حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيبصفحات 149-188
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ: فِي الرَّضَاعِ

صفحات 149-188
عن هذه الطبعة
عَلَم
البجيرمي
الكتاب
تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
المؤلف
سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه

(وَ) تُكَمَّلُ دِيَةُ النَّفْسِ فِي (الذَّكَرِ) السَّلِيمِ لِخَبَرِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ بِذَلِكَ وَلَوْ كَانَ لِصَغِيرٍ وَشَيْخٍ وَعِنِّينٍ وَخَصِيٍّ لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ، وَلِأَنَّ ذَكَرَ الْخَصِيِّ سَلِيمٌ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْإِيلَاجِ، وَإِنَّمَا الْفَائِتُ الْإِيلَادُ.
وَالْعُنَّةُ عَيْبٌ فِي غَيْرِ الذَّكَرِ، لِأَنَّ الشَّهْوَةَ فِي الْقَلْبِ، وَالْمَنِيَّ فِي الصُّلْبِ وَلَيْسَ الذَّكَرُ بِمَحَلٍّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا.
فَكَانَ سَلِيمًا مِنْ الْعَيْبِ بِخِلَافِ الْأَشَلِّ، وَحُكْمُ الْحَشَفَةِ حُكْمُ الذَّكَرِ، لِأَنَّ مَا عَدَاهَا مِنْ الذَّكَرِ كَالتَّابِعِ لَهَا كَالْكَفِّ مَعَ الْأَصَابِعِ، لِأَنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ تَدُورُ عَلَيْهَا، وَبَعْضُهَا بِقِسْطِهِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ تُكَمَّلُ بِقَطْعِهَا كَمَا مَرَّ فَقُسِّطَتْ عَلَى أَبْعَاضِهَا.

(وَ) تُكَمَّلُ دِيَةُ النَّفْسِ فِي (الْأُنْثَيَيْنِ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ بِذَلِكَ وَلِأَنَّهُمَا مِنْ تَمَامِ الْخِلْقَةِ، وَمَحَلُّ التَّنَاسُلِ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا سَوَاءٌ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى وَلَوْ مِنْ عِنِّينٍ وَمَجْبُوبٍ وَطِفْلٍ وَغَيْرِهِمْ.
تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ بِالْأُنْثَيَيْنِ الْبَيْضَتَانِ.
كَمَا صُرِّحَ بِهِمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ.
وَأَمَّا الْخُصْيَتَانِ فَالْجِلْدَتَانِ اللَّتَانِ فِيهِمَا الْبَيْضَتَانِ.

(وَ) يَجِبُ فِي (الْمُوضِحَةِ) أَيْ مُوضِحَةِ الرَّأْسِ وَلَوْ لِلْعَظْمِ النَّاتِئِ خَلْفَ الْأُذُنِ، أَوْ الْوَجْهِ وَإِنْ صَغُرَتْ وَلَوْ لِمَا تَحْتَ الْمُقَبَّلِ مِنْ اللَّحْيَيْنِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ صَاحِبِهَا فَفِيهَا لِحُرٍّ مُسْلِمٍ غَيْرِ جَنِينٍ (خَمْسٌ مِنْ

[حاشية البجيرمي]

كَمَا قَالَهُ: ق ل. وَقَدْ يُقَالُ: لَا تَكْرَارَ، لِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ أَوَّلًا لِلِاحْتِرَازِ وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا لِأَجْلِ نِسْبَةِ الْقَوْلِ إلَى قَائِلِهِ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ أَوَّلًا نَسَبَهُ أَيْضًا لِقَائِلِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ فَهُوَ مَحْضُ تَكْرَارٍ م د.

قَوْلُهُ: (وَفِي الذَّكَرِ) وَفِي تَعَذُّرِ الْجِمَاعِ حُكُومَةٌ قَالَ الْعَلَّامَةُ الزِّيَادِيُّ: فَلَوْ قَطَعَهُ شَخْصٌ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ دِيَةٌ قَالَ شَيْخُنَا: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَرَاجِعْهُ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَعِنِّينٍ) أَيْ: لِأَنَّ الْعُنَّةَ ضَعْفٌ فِي الْقَلْبِ لَا فِي نَفْسِ الذَّكَرِ وَمِثْلُهُ الْمَجْبُوبُ بِبَاءَيْنِ وَنَحْوِهِ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَحُكْمُ الْحَشَفَةِ إلَخْ) لَوْ قَالَ: وَالْمُرَادُ مِنْ الذَّكَرِ الْحَشَفَةُ.
إلَخْ لَكَانَ أَوْلَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ تَأَمَّلَ.
اهـ. ق ل قَالَ فِي الرَّوْضِ، وَفِي قَطْعِ بَاقِي الذَّكَرِ، أَوْ قَلْعِهِ مِنْهُ حُكُومَةٌ وَكَذَا فِي قَطْعِ الْأَشَلِّ فَإِنْ أَشَلَّهُ، أَوْ شَقَّهُ طُولًا فَأَبْطَلَ مَنْفَعَتَهُ فَدِيَةٌ تَجِبُ، أَوْ تَعَذَّرَ بِضَرْبِهِ الْجِمَاعُ، لَا الِانْقِبَاضُ وَالِانْبِسَاطُ فَحُكُومَةٌ تَجِبُ، لِأَنَّهُ وَمَنْفَعَتَهُ بَاقِيَانِ، وَالْخَلَلَ فِي غَيْرِهِمَا، ثُمَّ ذَكَرَ فِي شَرْحِهِ فِيمَا لَوْ قَطَعَهُ قَاطِعٌ هَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ كَلَامًا طَوِيلًا اهـ. سم، وَانْظُرْ مَا إذَا جَنَى عَلَى ذَكَرٍ بِلَا حَشَفَةٍ، هَلْ الْوَاجِبُ حُكُومَةٌ، أَوْ دِيَةٌ لَكِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ " كَالْكَفِّ مَعَ الْأَصَابِعِ " يُرْشِدُ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ الْحُكُومَةُ لَا الدِّيَةُ وَهُوَ مَا مَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا أَوَّلًا، ثُمَّ اعْتَمَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَذَا بِخَطِّ الشَّيْخِ خ ض.

قَوْلُهُ: (فِي الْأُنْثَيَيْنِ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ قَطَعَ الْأُنْثَيَيْنِ بِالْجِلْدَتَيْنِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ وَتَدْخُلُ حُكُومَةُ الْجِلْدَتَيْنِ، وَإِنْ قَطَعَ الْجِلْدَتَيْنِ مَعَ بَقَاءِ الْأُنْثَيَيْنِ وَجَبَتْ حُكُومَةٌ، وَإِنْ سَلَّ الْبَيْضَتَيْنِ وَجَبَتْ دِيَةٌ نَاقِصَةٌ حُكُومَةَ الْجِلْدَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (الْخُصْيَتَانِ) تَثْنِيَةُ خُصْيَةٍ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ سَمِعْته بِالضَّمِّ وَلَمْ أَسْمَعْهُ بِالْكَسْرِ.
اهـ. مُخْتَارٌ

قَوْلُهُ: (وَلَوْ لِلْعَظْمِ النَّاتِئِ إلَخْ) فَهُوَ مِنْ الرَّأْسِ هُنَا بِخِلَافِهِ فِي الْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ الْعَظْمَ النَّاتِئَ خَلْفَ الْأُذُنِ وَاَلَّذِي تَحْتَ الْمُقَبَّلِ مِنْ اللَّحْيَيْنِ غَايَةً، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّأْسِ وَالْوَجْهِ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ، أَوْ مَسْحُهُ فِي الْوُضُوءِ فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا حَيْثُ عُدَّ هُنَا مِنْ الرَّأْسِ وَلَمْ يُعَدَّ فِي الْوُضُوءِ مِنْهُ لِأَنَّ الْمَدَارَ هُنَا عَلَى كَوْنِهِ خَطَرًا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَوْضُوعَ الْمَذْكُورَ خَطَرٌ، وَفِي الْوُضُوءِ عَلَى مَا يُسَمَّى رَأْسًا، وَالْمَوْضِعُ الْمَذْكُورُ لَا يُسَمَّى رَأْسًا.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
وَعِبَارَةُ م ر: يَجِبُ فِي مُوضِحَةِ الرَّأْسِ وَمِنْهُ هُنَا دُونَ الْوُضُوءِ الْعَظْمُ الَّذِي خَلْفَ الْأُذُنِ مُتَّصِلًا بِهِ وَمَا انْحَدَرَ عَنْ آخِرِ الرَّأْسِ إلَى الرَّقَبَةِ، أَوْ الْوَجْهِ وَمِنْهُ هُنَا لَا ثَمَّ أَيْضًا مَا تَحْتَ الْمُقَبَّلِ مِنْ اللَّحْيَيْنِ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا هُنَا وَالْوُضُوءِ أَنَّ الْمَدَارَ هُنَا عَلَى الْخَطَرِ، أَوْ الشَّرَفِ، إذْ الرَّأْسُ وَالْوَجْهُ أَشْرَفُ مَا فِي الْبَدَنِ وَمَا جَاوَزَ الْخَطِيرَ أَوْ الشَّرِيفَ مِثْلُهُ، وَثَمَّ عَلَى مَا رَأَسَ وَعَلَا وَعَلَى مَا يَقَعُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ وَلَيْسَا مُجَاوِرُهُمَا كَذَلِكَ اهـ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ الشَّرَفِ " الْأَوْلَى إسْقَاطُ الْأَلِفِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ الْوَجْهِ) عَطْفٌ عَلَى الرَّأْسِ وَقَوْلُهُ: وَإِنْ صَغُرَتْ غَايَةٌ فِي الْمُوضِحَةِ وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَلَوْ صَغُرَتْ وَالْتَحَمَتْ اهـ أَيْ بِخِلَافِ الِالْتِحَامِ فِي الْإِفْضَاءِ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الضَّمَانَ وَكَذَا نَبَاتُ الْجِلْدِ وَفَارَقَ ذَلِكَ سِنَّ غَيْرِ الْمَثْغُورِ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَى الْمُوضِحَةِ الِالْتِحَامَ لِئَلَّا يَلْزَمَ إهْدَارُ الْمُوضِحَاتِ دَائِمًا بِخِلَافِ السِّنِّ فَإِنَّهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ يَنْتَقِلُ إلَى حَالَةٍ أُخْرَى يَضْمَنُ فِيهَا.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ وسم.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ لِمَا الْإِبِلِ) لِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ: «فِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ» فَتُرَاعَى هَذِهِ النِّسْبَةُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْكِتَابِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
وَخَرَجَ بِقَيْدِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ مَا عَدَاهُمَا: كَالسَّاقِ وَالْعَضُدِ فَإِنَّ فِيهِمَا الْحُكُومَةَ وَبِقَيْدِ الْحُرِّ الرَّقِيقُ فَفِيهِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ وَبِقَيْدِ الْمُسْلِمِ الْكِتَابِيُّ فَفِي مُوضِحَتِهِ بَعِيرٌ وَثُلُثَانِ.
وَالْمَجُوسِيُّ وَنَحْوُهُ فَفِي مُوضِحَتِهِ ثُلُثُ بَعِيرٍ.
وَلَا يَخْتَلِفُ أَرْشُ مُوضِحَةٍ بِكِبَرِهَا وَلَا صِغَرِهَا لِاتِّبَاعِ الِاسْمِ كَالْأَطْرَافِ وَلَا لِكَوْنِهَا بَارِزَةً، أَوْ مَسْتُورَةً بِالشَّعْرِ وَيَجِبُ فِي هَاشِمَةٍ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ وَيَجِبُ فِي هَاشِمَةٍ دُونَ إيضَاحٍ خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ وَيَجِبُ فِي مُنَقِّلَةٍ مَعَ إيضَاحٍ وَهَشْمٍ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

(وَ) يَجِبُ (فِي) قَلْعِ (السِّنِّ) الْأَصْلِيَّةِ التَّامَّةِ الْمَثْغُورَةِ غَيْرِ الْمُقَلْقَلَةِ صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً، بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ صَاحِبِهَا فَفِيهَا لِذَكَرٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ (خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ بِذَلِكَ فَقَوْلُهُ: خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ كَمَا تَقَرَّرَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الثَّنِيَّةِ وَالنَّابِ وَالضِّرْسِ وَإِنْ انْفَرَدَ كُلٌّ مِنْهَا بِاسْمٍ كَالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وَالْخِنْصَرِ

[حاشية البجيرمي]

تَحْتَ) غَايَةٌ فِي قَوْلِهِ: أَوْ الْوَجْهِ فَيَكُونُ مَا تَحْتَ الْمُقَبَّلِ مِنْ الْوَجْهِ هُنَا بِخِلَافِهِ فِي الْوُضُوءِ، قَوْلُهُ: (نِصْفُ عُشْرِ إلَخْ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى قُصُورِ قَوْلِ الْمَتْنِ خُمُسٍ وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَفِي كُلٍّ مِنْ الْمُوضِحَةِ وَالسِّنِّ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ صَاحِبِهَا لَكَانَ أَوْلَى وَأَعَمَّ.
اهـ. قَوْلُهُ: (فَفِيهَا لِحُرٍّ مُسْلِمٍ) أَيْ مِنْ حُرٍّ مُسْلِمٍ غَيْرِ جَنِينٍ فَخَرَجَ الْجَنِينُ، فَإِذَا أَوْضَحَهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَإِنْ مَاتَ بِغَيْرِ الْإِيضَاحِ بِأَنْ صَغُرَتْ الْمُوضِحَةُ وَجَبَ نِصْفُ عُشْرِ غُرَّةٍ، لِأَنَّ فِي الْمُوضِحَةِ نِصْفَ عُشْرِ دِيَةِ صَاحِبِهَا، وَدِيَةِ الْجَنِينِ وَهِيَ الْغُرَّةُ وَإِنْ مَاتَ بِالْإِيضَاحِ وَجَبَتْ غُرَّةٌ كَامِلَةٌ، وَإِنْ انْفَصَلَ حَيًّا، ثُمَّ مَاتَ بِغَيْرِ الْإِيضَاحِ وَجَبَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةٍ، وَإِنْ مَاتَ بِالْإِيضَاحِ وَجَبَتْ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ع ش. قَوْلُهُ: (فَتُرَاعَى هَذِهِ النِّسْبَةُ إلَخْ) فَفِيهَا لِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ بَعِيرَانِ وَنِصْفٌ وَلِذِمِّيٍّ بَعِيرٌ وَثُلُثَانِ وَلِمَجُوسِيٍّ ثُلُثُ بَعِيرٍ وَلِذِمِّيَّةٍ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ بَعِيرٍ وَلِمَجُوسِيَّةٍ سُدُسُ بَعِيرٍ.
اهـ. ح ل. قَوْلُهُ: (فَإِنَّ فِيهِمَا) أَيْ فِي مُوضِحَتِهِمَا الْحُكُومَةَ، وَمِثْلُ الْمُوضِحَةِ غَيْرُهَا مِنْ الْجُرُوحِ إذَا كَانَتْ فِي غَيْرِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ فَفِيهَا حُكُومَةٌ، وَأَمَّا الْقِصَاصُ فَلَا قِصَاصَ فِيهَا كُلِّهَا إلَّا الْمُوضِحَةَ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْوَجْهِ أَوْ الرَّأْسِ، أَوْ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ.
قَوْلُهُ: (فَفِي مُوضِحَتِهِ بَعِيرٌ وَثُلُثَانِ) ، لِأَنَّهَا نِصْفُ عُشْرِ دِيَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فَفِي مُوضِحَتِهِ ثُلُثُ بَعِيرٍ) وَفِي مُوضِحَةِ ذِمِّيَّةٍ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ بَعِيرٍ، لِأَنَّ دِيَتَهَا سِتَّةَ عَشَرَ وَثُلُثَانِ، عُشْرُهَا بَعِيرٌ وَثُلُثَانِ بِعَشْرِ أَسْدَاسٍ، وَنِصْفُهَا خَمْسَةُ أَسْدَاسٍ وَفِي مُوضِحَةِ مَجُوسِيَّةٍ سُدُسُ بَعِيرٍ، لِأَنَّ دِيَتَهَا ثَلَاثَةٌ وَثُلُثُ عُشْرِهَا ثُلُثُ بَعِيرٍ وَنِصْفُهُ سُدُسٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَخْتَلِفُ أَرْشُ مُوضِحَةٍ) هَذَا يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ الْمُتَقَدِّمُ، وَإِنْ صَغُرَتْ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَهُ لِلتَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ.

قَوْلُهُ: (رَاجِعٌ لِكُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ) أَيْ الْمُوضِحَةِ وَالسِّنِّ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: وَفِي الْمُوضِحَةِ وَالسِّنِّ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْمَتْنِ مِنْ جَعْلِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ خَبَرًا مُقَدَّمًا وَخَمْسٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَأَمَّا بِالنَّظَرِ لِتَقْدِيرِ كَلَامِ الشَّارِحِ الْفِعْلَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَيَكُونُ خَمْسٌ مُبْتَدَأً، وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ، وَفَاعِلُ الْفِعْلِ قَدَّرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: نِصْفُ عُشْرِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الثَّنِيَّةِ إلَخْ) الْأَسْنَانُ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ ثَنَايَا وَرَبَاعِيَاتٌ وَأَنْيَابٌ وَضَوَاحِكُ وَنَوَاجِذُ، وَكُلٌّ مِنْهَا أَرْبَعٌ اثْنَانِ عُلْيَا وَاثْنَانِ سُفْلَى وَأَضْرَاسٌ وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ سِنَّةً عُلْيَا وَسِتَّةٌ سُفْلَى وَهِيَ بَيْنَ الضَّوَاحِكِ وَالنَّوَاجِذِ، وَالنَّوَاجِذُ آخِرُهَا مِمَّا يَلِي الْأُذُنَ وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ وَهِيَ ثِنْتَانِ وَثَلَاثُونَ أَيْ غَالِبًا فِي الْآدَمِيِّ الْحُرِّ، وَإِلَّا فَقَدْ تَزِيدُ وَقَدْ تَنْقُصُ فَيُزَادُ وَيُنْقَصُ بِحَسَبِهِ نِصْفُهَا فِي الْفَكِّ الْأَعْلَى وَنِصْفُهَا فِي الْفَكِّ الْأَسْفَلِ وَلِكُلِّ أَرْبَعٍ مِنْهَا اسْمٌ يَخُصُّهَا فَالْأَرْبَعَةُ الَّتِي فِي مُقَدَّمِ الْفَمِ تُسَمَّى الثَّنَايَا وَاَلَّتِي تَلِيهَا تُسَمَّى الرَّبَاعِيَاتِ وَاَلَّتِي تَلِيهَا تُسَمَّى الضَّوَاحِكَ وَهِيَ الْمُرَادَةُ بِالنَّوَاجِذِ فِي ضَحِكِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ ضَحِكَهُ تَبَسُّمٌ وَاَلَّتِي تَلِيهَا تُسَمَّى الْأَنْيَابَ وَبَعْدَهَا اثْنَا عَشَرَ ضِرْسًا وَيُقَالُ لَهَا الطَّوَاحِينُ وَالرَّحَا وَيَلِيهَا أَرْبَعَةٌ تُسَمَّى نَوَاجِذَ وَهِيَ مِنْ الْأَضْرَاسِ، وَيُقَالُ لَهَا أَضْرَاسُ الْعَقْلِ وَأَضْرَاسُ الْحُلُمِ وَهِيَ أَقْصَاهَا وَآخِرُهَا نَبَاتًا فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا لَا تَنْبُتُ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَلَا مَانِعَ مِنْ إرَادَتِهَا فِي ضَحِكِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

فِي الْأَصَابِعِ وَفِيهَا لِأُنْثَى حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ بَعِيرَانِ وَنِصْفٌ، وَلِذِمِّيٍّ بَعِيرٌ وَثُلُثَانِ وَلِمَجُوسِيٍّ ثُلُثُ بَعِيرٍ.
وَلِرَقِيقٍ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ إطْلَاقِهِ صُورَتَانِ: الْأُولَى لَوْ انْتَهَى صِغَرُ السِّنِّ: إلَّا أَنْ لَا تَصْلُحَ لِلْمَضْغِ فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا الْحُكُومَةُ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْغَالِبَ طُولُ الثَّنَايَا عَلَى الرَّبَاعِيَاتِ فَلَوْ كَانَتْ مِثْلَهَا، أَوْ أَقْصَرَ فَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْخَمْسُ بَلْ يَنْقُصُ مِنْهَا بِحَسَبِ نُقْصَانِهَا وَلَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ دِيَةِ السِّنِّ بَيْنَ أَنْ يَقْلَعَهَا مَعَ السِّنْخِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ، وَإِعْجَامِ الْخَاءِ أَصْلُهَا الْمُسْتَتِرُ بِاللَّحْمِ أَوْ بِكَسْرِ الظَّاهِرِ مِنْهَا دُونَهُ؛ لِأَنَّ السِّنْخَ تَابِعٌ فَأَشْبَهَ الْكَفَّ مَعَ الْأَصَابِعِ، وَلَوْ أَذْهَبَ مَنْفَعَةَ السِّنِّ وَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى حَالِهَا وَجَبَتْ دِيَتُهَا وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْأَصْلِيَّةِ الزَّائِدَةُ وَهِيَ الشَّاغِيَةُ الْخَارِجَةُ عَنْ سَمْتِ الْأَسْنَانِ الْأَصْلِيَّةِ لِمُخَالَفَةِ نَبَاتِهَا لَهَا فَفِيهَا حُكُومَةٌ كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ وَبِقَيْدِ التَّامَّةِ مَا لَوْ كُسِرَ بَعْضُ الظَّاهِرِ مِنْهَا فَفِيهِ قِسْطُهُ مِنْ الْأَرْشِ وَيُنْسَبُ الْمَكْسُورُ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ الظَّاهِرِ دُونَ السِّنْخِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِقَيْدِ الْمَثْغُورَةِ مَا لَوْ قُلِعَ سِنٌّ صَغِيرٌ، أَوْ كَبِيرٌ لَمْ يُثْغَرْ نُظِرَ: إنْ بَانَ فَسَادُ الْمَنْبَتِ فَكَالْمَثْغُورَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالُ حَتَّى مَاتَ فَفِيهَا الْحُكُومَةُ وَبِقَيْدِ غَيْرِ الْمُقَلْقَلَةِ الْمُقَلْقَلَةُ، فَإِنْ بَطَلَتْ مَنْفَعَتُهَا فَفِيهَا الْحُكُومَةُ وَحَرَكَةُ السِّنِّ لِكِبَرٍ، أَوْ مَرَضٍ إنْ قَلَّتْ بِحَيْثُ لَا تُؤَدِّي الْقَلْقَلَةُ نَقْصًا فِي مَنْفَعَتِهَا مِنْ مَضْغٍ وَغَيْرِهِ فَكَصَحِيحَةٍ حُكْمُهَا لِبَقَاءِ الْجَمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ.

(وَ) يَجِبُ (فِي كُلِّ عُضْوٍ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ) كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَالذَّكَرِ الْأَشَلِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَالْأُصْبُعِ الْأَشَلِّ.
(حُكُومَةٌ) وَكَذَا فِي كَسْرِ الْعِظَامِ، لِأَنَّ

[حاشية البجيرمي]

وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ مَفْقُودَةٌ فِي الْخَصِيِّ وَالْكَوْسَجِ أَيْ الْأَجْرُودِ فَأَسْنَانُهُمَا ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ سِنًّا وَلِابْنِ رَسْلَانَ: مِنْهَا ثَنَايَا أَرْبَعٌ رَبَاعِيَةٌ ... كَذَا وَأَنْيَابٌ كَمِثْلِ تَالِيهِ وَأَرْبَعٌ ضَوَاحِكُ وَاثْنَا عَشَرَ ... ضِرْسًا وَأَرْبَعٌ نَوَاجِذُ أُخَرْ قَالُوا: وَأَسْنَانُ الْمَرْأَةِ ثَلَاثُونَ سِنًّا وَخَرَجَ بِالْآدَمِيِّ غَيْرُهُ فَأَسْنَانُ الْبَقَرِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ سِنًّا وَأَسْنَانُ الشَّاةِ إحْدَى وَعِشْرُونَ سِنًّا وَأَسْنَانُ التَّيْسِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ سِنًّا وَأَسْنَانُ الْعَنْزِ تِسْعَ عَشْرَةَ سِنًّا اهـ. قَوْلُهُ: (يُسْتَثْنَى) صَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ: وَخَرَجَ بِالتَّامَّةِ الَّتِي وَصَفَ السِّنَّ بِهَا فِيمَا مَرَّ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَفْهُومُ الْقَيْدِ مُسْتَثْنًى ق ل، وَيُرَدُّ بِأَنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى لَيْسَتْ مَفْهُومَ الْقَيْدِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ التَّامَّةُ بَلْ مَفْهُومُهُ سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَبِقَيْدِ التَّامَّةِ مَا لَوْ كَسَرَ إلَخْ، نَعَمْ مَا ذَكَرَهُ ق ل مِنْ أَنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى مَفْهُومُ الْقَيْدِ ظَاهِرٌ بِأَنَّ السِّنَّ غَيْرُ تَامَّةٍ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّارِحِ: وَبِغَيْرِ التَّامَّةِ مَا لَوْ كَسَرَ إلَخْ لَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ مَفْهُومَ الْقَيْدِ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ مِنْ السِّنِّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ تَكُونُ غَيْرَ تَامَّةٍ لَا أَنَّهُ يَكْسِرُ بَعْضَ سِنٍّ تَامَّةٍ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْخُمُسُ) هَذَا وَجْهٌ مَرْجُوحٌ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الطَّوِيلَةِ وَالْقَصِيرَةِ فِي وُجُوبِ الْخُمُسِ.
قَوْلُهُ: (الْخَارِجَةُ) تَفْسِيرٌ لِلشَّاغِيَةِ.
قَوْلُهُ: (فَفِيهَا حُكُومَةٌ) وَأَمَّا السِّنُّ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ ذَهَبٍ وَنَحْوِهِ فَلَا دِيَةَ فِي قَلْعِهَا وَلَا حُكُومَةَ شَرْحُ الْمَنُوفِيِّ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُثْغَرْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ لَمْ يُثْغَرْ كُلٌّ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (نُظِرَ) نُسْخَةٌ: فَإِنَّهُ يُنْظَرُ وَهِيَ أَوْلَى، لِأَنَّ فِي الْأُولَى رَكَاكَةً.
قَوْلُهُ: (فَكَالْمَثْغُورَةِ) فَفِيهَا الْخُمُسُ.
قَوْلُهُ: (فَفِيهَا الْحُكُومَةُ) ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَوْدُهَا لَوْ عَاشَ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (الْمُقَلْقَلَةُ) أَيْ الْمُتَحَرِّكَةُ.
قَوْلُهُ: (وَحَرَكَةُ السِّنِّ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ إنْ قُلْت: وَالْقَصْدُ مِنْهُ تَقْيِيدُ مَا قَبْلَهُ وَهَذَا فِي الْمَعْنَى مَفْهُومُ قَوْلِهِ: فَإِنْ بَطَلَتْ مَنْفَعَتُهَا، وَفِي تَعْبِيرِهِ قَلَاقَةٌ.
قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ لَا تُؤَدِّي) أَيْ تُورِثُ نَقْصًا إلَخْ فَانْدَفَعَ قَوْلُ مَنْ حَكَمَ عَلَى الْعِبَارَةِ بِالنَّقْصِ وَقَالَ: لَعَلَّ الْعِبَارَةَ إلَى نَقْصِ إلَخْ.
اهـ أج.
أَيْ فَهُوَ مُضَمَّنُ مَعْنَى تُورِثُ وَفِي نُسَخٍ إلَى نَقْصٍ وَهُوَ وَاضِحٌ.
قَوْلُهُ: (حُكْمُهَا) لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَفِي نُسْخَةٍ فِي حُكْمِهَا وَهِيَ أَوْلَى أَيْ فَفِيهَا الْأَرْشُ كَامِلًا.

قَوْلُهُ: (وَفِي كُلِّ عُضْوٍ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ

الشَّرْعَ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُبَيِّنْهُ فَوَجَبَ فِيهِ حُكُومَةٌ وَكَذَا يَجِبُ فِي تَعْوِيجِ الرَّقَبَةِ وَالْوَجْهِ وَتَسْوِيدِهِ، وَفِي حَلَمَتَيْ الرَّجُلِ وَالْخُنْثَى.
وَأَمَّا حَلَمَتَا الْمَرْأَةِ فَفِيهِمَا دِيَتُهُمَا لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْإِرْضَاعِ وَجَمَالَ الثَّدْيِ بِهِمَا كَمَنْفَعَةِ الْيَدَيْنِ وَجَمَالِهِمَا بِالْأَصَابِعِ، وَفِي إحْدَاهُمَا نِصْفُهَا وَالْحَلَمَةُ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ الْمُجْتَمَعُ النَّاتِئُ عَلَى رَأْسِ الثَّدْيِ تَنْبِيهٌ لَوْ ضَرَبَ ثَدْيَ امْرَأَةٍ فَشَلَّ بِفَتْحِ الشِّينِ وَجَبَتْ دِيَتُهُ وَإِنْ اسْتَرْسَلَ فَحُكُومَةٌ لِأَنَّ الْفَائِتَ مُجَرَّدُ جَمَالٍ وَإِنْ ضَرَبَ ثَدْيَ خُنْثَى فَاسْتَرْسَلَ لَمْ يَجِبْ فِيهِ حُكُومَةٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ كَوْنُهُ امْرَأَةً لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ رَجُلًا فَلَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ بِالِاسْتِرْسَالِ وَلَا يَفُوتُهُ جَمَالٌ فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ امْرَأَةٌ وَجَبَتْ الْحُكُومَةُ وَالْحُكُومَةُ جُزْءٌ مِنْ الدِّيَةِ نِسْبَتُهُ إلَى دِيَةِ النَّفْسِ نِسْبَةُ نَقْصِ الْجِنَايَةِ مِنْ قِيمَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ رَقِيقًا بِصِفَاتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا مِثَالُهُ جَرَحَ يَدَهُ فَيُقَالُ كَمْ قِيمَةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِصِفَاتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ جِنَايَةٍ لَوْ كَانَ رَقِيقًا فَإِذَا قِيلَ مِائَةٌ فَيُقَالُ كَمْ قِيمَتُهُ بَعْدَ الْجِنَايَةِ فَإِذَا قِيلَ تِسْعُونَ فَالتَّفَاوُتُ الْعُشْرُ فَيَجِبُ عُشْرُ دِيَةِ النَّفْسِ وَهِيَ عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ إذَا كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حُرًّا ذَكَرًا مُسْلِمًا لِأَنَّ الْجُمْلَةَ مَضْمُونَةٌ بِالدِّيَةِ فَتُضْمَنُ الْأَجْزَاءُ بِجُزْءٍ مِنْهَا كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ عَيْبِ الْمَبِيعِ تَنْبِيهٌ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخَلَّ بِتَرْتِيبِ صُوَرِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ الْأَوَّلِ أَعْنِي إبَانَةَ الْأَطْرَافِ ذَكَرَ الثَّانِيَ أَعْنِي الْمَنَافِعَ ثُمَّ عَادَ إلَى الْأَوَّلِ ثُمَّ ذَكَرَ الثَّالِثَ أَعْنِي الْجِرَاحَةَ ثُمَّ خَتَمَ بِالسِّنِّ الَّذِي هُوَ مِنْ جُمْلَةِ صُوَرِ الْأَوَّلِ وَكَانَ حَقُّ التَّرْتِيبِ الْوَضْعِيِّ ذِكْرَ الْأَوَّلِ عَلَى نَسَقٍ إلَّا أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ سَهْلٌ ثُمَّ إنَّهُ اقْتَصَرَ فِي الْأَوَّلِ عَلَى إيرَادِ إحْدَى عَشْرَةَ صُورَةً وَأَهْمَلَ مِنْ صُوَرِهِ سِتَّةً وَفِي الثَّانِي عَلَى خَمْسَةٍ وَأَهْمَلَ مِنْ صُوَرِهِ تِسْعَةً كَمَا أَوْضَحْته كُلَّهُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ

(وَدِيَةُ الْعَبْدِ) أَيْ وَالْجِنَايَةُ عَلَى نَفْسِ الرَّقِيقِ الْمَعْصُومِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَلَوْ مُدَبَّرًا، أَوْ مُكَاتَبًا، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ (قِيمَتُهُ) بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ سَوَاءٌ أَكَانَتْ الْجِنَايَةُ عَمْدًا أَمْ خَطَأً؟ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمُتْلَفَةِ وَلَوْ عَبَّرَ بِالْقِيمَةِ بَدَلَ الدِّيَةِ لَكَانَ أَوْلَى فَيَقُولُ: وَفِي الْعَبْدِ قِيمَتُهُ لِمَا سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ الدِّيَةِ أَوَّلَ الْفَصْلِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي قِيمَتِهِ التَّغْلِيظُ.
أَمَّا الْمُرْتَدُّ فَلَا ضَمَانَ فِي إتْلَافِهِ قَالَ فِي الْبَيَانِ: وَلَيْسَ لَنَا شَيْءٌ يَصِحُّ بَيْعُهُ وَلَا يَجِبُ فِي إتْلَافِهِ شَيْءٌ سِوَاهُ، وَيَجِبُ فِي إتْلَافِ غَيْرِ نَفْسِ الرَّقِيقِ مِنْ أَطْرَافِهِ وَلِطَائِفِهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ سَلِيمًا، إنْ لَمْ يَتَقَدَّرْ ذَلِكَ الْغَيْرُ مِنْ الْحُرِّ وَلَمْ يَتْبَعْ مُقَدَّرًا وَلَا يَبْلُغُ

[حاشية البجيرمي]

الْجِنَايَةِ الَّتِي لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْجِنَايَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، وَإِعْرَابُ الْمَتْنِ " فِي كُلِّ عُضْوٍ " خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَ " حُكُومَةٌ " مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ فَقَدَّرَ الشَّارِحُ فِعْلًا وَجَعَلَ " حُكُومَةٌ " فَاعِلًا لَهُ فَأَخْرَجَ الْمَتْنَ عَنْ نَوْعِ إعْرَابِهِ وَهُوَ لَيْسَ بِمَعِيبٍ فَلَا اعْتِرَاضَ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْعُضْوِ الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا حَلَمَتَا الْمَرْأَةِ) بِالْأَلِفِ فِي صِحَاحِ النُّسَخِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، قَوْلُهُ: (النَّاتِئُ) أَيْ الْبَارِزُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ اسْتَرْسَلَ) أَيْ اسْتَرْخَى عَلَى صَدْرِهَا بِأَنْ كَانَ قَبْلَ الضَّرْبِ غَيْرَ مُسْتَرْخٍ كَأَنْ كَانَ مِثْلَ الرُّمَّانَةِ.
قَوْلُهُ: (مُجَرَّدُ جَمَالٍ) ، لِأَنَّ الْجَمَالَ فِي غَيْرِ الْمُسْتَرْسِلِ دُونَ الْمُسْتَرْسِلِ وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِيمَا يَسْتَحِبُّونَ مِنْ صِغَرِ الثَّدْيِ وَكِبَرِهِ.
قَوْلُهُ: (جُزْءٌ مِنْ الدِّيَةِ) فَالْوَاجِبُ مِنْ الدِّيَةِ التَّقْوِيمُ بِالنَّقْدِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ عَادَ إلَى الْأَوَّلِ) أَيْ بِقَوْلِهِ: وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ.
قَوْلُهُ: (إحْدَى عَشْرَةَ) وَهِيَ الْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالْأُذُنَانِ وَالْعَيْنَانِ وَالْجُفُونُ وَالْأَنْفُ وَاللِّسَانُ وَالشَّفَتَانِ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَيَانِ وَالْأَسْنَانُ وَأَهْمَلَ مِنْ صُوَرِهِ سِتَّةً، وَهِيَ اللَّحْيَانِ وَالْحَلَمَتَانِ وَالْأَلْيَانِ وَالشُّفْرَانِ وَالْجِلْدُ وَالْأَنَامِلُ وَقَوْلُهُ: عَلَى خَمْسَةٍ وَهِيَ الْكَلَامُ وَالْبَصَرُ وَالسَّمْعُ وَالشَّمُّ وَالْعَقْلُ وَأَهْمَلَ مِنْ صُوَرِهِ تِسْعَةً، وَهِيَ الذَّوْقُ وَالْمَضْغُ وَالْجِمَاعُ وَقُوَّةُ الْإِمْنَاءِ وَقُوَّةُ الْحَبَلِ وَالْإِفْضَاءِ وَالْبَطْشِ وَالْمَشْيِ وَالصَّوْتِ

قَوْلُهُ: (أَيْ وَالْجِنَايَةُ) أَيْ وَوَاجِبُ الْجِنَايَةِ، وَإِطْلَاقُ الدِّيَةِ عَلَى الْقِيمَةِ مَجَازٌ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِي مُقَابَلَةِ النَّفْسِ وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ وَدِيَةُ جِنَايَةِ الْعَبْدِ أَيْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْمُرْتَدُّ) أَيْ الْعَبْدُ الْمُرْتَدُّ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ كَانَ يُبَاعُ.
قَوْلُهُ: (بَيْعُهُ) مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَتْبَعْ مُقَدَّرًا) لَيْسَ

بِالْحُكُومَةِ قِيمَةَ جُمْلَةِ الرَّقِيقِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، أَوْ قِيمَةَ عُضْوِهِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْحُرِّ.
وَإِنْ قُدِّرَتْ فِي الْحُرِّ كَمُوضِحَةٍ وَقَطْعِ عُضْوٍ فَيَجِبُ مِثْلُ نِسْبَتِهِ مِنْ الدِّيَةِ مِنْ قِيمَتِهِ، لِأَنَّا نُشَبِّهُ الْحُرَّ بِالرَّقِيقِ فِي الْحُكُومَةِ، لِيَعْرِفَ قَدْرَ التَّفَاوُتِ لِيَرْجِعَ بِهِ، فَفِي الْمُشَبَّهِ بِهِ أَوْلَى وَلِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْحُرَّ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ بِدَلِيلِ التَّكْلِيفِ فَأَلْحَقْنَاهُ بِهِ فِي التَّقْدِيرِ، فَفِي قَطْعِ يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ وَفِي يَدَيْهِ قِيمَتُهُ، وَفِي أُصْبُعِهِ عُشْرُهَا، وَفِي مُوضِحَتِهِ نِصْفُ عُشْرِهَا وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ وَلَوْ قَطَعَ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَاهُ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يَجِبُ لِلْحُرِّ فِيهِ دِيَتَانِ: وَجَبَ بِقَطْعِهِمَا قِيمَتَانِ كَمَا يَجِبُ فِيهِمَا لِلْحُرِّ دِيَتَانِ وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَجِبُ فِي طَرَفِهِ نِصْفُ مَا فِي طَرَفِ الْحُرِّ وَنِصْفُ مَا فِي الْعَبْدِ فَفِي يَدِهِ رُبُعُ الدِّيَةِ وَرُبُعُ الْقِيمَةِ، وَفِي أُصْبُعِهِ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ وَنِصْفُ عُشْرِ الْقِيمَةِ.
وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ فِيمَا زَادَ مِنْ الْجِرَاحَةِ، أَوْ نَقَصَ.

(وَ) فِي (دِيَةِ الْجَنِينِ الْحُرِّ) الْمُسْلِمِ (غُرَّةُ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ» عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ بِتَرْكِ تَنْوِينِ غُرَّةٍ عَلَى الْإِضَافَةِ الْبَيَانِيَّةِ وَتَنْوِينُهَا عَلَى أَنَّ

[حاشية البجيرمي]

بِقَيْدٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَإِنْ تَبِعَ مُقَدَّرًا كَقَطْعِ كَفٍّ بِلَا أَصَابِعَ وَكَانَ وَاجِبُهُ بِالتَّقْوِيمِ أَكْثَرَ مِنْ مَتْبُوعِهِ، أَوْ مِثْلَهُ لَمْ يَجِبْ كُلُّهُ بَلْ يُوجِبُ الْحَاكِمُ شَيْئًا بِاجْتِهَادِهِ وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ مَرْجُوحَةٌ نَقَلَهَا م ر. عَنْ الْبُلْقِينِيُّ وَرَدَّهَا بِقَوْلِهِ: وَهَذَا غَيْرُ مُتَّجَهٍ؛ إذْ النَّظَرُ فِي الْقِنِّ أَصَالَةٌ إلَى نَقْصِ الْقِيمَةِ، حَتَّى فِي الْمُقَدَّرِ عَلَى قَوْلٍ فَلَمْ يَنْظُرُوا فِي غَيْرِهِ لِتَبَعِيَّتِهِ.
فَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إذَا اتَّبَعَ مُقَدَّرًا يَكُونُ الْوَاجِبُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ سَوَاءً كَانَ زَائِدًا عَلَى وَاجِبِ الْمَتْبُوعِ أَوْ نَاقِصًا عَنْهُ، أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ م ر. اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (بِالْحُكُومَةِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: بِمَا نَقَصَ، لِأَنَّ الْحُكُومَةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْحُرِّ، لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ الدِّيَةِ بِنِسْبَتِهِ إلَخْ وَعَلَى فَرْضِ أَنَّهَا تَكُونُ فِي الرَّقِيقِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتَهُ، لِأَنَّهَا جُزْءٌ مُقَدَّرٌ مِنْ الْقِيمَةِ فَكَيْفَ تَبْلُغُ الْقِيمَةَ ق ل. فَكَانَ الصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ: وَلَا يَبْلُغُ وَاجِبُ غَيْرِ الْمُقَدَّرِ قِيمَتَهُ إلَخْ قَالَ سم: وَالْجَوَابُ أَنَّ غَرَضَهُمْ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ نَقْصُهَا عَنْ أَرْشِ الْمُقَدَّرِ كَمَا فِي حُكُومَةِ الْمُقَدَّرِ فَتَأَمَّلْ.
فَإِنَّهُ دَقِيقٌ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْحُكُومَةِ ذِكْرٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ: تَقَدَّمَتْ ضِمْنًا فِي قَوْلِهِ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ فِيهِ مُسَامَحَةٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ: سُمِّيَ ذَلِكَ حُكُومَةً لِمَجَازِ الْمُشَابَهَةِ أَيْ مُشَابَهَةِ نَقْصِ الْقِيمَةِ لِنَقْصِ الدِّيَةِ.
وَقَوْلُهُ: عَلَى مَا سَبَقَ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ حَتَّى يُحِيلَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: تَوَهَّمَ أَنَّهُ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الْحُرِّ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ ذَكَرَهَا فِي الْمَنْهَجِ فِي الْحُرِّ وَأَحَالَ عَلَيْهَا الرَّقِيقَ وَالشَّارِحُ ذَكَرَهَا فِي الرَّقِيقِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ: وَلَا يَبْلُغُ بِالْحُكُومَةِ قِيمَةَ جُمْلَةِ الرَّقِيقِ مُحَالٌ لَا يُتَصَوَّرُ فَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ، لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ فَهُوَ فَرْضٌ مُحَالٌ، وَقَوْلُهُ: أَوْ قِيمَةُ عُضْوِهِ هَذَا مُمْكِنٌ فَنَفْيُهُ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّهُ طَرِيقَةٌ ضَعِيفَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَبْدِ لِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْجِنَايَةَ فِي الْعَبْدِ إذَا كَانَتْ لَا أَرْشَ لَهَا مُقَدَّرٌ وَكَانَتْ عَلَى عُضْوٍ لَهُ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ يَجِبُ فِيهَا مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ قَدْرَ قِيمَةِ الْعُضْوِ الَّذِي وَقَعَتْ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ بِخِلَافِ نَظِيرِ ذَلِكَ فِي الْحُرِّ فَيُشْتَرَطُ فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنْ لَا تَبْلُغَ دِيَةُ ذَلِكَ الْعُضْوِ فَإِنْ بَلَغَتْهَا نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ قُدِّرَتْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَإِنْ قُدِّرَ أَيْ ذَلِكَ الْغَيْرُ، لِأَنَّهُ مُقَابِلُ قَوْلِهِ: إنْ لَمْ يُقَدَّرْ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّا نُشَبِّهُ إلَخْ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ سَلِيمًا إنْ لَمْ يَتَقَدَّرْ إلَخْ وَقَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ أَشْبَهَ الْحُرَّ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: وَإِنْ قُدِّرَتْ فِي الْحُرِّ إلَخْ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قُطِعَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فَقَوْلُهُ: وَأُنْثَيَاهُ بِالْأَلِفِ صَحِيحٌ عَلَى الْجَادَّةِ فَسَقَطَ الِاعْتِرَاضُ.
، وَإِذَا قُطِعَتْ أَطْرَافُ عَبْدٍ ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ آخَرُ لَزِمَهُ قِيمَةُ الْعَبْدِ ذَاهِبَ الْأَطْرَافِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (فِيمَا زَادَ) أَيْ زَادَ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ قَطْعِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ أَوْ نَقَصَ عَمَّا ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ الْيَدِ وَنَحْوِهَا

قَوْلُهُ: (وَفِي دِيَةِ الْجَنِينِ) لَا يَخْفَى أَنَّ لَفْظَ دِيَةٍ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَرْفُوعٌ مُبْتَدَأٍ، وَفِي إدْخَالِ الْجَارِّ عَلَيْهِ تَغْيِيرُ إعْرَابِهِ الظَّاهِرِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ كَوْنُ الدِّيَةِ ظَرْفًا لِلْغُرَّةِ لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْ النَّفْسِ وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي إطْلَاقِ الدِّيَةِ عَلَى الْغُرَّةِ مُسَامَحَةً.
قَوْلُهُ: (الْمُسْلِمِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ لِمَا يَأْتِي أَنَّ الْجَنِينَ الْكَافِرَ فِيهِ غُرَّةٌ أَيْضًا لَكِنَّهَا كَثُلُثِ غُرَّةِ الْمُسْلِمِ فِي الْكِتَابِيِّ وَثُلُثِ خُمُسِ غُرَّةِ الْمُسْلِمِ فِي الْمَجُوسِيِّ، وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ وَالْحَرْبِيُّ فَمُهْدَرَانِ كَمَا يَأْتِي كُلُّهُ فِي كَلَامِهِ فَالْمُعْتَبَرُ كَوْنُهُ مَعْصُومًا، وَجُمْلَةُ مَا ذَكَرَ مِنْ الشُّرُوطِ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي ثَمَانِيَةٌ وَالتَّعْمِيمَاتُ ثَمَانِيَةٌ مِثْلُهَا، فَلَوْ أَبْقَى الشَّارِحُ كَلَامَ الْمَتْنِ عَلَى ظَاهِرِهِ لَكَانَ أَعَمَّ.
قَوْلُهُ: (عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ) بِخِيرَةِ الْغَارِمِ لَا الْمُسْتَحِقِّ.
وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ امْتِنَاعُ الْخُنْثَى وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُمْ: يُشْتَرَطُ

مَا بَعْدَهَا بَدَلٌ مِنْهَا وَأَصْلُ الْغُرَّةِ الْبَيَاضُ فِي وَجْهِ الْفَرَسِ وَلِهَذَا شَرَطَ عَمْرُو بْنُ الْعَلَاءِ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ أَبْيَضَ وَالْأَمَةُ بَيْضَاءَ وَحَكَاهُ الْفَاكِهَانِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْأَكْثَرُونَ ذَلِكَ وَقَالُوا النَّسَمَةُ مِنْ الرَّقِيقِ غُرَّةٌ لِأَنَّهَا غُرَّةُ مَا يُمْلَكُ أَيْ أَفْضَلُهُ وَغُرَّةُ كُلِّ شَيْءٍ خِيَارُهُ وَإِنَّمَا تَجِبُ الْغُرَّةُ فِي الْجَنِينِ إذَا انْفَصَلَ مَيِّتًا بِجِنَايَةٍ عَلَى أُمِّهِ الْحَيَّةِ مُؤَثِّرَةٍ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَتْ الْجِنَايَةُ بِالْقَوْلِ كَالتَّهْدِيدِ وَالتَّخْوِيفِ الْمُفْضِي إلَى سُقُوطِ الْجَنِينِ أَمْ بِالْفِعْلِ كَأَنْ يَضْرِبَهَا أَوْ يُوجِرَهَا دَوَاءً أَوْ غَيْرَهُ فَتُلْقِيَ جَنِينًا أَمْ بِالتَّرْكِ كَأَنْ يَمْنَعَهَا الطَّعَامَ أَوْ الشَّرَابَ حَتَّى تُلْقِيَ الْجَنِينَ وَكَانَتْ الْأَجِنَّةُ تَسْقُطُ بِذَلِكَ وَلَوْ دَعَتْهَا ضَرُورَةٌ إلَى شُرْبِ دَوَاءٍ فَيَنْبَغِي كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِيّ أَنَّهَا لَا تَضْمَنُ بِسَبَبِهِ وَلَيْسَ مِنْ الضَّرُورَةِ الصَّوْمُ وَلَوْ فِي رَمَضَانَ إذَا خَشِيَتْ مِنْهُ الْإِجْهَاضَ فَإِذَا فَعَلَتْهُ وَأَجْهَضَتْ ضَمِنَتْهُ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَا تَرِثُ مِنْهُ لِأَنَّهَا قَاتِلَةٌ وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْجَنِينُ ذَكَرًا أَمْ غَيْرَهُ لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ لِأَنَّ دِيَتَهُمَا لَوْ اخْتَلَفَتْ لَكَثُرَ الِاخْتِلَافُ فِي كَوْنِهِ ذَكَرًا أَوْ غَيْرَهُ

[حاشية البجيرمي]

كَوْنُهُ سَالِمًا مِنْ عَيْبِ الْمَبِيعِ، وَالْخُنُوثَةُ عَيْبٌ م ر. قَوْلُهُ: (بِتَرْكِ تَنْوِينِ إلَخْ) هَذَا لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا لَوْ ذَكَرَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ فِيهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: كَلَامُ الشَّارِحِ بِالنَّظَرِ لِلْمَتْنِ ق ل. قَوْلُهُ: (وَحَكَاهُ الْفَاكِهَانِيُّ) أَيْ الْمَالِكِيُّ.
قَوْلُهُ: (النَّسَمَةُ) أَيْ الذَّاتُ بَيْضَاءَ، أَوْ سَوْدَاءَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا غُرَّةٌ) لِأَنَّهَا مِنْ بَنِي آدَمَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] . قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا تَجِبُ الْغُرَّةُ) إشَارَةٌ إلَى شُرُوطِ وُجُوبِهَا.
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ ثَمَانِيَةٌ فَذَكَرَ هُنَا أَرْبَعَةً وَسَيَأْتِي بِذِكْرِ اثْنَيْنِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا مَضْمُونًا وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ اثْنَيْنِ عِنْدَ قَوْلِهِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ.
وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى عَدَمَ التَّقْيِيدِ بِالْمُسْلِمِ، لِأَنَّ الْكَافِرَ كَذَلِكَ مَضْمُونٌ بِالْغُرَّةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: قَيَّدَ بِذَلِكَ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُسْلِمِ أَمَّا الْكَافِرُ فَفِيهِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي، أَوْ يُقَالُ: الْمَفْهُومُ فِيهِ تَفْصِيلٌ فَإِنْ كَانَ مَعْصُومًا فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَكَانَتْ الْجِنَايَةُ) إشَارَةٌ إلَى تَعْمِيمَاتٍ سَبْعَةٍ: بَعْضُهَا فِي نَفْسِ الْجِنَايَةِ وَهُوَ مَا هُنَا وَهُوَ ثَلَاثَةٌ، وَبَعْضُهَا فِي الْجَنِينِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ أَيْضًا ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، وَبَعْضُهَا وَهُوَ وَاحِدٌ فِي أُمِّهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: سَوَاءٌ انْفَصَلَ فِي حَيَاتِهَا، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ يُوجِرَهَا) هُوَ إدْخَالُ شَيْءٍ فِي الْفَمِ قَهْرًا.
قَوْلُهُ: (الْإِجْهَاضُ) أَيْ الرَّمْيُ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ أَجْهَضَتْ النَّاقَةُ وَلَدَهَا إجْهَاضًا أَلْقَتْهُ قَبْلَ أَنْ يَبِينَ خَلْقُهُ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ لَا يُقَالُ أَجْهَضَتْ إلَّا النَّاقَةُ خَاصَّةً فَهِيَ مُجْهِضَةٌ وَيُقَالُ فِي الْمَرْأَةِ أَسْقَطَتْ وَالْجِهَاضُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ مِنْهُ اهـ فَإِطْلَاقُ الْإِجْهَاضِ عَلَى إسْقَاطِ الْمَرْأَةِ مَجَازٌ قَوْلُهُ فَإِذَا فَعَلَتْهُ أَيْ صَامَتْ فَأَجْهَضَتْ أَيْ وَضَعَتْ ضَمِنَتْهُ بِخِلَافِ الْمُرْضِعِ إذَا صَامَتْ فَقَلَّ اللَّبَنُ أَوْ انْقَطَعَ وَمَاتَ الرَّضِيعُ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا لَمْ تُحْدِثْ فِيهِ صُنْعًا كَمَا لَوْ أَخَذَ طَعَامَ شَخْصٍ وَشَرَابَهُ فَمَاتَ ذَلِكَ الشَّخْصُ فَلَا ضَمَانَ وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ فَرْعٌ مَنْ حَبَسَ آدَمِيًّا وَمَنَعَهُ الزَّادَ وَالْمَاءَ أَوْ عَرَّاهُ فَمَاتَ فَإِنْ كَانَ زَمَنًا يَمُوتُ فِيهِ غَالِبًا جُوعًا أَوْ عَطَشًا أَوْ بَرْدًا فَعَمْدٌ أَوْ لَا يَمُوتُ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ جُوعٌ وَعَطَشٌ سَابِقٌ فَشِبْهُ عَمْدٍ وَإِلَّا فَإِنْ حَبَسَهُ زَمَنًا إذَا ضُمَّ إلَى الْأَوَّلِ وَمَاتَ وَعَلِمَ سَابِقَ جُوعِهِ وَعَطَشِهِ فَعَمْدٌ مَحْضٌ وَإِنْ جَهِلَ وَجَبَ نِصْفُ دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ وَفِي الرَّحْمَانِيِّ مَا نَصُّهُ تَنْبِيهٌ تُجْبَرُ الْأُمُّ عَلَى إرْضَاعِ اللِّبَأِ وَلَهَا الْأُجْرَةُ فَإِنْ امْتَنَعَتْ وَمَاتَ لَمْ تَضْمَنْ وَإِنْ تَعَيَّنَتْ وَيَأْتِي أَنَّهَا تَضْمَنُ بِتَرْكِ مَا يَدْفَعُ الْإِجْهَاضَ بِالْغُرَّةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا وَفِي الْفَرْقِ عُسْرٌ وَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ إنْ حَضَرَ وَإِلَّا فَمَنْ عَلِمَ عَيْنًا إنْ انْفَرَدَ وَإِلَّا فَكِفَايَةٌ كَقَطْعِ سُرَّةِ الْمَوْلُودِ عَقِبَ وِلَادَتِهِ لِتَوَقُّفِ إمْسَاكِ الطَّعَامِ عَلَيْهِ كَإِرْضَاعِهِ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ فَوْرِيٌّ لَا يَقْبَلُ التَّأْخِيرَ فَإِنْ فَرَّطَ ضَمِنَ وَيَجِبُ خِتَانُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لَا الْخُنْثَى بَلْ لَا يَجُوزُ.
اهـ. حَجّ وَفِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ سُئِلَ فِي امْرَأَةٍ سَافَرَ عَنْهَا زَوْجُهَا فِرَارًا مِنْ نَفَقَتِهَا فَخَافَتْ الْهَلَاكَ فَانْتَقَلَتْ عِنْدَ أَهْلِهَا وَتَرَكَتْ بِنْتًا صَغِيرَةً فَطِيمَةً لَهَا مِنْهُ عِنْدَ أَهْلِهِ وَمَاتَتْ فَادَّعَى عَلَى أَنَّكُمْ فَرَّقْتُمْ بَيْنَ زَوْجَتِي وَبِنْتِهَا وَمَاتَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَعَلَيْكُمْ دِيَتُهَا هَلْ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بِذَلِكَ أَمْ لَا أَجَابَ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَالْحَالُ هَذِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْلُهُ وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْجَنِينُ تَعْمِيمٌ فِي قَوْلِهِ وَدِيَةُ الْجَنِينِ الْحُرِّ غُرَّةٌ يَعْنِي أَنَّ فِي الْجَنِينِ غُرَّةً

فَسَوَّى الشَّارِعُ بَيْنَهُمَا وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْجَنِينُ تَامَّ الْأَعْضَاءِ أَمْ نَاقِصَهَا ثَابِتَ النَّسَبِ أَمْ لَا لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا مَضْمُونًا عَلَى الْجَانِي عِنْدَ الْجِنَايَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُمُّهُ مَعْصُومَةً أَوْ مَضْمُونَةً عِنْدَهَا وَلَا أَثَرَ لِنَحْوِ لَطْمَةٍ خَفِيفَةٍ كَمَا لَا تُؤَثِّرُ فِي الدِّيَةِ وَلَا لِضَرْبَةٍ قَوِيَّةٍ أَقَامَتْ بَعْدَهَا بِلَا أَلَمٍ ثُمَّ أَلْقَتْ جَنِينًا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ النَّصِّ وَسَوَاءٌ انْفَصَلَ فِي حَيَاتِهَا بِجِنَايَةٍ أَوْ انْفَصَلَ بَعْدَ مَوْتِهَا بِجِنَايَةٍ فِي حَيَاتِهَا وَلَوْ ظَهَرَ بَعْضُ الْجَنِينِ بِلَا انْفِصَالٍ مِنْ أُمِّهِ كَخُرُوجِ رَأْسِهِ مَيِّتًا وَجَبَتْ فِيهِ الْغُرَّةُ لِتَحَقُّقِ وُجُودِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْصُومًا عِنْدَ الْجِنَايَةِ كَجَنِينِ حَرْبِيَّةٍ مِنْ حَرْبِيٍّ وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ مَضْمُومًا كَأَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلْجَنِينِ وَلِأُمِّهِ بِأَنْ جَنَى السَّيِّدُ عَلَى أَمَتِهِ الْحَامِلِ وَجَنِينُهَا مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ مِلْكٌ لَهُ فَعَتَقَتْ ثُمَّ أَلْقَتْ الْجَنِينَ أَوْ كَانَتْ أُمُّهُ مَيِّتَةً أَوْ لَمْ يَنْفَصِلْ وَلَا ظَهَرَ عَلَى أُمِّهِ شَيْنٌ بِالْجِنَايَةِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ لِعَدَمِ احْتِرَامِهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَعَدَمِ ضَمَانِ الْجَانِي فِي الثَّانِيَةِ وَظُهُورِ مَوْتِهِ بِمَوْتِهَا فِي الثَّالِثَةِ وَلِعَدَمِ تَحَقُّقِ وُجُودِهِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ وَلَوْ انْفَصَلَ

[حاشية البجيرمي]

سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى قَوْلُهُ لِأَنَّ دِيَتَهُمَا الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَلِأَنَّ دِيَتَهُمَا لِأَنَّهُ عِلَّةٌ ثَانِيَةٌ قَوْلُهُ لَكَثُرَ الِاخْتِلَافُ أَيْ بَيْنَ الْوَارِثِ وَالْجَانِي فَيَدَّعِي وَارِثُهُ أَنَّهُ ذَكَرٌ لِيَأْخُذَ الْأَكْثَرَ وَالْجَانِي أَنَّهُ أُنْثَى لِيَدْفَعَ الْأَقَلَّ قَوْلُهُ أَمْ لَا كَابْنِ الزِّنَا قَوْلُهُ مَضْمُونًا عَلَى الْجَانِي لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّ كَلَامَنَا فِي الْجَنِينِ الْحُرِّ قَوْلُهُ عِنْدَهَا أَيْ الْجِنَايَةِ وَهُوَ قَيْدٌ فِي الْعِصْمَةِ وَالضَّمَانِ قَوْلُهُ وَلَا أَثَرَ لِنَحْوِ لَطْمَةٍ مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مُؤَثِّرَةً وَقَوْلُهُ وَلَا لِضَرْبَةٍ قَوِيَّةٍ مَفْهُومُ قَوْلِهِ بِجِنَايَةٍ عَلَى أُمِّهِ قَوْلُهُ بِجِنَايَةٍ لَا حَاجَةَ لَهُ لِأَنَّهُ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُ بَعْدَ مَوْتِهَا بِجِنَايَةٍ فِي حَيَاتِهَا أَيْ فَإِنَّهُ تَجِبُ فِيهِ الْغُرَّةُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمِنْهَاجِ وَأَقَرَّهُ م ر وَكَذَا عَكْسُهُ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهَا وَهِيَ مَيِّتَةٌ فَأَحْيَاهَا اللَّهُ وَأَلْقَتْهُ فِي حَيَاتِهَا فَإِنَّهُ تَجِبُ فِيهِ الْغُرَّةُ أَيْضًا مَيْدَانِيٌّ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ وَغَيْرِهِ خِلَافُهُ أَيْ لَا تَجِبُ فِيهِ الْغُرَّةُ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا قَالَهُ ب ش اهـ م د قَوْلُهُ وَلَوْ ظَهَرَ بَعْضُ الْجَنِينِ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ إنَّمَا تَجِبُ إذَا انْفَصَلَ أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا كَمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ شَيْخُنَا وَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ فِيمَا سَبَقَ وَإِنَّمَا تَجِبُ الْغُرَّةُ فِي الْجَنِينِ إذَا انْفَصَلَ أَوْ ظَهَرَ إلَخْ كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُ وَلَعَلَّهُ أَفْرَدَ مَسْأَلَةَ الظُّهُورِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ قَوْلُهُ أَوْ يَكُنْ مَضْمُونًا ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ دَاخِلٍ فِي عَدَمِ الْعِصْمَةِ وَاَلَّذِي فِي شَرْحِ م ر وَحَجّ دُخُولُ ذَلِكَ فِي عَدَمِ الْعِصْمَةِ وَعِبَارَتُهُمَا وَخَرَجَ بِتَقْيِيدِ الْجَنِينِ بِالْعِصْمَةِ مَا لَوْ جَنَى عَلَى حَرْبِيَّةٍ حَامِلٍ مِنْ حَرْبِيٍّ أَوْ مُرْتَدَّةٍ حَامِلٍ بِوَلَدٍ فِي حَالِ رِدَّتِهَا فَأَسْلَمَتْ ثُمَّ أَجْهَضَتْ أَوْ عَلَى أَمَتِهِ الْحَامِلِ مِنْ غَيْرِهِ فَعَتَقَتْ ثُمَّ أَجْهَضَتْ وَالْحَمْلُ مِلْكُهُ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ فِيهِ لِإِهْدَارِهِ قَوْلُهُ وَلِأُمِّهِ لَيْسَ قَيْدًا بَلْ الْمَدَارُ عَلَى مِلْكِ الْجَنِينِ فَقَطْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّمَا زَادَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْجَنِينِ الْحُرِّ وَلَوْ بِالسِّرَايَةِ بَعْدَ الْجِنَايَةِ فَقَوْلُهُ بَعْدُ وَعَتَقَتْ أَيْ وَسَرَى الْعِتْقُ لِلْجَنِينِ فَصَحَّ التَّمْثِيلُ وَإِنْ كَانَ حَالَ الْجِنَايَةِ رَقِيقًا وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ وَلِأُمِّهِ قَيْدًا خِلَافًا لِمَا فِي الْحَاشِيَةِ قَوْلُهُ الْحَامِلِ أَيْ مِنْ زَوْجٍ بِأَنْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً فَحَمَلَتْ مِنْ زَوْجِهَا ثُمَّ جَنَى السَّيِّدُ عَلَيْهَا ثُمَّ عَتَقَتْ وَأَجْهَضَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَى السَّيِّدِ الْجَانِي وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْآنَ فِي الْجَنِينِ الْحُرِّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ فَعَتَقَتْ فَتَأَمَّلْ وَحَرِّرْ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ إنَّمَا قَالَ فَعَتَقَتْ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ عِتْقِهَا قَبْلَ الْحَمْلِ فَإِنَّ وَلَدَهَا يَكُونُ حُرًّا تَبَعًا لَهَا فَيَضْمَنُهُ الْجَانِي وَيَتْبَعُهَا الْحَمْلُ فِي الْعِتْقِ وَلَكِنْ لَا يَضْمَنُهُ السَّيِّدُ لِأَنَّهُ حَالَةَ الْجِنَايَةِ رَقِيقٌ مِلْكُهُ لَهُ لَكِنَّ الْكَلَامَ الْآنَ فِي الْجَنِينِ الْحُرِّ حَالَ الْجِنَايَةِ فَتَأَمَّلْ.
اهـ. م د قَوْلُهُ فَعَتَقَتْ أَيْ وَيَتْبَعُهَا الْحَمْلُ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ إنَّ الْكَلَامَ فِي الْجَنِينِ الْحُرِّ وَهَذَا رَقِيقٌ قَوْلُهُ أَوْ لَمْ يَنْفَصِلْ أَيْ لَا كُلًّا وَلَا بَعْضًا وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ فَإِنْ لَمْ يَنْفَصِلْ وَلَمْ يَظْهَرْ أَوْ انْفَصَلَ أَوْ ظَهَرَ لَحْمٌ لَا صُورَةَ فِيهِ أَوْ كَانَتْ أُمُّهُ مَيِّتَةً أَوْ كَانَ هُوَ غَيْرَ مَعْصُومٍ عِنْدَ الْجِنَايَةِ كَجَنِينِ حَرْبِيَّةٍ مِنْ حَرْبِيٍّ وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْجِنَايَةِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ وُجُودِهِ فِي الْأُولَيَيْنِ وَظُهُورِ مَوْتِهِ فِي الثَّالِثَةِ وَعَدَمِ الِاحْتِرَامِ فِي الرَّابِعَةِ.
اهـ. قَوْلُهُ وَلَا ظَهَرَ عَلَى أُمِّهِ شَيْنٌ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ شَرْطٌ فِيمَا قَبْلَهُ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا ظَهَرَ عَلَى أُمِّهِ شَيْنٌ تَجِبُ الْغُرَّةُ مَعَ أَنَّ الْمَوْضُوعَ أَنَّهُ لَمْ يَنْفَصِلْ فَلَا غُرَّةَ حِينَئِذٍ فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ قَوْلِهِ وَلَا ظَهَرَ وَيَقُولُ فِي الْأَخِيرَةِ بَدَلَ الْأَخِيرَتَيْنِ أَوْ أَنْ يَقُولَ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ إلَخْ وَالْمَعْنَى أَوْ انْفَصَلَ لَكِنْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَى أُمِّهِ شَيْنٌ بِالْجِنَايَةِ فَلَا تَجِبُ الْغُرَّةُ وَهَذَا صَحِيحٌ وَيَظْهَرُ

حَيًّا وَبَقِيَ بَعْدَ انْفِصَالِهِ زَمَنًا بِلَا أَلَمٍ فِيهِ ثُمَّ مَاتَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْجَانِي وَإِنْ مَاتَ حِينَ خَرَجَ بَعْدَ انْفِصَالِهِ أَوْ دَامَ أَلَمُهُ وَمَاتَ مِنْهُ فَدِيَةُ نَفْسٍ كَامِلَةٌ عَلَى الْجَانِي تَنْبِيهٌ لَوْ أَلْقَتْ امْرَأَةٌ بِجِنَايَةٍ عَلَيْهَا جَنِينَيْنِ مَيِّتَيْنِ وَجَبَتْ غُرَّتَانِ أَوْ ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ وَهَكَذَا وَلَوْ أَلْقَتْ يَدًا أَوْ رِجْلًا وَمَاتَتْ وَجَبَتْ غُرَّةٌ لِأَنَّ الْعِلْمَ قَدْ حَصَلَ بِوُجُودِ الْجَنِينِ أَمَّا لَوْ عَاشَتْ الْأُمُّ وَلَمْ تُلْقِ جَنِينًا فَلَا يَجِبُ إلَّا نِصْفُ غُرَّةٍ كَمَا أَنَّ يَدَ الْحَيِّ لَا يَجِبُ فِيهَا إلَّا نِصْفُ دِيَةٍ وَلَا يَضْمَنُ بَاقِيَهُ لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ تَلَفَهُ وَلَوْ أَلْقَتْ لَحْمًا قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ فِيهِ صُورَةُ آدَمِيٍّ خَفِيَّةٌ وَجَبَتْ الْغُرَّةُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالُوا لَوْ بَقِيَ لِتَصَوُّرِ أَيِّ تَخَلُّقٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ وَإِنْ انْقَضَتْ بِهِ الْعِدَّةُ كَمَا مَرَّ فِي الْعَدَدِ وَالْخِيرَةُ فِي الْغُرَّةِ إلَى الْغَارِمِ وَيُجْبَرُ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى قَبُولِهَا مِنْ أَيِّ نَوْعٍ كَانَتْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ مُمَيِّزًا فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ غَيْرِهِ سَلِيمًا مِنْ عَيْبِ مَبِيعٍ لِأَنَّ الْمَعِيبَ لَيْسَ مِنْ الْخِيَارِ وَالْأَصَحُّ قَبُولُ رَقِيقٍ كَبِيرٍ لَمْ يَعْجِزْ بِهَرَمٍ لِأَنَّهُ مِنْ الْخِيَارِ مَا لَمْ تَنْقُصْ مَنَافِعُهُ وَيُشْتَرَطُ بُلُوغُهَا فِي الْقِيمَةِ نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ مِنْ الْأَبِ الْمُسْلِمِ وَهُوَ عُشْرُ دِيَةِ الْأُمِّ الْمُسْلِمَةِ فَفِي الْحُرِّ الْمُسْلِمِ رَقِيقٌ قِيمَتُهُ خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فَإِنْ فُقِدَتْ الْغُرَّةُ حِسًّا بِأَنْ لَمْ تُوجَدْ أَوْ شَرْعًا بِأَنْ وُجِدَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهَا فَخَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ بَدَلَهَا لِأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِهَا وَهِيَ لِوَرَثَةِ الْجَنِينِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي وَالْجَنِينُ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ بِالتَّبَعِ لِأَبَوَيْهِ تَجِبُ فِيهِ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا حِينَئِذٍ مَسْأَلَتَانِ وَلَكِنْ تَكُونُ الثَّانِيَةُ مُكَرَّرَةً مَعَ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَلَا أَثَرَ لِضَرْبَةِ خَفِيفَةً فَرَجَعْنَا إلَى أَنَّ الْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ وَلَا ظَهَرَ وَكَذَا قَوْلُهُ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ لَوْ أَتَى بِهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ شَيْنٌ صَوَابُهُ شَيْءٌ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَيْ وَلَا ظَهَرَ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَى أُمِّهِ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ قَوْلُهُ الْأُولَى هِيَ جَنِينُ حَرْبِيَّةٍ مِنْ حَرْبِيٍّ وَالْمُرَادُ بِالثَّانِيَةِ كَوْنُ الْجَنِينِ وَأُمِّهِ مِلْكًا لِلْجَانِي وَالثَّالِثَةِ كَوْنُ أُمِّ الْجَنِينِ مَيِّتَةً وَالْمُرَادُ بِالْأَخِيرَتَيْنِ هُمَا عَدَمُ الِانْفِصَالِ وَعَدَمُ ظُهُورِ الشَّيْنِ بِالْجِنَايَةِ عَلَى أُمِّهِ وَالْعِلَّةُ ظَاهِرَةٌ فِي أُولَى الْأَخِيرَتَيْنِ دُونَ الثَّانِيَةِ.
اهـ. قَوْلُهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْجَانِي لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ مَوْتَهُ بِالْجِنَايَةِ شَرْحَ الْمَنْهَجِ قَوْلُهُ عَلَى الْجَانِي أَيْ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ بَعْدُ لِأَنَّ الْجَنِينَ لَا يُقْصَدُ بِالْجِنَايَةِ قَوْلُهُ حِينَ خَرَجَ أَيْ تَمَّ خُرُوجُهُ.
اهـ. م ر وَحَجّ وَخَرَجَ بِهِ مَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ تَمَامِ خُرُوجِهِ وَفِي الْعُبَابِ وَلَوْ ضَرَبَهَا فَخَرَجَ رَأْسُهُ وَصَاحَ فَحَزَّهُ شَخْصٌ لَزِمَهُ الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ أَوْ فَصَاحَ وَمَاتَ قَبْلَ انْفِصَالِهِ فَعَلَى الضَّارِبِ الْغُرَّةُ أَوْ بَعْدَهُ فَالدِّيَةُ.
اهـ. سم قَوْلُهُ فَدِيَةُ نَفْسٍ كَامِلَةٌ أَيْ وَلَوْ انْفَصَلَ الْجَنِينُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.
اهـ. مَتْنَ الرَّوْضِ قَوْلُهُ لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ تَلَفَهُ أَيْ كَيَدَيْنِ أَلْقَتْهُمَا وَمَاتَتْ أَوْ عَاشَتْ فَيَجِبُ فِيهِمَا غُرَّةٌ وَكَذَا لَوْ أَلْقَتْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا مِنْ الْأَيْدِي أَوْ الْأَرْجُلِ وَرَأْسَيْنِ لِإِمْكَانِ كَوْنِهِمَا لِجَنِينٍ وَاحِدٍ بَعْضُهَا أَصْلِيٌّ وَبَعْضُهَا زَائِدٌ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ أُخْبِرَ بِامْرَأَةٍ لَهَا رَأْسَانِ فَنَكَحَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَنَظَرَ إلَيْهَا وَطَلَّقَهَا وَظَاهِرٌ أَنَّهُ يَجِبُ لِلْعُضْوِ الثَّالِثِ فَأَكْثَرَ حُكُومَةٌ شَرْحَ الرَّوْضِ قَوْلُهُ وَالْخِيرَةُ فِي الْغُرَّةِ مِنْ كَوْنِهَا عَبْدًا أَوْ أَمَةً أَوْ بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ قَوْلُهُ مُمَيِّزًا أَيْ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ سَبْعَ سِنِينَ كَمَا قَالَهُ م ر قَوْلُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ غَيْرِهِ أَيْ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَبُولُهُ وَيُجْزِئُ وَمِثْلُهُ غَيْرُ السَّلِيمِ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ فَرَاجِعْهُ ق ل قَوْلُهُ وَيُشْتَرَطُ بُلُوغُهَا هَلْ هَذَا الشَّرْطُ لِعَدَمِ لُزُومِ الْقَبُولِ أَوْ لِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ رَاجِعْهُ ق ل قَوْلُهُ فَإِنْ فُقِدَتْ الْغُرَّةُ إلَخْ فَإِنْ فُقِدَتْ الْإِبِلُ أَيْضًا وَجَبَ قِيمَتُهَا كَمَا فِي الدِّيَةِ.
اهـ. مَرْحُومِي وَلَمْ يُبَيِّنْ الشَّارِحُ الْمَحَلَّ الَّذِي فُقِدَتْ مِنْهُ هَلْ هُوَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ أَوْ غَيْرُهَا وَقِيَاسُ مَا مَرَّ فِي فَقْدِ الدِّيَةِ أَنَّهُ هُنَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ كَمَا قَالَهُ ع ش م ر قَوْلُهُ وَهِيَ أَيْ الْغُرَّةُ أَيْ إنْ وُجِدَتْ وَكَذَا بَدَلُهَا مِنْ الْإِبِلِ عِنْدَ عَدَمِهَا وَكَذَا قِيمَةُ الْإِبِلِ فَالْمَرَاتِبُ ثَلَاثَةٌ قَوْلُهُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ أَيْ عَلَى قَاعِدَةِ قِسْمَةِ فَرَائِضِ اللَّهِ قَوْلُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي أَيْ مُؤَجَّلَةً لِأَنَّ كُلَّ مَا وَجَبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ يَكُونُ مُؤَجَّلًا وَإِنَّمَا كَانَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّ الْجَنِينَ لَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُهُ حَتَّى يُقْصَدَ بِالْجِنَايَةِ فَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ مِنْ قَبِيلِ الْخَطَأِ أَوْ شِبْهِ الْعَمْدِ وَلِهَذَا لَا يَدْخُلُ الْغُرَّةَ تَغْلِيظٌ وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ أَوْ كَانَ الْجَنِينُ

غُرَّةٌ كَثُلُثِ غُرَّةِ مُسْلِمٍ كَمَا فِي دِيَتِهِ وَهُوَ بَعِيرٌ وَثُلُثَا بَعِيرٍ وَفِي الْجَنِينِ الْمَجُوسِيِّ ثُلُثُ خُمُسِ غُرَّةِ مُسْلِمٍ كَمَا فِي دِيَتِهِ وَهُوَ ثُلُثُ بَعِيرٍ وَأَمَّا الْجَنِينُ الْحَرْبِيُّ وَالْجَنِينُ الْمُرْتَدُّ بِالتَّبَعِ لِأَبَوَيْهِمَا فَمُهْدَرَانِ

، ثُمَّ شَرَعَ فِي حُكْمِ الْجَنِينِ الرَّقِيقِ فَقَالَ (وَدِيَةُ الْجَنِينِ الْمَمْلُوكِ) ذَكَرًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ فِيهِ (عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ) قِنَّةً كَانَتْ أَوْ مُدَبَّرَةً، أَوْ مُكَاتَبَةً، أَوْ مُسْتَوْلَدَةً قِيَاسًا عَلَى الْجَنِينِ الْحُرِّ، فَإِنَّ الْغُرَّةَ فِي الْجَنِينِ مُعْتَبَرَةٌ بِعُشْرِ مَا تُضْمَنُ بِهِ الْأُمُّ وَإِنَّمَا لَمْ يَعْتَبِرُوا قِيمَتَهُ فِي نَفْسِهِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ اسْتِقْلَالِهِ بِانْفِصَالِهِ مَيِّتًا.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَتْ الْأُمُّ هِيَ الْجَانِيَةَ عَلَى نَفْسِهَا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ فِي جَنِينِهَا الْمَمْلُوكِ لِلسَّيِّدِ شَيْءٌ، إذْ لَا يَجِبُ لِلسَّيِّدِ عَلَى رَقِيقِهِ شَيْءٌ، وَخَرَجَ بِالرَّقِيقِ الْمُبَعَّضُ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ تُوَزَّعَ الْغُرَّةُ فِيهِ عَلَى الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ خِلَافًا لِلْمَحَامِلِيِّ فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ كَالْحُرِّ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْأُمِّ كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ، بِأَكْثَرِ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ الْجِنَايَةِ إلَى حِينِ الْإِجْهَاضِ خِلَافًا لِمَا جَرَى عَلَيْهِ فِي الْمِنْهَاجِ؛ مِنْ أَنَّهَا يَوْمَ الْجِنَايَةِ هَذَا إذَا انْفَصَلَ مَيِّتًا كَمَا عُلِمَ مِنْ التَّعْلِيلِ السَّابِقِ فَإِنْ انْفَصَلَ حَيًّا وَمَاتَ مِنْ أَثَرِ الْجِنَايَةِ فَإِنَّ فِيهِ قِيمَتَهُ يَوْمَ الِانْفِصَالِ.
وَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ النَّصِّ وَسَكَتَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْمُسْتَحِقِّ لِذَلِكَ.
وَاَلَّذِي فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ بَدَلَ الْجَنِينِ الْمَمْلُوكِ لِسَيِّدِهِ وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ: لِسَيِّدِهَا أَيْ أُمِّ الْجَنِينِ، لِأَنَّ الْجَنِينَ قَدْ يَكُونُ لِشَخْصٍ وَصَّى لَهُ بِهِ، وَتَكُونُ الْأُمُّ لِآخَرَ فَالْبَدَلُ لِسَيِّدِهِ لَا لِسَيِّدِهَا وَقَدْ يُرَدُّ عَنْ الْمِنْهَاجِ بِأَنَّهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ، مِنْ أَنَّ الْحَمْلَ الْمَمْلُوكَ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ كَانَتْ الْأُمُّ مَقْطُوعَةَ الْأَطْرَافِ وَالْجَنِينُ سَلِيمَهَا قُوِّمَتْ بِتَقْدِيرِهَا سَلِيمَةً فِي الْأَصَحِّ لِسَلَامَتِهِ كَمَا لَوْ

[حاشية البجيرمي]

مَحْرَمَ رَحِمٍ وَآلَ الْأَمْرُ إلَى الْإِبِلِ دَخَلَ التَّغْلِيظُ فَلَوْ غُلِّظَتْ كَانَ الْوَاجِبُ حِقَّةً وَنِصْفًا وَجَذَعَةً وَنِصْفًا وَخَلِفَتَيْنِ كَمَا قَالَهُ ح ل م ر قَوْلُهُ وَالْجَنِينُ الْيَهُودِيُّ هَذَا يَشْمَلُهُ كَلَامُ الْمَتْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ بِالْمُسْلِمِ وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ الشَّارِحُ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّ الْغُرَّةَ فِي الْمُسْلِمِ أَكْثَرُ قِيمَةً مِنْ غَيْرِهِ فَلَوْ أَسْقَطَ الشَّارِحُ الْمُسْلِمَ فِيمَا سَبَقَ لَاسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ نَعَمْ قَوْلُهُ كَثُلُثِ إلَخْ لَمْ يُعْلَمْ مِمَّا سَبَقَ

قَوْلُهُ: (وَدِيَةُ الْجَنِينِ) هِيَ قِيمَةٌ لَا دِيَةٌ فَالْأَوْلَى " وَقِيمَةُ " وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَفِي جَنِينٍ رَقِيقٍ عُشْرُ أَقْصَى قِيَمِ أُمِّهِ مِنْ جِنَايَةٍ إلَى إلْقَاءٍ لِسَيِّدِهِ وَتُقَوَّمُ الْأُمُّ سَلِيمَةً اهـ. وَقَوْلُهُ: عُشْرُ أَقْصَى قِيَمِ أُمِّهِ مَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَنْفَصِلْ حَيًّا وَيَمُوتُ أَمَّا إذَا انْفَصَلَ حَيًّا وَمَاتَ مِنْ أَثَرِ الْجِنَايَةِ فَإِنَّ فِيهِ تَمَامَ قِيمَتِهِ يَوْمَ الِانْفِصَالِ قَطْعًا كَمَا فِي شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (فِيهِ) الظَّاهِرُ إسْقَاطُهُ وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٍ لِدِيَةٍ أَيْ الْوَاجِبَةِ فِيهِ وَعِبَارَةُ ق ل: قَوْلُهُ: فِيهِ لَوْ أَسْقَطَهُ لَكَانَ أَوْلَى، لِأَنَّ فِيهِ إبْدَالَ الْخَبَرِ الْمُفْرَدِ بِالْخَبَرِ الْجُمْلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِالرَّقِيقِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: بِالْمَمْلُوكِ لِأَنَّهُ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ وَقَوْلُهُ " الْمُبَعَّضُ " بِأَنْ كَانَتْ أُمُّهُ مُبَعَّضَةً فَإِنَّ سَيِّدَهَا مُبَعَّضٌ عَلَى الرَّاجِحِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ تُوَزَّعَ الْغُرَّةُ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَنْ يُوَزَّعَ الْوَاجِبُ فَإِذَا كَانَ نِصْفُهُ حُرًّا وَنِصْفُهُ رَقِيقًا فَالْوَاجِبُ نِصْفُ غُرَّةٍ وَنِصْفُ عُشْرِ قِيمَةِ أُمِّهِ وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ وَلَوْ كَانَتْ الْأُمُّ مُبَعَّضَةً فَهَلْ الْمُعْتَبَرُ عُشْرُ قِيمَتِهَا، أَوْ عُشْرُ دِيَتِهَا، أَوْ عُشْرُهُمَا مَعًا.
نَعَمْ إنْ انْفَصَلَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَتْ بِالْجِنَايَةِ اُعْتُبِرَ يَوْمَ انْفِصَالِهِ قَطْعًا، وَلَوْ كَانَتْ كَافِرَةً وَالْجَنِينُ مُسْلِمٌ اُعْتُبِرَتْ مُسْلِمَةً أَوْ كَانَتْ حُرَّةً وَالْجَنِينُ رَقِيقٌ قُدِّرَتْ رَقِيقَةً وَلَوْ أَنْكَرَ الْجَانِي أَصْلَ الْجِنَايَةِ، أَوْ أَقَرَّ بِهَا وَأَنْكَرَ الْإِجْهَاضَ، أَوْ أَقَرَّ بِهَا وَادَّعَى نُزُولَهُ حَيًّا، أَوْ ادَّعَى مَوْتَهُ بِسَبَبٍ آخَرَ وَأَمْكَنَ لِطُولِ زَمَنٍ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَتُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْوَارِثِ وَلَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ مُطْلَقًا.
وَكَذَا مَحْضُ النِّسَاءِ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْوِلَادَةِ وَتَشْهَدُ فِي الْأَخِيرَةِ بِدَوَامِ الْأَلَمِ إلَى الْمَوْتِ.
وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْ فِيهَا مَا ذُكِرَ صُدِّقَ الْوَارِثُ وَلَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْوَارِثِ وَلَوْ أَلْقَتْ جَنِينَيْنِ عُرِفَ مَوْتُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَجَبَ الْيَقِينُ وَهُوَ غُرَّةٌ وَدِيَةُ أُنْثَى وَلَوْ أَلْقَتْ حَيًّا وَمَيِّتًا وَمَاتَتْ هِيَ وَالْحَيُّ وَادَّعَى الْوَارِثُ أَنَّ الْجَنِينَ سَبَقَ مَوْتَهَا وَوَارِثُهَا عَكْسُهُ فَإِنْ حُلِّفَا، أَوْ نَكَلَا فَلَا تَوَارُثَ، وَإِلَّا قُضِيَ لِلْحَالِفِ اهـ. قَوْلُهُ: (مِنْ التَّعْلِيلِ السَّابِقِ) وَهُوَ قَوْلُهُ: لِعَدَمِ ثُبُوتِ اسْتِقْلَالِهِ بِانْفِصَالِهِ مَيِّتًا.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ يَعْتَذِرُ) أَيْ يُجَابُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْمِلُ الْعُشْرَ الْمَذْكُورَ عَاقِلَةُ الْجَانِي عَلَى

كَانَتْ كَافِرَةً، وَالْجَنِينُ مُسْلِمٌ، فَإِنَّهُ يُقَدَّرُ فِيهَا الْإِسْلَامُ، وَتُقَوَّمُ مُسْلِمَةً، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ حُرَّةً، وَالْجَنِينُ رَقِيقٌ، فَإِنَّهَا تُقَدَّرُ رَقِيقَةً.
وَصُورَتُهُ: أَنْ تَكُونَ الْأَمَةُ لِشَخْصٍ وَالْجَنِينُ لِآخَرَ بِوَصِيَّةٍ فَيُعْتِقُهَا مَالِكُهَا، وَيَحْمِلُ الْعُشْرَ الْمَذْكُورَ عَاقِلَةُ الْجَانِي عَلَى الْأَظْهَرِ.

فَصْلٌ: فِي الْقَسَامَةِ وَهِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ اسْمٌ لِلْأَيْمَانِ الَّتِي تُقْسَمُ عَلَى أَوْلِيَاءِ الدَّمِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْقَسَمِ وَهُوَ الْيَمِينُ وَقِيلَ اسْمٌ لِلْأَوْلِيَاءِ وَتَرْجَمَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْأَكْثَرُونَ بِبَابِ دَعْوَى الدَّمِ وَالْقَسَامَةِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِ وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى إيرَادِ وَاحِدٍ مِنْهَا وَهُوَ الْقَسَامَةُ طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ وَأَدْرَجَ فِيهِ الْكَلَامَ عَلَى الْكَفَّارَةِ فَقَالَ

(وَإِذَا اقْتَرَنَ بِدَعْوَى الْقَتْلِ) عِنْدَ حَاكِمٍ لَوْثٌ وَهُوَ بِإِسْكَانِ الْوَاوِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ مُشْتَقٌّ مِنْ التَّلْوِيثِ أَيْ التَّلْطِيخِ (يَقَعُ بِهِ) أَيْ اللَّوْثِ (فِي النَّفْسِ صِدْقُ الْمُدَّعِي) بِأَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ بِقَرِينَةٍ كَأَنْ وُجِدَ قَتِيلٌ، أَوْ بَعْضُهُ كَرَأْسِهِ، إذَا تَحَقَّقَ مَوْتُهُ فِي مَحَلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنْ

[حاشية البجيرمي]

الْأَظْهَرِ) لِأَنَّهُ لَا عَمْدَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَنِينِ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُهُ وَلَا حَيَاتُهُ حَتَّى يُقْصَدَ شَرْحَ الْمَنْهَجِ وَانْظُرْ هَلْ هِيَ حَالَّةٌ، أَوْ مُؤَجَّلَةٌ وَمَا كَيْفِيَّةُ تَأْجِيلِهَا، وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا تُؤَجَّلُ سَنَةً، لِأَنَّهَا أَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ دِيَةِ الْكَامِلِ وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا عَمْدَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْجَنِينِ: وَإِنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى أُمِّهِ عَمْدًا إذْ تَعَمُّدُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا لَا يَسْتَلْزِمُ تَعَمُّدَ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُهُ وَلَا حَيَاتُهُ فَيُقْصَدُ.
اهـ. ز ي.

[فَصْلٌ فِي الْقَسَامَةِ]

ِ ذَكَرَهَا عَقِبَ الْقَتْلِ لِتَعَلُّقِهَا بِهِ أَيْ فَلَمَّا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِ الْقَاتِلِ إنْكَارَ الْقَتْلِ اسْتَدْعَى ذَلِكَ بَعْدَ بَيَانِ مُوجَبَاتِهِ بَيَانَ الْحُجَّةِ فِيهِ وَهِيَ بَعْدَ الدَّعْوَى إمَّا يَمِينٌ وَإِمَّا شَهَادَةٌ وَأَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهَا أَيْ بِالْيَمِينِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَقَرَّهَا الشَّارِعُ فِي الْإِسْلَامِ اهـ أج قَوْلُهُ اسْمٌ لِلْأَيْمَانِ عِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَهِيَ لُغَةً اسْمٌ لِأَوْلِيَاءِ الدَّمِ وَلِأَيْمَانِهِمْ وَاصْطِلَاحًا اسْمٌ لِأَيْمَانِهِمْ وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْأَيْمَانِ مُطْلَقًا إذْ الْقَسَمُ الْيَمِينُ قَوْلُهُ وَقِيلَ اسْمٌ لِلْأَوْلِيَاءِ تَعْبِيرُهُ بِقِيلَ يَقْتَضِي أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ وَإِلَّا فَمَعْنَاهَا اصْطِلَاحًا هُوَ الْأَيْمَانُ الَّتِي تُقْسَمُ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ خَاصَّةً قَوْلُهُ عَلَى إيرَادِ وَاحِدٍ مِنْهَا

. وَذَكَرَ دَعْوَى الدَّمِ بِقَوْلِهِ: " وَإِذَا اقْتَرَنَ بِدَعْوَى الْقَتْلِ " تَوْطِئَةً لِلْقَسَامَةِ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْ شُرُوطَ الدَّعْوَى كَمَا فَعَلَ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَأَدْرَجَ) أَيْ ذَكَرَ فِيهِ أَيْ فِي فَصْلِ الْقَسَامَةِ أَيْ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِطْرَادِ لِأَنَّ حَقَّ الْكَفَّارَةِ أَنْ تُذْكَرَ مَعَ الْقِصَاصِ، أَوْ الدِّيَةِ فَذِكْرُهَا مَعَ الْقَسَامَةِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا لِمُنَاسَبَةٍ وَهِيَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْكَفَّارَةِ وَالْقَسَامَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَتْلِ.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ حَاكِمٍ) هُوَ بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ لِأَنَّهَا لَا يُقَالُ: لَهَا دَعْوَى إلَّا عِنْدَهُ وَمِثْلُ الْحَاكِمُ الْمُحَكَّمُ.
قَوْلُهُ: (لَوْثٌ) أَيْ قَرِينَةٌ تُوقِعُ فِي الْقَلْبِ صِدْقَ الْمُدَّعِي، وَاللَّوْثُ لُغَةً بِمَعْنَى الْقُوَّةِ لِقُوَّتِهِ بِتَحْوِيلِهِ الْيَمِينَ لِجَانِبِ الْمُدَّعِي أَوْ الضَّعْفِ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ شَرْحَ م ر. قَوْلُهُ: (أَيْ التَّلْطِيخِ) كَأَنَّ عِرْضَ الْمُتَّهَمِ تَلَوَّثَ بِنِسْبَتِهِ إلَى الْقَتْلِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَغْلِبَ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: يَقَعُ.
قَوْلُهُ: (بِقَرِينَةٍ) هِيَ نَفْسُ اللَّوْثِ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: بِأَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُهُ بِهِ أَيْ بِاللَّوْثِ، وَالْقَرِينَةُ إمَّا حَالِيَّةٌ، أَوْ مَقَالِيَّةٌ فَالْأُولَى كَأَنْ وُجِدَ قَتِيلٌ إلَخْ وَالثَّانِيَةُ كَأَنْ أَخْبَرَ بِقَتْلِهِ عَدْلٌ، أَوْ عَبْدٌ أَوْ امْرَأَةٌ، أَوْ صِبْيَةٌ، أَوْ كُفَّارٌ أَوْ فَسَقَةٌ م د. قَوْلُهُ: (كَرَأْسِهِ) الظَّاهِرُ: أَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ فَيُفِيدُ اشْتِرَاطَ كَوْنِ الْمَوْجُودِ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ الْقَتْلَ لَا كَنَحْوِ يَدٍ.
اهـ. ع ش وَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَهُ أَيْ الرَّأْسِ عَنْ قَوْلِهِ: إذَا تَحَقَّقَ مَوْتُهُ.
تَنْبِيهٌ: مِنْ اللَّوْثِ الشُّيُوعُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ، بِأَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ، وَنَحْوُ تَلَطُّخِ ثَوْبِهِ، أَوْ نَحْوِ سَيْفِهِ بِدَمٍ، وَتَحَرُّكِ يَدِهِ بِنَحْوِ سَيْفٍ وَلَيْسَ هُنَاكَ نَحْوُ سَبُعٍ، وَوُجُودِ عَدُوٍّ وَلَيْسَ ثَمَّ رَجُلٌ آخَرُ، لَا وُجُودُ رَجُلٍ عِنْدَهُ سِلَاحٌ وَلَا تَلَطُّخُ يَدٍ وَلَوْ لِعَدُوٍّ وَلَا

بَلَدٍ كَبِيرٍ وَلَا يُعْرَفُ قَاتِلُهُ، وَلَا بَيِّنَةَ بِقَتْلِهِ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ لِأَعْدَائِهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ، إذَا كَانَتْ تَبْعَثُ عَلَى الِانْتِقَامِ بِالْقَتْلِ، أَوْ وُجِدَ قَتِيلٌ وَقَدْ تَفَرَّقَ عَنْهُ جَمْعٌ، كَأَنْ ازْدَحَمُوا عَلَى بِئْرٍ، أَوْ بَابِ الْكَعْبَةِ ثُمَّ تَفَرَّقُوا عَنْ قَتِيلٍ.
(حُلِّفَ الْمُدَّعِي) بِكَسْرِ الْعَيْنِ عَلَى قَتْلٍ ادَّعَاهُ لِنَفْسٍ وَلَوْ نَاقِصَةً كَامْرَأَةٍ وَذِمِّيٍّ.
(خَمْسِينَ يَمِينًا) لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: قَتَلَنِي فُلَانٌ، أَوْ جَرَحَنِي أَوْ دَمِي عِنْدَهُ لِاحْتِمَالِ إرَادَةِ ضَرَرِهِ لِعَدَاوَةٍ مَعَ خَطَرِ الْقَتْلِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ صِحَّةَ إقْرَارِهِ بِالْمَالِ وَنَحْوِهِ وَلَوْ لِوَارِثٍ، ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَقَوْلُهُ: قَتَلَنِي فُلَانٌ إلَخْ خِلَافًا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ قَالَ: لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُكْذَبُ فِيهَا وَفِي ع ش عَلَى م ر وَلَيْسَ مِنْ اللَّوْثِ مَا لَوْ وُجِدَ مَعَهُ ثِيَابُ الْقَتِيلِ وَلَوْ كَانَتْ مُلَطَّخَةً بِالدَّمِ اهـ. قَوْلُهُ: (إذَا تَحَقَّقَ مَوْتُهُ) قَيْدٌ فِي الْبَعْضِ ق ل فَهُوَ فِي مَعْنَى التَّقْيِيدِ بِكَوْنِ ذَلِكَ الْبَعْضِ مِمَّا لَا يَعِيشُ بِدُونِهِ كَالرَّأْسِ كَمَا أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ وَهَذَا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَوْلِ الشَّارِحِ كَرَأْسِهِ وَإِلَّا فَوُجُودُ الرَّأْسِ تَحْقِيقٌ لِلْقَتْلِ وَلَوْ وُجِدَ بَعْضُهُ فِي مَحَلَّةٍ وَبَعْضُهُ فِي أُخْرَى فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُعَيِّنَ وَيُقْسِمَ زي.
قَوْلُهُ: (فِي مَحَلَّةٍ) أَيْ حَارَةٍ مُنْفَصِلَةٍ أَيْ فَيَكُونُ لَوْثًا فِي حَقِّ أَهْلِ هَذِهِ الْمَحَلَّةِ فَقَطْ وَكَذَا قَوْلُهُ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ تَكُونُ لَوْثًا فِي حَقِّ أَهْلِ الْقَرْيَةِ كُلِّهِمْ وَقَوْلُهُ: " مُنْفَصِلَةٍ " قَيْدٌ مُعْتَبَرٌ قَيَّدَ بِهِ لِيَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَحْصُورًا.
قَوْلُهُ: (عَنْ بَلَدٍ كَبِيرٍ) الْمُرَادُ بِالْكَبِيرِ مَا لَيْسَ أَهْلُهَا مَحْصُورِينَ وَالصَّغِيرَةِ مَا أَهْلُهَا مَحْصُورُونَ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ: كَبِيرًا لِيُلَائِمَ قَوْلَهُ " مُنْفَصِلَةٍ ". قَوْلُهُ: (أَوْ فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ) أَيْ وَلَمْ يُسَاكِنْهُمْ غَيْرُهُمْ كَمَا صَحَّحَهُ.
فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (لِأَعْدَائِهِ) رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ أَيْ لِمَحَلَّةٍ أَوْ قَرْيَةٍ وَهَذَا يَقْتَضِي اعْتِبَارُ عَدَاوَتِهِمْ لِلْقَتِيلِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونُوا أَعْدَاءً لِقَبِيلَتِهِ قَالَ: ع ش. وَكَأَعْدَائِهِ أَعْدَاءٌ لِأَوْلِيَائِهِ.
قَوْلُهُ: (إذَا كَانَتْ) يَرْجِعُ لِكُلٍّ مِنْ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ وَاحْتَرَزَ بِهِ فِي الدِّينِيَّةِ عَنْ مُجَرَّدِ فِسْقٍ.
قَوْلُهُ: (جَمْعٌ) أَيْ مَحْصُورُونَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْمِثَالُ الَّذِي ذَكَرَهُ ق ل فَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مَحْصُورِينَ فَلَا قَسَامَةَ نَعَمْ إنْ ادَّعَى عَلَى عَدَدٍ مِنْهُمْ مَحْصُورِينَ مُكِّنَ مِنْ الدَّعْوَى وَالْقَسَامَةِ وَفِي ع ش عَلَى م ر: وَالْمُرَادُ بِالْمَحْصُورِينَ مَنْ يَسْهُلُ عَدُّهُمْ وَالْإِحَاطَةُ بِهِمْ إذَا وَقَفُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ وَبِغَيْرِ الْمَحْصُورِينَ مَنْ يَعْسُرُ عَدُّهُمْ كَذَلِكَ اهـ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَاقِصَةً) أَيْ مِنْ جِهَةِ الدِّيَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْقِصَاصِ فِي الْمَرْأَةِ، وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَإِنَّهُ نَاقِصٌ مِنْ الْجِهَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (خَمْسِينَ يَمِينًا) وَلَوْ فِي قَتْلِ نَحْوِ امْرَأَةٍ، أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ جَنِينٍ وَيُبَيِّنُ فِي كُلِّ يَمِينٍ مِنْهَا صِفَةَ الْقَتْلِ.
وَيُشِيرُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ حُضُورِهِ فَيَقُولُ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا قَتَلَ ابْنِي مَثَلًا عَمْدًا أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، أَوْ خَطَأً مُنْفَرِدًا، أَوْ مَعَ غَيْرِهِ، وَيَرْفَعُ نَسَبُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ، أَوْ يُعَرِّفُهُ بِمَا يَمْتَازُ بِهِ مِنْ قَبِيلَةٍ، أَوْ حِرْفَةٍ أَوْ لَقَبٍ اهـ. ز ي. قَالَ: م ر: وَلَعَلَّ حِكْمَةَ الْخَمْسِينَ أَنَّ الدِّيَةَ تُقَوَّمُ بِأَلْفِ دِينَارٍ غَالِبًا وَلِذَا أَوْجَبَهَا الْقَدِيمُ وَالْقَصْدُ مِنْ تَعَدُّدِ الْأَيْمَانِ التَّغْلِيظُ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ فِي عِشْرِينَ دِينَارًا فَاقْتَضَى الِاحْتِيَاطُ لِلنَّفْسِ أَنْ يُقَابَلَ كُلُّ عِشْرِينَ مِنْ الْأَلْفِ بِيَمِينٍ مُنْفَرِدَةٍ كَمَا يَقْتَضِيهِ التَّغْلِيظُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي هَذِهِ الْحِكْمَةِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ لِأَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ دِيَةَ الْكَافِرِ عَلَى الثُّلُثِ مِنْهُ، أَوْ أَقَلَّ، وَأَنَّ دِيَةَ الْمَرْأَةِ الْكَافِرَةِ عَلَى قَدْرِ السُّدُسِ مِنْهُ، أَوْ أَقَلَّ وَأَنَّ الْغُرَّةَ عَلَى نِصْفِ الْعُشْرِ مِنْهُ، وَقِيمَةُ الرَّقِيقِ قَدْ لَا تَفِي بِهِ، أَوْ أَنَّهَا تَزِيدُ عَلَى الدِّيَةِ وَأَنَّ الْأَيْمَانَ هُنَا وَاجِبَةٌ، وَأَنَّ التَّغْلِيظَ يَكُونُ بِأَيْمَانٍ مُسْتَقِلَّةٍ لِغِلَظِ أَمْرِ الْقَتْلِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْحِكْمَةَ بِالنِّسْبَةِ لِدِيَةِ الْكَامِلِ اهـ. قَوْلُهُ: (لِثُبُوتِ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ) لَفْظُهُ كَمَا فِي الدَّمِيرِيِّ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ قَالَ: «انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إلَى خَيْبَرَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ فَتَفَرَّقَا فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَهُوَ يَشْخَبُ دَمُهُ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَحُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ لَهُ: كَبِّرْ كَبِّرْ وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ ثُمَّ سَكَتَ فَتَكَلَّمَا فَقَالَ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ قَالُوا: كَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ قَالَ فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ خَيْبَرَ بِخَمْسِينَ يَمِينًا؟ قَالُوا كَيْفَ نَأْخُذُ بِأَيْمَانِ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فَعَقَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ عِنْدِهِ» اهـ. وَقَوْلُهُ: فَتُبْرِئُكُمْ أَيْ مِنْ دَعْوَاكُمْ، وَإِلَّا فَالْحَقُّ لَيْسَ فِي جِهَتِهِمْ مَعَ كُفْرِهِمْ الْمُؤَيِّدِ لِكَذِبِهِمْ، وَلَمْ

وَلَا يُشْتَرَطُ مُوَالَاتُهَا فَلَوْ حَلَّفَهُ الْقَاضِي خَمْسِينَ يَمِينًا فِي خَمْسِينَ يَوْمًا صَحَّ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ مِنْ جِنْسِ الْحُجَجِ وَالْحُجَجُ يَجُوزُ تَفْرِيقُهَا كَمَا إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ مُتَفَرِّقِينَ، وَلَوْ تَخَلَّلَ الْأَيْمَانَ جُنُونٌ، أَوْ إغْمَاءٌ بَنَى إذَا أَفَاقَ عَلَى مَا مَضَى.

وَلَوْ مَاتَ الْوَلِيُّ الْمُقْسِمُ فِي أَثْنَاءِ الْأَيْمَانِ لَمْ يَبْنِ وَارِثُهُ بَلْ يَسْتَأْنِفُ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ كَالْحُجَّةِ الْوَاحِدَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ أَحَدٌ شَيْئًا بِيَمِينِ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ كَمَا لَوْ أَقَامَ شَطْرَ الْبَيِّنَةِ ثُمَّ مَاتَ حَيْثُ يَضُمُّ وَارِثُهُ إلَيْهِ الشَّطْرَ الثَّانِيَ وَلَا يَسْتَأْنِفُ، لِأَنَّ شَهَادَةَ كُلِّ شَاهِدٍ مُسْتَقِلَّةٌ.
أَمَّا إذَا تَمَّتْ أَيْمَانُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ فَلَا يَسْتَأْنِفُ وَارِثُهُ بَلْ يُحْكَمُ لَهُ كَمَا لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً، ثُمَّ مَاتَ.
وَأَمَّا وَارِثُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَبْنِي عَلَى أَيْمَانِهِ إذَا تَخَلَّلَ مَوْتُهُ الْأَيْمَانَ، وَكَذَا يَبْنِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ عُزِلَ الْقَاضِي، أَوْ مَاتَ فِي خِلَالِهَا وَوُلِّيَ غَيْرُهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلنَّفْيِ فَتَنْفُذُ بِنَفْسِهَا وَيَمِينَ الْمُدَّعِي لِلْإِثْبَاتِ فَتَتَوَقَّفُ عَلَى حُكْمِ الْقَاضِي، وَالْقَاضِي الثَّانِي لَا يَحْكُمُ بِحُجَّةٍ أُقِيمَتْ عِنْدَ الْأَوَّلِ.

وَلَوْ كَانَ لِلْقَتِيلِ وَرَثَةٌ خَاصَّةٌ اثْنَانِ فَأَكْثَرُ وُزِّعَتْ الْأَيْمَانُ الْخَمْسُونَ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ الْإِرْثِ، لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِأَيْمَانِهِمْ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْأَيْمَانُ كَذَلِكَ.
وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا، خَاصَّةٌ مَا لَوْ كَانَ هُنَاكَ وَارِثٌ غَيْرُ حَائِزٍ وَشَرِيكُهُ بَيْتُ الْمَالِ فَإِنَّ الْأَيْمَانَ لَمْ تُوَزَّعْ بَلْ يُحَلَّفُ الْخَاصُّ خَمْسِينَ يَمِينًا كَمَا لَوْ نَكَلَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ أَوْ غَابَ يُحَلَّفُ الْحَاضِرُ خَمْسِينَ يَمِينًا.
وَهَلْ تُقْسَمُ الْأَيْمَانُ بَيْنَهُمْ عَلَى أَصْلِ الْفَرِيضَةِ، أَوْ عَلَى الْفَرِيضَةِ وَعَوْلِهَا.؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا كَمَا فِي الْحَاوِي الثَّانِي، فَفِي زَوْجٍ وَأَمٍّ

[حاشية البجيرمي]

يُبَيِّنْهَا النَّبِيُّ لَهُمْ اتِّكَالًا عَلَى وُضُوحِ الْأَمْرِ فِيهَا:.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ

: (وَلَا يُشْتَرَطُ مُوَالَاتُهَا) بِخِلَافِ اللِّعَانِ، لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ لَهُ أَكْثَرَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُقُوبَةِ الْبَدَنِيَّةِ وَاخْتِلَالِ النَّسَبِ وَشُيُوعِ الْفَاحِشَةِ، وَهَتْكِ الْعِرْضِ.
اهـ. حَجّ س ل قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَيُسْتَحَبُّ تَغْلِيظُهَا كَاللِّعَانِ.
قَوْلُهُ: (جُنُونٌ أَوْ إغْمَاءٌ بَنَى) وَكَذَا لَوْ عُزِلَ الْقَاضِي، ثُمَّ وُلِّيَ بِخِلَافِ مَا لَوْ وُلِّيَ غَيْرُهُ، أَوْ مَاتَ أَيْ الْقَاضِي وَلَوْ بَعْدَ تَمَامِهَا فَيَسْتَأْنِفُ الْحَالِفُ، سم.
لِأَنَّ الْقَاضِيَ الَّذِي وُلِّيَ بَعْدَ الْأَوَّلِ لَا يَحْكُمُ بِأَيْمَانِ الْحَالِفِينَ.

قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْأَيْمَانَ كَالْحُجَّةِ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِعَدَمِ ظُهُورِهِ وَعِبَارَةُ التَّحْرِيرِ: فَيَسْتَأْنِفُ الْوَارِثُ؛ إذْ لَا يَسْتَحِقُّ أَحَدٌ بِيَمِينِ غَيْرِهِ أَيْ غَالِبًا، وَإِلَّا فَسَيَأْتِي أَنَّ السَّيِّدَ يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِ الْمُكَاتَبِ، إذَا عَجَّزَ نَفْسَهُ، وَبَيْتُ الْمَالِ يَسْتَحِقُّ بِيَمِينِ الْوَارِثِ الْخَاصِّ.
قَوْلُهُ: (شَطْرَ) : أَيْ نِصْفَ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يُحْكَمُ لَهُ) أَيْ بِالدِّيَةِ مِنْ غَيْرِ حَلِفٍ وَكَأَنَّهُ تَلَقَّاهَا مِنْ مُوَرِّثِهِ حَتَّى لَا يَخْدِشَهُ التَّعْلِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ.
اهـ. رَحْمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْوَارِثُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) كَأَنْ رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي.
وَحَاصِلُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ وَارِثَ الْمُدَّعِي لَا يَبْنِي بِخِلَافِ وَارِثِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
الثَّانِي أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَا يَبْنِي إذَا عُزِلَ الْقَاضِي وَوُلِّيَ قَاضٍ آخَرُ بِخِلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَبْنِي.
الثَّالِثُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ تُوَزَّعُ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِ لَوْ تَعَدَّدَ بِخِلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ يُحَلَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (يَبْنِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) أَيْ بِخِلَافِ الْمُدَّعِي فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فِي خِلَالِهَا) : أَيْ فِي أَثْنَائِهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْفَرْقُ إلَخْ) أَيْ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثَةِ وَهَذَا الْفَرْقُ خَاصٌّ بِصُورَةِ الْعَزْلِ.
وَلَمْ يَذْكُرْ الْفَرْقَ فِي صُورَةِ الْمَوْتِ وَقَدْ يُقَالُ: كَلَامُهُ شَامِلٌ لِلْمَوْتِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَا يُحْكَمُ بِحُجَّةٍ أُقِيمَتْ عِنْدَ الْأَوَّلِ يَصْدُقُ بِعَزْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ مَوْتِهِ.

قَوْلُهُ: (بِحَسَبِ الْإِرْثِ) وَيُفْرَضُ الْخُنْثَى ذَكَرًا وَيُفْرَضُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ أُنْثَى بِاعْتِبَارِ أَيْمَانِ الْغَيْرِ وَيُفْرَضُ فِي أَخْذِهِ مِنْ الدِّيَةِ أُنْثَى لِأَنَّهُ أَسْوَأُ فِي الْجَمِيعِ فَإِذَا كَانَ مَعَهُ أَيْ الْخُنْثَى ابْنٌ حُلِّفَ النِّصْفَ لِاحْتِمَالِ ذُكُورَتِهِ وَأَخَذَ الثُّلُثَ لِاحْتِمَالِ أُنُوثَتِهِ وَحُلِّفَ الِابْنُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، لِأَنَّهَا ثُلُثَا الْخَمْسِينَ مَعَ جَبْرِ الْكَسْرِ وَأَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ النِّصْفَ وَوُقِفَ لِلْخُنْثَى مَا بَقِيَ مِنْ الدِّيَةِ وَهُوَ السُّدُسُ إلَى الصُّلْحِ، أَوْ الْبَيَانِ.
اهـ. زي.
قَوْلُهُ: (بَلْ يُحَلَّفُ الْخَاصُّ خَمْسِينَ يَمِينًا) أَيْ وَيَأْخُذُ نَصِيبَهُ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَجْهَانِ) وَانْظُرْ مَا تَفْصِيلُ الْوَجْهِ الْمَرْجُوحِ هَلْ يُحَلَّفُ بِنِسْبَةِ نَصِيبِهِ مِنْ السِّتَّةِ فَتَزِيدَ الْأَيْمَانُ عَلَى الْخَمْسِينَ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ عَلَى أَصْلِ قَدْرِ الْفَرِيضَةِ الَّذِي هُوَ الْأَوَّلُ مِنْ شِقَّيْ التَّرْدِيدِ وَحِينَئِذٍ فَتَبْلُغُ الْأَيْمَانُ خَمْسًا وَثَمَانِينَ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ هَذَا مَا ظَهَرَ فَلْيُرَاجَعْ شَيْخُنَا.
فَيُحَلَّفُ الزَّوْجُ نِصْفَ الْأَيْمَانِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ الْأَصْلِيِّ وَتُحَلَّفُ الْأُخْتَانِ لِلْأَبِ ثُلُثَيْهَا، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ بِجَبْرِ الْمُنْكَسِرِ وَتُحَلَّفُ الْأُخْتَانِ لِلْأُمِّ ثُلُثَهَا

وَأُخْتَيْنِ لِأَبٍ وَأُخْتَيْنِ لِأُمٍّ، أَصْلُهَا سِتَّةٌ وَتَعُولُ إلَى الْعَشَرَةِ: فَيُحَلَّفُ الزَّوْجُ خَمْسَ عَشْرَةَ.
وَكُلُّ أُخْتٍ لِأَبٍ عَشَرَةً وَكُلُّ أُخْتٍ لِأُمٍّ خَمْسَةً وَالْأُمُّ خَمْسَةً وَيُجْبَرُ الْمُنْكَسِرُ إنْ لَمْ تَنْقَسِمْ صَحِيحَةً.
لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تَتَبَعَّضُ وَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ لِئَلَّا يَنْقُصَ نِصَابُ الْقَسَامَةِ.
فَلَوْ كَانَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ حُلِّفَ كُلٌّ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ، أَوْ تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ حُلِّفَ كُلٌّ يَمِينَيْنِ، وَلَوْ نَكَلَ أَحَدُ الْوَارِثِينَ حُلِّفَ الْوَارِثُ الْآخَرُ خَمْسِينَ وَأَخَذَ حِصَّتَهُ، لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تُسْتَحَقُّ بِأَقَلَّ مِنْهَا، وَلَوْ غَابَ أَحَدُهُمَا حُلِّفَ الْآخَرُ خَمْسِينَ وَأَخَذَ حِصَّتَهُ لِمَا مَرَّ.
تَنْبِيهٌ: يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَتْلٌ بِلَا لَوْثٍ، وَالْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْمُدَّعِي إنْ لَمْ يَكُنْ لَوْثٌ، أَوْ كَانَ وَنَكَلَ الْمُدَّعِي عَنْ الْقَسَامَةِ فَرُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَنَكَلَ فَرُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي مَرَّةً ثَانِيَةً، وَالْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِسَبَبِ نُكُولِ الْمُدَّعِي مَعَ لَوْثٍ، وَالْيَمِينُ أَيْضًا مَعَ شَاهِدٍ؛ خَمْسُونَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ، لِأَنَّهَا فِيمَا ذُكِرَ يَمِينُ دَمٍ حَتَّى لَوْ تَعَدَّدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حُلِّفَ كُلٌّ خَمْسِينَ يَمِينًا وَلَا تُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ عَلَى الْأَظْهَرِ بِخِلَافِ تَعَدُّدِ الْمُدَّعِي.
وَالْفَرْقُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ يَنْفِي عَنْ نَفْسِهِ الْقَتْلَ.
كَمَا يَنْفِيهِ مَنْ انْفَرَدَ وَكُلٌّ مِنْ الْمُدَّعِيِينَ لَا يُثْبِتُ لِنَفْسِهِ مَا يُثْبِتُهُ الْوَاحِدُ الْمُنْفَرِدُ بَلْ يُثْبِتُ بَعْضَ الْأَرْشِ فَيُحَلَّفُ بِقَدْرِ الْحِصَّةِ.

(وَاسْتَحَقَّ) الْوَارِثُ بِالْقَسَامَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ أَوْ قَتْلِ شِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُخَفَّفَةً فِي الْأَوَّلِ مُغَلَّظَةً فِي الثَّانِي لِقِيَامِ الْحُجَّةِ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ.
وَفِي قَتْلِ الْعَمْدِ دِيَةً حَالَّةً عَلَى الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وَلَا قِصَاصَ فِي الْجَدِيدِ لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ الْحُكْمِ بِالدِّيَةِ.
وَلَمْ يُفَصِّلْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ صَلَحَتْ الْأَيْمَانُ لِلْقِصَاصِ لَذَكَرَهُ، وَلِأَنَّ الْقَسَامَةَ حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ فَلَا تُوجِبُ الْقِصَاصَ احْتِيَاطًا لِأَمْرِ الدِّمَاءِ كَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.

[حاشية البجيرمي]

سَبْعَةَ عَشَرَ بِجَبْرِ الْمُنْكَسِرِ وَتُحَلَّفُ الْأُمُّ سُدُسَهَا وَهِيَ تِسْعَةٌ بِجَبْرِ الْمُنْكَسِرِ.
قَوْلُهُ: (إلَى الْعَشَرَةِ) . أَيْ لِلزَّوْجِ مِنْهَا ثَلَاثَةٌ هِيَ خَمْسٌ وَعَشْرٌ وَلِكُلِّ أُخْتٍ لِأَبٍ اثْنَانِ هُمَا خَمْسٌ وَلِكُلٍّ مِنْ الْبَاقِينَ وَاحِدٌ وَهُوَ عَشْرٌ فَحَلِفُهُمْ مِنْ الْخَمْسِينَ عَلَى هَذِهِ ق ل. قَوْلُهُ: (فَيُحَلَّفُ الزَّوْجُ خَمْسَ عَشْرَةَ) لِأَنَّ لَهُ ثَلَاثَةَ أَعْشَارِ الْعَشَرَةِ فَيَخُصُّهُ ثَلَاثَةُ أَعْشَارِ الْخَمْسِينَ.
قَوْلُهُ: (وَكُلُّ أُخْتٍ لِأَبٍ عَشَرَةً) لِأَنَّ حِصَّتَهَا خُمُسُ الْعَشَرَةِ فَتُحَلَّفُ خُمُسَ الْخَمْسِينَ.
قَوْلُهُ: (وَكُلُّ أُخْتٍ لِأُمٍّ خَمْسَةً) لِأَنَّ نَصِيبَهَا عُشْرُ الْعَشَرَةِ فَتُحَلَّفُ عُشْرَ الْخَمْسِينَ وَمِثْلُهَا الْأُمُّ فَكُلُّ قِيرَاطٍ يَخُصُّهُ خَمْسَةُ أَيْمَانٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ) أَيْ الْكَسْرِ لِئَلَّا يَنْقُصَ نِصَابُ الْقَسَامَةِ أَيْ عَنْ الْخَمْسِينَ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ كَانَ ثَلَاثَةُ بَنِينَ) بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ " كَانَ " تَامَّةٌ وَبِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهَا نَاقِصَةٌ أَيْ فَلَوْ كَانَ الْوَارِثُ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وَعَلَى الْأَوَّلِ نُسْخَةٌ: " أَوْ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ " وَعَلَى الثَّانِي نُسْخَةٌ: " أَوْ تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ " أَيْ، أَوْ كَانَ الْوَارِثُ تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ وَيَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْيَمِينِ الْبَاقِي جُزْءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ الْيَمِينِ فَيَكْمُلُ فَيُحَلَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِينَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَأَخَذَ حِصَّتَهُ) أَيْ حِصَّةَ نَفْسِهِ.
فَرْعٌ: لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْغَائِبِينَ مَاتُوا قَبْلَ الْحَلِفِ وَحُلِّفَ الْخَمْسِينَ أَخَذَ حِصَصَ الْغَائِبِينَ إنْ كَانَ وَارِثًا لَهُمْ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ وَإِنْ كَانَ مَوْتُهُمْ بَعْدَ الْحَلِفِ لَا يَأْخُذُ حِصَصَهُمْ إلَّا بَعْدَ حَلِفِهِ مَا كَانُوا يَحْلِفُونَهُ لَوْ أَرَادُوا ق ل. قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ، لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تُسْتَحَقُّ بِأَقَلَّ مِنْهَا.
قَوْلُهُ: (يَمِينُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ " خَمْسُونَ " وَقَوْلُهُ: " قَتْلٌ " نَائِبُ فَاعِلِ الْمُدَّعَى.
قَوْلُهُ: (وَالْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ) وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَجِبُ الْقِصَاصُ إنْ كَانَتْ الدَّعْوَى بِقَتْلٍ عَمْدٍ، لِأَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَالْإِقْرَارِ أَوْ كَالْبَيِّنَةِ، وَالْقِصَاصُ يَجِبُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ يَمِينٍ مَرْدُودَةٍ، وَكَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَرَّةً ثَانِيَةً) وَلَيْسَ لَنَا يَمِينٌ تُرَدُّ مَرَّتَيْنِ إلَّا هَذِهِ ق ل.

قَوْلُهُ: (وَاسْتَحَقَّ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: حُلِّفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَعَبَّرَ بِالْوَارِثِ وَفِيمَا تَقَدَّمَ بِالْمُدَّعِي تَفَنُّنًا.
قَوْلُهُ: (وَفِي قَتْلِ الْعَمْدِ) أَيْ وَاسْتَحَقَّ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ إلَخْ فَقَوْلُهُ: دِيَةً بِالنَّصْبِ.
قَوْلُهُ: (الْحُكْمِ بِالدِّيَةِ) بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ خَبَرِ، لِأَنَّ خَبَرَ الْبُخَارِيِّ «إمَّا أَنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ، أَوْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ» مُشْتَمِلٌ عَلَى الْحُكْمِ، أَوْ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْحَاكِمِ

تَنْبِيهٌ: كُلُّ مَنْ اسْتَحَقَّ بَدَلَ الدَّمِ مِنْ سَيِّدٍ، أَوْ وَارِثٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا، عَدْلًا أَمْ فَاسِقًا، مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ أَمْ غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ مُكَاتَبًا لِقَتْلِ عَبْدِهِ أَقْسَمَ، لِأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِبَدَلِهِ، وَلَا يُقْسِمُ سَيِّدُهُ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إنْ قَتَلَ الْعَبْدَ الَّذِي تَحْتَ يَدِهِ فَإِنَّ السَّيِّدَ يُقْسِمُ دُونَ الْمَأْذُونِ لَهُ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ، وَلَوْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ بَعْدَ مَا أَقْسَمَ أَخَذَ السَّيِّدُ الْقِيمَةَ كَمَا لَوْ مَاتَ الْوَلِيُّ بَعْدَمَا أَقْسَمَ، أَوْ قَبْلَهُ وَقَبْلَ نُكُولِهِ حُلِّفَ السَّيِّدُ، أَوْ بَعْدَ نُكُولِهِ فَلَا لِبُطْلَانِ الْحَقِّ بِالنُّكُولِ.
كَمَا حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ الْأَصْحَابِ.

(وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ) أَيْ عِنْدَ الْقَتْلِ (لَوْثٌ) بِأَنْ تَعَذَّرَ إثْبَاتُهُ، أَوْ ظَهَرَ فِي أَصْلِ الْقَتْلِ بِدُونِ كَوْنِهِ عَمْدًا، أَوْ خَطَأً أَوْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اللَّوْثَ فِي حَقِّهِ، أَوْ شَهِدَ بِهِ عَدْلٌ، أَوْ عَدْلَانِ، أَنَّ زَيْدًا قَتَلَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْقَتِيلَيْنِ أَوْ كَذَّبَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ فَهَذِهِ خَمْسُ صُوَرٍ يَسْقُطُ فِيهَا اللَّوْثُ.
كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
(فَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) لِسُقُوطِ اللَّوْثِ فِي حَقِّهِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ تَعْبِيرِهِ بِالْيَمِينِ أَنَّهُ لَا يُغَلَّظُ فِي حَقِّهِ بِالْعَدَدِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ، وَأَظْهَرُهُمَا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ

[حاشية البجيرمي]

فَيَكُونُ صِفَةً، وَالْمَجَازُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: التَّعْبِيرِ بِالْمَصْدَرِ وَنِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَى الْخَبَرِ.
قَوْلُهُ: (كُلُّ مَنْ اسْتَحَقَّ إلَخْ) مُبْتَدَأٌ، وَقَوْلُهُ: " أَقْسَمَ " خَبَرٌ.
قَوْلُهُ: (لِقَتْلِ عَبْدِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ يُحَلَّفُ لِأَجْلِ قَتْلِ عَبْدِهِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: فَلَوْ قُتِلَ وَهُنَاكَ لَوْثٌ فَادَّعَى السَّيِّدُ عَلَى عَبْدٍ، أَوْ حُرٍّ أَنَّهُ قَتَلَهُ فَهَلْ يُقْسِمُ السَّيِّدُ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ: أَشْهَرُهُمَا بِنَاؤُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ بَدَلَ الْعَمْدِ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ؟ إنْ قُلْنَا: نَعَمْ وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَقْسَمَ السَّيِّدُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ لِحِفْظِ الدِّمَاءِ وَهَذِهِ الْحَاجَةُ تَشْمَلُ الْقِصَاصَ وَالْكَفَّارَةَ وَالْمُدَّبَّرَ وَالْمُكَاتَبَ، وَأَمُّ الْوَلَدِ فِي هَذَا كَالْقِنِّ فَإِذَا أَقْسَمَ السَّيِّدُ فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى حُرٍّ أَخَذَ الدِّيَةَ مِنْ مَالِهِ فِي الْحَالِ إنْ ادَّعَى عَمْدًا مَحْضًا، وَإِلَّا فَمِنْ عَاقِلَتِهِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى عَبْدٍ تَعَلَّقَتْ الْقِيمَةُ بِرَقَبَتِهِ مُطْلَقًا، هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ.
اهـ. شَرْحُ الْمَنُوفِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُقْسِمُ سَيِّدُهُ) أَيْ الْمُكَاتَبِ.
قَوْلُهُ: (تَحْتَ يَدِهِ) أَيْ يَدِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَكَذَا الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ رَاجِعٌ لَهُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ) أَيْ وَفَسَخَ السَّيِّدُ الْكِتَابَةَ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ مَاتَ الْوَلِيُّ) أَيْ فَإِنَّ الدِّيَةَ لِلْوَارِثِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَبْلَهُ) أَيْ عَجَزَ قَبْلَ مَا أَقْسَمَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَعْدَ نُكُولِهِ) أَيْ عَجَزَ بَعْدَ نُكُولِهِ وَقَوْلُهُ فَلَا أَيْ فَلَا يُحَلَّفُ السَّيِّدُ وَقَوْلُهُ: لِبُطْلَانِ الْحَقِّ بِالنُّكُولِ أَيْ فَيُحَلَّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ

قَوْلُهُ: (أَيْ عِنْدَ الْقَتْلِ) أَيْ عِنْدَ دَعْوَى الْقَتْلِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ قَبْلُ " وَإِذَا اقْتَرَنَ بِدَعْوَى الْقَتْلِ إلَخْ ". قَوْلُهُ: (بِأَنْ تَعَذَّرَ إثْبَاتُهُ) بِأَنْ لَمْ يُوجَدْ لَوْثٌ أَصْلًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ ظَهَرَ) بِأَنْ ادَّعَى الدَّمَ تَفْصِيلًا حَتَّى تُسْمَعَ الدَّعْوَى فَيَشْهَدَ عَدْلٌ بِأَصْلِ الْقَتْلِ بِأَنْ أَخْبَرَ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَ فُلَانًا وَلَمْ يَقُلْ عَمْدًا، أَوْ غَيْرَهُ، شَيْخُنَا.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَلَوْ ظَهَرَ لَوْثٌ يُقْتَلُ مُطْلَقًا عَنْ التَّقْيِيدِ بِعَمْدٍ، أَوْ غَيْرِهِ أَخْبَرَ عَدْلٌ بِهِ بَعْدَ دَعْوَى مُفَصِّلَةٍ فَلَا قَسَامَةَ، لِأَنَّهَا لَا تُفِيدُ مُطَالَبَةَ الْقَاتِلِ وَلَا الْعَاقِلَةِ.
اهـ، وَكَتَبَ ح ل عَلَى قَوْلِهِ: " بَعْدَ دَعْوَى مُفَصِّلَةٍ " فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ: الدَّعْوَى لَا تُسْمَعُ إلَّا مُفَصِّلَةً فَكَيْفَ يَقُولُ يُقْتَلُ مُطْلَقًا عَنْ التَّقْيِيدِ بِعَمْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَيْ فَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَدَّعِيَ الْوَلِيُّ وَيُفَصِّلُ، ثُمَّ تَظْهَرُ الْأَمَارَةُ فِي أَصْلِ الْقَتْلِ، دُونَ صِفَتِهِ بِأَنْ يُخْبِرَ بِذَلِكَ عَدْلٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اللَّوْثَ فِي حَقِّهِ) كَأَنْ قَالَ لَسْتُ أَنَا الَّذِي كَانَ مَعَهُ السِّكِّينُ الْمُلَطَّخَةُ مَثَلًا، أَوْ لَسْتُ أَنَا الَّذِي كَانَ خَارِجًا مِنْ عِنْدِ الْمَقْتُولِ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا وَقْتَ الْقَتْلِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ شَهِدَ بِهِ) الصَّوَابُ حَذْفُ بِهِ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: " أَنَّ زَيْدًا إلَخْ " بَدَلًا مِنْ الْهَاءِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ كَذَّبَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ) أَيْ كَذَّبَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ الْبَعْضَ الْمُدَّعِيَ لِلْقَتْلِ كَأَنْ قَالَ أَحَدُ ابْنَيْ الْقَتِيلِ قَتَلَهُ فُلَانٌ وَكَذَّبَهُ الِابْنُ الْآخَرُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا قَسَامَةَ فِي سِتِّ صُوَرٍ: الْأُولَى تَكَاذُبُ الْوَرَثَةِ.
الثَّانِيَةُ تَعَذُّرُ إثْبَاتِ اللَّوْثِ.
الثَّالِثَةُ إنْكَارُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
الرَّابِعَةُ اللَّوْثُ فِي أَصْلِ الْقَتْلِ بِدُونِ كَوْنِهِ عَمْدًا، أَوْ خَطَأً، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، وَصُورَتُهُ: أَنْ يَقُولَ الْوَارِثُ: أَدَّعِي عَلَى هَذَا أَنَّهُ قَتَلَ أَبِي، ثُمَّ يُخْبِرُ الْعَدْلُ بِأَنَّ الْمُشَارَ إلَيْهِ قَتَلَ مُوَرِّثَ الْمُدَّعِي وَلَمْ يَقُلْ عَمْدًا وَلَا غَيْرَهُ فَلَا قَسَامَةَ.
الْخَامِسَةُ الشَّهَادَةُ مِنْ عَدْلٍ، أَوْ عَدْلَيْنِ أَنَّ زَيْدًا قَتَلَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْقَتِيلَيْنِ لِانْبِهَامِهَا أَيْ الشَّهَادَةِ، فَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
السَّادِسَةُ عَدَمُ الْوَارِثِ الْخَاصِّ وَسَيَأْتِي حُكْمُهَا.
قَوْلُهُ: (وَأَظْهَرُهُمَا) مُعْتَمَدٌ وَهُوَ مُسْتَأْنَفٌ وَقَوْلُهُ: كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ أَيْ فِي قَوْلِهِ: " تَنْبِيهٌ "

يُغَلَّظُ عَلَيْهِ بِالْعَدَدِ الْمَذْكُورِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.
لِأَنَّهَا يَمِينُ دَمٍ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: فَالْأَيْمَانُ إلَى آخِرِهِ.

تَتِمَّةٌ: مَنْ ارْتَدَّ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ بَدَلَ الدَّمِ بِأَنْ يَمُوتَ الْمَجْرُوحُ ثُمَّ يَرْتَدَّ وَلِيُّهُ قَبْلَ أَنْ يُقْسِمَ: فَالْأَوْلَى تَأْخِيرُ إقْسَامِهِ لِيُسْلِمَ.
لِأَنَّهُ لَا يَتَوَرَّعُ فِي حَالِ رِدَّتِهِ عَنْ الْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ فَإِذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ أَقْسَمَ: أَمَّا إذَا ارْتَدَّ قَبْلَ مَوْتِهِ ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ وَهُوَ مُرْتَدٌّ، فَلَا يُقْسِمُ، لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ بِخِلَافِ مَا إذَا قُتِلَ الْعَبْدُ وَارْتَدَّ سَيِّدُهُ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْتَدَّ قَبْلَ مَوْتِ الْعَبْدِ، أَوْ بَعْدَهُ.
لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بِالْمِلْكِ لَا بِالْإِرْثِ.
فَإِنْ أَقْسَمَ الْوَارِثُ فِي الرِّدَّةِ صَحَّ إقْسَامُهُ وَاسْتَحَقَّ الدِّيَةَ.
لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اعْتَدَّ بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَيْمَانَ الْكَافِرِ صَحِيحَةٌ.
وَالْقَسَامَةُ نَوْعُ اكْتِسَابٍ لِلْمَالِ فَلَا تَمْنَعُ مِنْهُ الرِّدَّةُ كَالِاحْتِطَابِ وَمَنْ لَا وَارِثَ لَهُ خَاصٌّ لَا قَسَامَةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ لَوْثٌ لِعَدَمِ الْمُسْتَحِقِّ الْمُعَيَّنِ لِأَنَّ دِيَتَهُ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَحْلِيفُهُمْ غَيْرُ مُمْكِنٍ لَكِنْ يَنْصِبُ الْقَاضِي مَنْ يَدَّعِي عَلَى مَنْ نُسِبَ الْقَتْلُ إلَيْهِ وَيُحَلِّفُهُ.
فَإِنْ نَكَلَ فَهَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ أَوْ لَا؟ وَجْهَانِ: وَجَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ بِالْأَوَّلِ وَمُقْتَضَى مَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ فِيمَنْ مَاتَ بِلَا وَارِثٍ فَادَّعَى الْقَاضِي، أَوْ مَنْصُوبُهُ دَيْنًا لَهُ عَلَى آخَرَ فَأَنْكَرَ وَنَكَلَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى لَهُ بِالنُّكُولِ بَلْ يُحْبَسُ لِيَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ، تَرْجِيحُ الثَّانِي هُوَ أَوْجَهُ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ الَّتِي هِيَ مِنْ مُوجَبَاتِهِ فَقَالَ: (وَعَلَى قَاتِلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ) سَوَاءٌ أَكَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَمْ شِبْهَ عَمْدٍ أَمْ خَطَأً (كَفَّارَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ﴾ [النساء: 92] أَيْ فِي قَوْمٍ.
﴿عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]

[حاشية البجيرمي]

يَمِينُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَتْلٌ بِلَا لَوْثٍ إلَخْ م د. قَوْلُهُ: (فَكَانَ الْأَوْلَى) يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْعَهْدِ وَالْيَمِينُ الْمَعْهُودَةُ فِي الْقَسَامَةِ خَمْسُونَ.

قَوْلُهُ: (بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ بَدَلَ الدَّمِ) أَيْ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ بَدَلَ الدَّمِ وَهُوَ مَوْتُ مُوَرِّثِهِ، وَإِنَّمَا قَدَّرْنَا ذَلِكَ، لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْأَيْمَانِ وَكَانَ الْأَظْهَرُ أَنْ يَقُولَ: بَعْدَ قَتْلِ مُوَرِّثِهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (أَقْسَمَ) أَيْ إنْ اخْتَارَ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُقْسِمُ) أَيْ بَلْ يُحَلَّفُ غَيْرُهُ مِنْ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ فُقِدُوا نَصَبَ الْحَاكِمُ مَنْ يَدَّعِي وَيُحَلَّفُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ) أَيْ لِعَدَمِ إرْثِ الْكَافِرِ مِنْ الْمُسْلِمِ بِخِلَافِ الصُّورَةِ السَّابِقَةِ فَإِنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ الْمُسْلِمِ فَيَرِثُهُ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ الرِّدَّةُ بَعْدُ، م د. وَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ هُنَاكَ وَرَثَةٌ مُسْلِمُونَ حُلِّفُوا، وَإِلَّا انْتَقَلَ لِبَيْتِ الْمَالِ فَيَأْتِي فِيهِ مَا فِي الْمَيِّتِ الَّذِي لَا وَارِثَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (اسْتَحَقَّ الدِّيَةَ) أَيْ إنْ عَادَ لِلْإِسْلَامِ.
فَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا كَانَتْ الدِّيَةُ لِبَيْتِ الْمَالِ فَيْئًا كَبَقِيَّةِ مَالِهِ.
قَوْلُهُ (: لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اعْتَدَّ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ: إنْ هَذَا لَا يُفِيدُ الْمُدَّعِيَ، لِأَنَّ اعْتِدَادَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَيْمَانِ الْيَهُودِ لِأَجْلِ ذِمَّتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ لَيْسَ هَذَا مَوْجُودًا فِي الْمُرْتَدِّ.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَالْقَسَامَةُ نَوْعُ اكْتِسَابٍ) مِنْ تَمَامِ الْعِلَّةِ.
قَوْلُهُ: (خَاصٌّ) صِفَةٌ " لِوَارِثَ " عَلَى مَحَلِّهِ قَبْلَ دُخُولِ " لَا " وَيَجُوزُ نَصْبُهُ نَعْتًا لَهُ عَلَى مَحَلِّهِ بَعْدَ دُخُولِهَا.
قَوْلُهُ: (يَنْصِبُ) أَيْ وُجُوبًا.
قَوْلُهُ: (جَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ بِالْأَوَّلِ) ضَعِيفٌ وَعَلَيْهِ فَتَكُونُ الدِّيَةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لِبَيْتِ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: (لِيَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ) فَإِنْ حَلَفَ تُرِكَ، وَإِنْ أَقَرَّ أُخِذَ مِنْهُ الدِّيَةُ وَيَجْرِي مِثْلُهُ هُنَا إذَا نَكَلَ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ الْقَتْلُ فَيُحْبَسُ لِيَحْلِفَ، أَوْ يُقِرَّ فَإِنْ حَلَفَ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، وَإِنْ أَقَرَّ أَخَذَ مِنْهُ الدِّيَةَ إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ وَانْظُرْ مَا الْمَانِعُ مِنْ قَتْلِهِ بِإِقْرَارِهِ وَقِيَاسُ مَا قَالُوا: مِنْ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَوْ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي ثَبَتَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ، لِأَنَّ رَدَّ الْيَمِينِ كَالْإِقْرَارِ أَنْ تَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ.
اهـ. م د.

قَوْلُهُ: (الْمُحَرَّمَةِ) أَيْ الْمُحَرَّمِ قَتْلُهَا أَوْ الْمُرَادُ الْمُحْتَرَمَةُ الْمَعْصُومَةُ الَّتِي يُحَرَّمُ قَتْلُهَا وَهِيَ الْمَعْصُومَةُ بِإِيمَانٍ، أَوْ أَمَانٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْجَنِينُ الْمَضْمُونُ بِالْغُرَّةِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: 92] يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ " مِنْ " بِمَعْنَى فِي أَيْ أَنَّ الْمَقْتُولَ مُؤْمِنٌ وَاقِفٌ فِي صَفِّ الْكُفَّارِ، أَوْ دَارِهِمْ

وَخَبَرِ «وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ اسْتَوْجَبَ النَّارَ بِالْقَتْلِ فَقَالَ أَعْتِقُوا عَنْهُ رَقَبَةً يُعْتِقُ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ.
وَخَرَجَ بِالْقَتْلِ الْأَطْرَافُ وَالْجُرُوحُ فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِمَا لِعَدَمِ وُرُودِهِ.

وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ تَكْلِيفٌ بَلْ تَجِبُ، وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونًا، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مِنْ بَابِ الضَّمَانِ، فَتَجِبُ فِي مَالِهِمَا فَيُعْتِقُ الْوَلِيُّ عَنْهُمَا مِنْ مَالِهِمَا وَلَا يَصُومُ عَنْهُمَا بِحَالٍ.
فَإِنْ صَامَ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ أَجْزَأَهُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِهَا أَيْضًا الْحُرِّيَّةُ بَلْ تَجِبُ وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ عَبْدًا كَمَا يَتَعَلَّقُ بِقَتْلِهِ الْقِصَاصُ وَالضَّمَانُ لَكِنْ يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ لِعَدَمِ مِلْكِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِهَا الْمُبَاشَرَةُ بَلْ تَجِبُ، وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مُتَسَبِّبًا كَالْمُكْرِهِ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَشَاهِدِ الزُّورِ وَحَافِرِ بِئْرٍ عُدْوَانًا

[حاشية البجيرمي]

وَظَنَّهُ الْقَاتِلُ حَرْبِيًّا فَإِنَّهُ مُهْدَرٌ لَا ضَمَانَ فِيهِ لَكِنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ " مِنْ " عَلَى بَابِهَا وَهُوَ أَنَّ الْمَقْتُولَ مِنْ الْعَدُوَّيْنِ الْحَرْبِيَّيْنِ لَكِنْ أَسْلَمَ وَقَتَلَهُ شَخْصٌ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ وَتَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَلَمْ يَقُلْ: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] ، لِأَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَهُ وَحُكْمُ الدِّيَةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ مُسْلِمُونَ أَخَذُوهَا، وَإِلَّا كَانَتْ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَعِبَارَةُ الْجَلَالِ قَوْلُهُ عَدُوٍّ أَيْ أَهْلِ حَرْبٍ وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] عَلَى قَاتِلِهِ كَفَّارَةً وَلَا دِيَةَ تُسَلَّمُ إلَى أَهْلِهِ لِحِرَابَتِهِمْ وَفِي تَفْسِيرِ الْبَيْضَاوِيِّ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] أَيْ فَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مِنْ قَوْمٍ كُفَّارٍ مُحَارَبِينَ أَيْ فِي تَضَاعِيفِهِمْ وَلَمْ يُعْلَمْ أَيْمَانُهُ فَعَلَى قَاتِلِهِ الْكَفَّارَةُ دُونَ الدِّيَةِ لِأَهْلِهِ؛ إذْ لَا وِرَاثَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، لِأَنَّهُمْ مُحَارَبُونَ ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] أَيْ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ كَفَرَةٍ مُعَاهَدِينَ، أَوْ أَهْلِ ذِمَّةٍ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَالدِّيَةِ وَقَدَّمَ هُنَا الدِّيَةَ عَلَى الْكَفَّارَةِ عَكْسَ مَا قَبْلَهُ لِاعْتِنَائِهِمْ هُنَا بِالدِّيَةِ بِكُفْرِهِمْ وَفِي تَفْسِيرِ الشَّارِحِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ أَيْ وَهُوَ كَافِرٌ مِنْ قَوْمٍ أَيْ كُفَّارٍ عَدُوٍّ لَكُمْ أَيْضًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ أَنَّ الْقَوْمَ فِي الَّذِي قَبْلَهُ كُفَّارٌ حَرْبِيُّونَ وَفِي هَذَا كُفَّارٌ أَهْلُ ذِمَّةٍ وَالْمَقْتُولُ فِي هَذَا كَافِرٌ وَفِي الَّذِي قَبْلَهُ مُؤْمِنٌ اهـ قَوْلُهُ: (قَدْ اسْتَوْجَبَ النَّارَ) يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْقَتْلَ عَمْدٌ وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: أَعْتِقُوا عَنْهُ أَنَّهُ مَاتَ، وَإِنَّمَا اعْتَقَدُوا اسْتِحْقَاقَهُ لِلنَّارِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: 93] إلَخْ.
وَيُرَدُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ الْعَمْدَ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ وُرُودِهِ) أَيْ وُرُودِ التَّكْفِيرِ.

قَوْلُهُ: (لَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ تَكْلِيفٌ) وَالضَّابِطُ أَنْ يُقَالَ: تَجِبُ عَلَى غَيْرِ حَرْبِيٍّ بَقَتْلِ مَعْصُومٍ عَلَيْهِ،.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (لَكِنْ يُكَفِّرُ بِصَوْمٍ) أَيْ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، أَوْ بَعْدَ الْعِتْقِ أَمَّا قَبْلَهُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْقَتْلِ صَامَ بِلَا إذْنٍ وَإِلَّا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَالْمُكْرِهِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ.
فَرْعٌ: مَنْ قَتَلَ رَجُلًا بِأَمْرِ الْإِمَامِ فَظَنَّهُ بِحَقٍّ فَبَانَ ظُلْمًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَلْ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ وَعَلَى الْآمِرِ الْقَوَدُ، أَوْ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ.
وَإِنْ عَلِمَ ظُلْمَهُ وَلَمْ يَخَفْ سَطْوَتَهُ فَذَلِكَ عَلَى الْمَأْمُورِ فَقَطْ وَيَأْثَمُ الْآمِرُ، وَإِنْ خَافَهَا فَعَلَيْهِمَا كَالْإِكْرَاهِ،.
اهـ. عب قَالَ: وَهَلْ كَتْبُهُ إلَى مَنْ يَقْتُلُهُ كَأَمْرِهِ لَفْظًا؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ،.
اهـ. وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ مِثْلُهُ نَظَرًا لِلْعُرْفِ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (وَحَافِرِ بِئْرٍ عُدْوَانًا) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ حَفْرَ الْبِئْرِ مِنْ قَبِيلِ السَّبَبِ مَعَ أَنَّهُ شَرْطٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ السَّبَبَ اللُّغَوِيَّ وَهُوَ مَا كَانَ وَصْلَةً لِلشَّيْءِ فَيَشْمَلُ السَّبَبَ وَالشَّرْطَ لَا الِاصْطِلَاحِيَّ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالسَّبَبِ مَا يَشْمَلُ الشَّرْطَ م ر. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْقَتْلِ ثَلَاثَةٌ: مُبَاشَرَةٌ وَسَبَبٌ وَشَرْطٌ؛ فَالْمُبَاشَرَةُ هِيَ الَّتِي تُؤَثِّرُ وَتُحَصِّلُ، وَالسَّبَبُ هُوَ الَّذِي يُؤَثِّرُ وَلَا يُحَصِّلُ كَالسُّمِّ وَالْإِكْرَاهِ فَإِنَّهُ يُؤَثِّرُ وَلَا يُحَصِّلُ، وَالشَّرْطُ مَا لَا يُؤَثِّرُ وَلَا يُحَصِّلُ كَحَفْرِ الْبِئْرِ.
وَالسَّبَبُ إمَّا حِسِّيٌّ، وَإِمَّا عَادِيٌّ، وَإِمَّا شَرْعِيٌّ؛ فَالْأَوَّلُ كَالْإِكْرَاهِ، وَالثَّانِي كَتَقْدِيمِ

تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ الْمُسْلِمُ وَلَوْ كَانَ بِدَارِ الْحَرْبِ وَالذِّمِّيُّ وَالْمُسْتَأْمَنُ وَالْجَنِينُ الْمَضْمُونُ بِالْغُرَّةِ وَعَبْدُ الشَّخْصِ نَفْسِهِ وَنَفْسُهُ، لِأَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً، وَخَرَجَ بِذَلِكَ قَتْلُ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ الْحَرْبِيَّيْنِ فَلَا كَفَّارَةَ فِي قَتْلِهِمَا وَإِنْ كَانَ حَرَامًا.
لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ قَتْلِهِمَا لَيْسَ لِحُرْمَتِهِمَا بَلْ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، لِئَلَّا يَفُوتَهُمْ الِارْتِفَاقُ بِهِمَا وَقَتْلُ مُبَاحِ الدَّمِ كَقَتْلِ بَاغٍ وَصَائِلٍ، لِأَنَّهُمَا لَا يُضْمَنَانِ، فَأَشْبَهَا الْحَرْبِيَّ، وَمُرْتَدٍّ وَزَانٍ مُحْصَنٍ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْمُسَاوِي وَحَرْبِيٍّ وَلَوْ قَتَلَهُ مِثْلُهُ وَمُقْتَصٍّ مِنْهُ يَقْتُلُهُ الْمُسْتَحِقُّ لَهُ، لِأَنَّهُ مُبَاحُ الدَّمِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْ الشُّرَكَاءِ فِي الْقَتْلِ كَفَّارَةٌ فِي الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ فَلَا يَتَبَعَّضُ كَالْقِصَاصِ وَالْكَفَّارَةِ.
(عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) بِالْإِجْمَاعِ الْمُسْتَنِدِ إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] (سَلِيمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ) بِالْعَمَلِ إضْرَارًا بَيِّنًا كَامِلَةِ الرِّقِّ خَالِيَةٍ عَنْ عِوَضٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي الظِّهَارِ فَهِيَ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي التَّرْتِيبِ فَيُعْتِقُ أَوَّلًا (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) رَقَبَةً بِشُرُوطِهَا أَوْ وَجَدَهَا وَعَجَزَ عَنْ ثَمَنِهَا، أَوْ وَجَدَهَا وَهِيَ تُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهَا (صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الظِّهَارِ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ اقْتِصَارِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ لَا إطْعَامَ هُنَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الصَّوْمِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْأَظْهَرِ اقْتِصَارًا عَلَى الْوَارِدِ فِيهَا؛ إذْ الْمُتَّبَعُ فِي الْكَفَّارَاتِ النَّصُّ لَا الْقِيَاسُ وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ غَيْرَ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ.
فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الظِّهَارِ كَمَا فَعَلُوا فِي قَيْدِ الْأَيْمَانِ حَيْثُ اعْتَبَرُوهُ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْمُقَيَّدِ هُنَا.
أُجِيبَ: بِأَنَّ ذَاكَ إلْحَاقٌ فِي وَصْفٍ وَهَذَا إلْحَاقٌ فِي أَصْلٍ، وَأَحَدُ الْأَصْلَيْنِ لَا يَلْحَقُ بِالْآخَرِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْيَدَ الْمُطْلَقَةَ فِي التَّيَمُّمِ حُمِلَتْ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ بِالْمَرَافِقِ فِي الْوُضُوءِ، وَلَمْ يُحْمَلْ إهْمَالُ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى ذِكْرِهِمَا فِي الْوُضُوءِ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ الصَّوْمِ أُطْعِمَ مِنْ تَرِكَتِهِ كَفَائِتِ صَوْمِ رَمَضَانَ.

خَاتِمَةٌ: لَا كَفَّارَةَ عَلَى مَنْ أَصَابَ غَيْرَهُ بِالْعَيْنِ وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ حَقًّا، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُفْضِي إلَى

[حاشية البجيرمي]

الطَّعَامِ الْمَسْمُومِ، وَالثَّالِثُ كَشَهَادَةِ الزُّورِ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْبَهْجَةِ الْكَبِيرِ: فَالْمُبَاشَرَةُ وَتُسَمَّى عِلَّةً مَا يُؤَثِّرُ فِي التَّلَفِ وَيُحَصِّلُهُ كَالْحَزِّ وَالْجَرْحِ، وَالسَّبَبُ مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَلَا يُحَصِّلُهُ كَشَهَادَةِ الزُّورِ، وَالْإِكْرَاهِ، وَالشَّرْطُ مَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَلَا يُحَصِّلُهُ بَلْ يَحْصُلُ التَّلَفُ عِنْدَهُ بِغَيْرِهِ، وَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَأْثِيرُ ذَلِكَ الْغَيْرِ فِي التَّلَفِ كَحَفْرِ الْبِئْرِ عُدْوَانًا فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي التَّلَفِ وَلَا يُحَصِّلُهُ، وَإِنَّمَا الْمُؤَثِّرُ التَّخَطِّي فِي صَوْبِ الْبِئْرِ وَالْمُحَصِّلُ لِلتَّلَفِ التَّرَدِّي فِيهَا لَكِنْ لَوْلَا الْحَفْرُ مَا حَصَلَ التَّلَفُ وَلِهَذَا سُمِّيَ شَرْطًا اهـ. قَوْلُهُ: (وَنَفْسُهُ) فَتُخْرَجُ مِنْ تَرِكَتِهِ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَمِنْ ثَمَّ لَوْ هُدِرَ كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ لَمْ تَجِبْ فِيهِ.
وَإِنْ أَثِمَ بِقَتْلِ نَفْسِهِ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ افْتِيَاتًا عَلَى الْإِمَامِ اهـ م ر. وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ وَنَظَرَ فِيهِ سم بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ فِي التَّيَمُّمِ مِنْ أَنَّ الزَّانِيَ الْمُحْصَنَ مَعْصُومٌ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ عَلَيْهِ وَأَقَرَّ النَّظَرَ ع ش عَلَى م ر. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ مُجَرَّدُ بَحْثٍ، وَالْحُكْمُ مُسَلَّمٌ اهـ. قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِذَلِكَ) أَيْ بِتَقْيِيدِ النَّفْسِ بِالْمُحَرَّمَةِ أَيْ لِذَاتِهَا.
قَوْلُهُ: (قَتْلُ الْمَرْأَةِ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ، وَمِثْلُهُ مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (الِارْتِفَاقُ) أَيْ الِانْتِفَاعُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمَا لَا يُضْمَنَانِ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ.
قَوْلُهُ: (بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْمُسَاوِي) أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسَاوِي بِأَنْ قَتَلَ مُرْتَدٌّ مِثْلَهُ، أَوْ زَانٍ مُحْصَنٌ مِثْلَهُ فَعَلَيْهِمَا الْكَفَّارَةُ قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ التَّكْفِيرَ الْمَأْخُوذَ مِنْ الْكَفَّارَةِ، أَوْ أَنَّهُ ذُكِرَ بِالنَّظَرِ لِلْخَبَرِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى الْأَظْهَرِ مِنْ أَنَّهُ لَا إطْعَامَ هُنَا.

قَوْلُهُ: (لَا كَفَّارَةَ) أَيْ وَلَا دِيَةَ عَلَى مَنْ أَصَابَ غَيْرَهُ بِالْعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ حَقًّا) لِمَا وَرَدَ «إنَّهَا تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ» قَالَ: م ر فِي شَرْحِهِ: لِأَنَّهَا لَا تُعَدُّ مُهْلِكًا عَادَةً عَلَى أَنَّ التَّأْثِيرَ يَقَعُ عِنْدَهَا لَا بِهَا، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: إنَّهَا تَنْبَثُّ مِنْهَا جَوَاهِرُ

الْقَتْلِ غَالِبًا وَلَا يُعَدُّ مُهْلِكًا؛ وَيُنْدَبُ لِلْعَائِنِ أَنْ يَدْعُوَ بِالْبَرَكَةِ فَيَقُولَ: " اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَلَا تَضُرَّهُ ". وَأَنْ يَقُولَ: " مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ". قِيلَ: وَيَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ وَيَأْمُرَهُ بِلُزُومِ بَيْتِهِ وَيَرْزُقَهُ مَا يَكْفِيهِ إنْ كَانَ فَقِيرًا، فَإِنَّ ضَرَرَهُ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ الْمَجْذُومِ.
الَّذِي مَنَعَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ مُخَالَطَةِ النَّاسِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ «أَنَّ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اسْتَكْثَرَ قَوْمَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَمَاتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُمْ مِائَةَ أَلْفٍ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ شَكَا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اسْتَكْثَرْتَهُمْ فَعِنْتَهُمْ فَهَلَّا حَصَّنْتَهُمْ حِينَ اسْتَكْثَرْتَهُمْ فَقَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أُحَصِّنُهُمْ فَقَالَ تَعَالَى: تَقُولُ: حَصَّنْتُكُمْ بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي لَا يَمُوتُ أَبَدًا وَدَفَعْتُ عَنْكُمْ السُّوءَ بِأَلْفِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» . قَالَ الْقَاضِي: وَهَكَذَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ إذَا رَأَى نَفْسَهُ سَلِيمَةً وَأَحْوَالَهُ مُعْتَدِلَةً يَقُولُ: فِي نَفْسِهِ ذَلِكَ، وَكَانَ الْقَاضِي يُحَصِّنُ تَلَامِذَتَهُ بِذَلِكَ إذَا اسْتَكْثَرَهُمْ، وَسَكَتُوا عَنْ الْقَتْلِ بِالْحَالِ.
وَأَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ إذَا قَتَلَ بِهِ، لِأَنَّ لَهُ فِيهِ اخْتِيَارًا كَالسَّاحِرِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ وَلَا بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِ، كَمَا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ.
قَالَ مِهْرَانُ بْنُ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ أَنَّ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلَامٌ وَكَذَبَ عَلَيْهِ فَقَالَ مُطَرِّفٌ: اللَّهُمَّ إنْ كَانَ كَاذِبًا فَأَمِتْهُ.
فَخَرَّ مَيِّتًا فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى زِيَادٍ فَقَالَ: قَتَلْتَ الرَّجُلَ قَالَ: لَا وَلَكِنَّهَا دَعْوَةٌ وَافَقَتْ أَجَلًا

[حاشية البجيرمي]

لَطِيفَةٌ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ فَتَتَخَلَّلُ الْمَسَامَّ فَيَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى الْهَلَاكَ عِنْدَهَا.
وَمِنْ أَدْوِيَتِهَا الْمُجَرَّبَةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَتَوَضَّأَ الْعَائِنُ أَيْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمَرْفِقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَ إزَارِهِ أَيْ مَا يَلِي جَسَدَهُ مِنْ الْإِزَارِ، وَقَوْلُهُ: وَرُكْبَتَيْهِ، وَقِيلَ: مَذَاكِيرَهُ، وَيَصُبَّهُ عَلَى رَأْسِ الْمَعْيُونِ اهـ. وَأَوْجَبَ ذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَرَجَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ: وَإِذَا طُلِبَ مِنْ الْعَائِنِ فِعْلُ ذَلِكَ لَزِمَهُ لِخَبَرِ: «وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا» اهـ. شَرْحُ الْمِنْهَاجِ لحج قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ الذَّكَرُ الْفَرْجُ مِنْ الْحَيَوَانِ جَمْعُهُ ذِكَرَةٌ مِثْلُ عِنَبَةٍ وَمَذَاكِيرُ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ.
قَوْلُهُ: (وَيُنْدَبُ لِلْعَائِنِ) أَيْ الَّذِي يُصِيبُ بِعَيْنِهِ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ مَا ذُكِرَ لَمْ تَضُرَّ عَيْنُهُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ: (قِيلَ) ذِكْرُهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ السُّنَّةُ لَهُ ذَلِكَ قَالَ زي وَالرَّمْلِيُّ: يُنْدَبُ لِلْحَاكِمِ حَبْسُ مَنْ فِيهِ مَا يُؤْذِي بِهِ النَّاسَ كَأَجْذَمَ وَمِعْيَانٍ وَلَوْ أَبَدًا بَلْ إنْ رَأَى قَلْعَ عَيْنِهِ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَنْ يُفْتَتَنُ بِهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ قَوْلُهُ: (فَعِنْتَهُمْ) أَيْ أَصَبْتَهُمْ بِالْعَيْنِ وَهَذَا يَجِبُ تَأْوِيلُهُ لِعِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ، بِأَنَّ مَعْنَى فَعِنْتَهُمْ أَيْ لَمْ تُحَصِّنْهُمْ بِذِكْرِي وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ لَا يَذْكُرَ هَذِهِ الْحِكَايَةَ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْحَسَدِ وَهُوَ مُحَالٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّأْوِيلِ بِأَنْ يُقَالَ: فَعِنْتَهُمْ أَيْ اتِّفَاقًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَلَكِنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْجَوَابِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّ الْحِكَايَاتِ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى مَا يَقَعُ فِيهَا لِلتَّسَاهُلِ فِيهَا بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ لَا أَصْلَ لَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ عَدَّ الشَّيْءِ كَثِيرًا لَيْسَ إعَانَةً فَقَوْلُهُ تَعَالَى عِنْتَهُمْ مَعْنَاهُ فَعَلْتَ مَعَهُمْ فِعْلَ الْعَائِنِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِي كُتُبِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ، فَلْيَأْخُذْ سَبْعَ وَرَقَاتِ سِدْرٍ أَخْضَرَ، فَيَدُقُّهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ ثُمَّ يَضْرِبُهُ بِالْمَاءِ وَيَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، وَذَوَاتَ " قُلْ "، ثُمَّ يَحْسُو مِنْهُ ثَلَاثَ حَسَوَاتٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ بِهِ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ عَنْهُ مَا كَانَ بِهِ وَهُوَ جَيِّدٌ لِلرَّجُلِ الْمَحْبُوسِ عَنْ أَهْلِهِ.
قَوْلُهُ: (يَقُولُهُ فِي نَفْسِهِ ذَلِكَ) أَيْ يَقُولُ عَلَى نَفْسِهِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ قَوْلًا نَفْسِيًّا.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِهِ) مُعْتَمَدٌ أَيْ لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ إلَّا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ لَكِنْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (ابْنَ الشِّخِّيرِ) كَانَ مِنْ الْأَبْدَالِ، وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (إلَى زِيَادٍ) كَانَ أَمِيرًا مِنْ جِهَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ كَانَ قَاضِيًا اهـ.

كِتَابُ الْحُدُودِ جَمْعُ حَدٍّ وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ وَشَرْعًا عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ وَجَبَتْ زَجْرًا عَنْ ارْتِكَابِ مَا يُوجِبُهُ وَعَبَّرَ عَنْهَا جَمْعًا لِتَنَوُّعِهَا، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْبَابِ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّرْجَمَةَ بِالْجِنَايَاتِ شَامِلَةٌ لِلْحُدُودِ وَبَدَأَ مِنْهَا بِالزِّنَا وَهُوَ بِالْقَصْرِ لُغَةٌ حِجَازِيَّةٌ وَبِالْمَدِّ لُغَةٌ تَمِيمِيَّةٌ، وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْمِلَلِ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَهُوَ مِنْ أَفْحَشِ الْكَبَائِرِ وَلَمْ يَحِلَّ فِي مِلَّةٍ قَطُّ، وَلِهَذَا كَانَ حَدُّهُ أَشَدَّ الْحُدُودِ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْأَعْرَاضِ وَالْأَنْسَابِ فَقَالَ:

(وَالزَّانِي) أَيْ الَّذِي يَجِبُ حَدُّهُ وَهُوَ مُكَلَّفٌ وَاضِحُ الذُّكُورَةِ أَوْلَجَ

[حاشية البجيرمي]

[كِتَابُ الْحُدُودِ]

ِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا لَهَا نِهَايَاتٌ مَضْبُوطَةٌ وَكَانَتْ الْحُدُودُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ بِالْغَرَامَاتِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِهَذِهِ الْعُقُوبَاتِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَشُرِعَتْ زَجْرًا لِأَرْبَابِ الْمَعَاصِي عَنْهَا فَإِذَا عَلِمَ الزَّانِي مَثَلًا أَنَّهُ إذَا زَنَى حُدَّ امْتَنَعَ مِنْهُ وَهَكَذَا أَقُولُ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ زَوَاجِرُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا فِي الْمُسْلِمِ جَوَابِرُ لِسُقُوطِ عُقُوبَتِهَا فِي الْآخِرَةِ إذَا اُسْتُوْفِيَتْ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْكَافِرِ زَوَاجِرُ بِرْمَاوِيٌّ قَوْلُهُ وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَنْعِهَا مِنْ ارْتِكَابِ الذَّنْبِ وَقِيلَ لِأَنَّ اللَّهَ حَدَّدَهَا وَقَدَّرَهَا فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا وَلَا يُنْقَصُ وَأَخَّرَ حَدَّ الزِّنَا عَنْ الْقَتْلِ لِأَنَّهُ دُونَهُ أَيْ بِالنَّظَرِ لِزِنَا غَيْرِ الْمُحْصَنِ فَهُوَ دُونَهُ فِي الْجُمْلَةِ قَوْلُهُ مُقَدَّرَةٌ أَخْرَجَ التَّعْزِيرَ قَوْلُهُ وَجَبَتْ زَجْرًا أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ زَوَاجِرُ وَقَدْ يُقَالُ كَلَامُ الشَّارِحِ لَا يُنَافِي أَنَّهَا جَوَابِرُ إذْ مَعْنَى كَوْنِهَا زَوَاجِرَ أَنَّهَا مَانِعَةٌ لِلشَّخْصِ مِنْ الْعَوْدِ لِمِثْلِهَا فَلَا يُنَافِي كَوْنَهَا جَوَابِرَ قَوْلُهُ مَا يُوجِبُهُ أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الْعُقُوبَةِ أَوْ أَنَّهُ ذَكَرَ بِتَأْوِيلِهَا بِالْحَدِّ أَوْ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِلْحَدِّ لِأَنَّهُ الْمُعَرَّفُ قَوْلُهُ لَكَانَ أَوْلَى الْأَوْلَى مَا صَنَعَهُ الْمَتْنُ لِأَنَّ ذَاكَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْأَبَدَانِ فَلَمْ يَشْمَلْ مَا هُنَا فَكَانَ مَا هُنَا جِنْسًا آخَرَ فَيُنَاسِبُهُ التَّعْبِيرُ بِالْكِتَابِ قَوْلُهُ لِلْحُدُودِ أَيْ لِأَسْبَابِ الْحُدُودِ لِأَنَّ الْحُدُودَ لَيْسَتْ جِنَايَةً قَوْلُهُ وَبَدَأَ مِنْهَا بِالزِّنَا أَيْ بِحَدِّ الزِّنَا.
قَوْلُهُ: (حِجَازِيَّةٌ) وَهِيَ أَفْصَحُ لِأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِهَا وَهَذَا بِاعْتِبَارِ لَفْظِهِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ، فَهُوَ لُغَةً مُطْلَقُ الْإِيلَاجِ وَشَرْعًا إيلَاجُ الذَّكَرِ فِي قُبُلِ الْآدَمِيِّ، أَوْ فِي فَرْجِ الْآدَمِيِّ، أَوْ فِي الْفَرْجِ مُطْلَقًا اهـ ق ل قَوْلُهُ وَهُوَ مِنْ أَفْحَشِ الْكَبَائِرِ أَيْ بَعْدَ الْقَتْلِ عَلَى الْأَصَحِّ وَمِنْ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ وَمِنْ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ وَإِنَّمَا جُعِلَتْ عُقُوبَةُ الزِّنَا بِمَا ذُكِرَ وَلَمْ تُجْعَلْ بِقَطْعِ آلَةِ الزِّنَا كَالسَّارِقِ تُقْطَعُ يَدُهُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ النَّسْلِ وَلِأَنَّ قَطْعَ آلَةِ السَّرِقَةِ تَعُمُّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَقَطْعَ الذَّكَرِ يَخُصُّ الرَّجُلَ وَلِأَنَّ الذَّكَرَ لَا ثَانِيَ لَهُ بِخِلَافِ الْيَدِ وَاعْلَمْ أَنَّ ارْتِكَابَ الْكَبَائِرِ لَا يَسْلُبُ الْإِيمَانَ وَلَا يُحْبِطُ الطَّاعَاتِ إذْ لَوْ كَانَتْ مُحْبِطَةً لِذَلِكَ لَلَزِمَ أَنْ لَا يَبْقَى لِبَعْضِ الْعُصَاةِ طَاعَةٌ وَالْقَائِلُ بِالْإِحْبَاطِ يُحِيلُ دُخُولَهُ الْجَنَّةَ قَالَ السُّبْكِيُّ وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى دُخُولِ مَنْ مَاتَ غَيْرَ مُشْرِكٍ الْجَنَّةَ بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ وَهِيَ قَاصِمَةٌ لِظُهُورِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِخُلُودِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ ذَكَرَهُ الْمُنَاوِيُّ فَرْعٌ سُئِلَ الشَّمْسُ الرَّمْلِيُّ فِيمَنْ زَنَى مِائَةَ مَرَّةٍ مَثَلًا فَهَلْ يَلْزَمُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٌ حَدٌّ وَإِذَا تَابَ عِنْدَ الْمَوْتِ هَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ وَهَلْ لِلزَّوْجِ عَلَى مَنْ زَنَى بِزَوْجَتِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ حَقٌّ وَإِذَا تَابَ الزَّانِي هَلْ يَسْقُطُ حَقُّ زَوْجِهَا عَنْهُ فَأَجَابَ يُكْتَفَى بِحَدٍّ وَاحِدٍ لِاتِّحَادِ الْجِنْسِ وَلَا حَدَّ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَلِلزَّوْجِ حَقٌّ عَلَى الزَّانِي بِزَوْجَتِهِ وَيَسْقُطُ حَقُّهُ بِالتَّوْبَةِ الَّتِي تَوَفَّرَتْ شُرُوطُهَا.
اهـ. ع ش عَلَى م ر قَوْلُهُ وَلَمْ يَحِلَّ فِي مِلَّةٍ قَطُّ أَعَادَهُ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ وَلِهَذَا قَوْلُهُ عَلَى الْأَعْرَاضِ الْعِرْضُ يُقَالُ عَلَى الْجَسَدِ وَعَلَى النَّفْسِ وَعَلَى الْحَسَبِ.
اهـ. مُخْتَارٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الثَّانِي وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ مَحَلُّ الْمَدْحِ

حَشَفَةَ ذَكَرِهِ الْأَصْلِيِّ الْمُتَّصِلِ أَوْ قَدْرَهَا مِنْهُ عِنْدَ فَقْدِهَا فِي قُبُلِ وَاضِحِ الْأُنُوثَةِ وَلَوْ غَوْرَاءَ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ فَارِقًا بَيْنَ مَا هُنَا وَمَا فِي بَابِ التَّحْلِيلِ مِنْ عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِالْإِيلَاجِ فِيهَا بِنَاءً عَلَى تَكْمِيلُ اللَّذَّةِ مُحَرَّمٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِعَيْنِ الْإِيلَاجِ

[حاشية البجيرمي]

وَالذَّمِّ مِنْ الْإِنْسَانِ فَالزِّنَا جِنَايَةٌ عَلَى الْعِرْضِ لِأَنَّ الزَّانِيَ تُذَمُّ نَفْسُهُ وَكَذَا الْمَزْنِيُّ بِهَا شَيْخُنَا قَوْلُهُ وَالْأَنْسَابِ أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ

. وَقَوْلُهُ: الَّذِي إلَخْ يَخْرُجُ بِهِ الْخُنْثَى وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ قَوْلُهُ: (وَهُوَ مُكَلَّفٌ) . أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمُولَجُ فِيهِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ فَيُحَدُّ الْمُكَلَّفُ.
وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُولَجُ فِيهِ مُكَلَّفًا، وَالْمُولِجُ غَيْرَ مُكَلَّفٍ فَيُحَدُّ الْمُولَجُ فِيهِ.
وَحَاصِلُ الشُّرُوطِ اثْنَا عَشَرَ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا، ثَانِيهَا: وَاضِحُ الذُّكُورَةِ، ثَالِثُهَا: أَوْلَجَ جَمِيعَ حَشَفَتِهِ، رَابِعُهَا: أَصَالَةُ الذَّكَرِ، خَامِسُهَا: اتِّصَالُهُ، سَادِسُهَا: فِي قُبُلٍ، سَابِعُهَا: أَنْ يَكُونَ الْقُبُلُ وَاضِحَ الْأُنُوثَةِ، ثَامِنُهَا: أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا، تَاسِعُهَا: فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، عَاشِرُهَا: لِعَيْنِ الْإِيلَاجِ، حَادِيَ عَشَرَهَا: الْخُلُوُّ عَنْ الشُّبْهَةِ ثَانِيَ عَشَرَهَا: أَنْ يَكُونَ مُشْتَهًى طَبْعًا وَالشَّارِحُ جَعَلَهَا تِسْعَةً.
وَق ل أَحَدَ عَشَرَ.
قَوْلُهُ: (أَوْلَجَ حَشَفَةَ ذَكَرِهِ) وَلَوْ مِنْ ذَكَرٍ أَشَلَّ وَلَوْ بِحَائِلٍ غَلِيظٍ وَلَوْ غَيْرَ مُنْتَشِرٍ وَلَوْ مِنْ طِفْلٍ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الزِّنَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ وَفِي حَاشِيَةِ سم عَلَى الْمَنْهَجِ قَوْلُهُ: إيلَاجُ الذَّكَرِ بِفَرْجٍ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ لَك أَنْ تَقُولَ: إنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الزِّنَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَرْأَةِ؛ إذْ لَا يَصْدُقُ عَلَى زِنَاهَا الْإِيلَاجُ فَلَا يَكُونُ جَامِعًا وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيلَاجِ مَفْهُومٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ مَصْدَرَ أَوْلَجَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَمَصْدَرَ أُولِجَ فِيهِ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فَيَتَنَاوَلُ زِنَا الْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَدْرَهَا إلَخْ) وَلَوْ مِنْ طِفْلٍ أَيْ، أَوْ كَانَ هُوَ مُكَلَّفًا وَطِئَ طِفْلَةً صَغِيرَةً وَلَوْ بِنْتَ يَوْمٍ فَإِنَّهُ يُحَدُّ وَالْمَرْأَةُ أَدْخَلَتْ فَرْجَ صَبِيٍّ وَلَوْ ابْنَ يَوْمٍ فِي فَرْجِهَا فَإِنَّهَا تُحَدُّ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (عِنْدَ فَقْدِهَا) خَرَجَ بِهِ مَا إذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً فَلَا عِبْرَةَ بِقَدْرِهَا مِنْ بَقِيَّةِ الذَّكَرِ.
فَلَوْ ثَنَى ذَكَرَهُ وَأَدْخَلَ مِنْهُ قَدْرَهَا لَمْ يُحَدَّ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْوَطْءِ عَلَى الْأَوْجَهِ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَقِطْعَةِ لَحْمٍ مِنْ بَقِيَّةِ بَدَنِهِ بِجَامِعِ عَدَمِ الِالْتِذَاذِ اهـ زي.
وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ بِإِيلَاجِ ذَكَرٍ زَائِدٍ وَلَوْ عَلَى سَمْتِ الْأَصْلِيِّ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهَا إذَا عَلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى أَدْخَلَتْ حَشَفَتَهُ فِي فَرْجِهَا وَتَمَكَّنَ مِنْ دَفْعِهَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّ تَمْكِينَهَا مِنْ ذَلِكَ كَفِعْلِهِ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (فِي قُبُلٍ) قَيَّدَ بِهِ لِأَجْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي مِنْ حُكْمِ اللِّوَاطِ.
وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَأْخُذْ مُحْتَرَزَهُ وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ بِفَرْجٍ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ مِنْ ذَكَرٍ، أَوْ أُنْثَى اهـ. قَوْلُهُ: " بِفَرْجِ " أَيْ، وَلَوْ فَرْجَ نَفْسِهِ كَأَنْ أَدْخَلَ ذَكَرَهُ فِي دُبُرِهِ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَصْرِ خِلَافُهُ فَاحْذَرْهُ.
وَهَلْ مِنْ الْفَرْجِ مَا لَوْ أَدْخَلَ ذَكَرَهُ فِي ذَكَرِ غَيْرِهِ، أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَإِطْلَاقُ الْفَرْجِ، يَشْمَلُهُ فَلْيُرَاجَعْ ع ش عَلَى م ر. وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: فَرْجٌ مُطْلَقًا أَوْ مِنْ آدَمِيٍّ قُبُلٌ، أَوْ دُبُرٌ وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ يَشْمَلُ الْإِيلَاجَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، وَمِنْ غَيْرِهِ فِيهِ، وَمِنْهُ فِيهِ كَأَنْ أَوْلَجَ ذَكَرَ نَفْسِهِ فِي دُبُرِ نَفْسِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ: وَزَادَ أَنَّ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ تَتَعَلَّقُ بِهِ كَفِطْرِ صَائِمٍ، وَفَسَادِ نُسُكٍ، وَوُجُوبِ كَفَّارَةٍ فِيهِمَا مَعَ الْحَدِّ وَوُجُوبِ غُسْلٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَوَافَقَهُ شَيْخُنَا وَهُوَ صَرِيحُ مَا فِي شَرْحِ شَيْخِنَا.
م ر ذَكَرَهُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ غَوْرَاءَ) : يَعْنِي إذَا أَوْلَجَ حَشَفَتَهُ بِقُبُلِ الْغَوْرَاءِ فَهُوَ زِنًا وَإِنْ لَمْ تَزُلْ الْبَكَارَةُ بِخِلَافِ مَا إذَا طَلُقَتْ ثَلَاثًا، وَأَوْلَجَ الْمُحَلِّلُ حَشَفَتَهُ وَلَمْ تَزُلْ الْبَكَارَةُ فَلَا يَحْصُلُ التَّحْلِيلُ، وَالْفَرْقُ أَنَّ مَدَارَ التَّحْلِيلِ عَلَى اللَّذَّةِ الْكَامِلَةِ، وَلَا تُوجَدُ إلَّا بِإِزَالَةِ الْبَكَارَةِ، وَمَدَارُ الزِّنَا عَلَى مُجَرَّدِ إيلَاجِ الْحَشَفَةِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ كَمَالُ اللَّذَّةِ وَتُرْجَمُ: الْغَوْرَاءُ إذَا زَنَتْ حَيْثُ وُطِئَتْ فِي الْقُبُلِ مِنْ زَوْجٍ وَلَمْ تَزُلْ بَكَارَتُهَا وَإِنْ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْبِكْرِ فِي إجْبَارِهَا وَتَخْصِيصِهَا بِسَبْعِ لَيَالٍ فِي الزِّفَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا رُجِمَتْ فِي الْحَدِّ زَجْرًا لَهَا وَتَغْلِيظًا عَلَيْهَا.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (بِنَاءً عَلَى تَكْمِيلِ اللَّذَّةِ) أَيْ اعْتِبَارُ تَكْمِيلِ اللَّذَّةِ فِي بَابِ التَّحْلِيلِ وَلَا تَكْمُلُ اللَّذَّةُ لِلْمُحَلِّلِ إلَّا بِزَوَالِ الْبَكَارَةِ وَمَدَارُ الزِّنَا عَلَى مُجَرَّدِ إيلَاجِ الْحَشَفَةِ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ كَمَالُ اللَّذَّةِ.
قَوْلُهُ: (مُحَرَّمٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِعَيْنِ الْإِيلَاجِ) جَعَلَهُ الشَّارِحُ كُلَّهُ قَيْدًا وَاحِدًا بِدَلِيلِ أَخْذِ الْمُحْتَرَزِ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَهَا ثَلَاثَةً، وَهُوَ الظَّاهِرُ، لِأَنَّ الشَّارِحَ أَخَذَ مَفْهُومَ نَفْسِ الْأَمْرِ بِقَوْلِهِ: إذَا وَطِئَ زَوْجَتَهُ يَظُنُّ أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَإِنَّ التَّحْرِيمَ بِالظَّنِّ لَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَأَخَذَ أَيْضًا مَفْهُومَ عَيْنِ الْإِيلَاجِ بِمَا إذَا وَطِئَ حَائِضًا قَالَ الزَّرْكَشِيّ: يَرِدُ عَلَيْهِ مَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً اهـ. سم عَلَى الْمَنْهَجِ أَيْ فَإِنَّهُ يُحَدُّ بِوَطْئِهَا مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً لِعَيْنِهَا بَلْ لِزِيَادَتِهَا عَلَى الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهَا لَمَّا زَادَتْ عَلَى الْعَدَدِ

خَالٍ عَنْ الشُّبْهَةِ الْمُسْقِطَةِ لِلْحَدِّ مُشْتَهًى طَبْعًا بِأَنْ كَانَ فَرْجَ آدَمِيٍّ حَيٍّ، فَهَذِهِ قُيُودٌ لِإِيجَابِ الْحَدِّ.
خَرَجَ بِالْأَوَّلِ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا.
وَبِالثَّانِي الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ إذَا أَوْلَجَ آلَةَ الذُّكُورَةِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِاحْتِمَالِ أُنُوثَتِهِ، وَكَوْنِ هَذَا عِرْقًا زَائِدًا.
وَبِالثَّالِثِ مَا لَوْ أَوْلَجَ بَعْضَ الْحَشَفَةِ فَلَا حَدَّ.
وَبِالرَّابِعِ مَا لَوْ خُلِقَ لَهُ ذَكَرَانِ مُشْتَبِهَانِ فَأَوْلَجَ أَحَدَهُمَا فَلَا حَدَّ لِلشَّكِّ فِي كَوْنِهِ أَصْلِيًّا كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ.
وَبِالْخَامِسِ الذَّكَرُ الْمُبَانُ فَلَا حَدَّ فِيهِ.
وَبِالسَّادِسِ مَا لَوْ أَوْلَجَ فِي فَرْجِ خُنْثَى مُشْكِلٍ فَلَا حَدَّ لِاحْتِمَالِ ذُكُورَتِهِ وَكَوْنِ هَذَا الْمَحَلِّ زَائِدًا.
وَبِالسَّابِعِ الْمُحَرَّمُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ كَوَطْءِ حَائِضٍ وَصَائِمَةٍ وَمُحَرَّمَةٍ وَنَحْوِهِ وَبِنَفْسِ الْأَمْرِ؛ كَمَا لَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ ظَانًّا أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَبِالثَّامِنِ وَطْءُ الْمَيِّتَةِ وَالْبَهِيمَةِ فَلَا حَدَّ فِيهِ.
وَبِالتَّاسِعِ وَطْءُ شُبْهَةِ الطَّرِيقِ، وَالْفَاعِلِ وَالْمَحَلِّ إلَّا فِي جَارِيَةِ بَيْتِ الْمَالِ فَيُحَدُّ بِوَطْئِهَا، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْإِعْفَافَ فِيهِ، وَإِنْ

[حاشية البجيرمي]

الشَّرْعِيِّ كَانَتْ كَأَجْنَبِيَّةٍ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهَا عَقْدٌ مِنْ الْوَاطِئِ فَجُعِلَتْ مُحَرَّمَةً لِعَيْنِهَا لِعَدَمِ مَا يُزِيلُ التَّحْرِيمَ الْقَائِمَ بِهَا ابْتِدَاءً اهـ عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (لِعَيْنِ الْإِيلَاجِ) أَيْ لِذَاتِهِ.
قَوْلُهُ: (مُشْتَهًى) أَيْ جِنْسُهُ لِتَدْخُلَ الصَّغِيرَةُ فَيُحَدَّ بِوَطْئِهَا وَإِنْ لَمْ تَنْقُضْ الْوُضُوءَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَدَارَ ثَمَّ عَلَى كَوْنِ الْمَلْمُوسِ نَفْسِهِ مَظِنَّةً لِلشَّهْوَةِ وَلَوْ فِي حَالٍ سَابِقٍ كَالْمَيِّتَةِ لَا مُتَرَقَّبٍ كَالصَّغِيرَةِ، وَالْفَرْقُ قُوَّةُ السَّابِقِ وَضَعْفُ الْمُتَرَقَّبِ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يُوجَدَ فَخَرَجَ الْمُحَرَّمُ؛ وَهُنَا عَلَى كَوْنِ الْمَوْطُوءِ لَا يَنْفِرُ مِنْهُ الطَّبْعُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ فَدَخَلَتْ الصَّغِيرَةُ وَالْمُحَرَّمُ، وَخَرَجَتْ الْمَيِّتَةُ.
اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (فَرْجَ آدَمِيٍّ) أَوْ جِنِّيَّةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ إذَا تَحَقَّقَتْ أُنُوثَتُهَا، لِأَنَّ الطَّبْعَ لَا يَنْفِرُ مِنْهَا حِينَئِذٍ وَعِبَارَةُ ح ل: وَلَوْ جِنِّيَّةً حَيْثُ تَحَقَّقَتْ أُنُوثَتُهَا وَلَوْ عَلَى غَيْرِ صُورَةِ الْآدَمِيَّةِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَفِي ع ش عَلَى م ر خِلَافُهُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ عَلَى صُورَةِ الْآدَمِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا) وَكَذَا لَا حَدَّ عَلَى مَنْ جَهِلَ تَحْرِيمَ الزِّنَا لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ لِكَوْنِهِ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ نَشَأَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: لَمْ أَعْلَمْ التَّحْرِيمَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ شَرْحُ الْمَنُوفِيِّ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا جَوَابُ حَادِثَةٍ وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْهَا وَهِيَ أَنَّ شَخْصًا وَطِئَ جَارِيَةَ زَوْجَتِهِ وَأَحْبَلَهَا مُدَّعِيًا جَهْلَهُ، وَأَنَّ مِلْكَ زَوْجَتِهِ مِلْكٌ لَهُ، وَهُوَ: عَدَمُ قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُ وَحَدُّهُ، وَكَوْنُ الْوَلَدِ رَقِيقًا لِعَدَمِ خَفَاءِ ذَلِكَ عَلَى مُخَالِطِنَا ع ش عَلَى م ر اهـ. وَلَوْ زَنَى ظَانًّا أَنَّهُ غَيْرُ بَالِغٍ فَبَانَ أَنَّهُ بَالِغٌ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا وُجُوبُ الْحَدِّ سم.
قَوْلُهُ: (وَكَوْنِ هَذَا) أَيْ وَلِاحْتِمَالِ كَوْنِ هَذَا إلَخْ وَمَحَلُّهُ فِي خُنْثَى لَهُ آلَتَانِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا آلَةٌ وَاحِدَةٌ وَأَوْلَجَ فِيهَا فَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْفَاعِلِ، لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ آلَةَ النِّسَاءِ، فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَتْ آلَةَ ذُكُورٍ فَكَذَلِكَ، لِأَنَّ آلَةَ الذُّكُورِ يَجِبُ بِالْإِيلَاجِ فِيهَا الْحَدُّ وَسَائِرُ الْأَحْكَامِ.
قَوْلُهُ: (الْمُحَرَّمُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ) هَذَا خَارِجٌ بِهِ بِاعْتِبَارِ تَقْيِيدِهِ بِعَيْنِ الْإِيلَاجِ وَهُوَ مُؤَخَّرٌ عَنْ نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَكَانَ الْأَوْلَى فِيهِمَا التَّرْتِيبَ وَلِكَوْنِهِمَا قَيْدَيْنِ فِي الْقَيْدِ لَمْ يَعْتَبِرْهُمَا فِي الْعَدَدِ.
قَوْلُهُ: (وَبِنَفْسِ الْأَمْرِ إلَخْ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَيْدٌ مُسْتَقِلٌّ وَاعْتِبَارُهُ مُسْتَقِلًّا يَقْتَضِي جَعْلَهُ ثَامِنًا مَعَ أَنَّ الشَّارِحَ أَدْرَجَهُ فِي السَّابِعِ، وَذَكَرَ بَعْدَهُ الثَّامِنَ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ.
وَلِذَا قَالَ ق ل: أَيْ وَخَرَجَ بِقَيْدِ نَفْسِ الْأَمْرِ، فَهُوَ قَيْدٌ لَمْ يَذْكُرْ عَدَدَهُ وَذَكَرَ مُحْتَرَزَهُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ وَطِئَ إلَخْ) الَّذِي فِي خَطِّ الْمُؤَلِّفِ " مَا لَوْ وَطِئَ " بِدُونِ الْكَافِ، وَهِيَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَبِالثَّامِنِ وَطْءُ الْمَيِّتَةِ) فِيهِ أَنَّ هَذَا خَارِجٌ بِالتَّاسِعِ لَا بِالثَّامِنِ، وَالثَّامِنُ هُوَ قَوْلُهُ لِعَيْنِ الْإِيلَاجِ وَلَوْ أَبْدَلَهُ بِقَوْلِهِ: مُشْتَهًى طَبْعًا لَكَانَ مُسْتَقِيمًا.
قَوْلُهُ: (وَبِالتَّاسِعِ وَطْءُ شُبْهَةِ الطَّرِيقِ) فِيهِ أَنَّ هَذَا خَارِجٌ بِالثَّامِنِ لَا بِالتَّاسِعِ فَقَدْ أَخَلَّ فِي التَّعْبِيرِ فَلَعَلَّهُ سَهْوٌ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (شُبْهَةِ الطَّرِيقِ) وَهِيَ مَا قَالَ بِهَا عَالِمٌ كَنِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ وَشُهُودٍ بِأَنْ رَاعَى مَذْهَبَ دَاوُد الظَّاهِرِيِّ كَأَنْ زَوَّجَتْهُ نَفْسَهَا فَهِيَ شُبْهَةُ طَرِيقٍ فَالْمُرَادُ بِالطَّرِيقِ الْمَذْهَبُ فَلَا حَدَّ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ تَقْلِيدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْفَاعِلُ) كَأَنْ يَظُنَّ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً زَوْجَتَهُ، فَيَطَؤُهَا فَلَا حَدَّ.
وَكَوَطْءِ الْمُكْرَهِ، وَلَا حُرْمَةَ عَلَيْهِ وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الزِّنَا وَالْقَتْلَ لَا يُبَاحَانِ بِالْإِكْرَاهِ وَكَذَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ لَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ مُمَثِّلًا لَهَا بِأَجْنَبِيَّةٍ، وَإِذَا وَطِئَ زَوْجَتَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لَكِنْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ الْإِقْدَامُ عَلَى الْفِعْلِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَحَلِّ) بِأَنْ كَانَتْ أَمَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا وَوَطِئَهَا أَحَدُهُمَا فَلَا حَدَّ وَكَوَطْءِ جَارِيَةِ وَلَدِهِ، لِأَنَّ مَالَ الْوَلَدِ كُلَّهُ مَحَلٌّ لِإِعْفَافِ أَصْلِهِ، وَمِنْهُ الْجَارِيَةُ كَوَطْءِ أَمَتِهِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِ لِمَحْرَمِيَّةِ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ مُصَاهَرَةٍ كَأُخْتِهِ مِنْهُمَا وَبِنْتِهِ وَأُمِّهِ مِنْ الرَّضَاعِ وَمَوْطُوءَةِ أَبِيهِ وَابْنِهِ وَوَطْءِ أَمَةٍ لَهُ فِيهَا مِلْكٌ كَالْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ شَرْحُ الْمَنُوفِيِّ اهـ وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ الثَّلَاثَةَ فِي قَوْلِهِ:

اسْتَحَقَّ النَّفَقَةَ.

ثُمَّ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَقْسِيمِ الْحَدِّ فِي حَقِّهِ (عَلَى ضَرْبَيْنِ مُحْصَنٍ) وَهُوَ مَنْ اسْتَكْمَلَ الشُّرُوطَ الْآتِيَةَ: (وَغَيْرِ مُحْصَنٍ) وَهُوَ مَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا.
(فَالْمُحْصَنُ) وَالْمُحْصَنَةُ كُلٌّ مِنْهُمَا (حَدُّهُ الرَّجْمُ) حَتَّى يَمُوتَ بِالْإِجْمَاعِ وَتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ فِيهِ كَرَجْمِ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ.
وَقُرِئَ شَاذًّا " وَالشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ " وَهَذِهِ نُسِخَ لَفْظُهَا وَبَقِيَ حُكْمُهَا.
وَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَحْزَابِ كَمَا قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَلَوْ زَنَى قَبْلَ إحْصَانِهِ وَلَمْ يُحَدَّ ثُمَّ زَنَى بَعْدَهُ ثَمَّ رُجِمَ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ فِي اللِّعَانِ، وَأَرْسَلَ فِيهَا فِي بَابِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ وَجْهَيْنِ مُصَحَّحَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِتَرْجِيحٍ.
وَصَحَّحَ فِي الْمُهِمَّاتِ أَنَّ الرَّاجِحَ مَا صَحَّحَاهُ فِي اللِّعَانِ، وَهُوَ الْمُصَحَّحُ فِي التَّنْبِيهِ أَيْضًا، وَمَشَيْتُ عَلَيْهِ فِي شَرْحِهِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِهِ.
(وَغَيْرُ الْمُحْصَنِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى إذَا كَانَ حُرًّا (حَدُّهُ مِائَةُ جَلْدَةٍ) لِآيَةِ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] أَيْ وِلَاءً فَلَوْ فَرَّقَهَا نُظِرَ فَإِنْ لَمْ يَزَلْ الْأَلَمُ لَمْ يَضُرَّ.
وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ خَمْسِينَ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ ضَرَّ، وَعُلِّلَ بِأَنَّ الْخَمْسِينَ حَدُّ الرَّقِيقِ وَسُمِّيَ جَلْدًا لِوُصُولِهِ إلَى الْجِلْدِ.
(وَتَغْرِيبُ عَامٍ) لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِذَلِكَ.

[حاشية البجيرمي]

الَّذِي أَبَاحَ الْبَعْضُ حِلَّهُ فَلَا ... حَدَّ بِهِ وَلِلطَّرِيقِ اشْتَمَلَا وَشُبْهَةٌ لِفَاعِلٍ كَأَنْ أَتَى ... لِحُرْمَةٍ يَظُنُّ حِلًّا مُثْبَتَا ذَاتَ اشْتِرَاكٍ أَلْحِقَنْ وَسَمِّيَنْ ... هَذَا الْأَخْيَرَ بِالْمَحَلِّ فَاعْلَمَنْ وَمِثَالُ الْأَوَّلِ كَالنِّكَاحِ بِلَا شُهُودٍ عِنْدَ الْعَقْدِ عِنْدَ مَالِكٍ وَيَجِبُ الْإِشْهَادُ عِنْدَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبِلَا وَلِيٍّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلَا حَدَّ عَلَى الْفَاعِلِ، وَإِنْ اعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ دَمِيرِيٌّ قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: نَعَمْ إنْ حَكَمَ حَاكِمٌ فِي إبْطَالِ النِّكَاحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَفُرِّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَزِمَهُمَا الْحَدُّ أَيْ بِالْوَطْءِ بَعْدَ التَّفْرِيقِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا فِي جَارِيَةِ بَيْتِ الْمَالِ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ شُبْهَةِ الْمَحَلِّ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي هَذِهِ الْجَارِيَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ شُبْهَةُ النَّفَقَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ لَهُ شُبْهَةً فِي تِلْكَ الْأَمَةِ فِي الْجُمْلَةِ، لِأَنَّ الْإِمَامَ رُبَّمَا بَاعَ الْجَارِيَةَ وَصَرَفَ ثَمَنَهَا لِحَاجَتِهِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْإِعْفَافَ) أَيْ التَّزْوِيجَ

قَوْلُهُ: (ثُمَّ هُوَ) أَيْ الزَّانِي عَلَى ضَرْبَيْنِ جَعَلَ الشَّارِحُ " عَلَى ضَرْبَيْنِ " خَبَرًا لِلَّذِي قَدَّرَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ الزَّانِي الَّذِي فِي الْمَتْنِ وَلَمْ يُقَدِّرْ لَهُ خَبَرًا وَلَا يُقَالُ: هَذِهِ الْجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْهُ لِأَنَّ " ثُمَّ " تَمْنَعُ مِنْ الْإِخْبَارِ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي الِانْقِطَاعَ وَالِاسْتِئْنَافَ، وَالْخَبَرُ يَقْتَضِي التَّعَلُّقَ.
قَوْلُهُ: (مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ) ظَاهِرُهُ أَنَّ مَاعِزًا زَنَى بِالْغَامِدِيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ زَنَى بِامْرَأَةٍ وَهِيَ زَنَتْ بِرَجُلٍ آخَرَ، رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ أَبِي نُعَيْمٍ قَالَ: «كَانَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ فِي حِجْرِ أَبِي هَزَّالٍ فَأَصَابَ جَارِيَةً مِنْ الْحَيِّ تُسَمَّى فَاطِمَةَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَكَانَتْ أَمَةً لِأَبِي هَزَّالٍ فَقَالَ لَهُ أَبُو هَزَّالٍ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعْت لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَك، فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ وَأَقَرَّ عِنْدَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَاعِزٍ قَبْلَ رَجْمِهِ لَوْ سَتَرْتَهُ بِتَوْبَتِكَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ» اهـ. س ل وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُمْ: مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ لَيْسَتْ قِصَّتُهُمَا وَاحِدَةً بَلْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قِصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؛ مَاعِزٌ زَنَى بِالْأَمَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالْغَامِدِيَّةُ زَنَتْ بِرَجُلٍ آخَرَ وَجَمَعَهُمَا فِي قَوْلِهِ: قِصَّةُ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ أَيْ قِصَّةُ رَجْمِهِمَا، وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ قِصَّةٌ وَأَنَّ مَاعِزًا لَمْ يَزْنِ بِالْغَامِدِيَّةِ، وَالْغَامِدِيَّةُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ حَيٍّ مِنْ الْأَزْدِ وَفِي حَدِيثِهَا «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ» يَعْنِي الْمَكَّاسَ وَهُوَ الْعَشَّارُ الَّذِي يَأْخُذُ الْعُشْرَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ رُجِمَ) أَيْ وَيُقَسَّطُ التَّعْزِيرُ، شَرْحَ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُمَا عُقُوبَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ فَلَا يَتَدَاخَلَانِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي يَقُولُ بِانْدِرَاجِ الْجَلْدِ فِي الرَّجْمِ.
قَوْلُهُ: (وَأَرْسَلَ) أَيْ أَطْلَقَ فِيهَا وَجْهَيْنِ أَيْ دُخُولَ الْجَلْدِ فِي الرَّجْمِ وَعَدَمَ دُخُولِهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ إنْ زَالَ الْأَلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَتَغْرِيبُ عَامٍ) وَشُرُوطُ التَّغْرِيبِ سِتَّةٌ: أَنْ يَكُونَ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَأَنْ يَكُونَ عَامًا، وَأَنْ يَكُونَ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَمَا فَوْقُ، وَأَنْ يَكُونَ إلَى

تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ عَطْفُهُ التَّغْرِيبَ بِالْوَاوِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا فَلَوْ قُدِّمَ التَّغْرِيبُ عَلَى الْجَلْدِ جَازَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا.
وَأَفْهَمَ لَفْظُ التَّغْرِيبِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَغْرِيبِ الْإِمَامِ، أَوْ نَائِبِهِ حَتَّى لَوْ أَرَادَ الْإِمَامُ تَغْرِيبَهُ فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ وَغَابَ سَنَةً، ثُمَّ عَادَ لَمْ يَكْفِ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّنْكِيلُ وَلَمْ يَحْصُلْ، وَابْتِدَاءُ الْعَامِ مِنْ حُصُولِهِ فِي بَلَدِ التَّغْرِيبِ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ، أَجَابَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مِنْ خُرُوجِهِ مِنْ بَلَدِ الزِّنَا وَلَوْ ادَّعَى الْمَحْدُودُ انْقِضَاءَ الْعَامِ وَلَا بَيِّنَةَ صُدِّقَ، لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُحَلَّفُ نَدْبًا.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُثْبِتَ فِي دِيوَانِهِ أَوَّلَ زَمَانِ التَّغْرِيبِ، وَيُغَرِّبَ مِنْ بَلَدِ الزِّنَا (إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ) لِأَنَّ مَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْحَضَرِ لِتَوَاصُلِ الْأَخْبَارِ فِيهَا إلَيْهِ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إيحَاشُهُ بِالْبُعْدِ عَنْ الْأَهْلِ وَالْوَطَنِ فَمَا فَوْقَهَا.
إنْ رَآهُ الْإِمَامُ، لِأَنَّ عُمَرَ غَرَّبَ إلَى الشَّامِ وَعُثْمَانَ إلَى مِصْرَ وَعَلِيًّا إلَى الْبَصْرَةِ وَلْيَكُنْ تَغْرِيبُهُ إلَى بَلَدٍ مُعَيَّنٍ فَلَا يُرْسِلُهُ الْإِمَامُ إرْسَالًا.
وَإِذَا عَيَّنَ لَهُ الْإِمَامُ جِهَةً فَلَيْسَ لِلْمُغَرَّبِ أَنْ يَخْتَارَ غَيْرَهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ أَلْيَقُ بِالزَّجْرِ، وَمُعَامَلَةٌ لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ غُرِّبَ إلَى بَلَدٍ مُعَيَّنٍ فَهَلْ يُمْنَعُ مِنْ الِانْتِقَالِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا كَمَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ لَا يُمْنَعُ، لِأَنَّهُ امْتَثَلَ، وَالْمَنْعُ مِنْ الِانْتِقَالِ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ جَارِيَةً يَتَسَرَّى بِهَا مَعَ نَفَقَةٍ يَحْتَاجُهَا وَكَذَا مَالٌ يَتَّجِرُ فِيهِ.
كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ أَهْلَهُ وَعَشِيرَتَهُ، فَإِنْ خَرَجُوا مَعَهُ لَمْ يُمْنَعُوا، وَلَا يُعْقَلُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي غُرِّبَ إلَيْهِ لَكِنْ يُحْفَظُ بِالْمُرَاقَبَةِ وَالتَّوْكِيلِ بِهِ لِئَلَّا يَرْجِعَ إلَى بَلَدِهِ، أَوْ إلَى مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْهَا لَا لِئَلَّا يَنْتَقِلَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ انْتَقَلَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ لَمْ يُمْنَعْ، وَلَوْ عَادَ إلَى بَلَدِهِ الَّذِي غُرِّبَ مِنْهَا، أَوْ إلَى مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْهُ رُدَّ وَاسْتُؤْنِفَتْ الْمُدَّةُ عَلَى الْأَصَحِّ إذْ لَا يَجُوزُ تَفْرِيقُ سَنَةِ التَّغْرِيبِ فِي الْحُرِّ وَلَا نِصْفِهَا فِي غَيْرِهِ، لِأَنَّ الْإِيحَاشَ لَا يَحْصُلُ مَعَهُ.
وَقَضِيَّةُ هَذَا: أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ لِلتَّغْرِيبِ الْبَلَدُ الَّذِي غُرِّبَ إلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَيُغَرَّبُ زَانٍ غَرِيبٌ لَهُ

[حاشية البجيرمي]

بَلَدٍ مُعَيَّنٍ، وَأَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ وَالْمَقْصِدُ آمِنًا، وَأَنْ لَا يَكُونَ بِالْبَلَدِ طَاعُونٌ لِحُرْمَةِ دُخُولِهِ، وَيُزَادُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ وَالْأَمْرَدِ الْجَمِيلِ أَنْ يَخْرُجَا مَعَ نَحْوِ مَحْرَمٍ كَمَا يَأْتِي وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي مُضِيِّ عَامٍ عَلَيْهِ حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ وَيُحَلَّفُ نَدْبًا إنْ اُتُّهِمَ لِبِنَاءِ حَقِّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَتُغَرَّبُ الْمُعْتَدَّةُ وَأُخِذَ مِنْهُ تَغْرِيبُ الْمَدِينِ أَمَّا مُسْتَأْجِرُ الْعَيْنِ فَالْأَوْجَهُ عَدَمُ تَغْرِيبِهِ إنْ تَعَذَّرَ عَمَلُهُ فِي الْغُرْبَةِ كَمَا لَا يُحْبَسُ إنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ فِي الْحَبْسِ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ قُدِّمَ التَّغْرِيبُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَوْ لِلْفَاعِلِ أَيْ قَدَّمَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ.
قَوْلُهُ: (جَازَ) لَكِنَّ الْأَوْلَى عَكْسُهُ.
قَوْلُهُ: (لَفْظُ التَّغْرِيبِ) لِاشْتِمَالِهِ عَلَى فِعْلِ فَاعِلٍ وَهُوَ الْحَاكِمُ بِخِلَافِ التَّغَرُّبِ.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ) كَمَا إذَا حَدَّ نَفْسَهُ فَلَا يَكْفِي.
قَوْلُهُ: (مِنْ حُصُولِهِ) أَيْ حُلُولِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ خُرُوجِهِ إلَخْ) مُعْتَمَدٌ فَيَكْفِي الْعَامُ وَلَوْ ذَهَابًا، وَإِيَابًا فَلَوْ قَطَعَ الْمَسَافَةَ ذَهَابًا كَفَى ق ل. قَوْلُهُ: (أَنْ يُثْبِتَ) أَيْ لِأَجْلِ ضَبْطِ الْمُدَّةِ لِئَلَّا يَدَّعِيَ الْمُغَرَّبُ مُضِيَّهَا قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ.
قَوْلُهُ: (فِيهَا) الْمُنَاسِبُ فِيهِ، لِأَنَّهُ رَاجِعٌ لِمَا دُونَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَنَّثَ بِتَأْوِيلِ مَا دُونَهَا بِالْمَسَافَةِ الَّتِي دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
قَوْلُهُ: (فَمَا فَوْقَهَا) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
قَوْلُهُ: (لَا يُمْنَعُ) ضَعِيفٌ وَعَلَيْهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْبَلَدِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهَا وَبَيْنَ بَلَدِهِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، أَوْ أَكْثَرُ.
قَوْلُهُ: (أَهْلَهُ) أَيْ زَوْجَتَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُعْقَلُ فِي الْمَوْضِعِ) أَيْ يُقَيَّدُ.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ يُحْفَظُ بِالْمُرَاقَبَةِ إلَخْ) فَلَوْ لَمْ تَفِدْ مَعَهُ الْمُرَاقَبَةُ، أَوْ خُشِيَ مِنْهُ فَسَادُ النِّسَاءِ وَالْغِلْمَانِ فَإِنَّهُ يُقَيَّدُ وَأَخَذَ مِنْهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِإِفْسَادِ النِّسَاءِ، أَوْ الْغِلْمَانِ أَيْ وَلَمْ يَنْزَجِرْ إلَّا بِحَبْسِهِ حُبِسَ قَالَ: وَهِيَ مَسْأَلَةٌ نَفِيسَةٌ م ر فِي شَرْحِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَضِيَّةُ هَذَا) أَيْ قَوْلِهِ: اُسْتُؤْنِفَتْ فَجَعَلَ ذَلِكَ اسْتِئْنَافًا لِلتَّغْرِيبِ فَلَا يَتَعَيَّنُ الْبَلَدُ الَّذِي كَانَ فِيهَا أَوَّلًا.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ لِلتَّغْرِيبِ إلَخْ) إنْ كَانَ مُرَادُهُ التَّغْرِيبَ الثَّانِيَ كَانَ كَلَامُهُ مُعْتَمَدًا وَكَانَ قَوْلُهُ: وَقَضِيَّةُ هَذَا أَيْ التَّعْلِيلِ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِيحَاشُ وَقَوْلُهُ: وَيُغَرَّبُ زَانٍ غَرِيبٌ أَيْ وَتَدْخُلُ مُدَّةُ التَّغْرِيبِ الْأَوَّلِ فِي الثَّانِي.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّانِيَ إنْ زَنَى فِي وَطَنِهِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ كَمَا فِي الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ، وَإِنْ كَانَ غَرِيبًا وَزَنَى فَإِنْ تَوَطَّنَ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَطَّنْ اُنْتُظِرَ تَوَطُّنُهُ، ثُمَّ

بَلَدٌ مِنْ بَلَدِ الزِّنَا تَنْكِيلًا وَإِبْعَادًا عَنْ مَوْضِعِ الْفَاحِشَةِ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ إيحَاشُهُ وَعُقُوبَتُهُ وَعَوْدُهُ إلَى وَطَنِهِ يَأْبَاهُ.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَلَدِهِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ فَمَا فَوْقَهَا لِيَحْصُلَ مَا ذُكِرَ فَإِنْ عَادَ إلَى بَلَدِهِ الْأَصْلِيِّ مُنِعَ مِنْهُ مُعَارَضَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي شُرُوطِ الْإِحْصَانِ فِي الزِّنَا فَقَالَ: (وَشَرَائِطُ الْإِحْصَانِ أَرْبَعَةٌ) الْأَوَّلُ (الْبُلُوغُ وَ) الثَّانِي (الْعَقْلُ) فَلَا حَصَانَةَ لِصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ لِعَدَمِ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا، لَكِنْ يُؤَدَّبَانِ بِمَا يَزْجُرُهُمَا كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ.
تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ اعْتِبَارِ التَّكْلِيفِ وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَخْصَرَ فِي الْإِحْصَانِ صَحِيحٌ.
إلَّا أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَا يَخْتَصُّ بِالْإِحْصَانِ بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحَدِّ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ.
وَالْمُتَعَدِّي بِسُكْرِهِ كَالْمُكَلَّفِ.
(وَ) الثَّالِثُ (الْحُرِّيَّةُ) . فَالرَّقِيقُ: لَيْسَ بِمُحْصَنٍ، وَلَوْ مُكَاتَبًا وَمُبَعَّضًا وَمُسْتَوْلَدَةً، لِأَنَّهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ، وَالرَّجْمُ لَا نِصْفَ لَهُ وَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا، أَوْ مُرْتَدًّا: «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ الْيَهُودِيَّيْنِ» كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، زَادَ أَبُو دَاوُد: «وَكَانَا قَدْ أُحْصِنَا» . تَنْبِيهٌ: عَقْدُ الذِّمَّةِ شَرْطٌ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الذِّمِّيِّ لَا لِكَوْنِهِ مُحْصَنًا، فَلَوْ غَيَّبَ حَرْبِيٌّ حَشَفَتَهُ فِي نِكَاحٍ وَصَحَّحْنَا أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَهُوَ مُحْصَنٌ حَتَّى لَوْ عُقِدَتْ لَهُ ذِمَّةٌ فَزَنَى رُجِمَ وَمِثْلُ الذِّمِّيِّ الْمُرْتَدُّ وَخَرَجَ بِهِ الْمُسْتَأْمَنُ فَإِنَّا

[حاشية البجيرمي]

يُغَرَّبُ وَإِنْ زَنَى وَهُوَ مُسَافِرٌ غُرِّبَ إلَى غَيْرِ مَقْصِدِهِ، وَإِنْ زَنَى فِي الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ إلَيْهَا انْتَقَلَ مِنْهَا إلَى مَحَلٍّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَحَلِّ الزِّنَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ وَكَذَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَلَدِهِ الْأَصْلِيِّ.
وَعِبَارَةُ م ر وَلَوْ زَنَى فِيمَا غُرِّبَ إلَيْهِ غُرِّبَ لِغَيْرِهِ بَعِيدًا عَنْ وَطَنِهِ وَمَحَلِّ زِنَاهُ.
قَوْلُهُ: (الْبَلَدُ الَّذِي غُرِّبَ إلَيْهِ) أَيْ أَوَّلًا.
قَوْلُهُ: (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَلَدِهِ) وَكَذَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَلَدِ الَّذِي زَنَى بِهَا أَخْذًا مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَيُغَرَّبُ مِنْ بَلَدِ الزِّنَا إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ اهـ م د. قَوْلُهُ: (مُنِعَ مِنْهُ) وَيُسْتَأْنَفُ تَغْرِيبُهُ إنْ وَصَلَ إلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْهُ ق ل.

قَوْلُهُ: (وَشَرَائِطُ الْإِحْصَانِ) أَيْ إحْصَانِ حَدِّ الزِّنَا، وَأَمَّا إحْصَانُ حَدِّ الْقَذْفِ فَسَيَأْتِي أَنَّ شُرُوطَهُ خَمْسَةٌ: الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَعِفَّتُهُ عَنْ وَطْءٍ مُحَرَّمٍ مَمْلُوكَةً لَهُ وَعَنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ فِي دُبُرِهَا، وَإِلَّا بَطَلَتْ حَصَانَتُهُ.
اهـ. م د. وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِحْصَانَ لَهُ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ مِنْهَا الْمَنْعُ نَحْوُ قَوْلِهِ ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: 80] وَمِنْهَا الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: 25] وَبِمَعْنَى الْحُرِّيَّةِ كَقَوْلِهِ ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] وَبِمَعْنَى الْعِفَّةِ وَمِنْهُ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] وَبِمَعْنَى التَّزْوِيجِ وَمِنْهُ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ وَعَلَى الْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ مَعَ الشُّرُوطِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.
قَوْلُهُ: (أَرْبَعَةٌ) أَيْ زِيَادَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهَا شُرُوطٌ عَامَّةٌ لِلْجَلْدِ وَالرَّجْمِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ اعْتِبَارِ التَّكْلِيفِ) فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعَبِّرْ بِهِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ عَبَّرَ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْإِحْصَانِ) مُتَعَلِّقٌ بِاعْتِبَارِ.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ حَدَّ مُحْصَنٍ، أَوْ غَيْرِ مُحْصَنٍ.
قَوْلُهُ: (الْإِشَارَةُ إلَيْهِ) الْمُرَادُ بِهَا مُطْلَقُ الذِّكْرِ.
قَوْلُهُ: (الْحُرِّيَّةُ) أَيْ الْكَامِلَةُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ ذِمِّيًّا) غَايَةٌ فِي الْحُرِّيَّةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الذِّمِّيِّ) الْأَوْلَى عَلَى الْكَافِرِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: عَقْدُ الذِّمَّةِ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ ذِمِّيًّا يَكُونُ عَقْدُ الذِّمَّةِ مَوْجُودًا فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: عَقْدُ الذِّمَّةِ إلَخْ مِنْ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ لَفْظَ الذِّمِّيِّ فِيهِ مَجَازُ الْأَوَّلِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا بَعْدَهُ أَيْ الْكَافِرُ الَّذِي يُؤَوَّلُ إلَى كَوْنِهِ ذِمِّيًّا.
قَوْلُهُ: (لَا لِكَوْنِهِ مُحْصَنًا) بَلْ يَكُونُ مُحْصَنًا وَإِنْ وَطِئَ حَالَ الْحِرَابَةِ فِي نِكَاحٍ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى لَوْ عُقِدَتْ لَهُ ذِمَّةٌ فَزَنَى) أَيْ بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا زَنَى حَالَ حِرَابَتِهِ فَلَا يُحَدُّ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَلْتَزِمْ الْأَحْكَامَ وَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِإِسْلَامِ الذِّمِّيِّ الَّذِي زَنَى حَالَ ذِمِّيَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمِثْلُ الذِّمِّيِّ الْمُرْتَدُّ) أَيْ فَإِذَا وَطِئَ زَوْجَتَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ ثُمَّ ارْتَدَّ وَزَنَى فَيُحَدُّ بِالرَّجْمِ فِي حَالِ الرِّدَّةِ اعْتِبَارًا بِحُصُولِ الْإِحْصَانِ فِي

لَا نُقِيمُ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وَ) الرَّابِعُ (وُجُودُ الْوَطْءِ) بِغَيْبُوبَةِ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا عِنْدَ فَقْدِهَا مِنْ مُكَلَّفٍ بِقُبُلٍ وَلَوْ لَمْ تَزُلْ الْبَكَارَةُ كَمَا مَرَّ.
(فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ) لِأَنَّ الشَّهْوَةَ مُرَكَّبَةٌ فِي النُّفُوسِ فَإِذَا وَطِئَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَلَوْ كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ فِي عِدَّةِ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ وَطِئَهَا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، أَوْ فِي حَيْضٍ أَوْ إحْرَامٍ فَقَدْ اسْتَوْفَاهَا.
فَحَقُّهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْحَرَامِ وَلِأَنَّهُ يُكْمِلُ طَرِيقَ الْحِلِّ بِدَفْعِ الْبَيْنُونَةِ بِطَلْقَةٍ، أَوْ رِدَّةٍ، فَخَرَجَ بِقَيْدِ الْوَطْءِ الْمُفَاخَذَةُ وَنَحْوُهَا.
وَبِقَيْدِ الْحَشَفَةِ غَيْبُوبَةُ بَعْضِهَا وَبِقَيْدِ الْقُبُلِ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ وَبِقَيْدِ النِّكَاحِ الْوَطْءُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ وَالْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ.
وَبِقَيْدِ الصَّحِيحِ الْوَطْءُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ فَلَا يَحْصُلُ بِهِ صِفَةُ كَمَالٍ، فَلَا حَصَانَةَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْمُحْتَرَزِ عَنْهَا بِالْقُيُودِ الْمَذْكُورَةِ.
وَالْأَصَحُّ: الْمَنْصُوصُ اشْتِرَاطُ التَّغْيِيبِ لِحَشَفَةِ الرَّجُلِ أَوْ قَدْرِهَا حَالَ حُرِّيَّتِهِ الْكَامِلَةِ وَتَكْلِيفِهِ.
فَلَا يَجِبُ الرَّجْمُ عَلَى مَنْ وَطِئَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَهُوَ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ، أَوْ رَقِيقٌ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ وُقُوعُهُ فِي حَالِ الْكَمَالِ، لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِأَكْمَلِ الْجِهَاتِ وَهُوَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ، فَاعْتُبِرَ حُصُولُهُ مِنْ كَامِلٍ حَتَّى لَا يُرْجَمَ مَنْ وَطِئَ وَهُوَ نَاقِصٌ ثُمَّ زَنَى وَهُوَ كَامِلٌ، وَيُرْجَمَ مَنْ كَانَ كَامِلًا فِي الْحَالَيْنِ، وَإِنْ تَخَلَّلَهُمَا نَقْصٌ كَجُنُونٍ وَرِقٍّ وَالْعِبْرَةُ بِالْكَمَالِ فِي الْحَالَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَرُدُّ عَلَى هَذَا إدْخَالُ الْمَرْأَةِ حَشَفَةَ الرَّجُلِ وَهُوَ نَائِمٌ وَإِدْخَالُهُ فِيهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ الْإِحْصَانُ لِلنَّائِمِ أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ عِنْدَ الْفِعْلِ.
أُجِيبَ: بِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ اسْتِصْحَابًا لِحَالِهِ قَبْلَ النَّوْمِ.
تَنْبِيهٌ: سَكَتُوا عَنْ شَرْطِ الِاخْتِيَارِ هُنَا وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ حَتَّى لَوْ وُجِدَتْ الْإِصَابَةُ وَالزَّوْجُ مُكْرَهٌ عَلَيْهَا.
وَقُلْنَا: بِتَصَوُّرِ الْإِكْرَاهِ حَصَلَ التَّحْصِينُ وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَهَذِهِ الشُّرُوطُ كَمَا تُعْتَبَرُ فِي الْوَاطِئِ تُعْتَبَرُ أَيْضًا فِي الْمَوْطُوءَةِ وَالْأَظْهَرُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ: أَنَّ الْكَامِلَ مِنْ رَجُلٍ، أَوْ امْرَأَةٍ بِنَاقِصٍ؛ مُحْصَنٌ لِأَنَّهُ حُرٌّ مُكَلَّفٌ وَطِئَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ.
فَأَشْبَهَ مَا إذَا كَانَا كَامِلَيْنِ.

وَلَا تُغَرَّبُ امْرَأَةٌ زَانِيَةٌ وَحْدَهَا بَلْ مَعَ زَوْجٍ، أَوْ مَحْرَمٍ لِخَبَرِ: «لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إلَّا وَمَعَهَا زَوْجٌ أَوْ مَحْرَمٌ»

[حاشية البجيرمي]

الْإِسْلَامِ فَلَا تَمْنَعُ مِنْهُ الرِّدَّةُ.
قَوْلُهُ: (الْمُسْتَأْمَنُ) وَمِثْلُهُ الْمُعَاهَدُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْمَشْهُورِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْهُ بِعَقْدٍ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ.
قَوْلُهُ: (كَمَا مَرَّ) أَيْ نَظِيرُ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ إذَا زَنَى وَلَوْ لَمْ يُزِلْ الْبَكَارَةَ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ، أَوْ يُرْجَمُ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا وَطِئَ) فِعْلُ الشَّرْطِ وَقَوْلُهُ: فَقَدْ اسْتَوْفَاهَا أَيْ الشَّهْوَةَ جَوَابُ الشَّرْطِ وَقَوْلُهُ: وَلَوْ كَانَتْ الْمَوْطُوءَةُ إلَخْ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ) أَيْ الْوَطْءَ فِي النِّكَاحِ يُكْمِلُ أَيْ يُقَوِّي طَرِيقَ الْحِلِّ أَيْ حِلِّ النِّكَاحِ بِدَفْعِ الْبَيْنُونَةِ بِطَلْقَةٍ، أَوْ رِدَّةٍ فَإِنَّ مَنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ ارْتَدَّ أَوْ ارْتَدَّتْ زَوْجَتُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ تَحْصُلُ الْبَيْنُونَةُ بِمُجَرَّدِ الطَّلَاقِ أَوْ الرِّدَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَا تَحْصُلُ الْبَيْنُونَةُ بِمُجَرَّدِهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ لِلْوَطْءِ مَزِيَّةً تَقْتَضِي التَّوَقُّفَ عَلَيْهِ هُنَا فَلَا يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: (طَرِيقُ الْحِلِّ) أَيْ حِلِّ الزَّوْجَةِ، وَطَرِيقُ الْحِلِّ هِيَ الْعَقْدُ وَقَوْلُهُ: بِدَفْعِ مُتَعَلِّقٍ بِ يَكْمُلُ وَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ أَيْ بِسَبَبِ دَفْعِ الْبَيْنُونَةِ بِطَلْقَةٍ، أَوْ رِدَّةٍ حَاصِلَةٍ بِدُونِ وَطْءٍ، لِأَنَّ الْعَقْدَ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ تَحْصُلُ الْبَيْنُونَةُ مَعَهُ بِطَلْقَةٍ، أَوْ رِدَّةٍ، لِأَنَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالْوَطْءُ يَدْفَعُ ذَلِكَ أَيْ يَدْفَعُ الْبَيْنُونَةَ بِمَا ذُكِرَ بَلْ لَا تَحْصُلُ الْبَيْنُونَةُ إلَّا بِثَلَاثِ طَلْقَاتٍ وَلَا تَحْصُلُ بِالرِّدَّةِ إلَّا إذَا لَمْ يَجْمَعْهُمَا الْإِسْلَامُ فِي الْعِدَّةِ فَعُلِمَ أَنَّ لِلْوَطْءِ مَزِيَّةً تَقْتَضِي تَوَقُّفَ الْإِحْصَانِ عَلَيْهِ فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: (وَالْعِبْرَةُ بِالْكَمَالِ فِي الْحَالَيْنِ) مُسْتَدْرَكٌ.
قَوْلُهُ: (بِنَاقِصٍ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: تَزَوَّجَ بِنَاقِصٍ، أَوْ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِكَامِلٍ أَيْ الَّذِي يَكْمُلُ بِالنَّاقِصِ وَالْمُرَادُ كَامِلٌ مَعَ نَاقِصٍ وَخَبَرُ أَنَّ قَوْلُهُ: " مُحْصَنٌ " لَا مَحْذُوفٌ كَمَا تُوُهِّمَ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تُغَرَّبُ امْرَأَةٌ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَمْ أَمَةً وَمِثْلُهَا الْأَمْرَدُ الْجَمِيلُ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ هَذَا عَلَى شُرُوطِ الْإِحْصَانِ.
قَوْلُهُ: (بَلْ مَعَ زَوْجٍ) بِأَنْ كَانَتْ أَمَةً، أَوْ حُرَّةً وَكَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ طَرَأَ التَّزْوِيجُ بَعْدَ الزِّنَا فَلَا يُقَالُ: إنَّ مَنْ لَهَا زَوْجٌ مُحْصَنَةٌ اهـ. رَشِيدِيٌّ وَعِبَارَةُ خ ض فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ تَكُونُ زَوْجَةً وَتَزْنِي وَيَكُونُ الْوَاجِبُ التَّغْرِيبَ دُونَ الرَّجْمِ مَعَ أَنَّ الْوَاجِبَ لِلزَّوْجَةِ إنَّمَا هُوَ الرَّجْمُ لَا الْجَلْدُ وَالتَّغْرِيبُ.
قُلْت: يُصَوَّرُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا عَقَدَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَزَنَتْ فَيُقَالُ لَهَا زَوْجَةٌ الْآنَ وَهُوَ زَوْجٌ اهـ. قَوْلُهُ: (أَوْ مَحْرَمٍ) وَمِثْلُهُ نِسْوَةٌ

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ يَوْمًا إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» وَلِأَنَّ الْقَصْدَ تَأْدِيبُهَا.
وَالزَّانِيَةُ إذَا خَرَجَتْ وَحْدَهَا هَتَكَتْ جِلْبَابَ الْحَيَاءِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مَنْ ذُكِرَ مِنْ الْخُرُوجِ مَعَهَا وَلَوْ بِأُجْرَةٍ لَمْ يُجْبَرْ.
كَمَا فِي الْحَجِّ، لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيبَ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ وَلَا يَأْثَمُ بِامْتِنَاعِهِ.
كَمَا بَحَثَهُ فِي الْمَطْلَبِ فَيُؤَخَّرُ تَغْرِيبُهَا إلَى أَنْ يَتَيَسَّرَ مَنْ يَخْرُجُ مَعَهَا، كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي حَدِّ غَيْرِ الْحُرِّ قَالَ (وَالْعَبْدُ وَالْأَمَةُ) الْمُكَلَّفَيْنِ وَلَوْ مُبَعَّضَيْنِ (حَدُّهُمَا نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ) وَهُوَ خَمْسُونَ جَلْدَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25] وَالْمُرَادُ الْجَلْدُ، لِأَنَّ الرَّجْمَ قَتْلٌ، وَالْقَتْلُ لَا يَتَنَصَّفُ.
وَرَوَى مَالِكٌ وَأَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ أُتِيَ بِعَبْدٍ وَأَمَةٍ زَنَيَا فَجَلَدَهُمَا خَمْسِينَ خَمْسِينَ إذْ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْأُنْثَى بِجَامِعِ الرِّقِّ.
وَلَوْ عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ بِمَنْ فِيهِ رِقٌّ لَعَمَّ الْمُكَاتَبَ، وَأَمَّ الْوَلَدِ وَالْمُبَعَّضَ.
وَيُغَرَّبُ مَنْ فِيهِ رِقٌّ نِصْفَ سَنَةٍ.
كَمَا شَمِلَ ذَلِكَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ نِصْفُ الْحُرِّ وَلِعُمُومِ الْآيَةِ فَأَشْبَهَ الْجَلْدَ.

تَنْبِيهٌ: مُؤْنَةُ الْمُغَرَّبِ فِي مُدَّةِ تَغْرِيبِهِ عَلَى نَفْسِهِ إنْ كَانَ حُرًّا وَعَلَى سَيِّدِهِ إنْ كَانَ رَقِيقًا.
وَإِنْ زَادَتْ عَلَى مُؤْنَةِ الْحُرِّ وَلَوْ زَنَى الْعَبْدُ الْمُؤَجَّرُ حُدَّ.
وَهَلْ يُغَرَّبُ فِي الْحَالِ وَيَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ، أَوْ يُؤَخَّرُ إلَى مُضِيِّ الْمُدَّةِ؟ وَجْهَانِ: حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَيَقْرُبُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ طُولِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ وَقِصَرِهَا قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ ذَلِكَ فِي الْأَجِيرِ الْحُرِّ أَيْضًا انْتَهَى.
وَالْأَوْجَهُ: أَنَّهُ لَا يُغَرَّبَ إنْ تَعَذَّرَ عَمَلُهُ فِي الْغُرْبَةِ كَمَا لَا يُحْبَسُ لِغَرِيمِهِ إنْ تَعَذَّرَ عَمَلُهُ فِي الْحَبْسِ بَلْ

[حاشية البجيرمي]

ثِقَاتٌ وَثِقَةٌ وَاحِدَةٌ وَمَمْسُوحٌ ثِقَةٌ، وَعَبْدُهَا الثِّقَةُ إذَا كَانَتْ ثِقَةً وَكَذَا سَفَرُهَا وَحْدَهَا إذَا أَمِنَتْ الطَّرِيقَ وَالْمَقْصِدَ كَمَا فِي الْحَجِّ بَلْ أَوْلَى وَالْمُرَادُ بِصُحْبَةِ مَنْ ذُكِرَ مَعَهَا صُحْبَتُهُ ذَهَابًا، وَإِيَابًا لَا إقَامَةً.
قَوْلُهُ: (مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) اُنْظُرْ أَيَّ فَائِدَةٍ فِي " ذِي " مَعَ أَنَّ مَحْرَمًا اسْمٌ لِلشَّخْصِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحْرَمِ الْمَحْرَمِيَّةُ.
قَوْلُهُ: (جِلْبَابَ) أَيْ سُتْرَةَ فَإِضَافَتُهُ إلَى الْحَيَاءِ مِنْ إضَافَةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ إلَى الْمُشَبَّهِ أَيْ: الْحَيَاءَ الَّذِي كَالْجِلْبَابِ بِجَامِعِ الْمَنْعِ فِي كُلٍّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِأُجْرَةٍ) فَتَجِبُ عَلَيْهَا إنْ قَدَرَتْ، وَإِلَّا فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ شَيْءٌ أُخِّرَ التَّغْرِيبُ إلَى أَنْ تَقْدِرَ عَلَى الْأُجْرَةِ، وَقِيلَ تَكُونُ عَلَى مَيَاسِيرِ الْمُسْلِمِينَ وَعِبَارَةُ م ر: فَإِنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً فَفِي بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ تَعَذَّرَ أُخِّرَ التَّغْرِيبُ إلَى أَنْ تُوسِرَ كَأَمْنِ طَرِيقٍ اهـ. قَالَ الزِّيَادِيُّ وَيُتَّجَهُ فِي الْقِنَّةِ أَنَّهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ سَوَاءٌ غَرَّبَ السَّيِّدُ، أَوْ الْإِمَامُ كَالْحُرَّةِ الْمُعْسِرَةِ.

قَوْلُهُ: (الْمُكَلَّفَيْنِ) نَعْتٌ مَقْطُوعٌ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ أَعْنِي الْمُكَلَّفَيْنِ وَفِيهِ أَنَّ النَّعْتَ لَا يَجُوزُ قَطْعُهُ إلَّا إذَا تَعَيَّنَ الْمَنْعُوتُ بِدُونِهِ وَمَا هُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: 25] بِالتَّزْوِيجِ وَالْمُرَادُ بِإِحْصَانِهِنَّ صَيْرُورَتُهُنَّ عَفِيفَاتٍ بِسَبَبِ التَّزْوِيجِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْبَيْضَاوِيِّ، لِأَنَّ الْإِحْصَانَ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ لَا يُوصَفُ بِهِ الرَّقِيقُ فَالْإِحْصَانُ لَيْسَ قَيْدًا، لِأَنَّ الْبِكْرَ تُحَدُّ أَيْضًا وَتُغَرَّبُ.
قَوْلُهُ: ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النساء: 25] أَيْ الْحَرَائِرِ وَقَوْلُهُ: مِنْ الْعَذَابِ شَامِلٌ لِلتَّغْرِيبِ، لِأَنَّهُ عَذَابٌ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ " وَلِعُمُومِ الْآيَةِ " اهـ. قَوْلُهُ: (خَمْسِينَ خَمْسِينَ) كَرَّرَهُ مَرَّتَيْنِ، لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّةٍ لَتُوُهِّمَ أَنَّ الْخَمْسِينَ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (كَمَا شَمِلَ ذَلِكَ) لِأَنَّ الْحَدَّ شَامِلٌ لِلتَّغْرِيبِ.
قَوْلُهُ: (وَلِعُمُومِ الْآيَةِ) فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ حَمَلَهَا أَوَّلًا عَلَى الْجَلْدِ وَقَوْلُهُ: فَأَشْبَهَ الْجَلْدَ إلَخْ.
فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ عَلَى فَرْضِ عُمُومِ الْآيَةِ يَكُونُ بِالنَّصِّ لَا بِالشَّبَهِ فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ إحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ وَهُمَا عُمُومٌ فِي الْحَدِيثِ وَقَوْلِهِ: فَأَشْبَهَ الْجَلْدَ.

قَوْلُهُ: (عَلَى نَفْسِهِ) وَهَذَا شَامِلٌ لِلزَّوْجَةِ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّهَا غَيْرُ مُمْكِنَةٍ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا فَإِنْ صَحِبَهَا وَتَمَتَّعَ بِهَا فَيَنْبَغِي وُجُوبُ نَفَقَتِهَا سم.
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُغَرَّبِ مَالٌ فَيَقْتَرِضُ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يُوسِرَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُقْرِضُهُ فَفِي بَيْتِ الْمَالِ قَرْضًا لَا تَبَرُّعًا.
قَوْلُهُ: (عَلَى مُؤْنَةِ الْحُرِّ) صَوَابُهُ عَلَى مُؤْنَةِ الْحَضَرِ فَإِنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ نَفَقَتَهُ الزَّائِدَةَ عَلَى مُؤْنَةِ الْحَضَرِ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ) أَيْ الْمُؤَجَّرَ حُرًّا كَانَ، أَوْ رَقِيقًا لَا يُغَرَّبُ إلَخْ مُعْتَمَدٌ وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يُغَرَّبُ فِي الْحَالِ

أَوْلَى، لِأَنَّ ذَلِكَ حَقُّ آدَمِيٍّ وَهَذَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ إذَا تَوَجَّهَ عَلَيْهَا حَبْسٌ فَإِنَّهَا تُحْبَسُ، وَلَوْ فَاتَ التَّمَتُّعُ عَلَى الزَّوْجِ، لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لَهُ.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَهُوَ كَذَلِكَ.

وَيَثْبُتُ الزِّنَا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَيْهِ وَهِيَ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ لِآيَةِ: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: 15] ، أَوْ إقْرَارٍ حَقِيقِيٍّ وَلَوْ مَرَّةً، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيَّةَ بِإِقْرَارِهِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْبَيِّنَةِ التَّفْصِيلُ فَتَذْكُرُ بِمَنْ زَنَى لِجَوَازِ أَنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ بِوَطْئِهَا وَالْكَيْفِيَّةَ لِاحْتِمَالِ إرَادَةِ الْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ وَتَتَعَرَّضُ لِلْحَشَفَةِ، أَوْ قَدْرِهَا وَقْتَ الزِّنَا، فَتَقُولُ رَأَيْنَاهُ أَدْخَلَ ذَكَرَهُ، أَوْ

[حاشية البجيرمي]

مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَعَذَّرَ عَمَلُهُ فِي الْغُرْبَةِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يُغَرَّبُ فِي الْحَالِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ ذَلِكَ كَالْخِيَاطَةِ وَالْكِتَابَةِ.
قَوْلُهُ: (إنْ تَعَذَّرَ عَمَلُهُ فِي الْغُرْبَةِ) كَالْبِنَاءِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ الْحَبْسَ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ التَّغْرِيبُ حَقُّ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهَا تُحْبَسُ) مَعَ أَنَّهَا تُشْبِهُ الْمُسْتَأْجَرَةَ لِلزَّوْجِ، لِأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ لَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِ صَارَتْ كَأَنَّهَا مُسْتَأْجَرَةً لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ فَاتَ التَّمَتُّعُ) غَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ) أَيْ حَيْثُ قَالُوا: إنَّ الْعَبْدَ حَدُّهُ نِصْفُ الْحُرِّ.
وَغَرَضُهُ بِذَلِكَ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ الرَّقِيقَ الْكَافِرَ لَا يُحَدُّ، لِأَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ لِلْأَحْكَامِ حُكْمًا تَبَعًا لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ كَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ الْكَافِرَةَ تُحَدُّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهَا جِزْيَةٌ، لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِزَوْجِهَا، أَوْ لِأَهْلِهَا.

قَوْلُهُ: (بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ) وَيُزَادُ اللِّعَانُ فِي حَقِّ الزَّوْجِ فَلَا يَثْبُتُ الزِّنَا بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ وَلَا بِحَبَلِ الْمَرْأَةِ وَهِيَ خَلِيَّةٌ خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ قَالَ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْمِيزَانِ: وَإِذَا ظَهَرَ بِالْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ حَمْلٌ لَا زَوْجَ لَهَا وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ الَّتِي لَا يُعْرَفُ لَهَا زَوْجٌ وَتَقُولُ أُكْرِهْتُ، أَوْ وُطِئْتُ بِشُبْهَةٍ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَدٌّ كَمَا قَالَهُ: أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي أَظْهَرِ رِوَايَتَيْهِ وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّهَا تُحَدُّ إذَا كَانَتْ مُقِيمَةً لَيْسَتْ بِغُرْبَةٍ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا فِي الشُّبْهَةِ وَالْغَصْبِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُ ذَلِكَ كَمَجِيئِهَا مُسْتَغِيثَةً وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا يَظْهَرُ بِهِ صِدْقُهَا، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ عَدَمُ تَحَقُّقِنَا مِنْهَا مَا يُوجِبُ الْحَدَّ لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا وُطِئَتْ وَهِيَ نَائِمَةٌ، أَوْ مُغْمًى عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ " أَنَّ امْرَأَةً لَا زَوْجَ لَهَا أُتِيَ بِهَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ وَجَدُوهَا حَامِلًا فَقَالَ عُمَرُ لِلْحَاضِرِينَ: الَّذِي عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ مَا هِيَ مِنْ أَهْلِ التُّهْمَةِ، ثُمَّ اسْتَفْهَمَهَا عَنْ شَأْنِهَا، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي امْرَأَةٌ أَرْعَى الْغَنَمَ، وَإِذَا دَخَلْتُ فِي صَلَاتِي فَرُبَّمَا غَلَبَ عَلَيَّ الْخُشُوعُ فَأَغِيبُ عَنْ إحْسَاسِي فَرُبَّمَا أَتَى أَحَدٌ مِنْ الْعُتَاةِ فَغَشِيَنِي مِنْ غَيْرِ عِلْمِي أَيْ وَطِئَنِي قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا﴾ [الأعراف: 189] إلَخْ فَقَالَ لَهَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَذَلِكَ ظَنِّي بِكِ وَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ، وَقَدْ حَكَيْت ذَلِكَ لِزَوْجَتِي أُمِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَتْ: إنَّ الْوَلَدَ لَا يَتَخَلَّقُ إلَّا مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مَعًا، وَإِذَا كَانَتْ غَائِبَةَ الْعَقْلِ فَلَا شُعُورَ لَهَا بِلَذَّةِ جِمَاعِ ذَلِكَ الرَّجُلِ حَتَّى يَخْرُجَ مَاؤُهَا وَتَخَلُّقُ الْوَلَدِ مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ خَصَائِصِ عِيسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَتْ: وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهَا شَعَرَتْ بِوَطْءِ الرَّجُلِ لَهَا فَخَرَجَ مَاؤُهَا وَلَكِنْ اسْتَحْيَتْ مِنْ النَّاسِ فَأَوْرَثَ ذَلِكَ شُبْهَةً عِنْدَ عُمَرَ فَدَرَأَ الْحَدَّ عَنْهَا.
إلَّا إنَّهُ سَلَّمَ لَهَا قَوْلَهَا مُطْلَقًا فَقُلْت لَهَا: وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ احْتَلَمَتْ بَعْدَ نَزْعِ الرَّجُلِ مِنْهَا فَاخْتَلَطَ مَنِيُّهَا بِمَنِيِّهِ الْبَاقِي فِي رَحِمِهَا فَتَخَلَّقَ مِنْ ذَلِكَ الْوَلَدُ، أَوْ أَنَّهَا كَانَتْ مِنْ وَرَثَةِ أُمِّ عِيسَى فِي الْمَقَامِ فَكَمَا قَامَ نَفْخُ الْمَلَكِ فِي ذَيْلِ قَمِيصِ مَرْيَمَ مَقَامَ مَاءِ الزَّوْجِ كَذَلِكَ قَامَ نَفْخُ مَلَكٍ، أَوْ شَيْطَانٍ فِي ذَيْلِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ مَقَامَ مَاءِ الزَّوْجِ أَوْ السَّيِّدِ عَادَةً فَقَالَتْ: هَذَا بَعِيدٌ اهـ. وَأَمَّا وَجْهُ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِك الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ إنَّهَا تُحَدُّ فَهُوَ لِعَدَمِ إبْدَائِهَا شُبْهَةً يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ عَنْهَا عِنْدَهُ فَاعْلَمْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مَرَّةً) . غَايَةٌ لِلرَّدِّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ الْقَائِلِ بِأَنَّ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ بِالْإِقْرَارِ إلَّا بِتَعَدُّدِ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ، لِأَنَّ كُلَّ مَرَّةٍ قَائِمَةٌ مَقَامَ شَاهِدٍ، وَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ لِلْمُقِرِّ بِالزِّنَا: «لَعَلَّكَ لَمَسْتَ لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ لَعَلَّكَ فَاخَذْتَ فَصَارَ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ زَنَيْتُ» . قَوْلُهُ: (فَتَذْكُرُ بِمَنْ زَنَى) أَيْ فَتُصَرِّحُ بِاَلَّتِي زَنَى بِهَا كَأَنْ تَقُولَ: أَدْخَلَ حَشَفَتَهُ فِي فَرْجِ فُلَانَةَ عَلَى سَبِيلِ الزِّنَا.
وَلَا بُدَّ أَنْ تَذْكُرَ الْإِحْصَانَ، أَوْ عَدَمَهُ كَمَا فِي الْعُبَابِ.
اهـ. ح ل. قَوْلُهُ: (وَالْكَيْفِيَّةَ) أَيْ كَيْفِيَّةَ مَا وُجِدَ مِنْهُ هَلْ هُوَ إيلَاجٌ أَوْ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَتَتَعَرَّضُ لِلْحَشَفَةِ) تَفْصِيلٌ لِلْكَيْفِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَقْتَ الزِّنَا) وَكَذَا مَكَانُهُ لَا بُدَّ مِنْهُمَا، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَحِلُّ فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ وَفِي مَكَان دُونَ مَكَان.
قَوْلُهُ:

حَشَفَتَهُ فِي فَرْجِ فُلَانَةَ، عَلَى وَجْهِ الزِّنَا وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ الْإِقْرَارِ مُفَصَّلًا كَالشَّهَادَةِ.
وَخَرَجَ بِالْإِقْرَارِ الْحَقِيقِيِّ التَّقْدِيرِيُّ وَهُوَ الْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ بَعْدَ نُكُولِ الْخَصْمِ فَلَا يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَا، وَلَكِنْ يَسْقُطُ بِهِ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ.

وَيُسَنُّ لِلزَّانِي وَكُلِّ مَنْ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً: السَّتْرُ عَلَى نَفْسِهِ لِخَبَرِ: «مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَإِنَّ مَنْ أَبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ.

(وَحُكْمُ اللِّوَاطِ) وَهُوَ إيلَاجُ الْحَشَفَةِ أَوْ قَدْرِهَا فِي دُبُرِ ذَكَرٍ وَلَوْ عَبْدَهُ أَوْ أُنْثَى غَيْرَ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ.
(وَإِتْيَانِ الْبَهَائِمِ) مُطْلَقًا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ (حُكْمُ الزِّنَا) فِي الْقُبُلِ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي اللِّوَاطِ فَقَطْ فَيُرْجَمُ الْفَاعِلُ الْمُحْصَنُ، وَيُجْلَدُ وَيُغَرَّبُ غَيْرُهُ عَلَى مَا سَبَقَ، وَأَمَّا الْمَفْعُولُ بِهِ فَيُجْلَدُ وَيُغَرَّبُ مُطْلَقًا أُحْصِنَ أَمْ لَا.
عَلَى الْأَصَحِّ وَخَرَجَ بِقَيْدِ " غَيْرَ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ " اللِّوَاطُ بِهِمَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ بَلْ وَاجِبُهُ التَّعْزِيرُ فَقَطْ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي الرَّوْضَةِ.
أَيْ إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ الْفِعْلُ فَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ فَلَا تَعْزِيرَ.
كَمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَالرُّويَانِيُّ وَالزَّوْجَةُ وَالْأَمَةُ فِي التَّعْزِيرِ مِثْلُهُ.
، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ إتْيَانَ الْبَهَائِمِ فِي الْحَدِّ كَالزِّنَا فَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ مَرْجُوحٌ وَعَلَيْهِ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمُحْصَنِ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ حَدٌّ يَجِبُ بِالْوَطْءِ كَذَا عَلَّلَهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَالتَّهْذِيبِ.
وَالثَّانِي أَنَّ وَاجِبَهُ الْقَتْلُ

[حاشية البجيرمي]

وَهُوَ الْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ) كَمَا إذَا قَذَفَ شَخْصًا بِالزِّنَا وَطَلَبَ مِنْهُ الْمَقْذُوفُ حَدَّ الْقَذْفِ فَطَلَبَ مِنْهُ يَمِينَهُ، عَلَى أَنَّهُ مَا زَنَى، فَرَدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ فَحَلَفَ أَنَّهُ زَانٍ.
اهـ. دَمِيرِيٌّ.

قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ لِلزَّانِي إلَخْ) وَلَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ سَقَطَ الْحَدُّ لَا إنْ هَرَبَ، أَوْ قَالَ لَا تَحُدُّونِي.
أَمَّا الْحَدُّ الثَّابِتُ بِالْبَيِّنَةِ فَلَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ كَمَا لَا يَسْقُطُ هُوَ وَلَا الثَّابِتُ بِالْإِقْرَارِ بِالتَّوْبَةِ.
اهـ. شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ رَجَعَ أَيْ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْحَدِّ، أَوْ بَعْدَهُ كَأَنْ قَالَ: كَذَبْتُ، أَوْ مَا زَنَيْتُ، أَوْ رَجَعْتُ أَوْ فَاخَذْتُ فَظَنَنْتُهُ زِنًا وَإِنْ شَهِدَ حَالُهُ بِكَذِبِهِ فِيمَا يَظْهَرُ وَعَلَى قَاتِلِهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ الدِّيَةُ لَا الْقَوَدُ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ بِالرُّجُوعِ وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ لِإِسْقَاطِ مَهْرِ مَنْ قَالَ: زَنَيْتُ بِهَا مُكْرَهَةً، لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ.
اهـ. زي، مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ م ر. وَقَوْلُهُ: لَا تَحُدُّونِي خَرَجَ مَا لَوْ قَالَ: قَدْ حَدَّنِي الْإِمَامُ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ، وَإِنْ لَمْ يُرَ لَهُ أَثَرٌ بِبَدَنِهِ.
وَقَوْلُهُ: فَلَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ أَيْ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَقْوَى مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْإِقْرَارَ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّ أَقْوَى مِنْ الْبَيِّنَةِ كَمَا قَالَهُ الْبِرْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (الْقَاذُورَاتِ) أَيْ الْمَعَاصِي.
قَوْلُهُ (صَفْحَتَهُ) أَيْ ذَنْبَهُ وَنُسْخَةٌ " فُضْحَتَهُ " أَيْ زَلَّتَهُ وَجَرِيمَتَهُ، وَمَحَلُّ نَدْبِ السَّتْرِ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ شَيْخٍ يُرْشِدُهُ لِدَوَاءِ ذَنْبِهِ وَهُوَ التَّوْبَةُ مِنْهُ، أَوْ كَسْرٍ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِأَجْلِ النَّدَمِ.

قَوْلُهُ: (وَحُكْمُ اللِّوَاطِ إلَخْ) وَلِبَعْضِهِمْ فِي ذَمِّهِ نَظْمٌ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ الشَّعْرَانِيُّ: ظَلَامٌ لِقَلْبٍ ضِيقُ رِزْقٍ لِفَاعِلٍ ... لِإِحْدَى خِصَالٍ ثُمَّ مَقْتٌ بِحِرْمَانِ هِيَ الْكِيمْيَا ثُمَّ اللِّوَاطُ وَشُغْلُهُ ... بِعِلْمٍ لِرُوحَانِيٍّ كَذَا نَصُّ شَعْرَانِيّ قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ أَمْ لَا.
قَوْلُهُ: (حُكْمُ الزِّنَا) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى زِنًا وَهَذَا مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، وَإِلَّا فَهُوَ زِنًا شَرْعًا وَلِذَلِكَ يَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَزْنِي ق ل. قَوْلُهُ: (فِي الْقُبُلِ) مُتَعَلِّقٌ بِالزِّنَا.
قَوْلُهُ (عَلَى الْمَذْهَبِ فِي اللِّوَاطِ) وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ يُقْتَلُ مُطْلَقًا وَفِي كَيْفِيَّةِ قَتْلِهِ أَقْوَالٌ أَرْبَعَةٌ.
قِيلَ: بِالسَّيْفِ وَقِيلَ: بِالرَّجْمِ، وَقِيلَ: بِهَدْمِ جِدَارٍ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ بِإِلْقَائِهِ مِنْ شَاهِقِ جَبَلٍ.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) بَيَّنَ الْإِطْلَاقَ بِقَوْلِهِ: أَحْصَنَ أَمْ لَا لِأَنَّ الْإِحْصَانَ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْمَفْعُولِ فِي دُبُرِهِ؛ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ إدْخَالُ الذَّكَرِ فِي الدُّبُرِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ حَتَّى يُؤَثِّرَ الْإِحْصَانُ اخْتِلَافَ الْحُكْمِ فِيهِ وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ مَنْ خَشِيَ الزِّنَا وَزَوْجَتُهُ حَائِضٌ يُبَاحُ لَهُ دُبُرُهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ قَطْعًا بَلْ يُبَاحُ لَهُ حِينَئِذٍ وَطْؤُهَا فِي الْقُبُلِ مَعَ الْحَيْضِ لِلضَّرُورَةِ قَوْلُهُ: (بَلْ وَاجِبُهُ التَّعْزِيرُ فَقَطْ) وَلَيْسَ كَبِيرَةً فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى ق ل. قَوْلُهُ: (وَالزَّوْجَةُ وَالْأَمَةُ فِي التَّعْزِيرِ مِثْلُهُ) أَيْ الزَّوْجِ، هُوَ الْمُعْتَمَدُ أَيْ فَإِنَّهَا إذَا مَكَّنَتْ زَوْجَهَا، أَوْ سَيِّدَهَا مِنْ دُبُرِهَا بِاخْتِيَارِهَا فَإِنَّهَا تُعَزَّرُ وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ التَّعْزِيرُ عَلَى التَّكْرِيرِ لِخَوْفِ الْمُقَاطَعَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ النَّفَقَةُ تَسْقُطُ بِهَا.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْمُحْصَنِ وَغَيْرِهِ) لِلْحَدِيثِ الْآتِي أَيْ فَيُقْتَلُ الْأَوَّلُ وَيُجْلَدُ

مُحْصَنًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ.
وَأَظْهَرُهَا لَا حَدَّ فِيهِ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ كَأَصْلِهِ، لِأَنَّ الطَّبْعَ السَّلِيمَ يَأْبَاهُ فَلَمْ يُحْتَجْ إلَى زَاجِرٍ بِحَدٍّ.
بَلْ يُعَزَّرُ وَفِي النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: " لَيْسَ عَلَى الَّذِي يَأْتِي الْبَهِيمَةَ حَدٌّ " وَمِثْلُ هَذَا لَا يَقُولُهُ إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ.

. (وَمَنْ وَطِئَ) الْأَوْلَى " وَمَنْ بَاشَرَ " (فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ) بِمُفَاخَذَةٍ، أَوْ مُعَانَقَةٍ، أَوْ قُبْلَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
(عُزِّرَ) بِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ ضَرْبٍ، أَوْ صَفْعٍ، أَوْ حَبْسٍ أَوْ نَفْيٍ، وَيَعْمَلُ بِمَا يَرَاهُ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ الِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِهَا.
وَلَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى التَّوْبِيخِ بِاللِّسَانِ وَحْدَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا فِي الرَّوْضَةِ.
وَلَا يَبْلُغُ الْإِمَامُ وُجُوبًا (بِالتَّعْزِيرِ أَدْنَى الْحُدُودِ) لِأَنَّ الضَّابِطَ فِي التَّعْزِيرِ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى أَمْ لِآدَمِيٍّ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنْ مُقَدِّمَاتِ مَا فِيهِ حَدٌّ كَمُبَاشَرَةِ أَجْنَبِيَّةٍ فِي غَيْرِ الْفَرْجِ وَسَرِقَةِ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ، وَالسَّبِّ بِمَا لَيْسَ بِقَذْفٍ أَمْ لَا، كَالتَّزْوِيرِ وَشَهَادَةِ الزُّورِ وَالضَّرْبِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنُشُوزِ الْمَرْأَةِ

[حاشية البجيرمي]

الثَّانِي وَيُغَرَّبُ.
قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي أَنَّ وَاجِبَهُ الْقَتْلُ) وَفِي كَيْفِيَّتِهِ الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي اللِّوَاطِ، وَأَمَّا قَتْلُ الْبَهِيمَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ وَالرَّاجِحُ مِنْهُ أَنَّ قَتْلَهَا بِذَبْحِهَا إنْ كَانَتْ مَأْكُولَةً وَيَغْرَمُ الْفَاعِلُ بِهَا مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا حَيَّةً وَمَذْبُوحَةً، لِأَنَّ ذَبْحَهَا مَصْلَحَةٌ وَهُوَ السَّتْرُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ فِي بَقَائِهَا تَذَكُّرًا لِلْفَاحِشَةِ فَيُعَيَّرُ بِهَا وَالْأَصَحُّ: حِلُّ أَكْلِهَا إذَا ذُبِحَتْ، وَفِي وَجْهٍ لَا شَيْءَ لِصَاحِبِهَا، لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ قَتْلَهَا لِلْمَصْلَحَةِ دَمِيرِيٌّ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهَا بِغَيْرِ الذَّبْحِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْكُولَةِ فَيَضْمَنُهَا كُلَّهَا إذَا ذُبِحَتْ.
قَوْلُهُ: (فَاقْتُلُوهُ) مَنْسُوخٌ عِنْدَنَا بِالْحَدِيثِ الْآتِي أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ.
قَوْلُهُ: (وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ) أَيْ سَتْرًا عَلَى الْفَاعِلِ، لِأَنَّهَا إذَا رُئِيَتْ تُذُكِّرَ الْفَاعِلُ بِهَا.

قَوْلُهُ: (الْأَوْلَى وَمَنْ بَاشَرَ) لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْوَطْءِ إيلَاجُ الْحَشَفَةِ فِي فَرْجٍ.
وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ عَبَّرَ بِهِ لِلْمُشَاكَلَةِ.
قَوْلُهُ: (بِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ) أَفْهَمَ كَلَامُهُ عَدَمَ اسْتِيفَاءِ غَيْرِ الْأُمِّ مَالَهُ نَعَمْ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ تَأْدِيبُ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ وَمِثْلُهُمَا الْأُمُّ كَمَا بَحَثَهُ الرَّافِعِيُّ وَلِلسَّيِّدِ تَأْدِيبُ قِنِّهِ وَلَوْ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِلْمُعَلِّمِ تَأْدِيبُ الْمُتَعَلِّمِ مِنْهُ لَكِنْ بِإِذْنِ وَلِيِّ الْمَحْجُورِ، وَلِلزَّوْجِ تَعْزِيرُ زَوْجَتِهِ لِحَقِّ نَفْسِهِ كَنُشُوزٍ م ر: وَقَوْلُهُ: وَلِلْمُعَلِّمِ ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَافِرًا وَهُوَ ظَاهِرٌ حَيْثُ تَعَيَّنَ لِلتَّعْلِيمِ، أَوْ كَانَ أَصْلَحَ مِنْ غَيْرِهِ فِي التَّعْلِيمِ، وَعِبَارَةُ ق ل وَمُعَلِّمٌ لِمُتَعَلِّمٍ مِنْهُ وَلَوْ غَيْرَ صَبِيٍّ وَسَوَاءٌ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ، أَوْ لَا إذْ لَهُ التَّأْدِيبُ وَلَوْ بِالضَّرْبِ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَالَ ع ش وَمِنْ ذَلِكَ الشَّيْخُ مَعَ الطَّلَبَةِ فَلَهُ تَأْدِيبُ مَنْ حَصَلَ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي تَأْدِيبَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّعَلُّمِ وَلَيْسَ مِنْهُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ أَنَّ الْمُتَعَلِّمَ إذَا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ لِغَيْرِهِ يَأْتِي صَاحِبُ الْحَقِّ لِلشَّيْخِ وَيَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنْ الْمُتَعَلِّمِ مِنْهُ فَإِذَا طَلَبَهُ الشَّيْخُ مِنْهُ وَلَمْ يُوفِهِ فَلَيْسَ لَهُ ضَرْبُهُ وَلَا تَأْدِيبُهُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ تَوْفِيَةِ الْحَقِّ فَلَوْ عَزَّرَهُ الشَّيْخُ بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ حُرِّمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (مِنْ ضَرْبٍ) أَيْ غَيْرِ مُبَرِّحٍ قَوْلُهُ: (أَوْ صَفْعٍ) هُوَ الضَّرْبُ بِجَمْعِ الْكَفِّ، أَوْ بَسْطِهَا م ر. قَوْلُهُ: (أَوْ حَبْسٍ) أَيْ أَوْ قِيَامٍ مِنْ مَجْلِسٍ، أَوْ كَشْفِ رَأْسٍ، أَوْ تَسْوِيدِ وَجْهٍ، أَوْ حَلْقِ رَأْسٍ لِمَنْ يَكْرَهُهُ فِي زَمَنِنَا لَا لِلِحْيَةٍ، وَإِنْ قُلْنَا: بِكَرَاهَتِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَيْ لَا يَجُوزُ بِذَلِكَ فَإِنْ فُعِلَ بِهِ حُرِّمَ وَحَصَلَ التَّعْزِيرُ، كَمَا قَالَهُ ح ل خِلَافًا لِلشَّوْبَرِيِّ فِي عَدَمِ حُصُولِ التَّعْزِيرِ بِذَلِكَ وَقَرَّرَ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ حَلْقُ اللِّحْيَةِ حَيْثُ يَرَاهُ الْإِمَامُ فَلْيُحَرَّرْ، وَإِرْكَابُهُ الْحِمَارَ مَنْكُوسًا وَالدَّوْرَانُ بِهِ كَذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ وَتَهْدِيدُهُ بِأَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ.
وَجَوَّزَ الْمَاوَرْدِيُّ صَلْبَهُ حَيًّا مِنْ غَيْرِ مُجَاوَزَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَا يُمْنَعُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي لَا مُومِيًا أَيْ بَلْ يُطْلَقُ حَتَّى يُصَلِّيَ، ثُمَّ يُصْلَبُ خِلَافًا لَهُ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ بِكُلِّ مُعَزَّرٍ مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ وَبِجِنَايَتِهِ أَيْ مَا يَلِيقُ بِهِ وَبِجِنَايَتِهِ وَأَنْ يُرَاعِيَ فِي التَّرْتِيبِ وَالتَّدْرِيجِ مَا مَرَّ فِي دَفْعِ الصَّائِلِ فَلَا يَرْتَقِي لِمَرْتَبَةٍ وَهُوَ يَرَى مَا دُونَهَا كَافِيًا فَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ إذْ لِلْإِمَامِ الْجَمْعُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ فَأَكْثَرَ إنْ رَآهُ م ر فِي شَرْحِهِ قَالَ ق ل: وَمَنَعَ شَيْخُنَا م ر كَابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ الضَّرْبَ بِالدِّرَّةِ الْمَعْرُوفَةِ الْآنَ لِذَوِي الْهَيْئَاتِ، لِأَنَّهُ صَارَ عَارًا فِي ذُرِّيَّتِهِمْ اهـ. قَوْلُهُ: (عَلَى التَّوْبِيخِ) أَيْ إنْ أَفَادَ.
قَوْلُهُ: (أَدْنَى الْحُدُودِ) وَهُوَ أَرْبَعُونَ بِالنِّسْبَةِ لِلْحُرِّ وَعِشْرُونَ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّقِيقِ سم هَذَا إذَا كَانَ التَّعْزِيرُ بِالضَّرْبِ أَمَّا غَيْرُهُ كَالْحَبْسِ فَيَتَعَلَّقُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى) كَمُبَاشَرَةِ أَجْنَبِيَّةٍ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ.
قَوْلُهُ: (كَالتَّزْوِيرِ) التَّزْوِيرُ هُوَ مُحَاكَاةُ الْخَطِّ.

وَمَنْعِ الزَّوْجِ حَقَّهُ مَعَ الْقُدْرَةِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: 34] الْآيَةَ فَأَبَاحَ الضَّرْبَ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ فَكَانَ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى التَّعْزِيرِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سُئِلَ: " عَمَّنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا: فَاسِقُ يَا خَبِيثُ فَقَالَ: يُعَزَّرُ ". تَنْبِيهٌ: اقْتَضَى الضَّابِطُ الْمَذْكُورُ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ: الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: تَعْزِيرُ ذِي الْمَعْصِيَةِ الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَسَائِلُ: مِنْهَا الْأَصْلُ لَا يُعَزَّرُ لِحَقِّ الْفَرْعِ كَمَا لَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ.
وَمِنْهَا مَا إذَا ارْتَدَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ فَإِنَّهُ لَا يُعَزَّرُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَمِنْهَا مَا إذَا كَلَّفَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ مَا لَا يُطِيقُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَا يُعَزَّرُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ: لَا تَعُدْ فَإِنْ عَادَ عُزِّرَ.
وَمِنْهَا مَا إذَا قَطَعَ الشَّخْصُ أَطْرَافَ نَفْسِهِ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: مَتَى كَانَ فِي الْمَعْصِيَةِ حَدٌّ كَالزِّنَا أَوْ كَفَّارَةٌ كَالتَّمَتُّعِ بِطِيبٍ فِي الْإِحْرَامِ يَنْتَفِي التَّعْزِيرُ لِإِيجَابِ الْأَوَّلِ الْحَدَّ وَالثَّانِي الْكَفَّارَةَ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَسَائِلُ: مِنْهَا إفْسَادُ الصَّائِمِ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعِ زَوْجَتِهِ، أَوْ أَمَتِهِ.
فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ مَعَ الْكَفَّارَةِ.
وَمِنْهَا الْمُظَاهِرُ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ مَعَ الْكَفَّارَةِ.
وَمِنْهَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ يَجِبُ فِيهَا التَّعْزِيرُ مَعَ الْكَفَّارَةِ.
وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي الْقَوَاعِدِ الصُّغْرَى أَنَّهُ لَوْ زَنَى بِأُمِّهِ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ مُعْتَكِفٌ مُحْرِمٌ لَزِمَهُ الْعِتْقُ وَالْبَدَنَةُ وَيُحَدُّ لِلزِّنَا وَيُعَزَّرُ لِقَطْعِ رَحِمِهِ وَانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْكَعْبَةِ.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يُعَزَّرُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَسَائِلُ: مِنْهَا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ يُعَزَّرَانِ إذَا فَعَلَا مَا يُعَزَّرُ عَلَيْهِ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُمَا مَعْصِيَةً.
وَمِنْهَا أَنَّ الْمُحْتَسِبَ يَمْنَعُ مَنْ يَكْتَسِبُ بِاللَّهْوِ وَيُؤَدِّبُ عَلَيْهِ الْآخِذَ وَالْمُعْطِيَ.
وَظَاهِرُهُ تَنَاوُلُ اللَّهْوِ الْمُبَاحِ.
وَمِنْهَا نَفْيُ الْمُخَنَّثِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ.
مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ فِعْلٌ لِلْمَصْلَحَةِ،

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: (فَقَالَ يُعَزَّرُ) مَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْقَائِلُ الْقَذْفَ، وَإِلَّا فَالْوَاجِبُ الْحَدُّ لِمَا يَأْتِي أَنَّ ذَلِكَ كِنَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (اقْتَضَى الضَّابِطُ الْمَذْكُورُ) وَهُوَ أَنَّ التَّعْزِيرَ يَجْرِي فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: اقْتَضَى الضَّابِطُ أَيْ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا فَالْأَوَّلُ مِنْ الْمَنْطُوقِ وَالْأَخِيرَانِ مِنْ الْمَفْهُومِ.
قَوْلُهُ: (الْأَصْلُ لَا يُعَزَّرُ لِحَقِّ الْفَرْعِ) أَيْ إذَا ضَرَبَهُ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ بِأَنْ كَانَ لَا لِقَصْدِ التَّأْدِيبِ، أَوْ سَبَّهُ بِمَا لَيْسَ بِقَذْفٍ كَيَا ظَالِمُ وَيَا أَحْمَقُ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَيَا سَارِقُ.
قَوْلُهُ: (مَا إذَا ارْتَدَّ) فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الرِّدَّةَ فِيهَا حَدٌّ وَهُوَ الْقَتْلُ فَكَيْفَ اسْتَثْنَاهَا.
وَيُجَابُ بِأَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ سَقَطَ الْحَدُّ فَصَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا مَا إذَا كَلَّفَ إلَخْ) وَمِنْهَا مَا لَوْ وَطِئَ الرَّجُلُ حَلِيلَتَهُ فِي دُبُرِهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَلَا يُعَزَّرُ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ تَعْزِيرُهُ عَلَى وَطْءِ الْحَائِضِ، لِأَنَّهُ أَفْحَشُ، لِلْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَكُفْرِ مُسْتَحِلِّهِ مَعَ أَنَّ الْوَطْءَ فِي الدُّبُرِ رَذِيلَةٌ يَنْبَغِي عَدَمُ إذَاعَتِهَا أَيْ إشَاعَتِهَا م ر فِي شَرْحِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ) لَكِنَّ الثَّلَاثَ الْأُوَلَ مِنْ الَّذِي فِيهِ كَفَّارَةٌ.
وَالرَّابِعَ مِنْ الَّذِي فِيهِ كَفَّارَةٌ وَحَدٌّ مَعًا.
قَوْلُهُ: (الْغَمُوسُ) أَيْ الْبَاطِلُ بِأَنْ اعْتَرَفَ أَنَّهُ حَلَفَ بَاطِلًا عَامِدًا عَالِمًا، وَأَمَّا لَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَا يُعَزَّرُ لِاحْتِمَالِ كَذِبِهَا كَمَا قَالَهُ: ح ل. قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ الْعِتْقُ) : أَيْ كَفَّارَةٌ لِلصَّوْمِ وَقَوْلُهُ: وَالْبَدَنَةُ أَيْ لِإِفْسَادِ النُّسُكِ.
قَوْلُهُ: (يَمْنَعُ مَنْ يَكْتَسِبُ بِاللَّهْوِ) أَيْ وَلَوْ مُبَاحًا كَمَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ الشِّطْرَنْجَ لِشَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ فَيُعَزِّرُ الْمُحْتَسِبُ الْآخِذَ وَالْمُعْطِيَ.
قَوْلُهُ: (تَنَاوُلُ اللَّهْوِ الْمُبَاحِ) الَّذِي لَا مَعْصِيَةَ مَعَهُ كَاللَّعِبِ بِالطَّارِ كَالْمَدَّاحِينَ وَالْغِنَاءِ فِي الْقَهَاوِي مَثَلًا وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ الْمُسَمَّى بِالْمُزَاحِ ع ش. وَعِبَارَتُهُ عَلَى م ر: وَأَمَّا مَنْ يَكْتَسِبُ بِالْحَرَامِ فَالتَّعْزِيرُ عَلَيْهِ دَاخِلٌ فِي الْحَرَامِ، لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي لَا حَدَّ لَهَا وَلَا كَفَّارَةَ مِنْ ذَلِكَ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ فِي مِصْرِنَا مِنْ اتِّخَاذِ مَنْ يَذْكُرُ حِكَايَاتٍ مُضْحِكَةً وَأَكْثَرُهَا أَكَاذِيبُ فَيُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ وَلَا يَسْتَحِقُّ مَا يَأْخُذُ عَلَيْهِ وَيَجِبُ رَدُّهُ إلَى دَافِعِهِ.
وَإِنْ وَقَعَتْ صُورَةُ اسْتِئْجَارٍ، لِأَنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَاسِدٌ اهـ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (نَفْيُ الْمُخَنَّثِ) أَيْ الْمُتَشَبِّهِ بِالنِّسَاءِ أَيْ نَفْيُهُ فِي مَحَلٍّ لَا نِسَاءَ فِيهِ فَنَفْيُ الْقَاضِي لَهُ فِي الْمَحَلِّ الْمَذْكُورِ تَعْزِيرٌ لَهُ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: التَّخَنُّثُ

وَاسْتَثْنَيْتُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلَ عَدِيدَةً مُهِمَّةً لَا يَحْتَمِلُهَا هَذَا الْمُخْتَصَرُ وَفِيمَا ذَكَرْتُهُ تَذْكِرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ.

تَتِمَّةٌ: لِلْإِمَامِ تَرْكُ تَعْزِيرٍ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِإِعْرَاضِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ جَمَاعَةٍ اسْتَحَقُّوهُ كَالْغَالِّ فِي الْغَنِيمَةِ، وَلَاوِي شِدْقِهِ فِي حُكْمِهِ لِلزُّبَيْرِ.
وَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ إنْ كَانَ لِآدَمِيٍّ عِنْدَ طَلَبِهِ كَالْقِصَاصِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْمُقْرِي وَيُعَزَّرُ مَنْ وَافَقَ الْكُفَّارَ فِي أَعْيَادِهِمْ، وَمَنْ يُمْسِكُ الْحَيَّةَ وَيَدْخُلُ النَّارَ، وَمَنْ قَالَ لِذِمِّيٍّ: يَا حَاجُّ، وَمَنْ يُسَمِّي زَائِرَ قُبُورِ الصَّالِحِينَ حَاجًّا.

وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الْعَفْوُ عَنْ الْحَدِّ وَلَا تَجُوزُ الشَّفَاعَةُ فِيهِ.
وَتُسَنُّ الشَّفَاعَةُ الْحَسَنَةُ إلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: 85] الْآيَةَ وَلِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ.
وَقَالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا شَاءَ» .

[حاشية البجيرمي]

فَإِنَّ صَاحِبَهُ يُعَزَّرُ بِالنَّفْيِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، وَقَوْلُهُ: مَعَ أَنَّهُ أَيْ التَّخَنُّثَ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّخَنُّثِ الْخِلْقِيِّ وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا هُوَ أَيْ تَعْزِيرُهُ بِالنَّفْيِ فِعْلٌ لِلْمَصْلَحَةِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْتَنَ النِّسَاءَ.
قَوْلُهُ: (إنَّمَا هُوَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلتَّخَنُّثِ فَيَقْضِي أَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِلنَّفْيِ وَالْمَصْلَحَةُ فِيهِ حِفْظُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ التَّعَلُّمِ مِنْهُ وَالتَّنَقُّلِ مِنْهُ فَفِي ذَلِكَ تَشْتِيتُ الضَّمَائِرِ

قَوْلُهُ: (لِإِعْرَاضِهِ) أَيْ لِشِدَّةِ حِلْمِهِ وَتَوْلِيعًا لِلنَّاسِ.
قَوْلُهُ: (كَالْغَالِّ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ الْخَائِنِ فِي الْغَنِيمَةِ وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ «إنَّمَا تَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَانَ قَدْ سَرَقَ شَمْلَةً» . قَوْلُهُ: وَلَاوِي شِدْقِهِ بِكَسْرِ الْوَاوِ مِنْ الِالْتِوَاءِ وَالشِّدْقُ جَوَانِبُ الْفَمِ وَهُوَ بِكَسْرِ الشِّينِ وَفَتْحِهَا وَالْمَكْسُورَةُ يُجْمَعُ عَلَى أَشْدَاقٍ كَحِمْلٍ وَأَحْمَالٍ وَالْمَفْتُوحُ يُجْمَعُ عَلَى شُدُوقٍ كَفَلْسٍ وَفُلُوسٍ.
اهـ. مِصْبَاحٌ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ «الزُّبَيْرَ تَخَاصَمَ مَعَ رَجُلٍ سَقَى أَرْضًا فَحَكَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلزُّبَيْرِ بِأَنْ يَسْقِيَ أَوَّلًا لِكَوْنِهِ أَحْيَا أَوَّلًا، فَقَالَ الْخَصْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ، بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنْ أَنْ تَعْلِيلًا لِمَحْذُوفٍ أَيْ حَكَمْتَ لَهُ لِكَوْنِهِ ابْنَ عَمَّتِكَ وَلَوَى شِدْقَهُ فَاغْتَمَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَظَهَرَ عَلَيْهِ الْغَضَبُ فَحَكَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَانِيًا لِلزُّبَيْرِ بِأَنَّهُ يَسْقِي وَيَحْبِسُ الْمَاءَ إلَى الْكَعْبَيْنِ، وَكَانَ أَوَّلًا أَمَرَ الزُّبَيْرَ يُسَامِحُ خَصْمَهُ مِنْ بَعْضِ حَقِّهِ فَلَمَّا وَقَعَ مِنْ الْخَصْمِ مَا ذُكِرَ، رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَكَمَ بِمَا ذُكِرَ» ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ التَّعْزِيرِ إنْ كَانَ الْآدَمِيُّ عِنْدَ طَلَبِهِ وَلَوْ عَفَى مُسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةِ عَنْ الْقِصَاصِ، أَوْ الْحَدِّ، أَوْ التَّعْزِيرِ سَقَطَ مَا ذُكِرَ لَكِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يَتْرُكَ التَّعْزِيرَ، لِأَنَّ أَصْلَهُ يَتَعَلَّقُ بِنَظَرِهِ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ إسْقَاطُ غَيْرِهِ.
كَمَا نَقَلَهُ الْمَنُوفِيُّ عَنْ تَصْحِيحِ الرَّوْضَةِ وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَ الشَّارِحِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا وَأَلْحَقَ فِي الرَّوْضَةِ التَّعْزِيرَ بِالْحَدِّ فَقَالَ: إنَّهُ سَقَطَ بِالْعَفْوِ أَيْضًا لِأَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَحِقِّ لَا لِلْإِمَامِ فَسَقَطَ مَا فِي الْحَاشِيَةِ مِنْ ذِكْرِهِ التَّنَافِيَ.
قَوْلُهُ: (مَنْ وَافَقَ الْكُفَّارَ فِي أَعْيَادِهِمْ) بِأَنْ يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُونَهُ فِي يَوْمِ عِيدِهِمْ وَهَذَا حَرَامٌ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ يُمْسِكُ الْحَيَّةَ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا آذَتْهُ وَلَوْ كَانَ مَحْوِيًّا، أَوْ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا اُتُّبِعَ فِي أُمُورٍ فَاسِدَةٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَسْكَ الْحَيَّةِ حَرَامٌ مُطْلَقًا وَلَا يَأْتِي هُنَا تَفْصِيلُ الْبَهْلَوَانِ؛ إذْ لَا نَفْعَ لِلْحِذْقِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَيَدْخُلُ النَّارَ) وَإِنْ كَانَتْ لَا تُؤْذِيهِ بِأَنْ كَانَ يَسْحَرُ، لِأَنَّهَا رُبَّمَا آذَتْهُ أَوْ يُتَّبَعُ فِي أُمُورٍ فَاسِدَةٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ صِفَةً لِحَمْلِ النَّارِ فَقَالَ: تَأْخُذُ زِرْنِيخًا وَشَبًّا يَمَانِيًّا اسْحَقْهُمَا وَلِتَّهُمَا بِبَيَاضِ الْبَيْضِ وَلَطِّخْ بِهِ بَدَنَك وَاحْمِلْ النَّارَ فَإِنَّهَا لَا تُؤْذِيكَ.
وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُدْخِلَ النَّارَ إلَى فَمِكَ وَلَا تُؤْذِيَكَ خُذْ نَشَادِرًا وَعُودَ قَرْحٍ وَتَلُوكُهُمَا جَيِّدًا وَتَضَعُهُمَا فِي فَمِكَ وَلَا تَبْلَعْ مِنْ رِيقِكَ شَيْئًا، ثُمَّ تَأْخُذُ الصَّفِيحَةَ أَوْ الْحَدِيدَةَ الْمَحْمِيَّةَ تُدْخِلُهَا فِي فَمِكَ وَتَضَعُهَا عَلَى لِسَانِكَ وَتَلْحَسُهَا فَإِنَّهُ يَطِشُّ وَلَا يُؤْذِيكَ فَيَتَخَيَّلُ النَّاظِرُ أَنَّهَا حَرَقَتْ لِسَانَكَ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تَجُوزُ الشَّفَاعَةُ فِيهِ) أَيْ فِي الْحَدِّ لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُسَامَةَ لَمَّا كَلَّمَهُ فِي شَأْنِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ: إنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَاَيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
شَرْحَ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اشْفَعُوا) أَيْ عِنْدَ النَّبِيِّ

فَصْلٌ: فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ لُغَةً الرَّمْيُ وَشَرْعًا الرَّمْيُ بِالزِّنَا فِي مَعْرِضِ التَّعْيِيرِ، وَأَلْفَاظُ الْقَذْفِ ثَلَاثَةٌ: صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ وَتَعْرِيضٌ.
وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ فَقَالَ: (وَإِذَا قَذَفَ) شَخْصٌ (غَيْرَهُ بِالزِّنَا) كَقَوْلِهِ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ زَنَيْتَ، أَوْ زَنَيْتِ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا، أَوْ يَا زَانِي، أَوْ يَا زَانِيَةُ (فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ) لِلْمَقْذُوفِ بِالْإِجْمَاعِ الْمُسْتَنِدِ إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] الْآيَةَ «وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ حِينَ قَذَفَ زَوْجَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ: الْبَيِّنَةُ، أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ وَلَمَّا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ ذَلِكَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ فَجَعَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَرِّرُ ذَلِكَ فَقَالَ هِلَالٌ: وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا إنِّي لَصَادِقٌ وَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الْحَدِّ فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ» . وَلَوْ قَالَ لِلرَّجُلِ: يَا زَانِيَةُ وَلِلْمَرْأَةِ: يَا زَانِي كَانَ قَذْفًا وَلَا يَضُرُّ اللَّحْنُ بِالتَّذْكِيرِ لِلْمُؤَنَّثِ، وَعَكْسُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ.
وَلَوْ خَاطَبَ: خُنْثَى بِزَانِيَةٍ، أَوْ زَانٍ وَجَبَ الْحَدُّ لَكِنَّهُ يَكُونُ صَرِيحًا إنْ أَضَافَ الزِّنَا إلَى فَرْجَيْهِ، فَإِنْ أَضَافَهُ إلَى أَحَدِهِمَا كَانَ كِنَايَةً،

[حاشية البجيرمي]

[فَصْلٌ فِي حَدِّ الْقَذْفِ]

ِ وَهُوَ مَعْقُودٌ لِأُمُورٍ أَرْبَعَةٍ الْأَوَّلُ حَقِيقَةُ الْقَذْفِ وَأَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى صَرِيحٍ وَإِلَى كِنَايَةٍ بِخِلَافِ التَّعْرِيضِ فَلَيْسَ بِقَذْفٍ الثَّانِي فِي شُرُوطِ الْقَاذِفِ وَشُرُوطِ الْمَقْذُوفِ الثَّالِثُ فِي مِقْدَارِ حَدِّ الْقَذْفِ الرَّابِعُ فِيمَا يَسْقُطُ بِهِ حَدُّ الْقَذْفِ وَهُوَ أَحَدُ أُمُورٍ خَمْسَةٍ بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِزِنَا الْمَقْذُوفِ بِالشُّهُودِ الْأَرْبَعَةِ وَبِإِقْرَارِهِ وَبِعَفْوِهِ وَبِاللِّعَانِ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ وَبِإِرْثِ الْقَاذِفِ الْحَدَّ.
اهـ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ سَادِسٌ وَهُوَ زِنَاهُ بَعْدَ قَذْفِهِ وَقَبْلَ الْحَدِّ.
اهـ. قَوْلُهُ لُغَةً الرَّمْيُ يُقَالُ قَذَفَ بِالنَّوَاةِ أَيْ رَمَاهَا قَوْلُهُ فِي مَعْرِضِ التَّعْيِيرِ أَيْ فِي مَقَامٍ هُوَ التَّعْيِيرُ أَيْ التَّوْبِيخُ أَيْ لَا فِي مَقَامِ الشَّهَادَةِ وَنَحْوِهَا فَخَرَجَ بِهِ طِفْلَةٌ لَا تُوطَأُ قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ مَعْرِضٌ كَمَسْجِدٍ أَيْ فِي مَوْضِعِ ظُهُورِ التَّعْيِيرِ وَالْقَصْدِ إلَيْهِ قَوْلُهُ وَأَلْفَاظُ الْقَذْفِ الْمَقَامُ لِلْإِضْمَارِ وَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الثَّالِثَ تَعَرُّضٌ لَا قَذْفَ فِيهِ لَا صَرِيحٌ وَلَا كِنَايَةٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَأَلْفَاظُ التَّعْيِيرِ إلَخْ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَعْنَى وَالْأَلْفَاظَ الَّتِي يُفْهَمُ مِنْهَا الْقَذْفُ وَتُسْتَعْمَلُ فِيهِ أَيْ سَوَاءٌ فُهِمَ مِنْ ذَوَاتِهَا أَوْ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ فَدَخَلَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ التَّعْرِيضُ وَالتَّعْرِيضُ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ لِيُلَوِّحَ بِغَيْرِهِ قَوْلُهُ وَبَدَأَ بِالْأَوَّلِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ كَلَامَ الْمَتْنِ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَ بِالصَّرِيحِ أَوْ الْكِنَايَةِ فَهَذَا مِنْ الشَّارِحِ قَصْرٌ لِلْمَتْنِ عَلَى بَعْضِ مَعْنَاهُ وَلِهَذَا قَالَ ق ل لَوْ قَالَ وَبَدَأَ بِمَا يَدُلُّ أَوْ يَتَضَمَّنُ الْأَوَّلَ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا قَوْلُهُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا أَيْ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِدَلِيلِ مَا سَيَذْكُرُهُ قَوْلُهُ وَاَلَّذِينَ إلَى آخِرِ الْآيَةِ كَذَا فِي عِبَارَتِهِ وَالتِّلَاوَةُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ﴾ [النور: 23] وَالْآيَةُ الْأُخْرَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] اهـ قَوْلُهُ سَمْحَاءُ كَذَا فِي خَطِّهِ وَصَوَابُهُ كَمَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ سَحْمَاءُ بِتَقْدِيمِ الْحَاءِ عَلَى الْمِيمِ وَهِيَ أُمُّهُ وَأَبُوهُ عَبْدَةُ الْبَلَوِيُّ لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي بَلَهٍ وَهُوَ حَلِيفُ الْأَنْصَارِ.
اهـ. م د قَوْلُهُ يَنْطَلِقُ أَيْ هَلْ يَنْطَلِقُ وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ إنْكَارِيٌّ.
اهـ. قَوْلُهُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَخْ تَنْبِيهٌ كَانَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ يَعْنِي كَانَ مِنْ رَبِّهِ وَمِنْ الْخَلْقِ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْهَا وَهَذَا أَيْ كَوْنُهُ أَشَدَّ حَيَاءً مِنْ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا فِي غَيْرِ أَسْبَابِ الْحُدُودِ أَمَّا فِيهَا فَلَا وَلِهَذَا قَالَ لِلَّذِي اعْتَرَفَ بِالزِّنَا أَنِكْتَهَا لَا تُكَنِّ كَمَا بَيَّنَ فِي الصَّحِيحِ.
اهـ. مُنَاوِيٌّ عَلَى الْخَصَائِصِ قَوْله وَلَوْ قَالَ لِلرَّجُلِ يَا زَانِيَةُ هَذَا فِي خِطَابِ الرَّجُلِ قَدْ يَكُونُ أَبْلَغَ مِنْ تَرْكِ التَّاءِ بِأَنْ تُجْعَلَ التَّاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ دُونَ التَّأْنِيثِ.
اهـ. عَنَانِيٌّ قَوْلُهُ وَلَا يَضُرُّ اللَّحْنُ إلَخْ

وَالرَّمْيُ لِشَخْصٍ بِإِيلَاجِ ذَكَرِهِ أَوْ حَشَفَةٍ مِنْهُ، فِي فَرْجٍ مَعَ وَصْفِ الْإِيلَاجِ بِتَحْرِيمٍ مُطْلَقٌ، أَوْ الرَّمْيُ بِإِيلَاجِ ذَكَرٍ، أَوْ حَشَفَةٍ فِي دُبُرٍ صَرِيحٌ، وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ الْوَصْفُ بِالتَّحْرِيمِ فِي الْقُبُلِ دُونَ الدُّبُرِ لِأَنَّ الْإِيلَاجَ فِي الدُّبُرِ لَا يَكُونُ إلَّا حَرَامًا، فَإِنْ لَمْ يُوصَفْ الْأَوَّلُ بِالتَّحْرِيمِ، فَلَيْسَ صَرِيحًا لِصِدْقِهِ بِالْحَلَالِ بِخِلَافِ الثَّانِي.
وَأَمَّا اللَّفْظُ الثَّانِي وَهُوَ الْكِنَايَةُ فَكَقَوْلِهِ: زَنَأْت بِالْهَمْزِ فِي الْجَبَلِ أَوْ السُّلَّمِ، أَوْ نَحْوِهِ فَهُوَ كِنَايَةٌ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي الصُّعُودَ.
وَزَنَيْت بِالْيَاءِ فِي الْجَبَلِ صَرِيحٌ لِلظُّهُورِ فِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ فِي الدَّارِ وَذِكْرُ الْجَبَلِ يَصْلُحُ فِيهِ إرَادَةُ مَحَلِّهِ فَلَا يَنْصَرِفُ الصَّرِيحُ عَنْ مَوْضُوعِهِ وَكَقَوْلِهِ لِرَجُلٍ: يَا فَاجِرُ يَا فَاسِقُ يَا خَبِيثُ.
وَلِامْرَأَةٍ: يَا فَاجِرَةُ، يَا فَاسِقَةُ يَا خَبِيثَةُ.
وَأَنْتِ تُحِبِّينَ الْخَلْوَةَ، أَوْ الظُّلْمَةَ، أَوْ لَا تَرُدِّينَ يَدَ لَامِسٍ.

وَاخْتُلِفَ فِي قَوْلِ شَخْصٍ لِآخَرَ يَا لُوطِيُّ هَلْ هُوَ صَرِيحٌ، أَوْ كِنَايَةٌ؟ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ عَلَى دِينِ قَوْمِ لُوطٍ.
وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: يَا لَائِطُ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَلَوْ قَالَ لَهُ يَا بِغَاءُ، أَوْ لَهَا يَا قَحْبَةُ فَهُوَ كِنَايَةٌ.
وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَحْبَةٍ أَنَّهُ صَرِيحٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَأَفْتَى أَيْضًا بِصَرَاحَةِ يَا مُخَنَّثُ لِلْعُرْفِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ فَإِنْ أَنْكَرَ شَخْصٌ فِي الْكِنَايَةِ إرَادَةَ قَذْفٍ بِهَا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمُرَادِهِ فَيُحَلَّفُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ قَذْفَهُ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ ثُمَّ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ لِلْإِيذَاءِ.
وَقَيَّدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِمَا إذَا خَرَجَ لَفْظُهُ، مَخْرَجَ السَّبِّ وَالذَّمِّ، وَإِلَّا فَلَا تَعْزِيرَ وَهُوَ ظَاهِرٌ.

وَأَمَّا اللَّفْظُ الثَّالِثُ وَهُوَ التَّعْرِيضُ

[حاشية البجيرمي]

عَلَى أَنَّهُ لَا لَحْنَ لِأَنَّ التَّأْنِيثَ بِاعْتِبَارِ النَّسَمَةِ وَالتَّذْكِيرَ بِاعْتِبَارِ الشَّخْصِ قَوْلُهُ وَالرَّمْيُ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ أَوْ الرَّمْيُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ صَرِيحٌ خَبَرٌ عَنْهُمَا وَصُورَةُ الْأُولَى أَنْ يَقُولَ أَوْلَجْتَ ذَكَرَكَ أَوْ حَشَفَةَ ذَكَرِكَ فِي قُبُلٍ إيلَاجًا مُحَرَّمًا تَحْرِيمًا مُطْلَقًا أَوْ فِي كُلِّ حَالٍ وَوَقْتٍ وَصُورَةُ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ أَوْلَجْتَ ذَكَرَكَ أَوْ حَشَفَةَ ذَكَرِك فِي دُبُرٍ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ إيلَاجًا مُحَرَّمًا فَهُوَ صَرِيحٌ بِشَرْطِ أَنْ يُضِيفَ الدُّبُرَ إلَى ذَكَرٍ أَوْ خُنْثَى أَوْ أُنْثَى خَلِيَّةٍ بِأَنْ يَقُولَ فِي دُبُرِ ذَكَرٍ أَوْ خُنْثَى أَوْ أُنْثَى خَلِيَّةٍ فَإِنْ قَالَ مُزَوَّجَةً فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا إلَّا إذَا قَالَ إيلَاجًا مُحَرَّمًا تَحْرِيمًا عَلَى وَجْهِ اللِّوَاطِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا لِاحْتِمَالِ دُبُرِ زَوْجَتِهِ فَلَا يَكُونُ قَذْفًا يُوجِبُ الْحَدَّ بَلْ فِيهِ التَّعْزِيرُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ دُبُرَ أُنْثَى مُزَوَّجَةٍ غَيْرِ زَوْجَتِهِ فَيَكُونَ قَذْفًا يَقْتَضِي الْحَدَّ قَوْلُهُ فِي فَرْجٍ أَيْ قُبُلٍ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ قَوْلُهُ مُطْلَقٍ أَيْ عَنْ التَّقْيِيدِ بِالْعَارِضِ كَالْإِيلَاجِ فِي فَرْجِ زَوْجَتِهِ الْحَائِضِ فَانْدَفَعَ اعْتِرَاضُ شَرْحِ الرَّوْضِ بِأَنَّ مُطْلَقَ التَّحْرِيمِ صَادِقٌ بِالتَّحْرِيمِ لِعَارِضٍ فَلَا يَصِيرُ بِهِ صَرِيحًا وَقَالَ م د وَيُجَابُ عَنْ الشَّارِحِ بِأَنَّ قَوْلَهُ بِتَحْرِيمٍ مُطْلَقٍ مَعْنَاهُ مُقَيَّدٌ بِالْإِطْلَاقِ بِأَنْ يَرْمِيَهُ بِإِيلَاجِ حَشَفَتِهِ فِي فَرْجٍ مُحَرَّمٍ مُطْلَقًا أَيْ فِي كُلِّ حَالٍ قَوْلُهُ فِي دُبُرٍ فِيهِ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي دُبُرِ زَوْجَتِهِ وَلَا حَدَّ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ فَكَيْفَ يَكُونُ صَرِيحًا قَالَ م ر وَمَعَ ذَلِكَ أَيْ صَرَاحَتِهِ إذَا قَالَ أَرَدْتُ دُبُرَ زَوْجَتِهِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ عَلَى الْأَوْجَهِ فَيُعَزَّرُ وَلَا حَدَّ شَرْحَ م ر فِي بَابِ اللِّعَانِ قَوْلُهُ فِي الْقُبُلِ أَيْ فِي الْإِيلَاجِ فِي الْقُبُلِ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ إنَّمَا هُوَ وَصْفُ الْإِيلَاجِ بِالتَّحْرِيمِ دُونَ الْقُبُلِ قَوْلُهُ فِي الْجَبَلِ بِخِلَافِ زَنَأْت بِالْهَمْزِ فِي الْبَيْتِ فَصَرِيحٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ دَرَجٌ يُصْعَدُ فِيهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَيَكُونُ أَبْدَلَ الْيَاءَ هَمْزَةً وَعِبَارَةُ م ر فِي بَابِ اللِّعَانِ بِخِلَافِ زَنَأْت بِالْهَمْزِ فِي الْبَيْتِ فَصَرِيحٌ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ بِمَعْنَى الصُّعُودِ وَنَحْوِهِ فَإِنْ كَانَ لَهُ دَرَجٌ يُصْعَدُ فِيهِ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - صَرَاحَتُهُ أَيْضًا اهـ بِحُرُوفِهِ قَوْلُهُ لِلظُّهُورِ فِيهِ أَيْ فِي الْقَذْفِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الزِّنَا وَإِبْدَالُ الْهَمْزَةِ يَاءً كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا قَوْلُهُ وَكَقَوْلِهِ لِرَجُلٍ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَقَوْلِهِ زَنَأْت إلَخْ قَوْلُهُ أَوْ لَا تَرُدِّينَ يَدَ لَامِسٍ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ سُرْعَةِ الْإِجَابَةِ قَوْلُهُ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ مُعْتَمَدٌ قَوْلُهُ يَا بِغَاءُ مِنْ الْبِغَاءِ بِالْمَدِّ وَهُوَ الزِّنَا يُقَالُ بَغَتْ الْمَرْأَةُ تَبْغِي فَهِيَ بَغِيَّةٌ وَهُوَ وَصْفٌ خَاصٌّ بِالْمَرْأَةِ وَلَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ بَغِيٌّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ يَا بِغَاءُ مِنْ الْبَغْيِ وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ فَلِذَلِكَ كَانَ كِنَايَةً

قَوْلُهُ: (وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كِنَايَةٌ) نَظَرًا إلَى أَنَّ التَّخَنُّثَ التَّكَسُّرُ وَالْقَوْلُ بِصَرَاحَتِهِ نَظَرٌ لِاشْتِهَارِهِ فِيمَنْ يَتَّصِفُ بِالْفِعْلِ فِيهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَعِبَارَةُ م ر فِي شَرْحِهِ يَا بِغَاءُ كِنَايَةٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَكَذَا يَا مُخَنَّثُ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَوْلُهُ: يَا عَاهِرُ يَا عِلْقُ كِنَايَةٌ لَكِنْ يُعَزَّرُ إنْ لَمْ يُرِدْ الْقَذْفَ أج لِأَنَّ الْعِلْقَ فِي اللُّغَةِ الشَّيْءُ النَّفِيسُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَنْكَرَ شَخْصٌ إلَخْ) رَاجِعٌ لِجَمِيعِ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَيَّدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ) الْمَقَامُ لِلْإِضْمَارِ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ وَلَا يَخْرُجُ مَخْرَجَ الذَّمِّ بِأَنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَزْحِ أَيْ بِأَنْ كَانَ عَلَى

فَكَقَوْلِهِ لِغَيْرِهِ فِي خُصُومَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا: يَا ابْنَ الْحَلَالِ، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ بِزَانٍ وَنَحْوَهُ كَلَيْسَتْ أُمِّي بِزَانِيَةٍ، وَلَسْتُ ابْنَ خَبَّازٍ، أَوْ إسْكَافِيٍّ، وَمَا أَحْسَنَ اسْمَكَ فِي الْجِيرَانِ: فَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَذْفٍ صَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ.
وَإِنْ نَوَاهُ، لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا تُؤَثِّرُ إذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ الْمَنْوِيَّ وَهَا هُنَا لَيْسَ فِي اللَّفْظِ إشْعَارٌ بِهِ، وَإِنَّمَا يُفْهَمُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ.
فَاللَّفْظُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ الْقَذْفُ إنْ لَمْ يَحْتَمِلْ غَيْرَهُ فَصَرِيحٌ وَإِلَّا فَإِنْ فُهِمَ مِنْهُ الْقَذْفُ بِوَضْعِهِ فَكِنَايَةٌ، وَإِلَّا فَتَعْرِيضٌ.
وَلَيْسَ الرَّمْيُ بِإِتْيَانِ الْبَهَائِمِ قَذْفًا، وَالنِّسْبَةُ إلَى غَيْرِ الزِّنَا مِنْ الْكَبَائِرِ وَغَيْرِهَا مِمَّا فِيهِ إيذَاءٌ؛ كَقَوْلِهِ لَهَا: زَنَيْتِ بِفُلَانَةَ، أَوْ أَصَابَتْكِ فُلَانَةُ.
يَقْتَضِي التَّعْزِيرَ لِلْإِيذَاءِ لَا الْحَدَّ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ.

(وَشَرَائِطُهُ) أَيْ حَدِّ الْقَذْفِ (ثَمَانِيَةٌ: ثَلَاثَةٌ مِنْهَا) بَلْ سِتَّةٌ (فِي الْقَاذِفِ) كَمَا سَتَعْرِفُهُ (وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا) فَلَا حَدَّ عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ لِنَفْيِ الْإِيذَاءِ بِقَذْفِهِمَا لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا لَكِنْ يُعَزَّرَانِ، إذَا كَانَ لَهُمَا نَوْعُ تَمْيِيزٍ.
(وَ) الثَّالِثُ (أَنْ لَا يَكُونَ وَالِدًا) أَيْ أَصْلًا (لِلْمَقْذُوفِ) فَلَا يُحَدُّ أَصْلٌ بِقَذْفِ فَرْعِهِ، وَإِنْ سَفَلَ.
وَالرَّابِعُ كَوْنُهُ مُخْتَارًا فَلَا حَدَّ عَلَى مُكْرَهٍ بِفَتْحِ الرَّاءِ فِي الْقَذْفِ.
وَالْخَامِسُ كَوْنُهُ مُلْتَزِمًا لِلْأَحْكَامِ فَلَا حَدَّ عَلَى حَرْبِيٍّ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ، وَالسَّادِسُ كَوْنُهُ مَمْنُوعًا مِنْهُ لِيَخْرُجَ مَا لَوْ أَذِنَ مُحْصَنٌ لِغَيْرِهِ فِي قَذْفِهِ فَلَا حَدَّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الزَّوَائِدِ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي الْقَاذِفِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ إسْلَامِهِ وَحُرِّيَّتِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
(وَخَمْسَةٌ) مِنْهَا (فِي الْمَقْذُوفِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا عَفِيفًا) عَنْ وَطْءٍ يُحَدُّ بِهِ بِأَنْ لَمْ يَطَأْ أَصْلًا، أَوْ وَطِئَ وَطْئًا لَا يُحَدُّ بِهِ كَوَطْءِ الشَّرِيكِ الْأَمَةَ الْمُشْتَرَكَةَ، لِأَنَّ أَضْدَادَ ذَلِكَ نَقْصٌ.
وَفِي الْخَبَرِ: «مَنْ أَشْرَكَ بِاَللَّهِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» ، وَإِنَّمَا جُعِلَ الْكَافِرُ مُحْصَنًا فِي حَدِّ الزِّنَا، لِأَنَّ حَدَّهُ إهَانَةٌ لَهُ، وَالْحَدُّ بِقَذْفِهِ إكْرَامٌ لَهُ وَاعْتُبِرَتْ الْعِفَّةُ عَنْ الزِّنَا، لِأَنَّ مَنْ زَنَى لَا يَتَعَيَّرُ.
تَنْبِيهٌ: يَرِدُ عَلَى مَا ذَكَرَ وَطْءُ زَوْجَتِهِ فِي دُبُرِهَا فَإِنَّهُ تَبْطُلُ بِهِ حَصَانَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ مَعَ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ بِهِ وَيُتَصَوَّرُ الْحَدُّ

[حاشية البجيرمي]

أَوْجُهِ الْمَزْحِ، أَوْ الْهَزْلِ أَوْ اللَّعِبِ فَلَا تَعْزِيرَ إلَخْ.

قَوْلُهُ: (أَوْ إسْكَافِيٍّ) أَيْ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ بَعْدَ الْفَاءِ كَذَا فِي خَطِّ الْمُؤَلِّفِ، وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ بِحَذْفِهَا.
قَوْلُهُ: (يَقْصِدُ بِهِ الْقَذْفَ) أَيْ يُفْهَمُ مِنْهُ الْقَذْفُ وَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ لِيَشْمَلَ الْقِسْمَ الثَّالِثَ قَوْلُهُ: (وَالنِّسْبَةُ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ يَقْتَضِي التَّعْزِيرَ.

قَوْلُهُ: (لَكِنْ يُعَزَّرَانِ) قَالَ سم: وَيَسْقُطُ بِالْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ اُنْظُرْ وَجْهَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُحَدُّ أَصْلٌ) لَكِنْ يُعَزَّرُ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ وَهَذَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسَائِلِ الْمُسْتَثْنَاةِ.
حَيْثُ قَالَ: مِنْهَا إنَّ الْأَصْلَ لَا يُعَزَّرُ لِلْفَرْعِ كَمَا لَا يُحَدُّ بِقَذْفِهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ لَيْسَ فِيهِ قَذْفٌ بَلْ فِيهِ أَمْرٌ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ فَلَا يُعَزَّرُ فِيهِ الْفَرْعُ لِأَصْلِهِ وَهُنَا وُجِدَ مِنْهُ قَذْفٌ وَهُوَ أَشَدُّ مِمَّا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ فَيُنَاسِبُ أَنْ يُعَزَّرَ الْأَصْلُ فِيهِ لِفَرْعِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا حَدَّ عَلَى مُكْرَهٍ) أَيْ لِعَدَمِ قَصْدِ الْإِيذَاءِ بِذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَأَمَّا الْمُكْرِهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَتْلِ أَنَّهُ يُمْكِنُ جَعْلُ يَدِ الْمُكْرَهِ كَالْآلَةِ بِأَنْ يَأْخُذَ يَدَهُ فَيَقْتُلَ بِهَا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْخُذَ لِسَانَ غَيْرِهِ فَيَقْذِفَ بِهِ شَرْحَ م ر. وَيُقْبَلُ دَعْوَاهُ الْإِكْرَاهَ إنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مُكْرَهٍ وَلَا حُرْمَةَ وَلَا تَعْزِيرَ لِشُبْهَةِ الْإِكْرَاهِ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ يُبِيحُ جَمِيعَ الْمُحَرَّمَاتِ إلَّا الْقَتْلَ وَالزِّنَا، وَأَمَّا الْمُكْرِهُ فَكَذَلِكَ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لَكِنْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى الْإِيذَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا حَدَّ عَلَى حَرْبِيٍّ) وَلَكِنْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ لِلْإِيذَاءِ، لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي قَذْفِهِ) أَيْ قَذْفِ الْآذِنِ قَوْلُهُ: (فَلَا حَدَّ) ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَا يُعَزَّرُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي الْقَذْفِ حَيْثُ ذَكَرَ التَّعْزِيرَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُمَيِّزِ وَسَكَتَ عَنْ تَعْزِيرِ الْمَأْذُونِ لَهُ فَاقْتَضَى أَنَّهُ لَا يُعَزَّرُ وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ زي أَنَّهُ يُعَزَّرُ، لِأَنَّ الْعِرْضَ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ وَارْتَضَاهُ س ل. وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ قَوْلُهُ: فَلَا حَدَّ أَيْ وَلَكِنْ يُحَرَّمُ عَلَيْهِ وَيُعَزَّرُ وَفَائِدَةُ الْإِذْنِ إسْقَاطُ الْحَدِّ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (حُرًّا) لَوْ نَازَعَ الْقَاذِفُ فِي حُرِّيَّةِ الْمَقْذُوفِ، أَوْ فِي إسْلَامِهِ صُدِّقَ الْمَقْذُوفُ بِيَمِينِهِ ح ل. قَوْلُهُ: (عَنْ وَطْءٍ يُحَدُّ بِهِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَتَبْطُلُ الْعِفَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْإِحْصَانِ بِوَطْءِ شَخْصٍ وَطْئًا حَرَامًا وَإِنْ لَمْ يُحَدَّ بِهِ فَالْمُعْتَبَرُ عِفَّتُهُ عَنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ عَنْ وَطْءٍ يُحَدُّ بِهِ.
وَعَنْ وَطْءِ دُبُرِ حَلِيلَتِهِ وَعَنْ وَطْءِ مَحْرَمِ مَمْلُوكَةٍ لَهُ كَمَا فِي مَتْنِ الْمِنْهَاجِ، وَإِذَا مَنَعَتْهُ مِنْ الْوَطْءِ فِي دُبُرِهَا اسْتَحَقَّتْ النَّفَقَةَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ أَضْدَادَ ذَلِكَ) أَيْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ.
قَوْلُهُ: (تَنْبِيهٌ يَرِدُ عَلَى مَا ذَكَرَ) أَيْ قَوْلِهِ عَفِيفًا عَنْ وَطْءٍ يُحَدُّ بِهِ وَوَجْهُ الْإِيرَادِ أَنَّ هَذَا لَا يُحَدُّ بِهِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ عَفِيفٍ فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ وَهَذَا الْإِيرَادُ إنَّمَا أَوْجَبَهُ قَصْرُ

بِقَذْفِ الْكَافِرِ بِأَنْ يَقْذِفَ مُرْتَدًّا بِزِنًا يُضِيفُهُ إلَى حَالِ إسْلَامِهِ.
وَبِقَذْفِ الْمَجْنُونِ بِأَنْ يَقْذِفَهُ بِزِنًا يُضِيفُهُ إلَى حَالِ إفَاقَتِهِ.
وَبِقَذْفِ الْعَبْدِ بِأَنْ يَقْذِفَهُ بِزِنًا يُضِيفُهُ إلَى حَالِ حُرِّيَّتِهِ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ الرِّقُّ.
وَصُورَتُهُ: فِيمَا إذَا أَسْلَمَ الْأَسِيرُ ثُمَّ اخْتَارَ الْإِمَامُ فِيهِ الرِّقَّ، وَتَبْطُلُ الْعِفَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْإِحْصَانِ بِوَطْءِ شَخْصٍ وَطْئًا حَرَامًا وَإِنْ لَمْ يُحَدَّ بِهِ كَوَطْءِ مُحَرَّمَةٍ بِرَضَاعٍ، أَوْ نَسَبٍ كَأُخْتٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى قِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالزِّنَا بَلْ غِشْيَانُ الْمَحَارِمِ أَشَدُّ مِنْ غِشْيَانِ الْأَجْنَبِيَّاتِ.
وَلَا تَبْطُلُ الْعِفَّةُ بِوَطْءٍ حَرَامٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ كَوَطْءِ زَوْجَتِهِ فِي عِدَّةِ شُبْهَةٍ، لِأَنَّ التَّحْرِيمَ عَارِضٌ يَزُولُ وَلَا بِوَطْءِ أَمَةِ وَلَدِهِ لِثُبُوتِ النَّسَبِ حَيْثُ حَصَلَ عُلُوقٌ مِنْ ذَلِكَ الْوَطْءِ.
مَعَ انْتِفَاءِ الْحَدِّ وَلَا بِوَطْءٍ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ كَوَطْءِ مَنْكُوحَتِهِ بِلَا وَلِيٍّ، أَوْ بِلَا شُهُودٍ لِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ.
وَلَا تَبْطُلُ الْعِفَّةُ بِوَطْءِ زَوْجَتِهِ، أَوْ أَمَتِهِ فِي حَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ إحْرَامٍ أَوْ صَوْمٍ، أَوْ اعْتِكَافٍ.
وَلَا بِوَطْءِ زَوْجَتِهِ الرَّجْعِيَّةِ وَلَا بِوَطْءِ مَمْلُوكَةٍ لَهُ مُرْتَدَّةٍ، أَوْ مُزَوَّجَةٍ، أَوْ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، أَوْ مُكَاتَبَةٍ، وَلَا بِزِنَا صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَلَا بِوَطْءِ جَاهِلٍ بِتَحْرِيمِ الْوَطْءِ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ.
أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ وَلَا بِوَطْءِ مُكْرَهٍ وَلَا بِوَطْءِ مَجُوسِيٍّ مَحْرَمًا لَهُ كَأُمِّهِ، بِنِكَاحٍ، أَوْ مِلْكٍ، لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ وَلَا بِمُقَدِّمَاتِ الْوَطْءِ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ.

فُرُوعٌ: لَوْ زَنَى مَقْذُوفٌ قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ قَاذِفُهُ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ قَاذِفِهِ؛ لِأَنَّ الْإِحْصَانَ لَا يُتَيَقَّنُ بَلْ يُظَنُّ وَظُهُورُ الزِّنَا يَخْدِشُهُ كَالشَّاهِدِ ظَاهِرُهُ الْعَدَالَةِ شَهِدَ بِشَيْءٍ ثُمَّ ظَهَرَ فِسْقُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ.
وَلَوْ ارْتَدَّ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ عَنْ قَاذِفِهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرِّدَّةِ وَالزِّنَا أَنَّهُ يُكْتَمُ مَا أَمْكَنَ فَإِذَا ظَهَرَ أَشْعَرَ بِسَبْقِ مِثْلِهِ.
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِيمٌ لَا يَهْتِكُ السِّتْرَ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
كَمَا قَالَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. وَالرِّدَّةُ عَقِيدَةٌ، وَالْعَقَائِدُ لَا تَخْفَى غَالِبًا فَإِظْهَارُهَا لَا يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ الْإِخْفَاءِ وَكَالرَّدَّةِ السَّرِقَةُ وَالْقَتْلُ، لِأَنَّ مَا صَدَرَ مِنْهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا قُذِفَ بِهِ.
وَمَنْ زَنَى مَرَّةً، ثُمَّ صَلُحَ بِأَنْ تَابَ وَصَلُحَ حَالُهُ لَمْ يُعَدَّ مُحْصَنًا أَبَدًا وَلَوْ لَزِمَ الْعَدَالَةَ وَصَارَ مِنْ أَوْرَعِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَزْهَدِهِمْ، لِأَنَّ الْعِرْضَ إذَا انْخَرَمَ بِالزِّنَا لَمْ يَزُلْ خَلَلُهُ بِمَا يَطْرَأُ مِنْ الْعِفَّةِ.

[حاشية البجيرمي]

الشَّارِحِ الْعَفِيفَ عَلَى الْوَطْءِ الَّذِي يُحَدُّ بِهِ فَلَوْ ذَكَرَ عِبَارَةَ الْمَنْهَجِ لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ التَّنْبِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى تَقْيِيدِ الْعَفِيفِ بِعِفَّتِهِ عَنْ وَطْءٍ يُحَدُّ بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ وَطْءُ حَلِيلَتِهِ فِي دُبُرِهَا مِنْ الزَّوْجَةِ أَوْ الْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ وَيَدْخُلُ فِيهِ وَطْءُ مَحْرَمِهِ الْمَمْلُوكَةِ لَهُ مُطْلَقًا أَيْ فِي الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ بِكُلِّ ذَلِكَ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ عَفِيفٌ فَيُحَدُّ قَاذِفُهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: كَمَا قَالَ فِي الْمَنْهَجِ: عَفِيفٌ عَنْ وَطْءٍ يُحَدُّ بِهِ وَعَنْ وَطْءِ حَلِيلَتِهِ فِي دُبُرِهَا وَعَنْ وَطْءِ أَمَتِهِ الْمَحْرَمِ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَيُتَصَوَّرُ الْحَدُّ بِقَذْفِ إلَخْ) هَذَا مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ أَضْدَادَ مَا ذَكَرَ نَقْصٌ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْمَفْهُومِ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ صُورِيٌّ لِمَا يَأْتِي أَنَّهُ إنَّمَا حُدَّ لِإِضَافَتِهِ الْقَذْفَ لِحَالَةِ الْكَمَالِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ اخْتَارَ الْإِمَامُ فِيهِ الرِّقَّ) وَإِسْلَامُهُ إنَّمَا عَصَمَ دَمَهُ مِنْ الْقَتْلِ فَقَطْ وَيَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِ بَيْنَ الْخِصَالِ الْبَاقِيَةِ أَيْ فَقَذَفَهُ بِالزِّنَا بَعْدَ ضَرْبِ الرِّقِّ وَأُضِيفَ الزِّنَا إلَى مَا قَبْلَ الرِّقِّ وَبَعْدَ إسْلَامِهِ وَهُوَ قَبْلَ الرِّقِّ حُرٌّ مُسْلِمٌ فَلِذَلِكَ حُدَّ الْقَاذِفُ، لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ قَوْلُهُ: (غِشْيَانُ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الْمُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ، اهـ. مِصْبَاحٌ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ﴾ [الأعراف: 189] قَوْلُهُ: (وَلَا بِوَطْءِ أَمَةِ وَلَدِهِ) مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ حَصَلَ عُلُوقٌ أَمْ لَا، وَإِنَّمَا قَيَّدَ الشَّارِحُ بِالْأَوَّلِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: لِثُبُوتِ النَّسَبِ.
قَوْلُهُ: (لِثُبُوتِ النَّسَبِ) لَيْسَ عِلَّةً لِعَدَمِ سُقُوطِ الْعِفَّةِ بَلْ الْعِلَّةُ انْتِفَاءُ الْحَدِّ بِالْوَطْءِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِوَطْءِ مَجُوسِيٍّ إلَخْ) أَيْ وَأَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَذَفَ فَلَا تَبْطُلُ عِفَّتُهُ بِمَا وَقَعَ فِي الْكُفْرِ

قَوْلُهُ: (فُرُوعٌ) ثَلَاثَةٌ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ: لَوْ زَنَى مَقْذُوفٌ إلَخْ، الثَّانِي قَوْلُهُ: وَلَوْ ارْتَدَّ لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ إلَخْ، الثَّالِثُ قَوْلُهُ: وَمَنْ زَنَى مَرَّةً ثُمَّ صَلُحَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَظُهُورُ الزِّنَا يَخْدِشُهُ) بَابُهُ ضَرَبَ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ وَالْعِبَارَةُ نَاقِصَةٌ وَتَمَامُهَا فَظُهُورُ الزِّنَا يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ مِثْلِهِ أَيْ فَكَأَنَّهُ وَقْتَ الْقَذْفِ كَانَ غَيْرَ مُحْصَنٍ فَلِذَلِكَ سَقَطَ الْحَدُّ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا ظَهَرَ أَشْعَرَ) أَيْ فَكَأَنَّهُ وَقْتَ الْقَذْفِ غَيْرُ مُحْصَنٍ قَوْلُهُ: (وَكَالرَّدَّةِ السَّرِقَةُ وَالْقَتْلُ) أَيْ فَإِذَا رَمَاهُ بِالزِّنَا فَثَبَتَتْ سَرِقَتُهُ، أَوْ قَتْلُهُ لِشَخْصٍ

فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وَرَدَ: «التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» أُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخِرَةِ.

. (وَيُحَدُّ الْحُرُّ) فِي الْقَذْفِ (ثَمَانِينَ) جَلْدَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: 4] الْآيَةَ وَاسْتُفِيدَ كَوْنُهَا فِي الْأَحْرَارِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4] . (وَ) يُحَدُّ (الرَّقِيقُ) فِيهِ وَلَوْ مُبَعَّضًا (أَرْبَعِينَ) جَلْدَةً بِالْإِجْمَاعِ.

وَحَدُّ الْقَذْفِ، أَوْ تَعْزِيرُهُ يُوَرَّثُ كَسَائِرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَلَوْ مَاتَ الْمَقْذُوفُ مُرْتَدًّا قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بَلْ يَسْتَوْفِيهِ وَارِثُهُ لَوْلَا الرِّدَّةُ لِلتَّشَفِّي كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنْ قِصَاصِ الطَّرَفِ.

(وَيَسْقُطُ حَدُّ الْقَذْفِ) عَنْ الْقَاذِفِ (بِثَلَاثَةِ) بَلْ بِخَمْسَةِ (أَشْيَاءَ) الْأَوَّلُ (إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ) عَلَى زِنَا الْمَقْذُوفِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ وَأَنَّهَا تَكُونُ مُفَصِّلَةً فَلَوْ شَهِدَ بِهِ دُونَ أَرْبَعَةٍ حُدُّوا.
كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالثَّانِي مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ عَفْوُ الْمَقْذُوفِ) عَنْ الْقَاذِفِ عَنْ جَمِيعِ الْحَدِّ فَلَوْ عَفَا عَنْ بَعْضِهِ لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشُّفْعَةِ وَأَلْحَقَ فِي الرَّوْضَةِ التَّعْزِيرَ بِالْحَدِّ فَقَالَ: إنَّهُ يَسْقُطُ بِعَفْوٍ أَيْضًا، وَلَوْ عَفَا وَارِثُ الْمَقْذُوفِ عَلَى مَالٍ سَقَطَ وَلَمْ يَجِبْ الْمَالُ كَمَا فِي فَتَاوَى الْحَنَّاطِيِّ وَلَوْ قَذَفَهُ فَعَفَا عَنْهُ، ثُمَّ قَذَفَهُ.
لَمْ يُحَدَّ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ بَلْ يُعَزَّرُ، وَالثَّالِثُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ اللِّعَانُ) أَيْ لِعَانُ الزَّوْجِ الْقَاذِفِ.
(فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ) الْمَقْذُوفَةِ وَلَوْ مَعَ

[حاشية البجيرمي]

مُكَافِئٍ هَلْ يَسْقُطُ عَنْ قَاذِفِهِ حَدُّ الْقَذْفِ قَالَ: لَا يَسْقُطُ، لِأَنَّ هَذَا نَوْعٌ آخَرُ غَيْرُ مَا رَمَاهُ بِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الزِّنَا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَا رَمَاهُ بِهِ.
اهـ. م د.

قَوْلُهُ: (وَيُحَدُّ الْحُرُّ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى وَكَذَا قَوْلُهُ: الرَّقِيقُ وَالْعِبْرَةُ بِالْحُرِّيَّةِ وَقْتَ الْقَذْفِ وَلَوْ طَرَأَ الرِّقُّ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْمُرَادُ الرِّقُّ وَقْتَ الْقَذْفِ وَلَوْ طَرَأَتْ الْحُرِّيَّةُ بَعْدَ الْقَذْفِ وَاَلَّذِي يَتَوَلَّى حَدَّ الْقَذْفِ الْإِمَامُ بِطَلَبِ الْمُسْتَحِقِّ، لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْحَدِّ مِنْ وَظِيفَتِهِ.
فَلَوْ فَعَلَهُ الْمَقْذُوفُ وَلَوْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ لَمْ يَكْتَفِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَنْ مِنْ الزِّيَادَةِ سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَدُّ حُرًّا، أَوْ مُكَاتَبًا، أَوْ مُبَعَّضًا فَإِنْ كَانَ رَقِيقًا فَالْإِمَامُ أَوْ السَّيِّدُ.
فَإِنْ تَنَازَعَا فَالْإِمَامُ وَمِثْلُ حَدِّ الْقَذْفِ فِي ذَلِكَ حَدُّ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: وَإِنَّمَا لَمْ يُفَوَّضْ لِأَوْلِيَاءِ الْمَزْنِيِّ بِهَا كَالْقِصَاصِ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَتْرُكُونَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ الْعَارِ وَلَوْ جَلَدَهُ وَاحِدٌ مِنْ الْآحَادِ ضَمِنَ سم.
قَوْلُهُ: (ثَمَانِينَ) فَإِنْ زِيدَ وَمَاتَ ضَمِنَ بِالْقِسْطِ شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ﴾ [النور: 4] إلَخْ) لِاقْتِضَائِهِ أَنَّهُمْ قَبْلَ الْقَذْفِ كَانَتْ شَهَادَتُهُمْ مَقْبُولَةً فَتَسْتَلْزِمُ حُرِّيَّتَهُمْ إذْ الرَّقِيقُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْذِفْ، وَإِنَّمَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ بِالْقَذْفِ لِفِسْقِهِمْ بِهِ؛ إذْ هُوَ كَبِيرَةٌ كَمَا فِي آخِرِ الْآيَةِ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4] م د

قَوْلُهُ: (وَلَوْ مَاتَ الْمَقْذُوفُ) الْمُنَاسِبُ التَّفْرِيعُ قَوْلُهُ: (لَوْلَا الرِّدَّةُ) رَاجِعٌ لِلْوَارِثِ أَيْ كَانَ يَرِثُهُ لَوْلَا ارْتِدَادُهُ.

قَوْلُهُ: (حُدُّوا) وَلَهُمْ تَحْلِيفُ الْمَقْذُوفِ فَإِنْ حَلَفَ حُدُّوا فَإِنْ نَكَلَ حَلَفُوا وَخَلَصُوا، وَلَا يَثْبُتُ زِنَاهُ بِيَمِينِهِمْ، لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ فَإِنْ نَكَلُوا حُدُّوا فَإِنْ نَكَلَ الْبَعْضُ وَحَلَفَ الْبَعْضُ حُدَّ النَّاكِلُ قَوْلُهُ: (كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ) وَهُوَ أَنَّهُ حَدَّ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بِالزِّنَا وَلَمْ يُخَالَفْ فَصَارَ إجْمَاعًا سُكُوتِيًّا.
قَوْلُهُ: (أَوْ عَفْوُ الْمَقْذُوفِ) أَيْ عَنْ كُلِّهِ وَلَوْ بِمَالٍ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمَالُ سم.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ عَفَا عَنْ بَعْضِهِ إلَخْ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِصَاصِ أَنَّ هَذَا يَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ.
قَوْلُهُ: (وَارِثُ الْمَقْذُوفِ) مِثْلُهُ الْمَقْذُوفُ نَفْسُهُ فَالْوَارِثُ لَيْسَ قَيْدًا.
قَوْلُهُ: (الْحَنَّاطِيِّ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَنُونٍ مَعْنَاهُ الْحَنَّاطُ كَخَبَّازٍ وَيُقَالُ: وَهُوَ مِنْ صِيَغِ النَّسَبِ مَنْسُوبٌ لِبَيْعِ الْحِنْطَةِ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَمَعَ فَاعِلٍ وَفَعَّالٍ فَعَلٌ ... فِي نَسَبٍ أَغْنَى عَنْ الْيَا فَقُبِلْ لَكِنْ زَادُوا عَلَيْهِ يَاءَ النَّسَبِ لِتَأْكِيدِ النِّسْبَةِ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: لَعَلَّ بَعْضَ أَجْدَادِهِ كَانَ يَبِيعُ الْحِنْطَةَ وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِيُّ لَهُ مُصَنَّفَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ اهـ ذَكَرَهُ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ.
قَوْلُهُ: (فَعَفَا عَنْهُ، ثُمَّ قَذَفَهُ لَمْ يُحَدَّ) ظَاهِرُهُ

قُدْرَتِهِ عَلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ فِي اللِّعَانِ.
وَالرَّابِعُ إقْرَارُ الْمَقْذُوفِ بِالزِّنَا.
وَالْخَامِسُ مَا لَوْ وَرِثَ الْقَاذِفُ الْحَدَّ.
تَتِمَّةٌ: يَرِثُ الْحَدَّ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ الْخَاصِّينَ حَتَّى الزَّوْجَيْنِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِمْ لِلسُّلْطَانِ كَالْمَالِ وَالْقِصَاصِ وَلَوْ قُذِفَ بَعْدَ مَوْتِهِ.
هَلْ لِلزَّوْجَيْنِ حَقٌّ، أَوْ لَا؟ وَجْهَانِ: أَوْجَهُهُمَا الْمَنْعُ لِانْقِطَاعِ الْوَصْلَةِ حَالَةَ الْقَذْفِ وَلَوْ عَفَا بَعْضُ الْوَرَثَةِ عَنْ حَقِّهِ مِمَّا وَرِثَهُ مِنْ الْحَدِّ فَلِلْبَاقِينَ مِنْهُمْ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِهِ، لِأَنَّهُ عَارٌ.
وَالْعَارُ يَلْزَمُ الْوَاحِدَ كَمَا يَلْزَمُ الْجَمِيعَ وَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوَدِ فَإِنَّهُ إذَا عَفَا بَعْضُ الْوَرَثَةِ عَنْهُ سَقَطَ بِأَنَّ لَهُ بَدَلًا يُعْدَلُ إلَيْهِ وَهُوَ الدِّيَةُ بِخِلَافِهِ هَذَا إذَا كَانَ الْمَقْذُوفُ حُرًّا فَلَوْ كَانَ رَقِيقًا وَاسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ عَلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ ثُمَّ مَاتَ فَهَلْ يَسْتَوْفِيهِ سَيِّدُهُ أَوْ عَصَبَتُهُ الْأَحْرَارُ، أَوْ السُّلْطَانُ؟ وُجُوهٌ أَصَحُّهَا أَوَّلُهَا وَلِلْقَاذِفِ تَحْلِيفُ الْمَقْذُوفِ عَلَى عَدَمِ زِنَاهُ وَلَوْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْبَيِّنَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.
فَإِنْ حُلِّفَ حُدَّ الْقَاذِفُ، وَإِلَّا سَقَطَ عَنْهُ.

فَصْلٌ فِي حَدِّ شَارِبِ الْمُسْكِرِ مِنْ خَمْرٍ وَغَيْرِهِ، وَشُرْبُهُ مِنْ كَبَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ.
وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: 90]

[حاشية البجيرمي]

وَلَوْ بِزِنًا آخَرَ غَيْرِ مَا سَامَحَهُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ بِالْمُسَامَحَةِ صَارَ عِرْضُهُ مَخْدُوشًا بِالنِّسْبَةِ لَهُ حُرِّرَ.
قَوْلُهُ: (كَمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ) وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ يُبْتَلَى بِقَذْفِ زَوْجَتِهِ وَقَدْ لَا يَجِدُ الْبَيِّنَةَ بِزِنَاهَا فَجَوَّزَ لَهُ الشَّرْعُ اللِّعَانَ.
قَوْلُهُ: (مَا لَوْ وَرِثَ الْقَاذِفُ الْحَدَّ) أَيْ وَرِثَ جَمِيعَهُ بِأَنْ قَذَفَ أَحَدُ أَخَوَيْنِ الْآخَرَ، ثُمَّ مَاتَ الْمَقْذُوفُ وَلَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُ الْقَاذِفِ، فَإِنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ أَمَّا لَوْ وَرِثَ بَعْضَهُ فَلِبَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ اسْتِيفَاءُ الْحَدِّ كُلِّهِ.
اهـ، م د أَيْ أُخِذَ مِنْ كَلَامِهِ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (يَرِثُ الْحَدَّ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ) أَيْ غَيْرَ مُوَزَّعٍ وَمُقَسَّمٍ بَلْ يَثْبُتُ كُلُّهُ جُمْلَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ بَدَلًا عَنْ الْآخَرِ وَلِهَذَا لَوْ عَفَا بَعْضُهُمْ عَنْ حِصَّتِهِ فَلِلْبَاقِينَ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِهِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُحَدُّ، لِكُلِّ وَارِثٍ حَدًّا كَامِلًا، لِأَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ مِنْ الْإِمَامِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْحَدَّ وَالْإِمَامُ لَا يَفْعَلُ إلَّا حَدًّا وَاحِدًا.
قَوْلُهُ: (حَتَّى الزَّوْجَيْنِ) أَيْ الْحَيِّ مِنْهُمَا وَالْحَالُ أَنَّ الْمَيِّتَ قُذِفَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَإِنَّمَا نَبَّهَ عَلَيْهِمَا لِلْخِلَافِ فِيهِمَا.
قَوْلُهُ: (هَلْ لِلزَّوْجَيْنِ) أَيْ لِلْحَيِّ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (يَلْزَمُ الْوَاحِدَ) أَيْ يَلْحَقُ وَكَذَا يُقَالُ: فِيمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّ لَهُ بَدَلًا) أَيْ وَإِنْ سَقَطَ بِأَنْ عَفَا مَجَّانًا.
قَوْلُهُ: (هَذَا) أَيْ كَوْنُ الْحَدِّ يَرِثُهُ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ) أَمَّا إذَا اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ عَلَى سَيِّدِهِ فَاسْتِحْقَاقُهُ لِعَصَبَتِهِ الْأَحْرَارِ أَوْ السُّلْطَانِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا سَقَطَ عَنْهُ) أَيْ إنْ لَمْ يَحْلِفْ الْمَقْذُوفُ وَظَاهِرُ الشَّرْحِ أَنَّهُ يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْ الْقَاذِفِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِ الْمَقْذُوفِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَبَعْضُهُمْ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ حَلِفِ الْقَاذِفِ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَإِلَّا سَقَطَ عَنْهُ أَيْ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ قَالُوا: وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِالزِّنَا، وَالتَّحْلِيفُ عَلَى نَفْيِهِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ،.
اهـ. شَرْحُ الرَّوْضِ مَعَ زِيَادَةٍ.

[فَصْلٌ فِي حَدِّ شَارِبِ الْمُسْكِرِ]

ِ ذَكَرَهُ عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَذْفِ، لِأَنَّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ وَمِنْ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ أَيْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِوَاحِدٍ دُونَ آخَرَ كَمَا فِي ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَشُرْبُهُ مِنْ كَبَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ) أَيْ فِي الْخَمْرِ مُطْلَقًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَفِي النَّبِيذِ فِي الْكَثِيرِ مِنْهُ أَمَّا الْقَلِيلُ الَّذِي لَا سُكْرَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنْ الْكَبَائِرِ، لِأَنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ [المائدة: 90] الْآيَةَ) أَيْ وَخَبَرُ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَهُوَ الَّذِي قَالَ لِغَيْرِهِ اُعْصُرْهَا

الْآيَةَ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَهَا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ اسْتِصْحَابًا مِنْهُمْ لِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ بِشَرْعٍ فِي إبَاحَتِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ رَجَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ الْأَوَّلَ وَالنَّوَوِيُّ الثَّانِيَ.
وَكَانَ تَحْرِيمُهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ بَعْدَ أُحُدٍ.
وَقِيلَ: بَلْ كَانَ الْمُبَاحُ الشُّرْبَ لَا مَا يَنْتَهِي إلَى

[حاشية البجيرمي]

لِي وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ وَبَائِعَهَا وَالْمُبْتَاعَةَ إلَيْهِ وَوَاهِبَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا» اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (وَالْمَيْسِرُ) هُوَ لَعِبُ الْقِمَارِ وَهُوَ كُلُّ لَعِبٍ تَرَدَّدَ بَيْنَ الْغُنْمِ وَالْغُرْمِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَهَا) أَيْ حَتَّى الْقَدْرِ الَّذِي يُزِيلُ الْعَقْلَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ مَا ذَكَرَ وَسَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَى ذَلِكَ فِي كَلَامِهِ، وَعِبَارَةُ م ر وَكَانَ شُرْبُهَا جَائِزًا أَوَّلَ الْإِسْلَامِ بِوَحْيٍ وَلَوْ إلَى حَدٍّ يُزِيلُ الْعَقْلَ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ: إنَّ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسَ لَمْ تُبَحْ فِي مِلَّةٍ مِنْ الْمِلَلِ، لِأَنَّ ذَاكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَجْمُوعِ.
قَوْلُهُ: (لِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ) الْمُرَادُ بِالْحُكْمِ الْعَادَةُ، لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِشَرْعٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: اسْتِصْحَابًا أَيْ هَلْ كَانَ اسْتِصْحَابًا لِعَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ اسْتِصْحَابًا بَلْ بِوَحْيٍ وَشَرْعٍ بِإِبَاحَتِهَا وَلَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: لِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى وَاسْتِصْحَابًا لِشَرْعٍ مَعَ أَنَّهُ لَا شَرْعَ فَيُسْتَصْحَبَ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ تَحْرِيمُهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ) صَوَابُهُ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، لِأَنَّ وَاقِعَةَ أُحُدٍ كَانَتْ سَابِعَ شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنْ الْهِجْرَةِ كَمَا فِي تَفْسِيرِ الْجَلَالِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران: 121] الْآيَةَ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا بِأَنَّ نُزُولَ آيَتِهَا كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَتَحْرِيمَهَا كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ أَيْ ثُمَّ أُبِيحَتْ ثُمَّ حُرِّمَتْ فَتَكَرَّرَ فِيهَا النَّسْخُ، لِأَنَّهَا أُبِيحَتْ، ثُمَّ حُرِّمَتْ، ثُمَّ أُبِيحَتْ ثُمَّ حُرِّمَتْ إلَى الْأَبَدِ، وَعِبَارَةُ الْحَلَبِيِّ فِي السِّيرَةِ قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ الَّتِي هِيَ سَنَةُ سِتٍّ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ وَبِهِ جَزَمَ الْحَافِظُ الدِّمْيَاطِيُّ.
وَقِيلَ: حُرِّمَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَيَدُلُّ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إرَاقَةِ الْخَمْرِ وَكَسْرِ جِرَارِهَا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقِيلَ: فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، وَقِيلَ: إنَّمَا حُرِّمَتْ فِي عَامِ الْفَتْحِ قَبْلَ الْفَتْحِ قَالَ بَعْضُهُمْ: حُرِّمَتْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَيْ نَزَلَ تَحْرِيمُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُشْرِبُونَهَا حَلَالًا أَيْ لِغَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّا هُوَ فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ بِعِشْرِينَ سَنَةً فَلَمْ تُبَحْ لَهُ قَطُّ وَقَدْ جَاءَ «أَوَّلُ مَا نَهَانِي عَنْهُ رَبِّي بَعْدَ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ أَيْ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ عِبَادَتِهَا شُرْبُ الْخَمْرِ» وَتَقَدَّمَ أَنَّ جَمَاعَةً حَرَّمُوهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَامْتَنَعُوا مِنْ شُرْبِهَا وَلَا زَالَتْ حَلَالًا لِلنَّاسِ حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 219] فَعِنْدَ ذَلِكَ اجْتَنَبَهَا قَوْمٌ، لِوُجُودِ الْإِثْمِ وَتَعَاطَاهَا آخَرُونَ لِوُجُودِ النَّفْعِ أَيْ وَكَانُوا رُبَّمَا شَرِبُوهَا وَصَلَّوْا فَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43] امْتَنَعَ مَنْ كَانَ يَشْرَبُهَا حَتَّى فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَرَجَعَ قَوْمٌ مِنْهُمْ عَنْ شُرْبِهَا حَتَّى فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَقَالُوا: لَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ.
وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا جَاءَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا وَشَرَابًا مِنْ الْخَمْرِ فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا فَأَخَذَتْ الْخَمْرَةُ مِنَّا أَيْ عُقُولَنَا وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ أَيْ الْجَهْرِيَّةُ وَقَدَّمُونِي فَقَرَأْت " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَنَحْنُ عَابِدُونَ مَا تَعْبُدُونَ إلَى أَنْ قُلْتَ وَلَيْسَ لِي دِينٌ " ثُمَّ نَزَلَتْ الْآيَةُ الْأُخْرَى الدَّالَّةُ عَلَى تَحْرِيمِهَا وَهِيَ ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 90] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] وَلَعَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْأَخِيرَةَ هِيَ الَّتِي عَنَاهَا أَنَسٌ بِقَوْلِهِ: كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ «كُنْت سَاقِيَ الْخَمْرِ بِمَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ وَهُوَ زَوْجُ أُمِّهِ فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَمَرَّ مُنَادٍ يُنَادِي فَقَالَ

السُّكْرِ الْمُزِيلِ لِلْعَقْلِ.
فَإِنَّهُ حَرَامٌ فِي كُلِّ مِلَّةٍ.
حَكَاهُ الْقُشَيْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ.
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَهُوَ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، وَالْخَمْرُ الْمُسْكِرُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ؛ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُقُوعِ اسْمِ الْخَمْرِ عَلَى الْأَنْبِذَةِ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ؟ قَالَ الْمُزَنِيّ وَجَمَاعَةٌ: نَعَمْ، لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ بِالصِّفَةِ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي الِاسْمِ.
وَهُوَ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ وَنَسَبَ الرَّافِعِيُّ إلَى الْأَكْثَرِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا إلَّا مَجَازًا أَمَّا فِي التَّحْرِيمِ وَالْحَدِّ فَكَالْخَمْرِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ.

(وَمَنْ شَرِبَ) أَيْ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ الْمُلْتَزِمُ لِلْأَحْكَامِ مُخْتَارًا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ.
(خَمْرًا) وَهِيَ الْمُتَّخَذَةُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ كَمَا مَرَّ.
(أَوْ) شَرِبَ (شَرَابًا مُسْكِرًا) غَيْرَ الْخَمْرِ كَالْأَنْبِذَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ تَمْرٍ، أَوْ رُطَبٍ، أَوْ زَبِيبٍ، أَوْ شَعِيرٍ أَوْ ذُرَةٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
(يُحَدُّ) الْحُرُّ (أَرْبَعِينَ) جَلْدَةً لِمَا فِي مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

[حاشية البجيرمي]

أَبُو طَلْحَةَ: اُخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ قَالَ: فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: هَذَا مُنَادٍ يُنَادِي أَلَا إنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَقَالَ لِي: اذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: قُتِلَ قَوْمٌ فِي أُحُدٍ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِمَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَكَانَ شَرِبَهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: 93] » أَيْ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا مُطْلَقًا اهـ. وَقَوْلُهُ: بَعْدَ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ أَيْ الْأَصْنَامِ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّهُ عَبَدَهَا حَاشَاهُ حَاشَاهُ مِنْ ذَلِكَ؛ إذْ الْأَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ فَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَلِيٍّ «قِيلَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ عَبَدْتَ وَثَنًا قَطُّ؟ قَالَ لَا، قِيلَ: هَلْ شَرِبْتَ خَمْرًا قَطُّ؟ قَالَ: لَا وَمَا زِلْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ كُفْرٌ وَمَا أَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ» . اهـ مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ الْمُنَاوِيِّ عَلَى الْخَصَائِصِ قَوْلُهُ: (وَقِيلَ: بَلْ كَانَ الْمُبَاحُ) مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَهَا أَيْ حَتَّى الْكَثِيرَ الْمُزِيلَ لِلْعَقْلِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (فِي وُقُوعِ) أَيْ إطْلَاقِ، وَإِضَافَةُ اسْمٍ لِمَا بَعْدَهُ بَيَانِيَّةٌ.
قَوْلُهُ: (حَقِيقَةٌ) أَيْ لُغَوِيَّةٌ فَيَكُونَ لَفْظُ الْخَمْرِ مَوْضُوعًا لِعَصِيرِ الْعِنَبِ وَلِلنَّبِيذِ وَبَيَّنَ الشَّارِحُ عِلَّةَ وَضْعِ لَفْظِ الْخَمْرِ لِعَصِيرِ النَّبِيذِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ إلَخْ وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الصِّفَةِ) وَهِيَ الْإِسْكَارُ وَقَوْلُهُ: فِي الِاسْمِ وَهُوَ الْخَمْرُ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ أَيْ اقْتِضَاءُ الِاشْتِرَاكِ فِي الِاسْمِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ) أَيْ وُقُوعُ اسْمِ الْخَمْرِ عَلَى الْأَنْبِذَةِ حَقِيقَةً قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ.
وَقَوْلُهُ: وَهُوَ جَائِزٌ أَيْ الْقِيَاسُ فِي اللُّغَةِ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: وُقُوعُ اسْمِ الْخَمْرِ عَلَى الْأَنْبِذَةِ أَيْ إطْلَاقُهُ لَا لِلْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا فِي التَّحْرِيمِ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ: وُقُوعُ اسْمُ الْخَمْرِ عَلَى الْأَنْبِذَةِ إلَخْ يَعْنِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْخَمْرِ عَلَى الْمُتَّخَذِ مِنْ غَيْرِ الْعِنَبِ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ إنَّمَا ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّفْظِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْحُكْمِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ الْقِيَاسُ وَعَدَمُهُ.
فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ اسْمٌ لِلْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَبِ حَقِيقَةً اُحْتِيجَ إلَى قِيَاسِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ حَقِيقَةٌ لَمْ يُحْتَجْ لِلْقِيَاسِ بَلْ يَكُونُ الْجَمِيعُ ثَابِتًا بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» . إلَخْ قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: كَيْفَ الْقِيَاسُ مَعَ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» هَذَا لَا يَرِدُ إلَّا لَوْ قَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ خَمْرٌ.

قَوْلُهُ: (أَيْ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ) جَمْعٌ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى " مِنْ ". وَقَوْلُهُ: الْمُلْتَزِمُ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِمَنْ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشُّرُوطَ الْمَذْكُورَةَ شُرُوطٌ لِلْحَدِّ وَالْحُرْمَةِ فَإِذَا انْتَفَى وَاحِدٌ مِنْهَا فَتَارَةً يَنْتَفِي الْحَدُّ وَالْحُرْمَةُ وَتَارَةً يَنْتَفِي الْحَدُّ مَعَ بَقَاءِ الْحُرْمَةِ دُونَ الْعَكْسِ فَلَا تَنَافِيَ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاهِيمِ.
قَوْلُهُ: (عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ) أَيْ وَبِكَوْنِهِ مُسْكِرًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ شَرَابًا) إنَّمَا أَتَى بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ حَقِيقَةٌ فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ دُونَ غَيْرِهِ أَمَّا عَلَى عُمُومِهِ لِكُلِّ مُسْكِرٍ فَلَا حَاجَةَ لِلْعَطْفِ.
وَقَوْلُهُ: " مُسْكِرًا " لَيْسَ قَيْدًا إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ الشَّأْنُ.
قَوْلُهُ: (الْحُرُّ) بَدَلٌ مِنْ نَائِبِ فَاعِلِ " يُحَدُّ " بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي يُحَدُّ رَاجِعٌ لِمَنْ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْحُرِّ وَالرَّقِيقِ وَالرَّابِطُ مُقَدَّرٌ أَيْ الْحُرُّ فَرْدٌ مِنْهُ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ نَائِبَ فَاعِلِ يُحَدُّ، لِأَنَّهُ لَا يُحْذَفُ وَلَا تَفْسِيرًا لِلضَّمِيرِ لِعَدَمِ أَدَاةِ التَّفْسِيرِ وَلِأَنَّ التَّفْسِيرَ أَخَصُّ مِنْ الْمُفَسَّرِ وَالْمُرَادُ الْحُرُّ الْكَامِلُ الْحُرِّيَّةِ ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (أَرْبَعِينَ جَلْدَةً)

عَنْهُ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ أَرْبَعِينَ، وَيَحُدُّ الرَّقِيقَ وَلَوْ مُبَعَّضًا عِشْرِينَ» لِأَنَّهُ حَدٌّ يَتَبَعَّضُ فَتَنَصَّفَ عَلَى الرَّقِيقِ كَحَدِّ الزِّنَا.
تَنْبِيهٌ: لَوْ تَعَدَّدَ الشُّرْبُ كَفَى مَا ذُكِرَ.
وَحَدِيثُ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الشَّارِبِ فِي الرَّابِعَةِ مَنْسُوخٌ بِالْإِجْمَاعِ.

تَنْبِيهٌ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ حُرِّمَ هُوَ وَقَلِيلُهُ.
وَحُدَّ شَارِبُهُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» وَرَوَى مُسْلِمٌ خَبَرَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» ، وَإِنَّمَا حُرِّمَ الْقَلِيلُ وَحُدَّ شَارِبُهُ إنْ كَانَ لَا يُسْكِرُ حَسْمًا لِمَادَّةِ الْفَسَادِ.
كَمَا حُرِّمَ تَقْبِيلُ الْأَجْنَبِيَّةِ وَالْخَلْوَةُ بِهَا لِإِفْضَائِهِ إلَى الْوَطْءِ الْمُحَرَّمِ.
وَلِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ» وَقِيسَ بِهِ شُرْبُ النَّبِيذِ وَخَرَجَ بِالشُّرْبِ الْحُقْنَةُ بِهِ بِأَنْ أَدْخَلَهُ دُبُرَهُ

[حاشية البجيرمي]

وَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ إلَى أَنَّهَا ثَمَانُونَ وَلَا يَجُوزُ لِلضَّارِبِ أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ أَيْ الضَّارِبِ مَثَلًا لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْإِيلَامِ وَيُحَدُّ الذَّكَرُ قَائِمًا وَالْأُنْثَى جَالِسَةً وَلَا يَنْزَعُ ثِيَابَهَا إلَّا نَحْوَ جُبَّةٍ مَحْشُوَّةٍ.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ» إلَخْ أَيْ يَأْمُرُ بِالضَّرْبِ.
فَإِنْ قُلْت: إذَا قُلْنَا بِالرَّاجِحِ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ عَدَالَةِ جَمِيعِهِمْ، أَشْكَلَ شُرْبُهُمْ الْخَمْرَ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْفِسْقَ.
قُلْت: يُمْكِنُ أَنَّ مَنْ شَرِبَ عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ تَصَوَّرَهَا فِي نَفْسِهِ تَقْتَضِي جَوَازَهُ فَشَرِبَ تَعْوِيلًا عَلَيْهَا وَلَيْسَتْ هِيَ كَذَلِكَ عِنْدَ مَنْ رُفِعَ لَهُ، فَحَدُّهُ عَلَى مُقْتَضَى اعْتِقَادِهِ، وَذَاكَ شَرِبَ عَلَى مُقْتَضَى اعْتِقَادِهِ وَالْعِبْرَةُ بِعَقِيدَةِ الْحَاكِمِ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَاحْفَظْهُ، فَإِنَّهُ دَقِيقٌ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (أَرْبَعِينَ) أَيْ فِي غَالِبِ أَحْوَالِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ جَلَدَ ثَمَانِينَ كَمَا فِي جَامِعِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
اهـ. ح ل. قَوْلُهُ: (لَوْ تَعَدَّدَ الشُّرْبُ) أَيْ قَبْلَ إقَامَةِ الْحَدِّ كَفَى حَدٌّ وَاحِدٌ كَغَيْرِهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى كَالسَّرِقَةِ وَالرِّدَّةِ وَسَيَقُولُ الشَّارِحُ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ كَمَا لَوْ زَنَى، أَوْ شَرِبَ مِرَارًا يُكْتَفَى بِحَدٍّ وَاحِدٍ.
قَوْلُهُ: (كَفَى مَا ذُكِرَ) وَهُوَ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً.
قَوْلُهُ: (مَنْسُوخٌ بِالْإِجْمَاعِ) كَمَا نُسِخَ قَتْلُ السَّارِقِ فِي الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ.
وَعِبَارَةُ الْمُنَاوِيِّ عَلَى الْخَصَائِصِ وَحَدِيثُ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الشَّارِبِ فِي الرَّابِعَةِ مَنْسُوخٌ إمَّا بِحَدِيثِ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى أُمُورٍ ثَلَاثٍ» وَإِمَّا بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلَّ عَلَى نَسْخِهِ قَالَ الْحَافِظُ قُلْت: بَلْ دَلِيلُ النَّسْخِ مَنْصُوصٌ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالشَّافِعِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ قَبِيصَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ إلَى أَنْ قَالَ: فَإِذَا شَرِبَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ قَالَ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فِي الرَّابِعَةِ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ فَرَفَعَ الْقَتْلَ عَنْ النَّاسِ فَكَانَتْ رُخْصَةٌ» قَالَ الْحَافِظُ وَقَدْ اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنْ لَا قَتْلَ فِيهِ وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ جَابِرٍ «فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يَقْتُلْهُ فَرَأَى الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْحَدَّ قَدْ وَقَعَ وَأَنَّ الْقَتْلَ قَدْ رُفِعَ» قَالَ النَّسَائِيُّ: هَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ: أَحَادِيثُ الْقَتْلِ مَنْسُوخَةٌ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: إنَّمَا كَانَ هَذَا يَعْنِي الْقَتْلَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: كَانَ الْعَمَلُ فِيمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ أَنْ يُغَرَّبَ وَيُنَكَّلَ بِهِ، ثُمَّ نُسِخَ بِجَلْدِهِ فَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ أَرْبَعًا قُتِلَ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ وَبِالْإِجْمَاعِ إلَّا مَنْ شَذَّ مِمَّنْ لَا يُعَدُّ خِلَافُهُ خِلَافًا وَأَشَارَ بِهِ إلَى بَعْضِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَهُوَ ابْنُ حَزْمٍ اهـ.

قَوْلُهُ: (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ) أَيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ فَدَخَلَ الْقَلِيلُ، وَفِيهِ أَنَّ نَحْوَ النُّقْطَةِ لَيْسَ شَأْنُهَا ذَلِكَ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ شَأْنُهُ ذَلِكَ وَلَوْ بِضَمِّهِ لِغَيْرِهِ، أَوْ يُقَالُ: عِلَّةُ تَحْرِيمِ الْقَلِيلِ حَسْمُ الْمَادَّةِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ تَأَمَّلْ ع ش. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَنُصَّ الْمَتْنُ عَلَى حُرْمَتِهِ، بَيَّنَ الشَّارِحُ الْحُرْمَةَ وَهَذِهِ دَعْوَى، وَقَوْلُهُ: وَحُدَّ إلَخْ ثَانِيَةٌ ثُمَّ أَقَامَ عَلَى الْأُولَى حَدِيثَيْنِ وَقَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِلثَّانِيَةِ قَوْلُهُ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» هَذَا مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ فَالنَّبِيذُ يُقَالُ لَهُ خَمْرٌ لُغَةً بِأَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ فِي التَّسْمِيَةِ فَيُقَالَ: الْمُتَّخَذُ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ عَلَى الْمُتَّخَذِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ فِي التَّسْمِيَةِ بِالْخَمْرِ فَيَكُونَ دَلِيلًا صَرِيحًا فِي تَحْرِيمِ النَّبِيذِ، فَكَيْفَ صَحَّ أَنْ يَقِيسَ الشَّارِحُ شُرْبَ النَّبِيذِ، عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ فِي الْحُرْمَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَا حَدَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْخَمْرُ الْحَقِيقِيُّ وَكَذَا مَا أَمَرَ بِالْجَلْدِ عَلَى شُرْبِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَعَارَفُ عِنْدَهُمْ فَصَحَّ حِينَئِذٍ الْقِيَاسُ.
قَوْلُهُ: (حَسْمًا) أَيْ سَدًّا.
قَوْلُهُ: (وَالْخَلْوَةُ بِهَا) وَلَا نَظَرَ

فصول الكتاب · 38 فصل · 529 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب · 529 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
فَصْلٌ: فِي السِّوَاكِ
فَصْلٌ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ
فَصْلٌ: فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ
دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ بِلَا سَبَبٍ
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ
فَصْلٌ: فِي الِاعْتِكَافِ
فَصْلٌ فِي السَّلَمِ
فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِفَصْلٌ: فِي الشَّرِكَةِفَصْلٌ: فِي الْإِقْرَارِفَصْلٌ: فِي الْغَصْبِفَصْلٌ: فِي الشُّفْعَةِفَصْلٌ: فِي الْقِرَاضِفَصْلٌ: فِي الْمُسَاقَاةِفَصْلٌ: فِي الْإِجَارَةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَقْفِ
فَصْلٌ: فِي اللَّقِيطِ
فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ
فَصْلٌ: فِي الظِّهَارِفَصْلٌ: فِي اللِّعَانِفَصْلٌ: فِي الِاسْتِبْرَاءِ
فَصْلٌ: فِي الرَّضَاعِ
فَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِفَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْفَيْءِفَصْلٌ: فِي الْجِزْيَةِفَصْلٌ: فِي الْأَطْعِمَةِ
فَصْلٌ: فِي الْأُضْحِيَّةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَلَاءِفَصْلٌ فِي التَّدْبِيرِخَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل