حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيبصفحات 369-408
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فَصْلٌ: فِي الْأُضْحِيَّةِ

صفحات 369-408
عن هذه الطبعة
عَلَم
البجيرمي
الكتاب
تحفة الحبيب على شرح الخطيب = حاشية البجيرمي على الخطيب
المؤلف
سليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي (المتوفى: 1221هـ)
الناشر
دار الفكر
الطبعة
بدون طبعةتاريخ النشر: 1415هـ - 1995م
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «االإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع للخطيب الشربيني» بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية البجيرمي» عليه

بِالصَّوْمِ لِأَنَّهُ فَقِيرٌ فِي الْأَخْذِ فَكَذَا فِي الْإِعْطَاءِ وَقَدْ يَمْلِكُ نِصَابًا وَلَا يَفِي دَخْلُهُ بِخَرْجِهِ فَتَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ وَلَهُ أَخْذُهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّا لَوْ أَسْقَطْنَا الزَّكَاةَ خَلَا النِّصَابَ عَنْهَا بِلَا بَدَلٍ وَالتَّكْفِيرُ لَهُ بَدَلٌ وَهُوَ الصَّوْمُ وَلَا يَجِبُ تَتَابُعٌ فِي الصَّوْمِ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ وَالْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ، كَمَا أَوْجَبْنَا قَطْعَ يَدِ السَّارِقِ الْيُمْنَى بِالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا﴾ أُجِيبَ بِأَنَّ آيَةَ الْيَمِينِ نَسَخَتْ مُتَتَابِعَاتٍ تِلَاوَةً وَحُكْمًا فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهَا بِخِلَافِ آيَةِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهَا نُسِخَتْ تِلَاوَةً لَا حُكْمًا.
تَتِمَّةٌ: إنْ كَانَ الْعَاجِزُ أَمَةً تَحِلُّ لِسَيِّدِهَا لَمْ تَصُمْ إلَّا بِإِذْنِهِ كَغَيْرِهَا مِنْ أَمَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ وَعَبْدٍ وَالصَّوْمُ يَضُرُّ غَيْرَهَا فِي الْخِدْمَةِ وَقَدْ حَنِثَ بِلَا إذْنٍ مِنْ السَّيِّدِ فَإِنَّهُ لَا يَصُومُ إلَّا بِإِذْنِهِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْحَلِفِ لِحَقِّ الْخِدْمَةِ.
فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْحِنْثِ صَامَ بِلَا إذْنٍ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِي الْحَلِفِ فَالْعِبْرَةُ فِي الصَّوْمِ بِلَا إذْنٍ فِيمَا إذَا أَذِنَ فِي أَحَدِهِمَا بِالْحِنْثِ وَوَقَعَ فِي الْمِنْهَاجِ تَرْجِيحُ اعْتِبَارِ الْحَلِفِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصَحُّ فِي الرَّوْضَةِ كَالشَّرْحَيْنِ.
فَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ الصَّوْمُ فِي الْخِدْمَةِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى إذْنٍ فِيهِ وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَلَهُ مَالٌ يُكَفِّرُ بِطَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ وَلَا يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ لِيَسَارِهِ لَا عِتْقَ لِأَنَّهُ يَسْتَعْقِبُ مِنْك الْوَلَاءَ الْمُتَضَمِّنَ لِلْوِلَايَةِ وَالْإِرْثِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهِمَا وَاسْتَثْنَى الْبُلْقِينِيُّ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ قَالَ لَهُ مَالِكٌ بَعْضِهِ إذَا عَتَقْت عَنْ كَفَّارَتِك فَنَصِيبِي مِنْك حُرٌّ قَبْلَ إعْتَاقِك عَنْ الْكَفَّارَةِ أَوْ مَعَهُ فَيَصِحُّ إعْتَاقُهُ عَنْ كَفَّارَةِ نَفْسِهِ فِي الْأُولَى قَطْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ: فِي النُّذُورِ جَمْعُ نَذْرٍ وَهُوَ بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ وَحُكِيَ فَتْحُهَا لُغَةً الْوَعْدُ بِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ وَشَرْعًا الْوَعْدُ بِخَيْرٍ خَاصَّةً قَالَهُ

[حاشية البجيرمي]

يَفْضُلُ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ كِفَايَةِ بَقِيَّةِ الْعُمْرِ الْغَالِبِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَوْ كَانَ يَمْلِكُ نِصَابًا أَوْ أَكْثَرَ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ أَخْذُهَا) أَيْ وَيُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ.
قَوْلُهُ: (وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ) أَيْ بَابِ الزَّكَاةِ حَيْثُ قُلْتُمْ بِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِي النِّصَابِ الَّذِي عِنْدَهُ وَبَابُ الْكَفَّارَةِ حَيْثُ قُلْتُمْ يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ لَا بِالْمَالِ وَمُقْتَضَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُكَفِّرُ الْمَالَ.
قَوْلُهُ: (نُسِخَتْ) أَيْ نُسِخَ مِنْهَا مُتَتَابِعَاتٍ فَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَمَةٍ لَا تَحِلُّ) بِأَنْ كَانَتْ مَحْرَمًا أَوْ مُشْتَرَكَةً.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْأَمَةَ إنْ كَانَتْ تَحِلُّ لَا يَجُوزُ الصَّوْمُ مُطْلَقًا إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَحِلُّ أَوْ كَانَ مَنْ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ ذَكَرًا تَوَقَّفَ الصَّوْمُ، عَلَى الْإِذْنِ بِشَرْطَيْنِ أَنْ يَضُرَّ السَّيِّدَ فِي الْخِدْمَةِ، وَأَنْ يَكُونَ الْحِنْثُ مِنْ غَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ.
وَأَخْذُ الشَّارِحِ، مُحْتَرَزُ الْقَيْدَيْنِ عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوَّشِ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّوْمُ) أَيْ وَالْحَالُ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَالصَّوْمُ يَضُرُّهُ أَيْ غَيْرُهَا فِي الْخِدْمَةِ فَأَشَارَ إلَى أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِلْغَيْرِ.
فَفِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ إيهَامٌ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ) غَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (لِلْوِلَايَةِ) أَيْ وِلَايَةِ التَّزْوِيجِ.

[فَصْلٌ فِي النُّذُورِ]

ِ جَمَعَهَا لِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا.
قَوْلُهُ: (وَحُكِيَ فَتْحُهَا) وَيَكُونُ مَصْدَرًا سَمَاعِيًّا بِخِلَافِ السُّكُونِ يَكُونُ مَصْدَرًا قِيَاسِيًّا وَهُوَ مِنْ نَذَرَ يَنْذُرُ بِضَمِّ عَيْنِ الْمُضَارِعِ وَكَسْرِهَا مِنْ بَابِ نَصَرَ وَضَرَبَ ز ي. قَوْلُهُ: (الْوَعْدُ بِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ) وَاسْتِعْمَالُ الْوَعْدِ فِي الشَّرِّ لَعَلَّهُ مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ فَلَا يُنَافِيهِ أَنَّ الْوَعْدَ فِي الْخَيْرِ وَالْإِيعَادَ فِي الشَّرِّ كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْته أَوْ وَعَدْته ... لَمُخْلِفُ إيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي وَصَرَّحَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ بِأَنَّ الْوَعْدَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مُقَيَّدًا فَيُقَالُ: وَعَدَهُ خَيْرًا وَوَعَدَهُ شَرًّا وَأَمَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَيُسْتَعْمَلُ الْوَعْدُ فِي الْخَيْرِ وَالْإِيعَادُ فِي الشَّرِّ.
وَكَلَامُ الشَّارِحِ يُحْمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَشَرْعًا)

الرُّويَانِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَقَالَ غَيْرُهُمَا الْتِزَامُ قُرْبَةٍ لَمْ تَتَعَيَّنْ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ عَقِبَ الْأَيْمَانِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَقْدٌ يَعْقِدُهُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ تَأْكِيدًا لِمَا الْتَزَمَهُ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ آيَاتٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] وَأَخْبَارٌ كَخَبَرِ الْبُخَارِيِّ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» وَفِي كَوْنِهِ قُرْبَةً أَوْ مَكْرُوهًا خِلَافٌ وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ قُرْبَةٌ فِي نَذْرِ التَّبَرُّرِ دُونَ غَيْرِهِ وَهَذَا أَوْلَى مَا قِيلَ فِيهِ.
وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ: صِيغَةٌ وَمَنْذُورٌ، وَنَاذِرٌ.

(وَ) وَشُرِطَ فِي النَّاذِرِ إسْلَامٌ وَاخْتِيَارٌ وَنُفُوذٌ يُصْرَفُ فِيمَا يَنْذُرُهُ فَلَا يَصِحُّ (النَّذْر) مِنْ كَافِرٍ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْقُرْبَةِ وَلَا مِنْ مُكْرَهٍ

[حاشية البجيرمي]

أَيْ فَيَكُونُ لِلنَّذْرِ مَعْنَيَانِ شَرْعِيَّانِ.
وَالثَّانِي أَوْلَى لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَشْمَلُ مَا كَانَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الطَّاعَةَ امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.
وَالْقُرْبَةُ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ الْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ وَالْعِبَادَةُ مَا تَعَبَّدَ بِهِ بِشَرْطِ النِّيَّةِ وَمَعْرِفَةُ الْمَعْبُودِ فَالطَّاعَةُ تُوجَدُ بِدُونِهِمَا فِي النَّظَرِ الْمُؤَدِّي إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، إذْ مَعْرِفَتُهُ إنَّمَا تَحْصُلُ بِتَمَامِ النَّظَرِ، وَالْقُرْبَةُ تُوجَدُ بِدُونِ الْعِبَادَةِ فِي الْقُرَبِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَالْعِتْقِ، وَالْوَقْفِ.
قَوْلُهُ: (تَأْكِيدًا) أَيْ تَحْقِيقًا وَقَوْلُهُ: لِمَا الْتَزَمَهُ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الِالْتِزَامَ سَابِقٌ عَلَى الْيَمِينِ وَالنَّذْرِ.
وَلَكِنْ يَتَأَكَّدُ بِهِمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَا حَصَلَ الِالْتِزَامُ إلَّا بِهِمَا فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّ بَعْضَ أَفْرَادِ النَّذْرِ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ يُقَالُ إنَّ الْمَعْنَى تَأْكِيدٌ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَلْتَزِمَهُ وَعِبَارَةُ ع ش قَوْلُهُ: تَأْكِيدًا لِمَا الْتَزَمَهُ لَعَلَّ الْأَوْلَى تَأْكِيدًا لِمَا وَعَدَ بِهِ إذْ الِالْتِزَامُ لَمْ يَأْتِ إلَّا مِنْ النَّذْرِ إذْ الْوُجُوبُ إنَّمَا جَاءَ مِنْ جِهَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ) وَتَسْمِيَةُ هَذَا نَذْرًا عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ وَهِيَ ذِكْرُ الشَّيْءِ بِلَفْظِ غَيْرِهِ لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَتِهِ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: 116] وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ الْمُشَاكَلَةِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54] وَالْمُرَادُ بِالنَّفْسِ الذَّاتُ أَوْ عَلَى قَوْلِ: مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْأَسْمَاءَ الشَّرْعِيَّةَ تَعُمُّ الصَّحِيحَةَ وَالْفَاسِدَةَ.
قَوْلُهُ: (وَفِي كَوْنِهِ قُرْبَةً أَوْ مَكْرُوهًا خِلَافٌ) فَقَالَ الرَّافِعِيُّ: قُرْبَةٌ وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي الْمَجْمُوعِ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَالنَّهْيُ عَنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ عَدَمَ الْقِيَامِ بِمَا الْتَزَمَهُ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَقِيلَ مَكْرُوهٌ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَجْمُوعِ وَحَكَاهُ السِّنْجِيُّ عَنْ النَّصِّ هَذَا وَاَلَّذِي قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ: هُوَ الْمُعْتَمَدُ م ر وَعِبَارَةُ س ل وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ مَكْرُوهٌ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ خَبَرُ إنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ وَفِي نَذْرِ التَّبَرُّرِ مَنْدُوبٌ اهـ.

قَوْلُهُ: (وَنُفُوذُ تَصَرُّفٍ إلَخْ) وَزِيدَ إمْكَانُ الْفِعْلِ فَلَا يَصِحُّ نَذْرُهُ صَوْمًا لَا يُطِيقُهُ وَلَا نَذْرٌ بَعِيدٌ عَنْ مَكَّةَ حَجَّ هَذِهِ السَّنَةَ س ل وَكَانَ الْوَقْتُ لَا يَسَعُ السَّيْرَ إلَى مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (يَنْذُرُهُ) بِضَمِّ الذَّالِ وَكَسْرِهَا مَعَ فَتْحِ الْيَاءِ فِيهِمَا فَبَابُهُ ضَرَبَ وَنَصَرَ كَمَا فِي الْمُخْتَارِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ النَّذْرُ مِنْ كَافِرٍ) لَا يَخْفَى أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ النَّذْرُ يَلْزَمُ فِي الْمُجَازَاةِ فَهِيَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ جُمْلَةٌ وَفَاعِلُ يَلْزَمُ ضَمِيرٌ عَائِدٌ عَلَى النَّذْرِ وَالشَّارِحُ جَعَلَ لَفْظَ النَّذْرِ فَاعِلًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَنْفِيٍّ وَجَعَلَ جُمْلَةَ يَلْزَمُ مُسْتَأْنَفَةً وَجَعَلَ فَاعِلَ الْفِعْلِ مَحْذُوفًا وَجَعَلَ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقًا بِهِ وَلَا يَخْفَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّشْتِيتِ وَمُخَالَفَةِ الْوَضْعِ الْعَرَبِيِّ فَرَاجِعْهُ ق ل. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَلَا يَصِحُّ إلَخْ أَيْ نَذْرَ التَّبَرُّرِ دُونَ نَذْرِ اللَّجَاجِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ وَكَانَ قِيَاسُهُ صِحَّةَ نَذْرِ التَّبَرُّرِ مِنْهُ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِيهِ مُنَاجَاةٌ أَشْبَهَ الْعِبَادَةَ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُبْطِلْ الصَّلَاةَ بِخِلَافِ نَذْرِ اللَّجَاجِ خِلَافًا لِلشَّارِحِ حَيْثُ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي عَدَمِ الْإِبْطَالِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْوَقْفِ حَيْثُ صَحَّ مِنْ الْكَافِرِ مَعَ أَنَّهُ قُرْبَةٌ أَنَّ الْوَقْفَ وَإِنْ كَانَ قُرْبَةً لَيْسَتْ مُتَمَحِّضَةً لِأَنَّ فِيهِ نَقْلَ الْحَقِّ إلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ النَّذْرِ فَإِنَّهُ قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ اهـ. أج وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ وَإِنَّمَا صَحَّ وَقْفُهُ وَعِتْقُهُ وَوَصِيَّتُهُ وَصَدَقَتُهُ.
مِنْ حَيْثُ إنَّهَا عُقُودٌ مَالِيَّةٌ لَا قُرْبَةُ أَيْ لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا قُرْبَةً وَإِنْ كَانَتْ حَاصِلَةً فَلَا يُنْظَرُ لَهَا.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْقُرْبَةِ) يَرِدُ عَلَيْهِ صِحَّةُ عِتْقِهِ وَصَدَقَتِهِ قَالَ ح ل: لَمَّا كَانَ نَذْرُ التَّبَرُّرِ فِيهِ مُنَاجَاةٌ أَشْبَهَ الْعِبَادَةَ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يُبْطِلْ الصَّلَاةَ بِخِلَافِ نَذْرِ اللَّجَاجِ خِلَافًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي عَدَمِ الْإِبْطَالِ فَلَا يُنَافِي صِحَّةَ نَحْوِ عِتْقِهِ

لِخَبَرِ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ» وَلَا مِمَّنْ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيمَا يَنْذُرُهُ كَمَحْجُورِ سَفَهٍ، أَوْ فَلَسٍ فِي الْقُرَبِ الْمَالِيَّةِ الْعَيْنِيَّةِ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَشُرِطَ فِي الصِّيغَةِ لَفْظٌ يُشْعِرُ بِالْتِزَامٍ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا مَرَّ فِي الضَّمَانِ كَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا أَوْ عَلَيَّ كَذَا كَسَائِرِ الْعُقُودِ.
وَ (يَلْزَمُ) ذَلِكَ بِالنَّذْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ، وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ هُنَا وَوَقَعَ لَهُمَا فِيهِ اخْتِلَافُ تَرْجِيحٍ وَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ مُتَعَلَّقَ اللُّزُومِ بِقَوْلِهِ: (فِي الْمُجَازَاةِ) أَيْ الْمُكَافَأَةِ (عَلَى) نَذْرِ فِعْلٍ (مُبَاحٍ) لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَرْغِيبٌ كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَقُعُودٍ، وَقِيَامٍ أَوْ تَرْكِ ذَلِكَ وَهَذَا مِنْ الْمُصَنِّفِ لَعَلَّهُ سَهْوٌ أَوْ سَبْقُ قَلَمٍ إذْ النَّذْرُ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ أَوْ تَرْكِهِ لَا يَنْعَقِدُ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ فَضْلًا عَنْ لُزُومِهِ.
وَلَكِنْ هَلْ يَكُونُ يَمِينًا تَلْزَمُهُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ أَوْ لَا اخْتَلَفَ فِيهِ تَرْجِيحُ الشَّيْخَيْنِ فَاَلَّذِي رَجَّحَاهُ فِي الْمِنْهَاجِ وَالْمُحَرَّرِ اللُّزُومَ؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاَلَّذِي رَجَّحَاهُ فِي الرَّوْضَةِ وَالشَّرْحَيْنِ.
وَصَوَّبَهُ فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ لِعَدَمِ انْعِقَادِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: يُوَافِقُ الْأَوَّلَ مَا فِي

[حاشية البجيرمي]

مِنْ كُلِّ مَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (فِي الْقُرَبِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَصِحُّ الْمُقَدَّرُ أَيْ وَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (الْمَالِيَّةِ) كَهَذَا الثَّوْبِ خَرَجَ الْبَدَنِيَّةُ وَقَوْلُهُ: الْعَيْنِيَّةِ خَرَجَ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالذِّمَّةِ أَيْ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ فَيَصِحُّ مِنْ الْمُفْلِسِ دُونَ السَّفِيهِ لِأَنَّ السَّفِيهَ، لَا ذِمَّةَ لَهُ ح ل وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّ نَذْرَ الْعَبْدِ مَالًا فِي ذِمَّتِهِ كَضَمَانِهِ وَسَبَقَ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ضَمَانُهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَهُ ز ي: وَمِثْلُهُ فِي شَرْحِ م ر وَيَصِحُّ بِإِذْنِهِ وَيُؤَيِّدُهُ مِنْ كَسْبِهِ الْحَاصِلِ بَعْدَ النَّذْرِ.
اهـ. ع ش وَعِبَارَتُهُ عَلَى م ر. وَقَوْلُهُ: الْعَيْنِيَّةِ خَرَجَ الَّتِي فِي الذِّمَّةِ فَيَصِحُّ نَذْرُ الْمَحْجُورِ لَهَا كَمَا اعْتَمَدَهُ سم وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ حَجْرِ الْفَلَسِ وَالسَّفَهِ ثُمَّ اُنْظُرْ بَعْدَ الصِّحَّةِ مِنْ أَيْنَ يُؤَدِّي السَّفِيهُ هَلْ بَعْدَ رُشْدِهِ أَوْ يُؤَدِّي الْوَلِيُّ مِنْ مَالِ السَّفِيهِ مَا الْتَزَمَهُ ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الرَّوْضِ أَنَّ السَّفِيهَ يُؤَدِّي بَعْدَ رُشْدِهِ فَلَوْ مَاتَ وَلَمْ يُؤَدِّ أُخْرِجَ مِنْ تَرِكَتِهِ قِيَاسًا عَلَى تَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (يُشْعِرُ بِالْتِزَامٍ) فَنَحْوُ مَالِي صَدَقَةٌ لَيْسَ بِنَذْرٍ لِعَدَمِ الِالْتِزَامِ وَكَذَا نَذَرْت لِلَّهِ لَأَفْعَلَن كَذَا لِذَلِكَ.
فَإِنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ كَانَ يَمِينًا وَنَذَرْت لِزَيْدٍ كَذَا كَذَلِكَ لَكِنْ لَوْ نَوَى بِهِ الْإِقْرَارَ لَزِمَ بِهِ ح ل. قَوْلُهُ: (مَا مَرَّ فِي الضَّمَانِ) مِنْ إشَارَةِ الْأَخْرَسِ وَكِتَابَةٍ وَلَوْ مِنْ نَاطِقٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَلْزَمُ ذَلِكَ) أَيْ كَذَا الْمَذْكُورُ فِي الصِّيغَةِ السَّابِقَةِ.
قَوْلُهُ: (بِنَاءً إلَخْ) يَقْتَضِي أَنَّا لَوْ لَمْ نَبْنِ عَلَى مَا ذُكِرَ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِالنَّذْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ بَنَيْنَا عَلَى مَا ذُكِرَ أَوْ لَا وَلَا يَصْلُحُ قَوْلُهُ: بِنَاءً إلَخْ تَعْلِيلًا إلَّا فِيمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ يَصُومَ فَيَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ مِنْ قِيَامٍ وَيَجِبُ عَلَيْهِ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَسْلُكُ بِهِ إلَخْ فَاشْتَبَهَ عَلَى الشَّارِحِ الْأَمْرُ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: بِنَاءً عِلَّةً لِمَحْذُوفٍ.
أَيْ وَيَتْبَعُ فِيهِ الْوَاجِبَ بِالشَّرْعِ بِنَاءً إلَخْ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ) كَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُبَاحَ هُوَ الْمَنْذُورُ بِأَنْ قَالَ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ أَكْلُ كَذَا أَوْ شُرْبُ كَذَا إلَخْ.
فَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ سَهْوٌ وَالتَّصْوِيرُ بِذَلِكَ يَرُدُّهُ قَوْلُ الْمَتْنِ الْآتِي.
لَا يَلْزَمُ النَّذْرُ عَلَى تَرْكِ أَوْ فِعْلِ مُبَاحٍ كَقَوْلِهِ: لَا آكُلُ لَحْمًا إلَخْ قَالَ ق ل: إنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَى الشَّارِحِ الْمُلْتَزَمُ بِالْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ وَاَلَّذِي يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ قُرْبَةً هُوَ الْمُلْتَزَمُ لَا الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ فَلَوْ قَالَ: إنْ قَامَ زَيْدٌ أَوْ قَعَدَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا صَحَّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الْمُجَازَاةِ فَالْمُجَازَاةُ وَاقِعَةٌ بِمَطْلُوبٍ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ فَكَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يُسْقِطَ لَفْظَةَ نَذْرِ فِي قَوْلِهِ عَلَى نَذْرِ فِعْلٍ إلَخْ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَنْذُورُ مَعْصِيَةً أَوْ مُبَاحًا لَمْ يَنْعَقِدْ وَإِنْ كَانَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ مَعْصِيَةً أَوْ مُبَاحًا فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ حَثٌّ أَوْ مَنْعٌ أَوْ تَحْقِيقُ خَبَرٍ أَوْ كَانَ فِيهِ إضَافَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَانَ يَمِينًا لَا نَذْرًا فَتَجِبُ فِيهِ بِالْحِنْثِ كَفَّارَةٌ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ) يَقْتَضِي أَنَّ النَّذْرَ الْمُعَلَّقَ عَلَى مُبَاحٍ لَا يَنْعَقِدُ مَعَ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ وَأَيْضًا هَذَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ أَوَّلًا عَلَى نَذْرِ فِعْلٍ مُبَاحٍ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْذُورَ هُوَ الْمُبَاحُ نَفْسُهُ لِأَنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلَيْهِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ الْمُبَاحِ لَا يَنْعَقِدُ يَمِينًا إذَا لَمْ يَكُنْ مُعَلَّقًا وَلَا مُضَافًا لِلَّهِ أَمَّا إذَا كَانَ مُعَلَّقًا فَإِنْ كَانَ نَذْرَ لَجَاجٍ بِأَنْ قُصِدَ بِهِ حَثٌّ أَوْ مَنْعٌ أَوْ تَحْقِيقُ خَبَرٍ فَفِيهِ بِالْمُخَالَفَةِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِانْعِقَادِهِ يَمِينًا وَإِنْ كَانَ مُضَافًا لِلَّهِ فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الْيَمِينَ كَأَنْ قَصَدَ بِهِ الْحَثَّ عَلَى الْفِعْلِ لَزِمَهُ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ ذَلِكَ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُعَلَّقِ نَذْرُ لَجَاجٍ بَلْ تَبَرُّرٍ فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْحَثَّ فِي الْمُضَافِ إلَى اللَّهِ فَلَا شَيْءَ فِي الْمُخَالَفَةِ.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (اللُّزُومُ) أَيْ لُزُومُ الْكَفَّارَةِ قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ نَذْرٌ) الْمُنَاسِبُ لِأَنَّهُ يَمِينٌ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) أَيْ إنْ خَلَا عَنْ الْحَثِّ وَالْمَنْعِ وَتَحْقِيقِ الْخَبَرِ وَالْإِضَافَةِ إلَى اللَّهِ

الرَّوْضَةِ وَأَصْلُهَا مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُطَلِّقَك.
أَوْ أَنْ آكُلَ الْخُبْزَ أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَدْخُلَ الدَّارَ فَإِنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةً فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ.
أُجِيبَ: بِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي نَذْرِ التَّبَرُّرِ وَأَمَّا الْأَخِيرَةُ فَلُزُومُ الْكَفَّارَةِ فِيهَا مِنْ حَيْثُ الْيَمِينُ لَا مِنْ حَيْثُ النَّذْرُ.

(وَ) يَلْزَمُ النَّذْرُ عَلَى فِعْلِ (طَاعَةٍ) مَقْصُودَةٍ لَمْ تَتَعَيَّنْ كَعِتْقٍ وَعِيَادَةِ مَرِيضٍ، وَسَلَامٍ وَتَشْيِيعِ جِنَازَةٍ.
وَقِرَاءَةِ سُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَطُولِ قِرَاءَةِ صَلَاةٍ وَصَلَاةِ جَمَاعَةٍ.
وَلَا فَرْقَ فِي صِحَّةِ نَذْرِ الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ بَيْنَ كَوْنِهَا فِي فَرْضٍ أَمْ لَا.
فَالْقَوْلُ بِأَنَّ صِحَّتَهَا مُقَيَّدَةٌ بِكَوْنِهَا فِي الْفَرْضِ أَخْذًا مِنْ تَقْيِيدِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا بِذَلِكَ وَهْمٌ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا قَيَّدَا بِذَلِكَ لِلْخِلَافِ فِيهِ فَلَوْ نَذَرَ غَيْرَ الْقُرْبَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ وَاجِبٍ عَيْنِيٍّ كَصَلَاةِ الظُّهْرِ أَوْ مُخَيَّرٍ كَأَحَدِ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَلَوْ مُعَيَّنَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَوْ مَعْصِيَةٍ كَمَا سَيَأْتِي كَشُرْبِ خَمْرٍ وَصَلَاةٍ، بِحَدَثٍ أَوْ مَكْرُوهٍ كَصَوْمِ الدَّهْرِ لِمَنْ خَافَ بِهِ ضَرَرًا أَوْ فَوْتَ حَقٍّ لَمْ يَصِحَّ نَذْرُهُ، أَمَّا الْوَاجِبُ الْمَذْكُورُ فَلِأَنَّهُ لَزِمَ عَيْنًا بِإِلْزَامِ الشَّرْعِ قَبْلَ النَّذْرِ فَلَا مَعْنَى لِالْتِزَامِهِ.
وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ فَلِأَنَّهُ لَا يُتَقَرَّبُ بِهِ وَلِخَبَرِ أَبِي دَاوُد: «لَا نَذْرَ إلَّا فِيمَا اُبْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» وَلَمْ يَلْزَمْهُ بِمُخَالَفَةِ ذَلِكَ كَفَّارَةٌ.

ثُمَّ بَيَّنَ الْمُصَنِّفَ نَذْرَ الْمُجَازَاةِ.
وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ التَّبَرُّرِ وَهُوَ الْمُعَلَّقُ بِشَيْءٍ بِقَوْلِهِ (كَقَوْلِهِ إنْ شَفَى اللَّهُ) تَعَالَى (مَرِيضِي) أَوْ قَدِمَ غَائِبِي أَوْ نَجَوْت مِنْ الْغَرَقِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
(فَلِلَّهِ) تَعَالَى (عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ أَوْ أَصُومَ أَوْ أَتَصَدَّقَ) وَأَوْ فِي كَلَامِهِ تَنْوِيعِيَّةٌ (وَيَلْزَمُهُ) بَعْدَ حُصُولِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ الْتَزَمَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (مَا يَقَعُ

[حاشية البجيرمي]

وَإِلَّا انْعَقَدَ نَذْرُهُ فَيَكُونُ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَنْ قَالَ: يَنْعَقِدُ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: لَا يَنْعَقِدُ م ر وَاعْتَمَدَ ق ل أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ شَيْخِنَا م ر: يُحْمَلُ عَدَمُ الْكَفَّارَةِ إذَا خَلَا عَنْ حَثٍّ أَوْ مَنْعٍ أَوْ تَحْقِيقِ خَبَرٍ وَإِضَافَتِهِ إلَى اللَّهِ وَإِلَّا فَفِيهِ الْكَفَّارَةُ وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ اهـ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ صُورَةٍ خَالِيَةٍ عَمَّا ذُكِرَ فَيَلْزَمُ إحَالَةُ مَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ فَيَبْطُلُ الْجَمْعُ الْمَذْكُورُ مَعَ أَنَّ فِي صِحَّةِ النَّذْرِ مَعَ الْحَثِّ وَنَحْوِهِ نَظَرًا وَأَيْضًا فِي جَعْلِ مَا ذُكِرَ مِنْ نَذْرِ الْمُبَاحِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ الْتِزَامُ قُرْبَةٍ عَلَى تَرْكِ مُبَاحٍ أَوْ فِعْلِهِ فَهُوَ مِنْ نَذْرِ اللَّجَاجِ وَإِنَّمَا نَذْرُ الْمُبَاحِ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَقُومَ مَثَلًا أَوْ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَقُومَ.
وَهَذَا لَا كَفَّارَةَ فِيهِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمَعْصِيَةِ وَالْوَاجِبِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَحَرِّرْهُ فَإِنَّهُ مِمَّا لَا وَجْهَ لِلْعُدُولِ عَنْهُ اهـ. وَلَوْ جَمَعَ فِي نَذْرَيْنِ مَا يَصِحُّ وَمَا لَا يَصِحُّ كَقَوْلِهِ: إنْ سَلِمَ مَالِي وَهَلَكَ مَالُ زَيْدٍ أَعْتَقْت عَبْدِي وَطَلَّقْت زَوْجَتِي فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ وَيَلْزَمُهُ الْجَزَاءُ فِي عِتْقِ الْعَبْدِ لَا طَلَاقَ الزَّوْجَةِ ق ل. قَوْلُهُ: (أَوْ لِلَّهِ إلَخْ) هَذِهِ صِيغَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَلَيْسَ مُعَلَّقًا عَلَى مَا قَبْلَهُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الرَّوْضِ وَيَدُلُّ لَهُ إفْرَادُهَا بِجَوَابٍ مُسْتَقِلٍّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ حَيْثُ الْيَمِينُ) أَيْ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَدْخُلَ الدَّارَ فِيهِ حَثٌّ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ؛ وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَثٌّ أَوْ مَنْعٌ أَوْ تَحْقِيقُ خَبَرٍ كَانَ يَمِينًا.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ نَذْرَ الْمُبَاحِ تَارَةً يَكُونُ حَثًّا كَإِرَادَتِهِ إلْزَامَ نَفْسِهِ بِالْفِعْلِ فَقَطْ.
فَهَذَا لَا يَنْعَقِدُ نَذْرًا لَكِنْ تَلْزَمُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ يَمِينٌ لِتَعَلُّقِ الْحَثِّ بِهِ وَتَارَةً لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
كَأَنْ يُطْلَقَ فِي الصِّيغَةِ فَهَذَا لَا يَنْعَقِدُ وَلَا يَلْزَمُ فِيهِ كَفَّارَةٌ.
اهـ. م ر.

قَوْلُهُ: (عَلَى فِعْلِ طَاعَةٍ إلَخْ) هَذَا مِنْ الشَّارِحِ سَهْوٌ لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ وَالشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ مَعَ الْأَمْثِلَةِ إنَّمَا هِيَ فِي الْمَنْذُورِ نَفْسِهِ كَمَا فِي مَتْنِ الْمَنْهَجِ لَا فِي الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إذَا عَلَّقَ النَّذْرَ عَلَى فَرْضٍ عَيْنِيٍّ مَثَلًا صَحَّ كَقَوْلِهِ: إنْ صَلَّيْت الظُّهْرَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ أَوْ أُعْتِقَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ مَا الْتَزَمَهُ وَعَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ يُنَاسِبُ كَلِمَةَ عَلَيَّ أَيْ الْمُشْتَمِلُ عَلَى فِعْلِ طَاعَةٍ إلَخْ.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَطُولِ قِرَاءَةِ صَلَاتِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ إمَامٍ لِقَوْمٍ لَا يَرْضَوْنَ بِالتَّطْوِيلِ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ إمَامًا لِقَوْمٍ يَرْضَوْنَ بِالتَّطْوِيلِ كَانَ مَكْرُوهًا لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الطَّلَبِ وَعَدَمِهِ بِحَالِ النَّاذِرِ.
اهـ. م ر. وَالْأَوْجَهُ ضَبْطُ التَّطْوِيلِ الْمُلْتَزَمِ هُنَا بِأَدْنَى زِيَادَةٍ عَلَى مَا يُنْدَبُ لِإِمَامٍ غَيْرِ مَحْصُورِينَ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ م ر س ل. قَوْلُهُ: (وَصَلَاةِ جَمَاعَةٍ) وَيَخْرُجُ مِنْ عُهْدَةِ ذَلِكَ بِالِاقْتِدَاءِ فِي جُزْءٍ مِنْ صَلَاتِهِ لِانْسِحَابِ حُكْمِ الْجَمَاعَةِ عَلَى جَمِيعِهَا.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (بِأَنَّ صِحَّتَهَا) أَيْ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُعَيَّنَةً) وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إنْ عَيَّنَ أَعْلَاهَا صَحَّ نَذْرُهُ أَوْ أَدْنَاهَا فَلَا كَمَا أَفْتَى بِهِ م ر. اهـ. ز ي.

قَوْلُهُ: (وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ التَّبَرُّرِ) : نَذْرِ التَّبَرُّرِ بِأَنْ يَلْتَزِمَ قُرْبَةً بِلَا تَعْلِيقٍ كَعَلَيَّ كَذَا أَوْ بِتَعْلِيقٍ بِحُدُوثِ نِعْمَةٍ أَوْ ذَهَابِ نِقْمَةٍ وَلَوْ قَالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ أَنْ

عَلَيْهِ الِاسْمُ) مِنْهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ عَلَى الْأَظْهَرِ بِالْقِيَامِ مَعَ الْقُدْرَةِ حَمْلًا عَلَى أَقَلِّ وَاجِبِ الشَّرْعِ وَفِي الصَّوْمِ يَوْمٌ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ فَلَا يَلْزَمُهُ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ وَفِي الصَّدَقَةِ مَا يُتَمَوَّلُ شَرْعًا، وَلَا يَتَقَدَّرُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ وَلَا بِنِصْفِ دِينَارٍ، وَإِنَّمَا حَمَلْنَا الْمُطْلَقَ عَلَى أَقَلِّ وَاجِبٍ مِنْ جِنْسِهِ كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَلْزَمُهُ فِي الشَّرِكَةِ.

فَرْعٌ: لَوْ نَذَرَ شَيْئًا كَقَوْلِهِ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَشُفِيَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ نَذَرَ صَدَقَةً أَوْ عِتْقًا أَوْ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا.
قَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِجَمِيعِهَا كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَال: يَجْتَهِدُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ الْجَمِيعَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَاشْتَبَهَ فَيَجْتَهِدُ كَالْأَوَانِي وَالْقِبْلَةِ اهـ. وَهَذَا أَوْجَهُ وَإِنْ لَمْ يُعَلِّقْ النَّذْرَ بِشَيْءٍ وَهُوَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ نَوْعَيْ التَّبَرُّرِ كَقَوْلِهِ ابْتِدَاءً لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ.
لَزِمَهُ مَا الْتَزَمَهُ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَوْ عَلَّقَ النَّذْرَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مَشِيئَةِ زَيْدٍ لَمْ يَصِحَّ.
وَإِنْ شَاءَ زَيْدٌ لِعَدَمِ الْجَزْمِ اللَّائِقِ بِالْقُرَبِ نَعَمْ، إنْ قَصَدَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى التَّبَرُّكَ أَوْ وُقُوعَ حُدُوثِ مَشِيئَةِ زَيْدٍ نِعْمَةً مَقْصُودَةً كَقُدُومِ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: إنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَعَلَيَّ كَذَا.
فَالْوَجْهُ الصِّحَّةُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ

(وَلَا) يَصِحُّ (نَذْرٌ فِي) فِعْلِ (مَعْصِيَةٍ كَقَوْلِهِ إنْ قَتَلْت فُلَانًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا) لِحَدِيثِ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ الْمَارِّ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ

[حاشية البجيرمي]

أَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ فَشُفِيَ جَازَ دَفْعُهُ إلَيْهِ إذَا كَانَ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَكَانَ فَقِيرًا ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَلَا يَتَقَدَّرُ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُقَالُ: كَمَا حَمَلْنَا الصَّلَاةَ عَلَى أَقَلَّ مَا يَجِبُ وَهُوَ رَكْعَتَانِ كَذَلِكَ نَحْمِلُ الصَّدَقَةَ عَلَى أَقَلَّ مَا وَجَبَتْ وَهُوَ إمَّا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ أَوْ نِصْفُ دِينَارٍ.
لِأَنَّهُ أَقَلُّ الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ لِأَنَّ النَّظَرَ لِأَقَلَّ مَا يَجِبُ لَا يَنْحَصِرُ فِيمَا ذُكِرَ بَلْ قَدْ يَكُونُ أَقَلَّ مُتَمَوِّلٍ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ أَقَلَّ مُتَمَوِّلٍ قَدْ يَلْزَمُهُ فِي الشَّرِكَةِ كَمَا إذَا كَانَ نِصَابًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ مِائَتَيْنِ مَثَلًا وَوَجَبَ فِيهِ رُبْعُ الْعُشْرِ فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ أَقَلُّ مُتَمَوِّلٍ.

قَوْلُهُ: (فَشُفِيَ) وَيَحْصُلُ الشِّفَاءُ بِأَنْ يَذْهَبَ أَصْلُ الْمَرَضِ وَيُوجَدَ فِي الْمَرِيضِ بَعْضُ قُوَّةٍ وَعِبَارَةُ س ل وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشِّفَاءِ زَوَالُ الْعِلَّةِ مِنْ أَصْلِهَا وَأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَوْلِ عَدْلَيْ طِبٍّ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ أَوْ مَعْرِفَةِ الْمَرِيضِ وَلَوْ بِالتَّجْرِبَةِ وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ بَقَاءُ أَثَرِهِ مِنْ ضَعْفِ الْحَرَكَةِ وَنَحْوِهِ.
اهـ وَفِي ق ل مَا نَصُّهُ وَيُعْلَمُ الشِّفَاءُ بِقَوْلِ عَدْلٍ رِوَايَةً وَفِي التَّجْرِبَةِ مَا مَرَّ فِي التَّيَمُّمِ وَلَا يَصِحُّ إنْ عَلَّقَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ اهـ. وَلَوْ قَالَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي عَمَّرْت مَسْجِدَ كَذَا أَوْ دَارَ زَيْدٍ أَوْ فَعَلَيَّ أَلْفُ دِينَارٍ فَلَغْوٌ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: الْعِتْقُ يَلْزَمُنِي مَا فَعَلْت كَذَا أَوْ فَعَلْته أَوْ لَا أَفْعَلُهُ أَوْ لَا فَعَلْته إذْ لَا تَعْلِيقَ وَلَا الْتِزَامَ وَالْعِتْقُ لَا يُحْلَفُ بِهِ لَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا م ر: إنْ نَوَى الِالْتِزَامَ تَخَيَّرَ كَنَذْرِ اللَّجَاجِ.
وَلَوْ قَالَ: مَالِي صَدَقَةٌ فَلَغْوٌ وَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَمَالِي صَدَقَةٌ فَكَنَذْرِ اللَّجَاجِ أَوْ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَمَالِي صَدَقَةٌ فَتَبَرُّرٍ فَيَلْزَمُهُ صَرْفُ جَمِيعِ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ وَلَوْ قَالَ: مَالِي طَالِقٌ فَإِنْ نَوَى النَّذْرَ فَكَاللَّجَاجِ وَإِلَّا فَلَغْوٌ وَلَوْ قَالَ: جَعَلْت هَذَا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَحَّ وَصُرِفَ فِي مَصَالِحِ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ مِنْ بِنَاءٍ وَتَرْمِيمٍ وَإِنْ قَالَ: إنْ حَصَلَ لِي كَذَا جِئْت لَهُ بِكَذَا فَلَغْوٌ ق ل اهـ وَقَوْلُهُ: عَمَّرْت مَسْجِدَ كَذَا إلَخْ خَرَجَ بِهِ.
مَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ عِمَارَةُ مَسْجِدِ كَذَا فَتَلْزَمُهُ عِمَارَتُهُ.
وَيَخْرُجُ مِنْ عُهْدَةِ ذَلِكَ بِمَا يُسَمَّى عِمَارَةً لِمِثْلِ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ عُرْفًا.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (كَقَوْلِهِ) أَيْ لَا عَلَى وَجْهِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ الْجَزْمِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ جَمِيعَ النُّذُورِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّعْلِيقِ لَيْسَ فِيهِ جَزْمٌ بِالْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: اللَّائِقُ بِالْقُرَبِ صِفَةً لِلْجَزْمِ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ الْقُرَبَ الْمُعَلَّقَةَ عَلَى شَيْءٍ لَيْسَ فِيهَا جَزْمٌ.
قَوْلُهُ: (نِعْمَةً مَقْصُودَةً) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِقَوْلِهِ: مَشِيئَةً أَيْ قَصْدَ أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ نِعْمَةً مَقْصُودَةً كَأَنْ يَشَاءَ الْعَفْوَ عَنْهُ أَوْ إكْرَامَهُ مَثَلًا كَإِنْ شَاءَ زَيْدٌ فَعَلَيَّ كَذَا وَقَصَدَ التَّعْلِيقَ عَلَى وُقُوعِ حُدُوثِ مَشِيئَةِ زَيْدٍ نِعْمَةً لَهُ.
قَوْلُهُ: (كَقُدُومِ زَيْدٍ) تَنْظِيرٌ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَصِحُّ نَذْرُ إلَخْ) فِيهِ تَغْيِيرُ إعْرَابِ الْمَتْنِ لِأَنَّ نَذْرَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ لَا النَّافِيَةِ لِلْجِنْسِ فَجَعَلَهُ الشَّارِحُ فَاعِلًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ.
فَلَوْ قَالَ كَمَا قَالَ ابْنُ سم الْعَبَّادِيُّ: وَلَا نَذْرَ يَنْعَقِدُ فِي فِعْلِ مَعْصِيَةٍ إلَخْ لَسَلِمَ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (إنْ قَتَلْت فُلَانًا) : مَا لَمْ يَكُنْ قَتْلُهُ قُرْبَةً فَإِنْ كَانَ كَالْحَرْبِيِّ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَا الْتَزَمَ وَهَذَا ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْرَدَ فِي التَّوْشِيحِ) أَيْ عَلَى

اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ إنْ حَنِثَ.
وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ عَنْ خَبَرِ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ وَغَيْرُهُ يَحْمِلُهُ عَلَى نَذْرِ اللَّجَاجِ وَمَحَلُّ عَدَمِ لُزُومِهَا بِذَلِكَ.
كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ: إذَا لَمْ يَنْوِ بِهِ الْيَمِينَ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ آخِرًا.
فَإِنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ لَزِمْته الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ.
تَنْبِيهٌ: أَوْرَدَ فِي التَّوْشِيحِ إعْتَاقَ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ فَإِنَّ الرَّافِعِيَّ حَكَى عَنْ التَّتِمَّةِ أَنَّ نَذْرَهُ مُنْعَقِدٌ إنْ نَفَّذْنَا عِتْقَهُ فِي الْحَالِ أَوْ عِنْدَ أَدَاءِ الْمَالِ.
وَذَكَرُوا فِي الرَّهْنِ أَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى عِتْقِ الْمَرْهُونِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ تَمَّ الْكَلَامَانِ كَانَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ مُنْعَقِدًا، وَاسْتَثْنَى غَيْرُهُ مَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ، صَحَّ النَّذْرُ وَيُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي تَهْذِيبِهِ وَصَرَّحَ بِاسْتِثْنَائِهِ الْجُرْجَانِيِّ فِي إيضَاحِهِ.
وَلَكِنْ جَزَمَ الْمَحَامِلِيُّ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ.
وَرَجَّحَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَكَذَا الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ: إنَّهُ الْأَقْرَبُ وَيَتَأَيَّدُ بِالنَّذْرِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى الصَّحِيحِ.

(وَلَا يَلْزَمُ النَّذْرُ) بِمَعْنًى لَا يَنْعَقِدُ.
(عَلَى تَرْكِ) فِعْلٍ (مُبَاحٍ أَوْ فِعْلِهِ كَقَوْلِهِ: لَا آكُلُ لَحْمًا وَلَا أَشْرَبُ لَبَنًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: «بَيْنَمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ إذْ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ فَسَأَلَ عَنْهُ.
فَقَالُوا: هَذَا أَبُو إسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ.
وَلَا يَتَكَلَّمَ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» . وَفَسَّرَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا الْمُبَاحَ بِمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَرْغِيبٌ وَلَا تَرْهِيبٌ وَزَادَ فِي الْمَجْمُوعِ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَوَى فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ شَرْعًا كَنَوْمٍ وَأَكْلٍ وَسَوَاءٌ أَقَصَدَ بِالنَّوْمِ النَّشَاطَ عَلَى التَّهَجُّدِ وَبِالْأَكْلِ التَّقَوِّي عَلَى الْعِبَادَةِ أَمْ لَا.
وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ كَمَا اخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فَالثَّوَابُ عَلَى الْقَصْدِ لَا الْفِعْلِ.
تَنْبِيهٌ: كَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ التَّعْبِيرَ هُنَا بِنَفْيِ الِانْعِقَادِ الْمَعْلُومِ مِنْهُ.
بِالْأَوْلَى مَا ذُكِرَ وَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ أَنَّ النَّذْرَ بِتَرْكِ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ لَا يَنْعَقِدُ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الزَّوَائِدِ وَالْمَجْمُوعِ وَلَا يَلْزَمُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِالنَّذْرِ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلِهِمْ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَعِبَارَةُ م ر وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صِحَّةُ إعْتَاقِ الرَّاهِنِ الْمُوسِرِ لِأَنَّهُ جَائِزٌ اهـ. وَعَلَيْهِ فَيَنْعَقِدُ نَذْرُهُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحَالِ) بِأَنْ كَانَ مُوسِرًا عِنْدَ النَّذْرِ وَقَوْلُهُ: أَوْ عِنْدَ أَدَاءِ الْمَالِ أَيْ إنْ كَانَ مُعْسِرًا عِنْدَ النَّذْرِ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يَلْغُو النَّذْرُ حِينَئِذٍ وَأَمَّا الْمُوسِرُ فَإِعْتَاقُهُ جَائِزٌ فَيَنْعَقِدُ نَذْرُهُ فَلَا إيرَادَ.
قَوْلُهُ: (لَا يَجُوزُ) أَيْ فِي الْمُعْسِرِ أَمَّا الْمُوسِرُ فَيَجُوزُ لَهُ الْعِتْقُ وَيَكُونُ قِيمَةُ الْعَبْدِ رَهْنًا مَكَانَهُ فَلَمْ يَتِمَّ الْكَلَامَانِ لِعَدَمِ تَوَارُدِهِمَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ انْعِقَادَ النَّذْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُوسِرِ وَعَدَمُ جَوَازِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُعْسِرِ قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَمَّ) : أَيْ سَلِمَ الْكَلَامَانِ أَيْ قَوْلُهُ: إنَّ نَذْرَهُ مُنْعَقِدٌ إلَخْ وَقَوْلُهُ: وَذَكَرُوا إلَخْ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُمَا لَمْ يَتِمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ إعْتَاقَ الرَّاهِنِ الْمُوسِرِ جَائِزٌ وَيَنْعَقِدُ نَذْرُهُ فَقَوْلُهُ: وَذَكَرُوا فِي الرَّهْنِ أَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى عِتْقِ الْمَرْهُونِ لَا يَجُوزُ غَيْرُ تَامٍّ فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ النَّذْرُ فِي الْمَعْصِيَةِ مُنْعَقِدًا.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (مُنْعَقِدًا) بِالنَّصْبِ فِي صِحَاحِ النُّسَخِ وَلَا وَجْهَ لِلرَّفْعِ الْمَوْجُودِ فِي نُسَخٍ إلَّا عَلَى جَعْلِهِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قَوْلُهُ: (وَاسْتَثْنَى غَيْرُهُ) أَيْ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ اسْتِثْنَائِهِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (وَيَتَأَيَّدُ) أَيْ وَيَتَقَوَّى.

قَوْلُهُ: (أَبُو إسْرَائِيلَ) وَاسْمُهُ قَيْصَرُ الْعَامِرِيُّ قَالَهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْعَظِيمِ وَقَالَ الْبَغَوِيّ: اسْمُهُ قُشَيْرٌ وَقِيلَ بَشِيرٌ:.
اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ أَقَصَدَ بِالنَّوْمِ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَا وَصْفُهُ الْإِبَاحَةُ لَا يَكْفِي فِي صِحَّةِ نَذْرِهِ عُرُوضُ الطَّلَبِ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَزَادَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ: لَمْ يَرِدْ فِيهِ إلَخْ يُغْنِي عَنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَشْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ) هُوَ قَصْدُ الْعِبَادَةِ بِالْمُبَاحِ نَحْوُ النَّشَاطِ عَلَى التَّهَجُّدِ بِالنَّوْمِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ) أَيْ النَّذْرُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا اخْتَارَهُ) رَاجِعٌ لِلْمَنْفِيِّ.
قَوْلُهُ: (بِنَفْيِ الِانْعِقَادِ) لِاقْتِضَاءِ نَفْيِ اللُّزُومِ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ التَّخْيِيرَ بَيْنَ مَا الْتَزَمَهُ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَلَيْسَ مُرَادًا.
قَوْلُهُ: (الْمَعْلُومُ مِنْهُ بِالْأَوْلَى مَا ذُكِرَ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ نَفْيِ اللُّزُومِ وَفِي نُسَخٍ مَا ذَكَرَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلْزَمُ عَقْدُ النِّكَاحِ بِالنَّذْرِ) أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَا وَضْعُهُ الْإِبَاحَةُ لَا يَنْعَقِدُ

ابْنُ الْمُقْرِي هُنَا، وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، إنْ كَانَ مَنْدُوبًا وَفِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ أَنَّ قَوْلَ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي إنْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَهَبَك أَلْفًا لَغْوٌ.
لِأَنَّ الْمُبَاحَ لَا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ وَإِنْ كَانَتْ قُرْبَةً فِي نَفْسِهَا إلَّا أَنَّهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَيْسَتْ قُرْبَةً وَلَا مُحَرَّمَةً.
فَكَانَتْ مُبَاحَةً كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمُقْرِي وَالْأَوْجَهُ انْعِقَادُ النَّذْرِ كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ.
وَفِي فَتَاوَى بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ يَصِحُّ نَذْرُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا بِمَا وَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ.
وَيَبْرَأُ الزَّوْجُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَالِمَةً بِالْمِقْدَارِ قِيَاسًا مَا إذَا قَالَ: نَذَرْت لِزَيْدٍ ثَمَرَةَ بُسْتَانِي مُدَّةَ حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْبُلْقِينِيُّ وَقِيَاسًا عَلَى صِحَّةِ وَقْفِ مَا لَمْ يَرَهُ كَمَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ وَتُوبِعَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا أَوْ جِهَةً عَامَّةً.

خَاتِمَةٌ فِيهَا مَسَائِلُ مُهِمَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِالنَّذْرِ: مَنْ نَذَرَ إتْمَامَ نَفْلٍ لَزِمَهُ إتْمَامُهُ أَوْ نَذَرَ صَوْمَ بَعْضِ يَوْمٍ لَمْ يَنْعَقِدْ أَوْ نَذَرَ إتْيَانَ الْحَرَمِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ لَزِمَهُ نُسُكٌ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
أَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إلَيْهِ لَزِمَهُ مَعَ نُسُكٍ مَشْيٌ مِنْ مَسْكَنِهِ، أَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ مَاشِيًا أَوْ عَكْسُهُ لَزِمَهُ مَعَ ذَلِكَ مَشْيٌ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ، فَإِنْ رَكِبَ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ أَجْزَأَهُ وَلَزِمَهُ دَمٌ وَإِنْ رَكِبَ

[حاشية البجيرمي]

نَذْرُهُ إذَا عَرَضَ طَلَبُهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ) هُوَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ حَيْثُ قَالَ: يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ عِنْدَ التَّوَقَانِ وَوُجُوهِ الْأُهْبَةِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ مَنْدُوبًا) بِأَنْ كَانَ تَائِقًا وَوَجَدَ أُهْبَتَهُ.
قَوْلُهُ: (لَغْوٌ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ الصِّحَّةُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمُبَاحَ) كَالْهِبَةِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوْجَهُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَهُوَ مِنْ نَذْرِ اللَّجَاجِ وَقِيلَ: مِنْ نَذْرِ التَّبَرُّرِ.
قَوْلُهُ: (نَذْرُ الْمَرْأَةِ) كَنَذَرْتُ لِزَوْجِي مَا وَجَبَ لِي عَلَيْهِ مِنْ الْحُقُوقِ وَكَأَنَّهَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ ذَلِكَ فَيَبْرَأُ الزَّوْجُ وَيَكُونُ ذَلِكَ حِيلَةً فِي صِحَّةِ الْبَرَاءَةِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمُبْرَأِ وَيُغْتَفَرُ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ مَعْدُومًا وَمَجْهُولًا وَوَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتْرُكَ لِزَوْجِهَا حَقَّهَا فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ نَذْرُهُ أَيْ التَّرْكُ لِإِبَاحَتِهِ فِي حَقِّهَا.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمَوْقُوفُ) أَيْ وَإِذَا كَانَ مُعَيَّنًا فَهُوَ نَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا أَيْ فَيَكُونُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنُ الَّذِي لَمْ يَرَ الْمَوْقُوفُ نَظِيرَ الزَّوْجِ الَّذِي لَمْ يَرَ الْمُبْرَأَ مِنْهُ.

[خَاتِمَةٌ فِيهَا مَسَائِلُ مُهِمَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِالنَّذْرِ]

قَوْلُهُ: (خَاتِمَةٌ) جُمْلَتُهَا سِتَّ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ) أَيْ لَزِمَهُ إتْمَامُهُ إذَا شَرَعَ فِيهِ أَمَّا نَفْسُ النَّفْلِ فَلَا يَلْزَمُهُ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى نَفْلِيَّتِهِ وَفَائِدَةُ نَذْرِ إتْمَامِهِ حُرْمَةُ إبْطَالِهِ فَيُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ النَّفْلِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْحَرَمِ وَكَذَا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ أَجْزَاءِ مَكَّةَ كَدَارِ الْعَبَّاسِ.
اهـ. ق ل قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: لِأَنَّ مُطْلَقَ كَلَامِ النَّاذِرِينَ يُحْمَلُ عَلَى مَا ثَبَتَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ يُحْمَلُ عَلَى الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ لَا الدُّعَاءِ، وَالْمَعْهُودُ فِي الشَّرْعِ قَصْدُ الْكَعْبَةِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَحُمِلَ النَّذْرُ عَلَيْهِ سم.
وَقَالَ الزِّيَادِيُّ: لِأَنَّ ذِكْرَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ أَوْ جُزْءٍ مِنْ الْحَرَمِ صَارَ مَوْضُوعًا شَرْعًا عَلَى الْتِزَامِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ اهـ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَزِمَهُ نُسُكٌ وَإِنْ نَفَى ذَلِكَ فِي نَذْرِهِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر بِأَنْ قَالَ: بِلَا حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَيَلْغُو النَّفْيُ قَالَ ع ش عَلَى م ر وَقَوْلُهُ: وَإِنْ نَفَى ذَلِكَ فِي نَذْرِهِ بِخِلَافِ مَنْ نَذَرَ التَّضْحِيَةَ بِشَاةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلَى أَنْ لَا يُفَرِّقَ لَحْمَهَا فَإِنَّ النَّذْرَ يَلْغُو وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ النَّذْرَ وَالشَّرْطَ هُنَا تَضَادَّا فِي مُعَيَّنٍ وَاحِدٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِاقْتِضَاءِ الْأَوَّلِ خُرُوجَهَا عَنْ مِلْكِهِ بِمُجَرَّدِ النَّذْرِ وَالثَّانِي بَقَاءَهَا فِي مِلْكِهِ بَعْدَ النَّذْرِ بِخِلَافِهِمَا ثَمَّ فَإِنَّهُمَا لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى شَيْءٍ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ غَيْرُ النُّسُكِ فَلَمْ يُضَادَّ نَفْيُهُ الْإِتْيَانَ.
اهـ. حَجّ بِحُرُوفِهِ وَمِثْلُهُ.
وَفِي ق ل قَالَ ز ي: وَمَنْ نَذَرَ إتْيَانَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهُوَ دَاخِلَ الْحَرَمِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ كَمَا بَحَثَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَلَهُ احْتِمَالٌ بِاللُّزُومِ وَهُوَ الْمُتَّجِهُ لِأَنَّ ذِكْرَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ أَوْ جُزْءٍ مِنْ الْحَرَمِ فِي النَّذْرِ صَارَ مَوْضُوعًا شَرْعًا عَلَى الْتِزَامِ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وَمَنْ بِالْحَرَمِ يَصِحُّ نَذْرُهُ لَهُمَا فَيَلْزَمُهُ هُنَا أَحَدُهُمَا وَإِنْ نَذَرَ ذَلِكَ وَهُوَ فِي الْكَعْبَةِ أَوْ الْمَسْجِدِ حَوْلَهَا اهـ. وَلَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ مَثَلًا إلَى عَرَفَاتٍ فَإِنْ نَوَى الْحَجَّ مَثَلًا لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا.
اهـ. ق ل. لِأَنَّ عَرَفَاتٍ: لَيْسَتْ مِنْ الْحَرَمِ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ مَعَ نُسُكٍ مَشْيٌ) وَالثَّانِي لَهُ الرُّكُوبُ كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ قَاعِدًا فَلَهُ الْقِيَامُ.
وَفُرِّقَ بِأَنَّ مَا هُنَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ بِالْمَالِ وَبِأَنَّ الْمَنْذُورَ هُنَا وَصْفٌ وَذَاكَ جُزْءٌ فَهُوَ كَإِجْزَائِهِ عَنْ شَاةٍ مَنْذُورَةٍ ق ل. قَوْلُهُ: (مِنْ مَسْكَنِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمَشْيِ لَا بِالنُّسُكِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ) كَذَا فِي خَطِّ الشَّارِحِ وَسَقَطَ مِنْهُ لَفْظُ مَاشِيًا سَهْوًا وَقَوْلُهُ: أَوْ عَكْسُهُ أَيْ نَذَرَ يَمْشِي حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا كَذَا فِي

بِعُذْرٍ وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا فِي وَقْتٍ فَفَاتَهُ وَلَوْ بِعُذْرٍ.
وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ وَلَوْ نَذَرَ إهْدَاءَ شَيْءٍ إلَى الْحَرَمِ لَزِمَهُ حَمْلُهُ إلَيْهِ إنْ سَهُلَ.
وَلَزِمَهُ صَرْفُهُ بَعْدَ ذَبْحِ مَا يُذْبَحُ مِنْهُ لِمَسَاكِينِهِ.
أَمَّا إذَا لَمْ يَسْهُلْ حَمْلُهُ كَعَقَارٍ فَيَلْزَمُهُ حَمْلُ ثَمَنِهِ إلَى الْحَرَمِ.

وَلَوْ نَذَرَ تَصَدُّقًا بِشَيْءٍ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ مُعَيَّنٍ لَزِمَهُ صَرْفُهُ لِمَسَاكِينِهِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً قَاعِدًا جَازَ فِعْلُهَا قَائِمًا لِإِتْيَانِهِ بِالْأَفْضَلِ لَا عَكْسُهُ وَلَوْ نَذَرَ عِتْقًا أَجْزَأَهُ رَقَبَةٌ وَلَوْ نَاقِصَةً بِكُفْرٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ نَذَرَ عِتْقَ نَاقِصَةٍ أَجْزَأَهُ رَقَبَةٌ كَامِلَةٌ، فَإِنْ عَيَّنَ نَاقِصَةً كَأَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ هَذَا الرَّقِيقِ الْكَافِرِ.
تَعَيَّنَتْ وَلَوْ نَذَرَ زَيْتًا أَوْ شَمْعًا لِإِسْرَاجِ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ وَقَفَ مَا يَشْتَرِيَانِ بِهِ مِنْ غَلَّتِهِ صَحَّ كُلٌّ مِنْ النَّذْرِ وَالْوَقْفِ، وَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ أَوْ غَيْرَهُ مَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ نَحْوِ مُصَلٍّ أَوْ نَائِمٍ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ.
وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَفْضَلِ الْأَوْقَاتِ، فَقِيَاسُ مَا قَالُوهُ فِي الطَّلَاقِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ أَوْ فِي

[حاشية البجيرمي]

الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ رَكِبَ) أَيْ حَيْثُ لَزِمَهُ الْمَشْيُ وَالْمُرَادُ بِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِ نُزُولِهِ أَوْ ذَهَابِهِ لِنَحْوِ اسْتِقَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ الرُّكُوبُ يَسِيرًا وَالْمُرَادُ لَمْ يَمْشِ وَلَوْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُقَلْ لَهُ أَنَّهُ رَاكِبٌ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَاشٍ وَهُوَ مُرَادُهُ بِالرُّكُوبِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَمْشِ فَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَوْلَى ح ل بِزِيَادَةٍ فِي ق ل فَرْعٌ هَلْ مِنْ الرُّكُوبِ السَّفِينَةُ؟ تَرَدَّدَ فِيهِ شَيْخُنَا.
وَمَالَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رُكُوبًا عُرْفًا إذْ لَا يَحْنَثُ بِهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ وَفِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْمَنْذُورَ هُنَا الْمَشْيُ وَهَذَا لَا يُسَمَّى مَشْيًا اتِّفَاقًا وَأَمَّا ثَانِيًا فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالرُّكُوبِ هُنَا مَا يُقَابِلُ الْمَشْيَ وَهَذَا مِمَّا يُقَابِلُهُ قَطْعًا مَعَ أَنَّ كَوْنَ رُكُوبِ السَّفِينَةِ لَا يُسَمَّى رُكُوبًا عُرْفًا فِيهِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ [هود: 41] فَإِنْ قِيلَ: لَا يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ، قُلْنَا: يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ رُكُوبُ نَحْوِ غَزَالٍ وَقِرْدٍ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَلَزِمَ دَمٌ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَكَرَّرَ الدَّمُ بِتَكَرُّرِ الرُّكُوبِ قِيَاسًا عَلَى اللُّبْسِ بِأَنْ يَتَخَلَّلَ بَيْنَ الرُّكُوبَيْنِ مَشْيٌ قَالَهُ ع ش عَلَى م ر وَفِي ق ل مَا نَصُّهُ: وَلَا يَتَعَدَّدُ الدَّمُ بِتَعَدُّدِ الرُّكُوبِ.
إلَّا إنْ تَخَلَّلَهُ مَشْيٌ لَا فِي نَحْوِ حَطٍّ وَتَرْحَالٍ وَنُزُولٍ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ وَهَكَذَا وَمَتَى فَسَدَ نُسُكُهُ سَقَطَ عَنْهُ وُجُوبُ الْمَشْيِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ الْمُجْزِئُ عَنْ النَّذْرِ قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ فِي الْقَضَاءِ فِي مَحَلٍّ رَكِبَ فِيهِ فِي الْأَصْلِ وَإِلَّا فَلَا وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ رَكِبَ بِعُذْرٍ) غَايَةً وَمَحَلُّ لُزُومِ الدَّمِ إنْ عَرَضَ الْعَجْزُ بَعْدَ النَّذْرِ وَإِلَّا كَأَنْ نَذَرَهُ وَهُوَ عَاجِزٌ فَإِنَّهُ وَإِنْ صَحَّ نَذْرُهُ لَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ وَلَا الدَّمُ إذَا رَكِبَ وَفَائِدَةُ انْعِقَادِ نَذْرِهِ احْتِمَالُ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى الْمَشْيِ بَعْدَ ذَلِكَ.
اهـ. س ل مَعَ زِيَادَةِ قَوْلِهِ: (صَلَاةً أَوْ صَوْمًا) أَيْ أَوْ غَيْرَهُمَا.

[فَرْعٌ النَّذْرُ لِلْكَعْبَةِ]

ِ إنْ نَوَى النَّاذِرُ شَيْئًا اُتُّبِعَ كَسَتْرٍ وَطِيبٍ وَإِلَّا صُرِفَ لِمَصَالِحِهَا، مِنْ كِسْوَةٍ وَنَحْوِهَا.
حَتَّى نَحْوِ الشَّمْعِ وَالزَّيْتِ فَيُصْرَفُ لِمَصَالِحِهَا إنْ لَمْ يُحْتَجْ لِلْإِسْرَاجِ بِهِ قَوْلُهُ: (أَوْ شَمْعًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَيَجُوزُ إسْكَانُهَا.
قَوْلُهُ: (مَا) أَيْ شَيْئًا كَعَقَارٍ وَقَوْلُهُ: يَشْتَرِيَانِ أَيْ الزَّيْتَ وَالشَّمْعَ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ الشَّيْءِ أَيْ بِغَلَّتِهِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: مِنْ غَلَّتِهِ وَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ: بِغَلَّتِهِ لِيَكُونَ بَدَلًا مِنْ الضَّمِيرِ فِي بِهِ لَكَانَ أَوْلَى إلَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ بِمَعْنَى الْبَاءِ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ بَدَلٌ مِنْ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إلَخْ) وَإِنْ قَصَدَ بِهِ وَهُوَ الْغَالِبُ مِنْ الْعَامَّةِ تَعْظِيمُ الْبُقْعَةِ وَالْقَبْرِ وَالتَّقَرُّبُ إلَى مَنْ دُفِنَ فِيهَا أَوْ نُسِبَ إلَيْهِ فَهَذَا نَذْرٌ بَاطِلٌ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ لِهَذِهِ الْأَمَاكِنِ خُصُوصِيَّاتٍ لِأَنْفُسِهِمْ وَيَرَوْنَ أَنَّ النَّذْرَ لَهَا مِمَّا يَنْدَفِعُ بِهِ الْبَلَاءُ.
اهـ. شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ) فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ مَالِكِهِ لَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ مَنْ دَفَعَهُ لَهُ فَإِنْ مَاتَ دَفَعَ لِوَارِثِهِ إنْ عَلِمَ وَإِلَّا صَارَ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ إنْ لَمْ يَتَوَقَّعْ مَعْرِفَتُهُ وَإِلَّا وَجَبَ حِفْظُهُ حَتَّى يُدْفَعَ لَهُ.
قَوْلُهُ: (فَقِيَاسُ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَبَرٌ أَيْ فَيُصَلِّي فِي لَيَالِي الْعَشْرِ كُلِّهَا حَتَّى يَبْرَأَ بِيَقِينٍ.
وَصُورَةُ الطَّلَاقِ أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَفْضَلِ الْأَوْقَاتِ فَتَطْلُقُ بِمُضِيِّ رَمَضَانَ وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُنْفَرِدًا قَالَ م ر: صَحَّ نَذْرُهُ لِأَنَّ صَوْمَهُ عِبَادَةٌ وَإِنَّمَا الْكَرَاهَةُ فِي إفْرَادِهِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ أُسْبُوعٍ ثُمَّ نَسِيَهُ صَامَ آخِرَ يَوْمٍ وَهُوَ: الْجُمُعَةُ فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَنْذُورُ وَقَعَ أَدَاءً

أَحَبِّ الْأَوْقَاتِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الزَّرْكَشِيّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ نَذْرُهُ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي الصِّحَّةُ وَيَكُونُ كَنَذْرِهِ فِي أَفْضَلِ الْأَوْقَاتِ وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ بِعِبَادَةٍ لَا يُشْرِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ.
فَقِيلَ: يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَحْدَهُ، وَقِيلَ يُصَلِّي دَاخِلَ الْبَيْتِ وَحْدَهُ، وَقِيلَ يَتَوَلَّى الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى وَيَنْبَغِي أَنْ يَكْفِيَ وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ وَمَا وَرَدَ بِهِ مِنْ أَنَّ الْبَيْتَ لَا يَخْلُو عَنْ طَائِفٍ مِنْ مَلَكٍ أَوْ غَيْرِهِ مَرْدُودٌ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِمَا فِي ظَاهِرِ الْحَالِ، وَذَكَرْت فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ هُنَا فُرُوعًا مُهِمَّةً لَا يَحْتَمِلُهَا هَذَا الْمُخْتَصَرُ فَمَنْ أَرَادَهَا فَلْيُرَاجِعْهَا فِي ذَلِكَ.

[حاشية البجيرمي]

وَإِلَّا فَقَضَاءً وَالْكَرَاهَةُ خَاصَّةً بِالنَّفْلِ وَهَذَا فَرْضٌ.
اهـ. ز ي. قَوْلُهُ: (وَقِيلَ يَتَوَلَّى الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى) أَيْ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدًا فَإِذَا قَامَ بِهِ وَاحِدٌ فَقَدْ انْفَرَدَ بِعِبَادَةٍ هِيَ أَعْظَمُ الْعِبَادَاتِ وَعَلَيْهِ قَوْلُ سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: 35] فَإِنَّهُ انْفَرَدَ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ وَهِيَ الْقِيَامُ بِمَصَالِحِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَغَيْرِهِمَا اهـ تَجْرِيدٌ اهـ خ ض. فَائِدَةٌ: قَدْ اخْتَلَفَ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ مِنْ الْعُلَمَاء فِي نَذْرِ مَنْ اقْتَرَضَ شَيْئًا لِمُقْرِضِهِ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا مَا دَامَ دَيْنُهُ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ فِي ذِمَّتِهِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الْخَاصِّ غَيْرَ قُرْبَةٍ بَلْ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى رِبَا النَّسِيئَةِ.
وَهُوَ تَأْخِيرُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ وَأَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ، إلَى صِحَّتِهِ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةِ رِبْحِ الْمُقْرِضِ أَوْ انْدِفَاعِ نِقْمَةِ الْمُطَالَبَةِ إنْ احْتَاجَ لِبَقَائِهِ فِي ذِمَّتِهِ لِارْتِفَاقٍ وَنَحْوِهِ وَلِأَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمُقْتَرِضِ رَدُّ زِيَادَةٍ مِمَّا اقْتَرَضَهُ فَإِذَا الْتَزَمَهَا ابْتِدَاءً بِالنَّذْرِ لَزِمَتْهُ فَهُوَ حِينَئِذٍ مُكَافَأَةُ إحْسَانٍ لَا وَصْلَةٌ لِلرِّبَا إذْ هُوَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي عَقْدٍ كَبَيْعٍ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ النَّذْرَ فِي عَقْدِ الْقَرْضِ كَانَ رِبًا وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَالِ الْيَتِيمِ وَغَيْرِهِ وَلَا وَجْهَ لَهُ شَرْحُ م ر. قَالَ ع ش: عَلَيْهِ مَحَلُّ الصِّحَّةِ حَيْثُ نَذَرَ لِمَنْ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ لَهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَذَرَ لِأَحَدِ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ فَلَا يَنْعَقِدُ لِحُرْمَةِ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ كَالزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ عَلَيْهِمْ اهـ. وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: مَا دَامَ مَبْلَغُ الْقَرْضِ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ دَفَعَ الْمُقْتَرِضُ شَيْئًا مِنْهُ بَطَلَ حُكْمُ النَّذْرِ لِانْقِطَاعِ الدَّيْمُومَةِ شَرْحُ م ر. وَمَرَّ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ شَيْئًا لِذِمِّيٍّ أَوْ مُبْتَدِعٍ وَمِثْلُهُ مُرْتَكِبُ كَبِيرَةٍ جَازَ صَرْفُهُ لِمُسْلِمٍ أَوْ سُنِّيٍّ وَعَلَيْهِ فَلَوْ اقْتَرَضَ مِنْ ذِمِّيٍّ وَنَذَرَ لَهُ شَيْئًا مَا دَامَ دَيْنُهُ فِي ذِمَّتِهِ انْعَقَدَ نَذْرُهُ لَكِنْ يَجُوزُ دَفْعُهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَتَفَطَّنْ لَهُ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ اقْتَرَضَ الذِّمِّيُّ مِنْ مُسْلِمٍ وَنَذَرَ لَهُ شَيْئًا مَا دَامَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ.
فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ شَرْطَ النَّاذِرِ الْإِسْلَامُ اهـ. قَالَ الشَّيْخُ س ل: فَإِذَا دَفَعَ النَّاذِرُ مُدَّةً ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ الذِّمِّيَّ دَفَعَهُ مِنْ أَصْلِ الْمَالِ الْمُقْرَضِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَبَقِيَ النَّذْرُ بِذِمَّتِهِ اهـ. وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر وَلَوْ دَفَعَ لِلْمُقْرِضِ مَالًا مُدَّةً وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ حَالَ الْإِعْطَاءِ أَنَّهُ عَنْ الْقَرْضِ وَلَا عَنْ النَّذْرِ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ ادَّعَى أَنَّهُ نَوَى دَفْعَهُ عَنْ الْقَرْضِ قُبِلَ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ يَسْتَغْرِقُ الْقَرْضَ سَقَطَ حُكْمُ النَّذْرِ مِنْ حِينَئِذٍ وَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِمُقْتَضَى النَّذْرِ إلَى بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ ذَكَرَ حَالَ الدَّفْعِ أَنَّهُ عَنْ النَّذْرِ فَلَا يُقْبَلُ دَعْوَاهُ بَعْدَ أَنَّهُ قَصَدَ غَيْرَهُ وَكَاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ عَنْ نَذْرِ الْقَرْضِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ كِتَابَةِ الْوُصُولَاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أَنَّ الْمَأْخُوذَ عَنْ نَذْرِ الْقَرْضِ حَيْثُ اعْتَرَفَ حَالَ كِتَابَتِهَا أَوْ بَعْدَهَا بِمَا فِيهَا فَافْهَمْ اهـ.

كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ الْأَقْضِيَةُ جَمْعُ قَضَاءٍ بِالْمَدِّ كَقَبَاءٍ وَأَقْبِيَةٍ وَهُوَ لُغَةً إمْضَاءُ الشَّيْءِ وَإِحْكَامُهُ وَشَرْعًا فَصْلُ الْخُصُومَةِ بَيْنَ خَصْمَيْنِ فَأَكْثَرَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَالشَّهَادَاتُ جَمْعُ شَهَادَةٍ وَهِيَ إخْبَارٌ عَنْ شَيْءٍ بِلَفْظٍ خَاصٍّ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا.
وَالْأَصْلُ فِي الْقَضَاءِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] وَأَخْبَارٌ كَخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ» وَفِي رِوَايَةٍ: «فَلَهُ عَشْرَةُ أُجُورٍ» قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَعْنِي الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَاكِمٍ عَالِمٍ أَهْلٍ لِلْحُكْمِ، إنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ بِاجْتِهَادِهِ وَإِصَابَتِهِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرَ فِي اجْتِهَادِهِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ أَمَّا مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْحُكْمِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ، وَإِنْ حَكَمَ فَلَا أَجْرَ لَهُ بَلْ هُوَ آثِمٌ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ سَوَاءٌ أَوَافَقَ الْحَقَّ أَمْ لَا لِأَنَّ إصَابَتَهُ اتِّفَاقِيَّةٌ، لَيْسَتْ صَادِرَةً عَنْ أَصْلٍ شَرْعِيٍّ فَهُوَ عَاصٍ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ سَوَاءٌ أَوَافَقَ الصَّوَابَ أَمْ لَا.
وَهِيَ مَرْدُودَةٌ كُلُّهَا وَلَا يُعْذَرُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ رَوَى الْأَرْبَعَةُ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي

[حاشية البجيرمي]

[كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ]

ِ أَخَّرَهَا الْمُصَنِّفُ إلَى هُنَا لِأَنَّهَا تَجْرِي فِي جَمِيعِ مَا قَبْلَهَا مِنْ مُعَامَلَاتٍ وَغَيْرِهَا وَقَدَّمَ الْأَيْمَانَ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى الْيَمِينِ قَوْلُهُ جَمْعُ قَضَاءٍ وَأَصْلُهُ قَضَايٌ وَقَعَتْ الْيَاءُ مُتَطَرِّفَةً إثْرَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ فَقُلِبَتْ هَمْزَةً وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ جَمْعُهُ عَلَى أَقْضِيَةٍ لِأَنَّ الْجَمْعَ يَرُدُّ الْأَشْيَاءَ إلَى أُصُولِهَا وَلِذَا تَقُولُ قَضَيْت بِكَذَا قَوْلُهُ إمْضَاءُ الشَّيْءِ وَإِحْكَامُهُ عَطْفٌ مُغَايِرٌ لِأَنَّ الْإِمْضَاءَ التَّنْفِيذُ وَالْإِحْكَامَ الْإِتْقَانُ وَالْمُرَادُ إحْكَامُ الشَّيْءِ أَيْ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ عُرْفِيٍّ فَيَكُونُ أَعَمَّ مِنْ الشَّرْعِيِّ الْآتِي عَلَى الْقَاعِدَةِ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إمْضَاءُ الشَّيْءِ أَيْ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَعَانِيهِ وَيُطْلَقُ عَلَى الْوَحْيِ وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا.
قَوْلُهُ: (فَصْلُ الْخُصُومَةِ) عِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ عَلَى الْمَنْهَجِ وَشَرْعًا الْوِلَايَةُ الْآتِيَةُ وَالْحُكْمُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهَا أَوْ إلْزَامُ مَنْ لَهُ الْإِلْزَامُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ وَيَحْتَاجُ الْقَضَاءُ إلَى مُوَلٍّ وَمُتَوَلٍّ وَمُوَلَّى عَلَيْهِ وَمَحَلُّ وِلَايَةٍ وَصِيغَةٍ وَتُسَمَّى أَرْكَانًا اهـ. قَوْلُهُ: (بِلَفْظٍ خَاصٍّ) هَذَا التَّعْرِيفُ بِالْأَعَمِّ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الدَّعْوَى وَالْإِقْرَارَ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَزِيدَ لِغَيْرِهِ عَلَى غَيْرِهِ قَوْلُهُ: (بِالْقِسْطِ) أَيْ الْعَدْلِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْجَوْرِ وَلَيْسَ مُرَادًا.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ عَشَرَةُ أُجُورٍ) لَا يُنَافِي مَا قَبْلَهُ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِالْقَلِيلِ لَا يُنَافِي الْكَثِيرَ وَلِجَوَازِ أَنَّهُ أَعْلَمَ أَوَّلًا بِالْأَجْرَيْنِ فَأَخْبَرَ بِهِمَا ثُمَّ بِالْعَشَرَةِ فَأَخْبَرَ بِهَا أَوْ أَنَّ الْأَجْرَيْنِ يُسَاوِيَانِ الْعَشَرَةَ.
فَإِنْ قُلْت: الْعَشَرَةُ يَصِحُّ أَنْ تُجْعَلَ أَجْرًا وَاحِدًا وَاثْنَيْنِ فَمَا بَالُهُ جَعَلَهَا عَشَرَةً.
قُلْت: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَنْوَاعًا مِنْ الثَّوَابِ مُخْتَلِفَةً يَبْلُغُ عَدَدُهَا هَذَا الْمِقْدَارَ فَنَبَّهَ بِذِكْرِ هَذَا الْعَدَدِ عَلَى ذَلِكَ قَالَهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْوَرَقَاتِ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ رَوَى الْأَرْبَعَةُ) وَهُمْ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُد، وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ: أَعْنِي أَبَا دَاوُد ثُمَّ التِّرْمِذِيّ ... وَالنَّسَائِيَّ وَابْنَ مَاجَهْ فَاحْتَذِي وَإِذَا قِيلَ أَصْحَابُ الْكُتُبِ السِّتَّةِ زِيدَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةٌ) وَجْهُ الْحَصْرِ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَارِفًا أَوْ لَا

الْجَنَّةِ.
فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ وَقَضَى بِهِ، وَاَللَّذَانِ فِي النَّارِ رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ» وَالْقَاضِي الَّذِي يَنْفُذُ حُكْمُهُ، هُوَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ لَا اعْتِبَارَ بِحُكْمِهِمَا.
وَتَوَلِّي الْقَضَاءِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي حَقِّ الصَّالِحِينَ لَهُ فِي نَاحِيَةٍ.
أَمَّا تَوْلِيَةُ الْإِمَامِ لِأَحَدِهِمْ فَفَرْضُ عَيْنٍ عَلَيْهِ.
فَمَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِي نَاحِيَةٍ لَزِمَهُ طَلَبُهُ، وَلَزِمَهُ قَبُولُهُ

(وَلَا يَجُوزُ) وَلَا يَصِحُّ (أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ) الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ (إلَّا مَنْ اسْتَكْمَلَ فِيهِ) بِمَعْنَى

[حاشية البجيرمي]

وَالْعَارِفُ إمَّا أَنْ يَحْكُمَ بِالْحَقِّ أَوْ يَعْدِلَ عَنْهُ، فَإِنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَعَمِلَ بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ عَرَفَهُ وَحَكَمَ بِالْبَاطِلِ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ الْحَقَّ مِنْ الْبَاطِلِ فَقَضَى عَلَى جَهْلٍ فَهُمَا فِي النَّارِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ فَضِيلَةِ مَنْ دَخَلَ فِي الْقَضَاءِ عَارِفًا بِالْحَقِّ فَقَضَى بِهِ.
وَالْحَثُّ عَلَى تَرْكِ الدُّخُولِ فِيهِ لِعِظَمِ دُخُولِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنِّي مَا اخْتَرْته وَلَا اسْتَحْسَنْته بَلْ امْتَنَعْتُ مِنْ الدُّخُولِ فِيهِ فِي زَمَنِ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَعَ الطَّلَبِ الْحَثِيثِ وَمَعَ قَوْلِ السُّلْطَانِ: وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ وَاَللَّهِ إنْ قَبِلْته رَكِبْت مَعَك إلَى بَيْتِك فَأَعَانَنِي اللَّهُ عَلَى تَرْكِهِ ثُمَّ طُلِبْتُ فِي زَمَنٍ آخَرَ فَغَلَبَ اخْتِيَارُ رَبِّي عَلَى اخْتِيَارِي فَدَخَلْت فِيهِ إلَى أَنَّ قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيَّ بِمَا يَتَضَمَّنُ خَيْرًا إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْأَعْلَامِ.
وَكَانَ الْقُضَاةُ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ ثَلَاثَةً فَمَاتَ أَحَدُهُمْ فَوُلِّيَ مَكَانَهُ غَيْرُهُ ثُمَّ قَضَوْا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقْضُوا ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ مَلَكًا يَمْتَحِنُهُمْ فَوَجَدَ رَجُلًا يَسْقِي بَقَرَةً عَلَى مَاءٍ وَخَلْفَهَا عِجْلَةٌ فَدَعَاهَا الْمَلَكُ وَهُوَ رَاكِبٌ فَرَسًا فَتَبِعَتْهَا الْعِجْلَةُ فَتَخَاصَمَا فَقَالَا بَيْنَنَا الْقَاضِي فَجَاءَا إلَى الْقَاضِي الْأَوَّلِ فَدَفَعَ إلَيْهِ الْمَلَكُ دُرَّةً كَانَتْ مَعَهُ وَقَالَ لَهُ: اُحْكُمْ بِأَنَّ الْعِجْلَةَ لِي قَالَ: بِمَاذَا؟ قَالَ: أَرْسِلْ الْفَرَسَ وَالْبَقَرَةَ وَالْعِجْلَةَ فَإِنْ تَبِعَتْ الْفَرَسَ فَهِيَ لِي فَأَرْسَلَهَا فَتَبِعَتْ الْفَرَسَ فَحَكَمَ لَهُ بِهَا وَأَتَيَا إلَى الْقَاضِي الثَّانِي فَحَكَمَ لَهُ كَذَلِكَ وَأَخَذَ دُرَّةً وَأَمَّا الْقَاضِي الثَّالِثُ فَدَفَعَ لَهُ الْمَلَكُ دُرَّةً وَقَالَ لَهُ: اُحْكُمْ لِي بِهَا فَقَالَ: إنِّي حَائِضٌ فَقَالَ الْمَلَكُ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَيَحِيضُ الذَّكَرُ فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي: سُبْحَانَ اللَّهِ أَتَلِدُ الْفَرَسُ بَقَرَةً وَحَكَمَ بِهَا لِصَاحِبِهَا ذَكَرَهُ الشَّبْرَخِيتِيُّ عَلَى الْأَرْبَعِينَ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ وَلِيَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَإِنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عَجَّ حَجَرٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ: إلَهِي وَسَيِّدِي عَبَدْتُك كَذَا وَكَذَا سَنَةً ثُمَّ جَعَلَتْنِي فِي أُسِّ كَنِيفٍ فَقَالَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ عَدَلْت بِك عَنْ مَجَالِسِ الْقُضَاةِ» رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ.
قَوْلُهُ: (وَتَوَلِّي الْقَضَاءِ فَرْضُ كِفَايَةٍ) بَلْ هُوَ أَفْضَلُ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ حَتَّى ذَهَبَ الْغَزَالِيُّ إلَى تَفْضِيلِهِ عَلَى الْجِهَادِ لِلْإِجْمَاعِ مَعَ الِاضْطِرَارِ إلَيْهِ لِأَنَّ طِبَاعَ الْبَشَرِ مَجْبُولَةٌ عَلَى النِّظَامِ وَقَلَّ مَنْ يُنْصِفُ مِنْ نَفْسِهِ وَالْإِمَامُ الْأَعْظَمُ مُشْتَغِلٌ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ فَوَجَبَ مَنْ يَقُومُ بِهِ شَرْحُ م ر. وَاعْلَمْ أَنَّ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ تَعْتَرِيهِ الْأَحْكَامُ إلَّا الْإِبَاحَةَ فَيَجِبُ إذَا تَعَيَّنَ فِي النَّاحِيَةِ وَيَنْدُبُ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ وَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ فَيُسَنُّ لَهُ حِينَئِذٍ طَلَبُهُ وَقَبُولُهُ وَيُكْرَهُ إنْ كَانَ مَفْضُولًا وَلَمْ يَمْتَنِعْ الْأَفْضَلُ وَيَحْرُمُ بِعَزْلِ صَالِحٍ وَلَوْ مَفْضُولًا وَتَبْطُلُ عَدَالَةُ الطَّالِبِ وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ وَشَرْحُهُ وَحَرُمَ عَلَى الصَّالِحِ لِلْقَضَاءِ طَلَبٌ لَهُ وَبَذْلُ مَالٍ لِعَزْلِ قَاضٍ صَالِحٍ لَهُ وَلَوْ كَانَ دُونَهُ وَبَطَلَتْ بِذَلِكَ عَدَالَتُهُ فَلَا تَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ وَالْمَعْزُولُ بِهِ عَلَى قَضَائِهِ، حَيْثُ لَا ضَرُورَةَ لِأَنَّ الْعَزْلَ بِالرِّشْوَةِ حَرَامٌ وَتَوْلِيَةُ الْمُرْتَشِي لِلرَّاشِي حَرَامٌ اهـ بِحُرُوفِهِ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ «مَنْ اسْتَعْمَلَ عَامِلًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ غَيْرَهُ أَفْضَلُ مِنْهُ» وَفِي رِوَايَةٍ «رَجُلًا عَلَى عِصَابَةٍ وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ» اهـ وَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ مَنْ تَوَلَّى أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَرْعِيًّا كَنَصْبِ مَشَايِخِ الْأَسْوَاقِ وَالْبُلْدَانِ وَنَحْوِهَا اهـ قَوْلُهُ: (فِي حَقِّ الصَّالِحِينَ) الْمُرَادُ بِالْجَمْعِ مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ فِي حَقِّ الْوَاحِدِ فَرْضُ عَيْنٍ.
قَوْلُهُ: (فِي نَاحِيَةٍ) أَيْ مَسَافَةَ عَدْوَى دُونَ مَا زَادَ فَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ وَلَا طَلَبُهُ فِيهِ لِأَنَّ عَمَلَ الْقَضَاءِ لَا آخِرَ لَهُ فَفِيهِ تَعْذِيبٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْوَطَنِ بِالْكُلِّيَّةِ نَعَمْ إنْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ لِذَلِكَ الْمَحَلِّ الْبَعِيدِ وَلَمْ يَكُنْ بِهِ وَلَا بِقُرْبِهِ مَنْ يَصْلُحُ لَزِمَهُ قَبُولُهُ، امْتِثَالًا لِأَمْرِ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ طَلَبُهُ) وَلَوْ بِبَذْلِ مَالٍ وَإِنْ حَرُمَ أَخْذُهُ مِنْهُ فَالْإِعْطَاءُ جَائِزٌ وَالْأَخْذُ حَرَامٌ وَالْمُرَادُ بَذْلُ مَالٍ زَائِدٍ عَلَى مَا يَكْفِيهِ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ فِيمَا يَظْهَرُ حَجّ وم ر قَالَ ع ش عَلَى م ر: وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَثُرَ الْمَالُ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي صَرَّحُوا بِسُقُوطِ الْوُجُوبِ حَيْثُ طُلِبَ مِنْهُ مَالٌ وَإِنْ قَلَّ أَنَّ الْقَضَاءَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَوَجَبَ بَذْلُهُ لِلْقِيَامِ بِتِلْكَ الْمَصْلَحَةِ وَلَا

اجْتَمَعَ فِيهِ (خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا خَصْلَتَيْنِ عَلَى ضَعِيفٍ وَسَكَتَ عَنْ خَصْلَتَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَتَعْرِفُ ذَلِكَ.
الْأُولَى (الْإِسْلَامُ) فَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ كَافِرٍ وَلَوْ عَلَى كُفَّارٍ وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ نَصْبِ شَخْصٍ مِنْهُمْ لِلْحُكْمِ بَيْنَهُمْ فَهُوَ تَقْلِيدُ رِيَاسَةٍ وَزَعَامَةٍ لَا تَقْلِيدُ حُكْمٍ وَقَضَاءٍ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
(وَ) الثَّانِيَةُ (الْبُلُوغُ وَ) الثَّالِثَةُ (الْعَقْلُ) . فَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ غَيْرِ مُكَلَّفٍ لِنَقْصِهِ.
(وَ) الرَّابِعَةُ (الْحُرِّيَّةُ) فَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ رَقِيقٍ وَلَوْ مُبَعَّضًا لِنَقْصِهِ.
(وَ) الْخَامِسَةُ (الذُّكُورِيَّةُ) فَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ امْرَأَةٍ وَلَا خُنْثَى مُشْكِلٌ أَمَّا الْخُنْثَى الْوَاضِحُ الذُّكُورَةِ فَتَصِحُّ وِلَايَتُهُ كَمَا قَالَهُ فِي الْبَحْرِ.
(وَ) السَّادِسَةُ (الْعَدَالَةُ) الْآتِي بَيَانُهَا فِي الشَّهَادَاتِ فَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ فَاسِقٍ وَلَوْ بِمَا لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ النَّقِيبِ فِي مُخْتَصَرِ الْكِفَايَةِ.
وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ الدَّمِيرِيِّ خِلَافَهُ.

(وَ) السَّابِعَةُ (مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الْكِتَابِ) الْعَزِيزِ.
(وَ) مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ (السُّنَّةِ) عَلَى طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ حِفْظُ آيَاتِهَا وَلَا أَحَادِيثِهَا الْمُتَعَلِّقَاتِ بِهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، وَآيُ الْأَحْكَامِ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا خَمْسُمِائَةِ آيَةٍ، وَعَنْ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ عَدَدَ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ خَمْسُمِائَةٍ كَعَدَدِ الْآيِ.
وَالْمُرَادُ أَنْ يَعْرِفَ أَنْوَاعَ الْأَحْكَامِ الَّتِي هِيَ مَحَالُّ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ وَاحْتُرِزَ بِهَا عَنْ الْمَوَاعِظِ وَالْقَصَصِ؛ فَمِنْ أَنْوَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْعَامُّ

[حاشية البجيرمي]

كَذَلِكَ غَيْرُهُ اهـ.

قَوْلُهُ: (خَصْلَتَيْنِ عَلَى ضَعِيفٍ) هُمَا الْكِتَابَةُ وَالْيَقَظَةُ وَسَكَتَ عَنْ خَصْلَتَيْنِ هُمَا كَوْنُهُ نَاطِقًا وَكِفَايَتُهُ فِي الْقِيَامِ بِأَمْرِ الْقَضَاءِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ وِلَايَةُ كَافِرٍ) وَمَا اُعْتِيدَ مِنْ نَصْبِ حَاكِمٍ لِلذِّمِّيِّينَ مِنْهُمْ أَيْ وَلَوْ مِنْ قَاضِينَا عَلَيْهِمْ فَهُوَ تَقْلِيدُ رِيَاسَةٍ لَا حُكْمٍ فَهُوَ كَالْمُحَكَّمِ لَا الْحَاكِمِ.
اهـ. ز ي. وَمِنْ ثَمَّ لَا يَلْزَمُهُمْ حُكْمُهُ إلَّا إنْ رَضَوْا كَمَا فِي شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (وَزَعَامَةٍ) مُرَادِفٌ وَقَالَ فِي الْمُخْتَارِ: الزَّعَامَةُ السِّيَادَةُ وَزَعِيمُ الْقَوْمِ سَيِّدُهُمْ.
قَوْلُهُ: (فِي الْبَحْرِ) هُوَ لِلرُّويَانِيِّ قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِمَا لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْفِسْقُ بِفِعْلِ قَالَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ كَوَطْءِ أَمَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ أَوْ أَمَةِ فَرْعِهِ.
اهـ. شَيْخُنَا

قَوْلُهُ: (الْمُتَعَلِّقَاتِ) بِتَاءٍ فَوْقِيَّةٍ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَاَلَّذِي بِخَطِّ الْمُؤَلِّفِ الْمُتَعَلِّقَانِ بِلَفْظِ الْمُثَنَّى أَيْ الْقِسْمَانِ الْآيَاتُ قِسْمٌ وَالْأَحَادِيثُ قِسْمٌ اهـ أج وَهُوَ عَلَى لُغَةِ مَنْ يُلْزِمُ الْمُثَنَّى الْأَلِفَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَقَوْلُهُ: بِهَا أَيْ الْأَحْكَامِ.
قَوْلُهُ: (خَمْسُمِائَةِ آيَةٍ) مُرَادُهُمْ مَا هُوَ مَقْصُودُ الْأَحْكَامِ بِدَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ أَمَّا بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ فَغَالِبُ الْقُرْآنِ بَلْ كُلُّهُ لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنْهُ عَنْ حُكْمٍ يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ أَنْ يَعْرِفَ إلَخْ) هَذَا الْمُرَادُ بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِهِ وَخُرُوجٌ عَنْ ظَاهِرِهِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا زِيَادَةً عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَهُوَ أَيْ الْمُجْتَهِدُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ وَمُجْمَلِهِ وَمُبَيَّنِهِ وَعَامِّهِ وَخَاصِّهِ وَنَاسِخِهِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَنْوَاعَ الْأَحْكَامِ) أَيْ أَنْوَاعَ مَحَالِّ الْأَحْكَامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: فَمِنْ أَنْوَاعِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ الْعَامُّ، إلَخْ لِأَنَّ الْعَامَّ لَيْسَ حُكْمًا وَإِنَّمَا هُوَ مَحَلُّ الْحُكْمِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فَمِنْ أَنْوَاعِ الْكِتَابِ إلَخْ) هَذِهِ الْجُمْلَةُ لَا ارْتِبَاطَ لَهَا بِمَا قَبْلَهَا وَهِيَ مَنْقُولَةٌ مِنْ الْمَنْهَجِ مَعَ بَعْضِ تَغْيِيرٍ أَوْجَبَ الْخَلَلَ فِيهَا وَنَصُّ عِبَارَتِهِ شَرْطُ الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا وَهُوَ الْعَارِفُ بِأَحْكَامِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَبِالْقِيَاسِ وَأَنْوَاعِهَا فَمِنْ أَنْوَاعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَخْ وَالضَّمِيرُ فِي أَنْوَاعِهَا رَاجِعٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: فَمِنْ أَنْوَاعِ الْكِتَابِ إلَخْ تَفْصِيلًا لِقَوْلِهِ: وَأَنْوَاعُهَا وَهَذَا كَلَامٌ مُرْتَبِطٌ مُنْسَبِكٌ وَبَعْضُهُمْ أَجَابَ عَنْ الشَّارِحِ وَجَعَلَهُ مُرْتَبِطًا بِأَنْ يُقَدَّرَ مُضَافٌ فِي قَوْلِهِ: أَنْوَاعَ أَحْكَامٍ أَيْ أَنْوَاعَ مَحَالِّ الْأَحْكَامِ وَالْعَامُّ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ يُقَالُ لَهُ: مَحَالُّ الْأَحْكَامِ فَيَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ فَمِنْ أَنْوَاعِ الْكِتَابِ أَيْ مِنْ أَنْوَاعِ مَحَالِّ أَحْكَامِهِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (الْعَامُّ) وَهُوَ لَفْظٌ يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] وَالْخَاصُّ بِخِلَافِهِ كَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» وَقَوْلُهُ: وَالْمُجْمَلُ وَهُوَ مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] وَ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُمَا قَدْرُ الْوَاجِبِ وَنَوْعُ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ.
وَالْمُبَيَّنُ مَا اتَّضَحَتْ دَلَالَتُهُ مِثْلَ قَوْلِهِ «وَفِي عِشْرِينَ نِصْفُ دِينَارٍ» وَالْمُطْلَقُ مَا دَلَّ

وَالْخَاصُّ وَالْمُجْمَلُ وَالْمُبَيَّنُ وَالْمُطْلَقُ وَالْمُقَيَّدُ وَالنَّصُّ وَالظَّاهِرُ وَالنَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ، وَمِنْ أَنْوَاعِ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرُ وَالْآحَادُ وَالْمُتَّصِلُ وَغَيْرُهُ.
لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّرْجِيحِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فَيُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ، وَالْمُقَيَّدُ عَلَى الْمُطْلَقِ وَالْمُبَيَّنُ عَلَى الْمُجْمَلِ وَالنَّاسِخُ عَلَى الْمَنْسُوخِ، وَالْمُتَوَاتِرُ عَلَى الْآحَادِ، وَيُعْرَفُ الْمُتَّصِلُ مِنْ السُّنَّةِ وَالْمُرْسَلُ مِنْهَا وَهُوَ غَيْرُ الْمُتَّصِلِ وَحَالُ الرُّوَاةِ قُوَّةً وَضَعْفًا فِي حَدِيثٍ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى قَبُولِهِ.

(وَ) الثَّامِنَةُ مَعْرِفَةُ (الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ) فِيهِ فَيَعْرِفُ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إجْمَاعًا وَاخْتِلَافًا لِئَلَّا يَقَعَ فِي حُكْمٍ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ جَمِيعِ ذَلِكَ وَلَيْسَ مُرَادًا بَلْ يَكْفِي أَنْ يَعْرِفَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي يُفْتِي أَوْ يَحْكُمُ فِيهَا، أَنَّ قَوْلَهُ لَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ فِيهَا إمَّا بِعِلْمِهِ بِمُوَافَقَةِ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ، أَوْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهَا الْأَوَّلُونَ بَلْ تَوَلَّدَتْ فِي عَصْرِهِ.
وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَأَقَرَّاهُ.

(وَ) التَّاسِعَةُ مَعْرِفَةُ (طُرُقِ الِاجْتِهَادِ) الْمُوصِلَةِ إلَى مَدَارِك الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَهِيَ مَعْرِفَةُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا سَيُذْكَرُ مَعَ مَعْرِفَةِ الْقِيَاسِ صَحِيحِهِ وَفَاسِدِهِ بِأَنْوَاعِهِ الْأَوْلَى وَالْمُسَاوِي وَالْأَدْوَنِ لِيَعْمَلَ بِهَا.
فَالْأَوَّلُ كَقِيَاسِ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ عَلَى التَّأْفِيفِ

[حاشية البجيرمي]

عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ كَرَقَبَةٍ وَالْمُقَيَّدُ مَا دَلَّ عَلَيْهَا بِقَيْدٍ كَرَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فِي آيَةِ الْقَتْلِ وَالْمُطْلَقُ فِي غَيْرِهَا قَوْلُهُ: (وَالنَّصُّ) وَهُوَ مَا دَلَّ دَلَالَةً قَطْعِيَّةً كَأَسْمَاءِ الْعَدَدِ.
وَالظَّاهِرُ مَا دَلَّ دَلَالَةً ظَنِّيَّةً قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ: الْمَنْطُوقُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي مَحَلِّ النُّطْقِ وَهُوَ نَصٌّ إنْ أَفَادَ مَعْنًى لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ كَزَيْدٍ وَظَاهِرٌ إنْ احْتَمَلَ غَيْرَهُ مَرْجُوحًا كَأَسَدٍ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُتَّصِلُ) بِاتِّصَالِ رُوَاتِهِ إلَى الصَّحَابِيِّ فَقَطْ وَيُسَمَّى الْمَوْقُوفَ أَوْ إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُسَمَّى الْمَرْفُوعَ.
اهـ. م ر. قَوْلُهُ: (وَالْمُتَوَاتِرُ) مَا تَرْوِيهِ جَمَاعَةٌ يَسْتَحِيلُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ عَنْ جَمَاعَةٍ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الطَّبَقَاتِ.
وَالْآحَادُ مَا يَرْوِيهِ وَاحِدٌ عَنْ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ يَبْلُغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ غَيْرُ الْمُتَّصِلِ) هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ مِنْ أَنَّ الْمُرْسَلَ مَا سَقَطَ مِنْ سَنَدِهِ رَاوٍ أَوْ أَكْثَرُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَوَّلِهِ أَوْ مِنْ آخِرِهِ أَمْ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا عَلَى اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ فَهُوَ أَيْ الْمُرْسَلُ مَا سَقَطَ مِنْهُ الصَّحَابِيُّ وَعِبَارَةُ ق ل فِي حَاشِيَةِ شَرْحِ الْوَرَقَاتِ وَأَمَّا اصْطِلَاحُ الْمُحَدِّثِينَ فَالْمُرْسَلُ مَا سَقَطَ مِنْهُ الصَّحَابِيُّ وَمَا وَقَفَ عَلَى الصَّحَابِيِّ مَوْقُوفٌ وَمَا وَقَفَ عَلَى التَّابِعِيِّ مَقْطُوعٌ.
وَمَا سَقَطَ مِنْهُ رَاوٍ مُنْقَطِعٌ أَوْ رَاوِيَانِ فَمُنْقَطِعٌ مِنْ مَوْضِعَيْنِ إنْ كَانَ بِغَيْرِ اتِّصَالٍ وَإِلَّا فَمُعْضَلٌ وَمَا سَقَطَ أَوَّلُهُ مُعَلَّقٌ وَمَا أُسْنِدَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرْفُوعٌ

قَوْلُهُ: (مَعْرِفَةُ الْإِجْمَاعِ) بِمَعْنَى الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ بِمَعْنَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ) أَيْ فِي الْحُكْمِ الَّذِي يُرِيدُهُ وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ لِأَلْ الْمَوْصُولَةِ.
قَوْلُهُ: (مَعْرِفَةُ جَمِيعِ ذَلِكَ) أَيْ جَمِيعُ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ أَيْ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ جَعْلِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ لِلِاسْتِغْرَاقِ.
قَوْلُهُ: (بِمُوَافَقَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِعِلْمِهِ فَالْبَاءُ صِلَةُ الْعِلْمِ أَيْ عِلْمُ أَنَّهُ وَافَقَ بَعْضَ الْمُتَقَدِّمِينَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَغْلِبَ) مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ مُؤَوَّلٌ بِمَصْدَرٍ مَعْطُوفٍ عَلَى قَوْلِهِ عَلِمَ فِي قَوْلِهِ: أَمَّا بِعِلْمِهِ أَيْ أَمَّا بِعِلْمِهِ أَوْ بِغَلَبَةٍ عَلَى ظَنِّهِ إلَخْ عَلَى حَدِّ وَلُبْسِ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾ [الشورى: 51] قَوْلُهُ: (وَعَلَى هَذَا) أَيْ قَوْلُهُ: بَلْ يَكْفِي إلَخْ.
قَوْلُهُ: (قِيَاسُ مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ) أَيْ لَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ جَمِيعِهَا بَلْ يَكْفِي أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ مَا حَكَمَ بِهِ لَيْسَ لَهُ نَاسِخٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَلَا يُشْتَرَطُ نِهَايَتُهُ فِي كُلِّ مَا ذُكِرَ بَلْ يَكْفِي الدَّرَجَةُ الْوُسْطَى فِي ذَلِكَ مَعَ الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ وَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ قَوَانِينَ عِلْمِ الْكَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ وَاجْتِمَاعُ ذَلِكَ كُلِّهِ إنَّمَا هُوَ شَرْطٌ لِلْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يُفْتِي فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ أَمَّا مُقَلِّدٌ لَا يَعْدُو أَيْ لَا يُجَاوِزُ مَذْهَبَ إمَامٍ خَاصٍّ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ مَعْرِفَةِ قَوَاعِدِ إمَامِهِ وَلْيُرَاعِ فِيهَا مَا يُرَاعِيهِ الْمُطْلَقُ فِي قَوَانِينِ الشَّرْعِ فَإِنَّهُ مَعَ الْمُجْتَهِدِ كَالْمُجْتَهِدِ مَعَ نُصُوصِ الشَّرْعِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْعُدُولُ عَنْ نَصِّ إمَامِهِ اهـ.

قَوْلُهُ: (إلَى مَدَارِك) أَيْ مَحَلِّ إدْرَاكِهَا جَمْعُ مُدْرَكٍ بِضَمِّ الْمِيمِ

وَالثَّانِي كَإِحْرَاقِ مَالِ الْيَتِيمِ عَلَى أَكْلِهِ فِي التَّحْرِيمِ فِيهِمَا.
وَالثَّالِثُ كَقِيَاسِ التُّفَّاحِ عَلَى الْبُرِّ فِي الرِّبَا بِجَامِعِ الطُّعْمِ.

(وَ) الْعَاشِرَةُ (مَعْرِفَةُ طَرَفٍ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ) لُغَةً وَإِعْرَابًا وَتَصْرِيفًا، لِأَنَّ بِهِ يُعْرَفُ عُمُومُ اللَّفْظِ وَخُصُوصُهُ وَإِطْلَاقُهُ وَتَقْيِيدُهُ وَإِجْمَالُهُ وَبَيَانُهُ، وَصِيَغُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ وَالْحُرُوفِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي فَهْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

(وَ) الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ مَعْرِفَةُ طَرَفِ (تَفْسِيرٍ) مِنْ (كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) لِيَعْرِفَ بِهِ الْأَحْكَامَ الْمَأْخُوذَةَ مِنْهُ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ جُمْلَةِ طُرُقِ الِاجْتِهَادِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَبَحِّرًا فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْعُلُومِ حَتَّى يَكُونَ فِي النَّحْوِ كَسِيبَوَيْهِ وَفِي اللُّغَةِ كَالْخَلِيلِ بَلْ يَكْفِي مَعْرِفَةُ جُمَلٍ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: إنَّ هَذَا سَهْلٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَإِنَّ الْعُلُومَ قَدْ دُوِّنَتْ وَجُمِعَتْ انْتَهَى.
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ أَصْلٌ كَصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَلَا يُشْتَرَطُ حِفْظُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَلَا بَعْضُهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ بَلْ يَكْفِي أَنْ يَعْرِفَ مَظَانَّ أَحْكَامِهِ فِي أَبْوَابِهَا فَيُرَاجِعَهَا وَقْتَ الْحَاجَةِ.
وَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ الْأَدِلَّةَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا كَالْأَخْذِ بِأَقَلَّ مَا قِيلَ، وَكَالِاسْتِصْحَابِ وَمَعْرِفَةِ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ.
كَمَا حُكِيَ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَنْ الْأَصْحَابِ اشْتِرَاطُهُ ثُمَّ اجْتِمَاعُ هَذِهِ الْعُلُومِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ الَّذِي يُفْتِي فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الشَّرْعِ.
أَمَّا الْمُقَلِّدُ لِمَذْهَبِ إمَامٍ خَاصٍّ فَلَيْسَ عَلَيْهِ مَعْرِفَةُ قَوَاعِدِ إمَامِهِ وَلْيُرَاعِ فِيهَا مَا يُرَاعِي الْمُطْلَقُ فِي قَوَانِينِ الشَّرْعِ فَإِنَّهُ مَعَ الْمُجْتَهِدِ كَالْمُجْتَهِدِ مَعَ نُصُوصِ الشَّرْعِ وَلِهَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ نَصِّ إمَامِهِ كَمَا لَا يُسَوَّغُ الِاجْتِهَادُ مَعَ النَّصِّ.
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَلَا يَخْلُو الْعَصْرُ عَنْ مُجْتَهِدٍ إلَّا إذَا تَدَاعَى الزَّمَانُ وَقَرُبَتْ السَّاعَةُ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ وَالْقَفَّالِ إنَّ الْعَصْرَ خَلَا عَنْ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ.
فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مُجْتَهِدٌ قَائِمٌ بِالْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ يَرْغَبُونَ عَنْهُ فَقَدْ قَالَ مَكْحُولٌ: لَوْ خُيِّرْت بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْقَتْلِ لَاخْتَرْت الْقَتْلَ.
وَامْتَنَعَ مِنْهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَهَذَا ظَاهِرٌ

[حاشية البجيرمي]

مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى إدْرَاكٍ وَالْمُرَادُ مَا يُدْرَكُ مِنْهُ الْحُكْمُ مِنْ نَحْوِ دَلِيلٍ.
قَوْلُهُ: (مَا تَقَدَّمَ) وَهُوَ قَوْلُهُ: فَمِنْ أَنْوَاعِ الْكِتَابِ إلَخْ وَمِنْ قَوْلِهِ: وَيُقَدَّمُ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ إلَخْ وَاَلَّذِي سَيُذْكَرُ هُوَ قَوْلُهُ: مَعْرِفَةُ طَرَفٍ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ وَالتَّفْسِيرِ لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا طُرُقٌ لِلِاجْتِهَادِ الَّذِي هُوَ بَذْلُ الْوُسْعِ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ.

قَوْلُهُ: (لِأَنَّ بِهِ يُعْرَفُ عُمُومُ اللَّفْظِ) هَذَا يُسْتَفَادُ مِنْ اللُّغَةِ وَاسْمُ أَنَّ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَقَوْلُهُ: وَصِيَغُ الْأَمْرِ إنْ كَانَ الْمُرَادُ هَيْئَةَ صِيغَتِهِ فَتُؤْخَذُ مِنْ عِلْمِ التَّصْرِيفِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مَعْرِفَةَ مَعْنَاهُ وَلَفْظِهِ فَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ النَّحْوِ وَكَذَا مَعْرِفَةُ الْأَسْمَاءِ وَمَا بَعْدَهَا.

قَوْلُهُ: (لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُتَبَحِّرًا) هَذَا فُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ: طَرَفٍ فَكَانَ الْأَوْلَى فَلَا يُشْتَرَطُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ حِفْظُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ) هَذَا عُلِمَ وَأَتَى بِهِ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (كَالْأَخْذِ) أَيْ كَالتَّمَسُّكِ بِأَقَلَّ مَا قِيلَ كَدِيَةِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ إنَّهَا كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ وَبَعْضُهُمْ إنَّهَا نِصْفُهَا وَبَعْضُهُمْ قَالَ إنَّهَا ثُلُثُهَا فَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِأَقَلَّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَهُوَ الْقَوْلُ: بِأَنَّهَا ثُلُثُهَا فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: كَالْأَخْذِ بِأَقَلَّ مَا قِيلَ: أَيْ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ، حَيْثُ لَا دَلِيلَ سِوَاهُ عِنْدَنَا فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَأَثْبَتَهُ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ مُحَقَّقٌ وَلِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي ضِمْنِ الْأَكْثَرِ وَمَنَعَهُ غَيْرُهُ فَأَخَذَ بِأَكْثَرَ مَا قِيلَ: احْتِيَاطًا.
قَوْلُهُ: (وَمَعْرِفَةُ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ) لَعَلَّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدَّمَ هَذَا وَالْمُرَادُ بِأُصُولِ الِاعْتِقَادِ عَقَائِدُ التَّوْحِيدِ وَهِيَ مَا يَجِبُ لِلَّهِ وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ وَمَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ وَكَذَا الرُّسُلُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ) أَيْ وَقَدْ فُقِدَ مِنْ بَعْدِ الْخَمْسِمِائَةِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ لَنَا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يُوجَدُ، وَأَقَلُّهُ قُطْبُ الْغَوْثِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا مُجْتَهِدًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَخْلُو الْعَصْرُ) أَيْ كُلُّ عَصْرٍ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: بَعْدُ إذْ كَيْفَ يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَى الْأَعْصَارِ.
قَوْلُهُ: (إلَّا إذَا تَدَاعَى الزَّمَانُ) فِي الْمِصْبَاحِ تَدَاعَى الْبُنْيَانُ تَصَدَّعَ مِنْ جَوَانِبِهِ، وَآذَنَ بِالِانْهِدَامِ وَالسُّقُوطِ، اهـ. فَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ اسْتِعَارَةٌ بِالْكِنَايَةِ حَيْثُ شَبَّهَ الزَّمَانَ بِبُنْيَانٍ تَشْبِيهًا مُضْمَرًا فِي النَّفْسِ وَأَثْبَتَ شَيْئًا مِنْ لَوَازِمِهِ وَهُوَ التَّدَاعِي أَوْ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَ التَّقَارُبَ بِالتَّدَاعِي وَاسْتَعَارَ التَّدَاعِيَ لِلتَّقَارُبِ وَاشْتَقَّ مِنْ التَّدَاعِي تَدَاعَى بِمَعْنَى تَقَارَبَ.
قَوْلُهُ: (وَقَرُبَتْ السَّاعَةُ) تَفْسِيرٌ لِمَا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (وَامْتَنَعَ مِنْهُ الشَّافِعِيُّ) أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخَطَرِ وَامْتِنَاعُهُ مِنْهُ حِينَ اسْتَدْعَاهُ الْمَأْمُونُ لِقَضَاءِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَاسْتَدْعَاهُ

لَا شَكَّ فِيهِ إذْ كَيْفَ يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَى الْأَعْصَارِ بِخُلُوِّهَا عَنْ الْمُجْتَهِدِ وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لَسْنَا مُقَلِّدِينَ لِلشَّافِعِيِّ بَلْ وَافَقَ رَأْيُنَا رَأْيَهُ.
وَيَجُوزُ تَبْعِيضُ الِاجْتِهَادِ بِأَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ مُجْتَهِدًا فِي بَابٍ دُونَ بَابٍ فَيَكْفِيهِ عِلْمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ الَّذِي يَجْتَهِدُ فِيهِ.

(وَ) الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ (أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا) وَلَوْ بِصِيَاحٍ فِي أُذُنِهِ فَلَا يُوَلَّى أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ أَصْلًا فَإِنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ إقْرَارٍ وَإِنْكَارٍ.
وَالثَّالِثَةَ عَشْرَةَ أَنْ يَكُونَ (بَصِيرًا) فَلَا يُوَلَّى أَعْمَى وَلَا مَنْ يَرَى الْأَشْبَاحَ وَلَا يَعْرِفَ الصُّوَرَ، لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الطَّالِبَ مِنْ الْمَطْلُوبِ، فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ الصُّوَرَ إذَا قَرُبَتْ مِنْهُ صَحَّ وَخَرَجَ بِالْأَعْمَى الْأَعْوَرُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ.
وَكَذَا مَنْ يُبْصِرُ نَهَارًا فَقَطْ دُونَ مَنْ يُبْصِرُ لَيْلًا فَقَطْ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ «اسْتَخْلَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ وَهُوَ أَعْمَى» . وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ بِصِحَّةِ وِلَايَةِ الْأَعْمَى، أُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَخْلَفَهُ فِي إمَامَةِ الصَّلَاةِ دُونَ الْحُكْمِ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ سَمِعَ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ ثُمَّ عَمِيَ.
قَضَى فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَاسْتُثْنِيَ أَيْضًا لَوْ نَزَلَ أَهْلُ قَلْعَةٍ عَلَى حُكْمِ أَعْمَى.
فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَحَلِّهِ.

وَالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ أَنْ يَكُونَ (كَاتِبًا) عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ اخْتَارَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى أَنْ يَكْتُبَ إلَى غَيْرِهِ وَلِأَنَّ فِيهِ أَمْنًا مِنْ تَحْرِيفِ الْقَارِئِ عَلَيْهِ وَأَصَحُّهُمَا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا عَدَمُ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ كَاتِبًا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ أُمِّيًّا لَا يَقْرَأُ وَلَا يَكْتُبُ.
وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مَعْرِفَةُ الْحِسَابِ لِتَصْحِيحِ الْمَسَائِلِ الْحِسَابِيَّةِ الْفِقْهِيَّةِ كَمَا صَوَّبَهُ فِي الْمَطْلَبِ، لِأَنَّ الْجَهْلَ بِهِ لَا يُوجِبُ الْخَلَلَ فِي غَيْرِ تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَالْإِحَاطَةُ بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ لَا تُشْتَرَطُ.

وَالْخَامِسَةَ عَشْرَةَ أَنْ يَكُونَ (مُتَيَقِّظًا) بِحَيْثُ لَا يُؤْتَى مِنْ غَفْلَةٍ وَلَا يُخْدَعُ مِنْ غِرَّةٍ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ الْقَاصِّ

[حاشية البجيرمي]

الْمَنْصُورُ فَحَبَسَهُ وَضَرَبَهُ.
اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (إذْ كَيْفَ يُمْكِنُ الْقَضَاءُ) أَيْ الْحُكْمُ عَلَى أَهْلِ الْعَصْرِ أَيْ كَيْفَ نَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِخُلُوِّ الْعَصْرِ عَنْ مُجْتَهِدٍ إلَخْ.
وَهُوَ لِلرَّدِّ عَلَى الْقَفَّالِ وَالْغَزَالِيِّ وَكَيْفَ لِلِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ.
قَوْلُهُ: (كَانُوا يَقُولُونَ) هَذَا لَا يُنْتِجُ الْمُدَّعِيَ وَلَا يَرُدُّ عَلَى الْمُخَالِفِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ الْخُلُوُّ عَنْ الْمُجْتَهِدِ، لِأَنَّ كَوْنَ هَؤُلَاءِ مُجْتَهِدِينَ لَا يَثْبُتُ أَنَّ الْعَصْرَ لَا يَخْلُو عَنْ مُجْتَهِدٍ لِجَوَازِ خُلُوِّهِ عَنْهُ بَعْدَهُمْ.
قَوْلُهُ: (فِي بَابِ) أَيْ كَالْفَرَائِضِ قَوْلُهُ: (الطَّالِبَ) أَيْ الْمُدَّعِيَ وَالْمَطْلُوبَ أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَكُونَ سَمِيعًا) وَلَوْ بِالصِّيَاحِ اهـ ز ي. قَوْلُهُ: (بَصِيرًا) وَلَوْ فِي النَّهَارِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا مَنْ يُبْصِرُ نَهَارًا) وَيَنْفُذُ حُكْمُهُ وَقْتَ إبْصَارِهِ وَأَمَّا فِي وَقْتِ عَدَمِ الْإِبْصَارِ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى إشَارَةٍ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ بَلْ كَانَ يَكْفِيهِ حَكَمْت عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ غَائِبًا أَوْ مَيِّتًا صَحَّ.
قَوْلُهُ: (دُونَ مَنْ يُبْصِرُ لَيْلًا) ضَعِيفٌ ز ي قَالَ حَجّ: وَيَجُوزُ كَوْنُ الْقَاضِي أَعْوَرَ بِخِلَافِ الْإِمَامِ اهـ. وَالْفَرْقُ أَنَّ وِلَايَةَ الْإِمَامِ عَامَّةٌ وَالْأَعْوَرُ لَا يُهَابُ.
اهـ. ز ي. يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ تَامَّ الْخِلْقَةِ مُعَظَّمًا عِنْدَ النَّاسِ مَحْبُوبًا لَهُمْ لِأَجْلِ أَنْ يُسْمَعَ كَلَامُهُ.
وَحِينَئِذٍ فَيُطَاعُ فَيَسْتَقِيمُ نِظَامُ الرَّعِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ عَمِيَ قَضَى) عِبَارَةُ م ر نَعَمْ لَوْ عَمِيَ بَعْدَ ثُبُوتِ قَضِيَّةٍ عِنْدَهُ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُهُ حَكَمْت بِكَذَا وَلَمْ يَحْتَجْ مَعَهُ إلَى إشَارَةٍ نَفَذَ حُكْمُهُ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (وَاسْتَثْنَى أَيْضًا) هُوَ اسْتِثْنَاءٌ صُورِيٌّ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْقَضَاءِ بَلْ فِيهِ حُكْمٌ بَيْنَهُمْ.
قَوْلُهُ: (لَوْ نَزَلَ أَهْلُ قَلْعَةٍ) أَيْ اتَّفَقُوا وَرَضَوْا عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فُلَانٌ الْأَعْمَى اهـ أج.
وَالْمُرَادُ أَهْلُ الْقَلْعَةِ مِنْ الْكُفَّارِ كَمَا وَقَعَ لِبَنِي قُرَيْظَةَ حَيْثُ قَالُوا لِلْإِمَامِ: لَا نَفْتَحُ لَك الْقَلْعَةَ إلَّا إنْ وَلَّيْت عَلَيْنَا قَاضِيًا أَعْمَى فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ تَوْلِيَتُهُ لِلضَّرُورَةِ . اهـ. شَيْخُنَا.

قَوْلُهُ: (عَدَمُ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ كَاتِبًا) مُعْتَمَدُ قَوْلِهِ: (لَا يَقْرَأُ) تَفْسِيرٌ أَيْ لَا يَقْرَأُ الْخَطَّ أَيْ لَا يَسْتَخْرِجُهُ.
وَقَوْلُهُ: وَلَا يَكْتُبُ أَيْ وَلَا يَحْسِبُ.
قَوْلُهُ: (مُتَيَقِّظًا) قَالَ الْغَزِّيُّ: فَلَا يَصِحُّ تَوْلِيَةُ مُغَفَّلٍ بِأَنْ اخْتَلَّ نَظَرُهُ وَفِكْرُهُ إمَّا لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ ق ل: هَذَا تَصْحِيحٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْمُتَيَقِّظِ بِقَوِيِّ الْفِطْنَةِ وَالْحِذْقِ وَالضَّبْطِ فَهُوَ مَنْدُوبٌ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ: لَا شَرْطٌ عَلَى الرَّاجِحِ وَعِبَارَةُ م ر بَعْدَ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ: كَافٍ أَيْ نَاهِضٌ لِلْقِيَامِ بِأَمْرِ الْقَضَاءِ بِأَنْ يَكُونَ ذَا يَقِظَةٍ تَامَّةٍ وَقُوَّةٍ عَلَى تَنْفِيذِ الْحَقِّ فَلَا يُوَلَّى مُغَفَّلٌ وَلَا مُخْتَلُّ النَّظَرِ.

قَوْلُهُ: (لَا يُؤْتَى) أَيْ لَا يُصَابُ فِي الْحُكْمِ بِأَنْ يَحْكُمَ بِخِلَافِ الْحَقِّ مِنْ غَفْلَةٍ أَيْ مِنْ أَجْلِ غَفْلَةٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ غِرَّةٍ) أَيْ بِسَبَبِ

وَصَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَاخْتَارَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي الْوَسِيطِ، وَاسْتَنَدَ فِيهِ إلَى قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُفْتِي التَّيَقُّظُ وَقُوَّةُ الضَّبْطِ قَالَ وَالْقَاضِي أَوْلَى بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَضَاعَتْ الْحُقُوقُ انْتَهَى مُلَخَّصًا وَلَكِنَّ الْمَجْزُومَ بِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ لَا اشْتِرَاطُهُ.
تَنْبِيهٌ: هَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ الضَّعِيفَتَانِ الْمَوْعُودُ بِهِمَا وَأَمَّا الْمَتْرُوكَتَانِ: فَالْأَوْلَى كَوْنُهُ نَاطِقًا فَلَا تَصِحُّ تَوْلِيَةُ الْأَخْرَسِ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ كَالْجَمَادِ.
وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ كِفَايَةٌ لِلْقِيَامِ بِأَمْرِ الْقَضَاءِ فَلَا يُوَلَّى مُخْتَلُّ نَظَرٍ؛ بِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ الْكِفَايَةَ اللَّائِقَةَ بِالْقَضَاءِ بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ قُوَّةٌ عَلَى تَنْفِيذِ الْحَقِّ بِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ ضَعِيفَ النَّفْسِ جَبَانًا فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَكُونُ عَالِمًا دِينًا وَنَفْسُهُ ضَعِيفَةٌ عَنْ التَّنْفِيذِ وَالْإِلْزَامِ وَالسَّطْوَةِ فَيُطْمَعُ فِي جَانِبِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَإِذَا عَرَفَ الْإِمَامُ أَهْلِيَّةَ أَحَدٍ وَلَّاهُ، وَإِلَّا بَحَثَ عَنْ حَالِهِ كَمَا اخْتَبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُعَاذًا، وَلَوْ وُلِّيَ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ مَعَ وُجُودِ الصَّالِحِ لَهُ وَالْعِلْمِ بِالْحَالِ أَثِمَ الْمُوَلِّي بِكَسْرِ اللَّامِ وَالْمُوَلَّى بِفَتْحِهَا وَلَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ وَإِنْ أَصَابَ فِيهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ فِي شَخْصٍ جَمِيعُ هَذِهِ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ فَوَلَّى السُّلْطَانُ لَهُ شَوْكَةً فَاسِقًا مُسْلِمًا أَوْ مُقَلِّدًا نَفَذَ قَضَاؤُهُ لِلضَّرُورَةِ لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ مَصَالِحُ النَّاسِ فَخَرَجَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرُ إذَا وُلِّيَ بِالشَّوْكَةِ.
وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَرْأَةُ فَصَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِنُفُوذِهِ مِنْهُمَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي غَيْرِ الْأَهْلِ مَعْرِفَةُ طَرَفٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَلِلْعَادِلِ أَنْ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ مِنْ الْأَمِيرِ الْبَاغِي.
فَقَدْ سُئِلَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - عَنْ ذَلِكَ لِمَنْ اسْتَقْضَاهُ زِيَادٌ فَقَالَتْ: إنْ لَمْ يَقْضِ لَهُمْ خِيَارُهُمْ قَضَى لَهُمْ شِرَارُهُمْ.

فُرُوعٌ: يُنْدَبُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لِلْقَاضِي فِي الِاسْتِخْلَافِ إعَانَةً لَهُ فَإِنْ أَطْلَقَ التَّوْلِيَةَ اسْتَخْلَفَ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ.
فَإِنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ فِي الِاسْتِخْلَافِ اسْتَخْلَفَ مُطْلَقًا فَإِنْ خَصَّصَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَتَعَدَّهُ، وَشَرْطُ الْمُسْتَخْلَفِ بِفَتْحِ اللَّامِ كَشَرْطِ الْقَاضِي

[حاشية البجيرمي]

غُرُورٍ بِأَنْ يَغُرَّهُ شَخْصٌ بِنَقْلٍ مُخَالِفٍ لِمَا حَكَمَ بِهِ وَلَمْ يَأْتِهِ بِهِ فَيُمْسِكُ عَلَيْهِ إلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَهُوَ غَيْرُ الْمُتَيَقِّظِ فَيَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ الِاخْتِيَارُ حِينَئِذٍ لِكُلِّ مَنْ طَلَبَ أَنْ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ بِأَنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ شَخْصًا بَعْدَ حُكْمِهِ فِي قَضِيَّةٍ بِنَقْلٍ يَمْتَحِنُهُ بِهِ فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ أَيْ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ وَامْتَنَعَ مِنْ إبْطَالِهِ أَبْقَاهُ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ إلَخْ) فِي م ر خِلَافُهُ وَهُوَ الِاشْتِرَاطُ وَكَتَبَ أج عَلَى قَوْلِهِ: اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ ضَعِيفٌ عَلَى تَفْسِيرِ الْمُتَيَقِّظِ بِمَا ذَكَرَهُ فَإِنْ فُسِّرَ بِشَدِيدِ الْحِذْقِ وَالضَّبْطِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَعَذَّرَ فِي شَخْصٍ) لَيْسَ بِقَيْدٍ م ر وَعِ ش وَقَوْلُ ع ش لَيْسَ بِقَيْدٍ يُنَافِيهِ قَوْلُ الشَّارِحِ قَبْلَ وَلَوْ وُلِّيَ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فَوَلَّى سُلْطَانٌ) خَرَجَ بِالسُّلْطَانِ غَيْرُهُ كَقَاضِي الْعَسْكَرِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ غَيْرَ الْأَهْلِ وَلَا يَنْفُذُ قَضَاءُ مَا وَلَّاهُ.
اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (شَوْكَةٍ) عِبَارَةُ م ر أَوْ مَنْ لَهُ شَوْكَةٌ اهـ. فَتَوْلِيَةُ السُّلْطَانِ مُطْلَقًا صَحِيحَةٌ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَا شَوْكَةٍ أَمْ لَا وَعِبَارَةُ م ر وحج: فَوَلَّى سُلْطَانٌ أَوْ مَنْ لَهُ شَوْكَةٌ غَيْرَهُ بِأَنْ يَكُونَ بِنَاحِيَةٍ انْقَطَعَ غَوْثُ السُّلْطَانِ عَنْهَا وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَّا إلَيْهِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ عَدَمُ اسْتِلْزَامِ السَّلْطَنَةِ لِلشَّوْكَةِ.
قَوْلُهُ: (لِلضَّرُورَةِ) قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: يُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ زَالَتْ شَوْكَةُ مَنْ وَلَّاهُ بِمَوْتٍ أَوْ نَحْوِهِ انْعَزَلَ لِزَوَالِ الضَّرُورَةِ وَأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ أَوْ جَوَامِكَ فِي نَظَرِ الْأَوْقَافِ اسْتَرَدَّ مِنْهُ لِأَنَّ قَضَاءَهُ إنَّمَا نَفَذَ لِلضَّرُورَةِ وَلَا كَذَلِكَ الْمَالُ.
قَوْلُهُ: (طَرَفٍ مِنْ الْأَحْكَامِ) مِثْلُهُ فِي شَرْحِ م ر فَتَضْعِيفُ الْمُحَشِّي لَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَعِبَارَتُهُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَيَنْفُذُ حُكْمُهُ لِلضَّرُورَةِ وَلِذَا قَالَ م ر وَلَوْ جَاهِلًا.
قَوْلُهُ: (لِمَنْ اسْتَقْضَاهُ زِيَادٌ) أَيْ وَلَّاهُ الْقَضَاءَ زِيَادٌ وَكَانَ أَخَا الْحَجَّاجِ وَكَانَ أَمِيرًا بَاغِيًا وَكَانَ الَّذِي اسْتَقْضَاهُ عَادِلًا.
قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَقْضِ لَهُمْ خِيَارُهُمْ) أَيْ إنْ لَمْ يَرْضَوْا بِأَنْ يَقْضِيَ لَهُمْ خِيَارُهُمْ وَهُوَ الَّذِي وَلَّاهُ زِيَادٌ قَضَى لَهُمْ شِرَارُهُمْ وَهُوَ زِيَادٌ.

قَوْلُهُ: (فُرُوعٌ) أَيْ نَحْوُ الْعِشْرِينَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَطْلَقَ التَّوْلِيَةَ) أَيْ عَنْ الِاسْتِخْلَافِ وَعَدَمِهِ م د. قَوْلُهُ: (اسْتَخْلَفَ) وَلَوْ بَعْضَهُ أَيْ أَبَاهُ وَابْنَهُ حَيْثُ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ عِنْدَ غَيْرِهِ ح ل. قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ إلَخْ) وَكَإِطْلَاقِ الْإِذْنِ تَعْمِيمُهُ بِأَنْ قَالَ لَهُ: اسْتَخْلِفْ فِي كُلِّ أَحْوَالِك وَلَوْ فَوَّضَ الْإِمَامُ لِشَخْصٍ أَنْ يَخْتَارَ قَاضِيًا لَمْ يَخْتَرْ نَفْسَهُ وَلَا أَصْلَهُ وَلَا فَرْعَهُ ح ل. قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ وَغَيْرِهِ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَسْتَخْلِفُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ.
اهـ. م ر ع ش. قَوْلُهُ: (فَإِنْ خَصَّصَهُ بِشَيْءٍ لَمْ يَتَعَدَّهُ إلَخْ)

السَّابِقِ إلَّا أَنْ يُسْتَخْلَفَ فِي أَمْرٍ خَاصٍّ كَسَمَاعِ بَيِّنَةٍ فَيَكْفِي عِلْمُهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ.
وَيَحْكُمُ بِاجْتِهَادِهِ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا أَوْ اجْتِهَادِ مُقَلِّدِهِ إنْ كَانَ مُقَلِّدًا.

وَجَازَ نَصْبُ أَكْثَرَ مِنْ قَاضٍ بِمَحَلٍّ إنْ لَمْ يُشْرَطْ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْحُكْمِ وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لِمَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا مِنْ الْخِلَافِ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ عَدَمَ الْجَوَازِ مَحَلُّهُ فِي غَيْرِ الْمَسَائِلِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيَجُوزُ تَحْكِيمُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ أَهْلًا لِلْقَضَاءِ فِي غَيْرِ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ مَعَ وُجُودِ قَاضٍ، وَخَرَجَ بِالْأَهْلِ غَيْرُهُ فَلَا يَجُوزُ تَحْكِيمُهُ مَعَ وُجُودِ الْأَهْلِ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمَيْنِ قَبْلَ الْحُكْمِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا قَاضِيًا وَإِلَّا فَلَا يُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا وَلَا يَكْفِي رِضَا جَانٍ فِي ضَرْبِ دِيَةٍ عَلَى عَاقِلَةٍ.

وَلَوْ رَجَعَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ قَبْلَ الْحُكْمِ امْتَنَعَ وَلَوْ زَالَتْ

[حاشية البجيرمي]

وَلَوْ وَلَّاهُ فِي بَلْدَتَيْنِ مُتَبَاعِدَتَيْنِ كَبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ اخْتَارَ الْمُبَاشَرَةَ فِي إحْدَاهُمَا.
كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنْ اعْتَرَضَهُ الْبُلْقِينِيُّ فَلَوْ اخْتَارَ إحْدَاهُمَا هَلْ يَكُونُ مُقْتَضِيًا لِانْعِزَالِهِ عَنْ الْأُخْرَى، أَوْ يُبَاشِرُ كُلًّا مُدَّةً وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا نَعَمْ وَهُوَ الِانْعِزَالُ وَرَجَّحَ الزَّرْكَشِيّ وَجَمْعٌ أَنَّ التَّدْرِيسَ بِمَدْرَسَتَيْنِ فِي بَلْدَتَيْنِ مُتَبَاعِدَتَيْنِ لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ غَيْبَتَهُ عَنْ إحْدَاهُمَا لِمُبَاشَرَةِ الْأُخْرَى لَا يَكُونُ عَزْلًا وَيَسْتَنِيبُ وَفَعَلَهُ الْفَخْرُ بْنُ عَسَاكِرَ بِالشَّامِ وَالْقُدْسِ وَكَالْمُدَرِّسِ الْخَطِيبُ إذَا وُلِّيَ الْخُطْبَةَ فِي مَسْجِدَيْنِ وَالْإِمَامُ إذَا وُلِّيَ إمَامَةَ مَسْجِدَيْنِ وَكَذَا كُلُّ وَظِيفَتَيْنِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ يَتَعَارَضَانِ فِيهِ شَرْحُ م ر وع ش. قَوْلُهُ: (كَشَرْطِ الْقَاضِي) أَيْ فَإِنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ مُجْتَهِدًا شُرِطَ فِيهِ مَا شُرِطَ فِي الْقَاضِي الْمُجْتَهِدِ وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا شُرِطَ فِيهِ مَا فِي الْمُقَلِّدِ.

قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يُشْرَطْ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْحُكْمِ) عِبَارَةُ م ر لِأَنَّ اجْتِهَادَهُمَا مُخْتَلِفٌ غَالِبًا فَلَا تَنْفَصِلُ الْخُصُومَاتُ.
قَوْلُهُ: (تَحْكِيمُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ أَهْلًا) قَالَ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْحَاوِي: يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِتِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَقَطْ وَيَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِي ثُبُوتِ هِلَالِ رَمَضَانَ كَمَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ وَيَنْفُذُ عَلَى مَنْ رَضِيَ بِحُكْمِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ دُونَ غَيْرِهِ م ر وع ن. قَوْلُهُ: (فِي غَيْرِ عُقُوبَةِ اللَّهِ) أَمَّا هِيَ فَلَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهَا إذْ لَا طَالِبَ لَهَا مُعَيَّنٌ وَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ الْمَالِيَّ الَّذِي لَا طَالِبَ لَهُ مُعَيَّنٌ لَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيهِ.
اهـ. م د. وَقَوْلُهُ: أَنَّ حَقَّ اللَّهِ الْمَالِيَّ أَيْ كَالزَّكَاةِ أَيْ إذَا كَانَ الْمُسْتَحِقُّونَ غَيْرَ مَحْصُورِينَ اهـ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ مَعَ وُجُودِ قَاضٍ) أَيْ إذَا كَانَ الْمُحَكَّمُ مُجْتَهِدًا أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ قَاضِي ضَرُورَةً فَيَمْتَنِعُ التَّحْكِيمُ لِوُجُودِ الْقُضَاةِ وَلَوْ قُضَاةَ ضَرُورَةٍ كَمَا نَقَلَهُ ز ي عَنْ م ر. إلَّا إذَا كَانَ الْقَاضِي يَأْخُذُ مَالًا لَهُ وَقَعَ فَيَجُوزُ التَّحْكِيمُ حِينَئِذٍ، كَمَا قَالَهُ ح ل قَالَ ز ي: وَهَلْ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُتَحَاكِمَيْنِ مِمَّنْ يَجُوزُ الْحُكْمُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حَتَّى يَمْتَنِعَ فِيمَا لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَعْضَهُ وَجْهَانِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْقِيَاسُ الِاشْتِرَاطُ لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى الْقَاضِي اهـ ع ن. قَوْلُهُ: (حُكْمُهُ) أَيْ الْمُحَكَّمِ وَلَا بُدَّ مِنْ الرِّضَا لَفْظًا فَلَا يَكْفِي السُّكُوتُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا) بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَوْلِيَةٌ مِنْهُ وَرَدَ فِي الْكِفَايَةِ هَذَا الْبِنَاءُ بِأَنَّ ابْنَ الصَّبَّاغِ وَغَيْرَهُ قَالُوا: لَيْسَ التَّحْكِيمُ تَوْلِيَةً فَلَا يَحْسُنُ الْبِنَاءُ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَحَلَّ هَذَا إذَا صَدَرَ التَّحْكِيمُ مِنْ غَيْرِ قَاضٍ اهـ. شَرْحُ الْبَهْجَةِ فَلَوْ حَكَّمَا اثْنَيْنِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُ أَحَدِهِمَا حَتَّى يَجْتَمِعَا بِخِلَافِ تَوْلِيَةِ قَاضِيَيْنِ لِيَجْتَمِعَا عَلَى الْحُكْمِ لِظُهُورِ الْفَرْقِ أَيْ لِأَنَّ الْقَاضِيَيْنِ يَقَعُ بَيْنَهُمَا الْخِلَافُ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ الْحَكَمَيْنِ وَفِيهِ أَنَّ الْحَكَمَيْنِ قَدْ يَكُونَانِ مُجْتَهِدَيْنِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا نَادِرٌ وَعِبَارَةُ ع ش وَلَوْ حَكَّمَ اثْنَيْنِ أَيْ كُلٌّ مِنْ خَصْمَيْنِ اُشْتُرِطَ اجْتِمَاعُهُمَا بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ فِي الْقَاضِيَيْنِ: لِظُهُورِ الْفَرْقِ وَهُوَ أَنَّ التَّوْلِيَةَ لِلْمُحَكَّمِ إنَّمَا هِيَ مِنْ الْخَصْمَيْنِ وَرِضَاهُمَا مُعْتَبَرٌ.
فَالْحُكْمُ مِنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ حُكْمٌ بِغَيْرِ رِضَا الْخَصْمِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَكْفِي رِضَا جَانٍ) بِأَنْ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ دَمًا فَتَنَازَعَا فِي إثْبَاتِهِ فَحَكَّمَا شَخْصًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا فَحَكَمَ بِأَنَّ الْقَتْلَ خَطَأٌ فَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ إلَّا بِرِضَا عَاقِلَةِ الْجَانِي وَهَذَا فِي قُوَّةِ قَوْلِهِ: يُشْتَرَطُ زِيَادَةٌ عَلَى رِضَا الْمُحَكَّمَيْنِ رِضَا الْعَاقِلَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَظَهَرَ ارْتِبَاطُهُ بِمَا قَبْلَهُ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَلَا يَكْفِي رِضَا جَانٍ أَيْ بِالْإِقْرَارِ بِأَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْمَجْنِيُّ فَأَقَرَّ بِالْجِنَايَةِ وَكَانَتْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، فَلَا يَسْرِي هَذَا الْإِقْرَارُ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَلَا يَكْفِي رِضَاهُ بِسَبَبِ الْإِقْرَارِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُمْ أَيْضًا أَوْ الثُّبُوتِ، كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَعِبَارَتُهُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُمْ أَيْضًا بِهِ وَلَوْ كَانُوا فُقَرَاءَ لِأَنَّهُمْ لَا يُؤَاخَذُونَ بِإِقْرَارِهِ، فَكَيْفَ يُؤَاخَذُونَ بِرِضَاهُ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ رَجَعَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ) بِأَنْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمُحَكَّمِ عَزَلْتُك فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ.
قَوْلُهُ:

أَهْلِيَّةُ الْقَاضِي بِنَحْوِ جُنُونٍ كَإِغْمَاءٍ انْعَزَلَ وَلَوْ عَادَتْ لَمْ تَعُدْ وِلَايَتُهُ، وَلَهُ عَزْلُ نَفْسِهِ كَالْوَكِيلِ، وَلِلْإِمَامِ عَزْلُهُ بِخَلَلٍ وَأَفْضَلَ مِنْهُ وَبِمَصْلَحَةٍ كَتَسْكِينِ فِتْنَةٍ . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَرُمَ وَنَفَذَ عَزْلُهُ إنْ وُجِدَ ثَمَّ صَالِحُ وَإِلَّا فَلَا يَنْفُذُ وَلَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ بُلُوغِهِ عَزْلَهُ.
فَإِنْ عَلَّقَ عَزْلَهُ بِقِرَاءَتِهِ كَاتِبًا انْعَزَلَ بِهَا وَبِقِرَاءَتِهِ عَلَيْهِ، وَيَنْعَزِلُ بِانْعِزَالِهِ نَائِبُهُ لَا قَيِّمُ يَتِيمٍ وَوَقْفٍ وَلَا مَنْ اسْتَخْلَفَهُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ اسْتَخْلِفْ عَنِّي وَلَا يَنْعَزِلُ قَاضٍ وَوَالٍ بِانْعِزَالِ الْإِمَامِ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ مُتَوَلٍّ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَلَا مَعْزُولٍ

[حاشية البجيرمي]

امْتَنَعَ) أَيْ الْحُكْمُ وَلَيْسَ لِلْمُحَكَّمِ أَنْ يَحْبِسَ بَلْ غَايَتُهُ الْإِثْبَاتُ وَالْحُكْمُ وَإِذَا حَكَمَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعُقُوبَاتِ كَالْقَوَدِ وَحَدِّ الْقَذْفِ لَمْ يَسْتَوْفِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْرِمُ أُبَّهَةَ الْوُلَاةِ أَيْ فَخْرَهُمْ وَشَرَفَهُمْ وَعَظَمَتَهُمْ وَمَنْصِبَهُمْ.
قَوْلُهُ: (بِنَحْوِ جُنُونٍ كَإِغْمَاءٍ) كَانَ الْأَوْلَى الِاقْتِصَارَ عَلَى الْإِغْمَاءِ فَيَقُولُ: بِنَحْوِ إغْمَاءٍ.
قَوْلُهُ: (كَإِغْمَاءٍ) وَإِنْ قَلَّ الزَّمَنُ م ر. وَلَوْ لَحْظَةً خِلَافًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى فِي نَحْوِ الشَّرِيكِ مِقْدَارَ مَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ هُنَا مَا لَا يُحْتَاطُ ثَمَّ وَيَنْعَزِلُ بِمَرَضٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ.
وَقَدْ عَجَزَ مَعَهُ عَنْ الْحُكْمِ س ل. وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَلَوْ زَالَتْ أَهْلِيَّتُهُ: بِنَحْوِ جُنُونٍ وَإِغْمَاءٍ كَغَفْلَةٍ وَصَمَمٍ وَنِسْيَانٍ يُخِلُّ بِالضَّبْطِ وَفِسْقٍ انْعَزَلَ لِوُجُودِ الْمُنَافِي، وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ عَقْدٌ جَائِزٌ وَلَوْ كَانَ قَاضِي ضَرُورَةٍ وَوُلِّيَ مَعَ فِسْقِهِ وَزَادَ فِسْقُهُ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ عُرِضَ عَلَى مَنْ وَلَّاهُ لَرَضِيَ بِهِ وَوَلَّاهُ لَمْ يَنْعَزِلْ وَإِلَّا انْعَزَلَ.
اهـ. م ر ز ي. قَوْلُهُ: (وَلَوْ عَادَتْ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ عَمًى وَصَمَمًا.
وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا: أَنَّ الْأَعْمَى إذَا عَادَ بَصِيرًا عَادَتْ وِلَايَتُهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ الصَّمَمُ ح ل. وَنَقَلَ سم عَلَى م ر وَاعْتَمَدَهُ فِي الْعَمَى وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ مَانِعًا لَا سَالِبًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَعُدْ وِلَايَتُهُ) كَالْوَكَالَةِ وَالثَّانِي تَعُودُ كَالْأَبِ وَالْجَدِّ إذَا جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ أَوْ فَسَقَ ثُمَّ تَابَ وَمِثْلُ الْأَبِ فِي هَذَا الْحُكْمِ الْجَدُّ وَالْحَاضِنَةُ وَالنَّاظِرُ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ شَرْحُ م ر وع ش عَلَيْهِ.
وَالْقَاعِدَةُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ الْوِلَايَةُ إذَا انْعَزَلَ لَمْ تَعُدْ وِلَايَتُهُ إلَّا بِتَوْلِيَةٍ ثَانِيًا إلَّا أَرْبَعَةٌ الْأَبُ وَالْجَدُّ وَالنَّاظِرُ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَمَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ.
اهـ. م د مَعَ زِيَادَةٍ.
قَوْلُهُ: (بِخَلَلٍ) كَكَثْرَةِ الشَّكَاوَى مِنْهُ أَوْ ظَنِّ أَنَّهُ ضَعُفَ أَوْ زَالَتْ هَيْبَتُهُ فِي الْقُلُوبِ اهـ. وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ شَرْحُ م ر وَعِبَارَة الزِّيَادِيِّ قَوْلُهُ: بِخَلَلٍ أَيْ لَا يَقْتَضِي انْعِزَالُهُ أَمَّا ظُهُورُ مَا يَقْتَضِيهِ فَلَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى عَزْلٍ لِانْعِزَالِهِ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَبِأَفْضَلَ) أَيْ أَوْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ خَلَلٌ وَهُنَاكَ أَفْضَلُ مِنْهُ فَلَهُ عَزْلُهُ رِعَايَةً لِلْأَصْلَحِ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا يَجِبُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ وِلَايَةَ الْمَفْضُولِ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ لِأَنَّ الْغَرَضَ حُدُوثُ الْأَفْضَلِ بَعْدَ الْوِلَايَةِ فَلَمْ يَقْدَحْ فِيهَا اهـ. وَهَذَا فِي الْأَمْرِ الْعَامِّ أَمَّا الْخَاصِّ كَإِمَامَةٍ وَتَدْرِيسٍ وَأَذَانٍ وَتَصَوُّفٍ وَنَظَرٍ وَنَحْوِهَا فَلَا تَنْعَزِلُ أَرْبَابُهَا بِالْعَزْلِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ كَمَا أَفْتَى بِهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ شَرْحُ م ر. وَالْعِبْرَةُ فِي السَّبَبِ الَّذِي يَقْتَضِي الْعَزْلَ بِعَقِيدَةِ الْحَاكِمِ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حَرُمَ) أَيْ بِخِلَافِ الْقَاضِي فَإِنَّ لَهُ عَزْلَ نُوَّابِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ بُلُوغِهِ عَزْلُهُ) مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ كَمَا فِي ز ي وَعِبَارَةُ ح ل قَوْلُهُ: وَلَا يَنْعَزِلُ قَبْلَ بُلُوغِهِ عَزْلُهُ بِرَفْعِ عَزْلُ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ وَالْمُضَافُ إلَيْهِ هُوَ الْمَفْعُولُ اهـ. فَلَهُ الْحُكْمُ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَنَائِبُهُ مِثْلُهُ فَلَا يَنْعَزِلُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ بُلُوغِهِ الْعَزْلُ وَإِنْ بَلَغَ الْآخَرَ ق ل. قَالَ الْعَنَانِيُّ: وَيَثْبُتُ عَزْلُهُ بِعَدْلَيْ شَهَادَةٍ أَوْ اسْتِفَاضَةٍ لَا بِإِخْبَارِ وَاحِدٍ وَلَا يَكْفِي كِتَابٌ مُجَرَّدٌ وَإِنْ خَفَتْ قَرَائِنُ تُبْعِدُ تَزْوِيرَ مِثْلِهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عُلِّقَ عَزْلُهُ إلَخْ) وَلَوْ كَتَبَ إلَيْهِ عَزَلْتُك أَوْ أَنْتَ مَعْزُولٌ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيقٍ عَلَى الْقِرَاءَةِ لَمْ يَنْعَزِلْ مَا لَمْ يَأْتِهِ الْكِتَابُ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ.
وَلَوْ جَاءَهُ بَعْضُ الْكِتَابِ وَانْمَحَى مَوْضِعُ الْعَزْلِ لَمْ يَنْعَزِلْ وَإِلَّا انْعَزَلَ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ ز ي. قَوْلُهُ: (انْعَزَلَ بِهَا) وَبِقِرَاءَتِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمَعْنَى إذَا بَلَغَك الْعَزْلُ وَيَكْفِي قِرَاءَةُ مَحَلِّ الْعَزْلِ فَقَطْ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (وَيَنْعَزِلُ بِانْعِزَالِهِ نَائِبُهُ) الرَّاجِحُ أَنَّ نَائِبَهُ لَا يَنْعَزِلُ إلَّا إذَا بَلَغَهُ الْعَزْلُ ز ي وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْأَصْلَ فَيَنْعَزِلُ حِينَئِذٍ النَّائِبُ لَا الْأَصْلُ وَكَذَا لَوْ بَلَغَ الْعَزْلُ الْأَصْلَ دُونَ النَّائِبِ فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ الْأَصْلُ دُونَ النَّائِبِ، خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ ح ل. قَوْلُهُ: (لَا قَيِّمُ يَتِيمٍ وَوَقْفٍ) الْمُرَادُ بِقَيِّمِ الْوَقْفِ نَاظِرُهُ نَعَمْ لَوْ كَانَ لِلْقَاضِي نَظَرُ وَقْفٍ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ.
فَأَقَامَ شَخْصًا عَلَيْهِ انْعَزَلَ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ نَائِبُهُ اهـ سم.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْعَزِلُ قَاضٍ) وَلَوْ قَاضِي ضَرُورَةٍ إذَا لَمْ يُوجَدْ مُجْتَهِدٌ صَالِحٌ أَمَّا مَعَ وُجُودِهِ فَإِنْ رَجَا تَوَلِّيَهُ انْعَزَلَ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي انْعِزَالِهِ.
اهـ. ع ن. قَوْلُهُ:

حَكَمْت بِكَذَا وَلَا شَهَادَةَ كُلٍّ بِحُكْمِهِ إلَّا إنْ شَهِدَ بِحُكْمِ حَاكِمٍ وَلَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي أَنَّهُ حُكْمُهُ.

وَلَوْ اُدُّعِيَ عَلَى مُتَوَلٍّ جَوْرٌ فِي حُكْمِهِ لَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
فَإِنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِهِ أَوْ عَلَى مَعْزُولٍ بِشَيْءٍ فَكَغَيْرِهِمَا وَتَثْبُتُ تَوْلِيَةُ الْقَاضِي بِشَاهِدَيْنِ يَخْرُجَانِ مَعَهُ إلَى مَحَلِّ وِلَايَتِهِ، يُخْبِرَانِ أَوْ بِاسْتِفَاضَةٍ.

وَيُسَنُّ أَنْ يَكْتُبَ مُوَلِّيهِ لَهُ كِتَابًا بِالتَّوْلِيَةِ وَأَنْ

[حاشية البجيرمي]

وَوَالٍ) كَالْأَمِيرِ وَالْمُحْتَسِبِ وَنَاظِرِ الْجَيْشِ وَوَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (بِانْعِزَالِ الْإِمَامِ) بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ لِشِدَّةِ الضَّرَرِ فِي تَعْطِيلِ الْحَوَادِثِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ وَلَّاهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ انْعَزَلَ، بِفَرَاغِهِ مِنْهُ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا تَوَلَّى الْقَضَاءَ نِيَابَةً عَنْ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ تَوْلِيَةِ الْقَاضِي لِنُوَّابِهِ فَإِنَّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَمِنْ ثَمَّ كَانَ لَهُ عَزْلُهُمْ بِغَيْرِ سَبَبٍ كَمَا مَرَّ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إلَّا بِسَبَبٍ اهـ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ مُتَوَلٍّ) أَيْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِنْشَاءِ شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ) وَلَوْ عَلَى أَهْلِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلٍ وَقَوْلُهُ: حَكَمْت مَقُولُ الْقَوْلِ سَوَاءٌ قَالَهَا عَلَى وَجْهِ الْإِقْرَارِ أَوْ الْإِنْشَاءِ وَقَوْلُهُ: وَلَا شَهَادَةَ كُلٌّ أَيْ مِنْ الْمَعْزُولِ وَالْمُتَوَلِّي فِي غَيْرِ مَحِلِّ وِلَايَتِهِ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ.
وَقِيلَ: تُقْبَلُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجُرَّ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَمْ يَدْفَعْ عَنْهَا ضَرَرًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا مَعْزُولٍ) خَرَجَ بِالْمَعْزُولِ مَا لَوْ قَالَ: قَبْلَ عَزْلِهِ، كُنْت حَكَمْت بِكَذَا فَإِنَّهُ يُقْبَلُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ حَتَّى لَوْ قَالَ: حَكَمْت عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْبَلْدَةِ بِطَلَاقِ نِسَائِهِمْ، وَعِتْقِ عَبِيدِهِمْ أَيْ وَهُنَّ مَحْصُورَاتٌ وَكَذَلِكَ الْعَبِيدُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ عُمِلَ بِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا اهـ ز ي. قَوْلُهُ: (وَلَا شَهَادَةَ كُلٍّ بِحُكْمِهِ) خَرَجَ بِحُكْمِهِ مَا لَوْ شَهِدَ أَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ، بِكَذَا فَيُقْبَلُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْمُرَادُ بِمَحَلِّ وِلَايَتِهِ نَفْسُ بَلَدِ قَضَائِهِ الْمَحُوطِ بِالسُّورِ وَالْبِنَاءِ الْمُتَّصِلِ بِهَا سم.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي) أَيْ الَّذِي أُقِيمَتْ الدَّعْوَةُ عِنْدَهُ وَقَوْلُهُ: إنَّهُ حُكْمُهُ أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الْمَعْزُولِ وَالْمُتَوَلِّي فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ وَشَرْحِهِ.
وَلَا شَهَادَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا بِحُكْمِهِ لِأَنَّهُ شَهِدَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ إلَّا إنْ شَهِدَ بِحُكْمِ حَاكِمٍ وَلَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي أَنَّهُ حُكْمُهُ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ كَمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ كَذَلِكَ فَإِنْ عَلِمَ الْقَاضِي أَنَّهُ حُكْمُهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ بِهِ اهـ. وَقَوْلُهُ: كَمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهَا حَيْثُ لَمْ تَطْلُبْ أُجْرَةً بِخِلَافِ الْقَاضِي إذَا شَهِدَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ.
وَالْفَرْقُ الِاحْتِيَاطُ لِأَمْرِ الْحُكْمِ.
اهـ. س ل. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَتُفَارِقُ الْمُرْضِعَةُ بِأَنَّ فِعْلَهَا غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْإِثْبَاتِ مَعَ أَنَّ شَهَادَتَهَا لَا تَتَضَمَّنُ تَزْكِيَةَ نَفْسِهَا بِخِلَافِ الْحَاكِمِ فِيهِمَا اهـ. وَقَوْلُهُ: وَيُفَارِقُ الْمُرْضِعَةَ حَيْثُ قَبِلَ شَهَادَتَهَا عَلَى فِعْلِ نَفْسِهَا بِأَنَّ فِعْلَهَا غَيْرُ مَقْصُودٍ بَلْ الْمَقْصُودُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ التَّحْرِيمِ وَقَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ شَهَادَتَهَا إلَخْ وَجْهُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِرْضَاعِ حُصُولُ اللَّبَنِ فِي جَوْفِ الطِّفْلِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ وَهَذَا الْمَعْنَى يَحْصُلُ بِإِرْضَاعِ الْفَاسِقَةِ اهـ ع ش.

قَوْلُهُ: (لَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِهِ) كَدَيْنٍ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (بِشَاهِدَيْنِ) كَذَا قَالُوا: وَقَالُوا: لَيْسَ هَذَا عَلَى قَوَاعِدِ الشَّهَادَاتِ إذْ لَيْسَ هُنَاكَ قَاضٍ تُؤَدَّى عَنْهُ الشَّهَادَةُ.
اهـ. ز ي. قَوْلُهُ: (يُخْبِرَانِ) أَيْ أَهْلَهُ بِهَا فَلَيْسَ الْمُرَادُ الشَّهَادَةَ الْمُعْتَبَرَةَ بَلْ مُجَرَّدَ الْإِخْبَارِ وَلَا حَاجَةَ لِلْإِتْيَانِ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ قَالَ ح ل: وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ وَإِلَّا ادَّعَى عِنْدَهُ وَأَثْبَتَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (أَوْ بِاسْتِفَاضَةٍ) أَيْ فِي مَحَلِّ التَّوْلِيَةِ س ل وَلَا تَثْبُتُ بِكِتَابٍ لِإِمْكَانِ تَحْرِيفِهِ أَيْ تَزْوِيرِهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82] . قَالَ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ مِنْ هَذَا مَأْخَذُ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَنَّ الْحُجَجَ لَا يَثْبُتُ بِهَا حُكْمٌ وَلَا شَهَادَةٌ وَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّذَكُّرِ فَقَطْ فَلَا تُثْبِتُ حَقًّا وَلَا تَمْنَعُهُ فَافْهَمْهُ، اهـ. وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ إخْبَارِ الْقَاضِي لَهُمْ وَلَا خِلَافَ فِيهِ إنْ لَمْ يُصَدِّقُوهُ فَإِنْ صَدَّقُوهُ فَفِي لُزُومِ طَاعَتِهِمْ لَهُ وَجْهَانِ فِي الْحَاوِي قَالَ بَعْضُهُمْ: وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ فِي الْوِلَايَةِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ طَاعَتُهُ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي ز ي وح ل.

قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ أَنْ يَكْتُبَ مُوَلِّيهِ) وَيَسْتَحِقُّ الْقَاضِي رِزْقَهُ مِنْ حِينِ الْعَمَلِ لَا مِنْ وَقْتِ التَّوْلِيَةِ صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَهَذَا مُشْعِرٌ بِجَوَازِ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَى الْقَضَاءِ

يَبْحَثَ الْقَاضِي عَنْ حَالِ عُلَمَاءِ الْمَحَلِّ وَعُدُولِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ، وَأَنْ يَدْخُلَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ فَخَمِيسٌ فَسَبْتٌ.

(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ) لِلْقَضَاءِ (فِي وَسَطِ الْبَلَدِ) لِيَتَسَاوَى أَهْلُهُ فِي الْقُرْبِ مِنْهُ هَذَا إنْ اتَّسَعَتْ خِطَّتُهُ، وَإِلَّا نَزَلَ حَيْثُ تَيَسَّرَ.
وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَوْضِعٌ يُعْتَادُ النُّزُولُ فِيهِ وَأَنْ يَنْظُرَ أَوَّلًا فِي أَهْلِ الْحَبْسِ لِأَنَّهُ عَذَابٌ فَمَنْ أَقَرَّ مِنْهُمْ بِحَقٍّ فَعَلَ بِهِ مُقْتَضَاهُ وَمَنْ قَالَ ظَلَمْت فَعَلَى خَصْمِهِ حُجَّةٌ.
فَإِنْ كَانَ خَصْمُهُ غَائِبًا كَتَبَ إلَيْهِ لِيَحْضُرَ هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ، ثُمَّ يَنْظُرَ فِي الْأَوْصِيَاءِ فَمَنْ وَجَدَهُ عَدْلًا قَوِيًّا فِيهَا أَقَرَّهُ أَوْ فَاسِقًا أَخَذَ الْمَالَ مِنْهُ أَوْ عَدْلًا ضَعِيفًا عَضَّدَهُ بِمُعِينٍ، ثُمَّ يَتَّخِذُ كَاتِبًا لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ عَدْلًا ذَكَرًا حُرًّا عَارِفًا بِكِتَابَةِ مَحَاضِرَ وَسِجِلَّاتٍ شَرْطًا فِيهَا فَقِيهًا عَفِيفًا وَافِرَ الْعَقْلِ، جَيِّدَ الْخَطِّ نَدْبًا وَأَنْ يَتَّخِذَ مُتَرْجِمِينَ.
وَأَنْ يَتَّخِذَ

[حاشية البجيرمي]

وَهُوَ كَذَلِكَ فَفِي التَّهْذِيبِ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَالْقَاضِي الْمُعْسِرِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ لَائِقَةٍ بِهِ أَمَّا أَخْذُهُ الْأُجْرَةَ عَلَى الْقَضَاءِ فَفِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْهَرَوِيِّ أَنَّ لَهُ: أَخْذَهَا إنْ كَانَتْ أُجْرَةً مِثْلُ عَمَلِهِ، إنْ لَمْ يَكُنْ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
اهـ. ز ي وَالرِّزْقُ بِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ وَبِالْكَسْرِ اسْمٌ لِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ.
اهـ. ع ش. قَوْلُهُ: (قَبْلَ دُخُولِهِ) إنْ تَيَسَّرَ وَإِلَّا فَحِينَ يَدْخُلُ هَذَا إنْ لَمْ يُمْكِنْ عَارِفًا بِهِمْ وَأَنْ يَدْخُلَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ اهـ. شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَقَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ لَا يَتَغَيَّرُ لِأَنَّ سَائِرَ الْأَلْوَانِ يُمْكِنُ تَغَيُّرُهَا بِخِلَافِ السَّوَادِ ع ش. قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَدْخُلَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ) أَيْ صَبِيحَتَهُ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ وَصَوْمُهُ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
اهـ. ز ي. وَيُجْمَعُ الِاثْنَيْنِ عَلَى أَثَانِينَ بِإِثْبَاتِ النُّونِ لِأَنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ فَلَا تُحْذَفُ نُونُهُ لِلْإِضَافَةِ اهـ خ ض.

قَوْلُهُ: (فِي وَسَطِ) بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى الْأَشْهَرِ وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى الْأَفْصَحِ وَيَجُوزُ إسْكَانُ السِّينِ بِخِلَافِ نَحْوِ وَسْطِ الْقَوْمِ فَهُوَ بِسُكُونِ السِّينِ أَكْثَرُ مِنْ فَتْحِهَا لِأَنَّ مَا كَانَ مُتَّصِلَ الْأَجْزَاءِ الْأَفْصَحُ فِيهِ الْفَتْحُ وَمَا كَانَ مُتَفَرِّقَهَا الْأَفْصَحُ فِيهِ السُّكُونُ.
قَوْلُهُ: (لِيَتَسَاوَى أَهْلُهُ) كَانَ الْمُرَادُ بِهَذَا تَسَاوِي كُلٍّ مَعَ نَظِيرِهِ فَأَهْلُ الْأَطْرَافِ يَتَسَاوَوْنَ وَكَذَا مَنْ يَلِيهِمْ وَهَكَذَا سم.
أَيْ لِأَنَّ السَّاكِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ وَسَطِ الْبَلَدِ لَيْسَ مُسَاوِيًا لِمَنْ مَسْكَنُهُ فِي أَطْرَافِهَا فَأَشَارَ إلَى أَنَّ التَّسَاوِيَ لِمَنْ فِي طَرَفٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ فِي الطَّرَفِ الْمُقَابِلِ لَهُ لَا مُطْلَقًا اهـ. قَوْلُهُ: (خِطَّتِهِ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْخِطَّةُ الْمَكَانُ الْمُحِيطُ لِلْعِمَارَةِ وَالْجَمْعُ خِطَطٍ مِثْلُ سِدْرَةٍ وَسِدَرٍ.
وَإِنَّمَا كُسِرَتْ الْخَاءُ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ عَلَى مَصْدَرِ افْتَعَلَ مِثْلُ اخْتَطَبَ خِطْبَةً وَارْتَدَّ رِدَّةً وَافْتَرَى فِرْيَةً ثُمَّ قَالَ: وَالْخُطَّةُ بِالضَّمِّ الْحَالَةُ وَالْخَصْلَةُ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَنْظُرَ أَوَّلًا) : أَيْ نَدْبًا بَعْدَ أَنْ يُنَادَى فِي الْبَلَدِ مُتَكَرِّرًا إنَّ الْقَاضِيَ يُرِيدُ النَّظَرَ فِي الْمَحْبُوسِينَ يَوْمَ كَذَا فَمَنْ لَهُ مَحْبُوسٌ فَلْيَحْضُرْ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (فَعَلَى خَصْمِهِ حُجَّةٌ) قِيلَ هَذَا مُشْكِلٌ لِأَنَّ وَضْعَهُ فِي الْحَبْسِ حُكْمٌ مِنْ الْقَاضِي الْأَوَّلِ بِحَبْسِهِ فَكَيْفَ يُكَلَّفُ الْخَصْمُ حُجَّةً سم وَيُمْكِنُ أَنْ يَحْبِسَهُ ظُلْمًا مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ خُصُوصًا فِي هَذَا الزَّمَانِ.
قَوْلُهُ: (كَتَبَ إلَيْهِ لِيَحْضُرَ) أَيْ أَوْ إلَى قَاضِي بَلَدِهِ لِيَأْمُرَهُ بِالْحُضُورِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ ح ل. قَوْلُهُ: (قَوِيًّا فِيهَا) أَيْ فِي الْوَصِيَّةِ بِمَعْنَى الْإِيصَاءِ عَضَّدَهُ أَيْ قَوَّاهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَتَّخِذُ كَاتِبًا) أَيْ نَدْبًا وَقَدْ كَانَ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُتَّابٌ فَوْقَ الْأَرْبَعِينَ مِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مَحَاضِرَ) الْمَحْضَرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَا يُكْتَبُ فِيهِ مَا جَرَى لِلْمُتَحَاكِمَيْنِ فِي الْمَجْلِسِ.
فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ أَوْ تَنْفِيذُهُ سُمِّيَ سِجِلًّا.
شَرْحُ الْمَنْهَجِ وَعِبَارَةُ ق ل مَحَاضِرُ جَمْعُ مَحْضَرٍ وَهُوَ مَا يُكْتَبُ فِيهِ صُورَةُ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَالسِّجِلَّاتُ جَمْعُ سِجِلٍّ وَهُوَ مَا يُكْتَبُ فِيهِ الْوَاقِعَةُ لَكِنْ يُحْفَظُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَالْكُتُبُ الْحُكْمِيَّةُ هِيَ مَا فِيهَا الْوَاقِعَةُ أَيْضًا لَكِنْ يَكْتُبُ الْقَاضِي خَطَّهُ عَلَيْهَا وَتُعْطَى لِلْخَصْمِ وَهِيَ الْمَعْرُوفَةُ بِالْحُجَجِ وَثَمَنُ وَرَقِ الْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ، وَنَحْوِهِمَا.
مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ فَعَلَى مَنْ أَرَادَ الْكِتَابَةَ فَإِنْ لَمْ يُرِدْ لَمْ يُجْبَرْ.
وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ، وَأُجْرَةُ الْكَاتِبِ وَلَوْ كَانَ الْكَاتِبُ الْقَاضِي وَثَمَنُ الْوَرَقِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الْمَحَاضِرُ وَالسِّجِلَّاتُ وَنَحْوُهُمَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ أَوْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِمَا هُوَ أَهَمُّ فَعَلَى مَنْ لَهُ الْعَمَلُ: الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ذَلِكَ إنْ شَاءَ كِتَابَةَ مَا جَرَى فِي خُصُومَتِهِ.
وَإِلَّا فَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ لَكِنْ يُعْلِمُهُ الْقَاضِي، أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكْتُبْ مَا جَرَى فَقَدْ يَنْسَى شَهَادَةَ الشُّهُودِ وَحُكْمَ نَفْسِهِ اهـ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَأُجْرَةُ كَاتِبِ الصُّكُوكِ أَيْ الْأَوْرَاقِ تَكُونُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِ الْمُسْتَحِقِّينَ

قَاضٍ أَصَمَّ مُسْمِعَيْنِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِمَا أَهْلَ شَهَادَةٍ وَلَا يَضُرُّهُمَا الْعَمَى لِأَنَّ التَّرْجَمَةَ وَالْإِسْمَاعَ تَفْسِيرٌ.
وَنَقْلُ اللَّفْظِ لَا يَحْتَاجُ إلَى مُعَايَنَةٍ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ وَأَنْ يَتَّخِذَ دِرَّةً لِلتَّأْدِيبِ وَسِجْنًا لِأَدَاءِ حَقٍّ وَلِعُقُوبَةٍ.
وَيَكُونُ جُلُوسُهُ (فِي مَوْضِعٍ) فَسِيحٍ (بَارِزٍ لِلنَّاسِ) أَيْ ظَاهِرٍ لَهُمْ لِيَعْرِفَهُ مَنْ أَرَادَهُ مِنْ مُسْتَوْطِنٍ وَغَرِيبٍ مَصُونًا مِنْ أَذَى حَرٍّ، وَبَرْدٍ بِأَنْ يَكُونَ فِي الصَّيْفِ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ وَفِي الشِّتَاءِ فِي كِنٍّ لَائِقًا بِالْحَالِ فَيَجْلِسُ فِي كُلِّ فَصْلٍ مِنْ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ وَغَيْرِهِمَا بِمَا يُنَاسِبُهُ وَيُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ حَاجِبًا كَمَا قَالَ: (لَا حَاجِبَ لَهُ) أَيْ لِلْقَاضِي (دُونَهُمْ) أَيْ الْخُصُومِ أَيْ حَيْثُ لَا زَحْمَةَ وَقْتَ الْحُكْمِ لِخَبَرِ: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا فَاحْتَجَبَ حَجَبَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، فَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ لِلْحُكْمِ بِأَنْ كَانَ فِي وَقْتِ خَلَوَاتِهِ أَوْ كَانَ ثَمَّ زَحْمَةٌ لَمْ يُكْرَهْ نَصْبُهُ وَالْبَوَّابُ وَهُوَ مَنْ يَقْعُدُ بِالْبَابِ لِلْإِحْرَازِ وَيَدْخُلُ عَلَى الْقَاضِي لِلِاسْتِئْذَانِ كَالْحَاجِبِ فِيمَا ذُكِرَ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا مَنْ وَظِيفَتُهُ تَرْتِيبُ الْخُصُومِ وَالْإِعْلَامُ بِمَنَازِل النَّاسِ أَيْ وَهُوَ الْمُسَمَّى الْآنَ بِالنَّقِيبِ فَلَا بَأْسَ بِاِتِّخَاذِهِ، وَصَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ بِاسْتِحْبَابِهِ.
تَنْبِيهٌ: مِنْ الْآدَابِ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى مُرْتَفِعٍ: كَدِكَّةٍ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَى النَّاسِ وَعَلَيْهِمْ الْمُطَالَبَةُ وَأَنْ يَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ بِفِرَاشٍ وَوِسَادَةٍ، وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا بِالزُّهْدِ وَالتَّوَاضُعِ لِيَعْرِفَهُ النَّاسُ وَلِيَكُونَ أَهْيَبَ لِلْخُصُومِ وَأَرْفَقَ بِهِ فَلَا يَمَلُّ وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْمَجَالِسِ كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
وَأَنْ لَا يَتَّكِئَ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَأَنْ يَدْعُوَ عَقِبَ جُلُوسِهِ بِالتَّوْفِيقِ وَالتَّسْدِيدِ.
وَالْأَوْلَى مَا رَوَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْت عَلَى اللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي

[حاشية البجيرمي]

وَإِنْ تَفَاوَتَتْ حِصَصُهُمْ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَهِيَ مَسْأَلَةٌ حَسَنَةٌ يَنْبَغِي مَعْرِفَتُهَا.
قَوْلُهُ: (شَرْطًا فِيهَا) أَيْ حَالَةَ كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَدْلِ وَمَا بَعْدَهُ شَرْطًا فِيهَا أَيْ فِي كِتَابَةِ مَحَاضِرَ وَسِجِلَّاتٍ هَكَذَا يُفْهَمُ شَوْبَرِيٌّ.
وَقِيلَ: هُوَ مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ شَرَطَ ذَلِكَ شَرْطًا.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَتَّخِذَ مُتَرْجِمِينَ) لِأَنَّ فِي تَبْلِيغِهِمَا الْقَاضِيَ كَلَامَ الْخَصْمَيْنِ شَهَادَةٌ فَلِذَلِكَ شُرِطَ تَعَدُّدُهُمَا بِخِلَافِ إبْلَاغِهِمَا كَلَامَ الْقَاضِي لِلْخَصْمِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعَدُّدُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَرْجِمَ إنْ كَانَ يُتَرْجِمُ كَلَامَ الْخُصُومِ لِلْقَاضِي اُشْتُرِطَ التَّعَدُّدُ وَإِنْ كَانَ يُتَرْجِمْ كَلَامَ الْقَاضِي لِلْخُصُومِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعَدُّدُ، وَأَمَّا الْمُسْمِعُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعَدُّدُ مُطْلَقًا قَالَ ز ي: وَاسْتُشْكِلَ اتِّخَاذُ الْمُتَرْجِمِ بِأَنَّ اللُّغَاتِ لَا تَنْحَصِرُ وَيَبْعُدُ حِفْظُ شَخْصٍ لِكُلِّهَا وَيَبْعُدُ أَنْ يَتَّخِذَ الْقَاضِي فِي كُلِّ لُغَةٍ مُتَرْجِمًا لِلْمَشَقَّةِ فَالْأَقْرَبُ أَنْ يَتَّخِذَ مَنْ يَعْرِفُ اللُّغَاتِ الَّتِي يَغْلِبُ وُجُودُهَا فِي عَمَلِهِ مَعَ أَنَّ فِيهِ عُسْرًا أَيْضًا اهـ. قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَتَّخِذَ قَاضٍ أَصَمَّ) أَيْ صَمَمًا لَا يُبْطِلُ سَمْعَهُ، شَرْحُ م ر وَإِلَّا فَالْأَصَمُّ: لَا يَصِحُّ كَوْنُهُ قَاضِيًا كَمَا مَرَّ اهـ. قَوْلُهُ: (مُسْمِعَيْنِ) وَقَدْ يُغْنِي عَنْهُمَا الْمُتَرْجِمَانِ قَالَ سم: وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُ الْمُسْمِعَيْنِ غَيْرَ الْمُتَرْجِمَيْنِ بَلْ إنْ حَصَلَ الْغَرَضَانِ بِاثْنَيْنِ بِأَنْ عَرِفَا لُغَاتِ الْقَاضِي وَالْخُصُومِ كَفَيَا فِي الْغَرَضَيْنِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ لِكُلِّ غَرَضٍ مَنْ يَقُومُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (دِرَّةً) بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَهِيَ سَوْطٌ مُتَّخَذٌ مِنْ جُلُودٍ، وَأَمَّا الْكُرْبَاجُ الْمَعْرُوفُ الْآنَ فَالضَّرْبُ بِهِ حَرَامٌ وَأَوَّلُ مَنْ اتَّخَذَهَا الْإِمَامُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَدِرَّةُ عُمَرَ كَانَتْ أَهْيَبَ مِنْ سَيْفِ الْحَجَّاجِ اهـ وَيُقَالُ كَانَتْ مِنْ نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا ضَرَبَ بِهَا أَحَدًا عَلَى ذَنْبٍ وَعَادَ إلَيْهِ بَعْدَهَا،.
اهـ. ق ل وَفِي الْمِصْبَاحِ الدِّرَّةُ السَّوْطُ وَالْجَمْعُ دِرَرٌ كَسِدْرَةٍ وَسِدَرٍ قَوْلُهُ: (وَسِجْنًا) : وَأُجْرَةُ السِّجْنِ عَلَى الْمَسْجُونِ لِأَنَّهَا أُجْرَةُ الْمَكَانِ الَّذِي شَغَلَهُ وَأُجْرَةُ السَّجَّانِ عَلَى صَاحِبِ الْحَقِّ إذَا لَمْ يَتَهَيَّأْ صُرِفَ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
اهـ. س ل. وَقَوْلُهُ: عَلَى الْمَسْجُونِ أَيْ وَلَوْ سُجِنَ بِغَيْرِ حَقٍّ لِأَنَّهَا أُجْرَةُ الْمَحَلِّ الَّذِي شَغَلَهُ.
اهـ. ح ل. وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ خَضِرٌ عَنْ تَقْرِيرِ شَيْخِهِ الزِّيَادِيِّ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ وَمَحْبُوسٌ ظُلْمًا وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَى الْحَابِسِ اهـ قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ حَاجِبًا) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ الْقَاضِي مِنْ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا يُمَكِّنْ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ عَامَّةَ النَّاسِ وَإِنَّمَا يُمَكِّنُ عُظَمَاءَهُمْ أَوْ مَنْ يَدْفَعُ لَهُ رِشْوَةً لِلتَّمْكِينِ وَإِلَّا فَيَحْرُمُ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (دُونَهُمْ) أَيْ عَنْهُمْ أَيْ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقَاضِي.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِمْ) أَيْ وَسَهُلَ عَلَيْهِمْ الْمُطَالَبَةُ لِحُقُوقِهِمْ وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلَ الْمُطَالَبَةِ الْمُخَاطَبَةُ.
قَوْلُهُ: (وَوِسَادَةٍ) لِيَكُونَ أَهْيَبَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الزُّهْدِ وَالتَّوَاضُعِ لِلْحَاجَةِ إلَى قُوَّةِ الرَّهْبَةِ، وَالْهَيْبَةِ،

أَعُوذُ بِك مِنْ أَنْ أَضِلَّ، أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» قَالَ فِي الْأَذْكَارِ: حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: وَسَمِعْت أَنَّ الشَّعْبِيَّ كَانَ يَقُولُهُ إذَا خَرَجَ إلَى مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَيَزِيدُ فِيهِ: " أَوْ أَعْتَدِي أَوْ يُعْتَدَى عَلَيَّ اللَّهُمَّ أَعِنِّي بِالْعِلْمِ وَزَيِّنِي بِالْحِلْمِ وَأَكْرِمْنِي بِالتَّقْوَى حَتَّى لَا أَنْطِقَ إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا أَقْضِيَ إلَّا بِالْعَدْلِ ". وَأَنْ يَأْتِيَ الْمَجْلِسَ رَاكِبًا وَيَسْتَعْمِلَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الْعِمَامَةِ وَالطَّيْلَسَانِ، وَيُنْدَبُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى النَّاسِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَأَنْ يُشَاوِرَ الْفُقَهَاءَ عِنْدَ اخْتِلَافِ وُجُوهِ النَّظَرِ وَتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ فِي حُكْمٍ قَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَغْنِيًا عَنْهَا، وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ تَصِيرَ سُنَّةً لِلْحُكَّامِ.
أَمَّا الْحُكْمُ الْمَعْلُومُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ فَلَا.
وَالْمُرَادُ بِالْفُقَهَاءِ كَمَا قَالَهُ جَمْعٌ مِنْ الْأَصْحَابِ الَّذِينَ يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي الْإِفْتَاءِ فَيَدْخُلُ الْأَعْمَى وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ، وَيَخْرُجُ الْفَاسِقُ وَالْجَاهِلُ (وَلَا يَقْعُدُ لِلْقَضَاءِ فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ يُكْرَهُ لَهُ اتِّخَاذُهُ مَجْلِسًا لِلْحُكْمِ صَوْنًا لَهُ عَنْ ارْتِفَاعِ الْأَصْوَاتِ وَاللَّغَطِ الْوَاقِعَيْنِ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ عَادَةً.
وَلَوْ اتَّفَقَتْ قَضِيَّةٌ أَوْ قَضَايَا وَقْتَ حُضُورٍ فِيهِ لِصَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَا بَأْسَ بِفَصْلِهَا، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ خُلَفَائِهِ فِي الْقَضَاءِ فِي الْمَسْجِدِ وَكَذَا إذَا احْتَاجَ لِجُلُوسٍ فِيهِ لِعُذْرٍ مِنْ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ.
فَإِنْ جَلَسَ فِيهِ مَعَ الْكَرَاهَةِ أَوْ دُونَهَا مَنَعَ الْخُصُومَ مِنْ الْخَوْضِ فِيهِ بِالْمُخَاصَمَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ وَنَحْوِهِمَا.
بَلْ يَقْعُدُونَ خَارِجَهُ وَيَنْصِبُ مَنْ يُدْخِلُ عَلَيْهِ خَصْمَيْنِ خَصْمَيْنِ وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ فِيهِ

[حاشية البجيرمي]

وَمِنْ ثَمَّ كُرِهَ جُلُوسُهُ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ شَرْحُ م ر. قَوْلُهُ: (أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ) بِبِنَاءِ الْأَوَّلِ لِلْمَعْلُومِ وَالثَّانِي لِلْمَجْهُولِ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ وَهِيَ أَلْفَاظٌ مُتَقَارِبَةٌ وَقَوْلُهُ: أَزِلَّ بِالزَّايِ لَا بِالذَّالِ.
وَقَوْلُهُ: أَوْ أَجْهَلَ أَيْ أَسْفَهَ وَأَجْتَرِئَ عَلَى النَّاسِ أَوْ يُفْعَلَ بِي ذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ: أَوْ أَجْهَلَ أَيْ أَفْعَلَ فِعْلَ الْجَهَلَةِ، أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ أَيْ يَفْعَلُ النَّاسُ بِي أَفْعَالَ الْجَهَالَةِ مِنْ إيصَالِ الضَّرَرِ إلَيَّ.
قَوْلُهُ: (وَيَزِيدُ فِيهِ) أَيْ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُشَاوِرَ الْفُقَهَاءَ) الْأُمَنَاءَ وَلَوْ أَدْوَنَ مِنْهُ.
وَفِي الْخَصَائِصِ وَشَرْحِهَا لِلْمُنَاوِيِّ: وَاخْتَصَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوُجُوبِ الْمُشَاوَرَةِ عَلَيْهِ لِذَوِي الْأَحْلَامِ الْعُقَلَاءِ فِي الْأَمْرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] أَيْ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ وَحْيٌ بِمَا يَصِحُّ أَنْ يُشَاوِرَ فِيهِ لِيَصِيرَ سُنَّةً وَلِتَطْيِيبِ قُلُوبِهِمْ وَوُجُوبُ الْمُشَاوَرَةِ هُوَ مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَقِيلَ إنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ لِمَا نَقَلَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ وَصَرَفَ الشَّافِعِيُّ الْأَمْرَ إلَى النَّدْبِ وَعِبَارَتُهُ فِي الْأُمِّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْآيَةَ وَقَالَ الْحَسَنُ: إنْ كَانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَغَنِيًّا عَنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَنَّ بِذَلِكَ الْحُكَّامُ بَعْدَهُ إذَا نَزَلَ بِالْحَاكِمِ أَمْرٌ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أَوْ يُشْكِلُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَ جَاهِلًا لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِمُشَاوَرَتِهِ وَلَا عَالِمًا غَيْرَ أَمِينٍ وَلَكِنَّهُ يُشَاوِرُ مَنْ جَمَعَ الْعِلْمَ وَالْأَمَانَةَ وَفِي الْمُشَاوَرَةِ رِضَا الْخَصْمِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «مَا رَأَيْت أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ غَنِيَّانِ عَنْهَا وَلَكِنْ جَعَلَهَا اللَّهُ رَحْمَةً فِي أُمَّتِي فَمَنْ شَاوَرَ مِنْهُمْ لَمْ يَعْدَمْ رُشْدًا وَمَنْ تَرَكَ الْمَشُورَةَ مِنْهُمْ لَمْ يَعْدَمْ عَنَاءً» وَقَدْ قِيلَ: الِاسْتِشَارَةُ حِصْنٌ مِنْ النَّدَامَةِ اهـ. قَوْلُهُ: (عِنْدَ اخْتِلَافِ وُجُوهِ النَّظَرِ) أَيْ طُرُقِهِ وَقَوْلُهُ: وَتَعَارُضِ؛ عَطْفُ سَبَبٍ.
قَوْلُهُ: (مُسْتَغْنِيًا عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْمُشَاوَرَةِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ) أَيْ فَلَا يُشَاوِرْهُمْ فِيهِ كَقِيَاسِ الضَّرْبِ عَلَى التَّأْفِيفِ فَالْفَارِقُ بَيْنَ الضَّرْبِ وَالتَّأْفِيفِ وَهُوَ أَنَّ الضَّرْبَ إيذَاءٌ بِالْفِعْلِ وَالتَّأْفِيفَ إيذَاءٌ بِالْقَوْلِ مَثَلًا مَقْطُوعٌ بِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ حُرْمَةُ الضَّرْبِ، أَيْ لَا يَنْفِيهَا فَلَوْ حَكَمَ بِعَدَمِ تَعْزِيرِ مَنْ ضَرَبَ أَبَاهُ لِكَوْنِ الضَّرْبِ لَيْسَ حَرَامًا بَطَلَ حُكْمُهُ اهـ. قَوْلُهُ: (صَوْنًا لَهُ عَنْ ارْتِفَاعِ الْأَصْوَاتِ) وَلِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى إحْضَارِ الْمَجَانِينِ وَالصِّغَارِ وَالْحُيَّضِ وَالْكُفَّارِ.
شَرْحُ م ر وَمَا يَقَعُ فِي بِلَادٍ كَثِيرٍ مِنْ الْأَرْيَافِ أَنَّ الذِّمِّيَّ قَابِضُ الْمَالِ يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ وَيَجْتَمِعُ عِنْدَهُ مَنْ يَشْرَبُ الدُّخَّانَ وَفِي ذَلِكَ.
فَلَا يَتَوَقَّفُ فِي تَحْرِيمِهِ وَيَجِبُ إنْكَارُهُ وَإِخْرَاجُهُ عَلَى كُلِّ قَادِرٍ وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُلْتَزِمِ إذَا عَلِمَ بِذَلِكَ اهـ

أَشَدُّ كَرَاهَةً كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ.

ثُمَّ شَرَعَ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فَقَالَ: (وَيُسَوِّي) أَيْ الْقَاضِي (بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ) وُجُوبًا عَلَى الصَّحِيحِ (فِي ثَلَاثَةٍ) بَلْ سَبْعَةِ (أَشْيَاءَ) كَمَا سَتَعْرِفُهُ الْأَوَّلُ (فِي الْمَجْلِسِ) فَيُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِيهِ بِأَنْ يُجْلِسَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ وَالْجُلُوسُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْلَى وَلَا يَرْتَفِعُ الْمُوَكِّلُ عَنْ الْوَكِيلِ وَالْخَصْمِ لِأَنَّ الدَّعْوَى مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ أَيْضًا بِدَلِيلِ تَحْلِيفِهِ إذَا وَجَبَتْ يَمِينٌ حَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الزَّبِيلِيِّ وَأَقَرَّهُ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ حَسَنٌ وَالْبَلْوَى بِهِ عَامَّةٌ وَقَدْ رَأَيْنَا مَنْ يُوَكِّلُ فِرَارًا مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُ رَفْعِ مُسْلِمٍ عَلَى ذِمِّيٍّ فِي الْمَجْلِسِ كَأَنْ يَجْلِسَ الْمُسْلِمُ أَقْرَبَ إلَيْهِ مِنْ الذِّمِّيِّ، لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إلَى السُّوقِ، فَإِذَا هُوَ بِنَصْرَانِيٍّ يَبِيعُ دِرْعًا فَعَرَفَهَا عَلِيٌّ فَقَالَ: هَذِهِ دِرْعِي بَيْنِي وَبَيْنَك قَاضِي الْمُسْلِمِينَ فَأَتَيَا إلَى الْقَاضِي شُرَيْحٍ فَلَمَّا رَأَى الْقَاضِي عَلِيًّا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَأَجْلَسَهُ.
فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: لَوْ كَانَ خَصْمِي مُسْلِمًا لَجَلَسْت مَعَهُ بَيْنَ يَدَيْك وَلَكِنِّي سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لَا تُسَاوُوهُمْ فِي الْمَجَالِسِ» اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ.
فَقَالَ شُرَيْحٌ: مَا تَقُولُ يَا نَصْرَانِيُّ؟ فَقَالَ: الدِّرْعُ دِرْعِي فَقَالَ شُرَيْحٌ لِعَلِيٍّ: هَلْ مِنْ بَيِّنَةٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ: صَدَقَ شُرَيْحٌ، فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ أَحْكَامُ الْأَنْبِيَاءِ ثُمَّ أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ فَأَعْطَاهُ عَلِيٌّ الدِّرْعَ وَحَمَلَهُ عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَقَدْ رَأَيْته يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ وَيُشْبِهُ كَمَا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا أَنْ يَجْرِيَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ وُجُوهِ الْإِكْرَامِ، حَتَّى فِي التَّقْدِيمِ فِي الدَّعْوَى كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا قَلَّتْ خُصُومُ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ لِكَثْرَةِ ضَرَرِ

[حاشية البجيرمي]

رَحْمَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ اتَّفَقَتْ قَضِيَّةٌ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: أَنْ يَتَّخِذَ أَيْ يَعُدَّهُ وَيُهَيِّئَهُ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: (وُجُوبًا عَلَى الصَّحِيحِ) : مُقَابِلُهُ النَّدْبُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا سَتَعْرِفُهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ السَّبْعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْجُلُوسُ بَيْنَ يَدَيْهِ) وَكَوْنُ الْجُلُوسِ عَلَى الرُّكَبِ أَوْلَى م ر. قَوْلُهُ: (وَلَا يَرْتَفِعُ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْوَكِيلِ) يَعْنِي أَنَّ الشَّخْصَ إذَا وَكَّلَ فِي خُصُومَةٍ وَحَضَرَ مَعَ الْوَكِيلِ وَالْخَصْمِ فَلَا يُرْفَعُ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْوَكِيلِ وَالْخَصْمِ لِأَنَّ الدَّعْوَى مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ.
بِدَلِيلِ تَحْلِيفِهِ إذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى التَّحْلِيفِ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَمِثْلُهُمَا وَكِيلَاهُمَا فِي الْخُصُومَةِ.
وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ كَثِيرًا مِنْ التَّوْكِيلِ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ وَرْطَةِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ جَهْلٌ قَبِيحٌ اهـ. قَوْلُهُ: (بِهِ) أَيْ بِالْمُوَكِّلِ فِي الدَّعْوَى.
قَوْلُهُ: (الزَّبِيلِيِّ) بِالزَّايِ أَوْ بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَهُوَ الصَّوَابُ أَيْ مَعَ كَسْرِ الْبَاءِ نِسْبَةٌ إلَى زَبِيلٍ قَرْيَةٌ بِالرَّمْلَةِ أَوْ بِالدَّالِ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ مَضْمُومَةٍ نِسْبَةٌ إلَى دَبِيلٍ مَدِينَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ السِّنْدِ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ فِي اللُّبِّ وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: دَبِيلٌ كَأَمِيرٍ مَوْضِعٌ بِالسِّنْدِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي اللُّبِّ وَلَا فِي الْقَامُوسِ الزَّبِيلِيُّ بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ أَصْلًا وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا وَلَا ذَكَرَا أَنَّ زَبِيلًا اسْمُ بَلَدٍ أَوْ مَكَان يُنْسَبُ إلَيْهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي إهْمَالِ الدَّالِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي النِّسْبَةِ إلَى دَيْبَلٍ أَوْ دَبِيلٍ بِتَقْدِيمِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الْمُثَنَّاةِ السَّاكِنَةِ التَّحْتِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ ارْتِفَاعِ الْمُوَكِّلِ عَلَى الْوَكِيلِ وَالْخَصْمِ.
قَوْلُهُ: (جَوَازُ) هَذَا جَوَازٌ بَعْدَ امْتِنَاعٍ فَيَصْدُقُ بِالْوُجُوبِ فَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْوُجُوبُ كَمَا فِي شَرْحِ م ر. قَوْلُهُ: (قَالَ: خَرَجَ عَلِيٌّ) أَيْ وَكَانَ إذْ ذَاكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَكَانَ شُرَيْحٌ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ وَقَوْلُهُ فَقَالَ شُرَيْحٌ: مَا تَقُولُ يَا نَصْرَانِيُّ أَيْ بَعْدَ تَقَدُّمِ دَعْوَى مِنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ بِأَنَّ الدِّرْعَ لَهُ لِيَظْهَرَ قَوْلُ شُرَيْحٍ مَا تَقُولُ يَا نَصْرَانِيُّ وَكَانَ شُرَيْحٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَكَانَ مِنْ أَعْلَمْ النَّاسِ بِالْقَضَاءِ وَكَانَ أَحَدَ السَّادَاتِ الطُّلْسِ وَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، الَّذِي يُضْرَبُ بِحِلْمِهِ الْمَثَلُ وَالرَّابِعُ شُرَيْحٌ هَذَا، وَالْأَطْلَسُ الَّذِي لَا شَعْرَ فِي وَجْهِهِ.
قَوْلُهُ: (بَيْنِي وَبَيْنَك) أَيْ يَفْصِلُ بَيْنِي وَبَيْنَك إلَخْ.
قَوْلُهُ: (صَدَقَ شُرَيْحٌ) أَتَى بِهَذَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنَاسِبٍ فِي الْجَوَابِ لِأَجْلِ أَنْ يَسْمَعَهُ خَصْمُهُ الَّذِي هُوَ النَّصْرَانِيُّ فَيَعْرِفُ أَنَّ قُضَاةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْحَقِّ.
قَوْلُهُ: (فَأَعْطَاهُ عَلِيٌّ الدِّرْعَ) لَعَلَّ الْمَعْنَى تَرْكُهُ لَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَخْذِهِ بِالْبَيِّنَةِ وَإِلَّا فَعَلِيٌّ لَمْ يَنْزِعْهُ مِنْهُ وَلَا أَثْبَتَهُ لَهُ أَيْ لَا بِالْبَيِّنَةِ وَلَا بِالْيَمِينِ أَيْ الْمَرْدُودَةِ اهـ م د. قَوْلُهُ: (عَتِيقٍ) أَيْ جَيِّدٍ وَهُوَ مَا أَبَوَاهُ عَرَبِيَّانِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ) عَطْفٌ عَلَى لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ.
قَوْلُهُ: (ذَلِكَ) أَيْ الرَّفْعُ الصَّادِقُ بِالرَّفْعِ الْمَعْنَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (لِكَثْرَةِ ضَرَرِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ لِكَثْرَةِ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ لِلذِّمِّيِّينَ بِتَقْدِيمِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَالْمَفْعُولُ

الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذِمِّيًّا وَالْآخَرُ مُرْتَدًّا فَيَتَّجِهُ تَخْرِيجُهُ عَلَى التَّكَافُؤِ فِي الْقِصَاصِ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ دُونَ عَكْسِهِ وَتَعَجَّبَ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ هَذَا التَّخْرِيجِ فَإِنَّ التَّكَافُؤَ فِي الْقِصَاصِ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بِسَبِيلٍ وَلَوْ اعْتَبَرْنَاهُ لَرُفِعَ الْحُرُّ عَلَى الْعَبْدِ وَالْوَالِدُ عَلَى الْوَلَدِ.
(وَ) الثَّانِي فِي اسْتِمَاعِ (اللَّفْظِ) مِنْهُمَا لِئَلَّا يَنْكَسِرَ قَلْبُ أَحَدِهِمَا.
(وَ) الثَّالِثُ فِي (اللَّحْظِ) بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ وَهُوَ النَّظَرُ بِمُؤْخِرِ الْعَيْنِ كَمَا قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَعْنَى فِيهِ مَا تَقَدَّمَ.
وَ (الرَّابِعُ) (فِي دُخُولِهِمَا عَلَيْهِ، فَلَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ) . (وَالْخَامِسُ) فِي الْقِيَامِ لَهُمَا فَلَا يَخُصُّ أَحَدَهُمَا بِقِيَامٍ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ فِي خُصُومَةٍ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ إلَّا بَعْدَ قِيَامِهِ لَهُ فَإِمَّا أَنْ يَعْتَذِرَ لِخَصْمِهِ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ يَقُومَ لَهُ كَقِيَامِهِ لِلْأَوَّلِ، وَهُوَ الْأَوْلَى وَاخْتَارَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ كَرَاهَةَ الْقِيَامِ لَهُمَا جَمِيعًا فِي آدَابِ الْقَضَاءِ لَهُ أَيْ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مِمَّنْ يُقَامُ لَهُ دُونَ الْآخَرِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْقِيَامَ لَيْسَ لَهُ.
(وَالسَّادِسُ) فِي جَوَابِ سَلَامِهِمَا إنْ سَلَّمَا مَعًا فَلَا يَرُدُّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَيَتْرُكُ الْآخَرَ فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا انْتَظَرَ الْآخَرَ، أَوْ قَالَ لَهُ: سَلِّمْ لِيُجِيبَهُمَا مَعًا إذَا سَلَّمَ قَالَ الشَّيْخَانِ: وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي هَذَا إذَا طَالَ الْفَصْلُ وَكَأَنَّهُمْ احْتَمَلُوا

[حاشية البجيرمي]

مَحْذُوفٌ أَيْ الْكُفَّارِ وَلَوْ قَالَ: لِكَثْرَةِ ضَرَرِ التَّأْخِيرِ لَكَانَ أَوْلَى.
وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ لِكَثْرَةِ ضَرَرِ التَّأْخِيرِ وَإِذَا ازْدَحَمَ مُدَّعُونَ قُدِّمَ وُجُوبًا مَنْ عُلِمَ سَبْقُهُ فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ سَبْقٌ بِأَنْ جُهِلَ أَوْ جَاءَا مَعًا قُدِّمَ بِقُرْعَةٍ وَالتَّقْدِيمُ فِيهِمَا بِدَعْوَى وَاحِدَةٍ لِئَلَّا يَطُولَ الزَّمَنُ فَيَتَضَرَّرَ الْبَاقُونَ وَلَكِنْ يُسَنُّ تَقْدِيمُ مُسَافِرِينَ مُسْتَوْفِزِينَ وَنِسْوَةٍ إنْ قَلُّوا وَالِازْدِحَامُ عَلَى الْمُفْتِي وَالْمُدَرِّسِ كَالِازْدِحَامِ عَلَى الْقَاضِي إنْ كَانَ الْعِلْمُ فَرْضًا وَإِلَّا فَالْخِيَرَةُ إلَى الْمُفْتِي وَالْمُدَرِّسِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ مِثْلُ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي التَّاجِرِ وَنَحْوِهِ مِنْ السُّوقَةِ.
كَذَا نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا ز ي. أَقُولُ: وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُهُ وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ لِإِضْرَارِ الْمُشْتَرِي وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنَّ الْخِيَرَةَ لَهُ لِأَنَّ الْبَيْعَ مِنْ أَصْلِهِ لَيْسَ وَاجِبًا بَلْ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ بَيْعِ بَعْضِ الْمُشْتَرَى وَيَبِيعَ بَعْضًا وَيَجْرِيَ مَا ذُكِرَ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَسْبَقِ ثُمَّ الْقُرْعَةُ مِنْ الْمُزْدَحِمِينَ عَلَى مُبَاحٍ وَمِنْهُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الِازْدِحَامِ عَلَى الطَّوَاحِينِ بِالرِّيفِ الَّتِي أَبَاحَ أَهْلُهَا الطَّحْنَ بِهَا لِمَنْ أَرَادَهُ وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَالِكِينَ لَهَا أَمَّا هُمْ فَيُقَدَّمُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّ غَيْرَهُمْ مُسْتَعِيرٌ مِنْهُمْ فَلَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ أَمَّا الْمَالِكُونَ إذَا اجْتَمَعُوا وَتَنَازَعُوا فِيمَنْ يُقَدَّمُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (فَيَتَّجِهُ تَخْرِيجُهُ) أَيْ تَفْرِيعُهُ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الذِّمِّيَّ يُرْفَعُ عَلَى الْمُرْتَدِّ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّحِيحُ) أَيْ فَيُرْفَعُ الذِّمِّيُّ عَلَى الْمُرْتَدِّ هَذَا إذَا تَدَاعَيَا وَمُنَازَعَةُ الْبُلْقِينِيُّ تُفِيدُ أَنَّهُ لَا جَامِعَ بَيْنَ الْمُكَافَأَةِ فِي الْقِصَاصِ وَوُجُوهِ الْإِكْرَامِ فِي الدَّعْوَى بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُرْفَعُ الْوَالِدُ عَلَى الْوَلَدِ وَلَا الْحُرُّ عَلَى الْعَبْدِ مَعَ عَدَمِ الْمُكَافَأَةِ بَيْنَهُمَا م د. قَوْلُهُ: (لَيْسَ مِمَّا إلَخْ) لَعَلَّ الْأَوْلَى لَيْسَ مِمَّا لَهُ مُنَاسَبَةٌ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ النَّظَرُ بِمُؤَخَّرِ الْعَيْنِ) لَيْسَ قَيْدًا.
قَوْلُهُ: (فِي الْقِيَامِ) أَيْ لِخَصْمِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَسْتَحِقُّ الْقِيَامَ فَقَطْ فَيَتْرُكُ الْقِيَامَ لَهُ مُحَافَظَةً عَلَى التَّسْوِيَةِ ز ي. قَوْلُهُ: (فَإِمَّا أَنْ يَعْتَذِرَ) بِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ جَاءَ فِي خُصُومَةٍ أَوْ يَقُولُ: قَصَدْت الْقِيَامَ لَكُمَا إنْ أَمْكَنَ ق ل. قَوْلُهُ: (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْقِيَامِ أَيْ مَنْ تَرَكَهُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِمَّا أَنْ يَقُومَ لَهُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْقِيَامِ لِضَرُورَةِ التَّسْوِيَةِ م ر. قَوْلُهُ: (لَيْسَ لَهُ) أَيْ مَعَ خَصْمِهِ بَلْ لِخَصْمِهِ فَقَطْ لِكَوْنِهِ هُوَ الَّذِي يُقَامُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (فِي جَوَابِ سَلَامِهِمَا) وَلَوْ قَرُبَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْقَاضِي وَبَعُدَ الْآخَرُ عَنْهُ وَطَلَبَ الْأَوَّلُ مَجِيءَ الْآخَرِ إلَيْهِ وَعَكَسَ الثَّانِي فَاَلَّذِي يَتَّجِهُ الرُّجُوعُ لِلْقَاضِي مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِشَرَفِ أَحَدِهِمَا أَوْ خِسَّتِهِ.
فَإِنْ قُلْت أَمْرُهُ بِنُزُولِ الشَّرِيفِ إلَى الْخَسِيسِ تَحْقِيرٌ لَهُ بِخِلَافِ عَكْسِهِ فَلْيَتَعَيَّنْ.
قُلْت: مَمْنُوعٌ لِأَنَّ قَصْدَ التَّسْوِيَةِ يَنْفِي النَّظَرَ لِذَلِكَ، نَعَمْ لَوْ قِيلَ: الْأَوْلَى ذَلِكَ لَمْ يَبْعُدْ كَذَا فِي التُّحْفَةِ وَيَتَّجِهُ الرُّجُوعُ لِلْقَاضِي أَيْضًا فِيمَا لَوْ قَامَ أَحَدُهُمَا وَجَلَسَ الْآخَرُ وَطَلَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُوَافَقَةَ الْآخَرِ مَعَ امْتِنَاعِهِ مِنْهَا شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُرَدُّ عَلَى أَحَدِهِمَا) أَيْ فَلَا يُقْصَدُ الرَّدُّ عَلَى أَحَدِهِمَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا انْتَظَرَ الْآخَرَ) اُسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ عَدَمُ انْتِظَارِهِ حَمْلًا عَلَى أَنَّ السَّلَامَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ فَحُصُولُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا كَأَنَّهُ مِنْهُمَا.
وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ سُنَّةَ كِفَايَةٍ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ تَعَدُّدُهُ وَدَفْعًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَرَى الْآتِي بِهِ لِنَفْسِهِ مَزِيَّةً عَلَى الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَالَ لَهُ: سَلِّمْ) فِيهِ أَنَّ هَذَا يُنَافِي مَا فِي شَرْحِ م ر. مِنْ أَنَّ شَرْطَ رَدِّ السَّلَامِ اتِّصَالُهُ بِهِ كَاتِّصَالِ الْإِيجَابِ بِالْقَبُولِ.
إلَّا أَنْ يُقَالَ: اُغْتُفِرَ هَذَا هُنَا لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا قَالَ ع ش عَلَيْهِ، وَبَقِيَ مَا لَوْ عَلِمَ عَدَمَ

هَذَا الْفَصْلَ لِئَلَّا يَبْطُلَ مَعْنَى التَّسْوِيَةِ.
(وَالسَّابِعُ) فِي طَلَاقَةِ الْوَجْهِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْإِكْرَامِ فَلَا يَخُصُّ أَحَدَهُمَا بِشَيْءٍ مِنْهَا وَإِنْ اخْتَلَفَ بِفَضِيلَةٍ أَوْ غَيْرِهَا

تَنْبِيهٌ: يُنْدَبُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ وَلَا يَبِيعَ بِنَفْسِهِ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ قَلْبُهُ عَمَّا هُوَ بِصَدَدِهِ.
وَلِأَنَّهُ قَدْ يُحَابِي فَيَمِيلُ قَلْبُهُ إلَى مَنْ يُحَابِيهِ، إذَا وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ حُكُومَةٌ وَالْمُحَابَاةُ فِيهَا رِشْوَةٌ أَوْ هَدِيَّةٌ، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ، وَأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ وَكِيلٌ مَعْرُوفٌ، كَيْ لَا يُحَابِيَ أَيْضًا فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كُرِهَ وَالْمُعَامَلَةُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ أَشَدُّ كَرَاهَةً.

(وَلَا يَجُوزُ) لِلْقَاضِي (أَنْ يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ)

[حاشية البجيرمي]

السَّلَامِ بِالْمَرَّةِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَهُ لَهُ: سَلِّمْ لِأُجِيبَكُمَا أَمْ لَا فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ.
قَوْلُهُ: (فِي طَلَاقَةِ الْوَجْهِ) أَيْ أَوْ عُبُوسَتِهِ م ر.

قَوْلُهُ: (تَنْبِيهٌ) : لَوْ قَدَّمَ هَذَا التَّنْبِيهَ أَوْ أَخَّرَهُ عَنْ الْمَتْنِ الْآتِي لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْهَدِيَّةِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُسَنُّ: تَرْكُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَكِيلِهِ الْمَعْرُوفِ فَإِنْ اشْتَرَى بِلَا مُحَابَاةٍ كَانَ الشِّرَاءُ مَكْرُوهًا وَإِنْ كَانَ بِمُحَابَاةٍ فَمَا حُوبِيَ بِهِ يَحْرُمُ قَبُولُهُ لِأَنَّهُ هَدِيَّةٌ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ.
قَوْلُهُ: (رِشْوَةٌ) أَيْ إنْ كَانَ لِأَجْلِ الْحُكْمِ بِالْبَاطِلِ أَوْ تَرْكِ الْحُكْمِ بِالْحَقِّ، وَقَوْلُهُ: أَنَّ هَدِيَّةً أَيْ إنْ كَانَ لِأَجْلِ الْإِكْرَامِ.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ) أَيْ الْإِحْدَى الْمَذْكُورَةُ.

قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ) شُرُوعٌ فِي بَعْضِ الْآدَابِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ الْقَاضِي عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ وَهُوَ عَدَمُ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْإِجْمَالِ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ تَحْرِيمُ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مُطْلَقًا لَكِنَّهُ فَصَّلَهُ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ أَهْدَى إلَخْ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَحَرُمَ قَبُولُهُ هَدِيَّةَ مَنْ لَا عَادَةَ لَهُ بِهَا قَبْلَ وِلَايَتِهِ أَوْ لَهُ عَادَةٌ، وَزَادَ عَلَيْهَا قَدْرًا أَوْ صِفَةً بِقَيْدٍ زِدْته فِيهِمَا فِي مَحَلِّهَا أَيْ وِلَايَتِهِ وَقَبُولِهِ وَلَوْ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا هَدِيَّةُ مَنْ لَهُ خُصُومَةٌ عِنْدَهُ وَإِنْ اعْتَادَهَا قَبْلَ وِلَايَتِهِ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ لِلْمُهْدِي خُصُومَةٌ فِي الْحَالِ أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ وُقُوعُهَا: عَلَى قُرْبٍ امْتَنَعَ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ الْمُهْدِي مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ أَمْ لَا كَانَ لَهُ عَادَةٌ بِالْهَدِيَّةِ أَمْ لَا، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ لِلْمُهْدِي خُصُومَةٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَادَةٌ بِالْهَدِيَّةِ امْتَنَعَ قَبُولُهَا أَيْضًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ أَمْ لَا.
وَإِنْ كَانَ لَهُ عَادَةٌ بِالْهَدِيَّةِ وَزَادَ عَلَيْهَا قَدْرًا أَوْ جِنْسًا أَوْ صِفَةً حَرُمَ قَبُولُهَا أَيْضًا عَلَى تَفْصِيلٍ فِي هَذِهِ يَأْتِي فِي الشَّرْحِ وَإِنْ كَانَ لَهُ عَادَةٌ وَلَمْ يَزِدْ لَا جِنْسًا وَلَا قَدْرًا وَلَا صِفَةً جَازَ قَبُولُهَا وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْأَجَانِبِ وَأَبْعَاضِ الْقَاضِي عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَمَا فِي الشَّرْحِ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ ضَعِيفٌ.
قَالَ فِي الْخَصَائِصِ وَشَرْحِهَا: وَاخْتَصَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِبَاحَةِ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مُطْلَقًا وَلَوْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ فَهِيَ حَلَالٌ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ فَإِنَّهُ رِشْوَةٌ فَتَحْرُمُ عَلَيْهِمْ خَوْفًا مِنْ الزَّيْغِ عَنْ الشَّرْعِ وَالْمَيْلِ مَعَ الْهَوَى لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ مَرْفُوعًا «مَا بَالُ الْعَامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ فَيَأْتِينَا فَيَقُولُ هَذَا مِنْ عَمَلِكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ فَنَظَرَ هَلْ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ فَوَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ إنْ كَانَ بَعِيرًا جَاءَ بِهِ لَهُ رُغَاءٌ وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً جَاءَ بِهَا لَهَا خُوَارٌ وَإِنْ كَانَتْ شَاةً جَاءَ بِهَا تَيْعَرُ فَقَدْ بَلَّغْت» أَيْ حُكْمَ اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْت بِهِ فِي هَذَا إلَيْكُمْ.
تَنْبِيه: يُنْدَبُ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ لِغَيْرِ الْحَاكِمِ حَيْثُ لَا شُبْهَةَ قَوِيَّةٌ فِيهَا وَحَيْثُ لَمْ يَظُنَّ الْمُهْدَى إلَيْهِ، أَنَّ الْمُهْدِيَ أَهْدَاهُ حَيَاءً أَوْ فِي مُقَابِلٍ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ الْقَبُولُ مُطْلَقًا فِي الْأُولَى وَإِلَّا إذَا أَثَابَهُ بِقَدْرِ مَا فِي ظَنِّهِ بِالْقَرَائِنِ فِي الثَّانِي وَيَنْبَغِي لِلْمُهْدَى إلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي الْهَدِيَّةِ عَقِبَ وُصُولِهَا بِمَا أُهْدِيَتْ لِأَجْلِهِ إظْهَارًا لِكَوْنِ الْهَدِيَّةِ فِي حَيِّزِ الْقَبُولِ وَأَنَّهَا وَقَعَتْ الْمَوْقِعَ وَوَصَلَتْ وَقْتَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَإِشَارَةً إلَى تَوَاصُلِ الْمَحَبَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُهْدَى إلَيْهِ حَتَّى إنَّ مَا أَهْدَاهُ إلَيْهِ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَى وَأَغْلَى وَلَا يَنْحَصِرُ ذَلِكَ فِي التَّأَلُّفِ وَنَحْوِهِ.
فَالْأَوْلَى فِعْلُ ذَلِكَ مَعَ مَنْ يَعْتَقِدُ صَلَاحَهُ أَوْ عِلْمَهُ أَوْ يَقْصِدُ جَبْرَ خَاطِرِهِ أَوْ دَفْعَ شَرِّهِ أَوْ نُفُوذَ شَفَاعَتِهِ عِنْدَهُ فِي مُهِمَّاتِ النَّاسِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ صِيغَةٌ بَلْ يَكْفِي الْبَعْثُ وَالْأَخْذُ اهـ. وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْحُكَّامِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ لَهُ خُصُومَةٌ وَكَذَا مِمَّنْ لَا خُصُومَةَ لَهُ.
إنْ لَمْ يُعْهَدْ مِنْهُ وَإِذَا قَبِلَهَا لَا

وَإِنْ قُلْتَ، فَإِنْ أَهْدَى إلَيْهِ مَنْ لَهُ خُصُومَةٌ فِي الْحَالِ عِنْدَهُ سَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّنْ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ (مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ) أَمْ لَا أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خُصُومَةٌ لَكِنَّهُ لَمْ يُهْدِ لَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ الْقَضَاءَ، ثُمَّ أَهْدَى إلَيْهِ بَعْدَ الْقَضَاءِ هَدِيَّةً حَرُمَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا.
أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِخَبَرِ: «هَدَايَا الْعُمَّالِ سُحْتٌ» وَرُوِيَ «هَدَايَا السُّلْطَانِ سُحْتٌ» ، وَلِأَنَّهَا تَدْعُو إلَى الْمَيْلِ إلَيْهِ، وَيَنْكَسِرُ بِهَا قَلْبُ خَصْمِهِ وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ سَبَبَهَا الْعَمَلُ ظَاهِرًا وَلَا يَمْلِكُهَا فِي الصُّورَتَيْنِ لَوْ قَبِلَهَا وَيَرُدُّهَا عَلَى مَالِكِهَا فَإِنْ تَعَذَّرَ وَضْعُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَهَا إلَيْهِ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَرُمَتْ وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ ذَكَرَ فِيهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهَيْنِ.

تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ هَدِيَّةُ أَبْعَاضِهِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ إذْ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لَهُمْ، وَلَوْ أَهْدَى إلَيْهِ مَنْ لَا خُصُومَةَ لَهُ،

[حاشية البجيرمي]

يَمْلِكُهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَذَلِكَ لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ مَرْفُوعًا «هَدَايَا الْعُمَّالِ، وَفِي رِوَايَةٍ: الْأُمَرَاءِ غُلُولٌ» بِضَمِّ الْغَيْنِ وَاللَّامِ أَصْلُهُ الْخِيَانَةُ لَكِنَّهُ شَاعَ فِي الْغُلُولِ فِي الْغَنِيمَةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا أَهْدَى الْعَامِلُ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ شَيْئًا فَقَبِلَهُ فَهُوَ خِيَانَةٌ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ دُونَهُمْ وَرَوَى أَبُو يَعْلَى «هَدَايَا الْعُمَّالِ حَرَامٌ كُلُّهَا» قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيهِ أَنَّ هَدَايَا الْعُمَّالِ تُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَأَنَّ الْعَامِلَ لَا يَمْلِكُهَا إلَّا إنْ طَلَبَهَا لَهُ الْإِمَامُ وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ فِي الْمُهَذَّبِ رَدَّ هَدِيَّةِ مَنْ كَانَ مَالُهُ حَرَامًا أَوْ عُرِفَ بِالظُّلْمِ وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ اشْتَهَى تُفَّاحًا وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ فَرَكِبَ فَتَلَقَّاهُ غِلْمَانُ الدَّيْرِ بِأَطْبَاقِ تُفَّاحٍ فَتَنَاوَلَ وَاحِدَةً فَشَمَّهَا ثُمَّ رَدَّهَا فَقِيلَ لَهُ أَلَمْ يَكُنْ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخَلِيفَتُهُ يَقْبَلُونَ الْهَدِيَّةَ فَقَالَ: إنَّهَا لِأُولَئِكَ هَدِيَّةٌ وَهِيَ لِلْعُمَّالِ بَعْدَهُمْ رِشْوَةٌ اهـ. وَسَائِرُ الْعُمَّالِ مِثْلُهُ فِي نَحْوِ الْهَدِيَّةِ كَمَشَايِخِ الْبُلْدَانِ لَكِنَّهُ أَغْلَظُ م ر وَع ش وَالضِّيَافَةُ وَالْهِبَةُ كَالْهَدِيَّةِ وَكَذَا الصَّدَقَةُ عَلَى الْأَوْجَهِ ز ي وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْقَاضِي مِمَّنْ حَضَرَ ضِيَافَةَ الْأَكْلِ مِنْهَا إلَّا إنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى رِضَا الْمَالِكِ وَمِثْلُهُ سَائِرُ الْعُمَّالِ وَمِنْهُ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ إحْضَارِ طَعَامٍ لِشَادِّ الْبَلَدِ أَوْ نَحْوِهِ مِنْ الْمُلْتَزِمِ أَوْ الْكَاتِبِ ع ش عَلَى م ر مُلَخَّصًا.
قَوْلُهُ: (مَنْ لَهُ خُصُومَةٌ) أَوْ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ سَيُخَاصِمُ وَلَوْ بَعْضَهُ فِيمَا يَظْهَرُ لِئَلَّا يَمْتَنِعَ مِنْ الْحُكْمِ عَلَيْهِ م ر خِلَافًا لِلْأَذْرَعِيِّ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى هَدِيَّةَ أَبْعَاضِهِ إذْ لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لَهُمْ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ز ي وَأَقَرَّهُ.
وَحَاصِلُ مَا فِي الْهَدِيَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ وَالْمُهْدِيَ إمَّا أَنْ يَكُونَا فِي مَحَلِّ الْوِلَايَةِ أَوْ خَارِجَهَا أَوْ الْقَاضِي دَاخِلًا وَالْمُهْدِي خَارِجًا أَوْ بِالْعَكْسِ فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَزِيدَ عَلَى عَادَتِهِ إنْ كَانَ لَهُ عَادَةٌ أَوْ لَا وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ خُصُومَةٌ أَوْ لَا فَهَذِهِ سِتَّ عَشْرَةَ صُورَةً وَكُلُّهَا حَرَامٌ، إلَّا إذَا كَانَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ أَوْ فِيهَا، وَلَمْ يَزِدْ الْمُهْدِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خُصُومَةٌ فِيهِمَا فَقَدْ صَرَّحَ سم: بِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ لَا تَحْرُمُ قَرَّرَهُ: شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ أَكَانَ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ أَمْ لَا) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ لَيْسَ قَيْدًا كَمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَهْدَى إلَيْهِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ أَوْ لَا وَلَكِنْ يُقَيَّدُ الثَّانِي بِمَا إذَا أَهْدَى لِلْقَاضِي فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَإِلَّا بِأَنْ ذَهَبَ الْقَاضِي إلَيْهِ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ فَأَهْدَى لَهُ جَازَ قَبُولُهَا وَهَذَا أَيْ قَوْلُهُ: ثُمَّ أَهْدَى إلَيْهِ لَا حَاجَةَ لَهُ لِأَنَّهُ فَرْضُ الْكَلَامِ.
قَوْلُهُ: (حَرُمَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا) جَوَابُ إنْ وَمَحَلُّ الْحُرْمَةِ إذَا كَانَ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ الْإِطْلَاقَ وَقَوْلُهُ: فَلِخَبَرِ هَدَايَا إلَخْ.
فِيهِ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَدُلَّ الْحَدِيثُ عَلَى الْأَمْرَيْنِ أَيْ مَنْ لَا عَادَةَ لَهُ أَوْ لَهُ عَادَةٌ وَزَادَ عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (سُحْتٌ) بِضَمَّتَيْنِ وَإِسْكَانِ الثَّانِي تَخْفِيفٌ وَهُوَ كُلُّ مَالٍ حَرَامٍ لَا يَحِلُّ كَسْبُهُ وَلَا أَكْلُهُ.
اهـ. مِصْبَاحٌ.
وَسُمِّيَ سُحْتًا لِأَنَّهُ يُسْحِتُ أَيْ يُذْهِبُ الْبَرَكَةَ.
قَوْلُهُ: (السُّلْطَانِ) الْمُرَاد بِهِ مَا يَشْمَلُ نُوَّابَهُ كَالْقَاضِي قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ الْهَدَايَا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعِصْمَتِهِ وَفِي خَبَرِ أَنَّهَا أُحِلَّتْ لِمُعَاذٍ فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمُهْدِي.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَعَذَّرَ) أَيْ الرَّدُّ.
قَوْلُهُ: (وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَهَا) أَيْ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ عَمَلِ الْقَاضِي وَإِنَّمَا أَفْرَدَ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ، لِلْخِلَافِ فِيهِ وَإِلَّا فَلَوْ أَتَى بِهَا بِنَفْسِهِ لِلْقَاضِي حَرُمَ قَبُولُهَا أَيْضًا لَكِنْ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، بِخِلَافِ الَّذِي فِي الشَّرْحِ.

قَوْلُهُ: (يُسْتَثْنَى) فِي

وَكَانَ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ جَازَ لَهُ قَبُولُهَا إنْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ بِقَدْرِ الْعَادَةِ السَّابِقَةِ.
وَالْأَوْلَى إذَا قَبِلَهَا أَنْ يَرُدَّهَا أَوْ يُثِيبَ عَلَيْهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْعَدُ عَنْ التُّهْمَةِ أَمَّا إذَا زَادَتْ عَلَى الْعَادَةِ، فَكَمَا لَوْ لَمْ يُعْهَدْ مِنْهُ ذَلِكَ كَذَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَقَضِيَّتُهُ: تَحْرِيمُ الْجَمِيعِ.
لَكِنْ قَالَ الرُّويَانِيُّ نَقْلًا عَنْ الْمُهَذَّبِ إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ جِنْسِ الْهَدِيَّةِ جَازَ قَبُولُهَا لِدُخُولِهَا فِي الْمَأْلُوفِ وَإِلَّا فَلَا وَفِي الذَّخَائِرِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ الزِّيَادَةُ أَيْ بِجِنْسٍ أَوْ قَدْرٍ حَرُمَ قَبُولُ الْجَمِيعِ وَإِلَّا فَالزِّيَادَةُ فَقَطْ.
وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ فَإِنْ زَادَتْ فِي الْمَعْنَى، كَأَنْ أَهْدَى مَنْ عَادَتُهُ قُطْنٌ حَرِيرًا هَلْ يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ أَوْ يَصِحُّ مِنْهَا بِقَدْرِ الْمُعْتَادِ فِيهِ نَظَرٌ، اسْتَظْهَرَ الْإِسْنَوِيُّ الْأَوَّلَ وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ كَانَ لِلزِّيَادَةِ وَقْعٌ، وَإِلَّا فَلَا عِبْرَةَ بِهَا وَالضِّيَافَةُ وَالْهِبَةُ كَالْهَدِيَّةِ وَالْعَارِيَّةِ إنْ كَانَتْ مِمَّا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ فَحُكْمُهَا كَالْهَدِيَّةِ، وَإِلَّا فَلَا كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا أَنَّ الصَّدَقَةَ كَالْهَدِيَّةِ، وَأَنَّ الزَّكَاةَ كَذَلِكَ إنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ الدَّفْعُ إلَيْهِ وَمَا بَحَثَهُ ظَاهِرٌ وَقَبُولُ الرِّشْوَةِ حَرَامٌ وَهِيَ مَا يُبْذَلُ لِلْقَاضِي لِيَحْكُمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ أَوْ

[حاشية البجيرمي]

م ر وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الِاسْتِثْنَاءِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا امْتَنَعَ بِسَبَبِ الْهَدِيَّةِ مِنْ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ: (هَدِيَّةُ أَبْعَاضِهِ) مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِفَاعِلِهِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيْ لِلْقَاضِي كَأَبِيهِ وَابْنِهِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ يُهْدَى إلَيْهِ) أَيْ وَلَوْ مَرَّةً.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوْلَى إذَا قَبِلَهَا أَنْ يَرُدَّهَا) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَرُدَّهَا أَوْ يُثِيبَ عَلَيْهَا إذَا قَبِلَهَا لِأَنَّ الْقَبُولَ قَيْدٌ فِي الْإِثَابَةِ فَقَطْ لَا فِي الرَّدِّ لِأَنَّهُ إذَا رَدَّهَا لَا يَكُونُ قَابِلًا لَهَا.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ قَالَ الرُّويَانِيُّ: إلَخْ) قَوْلٌ ثَانٍ وَكَلَامُ الذَّخَائِرِ ثَالِثٌ وَمَا قَبْلَهُمَا أَوَّلُ فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
الْمُعْتَمَدُ كَلَامُ الذَّخَائِرِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ الْمُهَذَّبِ) كَذَا فِي خَطِّهِ وَصَوَابُهُ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَنْ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الرُّويَانِيَّ أَقْدَمُ مِنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ صَاحِبِ الْمُهَذَّبِ.
وَحَاصِلُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ أَنَّ الْمُهْدِيَ إنْ زَادَ عَلَى الْعَادَةِ بَعْدَ الْمَنْصِبِ فَفِيهِ احْتِمَالَاتٌ ثَلَاثٌ: الْأَوَّلُ تَحْرِيمُ الْجَمِيعِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْجِنْسِ أَوْ لَا.
وَالثَّانِي إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْجِنْسِ جَازَ قَبُولُ الْجَمِيعِ.
وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ تَتَمَيَّزَ الزِّيَادَةُ جِنْسًا أَوْ قَدْرًا فَتَحْرُمُ وَحْدَهَا أَوْ لَا تَتَمَيَّزُ فَيَحْرُمُ الْجَمِيعُ.
وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِسَبَبِ تَغْيِيرِ جِنْسِ الْهَدِيَّةِ بِأَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ يُهَادِيَ بِالْقُطْنِ فَهَادَاهُ بَعْدَ الْمَنْصِبِ بِالْحَرِيرِ فَهَلْ يَحْرُمُ الْجَمِيعُ أَوْ مُقَابِلُ مَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الْقُطْنِ مِنْ الْحَرِيرِ احْتِمَالَانِ رَجَحَ الْإِسْنَوِيُّ مِنْهُمَا الْأَوَّلَ وَقَيَّدَهُ بِمَا إذَا كَانَ لِلزِّيَادَةِ وَقْعٌ وَإِلَّا فَلَا يَحْرُمُ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمَأْلُوفِ) أَيْ فِي الْهَدِيَّةِ وَقَوْلُهُ: وَفِي الذَّخَائِرِ رَدٌّ لِكَلَامِ الرُّويَانِيِّ.
قَوْلُهُ: (أَيْ بِجِنْسٍ) وَمِثَالُ تَمَيُّزِ الزِّيَادَةِ بِالْجِنْسِ أَنْ يُهْدِيَ لَهُ إرْدَبَّ قَمْحٍ وَإِرْدَبَّ أَرُزٍّ مَنْ كَانَ يُهْدِي لَهُ إرْدَبَّ قَمْحٍ فَقَطْ وَمِثَالُ تَمَيُّزِهَا بِالْقَدْرِ أَنْ يُهْدِيَ إلَيْهِ إرْدَبَّيْ قَمْحٍ مَنْ كَانَ يُهْدِي لَهُ إرْدَبًّا فَقَطْ قَالَ ق ل وَحَاصِلُهُ: إنَّهُ إنْ كَانَتْ الْهَدِيَّةُ بِقَدْرِ مَا كَانَ يُهْدِي إلَيْهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً جَازَ قَبُولُهَا وَإِلَّا فَيَحْرُمُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَدْرٍ) بِأَنْ كَانَتْ مُتَمَيِّزَةً بِصِفَةٍ بِأَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ إرْدَبَّ قَمْحٍ رَدِيئًا فَأَهْدَى لَهُ أَعْلَى.
قَوْلُهُ: (فِي الْمَعْنَى) أَيْ لَا فِي الْجِنْسِ وَهَذَا هُوَ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِ الذَّخَائِرِ وَإِنَّمَا أَعَادَهُ لِأَجْلِ الْخِلَافِ.
قَوْلُهُ: (كَالْهَدِيَّةِ) فَيَفْصِلُ بَيْنَ مِنْ عَادَتِهِ ذَلِكَ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَمَنْ لَا.
قَوْلُهُ: (وَالْعَارِيَّةُ إنْ كَانَتْ مِمَّا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ) كَسُكْنَى دَارٍ وَرُكُوبِ دَابَّةٍ.
قَوْلُهُ: (الرِّشْوَةِ) . بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ م ر. قَوْلُهُ: (لِيَحْكُمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) أَفْهَمَ أَنَّهُ لَوْ رَشَا لِيَحْكُمَ بِالْحَقِّ جَازَ الدَّفْعُ وَإِنْ كَانَ يَحْرُمُ عَلَى الْقَاضِي الْأَخْذُ عَلَى الْحُكْمِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ أُعْطِيَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَمْ لَا وَفِي حَاشِيَةِ ابْنِ لُقَيْمَةَ عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ مَا حَاصِلُهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْقَضَاءِ أَمْ لَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ إلَى جَوَازِ أَخْذِ الْقَاضِي الْأُجْرَةَ عَلَى الْحُكْمِ لِأَنَّهُ شَغَلَهُ الْحُكْمُ عَنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ، وَكَرِهَهُ طَائِفَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ مِنْهُمْ مَسْرُوقٌ وَرَخَّصَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: وَإِذَا كَانَ الْقَاضِي فَقِيرًا فَالْأَفْضَلُ بَلْ الْوَاجِبُ أَخْذُ كِفَايَتِهِ وَإِذَا كَانَ غَنِيًّا فَالْأَفْضَلُ الِامْتِنَاعُ عَنْ أَخْذِ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ رِفْقًا بِبَيْتِ الْمَالِ.
وَقِيلَ: الْأَخْذُ هُوَ الْأَصَحُّ صِيَانَةً لِلْقَضَاءِ عَنْ الْهَوَانِ، وَنَظَرًا لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ الْمُحْتَاجِينَ وَيَأْخُذُ بَقِيَّةَ الْكِفَايَةِ لَهُ وَلِعِيَالِهِ وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: لَا يُعْجِبُنِي وَإِنْ كَانَ بِقَدْرِ عَمَلِهِ مِثْلُ وَلِيِّ الْيَتِيمِ وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَضَى بِجَوْرٍ أَوْ بِخِلَافِ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ فَحُكْمُهُ مَرْدُودٌ فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ وَأَخْطَأَ فَالْإِثْمُ سَاقِطٌ، وَالضَّمَانُ لَازِمٌ فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ فِي قَتْلٍ فَالدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَعَلَى

لِيَمْتَنِعَ مِنْ الْحُكْمِ بِالْحَقِّ وَذَلِكَ لِخَبَرِ: «لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ» .

فُرُوعٌ: لَيْسَ لِلْقَاضِي حُضُورُ وَلِيمَةِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ حَالَةَ الْخُصُومَةِ، وَلَا حُضُورُهُ وَلِيمَتِهِمَا.
وَلَوْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ، لِخَوْفِ الْمَيْلِ وَلَهُ تَخْصِيصُ إجَابَةِ مَنْ اعْتَادَ تَخْصِيصَهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَيُنْدَبُ لَهُ إجَابَةُ غَيْرِ الْخَصْمَيْنِ إنْ عَمَّمَ الْمُولِمُ النِّدَاءَ لَهَا وَلَمْ يَقْطَعْهُ كَثْرَةُ الْوَلَائِمِ عَنْ الْحُكْمِ وَإِلَّا فَيَتْرُكُ الْجَمِيعَ، وَلَا يُضِيفُ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَلَا يَلْتَحِقُ فِيمَا ذُكِرَ الْمُفْتِي وَالْوَاعِظُ وَمُعَلِّمُو الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ إذْ لَيْسَ لَهُمْ أَهْلِيَّةُ الْإِلْزَامِ وَلِلْقَاضِي أَنْ يَشْفَعَ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، وَيَزِنَ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَنْفَعُهُمَا وَأَنْ يُعِيدَ الْمَرْضَى، وَيَشْهَدَ الْجَنَائِزَ وَيَزُورَ الْقَادِمِينَ، وَلَوْ كَانُوا مُتَخَاصِمِينَ لِأَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ.

(وَيَجْتَنِبُ الْقَاضِي الْقَضَاءَ) أَيْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ (فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ) وَأَهْمَلَ مَوَاضِعَ كَمَا سَتَعْرِفُهَا.
وَضَابِطُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُكْرَهُ لِلْقَاضِي الْقَضَاءُ فِيهَا كُلُّ حَالٍ يَتَغَيَّرُ فِيهَا خُلُقُهُ وَكَمَالُ عَقْلِهِ: الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ (عِنْدَ الْغَضَبِ) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ: «لَا يَحْكُمُ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهِ وَلَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لَا.
وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَشْوِيشُ الْفِكْرِ وَهُوَ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ نَعَمْ تَنْتَفِي الْكَرَاهَةُ إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الْحُكْمِ فِي الْحَالِ وَقَدْ يَتَعَيَّنُ الْحُكْمُ عَلَى الْفَوْرِ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ.
(وَ) الثَّانِي عِنْدَ (الْجُوعِ وَ) الثَّالِثُ عِنْدَ (الْعَطَشِ) الْمُفْرِطَيْنِ وَكَذَا عِنْدَ الشِّبَعِ الْمُفْرِطِ وَأَهْمَلَهُ الْمُصَنِّفُ (وَ) الرَّابِعُ عِنْدَ (شِدَّةِ الشَّهْوَةِ) أَيْ التَّوَقَانِ إلَى النِّكَاحِ.
(وَ) الْخَامِسُ عِنْدَ (الْحُزْنِ) الْمُفْرِطِ فِي مُصِيبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
(وَ) السَّادِسُ عِنْدَ (الْفَرَحِ الْمُفْرِطِ) وَلَوْ قَالَ الْمُفْرِطَيْنِ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ قَيْدٌ فِي الْحُزْنِ أَيْضًا كَمَا مَرَّ.
(وَ) السَّابِعُ عِنْدَ (الْمَرَضِ) الْمُؤْلِمِ كَمَا قَيَّدَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ (وَ) الثَّامِنُ مِنْ (مُدَافَعَةِ) أَحَدِ (الْأَخْبَثَيْنِ) أَيْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَلَوْ ذَكَرَ أَحَدٌ كَمَا قَدَّرْته فِي كَلَامِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِإِفَادَةِ الِاكْتِفَاءِ بِهِ وَكَرَاهَتِهِ عِنْدَ مُدَافَعَتِهِمْ بِالْأَوْلَى وَكَذَا يُكْرَهُ عِنْدَ مُدَافَعَةِ الرِّيحِ.
كَمَا ذَكَرَهُ الدَّمِيرِيُّ وَأَهْمَلَهُ الْمُصَنِّفُ (وَ) التَّاسِعُ عِنْدَ (النُّعَاسِ) أَيْ غَلَبَتِهِ كَمَا قُيِّدَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ (وَ) الْعَاشِرُ عِنْدَ شِدَّةِ (الْحَرِّ وَ) شِدَّةِ (الْبَرْدِ) وَأَهْمَلَ الْمُصَنِّفُ عِنْدَ الْخَوْفِ الْمُزْعِجِ، وَعِنْدَ الْمَلَالِ وَقَدْ جَزَمَ بِهِمَا فِي الرَّوْضَةِ وَإِنَّمَا كُرِهَ

[حاشية البجيرمي]

عَاقِلَتِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.
اهـ. قَسْطَلَّانِيٌّ مُلَخَّصًا.

قَوْلُهُ: (تَخْصِيصُ إجَابَةِ مَنْ اعْتَادَ إلَخْ) أَيْ وَيُفَصَّلُ فِيهَا كَمَا يُفَصَّلُ فِي الْهَدِيَّةِ فَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ الضِّيَافَةُ بِشَيْءٍ عَلَى الْعَادَةِ السَّابِقَةِ حَلَّ ذَلِكَ وَإِلَّا حَرَامٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلْتَحِقُ فِيمَا ذُكِرَ إلَخْ) الْعِبَارَةُ فِيهَا حَذْفٌ أَيْ لَا يَلْتَحِقُ بِالْقَاضِي فِيمَا ذَكَرَ الْمُفْتِي إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَمُعَلَّمِي الْقُرْآنِ) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ تَحْرِيفٌ وَفِي بَعْضِهَا وَمُعَلِّمُو الْقُرْآنِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَشْفَعَ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ) أَيْ عِنْدَ خَصْمِهِ بِالصَّبْرِ مُدَّةً مَثَلًا فَالْمُرَادُ بِالْأَحَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنْ يَقُولَ لِلْمُدَّعِي سَامِحْهُ مِنْ بَعْضِ الْحَقِّ، أَوْ كُلِّهِ لِوَجْهِ اللَّهِ مَثَلًا وَقَوْلُهُ وَيَزِنُ أَيْ يَدْفَعُ عَنْهُ مَا عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ مَوْزُونًا أَوْ مَكِيلًا.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يَنْفَعُهُمَا) أَيْ الْخَصْمَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرُ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى فَالنَّفْعُ فِيهَا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَطْ.
وَيُجَابُ بِأَنَّ فِي الْأُولَى يَنْتَفِعُ بِالثَّوَابِ.

قَوْلُهُ: (وَلَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لَا) رَدٌّ عَلَى الْبُلْقِينِيُّ حَيْثُ قَالَ: إنْ كَانَ الْغَضَبُ لَا كَرَاهَةَ، وَفِي الْخَصَائِصِ وَلَا يُكْرَهُ لَهُ الْفَتْوَى وَالْقَضَاءُ فِي حَالِ الْغَضَبِ لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْ الْغَضَبِ مَا يُخَافُ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّ غَضَبَهُ لِلَّهِ لَا لِحَظِّ نَفْسِهِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَقَضِيَّتُهُ جَوَازُ الْحُكْمِ لَهُ فِي حَالِ الْغَضَبِ وَتَعْلِيلُهُ: بِأَنَّهُ مَعْصُومٌ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ وَتُقْبَلَ وَيُحْكَمَ عَلَى عَدُوِّهِ لِعُمُومِ عِصْمَتِهِ وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا جَازَ لِسَامِعِهِ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ عَلَى فُلَانٍ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ الْإِقْرَارُ مِنْهُ لِعِصْمَةِ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الرُّويَانِيِّ فِي رَوْضَةِ الْحُكَّامِ وَتَبِعُوهُ وَكَانَ لَهُ قَتْلُ مَنْ اتَّهَمَهُ بِالزِّنَا مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ دِحْيَةَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمَقْصُودَ) الْأَوْلَى لِأَنَّ السَّبَبَ وَقَوْلُهُ: وَمُدَافَعَةُ الْأَخْبَثَيْنِ لَوْ قَالَ: وَمُدَافَعَةُ الْحَدَثِ لَكَانَ أَخْصَرَ.
قَوْلُهُ: (كَمَا قُيِّدَ بِهِ) أَيْ بِهَذَا الْقَيْدِ أَوْ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (وَعِنْدَ

الْقَضَاءُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ لِتَغَيُّرِ الْعَقْلِ وَالْخُلُقِ فِيهَا فَلَوْ خَالَفَ وَقَضَى فِيهَا، نَفَذَ قَضَاؤُهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ لِقِصَّةِ زُبَيْرٍ الْمَشْهُورَةِ.

وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَحْكُمُ لِرَقِيقِهِ، وَلَا لِشَرِيكِهِ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا لِلتُّهْمَةِ.
وَيَحْكُمُ لِلْقَاضِي وَلِمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ الْإِمَامُ أَوْ قَاضٍ آخَرُ أَوْ نَائِبُهُ وَإِذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَحَلَفَ الْمُدَّعِي الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى إقْرَارِهِ عِنْدَهُ فِي صُورَةِ الْإِقْرَارِ أَوْ عَلَى يَمِينِهِ فِي صُورَةِ النُّكُولِ أَوْ سَأَلَ الْحُكْمَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وَالْإِشْهَادَ بِهِ لَزِمَهُ إجَابَتُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يُنْكِرُ بَعْدَ ذَلِكَ.
(وَلَا يَسْأَلُ) الْقَاضِي (الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) الْجَوَابَ: أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ (إلَّا بَعْدَ كَمَالِ الدَّعْوَى) الصَّحِيحَةِ.

وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ كُلِّ دَعْوَى سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِدَمٍ أَمْ بِغَيْرِهِ كَغَصْبٍ وَسَرِقَةٍ وَإِتْلَافٍ سِتَّةُ شُرُوطٍ: الْأَوَّلُ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً غَالِبًا بِأَنْ يُفَصِّلَ الْمُدَّعِي مَا يَدَّعِيهِ كَقَوْلِهِ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ قَتَلَهُ عَمْدًا أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ أَوْ خَطَأً إفْرَادًا أَوْ شَرِكَةً، فَإِنْ أَطْلَقَ مَا يَدَّعِيهِ كَقَوْلِهِ: هَذَا قَتَلَ ابْنِي يُسَنُّ لِلْقَاضِي اسْتِفْصَالُهُ عَمَّا ذُكِرَ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُلْزَمَةً فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى هِبَةِ شَيْءٍ أَوْ بَيْعِهِ أَوْ إقْرَارٍ بِهِ حَتَّى يَقُولَ الْمُدَّعِي وَقَبَضْته بِإِذْنِ الْوَاهِبِ وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ أَوْ الْمُقِرَّ التَّسْلِيمُ.
وَالثَّالِثُ أَنْ يُعَيِّنَ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَلَوْ قَالَ: قَتَلَهُ أَحَدُ هَؤُلَاءِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ لِإِبْهَامِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
وَالرَّابِعُ وَالْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَيْرَ حَرْبِيٍّ لَا أَمَانَ لَهُ مُكَلَّفًا وَمِثْلُهُ السَّكْرَانُ فَلَا تَصِحُّ دَعْوَى حَرْبِيٍّ لَا أَمَانَ لَهُ وَلَا صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا دَعْوَى عَلَيْهِمْ.
وَالسَّادِسُ أَنْ لَا تُنَاقِضَهَا دَعْوَى أُخْرَى فَلَوْ ادَّعَى عَلَى أَحَدٍ إفْرَادَهُ بِالْقَتْلِ ثُمَّ ادَّعَى عَلَى آخَرَ شَرِكَةً أَوْ انْفِرَادًا لَمْ تُسْمَعْ الدَّعْوَى الثَّانِيَةُ لِأَنَّ الْأُولَى تُكَذِّبُهَا نَعَمْ إنْ صَدَّقَهُ الْآخَرُ فَهُوَ مُؤَاخَذٌ بِإِقْرَارٍ وَتُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الْعَوْدِ

[حاشية البجيرمي]

الْمَلَالُ) أَيْ السَّآمَةُ وَالتَّعَبُ قَوْلُهُ: (لِقِصَّةِ زُبَيْرٍ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الزُّبَيْرُ أَيْ حَيْثُ قَالَ خَصْمُهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك " أَيْ أَمَرْتَ بِسَقْيِ أَرْضِهِ أَوَّلًا لِكَوْنِهِ ابْنَ عَمَّتِك فَتَغَيَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْ بِالْفَتْحِ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ.

قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهِ) عِبَارَةُ الْخَصَائِصِ وَشَرْحِهَا وَيَقْضِي لِنَفْسِهِ وَلِوُلْدِهِ بِضَمِّ الْوَاوِ وَسُكُونِ اللَّامِ أَيْ فُرُوعِهِ وَيَنْفُذُ حُكْمُهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَنْعَ فِي حَقِّ الْأَمَةِ لِلرِّيبَةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ قَطْعًا وَإِنْ شَهِدَ لِنَفْسِهِ وَلِوَلَدِهِ أَيْ فُرُوعِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ سَأَلَ الْحُكْمَ إلَخْ) وَخَرَجَ بِتَقْيِيدِ السُّؤَالِ بِالْحُكْمِ مَا لَوْ سَأَلَهُ: أَنْ يَكْتُبَ لَهُ فِي قِرْطَاسٍ مَا جَرَى مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ وَيُسَمَّى مَحْضَرًا وَأَنْ يَكْتُبَ سِجِلًّا بِمَا جَرَى مَعَ الْحُكْمِ بِهِ فَإِنَّهُ لَا تَلْزَمُ إجَابَتُهُ، بَلْ يُسَنُّ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَقْوِيَةً لِحُجَّتِهِ وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ كَالْإِشْهَادِ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تُثْبِتُ حَقًّا بِخِلَافِ الْإِشْهَادِ.
اهـ. م د. وَقَوْلُهُ: وَالْإِشْهَادُ بِهِ أَيْ بِالْحُكْمِ.

قَوْلُهُ: (سِتَّةُ شُرُوطٍ) نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: لِكُلِّ دَعْوَى شُرُوطٌ سِتَّةٌ جُمِعَتْ ... تَفْصِيلُهَا مَعَ إلْزَامٍ وَتَعْيِينِ أَنْ لَا يُنَاقِضَهَا دَعْوَى تُغَايِرُهَا ... تَكْلِيفُ كُلٍّ وَنَفْيُ الْحَرْبِ لِلدِّينِ قَوْلُهُ: (غَالِبًا) وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ أَنْ لَا تَكُونَ مَعْلُومَةً كَالدَّعْوَى بِالْمُتْعَةِ وَالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالْإِقْرَارِ بِمَجْهُولٍ وَالرَّضْخِ فِي الْغَنِيمَةِ.
قَوْلُهُ: (يُسَنُّ لِلْقَاضِي اسْتِفْصَالُهُ) أَيْ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَهَلْ لَهُ رَدُّهُ أَمْ لَا قَرَّرَ شَيْخُنَا الْخَلِيفِيُّ أَنَّ لَهُ رَدَّهُ أَخْذًا مِنْ التَّعْبِيرِ يُسَنُّ وَإِنْ عَادَ وَفَصَّلَ الدَّعْوَى سُمِعَتْ.
اهـ. م د. قَوْلُهُ: (وَقَبَضْته) أَيْ فِي صُورَةِ الْهِبَةِ وَقَوْلُهُ: وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ أَيْ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ وَالْإِقْرَارِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَلْزَمْهُمَا التَّسْلِيمُ إلَيْهِ بِأَنْ كَانَ لِلْبَائِعِ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ لِكَوْنِ الثَّمَنِ أَوْ بَعْضِهِ مُؤَجَّلًا وَكَوْنِ الْمُقِرِّ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ.
قَوْلُهُ: (مُكَلَّفًا) خَبَرٌ ثَانٍ لِيَكُونَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا دَعْوَى عَلَيْهِمْ) أَيْ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ وَإِلَّا سُمِعَتْ الدَّعْوَى عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَمِثْلُهُمَا الْغَائِبُ وَالْمَيِّتُ وَيَحْلِفُ مَعَ الْبَيِّنَةِ يَمِينَ الِاسْتِظْهَارِ.
قَوْلُهُ: (وَتُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ) لَا فَائِدَةَ لِاسْتِمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ بَعْدَ مُؤَاخَذَتِهِ بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ فَالْأَوْلَى حَذْفُ

إلَى الْأُولَى لِأَنَّ الثَّانِيَةَ تُكَذِّبُهَا.
(وَلَا يُحَلِّفُهُ) أَيْ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُحَلِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
(إلَّا بَعْدَ سُؤَالٍ) أَيْ طَلَبِ (الْمُدَّعِي) تَحْلِيفَهُ، فَلَوْ حَلَّفَهُ قَبْلَ طَلَبِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ فَعَلَى هَذَا يَقُولُ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي حَلِّفْهُ وَإِلَّا فَاقْطَعْ طَلَبَك عَنْهُ قَالَ ابْنُ النَّقِيبِ فِي مُخْتَصَرِ الْكِفَايَةِ وَلَوْ حَلَفَ بَعْدَ طَلَبِ الْمُدَّعِي وَقَبْلَ إحْلَافِ الْقَاضِي لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ اهـ.

تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي الْحُكْمُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ طَلَبِ الْمُدَّعِي وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ فِي بَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ (وَلَا يُلَقِّنُ خَصْمًا) مِنْهُمَا (حُجَّةً) يَسْتَظْهِرُ بِهَا عَلَى خَصْمِهِ أَيْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِإِضْرَارِهِ بِهِ.
(وَلَا يُفْهِمُهُ) أَيْ وَاحِدًا مِنْهُمَا (كَلَامًا) يَعْرِفُ بِهِ كَيْفِيَّةَ الدَّعْوَى وَكَيْفِيَّةَ الْجَوَابِ أَوْ الْإِقْرَارِ أَوْ الْإِنْكَارِ لِمَا مَرَّ وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْخَصْمِ فِي كَلَامِهِ الشَّاهِدُ فَيَجُوزُ لِلْقَاضِي تَعْرِيفُهُ كَيْفِيَّةَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ.
كَمَا صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الْمَكَارِمِ الرُّويَانِيُّ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ فِي الرَّوْضَةِ خِلَافًا لِلشَّرَفِ الْغَزِّيِّ فِي ادِّعَائِهِ الْمَنْعَ مِنْهُ فَلَعَلَّهُ انْتَقَلَ نَظَرُهُ مِنْ مَنْعِ التَّلْقِينِ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يُلَقِّنُ الشَّاهِدَ الشَّهَادَةَ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ.
(وَلَا يَتَعَنَّتُ بِالشُّهَدَاءِ) أَيْ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ كَأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: لِمَ شَهِدْتُمْ وَمَا هَذِهِ الشَّهَادَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
فَرُبَّمَا يُؤَدِّي إلَى تَرْكِهِمْ الشَّهَادَةَ فَيَتَضَرَّرُ الْخَصْمُ الْمَشْهُودُ لَهُ بِذَلِكَ.
(وَلَا يَقْبَلُ) الْقَاضِي (الشَّهَادَةَ) إذَا لَمْ يَعْرِفْ عَدَالَةَ الشَّاهِدِ (إلَّا مِمَّنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ) عِنْدَ حَاكِمٍ سَوَاءٌ أَطَعَنَ الْخَصْمُ فِيهِ أَمْ سَكَتَ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِشَهَادَةٍ تَتَضَمَّنُ تَعْدِيلَهُ.
وَالتَّعْدِيلُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ الْعَدَالَةِ فِي فَصْلٍ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَإِذَا ثَبَتَتْ عَدَالَةُ الشَّاهِدِ ثُمَّ شَهِدَ فِي وَاقِعَةٍ أُخْرَى قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: إنْ لَمْ يَطُلْ الزَّمَانُ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِ وَلَا يَطْلُبُ تَعْدِيلَهُ ثَانِيًا وَإِنْ طَالَ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا يَطْلُبُ تَعْدِيلَهُ ثَانِيًا لِأَنَّ طُولَ الزَّمَانِ يُغَيِّرُ الْأَحْوَالَ ثُمَّ يَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ فِي طُولِهِ وَقِصَرِهِ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْخَادِمِ إنَّ الْخِلَافَ فِي الطُّولِ فِي غَيْرِ الشُّهُودِ الْمُرَتَّبِينَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَمَّا هُمْ فَلَا يَجِبُ طَلَبُ التَّعْدِيلِ قَطْعًا قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي قَوَاعِدِهِ انْتَهَى وَهُوَ حَسَنٌ وَقَالَ فِي الْعِدَّةِ: إذَا اسْتَفَاضَ فِسْقُ الشَّاهِدَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ.

(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ عَدُوٍّ عَلَى عَدُوِّهِ) لِحَدِيثِ: «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ

[حاشية البجيرمي]

قَوْلُهُ: وَتُسْمَعُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (إلَّا بَعْدَ سُؤَالِ الْمُدَّعِي تَحْلِيفَهُ) لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْيَمِينِ لَهُ.
فَاحْتِيجَ لِإِذْنِهِ فَإِنْ حَلَّفَهُ قَبْلَ سُؤَالِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَهُ بَعْدَ تَحْلِيفِهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ وَالشَّاهِدَ مَعَ الْيَمِينِ وَلَوْ قَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِي وَأَطْلَقَ أَوْ أَرَادَ لَا حَاضِرَةَ، وَلَا غَائِبَةَ.
أَوْ كُلُّ بَيِّنَةٍ أُقِيمُهَا بَاطِلَةٌ أَوْ كَاذِبَةٌ أَوْ زُورٌ ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ قُبِلَتْ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَمْ يَعْرِفْ أَوْ نَسِيَ ثُمَّ عَرَفَ أَوْ تَذَكَّرَ.
وَلَوْ قَالَ: شُهُودِي فَسَقَةٌ وَعَبِيدٌ، ثُمَّ جَاءَ بِعُدُولٍ.
فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةُ اسْتِبْرَاءٍ أَوْ عِتْقٍ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَإِلَّا فَلَا سم.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَلَفَ إلَخْ) هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَمْرٍ آخَرَ وَهُوَ اشْتِرَاطُ تَحْلِيفِ الْقَاضِي أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَبْلَ إحْلَافِ الْقَاضِي) فِي الْمِصْبَاحِ أَحْلَفْتُهُ إحْلَافًا وَحَلَّفْته تَحْلِيفًا اهـ. فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ: إنَّ إحْلَافَ لَمْ يَرِدْ.

قَوْلُهُ: (قَدْ عُلِمَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ) أَيْ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَى كَوْنِهِ لَا يَحْلِفُهُ إلَّا بَعْدَ سُؤَالِ الْمُدَّعِي قَوْلُهُ: (وَالْحُكْمُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) أَيْ بِالنُّكُولِ إذَا امْتَنَعَ عَنْ الْيَمِينِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُلَقِّنُ) بِأَنْ يَقُولَ لَهُ قُلْ: كَذَا وَكَذَا وَهَذَا لَا يُغْنِي عَنْ قَوْلِهِ الْآتِي: وَلَا يُفْهِمُهُ كَلَامًا لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: كَيْفِيَّةُ الدَّعْوَى كَذَا وَكَذَا.
وَكَيْفِيَّةُ الْجَوَابِ كَذَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلَقِّنَهُ عِنْدَ الدَّعْوَى فَالْإِفْهَامُ سَابِقٌ عَلَى الدَّعْوَى كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (يَسْتَظْهِرُ) أَيْ يَغْلِبُ وَيَتَعَالَى بِهَا عَلَى خَصْمِهِ أَوْ يَسْتَعِينُ.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ لِإِضْرَارِهِ بِخَصْمِهِ.
قَوْلُهُ: (كَيْفِيَّةُ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ) بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: كَيْفِيَّةُ الشَّهَادَةِ أَنْ تَأْتِيَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَتَأْتِيَ بِالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مَجْرُورًا بِعَلَى وَبِالْمَشْهُودِ لَهُ مَجْرُورًا بِاللَّامِ بِخِلَافِ التَّلْقِينِ.
فَإِنَّهُ يَقُولُهُ لَهُ: قُلْ أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانِ عَلَى فُلَانٍ كَذَا شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (لِمَ شَهِدْتُمْ) أَيْ لِأُجْرَةٍ أَوْ حِسْبَةٍ.
فِيهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ تَعَنُّتًا بَلْ التَّعَنُّتُ أَنْ يَقُولَ: فِي أَيِّ زَمَانٍ فِي أَيِّ مَكَان مَثَلًا وَأَنْ يَقُولَ: فِي شَهَادَةِ الْقَتْلِ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ أَوْ سَهْمٍ وَفِي أَيِّ مَكَان وَفِي أَيِّ زَمَانٍ وَقَوْلُهُ: وَمَا وَكَيْفَ تَحَمَّلْتُمْ وَقَوْلُهُ: يُؤَدِّي أَيْ التَّعَنُّتَ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ عَدُوٍّ)

بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَالْغِمْرُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْغِلُّ وَالْحِقْدُ وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التُّهْمَةِ.
تَنْبِيهٌ: الْمُرَادُ بِالْعَدَاوَةِ الْعَدَاوَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّ الْبَاطِنَةَ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إلَّا عَلَّامُ الْغُيُوبِ، وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سَيَأْتِي قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ إخْوَانُ الْعَلَانِيَةِ أَعْدَاءُ السَّرِيرَةِ» بِخِلَافِ شَهَادَتِهِ لَهُ إذْ لَا تُهْمَةَ وَالْفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَعْدَاءُ، وَعَدُوُّ الشَّخْصِ مَنْ يَحْزَنُ لِفَرَحِهِ، وَيَفْرَحُ لِحُزْنِهِ.
وَقَدْ تَكُونُ الْعَدَاوَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَقَدْ تَكُونُ مِنْ أَحَدِهِمَا فَيَخْتَصُّ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ عَلَى الْآخَرِ.
وَلَا يُشْتَرَطُ ظُهُورُهَا بَلْ يَكْفِي مَا دَلَّ عَلَيْهَا مِنْ الْمُخَاصَمَةِ وَنَحْوِهَا.
كَمَا قَالَهُ الْبُلْقِينِيُّ نَاقِلًا لَهُ عَنْ نَصِّ الْمُخْتَصَرِ أَمَّا الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةُ فَلَا تُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ فَتُقْبَلُ بِشَهَادَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ.

وَشَهَادَةُ السُّنِّيِّ عَلَى الْمُبْتَدِعِ، وَتُقْبَلُ مِنْ مُبْتَدِعٍ لَا نُكَفِّرُهُ بِبِدْعَتِهِ، كَمُنْكَرِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَلْقِهِ أَفْعَالَ عِبَادِهِ، وَجَوَازِ رُؤْيَتِهِ

[حاشية البجيرمي]

وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَا عَلَى مَيِّتٍ بِحَقٍّ فَيُقِيمَ الْوَارِثُ بَيِّنَةً بِأَنَّهُمَا عَدُوَّانِ لَهُ، فَلَا يُقْبَلَانِ عَلَيْهِ فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ الْخَصْمُ لِانْتِقَالِ التَّرِكَةِ لِمِلْكِهِ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ التَّاجُ الْفَزَارِيّ وَأَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ مُحْتَجًّا بِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ الْمَيِّتُ شَرْحُ م ر. وَلَا تَتَقَيَّدُ الْعَدَاوَةُ بِزَمَنٍ فَلَوْ بَالَغَ فِي مُخَاصَمَةِ شَخْصٍ عِنْدَ إرَادَةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ مَثَلًا فَرَدَّ عَلَيْهِ وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ قُبِلَتْ، وَلَا تَتَقَيَّدُ بِشَخْصٍ أَيْضًا فَقَاطِعُ الطَّرِيقِ عَدُوٌّ لِكُلِّ أَحَدٍ ق ل. قَوْلُهُ: (عَلَى عَدُوِّهِ) أَمَّا لَهُ فَتُقْبَلُ مَا لَمْ تُفْضِ الْعَدَاوَةُ إلَى الْفِسْقِ فَإِنْ أَدَّتْهُ إلَى أَنْ يَسْرِقَ، أَوْ يَقْذِفَهُ.
اقْتَضَتْ مَنْعَ الشَّهَادَةِ لَهُ وَعَلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْعَدَاوَةُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مُنِعَتْ شَهَادَةُ كُلٍّ عَلَى الْآخَرِ.
وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جَانِبٍ اخْتَصَّ مَنْعُ الشَّهَادَةِ بِالْعَدُوِّ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ مِنْهُ لِلْآخَرِ وَعَلَيْهِ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ ذِكْرَ هَذَا وَاَلَّذِي بَعْدَهُ فِي الشَّهَادَاتِ.
وَكَذَا قَوْلُهُ: وَلَا يَتَعَنَّتُ بِالشُّهَدَاءِ.
قَوْلُهُ: (ذِي غِمْرٍ) أَيْ ذِي حِقْدٍ.
قَوْلُهُ: (بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْغِلُّ) وَبِالْفَتْحِ الْمَالُ الْكَثِيرُ الَّذِي يَغْمُرُك أَيْ يَسْتُرُك وَبِالضَّمِّ الرَّجُلُ الْجَافِي.
قَوْلُهُ: (الظَّاهِرَةُ) وَيَكْتَفِي بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا كَالْمُخَاصَمَةِ، اكْتِفَاءً بِالْمَظِنَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ.
وَفَرَّقَ بَيْنَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بِأَنَّ الْعَدَاوَةَ هِيَ الَّتِي تُفْضِي إلَى التَّعَدِّي بِالْأَفْعَالِ وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْعَدَاوَةُ الْكَامِنَةُ فِي الْقَلْبِ.
اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ) غَرَضُهُ الِاسْتِدْلَال عَلَى أَنَّ الْعَدَاوَةَ الْبَاطِنَةَ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ وَوَجْهُهُ أَنَّهُمْ حَيْثُ كَانُوا إخْوَانَ الْعَلَانِيَةِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَرِينَةٌ عَلَى الْعَدَاوَةِ الْبَاطِنَةِ وَحِينَئِذٍ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ عَشْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (إخْوَانَ الْعَلَانِيَةِ) الْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى فِي وَكَذَا مَا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَالْفَضْلُ) هَذَا عَجُزُ بَيْتٍ وَأَوَّلُهُ.
وَمَلِيحَةٌ شَهِدَتْ لَهَا ضَرَّاتُهَا قَوْلُهُ: (وَقَدْ تَكُونُ إلَخْ) وَقَدْ تُفْضِي الْعَدَاوَةُ إلَى الْفِسْقِ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ مُطْلَقًا وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى قَاذِفِهِ، وَلَوْ قُبِلَ طَلَبُ الْحَدِّ لِظُهُورِ الْعَدَاوَةِ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ فَقَذَفَهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، لَمْ يُؤَثِّرْ فَيَحْكُمُ بِهَا الْحَاكِمُ وَلَوْ عَادَى مَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ وَبَالَغَ فِي خِصَامِهِ وَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ شَهِدَ عَلَيْهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ.
لِئَلَّا يَتَّخِذَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى رَدِّهَا سم.
وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ شَخْصًا عَلِمَ أَنَّ شَخْصًا يَشْهَدُ عَلَيْهِ فَعَادَاهُ وَخَاصَمَهُ، وَالْحَالُ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَأَثَّرْ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةٍ لِلْمُخَاصِمِ لَهُ.
ثُمَّ شَهِدَ عَلَيْهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ ظُهُورُهَا) هَذَا يُنَافِي قَوْلَهُ: الظَّاهِرَةُ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهَذَا غَيْرَ ذَلِكَ بِأَنْ يُرَادَ ظُهُورُ آثَارِهَا كَفَرَحِهِ بِحُزْنِهِ وَعَكْسِهِ.
فَالْمُرَادُ بِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ الظُّهُورُ وَلَوْ بِاعْتِبَارِ أَمَارَاتِهَا كَالْمُخَاصَمَةِ وَالْمُرَادُ هُنَا ظُهُورُهَا فِي نَفْسِهَا لِأَنَّهَا خَفِيَّةٌ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ.

قَوْلُهُ: (وَتُقْبَلُ مِنْ مُبْتَدِعٍ) فِيهِ أَنَّهُ فَاسِقٌ بِبِدْعَتِهِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: شُبْهَتُهُ فِيهَا وَهُوَ تَأْوِيلُهُ تَمْنَعُ فِسْقَهُ.
وَعِبَارَةُ الشَّارِحِ بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَلِلْعَدَالَةِ: خَمْسُ شَرَائِطَ وَالْمُرَادُ بِهَا أَيْ بِالْكَبَائِرِ غَيْرِ الْكَبَائِرِ الِاعْتِقَادِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْبِدَعُ، فَإِنَّ الرَّاجِحَ قَبُولُ شَهَادَةِ أَهْلِهَا مَا لَمْ نُكَفِّرْهُمْ اهـ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَتُقْبَلُ مِنْ مُبْتَدِعٍ أَيْ إنْ لَمْ يَدْعُ النَّاسَ لِبِدْعَتِهِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ بَعْدُ.
وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا تُقْبَلُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (صِفَاتِ اللَّهِ) أَيْ الْمَعَانِي لِأَنَّ نَافِيَ الْمَعْنَوِيَّةِ يُكَفَّرُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا وَالْمُرَادُ بِإِنْكَارِ الْمَعَانِي إنْكَارُ زِيَادَتِهَا عَلَى الذَّاتِ كَأَنْ يَقُولَ: اللَّهُ قَادِرٌ بِذَاتِهَا لَا بِصِفَةٍ زَائِدَةٍ.
كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ: وَكَيْفَ يُكَفَّرُ مُنْكِرُ الْمَعْنَوِيَّةِ، مَعَ أَنَّهَا مِنْ الْأَحْوَالِ، وَالْحَقُّ: أَنْ لَا حَالَ كَمَا قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ إنْكَارِهَا ثُبُوتُ

يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهُمْ مُصِيبُونَ فِي ذَلِكَ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ بِخِلَافِ مَنْ نُكَفِّرُهُ بِبِدْعَتِهِ كَمُنْكَرِي حُدُوثِ الْعَالَمِ وَالْبَعْثِ وَالْحَشْرِ لِلْأَجْسَامِ وَعِلْمِ اللَّهِ بِالْمَعْدُومِ، وَبِالْجُزْئِيَّاتِ لِإِنْكَارِهِمْ مَا عُلِمَ مَجِيءُ الرَّسُولِ بِهِ ضَرُورَةً فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَلَا شَهَادَةُ مَنْ يَدْعُو النَّاسَ إلَى بِدْعَتِهِ كَمَا لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ بَلْ أَوْلَى وَلَا شَهَادَةَ خَطَّابِيٍّ لِمِثْلِهِ.
إنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا مَا يَنْفِي احْتِمَالَ اعْتِمَادِهِ عَلَى قَوْلِ الْمَشْهُودِ لَهُ، لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ لَا يَكْذِبُ، فَإِنَّ فِيهَا ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: رَأَيْت أَوْ سَمِعْت أَوْ شَهِدَ لِمُخَالِفِهِ قُبِلَتْ لِزَوَالِ الْمَانِعِ.

(وَلَا) تُقْبَلُ (شَهَادَةُ وَالِدٍ) وَإِنْ عَلَا (لِوَلَدِهِ) وَإِنْ سَفَلَ (وَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ (وَلَدٍ) وَإِنْ سَفَلَ (لِوَالِدِهِ) وَإِنْ عَلَا لِلتُّهْمَةِ.
وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّخْصِ لِبَعْضِهِ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ قَبُولَ شَهَادَةِ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ وَعَكْسُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْلِهِ أَوْ فَرْعِهِ عَدَاوَةٌ فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ وَإِذَا شَهِدَ بِحَقٍّ لِفَرْعٍ أَوْ أَصْلٍ لَهُ وَأَجْنَبِيٍّ كَأَنْ شَهِدَ بِرَقِيقٍ لَهُمَا قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ لِلْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ قَوْلَيْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.

وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ لِكُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ مِنْ الْآخَرِ لِأَنَّ الْحَاصِلَ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ يَطْرَأُ وَيَزُولُ نَعَمْ لَوْ شَهِدَ لِزَوْجَتِهِ،

[حاشية البجيرمي]

أَضْدَادِهَا وَهُوَ كُفْرٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْحَالِ نَفْيُ الصِّفَاتِ لِأَنَّ الْأَحْوَالَ الْمَنْفِيَّةَ الْأَكْوَانِ أَيْ كَوْنَهُ قَادِرًا وَكَوْنَهُ مُرِيدًا إلَى آخِرِهَا، وَأَمَّا الصِّفَاتُ: وَهُوَ قَادِرٌ، مُرِيدٌ، سَمِيعٌ، إلَى آخِرِهَا فَلَمْ يُنْكِرْهَا نَافِي الْأَحْوَالِ قَوْلُهُ: (وَجَوَازُ رُؤْيَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . فَإِنْ قُلْت: قَوْله تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: 22] ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23] يَدُلُّ عَلَى رُؤْيَتِهِ تَعَالَى فِي الْآخِرَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُنْكِرُهَا غَيْرَ كَافِرٍ.
فَأَجَابَ عَنْهُ فِي شَرْحِ الْكُبْرَى عَنْ الزَّمَخْشَرِيِّ: بِأَنَّ إلَى مُفْرَدُ آلَاءٍ وَهِيَ النِّعَمُ فَإِلَى رَبِّهَا بِمَعْنَى نِعْمَةِ رَبِّهَا وَهِيَ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِقَوْلِهِ: نَاظِرَةٌ أَيْ نَاظِرَةٌ نِعْمَةَ رَبِّهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْبَعْثِ) أَيْ الْإِحْيَاءِ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: 41] قِيلَ يُنَادِي إسْرَافِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ خُرُوجِ الْأَرْوَاحِ مِنْ الصُّورِ فَيَقُولُ: يَا أَيَّتُهَا الْعِظَامُ النَّخِرَةُ وَالْجُلُودُ الْمُتَمَزِّقَةُ وَالشُّعُورُ الْمُتَقَطِّعَةُ، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَجْتَمِعُوا لِفَصْلِ الْخِطَابِ وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَقُولُ فِيهِ: «أَيُّهَا الْأَعْضَاءُ الْمُتَهَشِّمَةُ، وَالْعِظَامُ الْبَالِيَةُ، وَالْأَجْسَامُ الْمُتَفَرِّقَةُ، وَالْجُلُودُ الْمُتَمَزِّقَةُ، وَالْأَوْصَالُ الْمُتَقَطِّعَةُ، وَالشُّعُورُ الْمُتَطَايِرَةُ قُومُوا إلَى الْعَرْضِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَتَخْرُجُ أَرْوَاحُهُمْ حِينَئِذٍ مِنْ ثُقْبِ الصُّورِ.
وَلَهَا دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ وَرَبُّ الْعِزَّةِ يَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لِأُعِيدَنكُمْ كَمَا خَلَقْتُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَلَا تُخْطِئُ رُوحٌ صَاحِبَهَا فَيُعِيدُهُمْ كَمَا بَدَأَهُمْ» قَالَ تَعَالَى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: 104] وَالصُّورُ فِيهِ ثُقْبٌ عَلَى عَدَدِ الْخَلَائِقِ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ فِي الْمُدَّثِّرِ النَّاقُورَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: 8] ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: 9] ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: 10] . وَهُوَ عَلَى وَزْنِ فَاعُولٍ مِنْ النَّقْرِ بِمَعْنَى التَّصْوِيتِ.
اهـ. شَبْرَخِيتِيٌّ عَلَى الْعَشْمَاوِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا شَهَادَةُ مَنْ يَدْعُو النَّاسَ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ الْقَبُولُ مِنْ الدَّاعِيَةِ فَإِذَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ قُبِلَتْ رِوَايَتُهُ خِلَافًا لِلشَّارِحِ وَلِمَنْ تَبِعَهُ ز ي. قَوْلُهُ: (وَلَا شَهَادَةُ خَطَّابِيٍّ لِمِثْلِهِ) وَالْخَطَّابِيَّةُ طَائِفَةٌ مِنْ الرَّوَافِضِ مَنْسُوبُونَ إلَى أَبِي الْخَطَّابِ مُحَمَّدِ بْنِ وَهْبٍ الْأَجْدَعِ.
يَتَدَيَّنُونَ بِشَهَادَةِ الزُّورِ لِمُوَافِقِيهِمْ فِي الْعَقِيدَةِ إذَا حَلَفَ عَلَى صِدْقِ دَعْوَاهُ اهـ. مِصْبَاحٌ وَعِبَارَةُ أج قَوْلُهُ خَطَّابِيٍّ: أَيْ أَصْحَابِ أَبِي الْخَطَّابِ الْكُوفِيِّ كَانَ يَقُولُ بِأُلُوهِيَّةِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ ثُمَّ ادَّعَاهَا بَعْدَ مَوْتِهِ اهـ. وَلَعَلَّ أَصْحَابَهُ لَا يَقُولُونَ: بِمَا ذُكِرَ وَإِلَّا كَانُوا كُفَّارًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ شَهِدَ لِمُخَالِفِهِ) أَيْ لِغَيْرِ خَطَّابِيٍّ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَالِدٍ لِوَلَدِهِ) يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ ادَّعَى الْقَاضِي أَوْ الْإِمَامُ بِمَالٍ لِبَيْتِ الْمَالِ فَشَهِدَ لَهُ بِهِ أَصْلُهُ أَوْ فَرْعُهُ فَتُقْبَلُ لِعُمُومِ الْمُدَّعَى بِهِ.
قَوْلُهُ: (لِبَعْضِهِ) وَلَوْ عَلَى بَعْضٍ آخَرَ بِأَنْ شَهِدَ لِابْنِهِ عَلَى أَبِيهِ أَوْ لِأُمِّهِ عَلَى أَبِيهِ.

قَوْلُهُ: (عَقْدٌ) أَيْ عَقْدُ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَزُولُ بِالطَّلَاقِ بِخِلَافِ النَّسَبِ فَإِنَّهُ لَا يَزُولُ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ لَوْ شَهِدَ لِزَوْجَتِهِ إلَخْ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَمَا وَلَوْ شَهِدَ لِعَبْدِهِ بِأَنَّ فُلَانًا قَذَفَهُ أَنَّ شَهَادَتَهُ هُنَا مُحَصِّلُهَا نِسْبَةُ الْقَاذِفِ

بِأَنَّ فُلَانًا قَذَفَهَا لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُ فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ رَجَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَكَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهَا بِالزِّنَا لِأَنَّهُ يَدَّعِي خِيَانَتَهَا فِرَاشَهُ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّخْصِ لِأَحَدِ أَصْلَيْهِ أَوْ فَرْعَيْهِ عَلَى الْآخَرِ.
كَمَا جَزَمَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَيُؤَيِّدُهُ مَنْعُ الْحُكْمِ بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَإِنْ خَالَفَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي ذَلِكَ مُعَلِّلًا بِأَنَّ الْوَازِعَ الطَّبِيعِيَّ قَدْ تَعَارَضَ فَظَهَرَ الصِّدْقُ لِضَعْفِ التُّهْمَةِ وَلَا تُقْبَلُ تَزْكِيَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَلَا شَهَادَتُهُ لَهُ بِالرُّشْدِ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي حِجْرِهِ أَمْ لَا وَإِنْ أَخَذْنَاهُ بِإِقْرَارِهِ بِرُشْدِ مَنْ فِي حِجْرِهِ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَا عَدَا الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ مِنْ حَوَاشِي النَّسَبِ تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
وَكَذَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ، وَهُوَ مَنْ صَدَقَ فِي وِدَادِك بِأَنْ يُهِمَّهُ مَا أَهَمَّكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَلِيلٌ ذَلِكَ أَيْ فِي زَمَانِهِ وَنَادِرٌ فِي زَمَانِنَا أَوْ مَعْدُومٌ

(وَلَا يَقْبَلُ) الْقَاضِي (كِتَابَ قَاضٍ) كَتَبَ بِهِ (إلَى قَاضٍ) وَلَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ أَيْ لَا يَعْمَلُ بِهِ (فِي) مَا أَنْهَاهُ فِيهِ مِنْ (الْأَحْكَامِ) . كَأَنْ حَكَمَ فِيهِ لِحَاضِرٍ عَلَى غَائِبٍ بِدَيْنٍ (إلَّا بَعْدَ شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ) عَدْلَيْ شَهَادَةٍ يَشْهَدَانِ عِنْدَ مَنْ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ الْقُضَاةِ (بِمَا فِيهِ) أَيْ الْكِتَابِ مِنْ الْحُكْمِ.
تَنْبِيهٌ: صُورَةُ الْكِتَابِ كَمَا هُوَ حَاصِلُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ حَضَرَ فُلَانٌ وَادَّعَى عَلَى فُلَانٍ الْغَائِبِ الْمُقِيمِ بِبَلَدِ كَذَا بِدَيْنٍ وَحَكَمْتُ لَهُ بِحُجَّةٍ وَأَجَبْتُ الْحُكْمَ وَسَأَلَنِي أَنْ أَكْتُبَ إلَيْك بِذَلِكَ فَأَجَبْتُهُ وَأَشْهَدْتُ بِالْحُكْمِ شَاهِدَيْنِ وَيُسَمِّيهِمَا إنْ لَمْ

[حاشية البجيرمي]

إلَى خِيَانَةٍ فِي حَقِّ الزَّوْجِ.
لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ بِنِسْبَةِ زَوْجَتِهِ إلَى فَسَادٍ بِخِلَافِ السَّيِّدِ بِالنِّسْبَةِ لِقِنِّهِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُ) أَيْ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ فِرَاشِهِ وَلِأَنَّهُ إذَا حُدَّ قَاذِفُهَا بِشَهَادَتِهِ أَفَادَ ذَلِكَ عِفَّتَهَا وَانْتَفَى الْعَارُ عَنْ فِرَاشِهِ اهـ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يَدَّعِي خِيَانَتَهَا فِرَاشَهُ) أَيْ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْخِيَانَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَالَفَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ) : أَيْ فَقَالَ: تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ الْمَذْكُورَةُ وَهُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّخْصِ لِأَحَدِ أَصْلَيْهِ أَوْ فَرْعَيْهِ عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: وَيُؤَيِّدُهُ مَنْعُ الْحُكْمِ بَيْنَ أَبِيهِ وَابْنِهِ.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّ الْوَازِعَ الطَّبِيعِيَّ) أَيْ بِأَنَّ الْمَيْلَ الطَّبِيعِيَّ الَّذِي فِي الْمَشْهُودِ لَهُ الْمُقْتَضِي لِلتُّهْمَةِ ظَاهِرًا كَشَهَادَتِهِ لِأُمِّهِ بِدَيْنٍ عَلَى أَبِيهِ قَدْ تَعَارَضَ أَيْ عَارَضَهُ الْمَيْلُ الطَّبِيعِيُّ الَّذِي فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الَّذِي لَمْ يَقْتَضِ التُّهْمَةَ بِسَبَبِ شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ فَتَسَاقَطَا فَكَأَنَّهُ لَا مَيْلَ فَلَا يُقَالُ: إنَّ شَهَادَتَهُ لِأَحَدِهِمَا لِلْمَيْلِ الطَّبِيعِيِّ فَلَا تُقْبَلُ، قَالَ س ل فَالْوَازِعُ الطَّبِيعِيُّ مَا يَحْمِلُ الْإِنْسَانَ عَلَى الشَّيْءِ بِطَبْعِهِ فَالْمُرَادُ بِالْوَازِعِ الدَّاعِي وَالْبَاعِثُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) هُوَ مَالِكِيٌّ وَسَافَرَ إلَى الْإِمَامِ مَالِكٍ لِيَأْخُذَ عَنْهُ الْعِلْمَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَكُلُّ مَرَّةٍ يُنْفِقُ فِيهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ.
اهـ. شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (وَقَلِيلٌ ذَلِكَ) وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ: لَا تَجْزَعَن لِوَحْدَةٍ وَتَفَرُّدِ ... وَمِنْ التَّفَرُّدِ فِي زَمَانِك فَازْدَدْ ذَهَبَ الْإِخَاءُ فَلَيْسَ ثَمَّ أُخُوَّةٌ ... إلَّا التَّمَلُّقُ بِاللِّسَانِ وَبِالْيَدِ وَإِذَا كَشَفْت ضَمِيرَ مَا بِصُدُورِهِمْ ... أَلْفَيْت ثَمَّ نَقِيعُ سُمٍّ أَسْوَدِ قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْبَلُ الْقَاضِي) أَيْ الْمَنْهِيُّ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَتَبَ بِهِ) : كَذَا فِي خَطِّ الْمُؤَلِّفِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ لَهُ.
اهـ أج.
قَوْلُهُ: (إلَى قَاضٍ) فِيهِ إظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ بِالنَّظَرِ لِكَلَامِ الشَّارِحِ مَعَ الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ) كَمَا إذَا كَانَ فِي بَلَدِ الْغَائِبِ قُضَاةٌ فَكَتَبَ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ) أَيْ الْكِتَابُ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ حَكَمَ فِيهِ) أَيْ فِي الْكِتَابِ ذَكَرَ الْحُكْمَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَأَشْهَدْت) فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَشَهِدَ أَيْ الْمُدَّعِي.
وَهِيَ غَيْرُ مُنَاسَبَةٍ لِمَا بَعْدَهَا لِأَنَّ الْإِشْهَادَ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْقَاضِي وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ مِثْلُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (شَاهِدَيْنِ) وَالْمُرَادُ بِهِمَا شَاهِدَانِ غَيْرُ شَاهِدَيْ الْحَقِّ أَمَّا هُمَا: فَلَا يَذْهَبَانِ إلَى الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ وَإِنَّمَا اللَّذَانِ يَذْهَبَانِ شَاهِدَا الْحُكْمِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَمِّيهِمَا) أَيْ شَاهِدَيْ الْحُكْمِ لَا الْحَقِّ وَهَذَا إذَا كَانَ

يُعَدِّلْهُمَا، وَإِلَّا فَلَهُ تَرْكُ تَسْمِيَتِهِمَا وَيُسَنُّ خَتْمُهُ بَعْدَ قِرَاءَتِهِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِحَضْرَتِهِ وَيَقُولُ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي كَتَبْتُ إلَى فُلَانٍ بِمَا سَمِعْتُمَا وَيَضَعَانِ خَطَّيْهِمَا فِيهِ وَلَا يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ: أُشْهِدُكُمَا أَنَّ هَذَا خَطِّي وَأَنَّ مَا فِيهِ حُكْمِي وَيَدْفَعُ لِلشَّاهِدَيْنِ نُسْخَةً أُخْرَى بِلَا خَتْمٍ، لِيُطَالِعَاهَا وَيَتَذَكَّرَا عِنْدَ الْحَاجَةِ وَيَشْهَدَانِ عِنْدَ الْقَاضِي الْآخَرِ عَلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ بِمَا جَرَى عِنْدَهُ مِنْ ثُبُوتٍ أَوْ حُكْمٍ إنْ أَنْكَرَ الْخَصْمُ الْمُحْضَرُ أَنَّ الْمَالَ الْمَذْكُورَ فِيهِ عَلَيْهِ فَإِنْ قَالَ: لَيْسَ الْمَكْتُوبُ اسْمِي صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إنْ لَمْ يُعْرَفْ بِهِ لِأَنَّهُ أَخْبَرُ بِنَفْسِهِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ.
فَإِنْ عُرِفَ بِهِ لَمْ يُصَدَّقْ بَلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ أَوْ قَالَ: لَسْتُ الْخَصْمَ وَقَدْ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِحُجَّةِ أَنَّهُ اسْمُهُ، حُكِمَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ يَشْرَكُهُ فِيهِ أَوْ كَانَ، وَلَمْ يُعَاصِرْ الْمُدَّعِي لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يُشْرِكُهُ فِيهِ صَرْعًا وَالْمُدَّعِي فَإِنْ مَاتَ أَوْ أَنْكَرَ الْحَقَّ بَعَثَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ لِلْكَاتِبِ لِيَطْلُبَ مِنْ الشُّهُودِ زِيَادَةَ تَمْيِيزٍ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَيَكْتُبُهَا وَيُنْهِيهَا ثَانِيًا لِقَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ زِيَادَةَ تَمْيِيزٍ وَقَفَ الْأَمْرَ حَتَّى يَنْكَشِفَ فَإِنْ اعْتَرَفَ الْمُشَارِكُ بِالْحَقِّ طُولِبَ بِهِ وَيُعْتَبَرُ أَيْضًا مَعَ الْمُعَاصَرَةِ إمْكَانُ الْمُعَامَلَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَغَيْرُهُ.

تَتِمَّةٌ: لَوْ حَضَرَ قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ بِبَلَدِ الْحَاكِمِ لِلْمُدَّعِي الْحَاضِرِ فَشَافَهَهُ بِحُكْمِهِ عَلَى الْغَائِبِ أَمْضَاهُ إذَا عَادَ إلَى

[حاشية البجيرمي]

الْمُرَادُ إنْهَاءَ الْحُكْمِ أَمَّا إذَا كَانَ يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ وَقَبِلَهَا، وَلَمْ يَحْكُمْ وَأَرَادَ إنْهَاءَ الْبَيِّنَةِ أَيْ أَنَّهُ سَمِعَهَا وَقَبِلَهَا فَيَكُونُ الْمُرَادَ وَيُسَمِّيهِمَا أَيْ شَاهِدَيْ الْحَقِّ إنْ لَمْ يُعَدِّلْهُمَا وَقَوْلُهُ: وَيُسَمِّيهِمَا ظَاهِرُهُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي شَاهِدَيْ الْحُكْمِ لَا شَاهِدَيْ الْحَقِّ لِأَنَّ الْإِنْهَاءَ إنْ كَانَ بِالْحُكْمِ فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِ الْحُجَّةِ أَيْ الْبَيِّنَةِ الَّتِي أَوْجَبَتْ الْحُكْمَ.
وَإِنْ كَانَ الْإِنْهَاءُ بِسَمَاعِ الشَّهَادَةِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ احْتَاجَ الْأَمْرُ إلَى ذِكْرِ الشَّاهِدَيْنِ إنْ لَمْ يُعَدِّلْهُمَا وَالشَّارِحُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فَقَطْ أَيْ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ، فَلَا يُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحِ عَلَى شَاهِدَيْ الْحَقِّ لَكِنَّ قَوْلَهُ: إنْ لَمْ يُعَدِّلْهُمَا يَقْتَضِي أَنَّ الْكَلَامَ فِي شَاهِدَيْ الْحَقِّ لِأَنَّ شَاهِدَيْ الْحُكْمِ عَدَّلَهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدَّرَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْأَحْكَامِ: أَوْ فِي سَمَاعِ بَيِّنَةٍ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ يُنْهَى إلَيْهِ الْحُكْمُ إنْ حَكَمَ وَلَا يَكُونُ، إلَّا بَعْدَ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَتَعْدِيلِهَا أَوْ يُنْهَى إلَيْهِ ثُبُوتُ الْحَقِّ إنْ لَمْ يَحْكُمْ وَقَدْ عُدِّلَتْ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةُ.
أَوْ يُنْهَى إلَيْهِ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ بِالْحَقِّ فَقَطْ، إنْ لَمْ تُعَدَّلْ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةُ.
وَكَلَامُهُ: يَقْتَضِيَ الِاكْتِفَاءَ بِتَعْدِيلِهِ، فَيُخَالِفُ مَا فِي الرَّوْضِ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا يَكْفِي تَعْدِيلُ الْكَاتِبِ إيَّاهُمَا.
لِأَنَّهُ تَعْدِيلٌ قَبْلَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ.
اهـ. م د. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ إنَّمَا يَكُونُ قَبْلَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلَهُ: وَيَسْمَعُهَا إلَخْ.
هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي إنْهَاءِ سَمَاعِ الْحُجَّةِ، كَمَا فِي الْمَنْهَجِ.
وَلَمْ يَذْكُرْهُ الشَّارِحُ، إلَّا فِي إنْهَاءِ الْحُكْمِ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَلَعَلَّهُ انْتَقَلَ نَظَرُهُ.
وَلَوْ زَادَ قَبْلَ هَذَا قَوْلَهُ: أَوْ شَهِدَ بِالْحَقِّ عِنْدِي شَاهِدَانِ لَسَلِمَ مِنْ الِاعْتِرَاضِ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ خَتْمُهُ) أَيْ حِفْظًا لَهُ وَإِكْرَامًا لِلْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، وَخَتْمُ الْكِتَابِ مِنْ حَيْثُ هُوَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِخَتْمِهِ جَعْلُ نَحْوِ شَمْعٍ عَلَيْهِ وَيَخْتِمُ عَلَيْهِ بِخَاتَمِهِ لِأَنَّهُ يَتَحَفَّظُ بِذَلِكَ.
اهـ. حَجّ وَعِبَارَةُ ح ل. وَسُنَّ خَتْمُهُ أَيْ عَلَى نَحْوِ شَمْعٍ يَضَعُهُ عَلَى الْكِتَابِ بَعْدَ طَيِّهِ لَيَصُونَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَضَعَ الْخَتْمَ لَا عَلَى شَمْعٍ وَنَحْوِهِ اهـ وَفِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي خَتْمُ الْكِتَابِ حِفْظًا لِمَا فِيهِ وَإِكْرَامًا لِلْمَكْتُوبِ إلَيْهِ.
«وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُرْسِلُ كُتُبَهُ غَيْرَ مَخْتُومَةٍ فَامْتَنَعَ بَعْضُهُمْ مِنْ قَبُولِهَا، إلَّا مَخْتُومَةً فَاِتَّخَذَ خَاتَمًا وَنَقَشَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» فَصَارَ خَتْمُ الْكِتَابِ سُنَّةً مُتَّبَعَةً وَإِنَّمَا كَانُوا لَا يَقْرَءُونَ إلَّا كِتَابًا مَخْتُومًا خَوْفًا مِنْ كَشْفِ أَسْرَارِهِمْ وَإِضَاعَةِ تَدْبِيرِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَيُدْفَعُ لِلشَّاهِدَيْنِ) أَيْ نَدْبًا ع ش. قَوْلُهُ: (مِنْ ثُبُوتٍ أَوْ حُكْمٍ) بِمَعْنَى الْوَاوِ لِأَنَّهُ يُنْهِي ثُبُوتَ الْحَقِّ، مَعَ الْحُكْمِ وَلَفْظُ الثُّبُوتِ سِرِّيٌّ لَهُ مِنْ عِبَارَةِ الْمَنْهَجِ.
لِأَنَّهُ أَوَّلًا ذَكَرَ إنْهَاءَ الْحُكْمِ وَذَكَرَ بَعْدَهُ إنْهَاءَ الثُّبُوتِ.
ثُمَّ قَالَ: مِنْ ثُبُوتٍ أَوْ حُكْمٍ فَهُوَ صَحِيحٌ هُنَاكَ وَأَمَّا هُنَا فَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا إنْهَاءَ الْحُكْمِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (بَلْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ) أَيْ يَنْفُذُ الْحُكْمُ إنْ كَانَ الْإِنْهَاءُ بِالْحُكْمِ وَيُنْشِئُ الْحُكْمَ إنْ كَانَ الْإِنْهَاءُ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ مَاتَ) جَوَابُ إنْ الْأُولَى مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: فَإِنْ مَاتَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (زِيَادَةَ تَمْيِيزٍ) أَيْ وَلَا بُدَّ مِنْ حُكْمٍ ثَانٍ مِنْ قَاضِي بَلَدِ الْحَاضِرِ وَلَا يُشْتَرَطُ إعَادَةُ الدَّعْوَى وَالتَّحْلِيفِ.
قَوْلُهُ: (إمْكَانُ الْمُعَامَلَةِ) فَلَوْ كَانَ عُمْرُهُ خَمْسَ سِنِينَ وَعُمْرُ الْمُدَّعِي

مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَهُوَ حِينَئِذٍ قَضَاءٌ بِعِلْمِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَافَهَهُ بِهِ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ، فَلَيْسَ لَهُ إمْضَاؤُهُ إذَا عَادَ إلَى مَحَلِّ وِلَايَتِهِ.
كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ قَاضِي بَلَدِ الْحَاضِرِ وَهُوَ فِي طَرَفِ وِلَايَتِهِ لِقَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ فِي طَرَفِ وِلَايَتِهِ حَكَمْتُ بِكَذَا عَلَى فُلَانٍ الَّذِي بِبَلَدِك نَفَّذَهُ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ الشَّهَادَةِ وَالْكِتَابِ فِي الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ وَالْإِنْهَاءِ وَلَوْ بِغَيْرِ كِتَابٍ بِحُكْمٍ يَمْضِي مُطْلَقًا عَنْ التَّقْيِيدِ بِفَوْقِ مَسَافَةِ الْعَدْوَى وَالْإِنْهَاءُ بِسَمَاعِ حُجَّةٍ يُقْبَلُ فِيمَا فَوْقَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى لَا فِيمَا دُونَهُ وَفَارَقَ الْإِنْهَاءَ بِالْحُكْمِ بِأَنَّ الْحُكْمَ قَدْ تَمَّ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا الِاسْتِيفَاءُ بِخِلَافِ سَمَاعِ الْحُجَّةِ إذْ يَسْهُلُ إحْضَارُهَا مَعَ الْقُرْبِ وَالْعِبْرَةُ بِالْمَسَافَةِ بِمَا بَيْنَ الْقَاضِيَيْنِ لَا بِمَا بَيْنَ الْقَاضِي الْمَنْهِيِّ وَالْغَرِيمِ وَمَسَافَةُ الْعَدْوَى مَا يَرْجِعُ مِنْهَا مُبَكِّرًا إلَى مَحَلِّهِ يَوْمَهُ الْمُعْتَدِلَ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يُعَدِّي أَيْ يُعَيِّنُ مَنْ طَلَبَ خَصْمًا مِنْهَا عَلَى إحْضَارِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ السَّابِقِ أَنَّهُ لَوْ عَسُرَ إحْضَارُ الْحُجَّةِ مَعَ الْقُرْبِ بِنَحْوِ مَرَضٍ قَبْلَ الْإِنْهَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَطْلَبِ.

فَصْلٌ فِي الْقِسْمَةِ بِكَسْرِ الْقَافِ وَهِيَ تَمْيِيزُ بَعْضِ الْأَنْصِبَاءِ مِنْ بَعْضٍ وَالْقَسَّامُ الَّذِي يَقْسِمُ الْأَشْيَاءَ بَيْنَ النَّاسِ قَالَ لَبِيدٌ فَارْضَ بِمَا قَسَمَ الْمَلِيكُ فَإِنَّمَا ... قَسَمَ الْمَعِيشَةَ بَيْنَنَا قَسَّامُهَا

[حاشية البجيرمي]

عِشْرِينَ سَنَةً فَهَذَا لَمْ يُمْكِنْ مُعَامَلَتُهُ.

قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَضَرَ قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ) وَهُوَ الْمَنْهِيُّ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ: بِبَلَدِ الْحَاكِمِ وَهُوَ الْمَنْهِيُّ.
قَوْلُهُ: (لِلْمُدَّعِي) أَيْ الَّذِي حَكَمَ لِلْمُدَّعِي.
فَأَلْ اسْمٌ مَوْصُولٌ وَقَوْلُهُ: الْحَاضِرِ صِفَةٌ لِلْمُدَّعِي.
قَوْلُهُ: (فَشَافَهَهُ) أَيْ خَاطَبَهُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ.
أَيْ شَافَهَ الْحَاكِمُ لِلْمُدَّعِي قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَاضِي بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَيَشْمَلُ الشَّادَّ إنْ انْحَصَرَ الْأَمْرُ فِي الْإِنْهَاءِ إلَيْهِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر وحج.
قَوْلُهُ: (أَمْضَاهُ) أَيْ الْمُخْبَرُ بِفَتْحِ الْبَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الْإِمْضَاءُ وَقَوْلُهُ: وَحِينَئِذٍ أَيْ حِينَ إذْ شَافَهَهُ.
قَوْلُهُ: (قَضَاءً بِعِلْمِهِ) أَيْ بِمَنْزِلَةِ الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا لَوْ شَافَهَهُ) . مَفْهُومُ قَوْلِهِ: بِبَلَدِ الْحَاكِمِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي غَيْرِ عَمَلِهِ) أَيْ الْمُخْبِرِ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الشَّارِحِ: إذَا عَادَ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْبَرُ بِفَتْحِهَا فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ أَمْ فِي غَيْرِهَا فَلَا يَنْفُذُ الْمُخْبَرُ بِفَتْحِ الْبَاءِ فِي الصُّورَتَيْنِ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ بِكَسْرِ الْبَاءِ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ كَالْمَعْزُولِ أَيْ فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَيْسَ لَهُ إمْضَاؤُهُ) أَيْ لَيْسَ لِلْمُخْبَرِ بِفَتْحِ الْبَاءِ إمْضَاؤُهُ أَيْ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ أَيْ الْمُخْبِرِ بِالْكَسْرِ عَلَى الْإِنْشَاءِ فَهُوَ كَالْإِخْبَارِ بَعْدَ الْعَزْلِ فَلَا يُفِيدُ وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ فَإِنْ شَافَهَ قَاضٍ قَاضِيًا بِالْحُكْمِ وَالْمَنْهِيُّ لَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ، لَمْ يَحْكُمْ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ لِأَنَّ إخْبَارَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ كَإِخْبَارِهِ بَعْدَ عَزْلِهِ اهـ بِالْحَرْفِ.
قَوْلُهُ: (وَالْإِنْهَاءُ) أَيْ الْمَنْهِيُّ وَالْعِبَارَةُ فِيهَا قَلْبٌ أَيْ الْحُكْمُ الْمَنْهِيُّ.
قَوْلُهُ: (يَمْضِي مُطْلَقًا) أَيْ يَنْفُذُ.
قَوْلُهُ: (وَالْإِنْهَاءُ بِسَمَاعِ حُجَّةٍ) بِأَنْ أَنْهَى لَهُ أَنَّهُ سَمِعَ حُجَّةً تَشْهَدُ عَلَى فُلَانٍ الذِّمِّيِّ عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: (مَا يَرْجِعُ إلَخْ) أَيْ هِيَ الَّتِي لَوْ خَرَجَ مِنْهَا بُكْرَةً لِبَلَدِ الْحَاكِمِ لَرَجَعَ إلَيْهَا يَوْمَهُ بَعْدَ فَرَاغِ زَمَنِ الْمُخَاصَمَةِ الْمُعْتَدِلَةِ مِنْ دَعْوَى وَجَوَابٍ وَإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ حَاضِرَةٍ وَتَعْدِيلِهَا وَالْعِبْرَةُ بِسَيْرِ الْأَثْقَالِ لِأَنَّهُ مُنْضَبِطٌ.
اهـ. س ل. قَوْلُهُ: (مُبَكِّرٌ) بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ شَخْصٌ مُبَكِّرٌ أَيْ خَرَجَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ مِنْ قَبْلِ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَقَوْلُهُ: يَوْمَهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَالْمَعْنَى أَنْ يَذْهَبَ إلَيْهَا وَيَرْجِعَ فِي يَوْمٍ.
قَوْلُهُ: (يُعْدِي) : مِنْ الْإِعْدَادِ أَيْ يُعِينُ مِنْ الْإِعَانَةِ فَهُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى إحْضَارِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيُعِينُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ تَعْلِيلِهِمْ السَّابِقِ) هُوَ قَوْلُهُ: إذْ يَسْهُلُ إحْضَارُهَا مَعَ الْقُرْبِ.

[فَصْلٌ فِي الْقِسْمَةِ]

ِ قَوْلُهُ: (وَهِيَ تَمْيِيزُ) : أَيْ لُغَةً وَشَرْعًا، فَهُوَ مَعْنًى لُغَوِيٌّ وَشَرْعِيٌّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا الِاصْطِلَاحِيَّ وَأَمَّا اللُّغَوِيُّ فَمُطْلَقُ التَّمْيِيزِ وَأُدْرِجَتْ فِي الْقَضَايَا لِاحْتِيَاجِ الْقَاضِي إلَيْهَا وَلِأَنَّ الْقَاسِمَ كَالْقَاضِي فِي وُجُوبِ امْتِثَالِ " قِسْمَتِهِ.
وَاعْلَمْ: أَنَّ قِسْمَةَ الْإِفْرَازِ ضَابِطُهَا أَنْ تَكُونَ فِي مُسْتَوِي الْأَجْزَاءِ صُورَةً وَقِيمَةً مِثْلِيًّا أَوْ مُتَقَوِّمًا.
وَضَابِطُ قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ أَنْ تَكُونَ فِيمَا

وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: 8] الْآيَةَ، «وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْسِمُ الْغَنَائِمَ بَيْنَ أَرْبَابِهَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا لِيَتَمَكَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّرَكَاءِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ عَلَى الْكَمَالِ وَيَتَخَلَّصَ مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَاخْتِلَافِ الْأَيْدِي.
(وَيَفْتَقِرُ الْقَاسِمُ) أَيْ الَّذِي يُنَصِّبُهُ الْإِمَامُ أَوْ الْقَاضِي (إلَى سَبْعَةِ شَرَائِطَ) وَزِيدَ عَلَيْهَا شَرَائِطُ أُخَرَ كَمَا سَتَعْرِفُهَا وَهِيَ (الْإِسْلَامُ وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ وَالْعَدَالَةُ) لِأَنَّ ذَلِكَ وِلَايَةٌ وَمَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِمَا ذُكِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ.
(وَ) عِلْمُ الْمِسَاحَةِ وَعِلْمُ (الْحِسَابِ) لِاسْتِدْعَائِهَا لِلْمِسَاحَةِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَإِنَّمَا شُرِطَ عِلْمُهُمَا لِأَنَّهُمَا آلَةُ الْقِسْمَةِ كَمَا أَنَّ النَّفَقَةَ آلَةُ الْقَضَاءِ وَاعْتَبَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَفِيفًا عَنْ الطَّمَعِ حَتَّى لَا يَرْتَشِيَ وَلَا يَخُونَ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأُمِّ وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَعْرِفَةُ التَّقْوِيمِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَوْجَهُهُمَا لَا يُشْتَرَطُ كَمَا جَرَى عَلَيْهِ ابْنُ الْمُقْرِي وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ جَزَمَ بِاسْتِحْبَابِهِ الْقَاضِيَانِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَأَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ بَدَلَ الْعَدَالَةِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَاسْتُفِيدَ مِنْهُ اشْتِرَاطُ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالنُّطْقِ وَالضَّبْطِ إذْ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ بَلْ وَيَسْتَغْنِي عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ أَيْضًا بِالْعَدَالَةِ.

وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاسِمُ

[حاشية البجيرمي]

اخْتَلَفَ أَجْزَاؤُهُ فِي الصُّورَةِ وَالْقِيمَةِ، أَوْ أَحَدُهُمَا وَقِسْمَةُ الرَّدِّ وَهِيَ مَا يُحْتَاجُ فِي قِسْمَتِهِ إلَى رَدِّ مَالٍ أَجْنَبِيٍّ، وَلِبَعْضِ الْفُضَلَاءِ: يَا نَفْسُ لَا تَطْلُبِي مَا لَا سَبِيلَ لَهُ ... قَدْ قَسَمَ الرِّزْقَ بَيْنَ الْقَوْمِ قَسَّامُ أَلَا تَرَيْنَ فَوَاكِهَ الْأَسْوَاقِ قَدْ وُضِعَتْ ... لِلتِّينِ قَوْمٌ وَلِلْجُمَّيْزِ أَقْوَامُ وَقَالَ آخَرُ: تَمُوتُ الْأُسْدُ فِي الْغَابَاتِ جُوعًا ... وَلَحْمُ الضَّأْنِ مَأْكُولُ الْكِلَابِ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: 8] أَيْ قِسْمَةَ الْمَوَارِيثِ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ) أَشَارَ إلَى أَنَّ لَهَا دَلِيلًا عَقْلِيًّا.
قَوْلُهُ: (الْمِسَاحَةِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَهُوَ عِلْمٌ يُعْرَفُ بِهِ طُرُقُ اسْتِعْلَامِ الْمَجْهُولَاتِ الْعَدَدِيَّةِ الْعَارِضَةِ لِلْمَقَادِيرِ أَيْ كَطَرِيقِ مَعْرِفَةِ الْقُلَّتَيْنِ بِخِلَافِ الْعَدَدِيَّةِ فَقَطْ فَإِنَّ عِلْمَهَا يَكُونُ بِالْجَبْرِ وَالْمُقَابَلَةِ.
اهـ. ح ل. وَهِيَ قِسْمٌ مِنْ الْحِسَابِ فَعَطْفُهُ عَلَيْهَا مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ.
قَوْلُهُ: (لِاسْتِدْعَائِهَا) أَيْ الْقِسْمَةِ أَيْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَيُغْنِي عَنْ هَذَا التَّعْلِيلِ قَوْلُهُ الْآتِي: وَإِنَّمَا شُرِطَ عِلْمُهُمَا لِأَنَّهُمَا آلَةُ الْقِسْمَةِ وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَذْكُرْهُ م ر. قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ) يَعْنِي أَنَّ الْمِسَاحَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْقِسْمَةَ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا شُرِطَ عِلْمُهُمَا) لَا حَاجَةَ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ: لِاسْتِدْعَائِهَا لِلْمِسَاحَةِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ ذَلِكَ) أَيْ الشُّرُوطِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ عَفِيفًا عَنْ الطَّمَعِ) لَمْ يُشْتَرَطْ هَذَا فِي الْقَاضِي.
اهـ. ح ل. قَوْلُهُ: (مَعْرِفَةُ التَّقْوِيمِ) أَيْ تَقْدِيرُ قِيَمِ الْأَشْيَاءِ.
قَوْلُهُ (بِاسْتِحْبَابِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ مَعْرِفَةِ التَّقْوِيمِ.
قَوْلُهُ: (تُقْبَلُ) الْأَوْلَى وَأَنْ تُقْبَلَ لِيَصِحَّ عَطْفُهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (السَّمْعِ وَالْبَصَرِ) لِأَنَّ غَيْرَ السَّمِيعِ لَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّمْعِ.
وَغَيْرَ الْبَصِيرِ، لَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَصَرِ ح ل. قَوْلُهُ: (وَالنُّطْقِ) أَيْ وَعَدَمُ تُهْمَةٍ بِأَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ عَدَاوَةٌ لَا أَصْلِيَّةٌ، وَلَا فَرْعِيَّةٌ، وَلَا سَيِّدِيَّةٌ.
لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْقَضَاءِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ: (إذْ لَا بُدَّ) يُتَأَمَّلُ هَذَا التَّعْلِيلُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ " أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلِاشْتِرَاطِ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ تَعْلِيلِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: لَاسْتُفِيدَ مِنْهُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَيَسْتَغْنِي عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ) تَرَقٍّ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمَتْنِ وَغَرَضُهُ بِهِ أَنَّ ذِكْرَ الْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ إمَّا بِالْعَدَالَةِ الَّتِي عَبَّرَ بِهَا أَوْ بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ الْمُتَقَدِّمِ لَكِنَّ الِاعْتِرَاضَ بِالْمُتَأَخِّرِ لَيْسَ مُتَوَجِّهًا لِأَنَّ الْأَوَّلَ

مَنْصُوبًا مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي فَأَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (فَإِنْ تَرَاضَيَا) وَفِي نُسْخَةٍ فَإِنْ تَرَاضَ (الشَّرِيكَانِ) أَيْ الْمُطْلَقَانِ التَّصَرُّفِ (بِمَنْ يَقْسِمُ بَيْنَهُمَا) مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَكِّمَاهُ فِي الْمَالِ الْمُشْتَرَكَ (لَمْ يَفْتَقِرْ) أَيْ هَذَا الْقَاسِمُ (إلَى ذَلِكَ) أَيْ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهُمَا لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّكْلِيفُ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فَقَاسَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ، اُشْتُرِطَ مَعَ التَّكْلِيفِ الْعَدَالَةُ.
أَمَّا مُحَكَّمُهُمَا فَهُوَ كَمَنْصُوبِ الْقَاضِي فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الشُّرُوطُ الْمَذْكُورَةُ.

(وَإِنْ كَانَ فِي الْقِسْمَةِ تَقْوِيمٌ) هُوَ مَصْدَرُ قَوَّمَ السِّلْعَةَ قَدَّرَ قِيمَتَهَا (لَمْ يَقْتَصِرْ فِيهِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ اثْنَيْنِ) لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي الْمُقَوَّمِ لِأَنَّ التَّقْدِيمَ شَهَادَةٌ بِالْقِيمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَقْوِيمٌ فَيَكْفِي، قَاسِمٌ وَاحِدٌ وَإِنْ كَانَ فِيهَا خَرْصٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الْخَارِصَ يَجْتَهِدُ وَيَعْمَلُ بِاجْتِهَادِهِ فَكَانَ كَالْحَاكِمِ.

وَلَا يَحْتَاجُ الْقَاسِمُ إلَى لَفْظِ الشَّهَادَةِ وَإِنْ وَجَبَ تَعَدُّدُهُ لِأَنَّهَا تَسْتَنِدُ إلَى عَمَلٍ مَحْسُوسٍ.

وَلِلْإِمَامِ جَعْلُ الْقَاسِمِ حَاكِمًا فِي التَّقْوِيمِ فَيَعْمَلُ فِيهِ بِعَدْلَيْنِ.
وَيَقْسِمُ بِنَفْسِهِ وَلِلْقَاضِي الْحُكْمُ فِيهِ فِي التَّقْوِيمِ بِعِلْمِهِ.

وَيَجْعَلُ الْإِمَامُ رِزْقَ مَنْصُوبِهِ إنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا كَانَ فِيهِ سَعَةٌ، وَإِلَّا فَأُجْرَتُهُ عَلَى الشُّرَكَاءِ لِأَنَّ الْعَمَلَ لَهُمْ فَإِنْ اسْتَأْجَرُوهُ وَسَمَّى كُلٌّ مِنْهُمْ قَدْرًا لَزِمَهُ وَإِنْ سَمَّوْا أُجْرَةً مُطْلَقَةً فِي إجَارَةٍ صَحِيحَةٍ أَوْ فَاسِدَةٍ فَالْأُجْرَةُ مُوَزَّعَةٌ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ الْمَأْخُوذَةِ لِأَنَّهَا مِنْ مُؤَنِ

[حاشية البجيرمي]

وَقَعَ فِي مَرْكَزِهِ.

قَوْلُهُ: (وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاسِمُ مَنْصُوبًا مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمَتْنِ: فَإِنْ تَرَاضَيَا الشَّرِيكَانِ مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: مَحَلُّ اشْتِرَاطِ مَا تَقَدَّمَ فِي مَنْصُوبِ الْحَاكِمِ أَمَّا مَنْ تَرَاضَى الشَّرِيكَانِ عَلَيْهِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إلَّا التَّكْلِيفُ.
وَالْأَوْلَى لِيُنَاسَبَ قَوْلَهُ: سَابِقًا أَيْ الَّذِي يَنْصِبُهُ الْإِمَامُ أَوْ الْقَاضِي أَنْ يَقُولَ هُنَا: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاسِمُ مَنْصُوبًا مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ أَوْ الْقَاضِي إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَرَاضَى) هِيَ أَوْلَى مِنْ فَإِنْ تَرَاضَيَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ لِسَلَامَتِهَا مِنْ التَّخْرِيجِ عَلَى لُغَةِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ.
قَوْلُهُ: (الشَّرِيكَانِ) أَوْ الشُّرَكَاءُ.
قَوْلُهُ: (الْمَالَ الْمُشْتَرَكَ) مَفْعُولُ يُقْسِمُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ) لَوْ قَالَ: أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ الشُّرُوطِ لَكَانَ مُسْتَقِيمًا ق ل. لِأَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ مُفْرَدٌ وَيُنَاسِبُ تَفْسِيرَهُ بِالْمُفْرَدِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهُمَا) : فَيَجُوزُ كَوْنُهُ رَقِيقًا وَامْرَأَةً وَفَاسِقًا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فَيَفْتَقِرُ إلَى مَا ذُكِرَ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (فَقَاسَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ) أَيْ تَوَلَّى أَمْرَ الْقِسْمَةِ لَهُ وَلِيُّهُ بِأَنْ رَضِيَ مَعَ الشَّرِيكِ الْآخَرِ بِمَنْ يَقْسِمُ.
قَوْلُهُ: (اُشْتُرِطَ مَعَ التَّكْلِيفِ الْعَدَالَةُ) أَيْ وَغَيْرُهُمَا مِمَّا تَقَدَّمَ كَمَعْرِفَةِ الْمِسَاحَةِ وَالْحِسَابِ وَكَوْنِهِ عَفِيفًا.
قَوْلُهُ: (أَمَّا مُحَكَّمُهُمَا) : وَالْفَرْقُ: بَيْنَ مَنْ حَكَّمَاهُ وَمَنْ تَرَاضَيَا بِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْكِيمٍ أَنَّهُمَا لَمَّا حَكَّمَاهُ جَعَلَاهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَاكِمِ يَلْزَمُهُمَا الرِّضَا بِمَا فَعَلَهُ بِخِلَافِ مَنْ تَرَاضَيَا عَلَيْهِ لَا يَلْزَمُهُمَا الرِّضَا بِحُكْمِهِ.
قَوْلُهُ: (فِيهِ) أَيْ فِي التَّقْوِيمِ بِاعْتِبَارِ الْمُقَوَّمِ.
اهـ. سم.
وَقَالَ شَيْخُنَا: الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِلْقَاسِمِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَقْوِيمٌ فَيَكْفِي قَاسِمٌ وَاحِدٌ وَيَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُ: لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي الْمُقَوَّمِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُقَوِّمُ غَيْرَ الْقَاسِمِ وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُقَوِّمُ هُوَ الْقَاسِمَ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْقَاسِمَ إنْ كَانَ هُوَ الْمُقَوِّمَ اُشْتُرِطَ تَعَدُّدُهُ.
وَإِنْ كَانَ الْقَاسِمُ غَيْرَ مُقَوِّمٍ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ التَّعَدُّدُ.

قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ فِيهَا خَرْصٌ) أَيْ تَخْمِينٌ كَرُطَبٍ وَهَذَا غَايَةٌ فِي عَدَمِ التَّعَدُّدِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْخَارِصَ إلَخْ) أَيْ وَالْمُقَوِّمُ يُخْبِرُ بِقِيمَةِ الشَّيْءِ فَهُوَ كَالشَّاهِدِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ سم.

قَوْلُهُ: (وَلِلْإِمَامِ جَعْلُ الْقَاسِمِ) غَرَضُهُ بِهِ التَّقْيِيدُ أَيْ مَحَلُّ اشْتِرَاطِ التَّعَدُّدِ فِي الْقَاسِمِ إذَا كَانَ هُنَاكَ تَقْوِيمٌ مَا لَمْ يَجْعَلْ الْإِمَامُ الْقَاسِمَ، حَاكِمًا فِي التَّقْوِيمِ.
أَيْ يُنَفِّذُهُ أَيْ يُنَفِّذُ التَّقْوِيمَ الْحَاصِلَ مِنْ غَيْرِهِ وَيَعْمَلُ بِهِ وَيَقْسِمُ بِنَفْسِهِ فَحِينَئِذٍ يَسْأَلُ عَنْ الْقِيمَةِ عَدْلَيْنِ وَيَقْسِمُ بِنَفْسِهِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَجْعَلْهُ الْإِمَامُ حَاكِمًا فِيهِ، وَلَكِنْ لَمْ يُقَوِّمْ فَيَسْأَلُ عَدْلَيْنِ عَنْ الْقِيمَةِ وَيَقْسِمُ بِنَفْسِهِ، قَوْلُهُ: (بِعَدْلَيْنِ) أَيْ، بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَلِلْقَاضِي) تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ فِي الْقِسْمَةِ تَقْوِيمٌ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى أَقَلَّ مِنْ اثْنَيْنِ أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ الْقَاسِمُ الْقَاضِيَ بِنَفْسِهِ.
وَهُوَ عَالِمٌ بِالتَّقْوِيمِ فَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِعِلْمِهِ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا وَيَقْسِمَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَدُّدٍ اهـ وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ وَلِلْقَاضِي الْعَمَلُ فِيهِ بِعِلْمِهِ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا اهـ

قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ بِهِ) أَيْ بِالْعَمَلِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ اسْتَأْجَرُوهُ) بِأَنْ وَكَّلُوا وَاحِدًا يَسْتَأْجِرُ لَهُمْ شَخْصًا وَعَيَّنَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ قَدْرًا وَأُذِنَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُسَمِّيَهُ لِلْأَجِيرِ فَيَلْزَمُ كُلًّا مَا سَمَّاهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرُوهُ مُرَتَّبًا وَعَيَّنَ كُلٌّ قَدْرًا وَكَذَا لَوْ عَقَدُوا مَعًا وَعَيَّنَ كُلٌّ قَدْرًا.
قَوْلُهُ: (أُجْرَةً مُطْلَقَةً) أَيْ لَمْ يُعَيِّنْ كُلٌّ

الْمِلْكِ.

ثُمَّ مَا عَظُمَ ضَرَرُ قِسْمَتِهِ إنْ بَطَلَ نَفْعُهُ بِالْكُلِّيَّةِ كَجَوْهَرَةٍ وَثَوْبٍ نَفِيسَيْنِ مَنَعَهُمْ الْحَاكِمُ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَبْطُلْ نَفْعُهُ بِالْكُلِّيَّةِ كَأَنْ نَقَصَ نَفْعُهُ أَوْ بَطَلَ نَفْعُهُ الْمَقْصُودُ لَمْ يَمْنَعْهُمْ وَلَمْ يُجِبْهُمْ فَالْأَوَّلُ كَسَيْفٍ يُكْسَرُ وَالثَّانِي كَحَمَّامٍ وَطَاحُونَةٍ صَغِيرَيْنِ، فَلَا يَمْنَعُهُمْ وَلَا يُجِيبُهُمْ.
وَلَوْ كَانَ لَهُ عُشْرُ دَارٍ مَثَلًا لَا يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى وَالْبَاقِي لِآخَرَ يَصْلُحُ لَهَا أُجْبِرَ صَاحِبُ

[حاشية البجيرمي]

مِنْهُمْ قَدْرًا بِأَنْ قَالُوا اسْتَأْجَرْنَاك لِتَقْسِمَ لَنَا بِكَذَا.
قَوْلُهُ: (الْمَأْخُوذَةِ) عِبَارَةُ شَرْحِ التَّحْرِيرِ.
وَخَرَجَ بِزِيَادَتِي الْمَأْخُوذَةِ الْحِصَصُ الْأَصْلِيَّةُ فِي قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ فَإِنَّ الْأُجْرَةَ لَيْسَتْ عَلَى قَدْرِهَا بَلْ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ الْمَأْخُوذَةِ قِلَّةً وَكَثْرَةً.
لِأَنَّ الْعَمَلَ فِي الْكَثِيرِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْقَلِيلِ اهـ بِحُرُوفِهِ.
هَذَا إذَا كَانَتْ الْإِجَارَةُ صَحِيحَةً وَإِلَّا فَالْمُوَزَّعُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ مُطْلَقًا أَيْ عَيَّنَ كُلٌّ قَدْرًا أَوْ لَا شَرْحُ الْمَنْهَجِ فَإِنْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ فِي أَرْضٍ نِصْفَيْنِ وَعُدِلَ ثُلُثُهَا بِثُلُثَيْهَا فَالصَّائِرُ إلَيْهِ الثُّلُثَانِ يُعْطِي مِنْ أُجْرَةِ الْقَسَّامِ ثُلُثَيْهَا وَالْآخَرُ يُعْطِي ثُلُثَهَا وَرَجَّحَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُعْطِي النِّصْفَ اهـ. بَكْرِيٌّ وَلَوْ اسْتَأْجَرُوهُ لِكِتَابَةِ الصَّكِّ فَالْأُجْرَةُ أَيْضًا عَلَى الْحِصَصِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ آخِرَ الشُّفْعَةِ.
اهـ. ع ش عَلَى م ر.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ مَا عَظُمَ ضَرَرُ قِسْمَتِهِ إلَخْ) تَكْمِيلٌ لِلْأَقْسَامِ لِأَنَّ الْمَتْنَ تَكَلَّمَ عَلَى قِسْمَةِ مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ وَسَوَاءٌ كَانَ الضَّرَرُ لِكُلِّ الشُّرَكَاءِ أَوْ بَعْضِهِمْ كَمَا: فِي مَسْأَلَةِ الْعُشْرِ الْمَذْكُورَةِ.
وَقَوْلُهُ: مَنَعَهُمْ أَيْ كُلَّهُمْ إنْ كَانَ الضَّرَرُ لِلْجَمِيعِ أَوْ مَنَعَ مَنْ لَحِقَهُ الضَّرَرُ كَصَاحِبِ الْعُشْرِ فِي الصُّورَةِ الْآتِيَةِ.
قَوْلُهُ: (إنْ بَطَلَ نَفْعُهُ) الْمَقْصُودُ مِنْهُ أَيْ عَلَى حَالَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا لَا مَا يَطْرَأُ قَصْدُهُ ح ل. قَوْلُهُ: (مَنَعَهُمْ الْحَاكِمُ مِنْهَا) أَيْ وُجُوبًا، وَلَوْ تَنَازَعَ الشُّرَكَاءُ فِيمَا لَا يُقْسَمُ انْتَفَعُوا بِهِ مُهَايَأَةً وَلِكُلٍّ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ أَوْ أَجَّرُوهُ لِبَعْضِهِمْ أَوْ لِغَيْرِهِمْ.
فَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا بِذَلِكَ أَجْبَرَهُمْ الْحَاكِمُ عَلَى إجَارَتِهِ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَعَلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ مُهَايَأَةً.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَمْنَعْهُمْ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ وَلَمْ يُجِبْهُمْ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر. لَمْ يَمْنَعْهُمْ لِإِمْكَانِ الِانْتِقَاعِ بِمَا صَارَ إلَيْهِ مِنْهُ عَلَى حَالِهِ أَوْ بِاِتِّخَاذِهِ مَحَلًّا صَغِيرًا كَدُكَّانٍ وَلَا يُجِبْهُمْ إلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَكَانَ مُقْتَضَى ذَلِكَ مَنْعَهُ لَهُمْ غَيْرَ أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمْ فِعْلَ مَا ذُكِرَ بِأَنْفُسِهِمْ تَخَلُّصًا مِنْ سُوءِ الْمُشَارَكَةِ، نَعَمْ بَحَثَ جَمْعٌ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ مِنْ بُطْلَانِ بَيْعِ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْ نَفِيسٍ أَنَّ مَا هُنَا فِي سَيْفٍ خَسِيسٍ وَإِلَّا مَنَعَهُمْ اهـ. قَالَ ع ش: عَلَيْهِ وَإِطْلَاقُهُمْ يُخَالِفُهُ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا هُنَا وَثَمَّ بِأَنَّ ذَاكَ الْتِزَامٌ فِيهِ مَا يُؤَدِّي إلَى النَّقْصِ بِعَقْدٍ.
وَقَدْ مَنَعَهُ الشَّرْعُ مِنْ التَّسْلِيمِ فَقُلْنَا بِفَسَادِهِ.
وَلَا كَذَلِكَ هُنَا فَإِنَّ كَسَرَ السَّيْفِ بِمُجَرَّدِ التَّرَاضِي أَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَ ذِرَاعًا مِنْ ثَوْبٍ نَفِيسٍ.
لِغَرَضِ الْبَيْعِ وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا مَرَّ اهـ. قَوْلُهُ: (كَحَمَّامٍ) هُوَ مَحَلُّ الِاسْتِحْمَامِ لَا مَعَ نَحْوِ مُسْتَوْقَدٍ.
وَقَوْلُهُ: وَطَاحُونَةٍ هُوَ مَحَلُّ دَوَرَانِ الدَّوَابِّ حَوْلَ الْحَجَرِ لَا مَعَ نَحْوِ دَارِ الدَّوَابِّ اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ وَأَوَّلُ مَنْ صَنَعَ الْحَمَّامَ وَالطَّاحُونَ وَالزُّجَاجَ وَالصَّابُونَ وَالنُّورَةَ الْجِنُّ.
نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: حَمَّامُ طَاحُونٌ زُجَاجٌ نَوْرَةْ ... صَابُونُ صُنْعُ الْجِنِّ هَذِي الْخَمْسَهْ وَلَا يَجُوزُ قِسْمَةُ الْوَقْفِ بَيْنَ أَرْبَابِهِ لِأَنَّ فِيهَا تَغْيِيرَ شَرْطِ الْوَاقِفِ مِنْ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ أَرْبَابِهِ اهـ م ر. وَقِيلَ: يَجُوزُ إفْرَازًا إنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِي الْوَقْفِ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لِيَرْغَبُوا فِي الْعِمَارَةِ وَلَا يَتَوَاكَلُوا.
قَوْلُهُ: (صَغِيرَيْنِ) فِيهِ تَغْلِيبُ الْمُذَكَّرِ الَّذِي هُوَ الْحَمَّامُ لِأَنَّهُ مُذَكَّرٌ وَالطَّاحُونَةُ مُؤَنَّثَةٌ.
اهـ. م د. أَيْ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْأَوَّلِ حَمَّامَيْنِ وَالثَّانِي طَاحُونَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُرِيدَا ذَلِكَ بَلْ أَرَادَا غَيْرَهُ مِمَّا يُمْكِنُ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ جَعْلُ حِصَّةِ الطَّالِبِ لِلْقِسْمَةِ حَمَّامًا أَوْ طَاحُونًا أُجِيبَ وَإِنْ كَانَتْ حِصَّةُ الثَّانِي لَا يَتَأَتَّى مِنْهَا ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ كَانَ لَهُ عُشْرُ دَارٍ إلَخْ.
ح ل وَعِبَارَةُ مَتْنِ الْمِنْهَاجِ مَا يَبْطُلُ نَفْعُهُ الْمَقْصُودُ كَحَمَّامٍ وَطَاحُونَةٍ صَغِيرَيْنِ بِحَيْثُ لَوْ قُسِمَ كُلٌّ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ مِنْ الْوَجْهِ الْمَقْصُودِ قَبْلَهَا وَلَوْ بِإِحْدَاثِ مَرَافِقَ لَا يُجَابُ طَالِبُ قِسْمَتِهِ إجْبَارًا فِي الْأَصَحِّ لِمَا فِيهِ مِنْ إضْرَارِ الْآخَرِ

الْعُشْرِ عَلَى الْقِسْمَةِ بِطَلَبِ الْآخَرِ لَا عَكْسِهِ.

وَمَا لَا يَعْظُمُ ضَرَرُ قِسْمَتِهِ فَقِسْمَتُهُ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ وَهِيَ الْآتِيَةُ لِأَنَّ الْمَقْسُومَ إنْ تَسَاوَتْ الْأَنْصِبَاءُ مِنْهُ صُورَةً وَقِيمَةً فَهُوَ الْأَوَّلُ، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى رَدِّ شَيْءٍ فَالثَّانِي وَإِلَّا فَالثَّالِثُ.
النَّوْعُ الْأَوَّلُ الْقِسْمَةُ بِالْأَجْزَاءِ وَتُسَمَّى قِسْمَةُ الْمُتَشَابِهَاتِ؛ وَإِلَى هَذَا النَّوْعِ وَالنَّوْعِ الثَّانِي أَيْضًا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (وَإِذَا دَعَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ شَرِيكَهُ إلَى قِسْمَةِ مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ) كَمِثْلِيٍّ مِنْ حُبُوبٍ وَدَرَاهِمَ وَأَدْهَانٍ وَغَيْرِهَا.
وَدَارٍ مُتَّفِقَةِ الْأَبْنِيَةِ وَأَرْضٍ مُسْتَوِيَةِ الْأَجْزَاءِ

[حاشية البجيرمي]

وَلَا يَمْنَعُهُمْ مِنْهَا فَإِنْ أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَمَّامَيْنِ أَوْ طَاحُونَيْنِ أُجِيبَ الْمُمْتَنِعُ " لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ وَإِنْ احْتَاجَ إلَى إحْدَاثِ بِئْرٍ وَمُسْتَوْقَدٍ لِعُسْرِ التَّدَارُكِ وَالثَّانِي يُجَابُ إنْ اُنْتُفِعَ بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِوَجْهٍ مَا، وَإِنَّمَا بَطَلَ بَيْعُ مَا لَا مَمَرَّ لَهُ وَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُهُ بَعْدُ لِأَنَّ شَرْطَ الْمَبِيعِ الِانْتِفَاعُ بِهِ حَالًا هـ م ر. قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ لَهُ عُشْرُ دَارٍ) أَوْ حَمَّامٍ أَوْ أَرْضٍ م ر. قَوْلُهُ: (لَا يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى) أَوْ لِكَوْنِهِ حَمَّامًا أَوْ لِمَا يُقْصَدُ مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ وَقَوْلُهُ: مَثَلًا كَحَمَّامٍ أَوْ طَاحُونَةٍ لَا يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى وَالْبَاقِي يَصْلُحُ فَمَا عَظُمَ ضَرَرُ قِسْمَتِهِ إمَّا عَلَيْهِمَا مَعًا وَإِمَّا عَلَى أَحَدِهِمَا وَقَوْلُهُ: يَصْلُحُ لَهَا وَلَوْ بِضَمِّ مَا يَمْلِكُهُ بِجِوَارِهِ.
قَوْلُهُ: (أُجْبِرَ صَاحِبُ الْعُشْرِ عَلَى الْقِسْمَةِ) . ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ وَإِنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ ح ل. قَوْلُهُ: (لَا عَكْسُهُ) أَيْ لَا يُجَابُ صَاحِبُ الْعُشْرِ أَيْ لِأَنَّهُ تَعَنُّتٌ إذْ لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِالْعُشْرِ إذَا قُسِمَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُنْتَفَعُ بِعُشْرِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَأَنْ كَانَ مُلَاصِقًا لِمِلْكِهِ وَغَرَضُهُ مِنْ الْقِسْمَةِ أَنْ يَجْعَلَ حِصَّتَهُ سَعَةً فِي مِلْكِهِ فَإِنَّهُ يُجَابُ أج.
وَعِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: وَلَوْ كَانَ لَهُ عُشْرُ دَارٍ مَثَلًا لَا يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى وَالْبَاقِي لِآخَرَ يَصْلُحُ لَهَا وَلَوْ بِضَمِّ مَا يَمْلِكُهُ بِجِوَارِهِ أُجْبِرَ صَاحِبُ الْعُشْرِ عَلَى الْقِسْمَةِ بِطَلَبِ الْآخَرِ لَا عَكْسُهُ أَيْ لَا يُجْبَرُ الْآخَرُ بِطَلَبِ صَاحِبِ الْعُشْرِ لِأَنَّ صَاحِبَ الْعُشْرِ مُتَعَنِّتٌ وَالْآخَرَ مَعْذُورٌ.
أَمَّا إذَا صَلُحَ الْعُشْرُ وَلَوْ بِالضَّمِّ فَيُجْبَرُ بِطَلَبِ صَاحِبِهِ الْآخَرِ لِعَدَمِ التَّعَنُّتِ حِينَئِذٍ اهـ. وَقَوْلُهُ: بِطَلَبِ الْآخَرِ لِانْتِفَاعِهِ وَضَرَرُ صَاحِبِ الْعُشْرِ إنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ قِلَّةِ نَصِيبِهِ لَا مِنْ مُجَرَّدِ الْقِسْمَةِ.
شَرْحُ م ر وحج.
وَقَوْلُهُ: وَلَوْ بِالضَّمِّ أَيْ ضَمِّ مَا يَمْلِكُهُ بِجِوَارِهِ فَيَأْخُذُ مَا هُوَ مُجَاوِرٌ لِمِلْكِهِ وَيُجْبَرُ شَرِيكُهُ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنَّ الْأَجْزَاءَ مُتَسَاوِيَةٌ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ، وَعِبَارَةُ م ر لَوْ مَلَكَ أَوْ أَحْيَا مَا لَوْ ضُمَّ لِعُشْرِهِ صَلُحَ لِلسُّكْنَى أُجِيبَ اهـ وَقَالَ ع ش: وَإِذَا أُجِيبَ وَكَانَ الْمَوَاتُ أَوْ الْمِلْكُ فِي أَحَدِ جَوَانِبِ الدَّارِ دُونَ بَاقِيهَا فَهَلْ يَتَعَيَّنُ إعْطَاؤُهُ لِمَا يَلِي مِلْكَهُ بِلَا قُرْعَةٍ، وَتَكُونُ هَذِهِ الصُّورَةُ مُسْتَثْنَاةً مِنْ كَوْنِ الْقِسْمَةِ إنَّمَا تَكُونُ بِالْقُرْعَةِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْقُرْعَةِ حَتَّى لَوْ خَرَجَتْ حِصَّتُهُ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ مِلْكِهِ لَا تَتِمُّ الْقِسْمَةُ، أَوْ يُصَوَّرُ ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ الْمَوَاتُ أَوْ الْمَمْلُوكُ مُحِيطًا بِجَمِيعِ جَوَانِبِ الدَّارِ فِيهِ نَظَرٌ وَلَا يَبْعُدُ الْأَوَّلُ لِلْحَاجَةِ مَعَ عَدَمِ ضَرَرِ الشَّرِيكِ، حَيْثُ كَانَتْ الْأَجْزَاءُ مُسْتَوِيَةً اهـ. وَصَرَّحَ بِهِ م ر فِيمَا بَعْدَ.

قَوْلُهُ: (صُورَةً وَقِيمَةً) سَوَاءٌ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ مُتَقَوِّمًا فَمِثَالُ الْمِثْلِيِّ الدَّرَاهِمُ وَالْحُبُوبُ وَالْأَدْهَانُ، وَمِثَالُ الْمُتَقَوِّمِ: أَرْضٌ مُتَّفِقَةُ الْأَجْزَاءِ وَدَارٌ مُتَّفِقَةُ الْأَبْنِيَةِ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ الْأَوَّلُ) وَهُوَ قِسْمَةُ الْأَفْرَازِ وَقَوْلُهُ: فَالثَّانِي أَيْ قِسْمَةُ التَّعْدِيلِ وَقَوْلُهُ: فَالثَّالِثُ أَيْ الرَّدُّ.
قَوْلُهُ: (الْقِسْمَةُ بِالْأَجْزَاءِ) وَيَصِحُّ قِسْمَةُ الْإِفْرَازِ فِيمَا تَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِهِ قَبْلَ إخْرَاجِهَا ثُمَّ يُخْرِجُ كُلٌّ زَكَاةِ مَا آلَ إلَيْهِ وَلَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ تَصَرُّفِهِ عَلَى إخْرَاجِ الزَّكَاةِ س ل. قَوْلُهُ: (وَإِلَى هَذَا النَّوْعِ وَالنَّوْعِ الثَّانِي) وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّالِثُ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي كَلَامِهِ لِأَنَّهُ لَا إجْبَارَ فِيهِ كَمَا يَأْتِي وَقَدْ قَالَ: هُنَا لَزِمَ الْآخَرَ إجَابَتُهُ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ قَوْلَهُ: وَإِلَى هَذَا النَّوْعِ وَالنَّوْعِ الثَّانِي يَقْتَضِي أَنَّ الْقِسْمَيْنِ دَاخِلَانِ فِي الْمَتْنِ مَعَ أَنَّ الشَّارِحَ سَيَذْكُرُ الْقِسْمَ الثَّانِي بِقَوْلِهِ: النَّوْعُ الثَّانِي إلَخْ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّ ذِكْرَ الشَّارِحِ لَهُ زِيَادَةُ إيضَاحٍ وَبَيَانٍ لِأَمْثِلَتِهِ وَفُرُوعِهِ.
قَوْلُهُ: (مُتَّفِقَةِ الْأَبْنِيَةِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ: بِأَنْ كَانَ فِي جَانِبٍ مِنْهَا بَيْتٌ وَصُفَّةٌ.
وَفِي الْجَانِبِ الْآخَرِ كَذَلِكَ وَالْعَرْصَةُ مُسْتَوِيَةُ الْأَجْزَاءِ.
اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (وَأَرْضٌ مُسْتَوِيَةُ الْأَجْزَاءِ) أَيْ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَلَيْسَ فِيهَا نَحْوُ زَرْعٍ فَتُقْسَمُ وَحْدَهَا وَلَوْ إجْبَارًا، فَإِنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ لَمْ تَصِحَّ قِسْمَتُهُ وَحْدَهُ وَلَا قِسْمَتُهُمَا مَعًا، نَعَمْ إنْ كَانَ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ جَازَتْ قِسْمَتُهُمَا مَعًا بِالتَّرَاضِي، وَيَجُوزُ قِسْمَةُ الْكَتَّانِ بَعْدَ نَفْضِ رُءُوسِهِ وَمِعْيَارُهُ الْوَزْنُ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَيَصِحُّ قِسْمَةُ الثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ مِنْ نَخْلٍ وَعِنَبٍ خَرْصًا وَلَا يَصِحُّ قِسْمَةُ غَيْرِهِمَا، وَشَمَلَتْ الْأَرْضُ شَرِكَةَ الْوَقْفِ وَلَوْ مَسْجِدًا فَتَجُوزُ قِسْمَتُهَا مَعَهُ فِي هَذَا النَّوْعِ دُونَ غَيْرِهِ عَلَى

(لَزِمَ) شَرِيكَهُ (الْآخَرَ) الْمَطْلُوبَ إلَى الْقِسْمَةِ إجَابَتُهُ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهَا فَيُجَزَّأُ.
مَا يُقْسَمُ كَيْلًا فِي الْمَكِيلِ وَوَزْنًا فِي الْمَوْزُونِ وَذَرْعًا فِي الْمَذْرُوعِ وَعَدًّا فِي الْمَعْدُودِ بِعَدَدِ الْأَنْصِبَاءِ إنْ اسْتَوَتْ وَيُكْتَبُ مِثْلًا هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي مِنْ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ فِي كُلِّ رُقْعَةٍ إمَّا اسْمُ شَرِيكٍ مِنْ الشَّرِيكِ مِنْ الشُّرَكَاءِ أَوْ جُزْءٍ مِنْ الْأَجْزَاءِ مُمَيَّزٍ عَنْ الْبَقِيَّةِ بِحَدٍّ أَوْ غَيْرِهِ وَتُدْرَجُ الرُّقَعُ فِي بَنَادِقَ مِنْ نَحْوِ طِينٍ مُسْتَوِيَةٍ ثُمَّ يُخْرَجُ مَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْكِتَابَةَ وَالْإِدْرَاجَ رُقْعَةً إمَّا عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ إنْ كُتِبَتْ الْأَسْمَاءُ أَوْ عَلَى اسْمِ زَيْدٍ مَثَلًا إنْ كُتِبَتْ الْأَجْزَاءُ فَيُعْطَى ذَلِكَ الْجُزْءُ وَيَفْعَلُ كَذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ وَتَتَعَيَّنُ الثَّالِثَةُ لِلْبَاقِي إنْ كَانَتْ الرِّقَاعُ ثَلَاثَةً.
فَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَنْصِبَاءُ كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ وَسُدُسِ جَزَّأَ مَا يُقْسَمُ عَلَى أَقَلِّهَا، وَيَجْتَنِبُ إذَا كُتِبَتْ الْأَجْزَاءُ، تَفْرِيقَ حِصَّةِ وَاحِدٍ بِأَنْ لَا يَبْدَأَ بِصَاحِبِ السُّدُسِ.

النَّوْعُ الثَّانِي الْقِسْمَةُ بِالتَّعْدِيلِ بِأَنْ تُعَدَّلَ السِّهَامُ بِالْقِيمَةِ كَأَرْضٍ تَخْتَلِفُ قِيمَةُ أَجْزَائِهَا

[حاشية البجيرمي]

الْمُعْتَمَدِ ق ل، وَانْظُرْهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا مِنْ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ قِسْمَةُ الْوَقْفِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى غَيْرِ قِسْمَةِ الْإِفْرَازِ.
قَوْلُهُ: (مَثَلًا) رَاجِعٌ لِلْكِتَابَةِ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَهَا طُرُقٌ كَثِيرَةٌ عِنْدَ الْعَوَامّ.
قَوْلُهُ: (أَوْ جُزْءٌ) عَطْفٌ عَلَى اسْمٌ أَوْ شَرِيكٌ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لِمَا بَعْدَهُ.
اهـ. ق ل. قَوْلُهُ: (مُمَيَّزٍ عَنْ الْبَقِيَّةِ) بِأَنْ يَكْتُبَ الْجُزْءَ الشَّرْقِيَّ فِي رُقْعَةٍ وَفِي الْأُخْرَى الْجُزْءَ الْغَرْبِيَّ وَفِي الْأُخْرَى الْقِبْلِيَّ قَوْلُهُ: (مِنْ نَحْوِ طِينٍ) أَيْ مُجَفَّفٍ كَشَمَعٍ وَالشَّمَعُ بِالتَّحْرِيكِ الَّذِي يُسْتَصْبَحُ بِهِ قَالَ الْفَرَّاءُ: هَذَا كَلَامُ الْعَرَبِ وَالْمُوَلَّدُونَ يَقُولُونَ: شَمْعٌ بِالتَّسْكِينِ وَالشَّمْعَةُ أَيْضًا مِنْهُ اهـ. صِحَاحُ الْجَوْهَرِيِّ.
قَوْلُهُ: (مَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْكِتَابَةَ) وَالْأَوْلَى كَوْنُهُ صَبِيًّا لِبُعْدِ التُّهْمَةِ.
وَلَهُ كَغَيْرِهِ الْبُدَاءَةُ بِأَيِّ نَصِيبٍ أَوْ شَرِيكٍ شَاءَ ق ل، وَفِي ع ش، عَلَى م ر وَمَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا وَذَلِكَ لِبُعْدِهِ عَنْ التُّهْمَةِ إذْ الْقَصْدُ سَتْرُهَا عَنْ الْمُخْرِجِ حَتَّى لَا يَتَوَجَّهَ إلَيْهِ تُهْمَةٌ وَمِنْ ثَمَّ يُسْتَحَبُّ كَوْنُهُ: قَلِيلَ الْفِطْنَةِ لِتَبْعُد الْحِيلَةُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَقَلِّهَا) وَهُوَ فِي الْمِثَالِ السُّدُسُ فَتَكُونُ سِتَّةَ أَجْزَاءٍ وَأَفْرُعًا كَمَا مَرَّ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَا يَبْدَأَ إلَخْ) لِأَنَّهُ إذَا بَدَأَ بِهِ حِينَئِذٍ رُبَّمَا خَرَجَ لَهُ الْجُزْءُ الثَّانِي أَوْ الْخَامِسُ.
فَيَتَفَرَّقُ مِلْكُ مَنْ لَهُ النِّصْفُ أَوْ الثُّلُثُ فَيَبْدَأُ بِمَنْ لَهُ النِّصْفُ مَثَلًا فَإِنْ خَرَجَ عَلَى اسْمِهِ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي أُعْطِيَهُمَا وَالثَّالِثُ وَيُثَنَّى بِمَنْ لَهُ الثُّلُثُ فَإِنْ خَرَجَ عَلَى اسْمِهِ الْجُزْءُ الرَّابِعُ أُعْطِيه.
الْخَامِسُ: وَيَتَعَيَّنُ السَّادِسُ لِمَنْ لَهُ السُّدُسُ، فَالْأَوْلَى كِتَابَةُ الْأَسْمَاءِ فِي ثَلَاثِ رِقَاعٍ أَوْ سِتٍّ وَالْإِخْرَاجُ عَلَى الْأَجْزَاءِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى اجْتِنَابِ مَا ذُكِرَ شَرْحُ الْمَنْهَجِ أَيْ فَيُخْرِجُ رُقْعَةً مِنْهَا عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ فَإِنْ صَادَفَ اسْمَ صَاحِبِ السُّدُسِ أَخَذَهُ أَوْ الثُّلُثِ أَخَذَهُ وَاَلَّذِي يَلِيهِ أَوْ النِّصْفِ أَخَذَهُ وَاَللَّذَيْنِ بَعْدَهُ.
قَالَ سم: لَك أَنْ تَقُولَ: إذَا كُتِبَتْ الْأَسْمَاءُ ثُمَّ بُدِئَ بِالْإِخْرَاجِ عَلَى الْجُزْءِ الثَّانِي مَثَلًا فَرُبَّمَا: يَخْرُجُ اسْمُ صَاحِبِ السُّدُسِ فَيَلْزَمُ تَفْرِيقُ حِصَّةِ غَيْرِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى اجْتِنَابِ الْبُدَاءَةِ بِالْإِخْرَاجِ عَلَى الْجُزْءِ الثَّانِي مَثَلًا فَفِي قَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَخْ تَأَمَّلْ: فَتَأَمَّلْ وَقَوْلُهُ: أُعْطِيهِمَا وَالثَّالِثَ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَإِعْطَاؤُهُ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ تَحَكُّمٌ فَلِمَ لَا أُعْطِي السُّهْمَانَ مِمَّا بَعْدَهُ وَيَتَعَيَّنُ الْأَوَّلُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ وَالْبَاقِي لِصَاحِبِ الثُّلُثِ وَقَدْ يُقَالُ: لَا يَتَعَيَّنُ هَذَا بَلْ يَتْبَعُ نَظَرَ الْقَاسِمِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي نَظَائِرِهِ شَرْحُ الرَّوْضِ وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: أُعْطِيهِمَا وَالثَّالِثَ وَيُقْرَعُ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ وَإِنْ خَرَجَ عَلَى اسْمِهِ الثَّالِثُ أُعْطِيه وَاَللَّذَيْنِ قَبْلَهُ أَيْضًا وَأُقْرِعَ بَيْنَ الْآخَرَيْنِ وَكَذَا إنْ خَرَجَ بِاسْمِهِ الرَّابِعُ أُعْطِيَهُ وَاَللَّذَيْنِ قَبْلَهُ وَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ وَالْأَخِيرَانِ لِصَاحِبِ الثُّلُثِ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَى اسْمِهِ الْخَامِسُ أُعْطِيَهُ وَاَللَّذَيْنِ قَبْلَهُ أَيْضًا وَتَعَيَّنَ الْأَخِيرُ لِصَاحِبِ السُّدُسِ وَلِلْأَخِيرِ، الْأَوَّلَانِ كَذَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَاعْتَرَضَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَاعْتَبَرَ كَغَيْرِهِ نَظَرَ الْقَاسِمِ فِيمَا يُضَمُّ فِي الصُّورَتَيْنِ وَلَوْ بَدَأَ بِصَاحِبِ السُّدُسِ عَلَى خِلَافِ مَا مُنِعَ مِنْهُ فَخَرَجَ عَلَى اسْمِهِ الثَّانِي أَوْ الْخَامِسُ.
لَمْ يُعْطَهُ وَتُعَادُ الْقِسْمَةُ أَوْ غَيْرُهُمَا أُعْطِيه وَعَمِلَ فِي الْأَخِيرَيْنِ بِقِيَاسِ مَا مَرَّ.
وَقَوْلُهُ: أُعْطِيهِ أَيْ الرَّابِعَ وَأُعْطِيَ مَعَهُ الْخَامِسَ.
وَلَا يُعْطَى مَعَهُ الثَّالِثَ لِلُزُومِ التَّفْرِيقِ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَى اسْمِهِ الْخَامِسُ فَعَلَى قِيَاسِ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ مُرَاعَاةُ الْقَبْلِيَّةِ أُعْطِيَ مَعَهُ الرَّابِعَ، وَعَلَى كَلَامِ غَيْرِهِمَا يُرْجَعُ لِنَظَرِ الْقَاسِمِ فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ إعْطَاءُ السَّادِسِ مَعَهُ أُعْطِيه وَأُقْرِعَ بَيْنَ الْبَاقِينَ، وَهَكَذَا ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
وَفِي شَرْحِ م ر قَوْلُهُ: أُعْطِيه وَالْخَامِسَ وَأُخِذَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ مُسْتَوِيَةُ الْأَجْزَاءِ وَلِأَحَدِهِمَا أَرْضٌ تَلِيهَا فَطَلَبَ قِسْمَتَهَا وَأَنْ يَكُونَ نَصِيبُهُ إلَى جِهَةِ أَرْضِهِ أُجِيبَ حَيْثُ لَا ضَرَرَ كَمَا قَدْ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: أُجْبِرَ عَلَى قِسْمَةِ عَرْصَةٍ وَلَوْ طُولًا

فصول الكتاب · 38 فصل · 529 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول حاشية البجيرمي على الخطيب = تحفة الحبيب على شرح الخطيب · 529 صفحة
مُقَدِّمَة الْكتاب
فَصْلٌ: فِي السِّوَاكِ
فَصْلٌ: فِي الِاسْتِنْجَاءِ
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوُضُوءُ
فَصْلٌ: فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
فَصْلٌ: فِي التَّيَمُّمِ
دَمُ (النِّفَاسِ وَ) الثَّالِثُ دَمُ (الِاسْتِحَاضَةِ) وَلِكُلٍّ مِنْهَا حَدٌّ يُمَيِّزُهُ.
فَصْلٌ: فِي بَيَانِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ بِلَا سَبَبٍ
فَصْلٌ: فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ
فَصْلٌ: فِي كَيْفِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ
فَصْلٌ: فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ
فَصْلٌ: فِي الِاعْتِكَافِ
فَصْلٌ فِي السَّلَمِ
فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِفَصْلٌ: فِي الشَّرِكَةِفَصْلٌ: فِي الْإِقْرَارِفَصْلٌ: فِي الْغَصْبِفَصْلٌ: فِي الشُّفْعَةِفَصْلٌ: فِي الْقِرَاضِفَصْلٌ: فِي الْمُسَاقَاةِفَصْلٌ: فِي الْإِجَارَةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَقْفِ
فَصْلٌ: فِي اللَّقِيطِ
فَصْلٌ: فِي الْوَدِيعَةِ
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ
فَصْلٌ: فِي الظِّهَارِفَصْلٌ: فِي اللِّعَانِفَصْلٌ: فِي الِاسْتِبْرَاءِ
فَصْلٌ: فِي الرَّضَاعِ
فَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِفَصْلٌ: فِي قَسْمِ الْفَيْءِفَصْلٌ: فِي الْجِزْيَةِفَصْلٌ: فِي الْأَطْعِمَةِ
فَصْلٌ: فِي الْأُضْحِيَّةِ
فَصْلٌ: فِي الْوَلَاءِفَصْلٌ فِي التَّدْبِيرِخَاتِمَة الْكتاب
جارٍ التحميل