخَّرَ وَصَلَّى فِي بَيْتِهِ بَاقِي الشَّهْرِ وَقَالَ: خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فَتَعْجَزُوا عَنْهَا» . شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَقَوْلُهُ: لَيَالِيَ أَيْ لَيْلَةَ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ وَالْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ وَالسَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ، وَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ اهـ اج.
وَقَوْلُهُ: خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ لَا يُنَافِيهِ مَا فِي قِصَّةِ فَرْضِ الصَّلَاةِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ مِنْ الصَّلَوَاتِ غَيْرُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ غَيْرُ الْخَمْسِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ الْقِصَّةِ.
وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ فِي السُّنَّةِ غَيْرُ الْخَمْسِ.
وَقَالَ ق ل: خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ جَمَاعَتُهَا كَمَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَعَ تَقَرُّرِ أَنَّهُ لَمْ يُفْرَضْ عَلَيْهِمْ غَيْرُ الْخَمْسِ؛ لِأَنَّهُ فِي زَمَنِ التَّشْرِيعِ وَرُبَّمَا يَحْدُثُ فَرْضٌ آخَرُ أَوْ جَمَاعَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا إيرَادَ وَلَا إشْكَالَ اهـ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَوْضِعًا حَوْلَ الْعَرْشِ يُسَمَّى حَظِيرَةَ
وَاحْتِسَابًا أَيْ إخْلَاصًا، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْغُفْرَانَ مُخْتَصٌّ بِالصَّغَائِرِ، وَتُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ: الرِّجَالَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَالنِّسَاءَ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، وَسُمِّيَتْ كُلُّ أَرْبَعٍ مِنْهَا تَرْوِيحَةً؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَرَوَّحُونَ عَقِبَهَا أَيْ يَسْتَرِيحُونَ، قَالَ الْحَلِيمِيُّ: وَالسِّرُّ فِي كَوْنِهَا عِشْرِينَ؛ لِأَنَّ الرَّوَاتِبَ أَيْ: الْمُؤَكَّدَاتِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ عَشَرُ رَكَعَاتٍ فَضُوعِفَتْ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ جِدٍّ وَتَشْمِيرٍ اهـ. وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ فِعْلُهَا سِتًّا وَثَلَاثِينَ؛ لِأَنَّ الْعِشْرِينَ خَمْسُ تَرْوِيحَاتٍ، فَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَطُوفُونَ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، فَجَعَلَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ بَدَلَ كُلِّ أُسْبُوعٍ تَرْوِيحَةً لِيُسَاوُوهُمْ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ كَمَا قَالَهُ
[حاشية البجيرمي]
الْقُدْسِ وَهُوَ مِنْ النُّورِ وَفِيهِ مَلَائِكَةٌ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعَالَى عِبَادَةً لَا يَفْتَرُونَ سَاعَةً، فَإِذَا كَانَ لَيَالِيَ رَمَضَان اسْتَأْذَنُوا رَبَّهُمْ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَنْزِلُوا إلَى الْأَرْضِ وَيَحْضُرُوا مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ، فَكُلُّ مَنْ مَسَّهُمْ أَوْ مَسُّوهُ سَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا، فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هَذَا قَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِهَذَا الْفَضْلِ وَالْأَجْرِ، فَجَمَعَ النَّاسَ عَلَى صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَقُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ حِينِ شُرِعَتْ إلَّا مَرَّةً وَشُرِعَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ لِمُضِيِّ إحْدَى وَعِشْرِينَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، «فَخَرَجَ النَّبِيُّ وَصَلَّى بِهِمْ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ.
ثُمَّ خَرَجَ لَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَصَلَّى بِهِمْ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ فَصَلَّى بِهِمْ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ إلَى قُرْبِ الْفَجْرِ، ثُمَّ انْتَظَرُوا لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَلَمْ يَخْرُجْ لَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ صَبِيحَتُهَا: خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجَزُوا» ، وَإِنَّمَا لَمْ يَخْرُجْ لَهُمْ مُتَوَالِيًا شَفَقَةً عَلَيْهِمْ.
فَإِنْ قُلْت: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ التَّرَاوِيحَ عِشْرُونَ رَكْعَةً وَالْوَارِدُ مِنْ فِعْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَانِ رَكَعَاتٍ.
قُلْت: أُجِيبُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُتَمَّمُونَ الْعِشْرِينَ فِي بُيُوتِهِمْ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّحَابَةَ إذَا انْطَلَقُوا إلَى مَنَازِلِهِمْ يُسْمَعُ لَهُمْ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الدَّبَابِيرِ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الثَّمَانِ فِي صَلَاتِهِ بِهِمْ وَلَمْ يُصَلِّ بِهِمْ الْعِشْرِينَ تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (الرِّجَالَ) بَدَلٌ مِنْ النَّاسِ قَوْلُهُ: (ابْنِ أَبِي حَثْمَهْ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُثَلَّثَةٍ سَاكِنَةٍ وَمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ وَهَاءٍ سَاكِنَةٍ كَذَا ضَبَطَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فَهُوَ مِثْلُ مَنْدَهْ وَمَاجَهْ وَسِيدَهْ وَبَرْدَزَيْهْ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرُوهُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ يَسْتَرِيحُونَ) أَيْ مِنْ الصَّلَاةِ وَأَهْلُ مَكَّةَ يَطُوفُونَ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الرَّوَاتِبَ إلَخْ) أَيْ وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهَا كَالرَّوَاتِبِ مِنْ حَيْثُ تَوَقُّفُهَا أَيْ التَّرَاوِيحُ، وَقَوْلُهُ: عَلَى فِعْلِ الْعِشَاءِ وَالرَّوَاتِبُ الْبَعْدِيَّةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى فِعْلِ الْفَرْضِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: صَوَابُهُ حَذْفُ اللَّامِ مِنْ لِأَنَّ كَمَا فِي عِبَارَةِ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (فَضُوعِفَتْ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ التَّضْعِيفَ أَنْ يُزَادَ عَلَى الشَّيْءِ مِثْلُهُ فَيَقْتَضِي أَنَّ التَّرَاوِيحَ عَشَرُ رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا زِيدَ عَلَى الْعَشْرِ رَكَعَاتٍ الْمُؤَكَّدَاتِ مِثْلُهَا صَارَتْ عِشْرِينَ عَشَرَةً مِنْهَا هِيَ الْمُؤَكَّدَةُ مِنْ الرَّوَاتِبِ، وَالْعَشَرَةُ الْأُخْرَى هِيَ التَّرَاوِيحُ.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّضْعِيفِ هُنَا أَنْ يُزَادَ عَلَى الشَّيْءِ مِثْلَاهُ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. فَقَوْلُهُ: فَضُوعِفَتْ أَيْ زِيدَ عَلَيْهَا مِثْلَاهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ) أَيْ بِاجْتِهَادٍ مِمَّنْ كَانَ فِيهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ كِبَارِهَا وَعُلَمَائِهَا وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ صَلَّوْهَا سِتًّا وَثَلَاثِينَ فِي آخِرِ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ لَا فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ كَمَا قَالَهُ حَجّ اهـ.
قَوْلُهُ: (فِعْلُهَا سِتًّا وَثَلَاثِينَ) وَمَعَ ذَلِكَ، فَالْأَفْضَلُ الِاقْتِصَارُ عَلَى عِشْرِينَ وَفِي م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَإِذَا فَعَلُوهَا كَذَلِكَ فَهَلْ يُثَابُونَ عَلَيْهَا ثَوَابَ الْعِشْرِينَ كَغَيْرِهِمْ أَوْ يُثَابُونَ عَلَى الْعِشْرِينَ ثَوَابَ التَّرَاوِيحِ، وَعَلَى السِّتَّةَ عَشْرَ ثَوَابَ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُمْ يُثَابُونَ عَلَى الْعِشْرِينَ ثَوَابَ التَّرَاوِيحِ، وَعَلَى السِّتَّةِ عَشَرَ أَكْثَرَ مِنْ ثَوَابِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهَا أَرْقَى مِنْهُ اهـ. قَوْلُهُ (يَطُوفُونَ) وَإِنَّمَا لَمْ تَطُفْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالْقَبْرِ الشَّرِيفِ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ.
قَوْلُهُ: (سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ) الْأُولَى أَنْ يَقُولَ سَبْعًا؛ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الطَّوَافِ شَوْطًا، وَالْمُرَادُ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ بِهَا حِينَ فِعْلِ التَّرَاوِيحِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَطِّنًا وَلَا مُقِيمًا وَمَنْ فَعَلَهَا خَارِجَهَا بِحَيْثُ
الشَّيْخَانِ؛ لِأَنَّ لِأَهْلِهَا شَرَفًا بِهِجْرَتِهِ وَدَفْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلُهَا بِالْقُرْآنِ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَكْرِيرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَوَقْتُهَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَلَوْ تَقْدِيمًا، وَطُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي.
قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَا تَصِحُّ بِنِيَّةٍ مُطَلَّقَةٍ، بَلْ يَنْوِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ التَّرَاوِيحِ أَوْ مِنْ قِيَامِ رَمَضَانَ، وَلَوْ صَلَّى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ لَمْ تَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْرُوعِ بِخِلَافِ سُنَّةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ التَّرَاوِيحَ بِمَشْرُوعِيَّةِ الْجَمَاعَةِ فِيهَا أَشْبَهَتْ الْفَرَائِضَ فَلَا تُغَيَّرُ عَمَّا وَرَدَتْ.
تَنْبِيهٌ: يَدْخُلُ وَقْتُ الرَّوَاتِبِ الَّتِي قَبْلَ الْفَرْضِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْفَرْضِ، وَاَلَّتِي بَعْدَهُ بِفِعْلِهِ، وَيَخْرُجُ وَقْتُ النَّوْعَيْنِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُمَا تَابِعَانِ لَهُ، وَلَوْ فَاتَ النَّفَلُ الْمُؤَقَّتُ نُدِبَ قَضَاؤُهُ.
وَمِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُنْدَبُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ.
[حاشية البجيرمي]
يَجُوزُ لَهُ قَصْرُ الصَّلَاةِ لَمْ يَبْعُدْ أَنْ تَكُونَ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْعِشْرِينَ إنْ كَانَ مِنْ مُتَوَطِّنِيهَا أَوْ الْمُقِيمِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، هَذَا مَا انْحَطَّ عَلَيْهِ كَلَامُ سم يَعْنِي: أَنَّ الْمُتَوَطِّنَ أَوْ الْمُقِيمَ بِالْمَدِينَةِ إذَا خَرَجَ فِي مَحَلٍّ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ التَّرَاوِيحَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ، وَالْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ بِمَحَلِّ الْأَدَاءِ فَلَوْ فَاتَتْهُ فِي الْمَدِينَةِ قَضَاهَا وَلَوْ فِي غَيْرِهَا سِتًّا وَثَلَاثِينَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ فَاتَتْهُ فِي غَيْرِهَا فَإِنَّهُ يَقْضِيهَا عِشْرِينَ وَلَوْ بِالْمَدِينَةِ هَذَا مَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِ شُيُوخِنَا النُّورِ الزِّيَادِيِّ وَأَقَرَّهُ مَشَايِخُنَا اهـ اج.
قَوْلُهُ: (أُسْبُوعٍ) أَيْ طَوَافٍ وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ أُسْبُوعٌ؛ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ يُكَرِّرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
قَوْلُهُ: (بِالْقُرْآنِ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ) بِأَنْ يَقْرَأَ كُلَّ لَيْلَةٍ حِزْبَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عُشْرُ حِزْبٍ ق ل.
قَوْلُهُ: (مِنْ تَكْرِيرِ إلَخْ) وَمِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى قِرَاءَةِ سُورَةِ الرَّحْمَنِ أَوْ نَحْوِهَا.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) أَيْ فَتَتَوَقَّفُ عَلَى فِعْلِ الْعِشَاءِ كَمَا أَنَّ الْوِتْرَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَقْدِيمًا) عِبَارَةُ غَيْرِهِ م ر كَذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ لِلسَّفَرِ وَحَصَلَتْ إقَامَةٌ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ، لَكِنْ نَقَلَ السُّيُوطِيّ عَنْ الزَّرْكَشِيّ أَنَّهُ قَالَ: يَنْبَغِي تَخْصِيصُ الْجَوَازِ بِمَا إذَا لَمْ تَحْصُلْ إقَامَةٌ فَإِنْ حَصَلَتْ إقَامَةٌ بَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ وَجَبَ تَأْخِيرُ التَّرَاوِيحِ إلَى وَقْتِ الْعِشَاءِ لِزَوَالِ الْوَقْتِ، وَيَحْتَمِلُ خِلَافَهُ اهـ قَالَ شَيْخُنَا: وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الرَّاتِبَةُ وَالْوِتْرُ كَذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا فَلَهُ فِعْلُهَا عَقِبَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُضِيِّ قَدْرِ زَمَنِ فِعْلِ الْعِشَاءِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ اهـ اج.
وَلَوْ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْعِشَاءِ وَقَعَ مَا صَلَّاهُ نَفْلًا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (بَلْ يَنْوِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ التَّرَاوِيحِ) أَوْ يَنْوِي سُنَّةَ التَّرَاوِيحِ بِإِضَافَةِ الْأَعَمِّ لِلْأَخَصِّ أَوْ بَيَانِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَصِحَّ) وَتَقَعُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا إذَا نَسِيَ أَوْ جَهِلَ كَمَا لَوْ زَادَ عَلَى الْعِشْرِينَ الْمَذْكُورَةِ
قَوْلُهُ: (الَّتِي قَبْلَ الْفَرْضِ) الصَّوَابُ إسْقَاطُ هَذَا الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْمُتَأَخِّرَةِ يَدْخُلُ كَذَلِكَ، وَفِعْلُ الْفَرْضِ شَرْطٌ فِي جَوَازِ فِعْلِهَا، وَإِنَّمَا اُمْتُنِعَ فِعْلُهَا قَبْلَ الْفَرْضِ لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهَا وَهُوَ فِعْلُ الْفَرْضِ، وَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ وَيَخْرُجُ وَقْتُ النَّوْعَيْنِ، وَلَوْ أُرِيدَ فِي كَلَامِهِ بِالْوَقْتِ الْأَوَّلِ وَقْتُ الْفِعْلِ، وَبِالثَّانِي الْوَقْتُ الزَّمَّانِيُّ لَكَانَ صَحِيحًا، لَكِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ السُّكُوتُ عَنْ الْوَقْتِ الزَّمَانِيِّ فِي الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ ق ل. فَلَوْ لَمْ يُصَلِّ الْفَرْضَ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهُ فَإِنَّ سُنَّتَهُ الْبَعْدِيَّةَ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا وَالْحَالُ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ أَيْ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ.
وَلِهَذَا يُلْغَزُ فَيُقَالُ لَنَا صَلَاةٌ فَيَخْرُجُ وَقْتُهَا وَلَمْ يَدْخُلْ اج.
أَيْ خَرَجَ وَقْتُ أَدَائِهَا وَلَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ فِعْلِهَا.
قَوْلُهُ: (الْمُؤَقَّتُ) أَيْ سَوَاءٌ طُلِبَتْ فِيهِ الْجَمَاعَةُ أَمْ لَا، قَالَ شَيْخُنَا: وَيُلْحَقُ بِهِ التَّهَجُّدُ لِمَنْ اعْتَادَهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ) قَالَ الزَّرْكَشِيّ كَابْنِ الْعِمَادِ: وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، إذْ الْمُرَادُ تَحِيَّةٌ لِرَبِّ الْمَسْجِدِ تَعَظُّمًا لَهُ لَا لِلْبُقْعَةِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ تَحِيَّةُ رَبِّ الْمَسْجِدِ، فَلَوْ قَصَدَ سُنَّةَ الْبُقْعَةِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْبُقْعَةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ بُقْعَةٌ لَا تُقْصَدُ بِالْعِبَادَةِ شَرْعًا، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ إيقَاعُ الْعِبَادَةِ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى اهـ. إيعَابٌ.
بَلْ لَوْ قَصَدَ اسْتِحْقَاقَهَا لِذَلِكَ لِذَاتِهَا كَفَرَ وَشَمِلَ ذَلِكَ الْمَسَاجِدَ الْمُتَلَاصِقَةَ فَتُطْلَبُ التَّحِيَّةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا لِأَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ، وَشَمِلَ الْمُشَاعَ أَيْ مَا بَعْضُهُ مَسْجِدٌ وَبَعْضُهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ قَلَّ الْبَعْضُ الَّذِي جُعِلَ مَسْجِدًا بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ فِيهِ فَلَا يَصِحُّ، وَالْفَرْقُ أَنَّ جِنْسَ الصَّلَاةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَسْجِدٍ بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ.
وَهِيَ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الْجُلُوسِ لِكُلِّ دَاخِلٍ وَتَحْصُلُ لِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ آخَرَ، وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ عَلَى قُرْبٍ وَتَفُوتُ
[حاشية البجيرمي]
قَالَ الرَّحْمَانِيُّ قُلْت: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي طَلَبِ التَّحِيَّةِ تَحَقُّقُ الْمَسْجِدِيَّةِ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ فَتُطْلَبُ لِمَا هُوَ كَصُورَتِهِ كَالزَّوَايَا فِي الْقُرَى اهـ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر. وَخَرَجَ بِالْمَسْجِدِ الرِّبَاطُ وَمُصَلَّى الْعِيدِ وَمَا بُنِيَ فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ عَلَى صُورَةِ الْمَسْجِدِ وَأَذِنَ بَانِيهِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ.
وَعِبَارَةُ ق ل: وَشَمِلَ الْمَسْجِدُ الْمُتَيَقَّنَ وَالْمَظْنُونَ وَلَوْ بِالِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ مِنْ عَلَامَاتِهِ الْمَنَارَةُ وَلَا الشُّرُفَاتُ وَلَا الْمِنْبَرُ وَلَا نَحْوَ ذَلِكَ، وَخَرَجَ بِهِ الْمَدَارِسُ وَالرِّبَاطَاتُ وَمَا فِي الْأَرَاضِيِ الْمُحْتَكَرَةِ وَمَا فِي سَوَاحِلِ الْأَنْهَارِ وَمَا فِي الْأَرَاضِيِ الْمَوْقُوفَةِ أَوْ الْمُسَبَّلَةِ كَمَسَاجِدِ الْقَرَافَةِ لِدَفْنِ الْمَوْتَى مَثَلًا.
نَعَمْ إنْ فَرَشَ نَحْوَ بَلَاطٍ وَآجُرٍّ فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ لَهُ وَوَقَفَهُ مَسْجِدًا صَحَّ وَقْفُهُ وَطُلِبَتْ فِيهِ التَّحِيَّةُ، والسُّنَانِيَّةُ الْمَعْلُومَةُ مَسْجِدٌ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٍ وَتُعْطَى أَحْكَامَ الْمَسَاجِدِ مِنْ صِحَّةِ التَّحِيَّةِ فِيهَا وَغَيْرِهَا لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ لِكَثِيرٍ مِنْ الْأَنَامِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ بِصِحَّةِ الْوَقْتِ وَلُزُومِهِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ الْوَاقِعَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ وَحِينَئِذٍ فَاسْتِثْنَاءُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا لَهَا كَغَيْرِهَا مِمَّا شَابَهَهَا مَبْنِيٌّ عَلَى حُدُوثِهَا وَأَنَّهَا وُضِعَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ إلَّا بِحَقٍّ وَأَنَّ مَسْجِدِيَّتَهَا صَارَتْ مُحَقَّقَةً لَا نِزَاعَ فِيهَا وَقَدْ رَجَعْتُ عَمَّا كُنْتُ أُقَرِّرُهُ فِيهَا مِنْ كَوْنِهَا لَا تُعْطَى حُكْمَ الْمَسَاجِدِ تَبَعًا لِبَعْضِ مَشَايِخِي وَهُوَ الشَّيْخُ مَنْصُورٌ الطُّوخِيُّ
وَأَظُنُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ اطَّلَعَ عَلَى صُورَةِ وَقُفْيَةِ الْوَاقِفِ الْمَذْكُورِ لَرَجَعَ عَمَّا قَالَهُ وَوَافَقَ عَلَى مَا قُلْنَا اهـ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الدَّيْرَبِيُّ فِي رِسَالَتِهِ تُحْفَةِ الْمُرِيدِ، وَأَطَالَ الْكَلَامَ وَذَكَرَ فِيهَا صُورَةَ الْوَقْفِيَّةِ فَانْظُرْهَا إنْ شِئْت وَشَمِلَ دَاخِلَهُ مَنْ هُوَ فِي هَوَائِهِ مِمَّنْ تَحْتَهُ أَوْ فَوْقَهُ وَلَوْ مَحْمُولًا أَوْ رَاكِبًا اهـ بِالْحَرْفِ.
وَانْظُرْ هَلْ يُشْتَرَطُ مُلَاحَظَةُ كَوْنِهَا لِرَبِّ الْمَسْجِدِ أَوْ يَكْفِي الْإِطْلَاقُ؟ وَاَلَّذِي يَسْتَقِرُّ بِهِ شَيْخُنَا الثَّانِي فَلْيُحَرَّرْ.
وَلَا بُدَّ أَنْ تَقَعَ فِيهِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا، فَلَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَنَوَى التَّحِيَّةَ ثُمَّ خَرَجَتْ مِنْهُ بِاخْتِيَارِهِ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهَا فَلَا تَصِحُّ، أَوْ كَانَتْ خَارِجَهُ ثُمَّ نَوَى رَكْعَتَيْنِ مَثَلًا ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَلَا يَصِحُّ.
اهـ. م ر عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَالَ الْحَلَبِيُّ: وَالْمُرَادُ بِالْمَسْجِدِ غَيْرُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، أَمَّا هُوَ فَيُبْتَدَأُ فِيهِ بِالطَّوَافِ الَّذِي هُوَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ وَحِينَئِذٍ يُقَالُ لَنَا مَسْجِدٌ يُسْتَحَبُّ لِدَاخِلِهِ تَرْكُ تَحِيَّتِهِ، وَكَتَبَ أَيْضًا أَمَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، فَإِنْ كَانَ دَاخِلُهُ يُرِيدُ الطَّوَافَ فَالسُّنَّةُ لَهُ الطَّوَافُ وَهُوَ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ، فَإِنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الطَّوَافِ حَصَلَتْ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ، وَإِنْ صَلَّاهُمَا دَاخِلَ الْبَيْتِ فَتُوُقِّفَ فِيهِ بِأَنَّ الْبَيْتَ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ لِكَوْنِ وَقْفِيَّتِهِ لَمْ تَشْمَلْهُ لِتَقَدُّمِ بِنَائِهِ عَلَى وَقْفِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَعَدَمِ مِلْكِ أَحَدٍ لَهُ فَتَحِيَّةُ الْبَيْتِ الطَّوَافُ، فَلَوْ صَلَّى مَرِيدُ الطَّوَافِ التَّحِيَّةَ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ دَاخِلَهُ الطَّوَافَ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ اهـ. وَقَوْلُهُ: لِكَوْنِ وَقْفِيَّتِهِ لَمْ تَشْمَلْهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَوَابُ عَمَّا تَقَدَّمَ مِنْ وُقُوعِ السُّؤَالِ عَنْ الْبَيْتِ الْحَرَامِ هَلْ وَقَفَ بِصِيغَةٍ أَوْ هُوَ وَقْفٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وَقْفِيَّةِ أَحَدٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِبِنَائِهِ الْمَلَائِكَةَ فَالْأَنْبِيَاءَ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ رَكْعَتَانِ) أَيْ أَقَلُّهَا ذَلِكَ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ ق ل. وَاقْتِصَارُهُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ الْأَفْضَلُ فَإِنْ سَلَّمَ ثُمَّ أَتَى بِرَكْعَتَيْنِ لَمْ تَنْعَقِدْ إلَّا مِنْ جَاهِلٍ فَتَنْعَقِدُ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (لِكُلِّ دَاخِلٍ) أَيْ وَلَوْ مُعْتَكِفًا بِأَنْ خَرَجَ مِنْهُ ثُمَّ عَادَ، سَوَاءٌ قُلْنَا اعْتِكَافُهُ بَاقٍ أَمْ لَا لِوُجُودِ الدُّخُولِ مِنْهُ فَقَدْ شَمِلَهُ كَلَامُهُمْ خِلَافًا لِابْنِ الْعِمَادِ شَوْبَرِيٌّ، وَلَوْ كَانَ خُرُوجُهُ لَا يَقْطَعُ اعْتِكَافَهُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
فَرْعٌ: لَوْ صَلَّى ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ الْإِمَامَ يُصَلِّي بَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ كَرَاهَةَ التَّحِيَّةِ إنْ كَانَ قَدْ صَلَّى مُنْفَرِدًا وَإِلَّا فَلَا.
اهـ. عَبْدُ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (وَتَحْصُلُ بِفَرْضٍ) أَيْ يَحْصُلُ فَضْلُهَا سَوَاءٌ نُوِيَتْ مَعَ ذَلِكَ أَمْ لَا.
نَعَمْ إنْ نَفَاهَا فَاتَ فَضْلُهَا، وَإِنْ سَقَطَ الطَّلَبُ ق ل. وَعَلَى حُصُولِ فَضْلِهَا، وَإِنْ لَمْ تَنْوِ يُشْكِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» إلَّا أَنْ يُقَالَ هَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ عَمَلِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَابِعَةٌ وَدَاخِلَةٌ فِيهِ فَكَأَنَّهَا نُوِيَتْ حُكْمًا ز ي بِإِيضَاحٍ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إذَا نَوَاهَا حَصَلَ الثَّوَابُ اتِّفَاقًا، وَإِذَا نَفَاهَا فَلَا يَحْصُلُ اتِّفَاقًا وَإِنْ أَطْلَقَ حَصَلَ الثَّوَابُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى قُرْبٍ) عِبَارَةُ التَّحْرِيرِ
بِجُلُوسِهِ قَبْلَ فِعْلِهَا، وَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ إلَّا إنْ جَلَسَ سَهْوًا وَقَصُرَ الْفَصْلُ، وَتَفُوتُ بِطُولِ الْوُقُوفِ كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: التَّحِيَّاتُ أَرْبَعٌ: تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ وَالْبَيْتِ بِالطَّوَافِ وَالْحَرَمِ بِالْإِحْرَامِ وَمِنًى بِالرَّمْيِ، وَزِيدَ عَلَيْهِ تَحِيَّةُ عَرَفَةَ بِالْوُقُوفِ
وَتَحِيَّةُ لِقَاءِ الْمُسْلِمِ بِالسَّلَامِ.
[حاشية البجيرمي]
وَلَوْ عَلَى قُرْبٍ فَهِيَ غَايَةٌ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا لَا تُسَنُّ لِلدُّخُولِ عَنْ قُرْبٍ لِلْمَشَقَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَتَفُوتُ بِجُلُوسِهِ) أَيْ وَلَوْ لِلشُّرْبِ عَمْدًا كَذَا فِي شَرْحِ م ر. وَلَكِنْ قَيَّدَ الْفَوَاتَ فِي الْفَتَاوَى لَهُ بِمَا إذَا أَلْصَقَ مِقْعَدَتَهُ بِالْأَرْضِ أَوْ طَالَ الْفَصْلُ، أَمَّا إذَا جَلَسَ لِلشُّرْبِ عَلَى سَاقَيْهِ وَلَمْ يُلْصِقْ مِقْعَدَتَهُ بِالْأَرْضِ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ فَلَهُ فِعْلُهَا.
تَنْبِيهٌ: إذَا نَذَرَ سُنَّةَ الْوُضُوءِ وَتَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ هَلْ يَكْفِيهِ رَكْعَتَانِ يَنْوِي بِهِمَا النَّذْرَيْنِ؟ وَالظَّاهِرُ لَا يَكْفِيهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ صَارَتْ نَذْرًا وَحْدَهُ.
فَرْعٌ: إذَا اغْتَسَلَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَدَثَانِ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ، وَقُلْنَا بِالِانْدِرَاجِ هَلْ لَهُ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ غَيْرَ سُنَّةِ الْغُسْلِ عَنْ الْوُضُوءِ أَوَّلًا لِعَدَمِ فِعْلِهِ وَهَلْ يُثَابُ عَلَى الْوُضُوءِ مَا لَمْ يَنْفِهِ كَالتَّحِيَّةِ.
اهـ. رَحْمَانِيٌّ.
وَقَوْلُهُ بِجُلُوسِهِ أَيْ مُتَمَكِّنًا لَا مُسْتَوْفِزًا اهـ ح ل.
قَوْلُهُ: (إلَّا إنْ جَلَسَ) سَهْوًا أَوْ جَهْلًا.
قَوْلُهُ: (وَتَفُوتُ بِطُولِ الْوُقُوفِ) وَلَوْ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا، بِخِلَافِ مَا إذَا قَصُرَ الْوُقُوفُ فَإِنَّهَا لَا تَفُوتُ ظَاهِرُهُ وَلَوْ عَمْدًا، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُلُوسِ، فَإِنَّهَا تَفُوتُ بِهِ عَمْدًا وَلَوْ قَصُرَ، وَالْمُرَادُ بِالطُّولِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى رَكْعَتَيْنِ ع ش عَلَى م ر. وَيُكْرَهُ لَهُ دُخُولُ الْمَسْجِدِ بِلَا طَهَارَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْإِحْيَاءِ، وَيُنْدَبُ لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِالتَّحِيَّةِ لِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ كَأَنْ لَمْ يُرْدِهَا وَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا أَوْ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ آخَرَ أَنْ يَقُولَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدِ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ.
زَادَ بَعْضُهُمْ: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، فَإِنَّهَا تَعْدِلُ رَكْعَتَيْنِ فِي الْفَضْلِ فَتَنْدَفِعُ الْكَرَاهَةُ بِذَلِكَ اهـ. قَالَ ع ش: وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ، وَإِلَّا فَلَا تَحْصُلُ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ الْوُضُوءِ مَعَ تَيَسُّرِهِ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ خ ض: وَفِي فَوَاتِهَا لِلْمُقْعَدِ وَالْمُضْطَجِعِ وَالْمُسْتَلْقِي كَلَامٌ حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ قَصَدَ الْإِعْرَاضَ فَاتَتْ، وَإِلَّا فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ فَاتَتْ، وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِعْرَاضَ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بِذَلِكَ فَلَا تَفُوتُ بِذَلِكَ ز ي.
قَوْلُهُ: (كَمَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ) هُوَ الشِّهَابُ م ر خِلَافًا لِلشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: لَا تَفُوتُ بِطُولِ الْوُقُوفِ وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا قَائِمًا ثُمَّ أَرَادَ الْقُعُودَ لِإِتْمَامِهَا، فَالْأَوْجَهُ الْجَوَازُ وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا جَالِسًا، فَالْأَوْجَهُ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ الْجَوَازُ حَيْثُ جَلَسَ لِيَأْتِيَ بِهَا، إذْ لَيْسَ لَنَا نَافِلَةٌ يَجِبُ التَّحَرُّمُ بِهَا قَائِمًا وَحَدِيثُهَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَلَا تَفُوتُ بِجُلُوسٍ قَصِيرٍ نَسِيَانَا أَوْ جَهْلًا، وَإِنْ جَرَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى خِلَافِهِ شَرْحُ م ر. وَلَا تَفُوتُ بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، وَإِذَا تَعَارَضَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالتَّحِيَّةِ قُدِّمَ السُّجُودُ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ الطَّوِيلِ وَبِالْوُقُوفِ كَذَلِكَ مُطْلَقًا فِيهِمَا وَبِالْجُلُوسِ الْقَصِيرِ عَمْدًا.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعُ) الْمُرَادُ بِتَحِيَّةِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ تَعْظِيمُهَا.
قَوْلُهُ: (وَتَحِيَّةُ لِقَاءِ الْمُسْلِمِ بِالسَّلَامِ) وَيَحْرُمُ بَدْءُ ذِمِّيٍّ بِالسَّلَامِ، فَإِنْ بَانَ ذِمِّيًّا اُسْتُحِبَّ لَهُ اسْتِرْدَادُ سَلَامِهِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: اسْتَرْجَعْتُ سَلَامِي أَوْ رُدَّ عَلَيَّ سَلَامِي، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ ابْنِ الْمُقْرِي وُجُوبُ ذَلِكَ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ، وَإِنْ تَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ، فَإِنْ سَلَّمَ الذِّمِّيُّ عَلَى مُسْلِمٍ قَالَ لَهُ وُجُوبًا: وَعَلَيْكَ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مُجَرَّدُ الرَّدِّ عَلَيْهِ فَقَطْ لَا السَّلَامُ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ» وَرَوَى الْبُخَارِيُّ خَبَرَ: «إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ الْيَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُولُونَ السَّامُ عَلَيْكُمْ وَالسَّامُ الْمَوْتُ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ» قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَكَانَ سُفْيَانُ يَرْوِي عَلَيْكُمْ بِحَذْفِ الْوَاوِ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَذَفَهَا صَارَ قَوْلُهُمْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية البجيرمي]
مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ، وَإِذَا ذَكَرَهَا وَقَعَ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ وَالدُّخُولُ فِيمَا قَالُوهُ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْمَعْنَى وَنَحْنُ نَدْعُو عَلَيْكُمْ بِمَا دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنَا عَلَى أَنَّهُ إذَا فَسَّرْنَا السَّامَّ بِالْمَوْتِ فَلَا إشْكَالَ لَاشْتَرَاك الْخَلْقِ فِيهِ، وَيَجِبُ اسْتِثْنَاؤُهُ وَلَوْ بِقَلْبِهِ لَوْ كَانَ مَعَ مُسْلِمٍ وَيَحْرُمُ بَدْؤُهُ بِتَحِيَّةٍ غَيْرِ السَّلَامِ بَلْ يَحْرُمُ بِكُلِّ كَلَامٍ أَشْعَرَ بِتَعْظِيمِهِ لِآيَةِ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: 22] الْآيَةَ، وَمِنْ التَّعْظِيمِ خِطَابُهُ بِلَفْظِ يَا مُعَلِّمٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ سَيِّدِي عَلِيٌّ الَأُجْهُورِيُّ، وَلَوْ قَامَ عَنْ جَلِيسٍ لَهُ فَسَلَّمَ وَجَبَ الرَّدُّ وَمَنْ دَخَلَ دَارِهِ سَلَّمَ نَدْبًا عَلَى أَهْلِهِ أَوْ مَوْضِعًا خَالِيًا فَلِيَقُلْ نَدْبًا السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَيُسَمِّي اللَّهَ قَبْلَ دُخُولِهِ وَشَرْطُ السَّلَامِ ابْتِدَاءً وَرَدًّا سَمَاعُهُ لَهُ، وَاتِّصَالُ الرَّدِّ كَاتِّصَالِ الْإِيجَابِ بِالْقَبُولِ، فَإِنْ شَكَّ فِي سَمَاعِهِ زَادَ فِي الرَّفْعِ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ نِيَامٌ خَفَضَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ لَا يُوقِظُهُمْ، وَالْقَارِئُ كَغَيْرِهِ فِي اسْتِحْبَابِ السَّلَامِ وَوُجُوبِ الرَّدِّ بِاللَّفْظِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، وَيَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْإِشَارَةِ عَلَى مَنْ رَدَّ عَلَى أَصَمَّ وَتُجْزِئُ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ مِنْ ابْتِدَاءٍ وَرَدٍّ وَلَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ مِنْ وَرَاءِ حَائِطٍ أَوْ سَتْرٍ أَوْ فِي كِتَابٍ أَوْ مَعَ رَسُولٍ، وَبَلَغَهُ لَزِمَهُ الرَّدُّ.
وَالْإِشَارَةُ بِالسَّلَامِ مِنْ النَّاطِقِ بِلَا لَفْظٍ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَلَا يَجِبُ لَهَا رَدٌّ وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّفْظِ أَوْلَى، وَصِيغَتُهُ رَدًّا عَلَيْكُمْ السَّلَامُ أَوْ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ لِلْوَاحِدِ أَيْضًا كَالْجَمْعِ، فَإِنْ عَكَسَ جَازَ وَإِنَّ سَلَّمَ كُلٌّ عَلَى الْآخَرِ مَعًا لَزِمَ كُلًّا مِنْهُمَا الرَّدُّ أَوْ مُرَتَّبًا كَفَى الثَّانِي سَلَامُهُ رَدًّا، وَيُنْدَبُ أَنْ يُسَلِّمَ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْوَاقِفِ وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ فِي حَالِ التَّلَاقِي فَلَوْ عَكَسَ لَمْ يُكْرَهْ، وَيُسَلِّمْ الْوَارِدُ مُطْلَقًا عَلَى مَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ كَمَا فِي شَرْحِ الزُّبْدِ لِلرَّمْلِيِّ، وَإِذَا لَقِيَ شَخْصٌ رَجُلَيْنِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا فَقَالَ: عَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَقَصَدَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ سَلَّمَ وَالِابْتِدَاءَ عَلَى مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ كَفَى، وَلَوْ رَدَّتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَجْزَأَ إنْ شُرِعَ السَّلَامُ عَلَيْهَا بِأَنْ كَانَتْ عَجُوزًا أَوْ مَحْرَمًا لِلْمُسْلِمِ، وَإِلَّا فَلَا.
أَوْ رَدَّ صَبِيٌّ أَوْ مَنْ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُمْ لَمْ يَسْقُطْ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ الدُّعَاءَ وَهُوَ مِنْهُ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ السَّلَامِ الْأَمَانُ، وَلَا أَمَانَ مِنْ الصَّبِيِّ، وَلَوْ سَلَّمَ جَمَاعَةٌ مُتَفَرِّقُونَ عَلَى وَاحِدٍ فَقَالَ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَقَصَدَ الرَّدَّ عَلَى جَمِيعِهِمْ أَجْزَأَهُ وَسَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْجَمِيعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَقْصِدْ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا فَإِنَّهُ يَأْثَمُ فَلَوْ أَطْلَقَ هَلْ يَكْفِي أَوْ لَا؟ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ ذَلِكَ وَيُتَصَوَّرُ وُجُوبُ رَدِّ ابْتِدَاءِ السَّلَامِ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ، وَهُوَ مَا لَوْ أَرْسَلَ إلَى غَائِبٍ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إنْ أَتَى الْمُسَلِّمُ أَوْ الرَّسُولُ بِصِيغَةِ سَلَامٍ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: فُلَانٌ يَقُولُ لَك السَّلَامُ عَلَيْك أَيْ: وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ بِأَنْ نَسِيَ ذَلِكَ ثُمَّ تَذَكَّرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا، وَيَجِبُ عَلَى الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ الرَّدُّ حِينَئِذٍ، وَلَا يُكْرَهُ عَلَى جَمْعِ نِسْوَةٍ وَلَا عَلَى عَجُوزٍ لِانْتِفَاءِ الْفِتْنَةِ، بَلْ يُنْدَبُ الِابْتِدَاءُ مِنْهُنَّ عَلَى غَيْرِهِنَّ وَعَكْسُهُ، وَيَجِبُ الرَّدُّ كَذَلِكَ وَيَحْرُمُ مِنْ الشَّابَّةِ ابْتِدَاءً وَيُكْرَهَانِ عَلَيْهَا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ ابْتِدَاءً وَرَدًّا وَالْخُنْثَى مَعَ الْخُنْثَى يَحْرُمُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا ابْتِدَاءً وَرَدًّا احْتِيَاطًا وَلَوْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَى سَيِّدِي، فَاَلَّذِي قَالَهُ الْجَوْجَرِيُّ وُجُوبُ الرَّدِّ، وَاَلَّذِي قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَدَمُ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ صِيغَةً شَرْعِيَّةً، وَلَوْ قَالَ السَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى لَمْ يَجِبْ الرَّدُّ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الصِّيَغِ الشَّرْعِيَّةِ أَيْضًا، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: 47] فَهُوَ خَاصٌّ بِالْمُرَاسِلَاتِ إلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ.
فَرْعٌ: لَوْ أَرْسَلَ السَّلَامَ مَعَ غَيْرِهِ إلَى آخَرَ فَإِنْ قَالَ لَهُ سَلِّمْ لِي عَلَى فُلَانٍ فَقَالَ الرَّسُولُ لِفُلَانٍ فُلَانٌ يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَوْ السَّلَامُ عَلَيْك مِنْ فُلَانٍ وَجَبَ الرَّدُّ، وَكَذَا لَوْ قَالَ السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ فَبَلِّغْهُ عَنِّي فَقَالَ الرَّسُولُ زَيْدٌ يُسَلِّمُ عَلَيْك وَجَبَ الرَّدُّ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الِاعْتِدَادِ بِهِ وَوُجُوبُ الرَّدِّ مِنْ صِيغَةٍ مِنْ الْمُرْسِلِ أَوْ الرَّسُولِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تُوجَدْ مِنْ وَاحِدٍ، كَأَنْ قَالَ الْمُرْسِلُ سَلِّمْ لِي عَلَى فُلَانٍ فَقَالَ لِفُلَانٍ زَيْدٌ يُسَلِّمُ عَلَيْك فَلَا اعْتِدَادَ بِهِ وَلَا يَجِبُ الرَّدُّ كَذَا نَقَلَهُ م ر عَنْ وَالِدِهِ وَاعْتَمَدَهُ.
اهـ. سم عَلَى الْمَنْهَجِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ: وَإِذَا مَرَّ عَلَى وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إذَا سَلَّمَ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ إمَّا لِتَكَبُّرِ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية البجيرمي]
الْمَمْرُورِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا لِإِهْمَالِهِ الْمَارَّ أَوْ السَّلَامَ، وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُسَلِّمَ وَلَا يَتْرُكَهُ لِهَذَا الظَّنِّ، فَإِنَّ السَّلَامَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَاَلَّذِي أُمِرَ بِهِ الْمَارُّ أَنْ يُسَلِّمَ وَلَمْ يُؤْمَرْ بِأَنْ يُحَصِّلَ الرَّدَّ مَعَ أَنَّ الْمَمْرُورَ عَلَيْهِ قَدْ يُخْطِئُ الظَّنَّ فِيهِ وَيَرُدُّ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ إنَّ سَلَامَ الْمَارِّ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْإِثْمِ فِي حَقِّ الْمَمْرُورِ عَلَيْهِ فَهُوَ جَهَالَةٌ ظَاهِرَةٌ وَغَبَاوَةٌ بَيِّنَةٌ، فَإِنَّ الْمَأْمُورَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَسْقُطُ عَنْ الْمَأْمُورِ بِهَا بِمِثْلِ هَذِهِ الْخَبَالَاتِ، وَلَوْ نَظَرْنَا إلَى هَذَا الْخَبَالِ الْفَاسِدِ لَتَرَكْنَا إنْكَارَ الْمُنْكَرِ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ جَاهِلًا كَوْنَهُ مُنْكَرًا أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا أَنَّهُ لَا يَنْزَجِرُ بِقَوْلِنَا، فَإِنَّ إنْكَارَنَا عَلَيْهِ وَتَعْرِيفَنَا لَهُ قُبْحَهُ يَكُونُ سَبَبًا لِإِثْمِهِ إذَا لَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّا لَا نَتْرُكُ الْإِنْكَارَ بِمِثْلِ هَذَا وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ وَمَعْرُوفَةٌ.
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَلَّمَ عَلَى إنْسَانٍ وَأَسْمَعَهُ سَلَامَهُ وَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ الرَّدُّ بِشُرُوطِهِ فَلَمْ يُرِدْ أَنْ يُحَلِّلَهُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ: أَبْرَأْتُهُ مِنْ حَقِّي فِي رَدِّ السَّلَامِ أَوْ جَعَلْته فِي حِلٍّ مِنْهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَيَتَلَفَّظُ بِهَذَا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ هَذَا الْآدَمِيِّ.
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَلَّمَ عَلَى إنْسَانٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ لَهُ بِعِبَارَةٍ لَطِيفَةٍ: رَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ، فَيَنْبَغِي لَك أَنْ تَرُدَّ عَلَيَّ لِيَسْقُطَ عَنْك الْفَرْضُ.
وَقَدْ أَطَالَ النَّوَوِيُّ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْأَذْكَارِ بِمَا يَنْبَغِي الْوُقُوفُ عَلَيْهِ فَانْظُرْهُ إنْ شِئْت.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَوَاضِعَ الَّتِي لَا يَجِبُ رَدُّ السَّلَامِ فِيهَا عِشْرُونَ كَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ نَظْمًا حَيْثُ قَالَ:
رَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ ... إلَّا عَلَى مَنْ فِي صَلَاةٍ أَوْ بِأَكْلٍ شُغِلَا
أَوْ فِي قِرَاءَةٍ كَذَاك الْأَدْعِيَهْ ... أَوْ ذِكْرٍ أَوْ فِي خُطْبَةٍ أَوْ تَلْبِيَهْ
أَوْ فِي قَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ ... أَوْ فِي إقَامَةٍ أَوْ الْأَذَانِ
أَوْ حَاجِمٍ أَوْ نَاعِسٍ أَوْ نَائِمٍ ... وَحَالَةِ الْجِمَاعِ وَالتَّحَاكُمِ
أَوْ سَلَّمَ الطِّفْلُ أَوْ السَّكْرَانُ ... أَوْ شَابَّةٌ يُخْشَى بِهَا افْتِتَانُ
أَوْ كَانَ فِي الْحَمَّامِ أَوْ مَجْنُونًا ... فَهَذِهِ مَجْمُوعُهَا عِشْرُونَا
فَائِدَةٌ: الْأَذْكَارُ الْمَطْلُوبَةُ عَقِبَ الصَّلَاةِ قَبْل التَّكَلُّمِ هَلْ يُسَنُّ لَهَا السَّلَامُ وَيَجِبُ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْتَغِلِ بِهَا أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالثَّانِي غَيْرُ بَعِيدٍ إذْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الرَّدُّ مَشَقَّةً شَدِيدَةً لِتَفْوِيتِهِ الثَّوَابَ الْمُرَتَّبَ عَلَيْهَا، وَاحْتِمَالُ أَنْ لَا يَفُوتَ لِعُذْرِهِ بِالرَّدِّ يُعَارِضُهُ الِاحْتِيَاطُ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ الثَّوَابِ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْذُورًا بِالرَّدِّ فِي الْوَاقِعِ.
اهـ. سم عَلَى حَجّ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَتُسَنُّ الْمُصَافَحَةُ عِنْدَ التَّلَاقِي سَوَاءٌ فِيهِ الْحَاضِرُ وَالْقَادِمُ مِنْ سَفَرٍ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْلِهَا وَالْحَثِّ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَا اعْتَادَهُ النَّاس مِنْ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ صَلَاتَيْ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ، فَلَا أَصْلَ لِتَخْصِيصِهِ، لَكِنْ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْيَنَابِيعِ.
وَذَكَرَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ فِي كِتَابِ التَّحِيَّاتِ: أَنَّ سَلَامَ الْيَهُودِ كَانَ بِالْأَكُفِّ وَالْأَصَابِعِ وَالْأَكَاسِرَةِ بِالسُّجُودِ لِلْمَلَكِ وَتَقْبِيلِ الْأَرْضِ، وَالْفُرْسِ طَرْحُ الْيَدِ عَلَى الْأَرْضِ أَمَامَ الْمَلِكِ، وَالْحَبَشَةِ عَقْدُ الْيَدَيْنِ عَلَى الصَّدْرِ مَعَ السَّكِينَةِ، وَالرُّومِ بِكَشْفِ الرَّأْسِ وَتَنْكِيسِهَا وَالنُّوبَةِ الْإِيمَاءُ بِفَمِهِ مَعَ جَعْلِ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، وَحِمْيَرَ بِالْإِيمَاءِ بِالدُّعَاءِ بِالْأَصَابِعِ، وَتَحِيَّةُ مَلِكِ الْيَمَامَةِ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى كَتِفِ الْمُحَيَّا فَإِنْ بَالَغَ رَفْعَهَا وَوَضَعَهَا مِرَارًا، وَتَحِيَّةُ الْعَرَبِ بِالسَّلَامِ وَهُوَ أَفْضَلُ التَّحِيَّاتِ وَهُوَ تَحِيَّةُ الْمَلَائِكَةِ بَيْنَهُمْ، وَتَحِيَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [يونس: 10] أَيْ يُحَيِّي بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إذَا قُلْت: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَوْ سَلَّمْت عَلَى أَحَدٍ فِي الطَّرِيقِ فَقُلْت: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَأَحْضِرْ فِي قَلْبِك كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ لِلَّهِ مِنْ عِبَادِهِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَمَيِّتٍ وَحَيٍّ، فَإِنَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَقَامِ يَرُدُّ عَلَيْك فَلَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ يَبْلُغُهُ سَلَامُك إلَّا وَيَرُدُّ عَلَيْك
تَتِمَّةٌ: مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ صَلَاةُ التَّسْبِيحِ وَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ يَقُولُ فِيهَا ثَلَاثمِائَةِ مَرَّةٍ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ بَعْدَ التَّحَرُّمِ، وَقَبْلَ الْقِرَاءَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ مَرَّةً، وَبَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ عَشْرًا، وَفِي الرُّكُوعِ عَشْرًا، وَكَذَلِكَ فِي الرَّفْعِ مِنْهُ وَفِي السُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَالسُّجُودِ الثَّانِي، فَهَذِهِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي أَرْبَعٍ بِثَلَاثِمِائَةٍ.
وَصَلَاةُ الْأَوَّابِينَ وَتُسَمَّى صَلَاةُ الْغَفْلَةِ لِغَفْلَةِ النَّاسِ عَنْهَا بِسَبَبِ عَشَاءٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَهِيَ عِشْرُونَ رَكْعَةً بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ كَتَبَ اللَّهُ
[حاشية البجيرمي]
وَهُوَ دُعَاءٌ، فَيُسْتَجَابُ فِيك فَتُفْلِحُ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ سَلَامُك مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُهَيْمِنِ فِي جَلَالِهِ الْمُشْتَغَلِ بِهِ، فَإِنَّك قَدْ سَلَّمْت عَلَيْهِ بِهَذَا الشُّمُولِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْك وَكَفَى بِهَذَا شَرَفًا.
قَوْلُهُ: (تَتِمَّةٌ) هَذِهِ التَّتِمَّةُ تَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ نَوْعًا مِنْ النَّوَافِلِ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةُ التَّسْبِيحِ) أُضِيفَتْ إلَيْهِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ كَثِيرًا؛ وَلِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا.
قَالَ السُّيُوطِيّ: وَلَا شَكَّ فِي اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَتْ ذَاتَ وَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ اَ هـ. وَتُسَنُّ مَرَّةً كُلَّ يَوْمٍ فَأَكْثَرَ وَإِلَّا فَجُمُعَةً وَإِلَّا فَشَهْرًا وَإِلَّا فَسَنَةً وَإِلَّا فَمَرَّةً فِي الْعُمْرِ وَمَا تَقَرَّرَ مِنْ سُنِّيَّتِهَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَحَدِيثُهَا حَسَنٌ، وَكَذَا النَّوَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ اج.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ) بِنِيَّةِ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ وَلَوْ فِي الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ فِيمَا يَظْهَرُ حَجّ شَوْبَرِيٌّ وخ ض. قَالَ الرَّحْمَانِيُّ: وَهُوَ مُشْكِلٌ إذْ لَيْسَتْ ذَاتَ وَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ قَوْلُهُ: وَصَلَاةُ تَسَابِيحَ أَيْ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ اهـ. وَتَكُونُ بِتَسْلِيمَةٍ وَهُوَ الْأَحْسَنُ نَهَارًا، وَبِتَسْلِيمَتَيْنِ وَهُوَ الْأَحْسَنُ لَيْلًا كَمَا فِي الْإِحْيَاءِ لِحَدِيثِ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» وَرَاوِيَةُ النَّهَارِ لَمْ تَصِحَّ.
قَوْلُهُ: (سُبْحَانَ اللَّهِ إلَخْ) زَادَ فِي الْإِحْيَاءِ: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ التَّحَرُّمِ وَقَبْلَ الْقِرَاءَةِ) هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ مَشَايِخُنَا أَنَّهُ لَا يُسَبِّحُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَأَنَّ الْخَمْسَةَ عَشَرَ الْمَذْكُورَةَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ، وَأَنَّ الْعَشَرَةَ الْمَذْكُورَةَ بَعْدَ السُّجُودِ الثَّانِي قَبْلَ الْقِيَامِ فِي جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ أَوْ قَبْلَ التَّشَهُّدِ قَالَهُ ق ل. وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَوْلُهُ بَعْدَ السُّجُودِ خَبَرُ أَنَّ قَالَ حَجّ فَلَوْ تَرَكَ تَسْبِيحَ الرُّكُوعِ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ، وَلَا يَقُولُهُ فِي الِاعْتِدَالِ؛ لِأَنَّهُ يَطُولُ وَهُوَ رُكْنٌ قَصِيرٌ وَإِنَّمَا يَقُولُهُ فِي السُّجُودِ.
قَوْلُهُ: (وَبَعْدَ الْقِرَاءَةِ) أَيْ لِلْفَاتِحَةِ وَكَذَا لِلسُّورَةِ إنْ قَرَأَهَا، وَالْأَوْلَى فِيهَا أَوَائِلُ سُوَرِ التَّسْبِيحِ لِلْمُنَاسَبَةِ فَيَقْرَأُ: الْحَدِيدَ وَالْحَشْرَ وَالصَّفَّ وَالْجُمُعَةَ أَوْ التَّغَابُنَ لِلْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَهَا فِي الِاسْمِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَسُورَةُ الزَّلْزَلَةِ وَالْعَادِيَاتِ وَأَلْهَاكُمْ وَالْإِخْلَاصِ ق ل وم د. عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (فَهَذِهِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ) . تَنْبِيهٌ: لَوْ سَهَا بِمَا يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ وَسَجَدَ وَلَمْ يُسَبِّحْ فِي السُّجُودِ أَوْ فَاتَهُ التَّسْبِيحُ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَتَدَارَكْهُ وَلَا يُجْبَرُ بِالسُّجُودِ، وَفَاتَ كَوْنُهَا صَلَاةَ التَّسْبِيحِ، وَإِذَا شَكَّ فِي عَدَدِ مَرَّاتِ التَّسْبِيحِ أَخَذَ بِالْيَقِينِ، وَيُقَدِّمُ ذِكْرَ كُلِّ رُكْنٍ عَلَى تَسْبِيحِهِ ق ل. وَقَوْلُهُ لَمْ يُسَبِّحْ فِي السُّجُودِ أَيْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ أَيْ تَسْبِيحَ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ.
وَقَوْلُهُ: لَمْ يَتَدَارَكْهُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ تَدَارُكُهُ فِيمَا بَعْدَهُ رَحْمَانِيٌّ، وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ قَوْلُهُ وَلَوْ تَرَكَ عَشْرَةَ الرُّكُوعِ امْتَنَعَ الْعَوْدُ لَهَا وَفَعَلَهَا فِي الِاعْتِدَالِ، بَلْ فِي السُّجُودِ ثُمَّ قَالَ أَيْضًا وَمَنْ نَسِيَ تَسْبِيحَ رُكْنٍ امْتَنَعَ الْعَوْدُ لَهُ وَتَدَارَكَهُ فِيمَا بَعْدَهُ فَتَسْبِيحُ الرُّكُوعِ يَتَدَارَكُ بَعْضَهُ فِي الِاعْتِدَالِ وَبَعْضَهُ فِي السُّجُودِ.
وَعِبَارَةُ خ ض: وَلَوْ تَذَكَّرَ فِي الِاعْتِدَالِ تَرَكَ تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ حَرُمَ عَلَيْهِ عَوْدُهُ لَهَا وَقَضَاؤُهَا فِي الِاعْتِدَالِ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ قَصِيرٌ فَلَا يَطُولُ عَلَى مَا وَرَدَ وَيَقْضِيهَا فِي السُّجُودِ لِاسْتِحْبَابِ تَطْوِيلِهِ انْتَهَتْ.
قَالَ حَجّ: وَيُكَبِّرُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ دُونَ الْقِيَامِ مِنْهَا.
اهـ. رَحْمَانِيٌّ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَصَلَاةُ الْأَوَّابِينَ) أَيْ التَّوَّابِينَ مِنْ آبَ بِالْمَدِّ إذَا رَجَعَ عَنْ الذَّنْبِ بِالتَّوْبَةِ أَوْ إلَى التَّوْبَةِ مِنْ الذَّنْبِ ق ل. فَالْمَعْنَى شَدِيدُ الْحِرْصِ عَلَى التَّوْبَةِ إذَا أَذْنَبَ اهـ.
قَوْلُهُ: (عِشْرُونَ رَكْعَةً) أَيْ غَايَتُهَا ذَلِكَ وَقِيلَ: سِتُّ رَكَعَاتٍ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْآتِي فَهُوَ دَلِيلٌ لَهَا عَلَى بَعْضِ التَّفَاسِيرِ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِعْلُهَا قَبْلَ فِعْلِ الْمَغْرِبِ وَلَوْ جَمَعَهَا تَأْخِيرًا، وَيَظْهَرُ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ فِعْلِ الْعِشَاءِ إذَا جَمَعَهَا مَعَ الْمَغْرِبِ تَقْدِيمًا.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
وَتَفُوتُ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ فَتُقْضَى حِينَئِذٍ نَدْبًا اج.
قَوْلُهُ: (لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ) هَذَا لَا يُنْتِجُ
لَهُ عِبَادَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً» .
وَرَكْعَتَا الْإِحْرَامِ.
وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ.
وَرَكْعَتَا الْوُضُوءِ.
وَرَكْعَتَا الِاسْتِخَارَةِ.
وَرَكْعَتَا الْحَاجَةِ
وَرَكْعَتَا التَّوْبَةِ.
وَرَكْعَتَانِ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَنْزِلِ وَعِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدَ مُرُورِهِ
[حاشية البجيرمي]
الْمُدَّعَى.
قَوْلُهُ: (مَنْ صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ) هَذَا لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى مَا قَبْلَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَأَقَلُّهَا رَكْعَتَانِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِهَا عِشْرِينَ رَكْعَةً وَعِبَارَةُ م ر: وَصَلَاةُ الْأَوَّابِينَ وَهِيَ عِشْرُونَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَرُوِيَتْ سِتًّا وَأَرْبَعًا وَرَكْعَتَيْنِ، فَهُمَا أَقَلُّهَا انْتَهَتْ، وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْ عِبَارَةِ الشَّارِحِ هُنَا لِتَصْرِيحِهَا بِأَنَّ كُلًّا مِنْ أَقَلِّهَا وَأَكْثَرِهَا وَأَوْسَطِهَا ثَابِتٌ بِالدَّلِيلِ وَالرِّوَايَةِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَأْتِيَ بِرِوَايَةِ الرَّكْعَتَيْنِ كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ (وَرَكْعَتَا الْإِحْرَامِ) أَيْ الْأَفْضَلُ ذَلِكَ فَلَوْ صَلَّى أَكْثَرَ جَازَ، لَكِنْ بِإِحْرَامٍ وَاحِدٍ فَلَا يَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنْ إحْرَامٍ مَعَ الْعَمْدِ وَالْعِلْمِ، وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ مَا بَعْدَهُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ سُنَّةُ الْوُضُوءِ وَالتَّحِيَّةُ وَالِاسْتِخَارَةُ.
وَقَوْلُهُ: (الْإِحْرَامِ) أَيْ قَبْلَهُ بِحَيْثُ تُنْسَبُ إلَيْهِ عُرْفًا وَتَكُونُ رَكْعَتَا الْإِحْرَامِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ كَمَا فِي م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
وَقَوْلُهُ: (الطَّوَافِ) أَيْ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَرَكْعَتَا الْوُضُوءِ) أَيْ عَقِبِ فَرَاغِهِ وَقَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ أَوْ الْإِعْرَاضِ وَهَذَا أَقَلُّهَا، وَإِلَّا فَتَحْصُلُ بِمَا تَحْصُلُ بِهِ التَّحِيَّةُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ وَمَعَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ، سَوَاءٌ نُوِيَتْ أَمْ لَا لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «دَخَلْت الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ بِلَالًا فِيهَا فَقُلْت لَهُ بِمَ سَبَقَتْنِي إلَى الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ لَا أَعْرِفُ شَيْئًا إلَّا أَنِّي مَا أَحْدَثْتُ وُضُوءًا إلَّا صَلَّيْتُ عَقِبَهُ رَكْعَتَيْنِ» اهـ خ ض م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
وَفِيهِ أَيْضًا: وَسُنَّةُ وُضُوءٍ أَيْ وَغُسْلٍ وَتَيَمُّمٍ وَلَوْ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، وَلَوْ تَوَضَّأَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَخَلَهُ فِي الْحَالِ فَهَلْ يُطْلَبُ مِنْهُ إفْرَادُ كُلٍّ مِنْ التَّحِيَّةِ وَسُنَّةِ الْوُضُوءِ عَنْ الْأُخْرَى وَلَا تَفُوتُ الْمُؤَخَّرَةُ بِالْمُتَقَدِّمَةِ مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ قِصَرِ الْفَصْلِ أَوْ لَا يُطْلَبُ الْإِفْرَادُ، بَلْ الْمَطْلُوبُ رَكْعَتَانِ يَنْوِي بِهِمَا كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُرَاجَعْ سم وَالْأَخِيرُ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى اشْتَغَلَ بِأَحَدِهِمَا كَانَ مُعْرِضًا عَنْ الْآخَرِ فَيَفُوتُ تَأَمَّلْ شَوْبَرِيٌّ
قَوْلُهُ: (وَرَكْعَتَا الِاسْتِخَارَةِ) سُمِّيَتْ بِمَا يُطْلَبُ بَعْدَهَا مِنْ خَيْرِ الْأَمْرَيْنِ مَثَلًا فَيُحْرِمُ بِهَا بِنِيَّةِ صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ؛ لِأَنَّهَا لِسَبَبٍ.
اهـ. ق ل وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ وَرَكْعَتَا الِاسْتِخَارَةِ أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ بِرَكْعَةٍ وَلَا سَجْدَةِ تِلَاوَةٍ وَلَا صَلَاةِ جِنَازَةٍ وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِهَا فِي غَيْرِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا مُتَأَخِّرٌ وَفِي التِّرْمِذِيِّ خَبَرُ: «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ كَثْرَةُ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرِضَاهُ بِمَا رَضِيَ اللَّهُ لَهُ، وَمِنْ شَقَاوَتِهِ تَرْكُ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُخْطِهِ بِمَا قَضَى اللَّهُ» وَالِاسْتِخَارَةُ تَكُونُ فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ فَلَا يُسْتَخَارُ فِي فِعْلِهِمَا، وَالْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ فَلَا يُسْتَخَارُ فِي تَرْكِهِمَا فَانْحَصَرَتْ فِي الْمُبَاحِ أَوْ الْمُسْتَحَبِّ إذَا تَعَارَضَ فِيهِ أَمْرَانِ أَيُّهُمَا يَبْدَأُ بِهِ أَوْ يَقْصُرُ عَلَيْهِ؟ وَأَلْحَقَ بِهِ الْوَاجِبَ الْمُخَيَّرَ وَفِيمَا كَانَ مُوَسَّعًا كَالْحَجِّ فِي هَذَا الْعَامِ وَتَكُونُ فِي الْعَظِيمِ وَالْحَقِيرِ.
وَتَحْرُمُ فِي الْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعِبَادَةِ إذَا لَمْ تَطْلُبْ بُطْلَانَهَا كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَرَكْعَتَا الْحَاجَةِ) أَيْ عِنْدَ اللَّهِ أَوْ عِنْدَ مَخْلُوقٍ وَهِيَ قَبْلَهَا وَتَحْصُلُ بِالْفَرْضِ وَالنَّفَلِ.
قَوْلُهُ: (وَرَكْعَتَا التَّوْبَةِ) أَيْ مِنْ الذَّنْبِ وَلَوْ صَغِيرِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ عَقِبَهَا، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَرَكْعَتَا التَّوْبَةِ أَيْ مَنْ يُرِيدُهَا فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ كَمَا قَالَهُ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ.
وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الصَّلَاةَ هَذِهِ تَكُونُ قَبْلَ التَّوْبَةِ؟ وَيُسَنُّ أَيْضًا رَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، لِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَتَابَ مِنْهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَقِبَ تَوْبَتِهِ رَكْعَتَيْنِ شُكْرًا عَلَى حُصُولِهَا وَطَلَبًا لِقَبُولِهَا وَدَوَامِهَا نَقَلَهُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
وَعِبَارَةُ الْعَنَانِيِّ: الصَّلَاةُ قَبْلَ التَّوْبَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَيْضًا فَإِنَّ الصَّلَاةَ وَسِيلَةٌ لِقَبُولِ التَّوْبَةِ وَالْوَسِيلَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَقْصِدِ، فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ الْمُبَادَرَةَ إلَى التَّوْبَةِ وَاجِبَةٌ فَكَيْفَ يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا.
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا كَانَتْ وَسِيلَةً كَانَ الْمُصَلِّي شَارِعًا فِيهَا اهـ. قُلْت: فَالْحَاصِلُ أَنَّ صَلَاةَ التَّوْبَةِ رَكْعَتَانِ قَبْلَهَا أَمَّا الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ بَعْدَهَا وَإِنْ سُنَّتْ، فَلَا يُقَالُ لَهَا صَلَاةُ التَّوْبَةِ.
وَفَائِدَةُ التَّوْبَةِ: أَنَّهَا حَيْثُ صَحَّتْ كَفَّرَتْ الذَّنْبَ قَطْعًا فِي الْكُفْرِ وَظَنًّا فِي غَيْرِهِ وَلَوْ كَبِيرَةً، نَعَمْ الصَّغِيرَةُ يُكَفِّرُهَا غَيْرُ التَّوْبَةِ مِنْ فِعْلٍ نَحْوَ وُضُوءٍ وَهِيَ وَاجِبَةٌ وَلَوْ مِنْ صَغِيرَةٍ وَمِنْ
بِأَرْضٍ لَمْ يَمُرَّ بِهَا قَطُّ.
وَرَكْعَتَانِ عَقِبَ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَمَّامِ.
وَرَكْعَتَانِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ.
وَرَكْعَتَانِ عِنْدَ الْقَتْلِ إنْ أَمْكَنَهُ.
وَرَكْعَتَانِ إذَا عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ وَزُفَّتْ إلَيْهِ، إذْ يُسَنُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قَبْلَ الْوِقَاعِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَأَدِلَّةُ هَذِهِ السُّنَنِ مَشْهُورَةٌ لَا يَحْتَمِلُهَا شَرْحُ هَذَا الْكِتَابِ
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ صَلَاةُ الرَّغَائِبِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَيْلَةَ أَوَّلِ جُمُعَةٍ مِنْ رَجَبٍ، وَصَلَاةُ لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ مِائَة رَكْعَةٍ وَلَا يُغْتَرُّ بِمَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
وَأَفْضَلُ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ الْوِتْرُ ثُمَّ رَكْعَتَا الْفَجْرِ، وَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ بَاقِي رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ ثُمَّ الضُّحَى ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ غَيْرِ سُنَّةِ الْوُضُوءِ كَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَالْإِحْرَامِ وَالتَّحِيَّةِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ سَوَاءٌ؛ وَالْقِسْمُ الَّذِي تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ، نَعَمْ تَفْضُلُ رَاتِبَةُ الْفَرَائِضِ عَلَى التَّرَاوِيحِ، وَأَفْضَلُ الْقِسْمِ الَّذِي تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ تُسَاوِي الْعِيدَيْنِ فِي الْفَضِيلَةِ قَالَ فِي
[حاشية البجيرمي]
تَأْخِيرِهَا أَيْ التَّوْبَةِ فَتَأْخِيرُ التَّوْبَةِ يَجِبُ فِيهِ التَّوْبَةُ، وَهِيَ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ وَلَا يَجِبُ تَجْدِيدُهَا عِنْدَ تَذَكُّرِ الذَّنْبِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَوُجُودُ أَرْكَانِهَا مِنْ النَّدَمِ وَالتَّرْكِ وَالْعَزْمِ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ، وَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُ كَمَنْ قُطِعَ ذَكَرُهُ أَوْ لِسَانُهُ وَيُزَادُ لِحَقِّ الْآدَمِيِّ الْخُرُوجُ مِنْهُ وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: بَادِرْ إلَى التَّوْبَةِ فِي وَقْتِهَا ... فَالْمَرْءُ مَرْهُونٌ بِمَا قَدْ جَنَاهُ وَانْتَهِزْ الْفُرْصَةَ إنْ أَمْكَنَتْ ... مَا فَازَ بِالْكَرْمِ سِوَى مَنْ جَنَاهُ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَعِنْدَ مُرُورِهِ بِأَرْضٍ) عِبَارَةُ م ر وَلِمَنْ دَخَلَ أَرْضًا لَمْ يَعْبُدْ اللَّهَ فِيهَا.
وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ تَشْمَلُهَا اهـ.
قَوْلُهُ: (عَقِبَ الْخُرُوجِ مِنْ الْحَمَّامِ) أَيْ يُصَلِّيهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي أَيْ مَكَان كَانَ لِكَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ
قَوْلُهُ: (فِي الْمَسْجِدِ) لَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِالْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ الْأَفْضَلُ لَا لِلتَّخْصِيصِ، وَيَكْتَفِي بِهِمَا عَنْ رَكْعَتَيْ دُخُولِهِ اهـ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (مِنْ سَفَرِهِ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ قَصِيرًا فَرَاجِعْهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الْقَتْلِ) بِحَقٍّ أَوْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (إذْ يُسَنُّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا) هَذَا أَعَمُّ مِنْ الْمُدَّعَى وَهُوَ جَائِزٌ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ) أَيْ بِأَنْ قَصَدَ خُصُوصَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِلَّا فَهِيَ مِنْ أَفْرَادِ الصَّلَوَاتِ الْمَطْلُوبَةِ مُطْلَقًا ق ل. وَهِيَ تَنْعَقِدُ إذَا لَا مَانِعَ مِنْ انْعِقَادِهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةُ الرَّغَائِبِ) جَمْعُ رَغِيبَةٍ كَصَحَائِفَ جَمْعُ صَحِيفَةٍ أَيْ مَرْغُوبٌ فِيهَا أَيْ مَحْبُوبَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَأَفْضَلُ الْقِسْمِ الَّذِي لَا تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهِ الْوِتْرُ) أَيْ لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ رَكْعَةَ وِتْرٍ خَيْرٌ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَهُوَ كَذَلِكَ، إذْ لَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِ الْقَلِيلِ أَفْضَلَ مِنْ الْكَثِيرِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
وَقَوْلُهُ: (لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ ذَهَبُوا إلَى وُجُوبِ الْوِتْرِ لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ عَنْ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا «الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» فَحَمَلُوا قَوْلَهُ حَقٌّ عَلَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يَجِيءُ بِمَعْنَى الثُّبُوتِ وَالْوُجُوبِ وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الثُّبُوتِ أَيْ هُوَ ثَابِتٌ فِي السُّنَّةِ وَالشَّرْعِ.
قَوْلُهُ: (وَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) أَيْ: وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى النَّفْلِ الْمُطْلَقِ أَيْ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ بِاللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْهُ بِالنَّهَارِ.
قَالَ م ر: وَالْمُرَادُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ تَفْضِيلُ جِنْسٍ عَلَى جِنْسٍ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُفَضِّلُ عَدَدًا قَلِيلًا عَلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ سُنَّةُ الظُّهْرِ أَفْضَلَ مِنْ الصَّلَاةِ الْكَثِيرَةِ فِي اللَّيْلِ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَحَاصِلُ التَّفْضِيلِ أَنْ تَقُولَ أَفْضَلُ النَّفْلِ صَلَاةُ عِيدِ الْأَضْحَى، ثُمَّ الْفِطْرُ، ثُمَّ كُسُوفُ الشَّمْسِ، ثُمَّ خُسُوفُ الْقَمَرِ، ثُمَّ الِاسْتِسْقَاءُ، ثُمَّ الْوِتْرُ، ثُمَّ بَقِيَّةُ الرَّوَاتِبِ الْمُؤَكَّدَةِ، ثُمَّ الرَّوَاتِبُ غَيْرُ الْمُؤَكَّدَةِ، ثُمَّ التَّرَاوِيحُ، ثُمَّ الضُّحَى، ثُمَّ رَكْعَتَا الطَّوَافِ، ثُمَّ التَّحِيَّةُ، ثُمَّ الْإِحْرَامُ، وَقِيلَ: الثَّلَاثَةُ سَوَاءٌ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، ثُمَّ سُنَّةُ الْوُضُوءِ، ثُمَّ النَّفَلُ الْمُطْلَقُ فِي اللَّيْلِ ثُمَّ فِي النَّهَارِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَاقِي رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ) ظَاهِرُهُ اسْتِوَاءُ سُنَّةِ الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ سم لَكِنْ فِي فَتَاوَى م ر يَظْهَرُ تَفْضِيلُ الْبَعْدِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْقَبْلِيَّةَ كَالْمُقَدِّمَةِ وَتِلْكَ تَابِعَةٌ لِلْفَرْضِ حَقِيقَةً وَالتَّابِعُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَتْبُوعِهِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ تَفْضُلُ رَاتِبَةَ الْفَرَائِضِ) أَيْ وَلَوْ غَيْرِ مُؤَكَّدَةٍ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاظَبَ عَلَيْهَا أَيْ: عَلَى جِنْسِهَا الصَّادِقِ بِالْمُؤَكَّدِ مِنْهَا
الْخَادِمِ: لَكِنَّ الْأَرْجَحَ فِي النَّظَرِ تَرْجِيحُ عِيدِ الْأَضْحَى، فَصَلَاتُهُ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفِطْرِ، وَتَكْبِيرُ الْفِطْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَكْبِيرِهِ ثُمَّ بَعْدَ الْعِيدِ فِي الْفَضِيلَةِ كُسُوفُ الشَّمْسِ ثُمَّ خُسُوفُ الْقَمَرِ ثُمَّ الِاسْتِسْقَاءُ ثُمَّ التَّرَاوِيحُ، وَلَا حَصَرَ لِلنَّفْلِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ مَا لَا يَتَقَيَّدُ بِوَقْتٍ وَلَا سَبَبٍ.
قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي ذَرٍّ: «الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ اسْتَكْثِرْ أَوْ أَقِلَّ» فَإِنْ نَوَى فَوْقَ رَكْعَةٍ تَشَهَّدَ آخِرًا فَقَطْ أَوْ آخِرَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَلَا يَتَشَهَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَإِذَا نَوَى قَدْرًا فَلَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ وَالنَّقْصُ عَنْهُ إنْ نُوِيَا وَإِلَّا بَطَلَتْ
[حاشية البجيرمي]
دُونَ التَّرَاوِيحِ، فَإِنَّهُ صَلَّاهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ.
اهـ. م د. فِيهِ أَنَّهُ صَلَّى بَعْضَهَا، وَهُوَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ جَمَاعَةً وَصَلَّى بَاقِيهَا فِي بَيْتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَتَكْبِيرُ الْفِطْرِ) أَيْ الْمُرْسَلِ إذْ لَيْسَ لِعِيدِ الْفِطْرِ تَكْبِيرٌ مُقَيَّدٌ أَمَّا تَكْبِيرُ الْأَضْحَى الْمُقَيَّدِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ التَّابِعَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَتْبُوعِهِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ التَّرَاوِيحُ) فَإِنْ قُلْت: قَالَ جَمْعٌ إنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالِاخْتِلَافُ فِي الْوُجُوبِ يَدُلُّ عَلَى التَّأْكِيدِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ أَيْضًا.
قُلْت: إنَّمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ فِي الِاخْتِلَافِ فِي الْوُجُوبِ الْمَذْهَبِيِّ كَالِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِ الْعِيدَيْنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَوُجُوبِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَالتَّرَاوِيحُ لَمْ يُحْفَظْ فِيهَا ذَلِكَ فِي مَذْهَبِنَا، عَلَى أَنَّ مُوجِبَهَا مُدْرَكُهُ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدٍ وَلَا أَفْضَلِيَّةٍ وَتَفْضِيلُ الْوِتْرِ لَيْسَ لِرِعَايَةِ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَطْ بَلْ لِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» وَصَرَفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ عِنْدَنَا عِدَّةُ أَخْبَارٍ مِنْهَا «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ قَالَ لَهُ: هَلْ عَلِيَّ غَيْرُهَا؟ : لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» وَإِلَّا لَقَيَّدَ أَيْ الْوُجُوبَ بِثَلَاثٍ، إذْ هُوَ لَا يُجِيزُ أَيْ أَبُو حَنِيفَةَ أَكْثَرَ مِنْهَا اهـ إيعَابٌ مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (خَيْرُ مَوْضُوعٍ) أَيْ خَيْرُ شَيْءٍ وَضَعَهُ الشَّارِعُ لِلتَّعَبُّدِ بِهِ وَهَذَا عَلَى إضَافَةِ خَيْرٍ لِمَا بَعْدَهُ وَهِيَ أَوْلَى مِنْ تَنْوِينِهِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تُعَيِّنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: خَيْرُ أَفْعَلَ تَفْضِيلٍ فَيَكُونَ فِيهِ تَفْضِيلُ الصَّلَاةِ عَلَى مَا عَدَاهَا بِخِلَافِ الْوَصْفِيَّةِ، فَلَا تُعَيِّنُ ذَلِكَ وَفِيهِ أَنَّ أَفْضَلِيَّةَ الصَّلَاةِ عَلَى مَا عَدَاهَا لَمْ تُدَّعَ هُنَا، وَإِنْ كَانَتْ حَاصِلَةً وَيَلْزَمُ عَلَى التَّنْوِينِ فَوَاتُ التَّرْغِيبِ فِيهَا الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ اسْتَكْثِرْ أَوْ أَقِلَّ، وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ قَوْلُهُ الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ هُوَ بِالْإِضَافَةِ لَا الْوَصْفِيَّةِ لِإِفَادَةِ التَّرْغِيبِ فِيهِ أَيْ خَيْرُ شَيْءٍ طُلِبَ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمَطْلُوبَةِ عَلَى سَبِيلِ السُّنِّيَّةِ، فَلَا يُعَارِضُ قَوْلَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ نَوَى فَوْقَ رَكْعَةٍ) فَوْقَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ عَدَدًا أَوْ قَدْرًا فَوْقَ أَيْ نَوَى الزِّيَادَةَ عَلَى رَكْعَةٍ سَوَاءٌ عَيَّنَ قَدْرًا أَوْ لَا.
وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ سَيَقُولُ وَإِذَا نَوَى قَدْرًا فَلَهُ الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ آخِرَ كُلِّ إلَخْ) نُسْخَةٌ أَوْ آخِرًا وَكُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَهِيَ الصَّوَابُ وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ تَشَهَّدَ آخِرًا أَوْ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ اهـ. وَقَوْلُهُ: تَشَهَّدَ آخِرًا وَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّا بَعْدَهُ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر. فَإِنْ أَحْرَمَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ فَلَهُ التَّشَهُّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَكُلِّ ثَلَاثٍ وَكُلِّ أَرْبَعٍ، وَهَكَذَا فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَأَكْثَرَ أَيْ فَكُلِّ أَكْثَرَ سَوَاءٌ الْأَوْتَارُ وَالْأَشْفَاعُ، وَلَا يُشْتَرَطُ تُسَاوِي الْأَعْدَادِ قَبْلَ كُلِّ تَشَهُّدٍ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ وَيَتَشَهَّدَ ثُمَّ ثَلَاثًا وَيَتَشَهَّدَ ثُمَّ أَرْبَعًا وَهَكَذَا اهـ. قَوْلُهُ: (فَلَا يَتَشَهَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يُوقِعُ رَكْعَةً غَيْرَ الْأَخِيرَةِ بَيْنَ تَشَهُّدَيْنِ.
قَالَ شَيْخُنَا م ر: وَهَذَا مُبْطِلٌ فِي النَّفْلِ وَالْفَرْضِ، وَخَالَفَهُ حَجّ فِي الْفَرْضِ ق ل أَيْ: إذَا لَمْ يُطِلْ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ بِأَنَّ كَيْفِيَّةَ الْفَرْضِ اسْتَقَرَّتْ فَلَمْ يُنْظَرْ لِإِحْدَاثِ مَا لَمْ يَعْهَدْ فِيهَا بِخِلَافِ النَّفْلِ اهـ. وَقَدْ عَلِمْت أَنْ الْمُعْتَمَدَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا حَتَّى فِي الْفَرْضِ اج.
وَقَوْلُهُ: فَلَا يَتَشَهَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ أَيْ ابْتِدَاءً وَقَصْدًا، فَلَوْ نَوَى رَكْعَةً وَتَشَهَّدَ، ثُمَّ عَنَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ ثَانِيَةٍ فَأَتَى بِهَا وَتَشَهَّدَ ثُمَّ عَنَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ ثَالِثَةٍ فَأَتَى بِهَا وَتَشَهَّدَ، ثُمَّ عَنَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ رَابِعَةٍ وَهَكَذَا فَلَهُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا نَوَى قَدْرًا) أَيْ رَكْعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ وَلَا يُتَصَوَّرُ النَّقْصُ فِي الرَّكْعَةِ وَلَا يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا ق ل.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ) أَيْ وَالْإِتْيَانُ بِمَنْوِيِّهِ أَفْضَلُ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالنَّقْصُ عَنْهُ) وَيُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْخُرُوجِ حِينَئِذٍ عِنْدَ السَّلَامِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَيْسَ لَنَا صُورَةُ يَجِبُ فِيهَا نِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إلَّا هَذِهِ.
قَوْلُهُ: (إنْ نُوِيَا) أَيْ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ، وَهَذَا مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ مُتَيَمِّمٍ لِفَقْدِ الْمَاءِ، وَقَدْ وَجَدَهُ فِي أَثْنَاءِ عَدَدٍ نَوَاهُ أَمَّا هُوَ فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا نَوَاهُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ كَافْتِتَاحِ صَلَاةٍ أُخْرَى ح ل. قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) بِأَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ بِلَا نِيَّةٍ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ إنْ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى الْقُعُودِ فِي مَسْأَلَةِ الزِّيَادَةِ أَوْ جَلَسَ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ فِي مَسْأَلَةِ النَّقْصِ.
وَقَوْلُهُ: سَهْوًا فَتَذَكَّرَ أَوْ جَهْلًا فَعَلِمَ ح ل. وَقَوْلُهُ: إنْ صَارَ إلَى الْقِيَامِ
صَلَاتُهُ، فَإِنْ قَامَ لِزَائِدٍ سَهْوًا فَتَذَكَّرَ قَعَدَ ثُمَّ قَامَ لِلزَّائِدِ إنْ شَاءَ، وَالنَّفَلُ الْمُطْلَقُ بِلَيْلٍ أَفْضَلُ مِنْهُ بِالنَّهَارِ، وَبِأَوْسَطِهِ أَفْضَلُ مِنْ طَرَفَيْهِ إنْ قَسَّمَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ ثُمَّ آخِرُهُ أَفْضَلُ مِنْ أَوَّلِهِ إنْ قَسَّمَهُ قِسْمَيْنِ، وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ السُّدُسُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ، وَيُسَنُّ السَّلَامُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ نَوَاهَا أَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَفْعَلَ بَيْنَ سُنَّةِ الْفَجْرِ وَالْفَرِيضَةِ بِاضْطِجَاعٍ عَلَى يَمِينِهِ لِلِاتِّبَاعِ وَأَنْ يَقْرَأَ فِي أَوَّلِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالِاسْتِخَارَةِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وَفِي الثَّانِيَةِ:
[حاشية البجيرمي]
أَقْرَبَ.
وَقَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: تَبْطُلُ بِشُرُوعِهِ فِي الْقِيَامِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ قَامَ لِزَائِدٍ) أَوْ صَارَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ أَوْ مُسَاوِيًا.
قَوْلُهُ: (قَعَدَ) أَيْ وُجُوبًا وَلَا تَكْفِيهِ نِيَّةُ الزِّيَادَةِ حَالَةَ قِيَامِهِ أَيْ: وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ آخِرَ صَلَاتِهِ؛ لِأَنَّ تَعَمُّدَ قِيَامِهِ مُبْطِلٌ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ الزِّيَادَةَ قَعَدَ وَتَشَهَّدَ ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَيُسَلِّمُ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ قَامَ) أَيْ أَوْ فَعَلَهُ مِنْ قُعُودِ بِرْمَاوِيٍّ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ آخِرِهِ) أَيْ ثُمَّ مَا هُوَ بِآخِرِهِ فَهُوَ بِالْجَرِّ أَيْ: نِصْفُهُ الْآخِرُ أَفْضَلُ مِنْ نِصْفِهِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ: (إنْ قَسَمَهُ قِسْمَيْنِ) أَيْ نِصْفَيْنِ وَكَذَا لَوْ قَسَّمَهُ أَثْلَاثًا أَوْ أَرْبَاعًا عَلَى نِيَّةِ أَنَّهُ يَقُومُ ثُلُثًا وَاحِدًا أَوْ رُبْعًا وَاحِدًا وَيَنَامُ الْبَاقِيَ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَجْعَلَ مَا يَقُومُهُ آخِرًا.
قَوْلُهُ: (وَأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ النِّصْفِ الثَّانِي السُّدُسُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ إذَا قَسَّمَهُ أَسْدَاسًا كَمَا فِي ح ل. وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ: أَيْ مِنْ الْوَسَطِ وَالْآخِرِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَعِبَارَةُ م د: قَوْلُهُ مِنْ ذَلِكَ الْإِشَارَةُ لِجَوْفِهِ وَآخِرِهِ لِاشْتِمَالِ السُّدُسَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى بَعْضِ الْجَوْفِ وَبَعْضِ الْآخِرِ.
وَقَوْلُهُ: (السُّدُسُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ) لِيَنَامَ السُّدُسَ السَّادِسَ فَيَكُونُ أَنْشَطَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى صَلَاةُ دَاوُد كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ اهـ.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ سُنَّةِ الْفَجْرِ) وَلَوْ قَضَاءً، وَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ ابْتِدَاءً ثُمَّ صَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ بَعْدَهُ لَا يَضْطَجِعُ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا يَضْطَجِعُ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اهـ اج، فَإِنْ لَمْ يَضْطَجِعْ فَصَلَ بِكَلَامٍ غَيْرِ دُنْيَوِيٍّ فَإِنْ لَمْ يَفْصِلْ بِكَلَامٍ انْتَقَلَ مِنْ مَحَلِّ السُّنَّةِ اهـ.
قَوْلُهُ: (بِاضْطِجَاعٍ عَلَى يَمِينِهِ) أَيْ أَوْ يَسَارِهِ وَالْيَمِينُ أَفْضَلُ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ تَذَكُّرِ ضَجْعَةِ الْقَبْرِ أَوَّلَ النَّهَارِ لِيَكُونَ بَاعِثًا لَهُ عَلَى أَعْمَالِ الْآخِرَةِ أَوْ لِإِظْهَارِ الْعَجْزِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ق ل. وَيَقُولُ فِي حَالِ اضْطِجَاعِهِ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَعِزْرَائِيلَ وَرَبَّ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَرَنِي مِنْ النَّارِ ثَلَاثًا.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَقْرَأَ فِي أَوَّلِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ إلَخْ) وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: يُنْدَبُ فِي أَوَّلِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَلَمْ نَشْرَحْ، وَفِي الثَّانِيَةِ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَلِذَلِكَ قِيلَ مَنْ صَلَّاهُمَا بِأَلَمْ وَأَلَمْ لَمْ يُصِبْهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَلَمٌ رَحْمَانِيٌّ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ وَسَائِلِ الْحَاجَاتِ: بَلَغَنَا مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّالِحِينَ وَمِنْ أَرْبَابِ الْقُلُوبِ أَنَّ مَنْ قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَك، وَأَلَمْ تَرَ كَيْفَ قُصِرَتْ عَنْهُ يَدُ كُلِّ عَدُوٍّ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ عَلَيْهِ سَبِيلًا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ مُجَرَّبٌ بِلَا شَكٍّ اهـ. فَائِدَةٌ: عَنْ التِّرْمِذِيِّ الْحَكِيمِ قَالَ: رَأَيْت اللَّهَ فِي الْمَنَامِ مِرَارًا فَقُلْت لَهُ: يَا رَبُّ إنِّي أَخَافُ زَوَالَ الْإِيمَانِ فَأَمَرَنِي بِهَذَا الدُّعَاءِ بَيْنَ سُنَّةِ الصُّبْحِ وَالْفَرِيضَةِ أَحَدًا وَأَرْبَعِينَ مَرَّةً، وَهُوَ هَذَا " يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا بَدِيعَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْأَلُك أَنْ تُحْيِيَ قَلْبِي بِنُورِ مَعْرِفَتِك يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ يَا اللَّهُ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ".
وَذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْوَهَّابِ الشَّعْرَانِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالدَّلَالَةِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي الْعَبَّاسِ الْخَضِرِ عَنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «سَأَلْتُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ نَبِيٍّ عَنْ اسْتِعْمَالِ شَيْءٍ يَأْمَنُ الْعَبْدُ بِهِ مِنْ سَلْبِ الْإِيمَانِ فَلَمْ يُجِبْنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ، حَتَّى اجْتَمَعْت بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ حَتَّى أَسْأَلَ رَبَّ الْعِزَّةِ عَنْ ذَلِكَ، فَسَأَلَ رَبَّ الْعِزَّةِ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ وَاظَبَ عَلَى قِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَآمَنَ الرَّسُولُ إلَى آخِرِ السُّورَةِ، وَشَهِدَ اللَّهُ إلَى قَوْلِهِ الْإِسْلَامُ، وَقُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ إلَى قَوْلِهِ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَسُورَةَ الْإِخْلَاصِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَالْفَاتِحَةَ عَقِبَ كُلِّ صَلَاةٍ أَمِنَ سَلْبَ الْإِيمَانِ» اهـ.
وَنُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْت رَبَّ الْعِزَّةِ فِي الْمَنَامِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ مَرَّةً فَقُلْت فِي
الْإِخْلَاصَ، وَيَتَأَكَّدُ إكْثَارُ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارُ فِي جَمِيعِ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَفِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ آكَدُ.
وَعِنْدَ السَّحَرِ أَفْضَلُ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَنَذْكُرُهُ مُخْتَصَرًا لِتَتِمَّ بِهِ الْفَائِدَةُ لِحَافِظِ هَذَا الْمُخْتَصَرِ.
تُسَنُّ سَجَدَاتُ تِلَاوَةٍ لِقَارِئٍ وَسَامِعٍ قَصَدَ السَّمَاعَ أَمْ لَا؟ قِرَاءَةً لِجَمِيعِ آيَةِ السَّجْدَةِ مَشْرُوعَةً وَتَتَأَكَّدُ لِلسَّامِعِ بِسُجُودِ
[حاشية البجيرمي]
نَفْسِي: إنْ رَأَيْته تَمَامَ الْمِائَةِ لَأَسْأَلَنَّهُ بِمَ يَنْجُو الْخَلَائِقُ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: فَرَأَيْته فَقُلْت يَا رَبُّ عَزَّ جَارُك وَجَلَّ ثَنَاؤُك وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُك بِمَ يَنْجُو عِبَادُك يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَذَابِك؟ فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: مَنْ قَالَ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ: " سُبْحَانَ الْأَبَدِيِّ الْأَبَدْ، سُبْحَانَ الْوَاحِدِ الْأَحَدْ، سُبْحَانَ الْفَرْدِ الصَّمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ رَفَعَ السَّمَاءَ بِغَيْرِ عَمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ بَسَطَ الْأَرْضَ عَلَى مَاءٍ جَمَدْ، سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الْخَلْقَ وَأَحْصَاهُمْ عَدَدْ، سُبْحَانَ مَنْ قَسَمَ الرِّزْقَ وَلَمْ يَنْسَ أَحَدْ، سُبْحَانَ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدْ، سُبْحَانَ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدْ نَجَا مِنْ عَذَابِي ". ذَكَرَهُ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْأَحْبَابِ اهـ. وَاَلَّذِي فِيهِ إضَافَةُ سُبْحَانَ لِلَّفْظِ الْجَلَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى وَفِي الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ.
وَنَصُّهَا فِيهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ رَافِعِ السَّمَاءِ إلَخْ وَفِي التَّاسِعَةِ وَنَصُّهَا فِيهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ إلَخْ اهـ وَفِيهِ أَيْضًا قَالَ سَيِّدِي أَحْمَدُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِهِ لِحِزْبِ الْبَحْرِ: قَدْ ذَكَرَ النَّاسُ وُجُوهًا وَأَذْكَارًا لِطَلَبِ الْغِنَى وَفِي الْحَدِيثِ: " مَنْ قَالَ بَيْنَ الْفَجْرِ وَالصُّبْحِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، وَسُبْحَانَ مَنْ يَمُنُّ وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، سُبْحَانَ مِنْ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ، سُبْحَانَ مَنْ لَا يُبْرَأُ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إلَّا إلَيْهِ، سُبْحَانَ مَنْ التَّسْبِيح مِنَّةٌ مِنْهُ عَلَى مَنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ، سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ كُلُّ شَيْءِ بِحَمْدِهِ، سُبْحَانَك لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ يَا مَنْ يُسَبِّحُ لَهُ الْجَمِيعُ تَدَارَكْنِي بِعَفْوِك فَإِنِّي جَزُوعٌ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِائَةَ مَرَّةٍ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا إلَّا وَقَدْ أَتَتْهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا ". هُوَ مُجَرَّبُ الْإِفَادَةِ بِشَرْطِ التَّقْوَى كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا الْحِفْنِيُّ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَعِنْدَ السَّحَرِ) هُوَ سُدُسُ اللَّيْلِ الْأَخِيرُ ق ل عَلَى الْمُحَلَّى.
وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ: هُوَ مَا بَيْنَ الْفَجْرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ) أَيْ؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَوَاتِ وَالسَّجَدَاتِ لَيْسَتْ صَلَاةً وَذِكْرُهُمَا هُنَا أَنْسَبُ مِنْ ذِكْرِهِمَا مَعَ سُجُودِ السَّهْوِ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْهُمَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِقْلَالِ كَمَا يَأْتِي.
اهـ. ق ل. وَالْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ مِنْ إضَافَةِ الْمُسَبَّبِ لِلسَّبَبِ وَيَجِبُ عَلَى الْمُصَلِّي نِيَّتُهَا بِالْقَلْبِ إذَا كَانَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا لَا إذَا كَانَ مَأْمُومًا شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَنَذْكُرُهُ) أَيْ مَا لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (تُسَنُّ سَجَدَاتُ تِلَاوَةٍ) أَيْ عِنْدَنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ وَوَاجِبَةٌ عِنْدَ التِّلَاوَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا تَفُوتُ عِنْدَهُ بِمُضِيِّ الزَّمَنِ وَدَلِيلُ نَدْبِهِ خَبَرُ مُسْلِمٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ: يَا وَيْلَتِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرَتْ بِالسُّجُودِ فَعَصَيْتُ فَلِيَ النَّارُ» وَخَبَرُ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ شَرْحُ م ر. وَدَلِيلُنَا عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ «أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُورَةَ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ» . رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - التَّصْرِيحُ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهَذَا مِنْهُ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ الْعَظِيمِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَأَمَّا ذَمُّهُ تَعَالَى مَنْ لَمْ يَسْجُدْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21] فَوَارِدٌ فِي الْكُفَّارِ بِدَلِيلِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ وَمَا بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا قَالُوا سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَلَمْ يَقُولُوا سُجُودُ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ التِّلَاوَةَ أَخَصُّ مِنْ الْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّ التِّلَاوَةَ لَا تَكُونُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْقِرَاءَةُ تَكُونُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا تَقُولُ فُلَانٌ قَرَأَ اسْمَهُ وَلَا تَقُولُ تَلَا اسْمَهُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ التِّلَاوَةِ مِنْ قَوْلِك: تَلَا الشَّيْءَ يَتْلُوهُ إذَا تَبِعَهُ، فَإِذَا لَمْ تَكُنْ الْكَلِمَةُ تَتْبَعُ أُخْتَهَا لَمْ تُسْتَعْمَلْ فِيهَا التِّلَاوَةُ وَتُسْتَعْمَلُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ،؛ لِأَنَّ
الْقَارِئِ، وَهِيَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةٍ: سَجْدَتَا الْحَجِّ، وَثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ فِي النَّجْمِ وَالِانْشِقَاقِ وَاقْرَأْ، وَالْبَقِيَّةُ فِي
[حاشية البجيرمي]
الْقِرَاءَةَ اسْمٌ لِجِنْسِ هَذَا الْفِعْلِ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ عَدَمُ كُفْرِ مَنْ أَنْكَرَ مَشْرُوعِيَّةَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْلُومًا مِنْ الدِّين بِالضَّرُورَةِ أَيْ يَعْرِفُهُ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ، وَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْخَرَشِيُّ عَلَى الشَّيْخِ خَلِيلِ اهـ.
قَوْلُهُ: (لِقَارِئٍ وَسَامِعٍ) وَلَا فَرْقَ فِي الْقَارِئِ أَيْ الَّذِي يَسْجُدُ السَّامِعُ لِقِرَاءَتِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا وَلَوْ جُنُبًا مُعَانِدًا؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالْفُرُوعِ وَلَا يَعْتَقِدُ حُرْمَةَ ذَلِكَ م ر سم.
أَوْ مَلِكًا أَوْ جُنُبًا أَوْ قَرَأَ آيَةً بَيْنَ يَدَيْ مُدَرِّسٍ لِيُفَسِّرهَا لَهُ، وَلَا يُقَالُ إنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ التِّلَاوَةَ فَلَا سُجُودَ لَهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ: بَلْ قَصَدَ تِلَاوَتَهَا لِتَقْرِيرِ مَعْنَاهَا لَا لِقِرَاءَةِ جُنُبٍ مُسْلِمٍ بَالِغٍ وَسَكْرَانَ وَسَاهٍ وَنَائِمٍ وَلَا لِقِرَاءَةٍ فِي جِنَازَةٍ أَوْ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَلَا فِي نَحْوِ رُكُوعٍ لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّتِهَا شَرْحُ م ر. وَالْمُرَادُ بِالْمَشْرُوعَةِ أَنْ لَا تَكُونَ مُحَرَّمَةً وَلَا مَكْرُوهَةً لِذَاتِهَا، وَأَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً وَيَخْرُجُ بِقَوْلِهِ مَشْرُوعَةٌ الْقِرَاءَةُ الْمُحَرَّمَةُ وَالْمَكْرُوهَةُ، فَالْأُولَى كَقِرَاءَةِ الْمُسْلِمِ الْجُنُبِ كَمَا قَالَهُ الشَّوْبَرِيُّ، وَقَدْ يُقَالُ تَحْرِيمُهَا لِعَارِضٍ وَهُوَ الْجَنَابَةُ لَا لِذَاتِهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَتْ الْجَنَابَةُ قَائِمَةً بِالْقَارِئِ كَانَ تَحْرِيمُهَا لِذَاتِهَا، وَالثَّانِيَةُ كَقِرَاءَةِ الْمُصَلِّي فِي غَيْرِ الْقِيَامِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مَقْصُودَةُ قِرَاءَةِ السَّكْرَانِ وَالسَّاهِي، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَكُونَ آيَتُهَا بَدَلًا عَنْ الْفَاتِحَةِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (قَصَدَ السَّمَاعَ) وَيُقَالُ لَهُ مُسْتَمِعٌ.
قَوْلُهُ: (قِرَاءَةً) تَنَازَعَهُ قَارِئٌ وَسَامِعٌ.
قَوْلُهُ: (لِجَمِيعِ آيَةِ السَّجْدَةِ) أَيْ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَجُمْلَةُ الشُّرُوطِ سِتَّةٌ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ مَشْرُوعَةً مَقْصُودَةً مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِجَمِيعِ الْآيَةِ.
وَأَنْ لَا تَكُونَ بَدَلًا عَنْ الْفَاتِحَةِ هَذِهِ عَامَّةٌ فَإِنْ كَانَ مُصَلِّيًا لَا بُدَّ أَنْ لَا يَقْصِدَ بِقِرَاءَتِهِ السُّجُودَ فِي غَيْرِ صُبْحِ الْجُمُعَةِ بِ الم تَنْزِيلُ، فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا شَرَطَ أَنْ لَا يَسْجُدَ إلَّا لِسُجُودِ إمَامِهِ.
وَفِي م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَقْصِدَ الْمُصَلِّي بِقِرَاءَتِهِ السُّجُودَ، وَإِلَّا حَرُمَ وَبَطَلَتْ بِهِ الصَّلَاةُ أَيْ غَيْرِ صُبْحِ الْجُمُعَةِ، أَمَّا هُوَ فَلَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ آيَةِ السَّجْدَةِ عِنْدَ حَجّ وَخَصَّ م ر. عَدَمَ الْبُطْلَانِ بِآيَةِ السَّجْدَةِ.
قَوْلُهُ: (مَشْرُوعَةً) أَيْ وَلَوْ مِنْ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ، وَإِنْ كَانَ جُنُبًا أَوْ امْرَأَةٍ وَلَوْ بِحَضْرَةِ أَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّ قِرَاءَتَهَا مَشْرُوعَةٌ فِي الْجُمْلَةِ أَوْ كَانَ خَطِيبًا أَمْكَنَتْهُ عَلَى مِنْبَرِهِ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ أَوْ أَسْفَلِهِ وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، وَلَا يَجُوزُ سُجُودُ سَامِعِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ الْخُطْبَةِ أَيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ، فَلَا يَرِدُ أَنْ يُقَالَ مَا الْمَانِعُ مِنْ أَنَّهُمْ يَسْجُدُونَ مَعَ سُجُودِهِ، أَوْ كَانَ مُصَلِّيًا بِأَنْ قَرَأَ فِي قِيَامٍ وَسَجَدَ لِلْقِرَاءَةِ فِي السُّوقِ وَالْحَمَّامِ وَالْخَلَاءِ وَإِنْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً؛ لِأَنَّهَا أَيْ الْكَرَاهَةَ لِخَارِجٍ كَمَا قَالَهُ سم وَلَا تَرِدُ قِرَاءَةُ الرُّكُوعِ وَنَحْوِهِ حَيْثُ لَا يُطْلَبُ لَهَا سُجُودٌ مَعَ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ؛ لِأَنَّ نَحْوَ الرُّكُوعِ لَمَّا طُلِبَ فِيهِ ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ صَارَتْ الْقِرَاءَةُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ غَيْرَ مَشْرُوعَةٍ.
وَانْظُرْ لَوْ قَرَأَ غَيْرُ الْمَيِّتِ هَلْ هُوَ كَقِرَاءَةِ النَّائِمِ لَا يَسْجُدُ لَهَا أَوْ لَا فَلْيُحَرَّرْ اج.
وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر: وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ قَرَأَ الْمَيِّتُ آيَةَ سَجْدَةٍ كَرَامَةً فَهَلْ يَسْجُدُ السَّامِعُ لَهُ أَمْ لَا.
قَالَ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ لَا تَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِمْ فَلَا مَانِعَ أَنْ يَقْرَأَ الْمَيِّتُ قِرَاءَةً حَسَنَةً يَلْتَذُّ بِهَا، فَحِينَئِذٍ يُشْرَعُ لِسَامِعِهِ السُّجُودُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ مُكَلَّفًا إذْ هِيَ مِنْ الْمُمَيِّزِ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ الْمَيِّتُ كَالسَّاهِي وَالْجَمَادِ وَنَحْوِهِمَا، وَأَمَّا لَوْ مُسِخَ وَقَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ الْمَسْخُ الْحَاصِلُ تَبَدُّلِ صِفَةٍ سَجَدَ السَّامِعُ لِقِرَاءَتِهِ آيَتَهَا؛ لِأَنَّ الْمَمْسُوخَ كَمَا ذُكِرَ آدَمِيٌّ حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ تَبَدُّلُ ذَاتٍ فَلَا؛ لِأَنَّهُ إمَّا حَيَوَانٌ كَالدُّرَّةِ الْمَعْلُومَةِ فَهُوَ فَاقِدٌ لِلتَّمْيِيزِ، وَإِمَّا جَمَادٌ وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يَسْجُدُ لِقِرَاءَتِهِ اهـ. وَتَأَكُّدِهَا لِلْمُسْتَمِعِ أَقْوَى مِنْ تَأَكُّدِهَا لِلسَّامِعِ وَالْمُسْتَمِعِ هُوَ مَنْ قَصَدَ السَّمَاعَ وَالسَّامِعُ هُوَ مِنْ يَسْمَعُ سَوَاءٌ قَصَدَ السَّمَاعَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ فَكُلُّ مُسْتَمِعٍ سَامِعٌ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ.
قَالَ م ر: وَالْأَوْجَهُ فِي قَارِئٍ وَسَامِعٍ وَمُسْتَمِعٍ لَهَا قَبْلَ صَلَاةِ التَّحِيَّةِ أَنَّهُ يَسْجُدُ ثُمَّ يُصَلِّيهَا؛ لِأَنَّهُ جُلُوسٌ قَصِيرٌ لِعُذْرٍ فَلَا تَفُوتُ بِهِ فَإِنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَالسُّجُودُ أَفْضَلُ لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهِ.
قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَأْتِي هُنَا مَا مَرَّ فِي التَّحِيَّةِ مِنْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ، إذَا كَانَ الْقَارِئُ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ.
اهـ. رَحْمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً) وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
فَائِدَةٌ فِي سُوَرِ السُّجُودِ ... نَظَمْتهَا كَالدُّرِّ فِي الْعُقُودِ
فِي الِانْشِقَاقِ سَجْدَةٌ وَالْإِسْرَا ... وَسَجْدَةُ التَّنْزِيلِ ثُمَّ اقْرَا
الْأَعْرَافِ وَالرَّعْدِ وَالنَّحْلِ وَالْإِسْرَاءِ وَمَرْيَمَ وَالْفُرْقَانِ وَالنَّمْلِ والم تَنْزِيلُ وحم السَّجْدَةِ، وَمَحَالُّهَا مَعْرُوفَةٌ لَيْسَ مِنْهَا سَجْدَةُ (ص) بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ.
[حاشية البجيرمي]
وَالرَّعْدِ ثُمَّ النَّجْمِ ثُمَّ النَّحْلِ ... وَمَرْيَمَ فُرْقَانِ ثُمَّ النَّمْلِ
فِي الْحَجِّ ثِنْتَانِ وَفِي الْأَعْرَافِ ... وَسَجْدَةٌ فِي فُصِّلَتْ تُوَافِي
أَيْ تُكْمِلُ الْعَدَدَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ثُمَّ فِي النَّظْمِ لِلتَّرْتِيبِ الْإِخْبَارِيِّ فَقَطْ.
تَنْبِيهٌ: إنْ قِيلَ لِمَا اُخْتُصَّتْ هَذِهِ الْأَرْبَعُ عَشْرَةَ بِالسُّجُودِ عِنْدَهَا مَعَ ذِكْرِ السُّجُودِ.
وَالْأَمْرُ بِهِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَآخِرِ الْحِجْرِ وَهَلْ أَتَى.
قُلْنَا: لِأَنَّ تِلْكَ فِيهَا مَدْحُ السَّاجِدِينَ صَرِيحًا وَذَمُّ غَيْرِهِمْ تَلْوِيحًا أَوْ عَكْسُهُ، فَشُرِعَ لَنَا السُّجُودُ حِينَئِذٍ لِغُنْمِ الْمَدْحِ تَارَةً وَالسَّلَامَةِ مِنْ الذَّمِّ أُخْرَى، وَأَمَّا مَا عَدَاهَا فَلَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ، بَلْ نَحْوُ أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُجَرَّدًا مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا لَا دَخْلَ لَنَا فِيهِ فَلَمْ يُطْلَبْ مِنَّا سُجُودٌ عِنْدَهُ فَتَأَمَّلْهُ سَبْرًا وَفَهْمًا يَتَّضِحُ لَك ذَلِكَ، وَأَمَّا: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: 113] فَهُوَ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ ذِكْرِ فَضِيلَةٍ لِمَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَجّ.
أَيْ: فَهُوَ مَدْحٌ لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَكَلَامُنَا فِي مَدْحٍ عَامٍّ لَكِنْ يَرِدُ عَلَى الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ ﴿كَلا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19] فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لَهَا مَعَ أَنَّ فِيهَا أَمْرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (سَجْدَتَا الْحَجِّ) الْأُولَى عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: 18] وَالثَّانِيَةُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77] وَفِي الْأَعْرَافِ آخِرَهَا وَالرَّعْدِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: 15] وَالنَّحْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50] وَقِيلَ: " يَسْتَكْبِرُونَ " وَالْإِسْرَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109] وَمَرْيَمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58] وَالْفُرْقَانِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60] وَالنَّمْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: 26] والم تَنْزِيلُ ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15] وَفُصِّلَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37] وَالنَّجْمِ آخِرَهَا، وَالِانْشِقَاقِ ﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21] . وَقِيلَ آخِرَهَا.
وَفِي صَ (وَأَنَابَ) وَقِيلَ (مَآبَ) اهـ. عَنَانِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ وَعِبَارَةُ م د عَلَيْهِ.
وَمَحَالُّ السَّجَدَاتِ مَعْرُوفَةٌ، نَعَمْ الْأَصَحُّ أَنَّ أَخِرَ آيَاتِهَا فِي النَّحْلِ يُؤْمَرُونَ وَفِي النَّمْلِ الْعَظِيمِ، وَفِي فُصِّلَتْ يَسْأَمُونَ وَفِي الِانْشِقَاقِ لَا يَسْجُدُونَ اهـ. وَالْبَقِيَّةُ لَا خِلَافَ فِيهَا، وَإِنَّمَا نَصَّ أَوَّلًا عَلَى سَجْدَتَيْ الْحَجِّ لِخِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْمُفَصَّلَ عَلَى مَا بَعْدَهُ مَعَ أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ لِلرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ الْقَائِلِ بِأَنَّ الْمُفَصَّلَ لَا سَجْدَةَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (لَيْسَ مِنْهَا سَجْدَةُ صَ) قِرَاءَةُ صَ بِالْإِسْكَانِ وَبِالْفَتْحِ وَبِالْكَسْرِ بِلَا تَنْوِينٍ وَبِهِ مَعَ التَّنْوِينِ، وَإِذَا كُتِبَتْ فِي الْمُصْحَفِ تُكْتَبْ حَرْفًا وَاحِدًا، وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَمِنْهُمْ مِنْ يَكْتُبُهَا كَذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَكْتُبُهَا بِاعْتِبَارِ رَسْمِهَا ثَلَاثَةَ أَحْرُفٍ شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ) أَيْ فَيُنْوَى بِهَا سُجُودُ الشُّكْرِ عَلَى تَوْبَةِ دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ -؛ لِأَنَّ دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سَجَدَهَا شُكْرًا عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ أَيْ: مِنْ خِلَافِ الْأُولَى الَّذِي ارْتَكَبَهُ وَهُوَ إضْمَارُهُ أَنَّ وَزِيرَهُ إنْ مَاتَ تَزَوَّجَ بِزَوْجَتِهِ، لَكِنَّ قَبُولَ تَوْبَةِ دَاوُد مِنْ النِّعَمِ الْمُسْتَمِرَّةِ، فَلَعَلَّ السُّجُودَ لَهَا مُسْتَثْنًى مِنْ تَجَدُّدِ النِّعْمَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ وُجِدَ بَعْدَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَأَمَّلْ بِلُطْفٍ سم وَلَا تَصِحُّ بِنِيَّةِ التِّلَاوَةِ وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: " صَ لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ ". أَيْ: لَيْسَتْ مِنْ مُؤَكَّدَاتِهِ اهـ خ ض. وَلَوْ قَرَأَهَا نَحْوَ حَنَفِيٍّ وَسَجَدَهَا فِي الصَّلَاةِ تَخَيَّرَ الشَّافِعِيُّ الْمُقْتَدِيَ بِهِ بَيْنَ الْمُفَارَقَةِ وَالِانْتِظَارِ، فَإِنْ تَابَعَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لَكِنَّ سُجُودَ الْإِمَامِ لَهَا وَلَوْ اعْتِقَادًا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ السَّهْوِ فَيُسَنُّ وَلَا يُنَافِي أَنَّ الْعِبْرَةَ بِاعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ فِيمَا لَا يَرَى الْمَأْمُومُ جِنْسَهُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا فِي م ر وَعِبَارَةُ الْبَيْضَاوِيِّ فِي سُورَةِ صَ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: 24] ابْتَلَيْنَاهُ بِالذَّنْبِ أَوْ امْتَحَنَّاهُ بِالْحُكُومَةِ هَلْ تَنَبَّهَ بِهَا ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ [ص: 24] لِذَنْبِهِ ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [ص: 24] أَيْ سَاجِدًا عَلَى
تُسَنُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَيَسْجُدُ مُصَلٍّ لِقِرَاءَتِهِ إلَّا مَأْمُومًا، فَلِسَجْدَةِ إمَامِهِ فَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْ إمَامِهِ أَوْ سَجَدَ هُوَ دُونَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَيُكَبِّرُ الْمُصَلِّي كَغَيْرِهِ نَدْبًا لِهَوِيٍّ وَلِرَفْعٍ مِنْ السَّجْدَةِ بِلَا رَفْعِ يَدٍ فِي الرَّفْعِ.
مِنْ السَّجْدَةِ كَغَيْرِ الْمُصَلِّي، وَأَرْكَانُ السَّجْدَةِ لِغَيْرِ مُصَلٍّ تَحَرُّمٌ وَسُجُودٌ وَسَلَامٌ وَشُرُوطُهَا كَصَلَاةٍ، وَأَنْ لَا يَطُولَ فَصْلٌ عُرْفًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ قِرَاءَةِ الْآيَةِ،
[حاشية البجيرمي]
تَسْمِيَةِ السُّجُودِ رُكُوعًا؛ لِأَنَّهُ مَبْدَؤُهُ أَوْ خَرَّ لِلسُّجُودِ رَاكِعًا كَأَنَّهُ أَحْرَمَ بِرَكْعَتَيْ الِاسْتِغْفَارِ، وَأَنَابَ أَيْ رَجَعَ إلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ قَوْلُهُ: وَأَقْصَى مَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْإِشْعَارُ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - رَدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا لِغَيْرِهِ وَكَانَ لَهُ أَمْثَالُهُ، فَنَبَّهَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ فَاسْتَغْفَرَ وَأَنَابَ عَنْهُ؛ وَمَا رُوِيَ أَنْ بَصَرَهُ وَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ فَعِشْقَهَا وَسَعَى حَتَّى تَزَوَّجَهَا وَوَلَدَتْ مِنْهُ سُلَيْمَانَ إنْ صَحَّ فَلَعَلَّهُ خَطَبَ مَخْطُوبَتَهُ أَوْ اسْتَنْزَلَهُ عَنْ زَوْجَتِهِ وَكَانَ ذَلِكَ مُعْتَادًا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَقَدْ وَاسَى الْأَنْصَارُ الْمُهَاجِرِينَ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَمَا قِيلَ إنَّهُ أَرْسَلَ أُورْيَا إلَى الْجِهَادِ مِرَارًا وَأَمَرَ أَنْ يُقَدَّمَ لِلْقِتَالِ حَتَّى قُتِلَ فَتَزَوَّجَهَا فَهُوَ افْتِرَاءٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثِ دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَا يَرْوِيهِ الْقُصَّاصُ جَلَدْته مِائَةً وَسِتِّينَ جَلْدَةً قَالَ م ر وَإِنَّمَا خَصَّ دَاوُد بِذَلِكَ مَعَ وُقُوعِ نَظِيرِهِ لِآدَمَ وَأَيُّوبَ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْكِ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَقِيَ مِمَّا ارْتَكَبَهُ مِنْ الْحُزْنِ وَالْبُكَاءِ حَتَّى نَبَتَ مِنْ دُمُوعِهِ الْعُشْبُ وَالْقَلَقُ الْمُزْعِجُ مَا لَقِيَهُ، فَجُوزِيَ بِأَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِمَعْرِفَةِ قَدْرِهِ وَعُلُوِّ قُرْبِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ سَجَدَ لِتَوْبَتِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (تُسَنُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) أَيْ وَتَحْرُمُ فِيهَا وَتَبْطُلُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ انْضَمَّ لِقَصْدِ الشُّكْرِ قَصْدُ التِّلَاوَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْمُبْطِلُ وَغَيْرُهُ غَلَبَ الْمُبْطِلُ كَمَا قَالَهُ الرَّحْمَانِيُّ وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ التِّلَاوَةَ وَحْدَهَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَيْسَ مُرَادًا فَإِنَّ قَصْدَ التِّلَاوَةِ إنَّمَا يَكُونُ مَانِعًا لَلْبُطْلَانِ حَيْثُ كَانَ مِنْ السَّجَدَاتِ الْمَشْرُوعَةِ وَهُوَ هُنَا لَيْسَ مَشْرُوعًا وَكُلٌّ مِنْ قَصْدِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ مُبْطِلٌ قَالَهُ ع ش. وَشَمِلَ إطْلَاقُهُ أَيْ فِي قَوْلِهِ تُسَنُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ الطَّوَافُ وَإِلْحَاقُهُ بِالصَّلَاةِ إنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهَا، وَمَحَلُّ الْحُرْمَةِ وَالْبُطْلَانِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْعَالِمِ الْعَامِدِ فَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَلَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْ إمَامِهِ) أَيْ قَاصِدًا عَدَمَ السُّجُودِ بَطَلَتْ بِهَوِيِّ الْإِمَامِ وَإِلَّا فَبِرَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بَطَلَتْ) أَيْ إنْ لَمْ يَنْوِ الْمُفَارَقَةَ قَوْلُهُ: (وَيُكَبِّرُ الْمُصَلِّي إلَخْ) أَيْ وَيَنْوِي سُجُودَ التِّلَاوَةِ حَتْمًا مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ وَلَا تَكْبِيرٍ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ لَمْ تَشْمَلْهَا وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ إذَا قَرَأَ لَا يَقْصِدُ السُّجُودَ.
أَمَّا لَوْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ آيَةَ سَجْدَةٍ أَوْ سُورَتَهَا بِقَصْدِ السُّجُودِ فِي غَيْرِ الم تَنْزِيلُ فِي صُبْحِ الْجُمُعَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ.
أَمَّا صُبْحُ الْجُمُعَةِ فَلَا يَضُرُّ قَصْدُ الم لِلسُّجُودِ.
قَوْلُهُ: (تَحَرُّمٌ) أَيْ تَكْبِيرُهُ التَّحَرُّمَ مَعَ النِّيَّةِ، فَالْأَرْكَانُ أَرْبَعَةٌ، فَإِنْ عُدَّتْ الطُّمَأْنِينَةُ فِي السُّجُودِ رُكْنًا فَخَمْسَةٌ وَإِنْ عُدَّ الْقُعُودُ لِلسَّلَامِ رُكْنًا فَهِيَ سِتَّةٌ، وَمِثْلُ الْقُعُودِ الِاضْطِجَاعُ إنْ سَجَدَهَا مِنْ اضْطِجَاعٍ كَمَا فِي م ر. وَسَكَتَ الشَّارِحُ عَنْ النِّيَّةِ لِدُخُولِهَا فِي التَّحَرُّمِ؛ لِأَنَّهَا رُكْنٌ مَعَهُ.
قَوْلُهُ: (وَسُجُودٌ) وَيُنْدَبُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى الذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ الَّذِي فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَك أَجْرًا وَضَعْ بِهَا عَنِّي وِزْرًا وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَك ذُخْرًا وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتهَا مِنْ عَبْدِك دَاوُد قَالَهُ ق ل. وَظَاهِرُهُ، أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ مِنْ سَجَدَاتِ التِّلَاوَةِ، وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ الرَّحْمَانِيِّ أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ خَاصٌّ بِسَجْدَةِ صَ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ الظَّاهِرُ، وَعِبَارَتُهُ قَوْلُهُ: سَجْدَةُ صَ بَعْدَ وَأَنَابَ يُسَنُّ فِيهَا مَعَ ذِكْرِهَا الْمَشْرُوعِ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ اُكْتُبْ إلَى آخِرِهِ وَأَمَّا غَيْرُهَا فَيَقُولُ فِيهَا فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلْقَهُ إلَى آخِرِهِ، وَلَوْ سَجَدَ بِقَصْدِ الشُّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ لَا يَضُرُّ فَقَدْ قَالَ م ر: إنَّهَا مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ سَجْدَةِ مَحْضِ التِّلَاوَةِ وَسَجْدَةِ الشُّكْرِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَسَلَامٌ) أَيْ بَعْدَ جُلُوسِهِ كَمَا قَالَهُ م ر. قَالَ قَالَ: وَسَكَتَ عَنْ الْجُلُوسِ قَبْلَ السَّلَامِ.
وَلَعَلَّهُ لَا يَقُولُ بِوُجُوبِهِ كَابْنِ حَجَرٍ، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا م ر وُجُوبَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ الْجُلُوسِ أَوْ الِاضْطِجَاعِ.
قَوْلُهُ: (وَشَرْطُهَا كَصَلَاةٍ) فَيُعْتَبَرُ لِصِحَّتِهَا مَا يُعْتَبَرُ فِي سُجُودِ الصَّلَاةِ كَالطَّهَارَةِ وَالسَّتْرِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَتَرْكٍ نَحْوَ كَلَامٍ، وَوَضْعِ الْجَبْهَةِ مَكْشُوفَةً بِتَحَامُلٍ عَلَى غَيْرِ مَا يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ وَوَضْعِ جُزْءٍ مِنْ بَاطِنِ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ وَمِنْ الرُّكْبَتَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَا دُخُولُ وَقْتِهَا.
وَهُوَ فِي حَقِّ الْقَارِئِ وَسَامِعِهِ إتْمَامُ آيَتِهَا، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ إتْمَامِ حُرُوفِهَا أَوْ سَمَاعِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا اهـ. خ ض.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ لَا يَطُولَ فَصْلٌ عُرْفًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ قِرَاءَةِ الْآيَةِ) فَإِنْ طَالَ لَمْ يَسْجُدْ وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا بِالتَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ
وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْآيَةِ
، وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ لَا تَدْخُلُ صَلَاةً وَتُسَنُّ لِهُجُومِ نِعْمَةٍ أَوْ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ، أَوْ رُؤْيَةِ مُبْتَلَى أَوْ فَاسِقٍ مُعْلِنٍ، وَيُظْهِرُهَا لِلْفَاسِقِ إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرَهُ لَا لِمُبْتَلًى لِئَلَّا يَتَأَذَّى وَهِيَ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ، وَلِمُسَافِرٍ فِعْلُهُمَا كَنَافِلَةٍ، وَيُسَنُّ مَعَ
[حاشية البجيرمي]
الْقِرَاءَةِ وَلَا مَدْخَلَ لِلْقَضَاءِ فِيهَا لِتَعَلُّقِهَا بِسَبَبٍ عَارِضٍ كَالْكُسُوفِ، فَإِنْ لَمْ يُطِلْ أَتَى بِهَا وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا وَتَطَهَّرَ عَنْ قُرْبٍ شَرْحُ م ر وَمَحَلُّ عَدَمِ دُخُولِ الْقَضَاءُ مَا لَمْ يَكُنْ السُّجُودُ وَاجِبًا بِأَنْ نَذْرَهُ فَقَدْ قَالَ سم: لَوْ نَذَرَ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَطَالَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَالسُّجُودِ هَلْ تَفُوتُ وَيَأْثَمُ أَوْ يَجِبُ قَضَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ؟ ، وَوَافَقَ م ر عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ، وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ نَذَرَ صَلَاةَ الْكُسُوفِ يَجِبُ قَضَاؤُهَا اهـ اج.
وَعِبَارَةُ ق ل أَيْ: فَتَفُوتُ بِطُولِ الْفَصْلِ عُرْفًا وَلَوْ سَهْوًا وَجَهْلًا وَبِالْإِعْرَاضِ وَلَا تُقْضَى.
قَوْلُهُ: (وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْآيَةِ) سَوَاءٌ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا، وَسَوَاءٌ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ أَوْ الرَّكْعَةُ أَوْ لَا.
وَلَهُ أَنْ يَسْجُدَ فِي كُلِّ مَرَّة عَقِبَهَا أَوْ يُؤَخِّرَ السُّجُودَ.
وَحِينَئِذٍ إذَا سَجَدَ وَقَصَدَ السُّجُودَ عَنْ الْكُلِّ أَجْزَأَهُ، وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ فَإِنْ قَصَدَ بِكُلِّ سَجْدَةٍ مَرَّةً جَازَ سَوَاءٌ رَتَّبَ أَوْ لَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَقْصُودِ وَسُجُودِهَا ق ل. وَعِبَارَتُهُ عَلَى التَّحْرِيرِ: فَلَوْ كَرَّرَ الْآيَةَ سَجَدَ لِكُلِّ مَرَّةٍ عَقِبَهَا فَإِنْ أَخَّرَ السُّجُودَ فَاتَ لِمَا طَالَ فِيهِ الْفَصْلُ وَيَسْجُدُ لِغَيْرِهِ بِعَدَدِهِ إنْ شَاءَ وَيَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ عَنْهُ إنْ قَصَدَهُ أَوْ أَطْلَقَ فَإِنْ قَصَدَ بَعْضَهُ فَاتَ بَعْضُهُ.
قَوْلُهُ: (لِهُجُومِ نِعْمَةٍ) ظَاهِرَةٍ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ فَخَرَجَ بِالْهُجُومِ النِّعْمَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ كَالْعَافِيَةِ وَالْإِسْلَامِ وَالْغِنَى عَنْ النَّاسِ فَلَا سُجُودَ لَهَا، وَبِالظَّاهِرَةِ وَهِيَ مَا لَهَا وَقْعٌ مَا لَا وَقْعَ لَهُ كَدِرْهَمٍ وَبِمَا بَعْدَهُ مَا لَوْ تَسَبَّبَ فِيهَا كَرِبْحٍ بَعْدَ التِّجَارَةِ، فَالْمُرَادُ بِهُجُومِ النِّعْمَةِ وُجُودُهَا فِي وَقْتٍ لَمْ يَتَيَقَّنْ وُجُودَهَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَقِّعًا لَهَا سَوَاءٌ كَانَتْ النِّعْمَةُ لَهُ أَوْ لِوَالِدَيْهِ أَوْ لِأَهْلِهِ أَوْ لِصَدِيقِهِ أَوْ لِمَنْ يَعُمُّ النَّفْعُ بِهِ كَعَالِمٍ أَوْ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ كَالْمَطَرِ عِنْدَ الْقَحْطِ؛ لِأَنَّ حَذْفَ الْمَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِالْعُمُومِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ خَاصَّةً بِمُسْلِمٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ فَلَا يَسْجُدُ لَهَا، وَتَفْسِيرُنَا الظَّاهِرَةَ بِمَا لَهَا وَقْعٌ أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ خ ض حَيْثُ قَالَ: وَقَيَّدَ فِي الْمَجْمُوعِ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ بِكَوْنِهِمَا ظَاهِرَتَيْنِ لِيُخْرِجَ الْبَاطِنَتَيْنِ كَالْمَعْرِفَةِ وَسَتْرِ الْمَسَاوِئِ، فَلَا يَسْجُدُ لَهُمَا وَهُوَ ضَعِيفٌ تَابِعٌ فِيهِ لِشَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَاعْتَمَدَ الْحَلَبِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ السُّجُودَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالظَّاهِرَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا وَقْعٌ لَا مُقَابِلَ الْبَاطِنَتَيْنِ فَافْهَمْ.
قَوْلُهُ: (أَوْ انْدِفَاعُ نِقْمَةٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى مَدْخُولِ هُجُومٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْهُجُومِ فِيهَا أَيْضًا كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ التُّحْفَةِ، وَشَرْحِ الْبَهْجَةِ، وَعِبَارَةُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلُهُ: أَوْ انْدِفَاعُ نِقْمَةٍ عَنْهُ أَوْ عَنْ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ، سَوَاءٌ كَانَ يَتَوَقَّعُهَا أَمْ لَا لِأَنَّ حَذْفَ الْمُتَعَلِّقِ يُؤْذِنُ بِالْعُمُومِ، وَانْظُرْ لَوْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْمُقْتَضَيَاتُ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ، فَهَلْ يَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهَا؟ فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الِاكْتِفَاءُ بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ لِحُصُولِ أَصْلِ السُّنَّةِ، وَأَمَّا كَمَالُهَا فَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِالتَّعَدُّدِ فَلْيُرَاجَعْ بَابِلِيٌّ.
اهـ. إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ رُؤْيَةُ مُبْتَلًى) أَوْ عَاصٍ أَيْ: وَإِنْ كَانَ الرَّائِي كَذَلِكَ، نَعَمْ إنْ اتَّحَدَا نَوْعًا وَصِفَةً وَمَحَلًّا لَمْ يَسْجُدْ أَحَدُهُمَا لِرُؤْيَةِ الْآخَرِ، وَالْمُرَادُ بِالرُّؤْيَةِ وَلَوْ مِنْ بُعْدٍ وَإِنْ لَمْ يُعَدَّ مُجْتَمِعًا مَعَهُ عُرْفًا كَمَا شَمِلَهُ إطْلَاقُهُمْ، وَالْمُرَادُ بِالرُّؤْيَةِ أَيْضًا مَا يَشْمَلُ الْعِلْمَ بِهِ لِيَدْخُلَ الْأَعْمَى إذَا سَمِعَ صَوْتَهُ وَمَنْ فِي ظُلْمَةٍ مَثَلًا وَشَمِلَ الْمُبْتَلَى وَلَوْ غَيْرَ آدَمِيٍّ.
قَالَ الرَّحْمَانِيُّ: وَإِنَّمَا يَسْجُدُ لِلْعِلْمِ بِمُبْتَلًى بِغَيْرِ بَلَائِهِ أَوْ بِمِثْلِهِ، لَكِنَّهُ أَعْظَمُ إنْ كَانَ لِلْمُعَافَاةِ مِنْ بَلَائِهِ، فَإِنْ كَانَ لِزَجْرِهِ بِأَنْ حَصَلَ مِنْ حَدٍّ سَجَدَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَ بَلَائِهِ.
وَقَيَّدَ سم نَدْبَ سُجُودِ الْفَاسِقِ لِمِثْلِهِ بِمَا إذَا أَرَادَ زَجْرَهُ لَا الْمُعَافَاةَ مِنْ بَلَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.
قَالَ عَمِيرَةُ: وَلَوْ هَجَمَتْ النِّعْمَةُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْمُبْتَلَى وَالْعَاصِي كَفَاهُ سُجُودُ وَاحِدٍ كَنَظِيرِهِ مِنْ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ قَالَ م د فِي حَاشِيَةِ التَّحْرِيرِ.
وَالْمُعْتَمَدُ، أَنَّهُ يَكْفِي سُجُودٌ وَاحِدٌ إذَا تَعَدَّدَتْ الْأَسْبَابُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ فَاسِقٍ) وَمِنْهُ الْكَافِرُ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَعْصِيَةِ أَنْ تَكُونَ كَبِيرَةً، فَالْفَاسِقُ لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَلْ مِثْلُهُ الْعَاصِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاسِقًا كَمُرْتَكِبِ الصَّغِيرَةِ مِنْ غَيْرِ إصْرَارٍ، فَالْمُعْتَمَدُ اسْتِحْبَابُ السُّجُودِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَعْلَنَ بِفِسْقِهِ أَمْ لَا.
فَسَقَ أَمْ لَمْ يَفْسُقْ.
كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَيُظْهِرُهَا) أَيْ السَّجْدَةَ إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرَهُ أَيْ إنْ أَمِنَ نَفْسًا وَمَالًا وَعِرْضًا، وَإِلَّا أَخْفَاهَا وَيَقْصِدُ بِهَا التَّعْيِيرَ لَهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ، فَإِنْ لَمْ يَتَجَاهَرْ بِمَعْصِيَتِهِ فَلَا سُجُودَ لِرُؤْيَتِهِ.
قَوْلُهُ: (لَا لِمُبْتَلًى لِئَلَّا يَتَأَذَّى) بِالْإِظْهَارِ، نَعَمْ إنْ كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ كَمَقْطُوعٍ فِي سَرِقَةٍ أَوْ مَجْلُودٍ فِي زِنًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِتَوْبَتِهِ أَظْهَرَهَا لَهُ وَإِلَّا فَيُسِرُّ بِهَا.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ كَسَجْدَةِ
سَجْدَةِ الشُّكْرِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ الصَّدَقَةُ، وَلَوْ تَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ بِسَجْدَةٍ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ حَرُمَ.
وَمِمَّا يَحْرُمُ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْجَهَلَةِ مِنْ السُّجُودِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَشَايِخِ وَلَوْ إلَى الْقِبْلَةِ، أَوْ قَصَدَهُ لِلَّهِ تَعَالَى.
وَفِي بَعْضِ صُوَرِهِ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ عَافَانَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ.
فَصْلٌ: فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانِهَا وَسُنَنِهَا السُّنَنُ أَبْعَاضٌ وَهِيَ الَّتِي تُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ وَهَيْئَاتٌ وَهِيَ لَا تُجْبَرُ.
وَالرُّكْنُ كَالشَّرْطِ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَيُفَارِقُهُ بِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الَّذِي يَتَقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَيَجِبُ اسْتِمْرَارُهُ فِيهَا كَالطُّهْرِ وَالسِّتْرِ.
وَالرُّكْنُ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ كَالرُّكُوعِ
[حاشية البجيرمي]
التِّلَاوَةِ)
وَتَفُوتُ بِطُولِ الْفَصْلِ وَالْإِعْرَاضِ وَلَوْ مَعَ قِصَرِهِ وَلَا تُقْضَى إنْ فَاتَتْ وَلَوْ مَنْذُورَةً وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ السَّبَبِ وَلَوْ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ كَعَاصٍ فَيَسْجُدُ كُلَّمَا رَآهُ وَلَهُ جَمْعُ أَسْبَابٍ فِي سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ لَا تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ فِي سَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَصِحُّ، وَفَارَقَ الطَّهَارَةَ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّدَاخُلِ قَالَهُ ق ل. وَالْحَلَبِيُّ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاك بِهِ وَفَضَلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ تَفْضِيلًا.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سِرًّا، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ طُولَ عُمْرِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَفْرَحُونَ بِالْمَصَائِبِ نَظَرًا إلَى ثَوَابِهَا، فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَفْرَحَ بِالْمَرَضِ كَمَا يَفْرَحُ بِالصِّحَّةِ وَيَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي أَيَّامِ الْبَلَاءِ وَأَيَّامِ الرَّخَاءِ، فَمَا قَضَى اللَّهُ لِعَبْدٍ أَمْرًا إلَّا وَكَانَتْ لَهُ الْخِيرَةُ فِيهِ وَالشُّكْرُ قَيْدُ النِّعَمِ الْمَوْجُودَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْفَظُهَا وَصَيْدُ النِّعَمِ الْمَفْقُودَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7] وَأَوْحَى اللَّهُ إلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ: أَنْزَلْت بِعَبْدِي بَلَائِي فَدَعَانِي فَمَاطَلْته بِالْإِجَابَةِ فَشَكَانِي فَقُلْت عَبْدِي كَيْفَ أَرْحَمُك مِنْ شَيْءٍ بِهِ أَرْحَمُك؟ وَلِذَا قِيلَ:
وَإِذَا بُلِيت بِعُسْرَةٍ فَاصْبِرْ لَهَا ... صَبْرَ الْكِرَامِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْزَمُ
لَا تَشْكُوَنَّ إلَى الْعِبَادِ فَإِنَّمَا ... تَشْكُو الرَّحِيمَ إلَى الَّذِي لَا يَرْحَمُ
قَوْلُهُ: (وَلِمُسَافِرٍ فِعْلُهُمَا) أَيْ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا.
قَوْلُهُ: (بِسَجْدَةٍ) أَيْ أَوْ بِرُكُوعٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ) أَيْ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا وَهِيَ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَالسَّهْوِ.
قَوْلُهُ: (حَرُمَ) أَيْ وَلَوْ كَانَتْ السَّجْدَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَمِثْلُ السَّجْدَةِ رُكُوعٌ مُنْفَرِدٌ وَنَحْوُهُ فَيَحْرُمُ التَّقَرُّبُ بِهِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (مِنْ السُّجُودِ إلَخْ) هَلْ مِثْلُهُ مَا يَقَعُ لِبَعْضِهِمْ مِنْ الِانْحِنَاءِ إلَى حَدِّ الرُّكُوعِ، أَوْ مَا زَادَ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَقْرُبُ إلَى السُّجُودِ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ مِثْلُهُ اهـ ع ش بِحُرُوفِهِ.
وَأَمَّا تَقْبِيلُ أَعْتَابِ الْمَشَايِخِ فَمُسْتَحَبٌّ لَا بَأْسَ بِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَصَدَهُ لِلَّهِ تَعَالَى) أَيْ؛ لِأَنَّهَا سَجْدَةٌ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ.
قَوْلُهُ: (مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ) أَيْ إذَا قَصَدَ تَعْظِيمَهُ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى.
اهـ. ق ل وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ]
فَصْلٌ: فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَيْ شُرُوطِ أَدَائِهَا؛ لِأَنَّ الشُّرُوطَ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلِ: شُرُوطُ وُجُوبٍ وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ السَّابِقَةُ فِي قَوْلِهِ: وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْخُلُوُّ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ.
وَالثَّانِي: شُرُوطُ أَدَاءً وَهُوَ شُرُوطُ صِحَّةِ الْمُبَاشَرَةِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعَبِّرَ بِمَا عَبَّرَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ الشَّرَائِطُ؛ لِأَنَّ الشَّرَائِطَ جَمْعُ شَرِيطَةٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهُ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ اهـ. ع ش عَلَى الْغَزِّيِّ.
قَوْلُهُ: (وَأَرْكَانِهَا وَسُنَنِهَا) اعْتَرَضَ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ سَيُتَرْجِمُ كُلًّا مِنْهُمَا بِفَصْلٍ مُسْتَقِلٍّ، فَهَذَا الْفَصْلُ خَاصٌّ بِالشُّرُوطِ فَكَانَ الْأَوْلَى الِاقْتِصَارَ عَلَيْهَا، وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ هُنَا مُطْلَقُ الصَّلَاةِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا عَكْسُ مَا سَبَقَ فِي قَوْلِهِ فَصْلٌ وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ إلَخْ.
فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا هُنَاكَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَتَقَدَّمَ لَهُ نَظِيرٌ فِي قَوْلِهِ: وَاَلَّذِي يُوجِبُ الْغُسْلَ
وَالسُّجُودِ فَخَرَجَ بِتَعْرِيفِ الشَّرْطِ التَّرْكُ كَتَرْكِ الْكَلَامِ، فَلَيْسَتْ بِشُرُوطٍ، كَمَا صَوَّبَهُ فِي الْمَجْمُوعِ بَلْ مُبْطِلَةٌ لِلصَّلَاةِ كَقَطْعِ النِّيَّةِ، وَقِيلَ إنَّهَا شُرُوطٌ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ.
وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ أَنَّ الْكَلَامَ الْيَسِيرَ نَاسِيًا لَا يَضُرُّ وَلَوْ كَانَ تَرْكُهُ مِنْ الشُّرُوطِ لَضَرَّ.
فَائِدَةٌ: قَدْ شُبِّهَتْ الصَّلَاةُ بِالْإِنْسَانِ، فَالرُّكْنُ كَرَأْسِهِ، وَالشَّرْطُ كَحَيَاتِهِ، وَالْبَعْضُ كَأَعْضَائِهِ، وَالْهَيْئَةُ كَشَعْرِهِ.
وَقَدْ بَدَأَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَقَالَ: (وَشَرَائِطُ الصَّلَاةِ) جَمْعُ شَرْطٍ وَالشَّرْطُ بِسُكُونِ الرَّاءِ لُغَةً الْعَلَّامَةُ وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ أَيْ عَلَامَاتُهَا وَاصْطِلَاحًا
[حاشية البجيرمي]
وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَفَرَائِضُ الْغُسْلِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْغُسْلِ الْأَوَّلِ الْوَاجِبُ فَقَطْ وَبِالثَّانِي مَا هُوَ أَعَمُّ.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّ الشَّرْطَ إلَخْ) أَوْ يُقَالُ الشَّرْطُ مَا قَارَنَ كُلَّ مُعْتَبَرٍ سِوَاهُ كَالطُّهْرِ وَالسَّتْرِ، فَإِنَّهُمَا يُعْتَبَرَانِ لِلرُّكُوعِ وَغَيْرِهِ، وَالرُّكْنُ مَا اُعْتُبِرَ فِيهَا لَا بِهَذَا الْوَجْهِ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَغَيْرِهِمَا.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهَذَا يُخْرِجُ التَّوَجُّهَ لِلْقِبْلَةِ فِي كَوْنِهِ شَرْطًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، مَعَ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ شَرْطٌ.
وَيُجَابُ: بِأَنَّ التَّوَجُّهَ إلَيْهَا حَاصِلٌ فِي غَيْرِهِمَا أَيْضًا عُرْفًا، إذْ يُقَالُ عَلَى الْمُصَلِّي حِينَئِذٍ إنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهَا لَا مُنْحَرِفٌ عَنْهَا مَعَ أَنَّ التَّوَجُّهَ إلَيْهَا بِبَعْضِ الْبَدَنِ حَقِيقَةً أَيْضًا، وَذَلِكَ كَافٍ.
اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (هُوَ الَّذِي يَتَقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ) الْمُرَادُ بِالتَّقَدُّمِ عَدَمُ التَّأَخُّرِ، وَإِلَّا فَالشَّرْطُ الْمُقَارَنَةُ حَتَّى لَوْ وُجِدَ السَّتْرُ مَثَلًا مُقَارِنًا لِأَوَّلِ التَّكْبِيرِ كَفَى.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ بِتَعْرِيفِ الشَّرْطِ إلَخْ) أَيْ التَّعْرِيفِ الَّذِي تَضْمَنَّهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالرُّكْنِ.
قَوْلُهُ: (التُّرُوكُ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمَوَانِعِ.
قَوْلُهُ: (فَلَيْسَتْ بِشُرُوطٍ) أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا وُجُودِيًّا وَهُوَ الصَّحِيحُ بِخِلَافِ الْمَانِعِ إذْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْإِعْدَامِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ مُبْطِلَةٌ) صَوَابُهُ بَلْ مُتَعَلِّقَاتُهَا وَهِيَ الْمُضَافُ إلَيْهِ كَالْكَلَامِ وَنَحْوِهِ، فَالْمُرَادُ بِالْمُتَعَلِّقَاتِ الْمَعْمُولَاتُ مُبْطِلَةٌ، فَإِنَّ تَرْكَ الْكَلَامِ وَنَحْوَهُ لَيْسَ هُوَ الْمُبْطِلُ بَلْ الْمُبْطِلُ الْكَلَامُ وَنَحْوُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ إنَّهَا شُرُوطٌ) أَيْ تَجَوُّزًا بِأَنْ يُرَادَ بِالشَّرْطِ مَا يَتَوَقَّفُ الشَّيْءُ عَلَيْهِ وُجُودًا أَوْ عَدَمًا.
قَوْلُهُ: (وَيَشْهَدُ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ قَدْ عُفِيَ عَنْ بَعْضِ النَّجَاسَاتِ، وَعَنْ وُقُوعِهَا عَلَيْهِ إذَا أَزَالَهَا حَالًا وَعَنْ كَشْفِ عَوْرَةٍ سَتَرَهَا حَالًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ الطَّهَارَةَ وَالسَّتْرَ مِنْ الشُّرُوطِ اتِّفَاقًا ق ل. قَوْلُهُ: (نَاسِيًا) إسْنَادُ النِّسْيَانِ إلَى الْكَلَامِ تَجَوُّزٌ؛ لِأَنَّ نَاسِيًا صِفَةٌ لِلْمُتَكَلِّمِ لَا لِلْكَلَامِ، وَكَانَ الْأَظْهَرُ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْكَلَامَ مَعَ النِّسْيَانِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ تَرْكُهُ مِنْ الشُّرُوطِ لَضَرَّ) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الَّذِي مِنْ الشُّرُوطِ تَرْكُ الْكَلَامِ الْيَسِيرِ عَمْدًا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ هُوَ الْكَلَامُ الْيَسِيرُ عَمْدًا.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَالشَّرْطُ كَحَيَاتِهِ) الْحَيَاةُ صِفَةُ تَصَحُّحٍ لِمَنْ قَامَتْ بِهِ أَنْ يَتَّصِفَ بِالْإِدْرَاكِ فَهِيَ غَيْرُ الْحَيَوَانِيَّةِ فَصَحَّ تَشْبِيهُ الشَّرْطِ بِهَا؛ لِأَنَّ كُلًّا خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ م د.
قَوْلُهُ: (كَشَعْرِهِ) أَيْ الَّذِي يَتَزَيَّنُ بِهِ كَشَعْرِ اللِّحْيَةِ فَخَرَجَ شَعْرٌ نَحْوَ الْعَانَةِ وَالْإِبْطِ.
قَوْلُهُ: (جَمْعُ شَرْطٍ) صَوَابُهُ جَمْعُ شَرِيطَةٍ بِمَعْنَى خَصْلَةٍ مَشْرُوطَةٍ لِأَنَّ شَرْطًا جَمْعُهُ شُرُوطٌ عَمَلًا بِقَوْلِ الْخُلَاصَةِ
وَبِفَعُولٍ فَعِلْ نَحْوَ كَبِدْ
إلَى أَنْ قَالَ
فِي فَعِلْ اسْمًا مُطْلَقٌ أَلِفَا ... كَذَاك يَطَّرِدُ
لِأَنَّ جَمْعَهُ شَرَائِطُ تَأَمَّلْ لِأَنَّ شَرَائِطَ جَمْعُ شَرِيطَةٍ لِأَنَّ فَعِيلَةَ تُجْمَعُ عَلَى فَعَائِلَ كَكَرِيمَةٍ وَكَرَائِمَ قَوْلُهُ لُغَةً الْعَلَامَةُ وَيُطْلَقُ لُغَةً أَيْضًا عَلَى تَعْلِيقِ أَمْرٍ بِأَمْرِ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْمُسْتَقْبِلِ أَيْ يَقَعُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَقَدْ عَلَّقَ الشَّارِعُ هُنَا صِحَّةَ الصَّلَاةِ عَلَى وُجُودِ شَرَائِطِهَا فَكَأَنَّهُ يَقُولُ إذَا وُجِدَتْ الشُّرُوطُ صَحَّتْ الصَّلَاةُ كَمَا لَوْ عَلَّقَ الْإِنْسَانُ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ وَيُعَبِّرُ عَنْهُ أَيْضًا بِإِلْزَامِ الشَّيْءِ وَالْتِزَامِهِ وَالْإِلْزَامُ مِنْ جِهَةِ الشَّارِطِ وَالِالْتِزَامُ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرُوطِ عَلَيْهِ فَالشَّارِعُ أَلْزَمَ
مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ، وَالْمَانِعُ لُغَةً الْحَائِلُ وَاصْطِلَاحًا مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ كَالْكَلَامِ فِيهَا عَمْدًا، وَالْمُعْتَبَرُ مِنْ الشُّرُوطِ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ (قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا) أَيْ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِهَا (خَمْسٌ) الْأَوَّلُ: (طَهَارَةُ الْأَعْضَاءِ مِنْ الْحَدَثِ) الْأَصْغَرُ وَغَيْرُهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَطَهِّرًا عِنْدَ إحْرَامِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ أَحْرَمَ مُتَطَهِّرًا فَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ غَيْرُ الدَّائِمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ، وَلَوْ صَلَّى نَاسِيًا لِلْحَدَثِ أُثِيبَ عَلَى قَصْدِهِ لَا عَلَى فِعْلِهِ إلَّا الْقِرَاءَةَ وَنَحْوَهَا مِمَّا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ أَيْضًا.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَفِي إثَابَتِهِ عَلَى الْقِرَاءَةِ إذَا كَانَ جُنُبًا نَظَرٌ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْإِثَابَةِ، وَالْحَدَثُ لُغَةً هُوَ الشَّيْءُ الْحَادِثُ وَاصْطِلَاحًا أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ يَقُومُ بِالْأَعْضَاءِ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ حَيْثُ لَا مُرَخِّصَ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ مَعْنًى يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْمَحْسُوسِ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ بِتَبْعِيضِهِ وَارْتِفَاعِهِ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ
(وَ) طَهَارَةُ (النَّجَسِ) الَّذِي لَا
[حاشية البجيرمي]
الْمُكَلَّفَ إذَا أَرَادَ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا إلَخْ
قَوْلُهُ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ إلَخْ أَيْ خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ إلَخْ فَلَا يُقَالُ إنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ يَشْمَلُ الرُّكْنَ فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ الْمَانِعُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ شَيْءٌ وَبِالثَّانِي السَّبَبُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَبِالثَّالِثِ أَعْنِي قَوْلَنَا لِذَاتِهِ اقْتِرَانُ الشَّرْطِ بِالسَّبَبِ كَوُجُودِ الْحَوْلِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ مَعَ النِّصَابِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ أَوْ بِالْمَانِعِ كَالدَّيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مَانِعٌ لِوُجُوبِهَا لِلُزُومِ الْوُجُودِ فِي الْأَوَّلِ وَالْعَدَمُ فِي الثَّانِي لَكِنْ لِوُجُودِ السَّبَبِ وَالْمَانِعِ لَا لِذَاتِ الشَّرْطِ وَهَذَا التَّعْرِيفُ لِلشَّرْطِ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَأَمَّا شَرْطُ الصَّلَاةِ خَاصَّةً فَهُوَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّتُهَا مِنْ الطَّهَارَةِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ اهـ. قَوْلُهُ لِذَاتِهِ رَاجِعٌ لِلثَّلَاثَةِ فَلَا يَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ وَلَا عَلَى الثَّانِي مَا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ وَلَا عَلَى الثَّالِثِ الْمَانِعُ كَحُصُولِ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي ق ل
قَوْلُهُ وَالْمُعْتَبَرُ مِنْ الشُّرُوطِ يُتَأَمَّلُ مَا فِيهِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَ الْخَمْسِ مِنْ الشُّرُوطِ لَا يُعْتَبَرُ لِلصِّحَّةِ وَالْجَوَابُ أَنَّ مِنْ بَيَانِيَّةٌ أَيْ وَالْمُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ الَّذِي هُوَ الشُّرُوطُ خَمْسٌ إلَخْ وَالْحَصْرُ إضَافِيٌّ وَالْعَدَدُ لَا مَفْهُومَ لَهُ فَلَا يُنَافِي أَنَّ هُنَاكَ غَيْرُ الْخَمْسِ م د قَوْلُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا أَيْ مَعَ اسْتِمْرَارِهَا فِيهَا كَمَا مَرَّ وَاعْتِبَارُ الْقَبْلِيَّةِ لَتَحَقُّقِ الْمُقَارَنَةِ فَلَوْ أَمْكَنَتْ الْمُقَارَنَةُ كَفَتْ كَسُتْرَةٍ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ مُقَارِنَةً لِأَوَّلِ التَّكْبِيرَةِ لِأَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بِتَمَامِهَا دُخُولُهُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا وَلَوْ قَارَنَتْهَا نَجَاسَةٌ وَأُزِيلَتْ قَبْلَ تَمَامِهَا لَمْ تَصِحَّ خِلَافًا لِمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمَنْسُوبِينَ إلَى الْعِلْمِ ق ل وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا أَنْ لَا تُؤَخَّرَ عَنْ الدُّخُولِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَتَقَدَّمَ أَوْ تُقَارِنَ بِحَيْثُ لَا يَقَعُ جُزْءٌ مِنْ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ الشُّرُوطِ قَوْلُهُ فَإِنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ التَّقْيِيدُ بِالسَّبْقِ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بَلْ يَتَطَهَّرُ عَنْ قُرْبٍ وَيَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ لِعُذْرِهِ وَإِنْ كَانَ حَدَثُهُ أَكْبَرَ فَلَوْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ بَطَلَتْ قَطْعًا وَقَوْلُهُ وَيَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ وَعَلَيْهِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ مَوْضِعَ الْوُضُوءِ أَوْ لَا قَالَ بَعْضُهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ مَوْضِعَ الْوُضُوءِ مَا لَمْ يَكُنْ إمَامًا لِأَنَّهُ إنَّمَا اُغْتُفِرَ لَهُ ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ وَمَحَلُّ كَوْنِهِ يَبْنِي مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَعَلَّهُ فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ أَنْ يَنْوِيَ بِقَلْبِهِ قَوْلُهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ أَيْ وَلَوْ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ اج قَوْلُهُ أُثِيبَ إلَخْ وَهَلْ يَجِبُ الْقَضَاءُ فَوْرًا أَوْ عَلَى التَّرَاخِي قِيَاسُ مَنْ نَامَ قَبْلَ الْوَقْتِ وَاسْتَغْرَقَ نَوْمُهُ الْوَقْتَ عَدَمُ وُجُوبِ الْفَوْرِيَّةِ وَقَدْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا قَوْلُهُ مِمَّا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْوُضُوءِ لَوْ قَالَ عَلَى الطُّهْرِ لَكَانَ أَعَمَّ قَوْلُهُ وَالظَّاهِرُ عَدَمُ الْإِثَابَةِ أَيْ مِنْ حَيْثُ الْقُرْآنِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ أَوَّلُ الْعِبَارَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يُثَابُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ ذِكْرًا.
اهـ. ق ل وَقَدْ يُقَالُ مَحَلُّ حَمْلِ الْقِرَاءَةِ مِنْ الْجُنُبِ عَلَى الذِّكْرِ إذَا عَلِمَ بِجَنَابَتِهِ وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ هُنَا فِي النَّاسِي فَهُوَ قَاصِدُ الْقُرْآنِ وَقَدْ يُقَالُ قَصْدُ الْقُرْآنِ مَعَ الْجَنَابَةِ لَاغٍ لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ فَيُثَابُ عَلَى الذِّكْرِ وَهُوَ الَّذِي انْحَطَّ عَلَيْهِ كَلَامُ ع ش عَلَى م ر قَوْلُهُ مَعْنَى أَيْ مَعْنًى وُجُودِيٍّ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الِاعْتِبَارِيِّ الْأَمْرَ الْعَدَمِيَّ الَّذِي يَعْتَبِرُهُ الْعَقْلُ بَلْ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ لَا الْحِسُّ
يُعْفَى عَنْهُ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ حَتَّى دَاخِلَ أَنْفِهِ أَوْ فَمِهِ أَوْ عَيْنِهِ أَوْ أُذُنِهِ أَوْ مَكَانِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ، فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ مَعَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ مَعَ جَهْلِهِ بِوُجُودِهِ أَوْ بِكَوْنِهِ مُبْطِلًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] وَإِنَّمَا جَعَلَ دَاخِلَ الْأَنْفِ وَالْفَمِ هُنَا كَظَاهِرِهِمَا بِخِلَافِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ لِغِلَظِ أَمْرِ النَّجَاسَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي عَيْنِهِ وَجَبَ غَسْلُهَا وَلَا يَجِبُ غَسْلُهَا فِي الطَّهَارَةِ، فَلَوْ أَكَلَ مُتَنَجِّسًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ مَا لَمْ يَغْسِلْ فَمَه، وَلَوْ رَأَيْنَا فِي ثَوْبِ مَنْ يُرِيدُ الصَّلَاةَ نَجَاسَةً لَا يَعْلَمُ بِهَا لَزِمَنَا إعْلَامُهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِصْيَانِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.
كَمَا لَوْ رَأَيْنَا صَبِيًّا يَزْنِي بِصَبِيَّةٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا مَنْعُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِصْيَانٌ، وَاسْتَثْنَى مِنْ الْمَكَانِ مَا لَوْ كَثُرَ ذَرْقُ الطُّيُورِ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ فِي
[حاشية البجيرمي]
قَوْله مَنْزِلَةَ الْمَحْسُوسِ بَلْ قِيلَ إنَّ أَهْلَ الْبَصَائِرِ تُشَاهِدُهُ ظُلْمَةً ق ل قَوْلُهُ بِتَبْعِيضِهِ الْمُرَادُ بِهِ التَّبْعِيضُ فِي أَجْزَاءِ الْعُضْوِ فَيَكُونُ غَيْرَ مَا بَعْدَهُ
قَوْلُهُ: (وَطَهَارَةُ النَّجَسِ) أَيْ وَالطَّهَارَةُ مِنْ النَّجَسِ، فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ وَمِنْ النَّجَسِ عَطْفًا عَلَى الْحَدَثِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأَعْضَاءِ أَجْزَاءَ الْبَدَنِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ أَعْضَاءً أَوْ لَا.
وَحَمَلَ الشَّارِحُ عَلَى مَا صَنَعَهُ قَصْدُ التَّعْمِيمِ فِي النَّجَسِ بِكَوْنِهِ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ مَكَانِهِ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ التَّكْرَارُ؛ وَلِأَنَّهُ سَيَأْتِي طَهَارَةُ الثَّوْبِ وَالْمَكَانِ بِقَوْلِهِ بِلِبَاسٍ طَاهِرٍ وَالْوُقُوفُ عَلَى مَكَان طَاهِرٍ، فَلَا وَجْهَ لِمَا صَنَعَهُ، فَالْأَوْلَى إبْقَاءُ الْمَتْنِ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى دَاخِلِ أَنْفِهِ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى بَدَنِهِ عَلَى أَنَّ حَتَّى عَاطِفَةً أَوْ هُوَ مَجْرُورٌ بِهَا عَلَى أَنَّهَا حَرْفُ جَرٍّ اهـ م د. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ حَتَّى الْجَارَّةَ تَكُونُ بِمَعْنَى إلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 5] وَهُوَ لَا يَظْهَرُ هُنَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ مَكَانِهِ) سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَقَالَ ق ل: ذِكْرُ الثَّوْبِ وَالْمَكَانِ هُنَا مُسْتَدْرَكٌ.
قَوْلُهُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَعْنَاهَا الطَّهَارَةُ عَنْ النَّجَسِ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ لِلطَّهَارَةِ فِي الْبَدَنِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ: (بِدَلِيلِ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ هُوَ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فَفِيهِ مُصَادَرَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بَعْضَ الدَّعْوَى فِي الدَّلِيلِ، وَلَوْ قَالَ بِدَلِيلِ أَنَّهَا تُزَالُ عَنْ الشَّهِيدِ إذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ دَمِ الشَّهَادَةِ كَمَا تَقَدَّمَ لَكَانَ أَوْلَى.
وَقَدْ يُجَابُ: بِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ عَلَى وُجُوبِ غَسْلٍ دَاخِلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ بِوُجُوبِ غَسْلِ دَاخِلِ الْعَيْنِ فَلَا مُصَادَرَةَ تَأَمَّلْ.
اهـ. م د. وَفِيهِ أَنَّ وُجُوبَ غَسْلِ الْعَيْنِ مِنْ جُمَلِ الْمُدَّعَى؛ لِأَنَّهُ مِثْلُ دَاخِلِ الْأَنْفِ.
قَوْلُهُ: (مَنْ يُرِيدُ الصَّلَاةَ) وَكَذَلِكَ مِنْ صَلَّى بِالْفِعْلِ بِالْأَوْلَى، فَقَوْلُهُ فِي ثَوْبِ مَنْ يُرِيدُ الصَّلَاةَ لَيْسَ قَيْدًا.
قَوْلُهُ: (لَزِمَنَا إعْلَامُهُ) وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ حَيْثُ كَانَتْ تَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ، وَعَلِمْنَا بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا لِجَوَازِ كَوْنِهِ صَلَّى مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ لِعَدَمِ اعْتِقَادِهِ الْبُطْلَانَ مَعَهُ ع ش عَلَى م ر. كَمَا لَوْ رَأَيْنَا مَالِكِيًّا يُصَلِّي وَعَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ غَائِطٌ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُنَا إعْلَامُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَأَيْنَا رَوْثَ مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَلَا يَلْزَمُنَا إعْلَامُهُ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِصْيَانِ) أَيْ عِصْيَانِ الشَّخْصِ الْمَأْمُورِ.
وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الَّذِي عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْهَا فَلَا يَكُونُ عَاصِيًا حِينَئِذٍ.
فَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ رَأَيْنَا صَبِيًّا) وَمِثْلُهُ مَجْنُونٌ بِالْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَاسْتَثْنَى مِنْ الْمَكَانِ إلَخْ) مِثْلُ الْمَكَانِ الْفُرُشُ فَيُعْفَى عَنْهُ بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْمَكَانِ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْمَكَانِ مَا لَوْ انْتَشَرَ ذَرْقُ الطُّيُورِ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ فِي الْأَرْضِ، وَكَذَا الْفُرُشُ فِيمَا يَظْهَرُ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسْجِدًا فِيمَا يَظْهَرُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَعَمَّدَ الْمَشْيَ عَلَيْهِ كَمَا قَيَّدَ الْعَفْوَ بِذَلِكَ فِي الْمَطْلَبِ، قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَهُوَ قَيْدٌ مُتَعَيَّنٌ وَأَنْ لَا يَكُونَ رَطْبًا أَوْ رِجْلُهُ مُبْتَلَّةً كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُكَلَّفُ تَحَرِّي غَيْرَ مَحَلِّهِ اهـ بِالْحَرْفِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ مَعَ الرُّطُوبَةِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَعْدِلًا عَنْهُ وَلَا طَرِيقًا غَيْرَهُ كَالْمَمْشَاةِ فِي مَطْهَرَةِ الْمَسْجِدِ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ الْعَفْوُ، وَهُوَ قَرِيبٌ لِلْمَشَقَّةِ ع ش.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ ذَرْقِ الطُّيُورِ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ لَا يَتَعَمَّدَ إمْسَاسَهُ، وَأَنْ لَا تَكُونَ رُطُوبَةٌ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ،
الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَقَيَّدَ فِي الْمَطْلَبِ الْعَفْوَ بِمَا إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ الْمَشْيَ عَلَيْهِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَهُوَ قَيْدٌ مُتَعَيَّنٌ وَزَادَ غَيْرُهُ أَنْ لَا يَكُونَ رَطْبًا أَوْ رِجْلُهُ مَبْلُولَةً.
تَنْبِيهٌ: لَوْ تَنَجَّسَ ثَوْبُهُ بِمَا لَا يُعْفَى عَنْهُ، وَلَمْ يَجِدْ مَاءً يَغْسِلُهُ بِهِ وَجَبَ قَطْعُ مَوْضِعِهَا إنْ لَمْ تَنْقُصُ قِيمَتُهُ بِالْقَطْعِ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ ثَوْبٍ يُصَلِّي فِيهِ لَوْ اكْتَرَاهُ هَذَا مَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ تَبَعًا لِلْمُتَوَلِّي، وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: يُعْتَبَرُ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَنِ الْمَاءِ لَوْ اشْتَرَاهُ مَعَ أُجْرَةِ غَسْلِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَوْ انْفَرَدَ وَجَبَ تَحْصِيلُهُ انْتَهَى.
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَقَيَّدَ الشَّيْخَانِ أَيْضًا وُجُوبَ الْقَطْعِ بِحُصُولِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِالطَّاهِرِ، قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُتَوَلِّي، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ مَا يَسْتُرُ بِهِ بَعْضَ الْعَوْرَةِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ اهـ.
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ.
وَلَوْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ طَاهِرٌ وَنَجَسٌ مِنْ ثَوْبَيْنِ أَوْ بَيْتَيْنِ اجْتَهَدَ فِيهِمَا لِلصَّلَاةِ وَصَلَّى فِيمَا ظَنَّهُ الطَّاهِرَ
[حاشية البجيرمي]
وَأَنْ يَشُقَّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَأَمَّا عُمُومُهُ الْمَحَلَّ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَلَبِيُّ عَلَى الْمَنْهَجِ وَالْمُرَادُ بِعُمُومِهِ عِنْدَ مَنْ شَرْطُهُ مَشَقَّةُ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ اهـ.
قَوْلُهُ: (لِلْمَشَقَّةِ) وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ بِالْعُمُومِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ شَرْطُ الْعَفْوِ عُمُومُ الْبَلْوَى بِهِ، فَقَدْ قَالَ م ر فِي فَتَاوِيهِ: الْمُرَادُ بِعُمُومِ الْبَلْوَى كَثْرَتُهُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ الْمَقْصُودِ عَادَةً بِحَيْثُ لَوْ كَلَّفْنَاهُ الْعُدُولَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ لَأَدَّى إلَى الْحَرَجِ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (بِمَا إذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ الْمَشْيَ عَلَيْهِ) صَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يُصَلِّيَ مِنْ غَيْرِ شُعُورٍ بِهِ ثُمَّ يَرَاهُ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ، وَصَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِمَا إذَا صَلَّى فِي ظُلْمَةٍ أَوْ لَيْلٍ، وَصَوَّرَهُ م ر فِي الْفَتَاوَى بِالْمَشْيِ كَيْفَ اتَّفَقَ.
فَإِنْ قُلْت: إنْ أُرِيدَ الْمَشْيُ خَارِجَ الصَّلَاةِ فَهُوَ حَالُ الْجَفَافِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَلَا يُنَجِّسُ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَإِنْ أُرِيدَ الْمَشْيُ فِي الصَّلَاةِ فَلَيْسَ فِيهَا مَشْيٌ، وَقَوْلُهُ: حَالَ الْجَفَافِ إلَخْ، هَذَا لَيْسَ بِلَازِمٍ، إذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْوُضُوءِ قَرِيبًا.
قُلْت: لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمَشْيِ وَضْعُ الرَّجُلِ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا م د وَا ج. وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَقِّ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ ذَرْقِ الطُّيُورِ الْوَاقِعِ فِي مَمَرِّ الْفَسَاقِيِ إذَا ذَابَ وَاضْمَحَلَّتْ عَيْنُهُ قِيَاسًا عَلَى طِينِ الشَّارِعِ الْمُتَنَجِّسِ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَعَمَّدَ الْمَشْيَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عَيْنِ النَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةِ.
قَالَ ع ش: وَهُوَ الْأَقْرَبُ لِمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ عَنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ مَعْنَى عُمُومِهِ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مَحَلٌّ خَالٍ يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَحَلٌّ خَالٍ أَصْلًا، أَوْ هُنَاكَ مَحَلٌّ خَالٍ يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ بِمَشَقَّةٍ.
قَوْلُهُ: (تَنْبِيهٌ إلَخْ) ذَكَرَ فِيهِ فُرُوعًا ثَمَانِيَةً مُتَعَلِّقَةً بِهَذَا الشَّرْطِ.
قَوْلُهُ: (أَكْثَرَ) بِأَنْ كَانَ النَّقْصُ أَقَلَّ أَوْ مُسَاوِيًا.
قَوْلُهُ: (مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ إلَخْ) بَيَانٌ لِلْأَمْرَيْنِ وَاسْمُ الْإِشَارَةِ رَاجِعٌ لَأُجْرَةِ ثَوْبِ مَا يُصَلِّي فِيهِ لَوْ اكْتَرَاهُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ يُعْتَبَرُ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا أُجْرَةُ الثَّوْبِ وَثَمَنُ الْمَاءِ إلَخْ.
فَقَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَنِ إلَخْ كُلُّهُ أَمْرٌ وَاحِدٌ، فَمَعْنَى كَلَامِ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّهُ يَنْظُرُ بَيْنَ أُجْرَةِ الثَّوْبِ، وَثَمَنِ الْمَاءِ الَّذِي يَشْتَرِيهِ لِغَسْلِ النَّجَاسَةِ مَعَ أُجْرَةِ الْغَاسِلِ، وَيَنْظُرُ أَيُّهُمَا أَكْثَرُ وَيَأْخُذُهُ وَيُقَابِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَقْصِ قِيمَةِ الثَّوْبِ بِالْقَطْعِ، فَلَوْ كَانَ نَقْصُ قِيمَةِ الثَّوْبِ خَمْسَةً وَأُجْرَةُ الثَّوْبِ ثَلَاثَةُ، وَثَمَنُ الْمَاءِ مَعَ أُجْرَةِ الْغَاسِلِ أَرْبَعَةُ، فَإِنَّ الْإِسْنَوِيَّ يُقَابِلُ بَيْنَ نَقْصِ الْقِيمَةِ وَبَيْنَ ثَمَنِ الْمَاءِ مَعَ أُجْرَةِ الْغَاسِلِ أَيْ: فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَجِبُ الْقَطْعُ؛ لِأَنَّ نَقْصَ الْقِيمَةِ زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا، وَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ أَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ أَوْ سَاوَى وَجَبَ الْقَطْعُ.
قَوْلُهُ: (مَعَ أُجْرَةِ غَسْلِهِ) أَيْ الثَّوْبِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ الْحَاجَةِ) أَيْ بِأَنْ اُحْتِيجَ فِي غَسْلِهِ إلَى مُبَالَغَةٍ كَحَتٍّ بِأَنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَيْنِيَّةً، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ حُكْمِيَّةً، فَإِنَّهُ لَا أُجْرَةَ لِلْغَسْلِ حِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لَأُجْرَةِ الْغَسْلِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ اشْتَبَهَ إلَخْ) ذَكَرَ الشَّارِحُ مِنْ هُنَا إلَى الشَّرْطِ الثَّانِي سِتَّةَ فُرُوعٍ: الْأَوَّلُ: مَسْأَلَةُ الِاشْتِبَاهِ.
الثَّانِي: فِي كَيْفِيَّةِ تَطْهِيرِ مَا نَجُسَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُمْتَنَعُ صَلَاةُ قَابِضٍ عَلَى مُتَّصِلٍ بِنَجَسٍ.
الرَّابِعُ: تَفْصِيلُ الْوَصْلِ.
الْخَامِسُ: فِي الْعَفْوِ عَنْ مَحَلِّ الِاسْتِجْمَارِ وَمَا عُسِرَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ إلَخْ.
السَّادِسُ: لَوْ صَلَّى بِنَجَسٍ لَا يَعْلَمُهُ إلَخْ.
قَوْله: (أَوْ بَيْتَيْنِ) أَيْ ضَيِّقِينَ عُرْفًا كَمَا سَيَذْكُرُهُ، وَإِلَّا فَلَهُ الصَّلَاةُ فِي الْوَاسِعِ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ إلَى أَنْ يَبْقَى قَدْرُ الْمُتَنَجِّسِ ق ل. وَقَدْ يُقَالُ مُرَادُ الشَّارِحِ أَنَّ بَيْتًا طَاهِرًا وَبَيْتًا مُتَنَجِّسًا كُلَّهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاسِعِ وَالضَّيِّقِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَجْتَهِدُ فِيهَا) أَيْ الْمِيَاهُ لِكُلِّ
مِنْ الثَّوْبَيْنِ أَوْ الْبَيْتَيْنِ، فَإِذَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ حَضَرَتْ صَلَاةٌ أُخْرَى لَمْ يَجِبْ تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ.
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يُشْكِلُ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْمِيَاهِ فَإِنَّهُ يَجْتَهِدُ فِيهَا لِكُلِّ فَرْضٍ.
أُجِيبُ: بِأَنَّ بَقَاءَ الثَّوْبِ أَوْ الْمَكَانِ كَبَقَاءِ الطَّهَارَةِ، فَلَوْ اجْتَهَدَ فَتَغَيَّرَ ظَنُّهُ عَمِلَ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي فَيُصَلِّي فِي الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ كَمَا لَا يَجِبُ إعَادَةُ الْأُولَى، إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَقْضُ اجْتِهَادٍ بِاجْتِهَادٍ، بِخِلَافِ الْمِيَاهِ وَلَوْ غَسَلَ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِمَا وَلَوْ جَمَعَهُمَا عَلَيْهِ، وَلَوْ اجْتَهَدَ فِي الثَّوْبَيْنِ أَوْ الْبَيْتَيْنِ فَلَمْ يَظْهَرُ لَهُ شَيْءٌ صَلَّى عَارِيًّا أَوْ فِي أَحَدِ الْبَيْتَيْنِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَأَعَادَ لِتَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ إدْرَاكِ الْعَلَامَةِ؛ وَلِأَنَّ مَعَهُ ثَوْبًا فِي الْأُولَى وَمَكَانًا فِي الثَّانِيَةِ طَاهِرًا بِيَقِينٍ، وَلَوْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ بَدَنَانِ يُرِيدُ الِاقْتِدَاءَ بِأَحَدِهِمَا اجْتَهَدَ فِيهِمَا وَعَمِلَ بِاجْتِهَادِهِ، فَإِنْ صَلَّى خَلْفَ وَاحِدٍ ثُمَّ تَغَيَّرَ ظَنُّهُ إلَى الْآخَرِ صَلَّى خَلْفَهُ وَلَا يُعِيدُ الْأُولَى، كَمَا لَوْ صَلَّى بِاجْتِهَادٍ إلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ تَغَيَّرَ ظَنُّهُ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ تَحَيَّرَ صَلَّى مُنْفَرِدًا وَلَوْ نَجُسَ بَعْضُ ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ مَكَان ضَيِّقٍ وَجَهِلَ ذَلِكَ الْبَعْضَ وَجَبَ غَسْلُ كُلِّهِ لِتَصِحَّ الصَّلَاةُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ وَاسِعًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِيهِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ بِلَا اجْتِهَادٍ، وَسَكَتُوا عَنْ ضَبْطِ الْوَاسِعِ وَالضَّيِّقِ وَالْأَحْسَنُ فِي ضَبْطِ ذَلِكَ الْعُرْفُ، وَلَوْ غَسَلَ بَعْضَ نَجَسٍ كَثَوْبٍ ثُمَّ غَسَلَ بَاقِيهِ، فَإِنْ غَسَلَ مَعَهُ مُجَاوِرُهُ طَهُرَ كُلُّهُ، وَإِلَّا فَغَيْرُ الْمُجَاوِرِ
وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ نَحْوِ
[حاشية البجيرمي]
فَرْضٍ أَيْ حَيْثُ انْتَقَضَ طُهْرُهُ الَّذِي فَعَلَهُ بِالِاجْتِهَادِ، أَمَّا إذَا بَقِيَ طُهْرُهُ وَلَوْ شَهْرًا فَلَا اجْتِهَادَ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْجَوَابِ.
اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (كَبَقَاءِ الطَّهَارَةِ) أَيْ بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَوْ اشْتَبَهَ أَحَدُ مَاءَيْنِ بِآخَرَ وَلَمْ تُنْتَقَضُ طَهَارَتُهُ أَيْ: فَيَسْتَغْنِيَ بِذَلِكَ عَنْ تَجْدِيدِ الِاجْتِهَادِ وَحِينَئِذٍ فَالْمَسْأَلَتَانِ مُسْتَوِيَتَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَهِدُ مَا بَقِيَتْ طَهَارَتُهُ، وَمَا بَقِيَ فِي أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ أَوْ الْمَكَانَيْنِ، فَإِذَا انْتَقَلَ مِنْ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ أَوْ الْمَكَانَيْنِ إلَى غَيْرِهِمَا اجْتَهَدَ، كَمَا أَنَّهُ إذَا انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ اجْتَهَدَ فَلَا يَرِدُ السُّؤَالُ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ اجْتَهَدَ إلَخْ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ لَمْ يَجِبْ تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ.
قَوْلُهُ: (بِالِاجْتِهَادِ) خَرَجَ مَا لَوْ هَجَمَ وَغَسَلَ أَحَدَهُمَا، فَلَيْسَ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ) أَيْ لِمَا صَلَّاهُ فِي الثَّانِي.
قَوْلُهُ: (إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ نَقْضُ اجْتِهَادٍ بِاجْتِهَادٍ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ كَمَا لَا يَجِبُ إعَادَةُ الْأُولَى، وَوَجْهُهُ أَنَّ آثَارَ الْأَوَّلِ مِنْ الصَّلَاةِ بِهِ مَحْكُومٌ بِصِحَّتِهَا مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يُبْطِلُهُ، فَلِذَلِكَ عَمِلَ بِالثَّانِي، بِخِلَافِ الْمِيَاهِ إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ لَا يَعْمَلُ بِالثَّانِي بَلْ يُتْلِفُ الْمَاءَيْنِ وَيَتَيَمَّمُ وَلَا يُعِيدُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَعْمَلْ بِالثَّانِي؛ لِأَنَّهُ إنْ غَسَلَ مَا أَصَابَهُ الْأَوَّلُ بِمَاءِ الثَّانِي، فَقَدْ نُقِضَ الِاجْتِهَادُ الْأَوَّلُ أَيْ آثَارُهُ الْبَاقِيَةُ بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي، وَهُمَا ظَنَّانِ مُتَسَاوِيَانِ، فَيَكُونُ تَحَكُّمًا، وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ مَا أَصَابَهُ الْأَوَّلُ بِمَاءٍ طَاهِرٍ بِيَقِينٍ، وَإِلَّا فَيَعْمَلُ بِالثَّانِي حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَضْ الِاجْتِهَادُ الْأَوَّل بِالِاجْتِهَادِ الثَّانِي، بَلْ نَقَضَهُ بِمَاءٍ طَاهِرٍ بِيَقِينٍ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْمِيَاهِ) أَيْ فَإِنَّهُ فِيهَا لَا يَعْمَلُ بِالثَّانِي أَيْ: وَلَا بِالْأَوَّلِ بَلْ يَتَيَمَّمُ بَعْدَ تَلَفٍ.
قَوْلُهُ: (لِتَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ إدْرَاكِ الْعَلَامَةِ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ فَوْرًا، وَبِهِ صَرَّحَ الشَّارِحُ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ أَيْضًا فِيمَا إذَا لَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ فَأَفْطَرُوا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَعَلَّلُوهُ بِتَقْصِيرِهِمْ بِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ ع ش عَلَى م ر. وَالتَّعْلِيلُ بِالتَّقْصِيرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُشْكِلٌ لِبَذْلِهِمْ مَا فِي وُسْعِهِمْ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بَدَنَانِ) أَيْ تَنَجَّسَ أَحَدُهُمَا كَمَا فِي م ر. قَوْلُهُ: (وَلَا يُعِيدُ الْأُولَى) أَيْ وَلَا الثَّانِيَةَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَجُسَ) هُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَحَلَّ هَذَا بَابُ النَّجَاسَةِ، فَذِكْرُهُ هُنَا اسْتِطْرَادِيٌّ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَلَوْ غَسَلَ بَعْضَ نَجَسٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لِتَصِحَّ الصَّلَاةُ فِيهِ) أَيْ أَوْ مَعَهُ لِيَشْمَلَ الْبَدَنَ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْوَاسِعَ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ بَدَنِ الْمُصَلِّي وَالضَّيِّقُ مَا كَانَ بِقَدْرِ بَدَنِهِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ) لَكِنْ يُسَنُّ م ر.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ أَنْ يُصَلِّي فِيهِ) أَيْ إلَى أَنْ يَبْقَى قَدْرُ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَحْسَنُ فِي ضَبْطِ ذَلِكَ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ الْوَاسِعِ وَالضَّيِّقِ فَانْدَفَعَ بِذَلِكَ مَا يُقَالُ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ فِي ضَبْطِهِمَا، وَالْمُرَادُ بِالْعُرْفِ عُرْفُ حَمَلَةِ الشَّرْعِ.
قَوْلُهُ: (مُجَاوِرُهُ) وَهُوَ جُزْءٌ مِمَّا غَسَلَهُ أَوَّلًا.
قَوْلُهُ: (طَهُرَ كُلُّهُ) أَيْ حَيْثُ غَسَلَهُ بِالصَّبِّ فِي غَيْرِ إنَاءٍ أَمَّا لَوْ غَسَلَهُ بِالصَّبِّ فِي الْإِنَاءِ فَلَا يَطْهُرُ إلَّا بِغَسْلِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ إذَا وَضَعَ بَعْضَهُ وَصَبَّ عَلَيْهِ
قَابِضِ طَرَفٍ مُتَّصِلٍ بِنَجَسٍ وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ، وَلَا يَضُرُّ جَعْلُ طَرَفِهِ تَحْتَ رِجْلِهِ وَلَا نَجَسٌ يُحَاذِيهِ، وَلَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ لِحَاجَةٍ بِنَجَسٍ مِنْ عَظْمٍ لَا يَصْلُحُ لِلْوَصْلِ غَيْرُهُ عُذِرَ فِي ذَلِكَ، فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ مَعَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَزْعُهُ إذَا وُجِدَ الطَّاهِرُ
[حاشية البجيرمي]
الْمَاءَ صَارَ مَا فَوْق الْمَاءِ وَهُوَ مُجَاوِرٌ الْمَغْسُولَ وَارِدًا عَلَى مَاءٍ قَلِيلٍ فَيُنَجِّسُهُ (ز ي) ، وَيُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلِهِ أَنَّهُ لَوْ صَبَّ الْمَاءَ عَلَى مَوْضِعٍ مِنْ الثَّوْبِ مُرْتَفِعٌ عَنْ الْإِنَاءِ وَانْحَدَرَ عَنْهُ الْمَاءُ حَتَّى اجْتَمَعَ فِي الْإِنَاءِ وَلَمْ يَصِلْ الْمَاءُ إلَى مَا فَوْقِ الْمَغْسُولِ مِنْ الثَّوْبِ طَهُرَ.
نَقَلَ ذَلِكَ سم عَنْ الشَّارِحِ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَغَيْرُ الْمُجَاوِرِ) يَطْهُرُ وَالْمُجَاوِرُ نَجِسٌ وَهُوَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ مِمَّا غَسَلَهُ أَوَّلًا، وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مُحَقَّقَةً، فَلَوْ تَنَجَّسَ بَعْضُ الثَّوْبِ وَاشْتَبَهَ فَغَسَلَ نِصْفَهُ ثُمَّ بَاقِيَهُ طَهُرَ كُلُّهُ، وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ الْمُجَاوِرَ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ نَجَاسَةِ الْبَعْضِ الَّذِي غَسَلَ أَوَّلًا.
أَيْ: حَتَّى يَسْرِي إلَى مُجَاوِرِهِ مِمَّا غَسَلَ أَوَّلًا.
ع ش عَلَى م ر بِزِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (نَحْوِ قَابِضٍ) كَشَادٍّ بِيَدٍ أَوْ نَحْوِهَا شَرْحُ الْمَنْهَجِ، وَمُرَادُهُ بِالشَّادِّ الرَّابِطِ.
قَوْلُهُ: (طَرَفٍ مُتَّصِلٍ بِنَجَسٍ) سَوَاءٌ كَانَ اتِّصَالُهُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الرَّبْطِ أَوْ لَا.
وَسَوَاءٌ كَانَ النَّجَسُ يَتَحَرَّك بِحَرَكَتِهِ أَوْ لَا.
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ مُتَّصِلٌ بِنَجَسٍ مَا لَوْ كَانَ الطَّرَفُ الْآخَرُ مُتَّصِلًا بِشَيْءٍ طَاهِرٍ، وَذَلِكَ الطَّاهِرُ مُتَّصِلٌ بِالنَّجَسِ فَيَفْصِلُ، وَيُقَالُ: إنْ كَانَ النَّجَسُ يَنْجَرُّ بِجَرِّ الْمُصَلِّي وَاتَّصَلَ الطَّرَفُ الْآخَرُ بِالْمُتَّصِلِ بِهِ عَلَى وَجْهِ الرَّبْطِ ضَرَّ، وَإِنْ لَمْ يَنْجَرَّ بِجَرِّهِ أَوْ كَانَ الِاتِّصَالُ لَا عَلَى وَجْهِ الرَّبْطِ لَمْ يَضُرَّ.
مِثَالُ ذَلِكَ إذَا رَبَطَ حَبْلًا بِطَوْقِ كَلْبٍ أَوْ بِوَتَدِ سَفِينَةٍ فِيهَا نَجَاسَةٌ، وَكَانَتْ تَنْجَرُّ بِجَرِّهِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْحَبْلُ مَرْمِيًّا عَلَى طَوْقِ الْكَلْبِ مِنْ غَيْرِ رَبْطٍ أَوْ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ الطَّاهِرِ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ.
وَقَدْ أَشَارَ شَارِحُ الْمَنْهَجِ لِلْمَفْهُومِ بِقَوْلِهِ: وَلَوْ كَانَ طَرَفُهُ مُتَّصِلًا بِسَاجُورِ كَلْبٍ إلَخْ.
لَكِنَّ كَلَامَهُ فِيهِ إجْمَالٌ لِعَدَمِ إفَادَتِهِ لِلتَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، هَكَذَا يُسْتَفَادُ مِنْ شَرْحِ م ر شَوْبَرِيٌّ.
مَعَ زِيَادَةٍ وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْآخِذِ بِزِمَامِ الدَّابَّةِ إنْ كَانَ بِهَا نَجَاسَةٌ، وَلَوْ عَلَى غَيْرِ مَخْرَجِهَا وَإِذَا وَطِئَتْ نَجَاسَةً رَطْبَةً بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَكَذَا جَافَّةٌ لَمْ تُفَارِقْهَا حَالًا بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّك بِحَرَكَتِهِ) وَعِبَارَةُ اج وَفَارَقَ صِحَّةُ سُجُودِهِ عَلَى مَا لَمْ يَتَحَرَّك بِحَرَكَتِهِ بِأَنَّ اجْتِنَابَ النَّجَاسَةِ شُرِعَ لِلتَّعْظِيمِ، وَهَذَا يُنَافِيهِ وَالْمَطْلُوبُ فِي السُّجُودِ الِاسْتِقْرَارُ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَضُرُّ جَعْلُ طَرَفِهِ تَحْتَ رِجْلِهِ) أَيْ: وَإِنْ تَحَرَّكَ بِحَرَكَتِهِ لِعَدَمِ حَمْلِهِ لَهُ أَمَّا لَوْ جَعَلَهُ فَوْقَ ظَهْرِ رِجْلِهِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ، وَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ نَحْوَ قَابِضٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا نَجَسٌ يُحَاذِيهِ) أَيْ وَلَا يَضُرُّ نَجَسٌ يُحَاذِي شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ أَوْ مَلْبُوسِهِ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ لِعَدَمِ مُلَاقَاتِهِ لَهُ، فَصَارَ كَمَا لَوْ صَلَّى عَلَى بِسَاطٍ طَرَفُهُ نَجَسٌ فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ شَرْحُ الْبَهْجَةِ فَلَوْ عَرَقَ قَدَمُهُ، فَالْتَصَقَ الْبِسَاطُ الَّذِي طَرَفُهُ نَجَسٌ أَوْ الْمَفْرُوشُ عَلَى أَرْضٍ مُتَنَجِّسَةٍ بِبَاطِنِ قَدَمِهِ وَصَارَ مُتَعَلِّقًا بِهِ عُدَّ حَامِلًا لَهُ، فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ إنْ لَمْ يَفْصِلْهُ عَنْهُ حَالًا كَمَا أَفْتَى بِهِ الشِّهَابُ م ر نَعَمْ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ مَعَ مُحَاذَاةِ النَّجَسِ كَاسْتِقْبَالِ مُتَنَجِّسٍ أَوْ نَجَسٍ وَلَوْ حُبِسَ بِمَحَلٍّ نَجَسٍ صَلَّى وَتَجَافَى عَنْ النَّجَسِ قَدْرَ مَا يُمْكِنُهُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ وَضْعُ جَبْهَتِهِ بِالْأَرْضِ، بَلْ يَنْحَنِي بِالسُّجُودِ إلَى قَدْرٍ لَوْ زَادَ عَلَيْهِ لَاقَى النَّجَسَ ثُمَّ يُعِيدُ قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ شَرْحُ م ر.
فَرْعٌ: لَوْ تَعَلَّقَ بِالْمُصَلِّي صَبِيٌّ أَوْ هِرَّةٌ لَمْ يَعْلَمْ نَجَاسَةَ مَنْفَذِهِمَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَعَارَضَ فِيهِ الْأَصْلُ، وَالْغَالِبُ إذْ الْأَصْلُ الطَّهَارَةُ وَالْغَالِبُ النَّجَاسَةُ، وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا لَمْ يَعْلَمْ نَجَاسَةَ مَنْفَذِهِمَا مَا لَوْ عِلْمَهُ، ثُمَّ غَابَتْ الْهِرَّةُ أَوْ الطِّفْلُ زَمَنًا لَا يُمْكِنُ فِيهِ غَسْلُ مَنْفَذِهِمَا فَهُوَ بَاقٍ عَلَى نَجَاسَتِهِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِتَعَلُّقِهِمَا بِالْمُصَلِّي، وَلَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ مَا أَصَابَ مَنْفَذَهُمَا كَالْهِرَّةِ إذَا أَكَلَتْ فَأْرَةً ثُمَّ غَابَتْ غَيْبَةً يُمْكِنُ طُهْرُ فَمِهَا فِيهَا اهـ عِ ش عَلَى م ر. فَلَا تُنَجِّسُ مَا أَصَابَهُ فَمُهَا، وَقَدْ يُقَالُ النَّجَاسَةُ مُتَيَقَّنَةٌ، وَالطُّهْرُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَمُقْتَضَاهُ نَجَاسَةُ مَا أَصَابَهُ فَمُهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ) أَيْ الْمُكَلَّفُ.
وَحَاصِلُ مَسْأَلَةِ الْجَبْرِ أَنَّهُ إنْ فَعَلَهُ مُخْتَارًا مَعَ فَقْدِ الطَّاهِرِ الصَّالِحِ لَمْ يَجِبْ نَزْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا، وَإِنْ فَعَلَهُ مَعَ وُجُودِ الطَّاهِرِ الصَّالِحِ وَجَبَ نَزْعُهُ إلَّا إنْ خَافَ ضَرَرًا، وَإِنْ فَعَلَهُ مُكْرَهًا لَمْ يَجِبْ نَزْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا وَإِنْ فَعَلَ بِهِ حَالَ عَدَمِ تَكْلِيفِهِ كَصِغَرِهِ لَمْ يَجِبْ نَزْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا وَحَيْثُ وَجَبَ نَزْعُهُ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ وَلَا طَهَارَتُهُ مَا دَامَ الْعَظْمُ النَّجَسُ مَكْشُوفًا لَمْ يَشْتَرِطْ بِالْجِلْدِ وَحَيْثُ لَا يَجِبُ نَزْعُهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَطَهَارَتُهُ، وَلَمْ يُنَجَّسُ الْمَاءُ بِمُرُورِهِ عَلَى الْعَظْمِ وَلَوْ قَبْلَ اكْتِسَائِهِ بِاللَّحْمِ وَالْجِلْدِ وَلَا الرَّطْبِ إذَا لَاقَاهُ سم، وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ طَهَارَةِ الْبَدَنِ
كَمَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا، فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ لِوَصْلِهِ أَوْ وَجَدَ صَالِحًا غَيْرَهُ مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ وَجَبَ عَلَيْهِ نَزْعُهُ إنْ أَمِنَ مِنْ نَزْعِهِ ضَرَرًا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ وَلَمْ يَمُتْ، وَمِثْلُ الْوَصْلِ بِالْعَظْمِ فِيمَا ذُكِرَ الْوَشْمُ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ
وَعُفِيَ عَنْ مَحِلِّ اسْتِجْمَارِهِ فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ عَرِقَ مَا لَمْ يُجَاوِزْ الصَّفْحَةَ وَالْحَشَفَةَ فِي حَقِّهِ، لَا فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَعَمَّا عَسِرَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ غَالِبًا مِنْ طِينِ
[حاشية البجيرمي]
فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لِحَاجَةٍ) بِأَنْ لَمْ يَجِدْ وَقْتَ الْوَصْلِ طَاهِرًا فِي مَحَلٍّ يَجِبُ طَلَبُ الْمَاءِ مِنْهُ فِي التَّيَمُّمِ ق ل. قَوْلُهُ: (مِنْ عَظْمٍ) وَلَوْ مُغَلَّظًا ح ل قَوْلُهُ: (لَا يَصْلُحُ لِلْوَصْلِ غَيْرُهُ) أَيْ وَقْتَ إرَادَتِهِ حَتَّى لَوْ وَصَلَ غَيْرَهُ، وَلَكِنْ كَانَ هَذَا أَصْلَحَ أَوْ أَسْرَعَ إلَى الْجَبْرِ لَمْ يَجُزْ الْوَصْلُ بِهِ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ، وَيُقَدَّمُ عَظْمُ الْخِنْزِيرِ عَلَى الْكَلْبِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْكَلْبَ أَغْلَظُ، وَهَذَا يُخَالِفُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ فِي قِيَاسِ الْخِنْزِيرِ عَلَى الْكَلْبِ حَيْثُ قَالُوا فِي تَوْجِيهِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهُ، إذْ لَا يَحِلُّ اقْتِنَاؤُهُ بِحَالٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْخِنْزِيرَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِجَوَازِ أَكْلِهِ بِخِلَافِ الْكَلْبِ، فَفِيهِ قَوْلٌ بِالْجَوَازِ لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَيُقَدَّمُ غَيْرُ الْمُغَلَّظِ، وَلَوْ كَانَ بَطِيءَ الْبُرْءِ عَلَى الْمُغَلَّظِ، وَلَوْ كَانَ سَرِيعُهُ وَيُقَدَّمُ الْمُغَلَّظُ عَلَى الْآدَمِيِّ بِرْمَاوِيٌّ وح ل. قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ الْآدَمِيِّ) فَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ إلَّا عَظْمُ الْآدَمِيِّ قُدِّمَ عَظْمُ الْحَرْبِيِّ كَالْمُرْتَدِّ ثُمَّ الذِّمِّيِّ ثُمَّ الْمُسْلِمِ.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ عَلَيْهِ نَزْعُهُ إنْ أَمِنَ إلَخْ) أَيْ وَلَوْ اكْتَسَى لَحْمًا وَلَا مُبَالَاةَ بِأَلَمِهِ فِي الْحَالِ إنْ لَمْ يَخَفْ مِنْهُ فِي الْمَآلِ ضَرَرًا يُبِيحُ التَّيَمُّمُ، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ مَعَهُ لِحَمْلِهِ نَجَاسَةً فِي غَيْرِ مَعْدِنِهَا لَا ضَرُورَةَ إلَى تَبْقِيَتِهَا اهـ مَتْنُ الرَّوْضِ وَشَرْحُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَمُتْ) فَإِنْ مَاتَ حَرُمَ نَزْعُهُ لِزَوَالِ التَّعَبُّدِ عَنْهُ وَلِهَتْكِ حُرْمَتَهُ، وَقِيلَ يُنْزَعُ عَنْهُ لِئَلَّا يَلْقَى اللَّهَ مَعَ النَّجَاسَةِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْعَائِدَ هُوَ الْأَجْزَاءُ الْأَصْلِيَّةُ أَيْ الَّتِي نَزَلَ بِهَا مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ ز ي. قَوْلُهُ: (الْوَشْمُ) وَهُوَ غَرْزُ الْإِبْرَةِ فِي الْجِلْدِ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ ثُمَّ يَذُرَّ عَلَيْهِ نَحْوَ نِيلَةٍ لِيَخْضَرَّ أَوْ يَزْرَقَّ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (فَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ) وَهُوَ أَنَّهُ إذَا فَعَلَهُ مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ عَالِمٌ بِالتَّحْرِيمِ بِلَا حَاجَةٍ وَقَدْرَ عَلَى إزَالَتِهِ لَزِمَتْهُ، وَإِلَّا فَلَا.
فَإِذَا فُعِلَ بِهِ فِي صِغَرِهِ أَوْ فَعَلَهُ مُكْرَهًا أَوْ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ أَوْ لِحَاجَةٍ وَخَافَ مِنْ إزَالَتِهِ مَحْذُورَ تَيَمُّمٍ فَلَا تَلْزَمُهُ إزَالَتُهُ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَإِمَامَتُهُ، وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ الْوَشْمَ بِرِضَاهُ فِي حَالِ تَكْلِيفِهِ، وَلَمْ يَخَفْ مِنْ إزَالَتِهِ مَحْذُورَ تَيَمُّمٍ مَنَعَ ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ عَنْ مَحَلِّهِ لِتَنَجُّسِهِ وَإِلَّا عُذِرَ فِي بَقَائِهِ مُطْلَقًا وَحَيْثُ لَمْ يُعْذَرْ فِيهِ وَلَاقَى مَاءً قَلِيلًا أَوْ مَائِعًا أَوْ رَطْبَا نَجَّسَهُ، كَذَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ شَرْحُ م ر. قَالَ سم: وَلَا يَبْعُدُ عُذْرُ مَنْ وَشَمَ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ إذَا كَانَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ وِفَاقًا لِلرَّمْلِيِّ اهـ. وَلَا عُذْرَ لِلْكَافِرِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَلَوْ وَشَمَ بِاخْتِيَارِهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ إزَالَتِهِ لِتَعَدِّيهِ وَهُوَ مُكَلَّفٌ.
اهـ. سم وَا ج وَفِي ع ش عَلَى م ر خِلَافُهُ.
وَنَصُّهُ: فَرْعٌ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ ذِمِّيٍّ اسْتَعْمَلَ الْوَشْمَ بَعْدَ بُلُوغِهِ بِلَا حَاجَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إزَالَةُ الْوَشْمِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ حَيْثُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي إزَالَتِهِ أَمْ لَا؟ كَمَنْ فُعِلَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ بُلُوغِهِ حَيْثُ لَمْ يُكَلَّفْ إزَالَتُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ فِي الْأَصْلِ وَيُعْفَى عَنْهُ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ، وَلَا يَنْجُسُ مَاءٌ قَلِيلٌ بِمُلَاقَاةِ مَحَلِّ الْوَشْمِ لَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَالظَّاهِرُ الْعَفْوُ لِعَدَمِ اعْتِقَادِهِ حُرْمَتَهُ فِي الْأَصْلِ فَلَا تَعَدِّي مِنْهُ حَالَ الْفِعْلِ وَإِنْ كَانَ مُخَاطَبًا بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ اهـ. بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (وَعُفِيَ عَنْ مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ إلَخْ) عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، وَالتَّقْدِيرُ وَعُفِيَ عَنْ أَثَرِ مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ إلَخْ.
وَعِبَارَةُ التَّحْرِيرِ وَعَنْ أَثَرِ اسْتِنْجَاءٍ فِي الصَّلَاةِ اهـ زَادَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ رُخْصَةً.
وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسَافِرًا عَاصِيًا لَمْ يُعْفَ عَنْهُ وَلَيْسَ كُلٌّ كَذَلِكَ اهـ قَالَهُ عَبْدُ الْبَرِّ.
قَوْلُهُ: (فِي الصَّلَاةِ) أَيْ لَا فِي تَنَجُّسِ مَاءٍ وَتَنَجُّسِ ثَوْبٍ لَاقَاهُ مَعَ رُطُوبَةٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ ق ل. وَقَالَ الْحَلَبِيُّ: وَيُعْفَى عَمَّا يُلَاقِيهِ مِنْ الثَّوْبِ فِي الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، وَمِثْلُهُ الْبَدَنُ وَلَوْ بِرُكُوبٍ أَوْ جُلُوسٍ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْبِرْمَاوِيُّ وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي التَّحْرِيرِ وَحَوَاشِيهِ.
وَنَصُّهُ: وَعُفِيَ عَنْ أَثَرِ اسْتِنْجَاءٍ وَإِنْ عَرِقَ فَتَلَوَّثَ بِهِ غَيْرُ مَحَلِّهِ وَإِنْ جَاوَزَ الْبَدَنَ إلَى الثَّوْبِ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَوْلُهُ: (مَا لَمْ يُجَاوِزْ) وَإِلَّا وَجَبَ غَسْلُ الْمُجَاوِزِ قَالَ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: ثُمَّ إنْ جَاوَزَ مَعَ الِاتِّصَالِ وَجَبَ غَسْلُ الْكُلِّ، وَإِلَّا وَجَبَ غَسْلُ مَا جَاوَزَ فَقَطْ دُونَ مَا لَمْ يُجَاوِزْ.
وَقَوْلُهُ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَجَبَ غَسْلُ مَا سَالَ إلَيْهِ ضَعِيفٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى السَّيْلَانِ مَعَ التَّقَطُّعِ.
قَوْلُهُ: (فِي حَقِّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِعُفِيَ فَلَوْ حَمَلَ مُسْتَجْمَرًا فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ، إذْ لَا حَاجَةَ إلَى حَمْلِهِ فِيهَا، فَلَوْ قَبَضَ فِي يَدِ مُصَلٍّ أَوْ فِي ثَوْبِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَمِثْلُهُ كُلُّ مَنْ بِهِ نَجَاسَةٌ م ر. وَمِثْلُ الْحَمْلِ مَا لَوْ
شَارِعٍ نَجَسٍ يَقِينًا لِعُسْرِ تَجَنُّبِهِ، وَيَخْتَلِفُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ وَقْتًا وَمَحَلًّا مِنْ ثَوْبٍ وَبَدَنٍ، وَعَنْ دَمِ نَحْوِ بَرَاغِيثَ وَدَمَامِيلَ
[حاشية البجيرمي]
تَعَلَّقَ الْمُسْتَجْمَرُ بِالْمُصَلِّي أَوْ الْمُصَلِّي بِالْمُسْتَجْمَرِ، فَإِنَّهُ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَوَجْهُ الْبُطْلَانِ فِيهِمَا اتِّصَالُ الْمُصَلِّي بِمَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِالنَّجَاسَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمُسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ إذَا أَمْسَكَ مُصَلِّيًا مُسْتَجْمِرًا بُطْلَانُ صَلَاةِ الْمُسْتَجْمِرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ بَعْضَ بَدَنِهِ مُتَّصِلٌ بِيَدِ الْمُسْتَنْجِي بِالْمَاءِ، وَيَدُهُ مُتَّصِلَةٌ بِيَدِ الْمُصَلِّي الْمُسْتَجْمِرِ بِالْحَجَرِ، فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِمُتَّصِلٍ بِنَجَسٍ وَهُوَ نَفْسُهُ لَا ضَرُورَةَ لِاتِّصَالِهِ بِهِ.
لَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا أَمْسَكَ ثَوْبَ نَفْسِهِ بَطَلَتْ صَلَاته؛ لِأَنَّا نَقُولُ: اتِّصَالُ الثِّيَابِ بِهِ ضَرُورِيٌّ وَمِثْلُهَا السَّجَّادَةُ وَنَحْوُهَا لِتَنْزِيلِهَا مَنْزِلَةَ الثِّيَابِ قَالَهُ الْإِطْفِيحِيُّ نَقْلًا عَنْ ع ش. قَالَ الرَّشِيدِيُّ: هُوَ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ، إذْ هُوَ مُغَالَطَةٌ إذْ لَا خَفَاءَ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الطَّاهِرِ الْمُتَّصِلِ بِالْمُصَلِّي مُتَّصِلًا بِنَجَسٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُصَلِّي، وَهُنَا النَّجَسُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُمْسِكِ الَّذِي هُوَ مَنْشَأُ التَّوَهُّمِ.
وَفِي حَجّ: وَلَوْ غَرَزَ إبْرَةً مَثَلًا بِبَدَنِهِ أَوْ انْغَرَزَتْ فَغَابَتْ أَوْ وَصَلَتْ لِدَمٍ قَلِيلٍ لَمْ يَضُرَّ أَوْ لِدَمٍ كَثِيرٍ أَوْ لِجَوْفٍ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ لِاتِّصَالِهَا بِنَجَسٍ اهـ. قَالَ سم: عَلَيْهِ وَمَحَلُّ عَدَمِ الصِّحَّةِ حَيْثُ كَانَ طَرَفُهَا بَائِنًا ظَاهِرًا اهـ. أَقُولُ: وَمَا قَيَّدَ بِهِ قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ فَغَابَتْ.
وَقَوْلُهُ: لَمْ تَصِحَّ إلَخْ.
يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ إذَا لَمْ يَخَفْ مِنْ نَزْعِهَا ضَرَرًا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَأَنْ مَحَلَّهُ أَيْضًا إذَا غَرَزَهَا لِغَرَضٍ، أَمَّا إذَا غَرَزَهَا عَبَثًا فَتَبْطُلُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ عَمْدًا، وَهُوَ يَضُرُّ قَالَ ع ش عَلَى م ر، وَلَوْ وَقَّعَ الطَّائِرُ الَّذِي عَلَى مَنْفَذِهِ نَجَاسَةً فِي مَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ مَائِعٍ لَمْ يُنَجَّسْ عَلَى الْأَصَحِّ لِعُسْرِ صَوْنِهِ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْمُسْتَجْمَرِ فَإِنَّهُ يُنَجِّسُهُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضَمُّخِ بِالنَّجَاسَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ زَوْجَتَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ لِمَا ذُكِرَ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا تَمْكِينُهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ، وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ شَرْحَ م ر. قَالَ حَجّ: مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَلْزَمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فُتُورٌ وَإِلَّا فَلَا يَحْرُمُ وَيَجِبُ عَلَيْهَا تَمْكِينُهُ.
قَوْلُهُ: (نَجَسٌ يَقِينًا) أَيْ وَلَيْسَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ مُتَمَيِّزَةً وَمَاءُ الشَّارِعِ مِثْلُ طِينِهِ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ أَيْ: إذَا وَصَلَ إلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ الشَّارِعِ بِنَفْسِهِ وَخَرَجَ بِهِ مَا لَوْ تَلَطَّخَ كَلْبٌ بِطِينِ الشَّارِعِ وَانْتَفَضَ عَلَى إنْسَانٍ، وَمَا لَوْ رَشَّ السَّقَّاءُ عَلَى الْأَرْضِ النَّجِسَةَ أَوْ رَشَّهُ عَلَى ظَهْرِ كَلْبٍ فَطَارَ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى شَخْصٍ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ بِالْعَفْوِ فِيمَا ذُكِرَ لَاقْتَضَى أَنَّهُ لَوْ وَصَلَ إلَيْهِ بِفِعْلِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَضُرَّ وَلَا قَائِلَ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِالشَّارِعِ مَحَلُّ الْمُرُورِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَارِعًا كَالْمَحَلَّاتِ الَّتِي عَمَّتْ الْبَلْوَى بِاخْتِلَاطِهَا بِالنَّجَاسَةِ كَدِهْلِيزِ الْحَمَّامِ وَمَا حَوْلَ الْفَسَاقِيِ مِمَّا لَا يُعْتَادُ تَطْهِيرُهُ إذَا تَنَجَّسَ، أَمَّا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِحِفْظِهِ وَتَطْهِيرِهِ إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ بَلْ مَتَى تَيَقَّنَ نَجَاسَتَهُ وَجَبَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ وَمِنْهُ مَمْشَاةُ الْفَسَاقِي فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ وَلَا يُغْتَرُّ بِمُخَالِفَتِهِ وَضَابِطُ الْعَفْوِ فِيهِ أَنْ لَا يُنْسَبَ إلَى سَقْطَةٍ أَوْ كَبْوَةٍ أَوْ قِلَّةِ تَحَفُّظٍ اهـ ق ل. وَشَمِلَ النَّجَاسَةَ الْمُغَلَّظَةَ خُصُوصًا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا الْكِلَابُ، وَخَرَجَ بِالطِّينِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ إذَا تَفَتَّتَ فِي الطَّرِيقِ، فَلَا يُعْفَى عَنْهَا مَا لَمْ تَعُمُّهَا عَلَى مَا مَالَ إلَيْهِ الزَّرْكَشِيّ، وَإِذَا مَشَى فِي الشَّارِعِ الَّذِي بِهِ طِينٌ مُتَيَقَّنُ النَّجَاسَةِ وَأَصَابَهُ وَمَشَى فِي مَكَان آخَرَ وَتَلَوُّثَ مِنْهُ عُفِيَ عَنْهُ فِي الْمَكَانِ الثَّانِي إذَا كَانَ غَيْرَ مَسْجِدٍ، وَإِلَّا فَلَا يُعْفَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ يُصَانُ عَنْ النَّجَاسَةِ، وَيُمْتَنَعُ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ بِهَا وَيُعْفَى فِي حَقِّ الْأَعْمَى مَا لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي حَقِّ الْبَصِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَيَخْتَلِفُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ وَقْتًا إلَخْ) اُنْظُرْ لَوْ تَلَوُّثَ ثَوْبُهُ أَوْ بَدَنُهُ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ وَاسْتَمَرَّ إلَى الصَّيْفِ فَهَلْ يُعْفَى عَنْهُ نَظَرًا إلَى الزَّمَنِ الْوَاقِعِ فِيهِ أَوْ لَا نَظَرًا إلَى زَوَالِ الْمَشَقَّةِ حِينَئِذٍ؟ فِيهِ نَظَرٌ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ الْعَفْوِ؛ لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالزَّمَنِ اهـ بَابِلِيٌّ أَمَّا إذَا بَقِيَ إلَى الشِّتَاءِ الثَّانِي فَيُعْفَى عَنْهُ نَظَرًا لِلزَّمَنِ طُوخِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ دَمِ نَحْوِ بَرَاغِيثَ) جَمْعُ بُرْغُوثٍ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحُ قَلِيلٌ، وَيُقَالُ لَهُ طَامِرُ بْنُ طَامِرٍ.
رَوَى أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يَسُبُّ بُرْغُوثًا فَقَالَ: لَا تَسُبُّهُ فَإِنَّهُ أَيْقَظَ نَبِيًّا لِصَلَاةِ الْفَجْرِ» . وَدَمُ الْبَرَاغِيثِ رَشَحَاتٌ تَمُصُّهَا مِنْ الْإِنْسَانِ ثُمَّ تَمُجُّهَا وَلَيْسَ لَهَا دَمٌ فِي نَفْسِهَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ.
فَالْإِضَافَةُ فِي دَمِ الْبَرَاغِيثِ لِلْمُلَابَسَةِ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَعَنْ دَمِ نَحْوِ بَرَاغِيثَ أَيْ يُعْفَى عَنْهَا فِي مَلْبُوسِهِ وَلَوْ مَعَ رُطُوبَةِ بَدَنِهِ مِنْ عَرَقٍ وَنَحْوَ مَاءِ وُضُوءٍ، أَوْ غُسْلٍ مَطْلُوبٍ، أَوْ مَا تَسَاقَطَ مِنْ الْمَاءِ حَالَ شُرْبِهِ،
كَقَمْلٍ، وَعَنْ دَمِ فَصْدٍ وَحَجْمٍ بِمَحَلِّهِمَا، وَعَنْ رَوْثِ ذُبَابٍ وَإِنْ كَثُرَ مَا ذُكِرَ وَلَوْ بِانْتِشَارِ عَرَقٍ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِذَلِكَ لَا إنْ كَثُرَ بِفِعْلِهِ، فَإِنْ كَثُرَ بِفِعْلِهِ كَأَنْ قَتَلَ بَرَاغِيثَ أَوْ عَصَرَ الدَّمَ لَمْ يُعْفَ عَنْ الْكَثِيرِ عُرْفًا، كَمَا هُوَ حَاصِلُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ
[حاشية البجيرمي]
أَوْ مِنْ الطَّعَامِ حَالَ أَكْلِهِ، أَوْ بُصَاقٍ فِي ثَوْبِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَلَا يُكَلَّفُ تَنْشِيفَ الْبَدَنِ لِعُسْرِهِ خِلَافًا لِابْنِ الْعِمَادِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَاةِ، وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِنْ الطَّوَافِ وَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَالْمُكْثِ فِي الْمَسْجِدِ أَيْ: يَجُوزُ الْمُكْثُ فِيهِ مَعَ حَمْلِهِ دَمَ الْبَرَاغِيثِ، وَإِنْ كَانَ دُخُولُ النَّجَاسَةِ فِي الْمَسْجِدِ حَرَامًا، وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلِهِ مَعَ طُهْرٍ مُعْتَدٍّ بِهِ لَا نَحْوَ مَائِعٍ أَوْ مَاءٍ قَلِيلٍ، فَلَوْ وَقَعَ الْمُلَوَّثُ بِذَلِكَ فِي مَائِعٍ أَوْ مَاءٍ قَلِيلٍ نَجَّسَهُ إنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا.
وَفِي مَعْنَى الْبَرَاغِيثِ كُلُّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ وَخَرَجَ بِدَمِ الْبَرَاغِيثِ جِلْدُهَا فَلَا يُعْفَى عَنْهُ م د.
قَوْلُهُ: (كَقَمْلٍ) وَيُعْفَى عَنْ دَمِ قَمْلَةٍ اخْتَلَطَ بِجِلْدِهَا وَكَذَا لَوْ اخْتَلَطَ دَمُهَا بِدَمِ قَمْلَةٍ أُخْرَى لِلْمَشَقَّةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اخْتَلَطَ جِلْدُ قَمْلَةٍ بِدَمِ قَمْلَةٍ أُخْرَى فَلَا يُعْفَى عَنْهُ حِينَئِذٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
كَأَنْ قَتَلَ وَاحِدَةً فِي الْمَحَلِّ الَّذِي قَتَلَ فِيهِ الْأُولَى، وَاخْتَلَطَ دَمُ الْأُولَى بِقِشْرَةِ الثَّانِيَةِ فَلَا يُعْفَى عَنْهُ، وَلَوْ وَجَدَ شَخْصٌ بَعْدَ صَلَاتِهِ قِشْرَ قَمْلٍ فِي طَيِّ عِمَامَتِهِ أَوْ فِي غَرْزِ خَيَّاطَةِ ثَوْبه لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا بِالتَّفْتِيشِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا ح ف وَالْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (بِمَحَلِّهِمَا) أَيْ الدَّمَيْنِ أَيْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ وَدَمِ الْفَصْدِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ خِلَافًا لِمَنْ فَهِمَ تَخْصِيصَ مَحَلِّهِمَا بِدَمِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ شَرْحُ م ر. وَالْمُرَادُ بِمَحَلِّهِمَا هُوَ مَا يَغْلِبُ سَيَلَانُهُمَا إلَيْهِ أَيْ عَادَةً وَمَا حَاذَاهُ مِنْ الثَّوْبِ، لَكِنْ رُجُوعُ الْقَيْدِ لِدَمِ الْبَرَاغِيثِ لَا يَظْهَرُ لَهُ مُحْتَرَزٌ، فَالْأَوْلَى أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلدَّمَيْنِ أَيْ دَمِ الدَّمَامِلِ وَنَحْوِهَا وَدَمِ الْفَصْدِ وَالْحَجْمِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
وَالْمُرَادُ بِمَحَلِّهِمَا مَا يَغْلِبُ السَّيْلَانِ إلَيْهِ عَادَةً وَمَا حَاذَاهُ مِنْ الثَّوْبِ، فَإِنْ جَاوَزَهُ عُفِيَ عَنْ الْمُجَاوِزِ إنْ قَلَّ فَإِنْ كَثُرَ الْمُجَاوِزُ فَقِيَاسُ مَا قَدَّمَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ أَنَّهُ إنْ اتَّصَلَ الْمُجَاوِزُ بِغَيْرِ الْمُجَاوَزِ وَجَبَ غَسْلُ الْجَمِيعِ، وَإِنْ تَقَطَّعَ أَوْ انْفَصَلَ عَنْهُ وَجَبَ غَسْلُ الْمُجَاوِزِ فَقَطْ كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِذَلِكَ) وَمِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى حُصُولُ دَمِ الْبَرَاغِيثِ فِي خِرْقَةٍ يَضَعُهَا بَعْضُ النَّاسِ تَحْتَ عِمَامَتِهِ صِيَانَةً لَهَا عَنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ فَيُعْفَى عَنْهُ، وَإِنْ كَثُرَ فِيهَا كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ شَرَفٍ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ مَا يَتَخَلَّلُ فِي خَيَّاطَةِ الثَّوْبِ مِنْ نَحْوِ الصِّئْبَانِ وَهُوَ بَيْضُ الْقَمْلِ يُعْفَى عَنْهُ، وَإِنْ فُرِضَتْ حَيَاتُهُ ثُمَّ مَوْتُهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِعُمُومِ الِابْتِلَاءِ بِهِ مَعَ مَشَقَّةِ فَتَقِ الْخِيَاطَةِ لِإِخْرَاجِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ ع ش عَلَى م ر فَاحْفَظْهُ.
قَوْلُهُ: (لَا إنْ كَثُرَ) أَيْ نَحْوَ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَدَمِ الدَّمَامِيلِ كَمَا قَصَرَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَتُهُ تَشْمَلُ دَمَ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ.
وَقَوْلُهُ: (بِفِعْلِهِ) وَلَوْ بِإِكْرَاهٍ عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِعْلُ غَيْرِهِ بِرِضَاهُ كَفِعْلِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُشْكَلُ حِينَئِذٍ دَمُ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ، وَمَشَى م ر عَلَى أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ دَمِ الْفَصْدِ وَالْحَجْمِ، وَإِنْ كَثُرَ أَيْ: إنْ كَانَ بِفِعْلِ مَأْذُونِهِ إنْ لَمْ يُجَاوِزْ مَحَلَّهُ، وَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ عَدَمِ الْعَفْوِ عَنْ الدَّمِ الْكَثِيرِ إذَا كَانَ بِفِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ مَأْذُونِهِ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ شَيْخُنَا.
فَرْعٌ: إذَا اخْتَلَطَ دَمُ الْحِلَاقَةِ بِبَلَلِ الرَّأْسِ، قَالَ الزِّيَادِيُّ: يُعْفَى عَنْهُ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ الْعَفْوِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَدَمُ الْعَفْوِ عَلَى مَا إذَا اخْتَلَطَ بِبَلَلِ التَّنْظِيفِ بَعْدَ الْحِلَاقَةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ.
فَرْعٌ: يُسَنُّ التَّعَرِّي عَنْ ثَوْبِهِ عِنْدَ النَّوْمِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّنْ يَعْتَادُهُ عِنْدَ النَّوْمِ.
أَمَّا أَهْلُ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ الَّذِينَ لَا يَعْتَادُونَهُ، فَلَا يُسَنُّ فِي حَقِّهِمْ، وَحِينَئِذٍ فَلَوْ نَامَ فِي الثَّوْبِ وَكَثُرَ الدَّمُ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ مُطْلَقًا، وَإِنْ انْتَشَرَ بِعَرَقٍ بِخِلَافِ مَنْ لَا يُعْتَادُ النَّوْمُ فِيهِ إذَا كَثُرَ الدَّمُ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ كَمَا لَوْ لَبِسَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ اهـ خ ض. قَالَ الْمُنَاوِيُّ: لَكِنْ مَحَلُّ الْعَفْوِ حَيْثُ لَمْ يَخْتَلِطْ بِأَجْنَبِيٍّ وَحَيْثُ كَانَ فِي مَلْبُوسٍ لَمْ يَتَعَمَّدْ إصَابَتَهُ لَهُ، إلَّا كَأَنْ قَتَلَ قَمْلًا فَأَصَابَهُ مِنْهُ دَمٌ أَوْ حَمْلَ ثَوْبًا فِيهِ دَمٌ نَحْوَ بَرَاغِيثَ أَوْ صَلَّى عَلَيْهِ لَمْ يُعْفَ إلَّا عَنْ الْقَلِيلِ اهـ.
وَالْمَجْمُوعِ.
وَعَنْ قَلِيلِ دَمٍ أَجْنَبِيٍّ لَا عَنْ قَلِيلِ دَمٍ نَحْوَ كَلْبٍ لِغِلَظِهِ، وَكَالدَّمِ فِيمَا ذُكِرَ قَيْحٌ وَصَدِيدٌ وَمَاءُ قُرُوحٍ وَمُتَنَقَّطٌ لَهُ رِيحٌ.
وَلَوْ صَلَّى بِنَجَسٍ غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهُ لَمْ يَعْلَمْهُ أَوْ عِلْمَهُ ثُمَّ نَسِيَ فَصَلَّى ثُمَّ تَذَكَّرَ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ، وَيَجِبُ إعَادَةُ كُلِّ صَلَاةٍ تَيَقَّنَ فِعْلُهَا مَعَ النَّجَسِ.
بِخِلَافِ مَا احْتَمَلَ حُدُوثَهُ بَعْدَهَا.
(وَ) الثَّانِي: (سَتْرُ الْعَوْرَةِ) عَنْ الْعُيُونِ وَلَوْ كَانَ خَالِيًا فِي ظُلْمَةٍ عِنْدَ الْقُدْرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
[حاشية البجيرمي]
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ دَمِ نَحْوِ الْبَرَاغِيثِ، وَإِنْ كَثُرَ وَتَفَاحَشَ وَانْتَشَرَ لِعَرَقٍ أَوْ نَحْوِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلَاةِ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَنْ لَا يَكُونَ بِفِعْلِهِ، وَأَنْ لَا يُخْلَطَ بِأَجْنَبِيٍّ غَيْرِ ضَرُورِيٍّ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَلْبُوسٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَوْ لِلتَّجَمُّلِ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ خَالِيًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُكَلَّفُ لُبْسَهُ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَمَّا عَفَى عَمَّا فِيهِ مِنْ الدَّمِ صَارَ كَالطَّاهِرِ، فَإِنْ اخْتَلَطَ بِأَجْنَبِيٍّ غَيْرِ ضَرُورِيٍّ لَمْ يُعْفَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِهِ عُفِيَ عَنْ قَلِيلِهِ، وَكَذَا إنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَلْبُوسِ الْمَذْكُورِ قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَلَوْ شَكَّ فِي شَيْءٍ أَقَلِيلٌ هَذَا أَمْ كَثِيرٌ فَلَهُ حُكْمُ الْقَلِيلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذِهِ النَّجَاسَاتِ الْعَفْوُ إلَّا إذَا تَيَقَّنَّا الْكَثِيرَ.
اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ ع ش.
قَوْلُهُ: (وَعَنْ قَلِيلِ دَمٍ إلَخْ) جَمْعُهُ قُلُلٌ كَسَرِيرِ وَسُرُرٌ قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ.
وَحَاصِلُ مَا فِي الدِّمَاءِ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهَا وَلَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ غَيْرِ نَحْوِ كَلْبٍ وَكَثِيرِهَا مِنْ نَفْسِهِ مَا لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ أَوْ يُجَاوِزُ مَحَلَّهُ فَيُعْفَى حِينَئِذٍ عَنْ قَلِيلِهَا فَقَطْ م ر ثُمَّ قَالَ: وَمَحَلُّ الْعَفْوِ عَنْ الْقَلِيلِ إذَا كَانَ بِفِعْلِهِ لِغَرَضٍ كَعَصْرِ الدُّمَّلِ أَمَّا لَوْ فَعَلَهُ عَبَثًا كَأَنْ لَطَّخَ نَفْسَهُ بِدَمٍ أَجْنَبِيٍّ عَبَثًا لَمْ يُعْفَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ لِارْتِكَابِهِ مَحْرَمًا فَلَا يُنَاسِبُهُ الْعَفْوُ، كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. ثُمَّ قَالَ: وَمَحَلُّ الْعَفْوِ عَنْ سَائِرِ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا يُعْفَى عَنْهُ مَا لَمْ يَخْتَلِطْ بِأَجْنَبِيٍّ، فَإِنْ اخْتَلَطَ بِهِ وَلَوْ مِنْ نَفْسِهِ كَالْخَارِجِ مِنْ عَيْنِهِ أَوْ لِثَتِهِ أَوْ أَنْفِهِ أَوْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ لَمْ يُعْفَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ.
اهـ. م ر. وَقَالَ حَجّ: يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ؛ لِأَنَّ الْمُخْتَلَطَ بِهِ ضَرُورِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَكَالدَّمِ فِيمَا ذُكِرَ) أَيْ فِي التَّفْصِيلِ السَّابِقِ قَيْحٌ.
قَوْلُهُ: (وَمُتَنَقَّطٌ) وَهُوَ الْبَقَابِيقُ الَّتِي تَطْلُعُ فِي الْبَدَنِ.
وَقَوْلُهُ: لَهُ رِيحٌ قَيْدٌ فِي مَاءِ الْجُرُوحِ وَمَا بَعْدَهُ وَمِثْلُ تَغَيُّرِ الرِّيحِ تَغَيُّرِ اللَّوْنِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ صَلَّى بِنَجَسٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهُ لَمْ يَعْلَمْهُ) أَيْ حَالَ ابْتِدَائِهَا.
وَقَوْلُهُ: (أَوْ عَلِمَهُ) أَيْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ تَذَكَّرَ) أَيْ بَعْدَ صَلَاتِهِ، وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَطَهَارَةُ النَّجَسِ أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا فِي اعْتِقَادِهِ فَقَطْ وَقَوْلُهُ: فَصَلَّى لَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَوْ صَلَّى.
قَوْلُهُ: (وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ) لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ التَّطَهُّرِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ وَاجِبَةٌ فَلَا تَسْقُطُ بِالْجَهْلِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَالْمُرَادُ بِالْإِعَادَةِ مَا يَشْمَلُ الْقَضَاءَ كَمَا إذَا تَذَكَّرَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، وَفِي إطْلَاقِ الْإِعَادَةِ عَلَى مَا بَعْدَ الْوَقْتِ تَغْلِيبٌ أَيْ غَلَّبَ الْإِعَادَةَ عَلَى الْقَضَاءِ فَسَمَّاهَا إعَادَةً، إذْ الْإِعَادَةُ فِعْلُ الْعِبَادَةِ ثَانِيًا فِي الْوَقْتِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِعَادَةَ فِي الصُّورَتَيْنِ أَعْنِي هَذِهِ وَمَا بَعْدَهَا عَلَى التَّرَاخِي، وَيُؤَيِّدُهُ مَا لَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ فِي الصَّوْمِ مِنْ وُجُوبِ الْقَضَاءِ فِيهِ عَلَى التَّرَاخِي؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ يَقَعُ كَثِيرًا كَمَا نَقَلَهُ الْإِطْفِيحِيُّ عَنْ ع ش، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ التَّذَكُّرِ فَالْمَرْجُوُّ مِنْ اللَّهِ أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ لِرَفْعِهِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا) أَيْ صَلَاةٍ وَقَوْلُهُ: (اُحْتُمِلَ حُدُوثُهُ) أَيْ النَّجَسُ بَعْدَهَا أَيْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ وُجُودِهِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: اُحْتُمِلَ حُدُوثُهُ أَيْ بِرَاجِحِيَّةٍ أَوْ مَرْجُوحِيَّةٍ أَوْ اسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ بِرْمَاوِيٌّ أَيْ: فَلَا يَجِبُ إعَادَتُهَا لَكِنْ يُسَنُّ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ، وَفَارَقَ مَا ذَكَرُوهُ فِيمَنْ فَاتَهُ صَلَوَاتٌ حَيْثُ قَالُوا: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ مَا زَادَ عَلَى مَا تَيَقَّنَ فِعْلُهُ، وَسَوَاءٌ تَيَقَّنَ تَرْكُهُ أَوْ شَكَّ فَيُخَالِفُ مَسْأَلَةَ الشَّكِّ هُنَا، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ ذَاكَ شَكٌّ فِي أَصْلِ الْفِعْلِ، وَهَذَا شَكٌّ فِي شَرْطِهِ فَكَانَ أَخَفَّ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي سَتْرُ الْعَوْرَةِ) مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ بَعْدَ حَذْفِ الْفَاعِلِ أَيْ: أَنْ يَسْتُرَ الْمُصَلِّي عَوْرَتَهُ وَالْعَوْرَةُ لُغَةً النُّقْصَانُ وَالشَّيْءُ الْمُسْتَقْبَحُ وَمِنْهُ كَلِمَةُ عَوْرَاءُ أَيْ قَبِيحَةٌ وَيُسَمَّى بِهَا الْقَدْرُ الْآتِي لِقُبْحِ ظُهُورِهِ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ الْعُيُونِ)
﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] .
[حاشية البجيرمي]
أَيْ مِنْ إنْسٍ وَجِنٍّ وَمَلَكٍ، وَأَفَادَ أَنَّ الثَّوْبَ يَمْنَعُ مِنْ رُؤْيَةِ الْجِنِّ وَالْمَلَكِ ع ش. وَقَدْ يُؤَيِّدُ عَدَمُ رُؤْيَةِ الْمَلَكِ مَعَ الثَّوْبِ قِصَّةُ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - حَيْثُ أَلْقَتْ الْخِمَارَ عَنْ رَأْسِهَا لِتَخْتَبِرَ حَالَ جِبْرِيلَ لَمَّا كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلَ الْمَبْعَثِ هَلْ هُوَ مَلَكٌ أَوْ لَا؟ فَإِنَّ الْمَلَكَ لَا يَرَى الْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ مَعَ عَدَمِ السَّتْرِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْهَمَزِيَّةِ بِقَوْلِهِ:
فَأَمَاطَتْ عَنْهَا الْخِمَارَ لِتَدْرِي ... أَهُوَ الْوَحْيُ أَمْ هُوَ الْإِغْمَاءُ
فَاخْتَفَى عِنْدَ كَشْفِهَا الرَّأْسَ جِبْرِي ... لُ فَمَا عَادَ أَوْ أُعِيدَ الْغِطَاءُ
وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ عَنْ الْعُيُونِ الزُّجَاجِ فَلَا يَكْفِي.
فَرْعٌ: لَوْ طَالَ ذَكَرُهُ أَوْ نَبَتَتْ سَلْعَةٌ أَصْلُهَا فِي الْعَوْرَةِ أَوْ طَالَ شَعْرُ الْعَانَةِ، وَجَاوَزَ الرُّكْبَتَيْنِ وَجَبَ سَتْرُ مَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الرُّكْبَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَمِثْلُهُ الْأُنْثَيَانِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ خَالِيًا فِي ظُلْمَةٍ) عِبَارَةُ غَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ خَالِيًا أَوْ فِي ظُلْمَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: 31] أَيْ يَا فُرُوعَ آدَمَ الشَّامِلَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَذَكَرَ الذُّكُورَ فِي قَوْلِهِ: يَا بَنِي لِشَرَفِهِمْ، وَفِي الْآيَةِ مَجَازَانِ: الْأَوَّلُ: إطْلَاقُ الزِّينَةِ عَلَى الثِّيَابِ تَسْمِيَةً لِلْمَحَلِّ وَهُوَ الثِّيَابُ بِاسْمِ الْحَالِ فِيهِ وَهُوَ الزِّينَةُ.
وَالثَّانِي: إطْلَاقُ الْمَسْجِدِ عَلَى الصَّلَاةِ تَسْمِيَةً لِلْحَالِ وَهُوَ الصَّلَاةُ بِاسْمِ الْمَحَلِّ وَهُوَ الْمَسْجِدُ، وَأَطْلَقَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الثِّيَابِ زِينَةً وَالزِّينَةُ عَرَضٌ قَائِمٌ بِالثِّيَابِ لِكَوْنِهَا أَيْ الثِّيَابُ يُتَزَيَّنُ بِهَا، وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ نَظْمًا، وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ:
حَسِّنْ ثِيَابَك مَا اسْتَطَعْت فَإِنَّهَا ... زَيْنُ الرِّجَالِ بِهَا تَعُزُّ وَتُكْرَمُ
وَدَعْ التَّخَشُّنَ فِي الثِّيَابِ تَوَاضُعًا ... فَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّ وَتَكْتُمُ
فَجَدِيدُ ثَوْبِك لَا يَضُرُّك بَعْدَمَا ... تَخْشَى الْإِلَهَ وَتَتَّقِي مَا يَحْرُمُ
وَرَثِيثُ ثَوْبِك لَا يَزِيدُك رِفْعَةً ... عِنْدَ الْإِلَهِ وَأَنْتَ عَبْدٌ مُجْرِمُ
فَرْعٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الدَّرْسِ عَمَّا لَوْ تَعَارَضَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ وَالسَّتْرُ بِأَنْ كَانَتْ عَوْرَتُهُ تَنْكَشِفُ عِنْدَ قِيَامِهِ دُونَ قُعُودِهِ هَلْ يُقَدَّمُ.
الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الظَّاهِرَ مُرَاعَاةُ السَّتْرِ.
وَنُقِلَ عَنْ فَتَاوَى الشَّارِحِ ذَلِكَ فَرَاجِعْهُ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ وَالِاسْتِقْبَالُ قُدِّمَ الِاسْتِقْبَالُ قَالَ: لِأَنَّهُ أَيْ السَّتْرُ لَمْ يَسْقُطْ فِي الصَّلَاةِ بِحَالٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْقِيَامِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَهَذَا مَثَلٌ، فَإِنَّ السَّتْرَ لَا يَسْقُطُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِحَالٍ بِخِلَافِ الْقِيَامِ ع ش عَلَى م ر وَمَا قَالَهُ ظَاهِرٌ، وَفِيهِ أَنَّ الِاسْتِقْبَالَ يَسْقُطُ أَيْضًا فِي النَّافِلَةِ فِي السَّفَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ خِلَافًا لِمَا نَقَلَهُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ، وَنَصُّهُ: فَرْعٌ لَوْ تَعَارَضَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ وَالسَّتْرُ بِأَنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّى قَائِمًا انْكَشَفَ بَعْضُ عَوْرَتِهِ، وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ صَلَّى قَاعِدًا أَمْكَنَهُ سَتْرُ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي مُرَاعَاةُ الْقِيَامِ دُونَ السَّتْرِ.
قَوْلُهُ: (الْمُرَادُ بِهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ الزِّينَةِ وَالْمَسْجِدِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ بِهِمَا أَيْ الزِّينَةِ وَالْمَسْجِدِ.
تَتِمَّةٌ قَالَ فِي الْمَطَامِحِ: اللِّبَاسُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَهُ صِفَتَانِ.
صِفَةُ إجْزَاءٍ وَصِفَةُ كَمَالٍ، فَصِفَةُ الْإِجْزَاءِ كَوْنُهُ مَسْتُورَ الْعَوْرَةِ، وَالصِّفَةُ الْكَمَالِيَّةُ كَوْنُهُ مَسْتُورًا مُتَزَيِّنًا فِي أَحْسَنِ زِيٍّ وَأَكْمَلِ هَيْئَةٍ اهـ. وَفِي خَبَرِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: «الِارْتِدَاءُ لُبْسَةُ الْعَرَبِ وَالِالْتِفَاعُ لُبْسَةُ أَهْلِ الْإِيمَانِ» يَعْنِي أَنَّ الِارْتِدَاءَ وَهُوَ وَضْعُ الرِّدَاءِ عَلَى الْكَتِفَيْنِ لُبْسَةُ الْعَرَبِ تَوَارَثُوهَا عَنْ آبَائِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا كُلُّهُمْ يَلْبَسُونَ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ وَيُسَمُّونَهَا حُلَّةً وَالِالْتِفَاعُ وَهُوَ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ وَأَكْثَرُ الْوَجْهِ لُبْسَةُ أَهْلِ الْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلَاهُمْ مِنْ الْحَيَاءِ مِنْ رَبِّهِمْ مَا أَخْجَلَهُمْ اُضْطُرُّوا إلَى مَزِيدِ السَّتْرِ، فَرَأَوْا أَنَّ الِالْتِفَاعَ أَسْتَرُ لِسَتْرِهِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمُرَادُ بِهِ الثِّيَابُ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ عَجَزَ وَجَبَ أَنْ يُصَلِّيَ عَارِيًّا وَيُتِمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَيَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَيْضًا وَلَوْ فِي الْخَلْوَةِ إلَّا لِحَاجَةٍ كَاغْتِسَالٍ، وَقَالَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ: يَجُوزُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلْوَةِ لِأَدْنَى غَرَضٍ.
قَالَ وَمِنْ الْأَغْرَاضِ كَشْفُ الْعَوْرَةِ لِلتَّبْرِيدِ وَصِيَانَةِ الثَّوْبِ مِنْ الْأَدْنَاسِ وَالْغُبَارِ عِنْدَ كَنْسِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ السَّتْرُ فِي الْخَلْوَةِ لِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ بِالسَّتْرِ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَقَّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ.
وَلَا يَجِبُ سَتْرُ عَوْرَتِهِ عَنْ نَفْسِهِ بَلْ يُكْرَهُ نَظَرُهُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ.
وَعَوْرَةُ الذَّكَرِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرَكِبَتْهُ.
[حاشية البجيرمي]
مَا فِيهِ الْحَيَاءُ وَهُوَ الْوَجْهُ وَالرَّأْسُ؛ لِأَنَّ الْحَيَاءَ مِنْ عَمَلِ الرُّوحِ وَسُلْطَانُ الرُّوحِ فِي الرَّأْسِ، وَلِهَذَا قَالَ الصِّدِّيقُ: إنِّي لِأَدْخُل الْخَلَاءَ فَأَتَقَنَّعُ حَيَاءً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانُوا فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي فِيهَا حِشْمَةٌ يَعْلُوهُمْ الْحَيَاءُ كَمَا يَعْلُوهُمْ فِي غَيْرِهَا، وَكَانَ الِالْتِفَاعُ لُبْسَةَ بَنِي إسْرَائِيلَ وَرِثُوهُ عَنْ آبَائِهِمْ وَهَذِهِ الْأُمَّةُ أُيِّدَتْ بِالْيَقِينِ النَّافِذِ لِحَجْبِ الْقُلُوبِ فَمَنْ تَقَنَّعَ فَمِنْ الْحَيَاءِ تَقَنَّعَ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَاهُ عِلْمَ يَقِينٍ لَا عِلْمَ تَعَلُّمٍ.
اهـ. مُنَاوِيٌّ عَلَى الْخَصَائِصِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ) الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَحْرُمُ كَشْفُهَا حَتَّى فِي الْخَلْوَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُنَافِي قَوْلَهُ فِيمَا يَأْتِي وَلَا يَجِبُ سَتْرُهَا عَنْ نَفْسِهِ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ مَعْنَى مَا يَأْتِي أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ نَظَرُهَا مَعَ الْكَرَاهَةِ، لَكِنْ مِنْ طَوْقِهِ لَا مَعَ كَشْفِهَا فَاجْتَمَعَتْ الْعِبَارَتَانِ.
تَنْبِيهٌ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِنَا وَكَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ أَيْ: لِكَوْنِهِ كَانَ جَائِزًا فِي شَرْعِهِمْ وَإِلَّا لَمَا أَقَرَّهُمْ مُوسَى عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لِأَدْنَى غَرَضٍ) أَيْ بِلَا كَرَاهَةٍ أَيْضًا، وَلَيْسَ مِنْ الْغَرَضِ حَالَةُ الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِيهِ أَنْ يَكُونَا مُسْتَتِرِينَ قَالَهُ ع ش عَلَى م ر. وَرَدَّهُ الرَّشِيدِيُّ وَجَعَلَ حَالَةَ الْجِمَاعِ مِنْ الْحَاجَةِ، وَنَصُّهُ: وَمِنْ الْغَرَضِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ غَرَضُ الْجِمَاعِ، وَسَنُّ السَّتْرِ عِنْدَهُ لَا يَقْتَضِي حُرْمَتَهُ، كَمَا لَا يَخْفَى وَإِلَّا لَكَانَ السَّتْرُ وَاجِبًا خِلَافًا لِمَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ بِمِثْلِهِ فِي قَضَاءِ حَاجَةِ الْبَشَرِ وَلَا قَائِلَ بِهِ اهـ. وَلَا يَرِدُ عَلَى جَوَازِ كَشْفِهَا لِأَدْنَى غَرَضٍ تَعْلِيلُهُمْ وُجُوبَ السَّتْرِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَى الْمَسْتُورَ مُتَأَدِّبًا وَغَيْرَهُ تَارِكًا لِلْأَدَبِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ انْتِسَابِهِ إلَى تَرْكِ الْأَدَبِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْغَرَضِ.
قَوْلُهُ: (وَالْغُبَارُ) عَطْفٌ خَاصٌّ عَلَى عَامٍّ.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْكَنْسِ كَأَنْ كَانَ هُنَاكَ غُبَارٌ مِنْ هَوَاءٍ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ عِلَّةٌ عَقْلِيَّةٌ، وَفِي م ر مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ بَعْضُ حَدِيثٍ وَلَفْظُهُ «اللَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ» .
فَإِنْ قِيلَ: مَا فَائِدَةُ السَّتْرِ فِي الْخَلْوَةِ مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُحْجَبُ عَنْ بَصَرِهِ شَيْءٌ؟ أُجِيبُ: بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَى عَبْدَهُ الْمُسْتَتِرَ مُتَأَدِّبًا دُونَ غَيْرِهِ اهـ شَرْحُ الشَّارِحِ عَلَى الْمِنْهَاجِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ سَتْرُ عَوْرَتِهِ) أَيْ السَّوْأَتَيْنِ لِلذَّكَرِ وَمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ لِلْمَرْأَةِ حُرَّةً أَوْ أَمَةً.
وَقَوْلُهُ: عَنْ نَفْسِهِ أَيْ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَمَّا فِيهَا فَوَاجِبٌ، فَلَوْ رَأَى عَوْرَةَ نَفْسِهِ فِي صَلَاتِهِ بَطَلَتْ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ النَّظَرُ حَرَامًا، وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - شَرْحُ م ر وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ تَنْبِيهٌ: الْعَوْرَةُ الَّتِي يَجِبُ سَتْرُهَا فِي الْخَلْوَةِ السَّوْأَتَانِ فَقَطْ مِنْ الرَّجُلِ وَمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنْ الْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ نَفْسِهِ) وَمِثْلُ نَفْسِهِ حَلِيلَتُهُ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يُكْرَهُ نَظَرُهُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ) وَلَوْ لِلرَّجُلِ.
وَحَاصِلُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَوْرَةِ أَنْ يُقَالَ هِيَ لِلرِّجَالِ فِي الْخَلْوَةِ السَّوْأَتَانِ وَلِغَيْرِهِ مِنْ أُنْثَى وَخُنْثَى فِيهَا أَيْ الْخَلْوَةِ، وَبِحَضْرَةِ مَحْرَمٍ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَعَوْرَتُهُ فِي الصَّلَاةِ، وَبِحَضْرَةِ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَبِحَضْرَةِ النِّسَاءِ جَمِيعُ بَدَنِهِ وَشَعْرِهِ وَعَوْرَةُ الْحُرَّةِ فِي الصَّلَاةِ مَا عَدَا الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَبِحَضْرَةِ الْأَجَانِبِ جَمِيعُ بَدَنِهَا.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ.
يَجُوزُ النَّظَرُ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ لِوَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ وَكَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ.
أَمَّا الْأَمَةُ فَهِيَ كَالرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ وَفِي خَارِجِهَا كَالْحُرَّةِ فَعَوْرَتُهَا فِي الصَّلَاةِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَخَارِجُهَا جَمِيعُ بَدَنِهَا، وَفِي الْخَلْوَةِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ قَاسِمٍ اهـ اج.
لِخَبَرِ الْبَيْهَقِيّ: «وَإِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ أَمَتَهُ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَلَا تَنْظُرْ» . أَيْ الْأَمَةُ «إلَى عَوْرَتِهِ» . وَالْعَوْرَةُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَمِثْلُ الذَّكَرِ مَنْ بِهَا رِقٌّ بِجَامِعِ أَنَّ رَأْسَ كُلٍّ مِنْهُمَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ السُّرَّةُ وَالرُّكْبَةُ فَلَيْسَا مِنْ الْعَوْرَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَائِدَةٌ: السُّرَّةُ مَوْضِعُ الَّذِي يُقْطَعُ مِنْ الْمَوْلُودِ وَالسُّرَّةُ مَا يُقْطَعُ مِنْ سُرَّتِهِ مَا يُقَالُ لَهُ سُرَّةٌ لِأَنَّ السُّرَّةَ لَا تُقْطَعُ وَالرُّكْبَةُ مَوْصِلُ مَا بَيْنَ الْأَطْرَافِ الْفَخْذِ وَأَعَالِي السَّاقِ وَكُلُّ حَيَوَانٍ ذِي أَرْبَعٍ رُكْبَتَاهُ فِي يَدَيْهِ وَعُرْقُوبَاهُ فِي رِجْلَيْهِ.
وَعَوْرَةُ الْحُرَّةِ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ (لِخَبَرِ الْبَيْهَقِيّ: وَإِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ) لَعَلَّ الْوَاوَ عَاطِفَةً عَلَى شَيْءٍ قَبْلَهُ وم ر. ذَكَرَ الرِّوَايَةَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ غَيْرِ حَرْفِ الْعَطْفِ.
قَوْلُهُ (عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ) أَيْ مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَالْعَوْرَةُ) أَيْ عَوْرَةُ الْأَحَدِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ السَّيِّدُ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِيهِ الذَّكَرُ، فَلِذَلِكَ احْتَاجَ الشَّارِحُ إلَى قِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَمِثْلُ الذَّكَرِ إلَخْ فَقَوْلُهُ: وَالْعَوْرَةُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْ الدَّلِيلِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْحَدِيثِ لَمَا ثَبَتَ الْحُكْمُ وَتَخْصِيصُ الْعَوْرَةِ فِي قَوْلِهِ: وَالْعَوْرَةُ مَا بَيْنَ إلَخْ.
بِعَوْرَةِ الْأَحَدِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ لِأَجْلِ قَوْلِ الشَّارِحِ بَعْدُ وَمِثْلُ الذَّكَرِ إلَخْ.
وَإِلَّا فَلَفْظُ الْعَوْرَةِ عَامٌّ يَشْمَلُ الرَّجُلَ وَغَيْرَهُ وَالْأُنْثَى الْحُرَّةُ خَرَجَتْ عَنْهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَلِذَا أُعِيدَتْ الْعَوْرَةُ بِلَفْظِهَا: وَيَكُونُ الْقِيَاسُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَلِذَا كَتَبَ الشَّوْبَرِيُّ عَلَى قَوْلِ الْمَنْهَجِ وَقِيسَ بِالرَّجُلِ إلَخْ مَا نَصُّهُ: لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْعَوْرَةِ عَامٌّ يَشْمَلُ الرَّجُلَ وَغَيْرَهُ وَالْأُنْثَى الْحُرَّةُ خَرَجَتْ عَنْهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ، وَأُبْقِيَ هَذَا الْعَامُّ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُلِ وَالْأَمَةِ عَلَى حَالِهِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (بِجَامِعِ أَنَّ رَأْسَ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَخْ) فِيهِ أَنَّ مِثْلَ الرَّأْسِ الصَّدْرُ مَثَلًا، فَإِنَّهُ غَيْرُ عَوْرَةٍ مِنْهُمَا فَلِمَاذَا خَصَّ الرَّأْسَ.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَ الْجَامِعَ الرَّأْسَ؛ لِأَنَّ الْجَامِعَ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَكَوْنُ الرَّأْسِ مِنْهُمَا غَيْرُ عَوْرَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِخِلَافِ مَا عَدَاهَا فَفِيهِ خِلَافٌ.
وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ عِلَّةً لِلْحُكْمِ حَتَّى يَصِحَّ جَعْلُهُ جَامِعًا.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ مِنْ قِيَاسِ الشَّبَهِ فِي الْجُمْلَةِ كَقِيَاسِ الْبِغَالِ عَلَى الْخَيْلِ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ بِجَامِعِ الشَّبَهِ الصُّورِيِّ لَا مِنْ قِيَاسِ الْعِلَّةِ، وَأَيْضًا فَهُوَ جَامِعٌ إقْنَاعِيٌّ يُقْنِعُ بِهِ الْخَصْمَ وَهُوَ الْحَنَفِيُّ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: إنَّ الْأَمَةَ كَالْحُرَّةِ فِي الصَّلَاةِ إلَّا رَأْسَهَا فَنَقُولُ لَهُ قِيَاسُهَا عَلَى الرَّجُلِ بِهَذَا الْجَامِعِ الَّذِي تُسَلِّمُهُ أَوْلَى اهـ.
قَوْلُهُ: (فَلَيْسَا مِنْ الْعَوْرَةِ عَلَى الْأَصَحِّ) لَكِنْ يَجِبُ سَتْرُ بَعْضِهِمَا مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.
قَوْلُهُ: (مَوْضِعُ الَّذِي يُقْطَعُ) أَيْ مَوْضِعُ الْجُزْءِ الَّذِي يُقْطَعُ.
وَعِبَارَةُ م د: وَالسُّرَّةُ مَحَلُّ السُّرِّ الَّذِي يُقْطَعُ مِنْ الْمَوْلُودِ فَالسُّرُّ مَا يُقْطَعُ وَالسُّرَّةُ مَحَلُّهُ وَجَمْعُهَا سُرَرٌ وَسَرَائِرُ اهـ قَوْلُهُ مَوْصِلُ بِوَزْنِ مَسْجِدِ أَيْ مَحَلُّ وَصْلِ الْفَخْذِ بِالسَّاقِ قَوْلُهُ رُكْبَتَاهُ فِي يَدَيْهِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْآدَمِيِّ.
قَوْلُهُ (وَعُرْقُوبَاهُ) هُمَا الْعَظْمَاتُ الْبَارِزَانِ فِي وَسَطِ رِجْلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَعَوْرَةُ الْحُرَّةِ) أَيْ فِي الصَّلَاةِ.
أَمَّا عَوْرَتُهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ بِالنِّسْبَةِ لِنَظَرِ الْأَجْنَبِيِّ إلَيْهَا فَهِيَ جَمِيعُ بَدَنِهَا حَتَّى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَلَوْ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ، وَلَوْ رَقِيقَةً فَيَحْرُمُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَنْظُرَ إلَى شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهَا وَلَوْ قُلَامَةَ ظُفْرٍ مُنْفَصِلًا مِنْهَا، وَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ النَّظَرِ، وَإِنْ انْفَصَلَ مِنْهَا ذَلِكَ حَالَةَ الزَّوْجِيَّةِ عَلَى الرَّاجِحِ وَعَوْرَتُهَا بِالنِّسْبَةِ لِمَحَارِمِهَا وَمِثْلُهَا فِي الْخَلْوَةِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، فَلِكُلٍّ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ، وَلَهَا عَوْرَةٌ رَابِعَةٌ وَهِيَ مَا عَدَا مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ النِّسَاءِ الْكَافِرَاتِ، وَوَجْهُ احْتِمَالِ حِكَايَةِ مَا رَأَتْهُ مِنْهَا لِلْكَافِرِ وَاغْتُفِرَ مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ لِاحْتِيَاجِهَا لِكَشْفِ ذَلِكَ غَالِبًا، وَكَذَا الرَّجُلُ لَهُ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ: عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ وَهِيَ أَيْضًا عَوْرَتُهُ عِنْدَ الرِّجَالِ وَمَحَارِمِهِ مِنْ النِّسَاءِ، وَعَوْرَةُ النَّظَرِ وَهِيَ جَمِيعُ بَدَنِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَجْنَبِيَّةِ، وَعَوْرَةُ الْخَلْوَةِ السَّوْأَتَانِ فَقَطْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ ز ي، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ، فَلَوْ عَلِمَ الرَّجُلُ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَنْظُرُ إلَيْهِ حَرُمَ عَلَيْهِ تَمْكِينُهَا بِشَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ إذَا عَلِمَ ذَلِكَ مِنْهَا سَتْرُ جَمِيعِ بَدَنِهِ عَنْهَا حَتَّى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ كَذَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُنَا ز ي، وَانْتَشَرَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ، فَنَازَعُوهُ فِي ذَلِكَ أَشَدَّ الْمُنَازَعَةِ وَقَالُوا: سَبَرْنَا كُتُبَ الْحَدِيثِ فَلَمْ نَجِدْ فِيهَا أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَتْ لَهُمْ بَرَاقِعُ فَبَلَغَتْ الْمَسْأَلَةُ الشَّيْخَ م ر. فَأَفْتَى مَا أَفْتَى بِهِ ز ي فَبَطَلَتْ الْمُنَازَعَةُ اهـ اج عَلَى الْمَنْهَجِ.
غَيْرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ظَهْرًا وَبَطْنًا إلَى الْكُوعَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] وَهُوَ مُفَسَّرٌ بِالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُونَا عَوْرَةً؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى إبْرَازِهِمَا، وَالْخُنْثَى كَالْأُنْثَى رِقًّا وَحُرِّيَّةً فَإِنْ اقْتَصَرَ الْخُنْثَى الْحُرُّ عَلَى سَتْرِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ، وَالْأَفْقَهِ فِي الْمَجْمُوعِ لِلشَّكِّ فِي السَّتْرِ، وَصَحَّحَ فِي التَّحْقِيقِ الصِّحَّةَ، وَنَقَلَ فِي الْمَجْمُوعِ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ عَنْ الْبَغَوِيِّ وَكَثِيرٍ الْقَطْعَ بِهِ لِلشَّكِّ فِي عَوْرَتِهِ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى اهـ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ بِأَنْ يُقَالَ إنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ مُقْتَصِرًا عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِلشَّكِّ فِي الِانْعِقَادِ، وَإِنْ دَخَلَ مَسْتُورًا كَالْحُرَّةِ وَانْكَشَفَ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ لَمْ يَضُرَّ لِلشَّكِّ فِي الْبَطَلَانِ نَظِيرُ مَا قَالُوهُ فِي الْجُمُعَةِ إنَّ الْعَدَدَ لَوْ كَمُلَ بِخُنْثَى لَمْ تَنْعَقِدْ الْجُمُعَةُ لِلشَّكِّ فِي الِانْعِقَادِ، وَإِنْ انْعَقَدَتْ الْجُمُعَةُ بِالْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ وَهُنَاكَ خُنْثَى زَائِدٌ عَلَيْهِ ثُمَّ بَطَلَتْ صَلَاةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَكَمُلَ الْعَدَدُ بِالْخُنْثَى لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا الِانْعِقَادَ وَشَكَكْنَا فِي الْبُطْلَانِ، وَهَذَا فُتُوحٌ مِنْ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ فَتْحَ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَلَقَّاهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
وَشَرْطُ السَّاتِرِ جِرْمٌ يَمْنَعُ إدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ لَا حَجْمَهَا، وَلَوْ بِطِينٍ وَنَحْوِ مَاءِ كَدِرٍ كَمَاءٍ صَافٍ مُتَرَاكِمٍ بِخَضِرَةٍ، وَيَجِبُ التَّطْيِينُ عَلَى فَاقِدِ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (غَيْرُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ) دَخَلَ فِي الْغَيْرِ بَاطِنُ الْقَدَمَيْنِ فَيَجِبُ سَتْرُهُمَا وَلَوْ بِالْأَرْضِ حَالَةَ الْقِيَامِ.
قَوْلُهُ: ﴿إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31] فِيهِ أَنَّهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى وَلَا يُظْهِرْنَ زِينَتَهُنَّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وَهُوَ تَحْصِيلُ حَاصِلٍ.
وَأُجِيبُ: بِأَنَّ مَعْنَى إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا أَيْ إلَّا مَا غَلَبَ ظُهُورُهُ.
وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى إبْرَازِهِمَا قَدْ يُقَالُ الْحَاجَةُ تَدْعُو إلَى إبْرَازِهِمَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ كَقَضَاءِ الْحَوَائِجِ وَهِيَ مَفْقُودَةٌ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (رِقًّا) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ ق ل أَيْ: لِأَنَّ الْخُنْثَى الرَّقِيقَ لَا يَخْتَلِفُ حَالُهُ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) وَعَلَيْهِ يَجِبُ الْقَضَاءُ وَإِنْ بَانَ ذَكَرًا لِلشَّكِّ حَالَ الصَّلَاةِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ شُغْلُ ذِمَّتِهِ بِهَا فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِيَقِينٍ م ر.
قَوْلُهُ: (الْقَطْعِ بِهِ) أَيْ بِالْمَذْكُورِ مِنْ الصِّحَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ إلَخْ) فِي هَذَا الْجَمْعِ نَظَرٌ، إذْ أَصْلُ الْخِلَافِ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ اقْتَصَرَ الْخُنْثَى الْحُرُّ عَلَى سَتْرِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ فَقَطْ، وَالْبَغَوِيُّ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ دَخَلَ مَسْتُورًا كَالْحُرَّةِ حَتَّى يَقُولَ الشَّارِحُ: وَإِنْ دَخَلَ مَسْتُورًا كَالْحُرَّةِ إلَخْ.
إذْ الْبَغَوِيّ لَمْ يَقُلْ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فَتَأَمَّلْ.
قَالَ ز ي: وَضَعَّفَ شَيْخُنَا هَذَا الْجَمْعَ وَاعْتَمَدَ الْبُطْلَانَ مُطْلَقًا وَلَسْنَا مَعَهُ نَحْنُ مَعَ الَّذِي جَمْعَ وَالْجَمْعُ أَوْلَى مِنْ التَّضْعِيفِ اهـ وَالْمُعْتَمَدُ كَلَامُ م ر. قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ) هُمَا إنْ اقْتَصَرَ الْخُنْثَى عَلَى سَتْرِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَمُقَابِلُهَا إنْ اقْتَصَرَ الْخُنْثَى الْحُرُّ عَلَى سَتْرِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، فَتُحْمَلُ الْأُولَى عَلَى مَا إذَا كَانَ الِاقْتِصَارُ فِي الِابْتِدَاءِ، وَالثَّانِيَةُ عَلَى مَا إذَا كَانَ فِي الْأَثْنَاءِ، وَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (نَظِيرُ مَا قَالُوهُ فِي الْجُمُعَةِ) خَالَفَ م ر فَقَالَ بِالْبُطْلَانِ هُنَا مُطْلَقًا وَفَرْقٌ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَمَا هُنَا بِأَنَّ الشَّكَّ هُنَا فِي شَرْطٍ رَاجِعٍ لِذَاتِ الْمُصَلِّي، وَهُوَ السَّتْرُ، وَمَا سَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ شَكٌّ فِي شَرْطٍ رَاجِعٍ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ تَمَامُ الْعُذْرِ، فَالْمَقِيسُ عَلَيْهِ مُعْتَمَدٌ، وَالْمَقِيسُ ضَعِيفٌ وَيُغْتَفَرُ فِيهِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الذَّاتِيِّ اهـ. وَاعْتَمَدَهُ ع ش.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَنْ تَلَقَّاهُ إلَخْ) قَالَ اج تَلَقَّيْنَاهُ بِقَبُولٍ وَانْشِرَاحِ صَدْرٍ كَمَا تَلَقَّاهُ مَشَايِخُنَا عَنْ شَيْخِهِمْ النُّورِ الزِّيَادِيِّ.
قَوْلُهُ: (يَمْنَعُ إدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ) أَيْ لِمُعْتَدِلِ الْبَصَرِ عَادَةً كَمَا فِي نَظَائِرِهِ كَذَا نَقَلَ بِالدَّرْسِ عَنْ فَتَاوَى الشَّارِحِ ع ش عَلَى م ر. فَلَا يَضُرُّ رُؤْيَةُ حَدِيدِ الْبَصَرِ، وَكَذَا إذَا رَآهَا فِي الشَّمْسِ دُونَ الظِّلِّ ع ش. وَقَدَّرَ الشَّارِحُ لَوْنًا لِيُفِيدَ الِاكْتِفَاءَ بِمَا يَمْنَعُ اللَّوْنَ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ الْجُرْمَ كَالسَّرَاوِيلِ الضَّيِّقَةِ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِلْمَرْأَةِ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى، وَخِلَافُ الْأَوْلَى لِلرَّجُلِ قَالَ عَمِيرَةُ: وَفِيهِ وَجْهٌ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي الرَّجُلِ وَنَحْوَ الْمَرْأَةِ، وَعَلَيْهِ فَكَانَ الظَّاهِرُ الْكَرَاهَةَ فِي الرَّجُلِ وَنَحْوَ الْمَرْأَةِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا الْقَوْلَ شَاذٌّ وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ يُرَاعَى.
اهـ. إطْفِيحِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِطِينٍ) أَيْ وَلَوْ سَتَرَهَا بِطِينٍ.
قَوْلُهُ: (كَمَاءٍ صَافٍ) وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مَتَى قَدَرَ عَلَى إتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوْ فِي الشَّطِّ وَجَبَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِثَلَاثِ خُطُوَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مَشْقَةٌ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الشَّطِّ عَارِيًّا
الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ وَلَوْ لِمَنْ هُوَ خَارِجُ الصَّلَاةِ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَيَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ مِنْ أَعْلَاهَا وَجَوَانِبِهَا لَا مِنْ أَسْفَلِهَا، وَلَوْ كَانَ الْمُصَلِّي امْرَأَةً فَلَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ طَوْقِ قَمِيصِهِ لَسَعَتِهِ فِي رُكُوعِهِ أَوْ غَيْرِهِ ضَرَّ.
وَلَهُ سَتْرُ بَعْضِهَا بِيَدِهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ السَّتْرِ، فَإِنْ وُجِدَ مِنْ السُّتْرَةِ مَا يَكْفِي قُبُلَهُ وَدُبُرَهُ تَعَيَّنَ لَهُمَا لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُمَا عَوْرَةٌ؛ وَلِأَنَّهُمَا أَفْحَشُ مِنْ غَيْرِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يَكْفِيهِمَا قَدَّمَ قُبُلَهُ وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ بِهِ لِلْقِبْلَةِ وَبَدَلُ الْقِبْلَةِ كَالْقِبْلَةِ كَمَا لَوْ صَلَّى صَوْبَ مَقْصِدِهِ، وَيَسْتُرُ الْخُنْثَى قُبُلَيْهِ، فَإِنْ كَفَى لِأَحَدِهِمَا تَخَيَّرَ، وَالْأَوْلَى لَهُ سَتْرُ آلَةِ الرَّجُلِ إنْ كَانَ هُنَاكَ امْرَأَةٌ وَآلَةُ النِّسَاءِ إنْ كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ.
[حاشية البجيرمي]
أَوْ فِي الْمَاءِ ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الشَّطِّ، وَأَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَصَلَاةُ الْإِيمَاءِ فَلَا يَأْتِي فِيهِمَا هَذَا التَّفْصِيلُ سم وح ل.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ رُئِيَتْ) أَيْ كَانَتْ بِحَيْثُ تُرَى وَإِنْ لَمْ تُرَ بِالْفِعْلِ اهـ اج، وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ: فَلَوْ كَانَتْ بِحَيْثُ تُرَى مِنْ طَوْقِهِ مَثَلًا لَسِعَتِهِ بَطَلَتْ عِنْدَ إمْكَانِ الرُّؤْيَةِ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، وَإِنْ لَمْ تُرَ بِالْفِعْلِ كَمَا لَوْ كَانَ ذَيْلُهُ قَصِيرًا بِحَيْثُ لَوْ رَكَعَ يَرْتَفِعُ عَنْ بَعْضِ الْعَوْرَةِ، فَتَبْطُلُ إذَا لَمْ يَتَدَارَكْهُ بِالسَّتْرِ قَبْلَ رُكُوعِهِ وَلَا يَضُرُّ رُؤْيَتُهَا مِنْ أَسْفَلَ كَأَنْ صَلَّى فِي عُلُوٍّ وَتَحْتَهُ مِنْ يَرَى عَوْرَتَهُ مِنْ ذَيْلِهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (مِنْ طَوْقِ قَمِيصِهِ) أَوْ كُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأَعْلَى اهـ اج.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ سَتْرُ بَعْضِهَا بِيَدِهِ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَعَدَمِ حُرْمَةِ سَتْرِ رَأْسِ الْمَحْرَمِ بِيَدِهِ، فَلَمْ يَعْتَبِرُوا السَّتْرَ بِالْيَدِ فِي الْإِحْرَامِ فَلَمْ يُوجِبُوا الْفِدْيَةَ أَنَّ الْمَدَارَ ثَمَّ عَلَى مَا فِيهِ تَرَفُّهٌ، وَلَا تَرَفُّهَ فِي السَّتْرِ بِيَدِهِ، وَهُنَا عَلَى مَا يَسْتُرُ الْبَشَرَةَ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْيَدِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَهُ سَتْرُ بَعْضِهَا) أَيْ: بَلْ عَلَيْهِ إذَا كَانَ فِي سَاتِرِ عَوْرَتِهِ خَرْقٌ وَلَمْ يَجِدْ مَا يَسُدُّهُ غَيْرَ يَدِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ع ش عَلَى م ر، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ أَصْلًا يَسْتَتِرُ بِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَضْعُ يَدِهِ عَلَى أَحَدِ سَوْأَتَيْهِ بِلَا مَسٍّ نَاقِضٍ كَمَا اعْتَمَدَهُ سم وع ش. وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِ الشَّارِحِ وَلَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ خِلَافًا لِلْقَلْيُوبِيِّ حَيْثُ قَالَ: وَلَهُ سَتْرُ بَعْضِهَا أَيْ: يَجِبُ عِنْدَ فَقْدِ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ عَارِيًّا وَفِي شَرْحِ م ر: وَلَهُ سَتْرُ بَعْضِهَا أَيْ مِنْ غَيْرِ السَّوْأَتَيْنِ أَوْ مِنْهُمَا بِلَا مَسٍّ نَاقِضٍ اهـ. وَإِذَا تَعَارَضَ عَلَيْهِ السُّجُودُ وَالسَّتْرُ بِيَدِهِ قِيلَ يُقَدِّمُ السُّجُودَ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ وَالسَّتْرَ شَرْطٌ، وَقِيلَ يُقَدِّمُ السَّتْرَ لِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ السُّجُودِ؛ لِأَنَّ الرَّافِعِيَّ يَقُولُ بِعَدَمِ وُجُوبِ وَضْعِ يَدِهِ فِي السُّجُودِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عِنْدَهُ وَضْعُ الْجَبْهَةِ فَقَطْ وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ، وَإِذَا تَعَارَضَ السُّجُودُ وَالسَّتْرُ قَدَّمَ السُّجُودَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ وَضْعُ يَدِهِ وَيَتْرُكُ السَّتْرَ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ وَضْعُ الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ فَصَارَ حِينَئِذٍ عَاجِزًا عَنْ السَّتْرِ، وَالسَّتْرُ لَا يَجِبُ إلَّا عِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَلَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إتْمَامُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَيْ بِأَنْ يَأْتِيَ بِأَذْكَارِهِمَا بِدَلِيلِ قَوْلِ الشَّارِحِ فِيمَا سَبَقَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ صَلَّى عَارِيًّا وَأَتَمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ ق ل وع ش وخ ض.
قَوْلُهُ: (لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ السَّتْرِ) وَأَمَّا سَتْرُهَا بِيَدِ غَيْرِهِ فَيَكْفِي قَطْعًا اهـ اط ف قَوْلُهُ: (قَدَّمَ) أَيْ الشَّخْصُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ وَجَدَ سُتْرَةً تَسْتُرُ بَعْضَ قُبُلِهِ وَتَسْتُرُ جَمِيعَ دُبُرِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ سَتْرُ الدُّبُرِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْبِشْبِيشِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَانْظُرْ لَوْ وُجِدَ كَافِي الْقُبُلِ وَزَادَ قَدْرًا يَكْفِي الدُّبُرَ أَوْ بَعْضَهُ هَلْ يَجِبُ الْقَطْعُ قَالَ شَيْخُنَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ نَقَصَ بِالْقَطْعِ عَنْ أُجْرَةِ مَا يَسْتُرُ بِهِ الدُّبُرَ لَا يَجِبُ وَإِلَّا وَجَبَ قِيَاسًا عَلَى الثَّوْبِ الَّذِي تَنَجَّسَ بَعْضُهُ اهـ اج قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ بِهِ لِلْقِبْلَةِ) قَضِيَّةُ هَذَا التَّعْلِيلِ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ يَجِبُ سَتْرُ الْقُبُلِ مُطْلَقًا فَقَدْ عَلَّلُوا بَعْلَةٍ أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُمْ؛ وَلِأَنَّ الدُّبُرَ مَسْتُورٌ بِالْأَلْيَتَيْنِ غَالِبًا قَالَ ز ي قَضِيَّةُ التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ وَالثَّانِي عَدَمُهُ، وَهُوَ الْأَوْجُهُ اهـ اج.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ هُنَا رَجُلٌ) أَيْ وَيُخَيَّرُ عِنْدَ الْخُنْثَى أَوْ الْفَرِيقَيْنِ كَمَا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَخَيَّرَ، قَوْلُهُ: (فَقَطْ) يُفِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ نَحْوَ الطِّينِ وَيَفْهَمُ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ لَمْ يُصَلِّ فِي الْحَرِيرِ وَبِهِ أَجَابَ م ر سَائِلَهُ عَنْهُ وَيَنْبَغِي كَمَا وَقَفَ عَلَيْهِ م ر جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي الْحَرِيرِ مَعَ وُجُودِ نَحْوِ الطِّينِ إذَا أَخَلَّ بِمُرُوءَتِهِ وَحِشْمَتِهِ فَلْيُرَاجَعْ كُلُّ ذَلِكَ وَلْيُحَرَّرْ سم عَلَى الْمَنْهَجِ.
أَقُولُ وَيَنْبَغِي أَنَّ نَحْوَ الطِّينِ الْحَشِيشُ وَالْوَرَقُ حَيْثُ أَخَلَّ بِمُرُوءَتِهِ فَيَجُوزُ لَهُ لَيْسَ الْحَرِيرُ أَمَّا لَوْ لَمْ يَجِدْ مَا يَسْتُرُ بِهِ إلَّا نَحْوَ الطِّينِ وَكَانَ يَخِلُّ بِمُرُوءَتِهِ فَهَلْ يَجِبُ
تَنْبِيهٌ: لَوْ وَجَدَ الرَّجُلُ ثَوْبَ حَرِيرٍ فَقَطْ لَزِمَهُ السَّتْرُ بِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ قَطْعُ مَا زَادَ مِنْ عَلَى الْعَوْرَةِ، وَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُتَنَجِّسِ لِلصَّلَاةِ وَيُقَدَّمُ الْمُتَنَجِّسُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِهَا مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَى طَهَارَةِ الثَّوْبِ، وَلَوْ صَلَّتْ أَمَةٌ مَكْشُوفَةُ الرَّأْسِ فَعَتَقَتْ فِي صَلَاتِهَا وَوَجَدَتْ سُتْرَةً وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتُرَ رَأْسَهَا بِهَا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَا تَسْتُرُ بِهِ رَأْسَهَا بَنَتْ عَلَى صَلَاتِهَا، وَيُسَنُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَلْبَسَ لِلصَّلَاةِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ وَأَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] وَالثَّوْبَانِ أَهَمُّ الزِّينَةِ وَلِخَبَرِ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَلْبَسْ ثَوْبَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَقُّ أَنْ يُزَيَّنَ لَهُ» وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ فِيهِ صُورَةٌ، وَأَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُتَلَثِّمًا وَالْمَرْأَةُ مُنْتَقِبَةً إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي مَكَان، وَهُنَاكَ أُجَانِبُ لَا يَحْتَرِزُونَ عَنْ النَّظَرِ إلَيْهَا فَلَا يَجُوزُ لَهَا رَفْعُ النِّقَابِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ السَّتْرُ (بِلِبَاسٍ طَاهِرٍ) حَيْثُ قَدَرَ عَلَيْهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ أَوْ وَجَدَهُ مُتَنَجِّسًا وَعَجَزَ عَمَّا يُطَهِّرُهُ بِهِ أَوْ حُبِسَ فِي مَكَان نَجَسٍ وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا ثَوْبٌ لَا يَكْفِيهِ لِلْعَوْرَةِ، وَلِلْمَكَانِ صَلَّى عَارِيًّا فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثِ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إنْ قَدَرَ وَلَوْ وَجَدَ ثَوْبًا لِغَيْرِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ لُبْسُهُ وَأَخْذُهُ مِنْهُ قَهْرًا، وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ هِبَتِهِ لِلْمِنَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ، بَلْ يُصَلِّي عَارِيًّا
[حاشية البجيرمي]
عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوْ لَا.
فِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ؛ وَلِأَنَّهُ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَخِلُّ بِالْمُرُوءَةِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ السَّتْرُ بِهِ) أَيْ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَعِنْدَ الْأَجَانِبِ عِنْدَ فَقْدِ غَيْرِهِ وَلَوْ نَجَسًا أَوْ طِينًا ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلْزَمُهُ قَطْعُ) أَيْ إنْ نَقَصَ وَلَوْ يَسِيرًا فِي الْأَوْجَهِ م ر سم اج قَوْلُهُ: (وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتُرَ رَأْسَهَا) أَيْ فَوْرًا مِنْ غَيْرِ أَفْعَالٍ مُبْطِلَةٍ فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ أَوْ لَزِمَ عَلَى تَنَاوُلِهِ وَالسَّتْرُ بِهِ أَفْعَالٌ مُبْطِلَةٌ بَطَلَتْ صَلَاتُهَا اهـ اج قَوْلُهُ: (لِلرَّجُلِ) وَكَذَا لِلْمَرْأَةِ لَا بِحَضْرَةِ أَجْنَبِيٍّ ق ل فَالْمَفْهُومُ فِيهِ تَفْصِيلٌ.
قَوْلُهُ: (أَحْسَنَ ثِيَابِهِ) وَأَنْ يَتَقَمَّصَ وَيَتَعَمَّمَ وَيَتَطَيْلَسَ وَيَرْتَدِيَ وَيَتَّزِرَ أَوْ يَتَسَرْوَلَ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ: قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَفِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الْأَرْضَ تَسْتَغْفِرُ لِلْمُصَلِّي بِالسَّرَاوِيلِ» اهـ اج.
قَوْلُهُ (فِي ثَوْبٍ فِيهِ صُورَةٌ) أَيْ طَاهِرَةٌ وَلَوْ أَعْمَى، أَوْ فِي ظُلْمَةٍ أَوْ كَانَتْ الصُّورَةُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، أَوْ مُلَاقِيَةً لِلْأَرْضِ بِحَيْثُ لَا يَرَاهَا إذَا صَلَّى عَلَيْهِ تَبَاعُدًا عَمَّا فِيهِ الصُّورَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا ع ش عَلَى م ر. وَقَوْلُهُ: (فِيهِ صُورَةٌ) أَيْ مَثَلًا، وَالْمُرَادُ مَا فِيهِ شَيْءٌ يُلْهِي كَمَا فِي ق ل فَشَمِلَ مَا فِيهِ خُطُوطٌ قَوْلُهُ: (مُتَلَثِّمًا) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: اللِّثَامُ مَا كَانَ عَلَى الْفَمِ مِنْ النِّقَابِ وَاللِّفَامِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْنَبَةِ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَجُوزُ لَهَا رَفْعُ النِّقَابِ) أَيْ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ جَبْهَتُهَا مَكْشُوفَةً عِنْدَ السُّجُودِ.
قَوْلُهُ: (وَعَجَزَ عَمَّا يُطَهِّرَهُ بِهِ) فَلَوْ قَدَرَ عَلَى مَا يُطَهِّرُهُ بِهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَتَأَتَّ غَسْلُهُ إلَّا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَجَبَ وَيُصَلِّي بَعْدَ الْوَقْتِ، وَلَا يُصَلِّي عَارِيًّا فِي الْوَقْتِ كَمَا حَكَى الطَّبَرِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ اهـ سم.
قَوْلُهُ: (صَلَّى عَارِيًّا) أَيْ الْفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ ع ش عَلَى م ر. أَيْ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ فِيمَا يَظْهَرُ وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ قَوْلُهُ: (صَلَّى) أَيْ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ الْيَأْسِ عَادَةً مِنْ حُصُولِ سَاتِرٍ مُعْتَبَرٍ فِيمَا يَظْهَرُ.
وَقَوْلُهُ: عَارِيًّا.
وَأَتَمَّ الْأَرْكَانَ وَلَوْ اُضْطُرَّ لِلُبْسِ مَا تَعَذَّرَ غَسْلُهُ لِنَحْوِ شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ صَلَّى أَيْ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ أَوْ الْيَأْسِ كَمَا ذَكَرَ فِيمَا يَظْهَرُ أَيْضًا فِيهِ، وَأَعَادَ سم فِي شَرْحِ الْغَايَةِ وَعِبَارَتُهُ فِي الصَّلَاةِ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ ضِيقُ الْوَقْتِ، بَلْ إنَّمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ مَا دَامَ يَرْجُو أَحَدَ الطَّهُورَيْنِ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ شَرْحُ م ر. وَلَا يَعْرِفُ مِنْ يُبَاحُ لَهُ فَرْضٌ دُونَ نَفْلٍ إلَّا مِنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ أَوْ عَدِمَ السُّتْرَةَ أَوْ كَانَ عَلَيْهَا نَجَاسَةٌ وَعَجَزَ عَنْ إزَالَتِهَا ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي عَدَمِ السَّتْرِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُهُ فَيُبَاحُ لَهُ النَّفَلُ أَيْضًا، كَذَا بِخَطِّ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الشَّنَوَانِيِّ اهـ خ ض.
قَوْلُهُ: (وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إنْ قَدَرَ) أَيْ؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ نَادِرٌ وَإِنْ وَقَعَ لَا يَدُومُ.
قَوْلُهُ: (هِبَتِهِ) أَيْ الثَّوْبِ، أَمَّا لَوْ كَانَ السَّاتِرُ
وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَعَارَهُ لَهُ لَزِمَهُ قَبُولُهُ لِضَعْفِ الْمِنَّةِ فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لَقَدَرْته عَلَى السُّتْرَةِ وَلَوْ بَاعَهُ إيَّاهُ أَوْ آجَرَهُ فَهُوَ كَالْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ.
(وَ) الثَّالِثُ: (الْوُقُوفُ عَلَى مَكَان طَاهِرٍ) فَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ شَخْصٍ يُلَاقِي بَعْضَ بَدَنِهِ أَوْ لِبَاسِهِ نَجَاسَةٌ فِي قِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ.
(وَ) الرَّابِعُ: (الْعِلْمُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ) الْمَحْدُودِ شَرْعًا، فَإِنَّ جَهْلَهُ لِعَارِضٍ كَغَيْمٍ أَوْ حَبْسٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ وَعَدِمَ ثِقَةً يُخْبِرُهُ عَنْ عِلْمٍ اجْتَهَدَ جَوَازًا إنْ قَدَرَ عَلَى الْيَقِينِ بِالصَّبْرِ أَوْ الْخُرُوجِ وَرُؤْيَةِ الشَّمْسِ مَثَلًا، وَإِلَّا فَوُجُوبًا بِوِرْدٍ مِنْ قُرْآنٍ
[حاشية البجيرمي]
طِينًا وَجَبَ قَبُولُهُ كَمَا فِي مَتْنِ الرَّوْضِ، وَكَرَهُ الْمَدَابِغِيُّ عَلَى التَّحْرِيرِ بِقَوْلِهِ: نَعَمْ عَلَيْهِ قَبُولُ نَحْوِ الطِّينِ مِمَّا لَا مِنَّةَ فِيهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يُصَلِّي عَارِيًّا) وَلَوْ إمَامًا وَخَطِيبًا كَمَا فِي فَتَاوَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَعَارَهُ) أَيْ وَلَوْ أَعَارَ شَخْصٌ الثَّوْبَ لِمُرِيدِ الصَّلَاةِ لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَيَظْهَرُ وُجُوبُ سُؤَالِ الْعَارِيَّةِ كَقَبُولِهَا اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ كَالْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ) فَإِنْ كَانَ وَاجِدًا لِلثَّمَنِ فَاضِلًا عَنْ مُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ مُمَوِّنِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَهَذَا أَحْسَنُ مِمَّا قَالَهُ م د؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْبَائِعَ غَيْرُ مَرِيدِ الصَّلَاةِ وَالْمُشْتَرِي مَرِيدُهَا كَمَا فَهِمَهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (الْوُقُوفُ عَلَى مَكَان طَاهِرٍ) الْوُقُوفُ لَيْسَ بِقَيْدٍ، بَلْ مِثْلُهُ الْقُعُودُ كَمَا يَأْتِي قَوْلُهُ: (يُلَاقِي بَعْضَ بَدَنِهِ أَوْ لِبَاسِهِ نَجَاسَةٌ) خَرَجَ بِالْمُلَاقِي غَيْرُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ.
نَعَمْ يُغْتَفَرُ مُلَاقَاةُ نَجَاسَةٍ جَافَّةٍ فَارَقَهَا حَالًا أَوْ رَطْبَةٍ وَأَلْقَى مَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ حَالًا مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ، وَلَوْ فِي مَسْجِدٍ، لَكِنْ إنْ لَزِمَ عَلَى إلْقَائِهَا تَنَجُّسُ الْمَسْجِدِ وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ وَجَبَ عَلَيْهِ إلْقَاؤُهَا خَارِجَهُ، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ أَلْقَاهَا فِي الْمَسْجِدِ وَكَمَّلَ صَلَاتَهُ، ثُمَّ يَغْسِلُ الْمَسْجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (الْعِلْمُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ) الْمُرَادُ بِالْعِلْمِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ وَلَوْ بِالِاجْتِهَادِ ق ل، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْوَقْتَ أَهَمُّ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، فَكَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمَهُ عَلَى بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ؛ لِأَنَّ بِدُخُولِهِ تَجِبُ الصَّلَاةُ وَبِخُرُوجِهِ تَفُوتُ كَمَا قَالَهُ خ ض وز ي. قَوْلُهُ: (وَعَدِمَ ثِقَةً إلَخْ) جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ مَاضَوِيَّةٌ حَالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ، فَإِنْ وَجَدَ ثِقَةً يُخْبِرُ عَنْ عِلْمٍ وَلَوْ عَدْلَ رِوَايَةٍ أَوْ سَمِعَ أَذَانَهُ فِي صَحْوٍ أَوْ أَذَانَ مَأْذُونِهِ أَيْ الثِّقَةِ بِأَنْ أَذِنَ الْمِيقَاتِيُّ الثِّقَةَ الْمُؤَذِّنَ وَلَوْ صَبِيًّا مَأْمُونًا فِي ذَلِكَ، أَوْ رَأَى مِزْوَلَةً وَضَعَهَا عَارِفٌ ثِقَةٌ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُخْبِرِ عَنْ عِلْمٍ وَمِثْلُهَا مِنْكَابٌ مُجَرَّبٌ، وَأَقْوَى مِنْهُمَا بَيْتُ الْإِبْرَةِ الْمَعْرُوفِ لِعَارِفٍ فَلَا يَجْتَهِدُ مَعَ وُجُودِ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ اج نَقْلًا عَنْ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (اجْتَهَدَ) نَعَمْ لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ مَعَ بَيْتِ الْإِبْرَةِ الْمَعْرُوفِ وَلَا مَعَ الْمَزَاوِلِ الَّتِي وَضَعَهَا الْعَارِفُونَ أَوْ أَقَرُّوهَا ق ل. وَمِثْلُهَا مِنْكَابٌ مُجَرَّبٌ، فَلَوْ اجْتَهَدَ وَصَلَّى فَبَانَ خِلَافُهُ وَقَعَتْ الصَّلَاةُ نَفْلًا مُطْلَقًا، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ جِنْسِهَا، فَإِنَّهَا تَقُومُ مَقَامَهُ وَإِنْ عَيَّنَ صَلَاةً.
قَالَ م ر فِي الشَّرْحِ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَصِحُّ نِيَّةُ الْأَدَاءِ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ حَيْثُ جَهِلَ الْحَالَ لِغَيْمَةٍ وَنَحْوِهِ فَظَنَّ بَقَاءَ وَقْتِهَا، فَنَوَاهَا أَدَاءً فَتَبَيَّنَ خُرُوجُهُ، إذْ يُسْتَعْمَلُ الْقَضَاءُ بِمَعْنَى الْأَدَاءِ وَعَكْسُهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: 200] أَيْ أَدَّيْتُمُوهَا.
وَلَوْ نَوَى الْأَدَاءَ عَنْ الْقَضَاءِ وَعَكْسِهِ عَالِمًا عَامِدًا لَمْ تَصِحَّ لِتَلَاعُبِهِ، نَعَمْ إنْ قَصْدَ بِذَلِكَ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ لَمْ يَضُرَّ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْوَقْتِ كَالْيَوْمِ، إذْ لَا يَجِبُ التَّعَرُّضُ لِلشُّرُوطِ فَلَوْ عَيَّنَ الْيَوْمَ، وَأَخْطَأَ صَحَّ فِي الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ الْمُتَعَيِّنَ لِلْفِعْلِ بِالشَّرْعِ يُلْغَى خَطْؤُهُ فِيهِ، وَكَذَا فِي الْقَضَاءِ كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُهُمَا فِي التَّيَمُّمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَوَقَعَ فِي الْفَتَاوَى لِلْبَازِرِيِّ أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي مَوْضِعٍ مُدَّةَ عِشْرِينَ سَنَةً يَتَرَاءَى لَهُ الْفَجْرُ فَيُصَلِّي الصُّبْحَ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ
وَدَرْسٍ وَمُطَالَعَةٍ وَصَلَاةٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ كَخِيَاطَةٍ وَصَوْتِ دِيكٍ مُجَرَّبٍ، وَسَوَاءٌ الْبَصِيرُ وَالْأَعْمَى وَعَمِلَ عَلَى الْأَغْلَبِ فِي
[حاشية البجيرمي]
خَطَؤُهُ فَمَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا قَضَاءُ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ كُلِّ يَوْمٍ تَكُونُ قَضَاءً عَنْ صَلَاةِ الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَمَا أَفْتَى بِهِ الْبَازِرِيُّ أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ، وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ قَصَدَ فَرْضَ ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي ظَنَّ دُخُولَهُ أَمْ لَا؟ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الَأُجْهُورِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى خ ط عَنْ شَيْخِهِ.
وَاعْتَمَدَهُ خِلَافًا لسم عَلَى حَجّ وَلِمَا فِي فَتَاوَى م ر قَالَ: وَيُصَرِّحُ بِهِ أَيْ بِالظَّاهِرِ الْمَذْكُورِ قَوْلُ م ر.
وَسُئِلَ أَيْ الْوَالِدُ أَيْضًا عَمَّنْ عَلَيْهِ ظُهْرُ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ فَقَطْ فَصَلَّى ظُهْرًا نَوَى بِهِ قَضَاءَ ظُهْرِ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَهَلْ تَقَعُ عَمَّا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَيَّنَ مَا يَجِبُ تَعْيِينُهُ وَأَخْطَأَ فِيهِ أَوْ لَا؟ كَمَا فِي الْإِمَامِ وَالْجِنَازَةِ.
فَأَجَابَ: بِأَنَّهُ يَقَعُ عَمَّا عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرَ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ، وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ اهـ قَوْلُهُ: كَمَا فِي الْإِمَامِ وَالْجِنَازَةِ أَيْ: إذَا عَيَّنَ الْمَأْمُومُ وَأَخْطَأَ وَلَمْ يُشِرْ لَهُ، أَوْ عَيَّنَ الْمُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ شَخْصًا فَقَالَ: نَوَيْت أُصَلِّي عَلَى زَيْدٍ الْمَيِّتِ فَبَانَ عَمْرًا وَلَمْ يُشِرْ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ.
قَوْلُهُ: (بِوِرْدٍ) وَمِنْهُ الْمِنْكَابُ الَّذِي لَمْ تَتَيَقَّنْ صِحَّتُهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِ ذَلِكَ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِوِرْدٍ لَا عَلَى الْأَمْثِلَةِ، إذْ الْخِيَاطَةُ وَمَا بَعْدَهَا لَيْسَا مِنْ الْوَرْدِ.
قَوْلُهُ: (دِيكٍ) يَحْتَمِلُ أَوْ حَيَوَانٍ آخَرَ مُجَرَّبٍ سم عَلَى حَجّ.
قَالَ الدَّمِيرِيُّ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ: وَهُوَ يَعْنِي الدِّيكَ أَبْلَهُ الطَّبْعِ لَمْ يَأْلَفْ زَوْجَةً وَاحِدَةً وَلَا حُنُوَّ لَهُ عَلَى فِرَاخِهِ، وَإِذَا سَقَطَ مِنْ حَائِطٍ انْتَوَلَ وَلَمْ يَهْتَدِ لِدَارِ أَهْلِهِ، وَمِنْ خِصَالِهِ الْحَمِيدَةِ مَعْرِفَةُ الْأَوْقَاتِ فَيُسْقِطُ صِيَاحَهُ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ، حَتَّى إنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَفْتَى بِجَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، وَيَقَظَتُهُ لَيْلًا وَرُؤْيَتُهُ الْمَلَائِكَةَ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا تَرَى مَلَكًا» وَبَرَكَتُهَا فِي الدَّارِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَقْتَنِيهِ فِي الْبَيْتِ، وَغَيْرَتُهُ عَلَى إنَاثِهِ، فَإِذَا رَأَى مَعَهَا دِيكًا غَيْرَهُ قَاتَلَهُ قِتَالًا شَدِيدًا يَقْرَبُ مِنْ الْهَلَاكِ، وَقَدْ يَأْتَلِفُ الدِّيكَانِ مِنْ الصِّغَرِ، لَكِنْ لَا يَسْفِدُ أَحَدُهُمَا بِحَضْرَةِ الْآخِرِ، وَمَتَى فَعَلَ قَاتَلَهُ، وَقَدْ رَأَيْت ذَلِكَ مِرَارًا وَحُنُوَّهُ عَلَيْهَا، فَلَوْ رَأَى حَبَّةً آثَرَهَا بِهَا وَتَسْوِيَتُهُ بَيْنَهُمَا فَلَا يُؤْثِرُ وَاحِدَةً عَلَى أُخْرَى، بَلْ الْعَتِيقَةُ الرَّفِيعَةُ النَّاشِفَةُ وَالصَّغِيرَةُ السَّمِينَةُ الطَّرِيَّةُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ، لَكِنْ هَذَا مِنْ بَلَاهَةِ طَبْعِهِ قِيلَ: إنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ دِيكٌ خُصُوصًا الْأَبْيَضُ الْأَفْرَقُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الدِّيكُ الْأَفْرَقُ حَبِيبِي وَحَبِيبُ حَبِيبِي جِبْرِيلُ يَحْرُسُ بَيْتَهُ وَسِتَّةَ عَشَرَ بَيْتًا مِنْ جِيرَانِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ لَهُ دِيكٌ أَبْيَضُ.
وَقَالَ الْحَافِظُ: زَعَمَ أَهْلُ التَّجْرِبَةِ أَنَّ مَنْ ذَبَحَ دِيكًا أَبْيَضَ أَفْرَقَ لَمْ يَزَلْ يَنْكَبُّ أَيْ يُصَابُ فِي مَالِهِ.
وَرُوِيَ: «إنَّ لِلَّهِ دِيكًا أَبْيَضَ جَنَاحَاهُ مَشُوبَانِ بِالزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ جَنَاحٌ بِالْمَشْرِقِ وَجَنَاحٌ بِالْمَغْرِبِ رَأْسُهُ» . وَفِي لَفْظٍ: «عُنُقُهُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَقَوَائِمُهُ فِي الْهَوَاءِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «رِجْلَاهُ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ يُؤَذِّنُ فِي كُلِّ سَحَرٍ فَيَسْمَعُ تِلْكَ الصَّيْحَةَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا الثِّقْلَيْنِ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ فَعِنْدَ ذَلِكَ تُجِيبُهُ دُيُوكُ الْأَرْضِ، فَإِذَا دَنَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ: ضُمَّ جَنَاحَيْك وَغُضَّ صَوْتَك، فَيَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا الثَّقَلَيْنِ أَنَّ السَّاعَةَ قَدْ اقْتَرَبَتْ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «إذَا كَانَ مِنْ اللَّيْلِ صَاحَ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ» . وَرُوِيَ يَقُولُ فِي سَحَرِ كُلِّ لَيْلَةٍ: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ رَبِّنَا الرَّحْمَنِ لَا إلَهَ غَيْرُهُ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ دِيكٍ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ وَعُنُقُهُ مُثَبَّتَةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ يَقُولُ: سُبْحَانَك مَا أَعْظَمَ شَأْنَك» .
وَرَوَى الْغَزَالِيُّ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: " بَلَغَنِي أَنَّ تَحْتَ الْعَرْشِ مَلَكًا فِي صُورَةِ دِيكٍ، فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ ضَرَبَ بِجَنَاحَيْهِ وَقَالَ: لِيَقُمْ الْقَائِمُونَ، وَإِذَا مَضَى نِصْفُ اللَّيْلِ قَالَ: لِيَقُمْ الْمُصَلَّوْنَ، وَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ قَالَ: لِيَقُمْ الْغَافِلُونَ وَعَلَيْهِمْ أَوْزَارُهُمْ ".
وَرَوَى الثَّعْلَبِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ثَلَاثَةُ أَصْوَاتٍ يُحِبُّهُمْ اللَّهُ صَوْتُ الدِّيكِ وَصَوْتُ الْقَارِئِ وَصَوْتُ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ» .
وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإِنَّهُ
ظَنِّهِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْيَقِينِ بِالصَّبْرِ أَوْ غَيْرِهِ كَالْخُرُوجِ لِرُؤْيَةِ الْفَجْرِ، وَلِلْأَعْمَى كَالْبَصِيرِ الْعَاجِزِ تَقْلِيدُ مُجْتَهِدٍ لِعَجْزِهِ فِي الْجُمْلَةِ، أَمَّا إذَا أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَلَوْ رَقِيقًا بِدُخُولِهِ عَنْ عِلْمٍ أَيْ مُشَاهَدَةٍ كَأَنْ قَالَ: رَأَيْت الْفَجْرَ طَالِعًا أَوْ الشَّفَقَ غَارِبًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ: إنْ لَمْ يُمْكِنُهُ الْعِلْمُ بِنَفْسِهِ وَجَازَ إنْ أَمْكَنَهُ، وَفِي الْقِبْلَةِ لَا يَعْتَمِدُ الْمُخْبِرَ عَنْ عِلْمٍ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ عِلْمُهُ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِتَكَرُّرِ الْأَوْقَاتِ فَيَعْسُرُ الْعِلْمُ بِكُلِّ وَقْتٍ بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ، فَإِنَّهُ إذَا عَلِمَ عَيْنَهَا مَرَّةً اكْتَفَى بِهَا مَا دَامَ مُقِيمًا بِمَحَلِّهِ فَلَا عُسْرَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادِ؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا حَتَّى لَوْ أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ أَنَّ صَلَاتَهُ وَقَعَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهَا، وَهَلْ يَجُوزُ لِلْبَصِيرِ تَقْلِيدُ الْمُؤَذِّنِ الثِّقَةِ الْعَارِفِ أَوْ لَا.
[حاشية البجيرمي]
يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَفِي لَفْظٍ: «فَإِنَّهُ يَدْعُو إلَى الصَّلَاةِ» .
قَالَ الْإِمَامُ الْحَلِيمِيُّ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَدْعُو إلَى الصَّلَاةِ فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ اُسْتُفِيدَ مِنْهُ خَيْرٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَبَّ بَلْ حَقُّهُ أَنْ يُكَرَّمَ وَيُشْكَرَ وَيُتَلَقَّى بِالْإِحْسَانِ، وَلَيْسَ مَعْنَى دُعَاءِ الدِّيكِ إلَى الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَقُولُ بِصُرَاخِهِ حَقِيقَةً الصَّلَاةُ وَقَدْ حَانَتْ الصَّلَاةُ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَادَةَ قَدْ جَرَتْ بِأَنَّهُ يَصْرُخُ صَرَخَاتٍ مُتَتَابِعَةٍ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَعِنْدَ الزَّوَالِ فِطْرَةٌ فَطَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا، فَيُذَكِّرُ النَّاسَ بِصُرَاخِهِ الصَّلَاةَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا بِصُرَاخِهِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ سِوَاهُ إلَّا مَنْ جُرِّبَ مِنْهُ مَا لَا يُخْلَفُ فَيَصِيرُ ذَلِكَ لَهُ إشَارَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُرْوَى: «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مَلَكًا تَحْتَ الْعَرْشِ وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ بَيْنَ الْوَجْهِ وَالْوَجْهِ أَلْفُ عَامٍ.
الْأَوَّلُ: يَنْظُرُ بِهِ إلَى الْجَنَّةِ وَيَقُولُ طُوبَى لِمَنْ دَخَلَكِ.
وَالثَّانِي: يَنْظُرُ بِهِ إلَى النَّارِ وَيَقُولُ وَيْلٌ لِمَنْ دَخَلَكِ.
وَالثَّالِثُ يَنْظُرُ بِهِ إلَى الْعَرْشِ وَيَقُولُ سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَكَ.
وَالرَّابِعُ: يَخِرُّ بِهِ سَاجِدًا وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، وَلَهُ خَمْسُ حَرَكَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عِنْدَ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، فَيُقَالُ لَهُ: اُسْكُنْ.
فَيَقُولُ: كَيْفَ أَسْكُنُ وَقَدْ جَاءَ وَقْتُ فَرِيضَتِك عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَيُقَالُ لَهُ: اُسْكُنْ فَقَدْ غَفَرْت لِمَنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . وَقِيلَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا مُحَمَّدُ أَنَا وَضَعْت عَلَى عِبَادِي الْفَرَائِضَ وَأَنْتَ وَضَعْت النَّوَافِلَ، فَالضَّمَانُ عَلَيْك فَمِنْك الشَّافِعَةُ وَمِنَّا الرَّحْمَةُ، وَإِذَا صَلَّى الْمُؤْمِنُ صَلَاةً وَتَقَبَّلَهَا اللَّهُ مِنْهُ خَلَقَ اللَّهُ مِنْ صَلَاتِهِ صُورَةً فِي الْمَلَكُوتِ تَرْكَعُ وَتَسْجُدُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَكُونُ ثَوَابُ ذَلِكَ لِمَنْ صَلَّى» . اهـ ذَكَرَهُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي لَطَائِفِ الْمِنَنِ.
تَنْبِيهٌ: مَرَاتِبُ الْوَقْتِ ثَلَاثَةٌ: الْعِلْمُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِخَبَرِ الثِّقَةِ عَنْ عِلْمٍ أَوْ بَيْتِ الْإِبْرَةِ أَوْ الْمَزَاوِلِ الْمُجَرَّبَةِ أَوْ السَّاعَاتِ الصَّحِيحَةِ، هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ فِي مَرْتَبَةِ الْعِلْمِ بِالْوَقْتِ، ثُمَّ الِاجْتِهَادُ تَمَّ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
قَدِّمْ لِنَفْسِك عِلْمَ الْوَقْتِ وَاجْتَهَدَا ... مِنْ بَعْدِ ثَمَّتْ قَلِّدْ فِيهِ مُجْتَهِدَا
وَالْمُزَوِّلَاتُ وَبَيْتُ الْإِبْرَةِ إنْ صَدَقَا ... إخْبَارُ عَدْلٍ بِمَعْنَى الْعِلْمِ فَاعْتَقَدَا
وَمَرَاتِبُ مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ أَرْبَعَةٌ الْعِلْمُ بِنَفْسِهِ ثُمَّ بِقَوْلِ الثِّقَةِ ثُمَّ الِاجْتِهَادُ ثُمَّ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ.
قَوْلُهُ: (وَلِلْأَعْمَى إلَخْ) أَيْ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الِاجْتِهَادِ كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ لَعَجْزِهِ أَيْ الْأَعْمَى فِي الْجُمْلَةِ أَيْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْأَعْمَى عَاجِزًا.
قَوْلُهُ: (أَمَّا إذَا أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ) إخْبَارُهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ إمْكَانُ سُؤَالِهِ، فَإِذَا أَمْكَنَ سُؤَالُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ السُّؤَالُ، وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا لِبَعْضِهِمْ هُنَا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِخْبَارِ الْإِخْبَارُ بِالْفِعْلِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (إذَا عَلِمَ) أَيْ تَيَقَّنَ عِلْمَهَا وَفِي نُسْخَةٍ عَلِمَ عَيْنَهَا وَهِيَ ظَاهِرَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ لَهُ) أَيْ الْبَصِيرِ الْقَادِرِ: قَوْلُهُ: (حَتَّى لَوْ أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ أَخْبَرَهُ عَنْ عِلْمٍ، فَإِنَّهُ
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يَجُوزُ فِي الصَّحْوِ دُونَ الْغَيْمِ؛ لِأَنَّهُ فِيهِ مُجْتَهِدٌ وَهُوَ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا وَفِي الصَّحْوِ مُخْبِرٌ عَنْ عِيَانٍ، وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ جَوَازَ تَقْلِيدِهِ فِيهِ أَيْضًا، وَنَقَلَهُ عَنْ النَّصِّ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ فِي الْعَادَةِ إلَّا فِي الْوَقْتِ فَلَا يَتَقَاعَدُ عَنْ الدِّيكِ الْمُجَرَّبِ.
قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ: وَلَعَلَّهُ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَلَوْ كَثُرَ الْمُؤَذِّنُونَ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ إصَابَتُهُمْ جَازَ اعْتِمَادُهُمْ مُطْلَقًا بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ صَلَّى بِلَا اجْتِهَادٍ أَعَادَ مُطْلَقًا لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ وَعَلَى الْمُجْتَهِدِ التَّأْخِيرُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُ الْوَقْتِ وَتَأْخِيرُهُ إلَى خَوْفِ الْفَوَاتِ أَفْضَلُ، وَيَعْمَلُ الْمُنَجِّمُ بِحِسَابِهِ جَوَازًا وَلَا يُقَلِّدُهُ غَيْرُهُ عَلَى الْأَصَحِّ فِي التَّحْقِيقِ وَغَيْرِهِ، وَالْحَاسِبُ وَهُوَ مَنْ يَعْتَمِدُ مَنَازِلَ النُّجُومِ وَتَقْدِيرَ سَيْرِهَا فِي مَعْنَى الْمُنَجِّمِ وَهُوَ مَنْ يَرَى أَنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ طُلُوعُ النَّجْمِ الْفُلَانِيِّ كَمَا يُؤْخَذ مِنْ نَظِيرِهِ فِي الصَّوْمِ.
(وَفِي) الْخَامِسِ (اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ) بِالصَّدْرِ لَا بِالْوَجْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ﴾ [البقرة: 144] أَيْ: " نَحْوَ الْمَسْجِدِ
[حاشية البجيرمي]
تَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ: قَوْلُهُ: (قَالَ الرَّافِعِيُّ) ضَعِيفٌ قَوْلُهُ: (عِيَانٌ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ قَوْلُهُ: (وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ جَوَازَ تَقْلِيدِهِ) مُعْتَمَدٌ قَوْلُهُ: (فَلَا يَتَقَاعَدُ عَنْ الدِّيكِ) أَيْ لَا تَقْصُرُ رُتْبَتُهُ عَنْ الدِّيكِ الْمُجَرَّبِ.
وَفِي هَذَا الْكَلَامِ نَظَرٌ، فَإِنَّ صَوْتَ الدِّيكِ لَا يَعْتَمِدُهُ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ، بِخِلَافِ الْمُؤَذِّنِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى اجْتِهَادٍ فِي تَقْلِيدِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ تَأَمَّلْ.
اهـ. مَرْحُومِيٌّ، فَفِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ مُسَاهَلَةٌ.
قَوْلُهُ: (الْبَنْدَنِيجِيُّ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ تَحْتِيَّةٌ وَجِيمٌ، نِسْبَةٌ إلَى بَنْدَنِيجَيْنِ بِلَفْظِ الْمُثَنَّى بَلْدَةٌ قُرْبَ بَغْدَادَ اهـ مِنْ اللُّبِّ لِلسُّيُوطِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَثُرَ الْمُؤَذِّنُونَ) أَيْ وَلَمْ يُقَلِّدْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، لَا سِيَّمَا بِمِصْرَ، أَمَّا إذَا قَلَّدَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَهُمْ وَإِنْ كَثُرُوا كَالْوَاحِدِ، وَهَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ: وَلَوْ كَثُرَ الْمُؤَذِّنُونَ تَقْيِيدٌ لِمَحَلِّ الْخِلَافِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ مَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَكْثُرْ الْمُؤَذِّنُونَ، فَإِنْ كَثَرُوا وَكَانُوا ثِقَاتٍ عَارِفِينَ جَازَ تَقْلِيدُهُمْ مُطْلَقًا فِي الصَّحْوِ وَالْغَيْمِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ.
قَوْلُهُ: (أَعَادَ مُطْلَقًا) أَيْ وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ لِمَا عَلِّلَ بِهِ هُوَ، قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْمُجْتَهِدِ) أَيْ وُجُوبًا لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّ دُخُولِ الْوَقْتِ خِلَافًا لِلْقَلْيُوبِيِّ حَيْثُ حَمَلَهُ عَلَى الْجَوَازِ.
قَوْلُهُ: (وَيَعْمَلُ الْمُنَجِّمُ) وُجُوبًا لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ أَخْبَرَهُ وَصَدَّقَهُ فَقَوْلُهُ جَوَازًا بِمَعْنَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْمَنْعِ وَيُصَرِّحُ بِهِ تَشْبِيهُهُ بِالصَّوْمِ ق ل.
قَوْلُهُ: (كَمَا يُؤْخَذُ إلَخْ) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ وَيَعْمَلُ الْمُنَجِّمُ.
قَوْلُهُ: (اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ) أَيْ مُوَاجَهَةُ عَيْنِ الْكَعْبَةِ فَأَلْ فِي الْقِبْلَةِ لِلْعَهْدِ، وَلَا يَكْفِي اسْتِقْبَالُ الشَّاذَرْوَانِ وَلَا الْحِجْرِ بِكَسْرِ الْحَاءِ مُنَاوِيٌّ، وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَالتَّوَجُّهُ لَكَانَ أَخْصَرَ وَسُمِّيَتْ قِبْلَةً؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّي يُقَابِلُهَا وَكَعْبَةً لِقُرْبِهَا مِنْ التَّرْبِيعِ الْمُسَمَّى بِالْمُكَعَّبِ ق ل. وَقِيلَ: لِتَكَعُّبِهَا أَيْ تَرَبُّعِهَا وَهِيَ مُرْتَفِعَةٌ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا وَطُولُ الْبَابِ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَعَشْرَةُ أَصَابِعَ وَعَرْضُهُ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ وَأَحْجَارُهَا مِنْ خَمْسَةِ جِبَالٍ طُورِ سِينَا وَالْجُودِيِّ وَحِرَاءَ وَأَبِي قُبَيْسٍ وَثَبِيرٍ، وَالْمُرَادُ اسْتِقْبَالُ عَيْنِهَا يَقِينًا مَعَ الْقُرْبِ وَظَنًّا مَعَ الْبُعْدِ عِنْدَ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ، وَدَلِيلُهُ الشَّطْرُ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ الْعَيْنُ لُغَةً وَتَفْسِيرُهُ بِالْجِهَةِ اصْطِلَاحٌ لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَكَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوَّلُ أَمْرِهِ يَسْتَقْبِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قِيلَ بِأَمْرٍ، وَقِيلَ بِرَأْيِهِ.
وَكَانَ يَجْعَلُ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَيَقِفَ بَيْنَ الْيَمَانِيَّيْنِ، فَلَمَّا هَاجَرَ اسْتَدْبَرَهَا فَشَقَّ عَلَيْهِ فَسَأَلَ جِبْرِيلَ أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ التَّحَوُّلَ إلَيْهَا فَنَزَلَ ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة: 144] الْآيَةَ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ فَتَحَوَّلَ وَمَا فِي الْبُخَارِيِّ: «إنَّ أَوَّلَ صَلَاةٍ صُلِّيَتْ لِلْكَعْبَةِ الْعَصْرُ» . أَيْ: كَامِلَةٍ.
وَكَانَ التَّحَوُّلُ فِي رَجَبٍ بَعْدِ الْهِجْرَة بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَالَ السُّيُوطِيّ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: نَسَخَ اللَّهُ الْقِبْلَةَ مَرَّتَيْنِ أَيْ مَرَّةً نُسِخَتْ الْكَعْبَةُ لِبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَمَرَّةً نُسِخَ بَيْتُ الْمُقَدَّسِ بِالْكَعْبَةِ، فَالنَّسْخُ لِلْقِبْلَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، وَنِكَاحُ الْمُتْعَةِ مَرَّتَيْنِ، وَلُحُومُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أَحْفَظُ رَابِعًا.
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْعَوْفِيُّ: رَابِعُهَا الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ، وَقَدْ نَظَمْت ذَلِكَ فَقُلْت: